ـ[الثامن: أن يكون بتراب طهور مباح غير محترق له غبار يعلق باليد فإن لم يجد ذلك صلى الفرض فقط على حسب حاله ولا يزيد في صلاته على ما يجزئ ولا إعادة .. ]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو المنذر المنياوي
- الكتاب
- التحرير شرح الدليل (شرح دليل الطالب) - كتاب الطهارة
- المؤلف
- أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي
- الناشر
- المكتبة الشاملة، مصر
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الطبعة الورقية)]
الأدلة والمناقشة:
اعتبر الحنابلة أن الدم حيض والانقطاع طهر، إلا أن يتجاوزا معا أكثر الحيض فتكون مستحاضة.
ودليلهم على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222] قالوا: فإن ارتفع الأذى زال حكمه.
واستدلوا بما رواه الدارمي وغيره عن أنس بن سيرين قال: استحيضت امرأة من آل أنس، فأمروني فسألت ابن عباس، فقال: «أما ما رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة من النهار فلتغتسل وتصلي» وكلاهما محمول على عدم عود الدم وعلى رؤية القصة البيضاء.
الترجيح:
الراجح أن النقاء المتخلل زمن الحيض من الحيض ما لم تر القصة البيضاء، وتكليف المرأة بالاغتسال زمن حيضها فيه مشقة وهو من الحرج المرفوع عنا قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (19/ 238): (والأصل في كل ما يخرج من الرحم أنه حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة؛ لأن ذلك هو الدم الأصلي الجبلي وهو دم ترخيه الرحم ودم الفساد دم عرق ينفجر؛ وذلك كالمرض؛ والأصل الصحة لا المرض.
فمتى رأت المرأة الدم جار من رحمها فهو حيض تترك لأجله الصلاة.
ومن قال: إنها تغتسل عقيب يوم وليلة فهو قول مخالف للمعلوم من السنة وإجماع السلف؛ فإنا نعلم أن النساء كن يحضن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكل امرأة تكون في أول أمرها مبتدأة قد ابتدأها الحيض ومع هذا فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم واحدة منهن بالاغتسال عقب يوم وليلة.
ولو كان ذلك منقولا لكان ذلك حدا لأقل الحيض والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحد أقل الحيض باتفاق أهل الحديث).
مسألة - تقضي الحائض والنفساء الصوم لا الصلاة.
قال ابن ضويان في "المنار" (1/ 58): (لحديث معاذة أنها سألت عائشة رضي الله عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم،
ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء
الصلاة رواه الجماعة.
وقالت أم سلمة: كانت المرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء صلاة النفاس رواه أبو داود).
ـ[فصل
ومن جاوز دمها خمسة عشر يوما فهي مستحاضة فتجلس من كل شهر ستا أو سبعا بتحر حيث لا تمييز ثم تغتسل وتصوم وتصلي بعد غسل المحل وتعصبه وتتوضأ في وقت كل صلاة وتنوي بوضوئها الاستباحة وكذا يفعل كل من حدثه دائم.
ويحرم وطء المستحاضة ولا كفارة.
والنفاس: لا حد لأقله وأكثره أربعون يوما ويثبت حكمه بوضع ما يتبين فيه خلق إنسان.
فإن تخلل الأربعين نقاء فهو طهر لكن يكره وطؤها فيه.
ومن وضعت ولدين فأكثر فأول مدة النفاس من الأول فلو كان بينهما أربعون يوما فلا نفاس للثاني.
وفي وطء النفساء ما في وطء الحائض.
ويجوز للرجل شرب دواء مباح يمنع الجماع وللأنثى شربه لحصول الحيض ولقطعه .. ]ـ
المستحاضة: بدأ الماتن هنا في الكلام على أحكام المستحاضة:
مسألة - من جاوز دمها خمسة عشر يوما فهي مستحاضة فتجلس من كل شهر ستا أو سبعا بتحر حيث لا تمييز ثم تغتسل وتصوم وتصلي بعد غسل المحل وتعصبه.
قال ابن ضويان في "المنار" (1/ 59): ("ومن جاوز دمها خمسة عشر يوما فهي مستحاضة"؛ لأنه لا يصلح أن يكون حيضا فإن كان لها عادة قبل الإستحاضة جلستها ولو كان لها تمييز صالح لعموم قوله صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة: "امكثي قدر ما كانت تحسبك حيضتك ثم اغتسلي وصلي" رواه مسلم فإن لم يكن لها عادة أو نسيتها فإن كان دمها متميزا بعضه أسود ثخين منتن وبعضه رقيق أحمر وكان الأسود لا يزيد على أكثر الحيض ولا ينقص عن أقله فهي مميزة حيضها زمن الأسود فتجلسه ثم تغتسل وتصلي لما روي أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يارسول الله: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: "لا إن ذلك عروق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" متفق عليه وفي لفظ: "إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي إنما هو عرق" رواه النسائي وقال ابن عباس: "ما رأت الدم البخر أي فإنها تدع الصلاة إنها والله إن ترى الدم بعد أيام محيضها إلا كغسالة ماء اللحم" وإن لم يكن لها عادة ولا تمييز فهي متحيرة.
"فتجلس من كل شهر ستا أو سبعا بتحر حيث لا تمييز ثم تغتسل وتصوم وتصلي بعد غسل المحل وتعصيبه" لحديث حمنة بنت جحش قالت: قلت يارسول الله إني أستحاض حيضة شديدة فما ترى فيها؟ قال "أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم" قالت: هو أكثر من ذلك قال: "فاتخذي ثوبا" قالت: هو أكثر من ذلك قال: "فتلجمي" قالت: إنما أثج ثجا فقال لها: "سآمرك بأمرين أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الآخر فإن قويت عليهما فأنت أعلم" فقال لها: "إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ئم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي أربعا وعشرين أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإن ذلك يجزئك وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن" الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه).
مسألة - تتوضأ المستحاضة في وقت كل صلاة.
سبق وأن رجحنا أن من نواقض الوضوء الخارج من السبيلين قليلا كان أو كثيرا طاهرا كان أو نجسا، ما لم يكن نادرا جافا، وسبق ترجيح أن رطوبة فرج المرأة طاهرة ولكنها ناقضة للوضوء، وعليه فالمستحاضة ومثلها صاحب سلس البول ونحوهما من أهل الأعذار يتوضئون لكل صلاة طالما أن الخارج مستمر، ويصلون بحسب حالهم لعذرهم عن إزالة الحدث داخل الصلاة.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 378): (مراده بقوله (وتتوضأ لوقت كل صلاة) إذا خرج شيء بعد الوضوء فأما إذا لم يخرج شيء: فلا تتوضأ على الصحيح من المذهب، جزم به في المغني، والشرح، وغيرهما، وقدمه في الفروع وغيره، ونص عليه فيمن به سلس البول).
• وبالنسبة للأحاديث الواردة في ذلك من أمره صلى الله عليه وسلم المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة فقد اختلف العلماء في تصحيح هذا الحديث اختلافا كثيرا وقد توسع في تخريجه الشيخ الدبيان في موسوعته وضعفه مرفوعا وصححه من قول عروة بن الزبير.
مسألة - تنوي المستحاضة بوضوئها الاستباحة.
المقصود أنها تنوي استباحة الصلاة لا رفع الحدث؛ لأن الحدث دائم.
فائدة:
من أعتيد انقطاع حدثه زمنا يتسع لفعل الوضوء والعبادة فإنه يتعين عليه، وينوي رفع الحدث، وكذلك من كان يلحقه السلس، وهو قائم توضأ وهو جالس وصلى جالسا وهكذا مراعاة لتحصيل شرط الصلاة.
مسألة - وكذا يفعل كل من حدثه دائم.
المقصود أن أصحاب الأعذار كمن به سلس بول وكثرة المذي، ونحو ذلك فإنه يراعي ما سبق ذكره من أحكام للمستحاضة من غسل المحل وعصبه والوضوء لكل صلاة.
مسألة - يحرم وطء المستحاضة، ولا كفارة.
قال الشيخ العثيمين في " الشرح الممتع" (1/ 503): (قوله: «ولا توطأ إلا مع خوف العنت»، يعني: أن المستحاضة لا يحل وطؤها إلا مع خوف العنت، أي: المشقة بترك الوطء ـ هذا هو المذهب ـ إلا أن هذا التحريم ليس كتحريم وطء الحائض كما سيأتي.
واستدلوا بما يلي:
1 - قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]. فجعل الله علة الأمر باعتزالهن أن الدم أذى، ومعلوم أن دم الاستحاضة أذى فهو دم مستقذر نجس.
2 - أنه عند الوطء يتلوث الذكر بالدم، والدم نجس، والأصل أن الإنسان لا يباشر النجاسة إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
لكن تحريم وطء المستحاضة أهون من تحريم وطء الحائض لأمور هي:
1 - أن تحريم وطء الحائض نص عليه القرآن، أما وطء المستحاضة فإنه إما بقياس، أو دعوى أن النص شمله.
2 - أنه إذا خاف الرجل أو المرأة المشقة بترك الجماع جاز وطء المستحاضة، بخلاف الحائض فلا يجوز إلا عند الضرورة.
3 - أنه إذا جاز وطء المستحاضة للمشقة، فلا كفارة فيه بخلاف وطء الحائض.
القول الثاني: أنه ليس بحرام، وهو الصحيح، ودليل ذلك:
1 - قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223].
2 - أن الصحابة رضي الله عنهم الذين استحيضت نساؤهم وهن حوالي سبع عشرة امرأة، لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحدا منهم أن يعتزل زوجته، ولو كان من شرع الله لبينه صلى الله عليه وسلم لمن استحيضت زوجته، ولنقل حفاظا على الشريعة، فلما لم يكن شيء من ذلك علم أنه ليس بحرام.
3 - البراءة الأصلية، وهي الحل.
4 - أن دم الحيض ليس كدم الاستحاضة، لا في طبيعته، ولا في أحكامه؛ ولهذا يجب على المستحاضة أن تصلي، فإذا استباحت الصلاة مع هذا الدم فكيف لا يباح
وطؤها؟ وتحريم الصلاة أعظم من تحريم الوطء.
ولا يسلم أنه داخل في الآية؛ لأن الله قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222].فقوله: «هُوَ» ضمير يدل على التخصيص، أي: هو لا غيره أذى.
5 - أن الحيض مدته قليلة، فمنع الوطء فيه يسير؛ بخلاف الاستحاضة فمدتها طويلة؛ فمنع وطئها إلا مع خوف العنت فيه حرج والحرج منفي شرعا.
وأما كون الذكر يتلوث عند الوطء بالدم النجس؛ فإن قلنا: إنه يعفى عن يسير دم الاستحاضة فلا إشكال؛ لأن ما يعلق منه بالذكر يسير، وإن قلنا: لا يعفى عنه فهو مباشرة للدم غير مقصودة ولا مستمرة؛ إذ يجب عليه غسله بعد ذلك.
لكن إذا استقذره، وكره أن يجامع مع رؤية الدم؛ فهذا شيء نفسي لا يتعلق به حكم شرعي، فقد يكره الإنسان الشيء كراهة نفسية، ولا يلام إذا تجنبه، كما كره النبي صلى الله عليه وسلم أكل الضب مع أنه حلال، وقال: إنه ليس في أرض قومي فأجدني أعافه».
النفاس:
مسألة - النفاس لا حد لأقله.
وهو مذهب الأئمة الثلاثة والمشهور عند الحنابلة، وهو الراجح؛ فإن أقل حد للنفاس لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلا وكثيرا فالعبرة بانقطاع الدم.
مسالة - أكثر النفاس أربعون يوما.
روى أحمد وغيره عن أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: " كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما".
وجه الاستدلال:
هذا الحديث خبر من أم سلمة - رضي الله عنها - وظاهره مشكل فاتفاق كل النساء على عادة في النفاس بعيد، ويحتمل أن يكون من باب إطلاق الكل وإرادة البعض كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: 19] أي أناملهم،
فالمقصود بعض النفساء أو قد تجلس (1)، والمراد تحديد أقصى مدة وصلت لها النساء على عهده - صلى الله عليه وسلم -، وهذا لا يمنع من أن بعضهن قد يطهر قبل ذلك.
وروى الدارمي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «تنتظر النفساء أربعين يوما أو نحوها».
قال الترمذي في "سننه" (1/ 258): (أجمع أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والتابعين، ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي).
قال ابن عبد البر في " الاستذكار" (1/ 355): (ليس في مسألة أكثر النفاس موضع للإتباع والتقليد إلا من قال بالأربعين فإنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مخالف لهم منهم وسائر الأقوال جاءت عن غيرهم ولا يجوز عندنا الخلاف عليهم بغيرهم لأن إجماع الصحابة حجة على من بعدهم والنفس تسكن إليهم فأين المهرب عنهم دون سنة ولا أصل وبالله التوفيق).
تنبيه:
قوله صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة لما حاضت: (أنفست؟) يدل على أن الحيض نفاس والنفاس حيض فإذا تقرر ذلك فلماذا لم نذهب إلى أن أكثر النفاس لا حد له كأكثر الحيض.
والجواب عن ذلك أننا سق وقد رجحنا أنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولكن المرأة الحائض لابد وأن يشتمل شهرها على طهر وحيض، فمن استمر بها الدم ولم يكن لها عادة ولم تستطع التمييز فإنها ترد إلى غالب عادة النساء كما سبق تفصيل ذلك ويكون ما زاد استحاضة.
أما في النفاس فقد يستمر بالمرة التي لا عادة لها، ولا تستطيع التمييز، وليس هناك عادة غالبة كما في الحيض لذلك كلن لابد من جعل حد لأكثره حتى تكون المرأة بعده مستحاضة وأقربها التحديد بالأربعين.1
مسألة - يثبت حكم النفاس بوضع ما يتبين فيه خلق إنسان.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 387): (يثبت حكم النفاس بوضع شيء فيه خلق الإنسان، على الصحيح من المذهب، ونص عليه، قال ابن تميم، وابن حمدان، وغيرهما: ومدة تبيين خلق الإنسان غالبا: ثلاثة أشهر.
وقد قال المصنف في هذا الكتاب في باب العدد: وأقل ما يتبين به الولد: واحد وثمانون يوما.
فلو وضعت علقة أو مضغة لا تخطيط فيها، لم يثبت لها بذلك حكم النفاس، نص عليه وقدمه في الفروع، والمجد في شرحه، وصححه، وابن تميم، والفائق ... ).
والدليل على ذلك ما رواه الشيخان عن عبد الله رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، قال: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح ... ) الحديث.
والنطفة في اللغة هي الماء القليل والمقصود أنه المني الذي لا ينعقد، والعلقة وهي القطعة من العلق، وهو الدم الجامد تنحدر من موضع في البدن لتعلق بجدار الرحم، والمضغة: وهي القطعة الصغيرة من اللحم، على قدر ما يمضغه الآكل، والمضغة تكون مع بداية الأربعين الثالثة وفيها يبدأ التخليق، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾ [المؤمنون: 12 - 14] فالمضعة هي بداية التخليق، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: 5] ومعنى كون المضعغة مخلقة وغير مخلقة 1 أي تامة كاملة الخلقة، سالمة من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت
الناس في خلقهم، وصورهم، وطولهم، وقصرهم، وتمامهم، ونقصانهم.
وعلى ذلك لو وضعت نطفة، أو علقة، أو مضغة لا تخطيط فيها لم يثبت لها بذلك حكم النفاس.
إشكال:
روى مسلم في "صحيحه" عن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: " إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكا، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك " الحديث.
قال السيوطي في " الديباج على مسلم" (6/ 9): (قال القاضي وغيره ليس هو على ظاهره ولا يصح حمله على ظاهره بل المراد بتصويرها إلخ أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجود في العادة وإنما يقع في الأربعين الثالثة وهي مدة المضغة) والأولى منه ما قاله ابن القيم في "التبيان في أقسام القرآن" (ص: 218): (هنا تصويران أحدهما تصوير خفي لا يظهر وهو تصوير تقديري كما تصور حين تفصل الثوب أو تنجر الباب مواضع القطع والتفصيل فيعلم عليها ويضع مواضع الفصل والوصل وكذلك كل من يضع صورة في مادة لاسيما مثل هذه الصورة ينشىء فيها التصوير والتخليق على التدريج شيئا بعد شيء لا وهلة واحدة كما يشاهد بالعيان في التخليق الظاهر في البيضة ... ).
مسألة - فإن تخلل الأربعين نقاء فهو طهر.
وقل ابن أبي تغلب في "نيل المآرب" (1/ 27): (ولو كان النقاء أقل من يوم كالنقاء زمن عادة الحيض).
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 386): (ظاهر قوله " وإذا انقطع دمها في مدة الأربعين ثم عاد فيها " أن الطهر الذي بينهما، سواء كان قليلا أو كثيرا: طهر صحيح، وهو صحيح، وهو المذهب.
وعليه الأصحاب).
والراجح أن هذا الانقطاع من النفاس، كالذي يتخلل عادة الحيض من الحيض ما لم يريا القصة البيضاء كما سبق تفصيل ذلك قريبًا.
مسألة - يكره وطء المرأة في النقاء الذي يتخلل الأربعين.
والراجح عدم الكراهة إن رأت القصة البيضاء، قال الشيخ العثيمين في " الشرح الممتع" (1/ 513): (قوله: «ويكره وطؤها قبل الأربعين بعد التطهر»، أي: يكره وطء النفساء إذا تطهرت قبل الأربعين.
واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 - أن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه لما طهرت زوجته قبل الأربعين وأتت إليه قال: «لا تقربيني».
وهو من الصحابة، وقوله: «لا تقربيني» نهي، وأقله الكراهة.
2 - وخوفا من أن يرجع الدم، لأن الزمن زمن نفاس.
فأخرجوا حكم الوطء عن الحكم الأصلي، وهو التحريم في حالة نزول الدم إلى الكراهة بانقطاعه؛ لزوال علة التحريم وهو الدم، فلماذا لا يخرج عن التحريم إلى الإباحة؟ لأن وطء النفساء إما حلال، وإما حرام، والكراهة تحتاج إلى دليل، ولا دليل.
فالراجح: أنه يجوز وطؤها قبل الأربعين إذا تطهرت.
وقول عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه يجاب عنه بما يلي:
1 - أنه ضعيف (1).
2 - أنه قد يتنزه عن ذلك دون أن يكون مكروها عنده، فلا يدل على الكراهة.
3 - أنه ربما كان فعله من باب الاحتياط، فقد يخشى أنها رأت الطهر وليس بطهر، أو يخشى أن ينزل الدم بسبب
الجماع، أو غير ذلك من الأسباب).
وأما إن قصد انقطاع الدم مع معاودته فهو محرم وقد سبق ترجيح أنه من النفاس.
فائدة:
الصحيح من المذهب التفريق بين وطء المرأة في النقاء المتخلل العادة،1
والمتخلل الأربعين، فالأول غير مكروه والثاني مكروه، ولعله راعي في الأول تكرره كل شهر والثاني عدم تكرره فلا مشقة.
وهذا هو أحد الفروق بين الحيض والنفاس في الأحكام وسوف يأتي باقي الفرق قريبا بإذن الله - تعالى -.
مسألة - من وضعت ولدين فأكثر فأول مدة النفاس من الأول، فلو كان بينهما أربعون يوما فلا نفاس للثاني.
قال البهوتي في " شرح منتهى الإرادات" (1/ 123): ((ومن وضعت توأمين) أي ولدين (فأكثر، فأول نفاس وآخره من) ابتداء خروج (الأول) كما لو انفرد الحمل (فلو كان بينهما) أي الولدين (أربعون) يوما فأكثر (فلا نفاس للثاني) بل هو دم فساد ; لأنه تبع للأول.
فلم يعتبر في آخر النفاس.
كما لا يعتبر في أوله).
الترجيح:
الراجح أنها تستأنف مدة جديدة للثاني إذا تجدد له دم؛ لأنه دم خارج بسبب ولادة مستقلة وإن كانت عن حمل واحد، فهي ولادة مستقلة وقد خرج بسببها هذا الدم فكان الواجب اعتباره لا إلغائه (1).
قال الشيخ العثيمين في " الشرح الممتع" (1/ 520): (والراجح: أنه إذا تجدد دم للثاني، فإنها تبقى في نفاسها، ولو كان ابتداؤه من الثاني، إذ كيف يقال: ليس بشيء، وهي ولدت وجاءها دم؟!).
مسألة - في وطء النفساء ما في وطء الحائض.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 349): (قال في النكت: قد يؤخذ من كلام بعض الأصحاب إيماء إلى أن الكفارة تجب بوطء النفساء رواية واحدة، بخلاف الحيض.
وذلك لأن دواعي الجماع في النفاس تقوى لطول مدته غالبا.
فناسب تأكيد الزاجر بخلاف الحيض.
قال: وهو ظاهر كلامه في المحرر.
والذي نص عليه الإمام1
أحمد والأصحاب: إن وطء النفساء كوطء الحائض في وجوب الكفارة؛ لأن الحيض هو الأصل في الوجوب).
وقال البهوتي في " شرح منتهى الإرادات" (1/ 112): (الكفارة بالوطء فيه (ونفاس مثله) أي مثل الحيض فيما يمنعه ويوجبه (إلا) في ثلاثة أشياء (اعتداد) لأنه ليس بقروء، فلا تتناوله الآية (وكونه) أي النفاس (لا يوجب بلوغا) لأنه حصل بالإنزال السابق للحمل (و) كونه (لا يحتسب به في مدة إيلاء) أي الأربعة أشهر التي تضرب للمولى لطول مدته، بخلاف الحيض).
وهذا هو الراجح قياسا على الحيض.
مسألة - يجوز للرجل شرب دواء مباح يمنع الجماع.
يعني عند الحاجة إليه كزمن الحيض أو النفاس، أو إن لم له زوجة لتخفيف الشهوة، ويشترط ألا يكون الدواء يقطع النسل بالكلية لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون رضي الله عنه عن التبتل، ويشترط ألا يكون الدواء له ضرر، فإن كان له زوجة فبإذنها لأنه يفوت عليها حقها من النسل المقصود، ومن هذه الأدوية الكافور ونحوه.
مسألة - يجوز للأنثى شرب دواء مباح لحصول الحيض ولقطعه.
بالضوابط السابقة قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 383): (فائدتان: إحداهما- يجوز شرب دواء مباح لقطع الحيض مطلقا.
مع أمن الضرر، على الصحيح من المذهب، نص عليه.
وقال القاضي: لا يباح إلا بإذن الزوج.
كالعزل قلت: وهو الصواب، قال: في الفروع يؤيده: قول أحمد في بعض جوابه " والزوجة تستأذن زوجها " وقال: ويتوجه يكره.
وقال: وفعل الرجل ذلك بها من غير علم يتوجه تحريمه، لإسقاط حقها مطلقا من النسل المقصود.
وقال: ويتوجه في الكافور ونحوه له لقطع الحيض.
قلت: وهو الصواب الذي لا شك فيه.
قال في الفائق: ولا يجوز ما يقطع الحمل.
ذكره بعضهم.
الثانية: يجوز شرب دواء لحصول الحيض.
ذكره الشيخ تقي الدين، واقتصر عليه في الفروع، إلا قرب رمضان لتفطره ... ).
قال الشيخ العثيمين في " مجموع الفتاوى" (11/ 331): (استعمال المرأة ما يمنع حيضها جائز بشرطين:
الأول: ألا يخشى الضرر عليها، فإن خشي الضرر عليها من ذلك فلا يجوز لقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).
(وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً).
الثاني: أن يكون ذلك بإذن الزوج إن كان له تعلق به مثل أن تكون معتدة منه على وجه تجب عليه نفقتها، فتستعمل ما يمنع الحيض لتطول المدة وتزداد عليه نفقتها، فلا يجوز لها أن تستعمل ما يمنع الحيض حينئذ إلا بإذنه، وكذلك إن ثبت أن منع الحيض يمنع الحمل فلا بد من إذن الزوج، وحيث ثبت الجواز فالأولى عدم استعماله، إلا لحاجة لأن ترك الطبيعة على ما هي عليه أقرب إلى اعتدال الصحة فالسلامة.
- وأما استعمال ما يجلب الحيض فجائز بشرطين أيضاً:
الأول: ألا تتحيل به على إسقاط واجب، مثل أن تستعمله قرب رمضان، من أجل أن تفطر أو لتسقط به الصلاة، ونحو ذلك.
الثاني: أن يكون ذلك بإذن الزوج، لأن حصول الحيض يمنعه من كمال الاستمتاع، فلا يجوز استعمال ما يمنع حقه إلا برضاه، وإن كانت مطلقة، فإن فيه تعجيل إسقاط حق الزوج من الرجعة إن كان له رجعة).
تنبيه:
ينبغي لفت النظر إلى أن بعض النساء قد يتناولن حبوب رفع الحيض اعتراضا على قدر الله عليهن، محاولة منهن لتسوية الرجل في الأحكام، وإعراضا عن الرخصة، وهذا محرم، وفي الحديث المتفق عليه لما حاضت أم المؤمنين عائشة قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم)، وروى أحمد وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته ".
تم شرح كتاب الطهارة من دليل الطالب بحمد الله تعالى وتوفيقه ويتبعه كتاب الصلاة بإذن الله تعالى وقوته، والله المستعان وعليه البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أسأل الله العظيم أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يدخر لي أجره يوم لا ينفع مال ولا بنون
أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي
عفا الله عنه
سبحانك اللهم وبحمد أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.