سورة الأعراف (7) : آية 205
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن القيم
- الكتاب
- تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
- المؤلف
- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
- المحقق
- مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
- الناشر
- دار ومكتبة الهلال - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (205)
فأمر تعالى نبيه أن يذكره في نفسه.
قال مجاهد وابن
جريج: أمر أن يذكره في الصدر بالتضرع والاستكانة دون رفع الصوت أو الصياح.
وقد تقدم
حديث أبي موسى: «كنا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير فقال: يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» .
وتأمل كيف قال في آية الذكر: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وفي آية الدعاء: 7: 55 ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً فذكر التضرع فيهما معا.
وهو التذلل والتمسكن والانكسار، وهو روح الذكر والدعاء.
وخص الدعاء بالخفية لما ذكرنا من الحكم وغيرها.
وخص الذكر بالخيفة لحاجة الذاكر إلى الخوف، فإن الذكر يستلزم المحبة ويثمرها ولا بد.
فمن أكثر من ذكر الله أثمر له ذلك محبته والمحبة ما لم تقرن بالخوف، فإنها لا تنفع صاحبها بل قد تضره.
لأنها توجب الإدلال والإنبساط، وربما آلت بكثير من الجهال المغرورين إلى أنهم استغنوا بها عن الواجبات وقالوا:
المقصود من العبادات إنما هو عبادة القلب وإقباله على الله ومحبته له وتألهه له.
فإذا حصل المقصود فالاشتغال بالوسيلة باطل.
ولقد حدثني رجل أنه أنكر على رجل من هؤلاء خلوة له ترك فيها حضور الجمعة فقال له الشيخ:
أليس الفقهاء يقولون إذا خاف على شيء من ماله فإن الجمعة تسقط عنه؟
فقال له بلى.
فقال له فقلب المريد أعز عليه من ضياع عشرة دراهم، أو كما قال.
وهو إذا خرج ضاع قلبه فحفظه لقلبه عذر مسقط للجمعة في حقه.
فقال له: هذا غرور بل الواجب عليه الخروج إلى أمر الله وحفظ قلبه مع الله.
فالشيخ المربي العارف يأمر المريد بأن يخرج إلى الأمر ويراعي حفظ قلبه، أو كما قال.
فتأمل هذا الغرور العظيم كيف آل بهؤلاء إلى الانسلاخ عن الإسلام، جملة فإن من سلك هذا المسلك انسلخ عن الإسلام العام كانسلاخ الحية من قشرها، وهو يظن أنه من خاصة الخاصة.
وسبب هذا عدم اقتران الخوف من
الله بحبه وإرادته ولهذا قال بعض السلف من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري.
ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ.
ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن.
وقد جمع تعالى هذه المقامات الثلاث بقوله: 17: 57 أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ فابتغاء الوسيلة هو محبته الداعية إلى التقرب إليه.
ثم ذكر بعدها الرجاء والخوف.
فهذه طريقة عباده وأوليائه.
وربما آل الأمر بمن عبده بالحب المجرد إلى استحلال المحرمات، ويقول: المحب لا يضره ذنب وقد صنف بعضهم في ذلك مصنفا وذكر فيه أثرا مكذوبا «إذا أحب الله العبد لم تضره الذنوب» وهذا كذب قطعا مناف للإسلام.
فالذنوب تضر بالذات لكل أحد كضرر السم للبدن.
ولو قدر أن هذا الكلام صح عن بعض الشيوخ.
وأما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فمعاذ الله من ذلك- فله محمل، وهو أنه إذا أحبه لم يدعه حبه إياه إلى أن يصر على ذنب.
لأن الإصرار على الذنب مناف لكونه محبا لله، وإذا لم يصر على الذنب بل بادر إلى التوبة النصوح منه، فإنه يمحى أثره ولا يضره الذنب.
وكلما أذنب وتاب وأناب إلى الله زال عنه أثر الذنب وضرره، فهذا المعنى صحيح.
والمقصود أن تجريد الحب والذكر عن الخوف يوقع في هذه المعاطب، فإذا اقترن بالخوف جمعه على الطريق ورده إليها كلما شرد، فكأن الخوف سوط يضرب به مطيته لئلا تخرج عن الدرب والرجاء حاد يحدوها يطيب لها السير، والحب قائدها وزمامها الذي يسوقها.
فإذا لم يكن للمطية سوط ولا عصا تردها إذا حادت عن الطريق، وتركت تركب تعاسيف خرجت عن الطريق وضلت عنها، فما حفظت حدود الله ومحارمه.
وما وصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته، فمتى خلا القلب عن
هذه الثلاثة فسد فسادا لا يرجى صلاحه أبدا، ومتى ضعف فيه شيء من هذه ضعف إيمانه بحسبه.
فتأمل أسرار القرآن وحكمته في اقتران الخيفة بالذكر، والخفية بالدعاء، مع دلالته على اقتران الخيفة بالدعاء والخفية بالذكر أيضا، فإنه قال: اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ فلم يحتج بعدها أن يقول: «خفية» وقال في الدعاء: 7: 56 وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً فلم يحتج أن يقول في الأولى ادعوا ربكم تضرعا وخفية فانتظمت كل واحدة من الآيتين، للخفية والخفية والتضرع أحسن انتظام، ودلت على ذلك أكمل دلالة.
وذكر الطمع الذي هو الرجاء في آية الدعاء لأن الدعاء مبنى عليه، فإن الداعي ما لم يطمع في سؤاله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبه، إذ طلب ما لا طمع فيه ممتنع وذكر الخوف في آية الذكر لشدة حاجة الخائف إليه كما تقدم.
فذكر في كل آية ما هو اللائق بها والأولى بها: من الخوف والطمع، فتبارك من أنزل كلامه شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين.