ـ[ويحرم بروث وعظم وطعام ولو لبهيمة فإن فعل لم يجزئه بعد ذلك إلا الماء كما لو تعدى الخارج موضع العادة .. ]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو المنذر المنياوي
- الكتاب
- التحرير شرح الدليل (شرح دليل الطالب) - كتاب الطهارة
- المؤلف
- أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي
- الناشر
- المكتبة الشاملة، مصر
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الطبعة الورقية)]
مسألة - يحرم الاستنجاء بروث وعظم وطعام ولو لبهيمة.
• روى مسلم في "صحيحه" عن سلمان - رضي الله عنه - «نهانا أن نستقبل القبلة لغائط، أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم» والرجيع هو الروث والعذرة سمي رجيعا لأنه يرجع عن حاله الأولي بعد أن كان طعاما أو علفا.
• وروى مسلم عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن» قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال: " لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم» ولما كان الروث هو طعام دواب الجن كان طعامنا وطعام دوابنا أولى بالمنع.
فائدة - بيان علل النهي:
1 - الحديث السابق بين أن النهي عن الاستنجاء بهما لكون العظم من طعام الجن والروث من طعام دوابهم فلا نفسده عليهم.
2 - روى الدارقطني في "سننه" عن أبي هريرة - رضي اله عنه -، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى برجيع أو عظم , وقال: «إنهما لا تطهران» قال الدارقطني: "إسناد صحيح".
قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (1/ 134): (قوله: "غيرَ عظمٍ وروثٍ" هذا شرط عدمي وهو الشَّرط الرَّابع، لأنَّ كلمة "غير" تدلُّ على النَّفي.
والدَّليل على ذلك أن النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نهى أن يُستنجَى بالعظم أو الروث، كما في حديث ابن مسعود، وأبي هريرة، وسلمان ورويفع وغيرهم رضي الله عنهم.
والتَّعليل: أنه إن كان العَظْمُ عظمَ مُذَكَّاة، فقد بَيَّنَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّ هذا العظم يكون طعاماً للجِنِّ؛ لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال لهم: "لكم كلُّ عظم ذُكِرَ اسمُ الله عليه، يقع في أيديكم أوفَرَ ما يكونُ لحماً" ولا يجوز تنجيسه على الجِنِّ، وإن كان عظم ميتة فهو نجس فلا يكون مطهِّراً.
والرَّوث: نستدلُّ له بما استدللنا به للعظم.
وأما العِلَّة فإن كان طاهراً فهو عَلَفُ بهائم الجِنِّ؛ وإن كان نجساً لم يصلح أن يكون مطهِّراً.
قوله: "وطعامٍ" يعني: طعام بني آدم، وطعام بهائمهم، فلا يصحُّ الاستنجاء بهما.
والدَّليل: أن الرَّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نهى أن يُستنجيَ بالعظم، والرَّوث، لأنَّهما طعام الجِنِّ، ودوابهم.
والإنس أفضل، فيكون النهي عن الاستجمار بطعامهم وطعام بهائمهم من باب أَوْلى.
كما أن فيه محذوراً آخر، وهو الكفر بالنِّعمة؛ لأن الله تعالى خلقها للأكل؛ ولم يخلقها لأجل أن تُمتهن هذا الامتهان.
فكُلُّ طعام لبني آدم، أو بهائمهم، فإنَّه حرام أن يُستَجْمَرَ به.
وظاهر كلام المؤلِّف: ولو كان فَضْلَةَ طعام ككِسْرَةِ الخُبز ... ).
مسألة - من استنجى بروث وعظم وطعام ولو لبهيمة لم يجزئه بعد ذلك إلا الماء.
والصحيح أنه إن استجمر بما ذكر يأثم ولكن لا يتعين الماء بعده، ويجزئه الاستجمار بطاهر مباح منق ويطهر المحل، وإليك حالات هذه المسألة: فالمستنجى به قد يكون نجساً، وقد يكون لا ينقي، وقد يجتمعا، وقد يكون طاهراً وينقي.
• الحالة الأولى أن يكون المستنجى به نجساً كروث الحمار الأهلي:
قال في المغني (1/ 11044): (إن استنجى بنجس احتمل أن لا يجزئه الاستجمار بعده ; لأن المحل تنجس بنجاسة من غير المخرج , فلم يجزئ فيها غير الماء , كما لو تنجس ابتداء , ويحتمل أن يجزئه ; لأن هذه النجاسة تابعة لنجاسة المحل , فزالت بزوالها).
والوجه الأول الذي ذكره ابن قدامة راجع إلى القول بتخصيص الماء لإزالة النجاسة، والراجح أنه لا يتعين الماء لإزالة النجاسة وأن النجاسة لو زالت بأي
مزيل أو بنفسها فقد حصل مقصود الشرع وطَهُرَ المحل والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في النعل الذي به أذى (ثم ليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور)، ومنها: قوله في الذيل: (يطهره ما بعده) ومنها قوله في الهر: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) مع أن الهر في العادة يأكل الفأر ولم يكن هناك قناة ترد عليها تطهر بها أفواهها بالماء بل طهورها ريقها (1).
وعليه فالراجح في هذه الحالة هو الوجه الثاني من أنه يجزئه الاستجمار بعده؛ لأن هذه النجاسة تابعة لنجاسة المحل ولم تتعد المحل المعتاد , فزالت بزوالها بالاستجمار.
• الحالة الثانية أن يكون المستنجى به لا ينقي كعظم المذكاة أو الروث:
وقد سبق ترجيح أن عظم الميتة طاهر وكذا روث مأكول اللحم طاهر، ولذلك فإنهما لا ينجسان المحل، ولكن لما ورد في الحديث أنهما لا يطهران، قلناً بجواز الاستجمار بعدهما، كالحالة الأولى بل الحكم هنا أولى لعدم وجود النجاسة.
• الحالة الثالثة أن يكون المستنجى به نجساً ولا ينقي كعظم الميتة:
والعلة هنا أصبحت مركبة من الأمرين معاً وليس في اجتماعهما ما يوجب تعين الماء بعده كما هو واضح.
• الحالة الرابعة أن يكون المستنجى به طاهراً وينقي كما له جرم متماسك من طعام البهائم ونحوه:
والحال هنا أنه يأثم ويطهر المحل، ولا وجه لإيجاب الاستنجاء أو الاستجمار عليه بعد ذلك.
وبعد فقد ظهر ضعف قول الماتن من عدم إجزاء غير الماء فيما ذُكِرَ.
مسألة - لو تعدى الخارج موضع العادة لم يجزئه بعد ذلك إلا الماء.
قال إبراهيم ابن مفلح في "المبدع": ((إلا أن يعدو الخارج موضع العادة) جزم به في " المستوعب "، و" التلخيص "، و" الوجيز "، مثل أن ينتشر إلى الصفحتين، أو يمتد إلى الحشفة كثيرا ... (فلا يجزئ إلا الماء) لأن الأصل وجوب إزالة1
النجاسة بالماء، وإنما رخص في الاستجمار لتكرر النجاسة على المحل المعتاد، فإذا جاوزته خرجت عن حد الرخصة، فوجب غسلها كسائر البدن ... ). وإنما لا يجزيء الاستجمار في هذه الحالة لكونه رخصة في محله فلا يتعداه، والنجاسة هنا تزال بأي مائع يزيلها ويقطع أثرها ولا يشترط الماء.
مسألة -