ـ[وسننه: الوضوء قبله وإزالة ما لوثه من أذى وإفراغه الماء على رأسه ثلاثا وعلى بقية جسده ثلاثا والتيامن والموالاة وإمرار اليد على الجسد وإعادة غسل رجليه بمكان أخر .. ]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو المنذر المنياوي
- الكتاب
- التحرير شرح الدليل (شرح دليل الطالب) - كتاب الطهارة
- المؤلف
- أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي
- الناشر
- المكتبة الشاملة، مصر
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الطبعة الورقية)]
مسألة - من سنن الاغتسال الوضوء قبله وإزالة ما لوثه من أذى وإفراغه الماء على رأسه ثلاثا وعلى بقية جسده ثلاثا وإعادة غسل رجليه بمكان أخر.
• وقوله: (ما لوثه) أي من أذى سواء أكان على يديه، أو على فرجه، أو على سائر بدنه من أثر الجنابة، وتغسل المرأة أيضا أثر الحيض والنفاس من جسدها وفرجها ويديها.
ويستحب للمرأة بعد أن تغتسل كما جاء في بعض الراويات أن تأخذ فِرصة أي قطعة من القطن أو الصوف، ونحو ذلك وتجعل فيها مسك أو غيره من الطيب لتدفع به الرائحة الكريهة.
قال البهوتي في "كشاف القناع" (1/ 152): ((ثم يغسل ما لوثه من أذى) لحديث عائشة «فيفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه».
وظاهره: لا فرق بين أن يكون على فرجه أو بقية بدنه، وسواء كان نجسا كما صرح به في المحرر أو مستقذرا طاهرا، كالمني كما ذكره بعضهم (ثم يضرب بيده الأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثا) لحديث عائشة المتفق عليه).
كيفية تثليث غسل الرأس:
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 252): (يحتمل قوله (ويحثي على رأسه ثلاثا يروي بها أصول الشعر): أنه يروي بمجموع الغرفات، وهو ظاهر كلامه هنا.
وظاهر كلام الخرقي، وابن تميم، وابن حمدان، وغيرهم.
ويحتمل أن يروي بكل مرة، وهو الصحيح من المذهب، قال في المستوعب: بكل مرة ... واستحب المصنف وغيره تخليل أصول شعر رأسه ولحيته قبل إفاضة الماء).
وما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم «إذا اغتسل من الجنابة، دعا بشيء نحو الحِلاَب (1)، فأخذ بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقال بهما على وسط رأسه» يدل على إرواء جميع الرأس إنما يكون بالثلاث لا بكل واحدة.
وكون التخليل شعر الرأس يسبق إفاضة الماء عليها دلَّ عليه حديث عائشة المتفق عليه ولفظه قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا اغتسل من الجنابة، غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده».
لا يستحب تثليث غسل البدن:
وهذه السنن التي ذكرها الماتن قد وردت في حديث عائشة وميمونة السابقين بخلاف ثلثيث غسل البدن فلم يرد في أي من طرق الأحاديث ذكر تثليث غسل البدن، وإنما ورد أنه أفاض عليه الماء بدون ذكر التثليث، قال ابن حجر في "الفتح" (1/ 369): (قوله: "ثم أفاض على جسده" لأنه لم يقيد بعدد فيحمل على أقل ما يسمى وهو المرة الواحدة لأن الأصل عدم الزيادة عليها).1
وعليه فالأقوى عدم استحباب تثليث غسل البدن ويكفي مرة واحدة وهو قول في المذهب واختاره تقي الدين، وهو قول المالكية.
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (20/ 369): (وكذلك الاغتسال من الجنابة؛ فمذهب مالك وأحد القولين من مذهب أحمد بل هو المأثور عنه: اتباع السنة فيه؛ فإن من نقل غسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كعائشة وميمونة لم ينقل أنه غسل بدنه كله ثلاثا بل ذكر أنه بعد الوضوء وتخليل أصول الشعر حثا حثية على شق رأسه وأنه أفاض الماء بعد ذلك على سائر بدنه.
والذين استحبوا الثلاث إنما ذكروه قياسا على الوضوء والسنة قد فرقت بينهما).
وسوف يأتي عند الكلام على الموالاة إحتمالا بتكرار الماء لغسل القدمين وهي بعض البدن، وهذه حالة خاصة وسوف يأتي بيانها قريبا بإذن الله.
•
فائدة -
لا يكرر غسل القدمين.
ظاهر حديث عائشة السابق: (ثم توضأ وضوءه للصلاة) ظاهره أنه توضا وضوءا كاملا، وفي حديث ميمونة أنه أخر رجليه، فيجمع بينهما أن إطلاق الوضوء في حديث عائشة يراد به أكثره، وقد جاء مصرحا بذلك في بعض طرق حديث ميمونة رضي الله عنها فروى البخاري عنها أنها قالت: «توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه للصلاة، غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحى رجليه، فغسلهما، هذه غسله من الجنابة»، وعليه فالراجح أنه لا يكرر غسل رجليه بل يؤخرهما إلى آخر الوضوء فلا يسلم الأمر من رشاش، أو استقذار وخاصة إن كان يغتسل داخل طَسْت ونحوه.
مسألة - من سنن الاغتسال التيامن.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 253): (قوله (ويبدأ بشقه الأيمن) بلا نزاع).
قال النووي في "المجموع" (2/ 184): (الابتداء بالأيامن فيغسل شقه الأيمن ثم الأيسر وهذا متفق على استحبابه).
والتيامن يكون في بعض أعضاء الوضوء كاليدين والرجلين، ويكون في أفعال الغسل في غسل الرأس كما سبق بأن يبدأ بالشق الأيمن ثم الأيسر ثم يفرغ الماء على وسط رأسه.
والمقصود هنا التيامن في غسل سائر بدنه، وقد سبق وأن رجحنا أنه لا يستحب تثليث غسل البدن، وعليه فيمكن الجمع بين التيامن والغسل بمرة واحدة أن يبدأ الإفراغ على جسده من ناحية اليمين حتى ينتهي بالشمال.
فائدة:
الظاهر أنه لا يكتفى في تغسيل الميت بإفراغ الماء مرة واحدة على جسده، وذلك لتعذر تعميم جسد الميت بالماء بغسلة واحدة لكون ظهره يكون ملاصقا للمغسلة فلابد من تكرار تقليبه لكل ناحية حتى يعم الماء جسده، وهذا يستلزم تكرار مرات إفراغ الماء على جسد الميت في كل مرة من الثلاث أو الخمس، أو ما زاد على ذلك، وفي هذه الحالة يتوجه قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن أم عطية رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم لهن في غسل ابنته: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها».
مسألة - من سنن الاغتسال الموالاة.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 257): (ظاهر كلام المصنف: أنه لا يشترط الموالاة في الغسل، وهو صحيح، وهو المذهب.
وعليه أكثر الأصحاب كالترتيب ... ثم قال: فائدة: إذا فاتت الموالاة في الغسل أو الوضوء وقلنا بعدم الوجوب فلابد للإتمام من نية مستأنفة).
الراجح وجوب الموالاة، وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينقل عنه في حديث صحيح أنه فرق غسله وهذا بيان مجمل القرآن.
إلا احتمالا في القدمين وسيأتي توجيهه قريبا بإذن الله.
ومما يدل أيضا على وجوب الموالاة أن الغسل المجزئ هو تعميم البدن بنية رفع الحدث، والبدن جميعه يقوم مقام العضو الواحد فكيف يصح تفريق غسله وإنما قال الجمهور بجواز التفريق لورود بعض الأحاديث الضعيفة ومنها:
ما رواه أحمد وابن ماجه وعبد بن حميد غيرهم عن ابن عباس، قال: " اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من جنابة فرأى لمعة على منكبه لم يصبها الماء، قال: فعصر شعره عليها ومسحها به ". وهذا إسناد ضعيف جدا فيه أبو على الرحبي قال عنه ابن حجر: "متروك"، وله شواهد ضعيفة لا تصلح للتقوي.
كما
أن متنه فيه نكارة فظاهره أنه اكتفى بمسح هذه اللمعة من البدن، وهذا مخالف للإجماع الذي نقله النووي من عدم إجزاء المسح في الغسل، قال النووي في "المجموع" (1/ 436): (وقد أجمع العلماء على أن الجنب لو مسح بدنه بالماء وكرر ذلك لا ترتفع جنابته بل يشترط جري الماء على الأعضاء).
تأخير القدمين:
سبق وأن عرضنا الخلاف في تكرار غسل القدمين، والصحيح في المذهب أنه يكرر غسلهما فيكون غسلهما الأول متعلق بالوضوء والثاني متعلق بالإغتسال وفيه إلماح لجواز تفريق غسل البدن بتأخير القدمين.
والجواب عن ذلك من وجوه:
الأول - أن هذا حالة خاصة وإنما تنقطع الموالاة بتأخر غسل القدمين بعد جفاف باقي البدن وظاهر الأحاديث خلاف ذلك.
الثاني - أن المغتسل لا يخلو أن يكون في واحد من الحالات التالية أنه واقف في طست ونحوه من الأوعية مما يجتمع فيه الماء المنفصل عن الجسد، أو يكون إغتساله خارجه وهو إما أن يكون في نهر ونحوه أو خارجه وخارج الطست.
فصار عندنا احتمالات كثيرة لما يحيط بالقدم أو ما تقف عليه أثناء الاغتسال.
• ولا يستقيم الاستدلال على جواز التفريق في بعض الحالات كنحو أن يكون المغتسل واقفا في نهر ونحوه أو خارج النهر أو الطست في مكان صلب طاهر والقدمان مكشوفتان أو عليهما نعل واسع يسمح بدخول الماء لهما ففي هذه الحالة فالقدمان يغسلان ضمنا مع البدن ويعممان بالماء معه لعدم وجود ما يمنع من ذلك.
• وأما إن كان واقفا في مكان به طين، أو كان واقفا في مكان نجس أو كان على القدمين نعل ضيق يمنع وصول الماء لهما فهنا يتجه القول باحتمال التفريق وتكرار الماء لغسل القدمين، والراجح في مثل هذه الحالة أنه يبادر بغسل قدميه بعدما ينتقل من مكانه وقبل جفاف باقي بدنه، وينوي عند غسلهما رفع الحدث الأكبر مع نية تتميم الوضوء.
• وأما إن كان واقفا داخل طست ونحوه فإن الماء الواقف فيه يمنع من وصول الماء الطهور لهما.
• وهذه الحالة لا تخلو من احتمالين:
الأول - أن يكون هذا الماء الواقف فيه طاهر بناء على القسمة الثلاثية، أو يكون تنجس بدم ونحوه من مستحاضة مثلا.
فإن كان طاهرا فقد سبق مرارا بيان أن القسمة ثنائية وأن هذا الماء المستعمل يرتفع به الحدث فعادت هذه الحالة كمن عممها مع جسده.
وأما إن كان الماء أصابه دم وتغير به فهنا نقول أنه لابد من المبادرة بغسلها قبل جفاف البدن، لتتحقق الموالاة كالحالة السابقة.
تتمة:
ما سبق هو بناء على اعتبار أفعال الغسل المجزئ من النية والتعميم، أما إن اعتبرنا أفعال الغسل المستحب من الوضوء قبله وإزالة ما لوثه من أذى وتخليله أصول الشعر وإفراغه الماء على رأسه ثلاثا فهنا تتجه هذه المسألة من القول بسنية الموالاة بين هذه المستحبات بعضها مع بعض وبين أفعال الوضوء المجزئ من تعميم الماء للجسد بنية رفع الحدث عنه، ولابد للإتمام من نية مستأنفة برفع الحدث.
• فإن قيل لماذا لم تعتير أن فعل النبي هنا بياني وتقول بالوجوب.
فالجواب أن الفعل البياني له حكم المُبَيَّن فلما كانت هذه الأفعال مستحبة قلنا باستحباب الموالاة فيها، وإنما يجب من الأفعال ما كان بيانا لواجب.
مسألة - من سنن الاغتسال إمرار اليد على الجسد.
قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 253): ((ويدلك بدنه بيديه) بلا نزاع أيضا.
قال الأصحاب: يتعاهد معاطف بدنه وسرته وتحت إبطيه، وما ينوء عنه الماء.
وقال الزركشي.
كلام أحمد قد يحتمل وجوب الدلك).
والراجح أن الدلك وسيلة لإرواء البشرة وإيصال الماء لها فإن حصل غلبة ظن يتعميم الجسد بالماء بدون دلك فلا يجب، وإلا فيجب.
ولم بذكر الدلك للبدن في أحاديث وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قال المالكية أن مجرد الإفاضة بدون دلك لا تسمى غسلا.
قال ابن حزم في "المحلى" (1/ 94): (من ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدلك باليد فقد ادعى ما لا برهان له به).
قال الشيخ الدبيان في "موسوعة الطهارة" (11/ 560): (ولو كان الغسل لا يقع إلا على الدلك، لكانت المواضع التي لا يستطيع الوصول إليها بيده كبعض المواضع من ظهره لا يمكن أن يغسلها، فأما ان يقول: يسقط الدلك للعجز كما اختاره من المالكية ابن القصار، وبالتالي لم يقم بغسل جميع بدنه؛ لأن الغسل عندهم لا يطلق إلا على جريان الماء مع الدلك أو يقال: يجب أن يتخذ خرقة ليستعين بها على دلك ما يعجز عن دلكه، كما اختاره سحنون من المالكية، وقال بعضهم: يجب استنابة من يدلكه من زوجة أو أمة، أو يتدلك بحائط إن كان ملكا له، أو أذن له مالكه، ولم يكن الدلك بؤذبه، وهذا أيضا لم يقم عليه دليل من السنة ومن التعمق الذي لم نؤمر به، وكل هذا يدل على ضعف القول بوجوب التدليك، والله أعلم).