فصل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن القيم
- الكتاب
- تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
- المؤلف
- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
- المحقق
- مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
- الناشر
- دار ومكتبة الهلال - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وبنى «إياك نعبد» على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان، والقلب، وعمل القلب والجوارح.
فالعبودية: اسم جامع لهذه المراتب الأربع.
فأصحاب «إياك نعبد» حقا هم أصحابها.
فقول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله.
وقول اللسان: الإخبار عنه بذلك، والدعوة إليه، والذبّ عنه، وتبيين بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكره، وتبليغ أوامره.
وعمل القلب: كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه وعلى أقداره، والرضى به وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة.
وأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد، ونقل الأقدام إلى الجمعة
والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك.
فإياك نعبد: التزام لأحكام هذه الأربعة، وإقرار بها، و «إياك نستعين» طلب للاعانة عليها والتوفيق لها، و «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» متضمن للتعريف بالأمرين على التفصيل، وإلهام القيام بهما، وسلوك طريق السالكين إلى الله بهما
فصل
وجميع الرسل إنما دعوا إلى «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» فإنهم كلهم دعوا إلى توحيد الله وعبادته، من أولهم إلى آخرهم.
فقال نوح لقومه 7:
59 اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وكذلك قال هود وصالح وشعيب 7:
65، 73، 85 وإبراهيم.
قال الله تعالى: 16: 36 وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وقال 21: 25 وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ وقال تعالى:
23: 51، 52 يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ.
فصل
والله تعالى جعل العبودية وصف أكمل خلقه، وأقربهم إليه.
فقال:
4: 172نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ، وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ.
وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
وقال 40: 60 إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ وهذا يبين أن الوقف التام في قوله 21: 19 وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ هاهنا، ثم يبتدئ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ.
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
فهما جملتان تامتان مستقلتان: أي إن له من في السموات ومن في الأرض عبيدا وملكا.
ثم
استأنف جملة أخرى فقال وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ يعني أن الملائكة الذين عنده لا يستكبرون عن عبادته لا يأنفون عنها ولا يتعاظمون ولا يستحسرون، فيعيون وينقطعون، يقال حسر واستحسر، إذا تعب وأعيا، بل عبادتهم وتسبيحهم كالنفس لبني آدم، فالأول: وصف لعبيد ربوبيته.
والثاني: وصف لعبيد إلهيته وقال تعالى: 25: 63- 77 وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً إلى آخر السورة.
وقال 76: 6 عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً وقال 38: 17 وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ وقال 38: 41 وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ وقال 38: 45 وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وقال عن سليمان 38: 30 نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ وقال عن المسيح 43: 59 إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ فجعل غايته العبودية لا الإلهية، كما يقول أعداؤه النصارى، ووصف أكرم خلقه عليه، وأعلاهم عنده منزلة بالعبودية في أشرف مقاماته.
فقال تعالى: 2: 23 وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا وقال تبارك وتعالى: 25: 1 تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ وقال 18: 1 الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه والتحدي بأن يأتوا بمثله، وقال 72: 19 وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً فذكره بالعبودية في مقام الدعوة إليه.
وقال 17: 1 سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا فذكره بالعبودية في مقام الإسراء.
وفي الصحيح عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد.
فقولوا عبد الله ورسوله»
وفي الحديث «أنا عبد آكل كما يأكل العبيد، وأجلس كما يجلس العبيد»
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو قال «قرأت في التوراة صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم: محمد رسول الله، عبدي ورسولي، سميته المتوكل.
ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر» .
وجعل سبحانه البشارة المطلقة لعباده، فقال تعالى: 39: 17، 18 فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وجعل الأمن المطلق لهم، فقال تعالى: 43: 68، 69 يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.
الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ وعزل الشيطان عن سلطانه عليهم خاصة، وجعل سلطانه على من تولاه وأشرك به.
فقال 15: 42 إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ وقال 16: 99، 100 إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ.
وجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم إحسان العبودية على مراتب الدين، وهو الإحسان.
فقال في حديث جبريل- وقد سأله عن الإحسان-: «أن تعبد الله كأنك تراه.
فإن لم تكن تراه فإنه يراك» «1»
.