مقدمة التحقيق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن ماجه
- الكتاب
- سنن ابن ماجه ت الأرنؤوط
- المؤلف
- ابن ماجة - وماجة اسم أبيه يزيد - أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (المتوفى: 273هـ)
- المحقق
- شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد - محمَّد كامل قره بللي - عَبد اللّطيف حرز الله
- الناشر
- دار الرسالة العالمية
- الطبعة
- الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
إن الحمدَ لله، نَحمَدُهُ ونستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذُ به مِن شرورِ أنفسنا، ومِن سيئات أعمالنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ، فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ، فلا هَادِيَ له.
ونشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، ونشهدُ أن محمداً عبدُه ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾ [آل عمران: 102]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾ [النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾ [الأحزاب: 70 - 71].
أما بعد، فهذا كتابُ "السُّنن" للإمام الحافظ أبي عبد الله محمَّد ابن يزيد بن ماجَهْ القَزْوِيني، نَضَعُهُ بينَ يدي الشيوخ وطلاب العلم بعد أن اضطَلَعْنا بأعباءِ تحقيقه على أصولٍ خطيةٍ مُتقنة، غايةً في
النفاسة، وضبطِ نصوصه وتخريجِ أحاديثه، وبيانِ درجة كُل حديثٍ منها على نحوِ نرجو أن يجدَ فيه طلبةُ العلم بُغْيتَهم، ويُشبِعَ رغبتهم، وينالَ إعجابَهم بما تميزت به هذه الطبعةُ المتقنة المتميِّزة عن سابقاتها، والله الموفق لا ربَّ سواه.
التعريف بالمصنِّف
* اسمه ونسبه ومولده
: هو الحافظُ الكبيرُ الحجةُ المفسِّرُ، أبو عبد الله محمدُ بنُ يزيدَ ابنُ ماجَهْ، الرَّبَعي مولاهم، القَزْوِيني، مصنف "السُّنن" و"التاريخ" و"التفسير"، وحافظُ قَزْوين في عصره 1. وماجَهْ: بفتح الميم والجيم وبينهما ألف، وفي آخره هاء ساكنة 2، وهو لقب والده يزيد كما نقله عبدُ الكريم الرافعي في "أخبار قزوين" بخط أبي الحسن القطان راوي "السُّنن" عن ابن ماجه 3، وكذلك قال أبو يعلى الخليلي 4. والرَّبَعي: بفتح الراء والباء المُوَحدَةِ، وبعدها عينٌ مهملة، وهي نسبة إلى رَبِيعة 5. قال القاضي أبو يعلى الخليلي: وَلاؤُه لِربيعة 6. والقَزْوِيني: بفتح القاف وسكون الزاي وكسر الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، نِسبةً إلى قَزْوِينَ 7، وكانت تُسمى
بالفارسيةِ: كَشْوين، ومعناها: الحدُّ المنظورُ إليه، أي: المحفوظ، فعُرّبت هذه اللفظةُ، فقيل: قزوين 8، ولم يزل لأهلِ فارسَ مقاتِلةٌ مِن الأساوِرَةِ يُرابطون فيه، فيدفعون الدَّيلمَ إذا لم يكن بينهم هُدنة، ويحفظون بَلَدَهُم من مُتلصصيهم وغيرِهم إذا جرى بينهم صلح 9.
وقد افتتحها البراءُ بنُ عازب رضي الله عنه في خِلافة عثمانَ بن عفان رضي الله عنه صُلحًا، وولاَّه عثمانُ على الرَّيِّ سنةَ (24) للهجرة 10.
وتقع هذه المدينة اليومَ في الشمال الغربي مِن طهران عاصمةِ إيران، على بُعدِ مئةِ ميل منها، وهي إذ ذاك أحدُ أهمِّ ثغورِ المسلمين 11. وفي شمالها يقع البحر المسمى باسمها بحر قزوين.
وقد خرج منها جماعةٌ مِن العلماء والأئمةِ الفضلاء في كل فنٍّ ونوع، منهم أبو يعلى الخليل بن عبد الله الخليلي الحافظ صاحب كتاب "الإرشاد" المتوفَّى سنةَ (446 هـ).
ومنهم الإمامُ الفقيهُ المحدث عبدُ الكريم بنُ محمَّد الرافعي القزويني شارحُ كتاب "الوجيز" للغزالي، وصاحبُ كتاب "التدوين في أخبار قزوين"، المتوفى سنة (623 هـ).
* ولادته
: وُلد أبو عبد الله ابن ماجه سنةَ تسعٍ ومئتين (1)، صرَّح هو بذلك فيما نقله أبو الفضلِ محمدُ بنُ طاهر المقدسي مِن خط جعفر بنِ إدريسَ القزويني صاحبِ ابنِ ماجه عنه (2).
* أسرته
: لم يكن أبو عبد الله ابنُ ماجه وحدَه ممن اعتنى بطلبِ العلم من أسرة يزيد المعروف بماجه، بل ظهر غيرُ واحدِ من أفراد هذه الأسرة ذُكِرُوا بالعلم والفقه، فقد كان له إخوةٌ، ذكر بعضَهم صاحبُ ابنِ ماجه جعفرُ بنُ إدريس القزويني، وهم: أبو بكر وأبو عبد الله 14، وذكر الخطيبُ البغدادي أيضاً مِن إخوته أبا محمدِ الحسن بن يزيد 15، قال عنه الرافعي: من ثقات الشيوخ 16، وهذا الأخير له ولد اسمه أبو الحسن أحمد، ذكره حمزة بن يوسف السهمي والرافعي 17، وله أيضاً حفيدٌ اسمُه محمَّد بنُ حمزة بن1213
الحسن، قال عنه الرافعي: مِن بيت العلم والحديث (1)، وحفيدٌ آخرُ اسمُه علي بن أحمد بن الحسن، ذكره الرافعي (2). إلا أن رائدَهم ومقدَّمهم في العلمِ وأشهرَهم هو أبو عبدِ الله محمدُ بن يزيد رحمه الله تعالى.
وكان لابن ماجه عقبٌ، فقد ذكر صاحبُه جعفرُ بنُ إدريس ولدَه عبدَ الله حين تحدَّث عن وفاته ودفنه (3).
* ثقافته العلمية وعصره
:
تنوعت معارفُ الإمام ابنِ ماجه وتعدَّدَتْ جوانبُ ثقافته، فهو مع كونه إماما في الحديث، حافظ ناقدٌ كما وصفه الإمامُ الذهبي 21، وكان لديه باعٌ في علم التفسير، ودراية قوية بعلم التاريخ، وله في ذلك مصنفات عرفها أهلُ العلم، واستفادُوا منها.
وليس ذلك بالأمرِ الغريب لمثل هذا الإمام، مع ما كان يتمتَع به من الذكاء، وقوةِ الحافظة، والصبرِ على طلب العلم، والمصابرةِ فيه، وتحملِ المشاق في سبيل الرحلة لنيله وتحصيله، فلم يَقنَعْ بما أخذه عن عُلماء قزوين أمثالِ عليّ بن محمَّد الطَّنافسي الكوفي ثم القزويني، وعمرو بنِ رافع البجلىِّ الرازي ثم القزويني، وإسماعيلَ بنِ181920
تَوْبة الثقفي نزيلِ قزوين، ولكنه آثر تركَ الوطن وطِيبِ المُقام في بلده قزوين التي كانت ذات طبيعة خَلّابة، ورحل إلى أقطار بعيدة، وأمصار نائية، وحَرَصَ على الالتقاء بأكابر أهلِ العلمِ فيها، فارتحل إلى الريِّ وسَمِعَ بها مِن الحافظ محمَّد بن حُمَيد الرازي، وإلى نيسابور وسمعَ بها من الحافظ محمَّد بن يحيى الذُهْلي، وإلى العراق وسَمِعَ بها من ابني أبي شَيْبة أبي بكر وعثمان، ومِن أحمد ابن عَبْدة وزهير بنِ حرب، وإلى الشام وسَمِعَ بها من هشام بنِ عمار ومحمد بن المصفَّى ودُحَيم، وإلى مصر ولقي بها أبا طاهر بن السًرْح، ومحمدَ بنَ رُمح ويونس بن عبد الأعلى، وإلى الحجاز وسمع بها من ابن أبي عمر وأبي مروان العثماني بمكة، وبالمدينة من إبراهيم بن المنذر الحِزامي وأبي مصعب الزهري 22.
وقد تمَّ له ذلك وهو في ريعان شبابه، واكتمال قوته، نتبيَّن ذلك مِن سماعه من الشيوخ الذين تقدَّمت وَفَياتُهم، كزهير بن حرب، ومحمد بن عبد الله بن نُمَير، وكانا بالعراق، وقد تُوفِّيا سنة (234 هـ)، وبذلك يكون عمره حين سمع منهما خمسًا وعشرين سنة والله أعلم.
وقد التقى في رحلته هذه بعددٍ من الفقهاء أيضاً، كحَرْملةَ بنِ يحيى التُجيبي والربيعِ بنِ سليمان المُرَادي صاحبَي الإمامِ الشافعي رحمه الله، ويونس بن عبد الأعلى الفقيه المالكي، وكان هذا الأخيرُ أيضاً مِن شيوخ الإقراء على قراءتي نافع بن عبد الرحمن
وحمزة بن حبيب الزيات، وكلاهما من القراء السبعة، ومن شيوخ الإقراء الذين لقيهم كذلك عبدُ الله بن أحمد بن بشير بن ذَكْوان أحد الرواة الأثبات عن ابن عامر الدمشقي أحد السبعة.
ولا شكَّ أنه بلقائه أولئك الأئمةَ قد استفاد منهم، وحَرَصَ على ملازمتهم مدةَ مُكْثِه بتلك البلاد، شأنَ طلاب العلم في ذلك العصر، الذين لم يكن يحجُزُهم بُعدُ الشُقَة عن تجشُّم المشقَّة، وكانوا يغتنمون الفرصة، ويستثمرون وقتهم كله في حضور مجالس العلماء والأخذ عنهم والإفادة منهم، وتدوين ما يسمعونه منهم.
وكان تفرقُ العلماءِ في تلك الأمصار واختصاصُ كل منهم بما ليس عند غيره مِن أصناف العلوم حافزاً للنَّبَغَةِ مِن طلاب العلم إلى الرحيل إليهم، وقصدِ مواطن إقامتهم، يستسهلون الصعبَ، ويتحمَّلون المشاقَ، ويتبلغون باليسير، تلبيةَ لنداء الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]، ولتحقيق رضوانِ الله ورغبتهم فيما عنده من الثواب والأجر، ونَدَرَ أن يوجد طالبُ علمٍ في ذلك الزمان ليست له رِحْلة.
* شيوخه
: بما أن الإمامَ ابنَ ماجه كانت له رحلةٌ واسعة، شَمِلَتْ مناطقَ عديدةً مِن بلاد خراسان وما وراء النهر، كما شَمِلَتْ أهمَّ حواضر العلم في بلاد الشام والعراق ومصر والحجاز، فلم يكن غريبًا أن
يكونَ له شيوخ كثيرون من تلك البلاد، أخذ عنهم، وروى عنهم، وأفاد منهم، قال الحافظ المِزي في ترجمته من "تهذيب الكمال": سمع بخراسان والعراق والحجاز ومصر والشام وغيرِها من البلاد جماعةً يطولُ ذكرهم، قد ذكرنا منهم في كتابنا هذا مَن وقفنا عليه منهم.
اهـ.
وقد استقصى الشيخ محمَّد عبد الرشيد النعماني في كتابه "الإمام ابن ماجه وعلم الحديث" -وهو باللغة الأُردية- أسماءَ شيوخِ ابن ماجه الذين روى عنهم في "سننه" و"تفسيره"، ورتبهم على بلادهم، فبلغ عددهم (310)، وكلهم مُترجَمون في "تهذيب الكمال" للحافظ المزي، وفروعه مثل: "تهذيب التهذيب" و"تقريب التهذيب" و"خلاصة تذهيب تهذيب الكمال" وغيرها.
وصنَّف الإمام الحافظ ابن عساكر صاحب "تاريخ دمشق" المتوفى سنة (571 هـ) معجمًا يَشْتَمِلُ على ذكرِ أسماءِ شيوخ الأئمةِ الستة، وهو مطبوعٌ باسم "المُعجَم المُشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النَّبَل".
قلنا: وقد قمنا باستقصاء عددهم في "السُّنن" وحدَها فبلغوا (303) شيخٍ تقريبًا، منهم مَن ليس له سوى حديث أو حديثين أو ثلاثة.
وقد شارك ابنُ ماجه البخاريَ ومسلمًا في كثيرٍ من شيوخهما كمحمد بنِ بشار بُندار، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كُريب محمَّد بن العلاء، ومحمد بن عبد الله بن نُمَيْر، وغيرهم.
ومن الشيوخ الذين أكثر ابنُ ماجه عنهم هؤلاء الأربعة الذين شارك البخاري ومسلمًا في الرواية عنهم، وأكثَرَ أيضًا عن محمَّد بن يحيى الذهلي، وعليِّ بنِ محمَّد الطنَافسي، وعبدِ الرحمن بن إبراهيم الدمشقي المعروف بدُحَيْم، ومحمد بن رُمْح المصري، ومحمد بن الصَّبَّاح الجَرْجَرَائي، وهشام بن عمار.
ونترجم لهم هنا تراجمَ مُوجَزة:
1 - الإمام الحافظ راوية الإسلام أبو بكر محمَّد بن بشار بن عثمان البصري، الملقَّب بُندارًا، ومعناه: الحافظ، جمع حديث بلده وحفظه، ووصفه ابن خُزيمة بأنه إمامُ أهل زمانه في العلم والأخبار، ولد سنة 167، ولم يرحل مبكرًا برًّا بأمه، ثم رحل بعدَ موتها، وقال: كَتَب عني خمسةُ قُرون، وحدَّثتُ وأنا ابن ثماني عشرة سنة، توفي سنة 252 23. وهو شيخُ الستة: البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
2 - الإمامُ الحافظُ عديمُ النظير أبو بكر عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة العَبْسي مولاهم الكوفي، صاحبُ "المسند" و"المصنف" وغيرهما، كان أحفظَ أهلِ زمانه، قال أبو عبيد القاسم بن سَلام: أحسنُهم وضعًا لكتابٍ أبو بكر بن أبي شيبة.
توفي سنة 235 24. وهو شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه.
3 - الحافظ أبو كُرَيب محمَّد بن العلاء بن كريب الهَمْداني الكوفي، وُلِدَ سنةَ 161، وكان عارفًا بحديثِ أهلِ الكوفة، مِنْ أحفظِ أهل زمانه، توفي سنة 248 وله 87 عاما 25. وهو شيخ الستة.
4 - الحافظُ الحجة محمَّد بن عبد الله بن نُمير، أبو عبد الرحمن الهَمْداني ثم الخارفي مولاهم الكوفي، ولد سنة نَيف وستين ومئة، وكان رأسًا في العلم والعمل، كان أحمدُ يُعظمه، وقال أبو حاتم: ثقة يُحتج بحديثه.
توفي سنة 234 26. وهو شيخُ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه.
5 - الإمامُ الحافظُ البارعُ إمام أهل الحديث بخُرَاسان أبو عبد الله محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذُّهلي مولاهم النيسابوري، وُلِدَ سنةَ بضع وسبعين ومئة، جمع علمَ الزهري وصنَّفه وجوَّده، وكان أحمدُ يُثني عليه ويَنْشُرُ فضلَه، وقال عنه أبو حاتم: إمام أهل زمانه، وقال ابن أبي داود: كان أميرَ المؤمنين في الحديث.
توفي سنة 258 27. وحدَّث عنه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
6 - الإمامُ الحافظُ المتقنُ أبو الحسن عليُّ بن محمَّد الطنافسيُّ الكوفي، ابنُ أخت الطنافسيين علماءِ الكوفة محمَّد ويعلى وعمر وإبراهيم، سكن قزوين، قال أبو حاتِمٍ: كان ثقةً صدوقًا، هو أحبُّ
إليَّ مِن أبي بكر بن أبي شيبة في الفضل والصلاح، وأبو بكر أكثرُ منه حديثا وأفهمُ.
توفي سنة 233 28. وانفرد ابن ماجه من بين الستة بالرواية عنه.
7 - الإمام الحافظُ القاضي الفقيه أبو سعيد عبدُ الرحمن بن إبراهيم بن عمرو بن ميمون الدمشقي، وُلِدَ سنة 170، وكان يُلقَّب بدُحيمٍ اليتيم، قال أبو حاتم: كان دُحيم يُميِّزُ ويَضْبِطُ وهو ثقة.
وقال الذهبي: عُنِيَ بهذا الشأن، وفاق الأقرانَ، وجمع وصنَف، وجرَّح وعدَّل، وصحَّح وعلَّل، وكان على مذهب الأوزاعي.
توفي سنة 245 29. وهو شيخ البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه.
8 - الإمام المحدَث محمَّد بن الصباح بن سفيان، أبو جعفر الجَرْجَرَائي، مولى عمر بن عبد العزيز، وجَرْجَرايا: قرية بينَ واسط وبغداد، كان أحمد يُجِلُّه ويُعظمُه، توفي بجرجرايا سنة 240 30. وهو شيخُ أبي داود وابن ماجه.
9 - الحافظ الثبت أبو عبد الله محمَّد بن رُمح بن المهاجر بن المحرر التُّجِيبي مولاهم المصري، كان معروفًا بالإتقانِ الزائدِ والحفظ، قال النسائي: لو كان كتَبَ عن مالك لأثبتُّه في الطبقة الأولى مِن أصحابه، يعني لحفظه وإتقانه.
وقال الذهبي: أنا أتعجبُ من البخاري كيف لم يرو عنه، فهو أهل لذلك، بل هو أتقن من
قتيبة بنِ سعيد رحمهما الله.
توفي سنة 242 (1). وهو شيخ مسلم وابن ماجه.
10 - الإمامُ الحافظُ المقرئُ أبو الوليد هشامُ بنُ عمار بن نُصَير ابن مَيْسرة السُّلَمي الدمشقي، ولد سنة 153، وكان من أوعية العلم، وحدَّث عنه الكبار، توفي سنة 245 (2). وهو من شيوخ البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه.
* تلاميذه
: وقد تلقى العلمَ من الإمامِ ابنِ ماجه وأخذ الروايةَ عنه غيرُ واحد، حمل بعضُهم عنه كتابه "السُّنن"، واكتفى بعضُهم برواية شيء من حديثه، فمن الذين رَوَوْا عنه كتابَ "السُّنن":
1 - الحافظُ أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سَلَمة بن بَحْر القَطّان القزويني، وهو أشهرُ رواة "السُّنن"، وروايته هي المتداوَلةُ بين أهل العلم.
وُلِدَ أبو الحسن سنة 254، قال أبو يعلى الخليلي: عالم بجميع العلوم: التفسيرِ والنحوِ واللغةِ والفقهِ القديمِ، لم يكن له نظيرٌ دينًا ودِيانةً وعِبادةً، عُمِّر حتى أدركه الأحداثُ، له أولاد ثلاثة: محمَّد والحسن والحسين.
توفي سنة 345 33. وله زيادات على "السُّنن" عن غير واحدٍ من شيوخه سوى ابن ماجه، وقد ميزناها في طبعتنا هذه بإثبات دائرة سوداء في أولها.3132
2 - أبو عبد الله أحمدُ بنُ إبراهيم بن الخليل الخَلِيلي، جدُّ الحافظ أبي يعلى الخليلي، قال الخليليُّ عن جده: سمع بقزوين أبا عبد الله ابن ماجه، وكتب "مسنده" 34. وذكر أنه سَمِعَ الحديث بنهاوند وهَمَذَان على عدد مِن شيوخها 35.
3 - أبو داود سليمان بن يزيد بن سليمان الفاميّ القزويني، قال الخليلي: شيخ قديم مُسِنّ.
ارتحل إلى الريّ والعراق ومكة وصنعاء، توفي سنة 339 36.
4 - أبو جعفر محمَّد بن عيسى المُطَّوِّعي الأَبهَري 37.
5 - أبو بكر حامد بن ليثوية الأبهري 38.
وأشهر هؤلاء جميعًا أبو الحسن القطان، وقد نالت روايتُه القَبولَ من بين سائر الروايات لجلالة قدره في العلم، وبسببه انتشر الكتاب.
وبقية الروايات لا تكادُ تُذكر بَلْهَ وجودَ تراجم لأصحابها خلا سليمان بن يزيد الفاميّ، فقد ذُكر فيمن أخذ "السُّنن" من طريقه أحمد بن محمَّد بن المَرْزُبانِ أبو الحسين الصوفي القزويني 39، وعلي بن الحسن بن أحمد بن إدريس العمري القزويني 40.
وأما تلاميذ ابن ماجه الذين رووا بعضَ الأحاديث عنه، فقد ذكر الحافظ ابن حجر منهم: علي بن سعيد بن عبد الله الغُدَاني العسكري، وإبراهيمَ بنَ دينار الحَوْشَبي الهَمَذاني، وأبا الطيب أحمد بن رَوْح الشَعْراني، وإسحاقَ بن محمَّد القزويني، وجعفرَ بن إدريس، والحسينَ بن علي بن يزدانيار، ومحمدَ بنَ عيسى الصفار، وأبا عمرو أحمد بن محمَّد بن حكيم المديني الأصبهاني (1). وذكر الخليلي في تلاميذه أيضًا محمَّد بن علي بن خشرماه القزويني (2). وذكر الرافعيُّ فيهم محمدَ بنَ عبد الله الأصبهاني أبا بكر القزويني (3).
* مصنفاته
:
إن من شأن العلم أنه إذا لم يُقيَّد نُسِيَ وضاع بموت حامله، ومن هنا حَرَصَ أهلُ العلم مِن سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عنهم على تدوين ما اكتسبوه من العلوم، رغبةً منهم في أن ينتشرَ العلمُ، وتستفيدَ منه الأجيال اللاحقة، ولا يبقى حبيسَ صدورهم، فيزولَ بزوالهم.
وكان أهلُ العلم إلى ذلك يعتنون بمصنَّفاتهم تلك، ويضبطونها أيَّما ضَبْطٍ، ويُقْرِؤُونها التلاميذَ ويُجيزونهم بنقلها وإقرائها لمن بعدهم.414243
وكان الإمامُ ابن ماجه من أولئك الذين اعتنوا بجمع مروياتهم وتصنيفها، فألَّف:
1 - كتاب "التفسير": قال أبو يعلى الخليلي: له سنن وتفسير وتاريخ، وكان عارفًا بهذا الشأن 44. وقد ذكره الحافظ ابن كثير وقال: هو تفسير حافل 45. وذكره الحافظ الذهبي في "الميزان" في ترجمة عتبة بن يقظان، وأورد منه حديثًا، وقال الحافظ شمس الدين الداوودي: كان عارفًا بهذا الشأن 46. وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيميَّة في جملة التفاسير التي يُذكر فيها تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم صِرفًا 47. وهذا الكتاب لم يصل إلينا مِنه شيء، وأغلبُ الظن أنه فُقِدَ في جملة ما فُقِدَ مِن الكتب في كائنةِ تيمورلنك سنة (853 هـ) في دمشق، فإنه يُفهم من كلام الذهبي المتوفى سنة (748 هـ)، وابن كثير المتوفى سنة (774 هـ) أنهما رأياه، ثم لم نجد له بعدَ ذلك ذكرًا في "معجم" الحافظ ابن حجر المتوفى سنة (852 هـ)، ولا في المعاجم والفهارس المتأخرة.
2 - "السُّنن": وهو هذا الكتاب، وسيأتي الكلامُ عليه مُفَصَّلًا في مبحث خاص إن شاء الله تعالى.
3 - "التاريخ": ذكره أبو يعلى الخليلي (1). وقال ابنُ طاهر المقدسي: ورأيتُ له بقزوين تاريخًا على الرجال والأمصار مِن عهد الصحابة إلى عصره (2). وذكره كذلك الرافعي في "أخبار قزوين" مرارًا وأكثَرَ النقلَ منه (3). وقال ابنُ خَلِّكان: له "تاريخ" مليح (4). وقال ابنُ كثير: لابن ماجه "تاريخ" كامل مِن لَدُنِ الصحابة إلى عصره (5).
* ثناء أهل العلم عليه
:
لا شك أن إخلاصَ المرء وتفانيَه في خدمة العلم وحرصَه على نفع طلاب العلم مما يَنْشُرُ فضلَه ويُطيِّب سيرتَه، ويُخلِّد ذِكرَه مِن بعده، وقد كان ابنُ ماجه -رحمه الله- مِمن لَهِجَتْ ألسِنةُ أهلِ العلم بالثناء عليه والإشادة بعلمه، والتنويه بفضله.
قال أبو يعلى الخليلي: هو ثقة كبيرٌ متفقٌ عليه محتَجٌّ به، له معرفةٌ بالحديث وحِفظٌ، ارتحل إلى العراقَينِ ومكة والشام ومصر والري لكَتْب الحديث 53.
وقال عبد الكريم بن محمَّد الرافعي: إمام من أئمة المسلمين، كبيرٌ مُتقِن، مقبول بالاتفاق 54.4849505152
وقال ابنُ خَلِّكانَ: الحافظُ المشهورُ، كان إمامًا في الحديث، عارفًا بعلومه وجميع ما يتعلَّقُ به 55.
وقال شِيرويه الدَّيلَمي في "تاريخ هَمَذَان": ومِن أعيان الأئمةِ مِن أهل قزوين محمدُ بنُ يزيد ابنُ ماجه أبو عبد الله القزويني الحافظُ 56.
وقال المِزَي: محمدُ بن يزيد الرَّبَعي مولاهم، أبو عبد الله ابن ماجه القزويني الحافظ، صاحبُ كتاب "السُّنن"، ذو التصانيف النافعة، والرحلةِ الواسعة 57.
وقال ابنُ الأثير: كان عاقلًا إمامًا عالمًا 58.
وقال ابنُ عبد الهادي: الحافظُ الكبير المفسر أبو عبد الله القَزويني 59.
وقال الذهبي: الحافظُ الكبيرُ الحجةُ المفسرُ، حافظ قزوين في عصره.
وقال أيضًا: كان ابنُ ماجه حافظًا ناقدًا صادقًا، واسعَ العلم 60.
وقال الحافظ ابنُ كثير: صاحبُ "السُّنن" المشهورة، وهي دالَّةٌ على عمله وعلمه، وتبحُّره واطلاعه، واتباعه للسنة في الأصولِ والفروعِ (1).
* مذهبه
: لم تذكر المصادِرُ التي بين أيدينا المذهبَ الفقهي الذي دَرَجَ عليه الإمام ابنُ ماجه، لكن يغلب على الظن أنه نشأ على مذهب الإمام الشافعي كمعظم أهل بلده في تلك الأزمنة، ويعزز هذا ما جاء في كتاب "التدوين في أخبار قزوين" للإمام الرافعي الفقيه الشافعي، فقد روى بإسناده إلى ابنِ ماجه قال: جاء يحيى بنُ مَعِين يومًا إلى أحمدَ بنِ حنبل، فقَعَدَ عنده، فمر به الشافعيُّ على بغلته، فقامَ إليه أحمد، فتبعه حتى تغيَّب عنه، وأبطأ على يحيى، فلما أن جاء قال له يحيى بنُ معين: يا أبا عبدِ الله، مَن هذا؟ قال: دع ذا، إن أردتَ الفقه فالزَمْ ذنَبَ البغلة 62. وقد سُئلَ شيخُ الإسلام ابن تيمية عن عددٍ من الأئمة المصنفين منهم الأئمةُ الستة، هل كانوا مجتهدين لم يقلدوا أحدًا من الأئمة، أم كانوا مقلدين؟ فقال: أما البخاري وأبو داود فإمامانِ في الفقه مِن أهل الاجتهاد، وأما مسلم والترمذي والنسائي وابنُ ماجه وابن خُزيمة وأبو يعلى والبزار ونحوهم، فهم على مذهب أهلِ الحديث،61
ليسوا مقلدين لِواحد بعينه من العلماء، ولا هم من الأئمة المجتهدين على الإطلاق (1). وأغلب الظن أنه كان يعمل ويفتي بما أداه إليه اجتهاده في فهم الكتاب والسنة، لأن أهل العصر الذي كان فيه ابنُ ماجه لم يكن علماؤه يَرْضَوْنَ لأنفسهم التقليد، لا حفاظُ الحديثِ ولا أئمةُ الفقه، رحمهم الله.
* وفاته
: قال محمدُ بنُ طاهر المقدسيُّ: رأيتُ بقزوين له -يعني ابنَ ماجه- تاريخًا على الرجال والأمصار مِن عهد الصحابةِ إلى عصره، وفي آخره بخط جعفر بنِ إدريس صاحبِه: مات أبو عبد الله محمدُ ابنُ يزيد ابنُ ماجه المعروف في يومِ الاثنين، ودُفِنَ يومَ الثلاثاء، لثمانِ بَقِينَ مِن شهرِ رمضانَ مِن سنة ثلاث وسبعين ومئتين، ومات وله أربعٌ وستون سنة، وصلى عليه أخوه أبو بكر، وتولَّى دفنَه أبو بكر وأبو عبد الله أخواه، وابنُه عبد الله 64.63
التعريف بكتاب "السُّنن"
يُعَدُّ كتابُ ابنِ ماجه أحدَ الأصولِ الستة 65 التي تلقاها العلماءُ بالقَبُول، واعتنى بها المحدِّثون والفقهاءُ طبقةً بعدَ طبقةٍ، واشتهرت فيما بينَ الناس، وتصدَّت لها أقلام أهلِ العلم شرحًا لغريبها، وفحصًا عن رجالها، واستنباطًا لفقهها، وجمعًا لمتونها، وتهذيبًا لها.
وهذه الأصولُ الستة قد اشتملت على أحكامِ الإسلام وآدابه، وشرائعه وتوجيهاته، ويرى الإمام النووي -رحمه الله- أنه لم يَفُتْها مِن الحديث الصحيح والحسن إلا النَّزْرُ اليسيرُ.
وأولُ مَنْ أضاف "سننَ ابن ماجه" إلى الكتب الخمسةِ، مكمِّلًا بها الستة، الحافظُ أبو الفضل محمدُ بنُ طاهر المقدسي المتوفى سنة (507 هـ) في "أطراف الكتب الستة" له، وكذا في "شروط الأئمة
الستة" له أيضًا، ثم الحافظُ عبدُ الغني المقدسي المتوفى سنة (600 هـ)، وأول مَنْ جمع أطرافَه مع السننِ الثلاثة الحافظ أبو القاسم ابنُ عساكر المتوفى سنة (571 هـ). فتبعهم على ذلك أصحابُ الأطرافِ، وهذا يشير إلى أن إضافة "سنن ابن ماجه" إلى الخمسةِ إنما كان في أول المئةِ السادسةِ، ولا يُؤثَر في ذلك عن القدماء شيءٌ.
وابنُ ماجه كأصحابِ السُّنن الثلاثة لم يشترِط في كتابه إيرادَ الأحاديث الصحيحة فقط، بل أدرجَ فيها الصحيح والحسن والضعيف والمنكر، ووقع له بضعةُ أحاديث موضوعة لا تَصِحُّ نسبتها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولهذا وَجَبَ تمييزُ صحيحها مِن سقيمها، وتبيين ما يحتجُّ به مما لا يُحتج به منها، نصحًا لله ولرسوله ولِعامة المسلمين.
وبالرجوع إلى عملنا الدقيق الذي قُمنا به في دراسة أحاديث هذا الكتاب تبين لنا أن الإمامَ ابن ماجه انفردَ مِن بين أصحاب الكتب الخمسة بـ (1213) حديثًا بالمكرَّر، منها (98) حديثًا مما صح إسناده، ومنها (113) أحاديث صحيحة بالمتابعات، ومنها (219) حديثًا تصح بالشواهد، ومنها (58) حديثًا أسانيدُها حسنة، ومنها (42) حديثًا هي حسنةٌ بالمتابعات، ومنها (65) حديثًا هي حسنةٌ بالشواهد، ومنها (6) أحاديث محتملة للتحسين، ومنها (7) أحاديث أوردها مرفوعةً وصححناها موقوفة، ومنها (4) مراسيل، ومنها (384) حديثًا كلها ضعاف، ومنها (184) حديثًا وهي ضعيفة جدًا، ومنها حديث واحد شاذٌ باللفظ الذي ساقه المصنف، ومنها (21) حديثًا منكرًا وموضوعًا، ومنها (11) حديثًا لم نجزم بالحكم عليها.
ويظهر مِن هذا الإحصاء أن مجموع الأحاديث الصحيحة والحسنة، لذاتها ولغيرها، التي انفردَ بها ابنُ ماجه عن الكتب الخمسة بلغت (600) حديث، وهي تُساوي نصفَ ما انفرد به تقريبا.
وهذه النتيجة التي توصلنا إليها من خلال دراستنا للأسانيد دراسةَ دقيقة، تَرُدُّ قولَ مَنْ يقولُ: إنَّ كل ما انفردَ به ابنُ ماجه عن الكتب الخمسة، فهو ضعيف.
لكن كتاب "سنن ابن ماجه" دونَ الكتبِ الخمسة في المرتبة، كما قال العلامةُ السِّندي في مقدمة تعليقه.
وقد صرح غيرُ واحد مِن الحفاظ أنه لا يجوزُ الاحتجاجُ بحديثِ رواه أصحابُ السُّنن والمسانيد التي لم يَشْتَرِطْ مَن جمعها الصحةَ ولا الحُسنَ ما لم يَتَثبَّت مِن صحته بدراسة إسنادِه، وانتفاء الشذوذ والعِلَّةِ عنه.
وقد تولينا بتوفيق الله كل ذلك في تحقيقنا هذا، وأبَنَّا عن درجةِ كل حديث مِن أحاديثه من حيث الصحةُ أو الحسنُ أو الضعفُ.
وقد ذكر أهلُ العلم أن ابن ماجه تفرَّد بجملة أحاديثَ عن رجال متَّهَمين بالكذب وسرقة الحديث، حكم عليها الأئمةُ بالبُطْلان والوضع.
وقد أدرج منها العلامة ابنُ الجوزي في كتاب "الموضوعات" (34) حديثًا، وأرقامها على التوالي: 65، 120، 141، 184، 256، 1332، 1333، 1384، 1386، 1583، 1602، 1613، 1615، 1862، 2146، 2289، 2307، 2474،
2620، 2705، 2780، 3013، 3221، 3305، 3330، 3340، 3352، 3450، 3487، 4057، 4058، 4126، 4140. وقد نوزع في غير حديث منها كما هو مبيَّن في تعليقاتنا عليها.
وثَمتَ أحاديثُ أخرى عنده حكمنا عليها بالبطلان والوضع فاتت ابنَ الجوزي، انظر على سبيل المثال الأحاديث: 49، 55، 248، 1461، 1485، 1749، 3318، 3355، 3357، 3358.
من أقوال أهل العلم في "السُّنن":
قال الحافظ ابنُ كثير في ترجمة ابن ماجه 66: صاحبُ "السُّنن" المشهورة، وهي دالَّة على عمله وعلمه، وتبحُّره واطِّلاعه، واتباعه للسُّنة في الأصول والفروع، ويشتمل على اثنين وثلاثين كتابًا وألفٍ وخمس مئة باب، وعلى أربعة آلاف حديث كلها جِيَادٌ سوى اليسيرة.
وقال أيضًا في "اختصار علوم الحديث": هو كتابٌ مفيدٌ قويُ التبويب في الفقه.
وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة المصنف من "تهذيب التهذيب": وكتابها "السُّنن" جامعٌ جيدٌ كثير الأبواب والغرائب.
المُعتَنون بـ "سنن ابن ماجه"
عُني أهلُ العلم بكتابِ ابن ماجه روايةً ودرايةً، وشرحًا وتعليقًا، وكلامًا على رجاله، وتجريدًا لزوائده.
1 - فشَرَحَه العلامةُ الفقيه النحوي الطبيب ذو الفنون موفق الدين أبو محمَّد عبدُ اللطيف ابن الفقيه يوسف بن محمَّد بن علي الموصلي البغدادي الشافعي نزيل حلب المتوفى سنة (629 هـ) 67. وهو شرح موسَّع كما يُفهم من "الأربعين الطبِّية" للبِرْزالي.
2 - و"الأربعون الطبِّية" استخرجها الحافظ زكي الدين محمَّد ابن يوسف البِرزالي المتوفى سنة (636 هـ) 68 من "سنن ابن ماجه" و"شرحِه" للعلامة عبد اللطيف البغدادي، وقد طبع أولًا في المغرب، ثم طبع في بيروت، وقد جاء في مقدمته: يقول كاتبه محمَّد بن يوسف البرزالي: لما خرجت من مكة شَرَّفها الله تعالى وَقْفةَ الأربعاء قصدتُ الشام بسبب "سنن ابن ماجه"، فلقيت الشيخ أبا محمَّد عبد اللطيف بن يوسف بن محمَّد البغدادي أبقاه الله، فأعُلِمتُ أنها روايتُه، فسألته أن أقرأها عليه، فأنعَمَ، وشرعتُ في قراءتها، فلما وصلتُ أبوابَ الطب سألتُه أن يُوضِّحَ لي مُشكِلَها، ويُبيِّن لي ما تضمنته مِن المعارف الشريفة، والحِكَمِ الغامضة المُنيفة، فأنعم
وتفضَّل، وأصاب في شرحها، وذكر فيه مِن غرائب الحديث ما لم يذكره في شرحه الكبير في غريب الحديث، فوافق ذلك أن جاءت أربعينَ حديثًا، فاستأذنتُه في إفرادها بأسانيدها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن أذكر بعد الأحاديث شرحَها، فأذن لي في روايتها عنه كذلك فخرجتها.
وقال في آخره: انتهت الأربعون حديثًا مِن "سنن ابن ماجه" وشرحها للشيخ أبي محمَّد عبد اللطيف البغدادي مِن شرحه الكبير على "السُّنن"، جرَّده منها بإذنه تلميذُه محمَّد بن يوسف البرزالي.
3 - وشَرَحَ الإمامُ الحافظ علاء الدين مُغُلْطَاي بن قُلَيجٍ الحنفي المتوفى سنة (762 هـ) قطعة مِن "سنن ابن ماجه"، وسماه "الإعلام بسُنًته عليه السلام" 69.
4 - وشرح زوائدَ "السُّنن" الإمامُ سراج الدين عمر بن علي بن المُلقِّن المتوفى سنة (804 هـ) في ثماني مجلدات، وسماه "ما تمسُّ إليه الحاجة على سنن ابن ماجه"، ابتدأه في ذي القعدة سنة (800)، وفرغ منه في شوال سنة (801 هـ) 70.
5 - وشرحه العلامةُ الشيخ محمَّد بن موسى بن عيسى بن علي أبو البقاء الدَّمِيريُّ الأصلِ القاهريُّ الشافعي المتوفى سنة (808 هـ) في خمس مجلدات، ومات قبل إتمامه، وسماه "الديباجة في شرح سنن ابن ماجه"، قال الشيخ محمَّد عبد الرشيد النعماني: رأيت منه
نسخة مخطوطة في خزانة محمَّد آباد طونك من أعمال راجبوتانه بالهند تحت رقم (332) قال في فاتحتها: ولا بُد للحديثيِّ من معرفة ما تَمسُّ إليه الحاجة مِن الكتب الستة التي فتح اللهُ بها مِن علم السنة رِتاجَه، وألبس كلاَّ مِن مصنفيها حُلَّة الإكرامِ وتاجَه، وكلها مشروحةٌ سوى كتاب أبي عبد الله محمَّد بن يزيد ابن ماجه، فهو كما قال القاضي ابن العربي: قد خُلِّفت من معرفته النساجة، ونورُ مصباح فهمه مفتقرٌ إلى زجاجة، فاستخرتُ الله تعالى وكتبتُ عليه "الديباجة"، وهي إن شاء الله شافيةٌ لما في الصدور من كلماته، كافيةٌ لمعاني أحاديثه وتفسير آياته، وافيةٌ ببيانِ أحكامه وطرق رواياته، حَذَوتُ فيه حَذْوَ "شرح مسلم" لشيخ الإسلام النووي، مع بيانِ الصحيح والحسن والضعيف والقوي، واللهَ أسأل أن يُعينَ على إكماله، وأن يجعله خالصا لوجهه بمنِّه وإفضاله.
6 - وأفرد زوائده على الكتب الخمسة العلامة الحافظ أحمد بن أبي بكر البُوصِيري المتوفى سنة (840 هـ) في كتاب سماه "مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه"، ومنه نسخة في المكتبة الأحمدية بحلب، وطبع أكثر من طبعة، إلا أنها جميعًا طبعات رديئة يفشو فيها التحريف والتصحيف.
قال البوصيري في مقدمته: قد استخرتُ الله عز وجل في إفراد زوائد الإمام الحافظ أبي عبدِ الله محمَّد بن يزيد ابن ماجه القزويني على الخمسة الأصولِ: صحيحي البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي الصغرى رواية ابن السُّنِّي، فإن كان الحديثُ في الكتب
الخمسة أو أحدها مِن طريق صحابي واحد لم أُخرجه إلا أن يكونَ فيه زيادة عند ابن ماجه تدل على حكم، وإن كان مِن طريق صحابيينِ فأكثر، وانفرد ابن ماجه بإخراجِ طريقٍ منها أخرجتُه ولو كان المتنُ واحدًا، وأُنبِّهُ عَقِبَ كلِّ حديث أنه في الكتب الخمسة المذكورة أو أحدها من طريق فلان مثلًا إن كان، فإن لم يكن ورأيتُ الحديث في غيرهما، نبهتُ عليه للفائدة، ولِيُعلَمَ أن الحديثَ ليس بفرد، ثم أتكلم على كُلِّ إسناد بما يليقُ بحاله مِن صحة وحسن وضعف وغيرِ ذلك، وما سكتُّ عليه، ففيه نظر.
قلنا: وقد خالفناه في مواضعَ غيرِ قليلة فيما ذهب إليه، ولم نلتزِمْ الإشارة إلى هذه المخالفات في تعليقاتنا.
7 - ولشيخ الحديث بالديار الحلبية العلامةِ الإمامِ الحافظِ إبراهيم بن محمَّد بن خليل المعروف بسِبط ابن العَجَمي المتوفى سنة (841 هـ) تعليق لطيف على "سنن ابن ماجه".
8 - واختصره العلامة محمَّد بن محمَّد بن محمَّد شمس الدين المصري المالكيُّ المتوفى سنة (844 هـ)، وسماه "الغُيوث الثَجّاجة في مختصر ابنِ ماجه"، ثم شرحه في "الديباجة لتوضيح منتخب ابن ماجه".
9 - وللحافظِ عبد الرحمن بن أبي بكر السُّيوطي المتوفى سنة (910 هـ) تعليقٌ على "سنن ابن ماجه" باسم "مصباح الزجاجة" 71.
10 - وللعلامة المحدِّث الكبير أبي الحسن محمَّد بن عبد الهادي السنْدي الحنفي نزيل المدينة المنورة المتوفى سنة (1138 هـ) شرحٌ لطيف بالقول مشهور بحاشية السندي، وقد طُبعَ عدةَ طبعات، قال في مقدمته: وتعليقُنا هذا إن شاء الله يقتصِرُ على حلِّ ما يحتاجُ إليه القارئ والمدرسُ مِن ضبط اللفظِ، وإيضاحِ الغريب والإعراب، رزقنا الله ختمةَ خيرٍ قَبْلَ حلولِ الأجل، ثم يرزقنا حسنَ الإتمام بفضله.
آمين يا رب العالمين.
11 - وللعلامة المحدث المحقق الشيخ عبد الغني الدِّهْلَوي المتوفى سنة (1296 هـ) شرحٌ مختصر باسم "إنجاح الحاجة"، وقد طُبعَ في دهلي على هامش "السُّنن".
12 - وللشيخ فَخْر الحَسَن بن عبد الرحمن الكَنْكُوهي الحنفي
المتوفى سنة (1315 هـ) حاشية طويلة نفيسة على "السُّنن" جمعها من "إنجاح الحاجة" و"مصباح الزجاجة" مع زيادات.
13 - وقد جمع الإمام الحافظ الذهبي المتوفى سنة (748 هـ) رجال "السُّنن" في كتاب "المُجرِّد في رجال سنن ابن ماجه"، وهو مطبوع 72.
وصف الأصول الخطية
قد اعتمدنا في تحقيق "سنن ابن ماجه" على ثلاث نسخٍ مصوَّرة عن أصولٍ خطية متقنة، وهي:
أولًا: النسخةُ المرموز إليها بـ (س)،
المعتمدةُ عندنا أصلًا في الأعم الأغلب:
وهي نسخة مصورة عن الأصل الخطي المحفوظِ في المكتبة السُّليمانية في إستنبول تحت رقم (37)، وهي تامةٌ متقنةٌ، واضحةُ الخط، جليّة الضبط، يَنْدُرُ وقوعُ الخطأ فيها، وتقع في مجلد واحد، وعَدَدُ أوراقها (327) ورقة، في كل لوحة منها (25) سطرًا، وفي كل سطر (15) كلمة تقريبا.
فرغ ناسخها -وهو علي بن محمَّد الشامي- مِن نسخها يومَ الثلاثاء تاسعَ شهر شوال سنةَ (861 هـ). ومالكُها هو القاضي سعد الدين كما ذكر الناسخ في آخرها.
وقد قُوبِلَتْ مقابلةً دقيقةً على نسخةٍ مشمولة بخط العلامة الحافظ برهان الدين سِبْط ابنِ العَجَمي 73، والعلامة شمس الدين محمَّد بن ناصر الدين حافظ دمشق 74، والعلامة شهاب الدين أبي
العباس أحمد بن الصلاح الأمَوي الشهير بمصر بابن المُحمَّرة قاضي دمشق (1)، وكانت مقابلتُها في مجالس آخِرُها ثالث شهر جمادى الأولى سنة (862)، كما جاء في الورقةِ الأخيرةِ منها.
ومع هذه المقابلة الدقيقة لا يكاد يخلو هامشُ ورقةٍ من أوراقها مِن تصويبات وتصحيحات، وفوائد متنوعة.
وفي أول النسخة سَنَدٌ منقولٌ عن النسخةِ الأصل -فيما يغلب على ظننا- وهو مِن رواية عماد الدين عبد الحافظ ابن بَدْران (2) عن الفقيه المحدِّث صاحب "المغني" العلامة موفق الدين ابن قُدَامة بإسناده الآتي في وصف النسخة (م).
ثانيًا: النسخة المرموز إليها بـ (م):
وهي نسخة مصورة عن الأصلِ الخطي المحفوظِ في دار الكتب المصرية في الخزانةِ التيمورية تحت رقم (522). وهي نسخةٌ تامة جيدة، قُسِّمت إلى (17) جزءًا في مجلدين، تسعةُ أجزاء في المجلدِ الأول، وثمانيةٌ في المجلد الثاني.
وعَدَدُ أوراقِ المجلد الأول (273) ورقة، وعَدَدُ أوراق المجلد الثاني (223) ورقة.
والمجلدُ الأول ينتهي بالحديث رقم (2525) من كتاب العتق؛ وفي كل لوحة مِن هذه النسخة (23) سطرًا في الأغلب، وفي كل سطر (15) كلمة تقريبًا.7576
وقد صُرِّح في لوحة المجلد الثاني أنه بخط المحدث الفقيه ابن قدامة المقدسي، أما المجلد الأول فيظهر أنه قد نسخه غيرُ واحد، وقد ذُكر ابن قدامة فيمن سمعه.
وعلى هوامِشِ هذه النسخة سماعاتٌ على ابن قدامة في الجامع الأموي أوائلَ القرنِ السابع، وتتكرر هذه السماعات كُلَّ ثلاثة أوراق.
وفي نهاية كل جزء من الأجزاء السبعة عشر مجموعة من السماعات مدونة بخطوطٍ مختلفة مؤرخةِ بأزمنة متباعدة من القرن السادس (560) هـ حتى القرن الثامن.
منها سماعٌ بقراءة الحافظ صلاح الدين العلائي على الحافظ جمال الدين المِزِّي، وأبي محمَّد القاسم بن مظفَّر ابن عساكر الطبيب.
ومنها سماعٌ على الحافظ الذهبي.
وهذه السماعات جميعها تمت بدمشق في الجامع الأموي، وفي الجامع المظفَّري، وفي المدرسة الضيائية، وفي مدرسة الصاحب محيي الدين ابن الجَوْزي، وفي دار الحديث الأشرفية، وفي الرباط السُّمَيْساطي، وفي دار القرآن الجَزَرية، وفي دار الحديث الشُقَيشِقية، وفي المدرسة الصدرية، وفي رباط الناصرية.
ونُعرِّف هنا بإيجاز بالمساجد والمدارس والرباطات التي قرئت فيها سنن ابن ماجه وهي بدمشق وضواحيها:
أما الجامع الأموي، فهو أعظمُ جوامع دمشق، بناه الوليدُ بن عبد الملك أيامَ خلافته سنة (87 هـ)، وتوفي الوليدُ ولم يتم البناءُ، فأتمَّه مِن بعده أخوه سليمان.
وأما الجامعُ المظفَّري، فهو بسفح جبل قاسيون، ويُقال له: جامع الجبل وجامع الحنابلة، شرع في بنائه الشيخ أبو عمر محمَّد ابن أحمد بن قدامة المقدسي سنة (598)، ولا زال إلى يومنا هذا تقام فيه الصلوات الخمس، وخطبة الجمعة.
وأما المدرسةُ الضيائية، فهي بسفح جبل قاسيون شرقَ الجامع المظفَّري، بناها مِن ماله واقِفُها الحافظ محمَّد بن عبد الواحد السعدي المقدسي صاحب "الأحاديث المختارة" المعروف بالضياء، وأعانه عليها بعضُ أهلِ الخير، وجعلها دارَ حديث، وقد نُهبت في نكبة الصالح أيام قازان سنة (699)، وذهب منها شيء كثير، ثم دَرَسَت في جملة ما دَرَسَ من مدارس دمشق.
وأما مدرسة الصاحب محيي الدين، فهي في سوق البُزُورية غربي قصر العظم، أوقفها الفقيهُ الأصولي الواعظُ الشهير يوسفُ ابن الإمام عبد الرحمن بن علي الجوزي القرشي البكري البغدادي المتوفى سنة (656 هـ)، ودرَّس بها غيرُ واحد من أكابرِ أهل العلم كالمَرْداوي وابن مُفلح صاحب "المبدع شرح المقنع"، وقد اختلس جيرانُها معظمها، وبقي منها بقيةٌ صارت محكمة إلى سنة (1905م)، ثم أُقفلت ثم احترقت سنة (1925) أثناءَ الثورة السورية الكبرى،
ولم تزل كذلك حتى أُنشِى مكانَها مخازنُ وحوانيت وجُعل فوقها مسجدٌ صغير تُقامُ فيه الجماعة.
وأما دار الحديث الأشرفية، فهي الأشرفية البَرّانية المقدسية، وهي بسفح قاسيون على حافة نهر يزيد، بناها الملكُ الأشرف مِن أجل الحافظِ جمال الدين عبد الله ابن الحافظ تقي الدين عبد الغني المقدسي، وهي خاصة بالحنابلة، وبانيها الملكُ الأشرف هو نفسُه باني دار الحديث الأشرفية المعروفة التي في أوائلِ سوق العصرونية من الجانب الغربي، وفيها الآن إعدادية للعلوم الشرعية، ويُنفق عليها جماعةٌ من أهل الخير، وتُقام فيها الصلوات الخمس وخطبة الجمعة.
وأما الرِّباط السُّمَيساطي، ويُسمى الخانقاه، فهو عندَ بابِ الجامع الأموي الشمالي، واقفُه أبو القاسم السميساطي علي بن محمَّد بن يحيى السلمي الدمشقي، له ترجمة في "العبر" للذهبي 3/ 229 - 230، وفيه الآن مدرسة للصفوف الابتدائية.
وأما دارُ القرآن الجَزَرية، فأنشأها الحافظُ الإمامُ المقرئ شمس الدين محمَّد بن محمَّد بن يوسف بن الجزري المتوفى سنة (843 هـ) صاحب كتاب "النشر في القراءات العشر"، وكانت بدربِ الحجر، وهو في أواخر السوق الكبيرِ الذي يعرف الآن بسوق مدحت باشا، وقد إندثرت منذ عهدٍ طويل.
وأما دار الحديث الشُّقَيشِقية، فهي دارُ الشيخ المحدث نجيب الدين أبي الفتح نصر الله بن أبي العبر مظفر بن عقيل الشيباني
الدمشقي الصفَّار، فأوقفها دارَ حديث، وهي بدرب البانياسي بدمشق، وكان يسكنُها الحافظ المزي قبلَ انتقاله إلى دار الحديث الأشرفية.
وأما المدرسة الصَّدْرية، فهي بدرب الريحان بجوار تربة القاضي جمال الدين المصري، عند القبور التي يزعم الناس أن مِن جملتها قبر معاوية، أنشأها الشيخ أسعد بن عثمان التنوخي، ثم الدمشقي المتوفى سنة (657 هـ)، وأوقفها على الحنابلة، ودُفِنَ بها.
ودرَّس بها ابنُ عبد الهادي وابنُ القيم.
وأما رباطُ الناصرية، فهو دار الحديث الناصرية التي تقع بمحلة الفواخير بسفح قاسيون قِبْلي جامع الأَفرَم، أنشأها الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي فاتح بيت المقدس 77.
ثم هناك سماعات على الحافظ أبي الوفاء برهان الدين الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي بقراءةِ محمَّد بن زريق سنة (837 هـ) بحلب.
ومنه يظهر أن هذه النسخة كانت بدمشق من القرن السادس إلى القرن الثامن، ثم انتقلت إلى حلب في القرن التاسع.
وفي الورقة الأولى من المجلد الأول ما نصه: سمعه العالمُ الصدرُ الكبيرُ شيخُ الإسلام موفق الدين أبو محمَّد عبد الله بن أحمد
ابن محمَّد بن قدامة المقدسي أيَّدهُ اللهُ بسماعه من أبي زُرعة بسنده بقراءة الإمامِ العالم المقرئ شهاب الدين أبي محمَّد عبد العزيز بن عبد الملك بن تميم النسائي، فسمعه الفقهاء (وذكر جماعة من أهل العلم) وصح في مجلسٍ واحد بتاريخ يوم الأحد رابع المحرم مِن سنة اثنتين وست مئة في دمشق.
والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله.
وفي الورقة الثانية ما نصه: قُرِئَ على الشيخ الصالح أبي زُرعة طاهر بن محمَّد بن طاهر المقدسي وأنا أسْمَعُ في يومِ السبت سادسَ عشر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمس مئة قيل له: أخبركم الشيخُ العالم أبو منصور محمَّد بن الحسين بن أحمد بن الهيثم المقوِّمي القزويني إجازةً إن لم يكن سماعًا قال: أنبأنا أبو طلحة القاسمُ بنُ أبي المنذر الخطيب قال: حدثنا أبو الحسن علي ابنُ إبراهيم بن سلمة بن بحر القطان قال: حدثنا أبو عبد الله محمدُ ابن يزيد ابنُ ماجه.
قلنا: وقد خلت هذه النسخةُ مِن بعض الأحاديث في مواضع متفرقة، وهي مثبتة في بقية النسخِ وفي "تحفة الأشراف" للمزي، ومعظمُها مما لم يذكره أبو القاسم ابن عساكر في كتابه "الإشراف في معرفة الأطراف"، أو ذكره وقال: ليس في السماع.
وقد أشرنا إلى هذه الأحاديث في مواضعها.
كما قد خلت هذه النسخة من زياداتِ أبي الحسن القطان في الأغلب.
تراجم رجال إسناد النسخة (م) وكلهم أثبات ثقات
: 1 -
ابن قدامة المقدسي:
هو الشيخُ العلامةُ المجتهدُ الإمامُ أبو محمَّد عبد الله بن أحمد ابن محمَّد بن قدامة المقدسي الجمَّاعيلي، ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي، صاحبُ الكتاب العظيم "المغني"، في فقه الخِلاَف، ولد بجمَّاعيل مِن عمل نابلس سنةَ (541)، وهاجر إلى دمشق، وارتحل إلى بغداد، قال ابن النجار: كان إمامَ الحنابلة بجامعِ دمشق، وكان ثقةً حُجةً نبيلًا، غزير الفضلِ، نَزِهًا وَرِعًا، عابدًا على قانون- السلف، عليه النور والوَقَار، ينتفع الرجلُ برؤيته قبل أن يسمع كلامه، توفي سنة (625). ترجم له الذهبي في "سير أعلام النبلاء" 22/ 165 - 173، وفي "العبر" 5/ 79.
2 -
أبو زرعة المقدسي:
هو الشيخُ العالم المُسند الصدوق الخير أبو زُرْعة طاهرُ ابنُ الحافظ محمَّد بن طاهر بن علي الشيباني المقدسي، وُلِدَ بالري سنة (480)، وقيل: سنة (481)، وقَدِمَ بغداد وحدَّث بها، وتفرَّد بالكتب والأجزاء، وتوفي بهَمَذان سنةَ (566). قال الذهبي: سمعنا مِن طريقه "مسند الشافعي" و"المجتبى" و"سنن ابن ماجه" وأجزاء.
ترجم له الذهبي في "سير أعلام النبلاء" 20/ 503 - 504، وفي "العبر" 4/ 192 - 193.
3 -
أبو منصور المُقَوِّميُّ:
هو الشيخُ الصدوق أبو منصور محمدُ بنُ الحسين بن أحمد بن الهيثم القزويني المقوِّمي، وُلِدَ سنة (398 هـ)، وسمع مِن ابن أبي المنذر سنة (408) وله عشر سنين، وكان حيا سنة (484). له ترجمة في "سير أعلام النبلاء" 18/ 530 - 531، و"العبر" 3/ 306.
4 -
القاسم بن أبي المنذر:
هو القاسمُ بنُ محمَّد بن أحمد بن منصور أبو طلحة القزويني الخطيب، قال الرافعي في "التدوين في أخبار قزوين" 4/ 79: سَمِعَ "سنن" أبي عبد الله ابن ماجه من أبي الحسن القطان، وسمع أبا الفتح الراشدي سنة (456) وروى عنه علي بن أحمد بن المَرزُبان بن منجويه، ومحمد بن الحسن بن عبد الملك البزاز، وأبو منصور المقومي وغيرهم.
وقال الخليلي في "الإرشاد" 2/ 740 وهو يترجم أباه: وكان له بنون سمعوا من أبي الحسن القطان، ولم يبلغ الرواية منهم إلا أبو طلحة -يعني أنهم ماتوا شبابا-.
توفي أبو طلحة سنة (410 هـ).
5 -
أبو الحسن القطان:
تقدمت ترجمته في تلاميذِ ابن ماجه.
ثالثًا: النسخة المرموز إليها بـ (ذ):
وهي نسخة مصورة عن الأصل الخطي المحفوظِ في مكتبة باريس الوطنية تحت رقم (706)، ومنها صورةٌ في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض.
وهي نسخة تامةٌ
متقنةٌ، واضحة الخط، تقع في مجلد واحد، وعَدَدُ أوراقها (304) ورقات، وفي كُل لوحةٍ منها (24) سطرًا، وفي كل سطرٍ منها (16) كلمة تقريبًا.
وقد تم نسخها يوم الجمعة 14 من ذي الحجة سنة (730)، وقرئت على خمسة أشياخ سنة (735) وعُورِضَت بأصلِ الحافظ المنذري، ثم قُرئت على الذهبي بالمدرسةِ الصدرية من سنة (739) إلى سنة (742)، وتناوبَ على قراءتها على الذهبي عمادُ الدين ابن السراج 78 وابنُ عبد الحق القرشي 79. كما قرئت على قاضي القضاة بدر الدين ابن جَمَاعة كما في هامش الورقة 21 والورقة 33، ولم يذكر كاتب السماع تاريخه.
أما الأشياخ الخمسة المشارُ إليهم، فقد ذُكرت أسماؤُهم في الورقة (302)، وهم:
1 - الصدر الرئيس شهاب الدين أبو العباس أحمد بن منصور ابن إبراهيم الحلبي الجوهري، ولد سنة (660)، وتوفي سنة (738)،
قال ابن حجر في "الدرر الكامنة" 1/ 319: كان خيرًا ساكنًا، مُحبّا لأهل الحديث، حسن الأخلاق.
2 - الشيخُ الصالحُ المحدِّث المكثر بدر الدين أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن خالد بن محمَّد الفارقي، ولد سنة (660)، وحفظ "التنبيه" وقرأ القراءات، وسَمِعَ بالقاهرة والإسكندرية ومكة والمدينة واليمن وغيرها.
قال ابنُ حجر في "الدرر الكامنة" 3/ 315: كان ديِّنا خيِّرًا، كثيرَ المروءة، مُحبًّا للسماع، وتوفي سنة (741).
3 - العدلُ الكبيرُ كمال الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن عبد الصمد التِّزْمَنْتي (نسبة إلى تِزْمَنْت قرية من عمل البَهْنسا على غربي النيل من صعيد مصر) ولد سنة (663)، وتوفي سنة (742). ترجم له ابن حجر في "الدرر الكامنة" 1/ 62 وبيَّض لشيوخه، وقال: حدثنا عنه أبو المعالي الأزهري وغيره.
4 - الأجلَّ الكبيرُ ناصر الدين أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل ابن عبد العزيز بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب، قال ابنُ حجر في "الدرر" 3/ 388: ناصر الدين بن العادل بن العزيز بن المعظَّم بن العادل الأيوبي المعروف بابن الملوك، ولد سنة (674)، وسمع من ابن خطيب المِزَّة وغيره، وحدَّث وتفرَّد، وتوفي سنة (756)، حدثنا عنه شيخنا العراقي وجمال الدين الرشيدي وآخرون.
5 - الشيخُ المحدثُ زينُ الدين أبو بكر بن قاسم بن أبي بكر ابن عبد الرحمن الرَّحَبِي الحنبلي، ولد سنة (666)، وسَمِعَ بدمشق، وسكن مصر سنة (700)، وسمع بها الكثير.
وصفه الذهبي في
"المعجم المختص" (391) بالمحدِّث العالم العابد الصالح، وقال ابن حجر في "الدرر الكامنة" 1/ 455: كان ديِّنا خيِّرًا حسنَ المحاضرة، وقد تخرَّج به شيخنا الشيخ سراج الدين ابن الملقن، وبيض ابن حجر لوفاته، وذكره ابنُ فهد في "لحظ الألحاظ" في وفيات سنة (749 هـ).
وفي الورقة الأولى منها إسناد الكتاب: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن عثمان الذهبي قال: أخبرنا القاضي تاج الدين أبو محمَّد عبد الخالق بن عبد السلام بن سعيد بن علوان البَعْلبَكي قال: أخبرنا الإمام موفق الدين أبو محمَّد عبد الله بن أحمد بن محمَّد بن قدامة المقدسي ... ببقية الإسناد السالف ذكره في النسخة (م).
أما الذهبي فهو الحافظ مؤرخ الإسلام محمَّد بن أحمد الذهبي، صاحب "سير أعلام النبلاء" و"تذكرة الحفاظ" و"تاريخ الإسلام" و"العِبَر" وغيرها، المتوفى سنة (748) رحمه الله تعالى.
وشيخه هو تاج الدين عبد الخالق بن عبد السلام بن سعيد بن علوان البعلبكي الشافعي، القاضي الإمام الفقيه العالم المتفنِّن، كان خيرًا صالحًا متواضعًا زاهدًا، قال الذهبي في "معجم الشيوخ" 1/ 352: أكثرتُ عنه، ونِعمَ الشيخ كان.
ولد سنة (603)، وتوفي سنة (696)، رحمه الله تعالى.
وانظر "شذرات الذهب" 5/ 435.
وابن قدامة فمن فوقه سلفت تراجمهم في وصف النسخة (م).
ونكرِّر هنا -والمكرَّر يحلو- شكرَنا الجزيل وامتناننا العظيمَ لِصاحبنا العلامة الشيخ محمَّد بن ناصر العجمي الذي بعث إلينا بالنسختين (س) و (م)، وهذه تُعَد في مَكرُماته الكثيرة لِطلبة العلم، ويغلب على ظنِّنا -ولا نزكِّي على الله أحدًا- أنه يبتغي من وراء ذلك إرضاءَ الله تعالى، ثم خدمةَ أهل العلم وتزويدَهم بالأصول الجيدة التي تقع له، فنسأل الله أن يجزيه عنا خيرَ الجزاء، وأن يجعل ذلك في صحيفته يوم القيامة.
عملنا في الكتاب
:
لقد جرينا في تحقيق هذا الكتاب على المنهجِ المتَّبَع عندنا في كل ما ننشره من الأصول، وهو البحثُ عن الأصولِ الخطية المتقنَة الموثَقة، وتصويرُها مِن مكتبات العالم المختلفة، واعتمادُها في الطبع دونما التفاتٍ إلى الطبعاتِ السابقة التي تولى نشرها مَن ليس له حَظّ كبير في هذه الصناعة.
1 - ثم قمنا بمقابلة المطبوعِ بالأصول الخطية، وأثبتنا الفروق المهمة، ولم ننبه على الأخطاء التي وقعت في النسخ المطبوعة إلا لِمامًا.
2 - ضبطنا متونَ الأحاديثِ ضبطًا قريبًا مِن التمام، وضبطنا ما يُشكِلُ من أسماءِ الرواة وكُناهم وألقابهم ضبطَ قلم، وربما ضبطنا بعضها بالحروف في الحاشية.
3 - قمنا بدراسة الإسناد دراسة دقيقة، والإبانة عن درجة كل حديث، كما هو دَأْبنا في كل ما يصدر عنّا، كما قمنا بتمييز الرواة المُهمَلين وبيان أسماء مَن ذُكروا بكناهم أو ألقابهم.
4 - تخريجُ الحديث من الكتب الخمسة، والاقتصار عليها إذا كان الحديث فيها، وتطريقُ أسانيدها 80.
5 - الإحالةُ إلى المصادر التي استوفينا فيها تخريجَ الحديث لِيرجع إليها مَنْ يريدُ التوسع.
6 - وما كان من الأحاديث التي لم تُخرَّج عندنا في المصادر التي حققناها، فإننا نتوسعُ في تخريجها ونحكم على كُلِّ حديث منها بما يليق به من صحة أو حسن أو ضعف.
وقد وفقنا الله -وله الحمدُ- في كل ما شرحناه، وحققناه من الأصول، أن نراعيَ هذا الجانب المهمَّ، جانبَ التصحيح والتضعيف، ونُعنَى به أشدَ العناية، ونتوسعَ فيه غايةَ التوسع، لنتحلل مِن تَبَعةِ التقصير فيما أوجبه الله علينا من هذا العلم الذي أكرمنا به.
7 - وقد ضمَّنَّا الكتابَ تعليقاتٍ حافلةً تشتمِلُ على شرح غريب الحديث، وما يستفاد منه، ومِن توضيح لِبعض الأحكام المستنبَطة من الأحاديث التي تَرِدُ عندَ ابن ماجه.
8 - وألحقنا به في كل جزء فهرسًا يتضمن الكتب والأبواب الفقهية الموجودة فيه، وفي آخره فهرسًا شاملًا لأطراف الأحاديث والآثار على نَسَقِ حروف المعجم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
شعيب الأرنَؤُوط عادل مرشد
عمَّان في 1 شعبان 1426هـ 5 أيلول 2005م
اللوحة الأولى من نسخة (س)
اللوحة الأخيرة من نسخة (س)
لوحة العنوان من المجلد الأول من نسخة (م)
اللوحة الأولى من المجلد الأول من نسخة (م)
اللوحة الأخيرة من المجلد الأول من نسخة (م)
لوحة العنوان من المجلد الثاني من نسخة (م)
اللوحة الأولى من المجلد الثاني من نسخة (م)
اللوحة الأخيرة من المجلد الثاني من نسخة (م)
اللوحة الأولى من نسخة (ذ)
اللوحة قبل الأخيرة من نسخة (ذ)
اللوحة الأخيرة من نسخة (ذ)
السُّنن
تصنيف الإمام الحافظ أبي عبد الله محمَّد بن يزيد بن ماجة القزويني 209 - 273 هـ
حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلق عليه شعيب الأرنؤوط عادل مرشد محمَّد كامل قره بللي عبد اللطيف حرز الله
الجُزء الأوّل
بسم الله الرحمن الرحيم
أَبْوَابُ السُّنَّةِ
(1) 1 -
بَابُ اتِّبَاعِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
1 - حدَثنا أبو بَكْر بنُ أبي شَيْبةَ، حدثنا شَرِيكٌ، عن الأعمَش، عن أبي صالح عن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما أمَرتكم به فخُذُوهُ، وما نَهَيتكُم عنه فانتَهُوا" 2. 2 - حدَثنا مُحمَّدُ بنُ الصَباح، أخبرنا جَريرٌ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ عن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ذَرُوني ما تَرَكتكُم، فإنَّما هَلَكَ مَن كان قَبلَكم بسُؤَالِهِم واختِلافِهم على أنبيائِهم، فإذا أمَرتكم بشيءٍ - فخُذُوا منه ما استَطَعتُم، وإذا نَهَيتكُم عن شيءٍ فانتَهُوا" 3.1
3 - حدَثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبةَ، حدثنا أبوْ مُعاويةَ ووَكيعٌ، عن الأعمش، عن أبي صالحِ
عن أبي هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن أطاعَني، فقد أطاعَ اللهَ، ومَن عَصَاني، فقد عَصَى الله" 1.
4 - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ عَبد الله بنِ نُمَيرٍ، حدثنا زَكريا بنُ عَدِي، عن ابن المُبارَكِ، عن مُحمَّدِ بنِ سُوقَةَ، عن أبي جَعفَر، قال:
كان ابنُ عمرَ إذا سَمِعَ من رسولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حديثًا لم يَعْدُهُ ولم يُقصّرْ دونَه 2. = وأخرجه مسلم بإثر الحديث (2357) / (131)، والترمذي (2874) من طريقين عن الأعمش، بهذا الإسناد.
وأخرجه البخاري (7288)، ومسلم بإثر الحديث (2357)، والنسائي 5/ 110 - 111 من طرق عن أبي هريرة.
وهو في "مسند أحمد" (7367) و (10429)، و"صحيح ابن حبان" (18 - 21).
5 - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سُمَيْعٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَفْطَسُ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْفَقْرَ وَنَتَخَوَّفُهُ، فَقَالَ: "آلْفَقْرَ تَخَافُونَ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُصَبَّنَّ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا صَبًّا حَتَّى لَا يُزِيغَ قَلْبَ أَحَدِكُمْ إِزَاغَةً إِلَّا هِيَهْ، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ".
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: صَدَقَ وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، تَرَكَنَا- وَاللَّه-ِ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ 1.
6 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ
عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" 2. = بذلك الحديث أصلًا، أو يأتي بأقل من القدر الوارد.
والحاصل أنه كان واقفًا عند الحد الوارد في الحديث ولم يأت بإفراط فيه ولا تفريط.
تنبيه: هذا الحديث لم يرد في (م)، ولم يذكره أبو القاسم بن عساكر في كتابه "الإشراف على معرفة الأطراف" كما نبه على ذلك المزي في "تحفة الأشراف" (7442).
7 - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلْقَمَةَ نَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَكَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَوَّامَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ -عز وجل- لَا يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَهَا" 1.
8 - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَلِيحٍ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ زُرْعَةَ قَالَ: = وأخرجه الترمذي (2337) من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (15596)، و"صحيح ابن حبان" (61) و (6834). وفي الباب عن المغيرة بن شعبة عند البخاري (3640)، ومسلم (1921). وعن معاوية عند البخاري (3641)، ومسلم بإثر (1923) / (174). وعن جابر وعقبة بن عامر عند مسلم (1923) و (1924). قال الإمام النووي في "شرح مسلم" 13/ 66 - 67: أما هذه الطائفة، فقال البخاري: هم أهل العلم، وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث، فلا أدري من هم، قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد: أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث.
قلت (القائل هو الإمام النووي): ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدِّثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض.
قلنا: وهذا الذي انتهى إليه الإمام النووي هو الصواب الذي لا مَعدِلَ عنه.
سَمِعْتُ أَبَا عِنَبَةَ الْخَوْلَانِيَّ، وَكَانَ قَدْ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: "لَا يَزَالُ اللَّهُ يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ" 1. 9 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَامَ مُعَاوِيَةُ خَطِيبًا، فَقَالَ: أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا وَطَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ، لَا يُبَالُونَ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ نَصَرَهُمْ" 2. 10 - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أسماء
عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" 1.
11 - حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، سَمِعْتُ مُجَالِدًا يَذْكُرُ عَنْ الشَّعْبِيِّ
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَطَّ خَطًّا، وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الْأَوْسَطِ، فَقَالَ: "هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ".
ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153] 2.
2 -
بَابُ تَعْظِيمِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ عَارَضَهُ
12 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ جَابِرٍ عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ مَا حَرَّمَ الله" 1. 13 - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي بَيْتِهِ -أَنَا سَأَلْتُهُ عنه-، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ -ثُمَّ مَرَّ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ: أَوْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ،
عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ" 1. 14 - حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُوَ رَدٌّ" 2. 15 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ، قال: أخبرنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأنْصَارِيُّ: سَرِّحْ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ.
فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنْ كَانَ ابْن عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ قَالَ: "يَا زُبَيْرُ، اسْقِ، ثُم َّاحْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ 1 "، قَالَ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾ [النساء: 65] 2.
16 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ
عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ أَنْ يُصَلِّينَ فِي الْمَسْجِدِ".
فَقَالَ ابْنٌ لَهُ: إِنَّا لَنَمْنَعُهُنَّ، قال: فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتَقُولُ: إِنَّا لَنَمْنَعُهُنَّ؟! 1
17 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَأَبُو عَمْرٍو حَفْصُ بْنُ عمرو 2، قالا حدَّثنا عبدُ الوهَّاب الثَّقَفيُّ، حدَّثنا أيوبُ، عن سعيد بن جُبَيرٍ = الحافظ في "الفتح" 5/ 35: كأن ابن وهب حمل رواية الليث على رواية يونس، وإلا فرواية الليث ليس فيها ذِكر الزبير، والله أعلم.
قوله: "في شِراج الحرة"، قال السندي: بكسر الشين: جمع شَرْجة -بفتح فسكون- وهي مسايل الماء بالحرة: وهي أرض ذات حجارة سود.
"سرِّح الماء" من التسريح، أي: أرسِل.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا إِلَى جَنْبِهِ ابْنُ أَخٍ لَهُ، فَخَذَفَ، فَنَهَاهُ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهَا، وَقَالَ: "إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكأ عَدُوًّا، وَإِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ".
قَالَ: فَعَادَ ابْنُ أَخِيهِ يَخْذِفُ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهَا، ثُمَّ تَخْذِفُ 1؟ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا 2.
18 - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي بُرْدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ قَبِيصَةَ، عَنْ أَبِيهِ
أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيَّ النَّقِيبَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزَا مَعَ مُعَاوِيَةَ أَرْضَ الرُّومِ، فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَبَايَعُونَ كِسَرَ الذَّهَبِ بِالدَّنَانِيرِ 3، وَكِسَرَ الْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، = "تهذيب الكمال" وفروعه، كذلك لم يختلف كل من ترجم لحفص أن اسم أبيه عَمْرو، وذكر المزي في "التهذيب" خلافًا في كنيته، فقيل: أبو عَمْرو، وقيل: أبو عُمَر.
ووقعت كنيته في (م): أبو عمر.
إِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ الرِّبَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: "لَا تَبْتَاعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، لَا زِيَادَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا نَظِرَةَ".
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا الْوَلِيدِ، لَا أَرَى الرِّبَا فِي هَذَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ نَظِرَةٍ.
فَقَالَ عُبَادَةُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ رَأْيِكَ! لَئِنْ أَخْرَجَنِي اللَّهُ لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ لَكَ عَلَيَّ فِيهَا إِمْرَةٌ.
فَلَمَّا قَفَلَ لَحِقَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَقْدَمَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، وَمَا قَالَ مِنْ مُسَاكَنَتِهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ إِلَى أَرْضِكَ، فَقَبَحَ اللَّهُ أَرْضًا لَسْتَ فِيهَا وَأَمْثَالُكَ.
وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: لَا إِمْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ، وَاحْمِلْ النَّاسَ عَلَى مَا قَالَ، فَإِنَّهُ هُوَ الْأَمْرُ 1.
19 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْخَلَّادِ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ 2، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، أخبرنا عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَظُنُّوا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي هُوَ أَهْيَاهُ وَأَهْدَاهُ وَأَتْقَاهُ 1. 20 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: إِذَا حُدَّثتم 2 عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا فَظُنُّوا بِهِ الَّذِي هُوَ أَهْيَاهُ وَأَهْدَاهُ وَأَتْقَاهُ 3.
- قال أبو الحسن: حدثنا يحيى بن عبد الله الكرابيسي، حدثنا علي بن الجعد، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، مثل حديث علي رضي الله عنه 1. 21 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، حَدَّثَنَا الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنَّهُ قَالَ: "لَا أَعْرِفَنَّ مَا يُحَدَّثُ أَحَدُكُمْ عَنِّي الْحَدِيثَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ، فَيَقُولُ: اقْرَأْ قُرْآنًا! مَا قِيلَ مِنْ قَوْلٍ حَسَنٍ فَأَنَا قُلْتُهُ" 2. 22 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ أَخِي، إِذَا حَدَّثْتُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا فَلَا تَضْرِبْ لَهُ الْأَمْثَالَ (1).
3 -
بَابُ التَّوَقِّي فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
23 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ الْبَطِينُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ
عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: مَا أَخْطَأَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ عَشِيَّةَ خَمِيسٍ إِلَّا أَتَيْتُهُ فِيهِ.
قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِشَيْءٍ قَطُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: فَنَكَسَ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وهُوَ قَائِمٌ مُحَلَّلَةً أَزْرَارُ قَمِيصِهِ، قَدْ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ.
قَالَ: أَوْ دُونَ ذَلِكَ، أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، أَوْ شَبِيهًا بِذَلِكَ 2.1
24 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ:
كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا فَفَرَغَ مِنْهُ، قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 1.
25 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح)
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ:
قُلْنَا لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: حَدِّثْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ: كَبِرْنَا وَنَسِينَا، وَالْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَدِيدٌ 2. = إلا أتية: استثناء من أعم الأحوال بتقدير "قد"، وهذا الاستثناء من قبيل قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: 56]، إذ معلوم أنه لا تفوته الملاقاة حال إتيانه إياه، فهذا تأكيد للزوم الملاقاة في عشية كل خميس، ويحتمل أن المراد بيان أن ابن مسعود كان يجيئه، فإن كان ما جاءه يومًا أتاه هو فيه.
لشيء، أي: في شيء.
فنكس، أي: طأطأ رأسه وخفضه.
اغرورقت عيناه، أي: دمعتا، كأنهما غرقتا في دمعهما.
26 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ:
جَالَسْتُ ابْنَ عُمَرَ سَنَةً فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا 1.
27 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنا كُنَّا نَحْفَظُ الْحَدِيثَ، وَالْحَدِيثُ يُحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَمَّا إِذَا رَكِبْتُمْ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، فَهَيْهَاتَ 2. = وأخرجه الطيالسي (676)، والبغوي في "الجعديات" (69)، والطبراني في "الكبير" (4978)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (737)، والخطيب في "الكفاية" ص 265 من طرق عن شعبة، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (19304).
28 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ:
بَعَثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الْكُوفَةِ وَشَيَّعَنَا، فَمَشَى مَعَنَا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: صِرَارٌ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ؟ قَالَ: قُلْنَا: لِحَقِّ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِحَقِّ الْأَنْصَارِ.
قَالَ: لَكِنِّي مَشَيْتُ مَعَكُمْ لِحَدِيثٍ أَرَدْتُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهِ، فأَرَدْتُ أَنْ تَحْفَظُوهُ لِمَمْشَايَ مَعَكُمْ، إِنَّكُمْ تَقْدَمُونَ عَلَى قَوْمٍ لِلْقُرْآنِ فِي صُدُورِهِمْ هَزِيزٌ كَهَزِيزِ الْمِرْجَلِ، فَإِذَا رَأَوْكُمْ مَدُّوا إِلَيْكُمْ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَالُوا: أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم أَنَا شَرِيكُكُم 1. = وأخرج مسلم أيضًا من طريق مجاهد، قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يُحدِّث ويقول: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فجعل ابن عباس لا يَأذَنُ لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا تسمع! فقال ابن عباس: إنا كنا مرةً إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس ألا ما نعرف.
وقوله: "الصعب والذلول" قال النووي في "شرح مسلم" 1/ 80: أصل الصعب والذلول في الإبل، فالصعب: العَسِرُ المرغوب عنه، والذلول: السهل الطيب المحبوب المرغوب فيه، فالمعنى: سلك الناس كل مسلك مما يُحمد ويُذم.
وقوله: فهيهات، أي: بَعُدت استقامتكم، أو بَعُد أن نثق بحديثكم.
29 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: صَحِبْتُ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ (1).
4 -
بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَعَمُّدِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
30 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ ابْنِ زُرَارَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" 2.1 = قوله: "كهزيز المرجل"، قال السندي: الهزيز -بزاءين معجمتين-: الصوت.
"المرجل" - بكسر الميم-: إناء يغلى فيه الماء، سواء كان من نحاس أو غيره، وله صوت عند غليان الماء فيه.
وفي بعض النسخ: النحل، وهو ذباب العسل، والمراد: لهم إقبال على قراءة القرآن.
31 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّ الْكَذِبَ عَلَيَّ يُولِجُ النَّارَ" 1. 32 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ -حَسِبْتُهُ قَالَ: مُتَعَمِّدًا - فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" 2. 33 - حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" 1. 34 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" 2. 35 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى التَّيْمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ: إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَدِيثِ عَنِّي، فَمَنْ قَالَ عَلَيَّ فَلْيَقُلْ حَقًّا أَوْ صِدْقًا، وَمَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" 3.
36 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ أَبِي صَخْرَةَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: مَا لِيَ لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا أَسْمَعُ ابْنَ مَسْعُودٍ وَفُلَانًا وَفُلَانًا؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَكِنِّي سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً، يَقُولُ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" 1.
37 - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَطِيَّةَ = وأخرجه الدارمي (237)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (413) و (414) من طريق معبد بن كعب، وهناد في "الزهد" (1388)، والحاكم 1/ 111، وابن الجوزي في مقدمة "الموضوعات" 1/ 70 من طريق ابن كعب -لم يسموه-، وابن عدي في "الكامل" 1/ 17، والحاكم 1/ 111 - 112، وابن الجوزي في مقدمة "الموضوعات " 1/ 71 من طريق عبد الرحمن بن كعب بن مالك، والشافعي في "المسند" 1/ 17، والبخاري في "الأدب المفرد" (904) من طريق أسيد بن أبي أسيد عن أمه، كلهم عن أبي قتادة.
ووقع عند الحاكم في الموضع الأول: ابن كعب وغيره عن أبي قتادة.
واختُلف في اسم ابن كعب الذي لم يُسم، والأكثر على أنه معبد.
وهو في "مسند أحمد" (22538).
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" (1).
5 -
بَابُ مَنْ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ
38 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ" 2.1
39 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح)
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى
عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ" 1. = وهو في "مسند أحمد" (903) من طريق الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، به.
وسيأتي برقم (40) بإسناد صحيح.
قال السندي: قوله: "وهو يرى أنه كذب" بضم الياء من "يرى"، أي: يظنُّ، قال النووي: وذكر بعض الأئمة جواز فتح الياء من "يرى"، ومعناه: يَعلمُ، ويجوز أن يكون بمعنى: يَظُنُ أيضًا، فقد حُكي "رَأَى" بمعنى: ظن.
قلت: اعتبار الظن أَبلغ وأَشمل، فهو أَولى، قال النووي: وقُيد بذلك، لأنه لا يأثم إلا برواية ما يعلمه أو يظنه كذبًا، وأما ما لا يعلمه ولا يظنه فلا إثم عليه في روايته وإن ظنه غيرُه كذبا أو عَلِمَه.
قلت: وهذا يدل على أنه لا إثم على من يروي وهو في شك في كونه صادقًا أو كاذبًا، وكذا من يروي وهو غافل عن ملاحظة الأمرين، والأقرب أن الحديث يدل مفهومًا على أن غير الظان لا يُعد من جملة الكاذبين عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأما أنه لا يأثم فلا، فليتأمل.
قوله: "فهو أحد الكاذبين"، قال النووي: المشهور روايته بصيغة الجمع، أي: فهو واحد من جملة الواضعين للحديث، والمقصود أن الرواية مع العلم بوضع الحديث كوضعه، قالوا: هذا إذا لم يبين وضعه، وقد جاء بصيغة التثنية والمراد: أن الراوي له يشارك الواضع في الإثم، قال الطِّيبي: فهو كقولهم: القلم أحد اللسانين، والجَدُّ أحد الأبوين، كأنه يشير إلى ترجيح التثنية بكثرة وقوعها في أمثاله، فهو المتبادر إلى الأفهام.
- [قال أبو الحسن]: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبدك 1، أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ، عَنْ شُعْبَةَ، مِثْلَ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ.
40 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: "مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ" 2. 41 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ" 3. = وأخرجه مسلم في مقدمة "صحيحه" باب رقم (1) عن ابن أبي شيبة، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (20163)، و"صحيح ابن حبان" (29).
6 -
بَابُ اتِّبَاعِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ
42 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ ذَكْوَانَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ -يعني ابن زَبْرٍ- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي الْمُطَاعِ، قَالَ:
سَمِعْتُ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ فَاعْهَدْ إِلَيْنَا بِعَهْدٍ.
فَقَالَ: "عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا 1 حَبَشِيًّا، وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلَافًا شَدِيدًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" 2. = وأخرجه مسلم في مقدمة "صحيحه" باب رقم (1)، والترمذي (2853) من طريق سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، بهذا الإسناد.
وقرن مسلم بسفيان: شعبة بن الحجاج.
وهو في "مسند أحمد" (18184). ويشهد له الحديثان السابقان.
43 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّوَّاقُ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ
أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: " قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، فمَنْ يَعِش مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا 1، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ" 2. = وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (26) و (55)، والطبراني في "الكبير" 18/ (622)، والحاكم 1/ 97 من طريق يحيى بن أبي المطاع، به.
وانظر ما بعده.
النواجذ: الأضراس.
44 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو
عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً.
فَذَكَرَ نَحْوَهُ (1).
7 -
بَابُ اجْتِنَابِ الْبِدَعِ وَالْجَدَلِ
45 - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ:" بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ".
وَيَقْرِنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، ثم يَقُولُ:" أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ".
وَكَانَ يَقُولُ: "مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَعَلَيَّ وَإِلَيَّ" 2.1 = وهو في "صحيح ابن حبان" (5) من طريق خالد بن معدان دونها.
قال السندي: "على البيضاء" أي: المِلَة والحجة الواضحة التي لا تقبل الشُّبَه.
والجمل الأنِف، أي: الذي جُعل الزمام في أنفه فيجره من يشاء من صغير وكبير إلى حيث يشاء.
46 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ الْمَدَينِيُّ أَبُو عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ: الْكَلَامُ، وَالْهَدْيُ، فَأَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدِثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
أَلَا لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ الْأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، أَلَا إِنَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، وَإِنَّمَا الْبَعِيدُ مَا لَيْسَ بِآتٍ.
أَلَا إِنَّمَا الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ.
أَلَا إِنَّ قِتَالَ الْمُؤْمِنِ كُفْرٌ، وَسِبَابُهُ فُسُوقٌ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ.
أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ لَا يَصْلُحُ بِالْجِدِّ وَلَا بِالْهَزْلِ، وَلَا يَعِدُ الرَّجُلُ صَبِيَّهُ ثُمَّ لَا يَفِي لَهُ، وإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارَ، وَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّهُ يُقَالُ لِلصَّادِقِ: صَدَقَ وَبَرَّ، وَيُقَالُ = وأخرجه مسلم (867) (43) و (44) و (45)، والنسائي 3/ 58 و 188 - 189 من طرق عن جعفر بن محمَّد، بهذا الإسناد.
ورواية النسائي في الموضع الأول مختصرة.
وهو في "مسند أحمد" (14334)، و"صحيح ابن حبان" (10).
والفقرة الأخيرة منه ستأتي برقم (2416).
قوله: "ضَياعًا" أي: عِيالًا.
لِلْكَاذِبِ: كَذَبَ وَفَجَرَ، أَلَا وَإِنَّ الْعَبْدَ يَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ عز وجل كَذَّابًا" 1. 47 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَاب﴾ ِ [آل عمران: 7]، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ، فَهُمْ الَّذِينَ عَنَاهُمْ اللَّهُ، فَاحْذَرُوهُمْ" 2.
48 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ (ح)
وَحَدَّثَنَا حَوْثَرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ" ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُون﴾ [الزخرف: 58] 1. = القاسم بن محمَّد، عن عائشة.
فذكر يزيد بن إبراهيم بين ابن أبي مليكة وبين عائشة: القاسم بن محمَّد.
ولفظه عندهم: "فإذا رأيتم الذي يتبعون ما تشابه منه" ولفظه عند الترمذي (3237): "فإذا رأيتموهم فاعرفوهم".
وأخرجه الترمذي (3237) من طريق أبي عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة.
ولم يذكر القاسم بن محمَّد.
قال الترمذي: هكذا روى غير واحد هذا الحديث عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، ولم يذكروا فيه: عن القاسم بن محمَّد، وإنما ذكر يزيدُ بن إبراهيم: عن القاسم بن محمَّد في هذا الحديث.
قلنا: وهو في "مسند أحمد" (24210)، و "صحيح ابن حبان" (76) من طريق أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة.
وفيهما تمام تخريجه.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رسالة مطولة في بيان المحكم والمتشابه أوردها العلامة القاسمي في كتابه "محاسن التأويل" 2/ 8 - 52، فارجع إليها فإنها غاية في النفاسة.
تنبيه: حديث محمَّد بن خالد بن خداش ليس في (م)، وذكر المزي في "التحفة" (16236) أنه لم يذكره ابن عساكر في كتابه.
49 - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو هَاشِم ابنِ أَبِي خِدَاشٍ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِحْصَنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَوْمًا، وَلَا صَلَاةً، وَلَا صَدَقَةً، وَلَا حَجًّا وَلَا عُمْرَةً، وَلَا جِهَادًا، وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا، يَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا تَخْرُجُ الشَّعَرَةُ مِنْ الْعَجِينِ" 1. 50 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ الخياط 2، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ = وقوله: "إلا أوتوا الجدل" هو مقابلة الحجة بالحجة، والمجادلة: المناظرة والمخاصمة، والمراد به في الحديث الخصومة بالباطل، وطلب المغالبة به، لا المناظرة لإظهار الحق واستكشاف الحال، واستعلام ما ليس معلومًا عنده، أو تعليم غيره ما ليس عنده، فإن ذلك محمود، لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَته" 1. 51 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، وَهَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَهُوَ بَاطِلٌ، بُنِيَ لَهُ قَصْرٌ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا [وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا] 2 " 3.
8 -
بَابُ اجْتِنَابِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ
52 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَعَبْدَةُ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ (ح)
وَحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَحَفْصُ ابْنُ مَيْسَرَةَ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ؛ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "إِن
َّاللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمُ
بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا لَمْ يبْق عَالِمٌ 1 اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا = وأخرجه الترمذي (2111) عن عقبة بن مُكْرَم العَمّي، عن ابن أبي فديك، بهذا الإسناد.
وقال: هذا حديث حسن.
ويشهد له حديث أبي أمامة عند أبي داود (4800)، وإسناده حسن.
وحديث معاذ بن جبل عند الطبراني 20/ (217)، وفي إسناده ضعف لكن في هذين الحديثين: البيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وهو محق، والبيت في وسطها لمن ترك الكذب.
ويشهد له أيضًا حديث ابن عباس عند الطبراني (11290): "أنا الزعيم ببيت في رباض الجنة وببيت في أعلاها ويبيت في أسفلها لمن ترك الجدل وهو محق، وترك الكذب وهو لاعب، وحسَّن خلقه للناس" فكأنه جعل الثلاثة واحدًا.
وإسناده ضعيف.
قوله: "في ربض الجنة"، قال السندي: بفتحتين، أي: حوالي الجنة وأطرافها، لا في وسطها، وليس المراد: خارجًا عن الجنة كلما قيل.
"ومن ترك المراء" بكسر الميم والمد، أي: الجدال خوفًا من أن يقع صاحبه في اللجاج الموقع في الباطل.
تنبيه: الأحاديث (49) و (50) و (51) ليست في (م)، وذكر المزي في "التحفة" (3369) أن الحديث الأول منها ليس في سماع ابن عساكر.
فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" 1. 53 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ مُسْلِمِ ابْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَنْ أُفْتِيَ بِفُتْيَا غَيْرَ ثَبَتٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ" 2. 54 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنِي رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، وَجَعْفَرُ ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ ابْنِ أَنْعُمٍ -هُوَ الْإِفْرِيقِيُّ-، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ، فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ" 3.
55 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ سَجَّادَةُ، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، قَالَ: لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْيَمَنِ قَالَ:"لَا تَقْضِيَنَّ وَلَا تَفْصِلَنَّ إِلَّا بِمَا تَعْلَمُ، وإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فَقِفْ حَتَّى تَبَيَّنَهُ أَوْ تَكْتُبَ إِلَيَّ فِيهِ" 1.
56 - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الرِّجَالِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
يَقُولُ: "لَمْ يَزَلْ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُعْتَدِلًا حَتَّى نَشَأَ فِيهِمْ الْمُوَلَّدُونَ، وَأَبْنَاءُ 2 سَبَايَا الْأُمَمِ، فَقَالُوا بِالرَّأْيِ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" 3. = وأخرجه أبو داود (2885) من طريق ابن وهب، عن ابن أنعُم، بهذا الإسناد.
قوله: "آية محكمة"، قال السندي: أي: غير منسوخة.
"سنة قائمة" أي: ثابتة إسنادًا، بأن تكون صحيحةً، أو حكمًا بأن لا تكون منسوخة.
"فريضة عادلة" في القَسم، والمراد بالفريضة: كل ما يجب العمل به، وبالعادلة: المساوية لما يؤخذ من القرآن والسنة وجوب العمل بها.
9 -
بَابٌ فِي الْإِيمَانِ
57 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ سَبْعُونَ بَابًا، فأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ" 1.
57م - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ (ح) = قال البزار: لا نعلم أحدًا قال: عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، إلا قيس، ورواه غير قيس مرسلًا.
قلنا: وهو ضعيف يعتبر به في الشواهد والمتابعات.
وأورده مرسلًا ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" 2/ 136، قال: قال ابن وهب: وأخبرني يحيى بن أيوب، عن هشام بن عروة أنه سمع أباه يقول ... فذكره.
وذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" 13/ 285 وقال: والمرسل المذكور أخرجه الحميدي في "النوادر" - والبيهقي في "المدخل" من طريقه - عن ابن عيينة قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، فذكره كرواية قيس سواء.
وأورده الهيثمي في "المجمع" 1/ 180، وعزاه للبزار، وقال: وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري، وضعفه جماعة، وقال ابن القطان: هذا إسناد حسن! قوله: "سبايا الأمم"، قال السندي: جمع سَبِيَّة، وهي المرأة المنهوبة.
تنبيه: هذا الحديث ليس في (م).
وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، نَحْوَهُ 1. 58 - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ: "إِنَّ الْحَيَاءَ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ" 2. 59 - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حبة 3 مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ" 4.
60 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِذَا خَلَّصَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ النَّارِ وَأَمِنُوا، فَمَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لَهُ فِي الدُّنْيَا، أَشَدَّ مُجَادَلَةً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ، قَالَ: يَقُولُونَ: رَبَّنَا، إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا، وَيَحُجُّونَ مَعَنَا، فَأَدْخَلْتَهُمْ النَّارَ.
فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ، فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ، لَا تَأْكُلُ النَّارُ صُوَرَهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ، فَيُخْرِجُونَهُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَخْرَجْنَا مَنْ قَدْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنْ الْإِيمَانِ، ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ".
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ هَذَا فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال َذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40] 1. = وأخرجه مسلم (91) (47) و (48) و (49)، وأبو داود (4091)، والترمذي (2116) و (2117) من طريقين عن إبراهيم بن يزيد النخعي، بهذا الإسناد.
وهو في "مسند أحمد" (3913)، و "صحيح ابن حبان" (224). وسيأتي مكررًا برقم (4173). قوله: "لا يدخل النار ... " قال النووي في "شرح مسلم" 2/ 91: المراد به دخول الكفار وهو دخول الخلود.