ـ[وماء يرفع حدث الأنثى لا الرجل البالغ والخنثى وهو ما خلت به المرأة المكلفة لطهارة كاملة عن حدث .. ]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو المنذر المنياوي
- الكتاب
- التحرير شرح الدليل (شرح دليل الطالب) - كتاب الطهارة
- المؤلف
- أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي
- الناشر
- المكتبة الشاملة، مصر
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الطبعة الورقية)]
•
معنى خَلوتها بالماء:
معنى الْخَلْوَة في المذهب يدور على أمرين: الأول وهو الأصح في المذهب اعتبار عدم المشاهدة، وقد اختلفوا فيمن يرفع الْخَلْوَة بمشاهدته هل يشترط فيه أن يكون مكلفاً مسلماً؟ أو لا يشترط ذلك فلو كان صبياً أو امرأة أو كافراً زالت الْخَلْوَة.
قولان في المذهب كما سيأتي.
والثاني: اعتبار انفرادها بالاستعمال سواء شوهدت أم لا.
الراجح هو اعتبار انفرادها بالاستعمال سواء شوهدت أم لا؛ وذلك لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال (وليغترفا جميعاً) فدل بمنطوقه على الجواز فيما إن شاركها زوجها، وبمفهومه على عدم الجواز إن لم يكن معها زوجها يعترف معها وسيأتي الكلام تفصيليا على هذا الحديث بإذن الله.
مسألة: الماء الذي خلت به المرأة المكلفة لطهارة كاملة عن حدث يرفع حدث الأنثى ولا يرفع حدث الرجل البالغ ولا الخنثى المشكل.
فائدة: لماذا لا يرفع حدث الخنثى؟
رجح أنه هذا الماء الذي خلت به المرأة لا يرفع حدث الخنثى فرجح جانب الحظر وذلك احتياطا للعبادة لاحتمال أن يكون رجلا.
إذن الراجح في المذهب أن هذا الماء يجوز استعماله في شتى أنواع الاستعمال للرجل والمرأة غير أنه لا يزيل حدث الرجل الأصغر أو الأكبر وكذلك الخنثى ويرفع حدث الأنثى والصبي وعلة المنع تعبدية.
ومن الأدلة على منع تطهر الرجل بفضل طهور المرأة ما رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وغيرهم - وصححه الشيخ الألباني - عنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ الْأَقْرَعُ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ».
ويستدل للجواز بما رواه مسلم في "صحيحه" (1/ 257) (323) عن ابْنُ جُرَيْجٍ، قال أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: أَكْبَرُ عِلْمِي، وَالَّذِي يَخْطِرُ عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَخْبَرَنِي أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ».
الترجيح:
وقد سلك العلماء عدة مسالك في الجمع والترجيح بين هذه الأحاديث، وأولاها حمل النهي على للتنزيه وقرينة الصرف أحاديث الجواز، والحديث الذي ذكرته في أدلة الجواز ترد على من جمع بأن النهي محمول على الخلوة.
النوع الثالث:
ـ[3 - وماء يكره استعماله مع عدم الاحتياج إليه وهو ماء بئر بمقبرة وماء اشتد حره أو برده أو سخن بنجاسة أو بمغصوب أو استعمل في طهارة لم تجب أو في غسل كافر أو تغير بملح مائي أو بما لا يمازجه كتغيره بالعود القماري وقطع الكافور والدهن ولا يكره ماء زمزم إلا في إزالة الخبث .. ]ـ
قوله: (يكره استعماله) أي في طهارة أو في أكل وشرب، ونحو ذلك.
قوله: (مع عدم الاحتياج إليه) ومفهوم المخالفة أن الكراهة تزول عند تعينه بالحاجة إليه كأن لا يوجد غيره، قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 16): (فإن لم يجد غيره تعين, وكذا يقال في كل مكروه, إذ لا يترك واجب لشبهة).
مسألة - يكره استعمال ماء بئر بمقبرة مع عدم الاحتياج إليه.
الراجح هو جواز التطهر من هذا الماء بلا كراهة؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج لدليل ولا دليل، والشك في نجاسة الماء لا تجعل الطهارة منه مكروهة لأن الأصل في الماء الطهورية ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بيقين.
مسألة - يكره استعمال ماء اشتد حره أو برده مع عدم الاحتياج إليه.
قال ابن ضويان في " منار السبيل" (1/ 16): (لأنه يؤذي ويمنع كمال الطهارة).
وعلى ذلك فاستعمال هذا الماء إن لم يكن منه ثمَّ ضرر ولم يؤد استعماله إلى عدم استيعاب الأعضاء ولم يقصد المشقة على نفسه من استعماله فلا يخلو الأمر من كراهة نظرا لشدة برده أو حره مما يظن معه عدم إسباغه للوضوء.
مسألة - يكره استعمال الماء المسخن بنجاسة مع عدم الاحتياج إليه.
لاحظ أن هذه المسألة مفترضة فيما إذا كان الوقود نجسا فأما الطاهر كالخشب والقصب والشوك فلا يؤثر باتفاق العلماء وكذلك أرواث ما يؤكل لحمه من الإبل والبقر والغنم والخيل فإنها طاهرة في أصح قولي العلماء.
عندنا في هذه المسألة ثلاثة أقسام:
الأول - أن يتحقق وصول شيء من أجزاء النجاسة إلى الماء، والقول المعتمد
في المذهب أنه ينجسه إذا كان الماء يسيرا، والراجح أنه لا ينجسه إلا أن تغير، وسيأتي الكلام في ذلك بإذن الله.
الثاني - أن يكون الحائل بين الوقود النجس والماء حصين - أي محكم ومنيع.
الثالث - أن يكون الحائل بين الوقود النجس والماء غير حصين فالمذهب فيه في القسمين روايتان بالكراهة وعدمها، واختار تقي الدين عدم الكراهة.
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (21/ 69): (وهذه الكراهة لها مأخذان: أحدهما احتمال وصول أجزاء النجاسة إلى الماء فيبقى مشكوكا في طهارته شكا مستندا إلى إمارة ظاهرة فعلى هذا المأخذ متى كان بين الوقود والماء حاجز حصين كمياه الحمامات لم يكره لأنه قد تيقن أن الماء لم تصل إليه النجاسة.
والثاني أن سبب الكراهة كونه سخن بإيقاد النجاسة واستعمال النجاسة مكروه عندهم والحاصل بالمكروه مكروه.
ثم قال: وأما دخان النجاسة فهذا مبنى على أصل وهو أن العين النجسة الخبيثة إذا استحالت حتى صارت طيبة كغيرها من الأعيان الطيبة مثل أن يصير ما يقع في الملاحة من دم وميتة وخنزير ملحا طيبا كغيرها من الملح أو يصير الوقود رمادا ... فالدخان والبخار المستحيل عن النجاسة طاهر لأنه أجزاء هوائية ونارية ومائية وليس فيه شيء من وصف الخبث).
وعليه فالراجح في الماء المسخن بالنجاسة أنه طهور ولا يكره التطهر به، ما لم يتحقق وصول النجاسة إليه وتغييرها له.
مسألة - يكره استعمال الماء المسخن بمغصوب مع عدم الاحتياج إليه.
قال الشيخ ابن جبرين في "شفاء العليل شرح منار السبيل" (ص/93): (ولعل الأرجح أن الماء المسخن بالمغصوب لا يكره لعدم الدليل على كراهته - وهذه هي الرواية الثانية عن أحمد - ولكن يأثم الغاصب - كما هو معلوم -.
مسألة - يكره استعمال الماء المستعمل في طهارة لم تجب أو في غسل كافر، مع عدم الاحتياج إليه.
والمقصود بالماء المستعمل هو الماء المنفصل عن أعضاء المتطهر لا الماء المتبقي الذي يعترف منه.
والمقصود بالطهارة الغير واجبة ما كانت لا عن حدث كالتجديد والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء لأن الحدث يرتفع بالغسلة الأولى , وكغسل الجمعة والعيدين
وكالماء المستعمل في غُسل كافر لأنه لم يرفع حدثا ولم يزل خبثا (ولو) كانت كتابية؛ اغتسلت من الحيض أو النفاس لحل وطء زوجها المسلم لأن هذا الغسل لا يسلب الماء طهوريته لعدم أهليتها للنية.
ونحو ذلك.
والمذهب فيه روايتان في طهورية هذا الماء.
والراجح عدم كراهة هذا الماء، قال الشيخ ابن جبرين: (لأنه ماء طاهر قد لاقى محلا طاهرا فبقي طاهرا غير مكروه بوجه من الوجوه، ولا دليل لمن قال بكراهته).
ومما يستدل به على طهارة هذا الماء ما رواه أبو داود (1/ 32) (130) عن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ - رضي الله عنها - (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه من فضل ماء كان في يده) حسنه ابن حجر، والماء المتبقي في يده - صلى الله عليه وسلم - يحتمل أنه يكون بعد الغسلة الأولى لليد، فيكون مسح الرأس بماء استعمل في رفع حدث، فيدل على مسألتنا بالأولى، ويحتمل أن يكون بعد الغسلة الثانية أو الثالثة فيكون على هذا الاحتمال دليلا في مسألتنا.
مسألة - يكره استعمال الماء المتغير بمَلح مائي مع عدم الاحتياج إليه.
المَلح المائي هو الملح المنعقد من الماء، ويمكن الحصول عليه من الملاحات البحرية التي تتكون من تبخر الماء.
والملح المائي هو الملح المستخدم في الطعام، وهو يمازج الماء ويذوب فيه فيكسبه طعما مالحا.
وقيده بالمائي: احترازاً من الملح المعدني، وهو ما يستخرج من باطن الأرض فهذا يسمى ملحاً معدنياً، أو حجريا، والملح المعدني في المذهب إذا خالط الماء فإن يسلبه الطهورية، ويجعله طاهرا غير مطهر.
والمذهب به روايتان في سلب الملح المائي لطهورية الماء.
وفيه أيضا روايتان في الحكم بكراهيته.
الشرع لا يفرق بين المتماثلات فهذا الماء الذي وضع فيه ملح مائي هو من ناحية النتيجة كماء البحر، وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على طهورية ماء
البحر والحكم على الأول بالكراهة دون الثاني، فالراجح أن هذا الماء طهور ولا كراهة في استعماله في رفع الحدث.
• تنبيه:
قول المرداوي عن هذا النوع من الماء: (أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهِ الِاسْتِعْمَالِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ، جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ.) يدل على أن المذهب عدم كراهة الماء المتغير بالملح المائي على خلاف ما اختاره الشيخ مرعي، ولعله راعى الخلاف.
وجعل علة الكراهة مراعاة الخلاف لا يصح فالخلاف ليس من الأدلة الشرعية حتى تعلل به الكراهة كما أنه يقل أن تجد مسألة إلا وفيها خلاف بين العلماء فهل يصح أن نحكم على كل هذه المسائل بالكراهة مع أن الخلاف في كثير منها قد لا يكون معبرا ولا حظ له من النظر.
مسألة - يكره استعمال الماء المتغير بما لا يمازجه كتغيره بالعود الْقَمَارِيّ وقطع الكافور والدُهْن مع عدم الاحتياج إليه.
المسألة مفترضة في تغير الماء بما لا يمازجه ولذلك قيدنا الكافور بأنه قطع فإنه لو كان غير قطع لخالط.
العود الْقَمَارِيّ: منسوب إلى قِمار - بكسر القاف - موضع ببلاد الهند.
والمذهب فيه روايتان في كراهة هذا النوع من الماء والراجح أنه طهور ولا يكره التطهر به، وطالما أن ما ذكر لا يمازج الماء فإنه لا يخرجه عن إطلاقه، فتشمله الأدلة التي سبق ذكرها عند الانتصار لكون قسمة الماء ثنائية لا ثلاثية.
والتعليل بالخلاف عليل كما سبق.
مسألة - ولا يكره ماء زمزم إلا في إزالة الخبث.
الراجح القول بكراهة الاغتسال منه وإزالة الخبث وجواز الوضوء بلا كراهة: ومن الأدلة على جواز الوضوء منها ما رواه ما عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (1/ 76) بإسناد حسن عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - مطولا
وفيه: (فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بِسَجْلٍ من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ).
وحجة من ذهب إلى منع الاغتسال منها:
قول العباس بن عبد المطلب وهو قائم عند زمزم وهو يرفع ثيابه بيده وهو يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ، وَلَكِنْ هِيَ لِشَارِبٍ أَحْسَبُهُ» قَالَ: «وَمُتَوَضِّئٍ حِلٌّ وَبِلٌّ» رواه عبد الرزاق وأحمد في العلل وإسناد أحمد حسن، ونحوه عن ابن عباس عند عبد الرزاق وغيره ورواته ثقات.
ومعنى قوله: (حِلٌّ وَبِلٌّ) البِل المباح بلغة حِمْيَر بكسر الباء والمعنى أنها للمحرم حلال مباحة، وقيل: حِل وبَلّ، والبَلّ هو: الشفاء من قولهم بل من مرضه بَلّا: بَرَأَ وصَحَ كما قال فيها: شِفاء سُقْم.
والمعنى أنها حلال للمحرم شفاء من الأمراض (1).