ـ[الثامن: أن يكون بتراب طهور مباح غير محترق له غبار يعلق باليد فإن لم يجد ذلك صلى الفرض فقط على حسب حاله ولا يزيد في صلاته على ما يجزئ ولا إعادة .. ]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو المنذر المنياوي
- الكتاب
- التحرير شرح الدليل (شرح دليل الطالب) - كتاب الطهارة
- المؤلف
- أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي
- الناشر
- المكتبة الشاملة، مصر
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الطبعة الورقية)]
مسألة - من شروط التيمم: النية، والإسلام، والعقل، والتمييز، والاستنجاء أو الاستجمار.
وهذه الشروط سبق الكلام عنها مرارا، فلا داعي لإعادة الكلام عنها مرة أخرى.
فائدة
فرق الحنفية بين الوضوء والتيمم في اشتراط النية، فقالوا لا يشترط النية في الوضوء، وتشترط في التيمم، وذكروا لهذا التفريق وجوها منها:
الأول - أن التيمم في اللغة القصد، وذلك يدل على اشتراط النية فيه، بخلاف الوضوء والغسل، فإن النية قدر زائد على مرور الماء على الأعضاء المغسولة.
الثاني - الماء مطهر بنفسه فلم يفتقر إلى قصد فإذا وجدت النظافة به على أي وجه كان فقد حصل المقصود، بخلاف التراب فإنه ملوث.
ويجاب عن هذا بجوابين:
الأول - أن يقال وكذلك التراب ملوث بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد، فإذا وجد التلوث به على أي وجه كان فقد حصل المقصود.
الثاني - لا نسلم أن التراب غير مطهر، بل هو مطهر للحدث والخبث جميعا، والدليل على أنه مطهر للحدث قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، وقوله صلى لله عليه وسلم فيما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث أبي ذر رضي الله عنه مرفوعا: (إن الصعيد الطيب طهور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء، فأمسه جلدك).
فهذه الأدلة وغيرها دليل على أن التراب مطهر للحدث، وأما طهارة الخبث بالتراب فذلك مثل الإستجمار، وطهارة النعل بالتراب وطهارة ذيل المرأة، فالقول
بأن التراب غير مطهر بنفسه مخالف للنصوص.
وكون التيمم في اللغة القصد إن دل على اشتراط النية للتيمم فهو لا ينفي النية عن الوضوء، وقد سبق بيان الراجح في هذه المسألة.
فالصواب اشتراط النية للوضوء والتيمم جميعا.
مسألة - من شرط التيمم دخول وقت الصلاة فلا يصح التيمم لصلاة قبل وقتها ولا لنافلة وقت نهي.
هذه المسألة مبينة على الخلاف في كون التيمم مبيح أم رافع، والمذهب أنه مبيح.
وعلى القول بأنه رافع: فيجوز ذلك كما في كل وقت.
وعندنا في المسألة ثلاثة مذاهب من قال أن التيمم مبيح أي أن المتيمم يمكنه الصلاة والطواف وفعل العبادات التي يلزم لها الطهارة مع كونه لا يزال ملتبسا بالحدث إلى أن يجد الماء فيرفعه به، وعكسه أن التيمم رافع للحدث كالماء، والراجح أن التيمم رافع للحدث رفعا مؤقتا لحين وجود الماء، وهو قول في المذهب واختيار تقي الدين، وهو قول الحنفية، وأحد قولي المالكية، وهو الراجح.
وقد حاول البعض جعل الخلاف لفظيا بين القولين الأول والثالث بناء على أنهما اتفقا على بطلان التيمم عند القدرة على استعمال الماء، والصحيح أن الخلاف معنوي ويترتب عليه مسائل كثيرة ومنها 1:
- جواز وطء الحائض إذا طهرت، وصلت بالتيمم للعذر الذي يبيحه، فعلى أنه يرفع الحدث يجوز وطؤها قبل الاغتسال، والعكس بالعكس.
ومنها-إذا تيمم ولبس الخفين، فعلى أن التيمم يرفع الحدث يجوز المسح عليهما في الوضوء بعد ذلك، والعكس بالعكس.
ومنها - ما ذهب إليه أبو سلمة بن عبد الرحمن من أن الجنب إذا تيمم ثم وجد الماء لا يلزمه الغسل، فالظاهر أنه بناه على رفع الحدث بالتيمم، لكن هذا القول ترده الأحاديث المتقدمة، وإجماع المسلمين قبله، وبعده على خلافه.
ومنها - هل يقوم التيمم مقام الماء فيتيمم قبل الوقت كما يتوضأ قبل الوقت،
ويصلي به ما شاء من فروض ونوافل، كما يصلي بالماء؟
ومنها - هل خروج الوقت مبطل للتيمم أو يكون بمنزلة الماء؟
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (1/ 367): (التيمم يرفع الحدث رفعا مؤقتا لا كليا، وهذا لا مانع منه عقلا ولا شرعا، وقد دلت عليه الأدلة؛ لأن صحة الصلاة به المجمع عليها يلزمها أن المصلي غير محدث، ولا جنب لزوما شرعيا لا شك فيه.
ووجوب الاغتسال، أو الوضوء بعد ذلك عند إمكانه المجمع عليه أيضا يلزمه
لزوما شرعيا لا شك فيه، وأن الحدث مطلقا لم يرتفع بالكلية، فيتعين الارتفاع المؤقت.
هذا هو الظاهر).
• نعود إلى مسألتنا:
استدل ابن ضويان وغيره لكون التيمم للصلاة لا يصح قبل وقتها بحديث أبي أمامة مرفوعاً: "جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجداً وطهوراً فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة فعنده مسجده، وعنده طهوره" رواه أحمد.
وجه الإستدلال:
قوله في الحديث: (أدركته الصلاة) أي أدركه وقت الصلاة، فهذا دليل على ان التيمم لا يكون إلا بعد دخول الوقت.
مناقشة:
ونوقش بأننا لابد من التفريق بين سبب الوجوب وشرط الوجوب، فالعبادات لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها، ولكن يجوز تقديمها على شرط الوجوب ومسألتنا من الثانية لا الأولى فجاز تقديمها.
قال الشيخ الزحيلي في "القواعد الفقهية" (2/ 838): (السبب: هو ما ارتبط به غيره وجوداً وعدماً، فيلزم من وجوده وجود الحكم، ومن عدمه عدم الحكم، فالسبب هو الموجب للحكم، ولذلك لا تصح العبادات كلها، سواء كانت بدنية، أو مالية، أو مرغبة منهما، قبل وجود السبب، ولا يجوز تقديمها على سبب وجوبها، فدخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، فلا تصح قبل وقتها، وملك النصاب هو سبب وجوب الزكاة، فلا يصح تقديم الزكاة قبل أن يتم النصاب.
والشرط: هو ما ارتبط به غيره عدماً لا وجوداً، فإذا عدم الشرط عدم الحكم، لكن إن وجد الشرط قد يوجد الحكم وقد لا يوجد، فالوضوء شرط للصلاة، فإذا عدم الوضوء عدمت الصلاة، ولكن إن وجد الوضوء فقد توجد الصلاة وقد لا توجد، ولذلك يجوز تقديم الشرط وهو الوضوء عن الصلاة، فيقدم الوضوء علي إرادة الصلاة، مع أن الوضوء لا يجب إلا بعد إرادة الصلاة لقوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) ... ).
قال ابن رجب في "القواعد الفقهية" (ص/6): ("العبادات كلها لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها" العبادات كلها سواء كانت بدنية أو مالية أو مركبة منهما لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها ويجوز تقديمها بعد سبب الوجوب وقبل الوجوب أو قبل شرط الوجوب ويتفرع على ذلك مسائل كثيرة: (منها) الطهارة سبب وجوبها الحدث وشرط الوجوب فعل العبادة المشترط لها الطهارة فيجوز تقديمها على العبادة ولو بالزمن الطويل بعد الحدث ... (ومنها) زكاة المال يجوز تقديمها من أول الحول بعد كمال النصاب ... ).
الترجيح:
ومما سبق يتضح أن الراجح أن التيمم يجوز تقدمه قبل دخول وقت الصلاة.
ومما يدل على ذلك:
حديث أبي ذر رضي الله عنه مرفوعا: (إن الصعيد الطيب طهور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء، فأمسه جلدك) ولم يفرق بين كونه قبل الوقت أو بعده، وإنما علق جوازه بعدم الماء، لا بالوقت، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، فأمر بالتيمم بعد الحدث إذا عدم الماء، ولم يفرق بين حاله قبل الوقت أو بعده.
مسألة - من شروط التيمم: تعذر استعمال الماء إما لعدمه أو لخوفه باستعماله الضرر.
قال ابن ضويان (1/ 45): ("تعذر استعمال الماء إما لعدمه" لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ الآية، وقوله صلي الله عليه وسلم: "إن الصعيد
الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير" صححه الترمذي.
"أو لخوفه باستعماله الضرر" لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ الآية.
ولحديث صاحب الشجة.
وعن عمرو بن العاص أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد).
وأما الآية فقال البعض أنها مقيدة بالسفر قال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) الآية وهو قول في المذهب اختاره الخلال، قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 264): (العجز عن استعمال الماء لعدمه) أن العدم سواء كان حضرا أو سفرا، وسواء كان العادم مطلقا أو محبوسا، وهو صحيح، وهو المذهب.
وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم.
وقيل: لا يباح التيمم للعدم، إلا في السفر.
اختاره الخلال).
قال الدبيان في "موسوعة الطهارة" (12/ 103): (وأجيب بأن الله سبحانه وتعالى ذكر السفر لكونه مظنة عدم الماء، فإن فقد الماء في الحضر نادر قليل، ومثله السفر في آية الرهن، قال تعالى: (﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]، وليس السفر بشرط للرهن، فإن جاز الرهن في الحضر، جار التيمم في الحضر أيضا).
ومن الأدلة على جواز التيمم في الحضر أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم في الحضر لرد السلام كما سبق، فإن جاز التيمم لرد السلام مع أن الطهارة ليست شرطا ولا واجبة لرد السلام، فكونه يتيمم لفعل الصلاة المفروضة والقيام بالطهارة التي هي شرط لصحة الصلاة أولى.
وحديث صاحب الشجة رواه أبو داود وغيره لفظه عنده عن جابر رضي الله عنه أنه قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر - أو» يعصب «شك موسى - على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده»، والحديث حسنه بالشواهد الشيخ الألباني دون
قوله: (إنما كان يكفيه ... ) فهي منكرة، ووجه الإستدلال بهذا الحديث بدون هذه الزيادة أن إنكار النبي صلى الله عليه وسلم عليهم يفهم منه جواز تيممه، وقد جاء موقوفا على ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال "إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله، أو القروح، أو الجدري، فيجنب، فيخاف إن اغتسل أن يموت، فليتيمم"، وصححه موقوفا ابن أبي حاتم والألباني، وقال: له حكم الرفع.
فائدة:
في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه في غزوة ذات السلاسل فائدة، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟» فسماه النبي صلى الله عليه وسلم جنبا بعد تيممه، وهو من أدلة من قال أن التيمم مبيح ولا رافع للحدث.
ويجاب عن ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمه جنبا، وإنما سأله استفهاما واستعلاما فأخبره عمرو بعذره، وأنه تيمم لحاجة خوفا من أن يقتله البرد فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يقل شيئًا (1).
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (1/ 367): (ويمكن الجواب عن هذا من وجهين:
الأول: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال له: " وأنت جنب "، قبل أن يعلم عذره بخوفه الموت إن اغتسل.
والمتيمم من غير عذر مبيح جنب قطعا، وبعد أن علم عذره المبيح للتيمم الذي هو خوف الموت أقره وضحك، ولم يأمره بالإعادة، فدل على أنه صلى بأصحابه وهو غير جنب، وهذا ظاهر الوجه الثاني: أنه أطلق عليه اسم الجنابة نظرا إلى أنها لم ترتفع بالكلية، ولو كان في وقت صلاته غير جنب، كإطلاق اسم الخمر على العصير في وقت هو فيه ليس بخمر في قوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: 36]، نظرا إلى مآله في ثاني حال، والعلم عند الله تعالى).
مسألة - يجب بذله لعطشان من آدمي أو بهيمة محترمين.
وعلله ابن ضويان بقوله (1/ 46): (لأن الله تعالى غفر لبغي بسقي كلب،1
فالآدمي أولى.
وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المسافر إذا كان معه ماء فخشي العطش أنه يبقي ماءه للشرب ويتيمم).
والمحترم من الآدمي هو: هو المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن، بخلاف الحربي وهو من بيننا وبينه حرب.
والمحترم من البهائم هي التي يحرم قتلها إلا لغرض كالشاة، والحمارة، والسنور، وكلب الصيد، ونحوه، بخلاف ما لا يحرم قتله كالكلب الأسود البهيم والعقور، والخنزير ونحوهما.
فلا يجب بذل الماء لها.
وهذا الذي قرره الماتن من عدم بذل الماء لغير المحترم متجاذب بين الأدلة فمما يدل بعمومه على بذل الماء للحي من الحيوان سواء أكان محترم أم غير محترم قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الشيخان من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا: «في كل ذات كبد رطبة أجر».
ومما يدل على قتل غير المحترم قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها عند الشيخين مرفوعا: " خمس فواسق، يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، وَالحُدَيَّا ".
ووجه ما قرره الماتن أن الحربي، أو الحيوان غير المحترم المقصود إتلاف نفسه لا إبقاؤه، وبذل الماء له يحفظ نفسه فحينئذ يكون مخالفا لمقصود الشارع.
وذهل البعض إلى أنه لا منفافة بين بذل الماء له وبين الأمر بقتله، فيحمل الأمر بالإحسان إليه ما لم يقتل فإذا قتل أحسن قتله فليس مقصود الشارع تعذيبه وتجويعه وتعطيشه وإساءة قتلته بالعبث به 1.
الترجيح:
والراجح هو ما ذهب إليه الماتن من عدم الإحسان إلى المحارب أو غيره من غير المحترمين فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة، عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي السرح» لا يحسن معه الإحسان إليهم وكذا إن كان كلبا
يعقر الناس فلا يحسن إليه.
وأمثال هؤلاء يقتلوا فور رؤيتهم إن قُدِرَ عليهم، ولا يعذبوا بالتعطيش ولا غيره ولا يحسن إليهم.
مسألة - من وجد ماء لا يكفي لطهارته استعمله فيما يكفي وجوبا ثم تيمم.
قال البهوتي في "كشاف القناع" (1/ 166): ((وإن وجد ما يكفي بعض بدنه لزمه استعماله جنبا كان أو محدثا، ثم يتيمم للباقي) لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» رواه البخاري ولأنه قدر على بعض الشرط، فلزمه كالسترة ولا يصح أن يتيمم قبل استعماله؛ لقوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6] فاعتبر استعماله أولا؛ ليتحقق الشرط الذي هو عدم الماء وليتميز المغسول عن غيره ليعلم ما يتيمم له).
مسألة - وإن وصل المسافر إلى الماء وقد ضاق الوقت أو علم أن النوبة لا تصل إليه إلا بعد خروجه عدل إلى التيمم.
وجه هذا القول مراعاة الوقت لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103].
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يراعي الشرط لا الوقت لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهذا واجد للماء فكيف يتيمم؟!
ومن قال بمراعاة الوقت قال إنه كالعادم لتعذر وصوله للماء داخل الوقت.
وممن قال بمراعاة الشرط من يفرق بين المعذور بالتأخير وغيره فتقي الدين يرى أن المعذور بالتأخير كالنائم يراعي الشرط ويعتبر الوقت له من وقت نومه، وأما المتكاسل فيراعي الوقت ويصلي بالتيمم.
والمذهب هنا فرَّق بين المسافر وغيره.
وهذه المسألة من المسائل الي يصعب فيها الترجيح والأقوال فيها متجاذبة.
والأقوى أنه طالما أنه مشغول بمراعاة الشرط فهو معذور في التأخير، وأنه واجد للماء فلا يشرع له التيمم، والتفريق الذي نحا إليه شيخ الإسلام تقي الدين بين المعذور في التأخير وغيره غير مؤثر في تحصيل الشرط لأن النتيجة واحدة لكليهما
هذا من ناحية الحكم الوضعي، وإنما هذا التفريق له علاقة بالإثم أي الحكم التكليفي، وكلامنا هنا في الشروط والأسباب متعلق بالحكم الوضعي لا التكليفي.
وأما تفريق المذهب بين المسافر وغيره فلكون عدم الماء في الحضر نادر، وهذا أيضا يعود للحكم بإثمه في تقصيره عن الطلب قبل ضيق الوقت، ولا وجه لهذا التفريق في مسألتنا إذ أنها مفترضة في حالة وجود الماء فعاد وجه التفريق للحكم التكليفي لا الوضعي.
قال موفق الدين في "المغني" (1/ 196): (وإذا كان الماء موجودا إلا أنه إذا اشتغل بتحصيله واستعماله فات الوقت، لم يبح له التيمم، سواء كان حاضرا أو مسافرا، في قول أكثر أهل العلم منهم: الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.
وعن الأوزاعي، والثوري: له التيمم.
رواه عنهما الوليد بن مسلم.
قال الوليد: فذكرت ذلك لمالك، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز، فقالوا: يغتسل، وإن طلعت الشمس؛ وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6] وحديث أبي ذر (1)، وهذا واجد للماء؛ ولأنه قادر على الماء، فلم يجز له التيمم، كما لو لم يخف فوت الوقت؛ ولأن الطهارة شرط، فلم يبح تركها خيفة فوت وقتها، كسائر شرائطها).
مسألة - غير المسافر لا يعدل إلى التيمم فيما ذكر ولو فاته الوقت.
وهذا هو الراجح في حق المسافر وغيره طالما أنه واجد للماء كما سبق تقرير ذلك.
مسألة - من في الوقت أراق الماء أو مر به وأمكنه الوضوء ويعلم أنه لا يجد غيره حرم ثم إن تيمم وصلى لم يعد.
وهذا هو الراجح بناء على أنه غير واجد للماء وقت تيممه، وصلاته صحيحه لأنها استوفت الشروط والأركان، وأما تعمده لإراقة الماء، أو ترك الوضوء فإنه يأثم إن قصد تفريت الوضوء على نفسه.1
وقد فرَّق موفق الدين بين إراقة الماء وترك الوضوء قبل الوقت وبعده فقال في "المغني" (1/ 177): (إذا كان معه ماء، فأراقه قبل الوقت، أو مر بماء قبل الوقت فتجاوزه، وعدم الماء في الوقت، صلى بالتيمم من غير إعادة، وبه يقول الشافعي، وقال الأوزاعي، إن ظن أنه يدرك الماء في الوقت، كقولنا، وإلا صلى بالتيمم، وعليه الإعادة؛ لأنه مفرط.
ولنا، أنه لم يجب عليه استعماله فأشبه ما لو ظن أنه يدرك الماء في الوقت.
وإن أراق الماء في الوقت، أو مر به في الوقت فلم يستعمله، ثم عدم الماء، يتيمم ويصلي.
وفي الإعادة وجهان: أحدهما لا يعيد؛ لأنه صلى بتيمم صحيح، تحققت شرائطه، فهو كما لو أراقه قبل الوقت.
والثاني يعيد؛ لأنه وجبت عليه الصلاة بوضوء، وهو قد فوت القدرة على نفسه، فبقي في عهدة الواجب).
والقول الأول من أنه لا يعيد هو الأقوى والتفريق بين قبل الوقت وبعده بناء على أنه لا يتيمم قبل الوقت؛ لأن التيمم مبيح لا رافع، وقد سبق بيان أن الراجح خلاف ذلك، فلا يتجه هذا التفريق.
مسألة - إن وجد محدث ببدنه وثوبه نجاسة ومعه ماء لا يكفي وجب غسل ثوبه ثم إن فضل شيء غسل بدنه ثم إن فضل شيء تطهر به، وإلا تيمم.
قال موفق الدين في "المغني" (1/ 201): (إن اجتمع عليه نجاسة وحدث، ومعه ما لا يكفي إلا أحدهما، غسل النجاسة وتيمم للحدث.
نص على هذا أحمد.
وقال الخلال: اتفق أبو عبد الله، وسفيان على هذا.
ولا نعلم فيه خلافا؛ وذلك لأن التيمم للحدث ثابت بالنص والإجماع، ومختلف فيه للنجاسة.
وإن كانت النجاسة على ثوبه، قدم غسلها، وتيمم للحدث.
وروي عن أحمد: أنه يتوضأ، ويدع الثوب؛ لأنه واجد للماء، والوضوء أشد من غسل الثوب.
وحكاه أبو حنيفة، عن حماد في الدم.
والأول أولى؛ لما ذكرناه؛ لأنه إذا قدم غسل نجاسة البدن مع أن للتيمم فيها مدخلا، فتقديم طهارة الثوب أولى، وإن اجتمع نجاسة على الثوب، ونجاسة على البدن، وليس معه إلا ما يكفي أحدهما، غسل الثوب، وتيمم لنجاسة البدن؛ لأن للتيمم فيها مدخلا).
والترجيح في هذه المسألة مبني على عدة مسائل وهي حكم التيمم للنجاسة على البدن، وحكم طهارة الثوب والبدن للصلاة، أما المسألة الأولى فستأتي وكان أولى
بالماتن تأخير هذه المسألة بعدها، والراجح أنه لا يتيمم عن النجاسة التي على البدن.
وأما طهارة الثوب (1) والبدن فالمذهب أنه شرط لصحة الصلاة وعلى ذلك فالترتيب كما ذُكِر، وأما على القول بأن طهارة الثوب والبدن من واجبات لا شروط الصلاة فإنه يقدم تحصيل الشرط وهو الطهارة من الحدث، ويترك تحصيل الواجبات للعذر، وهذا هو الأقوى.
مسألة - يصح التيمم لكل حدث.
سواء أكان حدثا أصغر، أو أكبر، قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (21/ 351): (روي عن عمر وابن مسعود إنكار تيمم الجنب وروي عنهما الرجوع عن ذلك وهو قول أكثر الصحابة: كعلي وعمار وابن عباس وأبي ذر وغيرهم.
وقد دل عليه آيات من كتاب الله وخمسة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ... ).
مسألة - يصح التيمم للنجاسة على البدن بعد تخفيفها ما أمكن فإن تيمم لها قبل تخفيفها لم يصح.
فائدتان
: الأولى - لا يتيمم للنجاسة على ثوبه:
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 280): (مفهوم قوله (ويجوز التيمم لجميع الأحداث، والنجاسة على جرح) أنه لا يجوز التيمم للنجاسة على ثوبه، وهو صحيح، وهو المذهب.
وعليه الأصحاب).
الثانية - معنى تخفيف النجاسة:
قال الرحيباني في "مطالب أولي النهى" (1/ 205): (بعد تخفيفها ما أمكن) بحك
يابسة، ومسح رطبة لزوما - أي: وجوبا - فلا يصح التيمم لها قبل ذلك؛ لأنه قادر على إزالتها في الجملة، لحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»).
• نعود لمسألتنا والراجح أنه لا يتيمم عن النجاسة مطلقا سواء أكانت على البدن أو الثوب خففها، أم لا وهو قول أكثر الفقهاء ورواية في المذهب وأختارها1
تقي الدين، وذلك لأنه ليس ثمَّ دليل على ذلك كما أن مقصود الغسل إزالة النجاسة وذلك بإستعمال الماء أو ما يزيلها في محل التنجيس دون غيره، وذلك لا يحصل بالتيمم.
مسألة - من شروط التيمم أن يكون بتراب.
والراجح أنه لا يشترط كونه ترابا ويجوز التيمم بكل ما على ظهر الأرض من تراب ورمل وحجر ومدر وجص وغير ذلك، بشروط ألا يكون نجسا، فالطيب ضد الخبيث، ولا نعرف خبيثا يمكن أن يوصف به الصعيد إلا أن يكون نجسا 1، وسوف يأتي الكلام على باقي الشروط بإذن الله.
قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6] والصعيد لفظ مشترك يطلق على عدة أشياء ومنها: التُّرابُ، أو وجْهُ الأرضِ، والطريقُ، ومنه: "إيَّاكُمْ والقُعودَ بالصُّعُداتِ" 2 ... ومن المقرر أنه يجوز حمل المشترك على جميع معانيه إن لم يكن بينها تناف.
• وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا، إذا لم نجد الماء " فظاهره تخصيص التربة بكونها فقط هي التي تييمم بها دون غيرها من الصعيد.
والجواب عن ذلك من وجوه.
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (1/ 354): (تخصيص التراب بالطهورية في مقام الامتنان يفهم منه أن غيره من الصعيد ليس كذلك، فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن كون الأمر مذكورا في معرض الامتنان، مما يمنع فيه اعتبار مفهوم المخالفة، كما تقرر في الأصول، قال في «مراقي السعود» في موانع اعتبار مفهوم المخالفة:
أو امتنان أو وفاق الواقع ... والجهل والتأكيد عند السامع
ولذا أجمع العلماء على جواز أكل القديد من الحوت مع أن الله خص اللحم الطري منه في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: 14]؛ لأنه ذكر اللحم الطري في معرض الامتنان، فلا مفهوم مخالفة له، فيجوز أكل القديد مما في البحر.
الثاني: أن مفهوم التربة مفهوم لقب، وهو لا يعتبر عند جماهير العلماء، وهو الحق كما هو معلوم في الأصول.
الثالث: أن التربة فرد من أفراد الصعيد؛ وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يكون مخصصا له عند الجمهور، سواء ذكرا في نص واحد كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238]، أو ذكرا في نصين كحديث: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، عند أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي، وغيرهم، مع حديث: «هلا انتفعتم بجلدها»، يعني شاة ميتة عند الشيخين، كلاهما من حديث ابن عباس، فذكر الصلاة الوسطى في الأول، وجلد الشاة في الأخير لا يقتضي أن غيرهما من الصلوات في الأول، ومن الجلود في الثاني ليس كذلك، قال في «مراقي السعود» عاطفا على ما لا يخصص به العموم:
وذكر ما وافقه من مفرد ... ومذهب الراوي على المعتمد).
مسألة - من شروط التيمم أن يكون بتراب طهور مباح.
قال الرحيباني في "مطالب أولى النهى" (1/ 208): (لا يصح تيممه بتراب (طاهر، وهو: ما تيمم به) جماعة فلا يصح؛ لأنه صار مستعملا، (لا) إن تيمموا (منه) - أي: التراب - كما لو توضئوا من حوض كبير.
(أو) أي: ولا يصح التيمم بتراب (نجس) يقينا (فلو تيمم بتراب على ظهر كلب لم يصح) تيممه (إن علم التصاقه) - أي: التراب - (برطوبة) وإلا يعلم التصاقه برطوبة صح؛ لأنه تراب طهور.
(أو) أي: ولا يصح التيمم (ب) تراب (مغصوب ونحوه) كمسروق، لاشتراط الإباحة، (وفي " الفروع ": ظاهره: ولو تراب مسجد، والمراد) من تراب المسجد: التراب (الداخل في وقفه)، كتراب سطحه وأرضه وحيطانه، (لا ما يجتمع من نحو ريح) فيصح التيمم به؛ لأنه أجنبي من المسجد، ثم قال: (ولعل هذا الظاهر غير مراد، فإنه لا يكره) التيمم (بتراب زمزم مع أنه مسجد)، قاله في الرعاية.
(وفي " المبدع " لو تيمم بتراب غيره جاز في ظاهر كلامهم، للإذن فيه عادة وعرفا)).
الترجيح:
كما سبق في الكلام على هذه المسائل في الماء فالراجح هنا أنه لا يشترط فيما يتيمم به كونها طهورا، وإستعماله في رفع الحدث لا يخرجه عن كونه طهورا، ولا يشترط كونه مباحا بل بصح التيمم بغير المباح ويأثم.
مسألة - من شروط التيمم أن يكون بتراب غير محترق.
المقصود أنه لا يصح التيمم بكل ما أحترق بالنار لتصنيعه ونحو ذلك كالخزف، والنورة، والآجر، والأسمنت، وكل ما عمل من طين وشوي بالنار حتى صار فخارا، وعللوا المنع بأن الطبخ أخرجه عن أن يقع عليه اسم التراب.
• والراجح أن ذلك ليس بشرط وسبق بيان أن الراجح أن التيمم لا يختص بالتراب.
مسألة - من شروط التيمم أن يكون بتراب له غبار يعلق باليد.
ومما استدلوا به على ذلك تفسيرهم من في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6] بالتبعيضية، والراجح أنها لابتداء الغاية.
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (1/ 353): (قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ الآية، اعلم أن لفظة من في هذه الآية الكريمة محتملة، لأن تكون للتبعيض، فيتعين في التيمم التراب الذي له غبار يعلق باليد ; ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية، أي مبدأ ذلك المسح كائن من الصعيد الطيب، فلا يتعين ماله غبار، وبالأول قال الشافعي، وأحمد، وبالثاني قال مالك، وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى جميعا.
فإذا علمت ذلك، فاعلم أن في هذه الآية الكريمة إشارة إلى هذا القول الأخير، وذلك في قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾، فقوله: {مِنْ حَرَجٍ } نكرة في سياق النفي زيدت قبلها من، والنكرة إذا كانت كذلك، فهي نص في العموم، كما تقرر في الأصول، قال في «مراقي السعود» عاطفا على صيغ العموم:
وفي سياق النفي منها يذكر ... إذا بني أو زيد من منكر
فالآية تدل على عموم النفي في كل أنواع الحرج، والمناسب لذلك كون من لابتداء الغاية، لأن كثيرا من البلاد ليس فيه إلا الرمال أو الجبال، فالتكليف بخصوص ما فيه غبار يعلق باليد، لا يخلو من حرج في الجملة.
ويؤيد هذا ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فليصل»، وفي لفظ: «فعنده مسجده وطهوره» الحديث، فهذا نص صحيح صريح في أن من أدركته الصلاة في محل ليس فيه إلا الجبال أو الرمال أن ذلك الصعيد الطيب الذي هو الحجارة، أو الرمل طهور له ومسجد).
مسألة- إن لم يجد التراب صلى الفرض فقط على حسب حاله ولا يزيد في صلاته على ما يجزئ ولا إعادة.
المسألة مفترضة على أنه لا يجزئ غير التراب، وعندنا إن لم يجد أي شيء مما تصح الطهارة به ككونه محبوس مثلا في مكان نجس والعياذ بالله.
قال البهوتي في " شرح منتهى الإرادات" (1/ 96): ((ولا يزيد) عادم الماء والتراب (على ما يجزئ) في الصلاة فلا يقرأ زائدا على الفاتحة ولا يستفتح، ولا يتعوذ ولا يبسمل، ولا يسبح زائدا على المرة الواحدة ولا يزيد على ما يجزئ في طمأنينة ركوع أو سجود أو جلوس بين السجدتين وإذا فرغ من قراءة الفاتحة ركع في الحال، وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد نهض أو سلم في الحال لأنها صلاة ضرورة فتقيدت بالواجب.
إذ لا ضرورة لزائد ولا يقرأ خارج الصلاة إن كان جنبا).
الراجح أنه لا يقتصر على الفرض فقط بل يزيد في صلاته ما شاء كالمتطهر.
قال الشيخ ابن جبرين - رحمه الله - في "شفاء العليل" (ص/360): (الصحيح أنه كغيره في إتيانه بالسنن، وزيادة على المجزئ، وذلك لأنه اتقى الله ما استطاع ، وهذه الأقوال والأفعال عبادات يثاب عليها خارج الصلاة، ويأتي بها العبد ولو كان جنبا أو متنجسا، وهذا المصلي قد ابيح له دخول الصلاة والتعبد بها، والتحريم والتكبير والقراءة والأذكار، فلا مانع من إتيانه بالمستحب في هذه الصلاة، ولو كانت ناقصة الصلاة للعذر).
شبهة والجواب عنها:
ومما يدل على ما ذهب إليه الماتن رحمه الله قاعدة (ما جاز للضرورة يتقدر بقدرها)، فمثلا الميتة لا يأكل منها إلا ما يسد الرمق، وهنا في الصلاة لا يأتي من أفعالها إلا ما تصح به دون غيره.
والجواب عن ذلك ما رواه الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت " فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة،
فصل
وا بغير وضوء، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم " وفقدهم للماء ينزل منزلة فقد الطهورين؛ لأن التيمم لم يكن شرع بعد، والظاهر أنهم صلوا صلاتهم المعتادة بلا نقص وإلا لبينوا، ولم يأمرهم النبي بالإعادة ولا أنكر عليهم.
والشاهد أن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهم على صلاتهم يجعل عادم الطهورين كعادم الماء الذي يرتفع حدثه بالتيمم، فهنا أيضا يرتفع حدثه حكما لعدم صحة صلاة المحدث، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والميسور لا يسقط بالمعسور.
ـ[فصل
واجب التيمم: التسمية، وتسقط سهوا.
وفروضه خمسة: مسح الوجه، ومسح اليدين إلى الكوعين، الثالث: الترتيب في الطهارة الصغرى فيلزم من جرحه ببعض أعضاء وضوئه إذا توضأ أن يتيمم له عند غسله لو كان صحيحا، الرابع: الموالاة فيلزمه أن يعيد غسل الصحيح عند كل تيمم، الخامس: تعيين النية لما تيمم له من حدث، أو نجاسة فلا تكفي نية أحدهما عن الآخر وإن نواهما أجزأ .. ]ـ
ـ[ومبطلاته خمسة: ما أبطل الوضوء، ووجود الماء، وخروج الوقت، وزوال المبيح له، وخلع ما مسح عليه.
وإن وجد الماء وهو في الصلاة بطلت، وإذا انقضت لم تجب الإعادة.
وصفته أن ينوي ثم يسمي ويضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع ضربة واحدة، والأحوط اثنتان بعد نزع خاتم ونحوه، فيمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه، وسن لمن يرجو وجود الماء تأخير التيمم إلى آخر الوقت المختار.
وله أن يصلي بتيمم واحد ما شاء من الفرض والنفل لكن لو تيمم للنفل لم يستبح الفرض .. ]ـ
مسألة - واجب التيمم: التسمية، وتسقط سهوا.
ظاهر عبارة الماتن أنه التسمية واجبة في كل تيمم ولو عن نجاسة ببدن وتخصيص السقوط بالسهو ظاهره أنها لا تسقط مع تعمد الترك.
وقد سبق في باب الوضوء بيان أن التسمية ليست بواجبة، وأنها مستحبة وعليه فهي مستحبة هنا أيضا.
مسألة - من فروض التيمم: مسح الوجه.
الصحيح من المذهب أنه لا يجب مسح ما تحت الشعر ولو كان خفيفا، ويكره إدخال التراب داخل الفم والأنف.
المرداوي في "الإنصاف" (1/ 287): (تنبيهان: أحدهما- ظاهر قوله (وفرائضه أربعة: مسح جميع وجهه) أنه يجب مسح ما تحت الشعر الخفيف، وهو أحد الوجهين.
قال في المذهب: محل التيمم جميع ما يجب غسله من الوجه، ما خلا الأنف والفم.
والوجه الثاني: لا يجب مسح ذلك، وهو الصحيح من المذهب، قطع به في المغني، والشرح، ومجمع البحرين، وابن رزين، وقدمه ابن عبيدان، وهو الصواب.
والثاني - مراده بقوله "مسح جميع وجهه" سوى المضمضة والاستنشاق قطعا، بل يكره).
فائدة - هل يشترط استيعاب مسح الوجه بالتراب ولا يسقط إلا المضمضة والاستنشاق، وما تحت الشعور وإن كانت خفيفة:
قال ابن قدامة في"المغني" (1/ 186): (لا خلاف في وجوب مسح الوجه والكفين؛ لقول الله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6] ويجب مسح جميعه، واستيعاب ما يأتي عليه الماء منها، لا يسقط منها إلا المضمضة والاستنشاق، وما تحت الشعور الخفيفة، وبهذا قال الشافعي.
وقال سليمان بن داود: يجزئه إن لم يصب إلا بعض وجهه وبعض كفيه.
ولنا قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ والباء زائدة، فصار كأنه قال: فامسحوا وجوهكم وأيديكم منه.
فيجب تعميمهما، كما يجب تعميمهما بالغسل؛ لقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾).
وقال ابن رجب في "الفتح" (2/ 245): (وحكى ابن المنذر، عن سليمان بن داود الهاشمي: أن مسح التيمم حكمه حكم مسح الرأس في الوضوء يجزئ فيه البعض.
وكلام الإمام أحمد يدل على حكاية الإجماع على خلاف ذلك، قال: الجوزجاني: ثنا إسماعيل بن سعيد الشالنجي، قال: سألت أحمد بن حنبل عمن ترك مسح بعض وجهه في التيمم؟ قال: يعيد الصلاة.
فقلت له: فما بال الرأس يجزئ في المسح ولم يجز أن يترك ذلك من الوجه في التيمم؟ فقال: لم يبلغنا أن أحدا ترك ذَلكَ من تيممه).
وما فهمه ابن رجب من كلام الإمام أحمد من أنه إجماع على بطلان من ترك مسح بعض الوجه متعقب بوقوع الخلاف.
قال ابن رجب في "الفتح" (2/ 246): (قَالَ الشالنجي: وقال أبو أيوب -يعني: سليمان بن داود الهاشمي -: يجزئه في التيمم أن لم يصب بعض وجهه أو بعض كفيه؛ لأنه بمنزلة المسح على الرأس؛ إذا ترك منه بعضا أجزأه.
قال الْجُوزَجَاني: فذكرت ذلك ليحيى بن يحيى ـ يعني: النيسابوري ـ، فقال: المسح في التيمم كما يمسح الرأس، لا يتعمد لترك شئ من ذلك، فإن بقي شئ منه لم يعد، وليس هو عندي بمنزلة الوضوء) وكل من سليمان بن داود، ويحيى بن يحيى مات قبل أحمد.
الترجيح: المجزئ أن يمسح وجهه بيديه ولا يكرر مسح الوجه، فما أتت يداه على وجهه بالمسح كاف في حصول المقصود، ولكن لا يتعمد ترك بعض وجهه بدون أن يمسه بالتراب.
مسألة - من فروض التيمم: مسح اليدين إلى الكوعين.
قال ابن ضويان في "المنار" (1/ 47): (واليد عند الإطلاق في الشرع تتناول اليد إلى الكوع، بدليل قطع يد السارق، وفي حديث عمار:" إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه ". متفق عليه).
وقال ابن رجب في "فتح الباري" (2/ 245): (وقد اجمع العلماء على أن مسح الوجه واليدين بالتراب في التيمم فرض لا بد منه في الجملة؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾).
مسألة - من فروض التيمم: الترتيب في الطهارة الصغرى فيلزم من جرحه ببعض أعضاء وضوئه إذا توضأ أن يتيمم له عند غسله لو كان صحيحا.
المقصود أنه في الوضوء يتوضأ حتى إذا وصل إلى العضو الذي لا يستطيع غسله تيمم له، فمثلا وهو يتوضأ إذا وصل إلى يده وكان لا يستطيع غسلها من أجل الجرح الذي فيها مثلا فهنا يقطع الوضوء ويتيمم من أجل هذا العضو وذلك لأن التيمم بدل عن غسله فيفعل ذلك مراعاة للترتيب، ثم يعود ويكمل وضوءه، فإذا وصل مثلا إلى رجله وكانت كيده يتمم من أجلها مرة أخرى، ولا يصح أن يجمع بينهما بتيمم واحد؛ لأن هذا يؤدي إلى سقوط الفرض عن اليد والرجل في وقت واحد، وهذا بخلاف من تيمم عن الحدث لفقد الماء مثلا فإنه يتيمم للحدث مرة واحدة بخلاف حالتنا هذه.
الترجيح:
الراجح أنه يتوضأ ويغسل الصحيح من أعضاء الوضوء ثم بعد الانتهاء من الوضوء يتيمم عن الجرح، ولا يجوز له الفصل بين أبعاض الوضوء بالتيمم لعدم
النص على ذلك، ولا يجب الترتيب في هذه الحالة، وهو وجه عند الحنابلة واختاره المجد والموفق وتقي الدين.
قال ابن قدامة في "المغني" (1/ 192): (ويحتمل أن لا يجب هذا الترتيب؛ لأن التيمم طهارة مفردة، فلا يجب الترتيب بينها وبين الطهارة الأخرى، كما لو كان الجريح جنبا؛ ولأنه تيمم عن الحدث الأصغر، فلم يجب أن يتيمم عن كل عضو في موضع غسله، كما لو تيمم عن جملة الوضوء؛ ولأن في هذا حرجا وضررا، فيندفع بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78])
مسألة - من فروض التيمم: الموالاة فيلزمه أن يعيد غسل الصحيح عند كل تيمم.
المقصود هنا أنه إذا حدث له ناقض لهذه الطهارة التي جمع فيها بين غسل بعض الأعضاء والتيمم عن البعض بأن خرج الوقت فإن عليه أن يعيد كل ما فعل سابقا من غسل وتيمم ولا يقول أن الذي يبطل بخروج الوقت هو التيمم لا الوضوء وذلك لتحقيق الموالاة بين أعضاء الوضوء.
الترجيح:
هذه المسألة مبنية على أن التيمم مبيح لا رافع، وقد سبق بيان أنه رافع مؤقت لحين زوال العذر أو وجود الماء، وعلى ذلك فخروج الوقت غير ناقض لهذا التيمم، فلا يجب عليه إعادته لا مع إعادة غسل باقي أعضاء الوضوء لتحقيق الموالاة، ولا بدونها.
مسألة - من فروض التيمم: تعيين النية لما تيمم له من حدث، أو نجاسة فلا تكفي نية أحدهما عن الآخر وإن نواهما أجزأ.
سبق بيان أن يشترط النية للتيمم، وأنه لا يتيمم عن النجاسة مطلقا، وعليه فلابد من النية عند رفع الحدث رفعا مؤقتا بالتيمم.
مبطلات التيمم:
مسألة - من مبطلات التيمم ما أبطل الوضوء.
قال ابن مفلح في "الفروع" (1/ 310): (ويبطل التيمم عن حدث أصغر بما يبطل الوضوء، وعن أكبر بما يوجب الغسل، وعن الحيض والنفاس بحدثيهما، فلو تيممت بعد طهرها من الحيض له ثم أجنبت فله الوطء لبقاء حكم تيمم الحيض، والوطء إنما يوجب حدث الجنابة، وإن وَطِئَ تَيَمَّمَ أيضا عن نجاسة الذكر، إن نجسته رطوبة فرجها) وقد سبق بيان أنه لا يتيمم عن النجاسة التي على البدن، وأن رطوبة فرج المرأة طاهرة.
مسألة - من مبطلات التيمم وجود الماء.
سبق وأن رجحنا أن التيمم رافع مؤقت للحدث لحين وجود الماء، وهذا قد وجد الماء فيجب عليه أن يزيل به الحدث - هذا إذا كان تيممه لعدم الماء - وأما إن كان تيممه لمرض ونحوه لم يبطل بوجوده، وإنما يبطل تيممه بزوال العذر المبيح للتيمم.
قال صلى الله عليه وسلم: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» رواه أحمد، وغيره من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - قال ابن قدامة في "المغني" (1/ 198): (دل بمفهومه: على أنه لا يكون طهورا عند وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب إمساسه جلده عند وجوده؛ ولأنه قدر على استعمال الماء، فبطل تيممه؛ ولأن التيمم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة، يحققه أن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما أبيح للمتيمم أن يصلي مع كونه محدثا؛ لضرورة العجز عن الماء، فإذا وجد الماء زالت الضرورة، فظهر حكم الحدث كالأصل).
مسألة - من مبطلات التيمم خروج الوقت.
فوائد:
الأولى - قوله: (التيمم) يشمل كل تيمم كالتيمم لطواف وجنازة ونافلة، ونحو ذلك، ويدخل فيه إن كان الطواف لغير صلاة كالتيمم للنجاسة، وقراءة القرآن، ونحو ذاك ويستثني في المذهب ما إن كان التيمم في صلاة الجمعة أو نوى الجمع في وقت ثانية من يباح له فلا يبطل تيممه بخروج وقت الأولى؛ لأن الوقتين صارا كالوقت الواحد في حقه.
الثانية - قوله: (خروج الوقت) وفي رواية أخرى بدخوله، ويظهر فائدة الخلاف في صلاة الفجر مثلا؛ لأن وقتها ينتهي بطلوع الشمس، ودخول وقت
الظهر بالزوال.
الثالثة - ووقت كل شيء بحسبه.
قال ابن مفلح في "الفروع" (1/ 306): (وعنه إن تيمم لجنازة ثم جيء بأخرى فإن كان بينهما وقت يمكنه التيمم لم يصل عليها حتى يتيمم لها، وإلا صلى، قال القاضي: هذا للاستحباب، وقال ابن عقيل للإيجاب، لأن التيمم إذا تعدد بالوقت فوقت كل صلاة جنازة قدر فعلها، وكذا قال شيخنا، لأن الفعل المتواصل هنا كتواصل الوقت للمكتوبة، قال وعلى قياسه ما ليس له وقت محدود، كمس المصحف، وطواف فعلى هذا: النوافل الموقتة كالوتر والسنن الراتبة والكسوف يبطل التيمم لها بخروج وقت تلك النافلة، والنوافل المطلقة يحتمل أن يعتبر فيها تواصل الفعل كالجنازة، ويحتمل أن يمتد وقتها إلى وقت النهي عن تلك النافلة).
• ومدار الحكم في هذه المسألة من القول ببطلان التيمم بخروج وقته على أن التيمم مبيح لا رافع، وقد سبق بيان أن الراجح أن التيمم رافع مؤقت للحدث، فالراجح أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت.
مسألة - من مبطلات التيمم زوال المبيح له.
فإذا كان تيممه لعدم وجود الماء ثم وجده بطل تيممه كما سبق، وإذا كان تيممه لعدم قدرته على استعمال الماء كما لو تيمم لمرض فعوفي، أو لجرح فبرء، أو لبرد فزال، بطل تيممه.
تنبيه:
سبق للماتن التنصيص على أن وجود الماء من مبطلات التيمم، وهو نوع من أنواع هذا المبطل - أي زوال المبيح - وعلى هذا فكان الأولى للماتن الاقتصار على ذكر الأعم (1)، أو يقال أنه نص على أحد الأنواع لكونه الأغلب، وإقتداء بالكتاب والسنة من التنصيص على أن عدم وجود الماء مبيح للتيمم.
مسألة - من مبطلات التيمم خلع ما مسح عليه.
قال البهوتي في "شرح المنتهى" (1/ 100): ((و) يبطل أيضا (بخلع ما يمسح)1
كخف وعمامة وجبيرة لبست على طهارة ماء (إن تيمم) بعد حدثه (وهو عليه) سواء مسحه قبل ذلك أو لا، لقيام تيممه مقام وضوئه وهو يبطل بخلع ذلك فكذا ما قام مقامه والتيمم وإن اختص بعضوين صورة فهو متعلق بالأربعة حكما، وكذا لو انقضت مدة مسح).
الترجيح:
وقد سبق بيان أن خلع الممسوح عليه وكذا انقضاء المدة غير ناقض للوضوء، وعليه فخلع ما مسح عليه أو انقضاء مدته غير ناقض للتيمم.
مسألة - إن وجد الماء وهو في الصلاة بطلت.
المقصود أن زوال المبيح ناقض للطهارة ويوجب قطع الصلاة لانتهاء مدة الرفع المؤقت للحدث.
فمن وجد الماء وكان تيممه لعدمه وهو في الصلاة بطلت لعموم قوله "فإذا وجد الماء فليمسه بشرته" فإن كان محدثا حدثا أصغر توضأ، وإن كان أكبر أغتسل ثم أستأنف صلاته، وهذا القول هو الراجح.
الرد على أدلة المخالف:
قال ابن قدامة في "المغني" (1/ 197): (قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر: إن كان في الصلاة، مضى فيها.
وقد روي ذلك عن أحمد، إلا أنه روي عنه ما يدل على رجوعه عنه، قال المروذي: قال أحمد: كنت أقول يمضي، ثم تدبرت، فإذا أكثر الأحاديث على أنه يخرج.
وهذا يدل على رجوعه عن هذه الرواية.
واحتجوا بأنه وجد المبدل بعد التلبس بمقصود البدل، فلم يلزمه الخروج، كما لو وجد الرقبة بعد التلبس بالصيام؛ ولأنه غير قادر على استعمال الماء؛ لأن قدرته تتوقف على إبطال الصلاة، وهو منهي عن إبطالها، بقوله تعالى: ﴿{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] ... ولا يصح قياسهم؛ فإن الصوم هو البدل نفسه 1، فنظيره إذا قدر على الماء بعد تيممه، ولا خلاف في بطلانه 2. ثم الفرق بينهما أن مدة
الصيام تطول، فيشق الخروج منه؛ لما فيه من الجمع بين فرضين شاقين، بخلاف مسألتنا.
وقولهم: إنه غير قادر غير صحيح فإن الماء قريب، وآلته صحيحة، والموانع منتفية، وقولهم: إنه منهي عن إبطال الصلاة.
قلنا: لا يحتاج إلى إبطال الصلاة، بل هي تبطل بزوال الطهارة، كما في نظائرها.
فإذا ثبت هذا، فمتى خرج فتوضأ لزمه استئناف الصلاة.
وقيل: فيه وجه آخر، أنه يبنى على ما مضى منها، والصحيح أنه لا يبني؛ لأن الطهارة شرط، وقد فاتت ببطلان التيمم، فلا يجوز بقاء الصلاة مع فوات شرطها، ولا يجوز بقاء ما مضى صحيحا مع خروجه منها قبل إتمامها).
مسألة - إذا انقضت صلاته بالتيمم ثم وجد الماء لم تجب الإعادة.
لأنه أدي الصلاة بطهارة صحيحة فأجزأت.
نعم وجدان الماء أبطل التيمم، ولكنه بعد انقضاء الصلاة، فبطلان التيمم بعد العبادة كبطلان الوضوء بعد فعلها، فتبقى العبادة صحيحة ويكون الوضوء منتقضاً.
قال ابن قدامة في "المغني" (1/ 179): (لأنه أدى فرضه كما أمر، فلم يلزمه الإعادة، كما لو وجده بعد الوقت؛ ولأن عدم الماء عذر معتاد، فإذا تيمم معه يجب أن يسقط فرض الصلاة كالمرض؛ ولأنه أسقط فرض الصلاة، فلم يعد إلى ذمته، كما لو وجده بعد الوقت).
الأدلة - ومما يدل على صحة الصحة وإجزائها:
- ما رواه أبو داود وغيره من طريق عبد الله بن نافع، عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك».
وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر مرتين» وهذا الحديث أعله جماعة بتفرد عبدالله بن نافع بوصله، ومنهم: أبو داود، والدارقطني، والبيهقي، والطبراني، وغيرهم.
ولكن ابن حجر في "التلخيص" (1/ 156) رد هذا الإعلال وذكر أن أبا الوليد الطيالسي تابع عبدالله بن نافع فرواه موصولا أخرجه ابن السكن في صحيحه والحديث صححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود.
- ما رواه الشافعي في "مسنده" عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم فمسح وجهه ويديه وصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة قال الشافعي: والجرف قريب من المدينة، وإسناده صحيح.
فائدة:
ظاهر قوله: (لم تجب الإعادة) استحبابها لقوله صلى الله عليه وسلم للذي أعاد الصلاة مرتين: (لك الأجر مرتين)، وهي رواية ضعيفة في المذهب، وقول مرجوح.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 298): (قوله (وإن وجد الماء بعد الصلاة لم تجب إعادتها) بلا نزاع.
ولم يستحب أيضا على الصحيح من المذهب.
وعنه يستحب).
قال الشيخ العثيمين في "الشرح المميتع" (1/ 407): (فإن قال قائل: أعيد لأنال الأجر مرتين ... قلنا: إذا علمت بالسنة، فليس لك الأجر مرتين، بل تكون مبتدعا، والذي أعاد وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لك الأجر مرتين» لم يعلم بالسنة، فهو مجتهد فصار له أجر العملين: الأول، والثاني.
ومن هذا الحديث يتبين لنا فائدة مهمة جدا وهي أن موافقة السنة أفضل من كثرة العمل).
صفة التيمم:
مسألة - صفة التيمم أن ينوي ثم يسمي ويضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع ضربة واحدة، والأحوط اثنتان بعد نزع خاتم ونحوه، فيمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه.
سبق الكلام على: النية وأنها شرط في التيمم، وعلى التسمية وأنها مستحبة.
قوله: (مفرجتي الأصابع) قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (1/ 411): (أي متباعدة؛ لأجل أن يدخل التراب بينها؛ لأن الفقهاء يرون وجوب استيعاب الوجه والكفين هنا، ولذلك قالوا: مفرجتي الأصابع.
والأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضرب بيديه ليس فيها أنه فرج أصابعه.
وطهارة التيمم مبنية على التسهيل والتسامح، ليست كطهارة الماء).
قوله: (الأحوط اثنتان) والأحاديث المرفوعة الصحيحة ليس فيها إلا ضربة واحدة للوجه والكفين، ومن ذلك ما رواه أحمد وغيره عن عمار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في التيمم: " ضربة للوجه والكفين".
وكل ما ورد من أحاديث مرفوعة فيها أن التيمم ضربتان فلا يصح، وإنما صح ذلك عن ابن عمر رضي الله عنه 1 ولفظه كما رواه عبد الرزاق في "المصنف" أنه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة على التراب، ثم مسح وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين ولا ينفض يديه من التراب ".
تنبيه:
- روى الدارقطني في "سننه" عن أبي الزبير , عن جابر , قال: " جاء رجل فقال: أصابتني جنابة , وإني تمعكت في التراب , قال: اضرب , فضرب بيده فمسح وجهه , ثم ضرب بيده أخرى فمسح بهما يديه إلى المرفقين "، وإسناده ضعيف فيه عنعنة أبي لزبير وهو مدلس.
- وروى عبد الرزاق في "مصنفه" عن أبي البختري، أن عليا قال: «في التيمم ضربة في الوجه، وضربة في اليدين إلى الرسغين» وإسناده ضعيف فيه أبي البحتري وهو كثير الإرسال وروايته عن علي رضي الله عنه مرسلة.
الترجيح: الراجح الاقتصار على ضربة واحدة بلا زيادة عليها، وفعل ابن عمر معارض بفعل عمار رضي الله عنهما فروى ابن المنذر في "الأوسط" عن أبي مالك، قال: (وضع عمار كفيه في التراب ثم رفعهما فنفضهما فمسح وجهه وكفيه مرة واحدة،
ثم قال: هكذا التيمم).
وأفعال الصحابة إذا تعارضت فلا حجة لبعضهم على بعض، وعليه فالمرفوع الصحيح ورد فيه الاقتصار على ضربة واحدة للوجه والكفين.
أضف إلى أن ما ورد على ابن عمر فيه أنه مسح اليدين إلى المرفقين وهذا مخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الاقتصار على الكفين.
قوله: (بعد نزع خاتم ونحوه) ليصل التراب إلى محله من اليد ولا يكفي تحريكه بخلاف الماء لقوة سريانه.
وهذا الفعل مبني على القول بوجوب الاستيعاب، وقد سبق من كلام الشيخ العثيمين أن هذه الطهارة مبنية على التساهل والتسامح فلا يجب عليه خلع الخاتم ولا تحريكه.
قوله: (فيمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه) هذا إن كان التيمم بضربة واحدة، وإنما ذهبوا إلى هذه الصفة بناء على اشتراط أن يكون التراب طهورا غير مستعمل.
ولم يرد دليل يدل على هذه الصفة كما أننا سبق وأن رجحنا أنه لا يشترط في التراب أن يكون طهورا وأن استعماله لا يخرجه عن كونه طهورا.
وظواهر الأحاديث تدل على أنه يمسح بيديه عامة بباطن الأصابع وراحتيه وجهه، ويمسح كفيه كذلك.
مسألة - سن لمن يرجو وجود الماء تأخير التيمم إلى آخر الوقت المختار.
• والوقت المختار للعصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه سوى ظل الزوال ثم هو وقت ضرورة إلى الغروب، والوقت المختار للعشاء إلى ثلث الليل الأول ثم هو وقت ضرورة إلى طلوع الفجر.
• وخالف الشيخ مرعي هنا ظاهر المذهب باستحباب التأخير لآخر الوقت وليس لآخر وقت الاختيار.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 300): (قوله (ويستحب تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء) هذا المذهب، وعليه الجمهور بهذا الشرط ... واختاره ابن عبدوس في تذكرته، وقيده بوقت الاختيار، وهو قيد حسن).
• قال البهوتي في "كشاف القناع" (1/ 178): ((ويستحب تأخير التيمم إلى آخر الوقت المختار) بحيث يدرك الصلاة كلها قبل خروجه (لمن يعلم) وجود الماء (أو يرجو وجود الماء) في الوقت؛ لأن الطهارة بالماء فريضة، والصلاة في أول الوقت فضيلة، وانتظار الفريضة أولى (فإن استوى عنده الأمران) أي: احتمال وجود الماء واحتمال عدمه (فالتأخير) أي: تأخير التيمم إلى آخر الوقت المختار (أفضل) منه أول الوقت لما تقدم ولقول علي في الجنب: "يتلوم 1 ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء وإلا تيمم" وعلم منه أن التقديم لمتحقق العدم أو ظانه، أفضل.
(وإن تيمم) من يعلم أو يرجو وجود الماء أو استوى عنده الأمران (وصلى أول الوقت أجزأه) ذلك ولا تلزمه الإعادة إذا وجد الماء).
• الترجيح:
أثر علي الذي أشار إليه البهوتي إسناده ضعيف فقد أخرجه ابن أبي شيبة وغيره بإسناد فيه الحارث الأعور وهو ضعيف.
وروى عبد الرزاق في "مصنفه" من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، أن عمر أصابته جنابة وهو في سفر، فلما أصبح قال: (أترونا ندرك الماء قبل طلوع الشمس؟» قالوا: نعم، فأسرع السير حتى أدرك فاغتسل) ورواته ثقات.
• وهذا الأثر عن عمر معارض بظاهر فعل ابن عمر الذي سبق ذكره من أنه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم فمسح وجهه ويديه وصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة قال الشافعي: والجرف قريب من المدينة.
ونوقش بأنه يحتمل أنه لم يرد أن يدخل المدينة إلا بع الوقت ثم بدا له فدخلها، ويحتمل أنه غلب على ظنه أنه لا يصل المدينة إلا بعد الوقت 2.
وهذه المسألة مدارها على ما يراه المحدث فإن علم، أو غلب على ظنه الصلاة بطهارة كاملة فهو أولى، وإن غلب على ظنه أو علم أنه لا يدرك الماء صلى بالتيمم.
وأما إن استوى عنده الأمران فالأقوى انشغاله بمراعاة الشرط وتحصيله ويكون بذلك معذور في التأخير كما سبق في مسألة من وصل إلى الماء وضاق عليه الوقت أو علم أن النوبة لا تصل إليه إلا بعد خروجه فإننا رجحنا أن انشغاله بتحصيل الشرط عذر له في التأخير.
تنبيه:
روى أحمد وغيره من طريق عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا ابن لَهِيعَةَ، عن عبد الله بن هبيرة، عن حنش، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج فيهريق الماء، فيتمسح بالتراب، فأقول: يا رسول الله، إن الماء منك قريب.
فيقول: " وما يدريني، لعلي لا أبلغه " وهذا إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة، وقد اختلف العلماء فيه ومن يرى ان رواية العبادلة عنه صحيحة يقوي هذا الإسناد وظاهره أنه غلب على ظنه أنه لا يبلغ الماء فلا يعارض ما سبق.
مسالة - للمتيمم أن يصلي بتيمم واحد ما شاء من الفرض والنفل.
والمقصود بالفرض هنا قضاء الفوائت، أو الجمع بين الصلاتين لا الفرض الجديد لأن خروج الوقت مبطل للتيمم على المذهب.
مسألة - المتيمم إن تيمم للنفل لم يستبح الفرض.
والعلة هنا أنه تيمم للأدنى فلا يجوز له استباحة الأعلى.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 292): (أفادنا المصنف - رحمه الله تعالى - بقوله " وإن نوى فرضا فله فعله، والجمع بين الصلاتين، وقضاء الفوائت والنوافل " أن من نوى شيئا استباح فعله.
واستباح ما هو مثله أو دونه.
ولم يستبح ما هو أعلى منه، وهو صحيح، وهو المذهب).
وهاتان المسألتان مبنيتان على أن التيمم مبيح، وقد سبق ترجيح أنه رافع مؤقت للحدث، وأن خروج الوقت ليس مبطلا للتيمم، وعليه فيجوز للمتيمم أن يصلي بتيممه ما شاء من الفرض والنفل ما لم يحصل له مبطل للوضوء، أو يزول عذره المبيح لتيممه.
ـ
باب إزالة النجاسة
يشرط لكل متنجس سبع غسلات وأن يكون إحداها بتراب طهور أو صابون ونحوه في متنجس بكلب أو خنزير ويضر بقاء طعم النجاسة لا لونها أو ريحها أو هما عجزا.
ويجزئ في بول غلام لم يأكل طعاما لشهوة نضحه وهو غمره بالماء.
ويجزئ في تطهير صخر وأحواض وأرض تنجست بمائع ولو من كلب أو خنزير مكاثرتها بالماء حتى بحيث يذهب لون النجاسة وريحها.
ولا تطهر الأرض بالشمس والريح والجفاف ولا النجاسة بالنار.
وتطهر الخمرة بإنائها إذا انقلبت خلاً بنفسها.
وإذا خفي موضع النجاسة غسل حتى يتيقن غسلها ..
ـ
مسألة - يشرط لكل متنجس سبع غسلات.
• قوله: (لكل متنجس) هذا من باب العام الذي أريد به الخصوص، فيستثنى من ذلك ما إذا كان المتنجس أرضا أوما اتصل بها من الحيطان والأحواض
والصخور، فإنها تكاثر بالماء، وأيضا بول الغلام الذي لم يطعم كما سيأتي.
• ظاهر ما ذكره الماتن هنا أنه لا يشترط استعمال التراب ونحوه إلا في متنجس الكلب أو الخنزير ما لم يكن على الأرض وما اتصل بها كما سيأتي.
قوله: (سبع غسلات) أي بماء طهور، ويشترط أن تنقي السبع بأن تزيل طعم النجاسة كما سيأتي.
قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 102): ((يشترط ل) تطهير (كل متنجس حتى أسفل خف، و) أسفل (حذاء) بالمد وكسر المهملة أوله، أي نعل (و) حتى (ذيل امرأة سبع غسلات) لعموم حديث ابن عمر «أمرنا بغسل الأنجاس سبعا» فينصرف إلى أمره صلى الله عليه وسلم وقياسا على نجاسة الكلب والخنزير ... ويعتبر في كل غسلة، أن تستوعب المحل.
فيجب العدد من أول غسلة، ولو مع بقاء العين فلا يضر بقاؤها.
فيجزئ (إن أنقت) السبع غسلات النجاسة (وإلا) بأن لم تنق بها (ف) يزيد على السبع (حتى تنقى) النجاسة (بماء طهور) أي يشترط أن تكون كل غسلة من السبع بماء طهور).
توجيه أدلة المذهب:
وحديث ابن عمر الذي أشار إليه لا يصح، قال ابن عبد الهادي في "رسالة لطيفة" ليس له إسناد، أو له إسناد ولا يحتج بمثله النقاد من أهل العلم.
وأما القياس فهو قياس مع الفارق فنجاسة الكلب مغلظة، فدم الحيض مع أنه مجمع على نجاسته لم يرد فيه تكرار الغسل.
الترجيح:
والراجح هو أنه لا يشترط في إزالة هذه النجاسات عدد معين، وإنما المقصود ذهاب عينها سواء أكان بالدلك بالتراب أو بالغسل بالماء أو بأي مائع آخر، والدليل على ذلك:
قوله صلى الله عليه وسلم في النعل الذي به أذى (ثم ليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور)، ومنها: قوله في الذيل: (يطهره ما بعده) ومنها قوله في الهر: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) مع أن الهر في العادة يأكل الفأر ولم يكن هناك قناة ترد عليها تطهر بها أفواهها بالماء بل طهورها ريقها.
وما رواه الترمذي وغيره عن أسماء بنت أبي بكر: (أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الثوب يصيبه الدم من الحَيضة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم رشيه وصلي فيه) ولم يذكر عددا كما أيضا في الحديث الذي رواه الشيخان من طريق عن أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، قال: قلت: يا نبي الله، إنا بأرض
قوم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: «أما ما ذكرت من أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها».
مسألة - يشترط لمتنجس بكلب أو خنزير سبع غسلات إحداها بتراب طهور (1) أو صابون ونحوه.
والكلام هنا من وجوه:
الأول - قوله: (لمتنجس بكلب أو خنزير): ظاهر كلامه أنه لا يختص التسبيع مع التتريب بلعاب الكلب، وإنما بأي جزء من أجزائه، وأن الخنزير يلحق به، وما ذهب إليه هو الصحيح من المذهب، قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 310): (تغسل نجاسة الكلب سبعا على الصحيح من المذهب، نص عليه.
وعليه الأصحاب ... وقطع المصنف: أن نجاسة الخنزير كنجاسة الكلب، وهو الصحيح من المذهب.
وعليه الأصحاب.
قال الإمام أحمد: هو شر من الكلب).
الترجيح:
والراجح أن التسبيع والتتريب مختص بلعاب الكلب دون بقية أجزائه، ومختص بالإناء أيضا، وذلك لأمرين:
الأول - ما ثبت علميا من أن لعاب الكلب فيه جرثومة لا يزيلها إلا التراب.
الثاني - طريقة شرب الكلب للماء قال تقي الدين في " الفتاوى الكبرى" (1/ 425): (الكلب يلغ بلسانه شيئا بعد شيء، فلا بد أن يبقى في الماء من ريقه ولعابه ما يبقى وهو لزج، فلا يحيله الماء القليل، بل يبقى، فيكون ذلك الخبث محمولا، والماء يسيرا، فيراق ذلك الماء لأجل كون الخبث محمولا فيه، ويغسل الإناء الذي لاقاه ذلك الخبث).
• فائدة - هل يلحق الخنزير بالكلب؟
الراجح أنه لا يلحق به في تطهير متنجسه، وأن الخنزير يطهر متنجسه كباقي النجاسات، قال الشيخ العثمين في "الشرح الممتع" (1/ 418): (الخنزير: حيوان1
معروف بفقد الغيرة، والخبث، وأكل العذرة، وفي لحمه جراثيم ضارة، قيل: إن النار لا تؤثر في قتلها، ولذا حرمه الشارع.
والفقهاء ـ رحمهم الله ـ ألحقوا نجاسته بنجاسة الكلب؛ لأنه أخبث من الكلب، فيكون أولى بالحكم منه.
وهذا قياس ضعيف؛ لأن الخنزير مذكور في القرآن، وموجود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرد إلحاقه بالكلب.
فالصحيح: أن نجاسته كنجاسة غيره، فتغسل كما تغسل بقية النجاسات).
الثاني - قوله (إحداها بتراب).
والصحيح من المذهب أن الأولى جعل التراب في الأولى، قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 311): (قوله " إحداهن بالتراب " لا خلاف أنه لو جعل التراب في أي غسلة شاء: أنه يجزئ، وإنما الخلاف في الأولوية.
فظاهر كلام المصنف هنا: أنه لا أولوية فيه، وهو رواية عن أحمد ... وعنه الأولى: أن يكون في الغسلة الأولى، وهو الصحيح ... ) وهو الراجح، قال الشيخ العثيمين في "لشرح الممتع" (1/ 416): (الدليل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة، وعبد الله بن مغفل: «أمر إذا ولغ الكلب في الإناء أن يغسل سبع مرات»، «إحداهن بالتراب»، وفي رواية: «أولاهن بالتراب».
وهذه الرواية أخص من الأولى، لأن «إحداهن» يشمل الأولى إلى السابعة، بخلاف «أولاهن» فإنه يخصصه بالأولى، فيكون أولى بالاعتبار، ولهذا قال العلماء رحمهم الله تعالى: الأولى أن يكون التراب في الأولى لما يلي:
1 - ورود النص بذلك.
2 - أنه إذا جعل التراب في أول غسلة خفت النجاسة، فتكون بعد أول غسلة من النجاسات المتوسطة.
3 - أنه لو أصاب الماء في الغسلة الثانية بعد التراب محلا آخر غسل ستا بلا تراب، ولو جعل التراب في الأخيرة، وأصابت الغسلة الثانية محلا آخر غسل ستا إحداها بالتراب).
الثالث قوله: (بتراب طهور).
سبق في باب المياه بيان أن الراجح في قسمته أنها قسمة ثنائية، وبالتالي فيجوز استعمال التراب الطاهر أيضا في إزالة هذه النجاسة.
الرابع - إلحاق غير التراب به.
والراجح أن غير التراب لا يقوم مقامه.
قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (1/ 418): (قوله: «ويجزئ عن التراب أشنان ونحوه»، الأشنان: شجر يدق ويكون حبيبات كحبيبات السكر أو أصغر، تغسل به الثياب سابقا، وهو خشن كخشونة التراب، ومنظف، ومزيل، ولهذا قال المؤلف: «يجزئ عن التراب» في نجاسة الكلب.
وهذا فيه نظر لما يلي:
1 - أن الشارع نص على التراب، فالواجب اتباع النص.
2 - أن السدر والأشنان كانت موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يشر إليهما.
3 - لعل في التراب مادة تقتل الجراثيم التي تخرج من لعاب الكلب.
4 - أن التراب أحد الطهورين، لأنه يقوم مقام الماء في باب التيمم إذا عدم.
قال صلى الله عليه وسلم: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، فربما كان للشارع ملاحظات في التراب فاختاره على غيره؛ لكونه أحد الطهورين، وليس كذلك الأشنان وغيره.
فالصحيح: أنه لا يجزئ عن التراب، لكن لو فرض عدم وجود التراب ـ وهذا احتمال بعيد ـ فإن استعمال الأشنان، أو الصابون خير من عدمه).
ومما يؤكد اختصاص هذا الحكم بالتراب أنّ لعاب الكلب يحتوي على جرثومة لا تموت إلا بمادّة السليكا الموجودة في التراب.
مسألة - يضر بقاء طعم النجاسة لا لونها أو ريحها أو هما عجزا.
وقوله: (عجزا) المقصود أن بقاء اللون أو الريح أو كلاهما لا يضر بعد استفراغ الوسع في إزالتهما، وذلك بأن يكون الغسل سبع مرات، ولا مانع من استعمال الصابون أو الأشنان، أو التراب في إحداهن.
وعبارة الماتن تدل على أن بقاء الطعم يضر ولا بد من إزالته، وقد يكون ذلك بالزيادة عن السبع غسلات، أو استعمال الملح ونحوه حتى يزول الطعم.
ولعل وجه التشديد في الطعم دون اللون والريح أن بقاء الطعم مستلزم لبقاء عين النجاسة بخلاف اللون والريح فإنما هما من آثار التنجيس، وقد يظلا باقيين مع ذهاب عين النجاسة.
قال ابن قدامة في "المغني" (1/ 44): (إذا أصاب ثوب المرأة دم حيضها، استحب أن تحته بظفرها، لتذهب خشونته، ثم تقرصه ليلين للغسل، ثم تغسله بالماء؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لأسماء في دم الحيض: حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء».
متفق عليه.
فإن اقتصرت على إزالته بالماء جاز، فإن لم يزل لونه، وكانت إزالته تشق أو يتلف الثوب ويضره، عفي عنه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يضرك أثره».
وإن استعملت في إزالته شيئا يزيله كالملح وغيره، فحسن؛ لما روى أبو داود، بإسناده عن «امرأة من غفار، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أردفها على حقيبته، فحاضت، قالت: فنزلت، فإذا بها دم مني، فقال: ما لك؟ لعلك نفست؟.
قلت: نعم.
قال: فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم» قال الخطابي: فيه من الفقه؛ جواز استعمال الملح، وهو مطعوم، في غسل الثوب وتنقيته من الدم، فعلى هذا يجوز غسل الثياب بالعسل، إذا كان يفسدها الصابون، وبالخل إذا أصابها الحبر، والتدلك بالنخالة، وغسل الأيدي بها، والبطيخ ودقيق الباقلا، وغيرها من الأشياء التي لها قوة الجلاء.
والله أعلم).
وحديث (ولا يضرك أثره) حديث ضعيف لأن مداره على ابن لهيعة، والحديث لو صح لكان حجة قوية للعفو عن الأثر.
وحديث استعمال الملح ضعيف لجهالة أمية بنت أبي الصَّلْت، والحديث ضعفه الشيخ الألباني والأرناؤوط وغيرهما.
الترجيح:
الراجح أن بقاء لون أو طعم أو رائحة النجاسة يدل على أن المحل لا يزال
متنجسا، وكما سبق في باب المياه أن تغير أحد أوصاف الماء بالنجاسة علامة على تنجس الماء، وأنه لا يطهر حتى تزول جميعها، وروى ابن المنذر في "الأوسط" عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا أصاب ثوبه دم غسله , فإن لم يذهب قرضه بالمقراض " ورواته ثقات.
مسألة- يجزئ في بول غلام لم يأكل طعاما لشهوة نضحه وهو غمره بالماء.
قوله: (لشهوة) أي باختياره وإرادته.
قال ابن قدامة في "المغني" (2/ 68): (قال أحمد: الصبي إذا طعم الطعام، وأراده، واشتهاه، غسل بوله، وليس إذا أطعم؛ لأنه قد يلعق العسل ساعة يولد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حنك بالتمر.
ولكن إذا كان يأكل ويريد الأكل، فعلى هذا ما يسقاه الصبي أو يلعقه للتداوي لا يعد طعاما يوجب الغسل، وما يطعمه لغذائه وهو يريده ويشتهيه، هو الموجب لغسل بوله).
قوله: (نضحه) أي رشه والمقصود أنه لا يجب عليه غسله.
قال ابن قاسم في "حاشيته" (1/ 356): (النضح في الأصل الرش والبل، فالذي أصابه البول يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره).
• والذي اختاره الماتن هو الراجح واستدل له ابن قدامة في "المغني" (2/ 68) فقال: (ولنا ما روت أم قيس بنت محصن «، أنها أتت بابن، لها صغير، لم يأكل الطعام، إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجلسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه، ولم يغسله.» وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت «، أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصبي، فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه بوله، ولم يغسله».
متفق عليهما.
وعن لبابة بنت الحارث قالت: «كان الحسين بن علي في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبال عليه، فقلت: البس ثوبا آخر، وأعطني إزارك حتى أغسله.
فقال: إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الغلام الذكر».
رواه أبو داود.
وعن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل».
قال قتادة: هذا ما لم يطعما الطعام، فإذا طعما غسل بولهما.
رواه الإمام أحمد في مسنده).
فائدة - علة التفريق بين بول الغلام وبول الجارية:
قال ابن القيم في "تحفة المودود" (ص/216): (وقد فرق بين الغلام والجارية في المعنى بعدة فروق أحدها أن بول الغلام يتطاير وينشر هاهنا وهاهنا فيشق غسله وبول الجارية يقع في موضع واحد فلا يشق غسله الثاني أن بول الجارية أنتن من بول الغلام لأن حرارة الذكر أقوى وهي تؤثر في إنضاج البول وتخفيف رائحته الثالث أن حمل الغلام أكثر من حمل الجارية لتعلق القلوب به كما تدل عليه المشاهدة فإن صحت هذه الفروق وإلا فالمعول على تفريق السنة).
• وفي زيادات أبي الحسن بن سلمة القطان على سنن ابن ماجه تفريق آخر منسوب للشافعي - رحمه الله -، قال أبو الحسن حدثنا أحمد بن موسى بن معقل قال: حدثنا أبو اليمان المصري، قال: سألت الشافعي، عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم «يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية، والماءان جميعا واحد» قال: لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: «فهمت؟» أو قال: «لقنت؟» قال، قلت: لا.
قال: " إن الله تعالى، لما خلق آدم، خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم.
قال، قال لي: فهمت؟ قلت: نعم.
قال لي: نفعك الله به)، وأبو اليمان المصري صوابه (أبو لقمان) قال عنه الخطيب: (كان ضعيفا، يروى المنكرات عن الثقات) وهذا الإسناد ضعفه الشيخ الألباني وانظر الضعيفة (13/ 1140).
مسألة - يجزئ في تطهير صخر وأحواض وأرض تنجست بمائع ولو من كلب أو خنزير مكاثرتها بالماء بحيث يذهب لون النجاسة وريحها.
تنبيه - خصص الماتن النجاسة التي تطهر بالمكاثرة هنا بالمائع وذلك لأن النجاسة المائعة هي التي تطهر
بالمكاثرة، بخلاف ما له جزم أو ما يلتصق بالمحل فإنه يجب إزالة عينها.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 316): (وإن أصابت النجاسة محلا لا يتشرب بها، كالآنية ونحوها، طهر بمرور الماء عليه، وانفصاله عنه، وإن لصقت به النجاسة وجب مع ذلك إزالتها).
وقال الرحيباني في "مطالب أولي النهى" (1/ 227): ((و) يجزئ (في نحو) (صخرة وأجرنة) صغار مبنية أو كبيرة مطلقا.
قاله في الرعاية " وأحواض وحيطان وأرض تنجست بمائع (أو) بنجاسة (ذات جرم أزيل) ذلك الجرم (عنها ولو من كلب أو خنزير مكاثرتها بماء حتى يذهب لون نجاسة وريحها)).
• والدليل على ما ذهب إليه الماتن ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء، أو ذنوبا من ماء».
مسألة - لا تطهر الأرض بالشمس والريح والجفاف.
واستدلوا على ذلك بحديث بول الأعرابي السابق، ومرادهم أنه لو كانت تطهر بالجفاف، أو بالريح لما أمر النبي بصب الماء عليها.
ونوقش بأنه صلى الله عليه وسلم أستعجل التطهير لكونه مسجدا، كما أنه ليس في الحديث ما يدل على نفي الطهارة بالجفاف، أو بالريح.
الترجيح:
الراجح أن الأرض تطهر بالشمس، بالريح، أو بالجفاف، وذلك لأن المقصود من التطهير إزالة عين النجاسة وأثرها، فبزوالها يزول حكمها، وهذا حاصل بالشمس والريح.
قال ابن القيم في "إغاثة اللهفان" (1/ 150): (قال أبو البركات بن تيمية: "وهذا كله يقوى طهارة الأرض بالجفاف، لأن الإنسان في العادة لا يزال يشاهد النجاسات في بقعة من طرقاته التي يكثر فيها تردده إلى سوقه ومسجده وغيرهما، فلو لم تطهر إذا أذهب الجفاف أثرها للزمه تجنب ما شاهده من بقاع النجاسات بعد ذهاب أثرها، ولما جاز له التحفى بعد ذلك، وقد علم أن السلف الصالح لم يحترزوا من ذلك.
ويعضده أمره عليه الصلاة والسلام بمسح النعلين بالأرض لمن أتى المسجد ورأى فيهما خبثاً، ولو تنجست الأرض بذلك نجاسة لا تطهر بالجفاف لأمر بصيانة طريق المسجد عن ذلك، لأنه يسلكه الحافى وغيره".
قلت: وهذا اختيار شيخنا رحمه الله).
مسألة - لا تطهر النجاسة بالنار.
• وهذه المسألة أحد صور مسألة الاستحالة، قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 318): (قوله (ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، ولا بنار أيضا إلا الخمرة)، هذا المذهب بلا ريب، وعليه جماهير الأصحاب، ونصروه).
• والاستحالة معناها التحول من حالة إلى حالة كتحول الدم والصديد واللحم في الميتة إلى تراب وكتحول الروث النجس إلى رماد، والميتة التي تسقط في أرض ملح فتصير ملحا، وهكذا.
• والمذهب أن الاستحالة غير مطهرة إلا في الخمرة كما سيأتي، ومما يستدلون به على ذلك حديث الجلالة والنهي عن أكلها وعن شرب ألبانها.
وهو حجة عليهم فأكل النجاسة أحال الطيب إلى خبيث، كما أنهم يقولون أنها إن حبست ثلاثة أيام طهرت، والسبب في ذلك الاستحالة أيضا.
• والراجح أن الاستحالة مطهرة وأن النجاسة إذا تحولت بالنار إلى رماد فإنها تطهر.
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (21/ 70): (وأما دخان النجاسة فهذا مبنى على أصل وهو أن العين النجسة الخبيثة إذا استحالت حتى صارت طيبة كغيرها من الأعيان الطيبة مثل أن يصير ما يقع في الملاحة من دم وميتة وخنزير ملحا طيبا كغيرها من الملح أو يصير الوقود رمادا وخرسفا وقصرملا ونحو ذلك ففيه للعلماء قولان أحدهما لا يطهر كقول الشافعى وهو أحد القولين في مذهب مالك وهو المشهور عن أصحاب أحمد وإحدى الروايتين عنه والرواية الأخرى أنه طاهر وهذا مذهب أبى حنيفة ومالك في أحد القولين وأحدى الروايتين عن أحمد ومذهب أهل الظاهر وغيرهم أنها تطهر وهذا هو الصواب المقطوع به فان هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم لا لفظا ولا معنى فليست محرمه ولا في معنى المحرم فلا وجه لتحريمها بل تتناولها نصوص الحل فإنها من الطيبات وهى أيضا في معنى ما اتفق على حله فالنص والقياس يقتضى تحليلها وأيضا فقد اتفقوا كلهم على الخمر إذا صارت خلا بفعل الله تعالى صارت حلالا طيبا واستحالة هذه الأعيان أعظم من استحالة الخمر والذين فرقوا بينهما قالوا الخمر نجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة بخلاف الدم والميتة ولحم الخنزير وهذا الفرق ضعيف فان جميع النجاسات نجست أيضا بالاستحالة فإن الدم مستحيل عن أعيان طاهرة وكذلك العذرة والبول والحيوان النجس مستحيل عن مادة طاهرة مخلوقة وأيضا فإن الله تعالى حرم الخبائث لما قام بها من وصف الخبث كما أنه أباح الطيبات لما قام بها من وصف الطيب وهذه الأعيان المتنازع فيها ليس فيها شيء من وصف الخبث وإنما فيها وصف الطيب فإذا عرف هذا فعلى أصح القولين فالدخان والبخار المستحيل عن النجاسة طاهر لأنه أجزاء هوائية ونارية ومائية وليس فيه شيء من وصف الخبث).
مسألة - تطهر الخمرة بإنائها إذا انقلبت خلاً بنفسها.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 319): (الصحيح من المذهب: أن الخمرة إذا انقلبت بنفسها تطهر مطلقا، نص عليه.
وعليه الجمهور).
ثم قال: (اعلم أن الخمرة يحرم تخليلها على الصحيح من المذهب.
وعليه الأصحاب ... فعلى المذهب: لو خالف وفعل: لم تطهر على الصحيح من المذهب.
وعليه جماهير الأصحاب، ونص عليه).
قوله: (بإنائها) أي أن شرط التخلل المطهر إذا كان بلا نقل من زق لزق، ولم يكتف به للدلالة على تخللها بنفسها فأكده بقوله: (بنفسها) وذلك لأنها قد تتخلل قصدا وهي في إنائها كما لو كشف الزق فتخللت بشمس أو بظل.
قال المرداوي: (وعلى المذهب أيضا: لو خللت بنقلها من الشمس إلى الظل، أو بالعكس، أو فرغ من محل إلى محل آخر، أو ألقى جامدا فيها: ففيه وجهان.
إحداهما: لا تطهر، وهو المذهب).
الأدلة:
والراجح أن الخمر إذا تخللت بنفسها، فإنها تطهر باتفاق الأئمة كما قال تقي الدين في "الفتاوى الكبرى" (1/ 441): (لو انقلبت الخمرة خلا بغير قصد آدمي،
فإنها طاهرة حلال باتفاق الأئمة).
وأما إن تخللت بفعل فاعل فإنه يأثم لما رواه مسلم في "صحيحه" عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر تتخذ خلا، فقال: «لا»،