ـ[فصل: يسن لداخل الخلاء تقديم اليسرى وقول: "بسم الله" أعوذ بالله من الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ. وإذا خرج قدم اليمنى وقال: "غفرانك" "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" .. ]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو المنذر المنياوي
- الكتاب
- التحرير شرح الدليل (شرح دليل الطالب) - كتاب الطهارة
- المؤلف
- أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي
- الناشر
- المكتبة الشاملة، مصر
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الطبعة الورقية)]
مسألة - يسن لداخل الخلاء تقديم اليسرى، وإذا خرج قدم اليمنى.
والقاعدة في هذه المسألة أن كل ما كان من باب التكريم والتزين فاليمين أحق بالتقديم فيه واليسرى فيما عداه والأدلة العامة شاهدة على طرد هذا الأصل.
ولم يثبت في مسألتنا حديث بعينه وإنما هي أحاديث عامة في التيامن كقول أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها في الحديث المتفق عليه: كان النبي صلى الله عليه وسلم «يعجبه التيمن، في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله».
وأقرب الأدلة ما رواه الحاكم وحسنه الألباني عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: «من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى» ويقاس عليه الدخول الخلاء بقياس العكس.
مسألة - يسن لداخل الخلاء قول: "بسم الله" أعوذ بالله من الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ.
والدليل على ذلك ما رواه الترمذي وغيره عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سَتْرُ ما بين أعين الجن وعورات بني آدم: إذا دخل أحدهم الخلاء، أن يقول: بسم الله " والحديث فيه علل وصححه الشيخ الألباني بالشواهد.
وروى الشيخان عن أنس رضي الله عنه أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ».
فائدة:
للداخل أن يقتصر على أحدهما أو يجمعهما وما ورد من جمعهما في حديث واحد فلا يصح، وهذه الأذكار لا تختص بالمكان المعد لذلك بل يقولها حتى وإن بال في إناء مثلا في جانب البيت، أو في الفضاء.
ويقولها في البناء قبل الدخول وفي غيره في أول الشروع كتشمير ثيابه مثلا.
مسألة - يسن للخارج من الخلاء قول: "غفرانك" "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني".
روى أصحاب السنن بإسناد حسن عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الغائط قال: «غفرانك».
وأما ما رواه ابن ماجه وغيره من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء، قال: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» فلا يصح وضعفه البوصيري وغيره.
وعليه فيقتصر على قول: «غفرانك».
فائدة:
قال الخطابي في "معالم السنن" (1/ 22): (وفي تعقيبه الخروج من الخلاء بهذا الدعاء قولان أحدهما أنه قد استغفر من تركه ذكر الله تعالى مدة لبثه على الخلاء، وكان صلى الله عليه وسلم لا يهجر ذكر الله إلاّ عند الحاجة فكأنه رأى هجران الذكر في تلك الحالة تقصيرا وعده على نفسه ذنبا فتداركه بالاستغفار.
وقيل معناه التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليه فأطعمه ثم هضمه ثم سهل خروج الأذى منه فرأى شكره قاصرا عن بلوغ حق هذه النعم ففزع إلى الاستغفار منه والله أعلم).
ـ[ويكره في حال التخلي استقبال الشمس والقمر ومهب الريح والكلام والبول في إناء وشَقٍّ ونار ولا يكره البول قائما ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء بلا حائل ويكفي إرخاء ذيله وأن يبول أو يتغوط بطريق مسلوك وظل نافع وتحت شجرة عليها ثمر يقصد وبين قبور المسلمين وأن يلبث فوق قدر حاجته .. ]ـ
مسألة - يكره استقبال الشمس والقمر في حال التخلي.
الصحيح أنه لا يكره.
قال ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" (2/ 205): (إن النبي لم ينقل عنه ذلك في كلمة واحدة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل وليس لهذه المسألة أصل في الشرع).
وقال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (1/ 123): (ليس هناك دليل صحيح، بل تعليل وهو: لما فيهما من نور الله، وهذا النُّور الذي فيهما ليس نورَ الله الذي هو صفته، بل هو نورٌ مخلوق.
وفي هذا نَظر! لأن مقتضاه كراهة استقبال النُّجوم مثلاً، فإِذا قلنا بهذا قلنا: كلُّ شيء فيه نورٌ وإضاءةٌ يُكرهُ استقبالهُ! ثم إِن هذا التَّعليلَ منقوضٌ بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تستقبلوا القِبلةَ ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرِّقوا، أو غرِّبُوا».
ومعلوم أن من شرَّق أو غرَّب والشَّمس طالعة فإنه يستقبلها، وكذا لو غرَّب والشمسُ عند الغروب.
والرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يقل: إلا أن تكون الشمس أو القمر بين أيديكم فلا تفعلوا.
فالصحيح: عدمُ الكراهة لعدم الدَّليل الصَّحيح، بل ولثبوت الدَّليل الدَّالِّ على الجواز).
مسألة - يكره استقبال مهب الريح في حال التخلي.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 100): (يكره أن يستقبل الريح دون حائل يمنع) والعلة بينها ابن قدمة فقال في "المغنى" (1/ 120): (ويكره أن يستقبل الريح؛ لئلا تَرُدَّ عليه رَشاش البول، فَيُنَجِّسَهُ) أو يصاب يالوسوسة.
مسألة - يكره الكلام في حال التخلي.
وما أقوى ما يستدل به على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال " إني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهر أو قال: على طهارة " وليس الشاهد في الحديث عدم رد السلام فالسلام ذكر وهو أخص من دعوى النزاع، وإنما الشاهد عدم الاعتذار للرجل حتى الانتهاء من قضاء الحاجة ولعل النبي علم أن الرجل ينتظره فلم يكن هناك حاجة لتعجل الرد ولذلك أخر الاعتذار إليه.
ولذلك فالأولى تقييد الكراهة بأن يكون الكلام لغير حاجة أما إن احتاج إليه فلا كراهة، قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (1/ 119): (فالحاصل: أنه لا ينبغي أن يتكلَّم حال قضاء الحاجة، إلا لحاجة كما قال الفقهاء رحمهم الله، كأن يُرشِدَ أحداً، أو كلَّمه أحد لا بدَّ أن يردَّ عليه، أو كان له حاجة في شخص وخاف أن ينصرف، أو طلب ماء ليستنجي، فلا بأس).
وأما ما رواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتناجى اثنان على غائطهما، ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه، فإن الله عز وجل يمقت على ذلك» فقد اختلف في ثبوته اختلافا كثيرا وعلى فرض ثبوته فعلة النهي فيه مركبة من كلامهما مع كشفهما لعورتيهما فهو أعم من محل النزاع.
فائدة:
وقد يجب الكلام حال قضاء الحاجة، قال البهوتي في "كشاف القناع" (1/ 63): ((ويجب) الكلام على من في الخلاء كغيره (لتحذير معصوم عن هلكة كأعمى وغافل) يحذره عن بئر أو حية أو نحوها،؛ لأن مراعاة حفظ المعصوم أهم).
مسالة - يكره البول في إناء.
وهذا الإطلاق الذي في عبارته خطأ والمذهب يقيد الكراهة عند عدم الحاجة، قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 99): (يكره في إناء بلا حاجة على الصحيح من المذهب، نص عليه.
وقيل: لا يكره).
والراجح عدم الكراهة مطلقا قال ابن قاسم في "حاشية الروض" (1/ 132): (لا خلاف في جوازه لحديث أميمة كان له عليه الصلاة والسلام قدح من عَيْدَان (1) تحت سريره يبول فيه، رواه أبو داود وغيره، فتقييده بالحاجة لا حاجة إليه).
مسالة - يكره البول في شَقٍّ.
الشَّقُّ: هو الفتحةُ في الأرض، وهو الجُحر للهوامِّ والدَّواب.
ومن الأدلة على الكراهة:
1 - ما رواه أبو داود وغيره عن عبد الله بن سَرْجِسَ، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الْجُحْرِ»، قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الْجُحْرِ؟ قال: كان يقال إنها مساكن الجن.
والحديث مختلف في ثبوته وقد ضعفه الألباني في "الإرواء" وأما ما علله به قتادة من أنها مساكن الجن، فمثل هذا التعليل لا يقبل إلا بتوقيف، كما أن قتادة ذكره بصيغة التمريض، وعلى فرض قبوله فقد تأوله البعض بأنها صغار الحيات، وأما ما ورد من أن الجن قد قتل سعد عندما بال في جُحر فلا يصح.
2 - قال الشيخ العثيمين في " الشرح الممتع" (1/ 120): (ومن التَّعليل: أنه يُخشَى أن يكونَ في هذا الجُحر شيء ساكن فتُفْسِد عليه مسكنه، أو يخرج وأنت على بولك فيؤذيك، وربما تقوم بسرعة فلا تسلم من رَشاش البول).
مسالة - يكره البول في نار.
ولا شك أن البعد عن البول فيها أسلم وأولى.
ومحصل ما وقفت عليه من علل لهذه لكراهة ما قاله ابن عقيل: يقال يورث السقم، ويؤذي برائحته.
وقال الشيخ ابن جبرين من أنه قد يتطاير إليه شيء من النار إذا بال فيها.1
مسألة - لا يكره البول قائما.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 99): (ولا يكره البول قائما بلا حاجة، على الصحيح من المذهب، نص عليه، إن أمن تلوثا وناظرا).
والدليل على الجواز ما رواه الشيخان عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال «لقد أتى النبي صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةِ قوم، فبال قائما» والسُبَاطَةِ هي ملقى القمامة والتراب لا يرتد البول منها على البائل.
وأما ما نقل من أنه بال قائما لجرح كان في مأبَضِه فضعيف.
مسالة - يحرم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء بلا حائل ويكفي إرخاء ذيله.
المذهب فيه ورايات كثيرة في حكم استقبال أو استدبار القبلة ببول وغائط والرواية التي ذكرها الماتن هي المذهب وما عليه أكثر الأصحاب والراجح التحريم مطلقا بلا فرق بين الفضاء والبنيان.
ووجه تفريقهم بين الفضاء والبنيان ما رواه أبو داود وغيره عن مروان الأصفر قال: (رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة يبول إليها فقلت: أبا عبدالرحمن أليس قد نهي عن ذلك؟ فقال: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس).
فهذا صريح من ابن عمر في التفريق، وهذا التفريق اجتهادي من ابن عمر - رضي الله عنهما - وذلك عندما رقى بيت حفصة ورأي النبي على حاجته مستقبل الشام مستدبرا الكعبة.
وفعل النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل عدة وجوه من أقواها أنه لعله رآه وهو يستنجي وبينهما فرق فلا يحرم استقبال أو استدبار القبلة في حال الاستنجاء، وإنما النهي جاء في حال خروج البول، أو الغائط.
ويحتمل الخصوصية؛ لأن علة النهي هي عدم تعظيم القبلة، وهذا غير متحقق في حقه صلى الله عليه وسلم.
والمسالة طويلة الذيل، والراجح التحريم مطلقا بلا تفريق بين البنيان أو الفضاء ومن قرائن هذا الترجيح أمور منها:
- عموم أحاديث النهي الكثيرة ومنها ما رواه الشيخان عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أتى أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، شرقوا أو غربوا» وليس فيه التفريق بين بنيان وغيره.
- أن التفريق يؤدي إلى تعطيل عموم أحاديث النهي وجعلها خاصة بمن يرى القبلة بلا حائل، إذ أنك في الفضاء يكون بينك وبين القبلة جبال وتلال ومفاوز.
- غضب النبي صلى الله عليه وسلم من التفل تجاه القبلة داخل مسجده صلى الله عليه وسلم، وهذا داخل بنيان، والبول والتغوط أشد حرمة من التفل.
وقول الماتن: (ويكفي إرخاء ذيله) يعني لو أنه بسط ثوبه كفى، ويعد حائلا.
مسألة - يحرم أن يبول أو يتغوط بطريق مسلوك وظل نافع وتحت شجرة عليها ثمر يقصد.
قال ابن قدامة في "المغنى" (1/ 122): (لا يجوز أن يبول في طريق الناس، ولا مورد ماء، ولا ظل ينتفع به الناس؛ لما روى معاذ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اتقوا الملاعن الثلاثة - البراز في الموارد 1، وقارعة الطريق، والظل» رواه أبو داود، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اتقوا اللعانين.
قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم " أخرجه مسلم.
والمورد طريق.
ولا يبول تحت شجرة مثمرة، في حال كون الثمرة عليها لئلا تسقط عليه الثمرة فتتنجس به.
فأما في غير حال الثمرة فلا بأس).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (الملاعن) من باب تسمية الشيء باسم سببه فأذى الناس بالتخلي فيما تحتاجون إليه وإلى الجلوس فيه أو المرور فيه ونحو ذلك سبب للعن من فعل هذا، ويستفاد من ذلك التحريم لأن اللعن علامة التحريم.
مسألة - يحرم أن يبول بين قبور المسلمين.
والدليل ما رواه ابن ماجه بإسناد صححه البوصيري عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن أمشي على جمرة، أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي، أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي، أو وسط السوق».
مسألة - يحرم أن يلبث فوق قدر حاجته.
قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (1/ 126): (قوله: «ولُبْثُه فوق حاجته»، أي: يحرم، ويجب عليه أن يخرج من حين انتهائه، وعلَّلوا ذلك بعِلَّتين: الأولى: أن في ذلك كشفاً للعورة بلا حاجة.
الثَّانية: أن الحُشُوشَ والمراحيض مأوى الشَّياطين والنُّفوس الخبيثة فلا ينبغي أن يبقى في هذا المكان الخبيث.
وتحريمُ اللُّبث مبنيٌّ على التَّعليل، ولا دليلَ فيه عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا قال أحمد في رواية عنه: «إِنه يُكره، ولا يحرم»).
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 96): (لبثه فوق حاجته: مضر عند الأطباء.
ويقال: إنه يدمي الكبد.
ويأخذ منه الباسور) فإن ثبت طبيا أنه يضر فهو محرم وإلا فالقول بالكراهة متجه.