ـ[وهو ما تغير كثير من لونه أو طعمه أو ريحه بشيء طاهر فإن زال تغيره بنفسه عاد إلى طهوريته .. ]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو المنذر المنياوي
- الكتاب
- التحرير شرح الدليل (شرح دليل الطالب) - كتاب الطهارة
- المؤلف
- أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي
- الناشر
- المكتبة الشاملة، مصر
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الطبعة الورقية)]
مسألة - من الماء الطاهر ما تغير كثير من لونه أو طعمه أو ريحه بشيء طاهر:
معنى عبارته أن من الماء الطاهر ما تغير كثير - وهذا قيد هام فإن كان التغير قليلا فلا يدخل في كلامه - من أحد أوصافه اللون أو الطعم أو الرائحة بشيء طاهر.
وهذه العبارة لابد من تقييد هذا الطاهر المُغيِّر بأمور وإلا لما استقامت العبارة وأصبحت غير صحيحة.
لابد من تقييد الطاهر المُغِّير بأن يكون:
1 - من غير جنس الماء كالملح المعدني، وذلك تحرزا من الملح المائي فإنه طاهر ويغير الماء ولكنه لا يسلبه طهوريته.
2 - أن يكون بوضع ما يشق صون الماء عنه، فما يشق صون الماء عنه
كالطحلب وورق الشجر إن غيَّر الماء لا يسلبه الطهورية ولكنه إن وضع قصدا سلبه الطهورية.
3 - أن يكون غير موافق للماء في الطهورية كالتراب فإنه لا يسلب الماء طهوريته.
4 - أن يكون مما يمازج الماء كالزعفران والحبر، ونحوهما، وذلك تحرزا مما لا يمازجه كالدُهْن فإنه لا يسلب الماء طهوريته.
5 - ألا يكون في محل التطهير تحرزا مما لو كان التغير في محل التطهير فإنه لا يسلبه الطهورية وسيأتي الكلام على هذه المسألة بإذن الله.
6 - ألا يكون تمرا ويصير نبيذا ويشتد، وهذه حالة خاصة من التغير الكثير لأحد أوصاف الماء بالطاهر وتحوله إلى طاهر أيضا، فالنبيذ إذا اشتد أو أتى عليه ثلاثة أيام فإنه يصير نجسا، وسيأتي الكلام على هذه المسألة - إن شاء الله -.
فائدة - حد التغير الكثير:
هناك أنواعا من التغير تخرج الماء عن إطلاقه بحيث لا يسمى ماء بإطلاق بل يسمى مضافا.
قال ابن قدامة في "المغني" (1/ 24): (إن المضاف لا تحصل به الطهارة وهو على ثلاثة أضرب أحدها: ما لا تحصل به الطهارة رواية واحدة وهو على ثلاثة أنواع أحدها ما اعتصر من الطاهرات كماء الورد وماء القرنفل وما ينزل من عروق الشجر إذا قطعت رطبة.
الثاني: ما خالطه طاهر فغير اسمه وغلب على أجزائه حتى صار صبغا أو حبرا أو خلا أو مرقا ونحو ذلك.
الثالث: ما طبخ فيه طاهر فتغير به كماء الباقلا المغلي فجميع هذه الأنواع لا يجوز الوضوء بها ولا الغسل ... قال أبو بكر بن المنذر أجمع كل من نحفظ قوله من أهل العلم أن الوضوء غير جائز بماء الورد وماء الشجر وماء العصفر ولا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق يقع عليه اسم الماء ولأن الطهارة إنما تجوز بالماء وهذا لا يقع عليه اسم الماء بإطلاقه).
وغير هذه الأنواع مما سبق ذكره لا تخرج الماء عن إطلاقه وتدخل على الراجح في الماء الطهور.
مسألة - فإن زال تغير الماء الطاهر بنفسه عاد إلى طهوريته.
وتعقب اللبدي قوله (بنفسه) فقال في "حاشيته على نيل المآرب" (ص/12): (ليس بقيد, بل إن زال تغيره بإضافة ونحوها عاد إلى طهوريته).
إذن يعود الماء الطاهر المتغير لطهوريته بزوال التغير بنفسه، أو بضم شيء إليه وفي الأخير تفصيل سوف يأتي بإذن الله.
ـ
ومن الطاهر: ما كان قليلا واستعمل في رفع حدث ..
ـ
• حد القِلة: وحد القلة هو ما كان دون القلتين قال ابن قدامة في "الكافي" (1/ 7): (جعلت القلتان حدا بين القليل والكثير) وسوف يأتي بإذن الله الكلام على تحديد القُلة.
• معنى الاستعمال: سبق بيان معنى الاستعمال وأنه هو الماء المنفصل عن أعضاء المتطهر لا الماء المتبقي الذي يعترف منه.
• جميع الأحداث سواء: قال ابن قدامة في " المغني" (1/ 29): (جميع الأحداث سواء فيما ذكرنا - أي في سلبها لطهورية الماء القليل باستخدامها فيه - الحدث الأصغر والجنابة والحيض والنفاس وكذلك المنفصل من غسل الميت إذا قلنا بطهارته - وذلك لأن هناك رواية أخرى في المذهب بنجاسة المستعمل في غسل الميت -.
مسألة - من الطاهر ما كان قليلا واستعمل في رفع حدث:
والمذهب به ثلاث روايات في هذا الماء الرواية المقدمة والتي عليها جماهير الأصحاب وهي ما اختارها الماتن أنه طاهر مسلوب الطهورية، والثانية أنه طهور، والثالثة انه نجس.
• يستدل للرواية المصححة في المذهب -: بما رواه مسلم عن أبي السَّائِبِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: «يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا».
وجه الاستدلال:
قال الزركشي في "شرحه على مختصر الخرقي" (1/ 13): (فلولا أن الغسل فيه لا يجزئ، وأن طهوريته تزول لم ينه عن ذلك).
المناقشة:
العلة غير منصوصة والجزم بأنها لخروجه عن الطهورية تحكم بلا دليل، والأولى أن تكون العلة النهي عن الاغتسال فيه لئلا يصير مستخبثا بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه.
والدليل على أنه لا يصير مستعملا فهم أبو هريرة للحديث وقوله بأن يجوز أن يتناول منه للاغتسال أو الوضوء كما ورد في بعض طرق الحديث فدل على أن غمسه يده فيه للتناول بنية رفع الحدث لا تخرج الماء عن طهوريته.
ومن الأدلة على أنه غير مسلوب الطهورية:
• - ما سبق ذكره من أدلة تدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل بفضل نسائه من الجنابة، وهذا الماء لا يسلم من تطاير رشاش إليه وتناول ونحو ذلك، وقد علل النبي اغتساله من هذا الماء بقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أحمد (6/ 330) من حديث ميمونة - رضي الله عنها - مرفوعا: (الماء ليس عليه جنابة أو لا ينجسه شيء) وله شواهد يصح بها يدل على أنه لا ينتقل إليه الحدث.
• - وأيضا قال ابن حزم في " المحلى" (1/ 184): (لا يختلف اثنان من أهل الإسلام في أن كل متوضئ فإنه يأخذ الماء فيغسل به ذراعيه من أطراف أصابعه إلى مرفقه وهكذا كل عضو في الوضوء وفي غسل الجنابة وبالضرورة والحس يدري كل ما مشاهد لذلك أن ذلك الماء قد وضئت به الكف وغسلت ثم غسل به أول الذراع ثم آخره وهذا ماء مستعمل بيقين ثم إنه يرد يده إلى الإناء وهي تقطر من الماء الذي طهر به العضو فيأخذ ماء آخر للعضو الآخر فبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أنه لم يطهر العضو الثاني إلا بماء جديد قد مازجه ماء آخر مستعمل في تطهير عضو آخر وهذا ما لا مَخْلَصَ منه).
ولا وجه لقول من فرق بين الماء الذي يجري على يد المغتسل وعضو المتوضئ على وجه الاتصال وبين الماء المنفصل أو الذي ينتقل من عضو لعضو آخر لا يتصل به، وذلك لأن علة كونه مستعملا عندهم أن الحدث انتقل إليه بعد أن رفعه عن العضو فلا فرق بين أن ينفصل حقيقة عن العضو أو يبقى عليه بعد رفع الحدث عنه.
• ومن الأدلة أيضا كل ما سبق من أدلة تدل على أن قسمة الماء ثنائية فمفادها عدم وجود هذا القسم وان ما كان من الماء متغيرا تغيرا حكميا باستعماله في رفع حدث يدخل في الماء الطهور؛ لأنه ليس بنجس ولا يكون مسلوب الطهورية.
الترجيح:
وبعد فالراجح هو كون الماء المستعمل في إزالة حدث طهور، وأن هذا الاستعمال لا يسلبه طهوريته.
ـ
ما كان قليلا وانغمست فيه كل يد المسلم المكلف النائم ليلا نوما ينقض الوضوء قبل غسلها ثلاثا بنية وتسمية وذلك واجب ..
ـ
• التقييد بكون الماء دون القلتين:
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 38): (محل الخلاف إذا كان الماء الذي غمس يده فيه دون القلتين أما إن كان قلتين فأكثر فلا يؤثر فيه الغمس شيئا بل هو باق على طهوريته قاله الأصحاب وهو واضح).
• حكم غسلها قبل الغمس:
الخلاف هنا مبني على الخلاف في وجوب غسلها إذا قام من النوم، فمن قال بالوجوب فإن الغمس عنده يؤثر
في الماء - بناء على القسمة الثلاثية - ويسلبه طهوريته، ومن قال بالاستحباب فلا يسلبه طهوريته، ويكون كالطهارة المستحبة.
الماتن هنا عد هذا القسم من الماء المسلوب الطهورية يعني الغمس يؤثر في الماء إذن هو يرجح وجوب غسل اليدين إذا قام من النوم قبل غمسها في الإناء
وهذا صريح في عبارته حيث قال في آخرها: (قبل غسلها ثلاثا بنية وتسمية وذلك واجب).
روى البخاري (1/ 72) (160)، ومسلم (1/ 233) (278) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده) وليس عند البخاري التثليث.
وهذا الحديث ظاهر في وجوب غسل اليد ثلاثا قبل أن يغمسها في الإناء، وقد اعتذر الجمهور عن الوجوب بأن التعليل بأمر يقتضي الشك قرينة صارفة عن الوجوب إلى الندب.
وقد ردَّ ذلك الشوكاني فقال معقبا في "نيل الأوطار" (1/ 170): (وقد دفع بأن التشكيك في العلة لا يستلزم التشكيك في الحكم وفيه أن قوله: (لا يدري أين باتت يده) ليس تشكيكا في العلة بل تعليلا بالشك وأنه يستلزم ما ذكر).
• هل يشترط أن يكون مسلما مكلفا:
ظاهر قول الماتن - رحمه الله -: (المسلم المكلف) أن غمس الكافر، أو الصبي، والمجنون لا يؤثر في الماء، وهذا الظاهر صححه المرداوي، ومال إليه ابن قدامة في "المغني"، واختاره المجد في "شرح الهداية"، وغيرهم، والذي أراه أنه لا فرق بين غمس وغمس - على اعتبار أن الغمس يسلب الماء طهوريته- وذلك لأن الشارع جعل غمس القائم من النوم يده في الإناء سببا لسلب الماء طهوريته، وهذا من الأحكام الوضعية، ومن استدل على التفريق فقد نظر إليه من ناحية الحكم التكليفي على أن الأقوى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة على أصح قولي المذهب بشرط تقدم الإسلام.
أضف أن شمول الحكم للكافر والصبي والمجنون أولى من المسلم العاقل البالغ فالصبي لا يحسن الطهارة والكافر لا يستنزه من البول، والمجنون لا يعقل فهؤلاء أولى بسلب الماء طهوريته من المسلم العاقل البالغ الذي يحسن الطهارة ويستنزه من بوله.
• هل يختص النوم بنوم الليل؟
قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: (أين باتت يده) يدل على أن النوم
المؤثر ما كان ليلا فالبيتوتة هي الدخول في الليل، وهو المذهب.
قال الخليل بن أحمد: (البيتوتة دخولك في الليل تقول بت أصنع كذا إذا كان بالليل.
وبالنهار ظللت ومن فسر بات على النوم فقد أخطأ ألا ترى أنك تقول بت أراعي النجوم معناه بت أنظر إليها فكيف نام وهو ينظر إليها وتقول أباتهم الله إباتة حسنة فباتوا بيتوتة صالحة وأتاهم الأمر بياتا أي أتاهم في جوف الليل وبات يصلي).
والذي أراه أن نوم النهار يلحق بنوم الليل، وأنه لا يعمل مفهوم المخالفة للحديث لأن ذكر البيتوتة فيه جريا على الغالب كقوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) [النساء: 23] فالربيبة محرمة بالشرط المذكور وإن لم تكن في الحجر.
كما أن العلة متحققة في كل نوم.
وقال ابن حجر في "الفتح" (1/ 263): (التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة).
• اشتراط النية:
خالف الشيخ مرعي الصحيح من المذهب واشترط النية عند الغمس ليُسلَب الماء طهوريته.
وقد ذكر المرداوي في " الإنصاف" (1/ 42): أن المذهب وما عليه جماهير الأصحاب أن الغمس يؤثر سواء كان قبل نية غسلها أو بعده، وقال القاضي ويحتمل أن لا يؤثر إلا بعد النية.
وقد استدل ابن ضويان لاشتراط النية بحديث: (إنما الأعمال بالنيات).
والصواب عدم اشتراط النية؛ لأن العلة كما بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - هي مظنة النجاسة، وخشية تنجيس الماء، وغسل النجاسة من باب التروك لا يفتقر لنية.
• اشتراط التسمية:
اشترط التسمية أيضا أبو الخطاب قياسا على الوضوء، وهذا القياس مع الفارق للنص على التسمية في الوضوء دون غمس اليدين، وليس هو مثله في أحكامه فافترقا.
مسألة - من الماء الطاهر ما كان قليلا وانغمست فيه كل يد المسلم المكلف النائم ليلا نوما ينقض الوضوء قبل غسلها ثلاثا بنية وتسمية وذلك واجب.
والمذهب به روايتان في سلب هذا الغمس للماء طهوريته.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده) ليس فيه أن الماء يصير مستعملا، بل العلة كما هو ظاهر من الحديث هي احتمال وجود نجاسة في اليد، وكان الأولى أن يدور الخلاف بين العلماء على نجاسة الماء من عدمه، ولما كان الأصل في الماء الطهورية ونجاسة اليد مشكوك فيها فإنه لا ينتقل عن هذا الأصل بالشك، وعليه فهذا الماء طهور.
النوع الثالث - الماء النجس:
قال الماتن: