الفصل الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن القيم
- الكتاب
- تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
- المؤلف
- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
- المحقق
- مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
- الناشر
- دار ومكتبة الهلال - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
: في الاستعاذة.
والثاني: في المستعاذ به.
والثالث في المستعاذ منه.
الفصل الأول
اعلم أن لفظة «عاذ» وما تصرف منها تدل على التحرز والتحصن والنجاة.
وحقيقة معناها: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه.
ولهذا يسمى المستعاذ به: معاذا، كما يسمى: ملجأ ووزرا.
وفي الحديث «أن ابنة الجون لما أدخلت على النبي صلّى الله عليه وسلّم فوضع يده عليها، قالت: أعوذ بالله منك.
فقال لها.
لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك» .
فمعنى «أعوذ» ألتجئ وأعتصم، وأتحرز.
وفي أصله قولان.
أحدها: أنه مأخوذ من الستر.
والثاني: أنه مأخوذ من لزوم المجاورة.
فأما من قال: إنه من الستر فقال: العرب تقول للبيت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها «عوّذ» بضم العين وتشديد الواو وفتحها، فكأنه لما عاذ بالشجرة واستتر بأصلها وظلها: سموه عوّذا.
فكذلك العائذ قد استتر من عدوه بمن استعاذ به منه واستجنّ به منه.
ومن قال: هو لزوم المجاورة قال: العرب تقول للحم إذا لصق بالعظم فلم يتخلّص منه «عوّذ» لأنه اعتصم به، واستمسك به.
فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به، واعتصم به، ولزمه.
والقولان حق.
والاستعاذة تنتظمهما معا.
فإن المستعيذ مستتر بمعاذه، مستمسك به، معتصم به.
قد استمسك قلبه به ولزمه، كما يلزم الولد أباه إذا أشهر عليه عدوه سيفا وقصده به، فهرب منه.
فعرض له أبوه في طريق هربه.
فإنه يلقي نفسه عليه، ويستمسك به أعظم استمساك.
فكذلك العائذ قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه، وفر إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به، والتجأ إليه.
وبعد، فمعنى الاستعاذة القائم بقلب المؤمن وراء هذه العبارات.
وإنما هي تمثيل وإشارة وتفهيم، وإلا فما يقوم بالقلب حينئذ من الالتجاء والاعتصام، والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه، والتذلل بين يديه:
أمر لا تحيط به العبارة.
ونظير هذا: التعبير عن معنى محبته وخشيته، وإجلاله ومهابته.
فإن العبارة تقصر عن وصف ذلك، ولا تدرك إلا بالاتصاف بذلك، لا بمجرد الوصف والخبر، كما أنك إذا وصفت لذة الوقاع لعنّين لم تخلق له شهوة أصلا، فمهما قربتها وشبهتها بما عساك أن تشبهها به، لم تحصل حقيقة معرفتها في قلبه.
فإذا وصفتها لمن خلقت الشهوة فيه وركبت فيه عرفها بالوجود والذوق.
وأصل هذا الفعل: «أعوذ» بتسكين العين وضم الواو، ثم أعلّ بنقل حركة الواو إلى العين وتسكين الواو.
فقالوا: أعوذ على أصل هذا الباب، ثم طردوا إعلاله، فقالوا في اسم الفاعل: عائذ.
وأصله: عاوذ.
فوقعت الواو بعد ألف فاعل، فقلبوها همزة، كما قالوا: قائم، وخائف.
وقالوا في المصدر: عياذا بالله.
وأصله: عواذا كلوذ، فقلبوا الواو ياء لكسرة ما قبلها، ولم تحصنها حركتها.
لأنها قد ضعفت بإعلالها في العمل.
وقالوا:
مستعيذ.
وأصله: مستعوذ، كمستخرج، فنقلوا كسرة الواو إلى العين قبلها، فلما كسرت العين قبلت قبلها كسرة، فقلبت ياء على أصل الباب.
فإن قلت: فلم دخلت السين والتاء في الأمر من هذا الفعل، كقوله:
16: 98 فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ولم تدخل في الماضي والمضارع، بل الأكثر أن يقال: أعوذ بالله، وتعوّذت، دون أستعيذ، واستعذت؟.
قلت: السين والتاء دالة على الطلب، فقوله: أستعيذ بالله، أي أطلب العياذ به.
كما إذا قلت: أستخير الله: أي أطلب خيرته، وأستغفره.
أي أطلب مغفرته.
وأستقيله.
أي أطلب إقالته.
فدخلت في الفعل إيذانا بطلب هذا المعنى من المعاذ.
فإذا قال المأمور: أعوذ بالله.
فقد امتثل ما طلب منه.
لأنه طلب منه الالتجاء والاعتصام.
وفرق بين نفس الالتجاء والاعتصام، وبين طلب ذلك.
فلما كان المستعيذ هاربا ملتجئا معتصما
بالله، أتى بالفعل الدال على ذلك دون الفعل الدال على طلب ذلك فتأمله.
وهذا بخلاف ما إذا قيل: استغفر الله.
فقال: أستغفر الله.
فإنه طلب منه أن يطلب المغفرة من الله.
فإذا قال: أستغفر الله، كان ممتثلا.
لأن المعنى: أطلب من الله أن يغفر لي.
وحيث أراد هذا المعنى في الاستعاذة فلا ضير أن يأتي بالسين والتاء، فيقول: أستعيذ بالله.
أي أطلب منه أن يعيذني.
ولكن هذا معنى غير نفس الاعتصام والالتجاء والهرب إليه.
فالأول: مخبر عن حاله وعياذه بربه.
وخبره يتضمن سؤاله وطلبه أن يعيذه.
والثاني: طالب سائل من ربه أن يعيذه.
كأنه يقول: أطلب منك أن تعيذني.
فحال الأول أكمل.
ولهذا
جاء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في امتثال هذا الأمر «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» . و «أعوذ بكلمات الله التامات» . و «أعوذ بعزة الله وقدرته»
دون: أستعيذ، بل الذي علمه الله إياه أن يقول: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ دون أستعيذ.
فتأمل هذه الحكمة البديعة.
فإن قلت: فكيف جاء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر والمأمور به، فقال:
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ومعلوم أنه إذا قيل:
قل الحمد لله، وقل: سبحان الله فإن امتثاله أن يقول: الحمد لله، وسبحان الله، ولا يقول: قل سبحان الله.
قلت: هذا هو السؤال الذي أورده أبيّ بن كعب على النبي صلّى الله عليه وسلّم بعينه، وأجابه عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
فقد قال البخاري في صحيحه.
حدثنا قتيبة حدثنا سفيان عن عاصم وعبدة عن زرّ بن حبيش قال: «سألت أبيّ بن كعب عن المعوذتين؟ فقال: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقال.
قيل لي، فقلت.
فنحن نقول كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» ثم قال: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا عبدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش.
وحدثنا عاصم عن زر قال «سألت أبيّ بن كعب.
قلت: أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا.
فقال: إني سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقال: قيل لي، فقلت: قل.
فنحن نقول كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» .
قلت: مفعول القول محذوف، وتقديره: قيل لي قل، أو قيل لي هذا اللفظ.
فقلت كما قيل لي.
وتحت هذا من السر: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ليس له في القرآن إلا إبلاغه، لا أنه هو أنشأه من قبل نفسه، بل هو المبلغ له عن الله.
وقد قال الله له:
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ فكان مقتضى البلاغ التام أن يقول: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ كما قال الله.
وهذا هو المعنى الذي
أشار النبي صلّى الله عليه وسلّم إليه بقوله «قيل لي، فقلت»
أي إني لست مبتدئا، بل أنا مبلغ، أقول كما يقال لي، وأبلغ كلام ربي كما أنزله إليّ.
فصلوات الله وسلامه عليه، لقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وقال كما قيل له.
فكفانا من المعتزلة والجهمية وإخوانهم ممن يقول: هذا القرآن العربي وهذا النظم كلامه ابتدأ هو به.
ففي هذا الحديث أبين الرد لهذا القول، وأنه صلّى الله عليه وسلّم بلغ القول الذي أمر بتبليغه على وجهه ولفظه، حتى إنه لما قيل له «قل» قال هو «قل» لأنه مبلغ محض.
وما على الرسول إلا البلاغ.