سورة النساء (4) : آية 96
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن القيم
- الكتاب
- تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
- المؤلف
- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
- المحقق
- مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
- الناشر
- دار ومكتبة الهلال - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (96)
وقوله «درجات» قيل: هو نصب على البدل من قوله «أجرا عظيما» وقيل: تأكيد له، وإن كان بغير لفظه.
لأنه هو هو في المعنى.
قال قتادة: كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة.
وقال ابن زيد: الدرجات التي فضل الله بها المجاهد على القاعد سبع.
وهي التي ذكرها الله تعالى في براءة، إذ يقول تعالى: 9: 120 ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ، وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ، إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ فهذه خمس.
ثم قال 9: 121 وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً، وَلا كَبِيرَةً، وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ فهاتان اثنتان.
وقيل: الدرجات سبعون درجة ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة.
والصحيح: أن الدرجات هي المذكورة
في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري في صحيحه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان.
فإن حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها.
قالوا: يا رسول الله، أفلا نخبر الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله.
كل درجتين كما بين السماء والأرض.
فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس.
فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن.
ومنه تفجر أنهار الجنة»
قالوا: وجعل سبحانه تعالى: التفضيل الأول بدرجة فقط، وجعله هاهنا بدرجات، ومغفرة ورحمة.
وهذا يدل على أنه يفضل على غير أولي الضرر.
فهذا تقرير هذا القول وإيضاحه.
ولكن بقي أن يقال: إذا كان المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا لزم أن لا يستوي مجاهد وقاعد مطلقا، فلا يبقى في تقييد القاعدين بكونهم من غير أولي الضرر فائدة.
فإنه لا يستوي المجاهدون والقاعدون من أولي الضرر أيضا.
وأيضا فإن القاعدين المذكورين في الآية الذين وقع التفضيل عليهم هم غير أولي الضرر، لا القاعدون الذين هم أولو الضرر.
فإنهم لم يذكر حكمهم في الآية، بل استثناهم، وبين أن التفضيل على غيرهم.
فاللام في القاعدين للعهد.
والمعهود: هم غير أولي الضرر، لا المضرورون.
وأيضا فالقاعد من المجاهدين لضرورة تمنعه من الجهاد له مثل أجر المجاهد، كما
ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال «إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحا مقيما»
وقال صلّى الله عليه وسلّم «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم.
قالوا: وهم بالمدينة؟ قال:
وهم بالمدينة، حبسهم العذر» .
وعلى هذا فالصواب أن يقال: الآية دلت على أن القاعدين من غير أولي الضرر عن الجهاد لا يستوون هم والمجاهدون، وسكت عن حكمهم بطريق منطوقها ولا يدل مفهومها على مساواتهم للمجاهدين، بل هذا النوع منقسم إلى معذورين من أهل الجهاد، غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها وإنما أقعده العجز.
فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد.
وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية.
وأما الأركاس