التفسير القيم (تفسير القرآن الكريم لابن القيم)فصل
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن القيم
الكتاب
تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
المؤلف
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
المحقق
مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
الناشر
دار ومكتبة الهلال - بيروت
الطبعة
الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب.
أحدها: التعوذ بالله من شره، والتحصن به واللجأ إليه.
وهو المقصود بهذه السورة، والله تعالى سميع لاستعاذته، عليم بما يستعيذ منه، والسمع هنا المراد به: سمع الإجابة، لا السمع العام.
فهو مثل قوله: «سمع الله لمن حمده» وقول الخليل صلّى الله عليه وسلّم: 14: 39 إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ومرة يقرنه بالعلم، ومرة بالبصر، لاقتضاء حال المستعيذ ذلك.
فإنه يستعيذ به من عدو يعلم أن الله يراه، ويعلم كيده وشره.
فأخبر الله تعالى هذا المستعيذ

ذلك.
فإنه يستعيذ به من عدو يعلم أن الله يراه، ويعلم كيده وشره.
فأخبر الله تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته، أي مجيب عليم بكيد عدوه، يراه ويبصره، لينبسط أمل المستعيذ، ويقبل بقلبه على الدعاء.
وتأمل حكمة القرآن، كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ «السميع العليم» في الأعراف وحم السجدة.
وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يؤنسون ويرون بالأبصار بلفظ «السميع البصير» في سورة حم المؤمن.
فقال: 40: 56 إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ، إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لأن أفعال هؤلاء أفعال معاينة ترى بالبصر.
وأما نزغ الشيطان فوساوس، وخطرات يلقيها في القلب، يتعلق بها العلم.
فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها.
وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما يرى بالبصر، ويدرك بالرؤية.
والله أعلم.
السبب الثاني: تقوى الله، وحفظه عند أمره ونهيه.
فمن اتقى الله تولّى الله حفظه، ولم يكله إلى غيره.
قال تعالى: 3: 121 وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعبد الله بن عباس «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك» فمن حفظ الله حفظه الله، ووجده أمامه أينما توجه.
ومن كان الله حافظه وأمامه فممن يخاف؟ ومن يحذر؟.
السبب الثالث: الصبر على عدوه، وأن لا يقاتله ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلا.
فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه، والتوكل على الله ولا يستطل تأخيره وبغيه.
فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جندا وقوة للمبغى عليه المحسود، يقاتل به الباغي نفسه.
وهو لا يشعر.
فبغيه سهام يرميها من نفسه إلى نفسه.
ولو رأى المبغى عليه ذلك لسرّه بغيه عليه.
ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي، دون آخره ومآله.
وقد قال تعالى: 22: 60 وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ

اللَّهُ فإذا كان الله قد ضمن له النصر، مع أنه قد استوفى حقه أولا، فكيف بمن لم يستوف شيئا من حقه، بل بغى عليه وهو صابر؟ وما من الذنوب ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم.
وقد سبقت سنة الله: أنه لو بغى جبل على جبل لجعل الباغي منهما دكا.
السبب الرابع: التوكل على الله.
فمن يتوكل على الله فهو حسبه.
والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم.
وهو من أقوى الأسباب في ذلك.
فإن الله حسبه، أي كافيه.
ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذى لا بد منه، كالحر والبرد، والجوع والعطش، وإما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدا.
وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له، وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفى به منه.
قال بعض السلف: جعل الله لكل عمل جزاء من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، فقال: 65: 3 وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ولم يقل: نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه، وواقيه، فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له ربه مخرجا من ذلك، وكفاه ونصره.
وقد ذكرنا حقيقة التوكل وفوائده، وعظم منفعته، وشدة حاجة العبد إليه في «كتاب الفتح القدسي» وذكرنا هناك فساد من جعله من المقامات المعلولة، وأنه من مقامات العوام.
وأبطلنا قوله من وجوه كثيرة.
وبينا أنه من أجلّ مقامات العارفين، وأنه كلما علا مقام العبد كانت حاجته إلى التوكل أعظم وأشد، وأنه على قدر إيمان العبد يكون توكله.
وإنما المقصود هنا ذكر الأسباب التي يندفع بها شر الحاسد، والعائن، والساحر، والباغي.

السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له.
فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه.
وهذا من أنفع الأدوية، وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره.
فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوه ليمسكه ويؤذيه، فإذا لم يتعرض له ولا تماسك هو وإياه، بل انعزل عنه لم يقدر عليه.
فإذا تماسكا وتعلق كل منهما بصاحبه، حصل الشر وهكذا الأرواح سواء.
فإذا علق روحه وشبّثها به، وروح الحاسد الباغي متعلقة به يقظة ومناما، لا يفتر عنه، وهو يتمنى أن يتماسك الروحان ويتشبثا.
فإذا تعلقت كل روح منهما بالأخرى عدم القرار.
ودام الشر، حتى يهلك أحدهما.
فإذا جبذ روحه منه، وصانها عن الفكر فيه والتعلق به، وأن لا يخطره بباله.
فإذا خطر بباله بادر إلى محو ذلك الخاطر، والاشتغال بما هو أنفع له وأولى به.
بقي الحاسد الباغي يأكل بعضه بعضا.
فإن الحسد كالنار، فإذا لم تجد ما تأكله أكل بعضها بعضا.
وهذا باب عظيم النفع لا يلقّاه إلّا أصحاب النفوس الشريفة والهمم العلية، وبين الكيس الفطن وبينه حتى يذوق حلاوته وطيبه ونعيمه كأنه يرى من أعظم عذاب القلب والروح اشتغاله بعدوه، وتعلق روحه به، ولا يرى شيئا آلم لروحه من ذلك، ولا يصدق بهذا إلا النفوس المطمئنة الوادعة اللينة، التي رضيت بوكالة الله لها، وعلمت أن نصره لها خير من انتصارها هي لنفسها.
فوثقت بالله، وسكنت إليه، واطمأنت به، وعلمت أن ضمانه حق، ووعده صدق، وأنه لا أوفى بعهده من الله، ولا أصدق منه قيلا.
فعلمت أن نصره لها أقوى وأثبت وأدوم، وأعظم فائدة من نصرها هي لنفسها، أو نصر مخلوق مثلها لها، ولا يقوى على هذا إلا بالسبب السادس: وهو الإقبال على الله، والإخلاص له، وجعل محبته ورضاه والانابة

إليه في محل خواطر نفسه، وأمانيها تدب فيها دبيب تلك الخواطر شيئا فشيئا، حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية.
فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب، والتقرب إليه وتملقه وترضيه، واستعطافه وذكره، كما يذكر المحب التام المحبة محبوبه المحسن إليه الذي قد امتلأت جوانحه من حبه.
فلا يستطيع قلبه انصرافا عن ذكره، ولا روحه انصرافا عن محبته.
فإذا صار كذلك فكيف يرضى لنفسه أن يجعل بيت أفكاره وقلبه معمورا بالفكر في حاسده والباغي عليه، والطريق إلى الانتقام منه، والتدبير عليه؟ هذا ما لا يتسع له إلا قلب خراب لم تسكن فيه محبة الله وإجلاله، وطلب مرضاته.
بل إذا مسّه طيف من ذلك واجتاز ببابه من خارج، ناداه حرس قلبه: إياك وحمى الملك.
اذهب إلى بيوت الخانات التي كل من جاء حلّ فيها، ونزل بها.
مالك ولبيت السلطان الذي أقام عليه اليزك وأدار عليه الحرس، وأحاطه بالسور، قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس: أنه قال: 38: 82، 83 فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ فقال تعالى: 15: 42 إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وقال: 16: 99، 100 إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ وقال في حق الصديق يوسف صلّى الله عليه وسلّم: 12: 24 كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ.
فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن، وصار داخل اليزك، لقد آوى إلى حصن لا خوف على من تحصّن به.
ولا ضيعة على من آوى إليه، ولا مطمع للعدو في الدنو إليه منه ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه.
فإن الله تعالى يقول: 42: 30 وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما

كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وقال لخير الخلق، وهم أصحاب نبيه دونه صلّى الله عليه وسلّم: 3: 165 أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ: أَنَّى هذا؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ.
فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها.
وما ينساه مما عمله أضعاف ما يذكره.
وفي الدعاء المشهور «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم.
واستغفرك لما لا أعلم» . فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه.
فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب.
ولقي بعض السلف رجل فأغلظ له ونال منه، فقال له: قف حتى أدخل البيت، ثم أخرج إليك.
فدخل فسجد لله وتضرع إليه وتاب، وأناب إلى ربه.
ثم خرج إليه فقال له: ما صنعت؟ فقال: تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به عليّ.
وسنذكر إن شاء الله تعالى أنه ليس في الوجود شر إلّا الذنوب وموجباتها.
فإذا عوفي العبد من الذنوب عوفي من موجباتها.
فليس للعبد إذا بغي عليه وأوذي وتسلط عليه خصومه شيء أنقع له من التوبة النصوح.
وعلامة سعادته: أن يعكس فكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه، فيشتغل بها وبإصلاحها وبالتوبة منها.
فلا يبقى فيه فراغ لتدبر ما نزل به، بل يتولى هو التوبة وإصلاح عيوبه.
والله يتولى نصرته وحفظه، والدفع عنه ولا بد.
فما أسعده من عبد، وما أبركها من نازلة نزلت به.
وما أحسن أثرها عليه، ولكن التوفيق والرشد بيد الله.
لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
فما كل أحد يوفق لهذا.
لا معرفة به، ولا إرادة له، ولا قدرة عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه.
فإن لذلك تأثيرا عجيبا في دفع البلاء، ودفع العين، وشر الحاسد.
ولو لم يكن في هذا إلا بتجارب الأمم قديما وحديثا لكفى به.
فما تكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق، وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملا فيه باللطف والمعونة والتأييد.
وكانت له فيه العاقبة الحميدة.
فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته، عليه من الله جنّة واقية، وحصن حصين.
وبالجملة: فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببا لزوالها.
ومن أقوى الأسباب: حسد الحاسد والعائن.
فإنه لا يفتر ولا يني، ولا يبرد قلبه حتى تزول النعمة عن المحسود.
فحينئذ يبرد أنينه، وتتطفئ ناره، لا أطفأها الله.
فما حرس العبد نعمة الله بمثل شكرها، ولا عرضها للزوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله.
وهو كفران النعمة.
وهو باب إلى كفران المنعم.
فالمحسن المتصدق يستخدم جندا وعسكرا يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه.
فمن لم يكن له جند ولا عسكر، وله عدو.
فإنه يوشك أن يظفر به عدوه، وإن تأخرت مدة الظفر.
والله المستعان.
السبب التاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس، وأشقها عليها، ولا يوفق له إلا من عظم حظه من الله- وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه.
فكلما ازداد أذى وشرا وبغيا وحسدا ازددت إليه إحسانا، وله نصيحة، وعليه شفقة.
وما أظنك تصدّق بأن هذا يكون، فضلا عن أن تتعاطاه.
فاسمع الآن قوله عز وجل: 41: 34- 36 وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.

وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا.
وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ.
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وقال: 28: 54 أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا، وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ.
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
وتأمل حال النبي صلّى الله عليه وسلّم إذ ضربه قومه حتى أدموه.
فجعل يسلت الدم عنه، ويقول «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان، قابل بها إساءتهم العظيمة إليه؟.
أحدها: عفوه عنهم.
والثاني: استغفاره لهم.
والثالث: اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون.
والرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه.
فقال «اغفر لقومي» كما يقول الرجل لمن يشفع عنده فيمن يتصل به.
هذا ولدي: هذا غلامي.
هذا صاحبي، فهبه لي.
واسمع الآن ما الذي يسهل هذا على النفس، ويطيبه إليها وينعمها به.
اعلم أن لك ذنوبا بينك وبين الله، تخاف عواقبها، وترجوه أن يعفو عنها ويغفرها لك ويهبها لك.
ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة، حتى ينعم عليك ويكرمك، ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله.
فإذا كنت ترجو هذا من ربك، وتحب أن يقابل به إساءتك، فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه، وتقابل به إساءتهم؟ ليعاملك الله تلك المعاملة.
فإن الجزاء من جنس العمل فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك، جزاء وفاقا.
فانتقم بعد ذلك، أو اعف، وأحسن أو اترك.
فكما تدين تدان، وكما تفعل مع عباده يفعل معك.
فمن تصور هذا المعنى، وشغل به فكره.
هان عليه الإحسان إلى من أساء إليه.

وهذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعيته الخاصة.
كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم للذي شكا إليه قرابته، وأنه يحسن إليهم، وهم يسيئون إليه.
فقال «لا يزال معك من الله ظهير، ما دمت على ذلك» . هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه، ويصيرون كلهم معه على خصمه.
فإن كل من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير، وهو مسيء إليه.
وجد قلبه وداءه وهمته مع المحسن على المسيء.
وذلك أمر فطري، فطر الله عليه عباده.
فهو بهذا الإحسان، قد استخدم عسكرا لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولا يريدون منه إقطاعا ولا خبزا.
هذا مع أنه لا بد له مع عدوه وحاسده من إحدى حالتين: إما أن يملكه بإحسانه، فيستعبده وينقاد له، ويذل له، ويبقى الناس إليه.
وإما أن يفتت كبده ويقطع دابره، إن أقام على إساءته إليه.
فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه، ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة.
والله هو الموفق والمعين.
بيده الخير كله، لا إله غيره، وهو المسؤول أن يستعملنا وإخواننا في ذلك بمنه وكرمه.
وفي الجملة: ففي هذا المقام من الفوائد ما يزيد على مائة منفعة للعبد عاجلة وآجلة.
سنذكرها في موضع آخر إن شاء الله تعالى.
السبب العاشر: وهو الجامع لذلك كله، وعليه مدار هذه الأسباب، وهو تجريد التوحيد، والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه الآلات بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محركها، وفاطرها وبارئها، ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه.
فهو الذي يحسن عبده بها.
وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه.
قال تعالى: 10: 107 وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ، وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك» . فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله، بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه.
وخرج من قلبه اهتمامه به، واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلا، واشتغالا به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفع عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، فإن كان مؤمنا بالله فالله يدافع عنه ولا بد.
وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه.
فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع، وإن مزج، مزج له.
وإن كان مرة الله عليه جملة.
ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة.
ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة.
فالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين، قال بعض السلف: من خاف الله خافه كل شيء.
ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء.
هذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر، وليس له أنفع من التوجه إلى الله وإقباله عليه، وتوكله عليه، وثقته به، وأن لا يخاف معه غيره، بل يكون خوفه منه وحده، ولا يرجو سواه، بل يرجوه وحده، فلا يعلق قلبه بغيره، ولا يستغيث بسواه.
ولا يرجو إلا إياه.
ومتى علّق قلبه بغيره ورجاه وخافه: وكل إليه وخذل من جهته، فمن خاف شيئا غير الله سلّط عليه.
ومن رجا شيئا سوى الله خذل من جهته وحرم خيره.
هذه سنة الله في خلقه.
ولن تجد لسنة الله تبديلا.

فصول الكتاب · 363 فصل · 695 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التفسير القيم (تفسير القرآن الكريم لابن القيم) · 695 صفحة
سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة البقرةسورة البقرة (2) : آية 7سورة البقرة (2) : آية 10سورة البقرة (2) : الآيات 17 الى 18سورة البقرة (2) : آية 19فصلسورة البقرة (2) : آية 25سورة البقرة (2) : آية 30فصلسورة البقرة (2) : آية 36سورة البقرة (2) : آية 88سورة البقرة (2) : آية 94سورة البقرة (2) : آية 137سورة البقرة (2) : آية 165سورة البقرة (2) : آية 171سورة البقرة (2) : آية 179سورة البقرة (2) : آية 187سورة البقرة (2) : آية 216سورة البقرة (2) : الآيات 226 الى 227سورة البقرة (2) : آية 235سورة البقرة (2) : آية 245سورة البقرة (2) : آية 261فصلسورة البقرة (2) : آية 262سورة البقرة (2) : آية 263سورة البقرة (2) : آية 264سورة البقرة (2) : آية 265سورة البقرة (2) : آية 266سورة البقرة (2) : آية 267سورة البقرة (2) : آية 268سورة البقرة (2) : آية 271سورة البقرة (2) : آية 273سورة البقرة (2) : آية 278سورة البقرة (2) : آية 279سورة البقرة (2) : آية 282سورة آل عمرانسورة آل عمران (3) : آية 18فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة آل عمران (3) : آية 19سورة آل عمران (3) : آية 26سورة آل عمران (3) : آية 43سورة آل عمران (3) : آية 44سورة آل عمران (3) : الآيات 93 الى 95سورة آل عمران (3) : الآيات 116 الى 117سورة آل عمران (3) : آية 160سورة آل عمران (3) : آية 200سورة النساءسورة النساء (4) : آية 3سورة النساء (4) : آية 95سورة النساء (4) : آية 96سورة النساء (4) : آية 88سورة النساء (4) : آية 113سورة المائدةسورة المائدة (5) : آية 2سورة المائدة (5) : آية 3سورة الأنعامسورة الأنعام (6) : الآيات 8 الى 9سورة الأنعام (6) : الآيات 108 الى 110سورة الأعرافسورة الأعراف (7) : آية 32سورة الأعراف (7) : الآيات 55 الى 56سورة الأعراف (7) : آية 205سورة الأعراف (7) : آية 55فصلسورة الأعراف (7) : آية 56فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة الأعراف (7) : الآيات 57 الى 58سورة الأعراف (7) : آية 157سورة الأعراف (7) : الآيات 175 الى 176سورة الأعراف (7) : آية 189سورة الأنفالسورة الأنفال (8) : آية 17سورة الأنفال (8) : آية 24سورة الأنفال (8) : آية 64سورة التوبة (9) : آية 46سورة التوبة (9) : آية 47سورة التوبة (9) : آية 103فصلسورة يونسسورة يونس (10) : آية 23سورة يونس (10) : آية 25سورة يونس (10) : آية 30سورة يونس (10) : آية 58سورة يونس (10) : آية 87سورة هودسورة هود (11) : آية 23سورة هود (11) : آية 24سورة هود (11) : آية 32سورة هود (11) : آية 56سورة يوسفسورة يوسف (12) : آية 30سورة يوسف (12) : آية 40سورة يوسف (12) : آية 53سورة يوسف (12) : آية 101سورة يوسف (12) : آية 108سورة الرعدسورة الرعد (13) : آية 8سورة الرعد (13) : آية 17سورة الرعد (13) : آية 28سورة إبراهيمسورة إبراهيم (14) : آية 18سورة إبراهيم (14) : الآيات 24 الى 25فصلسورة إبراهيم (14) : آية 27سورة الحجرسورة الحجر (15) : آية 21سورة الحجر (15) : آية 75سورة النحلسورة النحل (16) : الآيات 75 الى 76فصلسورة النحل (16) : آية 99سورة النحل (16) : آية 125سورة الأسراءسورة الإسراء (17) : الآيات 80 الى 82سورة الإسراء (17) : آية 82سورة الكهفسورة الكهف (18) : آية 28سورة الكهف (18) : آية 57سورة الكهف (18) : آية 101سورة مريمسورة مريم (19) : آية 39سورة طهسورة طه (20) : آية 10سورة طه (20) : الآيات 118 الى 119سورة طه (20) : آية 124فصلفصلسورة الأنبياءسورة الأنبياء (21) : آية 83سورة الأنبياء (21) : آية 107سورة الحجسورة الحج (22) : آية 1سورة الحج (22) : الآيات 30 الى 31سورة الحج (22) : آية 73سورة المؤمنونسورة المؤمنون (23) : الآيات 10 الى 11سورة المؤمنون (23) : آية 91سورة النورسورة النور (24) : آية 35فصلسورة النور (24) : الآيات 39 الى 40فصلفصلفصلسورة الفرقانسورة الفرقان (25) : آية 44سورة الفرقان (25) : آية 45سورة الفرقان (25) : آية 46سورة الفرقان (25) : آية 55سورة الفرقان (25) : آية 73سورة الشعراءسورة الشعراء (26) : آية 89سورة الشعراء (26) : آية 98سورة النملسورة النمل (27) : آية 59سورة القصصسورة القصص (28) : آية 47سورة القصص (28) : الآيات 71 الى 72سورة العنكبوتسورة العنكبوت (29) : آية 41سورة العنكبوت (29) : آية 45سورة الرومسورة الروم (30) : آية 28سورة الروم (30) : آية 41سورة سبأسورة سبإ (34) : آية 22سورة فاطرسورة فاطر (35) : آية 15سورة يسسورة يس (36) : آية 8سورة يس (36) : آية 9سورة الصافاتسورة الصافات (37) : آية 78سورة الصافات (37) : آية 79سورة الصافات (37) : آية 130سورة صسورة ص (38) : آية 50سورة ص (38) : آية 75سورة الزمرسورة الزمر (39) : آية 29سورة الزمر (39) : آية 62سورة الزمر (39) : آية 73سورة الزمر (39) : آية 75سورة غافرسورة غافر (40) : آية 37سورة حم السجدةسورة فصلت (41) : آية 16سورة الشورىسورة الشورى (42) : آية 11سورة الشورى (42) : آية 49سورة الشورى (42) : آية 50سورة الشورى (42) : آية 52سورة الدخانسورة الدخان (44) : آية 51سورة الدخان (44) : آية 54سورة الجاثيةسورة الجاثية (45) : آية 23سورة الأحقافسورة الأحقاف (46) : آية 15سورة محمدسورة محمد (47) : آية 24سورة الحجراتسورة الحجرات (49) : آية 6سورة الحجرات (49) : آية 12سورة الحجرات (49) : آية 13سورة قسورة ق (50) : آية 37سورة الذارياتسورة الذاريات (51) : آية 24سورة الذاريات (51) : آية 25سورة الذاريات (51) : آية 26سورة الذاريات (51) : آية 27سورة الطورسورة الطور (52) : آية 21سورة النجمسورة النجم (53) : آية 8سورة النجم (53) : آية 12سورة النجم (53) : آية 32سورة الرحمنسورة الرحمن (55) : آية 26سورة الرحمن (55) : آية 54سورة الرحمن (55) : آية 56سورة الرحمن (55) : آية 58سورة الرحمن (55) : آية 70سورة الرحمن (55) : آية 72سورة الرحمن (55) : آية 76فصلفصلسورة الواقعةسورة الواقعة (56) : آية 35سورة الواقعة (56) : آية 37سورة الواقعة (56) : آية 74سورة الواقعة (56) : آية 79سورة الحديدسورة الحديد (57) : آية 27سورة الحديد (57) : آية 28سورة المجادلةسورة المجادلة (58) : آية 2سورة الصفسورة الصف (61) : آية 5سورة الجمعةسورة الجمعة (62) : آية 5سورة المنافقونسورة المنافقون (63) : آية 9سورة التحريمسورة التحريم (66) : آية 4سورة التحريم (66) : آية 10سورة التحريم (66) : آية 11سورة التحريم (66) : آية 12سورة نسورة القلم (68) : آية 48سورة المزملسورة المزمل (73) : آية 8سورة المدثرسورة المدثر (74) : آية 4سورة المدثر (74) : الآيات 49 الى 51سورة القيامةسورة القيامة (75) : آية 36سورة النبأسورة النبإ (78) : الآيات 31 الى 33سورة التكويرسورة التكوير (81) : الآيات 1 الى 3سورة المطففينسورة المطففين (83) : آية 14سورة المطففين (83) : الآيات 18 الى 20سورة الانشقاقسورة الانشقاق (84) : آية 19سورة الطارقسورة الطارق (86) : الآيات 5 الى 7سورة والشمس وضحاهاسورة الشمس (91) : الآيات 9 الى 10سورة الضحىسورة الضحى (93) : آية 11سورة التكاثرسورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8فصلسورة الكافرونسورة الكافرون (109) : الآيات 3 الى 6سورة الكافرون (109) : آية 6سورة الفلقسورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 6الفصل الأولالفصل الثانيفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة الناسسورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6فصلفصلفصلفصلقاعدة نافعة
جارٍ التحميل