فصل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن القيم
- الكتاب
- تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
- المؤلف
- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
- المحقق
- مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
- الناشر
- دار ومكتبة الهلال - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
.
ومما يدل على أن الوسواس وصف لا مصدر: أن الوصفية أغلب على فعلال من المصدرية كما تقدم.
فلو أريد المصدر لأتى بذو المضافة إليه ليزول اللبس وتتعين المصدرية.
فإن اللفظ إذا احتمل الأمرين على السواء فلا بد من قرينه تدل على تعيين أحدهما.
فكيف والوصفية أغلب عليه من المصدرية؟.
وهذا بخلاف صوم وفطر وبابهما، فإنهما مصادر لا تلتبس بالأوصاف.
فإذا جرت أوصافا علم أنها على حذف مضاف، أو تنزيلا للمصدر منزلة الوصف، مبالغة، على الطريقتين في ذلك.
فتعين أن «الوسواس» هو الشيطان نفسه.
وأنه ذات لا مصدر.
والله أعلم.
فصل
وأما الخناس: فهو فعّال، من خنس يخنس: إذا توارى واختفى.
ومنه قول أبي هريرة «لقيني النبي صلّى الله عليه وسلّم في بعض طرق المدينة، وأنا جنب.
فانخنست منه» .
وحقيقة اللفظ: اختفاء بعد ظهور.
فليست لمجرد الاختفاء.
ولهذا وصفت بها الكواكب في قوله تعالى: 81: 15 فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ قال قتادة: هي النجوم تبدو بالليل وتخنس بالنهار، فتختفي ولا ترى.
وكذلك قال علي رضي الله عنه: هي الكواكب تخنس بالنهار فلا ترى.
وقالت طائفة: الخنّس: هي الراجعة التي ترجع كل ليلة إلى جهة المشرق، وهي السبعة السيارة.
قالوا: وأصل الخنوس: الرجوع إلى وراء.
و «الخناس» مأخوذ من هذين المعنيين.
فهو من الاختفاء والرجوع والتأخر.
فإن العبد إذا غفل عن ذكر الله جثم على قلبه الشيطان.
وانبسط عليه، وبذر فيه أنواع الوساوس التي هي أصل الذنوب كلها.
فإذا ذكر العبد ربه واستعاذ به، انخنس وانقبض، كما ينخنس الشيء ليتوارى.
وذلك الانخناس والانقباض: هو أيضا تجمّع ورجوع، وتأخر عن القلب إلى خارج.
فهو تأخر ورجوع معه اختفاء.
وخنس وانخنس: يدل على الأمرين معا.
قال قتادة: الخناس: له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان.
فإذا ذكر العبد ربه خنسه.
ويقال: رأسه كرأس الحية.
وهو واضع رأسه على ثمرة القلب يمنّيه ويحدثه.
فإذا ذكر الله خنس.
وإذا لم يذكره عاد، ووضع رأسه يوسوس إليه ويمنيه.
وجيء من هذا الفعل بوزن فعّال الذي للمبالغة دون الخانس والمنخنس: إيذانا بشدة هروبه ورجوعه، وعظم نفوره عند ذكر الله.
وأن ذلك دأبه وديدنه لا أنه يعرض له ذلك ذكر الله أحيانا.
بل إذا ذكر الله هرب وانخنس وتأخر.
فإن ذكر الله هو مقمعته التي يقمع بها، كما يقمع المفسد والشرير بالمقامع التي تردعه من سياط وحديد وعصىّ ونحوها.
فذكر الله يقمع الشيطان ويؤلمه ويؤذيه، كالسياط والمقامع التي تؤذي من يضرب بها.
ولهذا يكون شيطان المؤمن هزيلا ضئيلا مضنى، مما يعذبه المؤمن ويقمعه به من ذكر الله وطاعته.
وفي أثر عن بعض السلف: أن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي الرجل بعيره في السفر.
لأنه كلما اعترضه صب عليه سياط الذكر، والتوجه
والاستغفار والطاعة، فشيطانه معه في عذاب شديد.
ليس بمنزلة شيطان الفاجر الذي هو معه في راحة ودعة.
ولهذا يكون قويا عاتيا شديدا.
فمن لم يعذب شيطانه في هذه الدار بذكر الله تعالى وتوحيده واستغفاره وطاعته عذبه شيطانه في الآخرة بعذاب النار.
فلا بد لكل أحد أن يعذب شيطانه أو يعذبه شيطانه.
وتأمل كيف جاء بناء «الوسواس» مكررا لتكريره الوسوسة الواحدة مرارا، حتى يعزم عليها العبد.
وجاء بناء «الخناس» على وزن الفعال الذي يتكرر منه نوع الفعل.
لأنه كلما ذكر الله انخنس، ثم إذا غفل العبد عاوده بالوسوسة.
فجاء بناء اللفظين مطابقا لمعنييهما.