فصل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن القيم
- الكتاب
- تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
- المؤلف
- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
- المحقق
- مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
- الناشر
- دار ومكتبة الهلال - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وقوله: وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ يعم الحاسد من الجن والإنس.
فإن الشيطان وحزبه يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله.
كما حسد إبليس أبانا آدم، وهو عدو لذريته، كما قال تعالى: 35: 6 إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ولكن الوسواس أخص بشياطين الجن، والحسد أخص بشياطين الإنس.
والوسواس يعمهما، كما سيأتي بيانهما.
والحسد يعمهما أيضا.
فكلا الشيطانين حاسد موسوس.
فالاستعاذة من شر الحاسد تتناولهما جميعا.
فقد اشتملت السورة على الاستعاذة من كل شر في العالم.
وتضمنت شرورا أربعة يستعاذ منها: شرا عاما.
وهو شر ما خلق.
وشر الغاسق إذا وقب.
فهذان نوعان.
ثم ذكر شر الساحر والحاسد، وهما نوعان أيضا.
لأنهما من شر النفس الشريرة.
وأحدهما يستعين بالشيطان ويعبده، وهو الساحر.
وقلّما يتأتى السحر بدون نوع عبادة للشيطان، وتقرب إليه: إما بذبح باسمه، أو بذبح يقصد به هو، فيكون ذبحا لغير الله، وبغير ذلك من أنواع الشرك والفسوق.
والساحر وإن لم يسم هذا عبادة للشيطان.
فهو عبادة له، وإن سماه بما سماه به.
فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه.
فمن سجد لمخلوق، وقال: ليس هذا بسجود له، هذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة، كما أقبّلها بالنعم، أو هذا إكرام: لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجودا لغير الله فليسمه بما يشاء.
وكذلك من ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به، وتقرب إليه بما يحب.
فقد عبده، وإن لم يسم ذلك عبادة، بل يسميه استخداما، وصدق.
هو استخدام من الشيطان له.
فيصير من خدم الشيطان وعابديه.
وبذلك يخدمه
الشيطان، لكن خدمة الشيطان له ليست خدمة عبادة.
فإن الشيطان لا يخضع له ولا يعبده، كما يفعل هو به.
والمقصود: أن هذا عبادة منه للشيطان.
وإنما سماه استخداما.
قال تعالى: 36: 60 أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ؟ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وقال تعالى: 34: 40، 41 وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ؟ قالُوا: سُبْحانَكَ، أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ، بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ، أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ.
فهؤلاء وأشباههم عباد الجن والشياطين.
وهم أولياؤهم في الدنيا والآخرة.
ولبئس المولى، ولبئس العشير.
فهذا أحد النوعين.
والنوع الثاني: من يعينه الشيطان، وإن لم يستعن هو به.
وهو الحاسد.
لأنه نائبة وخليفته.
لأن كليهما عدو نعم الله، ومنغصها على عباده.