ـ[وشروطه ثمانية: انقطاع ما يوجبه والنية والإسلام والعقل والتمييز والماء الطهور المباح وإزالة ما يمنع وصوله والاستجمار .. ]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو المنذر المنياوي
- الكتاب
- التحرير شرح الدليل (شرح دليل الطالب) - كتاب الطهارة
- المؤلف
- أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي
- الناشر
- المكتبة الشاملة، مصر
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الطبعة الورقية)]
مسألة - من شروط الوضوء انقطاع ما يوجبه.
أي انقطاع موجب الوضوء فلا يصح الوضوء مع ملابسة الحدث ونحوه، مثلا: ينتظر عند قضاء حاجته حتى انقطاع ما يخرج من السبيلين فلا يشرع في الوضوء قبل الانقطاع، ولا يتوضأ مثلا وهو يأكل لحم الإبل لابد وأن يفرغ ثم يشرع في الوضوء لمنافاة الموجب للوضوء فلا يصح مع وجوده.
مسألة - من شروط الوضوء النية.
لحديث: (إنما الأعمال بالنيات) وسوف يأتي مزيد بيان لبعض أحكام النية قريبا بإذن الله.
مسألة - من شروط الوضوء الإسلام.
الإسلام شرط في كل عبادة، حتى وإن كان الوضوء مستحب فلا يصح من كافر قال تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) وقال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) والآيات الدالة على أن الإيمان شرط في قبول الأعمال كثيرة وقال تعالى: (وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً)، وقال: (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ).
فائدة - الكفار مخاطبون بفروع الشريعة:
ومما يدل على ذلك قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) (فصلت: 6، 7) سواء قلنا إن الزكاة في الآية هي زكاة المال المعروفة، أو زكاة الأبدان بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، وقوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) وقوله: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاْسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ).
وليس معنى خطابهم بها أنهم ملزمون بها في حال الكفر؛ لأننا ندعوهم أولاً إلى الإسلام فهو شرط في قبول الأعمال، ثم نلزمهم بأحكامه؛ وليس أيضا معنى كونهم مخاطبين بها أنهم يؤمرون بقضائها إذا أسلموا، وإنما الفائدة من قولنا: إنهم مخاطبون بها زيادة عقوبتهم في الآخرة على ما تركوه من أعمال واقترفوه من خطايا مع الكفر.
مسألة - من شروط الوضوء العقل.
العقل شرط في قبول جميع العبادات فلا وضوء لمن لا عقل له، كالمجنون ونحوه؛ وذلك لأن من لا عقل له لا نية له.
والمجنون غير مكلف حتى يعقل لما رواه أصحاب السنن عن علي مرفوعا: " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل ".
مسألة - من شروط الوضوء التمييز.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 144): (فلا وضوء لمن لا تمييز له، كمن له دون سبع، وقيل: ست، أو من لا يفهم الخطاب ولا يرد الجواب) وقد أفاد ابن ضويان أن التمييز شرط في كل عبادة إلا في الحج فيصح الحج من غير المميز ولو كان ابن ساعة ويحرم عنه وليه لحديث مسلم: (ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر).
مسألة - من شروط الوضوء الماء الطهور المباح.
قال ابن ضويان في "المنار" (1/ 25): (لما تقدم في المياه فلا يصح بنحو مغصوب لحديث "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد").
واشتراطه الطهورية بناء على اختياره أن قسمة الماء ثلاثية، وقد سبق بيان أن الراجح أن القسمة ثنائية وعليه فلا يشترط طهورية الماء، ويجوز رفع الحدث بالماء الطاهر، وأما بالنسبة لاشتراط إباحة الماء فقد سبق بيان أن الراجح أنه يرتفع الحدث بالماء الغير مباح مع الإثم إن كان عالما ذاكر.
مسألة - من شروط الوضوء إزالة ما يمنع وصول الماء للأعضاء.
قال ابن قاسم في "حاشيته" (1/ 194): (من طين أو عجين أو شمع أو دهن جامد أو وسخ على أعضاء الوضوء، أو على بدن في غسل، ليحصل الإسباغ، وأما الحناء ونحوه فعرض ليس له جرم يمنع وصول الماء إلى العضو).
فائدة - يعفى عن اليسير:
قال تقي الدين في "الفتاوى الكبرى" (5/ 303): (وإن منع يسير وسخ ظفر ونحوه وصول الماء صحت الطهارة، وهو وجه لأصحابنا، ومثله كل يسير منع وصول الماء حيث كان: كدم، وعجين).
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 158): (وقيل: يصح ممن يشق تحرزه منه، كأرباب الصنائع والأعمال الشاقة من الزراعة وغيرها، واختاره في التلخيص).
وحد اليسير كما نص عليه الإمام أحمد في غير هذه المسألة ما فحش في قلبك، قال الخلال الذي استقرت الرواية عن أبي عبد الله أن الفاحش ما يستفحشه كل إنسان في نفسه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " دع ما يريبك إلى مالا يريبك " وقال ابن عقيل إنما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس لا المتبذلين ولا الموسوسين (1).
ويجمع بين القولين بأن يحد الفاحش في كل أحد بحسبه ما لم يكن موسوسا، ولا متبذلا؛ وذلك لأن اعتبار حال الإنسان بما يستفحشه غيره حرج، فيكون منفيا (2).
مسألة - من شروط الوضوء الاستجمار.
نلاحظ الفرق بين هذه المسألة ومسألة أن من شروط الوضوء انقطاع ما يوجبه، فخروج البول أو الغائط هو الحدث الموجب للوضوء فلا يصح الوضوء قبل انقطاع خروجهما؛ لاستمرار الحدث، ولكن مسألتنا هي ما حكم الوضوء في حالة ما إذا انقطع خروجهما ولم يزالا بعد سواء بالاستنجاء أو الاستجمار؟.
الرواية المصححة في المذهب والتي عليها جماهير الأصحاب عدم صحة الوضوء في هذه الحالة واشتراط تقديم إزالة النجاسة قبل الوضوء.12
لا شك أن إزالة النجاسة واجب ولكنه متعلق بالصلاة لا بالوضوء، من شروط الصلاة في المذهب طهارة الثوب والبدن.
لابد وأن نفرق بين حالتين، فخروج الحدث إما أن يكون من المخرج المعتاد، وإما أن يكون من غير المخرج المعتاد.
فإن كان من المخرج المعتاد فإن كانت إزالته تؤدي إلى نقض الوضوء فلا بد من تقديمه على الوضوء، وإنما يكون ذلك عن مباشرة لمس الفرج باليد لإزالة الخارج وغالبا ما يكون ذلك بالماء، فأما إن لم يصاحبه مباشرة لمس الفرج بأن يكون إزالتها بشيء غير اليد كالأحجار أو الورق ونحو ذلك فيجوز له الوضوء قبل إزالة الخارج (1).
قال موفق الدين في "المغني" (1/ 82): (وظاهر كلام الخرقي اشتراط الاستنجاء لصحة الوضوء، فلو توضأ قبل الاستنجاء لم يصح كالتيمم.
والرواية الثانية: يصح الوضوء قبل الاستنجاء، ويستجمر بعد ذلك بالأحجار، أو يغسل فرجه بحائل بينه وبين يديه ولا يمس الفرج.
وهذه الرواية أصح، وهي مذهب الشافعي لأنها إزالة نجاسة، فلم تشترط لصحة الطهارة، كما لو كانت على غير الفرج).
وأما إن لم يكن من المخرج المعتاد فالقول بجواز تقدم الوضوء يقوى لعدم وجود المانع من خوف مس الفرج.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 115): (فائدة: لو كانت النجاسة على غير السبيلين، أو على السبيلين غير خارجة منهما: صح الوضوء قبل زوالها على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به أكثرهم).
فائدتان:
الأولى: ظن البعض من هذا التعميم الذي في المذهب أنه يشترط الاستنجاء أو الاستجمار قبل الوضوء حتى وإن كان من الريح، وهذا ليس بشيء وقد سبق بيان أنه ليس في الريح استنجاء.1
الثانية - إن كانت النجاسة على أحد أعضاء الوضوء عدنا إلى مسألة أن من شروط الوضوء إزالة ما يمنع وصول الماء للأعضاء.
قال الشوكاني في "السيل الجرار" (1/ 52): (فالنجاسة إذا كانت في أعضاء الوضوء وجب تقديم غسلها حتى تزول عينها ولونها وطعمها وعَرْفها فإذا فرغ من ذلك غسل العضو غسل الوضوء ولا يصح أن يكون الغسل لرفع الحدث والنجس جميعا وبعد زوال النجاسة لا معنى لتشريكها).
ـ[فصل فالنية هنا قصد رفع الحدث أو قصد ما تجب له الطهارة كصلاة وطواف ومس مصحف، أو قصد ما تسن له كقراءة وذكر وأذان ونوم ورفع شك وغضب وكلام محرم وجلوس بمسجد وتدريس علم وأكل، فمتى نوى شيئا من ذلك ارتفع حدثه، ولا يضر سبق لسانه بغير ما نوى ولا شكه في النية أو في فرض بعد فراغ كل عبادة، وإن شك فيها في الأثناء استأنف .. ]ـ
قال موفق الدين في "المغني" (1/ 82): (النية من شرائط الطهارة للأحداث كلها، لا يصح وضوء ولا غسل ولا تيمم، إلا بها).
الطهارة عبادة يشترط لها النية:
قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص/20): (وأما الطهارة فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور وهو يرجع إلى أن الطهارة للصلاة هل هي عبادة مستقلة أم هي شرط من شروط الصلاة كإزالة النجاسة وستر العورة فمن لم يشترط لها النية جعلها كسائر شروط الصلاة ومن اشترط لها النية جعلها عبادة مستقلة فإذا كانت عبادة في نفسها لم تصح بدون النية وهذا قول جمهور العلماء ويدل على صحة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الوضوء يكفر الذنوب والخطايا وأن من توضأ كما أمر كان كفارة لذنوبه وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادة مستقلة بنفسها حيث رتب عليه تكفير الذنوب والوضوء الخالي من النية لا يكفر شيئا من الذنوب بالاتفاق فلا يكون مأمورا به ولا تصح به الصلاة ولهذا لم يرد في شيء من بقية شرائط الصلاة كإزالة النجاسة وستر العورة ما ورد في الوضوء من الثواب).
روى مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأ العبد المسلم - أو المؤمن - فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء -، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء -، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - حتى يخرج نقيا من الذنوب».
مسألة - النية في الوضوء هي قصد رفع الحدث أو قصد ما تجب أو تسن له الطهارة.
النية في الوضوء هي قصد رفع الحدث أي إزالة المانع من كل فعل يفتقر إلى الطهارة، أو قصد استباحة ما تجب له الطهارة كالصلاة والطواف ومس المصحف، أو قصد استباحة ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن أي بدون مس للمصحف والذكر والآذان والنوم ورفع شك في الحدث الأصغر ما لم يكن موسوسا وعند الغضب وجلوس بمسجد وتدريس علم، ونحو ذلك ممن نوى شيئا من ذلك مما يسن أو يجب له الوضوء ارتفع حدثه.
مسألة - يسن الوضوء للكلام المحرم.
والكلام المحرم كالغيبة والنميمة والكذب، ونحو ذلك.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما مرفوعا: (الحدث حدثان حدث اللسان وحدث الفرج وحدث اللسان أشد من حدث الفرج وفيهما الوضوء) وقد ورد مرفوعا وموقوفا وكلاهما لا يصح.
وقد حمل تقس الدين وغيره حدث الفم على الردة وأوجب منها الوضوء وسوف يأتي الكلام عليها في باب نواقض الوضوء.
وحمله ابن المنذر على القيء ولفظ الحديث عنده: (الحدث حدثان حدث من فيك وحدث من أسفل منك) وعليه فيكون ذكر اللسان في بعض طرقه من باب أن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يقتضي التخصيص إلا أن الحديث لا يصح.
وقد روى عن ابن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنه قال: " لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إلي من أتوضأ من الطعام الطيب " وهذا الأثر رواه عبد
الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهما ومداره على إبراهيم التيمي وهو ثقة إلا أنه كان يرسل ويدلس وقد عنعنه فإسناده ضعيف، وقالت عائشة رضي الله عنها: " يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب ولا يتوضأ من الكلمة العوراء " رواه عبد الرزاق وغيره وإسناده حسن.
وقد نقل ابن المنذر الإجماع على عدم وجوب الوضوء من الكلام الفاحش فقال في "الأوسط" (1/ 230): (وأجمع كل من نحفظ قوله من علماء الأمصار على أن القذف وقول الكذب والغيبة لا تنقض طهارة ولا توجب وضوءا).
وقد اختلف العلماء في المراد بالوضوء هنا البعض على غسل الفم، وحمله البعض على الوضوء الشرعي، قال النووي في "المجموع" (2/ 62): (قال ابن الصباغ الأشبه أنهم أرادوا غسل الفم وكذا حملها المتولي على غسل الفم وحكى الشاشي في المعتمد كلام ابن الصباغ ثم قال وهذا بعيد بل ظاهر كلام الشافعي أنه أراد الوضوء الشرعي قال والمعنى يدل عليه لأن غسل الفم لا يؤثر فيما جرى من الكلام وإنما يؤثر فيه الوضوء الشرعي والغرض منه تكفير الخطايا) ولكنهم لإجماع ابن المنذر لم يقولوا بالوجوب وحملوه على الاستحباب.
قال موفق الدين في "المغني" (1/ 131): (ولا ينقض الوضوء ما عدا الردة من الكلام من الكذب، والغيبة، والرفث والقذف وغيرها.
نص عليه أحمد، وقال ابن المنذر: أجمع من نحفظ قوله من علماء الأمصار على أن القذف، وقول الزور، والكذب، والغيبة لا توجب طهارة، ولا تنقض وضوءا، وقد روينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث، وذلك استحباب عندنا ممن أمر به، ولا نعلم حجة توجب وضوءا في شيء من الكلام، وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من حلف باللاتي والعزى فليقل: لا إله إلا الله».
ولم يأمر في ذلك بوضوء).
مسألة - يسن الوضوء للأكل.
الراجح أنه لا يستحب الوضوء للأكل، وقد ذكر الأكل ضمن ما يسن الوضوء له جماعة منهم ابن مفلح والمرداوي وغيرهما واتفقوا على نسبته لموفق الدين في المغني، وبمراجعة كلامه في المغني وجدت أنه يقول بأن الأكل لا تشرع له
الطهارة قال في "المغني" (1/ 83): (فإن نوى بالطهارة ما لا تشرع له الطهارة؛ كالتبرد والأكل والبيع والنكاح ونحوه، ولم ينو الطهارة الشرعية، لم يرتفع حدثه؛ لأنه لم ينو الطهارة، ولا ما يتضمن نيتها، فلم يحصل له شيء، كالذي لم يقصد شيئا).
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (22/ 319): (في الصحيح عن ابن عباس قال: ﴿كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء من الغائط فأتى بطعام فقيل له: ألا تتوضأ؟ قال: لم أصل فأتوضأ﴾ فإن هذا ينفي وجوب الوضوء وينفي أن يكون مأمورا بالوضوء لأجل مجرد الأكل ولم نعلم أحدا استحب الوضوء للأكل إلا إذا كان جنبا وتنازع العلماء في غسل اليدين قبل الأكل هل يكره أو يستحب على قولين هما روايتان عن أحمد.
فمن استحب ذلك احتج ﴿بحديث سلمان أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم قرأت في التوراة أن من بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده﴾ ومن كرهه قال: لأن هذا خلاف سنة المسلمين فإنهم لم يكونوا يتوضئون قبل الأكل وإنما كان هذا من فعل اليهود فيكره التشبه بهم.
وأما حديث سلمان فقد ضعفه بعضهم وقد يقال: كان هذا في أول الإسلام لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء) وحديث سلمان ضعفه أبو داود والترمذي وغيرهما ولو صح لحمل على الوضوء الشرعي لا غسل اليدين، فظهر من ذلك عدم استحباب الوضوء الشرعي لمجرد الأكل ما لم يكون جنبا.
مسألة - فمتى نوى شيئا مما يسن له الطهارة ارتفع حدثه.
وكون الحدث يرتفع هنا هي الرواية الصحيحة في المذهب وهي الراجحة لأنه نوى رفع الحدث وفرق بين أن ينوي التجديد أو التبرد وأن ينوي رفع الحدث لفعل يستحب له الطهارة وإن كان البعض سوى بين من نوى التجديد وهو محدث ومن نوى التطهر لما تسن له الطهارة إلا أنني أرى أن مسألتنا يرتفع فيها الحدث لأنه نوى رفعه بخلاف من نوى التجديد فلا يرتفع الحدث لأنه لم ينوه والأعمال بالنيات.
وعليه فلا يشترط للمحدث عند رفعه الحدث أن يعين نية رفع الحدث وأنه مثلا لصلاة فرض أو طواف أو غيرهما مما تجب له الطهارة، ولا أنه لما يسن له الطهارة كالذكر والنوم مثلا بل ينوي نية مطلقة لرفع الحدث.
مسألة - لا يضر سبق لسانه بغير ما نوى:
قال موفق الدين في "المغني" (1/ 83): (محل النية القلب؛ إذ هي عبارة عن القصد، ومحل القصد القلب، فمتى اعتقد بقلبه أجزأه، وإن لم يلفظ بلسانه وإن لم تخطر النية بقلبه لم يجزه.
ولو سبق لسانه إلى غير ما اعتقده لم يمنع ذلك صحة ما اعتقده بقلبه) وقد نص العلماء على أن التلفظ بالنية بدعة إلا في الحج.
مسألة - ولا يضر شكه في النية أو في فرض بعد فراغه من الوضوء وأما في أثنائه فيستأنف
(1).
بداية الكلام هنا لا يدخل فيه الموسوس؛ لأن شكه غالبا ما يكون وهما فلا يلتفت له ولقطع علائق الشيطان من استدراجه.
فرق الماتن هنا بين حالتين:
الأولى: أن يشك في أنه نوى رفع الحدث أو في غسل عضو في أثناء الوضوء فهنا يستأنف ويكون كمن لم يأت بما شك فيه؛ لأن الأصل العدم فيبني عليه.
الثانية: أن يكون الشك بعد الفراغ من الطهارة فلا يلتفت إلى شكه؛ لأنه شك في العبادة بعد فراغه منها، وهي محكوم بصحتها قبل شكه، فلا يزول ذلك بالشك، كما لو شك في وجود الحدث المبطل.
ـ[فصل في صفة الوضوء: وهى أن ينوي ثم يسمي ويغسل كفيه ثم يتمضمض ويستنشق ثم يغسل وجهه من منابت شعر الرأس المعتاد ولا يجزئ غسل ظاهر شعر اللحية إلا أن لا يصف البشرة ثم يغسل يديه مع مرفقيه ولا يضر وسخ يسير تحت ظفر ونحوه ثم يمسح جميع ظاهر رأسه من حد الوجه إلى ما يسمى قفا والبياض فوق الأذنين منه ويدخل سبابتيه في صماخي أذنيه ويمسح بإبهاميه ظاهرهما ثم يغسل رجليه مع كعبيه وهما العظمان الناتئان .. ]ـ
مسألة - صفة الوضوء
يبدأ المتوضئ بالنية ثم يسمي ويغسل كفيه ثم1
يتمضمض ويستنشق ثم يغسل وجهه ثم يغسل يديه مع مرفقيه ثم يمسح رأسه وأذنيه ثم يغسل رجليه مع كعبيه.
وقد سبق الكلام على النية والتسمية، وباقي صفة الوضوء دل عليها ما رواه الشيخان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: «دعا بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك».
ثم قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه» واللفظ لمسلم.
وقد سبق وأن تكلمنا على كثير من الأحكام المتعلقة بصفة الوضوء، ومن المسائل المتعلقة التي لم نطرحها بعد:
مسألة - غسل الكفين مستحب.
يبدأ المتوضئ بغسل كفيه من أطراف الأصابع إلى الرُّسْغِ، ويبدأ بهما قبل باقي الأعضاء؛ لأنهما آلة الغسل فإن بهما يُنقل الماء، وتُدلك الأعضاء.
وغسلهما في أول الوضوء مستحب وهو الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب ونص عليه أحمد، وقال موفق الدين بغير خلاف نعلمه.
مسألة - يستحب أن يُجمع بين المضمضة والاستنشاق.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 152): (قوله " ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثا " بلا نزاع.
ويكون ذلك بيمينه على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب.
قوله ﴿من غُرْفَةٍ، وإن شاء من ثلاث، وإن شاء من ست﴾ هذه الصفات كلها جائزة.
والأفضل جمعها بماء واحد على الصحيح من المذهب، نص عليه: يتمضمض ثم يستنشق من الغرفة).
وردت أحاديث صحيحة في الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحدة يبدأ بالمضمضة ثم يستنشق من نفس الكف، يفعل ذلك ثلاث مرات من كف واحد أو من ثلاثة أكف، وأما أحاديث إفراد المضمضة عن الاستنشاق فلا تصح.
مسألة - البياض فوق الأذنين من الرأس.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 163): (البياض الذي فوق الأذنين دون الشعر من الرأس على الصحيح من المذهب، اختاره القاضي، وابن عقيل، وجماعة) والبياض الذي بين العذار والأذن من الوجه.
مسألة - يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه ويمسح بإبهاميه ظاهرهما.
ويدل على ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند النسائي في وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسباحتين وظاهرهما بإبهاميه).
ـ[فصل: وسننه ثمان عشرة: استقبال القبلة والسواك وغسل الكفين ثلاثا والبداءة قبل غسل الوجه بالمضمضة والاستنشاق والمبالغة فيهما لغير الصائم والمبالغة في سائر الأعضاء مطلقا والزيادة في ماء الوجه وتخليل اللحية الكثيفة وتخليل الأصابع وأخذ ماء جديد للأذنين وتقديم اليمنى على اليسرى ومجاوزة محل الفرض والغسلة الثانية والثالثة واستصحاب ذكر النية إلى آخر الوضوء والإتيان بها عند غسل الكفين والنطق بها سرا، وقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله مع رفع بصره إلى السماء: بعد فراغه، وأن يتولى وضوءه بنفسه من غير معاونه .. ]ـ
مسألة - من سنن الوضوء استقبال القبلة.
استحب الجمهور استقبال القبلة عند الوضوء، قال ابن مفلح في "الفروع" (1/ 185): (وظاهر ما ذكره بعضهم يستقبل القبلة، ولا تصريح بخلافه، وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل).
قلت: والراجح عدم جواز تحري استقبال القبلة عند الوضوء فإنه لم ينقل عن النبي ولا عن صحابته تحرى استقبالها عند الوضوء ومن تقصد فعل ذلك فلا يبعد الحكم على فعله بالبدعية.
مسألة - من سنن الوضوء السواك.
وقد سبق الكلام عن هذه المسألة.
مسألة - من سنن الوضوء غسل الكفين ثلاثا.
وقد سبق أيضا الكلام عن هذه المسألة.
مسألة - من سنن الوضوء البداءة قبل غسل الوجه بالمضمضة والاستنشاق.
وقد سبق ذكر أن المضمضة والاستنشاق من الوجه، فجعل الترتيب بين أجزاء العضو الواحد مستحب كنحو تقديم اليمنى على اليسرى.
مسألة - من سنن الوضوء المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم.
والدليل على المبالغة في الاستنشاق ما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ««أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما»» والدليل على المبالغة في المضمضة الأمر بالإسباغ كما سيأتي في المسألة التالية.
قال موفق الدين في "المغني" (1/ 89): (المضمضة: إدارة الماء في الفم.
والاستنشاق: اجتذاب الماء بالنفس إلى باطن الأنف.
والاستنثار: إخراج الماء من أنفه.
ولا يجب إدارة الماء في جميع الفم، ولا إيصال الماء إلى جميع باطن الأنف، وإنما ذلك مبالغة مستحبة في حق غير الصائم).
وقال في (1/ 77): (المبالغة في الاستنشاق: اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف، وذلك سنة مستحبة في الوضوء، إلا أن يكون صائما فلا يستحب، لا نعلم في ذلك خلافا ... المبالغة في المضمضة إدارة الماء في أعماق الفم وأقاصيه وأشداقه).
مسألة - من سنن الوضوء المبالغة في غسل سائر الأعضاء مطلقا.
قال موفق الدين في "المغني" (1/ 78): (المبالغة مستحبة في سائر أعضاء الوضوء؛ لقوله - عليه السلام -: «أسبغ الوضوء».
والمبالغة في سائر الأعضاء بالتخليل، وبتتبع المواضع التي ينبو عنها الماء بالدلك والعرك ومجاوزة موضع الوجوب بالغسل.
وقد روى نُعَيْمِ بْنِ عبد الله، «أنه رأى أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه ويديه حتى كاد أن يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل».
متفق عليه) وله لفظ آخر صريح في نسبته هذا الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي.
مسألة - من سنن الوضوء الزيادة في ماء الوجه.
قال موفق الدين في "الكافي" (1/ 62): (ويستحب أن يزيد في ماء الوجه؛ لأن فيه غضوناً وشعوراً، ودواخل وخوارج، ويمسح مآقيه (1)، ويتعاهد المفصل وهو البياض الذي بين اللحية والأذن، فيغسله).
مسألة - من سنن الوضوء تخليل اللحية الكثيفة.
روى أبو داود وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ، أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته»، وقال: «هكذا أمرني ربي عز وجل».
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 133): (إن كانت اللحية خفيفة وجب غسلها، وإن كانت كثيفة فالصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم: استحباب تخليلها).
مسألة - من سنن الوضوء تخليل الأصابع.
لحديث لقيط السابق.
والتخليل معناه إدخال شيء في شيء وهو عام يشمل أصابع اليدين والرجلين، وتخليل أصابع اليد بأن يشبكهما بعضهما في البعض، وأما أصابع الرجلين فروى أبو داود وغيره عن الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بِخِنْصَرِهِ» وقد اختار الزركشي أنه خنصر اليد اليسرى، وعلله بأنها المعدة لإزالة الوسخ والدرن.
قال البغوي في "شرح السنة" (1/ 419): (وتخليل أصابع الرجل سنة في الوضوء مع وصول الماء إلى باطنها من غير التخليل، فإن انضمت الأصابع بعضها إلى بعض بحيث لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالتخليل، فيجب التخليل).1
مسألة - من سنن الوضوء أخذ ماءا جديدا للأذنين.
وقد سبق الكلام عن هذه المسألة.
مسألة - من سنن الوضوء تقديم اليمنى على اليسرى.
روى الشيخان عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم «يعجبه التيمن، في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله».
وقال ابن المنذر في "الإجماع" (ص/35): (وأجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه في الوضوء).
مسألة - من سنن الوضوء مجاوزة محل الفرض.
روى مسلم في "صحيحه" عن نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ،، قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في الْعَضُدِ، ثم يده اليسرى حتى أشرع في الْعَضُدِ، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق "، ثم قال: " هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ.
وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله» وآخره مدرج من كلام أبي هريرة رضي الله عنه.
وروى أبو عبيد وابن أبي شيبة بإسناد حسنه ابن حجر في "الفتح" (1/ 236) عن ابن عمر أنه كان يتوضأ في الصيف فربما بلغ في الوضوء إبطيه.
وأما حديث: (مسح الرقبة أمان من الغل) فهو حديث موضوع كما حقق ذلك الألباني في "الضعيفة" (69).
مسألة - من سنن الوضوء الغسلة الثانية والثالثة.
روى البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس، قال: «توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة» وعن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم «توضأ مرتين مرتين» وفي حديث عثمان رضي الله عنه المتفق عليه أنه تؤضأ ثلاثا ثلاثا وهذا أكمل الحالات وغالب حاله صلى الله عليه وسلم.
والمرة الواحدة تجزئ وترفع الحدث وهي الواجبة والثانية والثالثة سنة والأفضل
أن يتنقل بين هذه الحالات فيتوضا مرة: مرة مرة، ومرة: اثنتين اثنتين، ومرة: ثلاثا ثلاثا.
وله أن يخالف ففي صحيح البخاري أن رجلا، قال لعبد الله بن زيد رضي الله عنه، أتستطيع أن تريني، كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه فغسل مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه ".
مسألة - من سنن الوضوء استصحاب ذكر النية إلى آخر الوضوء.
سبق وأن ذكرنا أن النية شرط لصحة العبادات عموما وأنها وهي عمل قلبي.
ومقصود الماتن هنا أنه يسن استصحاب ذكرها، والمراد ذكرها بالقلب، أي يسن للإنسان تذكر النية بقلبه في جميع الطهارة، فإن غابت عن خاطره فإنه لا يضر، لأن استصحاب ذكرها سنة وهذا لا دليل عليه والتشدد في النية يفتح على العبد أبواب الوساوس كما هو حاصل عند جملة من المتوضئين فلا ينبغي للعبد أن يفتح على نفسه هذا الباب.
وعليما أن ننتبه للفرق بين تذكر النية واستصحاب حكمها فالمتوضئ يجب عليه استصحاب حكمها بمعنى ألا ينوي قطعها فينوي مثلا تنظيف الوجه أو التبرد وليس رفع الحدث فإن قطع حكم النية لم يرتفع حدثه فلابد وأن يستصحب حكم نية رفع الحدث حتى يفرغ من وضوئه.
مسألة - من سنن الوضوء الإتيان بها عند غسل الكفين.
أي يستحب أن يأتي بالنية عند غسل الكفين وهو أول الشروع في العبادة ينوي ثم يسمي ويبدأ في أول أفعال الوضوء، فوقت النية المستحب عند غسل اليدين، والواجب ألا يؤخرها عن أول الواجبات وهو المضمضة والاستنشاق.
مسألة - من سنن الوضوء النطق بها سرا.
ولا دليل على هذا والتلفظ بالنية لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته رضي الله عنهم إلا في الحج فلا يشرع التلفظ بالنية باللسان سرا ولا جهرا في غير الحج.
مسألة - من سنن الوضوء قول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله مع رفع بصره إلى السماء: بعد فراغه.
وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيبالغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) زاد الترمذي بعد التشهد: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) وهي زيادة ضعيفة - أخرجها الترمذي في "سننه" كتاب الطهارة، باب فيما يقال بعد الوضوء (1/ 78) حديث رقم (55) من طريق جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي الكوفي حدثنا زيد بن حباب عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - به، وقال: " .... هذا حديث في إسناده اضطراب ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كبير شيء قال محمد وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئا" وقال ابن حجر في "نتائج الأفكار" (1/ 243):" لم تثبت هذه الزيادة في هذا الحديث فإن جعفر بن محمد شيخ الترمذى تفرد بها ولم يضبط الإسناد فإنه أسقط بين أبى إدريس وبين عمر جبير ابن نفير، وعقبة فصار منقطعا بل معضلا وخالفه كل من رواه عن معاوية بن صالح ثم عون زيد بن الحباب ". ولهذه الزيادة شواهد ضعيفة منها: عن ثوبان - رضي الله عنه - عند ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص/35) حديث رقم (32) وغيره وفيه سعيد بن المرزبان قال عنه الذهبي في "الكاشف": "قال أحمد: منكر الحديث"، وقال ابن حجر: "ضعيف مدلس"، وله شاهد أيضا عن ابن عمر وأنس - رضي الله عنهم - عند البيهقي في "السنن الصغرى" (ص/94) حديث رقم (112) بإسناد ضعيف جدا فيه عبدالرحيم بن زيد العمي قال عنه الذهبي في "الكاشف": "تركوه"، وقال عنه ابن
حجر في"التقريب": "متروك كذبه ابن معين"، وشيخه أيضا ضعيف قال عنه الذهبي: " فيه ضعف، قال ابن عدى: لعل شعبة لم يرو عن أضعف منه "، وقال عنه ابن حجر: "ضعيف".
وروي أيضا موقوفا عن علي بأسانيد ضعيفة، وانظر شرح الترمذي لأحمد شاكر (1/ 79: 83)، وقد قوى هذه الزيادة الشيخ الألباني وراجع "الإرواء" (1/ 135).
• زاد أبو داود والإمام أحمد: (ثم رفع نظره إلى السماء) وهي زيادة منكرة - أخرجها أبو داود في "سننه" كتاب الوضوء، باب مل يقول الرجل إذا توضأ (1/ 44) حديث رقم (170)، وأحمد في "مسنده" (1/ 19)، والدارمي في "مسنده" (1/ 196) حديث رقم (716)، والبزار في "مسنده" (1/ 361) حديث رقم (242)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (ص/174) حديث رقم (84)، وأبو يعلى في "مسنده" (1/ 213) حديث رقم (249)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص/32) حديث رقم (31) واللالكائي في "اعتقاد أهل السنة" (3/ 393) حديث رقم (654) من طريق أبي عقيل زهرة بن معبد عن ابن عنه عن عقبة عن عمر - رضي الله عنهما - مطولا به، وهذا إسناد ضعيف ابن عم زهرة بن معبد لم يسم في أي من الطرق فهو مجهول.
مسألة - من سنن الوضوء أن يتولى وضوءه بنفسه من غير معاونه
1.
هذا هو الأولى لأنه أغلب هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وما روى ابن ماجة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لاَ يَكِلُ طُهُورَهُ إِلَى أَحَدٍ، وَلاَ صَدَقَتَهُ الَّتِي يَتَصَدَّقُ بِهَا، يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلاَّهَا بِنَفْسِهِ.) لا يصح وضعفه البوصيري والألباني.
وأما معاونة غيره له فلا تخلو من حالات ثلاث:
الأولى: الاستعانة بالغير في إحضار الماء فهذا جائز بلا كراهة وقد دلت السنة عليه كما في حديث المغيرة وابن عباس وأنس وعثمان رضي الله عنهم وأجمع العلماء عليه.
الثانية: الاستعانة بمن يصب عليه الماء فهذا جائز أيضاً بلا كراهة كما فعله المغيرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثالثة: الاستعانة بمن يباشر أعضاءه بالغسل، فهذا إن كان لحاجة فلا بأس به وإن كان لغير حاجة فإنه خلاف السنة ويدل على التكبر والغرور والترفع ولم يكن الصحابة والسلف يفعلونه ولذا ينهى عنه.
ـ
باب مسح الخفين يجوز بشروط سبعة لبسهما بعد كمال الطهارة بالماء وسترهما لمحل الفرض ولو بربطهما وإمكان المشي بهما عرفا وثبوتهما بنفسهما وإباحتهما وطهارة عينهما وعدم وصفهما البشرة ..
ـ
مسألة - من شروط المسح على الخفين لبسهما بعد كمال الطهارة بالماء.
قال تقي الدين في "المغني" (1/ 207): (لا نعلم في اشتراط تقدم الطهارة لجواز المسح خلافا).
روى الشيخان عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين».
فمسح عليهما) وقد علل النبي صلى الله عليه وسلم أمره للمغيرة بتركهما، ثم مسحه عليهما بإدخالهما طاهرتين، ويقتضي أن إدخالهما غير طاهرتين مقتض للنزع وعدم المسح.
• متى تكمل الطهارة وتتم؟
بمعنى هل يرتفع الحدث عن كل عضو من أعضاء الوضوء بمجرد غسله، أو لا يرتفع الحدث عن شيء منها إلا بتمام الوضوء؟ والأولى أن نقول أن الحدث يتعلق بكل عضو وجب غسله في الوضوء 1 وأنه يرتفع عن كل عضو بمجرد غسله، إلا أنه لا يتم رفعه بالكلية إلا بتمامه لحديث
صاحب اللمعة.
وعلى ذلك فلا تتم الطهارة ولا يرتفع الحدث بالكلية إلا بالانتهاء من غسل آخر أعضاء الوضوء.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 225): (اعلم أن في رفع الحدث عن العضو قبل إتمام الوضوء وجهان.
وأطلقهما في الفروع.
قلت: الذي يظهر أن يكون ذلك مراعى.
فإن كمله ارتفع وإلا فلا.
قال المصنف في المغني، والشارح: لأنه لا يكون متطهرا إلا بعمل الجميع).
ومن هنا نعلم أن من غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف: لم يجز له المسح؛ لأنه لم تتم وتكمل طهارته، ويدل على ذلك ما ورد في بعض طرق حديث المغيرة رضي الله عنه: (دعهما فإني أدخلتهما وهما طاهرتان).
• قوله (بالماء) يخرج الطهارة بالتيمم فمن كانت طهارته بالتيمم فلا يجوز له المسح على الخف عند وجدان الماء؛ لأن التيمم مبيح ورافع حكمي للحدث، فلا يتحقق قوله: (أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ)، قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 176): (لا يمسح على خف لبسه على طهارة تيمم على الصحيح من المذهب، نص عليه ... ).
مسألة - من شروط المسح سترهما لمحل الفرض ولو بربطهما.
والمقصود أن يكون ساتراً للمفروض غسله من الرجل من أطراف الأصابع إلي الكعبين.
فلا يظهر شيء من المفروض من وراء الخف؛ سواء كان ذلك من أجل صفائه، أو خفته، أو من أجل خروق فيه، وألا يكون تحت القدمين.
وهذه الشروط لا دليل عليها وفيها تضييق للرخصة.
ومما عللوا به هذا الشرط أن عدم ستره لمحل الفرض، يؤدي إلى الجمع بين الغسل للجزء المكشوف والمسح للجزء المستور ولا يمكن الجمع بين الغسل والمسح.
وقد رد تقي الدين 1 هذا التعليل ومثل بأمثلة رُخِصَ فيها بين الجمع بين الغسل
والمسح كما هو الحال في الجبيرة التي لا تستر محل المسح فيمسح عليها ويغسل الباقي كما أنه يجمع بين التيمم والغسل فيما إذا أمكن غسل بعض البدن دون البعض لكون الباقي جريحا، أو لكون الماء قليلا كما إن مسح ظهر الخف ولو خطَّا بالأصابع يجزئ عن جميع القدم فلا يجب غسل شيء منه لا ما ظهر ولا ما بطن، وعلى ذلك فأي خف كان على أرجلهم دخل في مطلق النص.
وقال تقي الدين (21/ 174): (ومعلوم أن الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها عن فتق أو خرق لا سيما مع تقادم عهدها وكان كثير من الصحابة فقراء لم يكن يمكنهم تجديد ذلك ... والعادة في الفتق اليسير في الثوب والخف أنه لا يرقع وإنما يرقع الكثير ... فلما أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر بالمسح على الخفاف مع علمه بما هي عليه في العادة؛ ولم يشترط أن تكون سليمة من العيوب: وجب حمل أمره على الإطلاق ولم يجز أن يقيد كلامه إلا بدليل شرعي ... ). وعليه فيجوز المسح على الخف المخرق ما دام يسمى خفا.
• أما ما إذا كان الخف غير ساتر للكعبين فهذا يطلق عليه النعل، وقال الشيخ الألباني في "تمام المنة" (ص/113): (صح عنه صلى الله عليه وسلم المسح على النعلين استقلالا دون ذكر الجوربين من حديث علي بن أبي طالب وأوس بن أبي أوس الثقفي وابن عمر وصححه ابن القطان.
فهذه الأحاديث تدل على جواز المسح على النعلين أيضا وقد ثبت ذلك عن بعض السلف أيضا، ففيه دليل واضح على عدم اشتراط كون الخف ساترا لمحل الفرض كما نقله المؤلف عن شيخ الإسلام).
مسألة - من شروط المسح إمكان المشي بهما عرفا.
قال الزركشي في "شرح الخرقي" (1/ 396): (فلو تعذر لضيقه، أو ثقل حديده، أو تكسيره كرقيق الزجاج ونحو ذلك، لم يجز المسح، إذ ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص).
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 181): (" إمكان المشي فيه " قال في الرعاية الكبرى: يمكن المشي فيه قدر ما يتردد إليه المسافر في حاجته في وجه.
وقيل: ثلاثة أيام أو أقل).
وهذا الشرط أيضا لا دليل عليه وذهب شيخ الإسلام إلى جواز المسح عليهما ما داما على القدم لإطلاق النصوص.
مسألة - من شروط المسح ثبوتهما بنفسهما.
المقصود أنه لابد للخف أن يثبت بنفسه فلو ثبت بغيره كبعض أنواع الجوارب التي لا يثبت إلا بالنعلين، أو الزربول الطويل المشقوق الذي لا يثبت إلا بالسيور، أو كالخف الواسع الذي يحتاج لسيور ونحوها لشده على الرجل فلا يجوز المسح علي ما لا يثبت إلا بنفسه.
ولابد أن نفرق بين أمرين الأول حكم المسح عليه في حال عدم ثبوته في الرجل، والثانية جواز المسح عليه بعد أن ثبت في الرجل بغيره كالسيور.
أما الأول فالصحيح في المذهب أن المسح رخصة فإن كان يسهل نزع الخف لكونه غير ثابت في الرجل فهنا لا يمسح عليه لعدم المشقة.
وأما إن كان ثابتا في الرجل بغيره فالصحيح جواز المسح عليه، قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (21/ 184): (الشرط الثاني: أن يكون الخف يثبت بنفسه.
وقد اشترط ذلك الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد فلو لم يثبت إلا بشده بشيء يسير أو خيط متصل به أو منفصل عنه ونحو ذلك: لم يمسح، وإن ثبت بنفسه لكنه لا يستر جميع المحل إلا بالشد - كالزربول الطويل المشقوق: يثبت بنفسه لكن لا يستر إلى الكعبين إلا بالشد - ففيه وجهان أصحهما أنه يمسح عليه.
وهذا الشرط لا أصل له في كلام أحمد بل المنصوص عنه في غير موضع أنه يجوز المسح على الجوربين وإن لم يثبتا بأنفسهما بل بنعلين تحتهما وأنه يمسح على الجوربين ما لم يخلع النعلين.
فإذا كان أحمد لا يشترط في الجوربين أن يثبتا بأنفسهما بل إذا ثبتا بالنعلين جاز المسح عليهما: فغيرهما بطريق الأولى وهنا قد ثبتا بالنعلين وهما منفصلان عن الجوربين.
فإذا ثبت الجوربان بشدهما بخيوطهما كان المسح عليهما أولى بالجواز.
وإذا كان هذا في الجوربين: فالزربول الذي لا يثبت إلا بسير يشده به متصلا به أو منفصلا عنه أولى بالمسح عليه من الجوربين.
وهكذا ما يلبس على الرجل من فرو وقطن وغيرهما: إذا ثبت ذلك بشدهما بخيط متصل أو منفصل مسح عليهما بطريق الأولى ... ).
مسألة - من شروط المسح إباحتهما.
والخف المباح مقابل للخف المحرم، والمحرم نوعان: تارة يكون التحريم لحق الله كلبس الرجل لخف من حرير.
وتارة يكون التحريم لحق الآدمي كالخف المغصوب والمسروق.
قال موفق الدين في "المغني" (1/ 214): (فإن كان الخف محرما؛ كالغصب والحرير، لم يستبح المسح عليه في الصحيح من المذهب، وإن مسح عليه وصلى، أعاد الطهارة والصلاة ... ).
والصحيح التفريق بين المحرم لحق الله والمحرم لحق الآدمي وهو قول عند المالكية، فلا يجوز المسح على خف الحرير للرجل فالحرير محرم على الرجال فالنهي هنا يعود للذات فيكون باطلا، وأما من غصب خفا أو سرقه فيصح مسحه عليه ويأثم بالغصب والنهي هنا للفساد، والفرق أن الجهة غير منفكة في الأولى دون الثانية.
قال السيوطي في "الأشباه والنظائر" (ص/140): (يجوز المسح على، الخف المغصوب، بخلاف المحرم ; لأن الرخصة منوطة باللبس، وهو للمحرم معصية ; وفي المغصوب ليس معصية لذاته، أي لكونه لبسا، بل للاستيلاء على حق الغير، ولذا لو ترك اللبس، لم تزل المعصية، بخلاف المحرم).
مسألة - من شروط المسح طهارة عينهما.
فلا يصح المسح على جلد الكلب والخنزير والميتة قبل الدبغ لنجاسة عينها.
• فائدة - يجوز المسح على الخف النجس حكما كأن يكون أصله طاهرا، لكنه وقع عليه بول، فيصح المسح عليه، ويمكنه أن يقرأ القرآن ويمس المصحف، لكنه لا يصلي حتى يزيل النجاسة من خفه بناء على اشتراط طهارة الثوب والبدن، وسوف يأتي مناقشة هذه المسألة في محلها بإذن الله.
مسألة - من شروط المسح عدم وصفهما البشرة.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 181): (ومنها - أي شروط الخف -: أن لا يصف القدم لصفائه.
فلو وصفه لم يصح على الصحيح من المذهب كالزجاج الرقيق ونحوه.
وقيل: يجوز المسح عليه).
وهذه المسألة قد سبقت ضمنا في شرط أن يكون ساترا.
ويدخل في هذا الشرط أن يكون الخف رقيقا بصف لون البشرة فلا يمسح عليه، وقد منع من المسح عليه الشيخ ابن باز، وجوزه الشيخ العثيمين - رحمهما الله تعالى - قال الشيخ العثيمين في "مجموع الفتاوى" (11/ 167): (القول الراجح أنه يجوز المسح على الجورب المخرق والجورب الخفيف الذي تُرى من ورائه البشرة، لأنه ليس المقصود من جواز المسح على الجورب ونحوه ان يكون ساتراً، فإن الرِّجل ليست عورة يجب سترها، وإنما المقصود الرخصة على المُكلَّف والتسهيل عليه، بحيث لا نُلزمه بخلع هذا الجورب أو الخف عند الوضوء، بل نقول: يكفيك أن تمسح عليه، هذه هي العلة التي من أجلها شُرع المسح على الخفين، وهذه العلة - كما ترى - يستوي فيها الخف أو الجورب المخرق والسليم والخفيف والثقيل).
وأرى أن أتوسط بين القولين فالمسح على الخف، وما كان في معناه رخصة وشرع تيسيرا على العباد، وأرى أن الجورب الرقيق إن كان من الرقة بحيث أنه لا يقي البرد فلا يكون هناك مشقة في نزعه بل وجوده كعدمه فلا يمسح عليه لعدم تحقق العلة فيه، وأما إن كان مع خفته يمنع الرد فيمسح عليه.