فصل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن القيم
- الكتاب
- تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
- المؤلف
- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
- المحقق
- مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
- الناشر
- دار ومكتبة الهلال - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
في بيان تضمنها للرد على منكري النبوات.
وذلك من وجوه:
أحدها: إثبات حمده التام.
فإنه يقتضي كمال حكمته وأن لا يخلق خلقه عبثا، ولا يتركهم سدى لا يؤمرون ولا ينهون، ولذلك نزّه نفسه عن هذا في غير موضع من كتابه.
وأخبر أن من أنكر الرسالة والنبوة، وأن يكون ما أنزل على بشر من شيء فإنه ما عرفه حق معرفته، ولا عظمه حق عظمته، ولا قدره حق قدره، بل نسبه إلى ما لا يليق به، ويأباه حمده ومجده.
فمن أعطى الحمد حقه علما ومعرفة وبصيرة استنبط منه «أشهد أن محمدا رسول الله» كما يستنبط منه «أشهد ألا إله إلا الله» وعلم قطعا أن
تعطيل النبوات في منافاته للحمد كتعطيل صفات الكمال، وكإثبات الشركاء والأنداد.
الثاني: إلهيته، وكونه إلها.
فإن ذلك مستلزم لكونه معبودا مطاعا ولا سبيل إلى معرفة ما يعبد به ويطاع إلا من جهة رسله.
الثالث: كونه ربا.
فإن الربوبية تقتضي أمر العباد ونهيهم.
وجزاء محسنهم بإحسانه، ومسيئهم بإساءته.
هذا حقيقة الربوبية.
وذلك لا يتم إلا بالرسالة والنبوة.
الرابع: كونه رحمانا رحيما.
فإن كمال رحمته: أن يعرف عباده نفسه وصفاته ويدلهم على ما يقربهم إليه، ويباعدهم منه، ويثيبهم على طاعته، ويجزيهم بالحسنى، وذلك لا يتم إلا بالرسالة والنبوة.
فكنت رحمته مقتضية لها.
الخامس: ملكه.
فإن الملك يقتضي التصرف بالقول، كما أن الملك يقضي التصرف بالفعل، فالملك هو المتصرف بأمره وقوله، فتنفذ أوامره ومراسيمه حيث شاء والمالك هو المتصرف في ملكه بفعله، والله له الملك وله الملك، فهو المتصرف في خلقه بالقول والفعل.
وتصرفه بقوله نوعان: تصرف بكلماته الكونية، وتصرف بكلماته الدينية، وكمال الملك بهما، فإرسال الرسل: موجب كمال ملكه وسلطانه، وهذا هو الملك المعقول في فطر الناس وعقولهم.
فكل ملك لا تكون له رسل يبثها في أقطار مملكته فليس بملك.
وبهذه الطريق يعلم وجود ملائكته، وأن الإيمان بهم من لوازم الإيمان بملكه.
فإنهم رسل الله في خلقه وأمره.
السادس: ثبوت يوم الدين.
وهو يوم الجزاء، الذي يدين الله فيه العباد بأعمالهم خيرا وشرا، وهذا لا يكون إلا بعد ثبوت الرسالة والنبوة،
وقيام الحجة التي بسببها يدان المطيع والعاصي.
السابع: كونه معبودا.
فإنه لا يعبد إلّا بما يحبه ويرضاه، ولا سبيل للخلق إلى معرفة ما يحبه ويرضاه إلا من جهة رسله.
فإنكار رسله إنكار لكونه معبودا.
الثامن: كونه هاديا إلى الصراط المستقيم.
وهو معرفة الحق والعمل به، وهو أقرب الطرق الموصلة إلى المطلوب.
فإن الخط المستقيم: هو أقرب خط موصل بين نقطتين، وذلك لا يعلم إلا من جهة الرسل.
فتوقفه على الرسل ضروري، أعظم من توقف الطريق الحسي على سلامة الحواس.
التاسع: كونه منعما على أهل الهداية إلى الصراط المستقيم.
فإن إنعامه عليهم إنما تم بإرسال الرسل إليهم، وجعلهم قابلين الرسالة مستجيبين لدعوته، وبذلك ذكرهم منته عليهم وإنعامه في كتابه.
العاشر: انقسام خلقه إلى منعم عليهم، ومغضوب عليهم، وضالين، فإن هذا الانقسام ضروري بحسب انقسامهم في معرفة الحق، والعمل به:
إلى عالم به عامل بموجبه، وهم أهل النعمة، وعالم به معاند له، وهم أهل الغضب.
وجاهل به، وهم الضالون.
وهذا الانقسام إنما نشأ بعد إرسال الرسل.
فلولا الرسل لكانوا أمة واحدة.
فانقسامهم إلى هذه الأقسام مستحيل بدون الرسالة.
وهذا الانقسام ضروري بحسب الواقع.
فالرسالة ضرورية.
وقد تبين لك بهذه الطريق، والتي قبلها: بيان تضمنها للرد على من أنكر المعاد الجسماني، وقيامة الأبدان، وعرفت اقتضاءها ضرورة ثبوت الثواب والعقاب والأمر والنهى.
وهو الحق الذي خلقت به وله السموات والأرض والدنيا والآخرة، وهو مقتضى الخلق والأمر، ونفيه نفي لهما.
فصل
إذا ثبتت النبوات والرسالة ثبتت صفة التكلم والتكليم.
فإن حقيقة الرسالة: تبليغ كلام المرسل، فإذا لم يكن ثمّ كلام فماذا يبلغ الرسل؟ بل كيف يعقل كونه رسولا؟ ولهذا قال غير واحد من السلف:
من أنكر أن يكون الله متكلما، أو يكون القرآن كلامه.
فقد أنكر رسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم، بل ورسالة جميع الرسل، التي حقيقتها، تبليغ كلام الله تبارك وتعالى.
ولهذا قال منكرو رسالته صلّى الله عليه وسلّم عن القرآن: 74: 24، 25 إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ وإنما عنوا القرآن المسموع الذي بلغوه وأنذروا به.
فمن قال: إن الله لم يتكلم به فقد ضاهأ قوله قولهم.
تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
فصل
في بيان تضمنها للرد على من قال بقدم العالم وذلك من وجوه:
أحدها: إثبات حمده.
فإنه يقتضي ثبوت أفعاله، لا سيما وعامة مواد الحمد في القرآن، أو كلها، إنما هي على الأفعال، وكذلك هو هاهنا.
فإنه حمد نفسه على ربوبيته المتضمنة لأفعاله الاختيارية، ومن المستحيل: مقارنة الفعل لفاعله.
هذا ممتنع في كل عقل سليم، وفطرة مستقيمة.
فالفعل متأخر عن فاعله بالضرورة.
وأيضا فإنه متعلق الإرادة والتأثير والقدرة، ولا يكون متعلقها قديما البتة.
الثاني: إثبات ربوبيته للعالمين.
وتقريره: ما ذكرناه، والعالم كل ما
سواه فثبت أن كل ما سواه مربوب، والمربوب مخلوق بالضرورة، وكل مخلوق حادث بعد أن لم يكن، فإذا ربوبيته تعالى لكل ما سواه تستلزم تقدمه عليه وحدوث المربوب، ولا يتصور أن يكون العالم قديما، وهو مربوب أبدا، فإن القديم مستغن بأزليته عن فاعل له، وكل مربوب فهو فقير بالذات، فلا شيء من المربوب بغني ولا قديم.
الثالث: إثبات توحيده، فإنه يقتضي عدم مشاركة شيء من العالم له في خصائص الربوبية، والقدر من خصائص الربوبية، فالتوحيد ينفي ثبوته لغيره ضرورة، كما ينفي ثبوت الربوبية والإلهية لغيره.