سورة يونس (10) : آية 30
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن القيم
- الكتاب
- تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
- المؤلف
- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
- المحقق
- مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
- الناشر
- دار ومكتبة الهلال - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (30)
فإن قيل: فهل يظهر فرق بين قوله تعالى في سورة يونس 10: 30 وبين قوله في سورة سبأ 34: 24 قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قيل: هذا من أدق هذه المواضع وأغمضها، وألطفها فرقا، فتدبر السياق تجده نقيضا لما وقع، فإن الآيات التي في يونس سيقت مساق الاحتجاج عليهم بما أقروا به، ولم يمكنهم إنكاره من كون الرب تعالى هو رازقهم، ومالك أسماعهم وأبصارهم، ومدبر أمورهم وغيرها.
ومخرج الحي من الميت والميت من الحي.
فلما كانوا مقرين بهذا كله حين الاحتجاج به عليهم: أن فاعل هذا هو الله الذي لا إله غيره.
فكيف يعبدون معه غيره ويجعلون له شركاء لا يملكون شيئا من هذا، ولا يستطيعون فعل شيء منه ولهذا قال بعد أن ذكر ذلك من شأنه تعالى: فَسَيَقُولُونَ: اللَّهُ أي لا بد أنهم يقرون بذلك، ولا يجحدونه.
فلا بد أن يكون المذكور مما يقرون به.
والمخاطبون المحتج عليهم بهذه الآية إنما كانوا مقرين بنزول الرزق من قبل هذه السماء التي يشاهدونها بالحق، ولم يكونوا مقرين ولا عالمين بنزول الرزق من سماء إلى سماء، حتى تنتهي إليهم، ولم يصل علمهم إلى هذا.
فأفرد لفظ السماء هنا، فإنهم لا يمكنهم إنكار مجيء الرزق منها، لا سيما والرزق هاهنا إن كانوا هو المطر فمجيئه من السماء التي هي السحاب، فإنه يسمى سماء لعلوه.
وقد أخبر سبحانه أنه بسط السحاب في السماء بقوله: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ والسحاب إنما هو
مبسوط في جهة العلو، لا في نفس الفلك.
وهذا معلوم بالحس، فلا يلتفت إلى غيره.
فلما انتظم هذا بذكر الاحتجاج عليهم لم يصلح فيه إلا إفراد السماء، لأنهم لا يقرون بما ينزل من فوق ذلك من الأرزاق العظيمة للقلوب والأرواح.
فلا بد من الوحي الذي به الحياة الحقيقية الأبدية.
وهو أولى باسم الرزق من المطر الذي به الحياة الفانية المنقضية.
فما ينزل من فوق ذلك من الوحي والرحمة والألطاف والمواد الربانية، والتنزلات الإلهية، وما به قوام العالم العلوي والسفلي من أعظم أنواع الرزق.
ولكن القوم لم يكونوا مقرين به، فخوطبوا بما هو أقرب الأشياء إليهم، بحيث لا يمكنهم إنكاره.
أما الآية التي في سبأ: فلم تنتظم ذكر إقرارهم بما ينزل من السموات.
ولهذا أمر رسوله بأن يتولى الجواب فيها، ولم يذكر عنهم أنهم المجيبون المقرون.
فقال قُلْ: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؟ قُلِ اللَّهُ ولم يقل: سيقولون الله.
فأمر تعالى نبيه صلّى الله عليه وسلّم أن يجيب بأن ذلك هو الله وحده الذي ينزل رزقه على اختلاف أنواعه ومنافعه من السموات السبع.
وأما الأرض فلم يدع السياق إلى جمعها في واحدة من الاثنين إذ يقر به كل أحد مؤمن وكافر، وبر وفاجر.