التفسير القيم (تفسير القرآن الكريم لابن القيم)سورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8
أهل الأثرالأرشيف العلمي

سورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن القيم
الكتاب
تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
المؤلف
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
المحقق
مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
الناشر
دار ومكتبة الهلال - بيروت
الطبعة
الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ 1 حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (2) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) أخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة، حتى حضرهم الموت، فزاروا المقابر دون الموت، ولم يفيقوا من رقدة إلهاء التكاثر.
وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت، إيذانا بأنهم غير مستبقين ولا مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين، يحضرونها مرة ثم يظعنون عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها، غير مستقرين فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار.
ولم يعين سبحانه المتكاثر به، بل ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء، لا المتكاثر به.
كما يقال: شغلك اللعب واللهو،

ولم يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما إرادة الإطلاق، وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا، من مال أو جاه أو عبيد.
أو إماء أو بناء، أو غراس، أو علم لا يبتغى به وجه الله، أو عمل لا يقر به إلى الله.
فكل هذا من التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة.
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن الشخّير أنه قال: «انتهيت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو يقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مال إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟» . ثم توعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا، إذا عاين تكاثره قد ذهب هباء منثورا، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعا وغرورا، فوجد عاقبة تكاثره اليه لا له، وخسر هنالك تكاثره.
كما خسره أمثاله.
وبدا له من الله ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه، فعذب بتكاثره في دنياه، ثم عذب به في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة.
فكان أشقي الناس بتكاثره في دنياه، ثم عذب في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة.
فكان أشقي الناس بتكاثره.
إذ أفاد منه العطب، دون الغنيمة والسلامة.
فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين، ولم يحظ من علوه به في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين.
فيا له تكاثرا ما أثقله وزرا، وما أجلبه من غنى جالبا لكل فقر، وخيرا توصل به إلى كل شر، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه.
يا ليتني قدمت لحياتي، وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ فقيل له كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها تلك كلمته يقولها.
فلا يعول عليها.
ورجعته يسألها، فلا يجاب إليها.
وتأمل قوله أولا «رب» استغاث بربه، ثم التفت الى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى، وقال: «ارجعوني» ثم ذكر سبب سؤال الرجعة.
وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه

وسلطانه وقوته وأسبابه، فيقال له «كلا» لا سبيل لك إلى الرجعة، وقد عمّرت ما يتذكر فيه من تذكر.
ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استقاله، وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته- أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة: هو قائلها، لا حقيقة تحتها، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا.
لو أجيب.
وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه، وإنه لو ردّ لعاد لما نهى عنه، وإنه من الكاذبين.
فحكمة أحكم الحاكمين، وعزته وعلمه وحمده، يأبى إجابته إلى ما سأل.
فإنه لا فائدة من ذلك.
ولو رد لكانت حاله الثانية مثل حاله الأولى، كما قال تعالى: 6: 27 وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ، فَقالُوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ، وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ.
وقوله: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ جوابه محذوف، دل عليه ما تقدم، أي لما ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمّا فقد منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات، التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها.
ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه شيء عن موجبه، ولترتب أثره عليه.
فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه.
فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد.
فإذا صار عين يقين، كجملة المشاهدات، كان تخلّف موجبه عنه اندر شيء.
وفي هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضي الله عنه في أهل بدر: سرنا، وساروا إلى بدر، لحتفهم لو يعلمون يقين العلم ما ساروا

قيل: تأكيد لحصول العلم.
كقوله: 78: 4، 5 كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ.
وقيل: ليس تأكيدا، بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت.
والعلم الثاني في القبر.
وهذا قول الحسن ومقاتل.
ورواه عطاء عن ابن عباس.
ويدل على صحة هذا القول: عدة أوجه.
أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل.
وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة.
الثاني: توسط «ثم» بين العلمين، وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبين زمانا وخطرا.
الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع.
فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علما يقينا، هو فوق العلم الأول.
الرابع: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر.
قال الترمذي: حدثنا أبو كريب حدثنا حكام بن سليم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج بن منهال بن عمرو بن زر عن علي رضي الله عنه قال: «ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ» قال الواحدي: يعني أن معنى قوله: «كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» في القبر.
الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى، وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى، وتراخي الثانية عنها.
ثم ختم السورة بالإخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد، والنون الثقيلة

عن سؤال النعيم.
فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا: هل ناله من حلاله ووجهه أم لا؟ فإذ تخلص من هذا السؤال، سئل سؤالا آخر: هل شكر الله تعالى عليه، باستعانة به على طاعته أم لا؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه.
والثاني: عن محل صرفه.
كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره: فيما أفناه؟ وعن شبابه: فيما أبلاه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وفيما ذا عمل فيما علم؟» . وفيه أيضا: عن أبي برزة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره: فيما أفناه؟ وعن علمه: فيما عمل فيه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه وفيما أبلاه؟» وقال: هذا حديث صحيح «1» . وفيه أيضا: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة- يعني من النعيم- أن يقال له: ألم نصحّ جسمك؟ ونرويك من الماء البارد؟» . وفيه أيضا: من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: «لما نزلت لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال الزبير: يا رسول الله: فأي النعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان: التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون» وقال: هذا حديث حسن.
وعن أبي هريرة نحوه.
وقال «إنما هو الأسودان: العدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا.
فقال: إن ذلك سيكون» .

وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن ذلك سيكون» إما أن يكون المراد به: أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما ان يرجع إلى السؤال، أي إن السؤال يقع عن ذلك، وإن كان تمرا وماء، فإنه من النعيم.
ويدل عليه: قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح- وقد أكلوا معه رطبا ولحما، وشربوا من الماء البارد- «هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة» فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه.
وفي الترمذي من حديث أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يجاء بالعبد يوم القيامة، كأنه بذج «1» فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول الله: أعطيتك وخوّلتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته، وثمرته، فتركته أوفر ما كان، فأرجعني آتيك به.
فإذا أعيد لم يقدم خيرا، فيمضي به إلى النار» «2» » . وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا، وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وترتع، أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا؟ فيقول: لا.
فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني» . وقال: هذا حديث صحيح.
وقد زعم طائفة من المفسرين: أن هذا الخطاب خاص بالكفار، وأنهم هم المسؤولون عن النعيم.
وذكروا ذلك عن الحسن ومقاتل.
واختار الواحدي ذلك.
واحتج بحديث أبي بكر «لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله: أرأيت أكلة أكلتها معك ببيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم،12

وبسر قد ذنّب، وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنما ذلك للكفار، ثم قرأ 43: 17 وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ؟.
وقال الواحدي: والظاهر يشهد بهذا القول.
لأن السورة كلها خطاب للمشركين وتهديد لهم.
والمعنى أيضا يشهد بهذا القول، وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم، حيث أشركوا بربهم وعبدوا غيره، فاستحقوا أن يسألوا عما أنعم به عليهم، توبيخا لهم، هل قاموا بالواجب فيه، أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم.
قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن.
قال: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار.
قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة، ولا في أدلة العقل ما يقتضي اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر اللفظ، وصريح السنة والاعتبار: يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بأنه ألهاه التكاثر.
فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك.
ويدل على ذلك: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم عند قراءة هذه السورة «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت؟ أو لبست فأبليت- الحديث» وهو في صحيح مسلم . وقائل ذلك قد يكون مسلما.
وقد يكون كافرا.
ويدل عليه أيضا: الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وفهمهم العموم، حتى قالوا له «وأي نعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان» فلو كان الخطاب مختصا بالكفار لبين لهم ذلك.
وقال: مالكم ولها؟ إنما هي للكفار.
فالصحابة فهموا العموم، والأحاديث صريحة في التعميم.
والذي أنزل عليه القرآن أقرهم على فهم العموم.

وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول.
فحديث لا يصح.
والحديث الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه.
ونحن نسوقه بلفظه.
في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم أو ليلة.
فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة؟ قالا: الجوع، يا رسول الله.
قال: وأنا والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوما، فقاما معه.
فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته.
فلما رأته امرأته قالت: مرحبا وأهلا.
فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أين فلان؟ قالت: ذهب ليستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصاحبيه، فقال: الحمد لله ما أجد اليوم أكرم أضيافا مني.
قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا من هذا.
فأخذ المدية، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إياك والحلوبة.
فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا.
فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيديه لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة.
أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصبتم هذا النعيم» . فهذا الحديث الصحيح صريح في تعميم الخطاب، وأنه غير مختص بالكفار.
وأيضا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأن الإلهاء بالتكاثر واقع بين المسلمين كثيرا، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر.
وخطاب القرآن عام لمن بلغه، وإن كان أول من دخل فيه المعاصرون لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فهو متناول لمن بعدهم.
وهذا معلوم بضرورة الدين، وإن نازع فيه من لا يعتد بقوله من المتأخرين.
فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى: 2:

183 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ونظائره، كما دخل تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين.
فقوله: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف.
وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا الله.
فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر.
ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه.
قيل: هذا هو الذي أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار، لأنه لم يمكنهم حمله على العموم، ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد، فخصوهم به.
وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان، على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو إنسان.
كقوله: 17: 11 وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا 17: 67 وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً 100: 6 إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ 33: 73 وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا 22: 66 إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ ونظائره كثيرة.
فالإنسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع، والعمل الصالح، وإنما الله سبحانه هو الذي يكمله بذلك، ويعطيه إياه.
وليس له ذلك من نفسه.
بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علم وعدل وخير فيه فمن ربه، لا من نفسه.
فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته، التي هي له من نفسه.
ولا خروج له عن ذلك إلا بتزكية الله له، وجعله مريدا للآخرة، مؤثرا لها على التكاثر بالدنيا.
فإن أعطاه ذلك وإلا فهو ملته بالتكاثر في الدنيا ولا بد.
أما احتجاجهم بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار.
فيقال: الوعيد المذكور مشترك، وهو العلم عند معاينة الآخرة.
فهذا أمر

يحصل لكل أحد، لم يكن حاصلا له في الدنيا.
وليس في قوله: سَوْفَ تَعْلَمُونَ ما يقتضى دخول النار، فضلا عن التخليد فيها.
وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها.
فإن أهل الموقف يرونها، ويشاهدونها عيانا، وقد أقسم الرب تبارك وتعالى أن لا بد أن يراها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم 19: 71 وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها.
كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا.
فليس في جملة هذه السورة ما ينفي عموم خطابها.
وأما ما ذكروه عن الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار.
فباطل قطعا، إما عليه وإما منه.
والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده.
وبالله التوفيق.
ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها.
وما تضمنته من تحذير الإنسان عن التكاثر الملهي، وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى اختصاصها من أولها إلى آخرها بالكفار، ولا يليق ذلك بها.
ويكفي في ذلك تأمل الأحاديث المرفوعة فيها.
والله أعلم.
وتأمل ما في هذا العتاب الراجع لمن استمر على إلهاء التكاثر له مدة حياته كلها، إلى أن زار القبور، ولم يستيقظ من نوم الإلهاء، بل أرقد التكاثر قلبه فلم يستفق منه إلا وهو في عسكر الأموات.
وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتعين لك أن العموم مقصود.
وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثر به، ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا، على اختلاف أجناسها وأنواعها.
وأيضا فإن التكاثر تفاعل، وهو طلب كل من المتكاثرين أن يكاثر صاحبه.
فيكون أكثر منه فيما يتكاثره به.
والحامل له على ذلك: توهمه أن

العزة للكاثر كما قيل: ولست بالأكثر منهم غنى ... وإنما العزة للكاثر فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره، كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة من الصحابة، ولم تضرهم.
إذ لم يتكاثروا بها.
وكل من كاثر إنسانا في دنياه، أو جاهه، أو غير ذلك، أشغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة.
فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه، وتكمل به وتزكوا، وتصير مفلحة.
فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك، وينافسها في هذه المكاثرة، ويسابقها إليها.
فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد.
وضده: تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم.
فهذا تكاثر مله عن الله وعن الدار الآخرة.
وهو جارّ إلى غاية القلة.
فعاقبة هذا التكاثر: قلّ وفقر وحرمان.
والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكر بالله وبنعمه.
وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى.
وصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولا، وأحسن منه عملا، وأغزر منه علما.
وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحوقه فيها كاثره بخصلة أخرى، وهو قادر على المكاثرة بها.
وليس هذا التكاثر مذموما، ولا قادحا في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة، واستباق الخيرات.
وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج رضي الله عنهم في تصاولهم بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره.
وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر رضي الله عنهما.
فلما تبين لعمر مدى سبق أبي بكر له قال: «والله لا أسابقك إلى شيء أبدا» .

فصول الكتاب · 363 فصل · 695 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التفسير القيم (تفسير القرآن الكريم لابن القيم) · 695 صفحة
سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة البقرةسورة البقرة (2) : آية 7سورة البقرة (2) : آية 10سورة البقرة (2) : الآيات 17 الى 18سورة البقرة (2) : آية 19فصلسورة البقرة (2) : آية 25سورة البقرة (2) : آية 30فصلسورة البقرة (2) : آية 36سورة البقرة (2) : آية 88سورة البقرة (2) : آية 94سورة البقرة (2) : آية 137سورة البقرة (2) : آية 165سورة البقرة (2) : آية 171سورة البقرة (2) : آية 179سورة البقرة (2) : آية 187سورة البقرة (2) : آية 216سورة البقرة (2) : الآيات 226 الى 227سورة البقرة (2) : آية 235سورة البقرة (2) : آية 245سورة البقرة (2) : آية 261فصلسورة البقرة (2) : آية 262سورة البقرة (2) : آية 263سورة البقرة (2) : آية 264سورة البقرة (2) : آية 265سورة البقرة (2) : آية 266سورة البقرة (2) : آية 267سورة البقرة (2) : آية 268سورة البقرة (2) : آية 271سورة البقرة (2) : آية 273سورة البقرة (2) : آية 278سورة البقرة (2) : آية 279سورة البقرة (2) : آية 282سورة آل عمرانسورة آل عمران (3) : آية 18فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة آل عمران (3) : آية 19سورة آل عمران (3) : آية 26سورة آل عمران (3) : آية 43سورة آل عمران (3) : آية 44سورة آل عمران (3) : الآيات 93 الى 95سورة آل عمران (3) : الآيات 116 الى 117سورة آل عمران (3) : آية 160سورة آل عمران (3) : آية 200سورة النساءسورة النساء (4) : آية 3سورة النساء (4) : آية 95سورة النساء (4) : آية 96سورة النساء (4) : آية 88سورة النساء (4) : آية 113سورة المائدةسورة المائدة (5) : آية 2سورة المائدة (5) : آية 3سورة الأنعامسورة الأنعام (6) : الآيات 8 الى 9سورة الأنعام (6) : الآيات 108 الى 110سورة الأعرافسورة الأعراف (7) : آية 32سورة الأعراف (7) : الآيات 55 الى 56سورة الأعراف (7) : آية 205سورة الأعراف (7) : آية 55فصلسورة الأعراف (7) : آية 56فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة الأعراف (7) : الآيات 57 الى 58سورة الأعراف (7) : آية 157سورة الأعراف (7) : الآيات 175 الى 176سورة الأعراف (7) : آية 189سورة الأنفالسورة الأنفال (8) : آية 17سورة الأنفال (8) : آية 24سورة الأنفال (8) : آية 64سورة التوبة (9) : آية 46سورة التوبة (9) : آية 47سورة التوبة (9) : آية 103فصلسورة يونسسورة يونس (10) : آية 23سورة يونس (10) : آية 25سورة يونس (10) : آية 30سورة يونس (10) : آية 58سورة يونس (10) : آية 87سورة هودسورة هود (11) : آية 23سورة هود (11) : آية 24سورة هود (11) : آية 32سورة هود (11) : آية 56سورة يوسفسورة يوسف (12) : آية 30سورة يوسف (12) : آية 40سورة يوسف (12) : آية 53سورة يوسف (12) : آية 101سورة يوسف (12) : آية 108سورة الرعدسورة الرعد (13) : آية 8سورة الرعد (13) : آية 17سورة الرعد (13) : آية 28سورة إبراهيمسورة إبراهيم (14) : آية 18سورة إبراهيم (14) : الآيات 24 الى 25فصلسورة إبراهيم (14) : آية 27سورة الحجرسورة الحجر (15) : آية 21سورة الحجر (15) : آية 75سورة النحلسورة النحل (16) : الآيات 75 الى 76فصلسورة النحل (16) : آية 99سورة النحل (16) : آية 125سورة الأسراءسورة الإسراء (17) : الآيات 80 الى 82سورة الإسراء (17) : آية 82سورة الكهفسورة الكهف (18) : آية 28سورة الكهف (18) : آية 57سورة الكهف (18) : آية 101سورة مريمسورة مريم (19) : آية 39سورة طهسورة طه (20) : آية 10سورة طه (20) : الآيات 118 الى 119سورة طه (20) : آية 124فصلفصلسورة الأنبياءسورة الأنبياء (21) : آية 83سورة الأنبياء (21) : آية 107سورة الحجسورة الحج (22) : آية 1سورة الحج (22) : الآيات 30 الى 31سورة الحج (22) : آية 73سورة المؤمنونسورة المؤمنون (23) : الآيات 10 الى 11سورة المؤمنون (23) : آية 91سورة النورسورة النور (24) : آية 35فصلسورة النور (24) : الآيات 39 الى 40فصلفصلفصلسورة الفرقانسورة الفرقان (25) : آية 44سورة الفرقان (25) : آية 45سورة الفرقان (25) : آية 46سورة الفرقان (25) : آية 55سورة الفرقان (25) : آية 73سورة الشعراءسورة الشعراء (26) : آية 89سورة الشعراء (26) : آية 98سورة النملسورة النمل (27) : آية 59سورة القصصسورة القصص (28) : آية 47سورة القصص (28) : الآيات 71 الى 72سورة العنكبوتسورة العنكبوت (29) : آية 41سورة العنكبوت (29) : آية 45سورة الرومسورة الروم (30) : آية 28سورة الروم (30) : آية 41سورة سبأسورة سبإ (34) : آية 22سورة فاطرسورة فاطر (35) : آية 15سورة يسسورة يس (36) : آية 8سورة يس (36) : آية 9سورة الصافاتسورة الصافات (37) : آية 78سورة الصافات (37) : آية 79سورة الصافات (37) : آية 130سورة صسورة ص (38) : آية 50سورة ص (38) : آية 75سورة الزمرسورة الزمر (39) : آية 29سورة الزمر (39) : آية 62سورة الزمر (39) : آية 73سورة الزمر (39) : آية 75سورة غافرسورة غافر (40) : آية 37سورة حم السجدةسورة فصلت (41) : آية 16سورة الشورىسورة الشورى (42) : آية 11سورة الشورى (42) : آية 49سورة الشورى (42) : آية 50سورة الشورى (42) : آية 52سورة الدخانسورة الدخان (44) : آية 51سورة الدخان (44) : آية 54سورة الجاثيةسورة الجاثية (45) : آية 23سورة الأحقافسورة الأحقاف (46) : آية 15سورة محمدسورة محمد (47) : آية 24سورة الحجراتسورة الحجرات (49) : آية 6سورة الحجرات (49) : آية 12سورة الحجرات (49) : آية 13سورة قسورة ق (50) : آية 37سورة الذارياتسورة الذاريات (51) : آية 24سورة الذاريات (51) : آية 25سورة الذاريات (51) : آية 26سورة الذاريات (51) : آية 27سورة الطورسورة الطور (52) : آية 21سورة النجمسورة النجم (53) : آية 8سورة النجم (53) : آية 12سورة النجم (53) : آية 32سورة الرحمنسورة الرحمن (55) : آية 26سورة الرحمن (55) : آية 54سورة الرحمن (55) : آية 56سورة الرحمن (55) : آية 58سورة الرحمن (55) : آية 70سورة الرحمن (55) : آية 72سورة الرحمن (55) : آية 76فصلفصلسورة الواقعةسورة الواقعة (56) : آية 35سورة الواقعة (56) : آية 37سورة الواقعة (56) : آية 74سورة الواقعة (56) : آية 79سورة الحديدسورة الحديد (57) : آية 27سورة الحديد (57) : آية 28سورة المجادلةسورة المجادلة (58) : آية 2سورة الصفسورة الصف (61) : آية 5سورة الجمعةسورة الجمعة (62) : آية 5سورة المنافقونسورة المنافقون (63) : آية 9سورة التحريمسورة التحريم (66) : آية 4سورة التحريم (66) : آية 10سورة التحريم (66) : آية 11سورة التحريم (66) : آية 12سورة نسورة القلم (68) : آية 48سورة المزملسورة المزمل (73) : آية 8سورة المدثرسورة المدثر (74) : آية 4سورة المدثر (74) : الآيات 49 الى 51سورة القيامةسورة القيامة (75) : آية 36سورة النبأسورة النبإ (78) : الآيات 31 الى 33سورة التكويرسورة التكوير (81) : الآيات 1 الى 3سورة المطففينسورة المطففين (83) : آية 14سورة المطففين (83) : الآيات 18 الى 20سورة الانشقاقسورة الانشقاق (84) : آية 19سورة الطارقسورة الطارق (86) : الآيات 5 الى 7سورة والشمس وضحاهاسورة الشمس (91) : الآيات 9 الى 10سورة الضحىسورة الضحى (93) : آية 11سورة التكاثرسورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8فصلسورة الكافرونسورة الكافرون (109) : الآيات 3 الى 6سورة الكافرون (109) : آية 6سورة الفلقسورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 6الفصل الأولالفصل الثانيفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة الناسسورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6فصلفصلفصلفصلقاعدة نافعة
جارٍ التحميل