ـ[ولا بأس أن يتسوك بالعود الواحد اثنان فصاعدا .. ]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو المنذر المنياوي
- الكتاب
- التحرير شرح الدليل (شرح دليل الطالب) - كتاب الطهارة
- المؤلف
- أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي
- الناشر
- المكتبة الشاملة، مصر
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الطبعة الورقية)]
مسألة - ولا بأس أن يتسوك بالعود الواحد اثنان فصاعدا.
ولابد من تقييد الجواز بأمرين كما يأتي.
روى البخاري في "صحيحه" عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فَأَبَدَّهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره، فأخذت السواك فقصمته، ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستن به، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استن استنانا قط أحسن منه) الحديث.
وليس في الحديث أنه تسوك من مكان تسوكه، فقولها فقصمته: أي كسرته وقطعته، وفي لفظ آخر (فقضمته) أي أكلته بأطراف أسناني، ولا تنافي بين اللفظين فأولا هي قصمته لتزيل موضع الإستياك الأول ثم قضمته لتنشئ موضعا جديدا يستاك به النبي صلى الله عليه وسلم.
ولذلك استدل ابن ضويان بتليين عائشة للسواك فقال في "المنار" (1/ 22): (لأن عائشة رضي الله عنها لينت السواك للنبي صلى الله عليه وسلم فاستاك به) ولا شك أن التليين أخص من التسوك إذ في التسوك قد يتعلق بالسواك آثار مما يكون على اللثة واللسان وبين الأسنان بخلاف التليين.
أضف إلى أنها نفضته أي حركته ليزول عنه ما علق به، وأما قولها: (وطيبته) فيحتمل أنها طيبته بإزالة آثاره عند قضمه فلا يكون فيه دلالة فيه على مسالة الباب على هذا الاحتمال، ويحتمل أنها طيبته بأن جعلت فيه طيباً، كماء الورد ونحوه والاحتمال الثاني أقوى لما ورد في رواية عند البخاري أنها قالت: فمات في اليوم الذي كان يدور علي فيه، في بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري، وخالط ريقه ريقي، ثم قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن، فأعطانيه، فقضمته، ثم مضغته، فأعطيته رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستن به، وهو مستند إلى صدري) فقولها (وخالط ريقه ريقي) هو الشاهد الحقيقي في الحديث وكان الأولى الاستدلال به بداية وهو يدل على أن نفضها للسواك وتطيبيها له لم يزل عنه أثر القضم إلا أنه كما ذكرت أخص من محل النزاع.
وعلى كلٍ فلابد من تقييد الجواز بأمرين:
الأول - قال ابن حجر في "الفتح" (2/ 377): (ينبغي تقييد الغير بأن يكون ممن لا يعاف أثر فمه إذ لولا ذلك ما غيرته عائشة).
الثاني - ألا يترتب على ذلك ضرر لكون أحدهما مريضا ويخشى من انتقال العدوى.
ـ
فصل يسن حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر والنظر في المرآة والتطيب بالطيب والاكتحال كل ليلة في كل عين ثلاثا وحف الشارب وإعفاء اللحية وحرم حلقها ولا بأس بأخذ ما زاد على القبضة منها والختان واجب على الذكر والأنثى عند البلوغ وقبله أفضل ..
ـ
مسألة - يسن حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر.
والدليل علي سنيتهم ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: " الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار ".
الاستحداد هو حلق العانة سمي استحدادا لاستعمال آلة الحديد فيه وهي الموسَى ونحوها.
والسنة أن يقلع شعر الإبط قلعا، فإن قدر على ذلك فإنه المتسحب، وإن لم يقدر على ذلك فلا حرج في أن يزيله بالموسى أو بالنُّورَة.
فائدة:
وهذه الثلاثة المذكورة ومعها قص الشارب السنة أخذها كلما طالت واحتيج إلى ذلك لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً وهذا يختلف من شخص إلى آخر، وقد وقت النبي صلى الله عليه وسلم أكثر مدة تترك فيها هذه الأشياء بلا أخذ وهي أربعين ليلة فقد روى مسلم في "صحيحه" عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: «وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة».
ولذا يتجه القول بتحريم ترك هذه الأشياء إن تركت أكثر من أربعين ليلة.
مسالة - يسن النظر في المرآة.
قال البهوتي في "كشاف القناع" (1/ 77): ((ويسن النظر في المرآة وقوله: «اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي وحرم وجهي على النار») لخبر أبي هريرة رواه أبو بكر بن مردويه والخلق الأول بفتح الخاء الصورة الظاهرة، والثاني: بضمها الصورة الباطنة).
والحديث ورد عن عائشة وابن مسعود عند أحمد، ولكن الزيادة ضعيفة، وقد ورد الحديث من طرق ضعيفة جدا عن ابن عباس وعائشة وعلي وأنس وفيه زيادة أنه كان يقول هذا الذكر عند النظر في المرآة.
وعليه فالدعاء صح عنه صلى الله عليه وسلم مطلقا دو تقييده بالنظر في المرآة.
والقول بالسنية هنا غير متجه والنظر في المرآة من الوسائل ويكون له حكم المقاصد ويدور مع الأحكام التكليفية الخمسة فقد يكون مباحا إن كان لتصفيف الشعر أو إصلاح الثياب ونحو ذلك فقد يصلحهما بدون النظر في المرآة.
وقد يكون مستحبا كاستعمالها في تزين المرآة لزوجها مثلا أو لتجمل الرجل لزوجته ونحو ذلك.
وقد يكون واجبا كاستعمالها في إزالة أذي وقع في العين مثلا.
وقد يكون مكروها إن كان لغير علة من إصلاح ثياب أو تصفيف شعر ونحو ذلك فهذا يفتح بال العجب والاغترار بالنفس.
وقد يكون محرما إن بالغ وغالى في ذلك وشُغل به عن المهمات والواجبات.
فائدة:
حكم الماتن بالسنية لمجرد فعل النبي صلى الله عليه فيه نظر وقد قسم العلماء أفعال النبي إلى عدة أقسام منها الجبلي والخاص والبياني والعادي الذي يطهر فيه قصد القربة والذي لا يظهر فيه قصد القربة، والأخير هو المقصود هنا، وقد اختلف العلماء فيه هل هو للندب، أو الإباحة، أو الوجوب، وقيل بالوقف، والراجح أنه للإباحة.
قال مجد الدين في "المسودة" (ص/77): (فعل النبي صلى الله عليه وسلم يفيد الإباحة إذا لم يكن فيه معنى القربة في قول الجمهور) وليس هذا محل بسط الكلام في هذه المسألة.
مسألة - يسن التطيب بالطيب.
والأصل في التطيب أنه من العادات والأصل فيها أنها للإباحة، وقد يكون التطيب مندوبا إليه كالتطيب في حق الرجال لصلاة الجمعة فقد ورى البخاري في "صحيحه" عن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اغتسل يوم الجمعة، وتطهر بما استطاع من طهر، ثم ادهن أو مس من طيب، ثم راح فلم يفرق بين اثنين، فصلى ما كتب له، ثم إذا خرج الإمام أنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى».
فائدة:
أما ما رواه أحمد وغيره عن أبي أيوب رضي الله عنه مرفوعا: " أربع من سنن المرسلين: التعطر، والنكاح، والسواك، والحياء " فهو ضعيف.
مسألة - يسن الاكتحال كل ليلة في كل عين ثلاثا.
قد يوضع الكحل للتداوي كالإثمد وقد رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم فروى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: «عليكم بالإثمد، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر» والأمر هنا إرشادي للإباحة.
وقد يوضع للزينة وتزين المرأة لزوجها مندوب إليه، وأما تزين الرجل به ففيه خلاف وقد ورد استعمال النبي صلى الله عليه وسلم له بدون تقييد بحال النوم فروى أبو الشيخ في "أخلاف النبي" عن أنس قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتحل في عينه اليمنى ثلاث مرات واليسرى مرتين " وصححه الشيخ الألباني في "الصحيحة" (633)، وروى أبو داود عن أنس بن مالك، «أنه كان يكتحل وهو صائم» حسنه موقوفا الشيخ الألباني، وهو صريح في أنه كان بالنهار، وعليه فالأقوى أن الكحل مباح للرجل إلا أنه عليه أن يراعي موافقة عادة قومه إن كانت عادتهم عدم استعماله للرجال.
مسألة - يسن حف الشارب وإعفاء اللحية ويحرم حلق اللحية.
روى الشيخان عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب ".
وهذا الأمر مع تعليله بمخالفة المشركين يدل على وجوب إعفائها، والأصل في التشبه التحريم، وقد قال صلى الله عليه وسلم:: (من تشبه بقوم فهو منهم)، وقد صرح بتحريم حلقها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
وروى أحمد وغيره عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من لم يأخذ من شاربه، فليس منا " وهو يؤكد أن الأمر للوجوب.
قال الخطابي في معالم السنن (4/ 211): (إحفاء الشارب أن يوخذ منه حتى يحفى ويرق، وقد يكون أيضاً معناه الاستقصاء في أخذه من قولك أحفيت في المسألة إذا استقصيت فيها واعفاء اللحية توفيرها من قولك عفا النبت إذا طال ويقال عفا الشيء بمعنى كثر قال الله تعالى ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: 95] أي كثروا).
ولابد من الأخذ من الشارب ولا يتركه أكثر من أربعين يوما كما سبق، وقد اختلف العلماء في هيئة الأخذ هل هي بأن يأخذ ما تدلى على الشفة مما قد يعلق به
الطعام، أو يأخذ من جميعه حتى يبدو بياض الجلد، والأولى ألا يبالغ في القص جدا كأنه استأصله، والدليل على ذلك ما رواه أحمد وغيره عن المغير رضي الله عنه قال: وكان شاربي وفى فقصه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على سواك، أو قال: " أقصه لك على سواك "، والمسألة تحتاج لبسط أكثر من ذلك وليس هذا محله.
تنبيه:
في جمع الماتن بين سنية الإعفاء لللحية مع تصريحه بحرمة حلقها إشكال، وهناك احتمالان: أن يكون مقصوده بالسنة هنا بمعنى الطريقة وهذا بعيد.
والثاني أنه يرى أن الإعفاء سنة وأنه يجوز له أن يأخذ منها ما زاد على القبضة وقد صرح بذلك وهي المسالة التالية.
مسألة - لا بأس بأخذ ما زاد على القبضة من اللحية.
وهذه المسألة كثر فيها الكلام وقد رأيت فيها بعض الرسائل وقد نقل أخذ ما زاد عن القبضة عن بعض الصحابة، وخلاصة القول أنه يجوز له الأخذ مما زاد على القبضة ولا يجب وإن كان الأولى أن يتركها.
مسألة - الختان واجب على الذكر والأنثى.
الختان في حق الرجل قطع جلدة غاشية حَشَفَة الذّكَرِ، ومن المرأة قطع بعض جلدة عالية مشرفة على الفَرْج 1.
وهذا الإطلاق في أحوال وجوب الختان فيه نظر، والمذهب أنه مقيد بما لم يخف على نفسه تلفا أو ضررا فيسقط وجوبه، وهذا شرط في جميع الواجبات؛ فلا تجب مع العجز، أو مع خوف التلف، أو الضرر.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 123): (ويجب الختان ما لم يَخَفْهُ على نفسه) هذا المذهب، قال أحمد: إن خاف على نفسه لا بأس أن لا يختتن.
وقاله الأصحاب ... فإن خيف، فنقل حنبل: يختن.
فظاهره: يجب لأنه أقل من يتلف منه.
قال أبو بكر: والعمل على ما نقله الجماعة، وأنه متى خشى عليه لم يختن.).
والأقوى التفريق بين الرجل والمرأة في حكم الختان، فهو واجب في حق الرجل سنة في حق النساء.
قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (1/ 164): (وأقرب الأقوال: أنه واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء.
ووجه التفريق بينهما: أنه في حق الرجال فيه مصلحة تعود إلى شرط من شروط الصلاة وهي الطهارة؛ لأنه إذا بقيت هذه الجلدة، فإن البول إذا خرج من ثقب الحشفة بقي وتجمع، وصار سببا في الاحتراق والالتهاب، وكذلك كلما تحرك، أو عصر هذه الجلدة خرج البول وتنجس بذلك).
وأما في حق المرأة فغاية فائدته: أنه يقلل من غلمتها، أي: شهوتها، وهذا طلب كمال، وليس من باب إزالة الأذى).
قال ابن ضويان في "المنار" (1/ 23): (لأنه من ملة إبراهيم عليه السلام، وفي الحديث "اختتن إبراهيم بعد ما أتت عليه ثمانون سنة" متفق عليه وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123] وقال صلى الله عليه وسلم لرجل أسلم: "ألق عنك شعر الكفر واختتن" رواه أبو داود.
وفي قوله صلى الله عليه
وسلم "إذا التقى الختانان وجب الغسل" دليل على أن النساء كن يختتن.
وقال أحمد: كان ابن عباس يشدد في أمره حتى قد روي عنه أنه لا حج له ولا صلاة).
مسألة - الختان يكون عند البلوغ.
وهذا هو وقت الوجوب؛ لأنه قبله لم يكن مكلفا، روى البخاري في "صحيحه" سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «أنا يومئذ مختون» قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك) البعض يفسره بمناهزة البلوغ والبعض يفسره بالبلوغ نفسه.
مسألة - الختان قبل البلوغ أفضل.
والختان قبل أن يبلغ الصبي أفضل؛ لأن الجلد بعد البلوغ يغلظ ويخشن كما أن الاختتان في الصغر فيه تسهيل الأمر على الصغير لضعف عضوه وقلة فهمه فمن ثم جوز الأئمة الختان قبل ذلك، ويجوز أن يكون في اليوم السابع وقد ورد فيه حديثان ضعيفان وقواهما الشيخ الألباني الأول: عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام، الثاني: عن ابن عباس
قال: سبعة من السنة في الصبي يوم السابع: يسمى ويختن ... الحديث.
فائدة:
ومما يؤكد استحبابه قبل سن السابعة تقليل المفاسد من ناحية رؤية العورة قال المرداوي في "الإنصاف" (8/ 23): (لا يحرم النظر إلى عورة الطفل والطفلة قبل السبع، ولا لمسها.
نص عليه) وأما بعد السبع فلا، قال المرداوي (1/ 451): (قال أبو المعالي ابن المنجا: الصغير بعد العشر كالبالغ.
ومن السبع إلى العشر عورته الفرجان فقط).
وفي جواز كشف العورة لمن لم يختن حتى البلوغ أو بعده دليل على وجوبه فلا يجوز كشفها إلا إذا كان الفعل واجباً.
وقت ختان الإناث:
وأما بالنسبة لوقت ختان الإناث فلابد من تأخره لسن يمكن فيه تمييز نواة البظر ببروزها ولعل ذلك لا يكون قبل السادسة أو السابعة من عمرها في الغالب والأولى أن يعجل به في أول هذا السن تقليلا للمفاسد من رؤية العورة.
باب