التفسير القيم (تفسير القرآن الكريم لابن القيم)فصل
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن القيم
الكتاب
تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
المؤلف
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
المحقق
مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
الناشر
دار ومكتبة الهلال - بيروت
الطبعة
الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

وقد اشتمل هذان المثلان على حكم عظيمة.
منها: أن المستضيء بالنار مستضيء بنور من جهة غيره، لا من قبل نفسه.
فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة.
وهكذا المنافق، لما أقر بلسانه من غير اعتقاد ومحبة بقلبه، وتصديق جازم.
كان ما معه من النور كالمستعار.
ومنها: أن ضياء النار يحتاج دوامه إلى مادة تحمله، وتلك المادة للضياء بمنزلة الحيوان.
فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح، يقوم بها ويدوم بدوامها.
فإذا لم توجد مادة الإيمان طفئ كما تطفأ النار بفراغ مادتها.
ومنها: أن الظلمة نوعان، ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور، وظلمة حادثة بعد النور.
وهي أشد الظلمتين وأشقهما على من كانت حظه.
فظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة، فمثلت حاله بحال المستوقد للنار، الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، وأما الكافر فهو في الظلمات لم يخرج منها قط.
ومنها: أن في هذا المثل إيذانا وتنبيها على حالهم في الآخرة، وأنهم يعطون نورا ظاهرا، كما كان نورهم في الدنيا ظاهرا.
ثم يطفأ ذلك أحوج ما يكونون إليه إذ لم تكن له مادة باقية تحمله، وبقوا في الظلمة على الجسر، لا يستطيعون العبور.
فإنه لا يمكن أحدا عبوره إلا بنور ثابت يصحبه حتى يقطع الجسر.
فإن لم يكن لذلك النور مادة من العلم النافع والعمل الصالح، وإلا ذهب الله تعالى به أحوج ما كان إليه صاحبه.
فطابق مثلهم في الدنيا بحالتهم التي هم عليها في هذه الدار، وبحالتهم يوم القيامة عند ما يقسم النور.
ومن هاهنا يعلم السر في قوله تعالى: «ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ» ولم يقل أذهب الله نورهم.

فإن أردت زيادة بيان وإيضاح، فتأمل ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وقد سئل عن الورود؟ فقال: «نجيء نحن القيامة على تل فوق الناس: قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد: الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا تبارك وتعالى بعد ذلك، فيقول: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا.
فيقول: أنا ربكم.
فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى ويضحك قال: فينطلق بهم، فيتبعونه، ويعطي كل إنسان منهم- منافق أو مؤمن- نورا ثم يتبعونه.
وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله تعالى.
ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون.
فتنجو أول زمرة، وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفا لا يحاسبون.
ثم الذين يلونهم.
كأضوأ نجم في السماء، ثم كذلك.
ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء . وذكر باقي الحديث» . فتأمل قوله: «فينطلق فيتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم نور: المنافق والمؤمن» ثم تأمل قوله تعالى ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ وتأمل حالهم إذ أطفئت أنوارهم، فبقوا في الظلمة، وقد ذهب المؤمنون في نور إيمانهم يتبعون ربهم عز وجل.
وتأمل قوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث الشفاعة: «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع كل مشرك إلهه الذي كان يعبده» والموحد حقيق بأن يتبع الإله الحق الذي كل معبود سواه باطل.
وتأمل قوله تعالى: 68: 42 يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ وذكر هذه الآية في حديث الشفاعة في هذا الموضع، وقوله في الحديث: «فيكشف عن ساقه» وهذه الإضافة تبين المراد بالساق المذكور في الآية.

وتأمل ذكر الانطلاق واتباعه سبحانه تعالى بعد هذا.
وذلك يفتح لك بابا من أسرار التوحيد، وفهم القرآن، ومعاملة الله سبحانه تعالى لأهل توحيده الذين عبدوه وحده، ولم يشركوا به شيئا، هذه المعاملة التي عامل بمقابلتها أهل الشرك حيث ذهبت كل أمة مع معبودها، فانطلق بها واتبعته إلى النار.
وانطلق المعبود الحق واتبعه أولياؤه وعابدوه.
فسبحان الله رب العالمين.
قرت عيون أهل التوحيد في الدنيا والآخرة، وفارقوا الناس فيه أحوج ما كانوا إليهم.
ومنها: أن المثل الأول متضمن لحصول الظلمة، التي هي الضلال والحيرة التي سدها الهدى.
والمثل الثاني: متضمن لحصول الخوف الذي ضده الأمن.
فلا أمن ولا هدى: 6: 82 الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ.
قال ابن عباس وغيره من السلف: مثل هؤلاء في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء ورأى ما حوله، فاتقى ما يخاف، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي في ظلمته خائفا متحيرا.
كذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم، وناكحوا المؤمنين ووارثوهم، وقاسموهم الغنائم.
فذلك نورهم.
فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف.
قال مجاهد: إضاءة النور لهم: إقبالهم إلى المسلمين والهدى، وذهاب نورهم: إقبالهم إلى المشركين والضلالة.
وقد فسرت تلك الإضاءة وذهاب النور: بأنها في الدنيا، وفسرت بأنها في البرزخ وفسرت بيوم القيامة.
والصواب: أن ذلك شأنهم في الدور الثلاثة، فإنهم لما كانوا كذلك في الدنيا جوزوا في البرزخ وفي القيامة بمثل حالهم، جزاء وفاقا وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فإن المعاد يعود إلى العبد فيه ما كان حاصلا منه في الدنيا.
ولهذا يسمى يوم الجزاء 17: 72 وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا 19: 76 وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً ومن كان

مستوحشا مع الله بمعصيته إياه في هذه الدار فوحشته معه في البرزخ ويوم المعاد أعظم وأشد.
ومن قرت عينه به في هذه الحياة الدنيا قرت عينه به يوم القيامة وعند الموت ويوم البعث، فيموت العبد على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه.
ويعود عليه عمله بعينه، فينعم ظاهرا وباطنا، فيورثه من الفرح والسرور واللذة والبهجة، وقرة العين والنعيم، وقوة القلب واستبشار وحياته وانشراحه- ما هو من أفضل النعيم، وأجله وأطيبه وألذه، وهل النعيم إلا طيب النفس، وفرح القلب وسروره وانشراحه، واستبشاره؟.
هذا وينشأ له من أعماله ما تشتهيه نفسه، وتلذ عينه من سائر المشتهيات التي تشتهيها الأنفس وتلذها الأعين، ويكون تنوع تلك المشتهيات وكمالها وبلوغها مرتبة الحسن والموافقة بحسب كمال عمله ومتابعته فيه وإخلاصه، وبلوغه مرتبة الإحسان فيه وبحسب تنوعه، فمن تنوعت أعماله المرضية المحبوبة له في هذه الدار تنوعت الأقسام التي يتلذذ بها في تلك الدار، وتكثرت له بحسب تكثر أعماله هنا وكان مزيده متبوعها والابتهاج بها، والالتذاذ هناك على حسب مزيده من الأعمال ومتبوعه فيها في هذه الدار.
وقد جعل الله سبحانه لكل عمل من الأعمال المحبوبة له والمسخوطة أثرا وجزاء ولذة ونعيما يخصه، لا يشبه أثر الآخر وجزاءه.
لهذا تنوعت لذات أهل الجنة، وآلام أهل النار، وتنوع ما فيها من الطيبات والعقوبات.
فليست لذة كل من ضرب في كل مرضاة الله بسهم وأخذ منها بنصيب كلذة من إنما سهمه ونصيبه في نوع واحد منها ولا ألم من ضرب في كل مساخط الله بنصيب كألم من ضرب بسهم واحد في مساخطه.
وقد أشار النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى أن كمال ما يستمتع به العبد من الطيبات في الآخرة بحسب كمال ما يقابله من الأعمال في الدنيا، فقد رأى قنوا من حشف معلقا في المسجد للصدقة.
فقال: «إن صاحب هذا يأكل الحشف يوم القيامة» فأخبر أن جزاءه يكون من جنس عمله، فيجزى على تلك الصدقة بحشف من جنسها.
وهذا الباب يفتح لك أبوابا عظيمة من فهم المعاد، وتفاوت الناس في أحواله، وما يجري فيه من الأمور.
قوله تعالى ذكره: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ.
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ.
قال: «ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ» ولم يقل: بنارهم فإن النار فيها الإحراق والإشراق.
فذهب بما فيها من الإضاءة والإشراق، وأبقى عليهم ما فيها من الأذى والإشراق، وكذلك حال المنافقين: ذهب نور إيمانهم بالنفاق، وبقي في قلوبهم حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم، وقلوبهم قد صليت بحرها وأذاها، وسمومها ووهجها في الدنيا، فأصلاها الله تعالى إياها يوم القيامة نارا مؤصدة تطلع على الأفئدة.
فهذا مثل من لم يصبه نور الإيمان في الدنيا، بل خرج منه وفارقه بعد أن استضاء به، وهو حال المنافق، عرف ثم أنكر وأقر ثم جحد.
فهو في ظلمات أصم أبكم أعمى، كما قال تعالى في حق إخوانهم من الكفار: 6: 39 وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ وقال تعالى: 2: 171 مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ.
شبه الله تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال مستوقد النار، وذهاب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله، لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين وصلاتهم معهم، وصيامهم معهم، وسماعهم القرآن، ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره، قد شاهدوا الضوء ورأوا النور

عيانا.
ولهذا قال تعالى في حقهم فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ إليه.
لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به واستناروا.
فهم لا يرجعون إليه.
وقال تعالى في حق الكفار فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ لأنهم لم يعقلوا الإسلام، ولا دخلوا فيه، ولا استناروا له، لا بل يزالون في ظلمات الكفر صم بكم عمي.
فسبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافيا.
وإلى الإيمان وحقائقه مناديا، وإلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم داعيا، وإلى طريق الرشاد هاديا.
لقد اسمع منادي الإيمان لو صادف آذانا واعية، وشفت مواعظ القرآن لو وافقت قلوبا خالية.
ولكن عصفت على القلوب أهوية الشبهات والشهوات فأطفأت مصابيحها.
وتمكنت منها أيدي الغفلة والجهالة فأغلقت أبواب رشدها وأضاعت مفاتيحها.
وران عليها كسبها فلم ينفع فيها الكلام، وسكرت بشهوات الغي وشبهات الباطل، فلم تصغ بعد إلى الملام.
ووعظت بمواعظ أنكى فيها من الأسنة والسهام، ولكن ماتت في بحر الجهل والغفلة، وأسر الهوى والشهوة.
وما لجرح بميت إيلام.
وأما الصم والوقر ففي قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ وقوله: 47: 23 أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ وقوله: 7: 179 وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ وقوله تعالى: 41: 44 وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ.
قال ابن عباس: في آذانهم صمم عن استماع القرآن، وهو عليهم عمى.
أعمى الله قلوبهم فلا يفقهون.
أولئك ينادون من مكان بعيد، مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء.
وقال مجاهد: بعيد من قلوبهم.
وقال الفراء: تقول للرجل الذي لا

يفهم كذلك: أنت تنادى من مكان بعيد، قال: وجاء في التفسير: كأنما ينادون من السماء فلا يسمعون.
انتهى.
والمعنى: أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لا يسمع ولا يفهم.
وأما البكم فقال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ والبكم جمع أبكم، وهو الذي لا ينطق.
والبكم نوعان.
بكم القلب وبكم اللسان، كما أن النطق نطقان: نطق القلب ونطق اللسان.
وأشدهما: بكم القلب، كما أن عماه وصممه أشد من عمى العين وصمم الأذن.
فوصفهم الله سبحانه بأنهم لا يفقهون الحق، ولا تنطق به ألسنتهم.
والعلم يدخل من ثلاثة أبواب: من سمعه، وبصره، وقلبه.
وقد سدت عليهم هذه الأبواب الثلاثة، فسد السمع بالصمم، والبصر بالعمى، والقلب بالبكم.
ونظيره قوله تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها وقد جمع الله سبحانه بين الثلاثة في قوله: 46: 26 وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً.
فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ، إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ فإذا أراد سبحانه هداية عبد فتح قلبه وسمعه وبصره.
وإذا أراد ضلاله أصمه وأعماه وأبكمه وبالله التوفيق.
2: 19 أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ، فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ، يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ.
الصيب: المطر الذي يصوب من السماء أي ينزل منها بسرعة، وهو مثل للقرآن الذي به حياة القلوب، كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات

والحيوان.
فأدرك المؤمنون ذلك منه، وعلموا ما يحصل لهم به من الحياة التي لا خطر لها.
فلم يمنعهم منها ما فيه من الرعد والبرق وهو الوعيد والتهديد والعقوبات والمثلاث، التي حذر الله بها من خالف أمره.
وأخبر أنه منزلها على من كذب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أو ما فيه من الأوامر الشديدة، كجهاد الأعداء والصبر على الأمر، أو الأوامر الشاقة على النفوس التي هي على خلاف أهوائها، فهي كالظلمات والرعد والبرق.
ولكن من علم مواقع الغيث وما يحصل به من الحياة لم يستوحش لما معه من الظلمة والرعد والبرق.
بل يستأنس بذلك ويفرح به، لما يرجو من ورائه من الحياة والخصب.
وأما المنافق فإنه قد عمي قلبه، ولم يجاوز بصره الظلمة، ولم ير إلا برقا يكاد يخطف البصر، ووعدا عظيما وظلمة، فاستوحش من ذلك وخاف منه.
فوضع أصابعه في أذنيه لئلا يسمع صوت الرعد، وهاله مشاهدة ذلك البرق، وشدة لمعانه، وعظم نوره.
فهو خائف أن يختطف بصره.
لأن بصره أضعف من أن يثبت معه.
فهو في ظلمة يسمع أصوات الرعد القاصف، ويرى ذلك البرق الخاطف.
فإن أضاء له ما بين يديه مشي في ضوئه.
وإن فقد الضوء قام متحيرا، لا يدري أين يذهب، ولجهله لا يعلم أن ذلك من لوازم الصيب الذي به حياة الأرض والنبات، وحياته هو في نفسه، بل لا يدرك إلا رعدا وبرقا وظلمة، ولا شعور له بما وراء ذلك.
فالوحشة لازمة له.
والرعب والفزع لا يفارقانه، وأما من أنس بالصيب، وعلم ما يحصل به من الخير والحياة والنفع، وعلم أنه لا بد فيه من رعد وبرق وظلمة بسبب الغيم، فإنه يستأنس بذلك، ولا يستوحش منه، ولا يقطعه ذلك عن أخذه بنصيبه من الصيب.
فهذا مثل مطابق للصيب الذي نزل به جبريل صلّى الله عليه وسلّم من عند رب العالمين تبارك وتعالى على قلب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ليحيي به القلوب والوجود أجمع، اقتضت حكمته أن يقارنه من الغيم والرعد والبرق ما يقارن الصيب من الماء،

حكمة بالغة، وأسبابا منتظمة، نظمها العليم الحكيم.
فكان حظ المنافق من ذلك الصيب سحابه ورعوده وبروقه فقط.
لم يعلم ما وراءه، فاستوحش بما أنس به المؤمنون، وارتاب مما اطمأن به العالمون، وشك فيما تيقنه المبصرون العارفون.
فبصره في المثل الناري كبصر الخفاش في نحر الظهيرة، وسمعه في المثل المائي كسمع من يموت من صوت الرعد.
وقد ذكر عن بعض الحيوانات أنها تموت من سماع الرعد.
فإذا صادف هذه العقول والأسماع والأبصار شبهات شيطانية، وخيالات فاسدة، وظنون كاذبة، جالت فيها وصالت، وقامت بها وقعدت، واتسع فيها مجالها، وكثر قيلها وقالها.
فملأت الأسماع من هذيانها، والأرض من دواوينها، وما أكثر المستجيبين لهؤلاء والقابلين منهم، والقائمين بدعوتهم، والمحامين عن حوزتهم، والمقاتلين تحت ألويتهم، والمكثّرين لسوادهم.
ولعموم البلية بهم وضرر القلوب بكلامهم- هتك الله أستارهم في كتابه غاية الهتك، وكشف أستارهم غاية الكشف، وبين علاماتهم وأعمالهم وأقوالهم، ولم يزل عز وجل يقول: ومنهم، ومنهم، ومنهم «1» . حتى انكشف أمرهم وبانت حقائقهم، وظهرت أسرارهم.

فصول الكتاب · 363 فصل · 695 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التفسير القيم (تفسير القرآن الكريم لابن القيم) · 695 صفحة
سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة البقرةسورة البقرة (2) : آية 7سورة البقرة (2) : آية 10سورة البقرة (2) : الآيات 17 الى 18سورة البقرة (2) : آية 19فصلسورة البقرة (2) : آية 25سورة البقرة (2) : آية 30فصلسورة البقرة (2) : آية 36سورة البقرة (2) : آية 88سورة البقرة (2) : آية 94سورة البقرة (2) : آية 137سورة البقرة (2) : آية 165سورة البقرة (2) : آية 171سورة البقرة (2) : آية 179سورة البقرة (2) : آية 187سورة البقرة (2) : آية 216سورة البقرة (2) : الآيات 226 الى 227سورة البقرة (2) : آية 235سورة البقرة (2) : آية 245سورة البقرة (2) : آية 261فصلسورة البقرة (2) : آية 262سورة البقرة (2) : آية 263سورة البقرة (2) : آية 264سورة البقرة (2) : آية 265سورة البقرة (2) : آية 266سورة البقرة (2) : آية 267سورة البقرة (2) : آية 268سورة البقرة (2) : آية 271سورة البقرة (2) : آية 273سورة البقرة (2) : آية 278سورة البقرة (2) : آية 279سورة البقرة (2) : آية 282سورة آل عمرانسورة آل عمران (3) : آية 18فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة آل عمران (3) : آية 19سورة آل عمران (3) : آية 26سورة آل عمران (3) : آية 43سورة آل عمران (3) : آية 44سورة آل عمران (3) : الآيات 93 الى 95سورة آل عمران (3) : الآيات 116 الى 117سورة آل عمران (3) : آية 160سورة آل عمران (3) : آية 200سورة النساءسورة النساء (4) : آية 3سورة النساء (4) : آية 95سورة النساء (4) : آية 96سورة النساء (4) : آية 88سورة النساء (4) : آية 113سورة المائدةسورة المائدة (5) : آية 2سورة المائدة (5) : آية 3سورة الأنعامسورة الأنعام (6) : الآيات 8 الى 9سورة الأنعام (6) : الآيات 108 الى 110سورة الأعرافسورة الأعراف (7) : آية 32سورة الأعراف (7) : الآيات 55 الى 56سورة الأعراف (7) : آية 205سورة الأعراف (7) : آية 55فصلسورة الأعراف (7) : آية 56فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة الأعراف (7) : الآيات 57 الى 58سورة الأعراف (7) : آية 157سورة الأعراف (7) : الآيات 175 الى 176سورة الأعراف (7) : آية 189سورة الأنفالسورة الأنفال (8) : آية 17سورة الأنفال (8) : آية 24سورة الأنفال (8) : آية 64سورة التوبة (9) : آية 46سورة التوبة (9) : آية 47سورة التوبة (9) : آية 103فصلسورة يونسسورة يونس (10) : آية 23سورة يونس (10) : آية 25سورة يونس (10) : آية 30سورة يونس (10) : آية 58سورة يونس (10) : آية 87سورة هودسورة هود (11) : آية 23سورة هود (11) : آية 24سورة هود (11) : آية 32سورة هود (11) : آية 56سورة يوسفسورة يوسف (12) : آية 30سورة يوسف (12) : آية 40سورة يوسف (12) : آية 53سورة يوسف (12) : آية 101سورة يوسف (12) : آية 108سورة الرعدسورة الرعد (13) : آية 8سورة الرعد (13) : آية 17سورة الرعد (13) : آية 28سورة إبراهيمسورة إبراهيم (14) : آية 18سورة إبراهيم (14) : الآيات 24 الى 25فصلسورة إبراهيم (14) : آية 27سورة الحجرسورة الحجر (15) : آية 21سورة الحجر (15) : آية 75سورة النحلسورة النحل (16) : الآيات 75 الى 76فصلسورة النحل (16) : آية 99سورة النحل (16) : آية 125سورة الأسراءسورة الإسراء (17) : الآيات 80 الى 82سورة الإسراء (17) : آية 82سورة الكهفسورة الكهف (18) : آية 28سورة الكهف (18) : آية 57سورة الكهف (18) : آية 101سورة مريمسورة مريم (19) : آية 39سورة طهسورة طه (20) : آية 10سورة طه (20) : الآيات 118 الى 119سورة طه (20) : آية 124فصلفصلسورة الأنبياءسورة الأنبياء (21) : آية 83سورة الأنبياء (21) : آية 107سورة الحجسورة الحج (22) : آية 1سورة الحج (22) : الآيات 30 الى 31سورة الحج (22) : آية 73سورة المؤمنونسورة المؤمنون (23) : الآيات 10 الى 11سورة المؤمنون (23) : آية 91سورة النورسورة النور (24) : آية 35فصلسورة النور (24) : الآيات 39 الى 40فصلفصلفصلسورة الفرقانسورة الفرقان (25) : آية 44سورة الفرقان (25) : آية 45سورة الفرقان (25) : آية 46سورة الفرقان (25) : آية 55سورة الفرقان (25) : آية 73سورة الشعراءسورة الشعراء (26) : آية 89سورة الشعراء (26) : آية 98سورة النملسورة النمل (27) : آية 59سورة القصصسورة القصص (28) : آية 47سورة القصص (28) : الآيات 71 الى 72سورة العنكبوتسورة العنكبوت (29) : آية 41سورة العنكبوت (29) : آية 45سورة الرومسورة الروم (30) : آية 28سورة الروم (30) : آية 41سورة سبأسورة سبإ (34) : آية 22سورة فاطرسورة فاطر (35) : آية 15سورة يسسورة يس (36) : آية 8سورة يس (36) : آية 9سورة الصافاتسورة الصافات (37) : آية 78سورة الصافات (37) : آية 79سورة الصافات (37) : آية 130سورة صسورة ص (38) : آية 50سورة ص (38) : آية 75سورة الزمرسورة الزمر (39) : آية 29سورة الزمر (39) : آية 62سورة الزمر (39) : آية 73سورة الزمر (39) : آية 75سورة غافرسورة غافر (40) : آية 37سورة حم السجدةسورة فصلت (41) : آية 16سورة الشورىسورة الشورى (42) : آية 11سورة الشورى (42) : آية 49سورة الشورى (42) : آية 50سورة الشورى (42) : آية 52سورة الدخانسورة الدخان (44) : آية 51سورة الدخان (44) : آية 54سورة الجاثيةسورة الجاثية (45) : آية 23سورة الأحقافسورة الأحقاف (46) : آية 15سورة محمدسورة محمد (47) : آية 24سورة الحجراتسورة الحجرات (49) : آية 6سورة الحجرات (49) : آية 12سورة الحجرات (49) : آية 13سورة قسورة ق (50) : آية 37سورة الذارياتسورة الذاريات (51) : آية 24سورة الذاريات (51) : آية 25سورة الذاريات (51) : آية 26سورة الذاريات (51) : آية 27سورة الطورسورة الطور (52) : آية 21سورة النجمسورة النجم (53) : آية 8سورة النجم (53) : آية 12سورة النجم (53) : آية 32سورة الرحمنسورة الرحمن (55) : آية 26سورة الرحمن (55) : آية 54سورة الرحمن (55) : آية 56سورة الرحمن (55) : آية 58سورة الرحمن (55) : آية 70سورة الرحمن (55) : آية 72سورة الرحمن (55) : آية 76فصلفصلسورة الواقعةسورة الواقعة (56) : آية 35سورة الواقعة (56) : آية 37سورة الواقعة (56) : آية 74سورة الواقعة (56) : آية 79سورة الحديدسورة الحديد (57) : آية 27سورة الحديد (57) : آية 28سورة المجادلةسورة المجادلة (58) : آية 2سورة الصفسورة الصف (61) : آية 5سورة الجمعةسورة الجمعة (62) : آية 5سورة المنافقونسورة المنافقون (63) : آية 9سورة التحريمسورة التحريم (66) : آية 4سورة التحريم (66) : آية 10سورة التحريم (66) : آية 11سورة التحريم (66) : آية 12سورة نسورة القلم (68) : آية 48سورة المزملسورة المزمل (73) : آية 8سورة المدثرسورة المدثر (74) : آية 4سورة المدثر (74) : الآيات 49 الى 51سورة القيامةسورة القيامة (75) : آية 36سورة النبأسورة النبإ (78) : الآيات 31 الى 33سورة التكويرسورة التكوير (81) : الآيات 1 الى 3سورة المطففينسورة المطففين (83) : آية 14سورة المطففين (83) : الآيات 18 الى 20سورة الانشقاقسورة الانشقاق (84) : آية 19سورة الطارقسورة الطارق (86) : الآيات 5 الى 7سورة والشمس وضحاهاسورة الشمس (91) : الآيات 9 الى 10سورة الضحىسورة الضحى (93) : آية 11سورة التكاثرسورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8فصلسورة الكافرونسورة الكافرون (109) : الآيات 3 الى 6سورة الكافرون (109) : آية 6سورة الفلقسورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 6الفصل الأولالفصل الثانيفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة الناسسورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6فصلفصلفصلفصلقاعدة نافعة
جارٍ التحميل