التفسير القيم (تفسير القرآن الكريم لابن القيم)قاعدة نافعة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قاعدة نافعة

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن القيم
الكتاب
تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
المؤلف
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
المحقق
مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
الناشر
دار ومكتبة الهلال - بيروت
الطبعة
الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

فيما يعتصم به العبد من الشيطان، ويستدفع به شره، ويحترز به منه وذلك عشرة أسباب.
أحدها: الاستعاذة بالله من الشيطان.
قال تعالى: 41: 36 وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وفي موضع آخر 7: 200 إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وقد تقدم: أن السمع المراد به هاهنا سمع الإجابة لا مجرد السمع العام.
وتأمل سر القرآن كيف أكد الوصف بالسميع العليم بذكر صيغة «هو» الدال على تأكيد النسبة واختصاصها، وعرف الوصف بالألف واللام في سورة حم لاقتضاء المقام لهذا التأكيد، وتركه في سورة الأعراف، لاستغناء المقام عنه.
فإن الأمر بالاستعاذة في سورة حم وقع بعد الأمر بأشق الأشياء على النفس.
وهو مقابلة إساءة المسيء بالإحسان إليه.
وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الصابرون، ولا يلقاه إلا ذو حظ عظيم.
كما قال الله تعالى.
والشيطان لا يدع العبد يفعل هذا.
بل يريه أن هذا ذلّ وعجز، ويسلّط

عليه عدوه، فيدعوه إلى الانتقام، ويزينه له.
فإن عجز عنه دعاه إلى الإعراض عنه، وأن لا يسيء إليه ولا يحسن، فلا يؤثر الإحسان إلى المسيء إلا من خالفه وآثر الله وما عنده على حظه العاجل.
فكان المقام مقام تأكيد وتحريض.
فقال فيه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ.
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
وأما في سورة الأعراف: فإنه أمره أن يعرض عن الجاهلين.
وليس فيها الأمر بمقابلة إساءتهم بالإحسان، بل بالإعراض.
وهذا سهل على النفوس، غير مستعصى عليها.
فليس حرص الشيطان وسعيه في دفع هذا كحرصه على دفع المقابلة بالإحسان، فقال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ.
إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وقد تقدم ذكر الفرق بين هذين الموضعين.
وبين قوله في حم المؤمن: 40: 56 فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وفي صحيح البخاري عن عدى بن ثابت عن سليمان بن صرد قال: «كنت جالسا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ورجلان يستبّان.
فأحدهما احمرّ وجهه، وانتفخت أوداجه.
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد.
لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد» . الحرز الثاني: قراءة هاتين السورتين.
فإن لهما تأثيرا عجيبا في الاستعاذة بالله من شره ودفعه والتحصن منه.
ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم «ما تعوذ المتعوذون بمثلهما» وقد تقدم أنه كان يتعوذ بهما كل ليلة عند النوم، وأمر عقبة أن يقرأ بهما دبر كل صلاة.
وتقدم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن من قرأهما مع سورة الإخلاص ثلاثا حين يمسي، وثلاثا حين يصبح، كفته من كل شيء» . الحرز الثالث: قراءة آية الكرسي.
ففي الصحيح من حديث محمد بن

سيرين عن أبي هريرة قال: «وكّلني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بحفظ زكاة رمضان، فأتى آت، فجعل يحثو من الطعام.
فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- فذكر الحديث، إلى أن قال- فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح.
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: صدقك وهو كذوب، ذاك الشيطان» . وسنذكر إن شاء الله تعالى السر الذي لأجله كان لهذه الآية العظيمة هذا التأثير العظيم في التحرز من الشيطان، واعتصام قارئها بها في كلام مفرد عليها وعلى أسرارها وكنوزها بعون الله وتأييده.
الحرز الرابع: قراءة سورة البقرة: ففي الصحيح من حديث سهل بن عبد الله عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا.
وإن البيت الذي تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان» . الحرز الخامس: خاتمة سورة البقرة.
فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي مسعود الأنصاري قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» «1» . وفي الترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، فلا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان» «2» . الحرز السادس: أول سورة حم المؤمن إلى قوله: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ مع آية الكرسي.
ففي الترمذي من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مليكة عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «من قرأ حم المؤمن إلى إِلَيْهِ الْمَصِيرُ وآية الكرسي حين يصبح12

حفظ بهما حتى يسمي.
ومن قرأهما حين يسمي حفظ بهما حتي يصبح» وعبد الرحمن المليكي، وإن كان قد تكلّم فيه من قبل حفظه.
فالحديث له شواهد في قراءة آية الكرسي وهو محتمل على غرابته.
الحرز السابع: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» مائة مرة.
ففي الصحيحين من حديث سمى مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قال لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد.
وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة.
كانت له عدل عشر رقاب.
وكتبت له مائة حسنة.
ومحيت عنه مائة سيئة.
وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي.
ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك» فهذا حرز عظيم النفع جليل الفائدة يسير سهل على من يسره الله عليه.
الحرز الثامن: وهو من أنفع الحروز من الشيطان: كثرة ذكر الله عز وجل ففي الترمذي من حديث الحارث الأشعري أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات: أن يعمل بها، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وأنه عاد أن يبطئ بها.
فقال عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها.
فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم.
فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذب.
فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ، وقعدوا على الشرف.
فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن: أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق فقال: هذه داري، وهذا عملي، فاعمل وأدّ إليّ.
فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده.
فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله أمركم بالصلاة.
فإذا صليتم فلا تلتفتوا.
فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت.
وأمركم بالصيام.
فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة

معه صرة فيها مسك، فكلهم يعجب أو يعجبه ريحها.
وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
وأمركم بالصدقة.
فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه.
فقال: أنا أفديه منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم.
وأمركم أن تذكروا الله.
فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا، حتى أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم.
كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: السمع والطاعة.
والجهاد.
والهجرة.
والجماعة.
فإن من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع.
ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثاء جهنم.
فقال رجل: يا رسول الله، وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام.
فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح.
وقال البخاري: الحارث الأشعري له صحبة.
وله غير هذا الحديث.
فقد أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم في هذا الحديث أن العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله.
وهذا بعينه هو الذي دلت عليه سورة قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ فإنه وصف الشيطان فيها بأنه الخناس الذي إذا ذكر العبد الله انخنس، وتجمع وانقبض.
وإذا غفل عن ذكر الله التقم القلب وألقى إليه الوساوس التي هي مبادئ الشر كله.
فما أحرز العبد نفسه من الشيطان بمثل ذكر الله عز وجل.
الحرز التاسع: الوضوء والصلاة.
وهذا من أعظم ما يتحرز به منه، ولا سيما عند توارد قوة الغضب والشهوة.
فإنها نار تغلي في قلب ابن آدم.
كما في الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه؟ فمن أحسّ بشيء من ذلك فليلصق بالأرض» . وفي أثر آخر «إن الشيطان خلق من نار، وإنما تطفأ النار بالماء» فما

أطفأ العبد جمرة الغضب والشهوة بمثل الوضوء والصلاة.
فإنها نار والوضوء يطفئها، والصلاة إذا وقعت بخشوعها والإقبال فيها على الله أذهبت أثر ذلك كله.
وهذا أمر تجربته تغنى عن إقامة الدليل عليه.
الحرز العاشر: إمساك فضول النظر والكلام والطعام، ومخالطة الناس.
فإن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم، وينال منه غرضه: من هذه الأبواب الأربعة فإن فضول النظر يدعو إلى الاستحسان، ووقوع صورة المنظور إليه في القلب، والاشتغال به، والفكرة في الظفر به.
فمبدأ الفتنة من فضول النظر، كما في المسند عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن غضّ بصره لله أورثه الله حلاوة يجدها في قلبه إلى يوم يلقاه» أو كما قال صلّى الله عليه وسلّم.
فالحوادث العظام إنما هي كلها من فضول النظر.
فكم نظرة أعقبت حسرات لا حسرة؟ كما قال الشاعر: كل الحوادث مبدأها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها ... فتك السهام بلا قوس ولا وتر؟ وقال الآخر: وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كلّه أنت قادر ... عليه، ولا عن بعضه أنت صابر وقال المتنبي: وأنا الذي جلب المنية طرفه ... فمن المطالب، والقتيل القاتل؟ ولي من أبيات: يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا ... أنت القتيل بما ترمي، فلا تصب وباعث الطرف يرتاد الشفاء له ... توقّه، إنه يرتد بالعطف

ترجو الشفاء بأحداق بها مرض ... فهل سمعت ببرء جاء من عطب؟ ومفنيا نفسه في إثر أقبحهم ... وصفا للطخ جمال فيه مستلب وواهبا عمره في مثل ذا سفها ... لو كنت تعرف قدر العمر لم تهب وبائعا طيب عيش ماله خطر ... بطيف عيش من الآلام منتهب غبنت والله غبنا فاحشا فلو اس ... ترجعت ذا العقد لم تغبن ولم تخب وواردا صفو عيش كله كدر ... أمامك الورد صفوا ليس بالكذب وحاطب الليل في الظلماء منتصبا ... لكل داهية تدنى من العطب شاب الصبا والتصابي بعد لم يشب ... وضاع وقتك بين اللهو واللعب وشمس عمرك قد حان الغروب لها ... والضي في الأفق الشرقي لم يغب وفاز بالوصل من قد فاز وانقشعت ... عن أفقه ظلمات الليل والسحب كم ذا التخلف والدنيا قد ارتحلت ... ورسل ربك قد وافتك في الطلب ما في الديار وقد سارت ركائب من ... تهواه للصب من سكنى ولا أرب فأفرش الخد ذياك التراب، وقل ... ما قاله صاحب الأشواق في الحقب ما ربع مية محفوفا يطوف به ... غيلان أشهى له من ربعك الخرب ولا الخدود وإن أدمين من ضرج ... أشهى إلى ناظري من خدك الترب منازلا كان يهواها ويألفها ... أيام كان منال الوصل عن كثب فكلما جليت تلك الربوع له ... يهوى إليها هوى الماء في صبب أحيا له الشوق تذكار العهود بها ... فلو دعا القلب للسلوان لم يجب هذا وكم منزل في الأرض يألفه ... وما له في سواها الدهر من رغب ما في الخيام أخو وجد يريحك إن ... بثثته بعض شأن الحب، فاغترب وأسر في غمرات الليل مهتديا ... بنفحة الطيب لا بالنار والحطب وعاد كل أخي جبن ومعجزة ... وحارب النفس لا تلقيك في الحرب وخذ لنفسك نورا تستضيء به ... يوم اقتسام الورى الأنوار بالرتب فالجسر ذو ظلمات ليس يقطعه ... إلا بنور ينجي العبد في الكرب والمقصود: أن فضول النظر أصل البلاء.

وأما فضول الكلام فإنها تفتح للعبد أبوابا من الشر كلها مداخل للشيطان، فإمساك فضول الكلام يسد عنه تلك الأبواب كلها.
وكم من حرب جرتها كلمة واحدة.
وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ «وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم» وفي الترمذي «أن رجلا من الأنصار توفّي فقال بعض الصحابة: طوبى له.
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: فما يدريك؟ فلعله تكلم بما لا يعنيه، أو بخل بما لا ينقصه» . وأكثر المعاصي: إنما يولدها فضول الكلام والنظر.
وهما أوسع مداخل الشيطان.
فإن جارحتيهما لا يملان، ولا يسأمان، بخلاف شهوة الباطن.
فإنه إذا امتلأ لم يبق فيه إرادة للطعام.
وأما العين واللسان فلو تركا لم يفترا من النظر والكلام، فجنايتهما متسعة الأطراف، كثيرة الشعب، عظيمة الآفات.
وكان السلف يحذرون من فضول النظر، كما يحذرون من فضول الكلام، كانوا يقولون: ما شيء أحوج إلى طول السجن من اللسان.
وأما فضول الطعام: فهو داع إلى أنواع كثيرة من الشر، فإنه يحرك الجوارح إلى المعاصي، ويثقلها عن الطاعات.
وحسبك بهذين شرا.
فكم من معصية جلبها الشبع وفضول الطعام؟ وكم من طاعة حال دونها؟.
فمن وقى شر بطنه فقد وقى شرا عظيما.
والشيطان أعظم ما يتحكم من الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام.
ولهذا جاء في بعض الآثار «ضيقوا مجاري الشيطان بالصوم» وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن» . ولو لم يكن في الامتلأ من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله عز وجل، وإذا غفل القلب عن الذكر ساعة واحدة جثم عليه الشيطان ووعده، ومنّاه وشهّاه، وهام به في كل واد.
فإن النفس إذا شبعت تحركت

وجالت، وطافت على أبواب الشهوات، وإذا جاعت سكنت وخشعت وذلت.
وأما فضول المخالطة: فهي الداء العضال الجالب لكل شر.
وكم سلبت المخالطة والمعاشرة من نعمة.
وكم زرعت من عداوة.
وكم غرست في القلب من حزازات تزول الجبال الراسيات، وهي في القلوب لا تزول، ففي فضول المخالطة خسارة الدنيا والآخرة.
وإنما ينبغي للعبد أن يأخذ من المخالطة بمقدار الحاجة.
ويجعل الناس فيها أربعة أقسام: متي خلط أحد الأقسام بالآخر، ولم يميز بينهما دخل عليه الشر.
أحدها: من مخالطته كالغذاء لا يستغنى عنه في اليوم والليلة.
فإذا أخذ حاجته منه ترك الخلطة ثم إذا احتاج إليه خالطه هكذا على الدوام.
وهذا الضرب أعز من الكبريت الأحمر، وهم العلماء بالله وأمره، ومكايد عدوه، وأمراض القلوب وأدويتها الناصحون لله ولكتابه ولرسوله ولخلقه.
فهذا الضرب في مخالطتهم الربح كل الربح.
القسم الثاني: من مخالطته كالدواء، يحتاج إليه عند المرض.
فما دمت صحيحا فلا حاجة لك في خلطته، وهم من لا يستغنى عن مخالطتهم في مصلحة المعاش، وقيام ما أنت محتاج من أنواع المعاملات والمشاركات والاستشارة والعلاج للأدواء ونحوها فإذا قضيت حاجتك من مخالطة هذا الضرب بقيت مخالطتهم من.
القسم الثالث: وهم من مخالطته كالداء على اختلاف مراتبه وأنواعه وقوته وضعفه.
فمنهم من مخالطته كالداء العضال، والمرض المزمن، وهو من لا تربح عليه في دين ولا دنيا.
ومع ذلك فلا بد من أن تخسر عليه الدين والدنيا

أو أحدهما.
فهذا إذا تمكنت مخالطته واتصلت، فهي مرض الموت المخوف.
ومنهم من مخالطته كوجع الضرس يشتد ضربه عليك، فإذا فارقك سكن الألم.
ومنهم من مخالطته حمى الروح.
وهو الثقيل البغيض العقل، الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك، ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك، ولا يعرف نفسه فيضعها في منزلتها، بل إن تكلم فكلامه كالعصي تنزل على قلوب السامعين، مع إعجابه بكلامه وفرحه به.
فهو يحدث من فيه كلما تحدث، ويظن أنه مسك يطيب به المجلس.
وإن سكت فأثقل من نصف الرحا العظيمة التي لا يطاق حملها ولا جرها على الأرض.
ويذكر عن الشافعي رحمه الله أنه قال: ما جلس إلى جانبي ثقيل إلا وجدت الجانب الذي هو فيه أنزل من الجانب الآخر.
ورأيت يوما عند شيخنا قدس الله روحه رجلا من هذا الضرب والشيخ يحمله، وقد ضعفت القوى عن حمله، فالتفت إليّ وقال: مجالسة الثقيل حمى الربع.
ثم قال: لكن قد أدمنت أرواحنا على الحمى، فصارت لها عادة.
أو كما قال.
وبالجملة: فمخالطة كل مخالف حمى للروح، فعرضية ولازمة.
ومن نكد الدنيا على العبد أن يبتلى بواحد من هذا الضرب.
وليس له بد من معاشرته ومخالطته فليعاشره بالمعروف، حتى يجعل الله له من أمره فرجا ومخرجا.
القسم الرابع: من مخالطته الهلك كله ومخالطته بمنزلة أكل السم.
فإن اتفق لآكله ترياق، وإلا فأحسن الله فيه العزاء.
وما أكثر هذا الضرب في الناس لأكثرهم الله.
وهم أهل البدع والضلالة، الصادون عن سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الداعون إلى خلافها، الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، فيجعلون البدعة سنة، والسنة بدعة، والمعروف منكرا، والمنكر معروفا.

إن جردت التوحيد بينهم قالوا: تنقصت جناب الأولياء والصالحين.
وإن جردت المتابعة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم قالوا: أهدرت الأئمة المتبوعين.
وإن وصفت الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير غلوّ ولا تقصير قالوا: أنت من المشبهين.
وإن أمرت بما أمر الله به ورسوله من المعروف ونهيت عما نهى الله عنه ورسوله من المنكر، قالوا: أنت من المفتنين.
وإن اتبعت السنة وتركت ما خالفها قالوا: أنت من أهل البدع المضلين.
وإن انقطعت إلى الله تعالى، وخليت بينهم وبين جيفة الدنيا، قالوا: أنت من الملبسين.
وإن تركت ما أنت عليه واتبعت أهواءهم، فأنت عند الله من الخاسرين، وعندهم من المنافقين.
فالحزم كل الحزم: التماس مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم، وأن لا تشتغل بإعتابهم، ولا باستعتابهم، ولا تبالي بذمهم ولا بغضهم.
فإنه عين كمالك كما قال: وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل وقال آخر: وقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل فمن أيقظ بواب قلبه وحارسه من هذه المداخل الأربعة التي هي أصل بلاء العالم، وهي فضول النظر، والكلام، والطعام، والمخالطة.
واستعمل ما ذكرناه من الأسباب التسعة التي تحرزه من الشيطان.
فقد أخذ بنصيبه من التوفيق.
وسد على نفسه أبواب جهنم، وفتح عليها أبواب الرحمة، وانغمر ظاهره وباطنه، ويوشك أن يحمد عند الممات عاقبة هذا الدواء.
فعند الممات يحمد القوم التقى.
وفي الصباح يحمد القوم السّرى.
والله الموفق لا رب غيره، ولا إله سواه.

فصول الكتاب · 363 فصل · 695 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التفسير القيم (تفسير القرآن الكريم لابن القيم) · 695 صفحة
سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة البقرةسورة البقرة (2) : آية 7سورة البقرة (2) : آية 10سورة البقرة (2) : الآيات 17 الى 18سورة البقرة (2) : آية 19فصلسورة البقرة (2) : آية 25سورة البقرة (2) : آية 30فصلسورة البقرة (2) : آية 36سورة البقرة (2) : آية 88سورة البقرة (2) : آية 94سورة البقرة (2) : آية 137سورة البقرة (2) : آية 165سورة البقرة (2) : آية 171سورة البقرة (2) : آية 179سورة البقرة (2) : آية 187سورة البقرة (2) : آية 216سورة البقرة (2) : الآيات 226 الى 227سورة البقرة (2) : آية 235سورة البقرة (2) : آية 245سورة البقرة (2) : آية 261فصلسورة البقرة (2) : آية 262سورة البقرة (2) : آية 263سورة البقرة (2) : آية 264سورة البقرة (2) : آية 265سورة البقرة (2) : آية 266سورة البقرة (2) : آية 267سورة البقرة (2) : آية 268سورة البقرة (2) : آية 271سورة البقرة (2) : آية 273سورة البقرة (2) : آية 278سورة البقرة (2) : آية 279سورة البقرة (2) : آية 282سورة آل عمرانسورة آل عمران (3) : آية 18فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة آل عمران (3) : آية 19سورة آل عمران (3) : آية 26سورة آل عمران (3) : آية 43سورة آل عمران (3) : آية 44سورة آل عمران (3) : الآيات 93 الى 95سورة آل عمران (3) : الآيات 116 الى 117سورة آل عمران (3) : آية 160سورة آل عمران (3) : آية 200سورة النساءسورة النساء (4) : آية 3سورة النساء (4) : آية 95سورة النساء (4) : آية 96سورة النساء (4) : آية 88سورة النساء (4) : آية 113سورة المائدةسورة المائدة (5) : آية 2سورة المائدة (5) : آية 3سورة الأنعامسورة الأنعام (6) : الآيات 8 الى 9سورة الأنعام (6) : الآيات 108 الى 110سورة الأعرافسورة الأعراف (7) : آية 32سورة الأعراف (7) : الآيات 55 الى 56سورة الأعراف (7) : آية 205سورة الأعراف (7) : آية 55فصلسورة الأعراف (7) : آية 56فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة الأعراف (7) : الآيات 57 الى 58سورة الأعراف (7) : آية 157سورة الأعراف (7) : الآيات 175 الى 176سورة الأعراف (7) : آية 189سورة الأنفالسورة الأنفال (8) : آية 17سورة الأنفال (8) : آية 24سورة الأنفال (8) : آية 64سورة التوبة (9) : آية 46سورة التوبة (9) : آية 47سورة التوبة (9) : آية 103فصلسورة يونسسورة يونس (10) : آية 23سورة يونس (10) : آية 25سورة يونس (10) : آية 30سورة يونس (10) : آية 58سورة يونس (10) : آية 87سورة هودسورة هود (11) : آية 23سورة هود (11) : آية 24سورة هود (11) : آية 32سورة هود (11) : آية 56سورة يوسفسورة يوسف (12) : آية 30سورة يوسف (12) : آية 40سورة يوسف (12) : آية 53سورة يوسف (12) : آية 101سورة يوسف (12) : آية 108سورة الرعدسورة الرعد (13) : آية 8سورة الرعد (13) : آية 17سورة الرعد (13) : آية 28سورة إبراهيمسورة إبراهيم (14) : آية 18سورة إبراهيم (14) : الآيات 24 الى 25فصلسورة إبراهيم (14) : آية 27سورة الحجرسورة الحجر (15) : آية 21سورة الحجر (15) : آية 75سورة النحلسورة النحل (16) : الآيات 75 الى 76فصلسورة النحل (16) : آية 99سورة النحل (16) : آية 125سورة الأسراءسورة الإسراء (17) : الآيات 80 الى 82سورة الإسراء (17) : آية 82سورة الكهفسورة الكهف (18) : آية 28سورة الكهف (18) : آية 57سورة الكهف (18) : آية 101سورة مريمسورة مريم (19) : آية 39سورة طهسورة طه (20) : آية 10سورة طه (20) : الآيات 118 الى 119سورة طه (20) : آية 124فصلفصلسورة الأنبياءسورة الأنبياء (21) : آية 83سورة الأنبياء (21) : آية 107سورة الحجسورة الحج (22) : آية 1سورة الحج (22) : الآيات 30 الى 31سورة الحج (22) : آية 73سورة المؤمنونسورة المؤمنون (23) : الآيات 10 الى 11سورة المؤمنون (23) : آية 91سورة النورسورة النور (24) : آية 35فصلسورة النور (24) : الآيات 39 الى 40فصلفصلفصلسورة الفرقانسورة الفرقان (25) : آية 44سورة الفرقان (25) : آية 45سورة الفرقان (25) : آية 46سورة الفرقان (25) : آية 55سورة الفرقان (25) : آية 73سورة الشعراءسورة الشعراء (26) : آية 89سورة الشعراء (26) : آية 98سورة النملسورة النمل (27) : آية 59سورة القصصسورة القصص (28) : آية 47سورة القصص (28) : الآيات 71 الى 72سورة العنكبوتسورة العنكبوت (29) : آية 41سورة العنكبوت (29) : آية 45سورة الرومسورة الروم (30) : آية 28سورة الروم (30) : آية 41سورة سبأسورة سبإ (34) : آية 22سورة فاطرسورة فاطر (35) : آية 15سورة يسسورة يس (36) : آية 8سورة يس (36) : آية 9سورة الصافاتسورة الصافات (37) : آية 78سورة الصافات (37) : آية 79سورة الصافات (37) : آية 130سورة صسورة ص (38) : آية 50سورة ص (38) : آية 75سورة الزمرسورة الزمر (39) : آية 29سورة الزمر (39) : آية 62سورة الزمر (39) : آية 73سورة الزمر (39) : آية 75سورة غافرسورة غافر (40) : آية 37سورة حم السجدةسورة فصلت (41) : آية 16سورة الشورىسورة الشورى (42) : آية 11سورة الشورى (42) : آية 49سورة الشورى (42) : آية 50سورة الشورى (42) : آية 52سورة الدخانسورة الدخان (44) : آية 51سورة الدخان (44) : آية 54سورة الجاثيةسورة الجاثية (45) : آية 23سورة الأحقافسورة الأحقاف (46) : آية 15سورة محمدسورة محمد (47) : آية 24سورة الحجراتسورة الحجرات (49) : آية 6سورة الحجرات (49) : آية 12سورة الحجرات (49) : آية 13سورة قسورة ق (50) : آية 37سورة الذارياتسورة الذاريات (51) : آية 24سورة الذاريات (51) : آية 25سورة الذاريات (51) : آية 26سورة الذاريات (51) : آية 27سورة الطورسورة الطور (52) : آية 21سورة النجمسورة النجم (53) : آية 8سورة النجم (53) : آية 12سورة النجم (53) : آية 32سورة الرحمنسورة الرحمن (55) : آية 26سورة الرحمن (55) : آية 54سورة الرحمن (55) : آية 56سورة الرحمن (55) : آية 58سورة الرحمن (55) : آية 70سورة الرحمن (55) : آية 72سورة الرحمن (55) : آية 76فصلفصلسورة الواقعةسورة الواقعة (56) : آية 35سورة الواقعة (56) : آية 37سورة الواقعة (56) : آية 74سورة الواقعة (56) : آية 79سورة الحديدسورة الحديد (57) : آية 27سورة الحديد (57) : آية 28سورة المجادلةسورة المجادلة (58) : آية 2سورة الصفسورة الصف (61) : آية 5سورة الجمعةسورة الجمعة (62) : آية 5سورة المنافقونسورة المنافقون (63) : آية 9سورة التحريمسورة التحريم (66) : آية 4سورة التحريم (66) : آية 10سورة التحريم (66) : آية 11سورة التحريم (66) : آية 12سورة نسورة القلم (68) : آية 48سورة المزملسورة المزمل (73) : آية 8سورة المدثرسورة المدثر (74) : آية 4سورة المدثر (74) : الآيات 49 الى 51سورة القيامةسورة القيامة (75) : آية 36سورة النبأسورة النبإ (78) : الآيات 31 الى 33سورة التكويرسورة التكوير (81) : الآيات 1 الى 3سورة المطففينسورة المطففين (83) : آية 14سورة المطففين (83) : الآيات 18 الى 20سورة الانشقاقسورة الانشقاق (84) : آية 19سورة الطارقسورة الطارق (86) : الآيات 5 الى 7سورة والشمس وضحاهاسورة الشمس (91) : الآيات 9 الى 10سورة الضحىسورة الضحى (93) : آية 11سورة التكاثرسورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8فصلسورة الكافرونسورة الكافرون (109) : الآيات 3 الى 6سورة الكافرون (109) : آية 6سورة الفلقسورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 6الفصل الأولالفصل الثانيفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة الناسسورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6فصلفصلفصلفصلقاعدة نافعة
جارٍ التحميل