سورة الرعد (13) : آية 28
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن القيم
- الكتاب
- تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
- المؤلف
- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
- المحقق
- مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
- الناشر
- دار ومكتبة الهلال - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)
الطمأنينة: سكون القلب إلى الشيء، وعدم اضطرابه وقلقه.
ومنه الأثر المعروف «الصدق طمأنينة، والكذب ريبة» أي الصدق يطمئن إليه قلب السامع، ويجد عنده سكونا إليه.
والكذب يوجب اضطرابا وارتيابا.
ومنه
قوله صلّى الله عليه وسلّم «البر ما اطمأن إليه القلب»
أي سكن إليه وزال عنه اضطرابه وقلقه.
وفي «ذكر الله» هاهنا قولان.
أحدهما: أنه ذكر العبد ربّه، فإنه يطمئن إليه قلبه، ويسكن.
فإذا اضطرب القلب وقلق فليس له ما يطمئن به سوى ذكر الله.
ثم اختلف أصحاب هذا القول فيه.
فمنهم من قال: هذا في الحلف واليمين، إذا حلف المؤمن على شيء سكنت قلوب المؤمنين إليه، واطمأنت.
ويروى هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ومنهم من قال: بل هو ذكر العبد ربه بينه وبينه، يسكن إليه قلبه، ويطمئن.
والقول الثاني: أن ذكر الله هاهنا القرآن، وهو ذكره الذي أنزله على رسوله به طمأنينة قلوب المؤمنين.
فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين.
ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن.
فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه، واضطرابه وقلقه من شكه.
والقرآن هو المحصل لليقين الدافع للشكوك والظنون والأوهام.
فلا تطمئن قلوب المؤمنين إلا به.
وهذا القول هو المختار.
وكذلك القولان أيضا في قوله تعالى: 43: 36 وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ والصحيح: أنه ذكره الذي أنزله على رسوله، وهو كتابه من أعرض عنه قيض الله له شيطانا يضله ويصده عن السبيل.
وهو يحسب أنه على هدي.
وكذلك القولان أيضا في قوله تعالى: 20: 124 وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً، وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى والصحيح أنه ذكره الذي أنزله على رسوله وهو كتابه.
ولهذا يقول المعرض عنه 20: 125، 126 رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى، وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً؟ قالَ: كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها، وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى.
وأما تأويل من تأوله على الحلف ففي غاية البعد عن المقصود.
فإن ذكر الله بالحلف يجري على لسان الصادق والكاذب والبر والفاجر.
والمؤمنون تطمئن قلوبهم إلى الصادق ولو لم يحلف.
ولا تطمئن قلوبهم إلى من يرتابون منه ولو حلف.
وجعل الله الطمأنينة في قلوب المؤمنين ونفوسهم.
وجعل الغبطة والمدحة والبشارة بدخول الجنة لأهل الطمأنينة.
فطوبى لهم وحسن مآب.