سورة يوسف (12) : آية 53
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن القيم
- الكتاب
- تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
- المؤلف
- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
- المحقق
- مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
- الناشر
- دار ومكتبة الهلال - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)
فإن قيل: فكيف قال وقت ظهور براءته؟ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي.
قيل: هذا قد قاله جماعة من المفسرين.
وخالفهم في ذلك آخرون أجل منهم وقالوا: إن هذا من قول امرأة العزيز، لا من قول يوسف عليه السلام.
والصواب معهم من وجوه.
أحدها: أنه متصل بكلام المرأة، وهو قولها 12: 51- 53 الْآنَ
حَصْحَصَ الْحَقُّ.
أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ.
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ، وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ.
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه ما.
والقول في مثل هذا لا يحذف، لئلا يوقع في اللبس.
فإن غايته: أن يحتمل الأمرين.
فالكلام الأول أولى به قطعا.
والثاني: أن يوسف عليه السلام لم يكن حاضرا وقت مقالتها هذه، بل كان في السجن لما تكلمت بقولها الآن «حصحص الحق» والسياق صحيح صريح في ذلك.
فإنه لما أرسل إليه الملك يدعوه قال للرسول ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ، فَسْئَلْهُ: ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ.
فأرسل إليهن الملك وأحضرهن، وسألهن، وفيهن امرأته.
فشهدن ببراءته ونزاهته في غيبته، ولم يمكنهن إلا قول الحق، فقال النسوة حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ وقالت امرأة العزيز أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ.
فإن قيل: لكن قوله ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ الأحسن أن يكون من كلام يوسف عليه السلام، أي إنما كان تأخيري عن الحضور مع رسوله ليعلم الملك أني لم أخنه في امرأته في حال غيبته، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين.
ثم إنه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ وهذا من تمام معرفته صلّى الله عليه وسلّم بربه ونفسه.
فإنه لما أظهر نزاهته وبراءته مما قذف به أخبر عن حال نفسه، وأنه لا يذكيها ولا يبرئها، فإنها أمارة السوء، لكن رحمة ربه وفضله هو الذي عصمه.
فرد الأمر إلى الله بعد أن أظهر براءته.
قيل: هذا وإن كان قد قاله طائفة.
الصواب أنه من تمام كلامها، ولكن فإن الضمائر كلها في نسق واحد يدل عليه.
وهو قول النسوة ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ وقول امرأة العزيز أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ هذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر.
ثم اتصل بها قوله:
12: 52 ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ فهذا هو المذكور أولا بعينه.
فلا شيء يفصل الكلام من نظمه، ويضمر فيه قول لا دليل عليه.
فإن قيل: فما معنى قولها: «ليعلم أني لم أخنه بالغيب» .
قيل: هذا من تمام الاعتذار، قرنت الاعتذار بالاعتراف، فقالت ذلك أي قولي هذا وإقراري ببراءته: ليعلم أني لم أخنه بالكذب عليه في غيبته، وإن خنته في وجهه في أول الأمر، فالآن يعلم أني لم أخنه في غيبته، ثم اعتذرت عن نفسها بقولها وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ثم ذكرت السبب الذي لأجله لم تبرئ نفسها، وهي أن النفس أمارة بالسوء.
فتأمل ما أعجب أمر هذه المرأة، أقرت بالحق واعتذرت عن محبوبها، ثم اعتذرت عن نفسها، ثم ذكرت السبب الحامل لها على ما فعلت، ثم ختمت ذلك بالطمع في مغفرة الله ورحمته، وأنه إن لم يرحم عبده وإلا فهو عرضة للشر.
فوازن بين هذا وبين تقدير كون هذا الكلام كلام يوسف عليه السلام لفظا ومعنى.
وتأمل ما بين التقديرين من التفاوت، ولا يستبعد أن تقول المرأة هذا وهي على دين الشرك.
فإن القوم كانوا يقرون بالرب سبحانه وتعالى وبحقه، وإن أشركوا معه غيره.
ولا تنس قول سيدها لها في أول الحال 12: 29 وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ.