التفسير القيم (تفسير القرآن الكريم لابن القيم)سورة الكافرون (109) : آية 6
أهل الأثرالأرشيف العلمي

سورة الكافرون (109) : آية 6

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن القيم
الكتاب
تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)
المؤلف
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
المحقق
مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان
الناشر
دار ومكتبة الهلال - بيروت
الطبعة
الأولى - 1410 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) وفائدة تاسعة، وهي: أن في قوله: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ معنى زائد على النفي المتقدم، فإنه يدل على اختصاص كل بدينه ومعبوده، وقد فهم هذا من النفي فما أفاد التقسيم المذكور؟.
وفائدة عاشرة، وهي: تقديم ذكرهم ومعبودهم في هذا التقسيم والاختصاص، وتقديم ذكر شأنه وفعله في أول السورة.

وفائدة حادية عشرة، وهي: أن هذه السورة قد اشتملت على جنسين من الأخبار: أحدهما: براءته من معبودهم، وبراءتهم من معبوده، وهذا لازم أبدا.
الثاني: إخباره بأن له دينه ولهم دينهم.
فهل هذا متاركة وسكوت عنهم، فيدخله النسخ بالسيف، أو التخصيص ببعض الكفار، أم الآية باقية على عمومها وحكمها، غير منسوخة ولا مخصوصة؟.
فهذه عشر مسائل في هذه السورة.
فقد ذكرنا منها مسألة واحدة، وهي وقوع «ما» فيها بدل «من» . فلنذكر المسائل التسع مستمدين من فضل الله، مستعينين بحوله وقوته، متبرئين إليه من الخطأ، فما كان من صواب فمنه وحده لا شريك له، وما كان من خطأ فمنا ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه.
فأما المسألة الثانية، وهي: فائدة تكرار الأفعال.
فقيل فيها وجوه: أحدها: أن قوله: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ نفى للحال والمستقبل، وقوله: أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ مقابله، أي لا تفعلون ذلك.
وقوله: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ أي لم يكن مني ذلك قط قبل نزول الوحي، ولهذا أتى في عبادتهم بلفظ الماضي فقال «ما عبدتم» فكأنه قال: لم أعبد قط ما عبدتم.
وقوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ مقابله، أي لم تعبدوا قط في الماضي ما أعبده أنا دائما.
وعلى هذا فلا تكرار أصلا.
وقد استوفت الآيات أقسام النفي ماضيا وحالا ومستقبلا عن عبادته وعبادتهم بأوجز لفظ وأخصره وأبينه، وهذا إن شاء الله أحسن ما قيل فيها.
فلنقتصر عليه ولا نتعداه إلى غيره.
فإن الوجوه

التي قيلت في مواضعها، فعليك بها.
وأما المسألة الثالثة، وهي: تكرير الأفعال بلفظ المستقبل حين أخبر عن نفسه وبلفظ الماضي حين أخبر عنهم.
ففي ذلك سر، وهو الإشارة والإيماء إلى عصمة الله لنبيه عن الزيغ والانحراف عن عبادة معبوده، والاستبدال به غيره، وأن معبوده الحق واحد في الحال والمآل على الدوام، لا يرضى به بدلا، ولا يبغي عنه حولا، بخلاف الكافرين فإنهم يعبدون أهواءهم، ويتبعون شهواتهم في الدين وأغراضهم.
فهم بصدد أن يعبدوا اليوم معبودا، وغدا غيره.
فقال: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ يعني الآن وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ أي الآن أيضا.
ثم قال: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ يعني ولا أنا فيما يستقبل يصدر مني عبادة لما عبدتم أيها الكافرون، وأشبهت «ما» هنا رائحة الشرط، فلذلك وقع بعدها الفعل بلفظ الماضي، وهو مستقبل في المعنى، كما يجيء ذلك بعد حرف الشرط، كأنه يقول: مهما عبدتم من شيء فلا أعبده أنا.
فإن قيل: وكيف يكون فيها الشرط، وقد عمل فيها الفعل، ولا جواب لها وهي موصولة.
فما أبعد الشرط منها؟.
قلنا: لم نقل: إنها نفسها شرط، ولكن فيها رائحة منه، وطرف من معناه لوقوعها على غير معين وإبهامها في المعبودات وعمومها، وأنت إذا ذقت معنى هذا الكلام وجدت معنى الشرط باديا على صفحاته.
فإذا قلت لرجل مّا- تخالفه في كل ما يفعل-: أنا لا أفعل ما تفعل.
ألست ترى معنى الشرط قائما في كلامك وقصدك، وأن روح هذا الكلام: مهما فعلت من شيء فإني لا أفعله؟.
وتأمل ذلك من مثل قوله تعالى: قالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا؟ كيف تجد معنى الشرطية فيه؟ حتى وقع الفعل بعد «من» بلفظ الماضي، والمراد به المستقبل، وأن المعنى: من كان في المهد صبيا

كيف نكلمه؟ وهذا هو المعنى الذي حام حوله من قال من المفسرين والمعربين: أن «كان» نبيا.
بمعنى «يكون» لكنهم لم يأتوا إليه من بابه، بل ألقوه عطلا من تقدير وتنزيل، وعزب فهم غيرهم عن هذا، للطفه ودقته.
فقالوا: «كان» زائدة.
والوجه ما أخبرتك به، فخذه عفوا، لك غنمه، وعلي غرمه.
هل على «من» في الآية قد عمل فيها الفعل وليس لها جواب، ومعنى الشرطية قائم فيها فكذلك في قوله: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وهذا كله مفهوم من كلام فحول النحاة كالزجاج وغيره.
فإذا ثبت هذا فقد صحت الحكمة التي من أجلها جاء الفعل بلفظ الماضي من قوله: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ بخلاف قوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ لبعد «ما» فيها عن معنى الشرط، تنبيها من الله على عصمة نبيه أن يكون له معبود سواه، وأن يتنقل في المعبودات تنقل الكافرين.
وأما المسألة الرابعة هي: أنه لم يأت النفي في حقهم إلا باسم الفاعل، وفي جهته جاء بالفعل تارة وباسم الفاعل أخرى.
فذلك- والله أعلم- لحكمة بديعة وهي: أن المقصود الأعظم براءته من معبوديهم بكل وجه وفي كل وقت.
فأتى أولا بصيغة الفعل الدالة على الحدوث والتجدد، ثم أتى في هذا النفي بعينه بصيغة اسم الفاعل في الثاني: أن هذا ليس وصفي ولا شأني، فكأنه قال: عبادة غير الله لا تكون فعلا لي ولا وصفا لي.
فأتى بنفيين لمنفيين مقصودين بالنفي.
وأما في حقهم فإنما أتى بالاسم الدال على الوصف والثبوت دون الفعل.
أي إن الوصف الثابت اللازم العائد لله منتف عنكم، فليس هذا الوصف ثابتا لكم، وإنما ثبت لمن خص الله وحده بالعبادة، ولم يشرك معه فيها أحدا، وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه.
وإن عبدوه في بعض الأحيان، فإن المشرك

يعبد الله ويعبد معه غيره، كما قال أهل الكهف وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ أي اعتزلتم معبوديهم، إلّا الله، فإنكم لم تعتزلوه.
وكذا قال المشركون عن معبوديهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى فهم كانوا يعبدون معه غيره، فلم ينف عنهم الفعل لوقوعه منهم، ونفى الوصف لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتا على عبادة الله موصوفا بها.
فتأمل هذه النكتة البديعة، كيف تجد في طيها أنه لا يوصف بأنه عابد لله، وأنه عبده المستقيم على عبادته: إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلا، لم يلتفت إلى غيره، ولم يشرك به أحدا في عبادته، وأنه إن عبده وأشرك معه غيره، فليس عابدا لله، ولا عبدا له.
وهذا من أسرار هذه السورة العظيمة الجليلة، التي هي إحدى سورتي الإخلاص، التي تعدل ربع القرآن، كما جاء في بعض السنن.
وهذا لا يفهمه كل أحد، ولا يدركه إلا من منحه الله فهما من عنده.
فله الحمد والمنة.
وأما المسألة الخامسة، وهي: أن النفي في هذه السورة أتى بأداة «لا» دون «لن» فلما تقدم تحقيقه عن قرب أن النفي «بلا» أبلغ منه «بلن» وأنها أدل على دوام النفي وطوله من «لن» وأنها للطول والمد الذي في لفظها طال النفي بها واشتد، وأن هذا ضد ما فهمته الجهمية والمعتزلة من أن «لن» إنما تنفي المستقبل ولا تنفي الحال المستمر النفي في الاستقبال، وقد تقدم تقرير ذلك بما لا تكاد تجده في غير هذا التعليق، فالإتيان «بلا» متعين هنا.
والله أعلم.
وأما المسألة السادسة، وهي: اشتمال هذه السورة على النفي المحض، فهذا هو خاصة هذه السورة العظيمة، فإنها سورة البراءة من الشرك، كما جاء في وصفها: أنها براءة من الشرك.
فمقصودها الأعظم: هو البراءة المطلوبة.
وهذا مع أنها متضمنة للإثبات صريحا.
فقوله: لا

أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ براءة محضة وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ إثبات أن له معبودا يعبده وحده، وأنتم بريئون من عبادته، فتضمنت النفي والإثبات، وطابقت قول إبراهيم إمام الحنفاء 43: 27 إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي وطابقت قول الفئة الموحدة 18: 16 وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فانتظمت حقيقة «لا إله إلا الله» ولهذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقرنها بسورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ في سنة الفجر وسنة المغرب.
فإن هذين السورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح له إلا بهما، وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمن تنزيه الله عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد، وأنه إله أحد صمد لم يلد فيكون له فرع وَلَمْ يُولَدْ فيكون له أصل وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فيكون له نظير.
ومع هذا فهو الصمد الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها.
فتضمنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال، ونفي ما لا يليق به من الشريك أصلا وفرعا ونظيرا.
فهذا توحيد العلم والاعتقاد.
والثاني: توحيد القصد والإرادة وهو: ألا يعبد إلا إياه، فلا يشرك به في عبادته سواه، بل يكون وحده هو المعبود.
وسورة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ مشتملة على هذا التوحيد.
فانتظمت السورتان نوعي التوحيد وأخلصتا له، فكان صلّى الله عليه وسلّم يفتتح بهما النهار في سنة الفجر، ويختتمه بهما في سنة المغرب.
وفي السنن «أنه كان يوتر بهما» فيكونان خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار.
ومن هنا تخريج جواب المسألة السابعة.
وهي: تقديم براءته من معبودهم، ثم أتبعها ببراءتهم من معبوده فتأمله.
وأما المسألة الثامنة.
وهي: إثباته هنا بلفظ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ دون

يا أيها الذين كفروا فسّره- والله أعلم- إرادة الدلالة على أن من كان الكفر وصفا ثابتا له لازما لا يفارقه، فهو حقيق أن يتبرأ الله منه، ويكون هو أيضا بريئا من الله، فحقيق بالموحد البراءة منه، فكان في معرض البراءة التي هي غاية البعد والمجانبة بحقيقة حاله، التي هي غاية الكفر، وهو الكفر الثابت اللازم، في غاية المناسبة، فكأنه يقول: كما أن الكفر لازم لكم ثابت لا تنتقلون عنه فمجانبتكم والبراءة منكم ثابتة لي دائما أبدا، ولهذا أتى فيها بالنفي الدال على الاستمرار في مقابلة الكفر الثابت المستمر.
وهذا واضح.
وأما المسألة التاسعة.
وهي: ما هي الفائدة في قوله: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ وهل أفاد هذا معنى زائدا على ما تقدم؟.
فيقال: في ذلك من الحكمة- والله أعلم- أن النفي الأول أفاد البراءة وأنه لا يتصور منه، ولا ينبغي له: أن يعبد معبوديهم، وهم أيضا لا يكونون عابدين لمعبوده، وأفاد آخر السورة إثبات ما تضمنه النفي من جهتهم من الشرك والكفر الذي هو حظهم وقسمهم ونصيبهم، فجرى ذلك مجرى من اقتسم هو وغيره أرضا فقال له: لا تدخل في حدى، ولا أدخل في حدك، لك أرضك، ولي أرضي.
فتضمنت الآية أن هذه البراءة اقتضت أنا اقتسمنا خطتنا بيننا، فأصابنا التوحيد والإيمان، فهو نصيبنا وقسمنا الذي نختص به لا تشركونا فيه، وأصابكم الشرك بالله والكفر به، فهو نصيبكم وقسمكم الذي تختصون به لا نشرككم فيه، فتبارك من أحيا قلوب من شاء من عباده بفهم كلامه.
وهذه المعاني ونحوها إذا تجلت للقلوب.
رافلة في حللها، فإنها تسبي القلوب وتأخذ بمجامعها، ومن لم يصادف من قلبه حياة فهي خود تزفّ إلى ضرير مقعد، فالحمد لله على مواهبه التي لا منتهي لها، ونسأله إتمام نعمته.
وأما المسألة العاشرة.
وهي: تقديم قسمهم ونصيبهم على قسمه

ونصيبه، وفي أول السورة قدم ما يختص به على ما يختص بهم.
فهذا من أسرار الكلام، وبديع الخطاب الذي لا يدركه إلا فحول البلاغة وفرسانها، فإن السورة ما اقتضت البراءة واقتسام ديني التوحيد والشرك بينه وبينهم، ورضى كل بقسمه، وكان المحق هو صاحب القسمة، وقد أبرز النصيبين وميّز القسمين، وعلم أنهم راضون بقسمهم الدون، الذي لا أردأ منه ولا أدون، وأنه هو قد استولى على القسم الأشرف والحظ الأعظم، بمنزلة من اقتسم هو وغيره سما وشفاء، فرضي مقاسمة بالسم، فإنه يقول له: لا تشاركني في قسمي، ولا أشاركك في قسمك، لك قسمك، ولي قسمي.
فتقدم ذكر قسمه هنا أحسن وأبلغ، كأنه يقول: هذا هو قسمك الذي آثرته بالتقدم وزعمت أنه أشرف القسمين، وأحقهما بالتقديم، فكان في تقديم ذكر قسمه من التهكم بهم، والنداء على سوء اختيارهم، وقبح ما رضوه لأنفسهم من الحسن والبيان، ما لا يوجد في ذكر تقديم قسم نفسه، والحاكم في هذا هو الذوق.
والفطن يكتفي بأدنى إشارة، وأما غليظ الفهم فلا ينجع فيه كثرة البيان.
ووجه ثان.
وهو: أن مقصود السورة براءته صلّى الله عليه وسلّم من دينهم ومعبودهم، هذا هو لبها ومغزاها، وجاء ذكر براءتهم من دينه ومعبوده بالقصد الثاني، مكملا لبراءته ومحققا لها، فلما كان المقصود براءته من دينهم بدأ به في أول السورة، ثم جاء قوله: لَكُمْ دِينُكُمْ مطابقا لهذا المعنى، أي لا أشارككم في دينكم، ولا أوافقكم عليه، بل هو دين باطل تختصون أنتم به ولا أشارككم فيه أبدا.
فطابق آخر السورة أولها، فتأمل.
وأما المسألة الحادية عشرة.
وهي: أن هذا الإخبار بأن لهم دينهم وله دينه، هل هو إقرار؟ فيكون منسوخا، أولا نسخ في الآية ولا تخصيص؟.
فهذه مسألة شريفة من أهم المسائل المذكورة، وقد غلط في السورة خلائق وظنوها منسوخة بآية السيف، لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير

لهم على دينهم، وظن آخرون أنها مخصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل الكتاب، وكلا القولين غلط محض، فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة، وعمومها نص محفوظ، وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها، فإن أحكام التوحيد الذي اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ فيه، وهذه السورة أخلصت التوحيد، ولهذا تسمى سورة الإخلاص كما تقدم.
ومنشأ الغلط: ظنهم أن الآية اقتضت إقرارهم على دينهم، ثم رأوا أن هذا الإقرار زال بالسيف، فقالوا: هو منسوخ.
وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار، وهم من لا كتاب لهم.
فقالوا: هذا مخصوص بأهل الكتاب.
ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضت تقريرا لهم أو إقرارا على دينهم أبدا، فلم يزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد في الإنكار عليهم، وعيب دينهم، وتقبيحه والنهي عنه، والتهديد والوعيد لهم كل وقت، وفي كل ناد، وقد سألوه أن يكف عن ذكر آلهتهم.
وعيب دينهم، ويتركونه وشأنه، فأبى إلا مضيا على الإنكار عليهم وعيب دينهم، فكيف يقال: إن الآية اقتضت تقريره لهم؟ معاذ الله من هذا الزعم الباطل، إنما الآية اقتضت براءته المحضة كما تقدم، وأن ما أنتم عليه من الدين لا نوافقكم عليه أبدا، فإنه دين باطل، فهو مختص بكم، لا نشارككم فيه، ولا أنتم تشاركوننا في ديننا الحق.
وهذا غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار؟ حتى يدعو النسخ أو التخصيص؟.
أفترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ؟ بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يطهر الله منهم عباده وبلاده.
وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أهل سنته وبين أهل

البدع المخالفين لما جاء به، الداعين إلى غير سنته، إذا قال لهم خلفاء الرسول وورثته: لكم دينكم ولنا ديننا.
لا يقتضي هذا إقرارهم على بدعتهم، بل يقولون لهم هذا: براءة منهم ومن بدعتهم.
وهم مع هذا منتصبون للرد عليهم ولجهادهم بحسب الإمكان.
فهذا ما فتح الله العظيم به من هذه الكلمات اليسيرة، والنبذة المثيرة إلى عظمة هذه السورة، وجلالتها ومقصودها، وبديع نظمها من غير استعانة بتفسير، ولا تتبع لهذه الكلمات من مظان توجد فيه، بل هي استجلاء مما علمه الله وألهمه، بفضله وكرمه، والله يعلم أني لو وجدتها في كتاب لأضفتها إلى قائلها، وبالغت في استحسانها.
وعسى الله، المانّ بفضله الواسع العطاء الذي عطاؤه على غير قياس المخلوقين: أن يعين على تعليق تفسير على هذا النمط وهذا الأسلوب.
وقد كتبت على مواضع متفرقة من القرآن بحسب ما يسنح من هذا النمط وقت مقامي بمكة وبالبيت المقدس.
والله المرجو إتمام نعمته.

فصول الكتاب · 363 فصل · 695 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التفسير القيم (تفسير القرآن الكريم لابن القيم) · 695 صفحة
سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة البقرةسورة البقرة (2) : آية 7سورة البقرة (2) : آية 10سورة البقرة (2) : الآيات 17 الى 18سورة البقرة (2) : آية 19فصلسورة البقرة (2) : آية 25سورة البقرة (2) : آية 30فصلسورة البقرة (2) : آية 36سورة البقرة (2) : آية 88سورة البقرة (2) : آية 94سورة البقرة (2) : آية 137سورة البقرة (2) : آية 165سورة البقرة (2) : آية 171سورة البقرة (2) : آية 179سورة البقرة (2) : آية 187سورة البقرة (2) : آية 216سورة البقرة (2) : الآيات 226 الى 227سورة البقرة (2) : آية 235سورة البقرة (2) : آية 245سورة البقرة (2) : آية 261فصلسورة البقرة (2) : آية 262سورة البقرة (2) : آية 263سورة البقرة (2) : آية 264سورة البقرة (2) : آية 265سورة البقرة (2) : آية 266سورة البقرة (2) : آية 267سورة البقرة (2) : آية 268سورة البقرة (2) : آية 271سورة البقرة (2) : آية 273سورة البقرة (2) : آية 278سورة البقرة (2) : آية 279سورة البقرة (2) : آية 282سورة آل عمرانسورة آل عمران (3) : آية 18فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة آل عمران (3) : آية 19سورة آل عمران (3) : آية 26سورة آل عمران (3) : آية 43سورة آل عمران (3) : آية 44سورة آل عمران (3) : الآيات 93 الى 95سورة آل عمران (3) : الآيات 116 الى 117سورة آل عمران (3) : آية 160سورة آل عمران (3) : آية 200سورة النساءسورة النساء (4) : آية 3سورة النساء (4) : آية 95سورة النساء (4) : آية 96سورة النساء (4) : آية 88سورة النساء (4) : آية 113سورة المائدةسورة المائدة (5) : آية 2سورة المائدة (5) : آية 3سورة الأنعامسورة الأنعام (6) : الآيات 8 الى 9سورة الأنعام (6) : الآيات 108 الى 110سورة الأعرافسورة الأعراف (7) : آية 32سورة الأعراف (7) : الآيات 55 الى 56سورة الأعراف (7) : آية 205سورة الأعراف (7) : آية 55فصلسورة الأعراف (7) : آية 56فصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة الأعراف (7) : الآيات 57 الى 58سورة الأعراف (7) : آية 157سورة الأعراف (7) : الآيات 175 الى 176سورة الأعراف (7) : آية 189سورة الأنفالسورة الأنفال (8) : آية 17سورة الأنفال (8) : آية 24سورة الأنفال (8) : آية 64سورة التوبة (9) : آية 46سورة التوبة (9) : آية 47سورة التوبة (9) : آية 103فصلسورة يونسسورة يونس (10) : آية 23سورة يونس (10) : آية 25سورة يونس (10) : آية 30سورة يونس (10) : آية 58سورة يونس (10) : آية 87سورة هودسورة هود (11) : آية 23سورة هود (11) : آية 24سورة هود (11) : آية 32سورة هود (11) : آية 56سورة يوسفسورة يوسف (12) : آية 30سورة يوسف (12) : آية 40سورة يوسف (12) : آية 53سورة يوسف (12) : آية 101سورة يوسف (12) : آية 108سورة الرعدسورة الرعد (13) : آية 8سورة الرعد (13) : آية 17سورة الرعد (13) : آية 28سورة إبراهيمسورة إبراهيم (14) : آية 18سورة إبراهيم (14) : الآيات 24 الى 25فصلسورة إبراهيم (14) : آية 27سورة الحجرسورة الحجر (15) : آية 21سورة الحجر (15) : آية 75سورة النحلسورة النحل (16) : الآيات 75 الى 76فصلسورة النحل (16) : آية 99سورة النحل (16) : آية 125سورة الأسراءسورة الإسراء (17) : الآيات 80 الى 82سورة الإسراء (17) : آية 82سورة الكهفسورة الكهف (18) : آية 28سورة الكهف (18) : آية 57سورة الكهف (18) : آية 101سورة مريمسورة مريم (19) : آية 39سورة طهسورة طه (20) : آية 10سورة طه (20) : الآيات 118 الى 119سورة طه (20) : آية 124فصلفصلسورة الأنبياءسورة الأنبياء (21) : آية 83سورة الأنبياء (21) : آية 107سورة الحجسورة الحج (22) : آية 1سورة الحج (22) : الآيات 30 الى 31سورة الحج (22) : آية 73سورة المؤمنونسورة المؤمنون (23) : الآيات 10 الى 11سورة المؤمنون (23) : آية 91سورة النورسورة النور (24) : آية 35فصلسورة النور (24) : الآيات 39 الى 40فصلفصلفصلسورة الفرقانسورة الفرقان (25) : آية 44سورة الفرقان (25) : آية 45سورة الفرقان (25) : آية 46سورة الفرقان (25) : آية 55سورة الفرقان (25) : آية 73سورة الشعراءسورة الشعراء (26) : آية 89سورة الشعراء (26) : آية 98سورة النملسورة النمل (27) : آية 59سورة القصصسورة القصص (28) : آية 47سورة القصص (28) : الآيات 71 الى 72سورة العنكبوتسورة العنكبوت (29) : آية 41سورة العنكبوت (29) : آية 45سورة الرومسورة الروم (30) : آية 28سورة الروم (30) : آية 41سورة سبأسورة سبإ (34) : آية 22سورة فاطرسورة فاطر (35) : آية 15سورة يسسورة يس (36) : آية 8سورة يس (36) : آية 9سورة الصافاتسورة الصافات (37) : آية 78سورة الصافات (37) : آية 79سورة الصافات (37) : آية 130سورة صسورة ص (38) : آية 50سورة ص (38) : آية 75سورة الزمرسورة الزمر (39) : آية 29سورة الزمر (39) : آية 62سورة الزمر (39) : آية 73سورة الزمر (39) : آية 75سورة غافرسورة غافر (40) : آية 37سورة حم السجدةسورة فصلت (41) : آية 16سورة الشورىسورة الشورى (42) : آية 11سورة الشورى (42) : آية 49سورة الشورى (42) : آية 50سورة الشورى (42) : آية 52سورة الدخانسورة الدخان (44) : آية 51سورة الدخان (44) : آية 54سورة الجاثيةسورة الجاثية (45) : آية 23سورة الأحقافسورة الأحقاف (46) : آية 15سورة محمدسورة محمد (47) : آية 24سورة الحجراتسورة الحجرات (49) : آية 6سورة الحجرات (49) : آية 12سورة الحجرات (49) : آية 13سورة قسورة ق (50) : آية 37سورة الذارياتسورة الذاريات (51) : آية 24سورة الذاريات (51) : آية 25سورة الذاريات (51) : آية 26سورة الذاريات (51) : آية 27سورة الطورسورة الطور (52) : آية 21سورة النجمسورة النجم (53) : آية 8سورة النجم (53) : آية 12سورة النجم (53) : آية 32سورة الرحمنسورة الرحمن (55) : آية 26سورة الرحمن (55) : آية 54سورة الرحمن (55) : آية 56سورة الرحمن (55) : آية 58سورة الرحمن (55) : آية 70سورة الرحمن (55) : آية 72سورة الرحمن (55) : آية 76فصلفصلسورة الواقعةسورة الواقعة (56) : آية 35سورة الواقعة (56) : آية 37سورة الواقعة (56) : آية 74سورة الواقعة (56) : آية 79سورة الحديدسورة الحديد (57) : آية 27سورة الحديد (57) : آية 28سورة المجادلةسورة المجادلة (58) : آية 2سورة الصفسورة الصف (61) : آية 5سورة الجمعةسورة الجمعة (62) : آية 5سورة المنافقونسورة المنافقون (63) : آية 9سورة التحريمسورة التحريم (66) : آية 4سورة التحريم (66) : آية 10سورة التحريم (66) : آية 11سورة التحريم (66) : آية 12سورة نسورة القلم (68) : آية 48سورة المزملسورة المزمل (73) : آية 8سورة المدثرسورة المدثر (74) : آية 4سورة المدثر (74) : الآيات 49 الى 51سورة القيامةسورة القيامة (75) : آية 36سورة النبأسورة النبإ (78) : الآيات 31 الى 33سورة التكويرسورة التكوير (81) : الآيات 1 الى 3سورة المطففينسورة المطففين (83) : آية 14سورة المطففين (83) : الآيات 18 الى 20سورة الانشقاقسورة الانشقاق (84) : آية 19سورة الطارقسورة الطارق (86) : الآيات 5 الى 7سورة والشمس وضحاهاسورة الشمس (91) : الآيات 9 الى 10سورة الضحىسورة الضحى (93) : آية 11سورة التكاثرسورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8فصلسورة الكافرونسورة الكافرون (109) : الآيات 3 الى 6سورة الكافرون (109) : آية 6سورة الفلقسورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 6الفصل الأولالفصل الثانيفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلسورة الناسسورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6فصلفصلفصلفصلقاعدة نافعة
جارٍ التحميل