باب الفاعل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- جمال الدين ابن هشام
- الكتاب
- أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
- المؤلف
- عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
- المحقق
- يوسف الشيخ محمد البقاعي
- الناشر
- دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
- الطبعة
- -
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
هذا باب الفاعل:
[تعريف الفاعل] :
الفاعل1: اسم2 أو ما في تأويله، أسند إليه فعل أو ما في تأويله، مقدم، أصلي المحل والصيغة.
فالاسم نحو: "تبارك الله" والمؤول به3 نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ 4، والفعل كما مثَّلْنَا، ومنه: "أتى زيد" و: "نعم الفتى"، ولا فرق بين المتصرف والجامد، والمؤول بالفعل نحو: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ 5، ونحو: "وجهه" في قوله6: "أتى زيد منيرا وجهه" و: "مقدم" رافع لتوهم دخول نحو: "زيد قام".
و: "أصليُّ المحل" مخرج لنحو: "قائم زيد" فإن المسند، وهو قائم، أصله التأخير لأنه
خبر، وذكر الصيغة مخرج لنحو: "ضرب زيد"، بضم أول الفعل وكسر ثانيه، فإنها مفرعة عن صيغة ضرب، بفتحهما.
[أحكام الفاعل] :
وله أحكام:
أحدها: الرفع1، وقد يجر لفظا2 بإضافة المصدر، نحو: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ 3، أو اسمه نحو: "من قُبلةِ الرجل ِامرأتَه الوضوءُ"4، أو بمن أو بالباء الزائدتين نحو: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ 5، ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ 6.
الثاني: وقوعه بعد المسند، فإن وجد ما ظاهره أنه فاعل تقَدَّمَ وجب تقدير الفاعل ضميرا مستترا، وكون المقدم إما مبتدأ في نحو: "زيد قام"، وإما فاعلا محذوف الفعل في نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ 1 لأن أداة الشرط مختصة بالجملة الفعلية، وجاز الأمران في نحو: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ 2 و: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ 3، والأرجح الفاعلية4.
= هذا وقد يجب جر الفاعل بالباء الزائدة، كما في فاعل أفعل في التعجب.
نحو قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ وقد يجب بكثرة كفاعل "كفى" كما في الآية التي تلاها المؤلف، ومن أمثلة تجرد فاعل كفى قول سحيم: عميرة ودع إن تجهزت غازيا ... بما لاقت لبون بني زياد إذا ذهبت إلى أن "ما لاقت" فاعل "يأتي" كانت الباء زائدة، وإلا كانت متعلقة بتمني وقد خرج العلماء البيت على الوجهين.
وعن الكوفي جواز تقديم الفاعل، تمسكا بنحو قول الزباء1: [مشطور الرجز]
201- ما للجمال مشيها وئيدا2 = مستترا في الفعل يعود إلى ذلك المبتدأ؛ والجملة في محل رفع خبر المبتدأ؛ والجملة -هنا- واحدة اسمية على الأرجح، وإن كان المبرد يجوز أن يكون "زيد" فاعلا لفعل محذوف، فيكون لدينا جملتان فعليتان، وهذا رأي ضعيف؛ لأن المبرد نفسه يرجح كون "زيد" مبتدأ.
الثانية: ما يكون الاسم المتقدم فيه فاعلا ليس غير، كما في الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِين ... ﴾ فـ "أحد" فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده؛ فيكون لدينا جملتان فعليتان؛ الثانية مفسرة للأولى.
ونظير هذا المثال: اسم مرفوع وقع بعد أداة تختص بالفعل؛ كأدوات الشرط والتحضيض.
الثالثة: ما يجوز فيه الوجهان: وهو أن يقع الاسم المرفوع بعد أداة يجوز أن تدخل على الفعل، وعلى الاسم، كهمزة الاستفهام؛ ومثاله: ما ذكر في الآيتين: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ و ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَه﴾ . انظر شرح التصريح: 1/ 270.
......................................................................... = النحاس والرصاص، جثما: جمع جاثم، أي لاصقين بالأرض.
قعودا: جمع قاعد.
المعنى: ومعنى البيت بات واضحا، قالته الزباء لما رأت الجمال التي أتاها بها قصير، وقد حمل عليها الرجال في الغرائر، فأوهمها أن ذلك بضاعة.
الإعراب: ما: اسم استفهام مبتدأ.
"للجمال" متعلق بمحذوف الخبر.
مشيُها: "بالرفع" فاعل مقدم لـ "وئيدا" على مذهب الكوفيين، و"ها" مضاف إليه.
وئيدا: حال من الجمال.
موطن الشاهد: "مشيها وئيدا".
وجه الاستشهاد: تروى "مشيها" بالرفع والنصب والجر؛ فعلى روايتي النصب والجر، لا شاهد على الخلاف بين البصريين والكوفيين في مسألة تقدم الفاعل على عامله، وإعراب الروايتين كالآتي:
أ- رواية النصب: مشيها مشي: مفعول مطلق، لفعل محذوف؛ والتقدير: تشمي مشيها، و"ها" مضاف إليه.
وئيدا: حال منصوب من المصدر؛ وجملة الفعل المحذوف في محل نصب حال من الجمال.
ب- رواية الجر: "مشيها" بدل اشتمال من الجمال، و"ها" مضاف إليه.
وئيدا: حال من المشي.
وأما رواية الرفع ففيها الخلاف بين البصريين والكوفيين، حيث زعم الكوفيون -كما أعربنا- أن "مشيها" فاعل لـ "وئيدا" تقدم عليه؛ لأنهم يجيزون تقدم الفاعل على عامله؛ والتقدير عندهم: أي شيء ثابت للجمال حال كونها وئيدًا مشيها؛ وأما البصريون فلا يجيزون تقدم الفاعل على عامله لسببين:
أولهما: أن الفاعل مع فعله ككلمة واحدة ذات جزأين؛ صدرها هو الفعل، وعجزها هو الفاعل، وكما لا يجوز تقديم عجز الكلمة على صدرها، فلا يجوز تقديم ما هو بمنزلة العجز، على ما هو بمنزلة الصدر.
ثانيهما: أن تقديم الفاعل يوقع في اللبس بينه وبين المبتدأ.
ففي قولنا: "زيد قام" إذا كان تقديم الفاعل جائزا، لا يدري السامع، أنريد الابتداء بـ "زيد" والإخبار عنه بالفعل، المتضمن ضميرا واقعا فاعلا له، يعود إلى زيد، أم نريد إسناد قام وحده إليه؟ والفرق بين الحالين أن جملة الفعل وفاعله تدل على حدوث الشيء بعد أن لم يكن؛ بينما جملة المبتدأ وخبره الفعلي تدل على ثبوت الشيء وتأكيد إسناده إلى من قام به أو وقع منه؛ ولهذا خرج البصريون رواية الرفع.
أحدهما: "مشيها".
مبتدأ.
و"وئيدا": حال من فاعل فعل محذوف؛ والتقدير: مشيها يظهر وئيدا "وجملة الفعل المحذوف وفاعله": في محل رفع خبر المبتدأ.
ثانيهما: "مشيها": بدل من الضمير المستكن في "الجار والمجرور" الواقع خبرا؛ وهو "للجمال"؛ لأن متعلق هذا الجار والمجرور، كان يتحمل ضميرا مرفوعا بالفاعلية؛ ولما حذف المتعلق، انتقل الضمير إلى الجار والمجرور.
بقي أن نعلم أن بعض العلماء ذهبوا إلى أن هذا البيت شاذٌّ؛ لا يقاس عليه.
انظر شرح التصريح: 1/ 271، والدرر اللوامع: 1/ 141، وحاشية الصبان: 2/ 46.
وهو عندنا ضرورة، أو: "مشيها" مبتدأ حذف خبره، أي يظهر وئيدا، كقولهم: "حكمك مسمطا"1 أي: حكمك لك مثبتا، قيل: أو: "مشيها" بدل من ضمير الظرف.
الثالث: أنه لا بد منه2، فإن ظهر في اللفظ نحو: "قام زيد، والزيدان قاما" فذاك، وإلا فهو ضمير مستتر راجع إما لمذكور، كـ: "زيد قام" كما مر، أو لما دل عليه الفعل كالحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" 3 أي: ولا يشرب هو: أي: الشارب، أو لما دل عليه الكلام أو الحال المشاهدة، نحو: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ 4، أي: إذا بلغت الروح، ونحو قولهم: "إذا كان غدا فأتني"5 وقوله6: [الطويل]
202- فإن كان لا يرضيك حتى تردني1
أي: إذا كان هو، أي: ما نحن الآن عليه من سلامة، أو فإن كان هو، أي: ما تشاهده مني، وعن الكسائي إجازة حذفه تمسكا بنحو ما أولناه1.
الرابع: أنه يصح حذف فعله، إن أجيب به نفي، كقولك: "بلى زيد" لمن قال: ما قام أحد، أي: بلى قام زيد، ومنه قوله2: [الطويل]
203- تجلدت حتى قيل: لم يعر قلبه ... من الوجد شيء، قلت: بل أعظم الوجد3
أو استفهام محقق1، نحو: "نعم زيد" جوابا لمن قال: هل جاءك أحد؟ ومنه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ 2، أو مقدر كقراءة الشامي3 وأبي بكر4: "يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ"5، وقوله6: [الطويل] 204- لِيُبْكَ يزيد ضارعٌ لِخُصُومِهِ7
أي: يسبحه رجال، ويبكيه ضارع، وهو قياسي وفاقا للجرمي1 وابن = لقد كان ممن يبسط الكف بالندى ... إذا ضن بالخير الأكف الشحائح والبيت من شواهد: التصريح: 1/ 274، والكتابه لسيبويه: 1/ 245: وفيه نسب البيت إلى: الحارث بن نهيك، والأشموني: "361/ 1/ 171"، وهمع الهوامع: 1/ 160، والدرر اللوامع: 1/ 142، وفيه نسب البيت إلى ضرار بن نهشل يرثي أخاه يزيد، والشعر والشعراء: 47، وتصحيف العسكري: 208، والمقتضب: 3/ 282، والمحتسب: 1/ 230 والخصائص 2/ 353 والشريشي: 1/ 21، والخزانة: 1/ 147، ومعاهد التنصيص: 1/ 70، ومغني اللبيب: "1044/ 807" وقد نسبه الزمخشري إلى: مزرد بن ضرار، ونسبه السيرافي إلى الحارث بن ضرار النهشلي، ونسبه بعضهم إلى نهشل بن حري.
المفردات الغريبة: ضارع: ذليل خاشع.
مختبط: هو المحتاج الذي يطلب معروفك من غير أن تكون له وسيلة يمت بها إليك.
تطيح: الطوائح: جمع طائح أو طائحة.
المعنى: ليبك يزيد ويندبه شخصان: فقير ذليل مهضوم الحق، لا يجد له نصيرا؛ وطالب معروف يدفع به مصائب الدهر؛ وليس له وسيلة يتقرب بها.
الإعراب: ليبك: اللام، لام الأمر، يبك: فعل مضارع مجزوم؛ وهو مبني للمجهول.
يزيد: نائب فاعل.
ضارع: فاعل لفعل محذوف، دل عليه مدخول الاستفهام المقدر؛ أي: يبكيه ضارع.
"لخصومه".
متعلق بالفعل المحذوف.
ومختبط: معطوف على ضارع.
مما: من حرف جر.
"ما".
مصدرية.
تطيح: فعل مضارع.
الطوائح: فاعل؛ والمصدر المؤول من "ما وما بعدها": في محل جر بـ "من"؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ "مختبط".
موطن الشاهد: "ليبك يزيد ضارع".
وجه الاستشهاد: رفع "ضارع" على أنه فاعل لفعل محذوف واقع في جواب استفهام مقدر؛ فكأنه حين قال: ليبك يزيد؛ قيل: فمن يبكيه؟ فقال: يبكيه ضارع، ثم حذف الفعل؛ لدلالة سابق الكلام عليه؛ هذا؛ وقد روي البيت: ليبك يزيد ضارع، ببناء الفعل للمعلوم ونصب يزيد ورفع ضارع على أنه فاعل لـ "يبك"؛ وهذه الرواية أثبتها العسكري، ونفي غيرها، وعليها، فلا شاهد في البيت.
جني1، ولا يجوز في نحو: "يوعظ في المسجد رجل" لاحتماله للمفعولية، بخلاف: "يوعظ في المسجد رجال زيد"، أو استلزمه ما قبله كقوله2: [الطويل] 205- غداة أَحَلَّت لابن أصرم طعنة ... حضين عبيطات السدائف والخمر3
أي: "وحلت له الخمر"، لأن "أحلت" يستلزم "حلت"، أو فسره ما بعده، نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ 1، والحذف في هذه واجب2.
= الإعراب: "غداة": متعلق بما قبله.
أحلت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث.
طعنة: فاعل مرفوع.
"لابن": متعلق بـ "أحل".
أصرم: مضاف إليه ممنوع من الصرف.
حصين: بدل من "ابن أصرم"؛ أو عطف بيان عليه.
عبيطات: مفعول به لـ "أحل" منصوب، وعلامة نصبه الكسرة، وهو مضاف.
السدائف: مضاف إليه.
والخمر: "بالرفع" فاعل لفعل محذوف، يدل عليه "أحل" المتقدم، والتقدير: وحلت له الخمر؛ وجملة "حلت له الخمر": معطوفه على جملة "أحلت طعنة".
موطن الشاهد: "الخمر".
وجه الاستشهاد: مجيء "الخمر" فاعلا لفعل محذوف، يدل عليه الفعل السابق، ويستلزمه، وهو "أحلت"، كما ذكر المصنف؛ وروي هذا البيت بنصب "طعنة" على أنه مفعول به، وإن كان فعلا في المعنى، ورفع "عبيطات" على الفاعلية، والخمر بالعطف عليها؛ على حذ "خرق الثوب المسمار" ولكن زاد -هنا- تقديم المنصوب.
وقد حكى محمد بن سلام أن الكسائي سُئِلَ في حضرة يونس بن حبيب شيخ سيبويه عن توجيه رفع "الخمر" في هذا البيت، فقال الكسائي: يرتفع بإضمار فعل؛ أي: وحلت له الخمر، فقال يونس: ما أحسن -والله- توجيهك، غير أني سمعت الفرزدق يسنده بنصب "طعنة" ورفع "عبيطات" على جعل الفاعل مفعولا.
انظر شرح التصريح: 1/ 274، والإنصاف في مسائل الخلاف: 187.
الخامس: أن فعله يوحد مع تثنيته وجمعه، كما يوجد مع إفراده، فكما تقول: "قام أخوك" كذلك تقول: "قام أخواك" و: "قام إخوتك" و: "قام نسوتك"، قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلان﴾ 1 ﴿وَقَالَ الظَّالِمُون﴾ 2، ﴿وَقَالَ نِسْوَة﴾ 3، وحكى البصريون على طيئ وبعضهم عن أزد شنوءة4، نحو: "ضربوني قومك" و: "ضربتني نسوتك" و: "ضرباني أخواك"5 قال6: [السريع] 206- ألفيتا عيناك عند القفا7
وقال1: [المتقارب]
207- يلومونني في اشتراء النخيـ ... ـل أهلي فكُلُّهُمُ ألْوَمُ2 = الشجري: "1/ 132، والخزانة: 3/ 633، والعيني: 2/ 458، ومغني اللبيب: "691/ 485". المفردات الغريبة: ألفيتا: وجدتا.
أولى فأولى لك: كلمة تقال عند التهديد والوعيد؛ وهي.
كما قال الأصمعي والمبرد -اسم فعل معناه: قاربك ما يهلكك.
ذا: اسم بمعنى صاحب.
واقية: مصدر بمعنى الوقاية، كالعافية.
المعنى: يصف الشاعر رجلا بالجبن والفرار من القتال، فيخاطبه قائلا: وجدت عيناك عند قفاك؛ من كثرة نظرك، والتفاتك الشديد إلى الخلف -وأنت فارٌّ- لتنظر الأعداء خشية أن يتبعوك، ثم يدعو عليه بنزول الكوارث، فيقول: حلت بك المصائب، وقاربك ما يهلكك.
الإعراب: ألفيتا: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والألف: علامة التثنية.
عيناك: نائب فاعل، ومضاف إليه.
"عند": متعلق بـ "ألفيتا".
القفا: مضاف إليه.
أولى: مبتدأ: فأولى: معطوف عليه.
"لك" خبر المبتدأ؛ ويجوك أن يكون "أولى": خبرا لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: دعائي أولى.
ذا: حال من الكاف في "عيناك".
واقية: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "ألفتيا عيناك".
وجه الاستشهاد: إلحاق ألف الاثنين بالفعل "ألفى" مع كونه مسندا إلى اسم ظاهر مثنى؛ وهو "عيناك"؛ وهذا الإلحاق على لغة جماعة من العرب بأعيانهم؛ واختلف العلماء في بيان أصحاب هذه اللغة، فبعضهم يذكر أنها لغة طيئ، وبعضهم يذكر أنها لغة أزد شنوءة، ومثل الشاهد السابق قول أحدهم: نسيا حاتم وأوس لدن فا ... ضت عطاياك يابن عبد العزيز فقد ألحق الشاعر ألف الاثنين بالفعل "نسي" المبني للمجهول.
مع أن نائب الفاعل مذكور بعده، وفي هذا الشاهد والذي استشهد به المؤلف دلالة على أن شأن نائب الفاعل في هذه المسألة كشأن الفاعل.
وانظر حاشية الصبان: 2/ 46-47.
وقال1: [الطويل]
208- نتج الربيع محاسنا ... ألقحنها غر السحائب2 = "143/ 2/ 82" وهمع الهوامع: 1/ 160، والدرر اللوامع: 1/ 142، وشرح المفصل: 3/ 87، و7/ 7 والعيني: 2/ 460، وأمالي ابن الشجري: 1/ 133، والعيني: 2/ 460، ومغني اللبيب: "679/ 478"، وديوان أمية: 48، وفيه برواية: فكلهم ألوم.
المفردات الغريبة: يلومونني: اللوم: العذل والتعنيف.
يعذل: "العذل" اللوم.
يلحونه: لحا يلحو مثل: دعا يدعو؛ فيقال: لحاه يلحوه؛ ولحاه يلحاه مثل: نهاه ينهاه؛ إذا لامه وعذله؛ فالمعاني السابقة متشابهة.
المعنى: يعتب علي أهلي، ويعنفونني لشراء النخيل، ولا حق لهم؛ فكلهم أكثر استحقاقا للوم.
الإعراب: يلومونني: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ والواو: حرف دال على جماعة الذكور، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به.
"في اشتراء": متعلق بـ "يلوم".
النخيل: مضاف إليه.
أهلي: فاعل "يلوم".
فكلهم: الفاء عاطفة.
كلهم: مبتدأ، ومضاف إليه.
يعذل: فعل مضارع، والفاعل: هو؛ وجملة "يعذل": في محل رفع خبر المبتدا.
موطن الشاهد: "يلومونني".
وجه الاستشهاد: اتصال واو الجماعة بالفعل، مع أن الفعل أسند إلى الاسم الظاهر المذكور؛ وهو "أهلي"؛ وهذا لغة طيئ، أو أزد شنوءة، كما أسلفنا؛ ومثل هذا الشاهد قول زيد بن معاوية: يدورون بي في ظل كل كنيسة ... فينسونني قومي وأهوى الكنائسا فوصل واو الجماعة بالفعل "ينسى" مع أن الفاعل اسم ظاهر مذكور بعده؛ وهو "قومي".
وقول آخر: نصروك قومي فاعتززت بنصرهم ... ولو أنهم خذلوك كنت ذليلا فقد ألحق واو الجماعة بفعل "نصر" مع أن الفاعل مذكور بعده؛ وهو "قومي".
حاشية الصبان: 2/ 47.
والصحيح أن الألف والواو والنون في ذلك أحرف دلوا بها على التثنية والجمع، كما دل الجميع1 بالتاء في نحو: "قامت" على التأنيث2؛ لا أنها ضمائر الفاعلين وما بعدها مبتدأ على التقديم والتأخير أو تابع على الإبدال من الضمير، وأن هذه اللغة3 لا تمتنع من المفردَيْن أو المفردات المتعاطفة، خلافا لزاعمي ذلك، = والبيت للتمثيل وليس للاستشهاد، وقد مثل به: التصريح: 1/ 276، والعيني: 2/ 460، وهمع الهوامع: 1/ 160، والدرر اللوامع: 1/ 142، وحاشية يس: 1/ 276، والشذور: "82/ 233". المفردات الغريبة: نتج: بالبناء للمعلوم، أو للمجهول، ويقال: نتجت الناقة، بالبناء للمجهول؛ إذا ولدت.
الربيع: المراد هنا المطر الذي ينزل وقت الربيع.
محاسنا: جمع لا واحد من لفظه مثل ملامح، وقيل جمع حسن على غير قياس.
ألقحنها؛ الإلقاح: أصله الإيلاد، من أقلح الفحل الناقة إلقاحا: أحبلها، ثم استعير للشجر.
غر: جمع غراء: أبي بيضاء.
السحائب: جمع سحابة.
المعنى: أنبت المطر الذي ينزل في فصل الربيع نباتا حسنا، وكسا الأرض حلة ناضرة بوساطة تلك السحب الغراء، وما أنتجته من نبات حسن.
الإعراب: نتج: فعل ماضٍ.
الربيع: فاعل؛ أو نائب فاعل، إذا عد "نتج" مبنيا للمجهول.
محاسنا: مفعول به أول؛ أو ثان؛ لما أسلفنا.
ألقحنها: فعل ماضٍ، والنون: علامة جمع النسوة، و"ها" مفعول به.
غر: فاعل مرفوع.
السحائب: مضاف إليه.
موطن الشاهد: "ألقحنها".
وجه الاستشهاد: وصل نون النسوة بالفعل "ألقح" مع أنه مسند إلى اسم ظاهر بعده، وهو "غر السحائب"؛ وإلى مثل هذا يشير الناظم بقوله: "وقد يقال: سعدا وسعدوا ... والفعل للظاهر -بعد- مسندُ" أي: جاء في بعض اللغات: "سعدا وسعدوا" بزيادة علامة التثنية والجمع على أنهما مجرد علامة، ليس أكثر، والفعل مسند إلى الفاعل الظهر بعده.
لقول الأئمة: إن ذلك لغة لقوم معينين، وتقديم الخبر والإبدال لا يختصان بلغة قوم بأعيانهم، ولمجيء قوله1: [الطويل] 209- وقد أسلماه مبعد وحميم2
وقوله1: [الوافر] 210- وإن كانا له نسب وخير2
السادس: أنه إن كان مؤنثا أنث فعله بتاء ساكنة في آخر الماضي1، وبتاء المضارعة في أول المضارع.
[إذا كان الفاعل مؤنثا أنث فعله] :
ويجب ذلك في مسألتين:
إحداهما: أن يكون ضمير متصلا2، كـ: "هند قامت" أو: تقوم"، و: "الشمس طلعت" أو: "تطلع" بخلاف المنفصل نحو: "ما قام، أو يقوم، إلا هي" ويجوز تركها في الشعر إن كان التأنيث مجازيا، كقوله3: [المتقارب]
211- ولا أرضَ أبقلَ إبقالَها4
وقوله1: [المتقارب]
212- فإن الحوادث أودى بها2 = المفردات الغريبة: مزنة: هي السحابة البيضاء المثقلة بالماء، ودقت: أمطرت.
الودق: المطر.
أبقل: أنبت البقل، والبقل: ما نبت في بذرة لا في أرومة ثابتة.
المعنى: ليس هنالك سحابة أمطرت مطرا غزيرا نافعا كهذه السحابة، وليست هنالك أرض أنبتت بقلا عظيما كهذه الأرض.
الإعراب: لا: نافية تعمل عمل ليس.
مزنة: اسمها مرفوع.
ودقت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث.
والفاعل: هي.
ودقها: مفعول مطلق لـ "ودقت"؛ والجملة: خبر "لا"؛ ويجوز عد "لا" مهملة، ومزنة: مبتدأ، والجملة: خبره.
ولا: الواو عاطفة، لا: نافية عاملة عمل "إن".
أرض: اسمها: وجملة "أبقل إبقالها": في محل رفع خبر "إن".
موطن الشاهد: "ولا أرض أبقل".
وجه الاستشهاد: حذف تاء التأنيث من الفعل "أبقل" المسند إلى فاعله المضمر العائد إلى اسم مجازي وروي البيت على وجه آخر: ولا أرض أبقلت أبقالها؛ بكسر التاء للتخلص من الساكنين، ووصل همزة القطع من إبقالها، وهو تخلص من ضرورة، للوقوع في أخرى، كما بين المؤلف.
ومن العلماء من خرج البيت تخريجا آخر، وهو أن الشاعر أتى بالضمير العائد إلى الأرض مذكرا؛ لأنه أراد بالضمير المكان؛ فهو من الحمل على المعنى؛ ولهذا نظائرُ كثيرةٌ في الشعر، نحو قول عروة بن حزام: وعفراء أرجى الناس عندي مؤدة ... وعفراء عني المعرض المتداني ففي قوله: "عفراء المعرض المتداني"؛ ذكر الخبر، مع أن المبتدأ مؤنث؛ لأنه أراد شخص عفراء.
وذهب ابن كيسان إلى جواز التذكير والتأنيث في الفعل المسند إلى ضمير مؤنث مجازي التأنيث؛ فكما يجوز في الفعل المسند الاسم الظاهر المجازي التأنيث تذكير الفعل وتأنيثه، فإنه يجوز مع المضمر، لأنه لا فرق بين المضمر والمظهر.
انظر حاشية الصبان: 2/ 53-54. والدرر اللوامع: 2/ 224-225.
والثانية: أن يكون متصلا حقيقي التأنيث نحو: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ 1 وشذ قول بعضهم2: "قال فلانة" وهو رديء لا ينقاس.
= المفصل: 5/ 95، 9/ 6، 9/ 41، والخزانة: 4/ 578، والعيني: 2/ 466، 4/ 327، وديوان الأعشى برواية: ألوى بها.
المفردات الغريبة: لمة: هي شعر الرأس الذي يجاوز شحمة الأذن؛ فإذا زاد عن ذلك، وبلغ المنكبين فهو جمة.
الحوادث: النوازل والكوارث، جمع حادثة.
أودى بها: ذهب بها، وأهلكها، وأبادها.
المعنى: يخاطب محبوبته قائلا: إذا كانت ترين فيما مضى من شبابي لمة تنزل إلى أذني؛ فلا تعجبي اليوم من منظري؛ لأن حوادث الدهر وكوارثه؛ ذهبت بها وأزالتها؛ ولعله يريد: أنه أصبح أصلع الرأس؛ وذلك من دلالات التقدم في السن، والضعف بعد القوة.
الإعراب: إما: إن الشرطية مدغمة في "ما" الزائدة.
تريني: فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والنون: للوقاية، والياء: فاعل، والياء الثانية: مفعول به، ورأى -هنا- بصرية تتعدى إلى واحد.
ولي: الواو حالية، "لي": متعلق بخبر مقدم.
لمة: مبتدأ مؤخر.
فإن: الفاء واقعة في جواب الشرط، إن: حرف مشبه بالفعل.
الحوادث: اسمه.
أودى: فعل ماضٍ وفاعله: ضمير مستتر يعود إلى الحوادث، وجملة "أودى بها": في محل رفع خبر "إن"؛ وجملة "إن الحوادث أودى بها": في محل جزم جواب الشرط.
موطن الشاهد: "الحوادث أودى بها".
وجه الاستشهاد: تجريد فعل أودى" من علامة التأنيث؛ وحكم هذا التجريد الضرورة الشعرية؛ لأنه مسند إلى ضمير مستتر عائد إلى مؤنث مجازي، وهو "الحوادث"؛ والذي سوغ ذلك كون "الحوادث مجازي التأنيث.
ولا يقال في هذا البيت: إنه لا ضرورة فيه؛ لأنه لو قال: أودت بها؛ لاستقام الوزن؛ لأن القافية مؤسسة، والألف في أودى ملتزمة في أبيات القصيدة، وتسمى عند العروضيين: "حرف الردف" وتركها في بعض الأبيات عيب غير مقبول.
انظر شرح العيني في ذيل حاشية الصبان: 2/ 53.
وإنما جاز في الفصيح نحو: "نعم المرأة" و: "بئس المرأة" لأن المراد الجنس، وسيأتي أن الجنس يجوز فيه ذلك.
[جواز التأنيث والتذكير] :
ويجوز الوجهان في مسألتين: إحداهما: المنفصل1، كقوله2: [الوافر]
213- لقد ولد الأخيطلَ أمُّ سُوءٍ3
وقولهم: "حضر القاضي اليوم امرأة" والتأنيث أكثر، إلا إن كان الفاصل "إلا" فالتأنيث خاص بالشعر1، نص عليه الأخفش، وأنشد على التأنيث2: [الرجز] 214- ما برئت من ريبة وذم ... في حربنا إلا بنات العم3 وجوزه ابن مالك في النثر، وقرئ: "إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ"4، "فَأَصْبَحُوا لا
تُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ"1.
الثانية: المجازي التأنيث، نحو: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ 2، ومنه3 اسم الجنس، واسم الجمع، والجمع4؛ لأنهن في معنى الجماعة، والجماعة مؤنث مجازي، فلذلك جاز التأنيث، نحو: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ 5، و: ﴿قَالَتِ
الْأَعْرَابُ} 1، و: "أورقت الشجر"، والتذكير نحو: "أورق الشجر" ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُك﴾ 2، ﴿وَقَالَ نِسْوَة﴾ 3، و: "قام الرجال"، و: "جاء الهنود" إلا أن سلامة نظم الواحد في جمعي التصحيح أوجبت التذكير في نحو: "قام الزيدون" والتأنيث في نحو: "قامت الهندات"، خلافا للكوفيين فيهما، وللفارسي في المؤنث، واحتجوا بنحو: ﴿إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ 4، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ 5، وقوله6: [الكامل]
215- فبكى بناتي شجوَهُنَّ وزوجتي1
وأجيب بأن البنين والبنات لم يسلم فيهما لفظ الواحد1، وبأن التذكير في ﴿جَاءَكَ﴾ للفصل، أو لأن الأصل النساء المؤمنات، أو لأن "أل" مقدرة باللاتي، وهي اسم جمع.
السابع: أن الأصل فيه أن يتصل بفعله ثم يجيء المفعول، وقد يعكس، وقد يتقدمهما المفعول، وكل من ذلك جائز وواجب.
[الأصل تقدم الفاعل على المفعول] :
فأما جواز الأصل فنحو: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ 2.
[وجوب تقدم الفاعل على المفعول] :
وأما وجوبه ففي مسألتين:
إحداهما: أن يخشى اللبس3، كـ: "ضرب موسى عيسى" قاله أبو
بكر1 والمتأخرون كالجزولي2 وابن عصفور وابن مالك3، وخالفهم4 ابن الحاج5 محتجا بأن العرب تجيز تصغير عمر وعمرو، وبأن الإجمال من مقاصده العقلاء، وبأنه يجوز: "ضرب أحدهما الآخر" وبأن تأخير البيان لوقت الحاجة جائز عقلا باتفاق وشرعا على الأصح، وبأن الزجاج نقل أنه لا خلاف في أنه يجوز في نحو: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ 6، كون "تلك" اسمها، و: "دعواهم" الخبر، والعكس7.
الثانية: أن يحصر المفعول بإنما، نحو: "إنما ضرب زيد عمرا"1 وكذا الحصر بإلا عند الجزولي وجماعة وأجاز البصريون والكسائي والفراء وابن الأنباري2 تقديمه على الفاعل3، كقوله4: [الطويل] 216- ولما أبى إلا جماحا فؤاده5
وقوله1: [الطويل]
217- فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها2 = والبيت للتمثيل؛ لأن دعبلا ممن لا يحتج بقولهم على قواعد النحو والتصريف؛ والبيت من شواهد: التصريح: 1/ 282، والأشموني: "374/ 177"، وهمع الهوامع: 1/ 161، والدرر اللوامع: 1/ 143، والعيني: 2/ 480، والمصون لأبي أحمد العسكري: 249، وديوان دعبل: 183. المفردات الغريبة: أبى: امتنع.
جماحا: مصدر جمح الفرس -إذا أسرف إسراعا لا يرده شيء.
والجموح من الرجال: الذي يركب هواه ولا يمكن ردعه.
لم يسلُ: مضارع سلا: بمعنى صبر وتعزى.
المعنى: إن هذا المبحب حين تعلق بليلى، وهام بها، ولم يصرفه عن التمادي في هواه زينة الدنيا من المال، والأهل -أراد أن يتسلى بغيرها، فلم يغنه ذلك، بل زادته الأخرى إغراء بليلى وتعلقا بها.
الإعراب: أبى: فعل ماضٍٍ.
إلا: أداة حصر.
جماحا: مفعول به لـ "أبى".
فؤاده: فاعل مرفوع، ومضاف إليه.
ولم يسلُ: الواو عاطفة، لم: جازمة نافية.
يسل: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل هو: "عن ليلى": متعلق بـ "يسل".
"بمال": متعلق بـ "يسل" أيضا.
ولا أهل: معطوف على مال.
موطن الشاهد: "أبى إلا جماحا فؤاده".
وجه الاستشهاد: تقديم المفعول المحصور بـ "إلا" وهو "جماحا" على الفاعل "فؤاده"؛ وهذا التقديم جائز؛ وقد استدل بهذا الشاهد جمهور البصريين، والفراء، وابن الأنباري، والكسائي، فقالوا: يجوز أن يتقدم المفعول المحصور بـ "إلا" على الفاعل؛ لأن المفعول -وإن تقدم- فهو في منزلة التأخير؛ وأكثر هؤلاء، لا يجيزون تقديم الفاعل المحصور بـ "إلا"؛ لانتفاء العلة التي أجازوا من أجلها تقديم المفعول المحصور بها؛ وهؤلاء فرقوا بين الحصر بـ "إلا" والحصر بـ "إنما"؛ فأجازوا تقديم المفعول المحصور بـ "إلا" لانتفاء اللبس، ولم يجيزوا تقديم المحصور بـ "إنما"؛ لأنه لم يَقُمْ دليل على أن المحصور هو تاليها؛ هذا، وقد أوجب الجزولي وعدد من المتأخرين تأخير المفعول المحصور بـ "إلا" والصواب ما ذكرناه.
انظر شرح التصريح: 1/ 282. وابن عقيل: 1/ 382.
وقوله1: [الطويل]
218- وتغرس إلا في منابتها النخل2 = وهو من شواهد التصريح: 1/ 282، والأشموني: "373/ 1/ 177"، وابن عقيل: "148/ 2/ 103"، والهمع: "1/ 161، 230، والدرر: 1/ 143، 195، والعيني: 2/ 481، ونحوه لذي الرمة في ديوانه: 637. المفردات الغريبة: تزودت: اتخذت زادا، والزاد: طعام يُتَّخَذُ للسفر.
المعنى: اتخذت من تكليم ليلى ساعة زادا أتبلغ به وأطفئ جذوة حبي لها؛ فلم يفدني ذلك، ولم يشف غلتي، بل زاد كلامها ما بي من وجد ولوعة.
الإعراب: تزودت: فعل ماضٍ، وفاعل.
"من ليلى": متعلق بـ "تزود".
"بتكليم": متعلق بـ "تزود".
ساعة: مضاف إليه.
فما: الفاء عاطفة، ما: نافية.
زاد: فعل ماضٍٍ.
إلا: أداة حصر.
ضعف: مفعول به مقدم.
ما: اسم موصول، مضاف إليه، "بي": متعلق بمحذوف الصلة؛ والتقدير: ما ثبت بي، ونحو ذلك.
كلامها: فاعل مؤخر و"ها": مضاف إليه.
موطن الشاهد: "فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها".
وجه الاستشهاد: تقدم المفعول به "ضعف" المحصور بـ "إلا" على الفاعل "كلامها"؛ وهذا جائز عند الكسائي؛ والأصل: فما زاد كلامها إلا ضعف ما بي.
[توسط المفعول جوازا] :
وأما توسط المفعول جوازا فنحو: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ 1، وقولك: "خاف ربه عمر" وقال2: [البسيط]
219- كما أتى رَبَّهُ موسى على قدر3 = الإعراب: هل: حرف استفهام يفيد الإنكار، جاء بمعنى النفي.
ينبت: فعل مضارع مرفوع.
الخطي: مفعول به مقدم منصوب.
إلا: أداة حصر.
وشيجه: فاعل مرفوع، والهاء: مضاف إليه.
وتغرس: الواو عاطفة، تغرس: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع.
إلا: أداة حصر.
"في منابتها": متعلق بـ "تغرس".
النخل: نائب فاعل مرفوع.
موطن الشاهد: "تغرس إلا في منابتها النخل".
وجه الاستشهاد: تقدم الجار والمجرور "في منابتها" على نائب الفاعل "النخل"؛ على الرغم من أن "الجار والمجرور" أتى محصورا بـ "إلا"؛ ولما كان الجار والمجرور بمنزلة المفعول، وكان نائب الفاعل بمنزلة الفاعل، جاز الاستدلال بهذا الشاهد على جواز تقديم المفعول المحصور بـ "إلا" على الفاعل، كما أسلفنا من قبل.
[وجوب توسط المفعول بين الفعل والفاعل] :
وأما وجوبه ففي مسألتين:
إحداهما: أن يتصل بالفاعل ضمير المفعول نحو: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ 1 = وقدره؛ فأبان للخلق طريق الحق؛ ولعله يشير إلى الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوْسَى﴾ . الإعراب: جاء: فعل ماضٍ، والفاعل: هو؛ يعود إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
الخلافة: مفعول به.
أو: حرف عطف بمعنى الواو؛ ويروى مكانها "إذ".
كانت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: للتأنيث، واسمه: هي، يعود إلى الخلافة.
"له": متعلق بـ "قدرا".
قدرا: خبر كانت منصوب.
كما: الكاف حرف جر، "ما": مصدرية.
أتى: فعل ماضٍ.
ربه: مفعول به مقدم لـ "أتى" ومضاف إليه؛ والمصدر المؤول من "ما وما دخلت عليه": في محل جر بالكاف؛ و"الجار والمجرور": متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف؛ واقع مفعولا مطلقا لـ "جاء"؛ والتقدير: جاء الخلافة إتيانا مثل إتيان موسى.
موسى: فاعل مؤخر لـ "أتى".
"على قدر": متعلق بـ "أتى".
موطن الشاهد: "أتى ربَّهُ مُوسى".
وجه الاستشهاد: تقدم المفعول به "ربه" على الفاعل "موسى" وقد أعاد الضمير المتصل بالمفعول المتقدم على الفاعل المتأخر لفظا؛ وهذا شائع في كلام العرب؛ لأن الضمير عاد على متأخر لفظا، ولكنه متقدم رتبة، ويسمى هذا بالمتقدم حُكْمًا وإلى هذا أشار الناظم: وشاع نحو "خاف ربَّه عُمَرْ ... وشذ نحو "زان نورُه الشَّجَرْ أي: شاع في الأساليب العربية عود الضمير من المفعول المتقدم على فاعله المتأخر، نحو: خاف ربَّه عمر؛ وشذ عود الضمير من الفاعل المتقدم على مفعوله المتأخر، نحو: زان نوره الشجر؛ لأنه يكون عائدا على متأخر لفظا ورتبة، وهذا ممتنع، لا يقاس عليه.
خلافا للأخفش وابن جني وغيرهما، كما في المتن.
انظر شرح التصريح: 1/ 283.
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ 1، ولا يجوز أكثر النحويين نحو: "زان نوره الشجر" لا في نثر ولا في شعر، وأجازه فيهما الأخفش وابن جني2 والطوال3 وابن مالك، احتجاجا بنحو قوله4: [الطويل] 220- جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتِمِ5 والصحيح جوازه في الشعر فقط.
......................................................................... = الذهب "66/ 186"، وديوان النابغة "مفردا": 79، وملحقات ديوان أبي الأسود: 124.
المفردات الغريبة: العاويات: الصائحات، من عوى الكلب إذا صاح.
وقد فعل: أي أنه سبحانه وتعالى استجاب دعاءه، وجزاء الكلاب العاويات -ويروى العاديات- هو: الضرب والرمي بالحجارة، وقيل إنه دعاء عليه بالأبنة؛ لأن الكلاب تتعاوى عند طلب السفاد؛ هذا وإن عده العلماء من الكنايات الجميلة من الهجاء؛ إلا أن عدي بن حاتم صحابي جليل لا يقال فيه مثل ذلك الهجاء، وإن صح فلعله كان في زمن الجاهلية قبل أن يسلم.
المعنى:
الإعراب: جزى: فعل ماضٍ.
ربه: فاعل مرفوع، ومضاف إليه.
"عني": متعلق بـ "جزى".
عدي: مفعول به لـ "جزى".
ابن: صفة لـ "عدي"، وهو مضاف.
حاتم: مضاف إليه.
جزاء: مفعول مطلق من "جزى"، وهو مضاف.
الكلاب: مضاف إليه.
العاويات: صفة لـ "الكلاب".
وقد الواو حالية.
قد حرف تحقيق.
فعل: فعل ماضٍ، وسكن للروي؛ والفاعل: هو؛ وجملة "فعل": في محل نصب على الحال.
موطن الشاهد: "جزى ربُّه عديَّ".
وجه الاستشهاد: اشتمال الفاعل المتقدم "ربه" على ضمير يعود إلى المفعول المتأخر لفظا ورتبة؛ وحكم تقدم الفاعل في هذه الحالة الشذوذ عند الجمهور، ولهذا أشار الناظم:
وشذ نحو "وزان نوره الشجر"
كما أسفلنا.
غير أن بعض النحاة يجيزون ذلك في الشعر من دون النثر، وهذا ما أخذ به ابن هشام الأنصاري؛ وبعضهم أجاز ذلك في الشعر والنثر، وقد ذكر المؤلف في المتن عددا منهم؛ والصواب ما ذهب إليه ابن هشام، وهو جواز تقدم الفاعل على المفعول في هذه الحالة في الشعر فقط؛ لكثرة الشواهد الواردة عمن يُحتَجُّ بكلامهم، ومنها؛ قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
ولو أن مجدًا أخلد الدهر واحدا ... من الناس أبقى مجدُهُ الدهر مطعما
وقوله الآخر:
وما نفعت أعماله المرء راجيا ... عليها ثوابا من سوى من له الأمر
وقول سليط بن سعد:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فِعْلٍ؛ كما يُجزَى سِنِمَّارُ
وقول آخر:
كساحلمه ذا الحلم أثواب سؤدد ... ورقى نداه ذا الندى في ذرى المجد
والأمثلة على هذا كثيرة؛ ومعلوم أن ما جاء منه في الشعر، يكون ضرورة، فلها يقاس عليه.
انظر شرح التصريح: 1/ 283.
وحاشية الصبان: 2/ 59.
وابن عقيل: 1/ 286-390.
والثانية: أن يحصر الفاعل بإنما، نحو: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ 1 وكذا الحصر بإلا عند غير الكسائي2، واحتج بقوله3: [البسيط] 221- ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرم ... ولا جفا قط إلا جبا بطلا4
وقوله1: [البسيط] 222- وهل يعذِّبُ إِلَّا اللهُ بالنارِ2
وقوله1: [الطويل] 223- فلمْ يَدْرِ إلا الله ما هَيَّجَتْ لَنَا2
[جواز تقدم المفعولين على الفعل والفاعل معا] : وأما تقدم المفعول جوازا فنحو: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ 1. [تقدم المفعول على الفعل والفاعل وجوبا] : وأما وجوبا ففي مسألتين: إحداهما: أن يكون مما له الصدر2، نحو: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ 3، ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ 4. الثانية: أن يقع عامله بعد الفاء5، وليس له منصوب غيره مقدم عليها، نحو:
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ 1، ونحو: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ 2 بخلاف: "أما اليوم فاضرب زيدا"3.
تنبيه: إذا كان الفاعل والمفعول ضميرين ولا حصر في أحدهما وجب تقديم الفاعل كضربته، وإذا كان المضمر أحدهما: فإن كان مفعولا وجب وصله وتأخير الفاعل كضربني زيد، وإن كان فاعلا وجب وصله وتأخير المفعول أو تقديمه على الفعل كضربت زيدا، وزيدا ضربت، وكلام الناظم يوهم امتناع التقديم؛ لأنه سوى بين هذه المسألة ومسألة: "ضرب موسى عيسى" والصواب ما ذكرنا4.