ـ[وفروضه ستة: غسل الوجه ومنه المضمضة والاستنشاق وغسل اليدين مع المرفقين ومسح الرأس كله ومنه الأذنان وغسل الرجلين مع الكعبين والترتيب والموالاة .. ]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو المنذر المنياوي
- الكتاب
- التحرير شرح الدليل (شرح دليل الطالب) - كتاب الطهارة
- المؤلف
- أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي
- الناشر
- المكتبة الشاملة، مصر
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الطبعة الورقية)]
فروض الوضوء:
القول بعدم التفريق بين الفرض والواجب عند الحنابلة هو أحد الأقوال الثلاثة المنقولة عن الإمام أحمد في هذه المسألة.
قال مجد الدين في المسودة (ص/ 44): مسألة: الفرض والواجب سواء وهو الذي ذكره في مقدمة المجرد وبه قالت الشافعية وعنه الفرض آكد ونصرها الحلواني وبه قالت الحنفية وهو على قولهم وروايتنا هذه ما ثبت بدليل مقطوع به وقيل هو ما لا يسقط في عمد ولا سهو وحكى ابن عقيل رواية ثالثة أن الفرض ما لزم بالقرآن والواجب ما كان بالسنة وهذه هي ظاهر كلام أحمد في أكثر نصوصه وقد حكاها ابن شاقلا وهذا القول في الجملة اختيار القاضي وغيره).
مسألة - من فروض الوضوء غسل الوجه.
قال الزركشي في"شرح مختصر الخرقي" (1/ 182): (هذا بالإجماع، وبنص كتاب الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6].
حد الوجه طولا من منابت شعر الرأس غالبا - فلا عبرة بالأجلح، الذي انحسر شعره عن مقدم رأسه - إلى ما انحدر من اللحيين والذقن، وعرضا ما بين أصول الأذنين، لأن جميع ذلك تحصل به المواجهة، فدخل تحت الآية الكريمة).
مسألة - المضمضة والاستنشاق من الوجه.
أي أن حكمهما حكم الوجه وهذا بناء على الرواية أن الفرض هو الواجب.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 152): (قوله ﴿وهما واجبان في الطهارتين﴾ يعني
المضمضة والاستنشاق.
وهذا المذهب مطلقا.
وعليه الأصحاب، ونصروه وهو من مفردات المذهب.
ثم قال: (هل يسميان فرضا أم لا؟ وهل يسقطان سهوا أم لا؟ على روايتين ... وقال المصنف، وتبعه الشارح: هذا الخلاف مبني على اختلاف الروايتين في الواجب، هل يسمى فرضا أم لا؟ والصحيح: أنه يسمى فرضا.
فيسميان فرضا).
والصحيح أنهما واجبان ولكن ليس لكون باطن الأنف والفم من الوجه، وإنما لثبوت الأمر بهما عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الشيخ الحمد في "شرح الزاد": (المضمضة والاستنشاق فرض؛ لأنهما من الوجه، فالوجه ما يواجه به وهذه الأعضاء تتم بها المواجهة كما تتم المواجهة ببقية أجزاء الوجه.
وهذا الكلام فيه نظر، فالأظهر: أن الفم والأنف ليسا من الوجه حقيقة، وذلك لأنهما وإن كانا في الظاهر من الوجه لكن الذي يتم تغسيله إنما هو باطنهما ولا شك أن الباطن ليس مما يواجه به.
كما أنهم لم يوجبوا تخليل اللحية الكثيفة وأوجبوا غسل ظاهرها، مع أن اللحية مما يواجه به، فأوجبوا غسل ظاهرها؛ لأنه من الوجه ولم يوجبوا غسل باطنها وكذلك هنا: فالأنف والفم غسل ظاهرهما يجب بالإجماع.
أما باطنهما، فالراجح هو ما ذهب إليه الحنابلة من وجوب المضمضة والاستنشاق لكن ليس للتعليل الذي ذكره وإنما للأدلة الشرعية الدالة على ذلك منها: ما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر) فهو فيه إيجاب الاستنشاق لأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم والأصل في الأمر الوجوب.
وأما المضمضة فدليلها: ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا توضأت فمضمض) فهذا أمر والأمر للوجوب ... ).
مسألة - من فروض الوضوء غسل اليدين مع المرفقين.
قال في "الإنصاف" (1/ 157): (قوله ﴿ويدخل المرفقين في الغسل﴾ هذا المذهب: وعليه الأصحاب، وقطع به أكثرهم).
قال ابن قدامة في "المغني" (1/ 90): (يدخل المرفقين في الغسل.
لا خلاف بين علماء الأمة في وجوب غسل اليدين في الطهارة، وقد نص الله تعالى عليه بقوله سبحانه: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: 6].
وأكثر العلماء على أنه يجب إدخال المرفقين في الغسل ... ولنا ما روى جابر، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ أدار الماء إلى مرفقيه.» وهذا بيان للغسل المأمور به في الآية، فإن " إلى " تستعمل بمعنى مع، قال الله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: 52].
أي مع قوتكم، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 2].
فكان فعله مبينا.
وقولهم: إن " إلى " للغاية.
قلنا: وقد تكون بمعنى مع، قال المُبَرِّدُ: إذا كان الحد من جنس المحدود دخل فيه، كقولهم: بعت هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف) والراجح دخولها لأنها من جنس المحدود فتغسل مع اليدين.
مسألة - من فروض الوضوء مسح الرأس كله.
روى أبو داود وغيره عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فلما بلغ مسح رأسه، وضع كفيه على مقدم رأسه، فأمرهما حتى بلغ القفا، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه».
قال موفق الدين في "المغني" (1/ 92): (لا خلاف في وجوب مسح الرأس، وقد نص الله تعالى عليه بقوله ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6]).
وقد اختلف العلماء في الباء في الآية فمن قال أنها للتبعيض جوز الاقتصار على مسح بعض الرأس، وقد حقق تقي الدين في "الفتاوى" كونها للإلصاق بمعنى أن المسح هو إمرار الماسح وهو اليد على الممسوح وهي الرأس على أن يكونا متلاصقين بواسطة بينهما وهو الممسوح به بحيث يترك جزءا منه على الرأس وهو الماء في الوضوء والتراب في التيمم.
قال ابن القيم في "الزاد" (1/ 186): (ولم يصح عنه في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة.
فأما حديث أنس الذي رواه أبو داود: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة» فهذا مقصود أنس به أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقض عمامته حتى يستوعب مسح الشعر كله، ولم ينف التكميل على العمامة، وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره، فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه).
وحديث أنس اختلف فيه فضعفه الألباني وقواه ابن حجر في الفتح، وهو محتمل للتحسين.
وروى ابن أبي شيبة بسند رواته ثقات: عن أيوب، عن نافع، «أن ابن عمر كان يمسح رأسه هكذا»، ووضع أيوب كفه وسط رأسه، ثم أمرها إلى مقدم رأسه)، وعن يزيد، قال: «كان سلمة، يمسح مقدم رأسه».
الترجيح:
لا شك أن القول بوجوب مسح جميع الرأس أو التكميل على العمامة له أدلة ظاهرة قوية وهو أحوط بكل حال، ولكن بالنظر إلى فعل ابن عمر وسلمة بن الأكوع رضي الله عنهما والاحتمال الوارد في حديث أنس على فرض ثبوته يقوى القول بجواز الاقتصار على بعض الرأس ويكون القول بالتعميم على سبيل الاستحباب لا الوجوب.
مسألة - الأذنان من الرأس.
وهذا نص حديث ورد عن عدة من الصحابة بطرق ضعيفة وقد اختلف العلماء في ثبوته والراجح أنه ثبت عن بعض الصحابة موقوفا، وله حكم الرفع.
وكون الأذنان من الرأس يستفاد منه فائدتان:
الأولى - حكمهما مثل حكم الرأس في المسح وهو الوجوب وهو المذهب وهناك رواية أخرى بالاستحباب اختارها وصححها جماعة من الأصحاب.
قال موفق الدين في "المغني" (1/ 97): (الأذنان من الرأس، فقياس المذهب وجوب مسحهما مع مسحه.
وقال الخلال كلهم حكوا عن أبي عبد الله فيمن ترك مسحهما عامدا أو ناسيا، أنه يجزئه؛ وذلك لأنهما تبع للرأس، لا يفهم من إطلاق اسم الرأس دخولهما فيه، ولا يشبهان بقية أجزاء الرأس، ولذلك لم يجزه مسحهما عن مسحه عند من اجتزأ بمسح بعضه، والأولى مسحهما معه).
الثانية - أنه لا يجدد لهما ماء جديد بل يمسحان بفضل ماء الرأس.
والصحيح من المذهب أنه يستحب تجديد الماء لهما.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 135): (قوله ﴿وأخذ ماء جديد للأذنين﴾ إن قلنا: هما من الرأس وهو المذهب، فالصحيح: استحباب أخذ ماء جديد لهما).
قال ابن القيم في "الزاد" (1/ 187): (ولم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماء جديدا، وإنما صح ذلك عن ابن عمر).
وأثر ابن عمر رواه عبد الرزاق في "المصنف" أن ابن عمر كان يغسل ظهور أذنيه وبطونهما إلا الصِّمَاخِ مع الوجه مرة - أو مرتين - ويدخل بإصبعيه بعدما يمسح برأسه في الماء، ثم يدخلهما في الصِّمَاخِ مرة).
فهو يرى أن ظهورهما وبطونهما إلا الصماخ من الوجه فيغسلا معه، والصماخ من الرأس فيمسح معه وهذا جاء مصرحا به في رواية ابن المقرئ في "معجمه" أن رجلا قال لابن عمر: أخبرني عن الأذنين، أهما من الرأس قال: «مقدمهما من الوجه ومؤخرهما من الرأس، وإذا توضأت فاغسل مقدمهما، وإذا مسحت رأسك، فامسح مؤخرهما» وفعله من الجمع بين الغسل والمسح في الأذنين انفرد به، وهو مخالف لعموم الحديث السابق.
الترجيح:
الراجح أن الحديث المرفوع حكما (الأذنان من الرأس) وهو يدل على أن الأذنين ظاهرهما وباطنهما من الرأس وتابعان له فيمسحان بماء الرأس وحكمهما كحكمه في الوجوب وإن قلنا بتجديد الماء لهما لفعل ابن عمر لم يبعد.
مسألة - من فروض الوضوء غسل الرجلين مع الكعبين.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] والأرجل منصوبة فهي معطوفة على المغسول، والكعبان يغسلان مع الرجل، وهما العظمان الناتئان من جانبي القدم، وهما مجمع مفصل الساق والقدم.
مسألة - من فروض الوضوء الترتيب.
قال موفق الدين في "المغني" (1/ 101): (في الآية قرينة تدل على أنه أريد بها الترتيب؛ فإنه أدخل ممسوحا بين مغسولين، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، والفائدة هاهنا الترتيب.
فإن قيل: فائدته استحباب الترتيب.
قلنا: الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب؛ ولهذا لم يذكر فيها شيئا من السنن؛ ولأنه متى اقتضى اللفظ الترتيب كان مأمورا به، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن كل من حكى وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكاه مرتبا، وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى).
وقد ورد عند أحمد في المسند عن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ في وصفها لوضوء النبي وتأخيره للمضمضة والاستنشاق بعد غسل الوجه، وأيضا حديث المقدام في وصفه لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم وتأخيره المضمضة والاستنشاق بعد غسله لذراعيه.
وقد أعل الأرناؤوط هذين الحديثين فضعف إسناد الأول لضعف عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، وقد انفرد به، واضطرب في متنه وحكم بنكارة الثاني لمخالفته الأحاديث الكثيرة التي تفيد أن المضمضة والاستنشاق عقب غسل اليدين، وحسن الشيخ الألباني الأول وصحح إسناد الثاني.
والمتأمل لهذين الحديثين يرى أن المخالفة فقط في المضمضة والاستنشاق فقط دون باقي الأعضاء وقال بعض العلماء بالاقتصار على هذه الحالة فقط وتحمل على النسيان والتذكر في أثناء الوضوء فمن نسيهما فليعاود فعلهما وقت تذكره، وذهب البعض الآخر إلى قياس غيرهما عليهما وقال بعدم وجوب الترتيب مطلقا وقولهم متجه.
وعلى ذلك فالترتيب هو الأولى وهو غالب حال النبي صلى الله عليه وسلم وقد كنت أميل للحكم بنكارة حديث المقدام ولكن بضميمة حديث الربيع له ينتفي القول بنكارته أو شذوذه، وعلى ذلك فمن نسى عضوا من أعضاء الوضوء وهو على وضوئه أتي به في وقت تذكره والله أعلم.
مسألة - من فروض الوضوء الموالاة.
مصدر والى الشيء يواليه إذا تابعه، فالموالاة هي تتابع غسل أو مسح الأعضاء بالماء بعضها إثر بعض.
قال ابن ضويان في "المنار" (1/ 25): (لحديث خالد بن معدان أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه (1) لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء
فأمره أن يعيد الوضوء رواه أحمد وأبو داود وزاد والصلاة ولو لم تجب الموالاة لأمره بغسل اللمعة فقط) والحديث إسناده ضعيف فيه بقية بن الوليد وهو يدلس ويسوى ولم يصرح بالتحديث في كل طبقات السند إلا أنه يتقوى بحديث عمر بن الخطاب عند مسلم، ولفظه: أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ارجع فأحسن وضوءك" فرجع ثم صلى.
ونحوه حديث أنس عند أحمد والأمر بإحسان الوضوء يحتمل التعميم والاستئناف، ومما يقوي الاستئناف ما ورد في بعض طرق الحديث أنه أعاد الوضوء.
فائدة:
قال موفق الدين في "المغني" (1/ 102): (الموالاة الواجبة أن لا يترك غسل عضو حتى يمضي زمن يجف فيه العضو الذي قبله في الزمان المعتدل) والمقصود بالزمن المعتدل هو الزمن الذي لا يتأخر فيه الجفاف كما يتأخر في زمن الشتاء والرطوبة، ولا الذي يسرع فيه الجفاف كما في يحدث في زمن الحر والريح، والمقصود أنهم يقدرون هذا الزمن مثلا بخمس دقائق ويكون هذا هو حد الموالاة والمسألة تقريبية وتختلف من بيئة لأخرى ومن شخص لآخر.
قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (1/ 193): (ويستثنى من ذلك ما إذا فاتت الموالاة لأمر يتعلق بالطهارة.
مثل: أن يكون بأحد أعضائه حائل يمنع وصول الماء «كالبوية» مثلا، فاشتغل بإزالته فإنه لا يضر، وكذا لو نفد الماء وجعل يستخرجه من البئر، أو انتقل من صنبور إلى آخر ونشفت الأعضاء فإنه لا يضر.
أما إذا فاتت الموالاة لأمر لا يتعلق بالطهارة؛ كأن يجد على ثوبه دما فيشتغل بإزالته حتى نشفت أعضاؤه؛ فيجب عليه إعادة الوضوء؛ لأن هذا لا يتعلق بطهارته).1