ـ[وواجبه: التسمية وتسقط سهوا .. ]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو المنذر المنياوي
- الكتاب
- التحرير شرح الدليل (شرح دليل الطالب) - كتاب الطهارة
- المؤلف
- أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي
- الناشر
- المكتبة الشاملة، مصر
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الطبعة الورقية)]
مسألة - التسمية واجبة في الغسل وتسقط سهوا.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 128): (قال صاحب الهداية، والفصول، وَالْمُذْهَبِ، والنهاية، والخلاصة، ومجمع البحرين، والمجد في شرحه: التسمية واجبة في أصح الروايتين، في طهارة الحدث كلها: الوضوء، والغسل، والتيمم) وقد سبق
في الوضوء ترجيح أنها مستحبة وأنه لا يأثم تاركها عمدا ولا سهوا والترجيح بذلك هنا أولى لعدم وردود دليل بإيجاب التسمية في الغسل كما ورد في الوضوء وقد سبق توجيهه.
ـ[و
فرضه
: أن يعم بالماء جميع بدنه وداخل فمه وأنفه حتى ما يظهر من فرج المرأة عند القعود لحاجتها وحتى باطن شعرها، ويجب نقضه في الحيض والنفاس لا الجنابة.
ويكفي الظن في الإسباغ .. ]ـ
مسألة- من فرائض الغسل أن يعم بالماء جميع بدنه وحتى باطن شعر المرأة.
أما تعميم الجسد فهو فرض ولا يجزئ الغسل إلا به حتى أنه يغسل ما تحت الشعر الكثيف وهو الذي لا ترى البشرة من ورائه لما رواه الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه.
ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه.
ثم يتوضأ وضوءه للصلاة.
ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر.
حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات.
ثم أفاض على سائر جسده.
ثم غسل رجليه».
وقد تعلل البعض بأن هذا حادثة فعل ولم يوجبوا إنقاء البشرة، وأنه يكتفى بمجرد الإفراغ على الجسد فقط كما جاء في الحديث الطويل المتفق عليه عن عمران رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: «اذهب فأفرغه عليك» وفي قولهم نظر، فإنما فعل النبي هنا بياني بين فيه كيف يكون الإفراغ على الجسد والتطهير الذي أمره به تعالى في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]، والمُبيِّن له حكم المُبيَّن.
• ولما رواه الشيخان واللفظ لمسلم عن عائشة، أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض؟ فقال: «تأخذ إحداكن ماءها وَسِدْرَتَهَا، فَتَطَهَّرُ فتحسن الطُّهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها» فقالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ فقال: «سبحان الله، تطهرين بها» فقالت عائشة: كأنها تخفي ذلك تتبعين أثر الدم، وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: «تأخذ ماء فَتَطَهَّرُ فتحسن الطُّهور أو تُبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء».
• وروى أحمد وغيره من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها ماء، فعل الله تعالى به كذا وكذا من النار " قال علي: فمن ثم عاديت شعري).
وقد أختلف العلماء في تصحيح هذا الحديث وذلك لإختلافهم في سماع حماد من عطاء كان قبل الإختلاط أم بعده، وقد رجح جماعة من العلماء وقفه.
مسألة - من فرائض الغسل غسل داخل الفم والأنف.
الصحيح في المذهب أن الأنف والفم من الوجه المأمور بغسله ولذلك يجب عندهم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وقد سبق وأن بينا أنه ظاهرهما من الوجه بخلاف باطنهما فليس من الوجه ولا تكون المواجهة بباطنهما، ورجحنا وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء للأمر بهما في أحاديث منفصلة، وليس ثمَّ دليل على ذلك في الغسل فالأقوى أنه لا يجب غسل داخل الفم ولا الأنف في الاغتسال المجزئ الذي ليس فيه وضوء وإن قلنا بالاستحباب فلا يبعد خروجا من خلاف من قال بفرضيتهما، ولما ذكر في بعض الروايات المطلقة أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمضمض ويستنشق في الغسل كحديث ميمونة رضي الله عنها المتفق عليه، قالت: «وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثا، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه»، وهو محمول على أن ذلك كان في الوضوء وقد جاء مصرحا بذلك في بعض طرق حديث ميمونة في الصحيحين قالت: «سترت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحى، فغسل قدميه».
مسألة - من فرائض الغسل غسل المرأة ما يظهر من فرجها عند القعود لحاجتها.
تمهيد - لا يجب غسل باطن الفرج: قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 255): (لا يجب غسل ما أمكن غسله من باطن فرج المرأة من جنابة، ولا نجاسة، على الصحيح من المذهب ... ). وقد علل ابن ضويان في "المنار" (1/ 40) مسألتنا بقوله: (لأنه في حكم الظاهر ولا مشقة في غسله) وطالما أنه لا يظهر إلا عند القعود فالأقوى أنه من الباطن وليس من الظاهر فلا يجب غسله، وهذا بخلاف غسل الفرج وإزالة ما به من أذي وأثر للدم كما وردت بذلك بعض ألفاظ الأحاديث.
مسألة - يجب نقض الشعر في الحيض والنفاس.
واستدلوا بما رواه الشيخان عن عائشة، قالت: خرجنا موافين لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يهل بعمرة فليهلل، فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة» فأهل بعضهم بعمرة، وأهل بعضهم بحج، وكنت أنا ممن أهل بعمرة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي وأهلي بحج».
وجه الاستدلال:
أمره صلى الله عليه وسلم لها بنقض شعرها.
مناقشة:
وتعقب الاستدلال بهذا الحديث بأن اغتسالها لم يكن للطهر من الحيض فإنها كانت لا تزال في حيضها كما أنه ليس فيه ذكر الاغتسال.
وأجيب بأن ذكر الاغتسال ورد في بعض طرق الحديث الصحيحة عند أحمد وابن ماجه والطبراني، وكونه في غسل الإحرام وهو مستحب، يدل بالأولى أنها تنقض شعرها للغسل الواجب من طهارة الحيض.
الترجيح:
والراجح أن الأمر في حديث الباب للاستحباب، وقد أمر النبي صلى الله عليه
وسلم أسماء بنت عميس أن تفرغ على نفسها من الماء وتستذفر بثوب عندما ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة (1) وليس في أي من طرقه أمرها بنقض شعرها.
ومما يؤكد الاستحباب أيضا أنه أمرها بتمشيط شعرها وليس بواجب.
ولأنه موضع من البدن، فاستوى فيه الحيض والجنابة، كسائر البدن (2) وسوف يأتي في المسألة التالية أنها لا تنقض شعرها في الجنابة.
أضف إلى أن الحديث السابق إنما هو في غسل الإحرام وليس في غسل الحيض ولا الجنابة.
وعليه فالراجح أن المرأة لا يجب أن تنقض شعرها في غسل الحيض أو النفاس.
مسألة - لا يجب نقض الشعر في الجنابة.
قال موفق الدين في "المغني" (1/ 166): (ولا يختلف المذهب في أنه لا يجب نقضه من الجنابة، ولا أعلم فيه خلافا بين العلماء، إلا ما روي عن عبد الله بن عمر، وروى أحمد في " المسند "، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير، قال.
«بلغ عائشة أن عبد الله بن عمر يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، فقالت: يا عجبا لابن عمر، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رءوسهن، لقد كنت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - نغتسل فلا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات».
واتفق الأئمة الأربعة على أن نقضه غير واجب؛ وذلك لحديث «أم سلمة، أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين».
رواه مسلم، إلا أن يكون في رأسها حشو أو سدر يمنع وصول الماء إلى ما تحته، فيجب إزالته، وإن كان خفيفا لا يمنع، لم يجب، والرجل والمرأة في هذا سواء، وإنما اختصت المرأة بالذكر؛ لأن العادة اختصاصها بكثرة الشعر وتوفيره وتطويله).12
فائدة:
جاء في بعض الروايات في حديث أم سلمة رضي الله عنها السابق عند مسلم وغيره زيادة ذكر الحيض مع الجنابة، وهي زيادة شاذة.
وهذه الزيادة في الحديث عمدة في ترجيح عدم وجوب نقض الشعر في غسل الحيض ولكنها لا تصح وقد سبق بيان الراجح آنفا.
مسألة - يكفي الظن في الإسباغ.
روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا اغتسل من الجنابة، غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده».
ويكفي غلبة الظن هنا؛ لأن الوصول إلى اليقين قد يتعذر ويجر إلى الوسوسة والإسراف في الماء.