كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القليوبي
- الكتاب
- حاشيتا قليوبي وعميرة
- المؤلف
- أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة
- الناشر
- دار الفكر - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4
- الطبعة
- بدون طبعة، 1415هـ-1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]- بأعلى الصفحة: «شرح العلامة جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين للشيخ محيي الدين النووي»- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد البرلسي عميرة (957هـ.)
أَيْ الزَّكَوَاتِ لِمُسْتَحِقِّيهَا وَهُمْ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ يُذْكَرُونَ عَلَى تَرْتِيبِ ذِكْرِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] إلَى آخِرِهِ، (الْفَقِيرُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ حَاجَتِهِ) ، كَمَنْ يَحْتَاجُ إلَى عَشَرَةٍ، وَلَا يَمْلِكُ أَوْ يَكْسِبُ إلَّا دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، (وَلَا
[حاشية قليوبي]
وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ فِي الْخَاءِ الْإِهْمَالَ أَيْضًا.
وَشَرْعًا مَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ أَذِنَ السَّيِّدُ إلَخْ) فَرَضْخُهُ لِسَيِّدِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُكَاتَبًا وَلَا مُبَعَّضًا فَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا فَلَهُ أَوْ مُبَعَّضًا فَلِصَاحِبِ النَّوْبَةِ إنْ كَانَ مُهَايَأَةً وَإِلَّا فَلَهُمَا.
تَنْبِيهٌ: مَنْ كَمُلَ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي أَثْنَاءِ الْقِتَالِ أُسْهِمَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ وَاجِبٌ بِسَبَبِ الْحُضُورِ كَالسَّهْمِ؛ إذْ إنَّهُ نَاقِصٌ عَنْهُ، فَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ.
قَوْلُهُ: (بِإِذْنِ الْإِمَامِ) وَلَوْ مُكْرَهًا.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ الْأُجْرَةُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى سَهْمِ الرَّاجِلِ وَهَذَا فِيمَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، فِيمَا إذَا أَكْرَهَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي عَدَمِ الْإِذْنِ بَلْ يُعَزِّرُهُ إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ
لِمُسْتَحِقِّيهَا، وَالْقَسْمُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ بِمَعْنَى تَقْدِيرِ الْأَنْصِبَاءِ هُنَا وَالصَّدَقَاتُ جَمْعُ صَدَقَةٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِشْعَارِهَا بِصِدْقِ نِيَّةِ بَاذِلِهَا، وَهِيَ شَامِلَةٌ لِلْمَنْدُوبَةِ وَتَخْصِيصُهَا بِالزَّكَوَاتِ؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ هُنَا، وَذُكِرَتْ هُنَا لِمَا فِيهَا مِنْ قَسْمِ الْإِمَامِ، وَتَعَلُّقِهَا بِسَبَبِ الْمَالِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لِمُسْتَحِقِّيهَا) أَيْ عَلَيْهِمْ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ ذِكْرَهُمْ زِيَادَةٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ، وَلَيْسَ مَعِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَهُمْ ثَمَانِيَةٌ) وَأَنْوَاعُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَيْضًا ثَمَانِيَةٌ إبِلٌ وَبَقَرٌ وَغَنَمٌ وَذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَزَرْعٌ وَنَخْلٌ وَكَرْمٌ وَهَذَا فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ، فَلَا تَرِدُ التِّجَارَةُ بَلْ هِيَ رَاجِعَةٌ إلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
قَوْلُهُ: (لِلْفُقَرَاءِ إلَخْ) أَضَافَ فِيهَا الصَّدَقَاتِ إلَى الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ الْأُولَى بِاللَّامِ الْمُفِيدَةِ لِلْمِلْكِ وَإِلَى الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ، بِفِي الْمُفِيدَةِ لِلظَّرْفِيَّةِ لِلْإِشَارَةِ إلَى إطْلَاقِ الْمِلْكِ فِي الْأُولَى، وَتَقْيِيدِهِ بِصَرْفِهِ فِي مَصَارِفِهِ فِي الْأَخِيرَةِ، حَتَّى لَمْ يَصْرِفُوهُ فِيهَا اسْتَرْجَعَ مِنْهُمْ كُلَّهُ أَوْ مَا بَقِيَ، وَذَكَرَ الظَّرْفِيَّةَ فِي كُلِّ صِنْفَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْأَوَّلَيْنِ مِنْهُمَا يَأْخُذَانِ لِغَيْرِهِمْ.
وَالْأَخِيرَيْنِ مِنْهَا يَأْخُذَانِ لِأَنْفُسِهِمَا.
قَوْلُهُ: (الْفَقِيرُ) الَّذِي هُوَ مُفْرَدُ الْفُقَرَاءِ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ.
قَوْلُهُ: (يَقَعُ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ حَاجَتِهِ) أَيْ كِفَايَتِهِ لِعُمْرِهِ الْغَالِبِ أَوْ بَقِيَّتِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ عُمَرُ مُمَوَّنِهِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ كِفَايَةُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ دُيُونٌ لَمْ يُعْطَ حَتَّى يَصْرِفَهُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ ثَلَاثَةً) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ أَوْ أَرْبَعَةً فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ مِنْ الْمِسْكِينِ.
قَوْلُهُ: (وَثِيَابُهُ) وَحُلِيُّ الْمَرْأَةِ كَالثِّيَابِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ لِلتَّجَمُّلِ) أَيْ وَلَوْ مَرَّةً فِي الْعَامِ أَيْ مَعَ كَوْنِهَا لَائِقَةً بِهِ كَالْحُلِيِّ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَسْكَنِ نَعَمْ إنْ اسْتَغْنَى بِسُكْنَى نَحْوِ الْمَدَارِسِ قَالَ شَيْخُنَا أَوْ بِنَحْوِ الْأُجْرَةِ مَنَعَ مَسْكَنَهُ فَقْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَعَبْدُهُ) أَيْ اللَّائِقُ بِهِ، وَمِثْلُهُ خَيْلُ الْجُنْدِيِّ غَيْرِ الْمُرْتَزِقِ أَوْ لَمْ يُعْطِهِ الْإِمَامُ وَكَذَا آلَةُ الْمُحْتَرِفِ، وَكُتُبُ الْعَالِمِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا، وَلَوْ مِنْ نَحْوِ طِبٍّ، أَوْ وَعْظٍ أَوْ تَعَدَّدَتْ مِنْ فَنٍّ وَاحِدٍ نَعَمْ إنْ تَعَدَّدَتْ مِنْ كِتَابٍ تُرِكَ لَهُ الْأَصَحُّ وَمِثْلُ كُتُبِ الْعِلْمِ تَوَارِيخُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ لَا غَيْرِهِمْ.
وَأَشْعَارِ نَحْوِ اللُّغَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَالُهُ الْغَائِبُ) وَلَوْ حُكْمًا كَحَاضِرٍ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُؤَجَّلُ) وَإِنْ قَصُرَ الْأَجَلُ وَقَيَّدَ شَيْخُنَا الْإِعْطَاءَ لِهَذَيْنِ بِمَا إذَا لَمْ يَجِدَا مِنْ يُقْرِضُهُمَا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى مَالِهِ) صَوَابُهُ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ مَالُهُ أَوْ إسْقَاطُ لَفْظِ إلَى؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَفْرَادِ ابْنِ
[حاشية عميرة]
ابْنُ يُونُسَ فِيهِ الْحَاءَ الْمُهْمَلَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ حَضَرَ إلَخْ) مِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ عَبْدُ الْكَافِرِ الْمُسْلِمُ إذَا حَضَرَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لِسَيِّدِهِ وَهُوَ كَافِرٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ الْأُجْرَةُ) أَيْ وَلَوْ بَلَغَتْ سَهْمَ الرَّاجِلِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي بَابِ السَّيْرِ قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَوْ بَلَغَتْ سَهْمَ الْفَارِسِ جَازَ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحَاجَةِ.
[كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ]
ِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِشْعَارِهَا بِصِدْقِ بَاذِلِهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا كَسْبَ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ لَمْ يَجْعَلُوا الْغَنِيَّ بِالْكَسْبِ كَالْمَالِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، كَالْحَجِّ بَلْ فِيمَا يَجِبُ لَهُ كَالزَّكَاةِ قِيلَ كَانَ مِنْ حَقِّ الْمُؤَلِّفِ أَنْ يَذْكُرَ الْآيَةَ كَمَا فَعَلَ، الْمُحَرِّرُ ثُمَّ يَسُوقُ بَيَانَ الْأَصْنَافِ لِيَكُونَ الْكَلَامُ مُرْتَبِطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا بَدَأَ فِي الْآيَةِ بِالْفَقِيرِ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مَسْكَنُهُ وَثِيَابُهُ) أَيْ اللَّائِقَانِ بِهِ فِيمَا يَظْهَرُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَالُهُ الْغَائِبُ) أَيْ قِيَاسًا عَلَى فَسْخِ الْمَرْأَةِ النِّكَاحَ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
قَالَ الْبَغَوِيّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ لَا مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ.
يَمْنَعُ الْفَقْرَ مَسْكَنُهُ وَثِيَابُهُ) ، إنْ كَانَتْ لِلتَّجَمُّلِ قَالَ ابْنُ كَجٍّ وَعَبْدُهُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي، الرَّوْضَةِ وَعَلَى وَفْقِ بَحْثِ الرَّافِعِيِّ، وَقَالَ: وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ (وَمَالُهُ الْغَائِبُ فِي مَرْحَلَتَيْنِ وَالْمُؤَجَّلُ) فَيَأْخُذُ مَا يَكْفِيهِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى مَالِهِ، وَإِلَى أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ.
(وَكَسْبٌ لَا يَلِيقُ بِهِ) فَيَتْرُكُهُ، وَيَأْخُذُ (وَلَوْ اشْتَغَلَ بِعِلْمٍ) شَرْعِيٍّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا (وَالْكَسْبُ يَمْنَعُهُ) مِنْ الِاشْتِغَالِ بِهِ (فَفَقِيرٌ) فَيَشْتَغِلُ بِالْعِلْمِ، وَيَأْخُذُ (لَوْ اشْتَغَلَ بِالنَّوَافِلِ فَلَا) أَيْ فَلَيْسَ بِفَقِيرٍ، فَيَكْتَسِبُ وَلَا يَشْتَغِلُ بِهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ فَرْضُ كِفَايَةٍ (وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ فِي الْفَقِيرِ الَّذِي يَأْخُذُ (الزَّمَانَةُ وَلَا التَّعَفُّفُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْجَدِيدِ) وَالْقَدِيمِ يُشْتَرَطَانِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الزَّمِنِ يُمْكِنُهُ الْكَسْبُ، وَغَيْرُ الْمُتَعَفِّفِ إذَا سَأَلَ أُعْطِيَ وَمَنَعَ الْأَوَّلُ التَّوْجِيهَيْنِ (وَالْمَكْفِيُّ بِنَفَقَةٍ قَرِيبٌ أَوْ زَوْجٌ لَيْسَ فَقِيرًا فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ، كَالْمُكْتَسِبِ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرَ كِفَايَتِهِ، وَالثَّانِي يُنْظَرُ إلَى أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا كَسْبَ، وَيُمْنَعُ تَشْبِيهُهُ بِالْمُكْتَسِبِ، (وَالْمِسْكِينُ مَنْ قَدَرَ عَلَى مَالٍ أَوْ كَسْبٍ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ، وَلَا يَكْفِيهِ) ، كَمَنْ يَمْلِكُ أَوْ يَكْسِبُ سَبْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً وَلَا يَكْفِيهِ إلَّا عَشَرَةٌ وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ الْمَالِ، أَوْ يَكْسِبُ نِصَابًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ قَوْلِنَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ الْمَطْعَمَ، وَالْمُشْرَبَ وَالْمَلْبَسَ، وَالْمَسْكَنَ، وَسَائِرَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ، وَلَا تَقْتِيرٍ لِلشَّخْصِ، وَلِمَنْ هُوَ فِي نَفَقَتِهِ (وَالْعَامِلُ سَاعٍ وَكَاتِبٌ) وَحَاسِبٌ (وَقَاسِمٌ وَحَاشِرٌ يَجْمَعُ ذَوِي الْأَمْوَالِ) ، وَحَافِظٌ لَهَا (لَا الْقَاضِي وَالْوَالِي) أَيْ وَالِي الْإِقْلِيمِ، وَالْإِمَامُ فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِي الزَّكَاةِ وَرِزْقُهُمْ، إذَا لَمْ يَتَطَوَّعُوا فِي خُمُسِ الْخُمُسِ الْمُرْصَدُ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ عَامٌّ (وَالْمُؤَلَّفَةُ مَنْ أَسْلَمَ، وَنِيَّتُهُ ضَعِيفَةٌ، أَوْ لَهُ شَرَفٌ يُتَوَقَّعُ بِإِعْطَائِهِ إسْلَامُ غَيْرِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ)
[حاشية قليوبي]
السَّبِيلِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَكَسْبٌ لَا يَلِيقُ بِهِ) أَوْ يَلِيقُ بِهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ ذَوِي الْبُيُوتِ الَّذِينَ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِالتَّكَسُّبِ، فَلَهُ الْأَخْذُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَائِقٍ بِهِ عُرْفًا.
قَوْلُهُ: (بِعِلْمٍ شَرْعِيٍّ) وَلَوْ مِمَّا يُطَهِّرُ الْبَاطِنَ كَالتَّصَوُّفِ، وَمِثْلُ الْعِلْمِ آلَتُهُ كَالنَّحْوِ، وَكَذَا حِفْظُ الْقُرْآنِ لَا تِلَاوَتُهُ، وَكَذَا إنْذَارُ صَوْمِ الدَّهْرِ حَيْثُ جَازَ.
قَوْلُهُ: (فَيَشْتَغِلُ بِالْعِلْمِ) إنْ كَانَ فِيهِ تَحْصِيلٌ، وَإِلَّا فَلَا يُعْطَى شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (وَيَأْخُذُ) أَيْ مَا يَكْفِيهِ وَيَكْفِي مُمَوَّنَهُ اللَّازِمَةُ نَفَقَتُهُ كَأَبِيهِ وَوَلَدِهِ وَعَبْدِهِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لَا زَوْجَتِهِ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (بِالنَّوَافِلِ) وَلَوْ مُؤَكَّدَةً أَوْ مُؤَقَّتَةً فَلَا يُعْطَى.
قَوْلُهُ: (فَرْضُ كِفَايَةٍ) أَيْ أَصَالَةً أَوْ غَالِبًا فَيَدْخُلُ الْمُجْتَهِدُ فَيُعْطَى وَكُلُّ فَرْضِ كِفَايَةٍ كَذَلِكَ، وَفَرْضُ الْعَيْنِ بِالْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (الزَّمَانَةُ) هِيَ الْعَاهَةُ كَمَا فِي الْمُحْكَمِ وَفِي الصِّحَاحِ آفَةٌ فِي الْحَيَوَانِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يَمْنَعُ مِنْ التَّكَسُّبِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَكْفِيُّ) قَالَ شَيْخُنَا فَلَوْ لَمْ يَكْفِهِ فَلَهُ أَخْذُ تَمَامِ كِفَايَتِهِ، وَلَوْ مِنْ زَكَاةِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ مِنْ زَوْجٍ أَوْ قَرِيبٍ كَمَا لِلزَّوْجِ الْفَقِيرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ زَكَاةِ زَوْجَتِهِ، وَإِنْ أَعَادَهَا لَهَا عَنْ النَّفَقَةِ، وَمَنْعُهُمْ دَفْعَ زَكَاتِهِ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ تَكْفِيهِ النَّفَقَةُ، وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ قَرِيبُهُ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ.
وَاسْتَحْيَا مِنْ رَفْعِهِ إلَى الْحَاكِمِ كَانَ لَهُ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَكْفِيٍّ أَيْضًا، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ عَنْ النَّفَقَةِ أَوْ غَابَ.
وَإِنْ قَدَرَتْ عَلَى الْفَسْخِ بِذَلِكَ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ مَاتَ الْمُنْفِقُ، وَلِقَرِيبِهِ الْأَخْذُ مِنْ زَكَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (بِنَفَقَةِ زَوْجٍ) وَلَوْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ نَاشِزًا لِقُدْرَتِهَا عَلَى الطَّاعَةِ حَالًا، كَمَا يَأْتِي قَوْلُهُ: (لَيْسَ فَقِيرًا) عِبَارَةُ أَصْلِهِ وَالشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ لَا يُعْطَى وَمَا سَلَكَهُ الْمُصَنِّفُ أَوْلَى لِإِيهَامِ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ مِنْ الْفَقِيرِ، فَلَا يُعْطَى فَيَخْرُجُ عَنْ الْحَدِّ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَا تُعْطَى النَّاشِزَةُ لِقُدْرَتِهَا عَلَى الطَّاعَةِ حَالًا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (سَبْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً) وَكَذَا سِتَّةً أَوْ خَمْسَةً كَمَا مَرَّ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ فِي الْخَمْسَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَا يَلِيقُ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَلَوْ اعْتَادَ مَا دُونَهُ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (سَاعٍ) وَهُوَ الْجَابِي.
قَوْلُهُ: (وَكَاتِبٌ) يَكْتُبُ مَا أَعْطَاهُ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ.
قَوْلُهُ: (يَجْمَعُ إلَخْ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْحَاشِرِ، وَكَذَا مَنْ يَجْمَعُ ذَوِي السُّهْمَانِ، وَمِنْهُ الْعَرِيفُ الَّذِي يَعْرِفُ أَرْبَابَ الِاسْتِحْقَاقِ كَالنَّقِيبِ وَالْمِشَدِّ وَمِنْهُ الْكَيَّالُ وَالْعَدَّادُ وَالْوَزَّانُ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي مَالِ الْمُسْتَحِقِّينَ، فَإِنْ فَعَلُوهُ لِتَمْيِيزِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمَالِ فَأُجْرَتُهُمْ عَلَى الْمَالِكِ.
قَوْلُهُ: (وَحَافِظٌ لَهَا) أَيْ لِلْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ الزَّكَاةُ، وَمِثْلُهُ الرَّاعِي لَهَا، وَالْخَازِنُ وَنَحْوُهُمْ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِ الْإِمَامِ لَهَا، وَإِلَّا فَأُجْرَتُهُمْ فِي جُمْلَةِ السُّهْمَانِ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ إلَّا فِي سَهْمِ الْعَامِلِ.
تَنْبِيهٌ: إذَا فَرَّقَ الْمَالِكُ أَوْ جَعَلَ الْإِمَامُ لِمَنْ يَعْمَلُ جُعْلًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا عَامِلَ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (الْقَاضِي وَالْوَالِي إلَخْ) أَيْ إذَا قَامُوا بِمَا يَعْمَلُهُ الْعَامِلُ مِمَّا ذُكِرَ لَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (وَالْمُؤَلَّفَةُ) أَيْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَمَّا مُؤَلَّفَةُ الْكُفَّارِ، وَهُمْ مَنْ يُرْجَى إسْلَامُهُ، أَوْ يُخَافُ مِنْ شَرِّهِ فَلَا يُعْطَوْنَ مِنْ زَكَاةٍ وَلَا غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ وَأَغْنَى عَنْ التَّأْلِيفِ، وَمَحَلُّهُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا يَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ نَازِلَةٌ.
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ اشْتَغَلَ بِالنَّوَافِلِ فَلَا) أَيْ لِأَنَّ نَفْعَهَا قَاصِرٌ بِخِلَافِ الْعِلْمِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لِزَمَانَةٍ) هِيَ الْعَاهَةُ قَالَهُ فِي الْمُحْكَمِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ زَوْجٍ) لَوْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ اسْتَحَقَّتْ مِنْ الزَّكَاةِ وَلَا تُكَلَّفُ الْفَسْخَ.
فَائِدَةٌ لَوْ مَاتَ الْقَرِيبُ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ فَهَلْ تُدْفَعُ لِأَقَارِبِهِ أَجَابَ الْقَفَّالُ بِأَنَّهُمْ إنْ كَانُوا مِمَّنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَلَا تُدْفَعُ لَهُمْ، وَإِلَّا فَنَعَمْ ثُمَّ قَالَ وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا سَاقِطَةٌ عَنْهُ بِالْمَوْتِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ الْمَذْهَبُ عَدَمُ الْجَوَازِ لِبَقَاءِ الْبَعْضِيَّةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (سَاعٍ) هُوَ الْأَصْلُ وَالْبَوَاقِي أَعْوَانٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَا الْقَاضِي وَالْوَالِي) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ أَيْ إذَا قَامَا بِذَلِكَ لَا حَقَّ لَهُمَا فِيهَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَبَعْضُ الْمَذْكُورَاتِ يَدْخُلُ فِي
وَالْقَوْلُ الثَّانِي مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ وَقُوَّةِ كَلَامِ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِالْأَوَّلِ لِلْآيَةِ، (وَالرِّقَابُ الْمُكَاتَبُونَ) ، فَيُدْفَعُ إلَيْهِمْ مَا يُعِينُهُمْ عَلَى الْعِتْقِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مَا يَفِي بِنُجُومِهِمْ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْكِتَابَةِ صَحِيحَةً، وَيَجُوزُ الدَّفْعُ قَبْلَ حُلُولِ النَّجْمِ، وَبِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ، (وَالْغَارِمُ إنْ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ) كَنَفَقَةِ عِيَالِهِ، (أُعْطِيَ) بِخِلَافِ الْمُسْتَدِينِ فِي مَعْصِيَةٍ، كَالْخَمْرِ وَالْإِسْرَافِ فِي النَّفَقَةِ فَلَا يُعْطَى، (قُلْت: الْأَصَحُّ يُعْطَى إذَا تَابَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ أَيْضًا، وَوُجِّهَ مُقَابِلُهُ بِأَنَّهُ يَتَّخِذُ لَهُ التَّوْبَةَ ذَرِيعَةً لِلْأَخْذِ، وَيَعُودُ وَالرَّافِعِيُّ حَكَى الْوَجْهَيْنِ، وَتَصْحِيحُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ جَمَاعَةٍ (وَالْأَظْهَرُ اشْتِرَاطُ حَاجَتِهِ) بِأَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى وَفَاءِ مَا اسْتَدَانَهُ، وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ لِعُمُومِ الْآيَةِ (دُونَ حُلُولِ الدَّيْنِ) فَلَا يُشْتَرَطُ (قُلْت الْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ حُلُولِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِيَكُونَ مُحْتَاجًا إلَى وَفَائِهِ، وَالْأَوَّلُ يُنْظَرُ إلَى وُجُوبِهِ (أَوْ) اسْتَدَانَ (لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ) أَيْ الْحَالِ بَيْنَ الْقَوْمِ كَانَ يَخَافُ فِتْنَةً بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ تَنَازَعَتَا فِي قَتِيلٍ، لَمْ يَظْهَرْ قَاتِلُهُ فَيَتَحَمَّلُ الدِّيَةَ تَسْكِينًا لِلْفِتْنَةِ، (أُعْطِيَ مَعَ الْغِنَى) ، بِالْعَقَارِ وَالْعَرَضِ وَالنَّقْدِ لِعُمُومِ الْآيَةِ، (وَقِيلَ إنْ كَانَ غَنِيًّا بِنَقْدٍ فَلَا) يُعْطَى، وَالْفَرْقُ أَنَّ إخْرَاجَهُ فِي الْغُرْمِ لَيْسَ، فِيهِ مَشَقَّةُ بَيْعِ الْعَقَارِ، أَوْ الْعَرَضِ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الشَّرُّ مُتَوَقَّعًا فِي مَالٍ فَتُحْمَلُ قِيمَةُ الْمُتْلِفِ فَفِي إعْطَائِهِ مَعَ الْغِنَى وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْكُلِّيَّةِ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ فِتْنَةَ الدَّمِ أَشَدُّ، وَلَوْ لَزِمَهُ الدَّيْنُ بِالضَّمَانِ بِغَيْرِ إذْنٍ، وَهُوَ مُعْسِرٌ أُعْطِيَ مَا يَقْضِي
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَنِيَّتُهُ ضَعِيفَةٌ) أَيْ لَيْسَ لَهَا قُوَّةُ مَنْ نَشَأَ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهَا مُزَلْزَلَةٌ فِي الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَهُ شَرَفٌ) أَيْ أَوْ مَنْ قَوِيَ إسْلَامُهُ لَكِنْ لَهُ شَرَفٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ) أَيْ سَوَاءٌ قَسَمَ الْإِمَامُ أَوْ الْمَالِكُ وَسَوَاءٌ اُحْتِيجَ إلَيْهِمْ أَوْ لَا وَمَا فِي الْمَنْهَجِ مِنْ شَرْطِ أَنْ يَقْسِمَ الْإِمَامُ، وَأَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِمْ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَقَدْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْقِسْمَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ.
وَهُمْ مَنْ يَكْفِينَا شَرَّ مَنْ يَلِيهِ مِنْ الْكُفَّارِ، أَوْ مَانِعِي الزَّكَاةِ فَإِنْ حُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى ذَلِكَ فَوَاضِحٌ.
قَوْلُهُ: (وَالرِّقَابُ) جَمْع رَقَبَةٍ عَبَّرَ بِهَا عَنْ الشَّخْصِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ كَالْحَبْلِ فِي عُنُقِهِ ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمُكَاتَبِينَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
قَوْلُهُ: (فَيَدْفَعُ) أَيْ يَدْفَعُ الْإِمَامُ مُطْلَقًا أَوْ الْمَالِكُ غَيْرُ السَّيِّدِ أَوْ السَّيِّدُ مِنْ غَيْرِ زَكَاةِ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ: لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ، وَهُوَ لَا يَدْفَعُهَا لِمَمْلُوكِهِ.
قَوْلُهُ: (إلَيْهِمْ) أَوْ إلَى سَيِّدِهِمْ وَهُوَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْكِتَابَةِ صَحِيحَةً) وَأَنْ تَكُونَ لِجَمِيعِهِ، وَأَمَّا مُكَاتَبُ الْبَعْضِ فَإِنْ كَانَ بَاقِيهِ حُرًّا فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا يُعْطَى شَيْئًا؛ لِأَنَّ كِتَابَتَهُ فَاسِدَةٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ مَحَلِّهَا، وَلَا عِبْرَةَ بِمُهَايَأَةٍ كَمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَالْغَارِمُ) وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ إمَّا لِنَفْسِهِ أَوْ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ أَوْ لِضَمَانٍ، وَيُعْتَبَرُ الْفَقْرُ فِي غَيْرِ الثَّانِي كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لِنَفْسِهِ) وَمِثْلُهُ لِإِقْرَاءِ ضَيْفٍ أَوْ بِنَاءِ مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَاجَةُ الْآتِيَةُ.
قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ) وَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ بِقَصْدِهِ ذَلِكَ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْقَرَائِنِ.
قَوْلُهُ: (أَعْطَى) وَإِنْ صَرَفَهُ فِي مَعْصِيَةٍ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْمُسْتَدِينِ فِي مَعْصِيَةٍ) أَيْ وَصَرَفَهُ فِيهَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ، وَإِلَّا أُعْطِيَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَالْإِسْرَافِ فِي النَّفَقَةِ فَلَا يُعْطَى) وَهُوَ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى الْخَمْرِ فَهُوَ حَرَامٌ لِكَوْنِهِ بِاسْتِدَانَةٍ أَمَّا لَوْ كَانَ مِنْ مَالٍ عِنْدَهُ فَلَا يَحْرُمُ.
قَوْلُهُ: (إذَا تَابَ) وَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ عَلَى تَوْبَتِهِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَوُجِّهَ مُقَابِلُهُ) بِضَمِّ الْوَاوِ مَعَ تَشْدِيدِ الْجِيمِ الْمَكْسُورَةِ بِأَنَّهُ قَدْ يَتَّخِذُ التَّوْبَةَ ذَرِيعَةً لِلْأَخْذِ وَيَعُودُ وَمُنِعَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَا يَقْدِرَ) أَيْ يُفْقَدَ عِنْدَهُ وَلَا يُكَلَّفَ بَيْعَ نَحْوِ مَسْكَنِهِ، وَلَا غَيْرِهِ قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَلَا يُكَلَّفُ الْكَسْبَ وَإِنْ عَصَى بِالدَّيْنِ، وَلَوْ وَفَّى دَيْنَهُ مِنْ قَرْضٍ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِمَا أَخَذَهُ لِبَقَاءِ الدَّيْنِ، أَوْ بِإِبْرَاءٍ اسْتَرَدَّ، وَإِنْ طَرَأَ دَيْنٌ بَعْدَهُ قَبْلَ الرَّدِّ.
قَوْلُهُ: (الْأَصَحُّ) عَدَلَ إلَيْهِ عَنْ الْأَظْهَرِ الْمُعَبَّرِ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ لِيُفِيدَ أَنَّ الْخِلَافَ أَوْجَهُ، كَمَا فِي الشَّرْحِ لِيُوَافِقَ اصْطِلَاحَهُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْحَالُ بَيْنَ الْقَوْمِ) هُوَ بَيَانٌ لِذَاتِ الْبَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فِي قَتِيلٍ) وَلَوْ مِنْ غَيْرِ آدَمِيٍّ كَنَحْوِ كَلْبٍ بَلْ لَيْسَ قَيْدًا كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَظْهَرْ) لَيْسَ قَيْدًا أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (الدِّيَةَ) قَدْ عُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ قَيْدًا بَلْ الْقِيمَةُ وَغَيْرُهَا كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (أُعْطِيَ إلَخْ) أَيْ إنْ كَانَ مَا اسْتَدَانَهُ بَاقِيًا وَحَلَّ أَجَلُهُ، فَإِنْ وَفَّاهُ مِنْ مَالِهِ، أَوْ لَمْ يَحِلَّ أَجَلُهُ لَمْ يُعْطَ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (فِي مَالٍ) لَيْسَ قَيْدًا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا نَعَمْ) لِأَنَّ الْمَالَ كَالنَّفْسِ لَمَّا عَلَّلَ بِهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ إذْنٍ) وَكَذَا بِإِذْنٍ وَأَعْسَرَ هُوَ وَالْأَصِيلُ.
قَوْلُهُ:
[حاشية عميرة]
وِلَايَةِ الْقَاضِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَقَامَ لَهَا نَاظِرًا.
قَوْلُهُ: (وَالْقَوْلُ الثَّانِي مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ) اُنْظُرْ مَا الْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ حِينَئِذٍ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَوْ فَرَّقَ الْمَالِكُ سَقَطَ سَهْمُ الْمُؤَلَّفَةِ أَيْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الَّذِي يُعْطِيهِمْ إذَا دَعَتْ إلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ وَدَعَا إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْمُكَاتَبُونَ) أَيْ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي جَعْلِهِمَا الْمُرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِذَلِكَ رِقَابَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُمْ اقْتِرَانُهُمْ فِي الْآيَةِ مَعَ الْغَارِمِينَ وَكَمَا أَنَّهُ يَدْفَعُ لِلْغَارِمِينَ كَذَلِكَ الرِّقَابُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَظْهَرُ اشْتِرَاطُ حَاجَتِهِ كَالْمُكَاتَبِ) . فَائِدَةٌ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ الِاسْتِدَانَةِ لِلْمَعْصِيَةِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ فِي الْإِعْطَاءِ مِنْ الْحَاجَةِ قَطْعًا وَلَوْ قَدَرَ هَذَا الْغَارِمُ عَلَى الْكَسْبِ لَمْ يُكَلَّفْ نَعَمْ إنْ كَانَ اسْتَدَانَ فِي مَعْصِيَةٍ فَمَحَلُّ نَظَرٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت الْأَصَحُّ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ وَجْهَانِ وَهُوَ مَا فِي الشَّرْحَيْنِ وَصَدْرُ عِبَارَةِ الْمَتْنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَوْلَانِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْحَالُ) تَفْسِيرٌ لِذَاتِ الْبَيْنِ قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: قَوْلُهُمْ: إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ يَعْنِي الْأَحْوَالَ.
الَّتِي بَيْنَهُمْ وَإِصْلَاحُهَا بِالتَّعَهُّدِ وَلَمَّا كَانَتْ مُلَابَسَةً وُصِفَتْ بِهِ فَقِيلَ لَهَا ذَاتُ الْبَيْنِ كَمَا قِيلَ لِلْإِسْرَارِ ذَاتُ الصُّدُورِ كَذَلِكَ انْتَهَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أُعْطِيَ مَعَ الْغَنِيِّ) لَوْ اسْتَدَانَ لِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ أَوْ إقْرَاءِ ضَيْفٍ لَمْ يُعْطَ مَعَ الْغِنَى.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ كَالِاسْتِدَانَةِ لِنَفْسِهِ.
بِهِ الدَّيْنَ (وَسَبِيلُ اللَّهِ تَعَالَى غُزَاةٌ لَا فَيْءَ لَهُمْ) بِأَنْ نَشِطُوا لِلْجِهَادِ، وَلَمْ يَتَجَرَّدُوا لَهُ (فَيُعْطَوْنَ مَعَ الْغِنَى) بِخِلَافِ مَنْ تَجَرَّدُوا لَهُ، وَهُمْ الْمُرْتَزِقَةُ الَّذِينَ لَهُمْ حَقٌّ فِي الْفَيْءِ، فَلَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ (وَابْنُ السَّبِيلِ مُنْشِئُ سَفَرٍ) مِنْ بَلَدِهِ أَوْ بَلَدٍ كَانَ مُقِيمًا بِهِ (أَوْ مُجْتَازٌ) بِبَلَدٍ فِي سَفَرِهِ (وَشَرْطُهُ الْحَاجَةُ وَعَدَمُ الْمَعْصِيَةِ) بِسَفَرِهِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي سَفَرِهِ، أَوْ كَانَ سَفَرُهُ مَعْصِيَةً، لَمْ يُعْطَ فَيُعْطَى فِي الطَّاعَةِ كَالسَّفَرِ لِلْحَجِّ، وَالزِّيَارَةِ وَفِي الْمُبَاحِ كَالسَّفَرِ لِطَلَبِ الْآبِقِ، وَالنُّزْهَةِ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يُعْطَى (وَشَرْطُ آخِذِ الزَّكَاةِ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْإِسْلَامُ) ، فَلَا تُعْطَى لِكَافِرٍ لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «صَدَقَةٌ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» ، (وَأَنْ لَا يَكُونَ هَاشِمِيًّا، وَلَا مُطَّلِبِيًّا) ، فَلَا تَحِلُّ لَهُمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ «لَا أُحِلُّ لَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْ الصَّدَقَاتِ شَيْئًا، وَلَا غُسَالَةَ الْأَيْدِي إنَّ لَكُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا يَكْفِيكُمْ أَوْ يُغْنِيكُمْ» ، أَيْ بَلْ يُغْنِيكُمْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ (وَكَذَا مَوْلَاهُمْ) أَيْ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِحَدِيثِ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَالثَّانِي قَالَ الْمَنْعُ فِيهِمْ لِاسْتِغْنَائِهِمْ بِخُمُسِ الْخُمُسِ، كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا حَقَّ لِمَوْلَاهُمْ فِيهِ فَتَحِلُّ لَهُ.
[حاشية قليوبي]
وَسَبِيلُ اللَّهِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ مُوَصِّلٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ (غُزَاةٌ) هُوَ خَبَرٌ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِحَذْفٍ مِنْ الْأَوَّلِ أَوَالثَّانِي أَيْ أَهْلُ سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ حَالُ غُزَاةٍ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَتَجَرَّدُوا لَهُ) أَيْ لَمْ يَرْتَزِقُوا مِنْ الْفَيْءِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ) وَإِنْ تَعَذَّرَ الصَّرْفُ لَهُمْ مِنْ الْفَيْءِ وَعَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ إعَانَتُهُمْ حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (وَابْنُ السَّبِيلِ) أَيْ ابْنُ الطَّرِيقِ نُسِبَ إلَيْهَا بِالْوِلَادَةِ مُبَالَغَةً لِمُلَازَمَتِهِ لَهَا سُلُوكُهُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (مُنْشِئُ سَفَرٍ) خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَوْلُهُ: (أَوْ مُجْتَازٌ) وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (مَعَهُ) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ كَانَ كَسُوبًا، أَوْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ فَلَا يُمْنَعَانِ مِنْ إعْطَائِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَنْهَجِ، وَفَارَقَ عَدَمُ الْإِعْطَاءِ لِمَنْ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ إذَا وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ، بِأَنَّ السَّفَرَ أَشَقُّ، وَالْحَاجَةُ فِيهِ أَشَدُّ.
قَوْلُهُ: (وَالنُّزْهَةِ) فَيُعْطَى وَإِنْ كَانَتْ حَامِلَةً عَلَى سَفَرِهِ، وَلَوْ تَابَ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ أُعْطِيَ مِنْ حِينِ التَّوْبَةِ، وَلَا يُعْطَى الْهَائِمُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ فَيُعْطَى الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا عُلِمَ مِنْ تَقْيِيدِ الشَّارِحِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَفِيهِ) أَيْ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ، وَدَخَلَ فِي الطَّاعَةِ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَسَكَتَ عَنْ الْمَكْرُوهِ، كَسَفَرِ التِّجَارَةِ فِي أَكْفَانِ الْمَوْتَى فَيُعْطَى فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصِيَةٍ وَلَوْ ذَكَرَهُ بَدَلَ الْمُبَاحِ أَوْ مَعَهُ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطُ آخِذِ الزَّكَاةِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا زَكَاةً فَلَوْ كَانَ بِإِجَارَةٍ، وَلَوْ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ جَازَتْ مِنْ كَافِرٍ وَهَاشِمِيٍّ وَغَيْرِهِمَا.
قَوْلُهُ: (الْإِسْلَامُ) وَكَذَا الْحُرِّيَّةُ الْكَامِلَةُ إلَّا فِي الْمُكَاتَبِ كَمَا مَرَّ، وَلَا يُعْطَى الْمُبَعَّضُ شَيْئًا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يَكُونَ) أَيْ الْآخِذُ وَلَوْ أُنْثَى.
قَوْلُهُ: (هَاشِمِيًّا وَلَا مُطَّلِبِيًّا) أَيْ مُنْتَسِبًا إلَيْهِمْ أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَخَرَجَ أَوْلَادُ بَنَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا مَوْلَاهُمْ) أَيْ عَتِيقُهُمْ، وَلَوْ أُنْثَى وَكَذَا أَوْلَادُهُ وَمَنْ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ أَيْضًا نَعَمْ يُتَّجَهُ إعْطَاءُ أَوْلَادِ بَنَاتِهِ مِنْ غَيْرِهِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ بِالْأُولَى.
تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِالزَّكَاةِ فِي شَرْطِ الْآخِذِ الْمَذْكُورِ كُلُّ وَاجِبٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَالنَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ انْتَهَى، وَفِيهِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ يُدْرَكُ بِمُرَاجَعَةِ مَوَاضِعِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ) أَيْ مَنْسُوبٌ إلَيْهِمْ وَيَرِثُونَهُ فَخَرَجَ نَحْوُ ابْنِ الْأُخْتِ وَإِنْ وَرَدَ ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ لِعَدَمِ مَا ذُكِرَ.
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ لِلْأَعْمَى دَفْعَهَا وَقَبْضَهَا لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ.
وَأَنَّهُ يَصِحُّ قَبْضُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا وَمَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِصِفَتِهَا، كَذَا قَالَ شَيْخُنَا كَغَيْرِهِ إنْ اعْتَمَدَهُ هُنَا، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ عَنْهُ فِي الْهِبَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ وَالْهَدِيَّةَ لَا تَصِحُّ مِنْ الْأَعْمَى، وَلَا لَهُ فَلَعَلَّ الْوَجْهَ أَنَّ مَا هُنَاكَ كَمَا هُنَا فَلْيُرَاجَعْ.
فَرْعٌ: ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّ زَوْجَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِنَّ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَوْتِهِ كَمَا فِي حَيَاتِهِ فَرَاجِعْهُ وَحَرِّرْهُ انْتَهَى.
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ مُجْتَازٌ) هَذَا بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَخَالَفَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ؛ لِأَنَّ السَّبِيلَ هُوَ الطَّرِيقُ، فَلَا يُضَافُ إلَّا لِمَنْ لَابَسَهُ وَقَوَّاهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ حَيْثُ إنَّ اللَّفْظَ لَا يَتَنَاوَلُهُ إلَّا لِمَجَازِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَجَازٌ مَغْلُوبٌ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِيقَةِ الْغَالِبَةِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ لَا يَحْنَثُ بِالنَّوْمِ عَلَى الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ مَعَهُ إلَخْ) لَوْ كَانَ كَسُوبًا جَازَ الْإِعْطَاءُ وَفَارَقَ مَا سَلَفَ فِي الْفَقِيرِ لِضَرُورَةِ السَّفَرِ هُنَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا مُطَّلِبِيًّا) قَالَ بَعْضُهُمْ: أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ دَفْعِهَا لِبَنِي الْمُطَّلِبِ إلَّا الشَّافِعِيَّ وَهُوَ مِنْهُمْ فَرْعٌ أَوْلَادُ بَنَاتِ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ تَحِلُّ لَهُمْ الصَّدَقَةُ بِاتِّفَاقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْخُمُسِ.
فَصْلٌ مَنْ طَلَبَ زَكَاةً، وَعَلِمَ الْإِمَامُ اسْتِحْقَاقًا أَوْ عَدَمَهُ عَمِلَ بِعِلْمِهِ فَلَا يَجُوزُ الصَّرْفُ لِمَنْ عَلِمَ عَدَمَ اسْتِحْقَاقِهِ، وَيَجُوزُ لِمَنْ عَلِمَ اسْتِحْقَاقَهُ، (وَإِلَّا) . أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ اسْتِحْقَاقَهُ أَوْ عَدَمَهُ، أَيْ لَمْ يَعْلَمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا (فَإِنْ ادَّعَى فَقْرًا أَوْ مَسْكَنَةً، لَمْ يُكَلَّفْ بَيِّنَةً) لِعُسْرِهَا وَلَا يَحْلِفُ إنْ اُتُّهِمَ فِي الْأَصَحِّ، (فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ وَادَّعَى تَلَفَهُ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ) لِسُهُولَتِهَا، (وَكَذَا إنْ ادَّعَى عِيَالًا) يُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ (فِي الْأَصَحِّ) وَلَوْ قَالَ: لَا كَسْبَ لِي، وَحَالُهُ يَشْهَدُ بِصِدْقِهِ بِأَنْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، أَوْ زَمِنًا أُعْطِيَ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ (وَيُعْطَى غَازٍ وَابْنُ سَبِيلٍ بِقَوْلِهِمَا) بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ، (فَإِنْ لَمْ يَخْرُجَا اُسْتُرِدَّ) مِنْهُمَا، وَيُحْتَمَلُ تَأْخِيرُ الْخُرُوجِ لِانْتِظَارِ الرِّفْعَةِ، وَتَحْصِيلِ الْأُهْبَةِ وَغَيْرِهِمَا.
(وَيُطَالَبُ عَامِلٌ وَمُكَاتَبٌ وَغَارِمٌ بِبَيِّنَةٍ) بِالْعَمَلِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالْغُرْمِ لِسُهُولَتِهَا، وَالصِّنْفُ الثَّانِي مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ يُطَالَبُ بِبَيِّنَةٍ، وَالْأَوَّلُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، (وَهِيَ) أَيْ الْبَيِّنَةُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَمَا تَقَدَّمَ (إخْبَارُ عَدْلَيْنِ)
[حاشية قليوبي]
فَصْلٌ فِي مُقْتَضَى صَرْفِ الزَّكَاةِ وَصِفَةِ مَنْ يَأْخُذُ مِنْهَا، وَمَا يُؤْخَذُ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (مَنْ طَلَبَ) لَيْسَ قَيْدًا.
قَوْلُهُ: (وَعُلِمَ) بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلظَّنِّ.
قَوْلُهُ: (الْإِمَامُ) وَمِثْلُهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِعْطَاءِ.
قَوْلُهُ: (اسْتِحْقَاقَهُ) أَيْ لِلزَّكَاةِ، وَمِثْلُهَا الْوَصِيَّةُ لِلْفُقَرَاءِ، وَالْوَقْفُ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ بَيِّنَةٍ.
قَوْلُهُ: (عَمِلَ بِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ عَلَى الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ لِعَدَمِ الْحُكْمِ هُنَا، وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِ عِلْمِهِ لَمْ يُعْمَلْ بِهَا مَا لَمْ تَذْكُرْ نَقْلَهُ مِنْ حَالَةٍ إلَى غَيْرِهَا، وَلَوْ قَامَتْ بِخِلَافِ ظَنِّهِ عَمِلَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ لِمَنْ إلَخْ) نَعَمْ إنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ فَالدَّفْعُ لِوَلِيِّهِ لَا لَهُ.
قَوْلُهُ: (ادَّعَى فَقْرًا أَوْ مَسْكَنَةً) أَيْ وَأَنَّهُ غَيْرُ كَسُوبٍ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَمْ يُعْلَمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ إنْ عَدِمَ الْعِلْمَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْعِلْمِ بِالْآخَرِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِهِمَا مَعًا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ) سَوَاءٌ مَنَعَ صَرْفَ جَمِيعِ الزَّكَاةِ إلَيْهِ أَوْ بَعْضَهَا وَيُعْطِي فِي الثَّانِي مَا زَادَ عَلَى مَالِهِ بِلَا يَمِينٍ.
قَوْلُهُ: (كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ) أَيْ فِيمَا يَحْتَاجُ فِي دَعْوَى تَلَفِهِ إلَيْهَا، وَإِلَّا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، أَوْ بِلَا يَمِينٍ عَلَى التَّفْصِيلِ فِي الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (ادَّعَى عِيَالًا) أَيْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ.
قَوْلُهُ: (يُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ فِي الْأَصَحِّ) وَمُقَابِلُهُ لَا يُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَا بُدَّ عَلَيْهِ مِنْ الْيَمِينِ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ هَذَا الْمُقَابِلَ، وَلَعَلَّهُ لِكَوْنِهِ يُعْلَمُ مِمَّا قَبْلَهُ أَوْ أَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِهِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَحَالُهُ يَشْهَدُ إلَخْ) قَيْدٌ لِمَحَلِّ الْقَطْعِ، وَإِلَّا فَفِيهِ وَجْهَانِ فِي الرَّوْضَةِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَخْرُجَا اُسْتُرِدَّ مِنْهُمَا) أَيْ بَعْدَ مُدَّةِ الْإِمْهَالِ الَّتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ الْمُقَدَّرَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَالَ شَيْخُنَا إنَّمَا يَسْتَرِدُّ مِنْهُمَا إذَا مَضَى عَامُ الْأَخْذِ فَقَبْلَ مُضِيِّهِ يُطَالَبُ الْغَازِي بِالْغَزْوِ أَوْ الرَّدِّ، وَلَوْ عَادَ بَعْدَ السَّفَرِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ دُخُولِهِ بِلَادَ الْحَرْبِ أَوْ بَعْدَهَا، وَلَمْ يُقَاتِلْ مَعَ قُرْبِ الْعَدُوِّ اُسْتُرِدَّ مِنْهُ الْجَمِيعُ أَيْضًا، وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ الْغَزْوِ وَفَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا أَوْ قَتَّرَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يُسْتَرَدَّ وَإِلَّا اُسْتُرِدَّ، وَيُطَالَبُ ابْنُ السَّبِيلِ بِالسَّفَرِ، أَوْ الرَّدِّ فَإِنْ عَادَ بَعْدَ السَّفَرِ اسْتَرَدَّ الْفَاضِلَ مِنْهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ قَتَّرَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ كَانَ الْفَاضِلُ يَسِيرًا، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَصْرِفْهُ وَعَادَ بِهِ، وَصَرَفَهُ وَلَوْ فِي غَيْرِ حَاجَةِ السَّفَرِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي حَاجَةِ السَّفَرِ، وَكُلُّ مَا يُسْتَرَدُّ يَجِبُ رَدُّهُ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَإِلَّا فَبَدَلُهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُحْتَمَلُ إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّ الْإِعْطَاءَ حَالَةَ إرَادَةِ الْخُرُوجِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّأَخُّرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَأَقَلُّ.
قَوْلُهُ: (بِالْعَمَلِ) هُوَ جَوَابُ الزَّرْكَشِيّ وَبِهِ سَقَطَ مَا أَطَالَ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ كَيْفَ يَحْتَاجُ الْعَامِلُ إلَى بَيِّنَةٍ مَعَ الْإِمَامِ مَعَ أَنَّهُ الَّذِي وَلَّاهُ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُصَوَّرُ، بِمَا إذَا اخْتَلَفَ الْإِمَامُ، أَوْ وَلَّاهُ نَائِبُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ هُوَ بِهِ أَوْ أَنَّ الْإِمَامَ نَسِيَ تَوْلِيَتَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُخْبِرُ بِأَنَّهُ عَامِلٌ، وَهُوَ لَيْسَ مُرَادًا نَعَمْ يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ مَعَ الْمَالِكِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ مَا أَخَذَهُ أَوْ بَرِئَ الْغَارِمُ مِنْ الدَّيْنِ بِغَيْرِهِ، أَوْ اسْتَغْنَى فِي غَيْرِ الْغَارِمِ لِذَاتِ الْبَيْنِ بِغَيْرِهِ اُسْتُرِدَّ مِنْ كُلِّ
[حاشية عميرة]
[فَصْلٌ مَنْ طَلَبَ زَكَاةً وَعَلِمَ الْإِمَامُ اسْتِحْقَاقًا أَوْ عَدَمَهُ]
فَصْلٌ مَنْ طَلَبَ زَكَاةً قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَمِلَ بِعِلْمِهِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَمْ يُخْرِجُوهُ عَلَى الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إضْرَارٌ بِمُعَيَّنٍ بِخِلَافِ الْحُكْمِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: مَنْ طَلَبَ الْحُكْمَ وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَمْ يُكَلَّفْ إلَخْ) دَلِيلُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى لِلَّذِينَ سَأَلَاهُ بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهُمَا أَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ» ، وَكَذَا يَصْدُقُ فِي دَعْوَى عَدَمِ الْكَسْبِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِذَا كَانَ ظَاهِرُ حَالِهِ مُخَالِفًا لِمَسْأَلَتِهِ وَقُوَّةِ بَدَنِهِ وَحُسْنِ هَيْئَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُ عَلَى طَرِيقِ الْوَعْظِ مَا قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذَيْنِ سَأَلَاهُ «لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي قُوَّةٍ يَكْتَسِبُ» ، ثُمَّ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالزَّكَاةِ فَفِي الْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأُولَى وَبَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي الثَّانِيَةِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، فَإِنَّ الْغَنِيَّ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، قَوْلُهُ: (الْبَيِّنَةَ لِسُهُولَتِهَا) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ بِفَقْرِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي الْأَصَحِّ) لَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ مُقَابِلَهُ، وَهُوَ عَدَمُ تَكْلِيفِ الْبَيِّنَةِ قِيَاسًا عَلَى دَعْوَى الْفَقْرِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَعَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ قَطْعًا قَوْلُهُ: (بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لِأَنَّهُ فِي أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُحْتَمَلُ تَأْخِيرُ الْخُرُوجِ إلَخْ)
وَلَا يَحْتَاجُ إلَى دَعْوَى عِنْدِ قَاضٍ، وَإِنْكَارٍ وَاسْتِشْهَادٍ (وَتُغْنِي عَنْهَا الِاسْتِفَاضَةُ) بَيْنَ النَّاسِ لِحُصُولِ الظَّنِّ بِهَا (وَكَذَا تَصْدِيقُ رَبِّ الدَّيْنِ) فِي الْغَارِمِ (وَالسَّيِّدِ) فِي الْمُكَاتَبِ يُغْنِي عَنْهَا (فِي الْأَصَحِّ) لِظُهُورِ الْحَالِ، وَالثَّانِي: لَا يُغْنِي لِاحْتِمَالِ التَّوَاطُؤِ
(وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا، إذَا لَمْ يُحْسِنْ الْكَسْبَ بِحِرْفَةٍ وَلَا تِجَارَةٍ، (كِفَايَةَ سَنَةٍ) ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ، فَتَحْصُلُ بِهَا الْكِفَايَةُ سَنَةً (قُلْت الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ) يُعْطَى (كِفَايَةَ الْعُمُرِ الْغَالِبُ، فَيَشْتَرِي بِهِ عَقَارًا يَسْتَغِلُّهُ) وَيَسْتَغْنِي عَنْ الزَّكَاةِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَمَنْ يُحْسِنُ الْكَسْبَ بِحِرْفَةٍ يُعْطَى مَا يَشْتَرِي بِهِ آلَاتِهَا قَلَّتْ قِيمَتُهَا، أَوْ كَثُرَتْ أَوْ بِتِجَارَةٍ يُعْطَى مَا يَشْتَرِي بِهِ، مِمَّا يُحْسِنُ التِّجَارَةَ فِيهِ مَا يَفِي رِبْحَهُ بِكِفَايَتِهِ غَالِبًا، فَالْبَقْلِيُّ يَكْتَفِي بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ والْباقِلَّائِيُّ بِعَشَرَةٍ وَالْفَاكِهِيُّ بِعِشْرِينَ، وَالْخَبَّازُ بِخَمْسِينَ، وَالْبَقَّالُ بِمِائَةٍ وَالْعَطَّارُ بِأَلْفٍ، وَالْبَزَّازُ بِأَلْفَيْنِ، وَالصَّيْرَفِيُّ بِخَمْسَةِ آلَافٍ، وَالْجَوْهَرِيُّ بِعَشَرَةِ آلَافٍ
(وَ) يُعْطَى (الْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (قَدْرَ دَيْنِهِ) ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِهِ أُعْطِيَ الْبَاقِيَ، (وَ) يُعْطَى (ابْنُ السَّبِيلِ مَا يُوَصِّلُهُ مَقْصِدَهُ) بِكَسْرِ الصَّادِ، (أَوْ مَوْضِعَ مَالِهِ) إنْ كَانَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ مَالٌ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى كِسْوَةٍ أُعْطِيَهَا (وَ) يُعْطَى (الْغَازِي قَدْرَ حَاجَتِهِ لِنَفَقَةٍ، وَكِسْوَةٍ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَمُقِيمًا هُنَاكَ) أَيْ فِي الثَّغْرِ (وَفَرَسًا) إنْ كَانَ يُقَاتِلُ فَارِسًا (وَسِلَاحًا) وَعِبَارَةُ الْمُحَرِّرِ وَيَشْتَرِي لَهُ
[حاشية قليوبي]
مَا أَخَذَهُ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ صَاحِبِ الدَّيْنِ أَخَذْت الدَّيْنَ مِنْهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ مَا أَخَذَهُ مِنْ الزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَالصِّنْفُ الثَّانِي مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ) وَهُوَ مَنْ لَهُ شَرَفٌ فِي قَوْمِهِ يُطَالَبُ بِبَيِّنَةٍ، وَمِثْلُهُ الصِّنْفَانِ الْآخَرَانِ، وَهُمَا مَانِعُ شَرِّ الْكُفَّارِ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ فَيُطَالَبَانِ بِالْبَيِّنَةِ أَيْضًا، وَهَذَا إنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ) وَهُوَ ضَعِيفُ النِّيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَيْ بِلَا يَمِينٍ وَلَا بَيِّنَةٍ.
قَوْلُهُ: (إخْبَارُ عَدْلَيْنِ) وَكَذَا رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ عَدْلٌ وَاحِدٌ أَوْ فَاسِقٌ ظَنَّ صِدْقَهُ أَوْ جَمْعٌ يَبْعُدُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَلَوْ ثَلَاثَةً.
قَوْلُهُ: (وَتُغْنِي عَنْهَا) أَيْ الْبَيِّنَةِ ظَاهِرُهُ فِي جَمِيعِ هَذَا الْفَصْلِ أَخْذًا مِنْ تَعْمِيمِهِ السَّابِقِ، وَفِيهِ بَحْثٌ يُعْلَمُ بِالتَّأَمُّلِ.
قَوْلُهُ: (تَصْدِيقُ رَبِّ الدَّيْنِ أَوْ السَّيِّدِ) أَيْ إنْ ظَنَّ صِدْقَهُ، وَمِثْلُهُ مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَيُعْطَى إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: جَمِيعُ مَا مَرَّ فِي صِفَةِ مَنْ يَأْخُذُ وَمِنْ هُنَا فِي قَدْرِ مَا يَأْخُذُ قَوْلُهُ: (أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا) قُدِّرَ ذَلِكَ لِأَجْلِ إفْرَادِ الضَّمَائِرِ الْآتِيَةِ.
قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ إلَخْ) تَقْيِيدٌ لِمَحَلِّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلِإِخْرَاجِ مَنْ سَيَذْكُرُهُ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (قُلْت الْأَصَحُّ إلَخْ) لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي كَلَامِ الْمُحَرِّرِ ذِكْرُ خِلَافٍ يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ مُقَابِلَهُ مَعَ احْتِمَالِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِكَوْنِ الْخِلَافِ نَصًّا أَوْ أَوْجُهًا أَوْ أَقْوَالًا أَوْ طُرُقًا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (الْعُمُرِ الْغَالِبُ) وَهُوَ سِتُّونَ سَنَةً وَبَعْدَهُ يُعْطَى سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَيَشْتَرِي بِهِ إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُعْطَى مِنْ النَّقْدِ مَا يَكْفِيهِ لِمَا ذُكِرَ بَلْ مِقْدَارًا يَكُونُ ثَمَنًا لِعَقَارٍ تَفِي غَلَّتُهُ بِذَلِكَ، أَوْ بِمَا يَتِمُّ بِهِ ذَلِكَ إنْ كَانَ مَالِكًا لِبَعْضِهِ وَيَشْتَرِيهِ لَهُ الْمَالِكُ لَكِنْ بَعْدَ قَبْضِهِ، أَوْ الْإِمَامُ، وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ يَلْزَمُهُ بِالشِّرَاءِ، وَيَمْنَعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِغَيْرِهِ، وَيَمْلِكُ مَا يَشْتَرِي لَهُ وَيُورَثُ عَنْهُ، نَعَمْ يَمْتَنِعُ الشِّرَاءُ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُعْطَى لَهُ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: (قُلْت إلَخْ) نَعَمْ إنْ كَانَ مَا يُعْطَى لَهُ لَا يَفِي بِقِيمَتِهَا لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ فِي الشِّرَاءِ.
قَوْلُهُ: (مَا يَشْتَرِي) مَفْعُولُ يُعْطَى الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (مَا يَفِي رِبْحُهُ بِكِفَايَتِهِ غَالِبًا) أَيْ بِحَسَبِ عَادَةِ بَلَدِهِ وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، وَالْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمِنَةِ فَيُرَاعِي ذَلِكَ عَلَى الْأَوْجُهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ فِي زَمَانِهِمْ، وَمَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ حِرْفَةٍ يُعْطَى لِمَا يَكْفِيهِ مِنْهَا، فَإِنْ كَفَاهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ حِرَفٍ مُتَعَدِّدَةٍ، أُعْطِيَ لِأَدْنَاهَا، وَإِنْ لَمْ تَكْفِهِ وَاحِدَةٌ زِيدَ لَهُ قَدْرَ كِفَايَتِهِ.
كَذَا قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فَانْظُرْهُ مَعَ مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فَالْبَقْلِيُّ) بِالْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ مَنْ يَبِيعُ الْبُقُولَ وَهِيَ الْخَضْرَاوَاتُ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَاقِلَّانِيّ) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ أَوْ تَشْدِيدِهَا عَلَى مَا مَرَّ هُوَ مَنْ يَبِيعُ الْبَاقِلَا، وَهُوَ الْفُولُ، وَلَوْ.
مَسْلُوقَةً.
قَوْلُهُ: (وَالْبَقَّالُ) هُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْقَافِ الثَّقِيلَةِ وَيُقَالُ لَهُ الْفَامِيُّ بِالْفَاءِ، وَهُوَ مَنْ يَبِيعُ الْحُبُوبَ قِيلَ، أَوْ الزَّيْتَ وَمَنْ جَعَلَهُ بِالنُّونِ فَقَدْ صَحَّفَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى النَّقْلِيَّ بِالنُّونِ الْمَضْمُومَةِ بِغَيْرِ أَلِفٍ بَعْدَ الْقَافِ، وَهُوَ مَنْ يَبِيعُ نَحْوَ اللَّوْزِ وَالْجَوْزِ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَزَّازُ) بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ بَائِعُ الْبَزِّ أَيْ الْأَقْمِشَةِ، وَأَصْلُ الْبَزِّ اسْمٌ لِمَتَاعِ الْبَيْتِ.
قَوْلُهُ: (وَالْغَارِمُ) أَيْ لِغَيْرِ إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يُعْطَى مَعَ الْغِنَى.
قَوْلُهُ: (مَا يُوَصِّلُهُ إلَخْ) فَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ أُعْطِيَ مُدَّةَ إيَابِهِ أَيْضًا، وَكَذَا مُدَّةَ إقَامَةٍ لَا تَمْنَعُ التَّرَخُّصَ، وَلَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَوْ رَجَعَ
[حاشية عميرة]
هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ إنَّمَا يُعْطَى إذَا حَانَ وَقْتُ الْخُرُوجِ وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْغَازِي وَمِثْلُهُ ابْنُ السَّبِيلِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْتَاجُ) لَوْ قَالَ: فَلَا يَحْتَاجُ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالْأَخْبَارِ.
قَوْلُهُ: (لِاحْتِمَالِ التَّوَاطُؤِ) هُوَ فِي مَسْأَلَةِ رَبِّ الدَّيْنِ أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَظْهَرُ حَالُهُ مِنْ الِاسْتِقْلَالِ بِسَبَبِ الْعِتْقِ بَعْدَ الْأَدَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ بِقَبُولِ السَّيِّدِ دُونَ رَبِّ الدَّيْنِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُعْطَى الْفَقِيرُ إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ مِنْ أَوَّلِ الْفَصْلِ إلَى هُنَا فِي الصِّفَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَمِنْ هُنَا إلَخْ.
فِي كَيْفِيَّةِ الصَّرْفِ وَقَدْرِهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الزَّكَاةَ إلَخْ) عَضَّدَهُ بَعْضُهُمْ أَيْضًا بِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ كِفَايَةَ سَنَةٍ» . قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَيَشْتَرِي بِهِ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ لَهُ مَا يَكْفِيهِ عُمُرَهُ دَفْعَةً، وَإِنَّمَا الدَّفْعُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْكَسْبِ الْكَافِي لَهُ يَوْمًا فَيَوْمًا لَا يُعْطِي شَيْئًا قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَكَأَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا أَمِنَ أَهْلَ الضِّيَاعِ وَإِلَّا فَيُمْكِنُ مِنْ نَصْبِ عَامِلٍ يَتَّجِرُ لَهُ وَيُعْطِي وَلَا يَتَعَيَّنُ شِرَاءُ الْعَقَارِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا) قَدْرُ ذَلِكَ لِأَجْلِ إفْرَادِ الضَّمِيرِ الْآتِي.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قَدْرَ حَاجَتِهِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ وَسَكَتَ الْجُمْهُورُ عَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ، وَإِعْطَاؤُهَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَبِهِ جَزَمَ الْفَارِقِيُّ وَقَوْلُهُ: وَمُقِيمًا أَيْ وَيَجْتَهِدُ الْمُعْطِي فِي قَدْرِ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ فَإِنْ زَادَتْ زَادَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُ
الْفَرَسَ وَالسِّلَاحَ وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا يُعْطَى مَا يَشْتَرِيهِمَا بِهِ.
(وَيَصِيرُ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُ) ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرَا لَهُ، (وَيُهَيَّأُ لَهُ وَلِابْنِ السَّبِيلِ) أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (مَرْكُوبٌ إنْ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أَوْ كَانَ) هُوَ (ضَعِيفًا لَا يُطِيقُ الْمَشْيَ، وَمَا يَنْقُلُ عَلَيْهِ الزَّادَ وَمَتَاعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْرًا يَعْتَادُ مِثْلُهُ حَمْلَهُ بِنَفْسِهِ) ، فَلَا وَكَذَا لَوْ كَانَ السَّفَرُ قَصِيرًا، وَهُوَ قَوِيٌّ، وَالْمُؤَلَّفَةُ يُعْطَوْنَ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ، قَالَ الْمَسْعُودِيُّ عَلَى قَدْرِ كُلْفَتِهِمْ، وَكِفَايَتِهِمْ، وَالْعَامِلُ يُعْطَى أُجْرَةَ مِثْلِ عَمَلِهِ، فَإِنْ زَادَ سَهْمُهُ عَلَيْهَا رُدَّ الْفَاضِلُ عَلَى سَائِرِ الْأَصْنَافِ، وَإِنْ نَقَصَ كُمِّلَ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ ثُمَّ يُقَسَّمُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُكَمَّلَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، (وَمَنْ فِيهِ صِفَتَا اسْتِحْقَاقٍ) كَفَقِيرٍ غَارِمٍ (يُعْطَى بِإِحْدَاهُمَا فَقَطْ فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّ عَطْفَ بَعْضِ الْمُسْتَحَقِّينَ عَلَى بَعْضٍ فِي الْآيَةِ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ، وَالثَّانِي يُعْطَى بِهِمَا بِجَعْلِ تَعَدُّدِ الْوَصْفِ كَتَعَدُّدِ الشَّخْصِ.
فَصْلٌ: يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فِي الْقَسْمِ (إنْ قَسَمَ الْإِمَامُ، وَهُنَاكَ عَامِلٌ وَإِلَّا) ، بِأَنْ عَامَلَ بِأَنْ حَمَلَ أَصْحَابُ الْأَمْوَالِ زَكَاتَهُمْ إلَى الْإِمَامِ، (فَالْقِسْمَةُ عَلَى سَبْعَةٍ فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُهُمْ) أَيْضًا (فَعَلَى الْمَوْجُودِينَ)
[حاشية قليوبي]
مِنْ بَعْضِ الْمَسَافَةِ، وَقَدْ أَنْفَقَ جَمِيعَ مَا أَخَذَهُ فَإِنْ كَانَ لِنَحْوِ غَيْرِ الْأَسْعَارِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا يُقَابَلُ مَا لَمْ يُسَافِرْ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (قَدْرَ حَاجَتِهِ) لَهُ وَلِعِيَالِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الثَّغْرِ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَوَّلُهُ مَحَلُّ الْمَخَافَةِ وَالْمُرَادُ بِقَدْرِ إقَامَتِهِ بِحَيْثُ مَا تُظَنُّ فِيهِ الْإِقَامَةُ فَإِنْ زَادَتْ زِيدَ لَهُ وَلَوْ قَصَدَ عَدَمَ الرُّجُوعِ لَمْ يُعْطَ مُؤْنَةَ الْإِيَابِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى لِمُدَّةِ الْإِقَامَةِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ لِلْغَزْوِ دُونَ مَا زَادَ فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (وَيَصِيرُ ذَلِكَ) اسْمُ الْإِشَارَةِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رَاجِعٌ لِمَا يُعْطَاهُ، وَمِنْهُ الْفَرَسُ وَالسِّلَاحُ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الْآخَرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ التَّمْلِيكِ فَإِنْ أُعْطِيَ قِيمَتَهَا فَكَالْأَوَّلِ فَذَكَرَ عِبَارَةَ الرَّوْضَةِ لِبَيَانِ الْمُرَادِ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، وَالْمُحَرَّرِ وَالْحُكْمُ بِمِلْكِهِ لِمَا ذُكِرَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ حِينَ الْإِعْطَاءِ، فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ مِنْ اسْتِرْدَادِ الْفَاضِلِ لِتَبَيُّنِ عَدَمِ مِلْكِهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَا لَهُ) أَيْ الْفَرَسَ وَالسِّلَاحَ أَيْ يَسْتَأْجِرَهُمَا الْإِمَامُ، يُعْطِيَهُمَا لَهُ، يَجُوزُ أَنْ يُعِيرَهُمَا لَهُ إذَا اشْتَرَاهُمَا مِنْ هَذَا السَّهْمِ سَوَاءٌ وَقَفَهُمَا أَوْ لَا؛ إذْ لَهُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ عَارِيَّةً حَقِيقَةً؛ إذْ الْإِمَامُ غَيْرُ مَالِكٍ فَلَا ضَمَانَ لَوْ تَلِفَا وَيُصَدَّقُ فِي تَلَفِهِمَا بِيَمِينِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُهَيَّأُ لَهُمَا) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ، وَلَا يَمْلِكَانِ ذَلِكَ، وَلَوْ بِتَمْلِيكِ الْإِمَامِ فَيَسْتَرِدُّ مِنْهُمَا إذَا رَجَعَا.
قَوْلُهُ: (مَرْكُوبٌ) أَيْ غَيْرُ الَّذِي يُقَاتِلُ عَلَيْهِ الْغَازِي.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا) أَيْ وَلَيْسَ سَفَرَ نُزْهَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ قَالَهُ شَيْخُنَا فَانْظُرْهُ مَعَ مَا مَرَّ وَاعْتَمَدَ الْخَطِيبُ الْإِعْطَاءَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا يَنْقُلُ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى مَرْكُوبٍ وَهُوَ نَحْوُ بَغْلٍ وَحِمَارٍ.
قَوْلُهُ: (مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ) أَيْ إنْ فَرَّقَ فَإِنْ فَرَّقَ الْمَالِكُ فَمَا يَرَاهُ الْمَالِكُ.
قَوْلُهُ: (يُعْطَى) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَأْجِرًا وَلَمْ يَتَطَوَّعْ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أُجْرَةَ مِثْلِ عَمَلِهِ) فَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ لَمْ يُعْطَ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ زَادَ سَهْمُهُ) اُنْظُرْ مَا سَهْمُ الْعَامِلِ الَّذِي تُعْتَبَرُ زِيَادَتُهُ عَلَى الْأُجْرَةِ أَوْ نَقْصُهُ عَنْهَا.
قَوْلُهُ: (كَفَقِيرٍ غَارِمٍ) فِيهِ تَأَمُّلٌ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ كَيَتِيمٍ مِسْكِينٍ فَهُوَ مُعْتَرَضٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ إعْطَائِهِ الْفَقْرُ.
قَوْلُهُ: (يُعْطَى) أَيْ يَأْخُذُ؛ لِأَنَّ الْخِيَرَةَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (بِإِحْدَاهُمَا) أَيْ مِنْ زَكَاةٍ وَاحِدَةٍ وَبَقِيَ مَعَهُ مَا أَخَذَهُ مِنْهَا، وَإِلَّا فَلَهُ الْأَخْذُ بِصِفَةٍ مِنْ زَكَاةٍ وَبِأُخْرَى مِنْ أُخْرَى، وَلَوْ أَخَذَ بِصِفَةِ الْغُرْمِ، وَدَفَعَ مَا أَخَذَهُ لِغَرِيمِهِ، فَلَهُ الْأَخْذُ بِصِفَةِ الْفَقْرِ أَيْضًا.
نَعَمْ إنْ كَانَتْ إحْدَى الصِّفَتَيْنِ غَزْوًا أُعْطِيَ بِهِمَا مَعًا؛ لِأَنَّ الْغَزْوَ يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْنَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يُقَسَّمُ) أَيْ مَالُ الزَّكَاةِ بَعْدَ تَتْمِيمِ أُجْرَةِ الْعَامِلِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي) أَيْ مُقَابِلُ الْأَظْهَرِ وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ طُرُقٌ، وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فِيهِ بِمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْمَعَ لِلْفُقَرَاءِ بَيْنَ الزَّكَاةِ وَالْخُمُسِ وَالْكَفَّارَةِ
[حاشية عميرة]
الْمَتْنِ: (وَيَصِيرُ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ إذَا رَجَعَ وَبِهِ صَرَّحَ الْفَارِقِيُّ قَالَ: لِأَنَّهُ أَعْطَى لِتَحْصِيلِ غَرَضٍ، وَهُوَ تَحْقِيقُ الْغَزْوِ، وَقَدْ وُجِدَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مَا سَلَفَ فِي فَاضِلِ النَّفَقَةِ انْتَهَى.
قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُهَيَّأُ لَهُ إلَخْ) أَيْ وَيَسْتَرِدُّ ذَلِكَ مِنْهُ إذَا رَجَعَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قُوَّةِ الْعِبَارَةِ، ثُمَّ قَضِيَّةُ كَلَامِهِ تَهْيِئَةُ ذَلِكَ لِابْنِ السَّبِيلِ حَتَّى فِي سَفَرِ النُّزْهَةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي الْأَظْهَرِ) الْمَسْأَلَةُ فِيهَا طُرُقٌ ثَلَاثٌ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا يُقَالُ كَانَ يَنْبَغِي التَّعْبِيرُ بِالْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ طَرِيقَةُ الْقَوْلَيْنِ انْتَهَى.
قُلْت هَذَا بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْمَذْهَبِ إنَّمَا يَكُونُ أَوْ يَحْسُنُ إذَا أُرِيدَ بِهِ الطَّرِيقَةُ الْقَاطِعَةُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ حُكْمُ الصِّفَاتِ كَالصِّفَتَيْنِ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مَنْعُ الْإِعْطَاءِ بِهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً أَمَّا لَوْ أَعْطَاهُ بِالْغُرْمِ فَأَدَّاهُ لِغَرِيمِهِ جَازَ إعْطَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْفَقْرِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَوْ قَالَ أَخَذَ بِإِحْدَاهُمَا كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ لَهُ لَا لِلْمُعْطِي ثُمَّ الْمُرَادُ صِفَاتُ اسْتِحْقَاقِ الزَّكَاةِ وَإِلَّا فَالْهَاشِمِيُّ الْغَازِي يَأْخُذُ مِنْ الْفَيْءِ بِهِمَا قَطْعًا كَمَا سَلَفَ فِي بَابِهِ.
[فَصْل يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فِي الْقَسْمِ فِي الصدقات]
فَصْلٌ يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ قَالَ الْإِمَامُ: لَوْ صُرِفَ سَهْمُ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إلَى الْفُقَرَاءِ نَظَرًا إلَى أَنَّ احْتِيَاجَ الْفُقَرَاءِ أَشَدُّ، فَهُوَ نَظَرٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّرْعِ أَنْ تَزُولَ حَاجَةُ الْمُحْتَاجِينَ، وَالْمَسَاكِينُ أَقْرَبُ إلَى حُصُولِ ذَلِكَ، فِيهِمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ غَرَضُ الشَّارِعِ صَرْفَ سَهْمِ الْمَسَاكِينِ حَتَّى يَتَمَاسَكُوا، وَلَا يَصِيرُوا إلَى حَدِّ الْفَقْرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (إنْ قَسَّمَ الْإِمَامُ) مِثْلُهُ الْعَامِلُ يُقَسِّمُ فَيَعْزِلُ نَفْسَهُ، ثُمَّ يُفَرِّقُ الْبَاقِيَ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
مِنْهُمْ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ حُفِظَتْ الزَّكَاةُ حَتَّى يُوجَدُوا أَوْ يُوجَدَ بَعْضُهُمْ
(وَإِذَا قَسَمَ الْإِمَامُ اسْتَوْعَبَ مِنْ الزَّكَوَاتِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَهُ آحَادُ كُلِّ صِنْفٍ) وُجُوبًا (وَكَذَا يَسْتَوْعِبُ الْمَالِكُ) الْآحَادَ وُجُوبًا (إنْ انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ وَوَفَّى بِهِمْ الْمَالُ، وَإِلَّا فَيَجِبُ إعْطَاءُ ثَلَاثَةٍ) مِنْ كُلِّ صِنْفٍ لِذِكْرِهِ فِي الْآيَةِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنُ السَّبِيلِ الَّذِي هُوَ لِلْجِنْسِ وَلَا عَامِلَ، وَفِي قَسْمِ الْمَالِكِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا بِحَسَبِ الْحَاجَةِ كَمَا اسْتَغْنَى عَنْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، (وَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ) وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةُ بَعْضِهِمْ أَشَدَّ إلَّا الْعَامِلَ، فَلَا يُزَادُ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِ عَمَلِهِ، كَمَا سَبَقَ (لَا بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ) فَيَجُوزُ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ (إلَّا أَنْ يَقْسِمَ الْإِمَامُ فَيَحْرُمَ عَلَيْهِ التَّفْضِيلُ مَعَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ) قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ وَتَعَقَّبَهُ فِي الرَّوْضَةِ، بِأَنَّهُ خِلَافُ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْجُمْهُورِ اسْتِحْبَابَ التَّسْوِيَةِ
(وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ) مِنْ
[حاشية قليوبي]
فَصْلٌ فِي حُكْمِ اسْتِيعَابِ الْمُسْتَحِقِّينَ وَنَقْلِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ) أَيْ وَلَوْ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ.
قَوْلُهُ: (إنْ قَسَّمَ الْإِمَامُ) وَلَوْ بِنَائِبِهِ، وَمِنْهُ الْعَامِلُ إذَا أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي عَزْلِ نَصِيبِهِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ قَدْرُ أُجْرَةِ مِثْلِ عَمَلِهِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَهُنَاكَ عَامِلٌ) سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي الْعَمَلِ أَمْ لَا، قَالَ شَيْخُنَا وَيَسْتَحِقُّ حِصَّةَ جَمِيعِ الصِّنْفِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا وَفِيهِ نَظَرٌ مَعَ مَا مَرَّ، أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِ عَمَلِهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ حَمَلَ إلَخْ) وَكَذَا لَوْ تَبَرَّعَ بِعَمَلِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ الْإِمَامُ، أَوْ جَعَلَ جُزْءًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُهُمْ) أَيْ فِي الْبَلَدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِكِ أَوْ مُطْلَقًا لِلْإِمَامِ، وَلَوْ امْتَنَعُوا مِنْ أَخْذِهَا قُوتِلُوا.
قَوْلُهُ: (اسْتَوْعَبَ) أَيْ إنْ وَفَّى الْمَالُ وَاسْتَوَتْ الْحَاجَاتُ، وَإِلَّا قُدِّمَ الْأَحْوَجُ إنْ كَانَ، وَإِلَّا عُمِلَ بِالْمَصْلَحَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الزَّكَوَاتِ) أَيْ مَجْمُوعِهَا لَا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ فَلَهُ إعْطَاءُ كُلِّ زَكَاةِ مَالِكٍ لِمُسْتَحِقٍّ وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: (آحَادَ كُلِّ صِنْفٍ) وَلَوْ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا يَسْتَوْعِبُ الْمَالِكُ الْأُحَادَ وُجُوبًا) عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَكَذَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ بِذَلِكَ الشَّرْطِ.
قَوْلُهُ: (إنْ انْحَصَرَ إلَخْ) أَيْ وَقْتَ الْوُجُوبِ فِي مَحَلِّ الْوُجُوبِ بِأَنْ سَهُلَ عَدُّهُمْ بِمَا فِي النِّكَاحِ، قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (وَوَفَّى بِهَا الْمَالُ) أَيْ بِحَاجَاتِهِمْ النَّاجِزَةِ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةُ بَعْضِهِمْ أَشَدَّ) فَيَجِبُ نَقْلُ مَا زَادَ عَنْ صِنْفٍ إلَى صِنْفٍ نَاقِصٍ.
قَوْلُهُ: (فَيَحْرُمُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَالتَّسْوِيَةُ وَاجِبَةٌ خِلَافًا لِمَا فِي الرَّوْضَةِ الْمَذْكُورِ.
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ، وَتَعْمِيمُ الْآحَادِ، وَكَذَا التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ عِنْدَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ الْأَوَّلَانِ، وَكَذَا الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إنْ انْحَصَرُوا وَوَفَّى بِهِمْ الْمَالُ، فَقَوْلُهُ لَا بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يَنْحَصِرُوا.
فَرْعٌ: لَوْ أَخَلَّ الْإِمَامُ أَوْ الْمَالِكُ بِصِنْفٍ ضَمِنَ كُلَّ نَصِيبَهُ أَوْ بِوَاحِدٍ مِنْ صِنْفٍ ضَمِنَ لَهُ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ، وَضَمَانُ الْإِمَامِ فِي الزَّكَوَاتِ إنْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ عِنْدَهُ، وَإِلَّا فَفِي مَالِهِ وَضَمَانُ الْمَالِكِ فِي مَالِهِ، وَلِلْمُسْتَحِقَّيْنِ حِينَئِذٍ إبْرَاؤُهُ مِنْهَا، وَتَسْقُطُ عَنْهُ كَالنِّيَّةِ، وَلَهُمْ مُطْلَقًا التَّصَرُّفُ فِي حِصَصِهِمْ قَبْلَ قَبْضِهَا إلَّا بِاسْتِبْدَالٍ أَوْ إبْرَاءٍ، وَإِذَا مَاتُوا فَهِيَ لِوَرَثَتِهِمْ وَلَوْ أَغْنِيَاءَ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ الْمَالِكَ سَقَطَتْ عَنْهُمْ الزَّكَاةُ وَالنِّيَّةُ، وَلَا يَضُرُّ غِنَاهُمْ بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ وَلَا غَيْبَتُهُمْ عَنْ الْبَلَدِ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ) الْمُرَادُ بِنَقْلِهَا أَنْ يُعْطَى مِنْهَا مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلِّهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَسَوَاءٌ أَخْرَجَهَا عَنْ الْمَحَلِّ أَوْ جَاءُوا بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ إلَيْهِ.
نَعَمْ لَوْ لَمْ يَنْحَصِرْ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ جَازَ إعْطَاءُ مَنْ جَاءَهَا بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ.
قَالَهُ شَيْخُنَا فَرَاجِعْهُ وَلَوْ خَرَجَ مَعَ الْمُسْتَحِقِّينَ إلَى خَارِجِ الْمَحَلِّ وَدَفَعَهَا لَهُمْ حِينَئِذٍ لَمْ يَمْتَنِعْ، وَخَرَجَ بِالزَّكَاةِ غَيْرُهَا، كَالْكَفَّارَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالنَّذْرِ وَالْوَقْفِ، فَيَجُوزُ النَّقْلُ فِيمَا لَمْ يُخَصَّصْ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَلَدِ الْوُجُوبِ) أَيْ إلَى مَحَلٍّ يَجُوزُ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِيهِ لِلْمُسَافِرِ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَلَدِ مَحَلُّ الْوُجُوبِ كَالْقَرْيَةِ وَالْحِلَّةِ وَمَحَلِّ الْإِقَامَةِ لِذِي الْخِيَامِ وَالسَّفِينَةِ لِمَنْ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ مُسْتَحِقٌّ تَعَيَّنَ أَقْرَبُ مَحَلٍّ يُوجَدُ فِيهِ الْمُسْتَحِقُّ إلَيْهِ
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَلَى سَبْعَةٍ) أَيْ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ سَهْمَ الْعَامِلِ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ تَوَلَّاهَا؛ لِأَنَّ نَظَرَهُ عَامٌّ، وَحَقُّهُ فِي الْفَيْءِ عَامٌّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ (فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُهُمْ إلَخْ) الْمُرَادُ هُنَا الْفَقْدُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا مِنْ الْبَلْدَةِ خَاصَّةً فَسَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ.
تَنْبِيهٌ لَوْ فُقِدَ بَعْضُ صِنْفٍ رُدَّ عَلَى بَاقِيهِ، وَلَوْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْ كِفَايَةِ مَنْ وُجِدَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِمَامَ يَحْفَظُهُ إلَى وُجُودِ أَهْلِهِ وَلَا يُرَدُّ عَلَى الْبَاقِي إلَّا مَا دَامَ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لَوْ فُقِدَ بَعْضُ الْأَصْنَافِ مِنْ الْبَلَدِ خَاصَّةً، وَفَضَلَ الْمَالُ عَنْ كِفَايَتِهِ وَجَبَ النَّقْلُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ الزَّكَوَاتِ) يُرِيدُ أَنَّ الزَّكَوَاتِ فِي يَدِهِ كَزَكَاةٍ وَاحِدَةٍ فَلَهُ إعْطَاءُ شَخْصٍ زَكَاةَ وَاحِدٍ، لَكِنْ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ الشَّاشِيُّ بِأَنَّ كُلَّ صَدَقَةٍ مِلْكٌ لِلْمُسْتَحِقِّينَ، فَكَيْفَ يَتَأَتَّى التَّخْصِيصُ.
قَوْلُهُ: (وُجُوبًا) إنْ وَفَّى بِهِمْ الْمَالُ قَوْلُهُ: (الَّذِي هُوَ لِلْجِنْسِ) صِفَةٌ لِابْنِ السَّبِيلِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (إلَّا أَنْ يُقَسِّمَ الْإِمَامُ إلَخْ) مِثْلُهُ الْمَالِكُ إذَا انْحَصَرُوا وَوَفَّى بِهِمْ الْمَالُ.
بَلَدِ الْوُجُوبِ مَعَ وُجُودِ الْمُسْتَحِقِّينَ فِيهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فِيهِ الْمُسْتَحِقُّونَ، بِأَنْ تُصْرَفَ إلَيْهِمْ أَيْ يَحْرُمُ، وَلَا يُجْزِئُ لِمَا فِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «صَدَقَةٌ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ النَّقْلُ وَيُجْزِئُ لِلْإِطْلَاقِ فِي الْآيَةِ، (وَلَوْ عُدِمَ الْأَصْنَافُ فِي الْبَلَدِ وَوَجَبَ النَّقْلُ) إلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ (أَوْ) عُدِمَ (بَعْضُهُمْ وَجَوَّزْنَا النَّقْلَ) مَعَ وُجُودِهِمْ (وَجَبَ) نَقْلُ نَصِيبِ الْمَعْدُومِ إلَى مِثْلِهِ، (وَإِلَّا فَيُرَدُّ عَلَى الْبَاقِينَ، وَقِيلَ: يُنْقَلُ) لِوُجُودِ مُسْتَحِقِّهِ، وَالْأَوَّلُ يَقُولُ عَدَمُهُ فِي مَحَلِّهِ كَالْعَدَمِ الْمُطْلَقِ، وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا الْخِلَافُ فِي جَوَازِ النَّقْلِ وَتَفْرِيقُهُ ظَاهِرٌ، فِيمَا إذَا فَرَّقَ رَبُّ الْمَالِ زَكَاتَهُ، أَمَّا إذَا فَرَّقَ الْإِمَامُ، فَرُبَّمَا اقْتَضَى كَلَامُ الْأَصْحَابِ طَرْدَ الْخِلَافِ فِيهِ، وَرُبَّمَا دَلَّ عَلَى جَوَازِ النَّقْلِ لَهُ، وَالتَّفْرِقَةِ كَيْفَ شَاءَ وَهَذَا أَشْبَهُ انْتَهَى.
(وَشَرْطُ السَّاعِي) وَهُوَ الْعَامِلُ وُصِفَ بِأَحَدِ أَوْصَافِهِ السَّابِقَةِ، (كَوْنُهُ حُرًّا عَدْلًا فَقِيهًا بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ) يَعْرِفُ مَا يَأْخُذُ وَمَنْ يَدْفَعُ إلَيْهِ (فَإِنْ عُيِّنَ لَهُ أَخْذٌ وَدَفْعٌ لَمْ يُشْتَرَطْ الْفِقْهُ) الْمَذْكُورُ، وَتَقَدَّمَ شَرْطُ أَنْ لَا يَكُونَ هَاشِمِيًّا، وَلَا مُطَّلِبِيًّا، وَلَا مَوْلَاهُمْ وَكَذَا، وَلَا مُرْتَزِقًا، مِمَّا ذُكِرَ فِي سَهْمِ الْغُزَاةِ
(وَلْيُعْلِمْ) أَيْ السَّاعِي (شَهْرًا لِأَخْذِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ نَدْبًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُحَرَّمَ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ السُّنَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَذَلِكَ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْلُ الْمُخْتَلِفُ فِي حَقِّ النَّاسِ، بِخِلَافِ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ، كَالزُّرُوعِ، وَالثِّمَارِ فَوَقْتُ الْوُجُوبِ فِيهِ، اشْتِدَادُ الْحَبِّ، وَإِدْرَاكُ الثِّمَارِ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ فِي النَّاحِيَةِ الْوَاحِدَةِ كَثِيرَ اخْتِلَافٍ ثُمَّ بَعْثُ السُّعَاةِ لِأَخْذِ الزَّكَوَاتِ، وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامَةِ
(وَيُسَنُّ وَسْمُ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَالْفَيْءِ) لِلْأَتْبَاعِ فِي بَعْضِهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقِيَاسُ الْبَاقِي عَلَيْهِ، وَفِيهِ فَائِدَةُ تَمَيُّزِهَا عَنْ غَيْرِهَا، وَأَنْ يَرُدَّهَا وَاجِدُهَا لَوْ شَرَدَتْ أَوْ ضَلَّتْ، (فِي مَوْضِعٍ) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا صُلْبٌ ظَاهِرٌ (لَا يَكْثُرُ شَعْرُهُ) وَالْأَوْلَى فِي الْغَنَمِ الْآذَانُ، وَفِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ الْأَفْخَاذُ (يُكْرَهُ فِي الْوَجْهِ)
[حاشية قليوبي]
وَقْتَ الْوُجُوبِ نَعَمْ يَجُوزُ فِي الدَّيْنِ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ فِي كُلٍّ مِنْ مَحَلِّ الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ وَقْتَ الْوُجُوبِ أَوْ بَعْدَهُ، وَكَذَا لَوْ تَشَقَّصَ النِّصَابُ بِبَلَدَيْنِ كَعِشْرِينَ شَاةً بِبَلَدٍ وَعِشْرِينَ بِأُخْرَى فَلَهُ إخْرَاجُ شَاةٍ فِي إحْدَاهُمَا مَعَ الْكَرَاهَةِ، فَإِنْ أَخْرَجَ فِي كُلِّ بَلَدٍ نِصْفَهَا لَمْ يُكْرَهْ.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَحْرُمُ وَلَا يُجْزِئُ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْمَنْعِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَجُوزُ النَّقْلُ وَتُجْزِئُ) وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَابْنِ الصَّلَاحِ وَابْنِ الْفِرْكَاحِ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ شَيْخُنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ: وَيَجُوزُ لِلشَّخْصِ الْعَمَلُ بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَكَذَا يَجُوزُ الْعَمَلُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ بِقَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ، كَالْأَذْرَعِيِّ وَالسُّبْكِيِّ وَالْإِسْنَوِيِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ عُدِمَ الْأَصْنَافُ إلَخْ) وَكَذَا لَوْ فَضَلَ عَنْهُمْ شَيْءٌ يَجِبُ نَقْلُهُ لِمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (وَجَوَّزْنَا النَّقْلَ) أَيْ عَلَى الْمَرْجُوحِ.
قَوْلُهُ: (فَيُرَدُّ) أَيْ إنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُمْ وَإِلَّا وَجَبَ نَقْلُ الْفَاضِلِ لِمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) هُوَ تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ مَنْعَ النَّقْلِ بِكَوْنِهِ عَلَى الْمَالِكِ لَا الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (وَتَفْرِيقِهِ) الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أَوْ عُدِمَ بَعْضُهُمْ إلَخْ.
كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْوَجْهُ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّفْرِقَةُ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا بَعْدَهُ، " وَتَفْرِيقِهِ " مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى جَوَازِ.
تَنْبِيهٌ: مُؤْنَةُ النَّقْلِ حَيْثُ جَازَ عَلَى الْمَالِكِ قَبْلَ أَخْذِ السَّاعِي، وَإِلَّا فَهِيَ الزَّكَاةُ فَيُبَاعُ جُزْءٌ مِنْهَا لَهُ، وَكَذَا لِإِنْقَاذِهَا مِنْ نَحْوِ خَطَرٍ.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَ: فُرِّقَ هَذَا عَلَى الْمَسَاكِينِ لَمْ يَدْخُلْ هُوَ، وَلَا مُمَوَّنُهُ، وَإِنْ نَصَّ عَلَيْهِ كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَاعْتَمَدَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (فَرَّقَ الْإِمَامُ) وَلَوْ بِنَائِبِهِ، وَمِنْ نَائِبِهِ الْمَالِكُ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّفْرِقَةِ.
قَوْلُهُ: (جَوَازِ النَّقْلِ) وَإِنْ انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا أَشْبَهُ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ
. قَوْلُهُ: (وَشَرْطُ السَّاعِي إلَخْ) وَسَيَأْتِي أَنَّ بَعْثَهُ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (حُرًّا عَدْلًا) الْمُرَادُ بِالْعَدْلِ فِي الشَّهَادَةِ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ حُرًّا كَمَا فَعَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْهَجِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَمُقْتَضَاهُ اشْتِرَاطُ السَّمْعِ وَالنُّطْقِ وَالذُّكُورَةِ وَعَدَمِ التُّهْمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ) وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ غَيْرَهَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عُيِّنَ لَهُ أَخْذٌ وَدَفْعٌ) إنْ أُرِيدَ أَخْذُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَدَفْعُهُ لِمُعَيَّنٍ لَمْ يُشْتَرَطْ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ كَافِرًا وَفَاسِقًا وَعَبْدًا وَغَيْرَهُمْ، وَإِنْ أُرِيدَ غَيْرُ ذَلِكَ، اُشْتُرِطَتْ الْعَدَالَةُ دُونَ الْفِقْهِ، وَلَعَلَّ هَذَا مَحْمَلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَفِيهِ عَلَى ذَلِكَ تَأَمُّلٌ فَحَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ: (دُونَ الْفِقْهِ) أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ وَكَذَا الْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ قَالَهُ شَيْخُنَا فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَتَقَدَّمَ شَرْطُ إلَخْ) فَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْإِمَامُ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ أَعْطَاهُ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ إلَّا مِنْ الزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ السَّاعِي) أَيْ بِأَمْرِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ.
قَوْلُهُ: (الْمُحَرَّمِ) أَيْ فِي حَقِّ مَنْ يَتِمُّ حَوْلُهُ عِنْدَهُ، وَإِلَّا فَعِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ.
قَوْلُهُ: (فَوَقْتُ الْوُجُوبِ) أَيْ وَقْتُ انْعِقَادِ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَجُوزُ إلَخْ) . هُوَ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَابْنُ الْفِرْكَاحِ عِنْدَ وُجُودِ مَصْلَحَةٍ مِنْ قَرِيبٍ، وَنَحْوُهُ، قَالَ الْبَغَوِيّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: يَجُوزُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الَّذِي فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَجْزَاءِ، وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ وَقِيلَ فِيهِمَا.
اهـ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَتْنِ جَرَيَانُ الْخِلَافِ، وَلَوْ كَانَ الْفُقَرَاءُ مَحْصُورِينَ بِالْبَلَدِ.
تَنْبِيهٌ لَوْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْ كِفَايَتِهِمْ وَجَبَ نَقْلُ الْفَاضِلِ.
قَوْلُهُ: (لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ) أَيْ وَقِيَاسًا عَلَى الْكَفَّارَاتِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِلَّا فَيُرَدُّ) هَذَا صَادِقٌ بِمَا إذَا كَانَ الْمَوْجُودُ وَاحِدًا مِنْ صَفٍّ فَقَطْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (نَعَمِ الصَّدَقَةِ) مُرَادُهُ بِهَا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَمِثْلُهَا غَيْرُهَا مِنْ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْفِيَلَةِ وَغَيْرِهَا لِقَوْلِهِ: وَالْفَيْءُ وَالْوَسْمُ جَوَّزَ بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِعْجَامَ، وَقِيلَ بِالْإِهْمَالِ لِلْوَجْهِ وَبِالْإِعْجَامِ لِسَائِرِ الْجَسَدِ قَوْلُهُ: (فِي نَعَمِ الْجِزْيَةِ إلَخْ) أَيْ وَالسِّمَةُ فِي نَعَمِ الْجِزْيَةِ الَّتِي هِيَ بَعْضُ الْفَيْءِ جِزْيَةٌ أَوْ صِغَارٌ فَالْخَبَرُ قَوْلُهُ جِزْيَةٌ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْفَيْءِ مِنْ غَيْرِ الْجِزْيَةِ فَيُكْتَبُ عَلَيْهِ فَيْءٌ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ قَالَهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُ، (قُلْت الْأَصَحُّ يَحْرُمُ وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيّ) فِي التَّهْذِيبِ، (وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَعَنَ فَاعِلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ، وَعَنْ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ لَعَنَ اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ» ثُمَّ السِّمَةُ فِي نَعَمِ صَدَقَةِ زَكَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، وَفِي نَعَمِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْفَيْءِ جِزْيَةٌ أَوْ صِغَارٌ.
فَصْلٌ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ سُنَّةٌ لِمَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، (وَتَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَكَافِرٍ) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ يُسْتَحَبُّ لِلْغَنِيِّ التَّنَزُّهُ عَنْهَا وَيُكْرَهُ لَهُ التَّعَرُّضُ لِأَخْذِهَا وَفِي الْبَيَانِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا مُظْهِرَ الْفَاقَةِ، وَهُوَ حَسَنٌ وَفِي الْحَاوِي الْغَنِيُّ بِمَالٍ، أَوْ بِصَنْعَةٍ سُؤَالُهُ حَرَامٌ، وَمَا يَأْخُذُهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ انْتَهَى، (وَدَفْعُهَا سِرًّا، وَفِي رَمَضَانَ وَلِقَرِيبٍ وَجَارٍ أَفْضَلُ) ،
[حاشية قليوبي]
الْوَقْتِ، وَإِلَّا فَالْإِخْرَاجُ عِنْدَ التَّصْفِيَةِ وَالْجُذَاذِ.
قَوْلُهُ: (وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ) سَوَاءٌ فِي الْمَالِ الْحَوْلِيِّ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وُسِمَ) بِالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَقِيلَ بِالْمُعْجَمَةِ أَيْضًا، وَهُوَ لُغَةً: التَّأْثِيرُ بِالْكَيِّ بِالنَّارِ، وَقِيلَ الْأَوَّلُ لِمَا فِي الْوَجْهِ خَاصَّةً، وَالثَّانِي أَعَمُّ.
قَوْلُهُ: (نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَالْفَيْءِ) هُوَ قَيْدٌ لِلنَّدْبِ فَغَيْرُهَا مُبَاحٌ، وَمَوْضِعُهُ مِثْلُهَا، وَأَمَّا الْكَيُّ لِغَيْرِ الْوَسْمِ فَحَرَامٌ مُطْلَقًا، إلَّا لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ، وَأَمَّا الْخِصَاءُ فَحَرَامٌ إلَّا فِي مَأْكُولٍ صَغِيرٍ عُرْفًا لِطِيبِ لَحْمِهِ كَمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ، وَأَمَّا الْإِنْزَاءُ فَجَائِزٌ فِيمَا لَا يَضُرُّ نَحْوُ مِثْلِهِ، أَوْ مُقَارِبِهِ كَخَيْلٍ بِمِثْلِهَا أَوْ بِحَمِيرٍ، وَإِلَّا فَحَرَامٌ كَخَيْلٍ لِبَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ وَمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ بَيْنَ الْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ يُرَادُ بِهِ الْكَرَاهَةُ خَشْيَةَ قِلَّةِ الْخَيْلِ.
قَوْلُهُ: (صُلْبٌ) بِضَمِّ الصَّادِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ.
قَوْلُهُ: (ظَاهِرٌ) بِالظَّاءِ الشَّامِلَةِ أَيْ لِلنَّاسِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْغَنَمِ) بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْمَعْزِ، وَمِثْلُهَا مَا قَارَبَهَا كَالْغَزَالِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ الْأَفْخَاذُ) وَكَذَا الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ وَالْفِيلَةُ وَنَحْوُهَا وَوَسْمُ الْغَنَمِ أَلْطَفُ، وَفَوْقَهُ الْحَمِيرُ، وَفَوْقَهُ الْبَقَرُ وَالْبِغَالُ وَفَوْقَهُ الْإِبِلُ، وَفَوْقَهُ الْفِيلَةُ.
قَوْلُهُ: (لَا صَحَّ يَحْرُمُ) أَيْ فِي الْوَجْهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمُقَابِلُهُ الْكَرَاهَةُ قَبْلَهُ، وَلَمْ يُنَبِّهْ الشَّارِحُ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ طُرُقٌ، أَوْ أَوْجُهٌ مَعَ احْتِمَالِهِ لَهُمَا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (لَعَنَ اللَّهُ إلَخْ) وَفِي نُسْخَةٍ: لَعْنُ فَاعِلِهِ بِالْإِضَافَةِ، وَجَازَ لَعْنُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ لِمُعَيَّنٍ وَلَوْ غَيْرَ حَيَوَانٍ كَالْجَمَادِ نَعَمْ يَجُوزُ لَعْنُ كَافِرٍ مُعَيَّنٍ بَعْدَ مَوْتِهِ.
قَوْلُهُ: (زَكَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ) أَوْ طُهْرَةٌ أَوْ لِلَّهِ وَهُوَ أَبْرَكُ وَأَوْلَى وَلَا نَظَرَ لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ مُلَاقَاتِهِ لِنَجَاسَةٍ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَفِي نَعَمِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْفَيْءِ جِزْيَةٌ أَوْ صَغَارٌ) وَفِي بَقِيَّةِ الْفَيْءِ فَيْءٌ وَيَكْفِي عَنْ اللَّفْظِ أَكْبَرُ حُرُوفِهِ كَالْكَافِ مِنْ زَكَاةٍ وَالْجِيمِ مِنْ الْجِزْيَةِ.
فَصْلٌ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ بِمَعْنَى الْغَيْرِ وَاجِبَةٍ فَصَحَّ الْإِخْبَارُ سُنَّةً أَيْ مُؤَكَّدَةً وَهَذَا بِاعْتِبَارِ دَفْعِهَا أَيْ إعْطَائِهَا سُنَّةً مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَلَوْ نَبِيًّا أَوْ كَافِرًا إلَّا لِمَانِعٍ كَإِعَانَةٍ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَذِكْرُ الْحِلِّ الْآتِي بِاعْتِبَارِ أَخْذِهَا وَقَبُولِهَا وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا وَلَوْ لِهَاشِمِيٍّ وَمُطَّلِبِيٍّ عَلَى مَا يَأْتِي لَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا تَحِلُّ لَهُ وَانْظُرْ بَقِيَّةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْحِلِّ فِيهِمْ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَتَحِلُّ) بِمَعْنَى يَحِلُّ قَبُولُهَا كَمَا مَرَّ بَلْ يَجِبُ عَلَى نَحْوِ مُضْطَرٍّ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (لِغَنِيٍّ) بِمَا فِي الزَّكَاةِ قَالَهُ شَيْخُنَا نَقْلًا عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ فِي شَرْحِهِ اعْتِبَارُ الْفِطْرَةِ كَ ابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَافِرٍ) أَيْ غَيْرِ حَرْبِيٍّ وَكَذَا لَهُ مَعَ رَجَاءِ إسْلَامٍ أَوْ قَرَابَةٍ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ) هُوَ بَيَانٌ لِمَفْهُومِ يُسْتَحَبُّ وَتَفْسِيرٌ لِلْمُرَادِ بِالتَّنَزُّهِ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ قَبُولَهَا، وَسُؤَالُهُ وَلَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ وَهَذَا إذَا لَمْ يُظْهِرْ الْفَاقَةَ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ لَهُ) أَيْ يَحْرُمُ أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِصَنْعَةٍ) وَكَذَا بِكَسْبٍ.
قَوْلُهُ: (سُؤَالُهُ حَرَامٌ) أَيْ عِنْدَ إظْهَارِ الْفَاقَةِ أَوْ مَعَ إلْحَاحٍ أَوْ إيذَاءٍ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْمَسْئُولِ أَوْ إلْجَاءٍ إلَى الْإِعْطَاءِ لِحَيَاءٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا يَأْخُذُهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ) أَيْ عِنْدَ شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ، أَوْ عِنْدَ فَقْدِ صِفَةٍ أَعْطَى لِأَجْلِهَا قَالَ شَيْخُنَا: وَحَيْثُ حَرُمَ لَا يَمْلِكُ مَا أَخَذَهُ، وَيَجِبُ رَدُّهُ إلَّا إذَا عَلِمَ الْمُعْطِي بِحَالِهِ فَيَمْلِكُهُ، وَلَا حُرْمَةَ إلَّا إنْ أَخَذَهُ بِسُؤَالٍ أَوْ إظْهَارِ فَاقَةٍ فَيَمْلِكُهُ مَعَ الْحُرْمَةِ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا وَحَيْثُ أَعْطَاهُ عَلَى ظَنِّ صِفَةٍ وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهَا وَلَوْ عَلِمَ بِهِ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَمْلِكْ مَا أَخْذَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي سَائِرِ عُقُودِ التَّبَرُّعِ كَهِبَةٍ وَهَدِيَّةٍ وَوَقْفٍ وَنَذْرٍ وَوَصِيَّةٍ فَرَاجِعْهُ.
تَنْبِيهٌ: مَتَى حَلَّ لَهُ الْأَخْذُ وَأَعْطَاهُ لِأَجْلِ صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ صَرْفُ مَا أَخَذَهُ فِي غَيْرِهَا، فَلَوْ أَعْطَاهُ دِرْهَمًا لِيَأْخُذَ بِهِ رَغِيفًا لَمْ يَجُزْ لَهُ صَرْفُهُ فِي إدَامٍ مَثَلًا أَوْ أَعْطَاهُ رَغِيفًا لِيَأْكُلَهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، وَلَا التَّصَدُّقُ بِهِ، وَهَكَذَا إلَّا إنْ ظَهَرَتْ قَرِينَةٌ بِأَنْ ذَكَرَ الصِّفَةَ لِنَحْوِ تَجَمُّلٍ كَقَوْلِهِ
[حاشية عميرة]
تَنْبِيهٌ الْكَيُّ بِالنَّارِ جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ، وَتَرْكُهُ تَوَكُّلًا أَفْضَلُ، وَيَجُوزُ خِصَاءُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فِي الصِّغَرِ فَقَطْ.
وَيَحْرُمُ فِي غَيْرِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَرْجِعَ الصِّغَرِ الْعُرْفُ، وَيَحْرُمُ التَّحْرِيشُ بَيْنَ الْبَهَائِمِ وَيُكْرَهُ إنْزَاءُ الْحُمُرِ عَلَى الْخَيْلِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي قِلَّتِهَا.
[فَصْل صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ]
ِ سُنَّةٌ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى وُجُوبِ قَبُولِهَا عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْأَمْرِ، فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾ [النساء: 4] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا أَتَاك مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُسْتَشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ» . قَوْلُهُ: (وَتَحِلُّ لِغَنِيٍّ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَظُنَّ الدَّافِعُ فَقْرَهُ، وَإِلَّا فَفِي الْإِحْيَاءِ إنْ عَلِمَ الْآخِذُ ذَلِكَ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ تَنَاوُلُهُ، وَكَذَا إذَا دَفَعَ إلَيْهِ لِعِلْمِهِ أَوْ صَلَاحِهِ وَنَسَبِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ إلَّا إنْ كَانَ كَذَلِكَ.
مِنْ دَفْعِهَا جَهْرًا، وَفِي غَيْرِ رَمَضَانَ، وَلِغَيْرِ قَرِيبٍ، وَغَيْرِ جَارٍ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
(وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ) وَفِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّصَدُّقُ، (حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ) ، فَالتَّصَدُّقُ بِدُونِ أَدَائِهِ خِلَافُ الْمُسْتَحَبِّ وَرُبَّمَا قِيلَ يُكْرَهُ، (قُلْت الْأَصَحُّ تَحْرِيمُ صَدَقَتِهِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، أَوْ لِدَيْنٍ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً) لَوْ تَصَدَّقَ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) فَإِنْ رَجَا وَفَاءً مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: فَلَا بَأْسَ بِالتَّصَدُّقِ، وَفِيهَا أَنَّ التَّصَدُّقَ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِنَفَقَةِ نَفْسِهِ قِيلَ يَحْرُمُ، وَإِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ أَيْ إنَّهُ
[حاشية قليوبي]
لِتَشْرَبَ بِهِ قَهْوَةً مَثَلًا فَيَجُوزُ صَرْفُهُ فِيمَا شَاءَ.
فَرْعٌ: يُنْدَبُ التَّنَزُّهُ عَنْ قَبُولِ صَدَقَةٍ لِنَحْوِ شَكٍّ حِلٍّ أَوْ هَتْكِ مُرُوءَةٍ أَوْ دَنَاءَةٍ أَوْ ظَنُّهُ أَنَّهَا لِغَرَضٍ، وَلَوْ أُخْرَوِيًّا وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ مِمَّنْ فِي مَالِهِ حَرَامٌ، وَإِنْ كَثُرَ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ إلَّا إنْ عَلِمَ حُرْمَةَ الْمَأْخُوذِ بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يَقْصِدْ رَدَّهُ لِمَالِكِهِ إنْ عَرَفَهُ وَلَا يَخْفَى الْوَرَعُ.
قَوْلُهُ: (وَدَفْعُهَا سِرًّا) بِعَدَمِ اطِّلَاعِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي رَمَضَانَ) وَعَشْرُهُ الْأَخِيرُ أَفْضَلُ مِنْ بَاقِيهِ، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ فِي الْفَضِيلَةِ مَا يَكُونُ عِنْدَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ كَسَفَرٍ وَمَرَضٍ وَاسْتِسْقَاءٍ وَكُسُوفٍ، وَيُؤَخَّرُ عَنْهُ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ نَحْوَ مَكَّةَ ثُمَّ الْمَدِينَةِ ثُمَّ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ مِنْ الْأَزْمِنَةِ، أَوْ الْأَمْكِنَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَعْضَهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ فِي ذَاتِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
فَرْعٌ: يُنْدَبُ التَّصَدُّقُ عَقِبَ كُلِّ مَعْصِيَةٍ كَمَا مَرَّ فِي الْحَيْضِ، وَبِنَحْوِ ثَوْبٍ قَدِيمٍ لِمَنْ لَبِسَ بَدَلَهُ جَدِيدًا.
قَوْلُهُ: (وَلِقَرِيبٍ) وَإِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ، أَوْ بَعُدَ فِي الْقَرَابَةِ أَوْ بَعُدَتْ دَارُهُ بِعَمْدِ أَلَّا يَمْنَعَ نَقْلَ الزَّكَاةِ، أَوْ كَانَ كَافِرًا، وَأَفْضَلُهُ مُحَرَّمُ نَسَبٍ، وَيُقَدَّمُ مِنْهُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ثُمَّ زَوْجٌ ثُمَّ مُحَرَّمُ رَضَاعٍ ثُمَّ مُصَاهَرَةٍ، ثُمَّ مَوْلَاهُ الْأَعْلَى ثُمَّ الْأَسْفَلُ.
وَالْعَدُوُّ مِنْ هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَهْلُ الصَّلَاحِ مِنْهُمْ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ، أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَجَارٌ) أَيْ بَعْدَ الْقَرِيبِ وَيُقَدَّمُ مِنْهُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَأَهْلُ الصَّلَاحِ مِنْهُمْ أَفْضَلُ وَكَذَا مِنْ غَيْرِهِمْ وَالْأَحْوَجُ فِي جَمِيعِ الْمَذْكُورِينَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ وَالْمُسْلِمُ أَفْضَلُ مِنْ الْكَافِرِ.
قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ) بِمَعْنَى أَنَّ الصَّدَقَةَ الْوَاقِعَةَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ أَفْضَلُ مِنْ الْوَاقِعَةِ فِي غَيْرِهِ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَطْلُبُ تَأْخِيرَ الصَّدَقَةِ إلَيْهَا وَإِكْثَارُ الصَّدَقَةِ فِي الْمَذْكُورَاتِ أَفْضَلُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ دَفْعِهَا جَهْرًا) إلَّا لِنَحْوِ اقْتِدَاءٍ بِهِ وَخَلَا بِهِ عَنْ نَحْوِ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ، وَإِلَّا كَدَفْعِ الْإِمَامِ الزَّكَاةَ لِلْفُقَرَاءِ فِي الْمَالِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، فَجَهْرًا أَفْضَلُ فِيهِمَا، وَكَذَا الْمَالِكُ فِي الْمَالِ الظَّاهِرِ فَقَطْ.
تَنْبِيهٌ: اُخْتُلِفَ فِي قَبُولِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُخْتَلَفُ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ، فَقَبُولُ الزَّكَاةِ لِنَحْوِ كَسْرِ نَفْسٍ أَوْ مِمَّنْ لَوْ لَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ لَمَنَعَهَا أَفْضَلُ وَعَكْسُهُ الصَّدَقَةُ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) وَلَوْ مُؤَجَّلًا أَوْ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) أَيْ مُؤْنَتُهُ وَمِنْهُ نَفْسُهُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ عَنْ الرَّوْضَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ لَا تَصْدُقُ بِالْمُبَاحِ وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، لَا يُسْتَحَبُّ وَهِيَ تَصْدُقُ بِالْإِبَاحَةِ.
قَوْلُهُ: (خِلَافُ الْمُسْتَحَبِّ) وَهَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَرُبَّمَا قِيلَ يُكْرَهُ) وَهَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (الْأَصَحُّ تَحْرِيمُ صَدَقَتِهِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ) مِمَّا مَرَّ وَمَعَ الْحُرْمَةِ يَمْلِكُهُ الْآخِذُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَفَارَقَ عَدَمُ صِحَّةِ هِبَةِ الْمَاءِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ هُنَاكَ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَالضِّيَافَةُ كَالصَّدَقَةِ فِي التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقِيلَ لَا تَحْرُمُ إلَّا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ أَدْنَى ضَرَرٍ لَهُ أَوْ لِمُمَوَّنِهِ وَالْمُرَادُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قَوْلُهُ: (لِنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) نَعَمْ إنْ أَذِنَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِلْمُتَصَدِّقِ فِي التَّصَدُّقِ، وَقَدَرَ عَلَى الصَّبْرِ لَمْ يَحْرُمْ التَّصَدُّقُ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (أَوْ لِدَيْنٍ) أَيْ وَالْمُتَصَدِّقُ بِهِ مِمَّا يُعْتَادُ أَنْ يَصْرِفَ فِي الدَّيْنِ لَا نَحْوُ لُقْمَةٍ أَوْ رَغِيفٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى) أَيْ ظَاهِرَةٍ نَعَمْ الْإِيرَادُ مِنْ حَيْثُ الْخِلَافُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ هُنَا بِعَكْسِ مَا مَرَّ فَلَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الِاسْتِدْرَاكِ السَّابِقِ فِي كَلَامِهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَسَاوِيًا فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (وَفِيهَا إلَخْ) أَوْرَدَهُ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَظَرًا لِلظَّاهِرِ مِنْ عِبَارَتِهِ وَقَدْ يَشْمَلُهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ عِنْدَ حُلُولِهِ.
قَوْلُهُ: (قِيلَ يَحْرُمُ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّبْرِ، وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ كَمَا مَرَّ فِي غَيْرِهِ، وَعَلَى هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فِي هَذَا وَمَا قَبْلَهُ تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِالْمَنْعِ أَوْ بِالْجَوَازِ وَحَيْثُ لَا حُرْمَةَ فِيمَا ذُكِرَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ قَالَهُ شَيْخُنَا وَفِيهِ نَظَرٌ مَعَ قِصَّةِ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ إنْ كَانَ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ أَحْوَجَ، وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الْقِصَّةُ الْمَذْكُورَةُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (بِمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ) أَيْ حَاجَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَكِسْوَةِ فَصْلٍ، قَالَهُ شَيْخُنَا م ر وَفِي ابْنِ حَجَرٍ عَنْ حَاجَةِ سَنَةٍ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ لِنَدْبِ التَّصَدُّقِ بِهِ مُطْلَقًا بِلَا خِلَافٍ وَيَجِبُ عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَيُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِهِ عِنْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْإِضَافَةِ) أَيْ الضِّيقِ مِنْ أَضَاقَ الشَّخْصُ يَضِيقُ إذَا ذَهَبَ مَالُهُ وَالْمُرَادُ هُنَا تَحَمُّلُ الْمَشَقَّةِ لَا مِنْ ضَاقَ بِمَعْنَى بَخِلَ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُسْتَحَبُّ) بَلْ يُكْرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَدَفْعُهَا سِرًّا) أَيْ وَلَا يَتَحَدَّثُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (تَحْرِيمُ صَدَقَتِهِ) قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهَلْ يَمْلِكُهُ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْخِلَافُ فِي هِبَةِ الْمَاءِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ.
لَا يُسْتَحَبُّ وَرُبَّمَا قِيلَ يُكْرَهُ
(وَفِي اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ بِمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ) ، لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَدَيْنِهِ، (أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا إنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ) عَلَى الْإِضَافَةِ (اُسْتُحِبَّ) لَهُ.
(وَإِلَّا فَلَا) يُسْتَحَبُّ، وَالثَّانِي يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ لَا يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا.
كِتَابُ النِّكَاحِ أَيْ التَّزْوِيجِ (وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِمُحْتَاجٍ إلَيْهِ) بِأَنْ تَتُوقَ نَفْسُهُ إلَى الْوَطْءِ (يَجِدُ أُهْبَتَهُ) أَيْ مُؤْنَتَهُ مِنْ مَهْرٍ، وَغَيْرِهِ تَحْصِينًا لِلدِّينِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالْعِبَادَةِ أَمْ لَا، (فَإِنْ فَقَدَهَا اُسْتُحِبَّ تَرْكُهُ وَيَكْسِرُ شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ) إرْشَادًا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ، فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» ، أَيْ دَافِعٌ لِشَهْوَتِهِ، وَالْبَاءَةُ بِالْمَدِّ
[حاشية قليوبي]
[كِتَابُ النِّكَاحِ]
هُوَ لُغَةً الضَّمُّ وَالْوَطْءُ وَشَرْعًا عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ وَطْءٍ بِلَفْظِ إنْكَاحٍ أَوْ تَزْوِيجٍ، فَهُوَ مِلْكُ انْتِفَاعٍ لَا مِلْكُ مَنْفَعَةٍ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] وَبِقَرِينَةِ حَدِيثِ «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» أَيْ حَتَّى يُوجَدَ بِالْوَطْءِ لِيَقْتَضِيَ غَالِبًا اللَّذَّةَ الْمُشَبَّهَةَ بِالْعَسَلِ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا وَحَرُمَتْ عَلَى آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ وَأَصْلُهُ الْإِبَاحَةُ فَلَا يَصِحُّ نَذْرُهُ، وَإِنْ نُدِبَ نَظَرًا لِأَصْلِهِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَقَالَ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ: أَصْلُهُ النَّدْبُ وَتَعْبِيرُ بَعْضِهِمْ بِالْإِبَاحَةِ مُرَادُهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَعَلَيْهِ فَالْوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَالْمُرَادُ نَذْرُ الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَسْتَقِلُّ بِهِ النَّاذِرُ وَفَائِدَتُهُ حِفْظُ النَّسْلِ وَتَفْرِيغُ مَا يَضُرُّ حَبْسُهُ مِنْ الْمَنِيِّ وَحُصُولُ اللَّذَّةِ وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي فِي الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ التَّزْوِيجُ) أَيْ الْقَبُولُ وَلَوْ أَخَّرَ هَذَا عَنْ الضَّمِيرِ لَكَانَ أَنْسَبَ.
قَوْلُهُ: (هُوَ مُسْتَحَبٌّ) وَلَوْ لِمَمْسُوحِ إلَّا بِدَارِ حَرْبٍ هَوْنًا لِوَلَدِهِ عَنْ الرِّقِّ أَوْ الْكُفْرِ، وَقَدْ يَجِبُ فِي نَحْوِ مَنْ طَلَّقَهَا وَلَهَا حَقُّ قَسْمٍ، وَنَحْوُ خَائِفِ عَنَتٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَحْرُمُ فِي نَحْوِ مَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ عَدَمَ الْقِيَامِ بِوَاجِبِهِ وَسَيَأْتِي كَرَاهَتُهُ.
فَرْعٌ: يَجْرِي فِي التَّسَرِّي مِثْلُ مَا فِي النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ تَتُوقَ) فَسَّرَ الْحَاجَةَ بِذَلِكَ لِيُنَاسِبَ مَا بَعْدَهُ وَإِلَّا فَيُنْدَبُ لِنَحْوِ خِدْمَةٍ وَإِينَاسٍ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَهْرٍ) أَيْ الْحَالِّ مِنْهُ قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهُ) هُوَ نَفَقَةُ يَوْمٍ وَكِسْوَةُ فَصْلٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَكْسِرُ إلَخْ) أَيْ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّهُ لَا دَخْلَ لَهُ فِي كَسْرِ شَهْوَةِ الْمَرْأَةِ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَفِيهِ نَظَرٌ وَاضِحٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (إرْشَادٌ) أَيْ مِنْ الشَّارِعِ فَهُوَ مُثَابٌ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ فِي الْمَاءِ الْمُشَمَّسِ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الصَّوْمَ مُثِيرٌ لِلْحَرَارَةِ الْمُفْضِيَةِ إلَى زِيَادَةِ الشَّهْوَةِ مَرْدُودٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا.
قَوْلُهُ: (فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ) أَيْ وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فَفِيهِ عَدَمُ الطَّلَبِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْ طَلَبِ التَّرْكِ الْمُعَبَّرِ بِهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (بِالْمَدِّ) أَيْ مَعَ الْمُثَنَّاةِ، وَأَمَّا بِالْقَصْرِ وَالْهَاءِ فَهُوَ الْجِمَاعُ أَوْ شَهْوَتُهُ.
قَوْلُهُ: (لَا يَكْسِرُهَا بِالْكَافُورِ وَنَحْوِهِ) بَلْ يَحْرُمُ إنْ قَطَعَ النَّسْلَ وَيُكْرَهُ إنْ فَتَّرَ الشَّهْوَةَ.
فَرْعٌ: قَطْعُ الْحَبَلِ مِنْ الْمَرْأَةِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَمْ تَتُقْ) أَيْ ظَاهِرُهُ الْكَرَاهَةُ، وَإِنْ احْتَاجَ لِلِاسْتِئْنَاسِ وَفِيهِ نَظَرٌ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّ الْعِبَادَةَ أَفْضَلُ) أَيْ ذَاتُهَا إلَّا التَّخَلِّيَ لَهَا بِدَلِيلِ تَأْوِيلِ الشَّارِحِ الْمَذْكُورِ، وَلَوْ أَبْقَى أَفْضَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدَّرَ التَّخَلِّيَ لِلْعِبَادَةِ) لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ أَفْضَلُ قَطْعًا وَمَا ذُكِرَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ مِنْ الْعِبَادَةِ، وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ مِنْهَا إنْ قُصِدَ بِهِ إعْفَافٌ أَوْ وَلَدٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (قُلْت إلَخْ) هُوَ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا بَعْدَ إلَّا الْمُفِيدُ لِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ لِوَاجِدِ الْأُهْبَةِ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَعَلَى إطْلَاقِ تَفْضِيلِ الْعِبَادَةِ، وَلَوْ لِغَيْرِ الْمُتَعَبِّدِ فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ غَيْرِ الْمُرَتَّبِ فَتَأَمَّلْ.
[حاشية عميرة]
كِتَابُ النِّكَاحِ قَالَ الزَّجَّاجُ وَيُوضَعُ نَكَحَ فِي كَلَامِهِمْ لِلُزُومِ الشَّيْءِ رَاكِبًا عَلَيْهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْوَطْءِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الضَّمِّ وَعَلَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ اهـ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ مُشْتَرَكٌ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى الثَّانِي.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (هُوَ مُسْتَحَبٌّ)) نَقَلَ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَا رَأَيْت مِثْلَ مَنْ تَرَكَ النِّكَاحَ بَعْدُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 32] قَوْلُهُ: (مُؤَنُ النِّكَاحِ) عِبَارَةُ الزَّرْكَشِيّ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمُؤَنِ، وَأَمَّا الْبَاهُ بِالْقَصْرِ فَهُوَ الْوَطْءُ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِغَرَضِ الِاسْتِئْنَاسِ لَا تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُكْرَهُ) لَوْ كَانَ الشَّخْصُ غَيْرَ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْوَلِيِّ إنْكَاحُهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَكِنَّ الْعِبَادَةَ أَفْضَلُ) قَضِيَّةُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ النِّكَاحَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ عِبَادَةً، وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا يَكُونُ عِبَادَةً بِوَاسِطَةِ مَا يَعْرِضُ لَهُ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مِنْ الْكَافِرِ.
مُؤَنُ النِّكَاحِ، فَإِنْ لَمْ تَنْكَسِرْ بِالصَّوْمِ، لَا يَكْسِرُهَا بِالْكَافُورِ وَنَحْوِهِ، بَلْ يَتَزَوَّجُ (فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ) إلَيْهِ بِأَنْ لَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ إلَى الْوَطْءِ.
(كُرِهَ) لَهُ (إنْ فَقَدَ الْأُهْبَةَ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْتِزَامِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِهِ عِلَّةٌ أَمْ لَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَفْقِدْ الْأُهْبَةَ أَيْ وَجَدَهَا وَلَيْسَ بِهِ عِلَّةٌ (فَلَا) يُكْرَهُ لَهُ (لَكِنَّ الْعِبَادَةَ أَفْضَلُ) لَهُ مِنْهُ أَيْ فَاضِلَةٌ عَلَيْهِ (قُلْت فَإِنْ لَمْ يَتَعَبَّدْهُ فَالنِّكَاحُ أَفْضَلُ لَهُ) مِنْ تَرْكِهِ (فِي الْأَصَحِّ) ، كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ كَيْ لَا تُفْضِيَ بِهِ الْبَطَالَةُ إلَى الْفَوَاحِشِ، وَالثَّانِي تَرْكُهُ أَفْضَلُ مِنْهُ لِلْخَطَرِ فِي الْقِيَامِ بِوَاجِبِهِ، (فَإِنْ وَجَدَ الْأُهْبَةَ وَبِهِ عِلَّةٌ كَهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ دَائِمٍ أَوْ تَعْنِينٍ كُرِهَ) لَهُ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِانْتِفَاءِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ مَعَ الْخَطَرِ فِي الْقِيَامِ بِوَاجِبِهِ، وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الرَّوْضَةِ، وَلَا أَصْلِهَا، وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ فِي الْكَرَاهَةِ فِيهَا
(وَيُسْتَحَبُّ دَيِّنَةٌ) ، بِخِلَافِ الْفَاسِقَةِ (بِكْرٌ) إلَّا لِعُذْرٍ كَأَنْ تَضْعُفَ آلَتُهُ عَنْ افْتِضَاضِهَا، (نَسِيبَةٌ) بِخِلَافِ بِنْتِ الزِّنَا (لَيْسَتْ قَرَابَةً قَرِيبَةً) ، بِأَنْ تَكُونَ أَجْنَبِيَّةً أَوْ قَرَابَةً بَعِيدَةً لِضَعْفِ الشَّهْوَةِ فِي الْقَرِيبَةِ، فَيَجِيءُ الْوَلَدُ نَحِيفًا، وَالْبَعِيدَةُ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَلَوْ قَالَ بَدَلَ لَيْسَتْ غَيْرُ كَانَ أَنْسَبَ بِمَا قَبْلَهُ
(وَإِذَا قَصَدَ نِكَاحَهَا سُنَّ نَظَرُهُ إلَيْهَا قَبْلَ الْخِطْبَةِ) لَهَا (وَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ) فِيهِ لِلْأَمْرِ بِهِ فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَنْ «الْمُغِيرَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ اُنْظُرْ إلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» أَيْ يَحْصُلَ بَيْنَكُمَا الْمَوَدَّةُ وَالْأُلْفَةُ، فَقَوْلُهُ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (فَالنِّكَاحُ أَفْضَلُ) أَيْ فَاضِلٌ وَاسْتَغْنَى بِمَا قَبْلَهُ عَنْهُ وَحَيْثُ كَانَ النِّكَاحُ مَطْلُوبًا وَقَدَّمَهُ عَلَى الْحَجِّ وَمَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ لَمْ يَعْصِ إنْ كَانَ خَائِفَ الْعَنَتِ، وَإِلَّا عَصَى كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ خَرَجَ بِمَا يَصْرِفُهُ فِي النِّكَاحِ عَنْ الِاسْتِطَاعَةِ فِي أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ، فَلَا إثْمَ مُطْلَقًا أَوْ بَعْدَهَا فَيَأْثَمُ مُطْلَقًا عَلَى نَظِيرِ مَا فِي الصَّلَاةِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَعْنِينٍ) أَيْ دَائِمٍ أَيْضًا وَهُوَ مِنْ عَنَّ الشَّيْءَ عَجَزَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ إلَخْ) أَيْ بِحَسَبِ اطِّلَاعِهِ، وَإِلَّا فَهِيَ فِيهِمَا.
تَنْبِيهٌ: التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الرَّجُلِ يَجْرِي فِي الْمَرْأَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ نَعَمْ لَوْ لَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهَا الْفُجْرَةُ إلَّا بِهِ وَجَبَ وَاحْتِيَاجُهَا لِلنَّفَقَةِ نَظِيرُ وُجُودِ الْأُهْبَةِ فِي الرَّجُلِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْفَاسِقَةِ) . أَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّيِّنَةِ مَنْ فِيهَا صِفَةُ الْعَدَالَةِ لَا الْعِفَّةِ وَحْدَهَا بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ نِكَاحَ كَافِرَةٍ أَوْلَى مِنْ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ تَارِكَةٍ لِلصَّلَاةِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (بِكْرٌ) أَيْ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا وَلَوْ ثَيِّبًا وَغَيْرُ الْبِكْرِ الْمَدْخُولُ بِهَا، وَلَوْ بِكْرًا.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ تَضْعُفَ إلَخْ) أَوْ لَهُ عِيَالٌ تَقُومُ عَلَيْهِنَّ كَمَا فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (نَسِيبَةٍ) أَيْ طَيِّبَةِ الْأَصْلِ مَعْرُوفَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَفِيعَةً، فَخَرَجَ بِنْتُ الْفَاسِقِ وَاللَّقِيطَةُ، وَبِنْتُ اللَّقِيطِ، وَمَنْ لَا يُعْرَفُ لَهَا أَبٌ، قَالَ شَيْخُنَا: بَلْ يُكْرَهُ فِي ذَلِكَ، فَذِكْرُ بِنْتِ الزِّنَا لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَيُسْتَحَبُّ جَمِيلَةً بِحَسَبِ طَبْعِهِ، وَلُودًا بِاعْتِبَارِ أَقَارِبِهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا غَنِيَّةً كَثِيرَةَ الْمَالِ، وَأَمَّا حَدِيثُ «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» ، فَهُوَ إخْبَارٌ عَمَّا يَرْغَبُ النَّاسُ فِيهِ بِحَسَبِ طِبَاعِهِمْ، وَلَيْسَ مِنْ الْأَمْرِ فِي شَيْءٍ إلَّا لِذَاتِ الدِّينِ وَمَعْنَى تَرِبَتْ افْتَقَرَتْ فَكَأَنَّهَا الْتَصَقَتْ بِالتُّرَابِ، أَوْ أَنَّ الَّذِي فِيهَا تُرَابٌ إنْ لَمْ تَظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ، وَمَا قِيلَ إنَّ مَعْنَى تَرِبَتْ اسْتَغْنَتْ بِأَنْ صَارَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَالِ لِكَثْرَتِهِ كَالتُّرَابِ، وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ افْتَقَرَتْ لَقَالَ أَتْرَبَتْ فَاسِدٌ مُنَابِذٌ لِلْمُرَادِ مِنْ الْحَدِيثِ إلَّا إنْ حُمِلَ عَلَى مَعْنَى: إنْ فَعَلْت أَيْ ظَفِرْت بِذَاتِ الدِّينِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَعِيدَةُ) مِنْ الْأَقَارِبِ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِمَكَانِ أَنَّ النَّسَبَ مَعْرُوفٌ، وَمَا وَرَدَ عَنْ النَّصِّ مِنْ النَّهْيِ عَنْ النِّكَاحِ مِنْ الْعَشِيرَةِ يُحْمَلُ عَلَى الْأَقْرَبِينَ.
تَنْبِيهٌ: كُلُّ مَا طُلِبَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ يُطْلَبُ فِي عَكْسِهِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (أَنْسَبُ) أَيْ لِاتِّفَاقِ الصِّفَاتِ فِي الْإِفْرَادِ وَالِاسْمِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (قَصَدَ نِكَاحَهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا مُفْرَدَةً أَوْ مَعَ غَيْرِهَا فَلَوْ قَصَدَ نِكَاحَ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسْوَةٍ فَلَهُ نَظَرُهُنَّ دَفْعَةً، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَاعْتَمَدَهُ نَعَمْ تَقْيِيدُهُ النَّظَرَ بِكَوْنِهِ دُفْعَةً فِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (سُنَّ نَظَرُهُ) أَيْ إنْ رَجَا إجَابَةً وَعَلِمَ أَنَّهَا خَالِيَةٌ عَمَّا تَحْرُمُ بِهِ الْخِطْبَةُ وَلَا حُرْمَةَ إنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي، وَخَرَجَ بِالنَّظَرِ اللَّمْسُ فَيَحْرُمُ، وَلَوْ لِأَعْمَى، أَوْ تَعَذَّرَ النَّظَرُ.
قَوْلُهُ: (إلَيْهَا) لَا إلَى أُخْتِهَا وَلَوْ مُزَوَّجَةً وَلَا لِنَحْوِ أَخِيهَا إذَا تَعَذَّرَ نَظَرُهُ، كَالْأَعْمَى، وَكَّلَ نَحْوَ امْرَأَةٍ تَنْظُرُ لَهُ نَعَمْ إنْ تَعَذَّرَ نَظَرُهُ لَهَا وَأَخْبَرَهُ ثِقَةٌ أَنَّ أَخَاهَا مِثْلُهَا جَازَ لَهُ نَظَرُهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ النَّظَرُ لَهُ مَعَ شَهْوَةٍ، وَإِلَّا فَلَهُ النَّظَرُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ عَلَى الْمُرَجَّحِ الْآتِي.
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَالنِّكَاحُ أَفْضَلُ) ، كَانَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَرَكَ تَأْوِيلَ هَذَا بِالْفَاضِلِ إحَالَةً عَلَى مَا سَبَقَ قَرِيبًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتَعْنِينٍ) قِيلَ الْأَوْلَى تَقْيِيدُهُ بِالدَّوَامِ لِيَخْرُجَ مَنْ يَعِنُّ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، وَالتَّعْنِينُ مَادَّتُهُ مِنْ عَنَّ إذَا عَرَضَ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَكَأَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِلنِّكَاحِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (دَيِّنَةٌ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَوْ كَانَتْ تَارِكَةً لِلصَّلَاةِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ أَوْلَى مِنْهَا؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَهَذِهِ مُرْتَدَّةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَنَا فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا حِينَئِذٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِكْرٌ) كَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِلشَّخْصِ أَنْ لَا يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ إلَّا مِنْ بِكْرٍ أَيْ لَمْ يَتَزَوَّجْ قَبْلَهَا.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ بِنْتِ الزِّنَى) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّسِيبَةِ مَنْ لَهَا نَسَبٌ لَا شَرِيفَةَ النَّسَبِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ تَكُونَ أَجْنَبِيَّةً) يُرِيدُ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُؤَلِّفِ مِنْ بَابِ نَفْيِ الْمَوْصُوفِ مُقَيَّدًا بِالصِّفَةِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ أَنْسَبَ إلَخْ) كَانَ وَجْهُهُ أَنْ تَكُونَ الصِّفَاتُ كُلُّهَا مُفْرَدَةً.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا) . قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمَعْنَى يُؤْدَمَ يَدُومَ تَقَدَّمَ الْوَاوُ عَلَى الدَّالِ، وَقِيلَ مِنْ الْإِدَامِ مَأْخُوذٌ مِنْ إدَامِ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ
قَبْلَ الْخِطْبَةِ بَيَانٌ لِوَقْتِ النَّظَرِ، وَلَوْ كَانَ وَقْتُهُ بَعْدَهَا لَشَقَّ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرْكُ النَّاظِرِ لَهَا نِكَاحَهَا، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ خَطَبَ امْرَأَةً أَيْ عَزَمَ عَلَى خِطْبَتِهَا (وَلَهُ تَكْرِيرُ نَظَرِهِ) ، لِيَتَبَيَّنَ هَيْئَتَهَا فَلَا يَنْدَمَ بَعْدَ نِكَاحِهَا عَلَيْهِ، (وَلَا يَنْظُرُ غَيْرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ مِنْهَا وَفِي نَظَرِهِمَا كِفَايَةٌ، فَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِالْوَجْهِ عَلَى الْجَمَالِ وَبِالْكَفَّيْنِ عَلَى خَصِبَ الْبَدَنِ، وَيَنْظُرُهُمَا ظَهْرًا وَبَطْنًا
(وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إلَى عَوْرَةِ حُرَّةٍ كَبِيرَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ) ، مُطْلَقًا قَطْعًا وَالْمُرَادُ بِالْكَبِيرَةِ غَيْرُ الصَّغِيرَةِ، الَّتِي لَا تُشْتَهَى، (وَكَذَا وَجْهُهَا وَكَفُّهَا) ، أَيْ كُلُّ كَفٍّ مِنْهَا (عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ) . أَيْ دَاعٍ إلَى الِاخْتِلَاءِ بِهَا وَنَحْوِهِ (وَكَذَا عِنْدَ الْأَمْنِ) ، مِنْ الْفِتْنَةِ فِيمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ (عَلَى الصَّحِيحِ) ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ، وَمُحَرِّكٌ لِلشَّهْوَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30] ، وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] ، وَهُوَ مُفَسَّرٌ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ نَعَمْ يُكْرَهُ، وَالْكَفُّ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِعْصَمِ لَا الرَّاحَةُ فَقَطْ
(وَلَا يَنْظُرُ مِنْ مَحْرَمِهِ بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ) ، أَيْ يَحْرُمُ نَظَرُ ذَلِكَ (وَيَحِلُّ) نَظَرُ (مَا سِوَاهُ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: 31] وَالزِّينَةُ مُفَسَّرَةٌ بِمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ، وَالرُّكْبَةِ (وَقِيلَ) يَحِلُّ نَظَرُ (مَا يَبْدُو فِي الْمِهْنَةِ) أَيْ الْخِدْمَةِ (فَقَطْ) كَالرَّأْسِ وَالْعُنُقِ وَالْوَجْهِ، وَالْكَفِّ، وَالسَّاعِدِ وَطَرَفِ السَّاقِ؛ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَى غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ فِيمَا ذُكِرَ الْمَحْرَمُ بِالنَّسَبِ، وَالْمُصَاهَرَةِ وَالرَّضَاعِ
(وَ) الْأَصَحُّ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْخِطْبَةِ) قَيْدٌ لِلنَّدَبِ فَيَجُوزُ بَعْدَهَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ أَيْضًا وَالتَّقْيِيدُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الْمَنْعِ قَبْلَهَا لِعَدَمِ التَّأْكِيدِ بِتَقْدِيمِهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ) وَلَوْ مَعَ شَهْوَةٍ أَوْ خَوْفِ فِتْنَةٍ لَا مَعَ خَلْوَةٍ، وَالْأَوْلَى كَوْنُ النَّظَرِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهَا لِئَلَّا تَتَزَيَّنَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُؤْدَمَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ وَبَعْدَ أَوَّلِهِ هَمْزَةٌ قَدْ تُبْدَلُ بِالْوَاوِ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ يَدُومُ فَقُدِّمَتْ الْوَاوُ عَلَى الدَّالِ، وَهُمِزَتْ فَهُوَ مِنْ الدَّوَامِ وَقِيلَ: لَا تَقْدِيمَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْإِدَامِ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ يَطِيبُ بِهِ وَتَفْسِيرُ الشَّارِحِ رُبَّمَا لَا يُوَافِقُ وَاحِدًا مِنْ هَذَيْنِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (بَيَانٌ لِوَقْتِ النَّظَرِ) يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ بَيَانٌ لِوَقْتِ النَّظَرِ الْمَنْدُوبِ فَيُوَافِقُ مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَيَانٌ لِوَقْتِ النَّظَرِ الْأَكْمَلِ فَيُوَافِقُ مَا مَرَّ عَنْ شَيْخِنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَيَانٌ لِوَقْتِ النَّظَرِ الْجَائِزِ فَيَمْتَنِعُ بَعْدَ الْخِطْبَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ بَعْدَهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ) كَانَ الْأَنْسَبُ التَّفْرِيعَ بِالْفَاءِ لِمَا لَا يَخْفَى فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَيْ عَزَمَ) هُوَ تَأْوِيلٌ لِدَفْعِ حُرْمَةِ النَّظَرِ قَبْلَ الْخِطْبَةِ مَعَ أَنَّهُ الْمَنْدُوبُ أَوْ الْجَائِزُ أَوْ الْأَكْمَلُ؛ لِأَنَّهُ يُسَنُّ بَعْدَهَا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ تَكْرِيرُ نَظَرِهِ) وَلَا يَتَقَيَّدُ بَعْدُ مَا دَامَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَيَحْرُمُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ غَيْرَ الْعَوْرَةِ مِنْهَا، أَيْ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْحُرَّةِ أَمَّا الْأَمَةُ فَيَنْظُرُ مِنْهَا غَيْرَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اسْتِوَاءُ الْحُرَّةِ، وَالْأَمَةِ لِعُدُولِهِ عَنْ الْعَوْرَةِ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ مَرْجُوحٌ، وَيُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ مِنْ الرَّجُلِ أَيْضًا غَيْرَ مَا ذُكِرَ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَنْظُرُ مِنْ الْآخَرِ مَا عَدَا عَوْرَةَ الصَّلَاةِ.
تَنْبِيهٌ: فَرَّقُوا فِي النَّظَرِ هُنَا بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، بِخِلَافِ مَا سَيَأْتِي فِي نَظَرِ الْأَجْنَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ هُنَا مَأْذُونٌ فِيهِ، وَلَوْ مَعَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فَأُنِيطَ بِغَيْرِ الْعَوْرَةِ، وَمَا يَأْتِي غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ فَهُوَ مَنُوطٌ بِخَوْفِ الْفِتْنَةِ فَأُنِيطَ بِمَا يُخَافُ مِنْهَا فِيهِ وَلَوْ غَيْرَ الْعَوْرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ) هُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ وَسَيَأْتِي عَكْسُهُ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْفَحْلِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الِاتِّفَاقِ، وَمِثْلُهُ الْخَصِيُّ وَالْمَجْبُوبُ عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا يَأْتِي وَالْخُنْثَى يُحْتَاطُ فِيهِ نَاظِرًا وَمَنْظُورًا.
قَوْلُهُ: (بَالِغٍ) هُوَ قَيْدٌ لِعَدَمِ الْخِلَافِ أَيْضًا وَسَيَأْتِي غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (إلَى عَوْرَةٍ إلَخْ) هُوَ قَيْدٌ كَمَا مَرَّ وَسَيَأْتِي غَيْرُهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَحْرُمُ رُؤْيَةُ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا، وَإِنْ أُبِينَ كَظُفُرٍ وَشَعْرِ عَانَةٍ وَإِبْطٍ وَدَمِ حَجْمٍ وَفَصْدٍ لَا نَحْوُ بَوْلٍ كَلَبَنٍ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْمُبَانِ بِوَقْتِ الْإِبَانَةِ فَيَحْرُمُ مَا أُبِينَ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ، وَإِنْ نَكَحَهَا وَلَا يَحْرُمُ مَا أُبِينَ مِنْ زَوْجَةٍ وَإِنْ أَبَانَهَا، وَشَمِلَ النَّظَرُ مَا لَوْ كَانَ مِنْ وَرَاءِ زُجَاجٍ أَوْ مُهَلْهَلِ النَّسْجِ أَوْ فِي مَاءٍ صَافٍ، وَخَرَجَ بِهِ رُؤْيَةُ الصُّورَةِ فِي الْمَاءِ أَوْ فِي الْمِرْآةِ فَلَا يَحْرُمُ وَلَوْ مَعَ شَهْوَةٍ وَيَحْرُمُ سَمَاعُ صَوْتِهَا، وَلَوْ نَحْوَ الْقُرْآنِ، إنْ خَافَ مِنْهُ فِتْنَةً، أَوْ الْتَذَّ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَالْأَمْرَدُ فِيمَا ذُكِرَ كَالْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (حُرَّةٍ) وَلَوْ مُبَعَّضَةً؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الْأَمَةِ الْآتِيَةِ، وَيُنْدَبُ لِلْمَرْأَةِ تَغْلِيظُ صَوْتِهَا فِي خِطَابِ أَجْنَبِيٍّ.
قَوْلُهُ: (أَجْنَبِيَّةٍ) هِيَ غَيْرُ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا مِنْ مَحَارِمِهِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ مَعَ شَهْوَةٍ أَوْ خَوْفِ فِتْنَةٍ أَوْ لَا، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: قَطْعًا إلَى عَدَمِ الْخِلَافِ فِيمَا ذَكَرَهُ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (الَّتِي لَا تَشْتَهِي) أَيْ لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الشَّهْوَةِ لِذَوِي الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَكَفُّهَا) هُوَ مُفْرَدٌ مُضَافٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوُهُ) أَيْ نَحْوُ خَوْفِ الْفِتْنَةِ وَهُوَ الشَّهْوَةُ بِأَنْ يَلْتَذَّ بِالنَّظَرِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ النَّظَرَ إلَخْ) فَيَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ الْخُرُوجُ سَافِرَاتِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَرَامِ، وَفَارَقَهَا الرَّجُلُ لِمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ مَا ظَهَرَ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ يُكْرَهُ) أَيْ عَلَى الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (الْمِعْصَمُ) هُوَ مِفْصَلُ الْكَفِّ مِنْ السَّاعِدِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَحْرَمِهِ) أَيْ مَنْ يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ نِكَاحِهَا فَمَحَارِمُ نَحْوِ الْمَجُوسِ الَّذِي يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُنَّ كَالْأَجَانِبِ مَعَهُمْ.
قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
قَوْلُهُ: (مَا سِوَاهُ) شَمِلَ نَفْسَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ خِلَافًا لِمَا فِي
[حاشية عميرة]
يَطِيبُ بِهِ، حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ الْأَوَّلَ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالثَّانِيَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَحْلٍ) خَرَجَ بِهِ الْمَمْسُوحُ وَسَيَذْكُرُهُ وَالْخَصِيُّ وَالْمَجْبُوبُ وَحُكْمُهَا كَالْفَحْلِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (إلَى عَوْرَةِ حُرَّةٍ) الْمُبَعَّضَةُ كَالْحُرَّةِ قَطْعًا، وَقِيلَ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَوْلُهُ: (فِيمَا يَظْهَرُ لَهُ) دَفْعٌ لِمَا اُعْتُرِضَ بِهِ مِنْ أَنَّ الْأَمْنَ حَقِيقَةً لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ مَعْصُومٍ.
(حِلُّ النَّظَرِ بِلَا شَهْوَةٍ إلَى الْأَمَةِ إلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ) فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ؛ لِأَنَّ الْعَوْرَةَ مِنْهَا، وَالثَّانِي يَحْرُمُ نَظَرُ كُلِّهَا كَالْحُرَّةِ وَسَيَأْتِي تَرْجِيحُهُ وَالثَّالِثُ يَحْرُمُ نَظَرُ مَا لَا يَبْدُو مِنْهَا فِي الْمِهْنَةِ فَقَطْ، وَالنَّظَرُ بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ قَطْعًا لِكُلِّ مَنْظُورٍ إلَيْهِ مِنْ مَحْرَمٍ وَغَيْرِهِ، غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَالتَّعَرُّضُ لَهُ هُنَا بَعْضُ الْمَسَائِلِ لَيْسَ لِلِاخْتِصَاصِ بَلْ لِحِكْمَةٍ تَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ، وَالْأَصَحُّ حِلُّ النَّظَرِ (إلَى صَغِيرَةٍ إلَّا الْفَرْجَ) ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَظِنَّةِ الشَّهْوَةِ وَالثَّانِي يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْإِنَاثِ أَمَّا الْفَرْجُ، فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ، كَصَاحِبِ الْعِدَّةِ اتِّفَاقًا زَادَ فِي الرَّوْضَةِ قَوْلُهُ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِحِلِّهِ
(وَ) الْأَصَحُّ (إنْ نَظَرَ الْعَبْدُ إلَى سَيِّدَتِهِ، وَنَظَرُ مَمْسُوحٍ) أَيْ ذَاهِبُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ إلَى أَجْنَبِيَّةٍ.
(كَالنَّظَرِ إلَى مَحْرَمٍ) فَيَحِلُّ نَظَرُهُمَا نَظَرَ
[حاشية قليوبي]
الرَّوْضِ نَعَمْ يَحْرُمُ نَظَرُ الْجُزْءِ الْمُلَاصِقِ لِلْعَوْرَةِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالزِّينَةُ مُفَسِّرَةٌ إلَخْ) هَذَا تَفْسِيرٌ مُرَادٌ لِضَرُورَةِ عَطْفِ الْآبَاءِ عَلَيْهِ، فَهِيَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَفْسِيرٌ بِمَا يَلِيقُ بِهِ، وَقَدْ تُفَسَّرُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ كَمَا فِي زِينَةِ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] . قَوْلُهُ: (الْمِهْنَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا الْخِدْمَةُ.
قَوْلُهُ: (إلَى الْأَمَةِ) الْكَامِلَةِ الرِّقِّ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّظَرُ بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ قَطْعًا) هُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَبْلَهُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَمُرَادُ الشَّارِحِ بِذَلِكَ دَفْعُ مَا يُقَالُ تَقْيِيدًا لِمُصَنَّفٍ بِعَدَمِ الشَّهْوَةِ لَا مَحَلٌّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ مَعَهَا أَيْضًا، وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّ الْحُرْمَةَ مَعَ الشَّهْوَةِ مَعْلُومَةٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى تَنْبِيهٍ، وَالتَّعَرُّضُ لَهَا لَيْسَ لِأَجْلِ اعْتِبَارِ مَفْهُومٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ حِكْمَةٍ تَتَوَقَّفُ عَلَى التَّأَمُّلِ، وَالْمُرَادُ بِكُلِّ مَنْظُورٍ إلَيْهِ مِمَّا هُوَ مَحَلُّ الشَّهْوَةِ لَا نَحْوُ بَهِيمَةٍ وَجِدَارٍ قَالَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَلَمْ يُوَافِقْهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا، وَجَعَلَهُ شَامِلًا حَتَّى لِلْجَمَادِ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ ظَاهِرٌ فِي الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّعَرُّضُ لَهُ) أَيْ لِلنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَوْ تَذَكَّرَ الشَّهْوَةَ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا وَهَذَا أَوْلَى، أَوْ مُتَعَيِّنٍ لِلْمُتَأَمِّلِ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ لِمَحْذُوفٍ أَوْ عَائِدٌ إلَيْهَا، وَذِكْرُهُ بِاعْتِبَارِ الْمُضَافِ، أَوْ الْمَحْذُوفِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (لِحِكْمَةٍ إلَخْ) الْوَجْهُ فِيهَا أَنَّ ذِكْرَهَا يَكُونُ تَارَةً لِتَقْيِيدِ مَحَلِّ عَدَمِ الْخِلَافِ، وَتَارَةً لِجَوَازِ النَّظَرِ بِدُونِهَا، وَتَارَةً لِوُقُوعِ اسْتِدْرَاكٍ بَعْدَهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَأَنَّ عَدَمَ ذِكْرِهِ تَارَةً يَكُونُ لِلتَّقْيِيدِ بِمَحَلِّ الْخِلَافِ، وَتَارَةً لِنَفْيِ الشَّهْوَةِ فِي ذَاتِهَا وَتَارَةً لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا قِيلَ فِي حِكْمَتِهَا بِغَيْرِ هَذَا غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، وَلَا مَنْظُورٍ إلَيْهِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ مُرَاجَعَتِهِ وَتَأَمُّلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ إلَى صَغِيرَةٍ مَعْطُوفٌ عَلَى إلَى الْأَمَةِ لَا بِقَيْدِ عَدَمِ الشَّهْوَةِ لِانْتِفَائِهَا هُنَا فِي ذَاتِهَا بِدَلِيلِ مَا عَلَّلَ بِهِ، وَتَقْيِيدُ الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ بِهَا مَعَ ذِكْرِ الْعِلَّةِ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ، أَوْ بِحَسَبِ مَا فَهِمُوهُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَبِذَلِكَ يَرِدُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ دَفْعًا لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَحْذُورِ وَهُوَ الْعَطْفُ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (إلَى صَغِيرَةٍ) وَالصَّغِيرُ مِثْلُهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ نَظَرًا إلَى أَنَّ فَرْجَهَا أَفْحَشُ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْفَرْجُ) أَيْ مِنْ الصَّغِيرَةِ وَالصَّغِيرِ كَمَا عُلِمَ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَنْقُضُ مَسُّهُ الْوُضُوءَ مِنْ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ، وَكَذَا مَحَلُّ نَبَاتِ الْعَانَةِ فِيهِمَا، قَالَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ فِيهِمَا إلَّا لِحَاجَةٍ) كَزَمَنِ الرَّضَاعِ وَالتَّرْبِيَةِ لِنَحْوِ الْأُمِّ وَغَسْلِ نَجَاسَةٍ وَمُدَاوَاةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (زَادَ فِي الرَّوْضَةِ) ذَكَرَهُ لِرَدِّ دَعْوَى الِاتِّفَاقِ لَا لِلْحُكْمِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ أَنَّ نَظَرَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ نَظَرَ الْعَبْدِ وَالْمَمْسُوحِ مَعْطُوفٌ عَلَى حَلَّ قَبْلَهُ فَيُفِيدُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الشَّهْوَةِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمُرَاهِقِ الْآتِي، وَالْمُرَادُ بِالْعَبْدِ الْمَمْلُوكُ كُلُّهُ لِسَيِّدَتِهِ وَلَيْسَ مُكَاتَبًا لَهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
فَالْمُكَاتَبُ وَالْمُبَعَّضُ وَالْمُشْتَرَكُ كَالْأَجْنَبِيِّ مَعَهَا بِخِلَافِ الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُبَعَّضَةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ مَعَ سَيِّدِهِنَّ فَكَالْمَحْرَمِ قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْعَلْقَمِيُّ.
قَوْلُهُ: (إلَى سَيِّدَتِهِ) أَيْ وَعَكْسُهُ كَمَا يَأْتِي قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: وَإِنْ اخْتَلَفَا إسْلَامًا وَكُفْرًا فَرَاجِعْهُ مَعَ مَا يَأْتِي.
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي الْمِهْنَةِ) قَالَ ابْنُ السَّيِّدِ الْمِهَنُ الْمَصْدَرُ، وَالْمِهْنَةُ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَبِالْكَسْرِ الْهَيْئَةُ وَمَعْنَاهَا الِابْتِذَالُ لِلْخِدْمَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (حَلَّ النَّظَرُ بِلَا شَهْوَةٍ) قَيَّدَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَيْضًا، بِأَنْ لَا يَخَافَ الْفِتْنَةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: (فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ) أَيْ كَالْأَمَةِ وَالْأَمْرَدِ قَوْلُهُ: (وَالْحِكْمَةُ إلَخْ) هِيَ فِي الْأَمَةِ التَّوْطِئَةُ لِبَيَانِ مَحَلِّ اسْتِدْرَاكِهِ الْآتِي وَكَذَا فِي الْأَمْرَدِ فَإِنْ قُلْت: كَانَ يَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمِثْلِ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إلَى بَدَنِ الْأَجْنَبِيِّ قُلْت قَدْ قَالَ فِيهَا إنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً، وَهُوَ مُحَصِّلٌ لِلْغَرَضِ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ اشْتِرَاطَ عَدَمِ الشَّهْوَةِ أَيْضًا، فَإِنْ قُلْت قَوْلُهُ وَإِلَى صَغِيرَةٍ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ الْأَمَةِ فَيَكُونُ قَيْدُ عَدَمِ الشَّهْوَةِ مَذْكُورًا فِيهَا، وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنًى مِمَّا ذَكَرْتُهُ، قُلْت قَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ قَيْدَ عَدَمِ الشَّهْوَةِ لَمْ يَرِدْ فِيهَا حَيْثُ قَالَ: وَالْأَصَحُّ حِلُّ النَّظَرِ إلَى الصَّغِيرَةِ وَلَمْ يَقُلْ بِلَا شَهْوَةٍ.
نَعَمْ كُلُّ هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ إنَّمَا يَحْسُنُ اعْتِذَارًا عَنْ الْمُؤَلِّفِ، وَأَمَّا الِاعْتِذَارُ عَنْ الْمُحَرَّرِ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ قَيَّدَ بِهَا فِي الْأَمْرَدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْحُرْمَةَ إلَّا عِنْدَ الشَّهْوَةِ، وَتَعَرَّضَ لَهَا فِي مَسْأَلَةِ الْأَمَةِ نَظَرًا إلَى كَثْرَةِ اخْتِلَافِ الْأَصْحَابِ فِيهَا، فَاعْتَنَى بِهَا وَحَرَّرَ مَحَلَّ اخْتِلَافِهِمْ وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي مَسْأَلَةِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إلَى بَدَنِ الْأَجْنَبِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، اطَّلَعْت إلَى الْمُحَرَّرِ فَرَأَيْته لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الشَّهْوَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَمَةِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَحْرُمُ إلَخْ) قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ لَمْ أَجِدْ حِكَايَةَ الْخِلَافِ فِي وَجْهِهَا إلَّا فِي الْوَسِيطِ، وَيَكَادُ أَنْ يَكُونَ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ، وَالتَّعْلِيلُ بَاطِلٌ بِالْمَحَارِمِ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ النَّظَرِ إلَى وُجُوهِهِنَّ، وَهَذِهِ أَوْلَى لِخُرُوجِهَا عَنْ مَظِنَّةِ الشَّهْوَةِ فِي حَقِّ جَمِيعِ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَحْرُمُ إلَخْ) مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْمَمْسُوحِ فِي النَّظَرِ خَاصَّةً كَمَا فَرَضَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَأَمَّا الدُّخُولُ عَلَيْهِنَّ فَجَائِزٌ قَطْعًا نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا اتَّجَهَ التَّحْرِيمُ قَطْعًا بِنَاءً عَلَى تَحْرِيمِ نَظَرِ الذِّمِّيَّةِ إلَى الْمُسْلِمَةِ.
الْمَحْرَمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: 31] وَالثَّانِي يَحْرُمُ نَظَرُهُمَا كَغَيْرِهِمَا، وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْإِمَاءُ، وَالْمُغَفَّلُونَ الَّذِينَ لَا يَشْتَهُونَ النِّسَاءَ
(وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْمُرَاهِقَ كَالْبَالِغِ) ، فَيَلْزَمُ الْوَلِيَّ مَنْعُهُ مِنْ النَّظَرِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ، فَيَلْزَمُهَا الِاحْتِجَابُ مِنْهُ لِظُهُورِهِ عَلَى الْعَوْرَاتِ بِخِلَافِ طِفْلٍ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: 31] ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ كَالْبَالِغِ، فَلَهُ النَّظَرُ كَالدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ إلَّا فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: 58] وَعَلَى هَذَا فَنَظَرُهُ كَالنَّظَرِ إلَى مَحْرَمٍ
، (وَيَحِلُّ نَظَرُ رَجُلٍ إلَى رَجُلٍ إلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ) ، فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ، (وَيَحْرُمُ نَظَرُ أَمْرَدَ بِشَهْوَةٍ) ، وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ فَيَلْتَذَّ، (قُلْت: وَكَذَا بِغَيْرِهَا عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ) ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ مِنْ نَظَرِهِ الْفِتْنَةُ كَالْمَرْأَةِ؛ إذْ الْكَلَامُ فِي الْجَمِيلِ الْوَجْهِ كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ، وَالْمُصَنِّفُ فِي فَتَاوِيهِ وَغَيْرِهَا، وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ، وَإِلَّا لَأُمِرَ الْمُرْدُ بِالِاحْتِجَابِ كَالنِّسَاءِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالِاحْتِجَابِ لِلْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَفِي تَرْكِ الْأَسْبَابِ اللَّازِمِ لَهُ وَعَلَى غَيْرِهِمْ غَضُّ الْبَصَرِ عِنْدَ تَوَقُّعِ الْفِتْنَةِ، وَالْخِلَافُ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ وَجَزَمَ عِنْدَ عَدَمِهِ بِالْجَوَازِ، وَزَادَ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ قَوْلُهُ أَطْلَقَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى الْأَمْرَدِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَنَقَلَهُ الدَّارَكِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فَأَخَذَ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ مَا شَمِلَتْهُ عِبَارَتُهُ فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ الْحُرْمَةِ عِنْدَ عَدَمِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ حَسْمًا لِلْبَابِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ هُوَ وَلَا
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَنَظَرُ مَمْسُوحٍ) أَيْ النَّظَرُ مِنْهُ وَالْخَلْوَةُ كَالنَّظَرِ بِخِلَافِ الْمَسِّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ ذَاهِبٌ إلَخْ) أَيْ بِحَيْثُ لَمْ تَبْقَ لَهُ شَهْوَةٌ فَإِنْ بَقِيَتْ فَكَالْفَحْلِ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (إلَى أَجْنَبِيَّةٍ) وَكَذَا عَكْسُهُ وَتَقْيِيدُهُ بِهَا لِمُنَاسِبَةِ مَا قَبْلَهُ وَلَوْ أَبْدَلَ الْمُصَنِّفُ إلَى بِمَعَ لَكَانَ أَعَمَّ لِشُمُولِهِ لِكَوْنِ النَّظَرِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ أَوْ إلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْعَبْدَ شَامِلٌ لِلْمَمْسُوحِ، وَأَنَّ السَّيِّدَةَ مَعَ الْعَبْدِ لَا يُقَالُ لَهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (فَيَحِلُّ نَظَرُهُمَا) ضَمِيرُ الْمُثَنَّى عَائِدٌ لِلْعَبْدِ وَالْمَمْسُوحِ وَشَرْطُ حِلِّ النَّظَرِ فِيهِمَا الْعَدَالَةُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا فِي الْمَنْهَجِ بِالْعِفَّةِ فِي الْأَوَّلِ، وَمِثْلُهُ الثَّانِي كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَشَرَطَ فِي الثَّانِي أَيْضًا اتِّفَاقَ الدِّينِ قَالَ شَيْخُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَقَاعَدُ عَنْ الْمَرْأَةِ كَمَا يَأْتِي، وَلَا بُدَّ مِنْ الْعِفَّةِ فِي كُلٍّ مِنْ الْعَبْدِ وَسَيِّدَتِهِ فِي حِلِّ نَظَرِ كُلٍّ مِنْهُمَا، كَمَا فِي الْمَنْهَجِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَفِيفًا دُونَ الْآخَرِ امْتَنَعَ النَّظَرُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَنُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّ مُفَادَ الْمَنْهَجِ عَدَمُ حِلِّ نَظَرِ كُلٍّ مِنْهُمَا عِنْدَ انْتِفَاءِ عِفَّتِهِمَا، وَذَلِكَ لَا يُفِيدُ مَنْعَ حِلِّ نَظَرِ الْعَفِيفِ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فَتَأَمَّلْهُ وَهُوَ مَرْدُودٌ بَلْ مَفْهُومُهُ الْمَنْعُ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: 31] دَلِيلُ الْعَبْدِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ التَّابِعِينَ) دَلِيلُ الْمَمْسُوحِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْإِمَاءُ) أَيْ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ.
(وَالْمُغَفَّلُونَ) أَيْ مِنْ التَّابِعِينَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ الْمُرَاهِقَ) وَهُوَ مَنْ قَارَبَ زَمَنَ الْبُلُوغِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ يَظْهَرُ عَلَى الْعَوْرَاتِ أَيْ الَّذِي قَدَرَ عَلَى أَنْ يَحْكِيَ مَا يَرَاهُ مِنْ النِّسَاءِ أَمَّا مَنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذَا الْحَدَّ فَإِنْ بَلَغَ حَدَّ الشَّهْوَةِ فَكَالْمَحْرَمِ وَإِلَّا فَكَالصَّغِيرِ.
قَوْلُهُ: (كَالْبَالِغِ) يُفِيدُ أَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي كَوْنِهِ نَاظِرًا وَكَوْنِهِ مَنْظُورًا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ نَظَرُ رَجُلٍ) وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الشِّقَّيْنِ مَا يَعُمُّ الْمُرَاهِقَ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ نَظَرُ أَمْرَدَ) وَلَوْ مَعَ مَحْرَمِيَّةٍ أَوْ مِلْكٍ وَهُوَ أَشَدُّ إثْمًا مِنْ نَظَرِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَالْمُرَادُ نَظَرُ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ، وَلَوْ شَعْرًا وَظُفْرًا وَإِنْ أُبِينَ كَمَا مَرَّ، وَهُوَ مَا بَيْنَ بُلُوغِ حَدِّ الشَّهْوَةِ إلَى أَوَانِ طُلُوعِ اللِّحْيَةِ وَبُعْدِهِ أَجْرَدَ، وَأَثْطُ بِالْمُثَلَّثَةِ الْمَفْتُوحَةِ قَبْلَ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ.
قَوْلُهُ: (شَهْوَةٍ) وَكَذَا بِخَوْفِ فِتْنَةٍ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا بِغَيْرِهَا عَلَى الْأَصَحِّ) عِنْدَهُ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ هُنَا، وَعَلَيْهَا يُقَيَّدُ بِعَدَمِ الْمِلْكِ هُنَا أَوْ الْمَحْرَمِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْجَمِيلِ الْوَجْهِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ النَّقِيِّ الْبَدَنِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا عُلِمَ.
قَوْلُهُ: (لِلْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ) كَمَا فِي الرِّجَالِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي تَرْكِ الْأَسْبَابِ) لَفْظُ تَرَكِ سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ وَمَذْكُورٌ فِي بَعْضِهَا وَهُوَ أَوْلَى وَيَدُلُّ لَهُ تَذْكِيرُ اللَّازِمِ.
قَوْلُهُ: (الدَّارَكِيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ كَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ.
قَوْلُهُ: (نَصُّ الْأُمِّ) وَفِي نُسْخَةٍ نَصَّ الشَّافِعِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ) أَيْ الْمُصَنِّفُ وَفِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مَا شَمِلَتْهُ عِبَارَتُهُ فِي الْمِنْهَاجِ) وَعَبَّرَ فِيهِ بِالْأَصَحِّ نَظَرًا لِقَوْلِ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ، وَبِالْمَنْصُوصِ نَظَرًا لِنَصِّ الْأُمِّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ إلَخْ) فِيهِ تَحَامُلٌ كَثِيرٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ حَيْثُ اخْتَرَعَ فِي الْمَذْهَبِ مَا لَيْسَ مِنْهُ.
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ (وَالْمُغَفَّلُونَ) اُنْظُرْ مَا وَجْهُ حِلِّ نَظَرِهِمْ، وَمَا الْمُرَادُ بِهِمْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَظْهَرُوا إلَخْ) أَيْ لَمْ يَبْلُغُوا أَنْ يَصِفُوا الْعَوْرَاتِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَحْرُمُ نَظَرُ أَمْرَدَ) يُقَالُ غُصْنٌ أَمْرَدُ أَيْ لَا وَرَقَ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْكَافِي وَهُوَ أَعْظَمُ إثْمًا مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ بِحَالٍ انْتَهَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ نَقْلًا عَنْ زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ، وَكَمَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْقَرِيبِ، وَكَأَنَّهُ يَعْنِي غَيْرَ الْمَحْرَمِ.
قَوْلُهُ: (بِحِكَايَتِهَا) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ مِنْ الْحُرْمَةِ.
غَيْرُهُ، بِحِكَايَتِهَا فِي الْمَذْهَبِ، وَلَمْ يُبَالِ بِتَعْلِيلِ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ، مَا أَطْلَقَهُ بِخَوْفِ الِافْتِتَانِ، وَلَا تَعْلِيلِ صَاحِبِ الْبَيَانِ مَا نَقَلَهُ الدَّارَكِيُّ عَنْ النَّصِّ بِأَنَّهُ يُفْتَنُ، وَقَدْ اعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْحُرْمَةِ عِنْدَ عَدَمِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي مُخَالَطَةِ الصِّبْيَانِ مِنْ عَصْرِ الصَّحَابَةِ إلَى الْآنَ فِي الْمَكَاتِبِ، وَمَحَالِّ الصَّنَائِعِ وَغَيْرِهَا، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَشْعَرَ ذَلِكَ، فَدَفَعَهُ بِمَا سَيَأْتِي لَهُ أَنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ لِلتَّعْلِيمِ
(وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْأَمَةَ كَالْحُرَّةِ) فِي حُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهَا، (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْمَرْأَةُ مَعَ امْرَأَةٍ كَرَجُلٍ وَرَجُلٍ) ، فَيَحِلُّ نَظَرُهَا إلَيْهَا إلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ، وَرُكْبَةٍ فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ، (وَالْأَصَحُّ بِتَحْرِيمِ نَظَرِ ذِمِّيَّةٍ إلَى مُسْلِمَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: 31] وَالذِّمِّيَّةُ لَيْسَتْ مِنْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ، فَلَا تَدْخُلُ الْحَمَّامَ مَعَ الْمُسْلِمَاتِ، نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ تَرَى مِنْهَا مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ، وَقِيلَ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ فَقَطْ، وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ نَظَرًا إلَى اتِّحَادِ الْجِنْسِ.
(وَ) الْأَصَحُّ (جَوَازُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إلَى بَدَنِ أَجْنَبِيٍّ سِوَى مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ إنْ لَمْ تَخَفْ فِتْنَةً) ؛ لِأَنَّ مَا سِوَى مَا بَيْنَهُمَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ مِنْهُ، (قُلْت الْأَصَحُّ التَّحْرِيمُ كَهُوَ) أَيْ كَنَظَرِهِ (إلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: 31] وَالثَّالِثُ يَجُوزُ إلَى مَا يَبْدُو فِي الْمِهْنَةِ فَقَطْ إذْ لَا حَاجَةَ إلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ خَافَتْ فِتْنَةً حَرُمَ قَطْعًا (وَنَظَرَهَا إلَى مَحْرَمِهَا كَعَكْسِهِ) أَيْ كَنَظَرِ الرَّجُلِ إلَى مَحْرَمِهِ، فَتَنْظُرُ مِنْهُ مَا سِوَى مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ وَقِيلَ مَا يَبْدُو مِنْهُ فِي الْمِهْنَةِ فَقَطْ، وَهُوَ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ
، (وَمَتَى حَرُمَ النَّظَرُ حَرُمَ الْمَسُّ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي اللَّذَّةِ مِنْهُ فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ ذَلِكَ، مَسُّ فَخْذِ رَجُلٍ بِلَا حَائِلٍ وَيَجُوزُ مِنْ فَوْقِ إزَارٍ إنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً، وَقَدْ يَحْرُمُ الْمَسُّ حَيْثُ لَا يَحْرُمُ النَّظَرُ كَمَسِّ وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ فَيَحْرُمُ.
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (لَمْ يُبَالِ إلَخْ) هُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ فَأَخَذَ إلَخْ، وَفِيهِ تَحَامُلٌ أَيْضًا عَلَيْهِ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ مُبَالٍ بِهِ، وَلَكِنَّهُ فَهِمَ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ شَأْنَهُ ذَلِكَ لَا وُجُودُهُ بِالْفِعْلِ، وَيَدُلُّ لَهُ تَعْلِيلُ صَاحِبِ الْبَيَانِ بِالْمُضَارِعِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ اعْتَرَضَ إلَخْ) هَذَا غَيْرُ الِاعْتِرَاضِ السَّابِقِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ عُصُرِ إلَخْ) بِضَمِّ أَوَّلَيْهِ مَعًا أَوْ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَرْأَةُ إلَخْ) وَالْمُرَادُ بِهَا مَا يَشْمَلُ الْمُرَاهِقَةَ، وَلَوْ فَاسِقَةً فِي الشِّقَّيْنِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي جَعْلِهَا كَالذِّمِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (تَحْرِيمُ نَظَرِ ذِمِّيَّةٍ) الْمُرَادُ كَافِرَةً، وَلَوْ مُرْتَدَّةً أَوْ زَوْجَةَ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (إلَى مُسْلِمَةٍ) أَيْ وَلَا مَمْلُوكِيَّةٍ وَلَا مَحْرَمِيَّةٍ.
وَأَمَّا عَكْسُ مَا ذُكِرَ هُوَ نَظَرُ الْمُسْلِمَةِ إلَى الذِّمِّيَّةِ فَجَائِزٌ لِغَيْرِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ تَرَى) أَيْ الذِّمِّيَّةُ مِنْ الْمُسْلِمَةِ مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَيُقَيَّدُ بِهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ) أَيْ فِي غَيْرِ الْعَوْرَةِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (قُلْت الْأَصَحُّ التَّحْرِيمُ) فَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَسْتُرَ مَا يَعْلَمُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَنْظُرُ إلَيْهِ مِنْهُ كَعَكْسِهِ.
قَوْلُهُ: (كَهُوَ إلَيْهَا) الْمُتَّفَقُ عَلَى حُرْمَتِهِ؛ لِأَنَّهُنَّ مَحَلُّ الشَّهْوَةِ أَصَالَةً، وَالْمُرَادُ بِهَا مَا يَشْمَلُ الْمُرَاهِقَةَ، كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا وَمِنْ هُنَا عُلِمَ اخْتِصَاصُ النِّسَاءِ بِالْمَنْعِ مِنْ خُرُوجِهِنَّ سَافِرَاتِ الْوَجْهِ، وَلِأَنَّ سِتْرَهُنَّ أَسْهَلُ مِنْ سَتْرِ الرِّجَالِ وَلِقِلَّةِ بُرُوزِهِنَّ فِي الْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ مَا يَبْدُو فِي الْمِهْنَةِ أَيْ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَتَقَدَّمَ خِلَافُهُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، وَعُلِمَ بِمَا ذَكَرَهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي نَفْسِ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَقَطْ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَمَتَى حَرُمَ إلَخْ) وَمِنْهُ مَا أُبِينَ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ أَمْرَدَ كَشَعْرٍ وَظُفُرٍ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَبْلَغُ) بِدَلِيلِ بُطْلَانِ الصَّوْمِ.
بِالْإِنْزَالِ مَعَهُ لَا مَعَ النَّظَرِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ مِنْ فَوْقِ إزَارٍ) وَلَوْ رَقِيقًا حَيْثُ مَنَعَ مِنْ نَقْضِ الْوُضُوءِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ يَحْرُمُ نَظَرُ زَوْجَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ فِي الْإِزَارِ وَلَعَلَّ بَقِيَّةَ الْأَنْبِيَاءِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً أَوْ شَهْوَةً) وَإِلَّا حَرُمَ وَلَوْ كَانَ الْحَائِلُ كَثِيفًا جِدًّا قَالَ شَيْخُنَا سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْجِنْسُ فِي ذَلِكَ أَوْ اخْتَلَفَ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ يَحْرُمُ الْمَسُّ حَيْثُ لَا يَحْرُمُ النَّظَرُ) لَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ عَكْسُ مَا فِيهِ وَلَا يُسْتَثْنَى مِمَّا فِيهِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (كَمَسِّ وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ) وَمِثْلُهُ مَسُّ الْعَبْدِ شَيْئًا مِنْ بَدَنِ سَيِّدَتِهِ، وَعَكْسُهُ وَكَذَا مَسُّ مَمْسُوحٍ أَوْ عَكْسُهُ.
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَصَحُّ إلَخْ) أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 59] الْآيَةَ.
قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (تَحْرِيمُ نَظَرِ ذِمِّيَّةٍ) مِثْلُهَا فِيمَا يَظْهَرُ الْفَاسِقَةُ الْمُسَاحَقَةُ، وَقَوْلُهُ: ذِمِّيَّةٌ أَيْ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِلْمُسْلِمَةِ وَمِثْلُهَا مَحَارِمُهَا الْكَافِرَاتُ فِيمَا يَظْهَرُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت الْأَصَحُّ التَّحْرِيمُ كَهُوَ إلَيْهَا) أَيْ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي رُؤْيَتِهَا لِلَعِبِ الْحَبَشَةِ، فَقَدْ أَوَّلَهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى رُؤْيَتِهَا اللَّعِبَ وَالْحِرَابَ دُونَ الْأَبَدَانِ انْتَهَى.
قَوْلُهُ: (إلَى مَا يَبْدُو فِي الْمِهْنَةِ) اعْلَمْ أَنَّهُ فِيمَا سَلَف قَدْ فَسَّرَ مَا يَبْدُو فِي مِهْنَةِ الْمَرْأَةِ بِمِثْلِ الرَّأْسِ وَالْعُنُقِ وَالْوَجْهِ إلَخْ.
فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ هُنَا أَيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ، لَكِنْ سَيَأْتِي قَرِيبًا تَفْسِيرُ مَا يَبْدُو فِي مِهْنَةِ الرَّجُلِ الْمَحْرَمِ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ، فَالظَّاهِرُ جَرَيَانُ ذَلِكَ هُنَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ يَبْدُو فِي مِهَنِهِمْ ذَلِكَ غَالِبًا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُخَيَّلَ فَارِقٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَحْرَمَ الرَّجُلُ مَعَ مَحَارِمِهِ الْإِنَاثِ يَبْدُو وَفِي مِهْنَتِهِ مَعَهُنَّ مِثْلُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَهَذَا الْفَرْقُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى إلَّا أَنَّ صَنِيعَ الشَّارِحِ يُؤَيِّدُهُ حَيْثُ تَرَكَ هُنَا التَّفْسِيرَ، بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِهِ إلَّا فِي مِهْنَةِ الرَّجُلِ الْمَحْرَمِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَعَلَى الْأَخِيرِ يَلْزَمُ اتِّحَادُ الثَّالِثِ وَالْأَوَّلِ إلَّا فِي نَفْسِ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْإِمَامِ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ مِنْ الرَّجُلِ لَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ مِنْ الْمَرْأَةِ انْتَهَى ثُمَّ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ يَظْهَرُ فِي السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَتَى حَرُمَ النَّظَرُ حَرُمَ الْمَسُّ) يُسْتَثْنَى مِنْهُ طَرْدًا وَعَكْسًا فَالْأَوَّلُ الْعُضْوُ الْمُبَانُ يَحْرُمُ نَظَرُهُ دُونَ مَسِّهِ، وَحَلْقَةُ
وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِ نَظَرِهِ، وَكَغَمْزِ الرَّجُلِ سَاقَ مَحْرَمَةٍ، أَوْ رِجْلَهَا وَعَكْسُهُ، فَيَحْرُمُ مَعَ جَوَازِ النَّظَرِ إلَى مَا ذُكِرَ، وَلَوْ قَالَ بَدَلَ مَتَى حَيْثُ، كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ كَانَ أَقْرَبَ لِلْمُرَادِ؛ لِأَنَّ حَيْثُ اسْمُ مَكَان، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي يَحْرُمُ نَظَرُهُ، يَحْرُمُ مَسُّهُ، وَمَتَى اسْمُ زَمَانٍ وَلَا مَوْقِعَ لِإِرَادَتِهِ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ بِغَيْرِهِ
(وَيُبَاحَانِ) أَيْ النَّظَرُ وَالْمَسُّ (لِفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ وَعِلَاجٍ) لِعِلَّةٍ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَلْيَكُنْ ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِحُضُورِ مَحْرَمٍ، أَوْ زَوْجٍ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا تُوجَدَ امْرَأَةٌ تُعَالِجُ الْمَرْأَةَ أَوْ رَجُلٌ يُعَالِجُ الرَّجُلَ، وَأَنْ لَا يَكُونَ ذِمِّيًّا مَعَ وُجُودِ مُسْلِمٍ، (قُلْت: وَيُبَاحُ النَّظَرُ لِمُعَامَلَةٍ) بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَشَهَادَةٍ) تَحَمُّلًا وَأَدَاءً.
(وَتَعْلِيمٍ) وَهُوَ لِلْأَمْرَدِ كَإِرَادَةِ الرَّجُلِ شِرَاءَ جَارِيَةٍ، أَوْ الْمَرْأَةِ شِرَاءَ عَبْدٍ، (بِقَدْرِ الْحَاجَةِ) فِي الْجَمِيعِ، (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) ، فَيُنْظَرُ فِي إرَادَةِ شِرَاءِ الْجَارِيَةِ أَوْ الْعَبْدِ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَيَنْظُرُ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَأَدَائِهَا وَجْهَهَا فَقَطْ، وَمَسْأَلَةُ التَّعْلِيمِ مَزِيدَةٌ عَلَى الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْقَصْدُ بِهَا تَعْلِيمُ الْأَمْرَدِ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ بِحُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ، مُطْلَقًا وَلَا غِنَى لِلْمُرْدِ عَنْ تَعَلُّمِ الْوَاجِبَاتِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَتَأَتَّى تَعْلِيمُهُمْ بِدُونِ النَّظَرِ إلَيْهِمْ ذَكَرَ جَوَازَهُ، لِذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي فَتَاوِيهِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَفْقِدُ مَنْ يُعَلِّمُهَا مِنْ مَحْرَمٍ أَوْ امْرَأَةٍ فَلَا يَجُوزُ نَظَرُ الْأَجْنَبِيِّ لَهَا لِلتَّعْلِيمِ وَسَيَأْتِي فِي الصَّدَاقِ أَنَّهُ لَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ قُرْآنٍ وَطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ تَعَذَّرَ تَعْلِيمُهُ
(وَلِلزَّوْجِ النَّظَرُ إلَى كُلِّ بَدَنِهَا) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ اسْتِمْتَاعِهِ لَكِنْ يُكْرَهُ نَظَرُ الْفَرْجِ وَسَيِّدُ الْأَمَةِ الَّتِي يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا كَالزَّوْجِ فِيمَا ذُكِرَ.
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِ نَظَرِهِ) أَيْ عَلَى الْمَرْجُوحِ أَوْ لِنَحْوِ تَعْلِيمٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَغَمْزِ) بِمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مِيمٌ هُوَ التَّكْبِيسُ الْمَعْرُوفُ لُغَةً.
قَوْلُهُ: (سَاقِ مَحْرَمِهِ) هَذَا مَا فِي الرَّوْضَةِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ وَلَا شَفَقَةٍ، إلَّا مَعَ شَهْوَةٍ أَوْ خَوْفِ فِتْنَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ عُدُولُ الْمُصَنِّفِ عَمَّا فِي الْمُحَرَّرِ مَقْصُودٌ إمَّا؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ يُمْكِنُ فِيهِ مَا ذُكِرَ أَيْضًا كَأَجْنَبِيَّةٍ تَزَوَّجَهَا، وَأَمْرَدَ كَبِرَ عَنْ زَمَنِ الْمُرْدَانِيَّةِ، وَصَغِيرَةٍ كَبِرَتْ وَنَحْوُ ذَلِكَ، أَوْ لِلْإِشَارَةِ إلَى اسْتِعْمَالِ مَتَى فِيمَا يَعُمُّ الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ لِكَوْنِهَا أَقْرَبَ إلَيْهِمَا مِنْ حَيْثُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مَعًا جَائِزٌ كَمَا عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَوْلُهُ وَلَا مَوْقِعَ لِإِرَادَتِهِ هُنَا مَمْنُوعٌ وَلَا حَاجَةَ لِتَأْوِيلِهِ بِغَيْرِهِ الَّذِي هُوَ حَيْثُ إذْ مِنْ الْبَعِيدِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَعْدِلُ مِنْ لَفْظٍ إلَى لَفْظٍ مُسَاوٍ لَهُ ثُمَّ يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِهِ بِمَا عَدَلَ عَنْهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لِلْحَاجَةِ) بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ أَدْنَى حَاجَةٍ، وَفِي غَيْرِ الْفَرْجَيْنِ مُبِيحُ تَيَمُّمٍ وَفِيهِمَا لِضَرُورَةٍ.
قَوْلُهُ: (لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ) أَيْ عِنْدَ فَقْدِ الشَّرْطِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا تُوجَدَ امْرَأَةٌ) وَلَوْ ذِمِّيَّةً.
قَوْلُهُ: (أَوْ رَجُلٌ) وَلَوْ ذِمِّيًّا.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يَكُونَ) أَيْ الْمُعَالِجُ ذِمِّيًّا مَعَ وُجُودِ مُسْلِمٍ أَيْ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فَيُقَدَّمُ فِي الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ امْرَأَةٌ مَحْرَمٌ مُسْلِمَةٌ، ثُمَّ أَجِنِّيَّةٌ مُسْلِمَةٌ، ثُمَّ صَبِيٌّ غَيْرُ مُرَاهِقٍ مُسْلِمٌ ثُمَّ صَبِيٌّ غَيْرُ مُرَاهِقٍ كَافِرٌ، ثُمَّ بَالِغٌ مَحْرَمٌ ثُمَّ بَالِغٌ كَافِرٌ، ثُمَّ مَمْسُوحٌ مُسْلِمٌ، مَمْسُوحٌ كَافِرٌ، ثُمَّ ذِمِّيَّةٌ مَحْرَمٌ ثُمَّ ذِمِّيَّةٌ غَيْرُ مَحْرَمٍ، ثُمَّ مُرَاهِقٌ مُسْلِمٌ ثُمَّ مُرَاهِقٌ غَيْرُ مُسْلِمٍ، ثُمَّ بَالِغٌ أَجْنَبِيٌّ مُسْلِمٌ، ثُمَّ بَالِغٌ أَجْنَبِيٌّ كَافِرٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْجِنْسُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُقَدَّمُ الْمَحْرَمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُقَدَّمُ مَنْ نَظَرُهُ أَكْثَرُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُقَدَّمُ عِنْدَ اتِّحَادِ النَّظَرِ الْجِنْسُ عَلَى غَيْرِهِ.
ثُمَّ الْمَحْرَمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْمُوَافِقُ فِي الدِّينِ عَلَى غَيْرِهِ، وَهَكَذَا فَإِذَا أَفْقِدَ ذَلِكَ عَالَجَ الْأَجْنَبِيُّ بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ مِنْ حُضُورِ نَحْوِ مَحْرَمٍ.
قَوْلُهُ: (تَحَمُّلًا) وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهَا وَكَذَا الْأَدَاءُ، وَلَا يَجُوزُ نَظَرُ الشَّاهِدِ لَهَا إذَا عَرَفَهَا وَلَوْ بِاسْمٍ وَنَسَبٍ.
فَإِنْ عَرَفَهَا بِتَعْرِيفِ عَدْلٍ اكْتَفَى بِهِ وَجَازَ النَّظَرُ، وَإِذَا امْتَنَعَتْ مِنْ كَشْفِ وَجْهِهَا كَشَفَتْهُ امْرَأَةٌ غَيْرُهَا، وَيَجُوزُ نَظَرُ فَرْجِهَا لِلشَّهَادَةِ بِالزِّنَى، أَوْ الْوِلَادَةِ وَنَظَرُ الثَّدْيِ فِي الرَّضَاعِ وَكَالشَّهَادَةِ الْحُكْمُ لَهَا أَوْ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ لِلْأَمْرَدِ خَاصَّةً لِمَا سَيَأْتِي) أَيْ فِي بَابِ الصَّدَاقِ، وَهَذَا مَرْجُوحٌ وَسَيَأْتِي هُنَا الْجَوَابُ عَنْهُ، وَالْأَصَحُّ جَوَازُ التَّعْلِيمِ لِلْأَمْرَدِ وَلِلْمَرْأَةِ إلَّا الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الْفِرَاقِ لِمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فِي الْجَمِيعِ) لَا يَبْعُدُ رُجُوعُهُ لِلْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَالْعِلَاجِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ) فَهُوَ دَلِيلٌ ثَانٍ لِتَخْصِيصِهِ الَّذِي ادَّعَاهُ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى فَتَاوِيهِ أَيْ إنَّ الْمُصَنِّفَ صَرَّحَ فِي فَتَاوِيهِ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بِتَخْصِيصِ التَّعْلِيمِ الْمَذْكُورِ بِالْأَمْرَدِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَفْقِدُ إلَخْ) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِجَوَازِ تَعْلِيمِ الْأَجْنَبِيِّ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ فَقْدِ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْمَحْرَمِ وَالْمَرْأَةِ، وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ: إنَّ الْحُكْمَ يَكْفِي فِي ثُبُوتِهِ الْفَرْدُ النَّادِرُ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ فِي غَيْرِهِ، فَتَأَمَّلْهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ مُرَادُهُ بِعَدَمِ الْفَقْدِ مَا مَنْ شَأْنُهُ ذَلِكَ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (وَسَيَأْتِي فِي الصَّدَاقِ) هُوَ دَلِيلٌ ثَالِثٌ لِمَا ادَّعَاهُ وَالْمُعْتَمَدُ جَوَازُ تَعْلِيمِهَا، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ فِي الزَّوْجَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَتْ آمَالُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ فَرُبَّمَا وَقَعَ بَيْنَهُمَا مَا وَقَعَ التَّحْذِيرُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيَّةِ.
نَعَمْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْخَلْوَةِ لِتَعْلِيمِ الْأَمْرَدِ حُضُورُ مَحْرَمٍ، أَوْ نَحْوِهِ وَيُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي الْجَمِيعِ قَالَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (كُلُّ بَدَنِهَا) إلَّا لِمَانِعٍ كَعِدَّةِ شُبْهَةٍ، وَعَكْسُ ذَلِكَ مِثْلُهُ فَلَهَا نَظَرُ كُلِّ بَدَنِهِ.
نَعَمْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ نَظَرِ عَوْرَتِهِ فَقَطْ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا نَظَرُهَا حِينَئِذٍ بِخِلَافِ عَكْسِهِ.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ يُكْرَهُ نَظَرُ الْفَرْجِ) سَوَاءٌ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بَلْ قِيلَ نَظَرُ الْبَاطِنِ مِنْهُ يُورِثُ الْعَمَى فِي النَّاظِرِ، وَقِيلَ فِي وَلَدِهِ.
قَوْلُهُ: (كَالزَّوْجِ فِيمَا ذُكِرَ) مِنْ جَوَازِ نَظَرِهِ لِكُلِّ بَدَنِهَا إلَّا لِمَانِعٍ كَتَزْوِيجٍ وَعِدَّةٍ وَاسْتِبْرَاءٍ وَكِتَابَةٍ وَتَوَثُّنٍ، فَيَحْرُمُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
[حاشية عميرة]
دُبُرِ الزَّوْجَةِ يَحْرُمُ نَظَرُهَا عَلَى مَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ دُونَ مَسِّهَا.
وَفَرْجُ الزَّوْجَةِ يَحْرُمُ نَظَرُهُ عَلَى وَجْهٍ وَلَا يَحْرُمُ مَسُّهُ، وَالثَّانِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْ الطَّرْدِ كَمَا تَقَرَّرَ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَمَسْأَلَةُ الْعُضْوِ لَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ، وَهِيَ مَحَلُّ نَظَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَالَ إلَخْ) أَوْرَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
ثُمَّ نَظَرَ فِيهِ بِأَنَّ الزَّمَانَ مَنْظُورٌ إلَيْهِ أَيْضًا فَإِنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ يَحْرُمُ نَظَرُهَا فَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهَا حَلَّ فَإِذَا طَلَّقَهَا حَرُمَ، وَالطِّفْلَةُ عَلَى الْعَكْسِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَشَهَادَةٍ) لَوْ عَرَفَهَا فِي النِّقَابِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ، وَحِينَئِذٍ يَحْرُمُ النَّظَرُ.
قَوْلُهُ: (الْمَرْأَةُ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ سَابِقًا: الْأَمْرَدُ خَاصَّةً.
فَصْلٌ تَحِلُّ خِطْبَةُ خَلِيَّةٍ عَنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ تَعْرِيضًا وَتَصْرِيحًا وَتَحْرُمُ، خِطْبَةُ الْمَنْكُوحَةِ كَذَلِكَ إجْمَاعًا فِيهِمَا، (لَا تَصْرِيحَ لِمُعْتَدَّةٍ) فَيَحْرُمُ رَجْعِيَّةً كَانَتْ أَوْ بَائِنًا، أَوْ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ إجْمَاعًا (وَلَا تَعْرِيضَ لِرَجْعِيَّةٍ) فَيَحْرُمُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمَنْكُوحَةِ.
(وَيَحِلُّ تَعْرِيضٌ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: 235] وَهِيَ وَارِدَةٌ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، (وَكَذَا الْبَائِنُ) بِطَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ (فِي الْأَظْهَرِ) لِانْقِطَاعِ سُلْطَةِ الزَّوْجِ عَنْهَا، وَالثَّانِي يَحْرُمُ؛ إذْ لِصَاحِبِ الْعِدَّةِ أَنْ يَنْكِحَهَا فَأَشْبَهَتْ الرَّجْعِيَّةَ فَإِنْ لَمْ تَحِلَّ لَهُ.
[حاشية قليوبي]
تَنْبِيهٌ: هَذَا الْحُكْمُ مُقَيَّدٌ بِالْحَيَاةِ، أَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَفِي تَحْرِيمِ النَّظَرِ عَلَى الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي بَابِ الْجَنَائِزِ، وَخَرَجَ بِالنَّظَرِ الْمَسُّ فَلَا خِلَافَ فِي حِلِّهِ فِي جَمِيعِ بَدَنِهَا وَلَوْ لِلْفَرْجِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِلَا كَرَاهَةٍ إلَّا لِمَانِعٍ أَيْضًا كَعِدَّةِ شُبْهَةٍ وَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَنَحْوِهَا.
فُرُوعٌ: يَجُوزُ نَوْمُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ أَوْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ حَيْثُ وُجِدَ حَائِلٌ يَمْنَعُ الْمُمَاسَّةَ لَلْأَبَدَانِ، وَيَحْرُمُ ذَلِكَ مَعَ الْعُرْيِ، وَإِنْ تَبَاعَدَا أَوْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ وَكَانَ مَحْرَمِيَّةً كَأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ جَدٍّ صِغَرٌ لَكِنْ مَعَ بُلُوغِ عَشْرِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ، وَيُكْرَهُ نَظَرُ فَرْجِ نَفْسِهِ عَبَثًا، وَتَحْرُمُ مُصَافَحَةٌ وَتَقْبِيلٌ وَمُعَانَقَةٌ فِي نَحْوَ أَمْرَدَ، وَيُكْرَهُ ذَلِكَ فِي ذِي عَاهَةٍ كَبَرَصٍ وَجُذَامٍ، وَيُسَنُّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَنْ ذُكِرَ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ خُصُوصًا لِنَحْوِ قُدُومِ سَفَرٍ، وَيُنْدَبُ تَقْبِيلُ طِفْلٍ وَلَوْ لِغَيْرِ شَفَقَةٍ وَوَجْهِ مَيِّتٍ لِنَحْوِ صَلَاحٍ وَيَدِ نَحْوِ عَالَمٍ وَصَالِحٍ وَصَدِيقٍ وَشَرِيفٍ لِأَجْلِ غِنًى، وَنَحْوِهِ وَالْقِيَامُ لَهُمْ كَذَلِكَ وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ وُجُوبَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ صَارَ قَطِيعَةً.
[فَصْلٌ تَحِلُّ خِطْبَةُ خَلِيَّةٍ عَنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ تَعْرِيضًا وَتَصْرِيحًا]
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْخِطْبَةِ بِكَسْرِ الْخَاءِ مِنْ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ اللَّفْظُ أَوْ مِنْ الْخَطْبِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ بِمَعْنَى الشَّأْنِ، وَالْحَالِ أَوْ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ وَشَرْعًا الْتِمَاسُ النِّكَاحِ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (تَحِلُّ) أَيْ إنْ حَلَّ النِّكَاحُ وَإِلَّا فَتَحْرُمُ فَلَهَا حُكْمُهُ وُجُوبًا وَنَدْبًا وَكَرَاهَةً وَتَحْرِيمًا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (خَلِيَّةٍ) أَيْ وَلَوْ بِدَعْوَاهَا سَوَاءٌ، قَالَتْ: كُنْت زَوْجَةَ فُلَانٍ مَثَلًا وَطَلَّقَنِي، وَانْقَضَتْ عِدَّتِي أَوْ سَكَتَتْ وَلِلْوَلِيِّ اعْتِمَادُ قَوْلِهَا فِي ذَلِكَ وَتَزْوِيجُهَا نَعَمْ لِلْحَاكِمِ تَزْوِيجُهَا فِي الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى وَقِيلَ: يَمْتَنِعُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ نِكَاحٍ) أَمَّا الْأَمَةُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا لِلسَّيِّدِ فَكَالْخَلِيَّةِ وَإِلَّا فَفِي زَمَنِ الْفِرَاشِ كَالْمَنْكُوحَةِ وَفِي زَمَنِ الِاسْتِبْرَاءِ كَالرَّجْعِيَّةِ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ كَالْبَائِنِ قَالَهُ شَيْخُنَا فَرَاجِعْهُ وَحَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ: (تَصْرِيحٌ لِمُعْتَدَّةٍ) وَكَذَا فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ وَشُبْهَةٍ وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَعْرِيضٌ لِرَجْعِيَّةٍ) وَإِنْ أَذِنَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى وَمِثْلُهَا مُعْتَدَّةٌ عَنْ رِدَّةِ الزَّوْجِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ تَعْرِيضٌ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ) وَكَذَا عِدَّةُ شُبْهَةٍ وَبَائِنٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ تَحِلَّ لَهُ) أَيْ لِذَاتِهَا كَمَا مُثِّلَ أَمَّا مَنْ يَمْتَنِعُ نِكَاحُهَا لِعَارِضٍ كَأُخْتِ الزَّوْجَةِ وَخَامِسَةٍ وَوَثَنِيَّةٍ وَصَغِيرَةٍ ثَيِّبٍ أَوْ بِكْرٍ بِلَا مُجْبِرٍ فَلَا تَحْرُمُ الْخِطْبَةُ فِيهِنَّ لِعَدَمِ الْمَعْنَى فِي غَيْرِهِنَّ.
قَوْلُهُ: (كَالْمُطَلَّقَةِ إلَخْ) وَتَحْرُمُ خِطْبَتُهَا عَلَى الْمُطَلِّقِ، وَالْمُفَارِقِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا صَاحِبُ الْعِدَّةِ فَلَهُ التَّعْرِيضُ وَالتَّصْرِيحُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ عَنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّصْرِيحُ) وَهُوَ مَا يَقْطَعُ بِالرَّغْبَةِ فِي النِّكَاحِ، وَمِنْهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا، وَمِنْهُ عِنْدِي جِمَاعٌ يُرْضِي مَنْ جُومِعَتْ وَمِنْهُ رَضِيتُك زَوْجَةً لِي
[حاشية عميرة]
فَصْلٌ تَحِلُّ خِطْبَةٌ بَلْ تُسْتَحَبُّ إنْ كَانَ الْخَاطِبُ مِمَّنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ، وَتُكْرَهُ مِمَّنْ يُكْرَهُ لَهُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَسِيلَةِ حُكْمُ الْمَقْصِدِ وَإِنْ كَانَ هَذَا التَّعْلِيلُ يَنْتَقِضُ بِالْمُحْرِمِ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الْخِطْبَةُ دُونَ النِّكَاحِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَحِلُّ خِطْبَةُ الثَّيِّبِ الصَّغِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُهَا الْآنَ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ نَعَمْ يَرِدُ عَلَيْهِ حِلُّ خِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعٌ سِوَاهَا حَرُمَتْ الْخِطْبَةُ اهـ قُلْت مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُعْتَدَّةِ بِشُبْهَةٍ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ الْمُقْرِي وَقَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ الْكَمَالُ الْمَقْدِسِيَّ، وَنُقِلَ عَنْ الْبَغَوِيّ وَغَيْرِهِ حُرْمَةُ التَّصْرِيحِ دُونَ التَّعْرِيضِ فَفِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْت أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ وَمَوْضِعِي فِي قَوْمِهِ» فَكَانَتْ تِلْكَ خِطْبَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (خِطْبَةٌ) هِيَ بِالْكَسْرِ وَحُكِيَ الضَّمُّ وَهِيَ إمَّا مِنْ الْخَطْبِ أَيْ الشَّأْنِ أَوْ مِنْ الْخِطَابِ بِمَعْنَى الْكَلَامِ قَوْلُهُ: (وَتَحْرُمُ خِطْبَةُ الْمَنْكُوحَةِ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَهَا السُّرِّيَّةُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا لَمْ يُعَرِّضْ السَّيِّدُ عَنْهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَا تَصْرِيحٌ لِمُعْتَدَّةٍ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: حِكْمَتُهُ أَنَّ فِي الْمَرْأَةِ مِنْ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ وَالرَّغْبَةِ فِي الْأَزْوَاجِ مَا يَدْعُوهَا إلَى الْكَذِبِ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَيَحْرُمُ أَيْضًا) لَوْ أَذِنَ الزَّوْجُ فِي التَّعْرِيضِ لِلرَّجْعِيَّةِ فَهَلْ تَرْتَفِعُ الْحُرْمَةُ هُوَ مُحْتَمَلٌ.
كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَالْمُفَارَقَةِ بِلِعَانٍ أَوْ رَضَاعٍ فَكَالْمُعْتَدَّةِ عَنْ وَفَاةٍ، وَقِيلَ فِيهَا الْخِلَافُ وَالتَّصْرِيحُ نَحْوُ أُرِيدُ أَنْ أَنْكِحَك أَوْ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُك نَكَحْتُك، وَالتَّعْرِيضُ نَحْوُ مَنْ يَجِدُ مِثْلَ، أَوْ إذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي، وَحُكْمُ جَوَابِ الْمَرْأَةِ تَصْرِيحًا وَتَعْرِيضًا حُكْمُ الْخِطْبَةِ
، (وَتَحْرُمُ خِطْبَةٌ عَلَى خِطْبَةِ مَنْ صَرَّحَ بِإِجَابَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ) أَوْ بِتَرْكٍ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ «لَا يَبِعْ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى يَذَرَ» ، وَلَوْ صَرَّحَ بِرَدِّهِ حَلَّتْ (فَإِنْ لَمْ يَجِبْ وَلَمْ يُرِدْ) أَيْ لَمْ يُصَرِّحْ بِإِجَابَةٍ، وَلَا رَدٍّ بِأَنْ سَكَتَ عَنْهُمَا، أَوْ ذَكَرَ، مَا يُشْعِرُ بِالرِّضَا نَحْوَ لَا رَغْبَةَ عَنْك، (لَمْ تَحْرُمْ فِي الْأَظْهَرِ) وَقَطَعَ بِهِ فِي السُّكُوتِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُبْطِنُ شَيْئًا مُقَرَّرًا، وَالثَّانِي تَحْرُمُ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَتُعْتَبَرُ الْإِجَابَةُ وَالرَّدُّ لَاغِيَةَ الْإِذْنِ مِنْ الْوَلِيِّ، وَفِي مُعْتَبَرَتِهِ مِنْهَا، وَفِي الرَّقِيقَةِ مِنْ السَّيِّدِ، وَتَجُوزُ خِطْبَةُ مَنْ لَمْ يَدْرِ أَخُطِبَتْ أَمْ لَا، وَمَنْ لَمْ يَدْرِ أُجِيبَ خَاطِبُهَا أَمْ رُدَّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَسَوَاءٌ فِيمَا ذُكِرَ الْخَاطِبُ الْمُسْلِمُ، وَالذِّمِّيُّ فِي الذِّمِّيَّةِ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَقِيلَ: هُوَ فِي الْمُسْلِمِ فَقَطْ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ
: (مَنْ اُسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ ذَكَرَ مَسَاوِئَهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ عُيُوبَهُ (بِصِدْقٍ) لِيُحْذَرَ بَذْلًا لِلنَّصِيحَةِ، وَسُمِّيَتْ عُيُوبُ الْإِنْسَانِ مَسَاوِئَ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهَا يَسُوءُهُ، فَالْيَاءُ بَدَلٌ مِنْ الْهَمْزَةِ وَقِيَاسُ الْمُفْرَدِ مَسْوَأٌ كَمَسْكَنٍ، وَاسْتَغْنَى عَنْهُ بِسُوءٍ، كَمَا فِي حَسَنٍ وَمَحَاسِنَ
، (وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ خُطْبَةٍ) بِضَمِّ الْخَاءِ (قَبْلَ الْخِطْبَةِ) بِكَسْرِهَا (وَ) أُخْرَى (قَبْلَ الْعَقْدِ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَهُوَ أَقْطَعُ» أَيْ مِنْ الْبَرَكَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ كُلُّ كَلَامٍ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى الْخَاطِبُ وَيُصَلِّي
[حاشية قليوبي]
مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَالتَّعْرِيضُ) وَهُوَ مَا احْتَمَلَ إرَادَةَ النِّكَاحِ وَغَيْرَهُ فَهُوَ مِنْ الْكِنَايَةِ، وَكَوْنُ الْكِنَايَةِ أَبْلَغَ مِنْ الصَّرِيحِ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ، وَمِنْهُ أَنَا رَاغِبٌ فِيك أَوْ رُبَّ رَاغِبٍ فِيك، إنَّ اللَّهَ سَائِقٌ إلَيْك خَيْرًا.
قَوْلُهُ: (فَآذِنِينِي) هُوَ بِالْمَدِّ أَيْ أَعْلِمِينِي.
قَوْلُهُ: (وَحُكْمُ جَوَابِ الْمَرْأَةِ) أَيْ الْجَوَابِ مِنْ جِهَتِهَا، وَلَوْ قَالَ: وَحُكْمُ جَوَابِ الْخِطْبَةِ لَكَانَ أَوْلَى وَأَعَمَّ.
قَوْلُهُ: (حُكْمُ الْخِطْبَةِ) أَيْ مِنْ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَالتَّعْرِيضِ وَالتَّصْرِيحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَتَحْرُمُ خِطْبَةٌ إلَخْ) وَكَذَا تَحْرُمُ خِطْبَةُ امْرَأَةٍ لِرَجُلٍ مَعَهُ أَرْبَعٌ، أَوْ لَمْ يَرُدَّ غَيْرَ مَنْ مَعَهُ أَوْ غَيْرَ مَنْ خَطَبَهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى خِطْبَةٍ) أَيْ جَائِزَةٍ وَعَلِمَ الثَّانِي بِهَا بِجَوَازِهَا.
قَوْلُهُ: (مَنْ صَرَّحَ بِإِجَابَتِهِ) مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إجَابَتُهُ كَمَا يَأْتِي وَلَوْ فِي زَائِدَةٍ عَلَى الْأَرْبَعِ فَلَوْ خَطَبَ خَمْسًا حَرُمَ خِطْبَةُ غَيْرِهِ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَتَّى يَنْكِحَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ إجَابَتُهُ كَمَا يَأْتِي وَلَوْ فِي زَائِدَةٍ عَلَى الْأَرْبَعِ فَلَوْ خَطَبَ خَمْسًا حَرُمَ خِطْبَةُ غَيْرِهِ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَتَّى يَنْكِحَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ وَكَذَا نَحْوُ أُخْتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِإِذْنِهِ) أَيْ الْخَاطِبِ لَا مَعَ قَرِينَةٍ نَحْوُ تَهَكُّمٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِتَرْكٍ) هُوَ بِلَفْظِ الْمَصْدَرِ الْمَجْرُورِ بِالْمُوَحَّدَةِ عَطْفًا عَلَى إذْنِهِ وَلَمْ يُضِفْهُ لِلضَّمِيرِ لِيَشْمَلَ تَرْكَ الْوَلِيِّ مَثَلًا وَسَوَاءٌ التَّرْكُ بِالصَّرِيحِ أَوْ بِالْقَرِينَةِ كَعَدَمِ إنْفَاقِهِ فِي الْمَوَاسِمِ وَعَدَمِ قَبُولِ مَا يُرْسِلُهُ إلَيْهَا، قَالَ شَيْخُنَا: وَمِنْهُ إجَابَةُ الْوَلِيِّ مَثَلًا لِلْخَاطِبِ الثَّانِي فَهِيَ إعْرَاضٌ عَنْ الْأَوَّلِ إنْ حَرُمَتْ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا.
فَرْعٌ: قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَوْ قَالَتْ لِوَلِيِّهَا: زَوِّجْنِي مِمَّنْ شِئْت جَازَ لِكُلِّ أَحَدٍ خِطْبَتُهَا، وَلَوْ عَلَى خِطْبَةِ غَيْرِهِ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ وَقِيَاسُ بَعْضِهِمْ لَهُ عَلَى سِلْعَةٍ يُطَافُ بِهَا عَلَى مَنْ يَشْتَرِي مَمْنُوعٌ لِمَ لَا يَخْفَى مَعَ أَنَّ إجَابَةَ الْخَاطِبِ هُنَا كَاسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ فِي السِّلْعَةِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لَا يَبِعْ) بِحَذْفِ التَّحْتِيَّةِ لِأَجْلِ النَّهْي.
قَوْلُهُ: (وَفِي رِوَايَةٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لِمُسْلِمٍ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَذَرَ) أَيْ يَتْرُكَ فَهُوَ دَلِيلٌ لِمَا زَادَهُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَمْ يُصَرِّحْ) هُوَ حَمْلٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْمُفْهِمِ لِخِلَافِهِ أَخْذًا مِمَّا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَطَعَ بِهِ فِي السُّكُوتِ) فَفِيهِ طَرِيقَانِ فَذِكْرُ الْأَظْهَرِ فِيهِ تَغْلِيبٌ.
قَوْلُهُ: (فِي لَاغِيَةِ الْإِذْنِ) وَمِنْهَا ثَيِّبٌ صَغِيرَةٌ، وَصَغِيرَةٌ بِكْرٌ بِلَا مُجْبِرٍ لِمَا مَرَّ مِنْ حِلِّ خِطْبَتِهَا، وَتَحْرُمُ الْخِطْبَةُ بَعْدَهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْوَلِيِّ) أَيْ الْخَاصِّ أَوْ الْعَامِّ كَالسُّلْطَانِ فِي الْمَجْنُونَةِ الْبَالِغَةِ عِنْدَ فَقْدِ الْخَاصِّ، وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مَنْ فِي مَحَلِّ أَنْ يُزَوِّجَ، وَإِنْ تَوَقَّفَ تَزْوِيجُهُ عَلَى زَوَالِ مَانِعٍ كَمَا مَرَّ فِي الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ، فَلَا يُعْتَبَرُ الْوَلِيُّ الْبَعِيدُ مَعَ وُجُودِ الْوَلِيِّ الْقَرِيبِ كَالْعَمِّ مَعَ الْأَبِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي مُعْتَبَرَتِهِ) أَيْ الْإِذْنِ بِأَنْ يَتَوَقَّفَ صِحَّةُ نِكَاحِهَا عَلَى إذْنِهَا.
قَوْلُهُ: (مِنْهَا) وَحْدَهَا إنْ كَانَ الْخَاطِبُ كُفُؤًا وَإِلَّا فَمَعَ الْوَلِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّقِيقَةِ) أَيْ غَيْرِ الْمُكَاتَبَةِ كِتَابَةً صَحِيحَةً وَغَيْرِ الْمُبَعَّضَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ السَّيِّدِ) أَيْ وَحْدَهُ وَمِنْهُ مَعَهَا فِي الْمُكَاتَبَةِ، وَمِنْهُ مَعَهَا، وَمَعَ الْوَلِيِّ فِي الْمُبَعَّضَةِ إنْ كَانَ الْخَاطِبُ غَيْرَ كُفْءٍ، وَإِلَّا فَمَعَهَا فَقَطْ إنْ كَانَتْ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ، وَإِلَّا فَمَعَ الْوَلِيِّ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَتَجُوزُ إلَخْ) اقْتِصَارُ الشَّارِحِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا فَالضَّابِطُ أَنْ يُقَالَ تَجُوزُ الْخِطْبَةِ الثَّانِيَةُ إذَا كَانَتْ الْأُولَى غَيْرَ جَائِزَةٍ، أَوْ جَائِزَةٍ وَلَمْ تُوجَدْ الْإِجَابَةُ فِيهَا، أَوْ وُجِدَتْ بِغَيْرِ الصَّرِيحِ أَوْ بِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ الثَّانِي، أَوْ عَلِمَ بِهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْإِجَابَةِ فِيهَا أَوْ عَلِمَ بِهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا بِالصَّرِيحِ، أَوْ عَلِمَ أَنَّهَا بِهِ وَجَهِلَ الْحُرْمَةَ أَوْ عَلِمَ بِهَا وَحَصَلَ إعْرَاضٌ.
قَوْلُهُ: (جَرَى عَلَى الْغَالِبِ) أَيْ ذِكْرِ الْأَخِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي هُوَ الْمُسْلِمُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ اُسْتُشِيرَ) لَيْسَ قَيْدًا بَلْ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ اسْتِشَارَةٌ.
قَوْلُهُ: (فِي خَاطِبٍ) غَيْرِ قَيْدٍ بَلْ كَانَ كُلُّ مَنْ أُرِيدَ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا أَخْذُ عِلْمٍ أَوْ صِنَاعَةٍ أَوْ مُعَاشَرَةٍ، وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَشَارَ، أَوْ الَّذِي يُرَادُ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرَ) أَيْ وُجُوبًا لَكِنْ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ بِأَنْ يَأْمَنَ الذَّاكِرُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَسَاوِئَهُ) أَيْ مَسَاوِئَ مَنْ أُرِيدَ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَا لِأَجْلِهِ الِاجْتِمَاعُ فَيَذْكُرُ لِمَنْ أَرَادَ النِّكَاحَ الْمَسَاوِئَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالنِّكَاحِ دُونَ الْبَيْعِ مَثَلًا، وَهَكَذَا، وَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ نَحْوُ لَا يَصْلُحُ.
أَوْ لَا أَصْلَحُ فَإِنْ تَوَقَّفَ
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ تَحِلَّ لَهُ إلَخْ) يُرِيدُ أَنَّ فِيهَا طَرِيقَةً قَاطِعَةً حَاكِيَةً لِلْخِلَافِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُمَيِّزَ ذَلِكَ وَيُمِرَّ فِيهِ بِالْمَذْهَبِ.
عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُوصِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ يَقُولُ: جِئْتُكُمْ خَاطِبًا كَرِيمَتَكُمْ، وَيَخْطُبُ الْوَلِيُّ كَذَلِكَ ثُمَّ يَقُولُ لَسْت بِمَرْغُوبٍ عَنْك، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَيَحْصُلُ الْمُسْتَحَبُّ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الْعَقْدِ مِنْ الْوَلِيِّ أَوْ الزَّوْجِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ، (وَلَوْ) (خَطَبَ الْوَلِيُّ) ، وَأَوْجَبَ كَأَنْ قَالَ الْحَمْدُ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ زَوَّجْت إلَى آخِرِهِ، (فَقَالَ الزَّوْجُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبِلْت) إلَى آخِرِهِ، (صَحَّ النِّكَاحُ) مَعَ مَا تَخَلَّلَ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، (عَلَى الصَّحِيحِ) ؛ لِأَنَّ الْمُتَخَلِّلَ مُقَدَّمَةُ الْقَبُولِ فَلَا يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ كَالْإِقَامَةِ بَيْنَ صَلَاةِ الْجَمْعِ، وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمُتَخَلِّلَ لَيْسَ مِنْ الْعَقْدِ (بَلْ) عَلَى الصِّحَّةِ (يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ) الذِّكْرُ بَيْنَهُمَا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ (قُلْت: الصَّحِيحُ لَا يُسْتَحَبُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) بَلْ يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَارِحُ التَّعْجِيزِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَبْطَلَ بِهِ، وَسَكَتَ عَنْ اسْتِحْبَابِهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَلَيْسَ فِيهَا وَلَا فِي أَصْلِهَا حِكَايَةُ مُقَابِلِهِ، (فَإِنْ طَالَ الذِّكْرُ الْفَاصِلُ) بَيْنَهُمَا (لَمْ يَصِحَّ) ، النِّكَاحُ قَطْعًا، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ الذِّكْرُ مُقَدَّمَةَ الْقَبُولِ، فَلَا يَضُرُّ إطَالَتُهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُشْعِرُ بِالْإِعْرَاضِ
[حاشية قليوبي]
عَلَى ذِكْرِ أَشْخَاصِ الْعَيْبِ ذَكَرَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ اُسْتُشِيرَ فِي نَفْسِهِ وَجَبَ ذِكْرُ الْعَيْبِ إنْ كَانَ مِمَّا يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ كَعُنَّةٍ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً كَبُخْلٍ سُنَّ ذِكْرُهُ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِنْهُ وَسَتْرُ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (عُيُوبَهُ) أَيْ الشَّرْعِيَّةَ أَوْ الْعُرْفِيَّةَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذِكْرَهَا يَسُوءُهُ) فَهِيَ مِنْ الْغِيبَةِ وَإِنَّمَا جَازَتْ بَذْلًا لِلنَّصِيحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا أَحَدُ الْمَحَالِّ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الْغِيبَةُ وَبَعْضُهُمْ عَدَّهَا سِتَّةً وَنَظَمَهَا بِقَوْلِهِ:
لَقَبٌ وَمُسْتَفْتٍ وَفِسْقٌ ظَاهِرٌ ... ظُلْمٌ وَتَحْذِيرٌ إزَالَةُ مُنْكَرٍ
وَيَجُوزُ الْكَذِبُ فِي مَوَاضِعَ فِي الْجِهَادِ لِتَفْرِيقِ الْكُفَّارِ، وَفِيمَا يَتَجَاهَرُ بِهِ الْفَاسِقُ، وَفِي دَفْعِ ظَالِمٍ عَنْ مَالٍ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ عِرْضٍ كَذَلِكَ وَفِي سَتْرِ مَعْصِيَةٍ مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَفِي إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفِي جَبْرِ خَاطِرِ امْرَأَةٍ أَوْ وَلَدٍ، وَالْغِيبَةُ وَصْفُ الْغَيْرِ وَلَوْ بِالْقَلْبِ بِمَا يَكْرَهُ، وَلَوْ عُرْفًا فِي نَفْسِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجِهِ أَوْ مَالِهِ، نَعَمْ لَا تَحْرُمُ بِالصَّلَاحِ وَنَحْوِهِ وَإِنْ كَرِهَهُ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: لَا يَجُوزُ غِيبَةُ الْعَالِمِ بِمَا هُوَ مُتَجَاهِرٌ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إذَا سَمِعُوا ذَلِكَ تَسَاهَلُوا فِي ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي، وَالِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ وَالْعِلْمِ وَأَهْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَالْيَاءُ) أَيْ فِي آخِرِهِ بَدَلٌ مِنْ الْهَمْزَةِ لِوُقُوعِهَا طَرَفًا فَحُقِّقَتْ بِالْإِبْدَالِ.
قَوْلُهُ: (قِيَاسٌ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ الَّذِي عَلَى وَزْنِ مَفَاعِلَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُفْرَدُهَا زَائِدًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ) أَيْ إنْ جَازَ التَّصْرِيحُ فِي الْخِطْبَةِ.
قَوْلُهُ: (كُلُّ أَمْرٍ إلَخْ) تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي رِوَايَةٍ كُلُّ كَلَامٍ) هُوَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ أَمْرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ نَصٌّ فِي الْمَقْصُودِ هُنَا، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فَرْدَ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ لَا يُخَصِّصُهُ وَلَيْسَ مِنْ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ.
قَوْلُهُ: (فَيَحْمَدُ اللَّهَ إلَخْ) سَكَتَ عَنْ قِرَاءَةِ الْآيَةِ وَالدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعَ نَدْبِهِمَا أَيْضًا، كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ مَعَ أَنَّهَا لَا تُسَمَّى خِطْبَةً إلَّا بِذَلِكَ إمَّا؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْعَقْدِ) يُوهِمُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَأْتِي فِي الْخِطْبَةِ الَّتِي فِي أَثْنَاءِ الْعَقْدِ، وَلَا فِي خِطْبَتَيْ الْخِطْبَةِ بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَلَعَلَّهُ لَيْسَ مُرَادًا، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ هَذَا لِأَجْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَهُ، وَقَدْ يُقَالُ كَلَامُهُ شَامِلٌ لَهَا بَلْ لِلْخُطَبِ الْأَرْبَعِ بِأَنْ يُرَادَ بِمَا قَبْلَ الْعَقْدِ مَا قَبْلَ تَمَامِهِ، وَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ.
فَائِدَةٌ: فِي ذِكْرِ خِطْبَةِ النَّبِيِّ حِين زَوَّجَ بِنْتَهُ فَاطِمَةَ لِعَلِيِّ ابْنِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَلَفْظُهَا «الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَحْمُودُ بِنِعْمَتِهِ، الْمَعْبُودُ بِقُدْرَتِهِ، الْمُطَاعُ بِسُلْطَانِهِ، الْمَرْهُوبُ مِنْ عَذَابِهِ، وَسَطَوْتِهِ، النَّافِذُ أَمْرُهُ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ، الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ، وَسَيَّرَهُمْ بِأَحْكَامِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَجَعَلَ الْمُصَاهَرَةَ سَبَبًا لَاحِقًا وَأَمْرًا مُفْتَرَضًا أَوْشَجَ أَيْ شَبَّكَ بِهِ الْأَيَّامَ وَأَكْرَمَ بِهِ الْأَرْحَامَ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ [الفرقان: 54] الْآيَةَ، وَلِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلٌ، وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ، وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ» . قَوْلُهُ: (إلَى آخِرِهِ) هُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ شَامِلٌ لِبَقِيَّةِ الْخِطْبَةِ، وَبَقِيَّةِ الصِّيغَةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى إلَى آخِرِ مَا يُطْلَبُ لَا إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِيمَا مَضَى.
قَوْلُهُ: (وَسَكَتَ عَنْ اسْتِحْبَابِهِ فِي الرَّوْضَةِ) وَلَمْ يَسْتَدِرْك عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ ارْتَضَاهُ وَهُوَ يُخَالِفُ مَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ إلَخْ) زِيَادَةُ اعْتِرَاضٍ لِإِيهَامِ اسْتِحْبَابِهِ بِلَا خِلَافٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الرَّافِعِيُّ إلَخْ) فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى عَدَمِ الْخِلَافِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُقَدِّمَةَ الشَّيْءِ لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ غَالِبًا، وَخَرَجَ بِالْخِطْبَةِ الْكَلَامِ الْأَجْنَبِيِّ وَلَوْ يَسِيرًا وَالسُّكُوتُ الْمُشْعِرُ بِالْإِعْرَاضِ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ مَعَهُمَا مُطْلَقًا.
فَرْعٌ: دَفْعُ الْخَاطِبِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ وَلِيِّهِ شَيْئًا مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ أَوْ نَقْدٍ أَوْ مَلْبُوسٍ لِمَخْطُوبَتِهِ أَوْ لِوَلِيِّهَا ثُمَّ حَصَلَ إعْرَاضٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ مَوْتٌ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا رَجَعَ الدَّافِعُ أَوْ وَارِثُهُ بِجَمِيعِ مَا دَفَعَهُ إنْ كَانَ قَبْلَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا وَكَذَا بَعْدَهُ إنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ مَاتَ إلَّا إنْ مَاتَتْ هِيَ وَلَا رُجُوعَ بَعْدَ الدُّخُولِ مُطْلَقًا.
[حاشية عميرة]
[حُكْم الْخُطْبَة عَلَى الْخُطْبَة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسْتَحَبُّ إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: احْتَجَّ لَهُ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» فَفِيهِ اسْتِنْزَالُ الْمَرْغُوبِ إلَيْهِ بِالْبَيَانِ وَبِالسِّحْرِ، وَذَلِكَ لِأَجْلِ مَا فِي النُّفُوسِ مِنْ الْأَنَفَةِ فِي أَمْرِ الْمُولَيَاتِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت الصَّحِيحُ إلَخْ) ذَهَبَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ إلَى بُطْلَانِ الْعَقْدِ بِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاَلَّذِي فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ حَاصِلُهُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْبُطْلَانُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَالثَّانِي اسْتِحْبَابُهُ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ وَلَا يَبْطُلُ خَارِجٌ عَنْهُمَا اهـ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ طَالَ الذِّكْرُ إلَخْ) هَذَا الْكَلَامُ مَعَ مَا سَبَقَ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ الذَّكَرِ مِنْ الْكَلَامِ يَضُرُّ وَلَوْ يَسِيرًا.
مُقَابِلُهُ، (فَإِنْ طَالَ الذِّكْرُ الْفَاصِلُ) بَيْنَهُمَا (لَمْ يَصِحَّ) ، النِّكَاحُ قَطْعًا، قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إذَا كَانَ الذِّكْرُ مُقَدَّمَةَ الْقَبُولِ، فَلَا يَضُرُّ إطَالَتُهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُشْعِرُ بِالْإِعْرَاضِ.
فَصْلٌ مَا يَصِحُّ النِّكَاحُ بِإِيجَابٍ وَهُوَ زَوَّجْتُك، أَوْ أَنْكَحْتُك إلَى آخِرِهِ، (وَقَبُولٍ بِأَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ: تَزَوَّجْت أَوْ نَكَحْت) إلَى آخِرِهِ (أَوْ قَبِلْت نِكَاحَهَا أَوْ تَزْوِيجَهَا) أَوْ هَذَا النِّكَاحَ، وَالنِّكَاحُ هُنَا بِمَعْنَى الْإِنْكَاحِ لِيُوَافِقَ الْإِيجَابَ، (وَيَصِحُّ تَقْدِيمُ لَفْظِ الزَّوْجِ عَلَى) لَفْظِ (الْوَلِيِّ) ، فِي تَزَوَّجْت وَنَكَحْت وَكَذَا قَبِلْت، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ فِي مَبْحَثِ التَّوْكِيلِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مَعَ التَّقَدُّمِ، كَالتَّأَخُّرِ (وَلَا يَصِحُّ) النِّكَاحُ (إلَّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ أَوْ الْإِنْكَاحِ) ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ، وَرَدَ بِهِمَا فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِمَا، فَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِبَاحَةِ أَوْ الْإِحْلَالِ (وَيَصِحُّ) ، بِمَعْنَى اللَّفْظَيْنِ (بِالْعَجَمِيَّةِ) ، وَإِنْ أَحْسَنَ الْعَاقِدُ الْعَرَبِيَّةَ (فِي الْأَصَحِّ) اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى، وَالثَّانِي لَا اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى، وَالثَّانِي لَا اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ الْوَارِدِ، فَمَنْ لَمْ يُحْسِنْهُ يَصْبِرْ إلَى أَنْ يَتَعَلَّمَهُ، أَوْ يُوَكِّلَ، وَالثَّالِثُ: أَحْسَنُهُ لَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِهِ، وَإِلَّا صَحَّ لِعَجْزِهِ، وَقَطَعَ بَعْضُهُمْ بِالشِّقِّ الْأَوَّلِ، وَبَعْضُهُمْ، بِالثَّانِي وَالْمُرَادُ بِالْعَجَمِيَّةِ مَا عَدَا الْعَرَبِيَّةَ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيمَا إذَا فَهِمَ كُلٌّ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ كَلَامَ الْآخَرِ فَإِنْ لَمْ يَفْهَمْهُ وَأَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِمَعْنَاهُ،
[حاشية قليوبي]
فَصْلٌ فِي أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَمَا مَعَهَا وَهِيَ خَمْسَةٌ صِيغَةٌ وَزَوْجٌ وَزَوْجَةٌ وَشَاهِدَانِ وَوَلِيٌّ وَقَدَّمَ الصِّيغَةَ؛ لِأَنَّهَا الْأَهَمُّ، وَالسَّبَبُ فِي وَصْفِ الزَّوْجِيَّةِ ثُمَّ الشَّاهِدَانِ؛ لِأَنَّهُمَا سَبَبٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ، مَا ذُكِرَ ثُمَّ الْوَلِيُّ لِطُولِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَالزَّوْجُ دَاخِلٌ فِي ضِمْنِ الصِّيغَةِ، وَالزَّوْجَةُ فِي ضِمْنِ الْوِلَايَةِ فَهُمَا مُتَقَدِّمَانِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ.
قَوْلُهُ: (زَوَّجْتُك) وَكَذَا زَوَّجْت لَك أَوْ إلَيْك أَوْ زَوَّجْتُكَهُ بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ، وَلَا يَضُرُّ إبْدَالُ الْجِيمِ زَايًا، وَعَكْسُهُ وَلَا إبْدَالُ الْكَافِ هَمْزَةٍ، وَلَا زِيَادَةُ هَمْزَةٍ كَأَزْوَجْتُكَ، وَلَا نَقْصُهَا فِي أَنْكَحْتُك، وَلَا فَتْحُ تَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَضَمُّ تَاءِ الْمُخَاطَبِ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ لَحْنٌ سَوَاءٌ كَانَ عَامِّيًّا أَوْ لَا سَوَاءٌ كَانَتْ لُغَتَهُ أَمْ لَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ نَعَمْ إنْ عُرِفَ لَفْظٌ مِنْهَا مُخَالِفٌ لِلْمُرَادِ وَقَصَدَهُ لَمْ يَصِحَّ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ خَالَفَ فِي بَعْضِ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (إلَخْ) هُوَ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي إشَارَةٌ إلَى ذِكْرِ مَا بَقِيَ مِنْ تَمَامِ الصِّيغَةِ وُجُوبًا فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ كَضَمِيرِ الزَّوْجَةِ أَوْ اسْمِهَا أَوْ اسْمِ إشَارَةٍ لَهَا أَوْ قَصْدِهَا، وَيَلْغَى الِاسْمَ إذَا عَارَضَهُ الْقَصْدُ أَوْ الْوَصْفُ نَحْوُ زَيْنَبَ الْكَبِيرَةِ فَإِنْ تَعَارَضَ وَصْفَانِ كَصَغِيرَةٍ طَوِيلَةٍ تَسَاقَطَا وَبَطَلَ الْعَقْدُ وَنُدِبَا فِيمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، كَذِكْرِ الصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَسَوَاءٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الْمُتَوَسِّطُ وَغَيْرُهُ، وَلَا يَكْفِي الْإِضَافَةُ إلَى جُزْئِهَا، وَإِنْ لَمْ تَعِشْ بِدُونِهِ كَقَلْبِهَا أَوْ رَأْسِهَا أَوْ يَدِهَا نَعَمْ اعْتَمَدَ شَيْخُنَا صِحَّةَ الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ إنْ قَصَدَ بِهِ الْجُمْلَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِمِثْلِهِ هُنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ وَهُوَ أَقْرَبُ.
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى الْإِنْكَاحِ) أَيْ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ فِي عِبَارَةِ الْعَاقِدِ سَوَاءٌ عَرَفَهُ وَقَصَدَهُ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ أَتَى بِلَفْظِ الْمَصْدَرِ أَوْ لَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ حَقِيقَتَهُ الْمُرَكَّبَةَ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لِيُوَافِقَ الْإِيجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَنْكَحْتُك وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ الْقَبُولِ بِالْمَصْدَرِ إلَى ضَمِيرٍ وَلَا غَيْرِهِ، مِمَّا تَقَدَّمَ لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّارِحِ اعْتِبَارُ اسْمِ الْإِشَارَةِ قَبْلَهُ لِيَرْجِعَ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ هَذَا النِّكَاحُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا قَبِلْت) وَمِثْلُهُ رَضِيت وَأَحْبَبْت وَأَرَدْت وَنَحْوَهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ لَا فَعَلْت بِخِلَافِ الْبَيْعِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا يَصِحُّ بِ زَوَّجْتُ نَفْسِي بِنْتَك عَلَى لَفْظٍ بِعَيْنِهِ إلَّا ثَلَاثَةٌ: النِّكَاحُ وَالسَّلَمُ وَالْكِتَابَةُ كَمَا مَرَّ فِي السَّلَمِ وَسَوَاءٌ نَطَقَ فِي الْجَانِبَيْنِ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا مِنْ جَانِبٍ، وَبِالْآخَرِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَمِثْلُهُمَا مَا اُشْتُقَّ مِنْهُمَا، وَمِنْهُ أَنَا مُتَزَوِّجٌ أَوْ نَاكِحٌ بِنْتَك، وَخَرَجَ بِذَلِكَ لَفْظُ نَعَمْ، فَلَا يَصِحُّ بِهِ وَلَوْ مَعَ مُتَوَسِّطٍ، وَلَوْ اقْتَرَنَ بِاللَّفْظِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْإِنْشَاءِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى لَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ نَحْوَ أَتُزَوِّجُنِي بِنْتَك أَوْ زَوَّجَتْنِي بِنْتَك.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ إخْرَاجُ غَيْرِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ لَا تَعْيِينُ الْمَصْدَرِ الْمَلْفُوظِ بِهِ فِيهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ قَالَ: فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِهِمَا، كَالْإِبَاحَةِ وَالْإِحْلَالِ لَكَانَ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَقَطَعَ بَعْضُهُمْ إلَخْ) فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي تَعْبِيرِهِ بِالْأَصَحِّ وَالشِّقُّ الْأَوَّلُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ إنْ أَحْسَنَهُ، وَالشِّقُّ الثَّانِي رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: وَالْأَصَحُّ لِعَجْزِهِ.
قَوْلُهُ: (مَا عَدَا الْعَرَبِيَّةَ) وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ لُغَتُهُ إذَا أَحْسَنَ غَيْرَهَا.
قَوْلُهُ: (إذَا فَهِمَ كُلٌّ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ مَعْنَاهَا) وَكَذَا الشَّاهِدَانِ.
[حاشية عميرة]
[فَصْلٌ مَا يَصِحُّ النِّكَاحُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ]
فَصْلٌ: إنَّمَا يَصِحُّ النِّكَاحُ إلَخْ قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَهُوَ زَوَّجْتُك) لَوْ قَالَ زَوَّجْت لَك أَوْ إلَيْك فَهَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا جَزَمَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ بِالصِّحَّةِ قَالَ: لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي الصَّلَاةِ، إذَا لَمْ يُخِلَّ بِالْمَعْنَى يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْخَطَأِ فِي الْإِعْرَابِ بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ، وَلَوْ قَالَ زَوَّجْتُكَهُ وَأَشَارَ إلَى ابْنَتِهِ صَحَّ اهـ.
فَفِي صِحَّةٍ هُنَا بِنَاءً عَلَى الصِّحَّةِ هُنَاكَ وَجْهَانِ، (لَا بِكِنَايَةٍ) نَحْوُ أَحْلَلْتُك ابْنَتِي، فَلَا يَصِحُّ بِهَا النِّكَاحُ (قَطْعًا) بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ وَالشُّهُودُ شَرْطُ صِحَّةِ النِّكَاحِ كَمَا سَيَأْتِي وَلَا اطِّلَاعَ لَهُمْ عَلَى النِّيَّةِ
(وَلَوْ قَالَ) الْوَلِيُّ (زَوَّجْتُك) إلَى آخِرِهِ (فَقَالَ) الزَّوْجُ (قَبِلْت) مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ (لَمْ يَنْعَقِدْ) بِذَلِكَ النِّكَاحُ (عَلَى الْمَذْهَبِ) لِانْتِفَاءِ التَّصْرِيحِ فِي الْقَبُولِ بِأَحَدِ اللَّفْظَيْنِ، وَنِيَّتُهُ لَا تُفِيدُ، وَفِي قَوْلٍ يَنْعَقِدُ بِذَلِكَ لِانْصِرَافِ الْقَبُولِ مَا أَوْجَبَهُ الْوَلِيُّ، وَقَطَعَ بَعْضُهُمْ بِالْأَوَّلِ وَبَعْضُهُمْ بِالثَّانِي.
(وَلَوْ قَالَ) الزَّوْجُ (زَوِّجْنِي) بِنْتَك إلَى آخِرِهِ (فَقَالَ) الْوَلِيُّ (زَوَّجْتُك) إلَى آخِرِهِ، (أَوْ قَالَ الْوَلِيُّ تَزَوَّجَهَا) أَيْ بِنْتِي إلَخْ (فَقَالَ) الزَّوْجُ (تَزَوَّجْت) إلَى آخِرِهِ (صَحَّ) النِّكَاحُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِمَا ذُكِرَ لِوُجُودِ الِاسْتِدْعَاءِ الْجَازِمِ الدَّالِ عَلَى الرِّضَا، وَفِي نَظِيرِ ذَلِكَ مِنْ الْبَيْعِ خِلَافٌ تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ قَدْ يَذْكُرُ فِيهِ، لِاسْتِبَانَةِ الرَّغْبَةِ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ لِخَطَرِهِ عَلَى أَنَّهُ حَكَى فِيهِ الْخِلَافَ أَيْضًا
(وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ) أَيْ النِّكَاحِ كَأَنْ يَقُولَ: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، فَقَدْ زَوَّجْتُك إلَى آخِرِهِ كَالْبَيْعِ وَأَوْلَى مِنْهُ لِاخْتِصَاصِهِ بِوَجْهِ الِاحْتِيَاطِ، (وَلَوْ بُشِّرَ بِوَلَدٍ فَقَالَ) لِجَلِيسِهِ (إنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ زَوَّجْتُكهَا) إلَى آخِرِهِ فَقَبِلَ (أَوْ قَالَ) لَهُ (إنْ كَانَتْ بِنْتِي طَلُقَتْ) أَوْ مَاتَ زَوْجُهَا (وَاعْتَدَّتْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا) فَقَبِلَ وَبَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَدَّرَ، وَإِنْ الْبِنْتُ أَذِنَتْ لِابْنَتِهَا فِي تَزْوِيجِهَا (فَالْمَذْهَبُ بُطْلَانُهُ) أَيْ النِّكَاحِ لِفَسَادِ الصِّيغَةِ، بِالتَّعْلِيقِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي فِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ بَاعَ مَالَ مُوَرِّثِهِ أَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ظَانًّا حَيَاتَهُ، فَبَانَ مَيِّتًا حِين الْبَيْعِ، أَوْ التَّزْوِيجِ وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بَيْنَهُمَا بِجَزْمِ الصِّيغَةِ هُنَاكَ
، (وَلَا) يَصِحُّ (تَوْقِيتُهُ)
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَأَخْبَرَهُ بِمَعْنَاهَا ثِقَةٌ) مِنْهُمَا أَوْ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ، وَأَجْنَبِيٌّ حُرٌّ أَوْ رَقِيقٌ ذَكَرٌ وَأُنْثَى.
قَوْلُهُ: (وَجْهَانِ) الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا عَدَمُ الصِّحَّةِ إنْ تَأَخَّرَ الْإِخْبَارُ عَنْ تَمَامِ الصِّيغَةِ، أَوْ تَأَخَّرَ إخْبَارُ أَحَدِهِمَا عَنْ لَفْظِهِ، وَإِلَّا بِأَنْ أَخْبَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَعْنَى لَفْظٍ قَبْل نُطْقِهِ بِهِ وَلَوْ بَعْدَ لَفْظِ الْآخَرِ صَحَّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (لَا بِكِنَايَةٍ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ الزَّوْجُ أَوْ الزَّوْجَةُ، فَلَوْ كَانَ لَهُ أَبْنَاءٌ أَوْ بَنَاتٌ وَنَوَى الْعَاقِدَانِ مُعَيَّنًا فِيهِمَا صَحَّ وَإِشَارَةُ الْأَخْرَسِ إنْ فَهِمَهَا كُلُّ أَحَدٍ فَصَرِيحَةٌ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ بِهَا، وَإِنْ اخْتَصَّ بِفَهْمِهَا فَظُنُونٌ فَكِنَايَةٌ فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهَا، وَيَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ بِهَا مَنْ يَعْقِدُ لَهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا) أَيْ الْكِنَايَةَ وَمِنْهَا الْكِتَابَةُ بِالْفَوْقِيَّةِ فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (قَبِلْت) وَمِثْلُهُ قَبِلْته وَقَبِلْنَا وَقَبِلْنَاهُ وَقَبِلْنَا الْعَقْدَ أَوْ ذَلِكَ الْعَقْدَ.
كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا ذَكَرَهُ بَعْدُ فَلَا يَنْعَقِدُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ ذِكْرِ لَفْظِ النِّكَاحِ فِيهِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (الِانْصِرَافُ إلَخْ) وَيُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا مِنْ أَفْرَادِ الْكِنَايَةِ وَقَدْ مَرَّ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِهَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ بِنْتِي إلَخْ) هُوَ بَيَانٌ لِلضَّمِيرِ لَا لِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (لِوُجُودِ الِاسْتِدْعَاءِ) أَيْ مَعْنَى فِي الْأَوْلَى وَلَفْظًا أَيْضًا فِي الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (لِاسْتِبَانَةِ الرَّغْبَةِ) أَيْ ظُهُورِهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَنَّهُ إلَخْ) فَتَرَك الْمُصَنِّفُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ إمَّا لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ، وَإِمَّا لِعَدَمِ اعْتِدَادِهِ بِهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ) نَعَمْ فِي إنْ شِئْت مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ وَكَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَضُرُّ إنْ قَصَدَ بِهِ التَّبَرُّكَ كَذَا قَالُوهُ وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ فِي الْإِطْلَاقِ، فَانْظُرْهُ مَعَ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْإِطْلَاقَ فِي الْعُقُودِ لَا يَضُرُّ بِخِلَافِ الْعِبَادَاتِ لِمَكَانِ النِّيَّةِ فِيهَا الْمُعْتَبَرُ فِيهَا الْجَزْمُ.
قَوْلُهُ: (أَذِنْت) أَيْ أَوْ كَانَتْ مُجْبَرَةً، وَقَدْ وَجَبَتْ فِيهَا الْعِدَّةُ بِنَحْوِ اسْتِدْخَالِ مَنِيٍّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بُشِّرَ بِوَلَدٍ) أَيْ وَلَمْ يَعْلَمْ أُنُوثَتَهُ وَلَمْ يَظُنَّهَا أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فَخَرَجَ مَا لَوْ عَلِمَ أُنُوثَتَهُ أَوْ بُشِّرَ بِبِنْتٍ، وَصَدَقَ الْمُخْبِرُ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَتَكُونُ إنْ بِمَعْنَى إذَا وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا قِيلَ بِالصِّحَّةِ هُنَا فَلَا يُخَالِفُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْبُطْلَانِ، وَيَنْدَفِعُ التَّنَاقُضُ الْوَاقِعُ فِي كَلَامِهِمْ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَتْ بِنْتِي) أَيْ وَلَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهَا الْمَذْكُورِ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ عَلَى نَظِيرِ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (لِفَسَادِ الصِّيغَةِ) أَيْ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ فَمَعَ الْعِلْمِ يَتَسَاوَى مَا هُنَا وَمَا هُنَاكَ مِنْ الصِّحَّةِ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى التَّأْوِيلِ الْمُتَقَدِّمِ.
قَوْلُهُ: (بِجَزْمِ الصِّيغَةِ هُنَاكَ) بِعَدَمِ التَّعْلِيقِ فِيهَا فَإِنْ عَلَّقَ لَمْ يَصِحَّ كَمَا هُنَا أَيْ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمُقْتَضَى هَذَا الْفَرْقِ الصِّحَّةُ لَوْ جَزَمَ هُنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ يُقَالُ الْبُطْلَانُ هُنَا لِلتَّرَدُّدِ فِي أُنُوثَةِ الْوَلَدِ فِي الْأُولَى، وَفِي طَلَاقِ بِنْتِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَلَا يَصِحُّ مَعَ عَدَمِ التَّعْلِيقِ أَيْضًا
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَا بِكِنَايَةٍ) لَوْ كَانَتْ الْكِنَايَةُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَأَنْ قَالَ: زَوَّجْتُك بِنْتِي وَنَوَيَا وَاحِدَةً قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: يَصِحُّ وَاعْتَرَضَ ابْنُ الصَّبَّاغِ بِأَنَّ الشُّهُودَ، لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى النِّيَّةِ قَالَ رَافِعِيٌّ وَالِاعْتِرَاضُ مَتِينٌ
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ قَالَ زَوَّجْتُك إلَخْ) . اعْلَمْ أَنَّهُمْ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ مِنْ الْبَيْعِ قَالُوا: يَنْعَقِدُ وَيَكُونُ صَرِيحًا، وَاسْتَشْكَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُقَدَّرُ كَالْمَلْفُوظِ لَزِمَ الِانْعِقَادُ فِي النِّكَاحِ، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا فِي الْبَيْعِ اهـ. فَائِدَةٌ: إذَا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ هُنَا فَهِيَ فِي النِّكَاحِ، وَالْمُسَمَّى بِخِلَافِ قَبِلْت نِكَاحَهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا خَصَّ النِّكَاحَ بِالْقَبُولِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْمُسَمَّى قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ قَوْلُهُ: (أَيْ بِنْتِي إلَخْ) . يُوهِمُ عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِمَا قَبْلَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ الْبِنْتُ أَذِنَتْ) هَذَا تَصْوِيرٌ مُشْكِلٌ وَقَدْ صَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا قَالَتْ الْبِنْتُ أَذِنْت لِأَبِي فِي تَزْوِيجِي إنْ طَلُقْت، وَاعْتَدَدْت، ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ بَعْضَهُمْ صَوَّرَ مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ بِالْمَجْنُونَةِ قُلْت، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ طَلُقْت، وَاعْتَدَدْت بِمَعْنَى أَذِنْت إذْنًا نَاجِزًا ثُمَّ قَالَ: إنْ كَانَتْ طَلُقَتْ إلَخْ، وَهَذَا وَاضِحٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَالْمَذْهَبُ بُطْلَانُهُ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ عَالِمًا بِالْحَالِ أَمْ لَا.
اهـ قُلْت وَيُشْكِلُ
كَأَنْ يَنْكِحَ إلَى شَهْرٍ أَوْ إلَى قُدُومِ زَيْدٍ لِلنَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ، وَهُوَ الْمُؤَقَّتُ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ مُجَرَّدُ التَّمَتُّعِ دُونَ التَّوَالُدِ، وَغَيْرُ مِنْ أَغْرَاضِ النِّكَاحِ
، (وَلَا) يَصِحُّ (نِكَاحُ الشِّغَارِ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ (وَهُوَ زَوَّجْتُكهَا) أَيْ بِنْتِي (عَلَى أَنْ تَزَوَّجَنِي بِنْتَك وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ) مِنْهُمَا (صَدَاقُ الْأُخْرَى فَيَقْبَلُ) ذَلِكَ كَأَنْ يَقُولَ: تَزَوَّجْت بِنْتَك، وَزَوَّجْتُك بِنْتِي عَلَى مَا ذَكَرْت وَهَذَا التَّفْسِيرُ مَأْخُوذٌ مِنْ آخِرِ الْحَدِيثِ، الْمُحْتَمَلِ، لَأَنْ يَكُونَ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عُمَرَ الرَّاوِي، فَيُرْجَعُ إلَيْهِ وَالْمَعْنَى فِي الْبُطْلَانِ التَّشْرِيكُ فِي الْبُضْعِ حَيْثُ جَعَلَ مَوْرِدَ النِّكَاحِ وَصَدَاقَ الْأُخْرَى، وَقِيلَ التَّعْلِيقُ وَقِيلَ الْخُلُوُّ عَنْ الْمَهْرِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ شِغَارًا مِنْ قَوْلِهِمْ شُغِرَ الْبَلَدُ عَنْ السُّلْطَانِ إذَا خَلَا عَنْهُ (فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ الْبُضْعَ صَدَاقًا)
[حاشية قليوبي]
فَرَاجِعْ ذَلِكَ وَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يُنَازَعُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (إلَى شَهْرٍ) أَوْ أَلْفِ سَنَةٍ أَوْ بَقَاءِ الدُّنْيَا أَوْ عُمْرِك أَوْ حَيَاتِك، وَفَارَقَ صِحَّةَ الْبَيْعِ فِي غَيْرِ بَقَاءِ الدُّنْيَا بِمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ مِنْ النَّهْيِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (لِلنَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ) إنَّمَا بَطَلَ هُنَا لِلنَّهْيِ الْوَاقِعِ فِي عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ النَّاسِخِ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ الْجَوَازِ الْمُتَكَرِّرِ، فَإِنَّهُ كَانَ جَائِزًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِلْمُضْطَرِّ، ثُمَّ حَرُمَ عَامَ خَيْبَرَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِيهِ عَامَ الْفَتْحِ ثُمَّ حَرُمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَيُشَارِكُ الْمُتْعَةَ فِي تَكْرِيرِ النَّسْخِ ثَلَاثَةٌ أَيْضًا الْقِبْلَةُ وَالْخَمْرَةُ وَالْوُضُوءُ مِمَّا يَمَسُّ النَّارَ، وَقَدْ نَظَمَهَا الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ بِقَوْلِهِ:
وَأَرْبَعٌ تَكَرَّرَ النَّسْخُ لَهَا ... جَاءَتْ بِهَا النُّصُوصُ وَالْآثَارُ
فَقِبْلَةٌ وَمُتْعَةٌ وَخَمْرٌ ... كَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا تَمَسُّ النَّارُ
وَزَادَ بَعْضُهُمْ خَامِسًا وَهُوَ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ بَلْ ادَّعَى أَنَّهَا الَّتِي فِي النَّظْمِ الْمَذْكُورِ، وَعَلَيْهِ فَزَادَ الْخَمْرَةَ وَعَلَى كُلٍّ فَهِيَ خَمْسَةٌ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَقَع تَكَرُّرُ النَّسْخِ فِي غَيْرِ الْمُتْعَةِ لَعَلَّهُ قَالَهُ قَبْلَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْبَقِيَّةِ، أَوْ أَرَادَ يَقِينًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (الشِّغَارِ) بِمُعْجَمَتَيْنِ أَوَّلُهُمَا مَكْسُورَةٌ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ وَسَيَأْتِي مَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: (وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ) خَرَجَ بِهِ بُضْعُ الزَّوْجِ كَقَوْلِ الْوَلِيِّ زَوَّجْتُك بِنْتِي وَبُضْعُك صَدَاقٌ لَهَا، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ لَكِنْ يَفْسُدُ الصَّدَاقُ وَيَرْجِعُ لِمَهْرِ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ يَقُولَ إلَخْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ يَقُولَ: قَبِلْت الْعَقْدَيْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ بِمَا مَرَّ بَلْ، وَلَا يَصِحُّ قَبِلْت النِّكَاحَيْنِ أَوْ قَبِلْت التَّزْوِيجَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ وَقَابِلٌ فَتَأَمَّلْهُ.
نَعَمْ لَوْ عَكَسَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ مِثْلُ أَصْلِهِ.
قَوْلُهُ: (مَأْخُوذٌ) لَوْ قَالَ مَذْكُورٌ لَكَانَ أَنْسَبَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ آخِرِ الْحَدِيثِ) أَيْ عَقِبِهِ أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (الْمُحْتَمَلُ) وَصْفٌ لِآخَرَ.
قَوْلُهُ: (لَأَنْ يَكُونَ) أَيْ الْآخَرُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ تَفْسِيرِ النَّبِيِّ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونُ قِطْعَةً مِنْ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَكُونَ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عُمَرَ) ، فَيَكُونُ مُدْرَجًا فِيهِ مِنْ ابْنِ عُمَرَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ أَوْ مِنْ تَفْسِيرِ نَافِعٍ الرَّاوِي لَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَهُوَ مِنْ سِلْسِلَةِ الذَّهَبِ.
قَوْلُهُ: (فَيُرْجَعُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى التَّفْسِيرِ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ أَدْرَى بِمَوَاقِعِ الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى إلَخْ) قَالَ الْإِمَامُ: يَنْبَغِي الْإِعْرَاضُ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَالتَّعْوِيلُ عَلَى الْحَدِيثِ قَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ هَذَا الْإِعْرَاضُ مُتَعَيِّنٌ؛ لِأَنَّهُ تَشْرِيكٌ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ بُضْعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِكَمَالِهِ قَدْ جُعِلَ صَدَاقًا لِلْأُخْرَى، وَلِأَنَّهُ لَا تَعْلِيقَ فِي الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الشَّرْطِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ وَلِأَنَّ خُلُوَّ الْعَقْدِ عَنْ الْمَهْرِ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَهُ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (التَّشْرِيكُ) قِيلَ مِنْ حَيْثُ تَعَدُّدُ الْمُسْتَحَقِّ.
قَوْلُهُ: (مَوْرِدُ النِّكَاحِ وَصَدَاقُ الْأُخْرَى) عِبَارَةُ غَيْرِهِ مَوْرِدُ النِّكَاحِ وَصَدَاقًا لِأُخْرَى.
قَوْلُهُ: (شَغَرَ الْبَلَدُ إلَخْ) أَوْ مِنْ شَغَرَ الْكَلْبُ إذَا رَفَعَ رِجْلَهُ وَقْتَ بَوْلِهِ عِنْدَ بُلُوغِهِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ لِلْآخَرِ لَا تَرْفَعْ رِجْلَ بِنْتِي حَتَّى أَرْفَعَ رِجْلَ بِنْتِك.
[حاشية عميرة]
عَلَى هَذَا مَا قَالُوهُ مِنْ الصِّحَّةِ، فِيمَا لَوْ بُشِّرَ بِبِنْتٍ، فَقَالَ إنْ صَدَقَ الْمُخْبِرُ فَقَدْ زَوَّجْتهَا نَعَمْ قَيَّدَ شَيْخُنَا مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ صِدْقَ الْمُخْبِرِ.
قَوْلُهُ: (لِلنَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ إلَخْ) كَانَ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِلْمُضْطَرِّ كَلَحْمِ الْمَيْتَةِ ثُمَّ حُرِّمَ عَامَ خَيْبَرَ ثُمَّ رُخِّصَ فِيهِ عَامَ الْفَتْحِ، وَقِيلَ عَامَ الْوَدَاعِ، ثُمَّ حُرِّمَ أَبَدًا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلَا أَعْلَمُ شَيْئًا حُرِّمَ ثُمَّ أُبِيحَ ثُمَّ حُرِّمَ إلَّا الْمُتْعَةَ، وَعَنْ الْبَيْهَقِيّ تَصْحِيحُ تَحْرِيمِهِ عَامَ الْفَتْحِ لِئَلَّا يَلْزَمَ النَّسْخُ مَرَّتَيْنِ وَنَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ وَلُحُومِ الْحُمُرِ يَوْمَ خَيْبَرِ بِأَنَّ ذِكْرَ الْمُتْعَةِ أَدْرَجَهُ الرَّاوِي
قَوْلُهُ: (كَأَنْ يَقُولَ إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَضِيَّةُ الْمَتْنِ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ: قَبِلْت الْعَقْدَيْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَعِبَارَتُهُ فَيَقْبَلُ أَوْ يَقُولُ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (حَيْثُ جَعَلَ إلَخْ) أَيْ فَأَشْبَهَ التَّزْوِيجَ مِنْ رَجُلَيْنِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّ الْفَسَادَ إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا نَزَلَ عَلَى حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ.
وَإِنَّمَا أَضَافَهُ هُنَا عَلَى حُكْمِ جِهَةِ التَّمَلُّكِ وَالْعِوَضِيَّةِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي قَوْلُهُ وَبُضْعُ كُلٍّ صَدَاقُ الْأُخْرَى يَقْتَضِي اسْتِرْجَاعَهُ لِيَجْعَلَهُ صَدَاقًا فَقَدْ رَجَعَ عَمَّا أَوْجَبَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ فَبَطَلَ انْتَهَى، وَعَوَّلَ الْإِمَامُ عَلَى الْخَبَرِ وَضَعَّفَ الْمَعَانِيَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلِذَلِكَ سُمِّيَ شِغَارًا) قَالَ الْقَفَّالُ فِي الْمَحَاسِنِ كَأَنَّهُمَا قَصَدَ إفْضَاءَ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ نِكَاحٍ.
بِأَنْ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ، (فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ) فِي النِّكَاحَيْنِ لِانْتِفَاءِ التَّشْرِيكِ الْمَذْكُورِ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَالثَّانِي بُطْلَانُهُمَا لِوُجُودِ التَّعْلِيقِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا شَرْطُ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ، وَذَلِكَ لَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ (وَلَوْ سَمَّيَا مَالًا مَعَ جَعْلِ الْبُضْعِ صَدَاقًا) كَأَنْ قِيلَ وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَأَلْفٌ صَدَاقُ الْأُخْرَى، (بَطَلَ) نِكَاحُ كُلٍّ مِنْهُمَا (فِي الْأَصَحِّ) لِوُجُودِ التَّشْرِيكِ الْمَذْكُورِ وَالثَّانِي يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ عَنْ الْمَهْرِ
(وَلَا يَصِحُّ) النِّكَاحُ (إلَّا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَمَا كَانَ مِنْ نِكَاحٍ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ بَاطِلٌ» وَالْمَعْنَى فِي اشْتِرَاطِهِمَا فِي الِاحْتِيَاطِ لِلْأَبْضَاعِ، وَصِيَانَةِ الْأَنْكِحَةِ عَنْ الْجُحُودِ، وَلَا يُشْتَرَطُ إحْضَارُهُمَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: بِحَضْرَةٍ (وَشَرْطُهُمَا حُرِّيَّةٌ وَذُكُورَةٌ وَعَدَالَةٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ) ، فَلَا يَصِحُّ بِحَضْرَةِ مَنْ انْتَفَى فِيهِ شَرْطٌ مِمَّا ذُكِرَ، (وَفِي الْأَعْمَى وَجْهٌ) أَنَّهُ يَصِحُّ بِحَضْرَتِهِ، وَفِي الصِّحَّةِ بِحُضُورِ الْأَخْرَسِ، وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ قَبُولِهَا وَيَجْرِيَانِ فِي ذِي الْحِرْفَةِ الدَّنِيئَةِ، وَلَوْ عَقَدَ بِخُنْثَيَيْنِ فَبَانَا ذَكَرَيْنِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَصِحُّ بِمَنْ لَا يَعْرِفُ لِسَانَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَإِنْ كَانَ يَضْبِطُ اللَّفْظَ فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُلُهُ إلَى الْحَاكِمِ، وَلَا يَصِحُّ بِالْمُغَفَّلِ الَّذِي لَا يَضْبِطُ بِخِلَافِ مَنْ يَحْفَظُ، وَيَنْسَى عَنْ قَرِيبٍ
(وَالْأَصَحُّ انْعِقَادُهُ) أَيْ النِّكَاحِ (بِابْنَيْ الزَّوْجَيْنِ) أَيْ بِابْنَيْ كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ ابْنِ أَحَدِهِمَا وَابْنِ الْآخَرِ، (وَعَدُوَّيْهِمَا) أَيْ كَذَلِكَ لِثُبُوتِ النِّكَاحِ بِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ وَالثَّانِي لَا لِتَعَذُّرِ ثُبُوتِ هَذَا النِّكَاحِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَقَطَعَ بَعْضُهُمْ بِالِانْعِقَادِ فِي الثَّانِيَةِ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْعَدَاوَةَ قَدْ تَزُولُ، وَيَنْعَقِدُ بِابْنَيْهِ مَعَ ابْنَيْهَا، وَبِعَدُوَّيْهِ مَعَ عَدُوَّيْهَا قَطْعًا لِإِمْكَانِ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (بِأَنْ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ الْبُضْعِ، وَلَا حَاجَةَ لِنَفْيِهِ الشَّامِلِ لَهُ كَلَامُهُ.
قَوْلُهُ: (مَهْرُ الْمِثْلِ) أَيْ لِأَنَّ السُّكُوتَ عَنْ ذِكْرِ الْمَهْرِ يُوجِبُهُ فَإِنْ شَرَكَ فِي بُضْعِ وَاحِدَةٍ دُونَ الْأُخْرَى بَطَلَ، فِيمَنْ شَرَكَ فِيهَا وَصَحَّ فِي الْأُخْرَى بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: (لِلتَّعْلِيقِ) قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ هُنَا وَفِيمَا مَرَّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ الْقَائِلُ بِالْبُطْلَانِ فِيمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ أَلْفٌ) فَإِنْ جَعَلَ بُضْعَ إحْدَاهُمَا فَقَطْ بَطَلَ فِيهَا وَصَحَّ فِي الْأُخْرَى كَمَا مَرَّ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لِفَسَادِ الْمُسَمَّى بِانْضِمَامِ رِفْقِ الْعَقْدِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ عَنْ الْمَهْرِ) ، وَرُدَّ بِمَا مَرَّ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ مَرْفُوضٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطُهُمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ حُرِّيَّةٌ أَيْ حَالَةَ الْعَقْدِ وَإِنْ تَوَقَّفَتْ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ، كَأَنْ وَقَعَتْ مِنْ مَرِيضٍ مَرِضَ الْمَوْتِ لِعَبْدِهِ، وَخَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، وَلَمْ تَجُزْ الْوَرَثَةُ تَبَيَّنَ بُطْلَانُهُ، كَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الصِّحَّةِ بِحُضُورِ الْأَخْرَسِ) ذَكَرَهُ وَمَا بَعْدُ لِسُكُوتِهِ عَنْهُ، وَفِي كَلَامِهِ اعْتِذَارٌ بِوُجُودِ الْخِلَافِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ عَدَمُ قَبُولِهَا) أَيْ شَهَادَةِ الْأَخْرَسِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَيَكُونُ الْأَصَحُّ عَدَمَ الصِّحَّةِ بِحُضُورِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (الْحِرْفَةُ الدَّنِيئَةُ) أَيْ الْمُخِلَّةُ بِالْمُرُوءَةِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الصِّحَّةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (صَحَّ فِي الْأَصَحِّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّهُمَا حَالَةَ الْعَقْدِ ذَكَرَ أَنَّ فِي الْوَاقِعِ، قَالَ شَيْخُنَا وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ كَأَنْ بَانَا حُرَّيْنِ أَوْ نَاطِقَيْنِ وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الشَّاهِدَيْنِ الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا يَشْهَدَانِ عَلَى جَرَيَانِ الْعَقْدِ، وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الشَّاهِدِ هُنَا عِنْدَ الْعَقْدِ كَالْأَدَاءِ، وَفِي غَيْرِ النِّكَاحِ عِنْدَ الْأَدَاءِ فَقَطْ، لِعَدَمِ تَوَقُّفِ الصِّحَّةِ فِي غَيْرِهِ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (فَفِيهِ وَجْهَانِ) أَصَحُّهُمَا عَدَمُ الصِّحَّةِ وَسَكَتُوا عَنْ صِحَّتِهِ بِالْجِنِّ وَقِيَاسُ قَوْلِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ بِصِحَّةِ أَنْكِحَتِهِمْ صِحَّتُهُ بِهِمْ، وَبِهِ قَالَ شَيْخُنَا وَمَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ عَنْ وَالِدِهِ مِنْ عَدَمِ صِحَّتِهِ بِهِمْ لِتَعَذُّرِ إثْبَاتِهِ بِهِمْ يُقَالُ عَلَيْهِ هُوَ كَمَوْتِ الشُّهُودِ الْمُعَيَّنِينَ.
قَوْلُهُ: (بِابْنَيْ الزَّوْجَيْنِ) وَكَذَا أَبَوَاهُمَا حَيْثُ عَقَدَ غَيْرُهُمَا؛ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عَاقِدًا وَشَاهِدًا مَعًا.
قَوْلُهُ: (أَيْ بِابْنَيْ كُلٍّ) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ إرَادَةِ الشَّقِيقَيْنِ فَيَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَا مِنْ الزَّوْجِ فَقَطْ، أَوْ الزَّوْجَةِ فَقَطْ أَوْ وَاحِدٍ مِنْ وَاحِدِ وَالْآخَرُ مِنْ الْآخَرِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي عَدُوَّيْهِمَا وَيَلْحَقُ بِالِابْنَيْنِ سَيِّدٌ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ، وَوَلِيٌّ سَفِيهٌ أَذِنَ لَهُ فِيهِ لَا بِوَكِيلٍ وَمُوَكَّلٍ فِيهِ مَعًا، وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُوَكِّلُ كَإِخْوَةٍ وُكِّلُوا فِي نِكَاحِ أُخْتِهِمْ، فَإِنْ وَكَّلَ أَحَدُهُمْ صَحَّ شَهَادَةُ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ كَأَنْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ فَأَنْكَرَ فَشَهِدَ عَلَيْهِ ابْنَاهُ أَوْ عَكْسُهُ فَإِنَّهُ تَثْبُتُ الزَّوْجِيَّةُ بِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَقَطَعَ بَعْضُهُمْ) فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْعَقِدُ بِابْنَيْهِ) مَعَ ابْنَيْهَا فَهُمَا أَرْبَعَةُ أَوْلَادٍ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ فَهُمْ أَرْبَعَةُ أَعْدَاءٍ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ بَعْدَهُ.
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي بُطْلَانُهُمَا) عَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِإِطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ الشِّغَارِ، وَبِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ جَعْلُ بُضْعُ كُلٍّ صَدَاقُ الْأُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي هُوَ نَصُّ الْأُمِّ.
قَوْلُهُ: (التَّعْلِيقُ) أَيْ تَعْلِيقُ الْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ عَنْ الْمَهْرِ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْبُطْلَانِ فِي الْأَوَّلِ الْخُلُوُّ عَنْ الْمَهْرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَصِحُّ إلَخْ) قَالَ فِي الْوَسِيطِ حُضُورُ الشُّهُودِ شَرْطٌ لَكِنْ تَسَاهَلْنَا فِي عَدِّهِ رُكْنًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَسْمَعَا الْعَقْدَ بِالْفِعْلِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (حُرِّيَّةٌ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِمَنْ عَتَقَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ قَبْلَ مَرَضِ الْمُعْتِقِ، إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَحْتَمِلُهُ الثُّلُثُ الْآنَ فَإِنْ طَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ نَقْصٌ فِي الْمَالِ وَرَدَّتْ الْوَرَثَةُ الزَّائِدَ عَلَى الثُّلُثِ تَبَيَّنَ الْبُطْلَانُ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ وَقَوْلُهُ سَمْعٌ وَبَصَرٌ أَيْ؛ لِأَنَّ الْأَقْوَاتَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْمُعَايَنَةِ وَالسَّمَاعِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِابْنَيْ الزَّوْجَيْنِ) مِثْلُهُمَا الْأَجْدَادُ، وَكَذَا أَبُو الزَّوْجِ وَأَمَّا أَبُو الْمَرْأَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، نَعَمْ يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِأَنْ تَكُونَ أَمَةً، وَزَوْجُهَا السَّيِّدُ.
الْمَبَاتِ شِقَّيْهِ بِهِمْ
(وَيَنْعَقِدُ بِمَسْتُورِي الْعَدَالَةِ) وَهُمَا الْمَعْرُوفَانِ بِهَا ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، (عَلَى الصَّحِيحِ) ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَجْرِي بَيْنَ أَوْسَاطِ النَّاسِ، وَالْعَوَامِّ، وَلَوْ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ لَاحْتَاجُوا إلَى مَعْرِفَتِهَا، لِيُحْضِرُوا مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِهَا فَيَطُولُ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ، وَيَشُقُّ، وَالثَّانِي لَا يَنْعَقِدُ بِحُضُورِهِمَا لِتَعَذُّرِ ثُبُوتِهِ بِهِمَا، (لَا مَسْتُورِ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ) ، وَهُوَ مَنْ لَا يُعْرَفُ إسْلَامُهُ، وَحُرِّيَّتُهُ بِأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ يَخْتَلِطُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ بِالْكُفَّارِ، وَالْأَحْرَارُ بِالْأَرِقَّاءِ وَلَا غَالِبَ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ لِسُهُولَةِ الْوُقُوفِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ أَيْضًا بِظَاهِرِ الْإِسْلَامِ، وَالْحُرِّيَّةِ بِالدَّارِ حَتَّى يَعْرِفَ فِيهِمَا بَاطِنًا، (وَلَوْ بَانَ فِسْقُ الشَّاهِدِ عِنْدَ الْعَقْدِ، فَبَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ) لِفَوَاتِ الْعَدَالَةِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي هُوَ صَحِيحٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ اكْتِفَاءً بِالسِّتْرِ يَوْمَئِذٍ، (وَإِنَّمَا يُبَيِّنُ) فِسْقَهُ (بِبَيِّنَةٍ) تَقُومُ بِهِ (أَوْ اتِّفَاقِ الزَّوْجَيْنِ) عَلَيْهِ بِأَنْ نَسِيَاهُ عِنْدَ الْعَقْدِ وَتَذَكَّرَاهُ بَعْدَهُ، أَوْ لَمْ يَعْرِفَا عَيْنَ الشَّاهِدِ عِنْدَ الْعَقْدِ ثُمَّ عَرَفَاهُ مَعَ مَعْرِفَتِهِمَا بِفِسْقِهِ، أَوْ عَرَفَا عَيْنَهُ وَفِسْقَهُ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَفِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ قَالَ الْإِمَامُ: تَبَيَّنَ الْبُطْلَانُ بِلَا خِلَافٍ لِانْتِفَاءِ السِّتْرِ عَلَيْهِمَا يَوْمَئِذٍ، وَعَلَيْهِمَا التَّعْوِيلُ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، (وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ كُنَّا فَاسِقَيْنِ) عِنْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ لَهُمَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا عَلَى الزَّوْجَيْنِ، (وَلَوْ اعْتَرَفَ بِهِ) أَيْ بِالْفِسْقِ (الزَّوْجُ وَأَنْكَرَتْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا) لِاعْتِرَافِهِ بِمَا يَتَبَيَّنُ بِهِ بُطْلَانُ نِكَاحِهِ (وَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ) الْمُسَمَّى (إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ دَخَلَ بِهَا (فَكُلُّهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهَا فِي الْمَهْرِ، وَهِيَ فُرْقَةُ فَسْخٍ لَا تَنْقُصُ عَدَدَ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَيَنْعَقِدُ) أَيْ ظَاهِرًا وَلَوْ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ بِخِلَافِ الزَّوْجَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بِهَا ظَاهِرًا) وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مَعْرِفَتُهَا بِالْمُخَالَطَةِ، أَوْ لَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا غَالِبٌ) قَيْدٌ لِكَوْنِهِ يُسَمَّى مَسْتُورًا فَإِنَّ غَالِبَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ الْأَحْرَارِ سُمِّيَ بِهِ ظَاهِرًا وَلَا يَصِحُّ بِهِ أَيْضًا أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ وَمِثْلُهُمَا مَسْتُورًا الْبُلُوغُ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الشَّاهِدِ: إنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ حُرٌّ أَوْ بَالِغٌ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ فَسَقَ) وَمِثْلُهُ كُلُّ مَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ، وَاللَّامُ فِي الشَّاهِدِ لِلْجِنْسِ، وَمِثْلُهُ الْوَلِيُّ وَالظَّرْفُ بِقَوْلِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقٌ بِفِسْقٍ لَا بِشَاهِدٍ كَمَا لَا يَخْفَى.
قَوْلُهُ: (بِبَيِّنَةٍ) وَلَوْ حِسْبَةً، وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِهَا.
بِخِلَافِ بَيِّنَةِ الْفِسْقِ قَبْلَ الْعَقْدِ فَتُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ لِتَأَكُّدِ النِّكَاحِ بِالْعَقْدِ وَعِلْمِ الْحَاكِمِ الْمُجْتَهِدِ كَالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ اتِّفَاقِ الزَّوْجَيْنِ) أَيْ فِي حَقِّهِمَا كَرُجُوعٍ بِمَهْرِ مِثْلٍ، وَلَهُمَا الْعَقْدُ حِينَئِذٍ بِلَا مُحَلِّلٍ لَوْ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ أَمَّا لَوْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، أَوْ أَقَامَا بِهِ بَيِّنَةً بَعْدَ طَلَاقِهَا ثَلَاثًا لِإِسْقَاطِ التَّحْلِيلِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى.
فَرْعٌ: سَمِعْت مِنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَالزِّيَادِيِّ حِينَ سَأَلْته ثُمَّ رَأَيْت أَيْضًا بِخَطِّ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ مَا نَصُّهُ سَأَلْت شَيْخَنَا الرَّمْلِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْأَنْكِحَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْعَوَامّ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ شُرُوطَ الْأَنْكِحَةِ، وَالْغَالِبُ فَسَادُهَا هَلْ يَحْتَاجُونَ فِيهَا إلَى تَحْلِيلٍ إذَا وَقَعَ مِنْهُمْ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا فَأَجَابَ بِأَنَّهُ سَأَلَ وَالِدَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: قَدْ سُئِلْت عَنْ ذَلِكَ، وَأَفْتَيْت بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّحْلِيلِ وَلَا تَجُوزُ بِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ نَسِيَاهُ إلَخْ) تَصْوِيرٌ لِعُذْرِهِمَا فِي إقْرَارِهِمَا بِهِ وَمَحَلُّ قَبُولِ إقْرَارِهِمَا بِهِ إذَا لَمْ يُقِرَّ قَبْلَهُ بِالْعَدَالَةِ وَيَحْكُمْ بِهَا حَاكِمٌ، وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلَا وَلَهُمَا الْعَمَلُ بِمَا يَعْلَمَانِهِ وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمَا أَحَدٌ غَيْرُ الْحَاكِمِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ) وَهِيَ مَا لَوْ عَرَفَا أَيْ بَانَ لَهُمَا الْآنَ مَعْرِفَةُ عَيْنِهِ وَفِسْقِهِ حَالَةَ الْعَقْدِ فَقَوْلُهُ فِيهَا عِنْدَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقٌ بِفِسْقِهِ، وَلَوْ وَقَعَ وَطْءٌ فِيهَا وَطْءُ شُبْهَةٍ نَظَرًا لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِصِحَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (لِانْتِفَاءِ السِّتْرِ) أَيْ الَّذِي عَلَّلَ بِهِ الطَّرِيقَ الثَّانِيَ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِمَا التَّعْوِيلُ) فَلَا الْتِفَاتَ لِلسِّتْرِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى الزَّوْجَيْنِ) أَمَّا عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَيُقْبَلَانِ كَأَنْ حَضَرَا عَقْدَ أُخْتِهِمَا، ثُمَّ مَاتَتْ وَلَمْ يَزِدْ مَهْرُ مِثْلِهَا عَلَى الْمُسَمَّى.
قَوْلُهُ: (فَرَّقَ) أَيْ: لِأَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ، وَلَا يَحْتَاجُ لِفَاسِخٍ أَصْلًا فَهِيَ فُرْقَةُ فَسْخٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ مَا لَوْ أَقَرَّ مُتَزَوِّجُ أَمَةٍ بِأَنَّهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى طَوْلِ حُرَّةٍ، حَالَ عَقْدِهِ حَيْثُ قَالُوا: إنَّهَا فُرْقَةُ طَلَاقٍ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ النِّكَاحُ مَعَ الْفِسْقِ، وَيُتَصَوَّرُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّوْلِ كَمَا فِي الْمَالِ الْغَائِبِ، وَبِأَنَّ الْفِسْقَ وَصْفٌ فِي غَيْرِ الْمُقِرِّ بِهِ، فَيَقْرُبُ فِيهِ التَّدْلِيسُ مِنْ الشُّهُودِ، وَالْقُدْرَةُ وَصْفٌ لِلْمُقِرِّ بِهَا، فَيَبْعُدُ التَّدْلِيسُ مِنْهُ فِيهَا بِإِقْدَامِهِ عَلَى الْعَقْدِ، وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْفُرْقَةِ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ بِالطَّلَاقِ، فَهُوَ تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الشُّهُودَ رُكْنٌ فِي الْعَقْدِ وَالِاعْتِنَاءُ بِهِ أَشَدُّ فَتَأَمَّلْهُ.
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (وَهُمَا الْمَعْرُوفَانِ إلَخْ) اقْتَضَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ فِي الْعَدَالَةِ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَا مَسْتُورَ الْإِسْلَامِ إلَخْ) ظَاهِرُ الْعَطْفِ جَرَيَانُ خِلَافٍ هُنَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ بَانَ إلَخْ) مِنْ هُنَا أَخَذَ السُّبْكِيُّ أَنَّ انْعِقَادَهُ بِمَسْتُورِي الْعَدَالَةِ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ.
وَتُوبِعَ عَلَى ذَلِكَ بِحَيْثُ أَثْبَتَهُ شَيْخُنَا فِي مَتْنِ الْمَنْهَجِ أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ النَّظَرِ إلَى هَذَا الْمَأْخَذِ أَنْ لَا يَخُصَّ مَقَالَتَهُ بِالْمَسْتُورِينَ بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي الْعَدْلَيْنِ بَاطِنًا أَيْضًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ مَتَى تَبَيَّنَ فِسْقُهُمْ تَبَيَّنَ الْبُطْلَانُ، سَوَاءٌ زُكُّوا عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ لَا أَمْ كَانُوا مَسْتُورِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَبَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ) هَذَا شَامِلٌ لِمَا إذَا تَقَدَّمَ الْحُكْمُ بِالْعَقْدِ وَتَعْدِيلُ الشُّهُودِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ النِّكَاحَ وَأَرَادَ إثْبَاتَهُ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: يَبْحَثُ الْقَاضِي عَنْ الشُّهُودِ لَا يَبْحَثُ عَنْ حَالِهِمَا حِينَ الْعَقْدِ، كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَنَظَرَ فِيهِ فِي الذَّخَائِرِ بِأَنَّ مَحَلَّهُ إذَا شَهِدَ غَيْرُ مَنْ حَضَرَ الْعَقْدَ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ فِي حَالِهِمَا عِنْدَ الْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِمَا التَّعْوِيلُ إلَخْ) أَيْ فَلَا الْتِفَاتَ إلَى السِّتْرِ عَلَى الْوَلِيِّ قَوْلُهُ: (فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا عَلَى الزَّوْجَيْنِ) أَيْ أَمَّا فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمَا فَقَدْ يَكُونُ
الطَّلَاقِ لَوْ نَكَحَهَا كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالرَّضَاعِ، وَقِيلَ فُرْقَةُ طَلْقَةٍ بَائِنَةٍ، وَلَوْ اعْتَرَفَتْ الزَّوْجَةُ بِالْفِسْقِ، وَأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ، فَالْأَصَحُّ قَبُولُ قَوْلِهِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ بِيَدِهِ، وَهِيَ تُرِيدُ رَفْعَهَا وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا فَإِنْ طَلُقَتْ قَبْلَ دُخُولٍ، فَلَا مَهْرَ لِإِنْكَارِهَا أَوْ بَعْدَهُ، فَلَهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْمُسَمَّى، وَمَهْرُ الْمِثْلِ.
(وَيُسْتَحَبُّ الْإِشْهَادُ عَلَى رِضَا الْمَرْأَةِ) بِالنِّكَاحِ بِقَوْلِهَا كَأَنْ قَالَتْ رَضِيت بِهِ أَوْ أَذِنْت فِيهِ، (حَيْثُ يُعْتَبَرُ رِضَاهَا) بِأَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ احْتِيَاطًا لِيُؤْمَنَ إنْكَارُهَا (وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ رِضَاهَا لَيْسَ مِنْ نَفْسِ النِّكَاحِ الْمُشْتَرَطِ فِيهِ الْإِشْهَادُ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِيهِ.
فَصْلٌ لَا تُزَوِّجُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا بِإِذْنٍ مِنْ وَلِيِّهَا وَلَا دُونَ إذْنِهِ (وَلَا غَيْرَهَا بِوَكَالَةٍ) عَنْ الْوَلِيِّ وَلَا بِوِلَايَةٍ، (وَلَا تَقْبَلُ نِكَاحًا لِأَحَدٍ) بِوِلَايَةٍ وَلَا وَكَالَةٍ قَطْعًا لَهَا عَنْ هَذَا الْبَابِ؛ إذْ لَا يَلِيقُ بِمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ دُخُولُهَا فِيهِ لِمَا قُصِدَ مِنْهَا مِنْ الْحَيَاءِ، وَعَدَمِ ذِكْرِهِ أَصْلًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34] ، وَتَقَدَّمَ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (فِي الْمَهْرِ) إنَّمَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ إذَا زَادَ الْمُسَمَّى عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَمِثْلُ الْمَهْرِ غَيْرُهُ فَتَرِثُهُ أَيْضًا، لَكِنْ إنْ حَلَفَتْ أَنَّ الْعَقْدَ بِعَدْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (قَبُولُ قَوْلِهِ) أَيْ بِيَمِينِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَالَتْ تَزَوَّجَنِي بِلَا وَلِيٍّ أَوْ بِلَا شُهُودٍ خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا مَهْرَ) أَيْ إلَّا إنْ كَانَتْ سَفِيهَةً، أَوْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ فَلَا يُسْتَرَدُّ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ) هُوَ قَيْدٌ مِنْ حَيْثُ اعْتِبَارُ الرِّضَا فَيُسَنُّ اسْتِئْذَانُ مُجْبَرَةٍ بَالِغَةٍ، وَكَذَا مُمَيِّزَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ) وَحِينَئِذٍ يَكْفِي إقْرَارُهَا أَوْ تَصْدِيقُ الزَّوْجِ مَعَ إخْبَارِ الْوَلِيِّ أَوْ عَكْسِهِ وَلَوْ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيَكْفِي أَيْضًا إخْبَارُ صَبِيٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ فَاسِقٍ أَوْ امْرَأَةٍ، حَيْثُ ظَنَّ صِدْقَهُمْ، وَلَا يَكْفِي فِي الْإِذْنِ هُنَا سُكُوتُهَا.
فَصْلٌ فِي عَاقِدِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ بَعْضُ الْأَرْكَانِ السَّابِقَةِ وَمَا مَعَهُ قَوْلُهُ: (لَا تُزَوِّجُ امْرَأَةٌ) وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِوَكَالَةٍ عَنْ الْوَلِيِّ) أَيْ بِأَنْ يُوَكِّلَهَا الْوَلِيُّ لِتَعْقِدَ لِنَفْسِهَا عَنْهُ، فَإِنْ وَكَّلَهَا لِلتَّوْكِيلِ مَنْ يَعْقِدُ لَهَا عَنْهُ فَقَطْ صَحَّ فَإِنْ قَالَ وَكِّلِي عَنْك أَوْ عَنَّا أَوْ وَكَّلْت كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، وَيَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَهَا أَجْنَبِيٌّ لِتُوَكِّلَ عَنْهُ مَنْ يُزَوِّجَ مُوَلِّيَتَهُ، وَلَا يَصِحُّ إذْنُهَا لِعَبْدِهَا أَوْ نَحْوِهِ فِي أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَخَرَجَ بِإِذْنِهَا تَوْكِيلُهَا لِمَنْ يُزَوِّجُهَا فَلَا يَصِحُّ مُطْلَقًا وَسَيَأْتِي حُكْمُ تَحْكِيمِهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِوِلَايَةٍ) نَعَمْ إنْ وَلِيَتْ الْوِلَايَةَ الْعُظْمَى صَحَّ تَزْوِيجُهَا لِلضَّرُورَةِ لِنَفْسِهَا أَوْ غَيْرِهَا، كَمَا يَشْمَلُهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُقْبَلُ إلَخْ) سَوَاءٌ فِي الشِّقَّيْنِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، نَعَمْ لَوْ عَقَدَتْ فِي الْكُفْرِ لِنَفْسِهَا أَوْ غَيْرِهَا، وَأَسْلَمُوا أُقِرُّوا عَلَى النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إلَخْ) فَمَعْنَى قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ قِيَامُهُمْ بِمَصَالِحِهِنَّ، وَمِنْهَا وِلَايَةُ تَزْوِيجِهِنَّ، كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ الْحَدِيثُ بَعْدُهُ وَتَذْكِيرُ الْوَلِيِّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ذُكُورَتِهِ.
وَإِرَادَةُ التَّغْلِيبِ فِيهِ مَدْفُوعَةٌ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الثَّانِي وَيُقَاسُ قَبُولُهَا عَلَى إيجَابِهَا أَوْ أَنَّ التَّزْوِيجَ شَامِلٌ لَهُمَا وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الشَّارِحِ بِسُكُوتِهِ عَنْ قَبُولِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْوَطْءُ) وَلَوْ فِي الدُّبُرِ وَإِنْ حَرُمَ يُوجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الرَّشِيدِ وَلَوْ رَقِيقًا مَهْرَ مِثْلٍ أَيْ مَهْرَ ثَيِّبٍ فِيهَا وَمَهْرَ بِكْرٍ فِيهَا لَا أَرْشَ بَكَارَةٍ؛ لِأَنَّ فَاسِدَهُ كَصَحِيحِهِ وَفَارَقَ وُجُوبَ الْأَرْشِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لِعَدَمِ الْإِذْنِ الصَّرِيحَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ فِيهِ الْوَطْءُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُصَحِّحُهُ) أَيْ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْإِمَامُ مَالِكٍ يُصَحِّحُهُ بِغَيْرِ شُهُودٍ، وَالْإِمَامُ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ يُصَحِّحُهُ بِدُونِهِمَا مَعًا وَلَا حَدَّ فِيهِمَا أَيْضًا نَعَمْ إنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِبُطْلَانِهِ حُدَّ إنْ عَلِمَ قَبْلَ وَطِئَهُ.
[حاشية عميرة]
لِذَلِكَ أَثَرٌ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ أُخْتَهُمَا مَثَلًا، ثُمَّ تَمُوتَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَهُمَا وَارِثَاهَا فَلَا مَهْرَ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ قَالَتْ إلَخْ) فَلَا يَرِدُ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْإِذْنِ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِالرِّضَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يُشْتَرَطُ) قَالَ الْإِمَامُ: فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ فِي النِّكَاحِ رُكْنٌ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ الْإِثْبَاتُ وَالِاحْتِيَاطُ فِي شَأْنِ الْأَبْضَاعِ، وَالْوَفَاءُ بِهَذَا الْغَرَضِ يُوجِبُ الْإِشْهَادَ عَلَى رِضَاهَا اهـ.
وَعَلَّلَ فِي الذَّخَائِرِ عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ بِأَنَّهُ إذْنٌ كَالْإِذْنِ فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ.
[فَصْلٌ لَا تُزَوِّجُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا بِإِذْنٍ مِنْ وَلِيِّهَا وَلَا دُونَ إذْنِهِ وَلَا غَيْرَهَا]
فَصْلٌ لَا تُزَوِّجُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا قَوْلُهُ: (وَلَا وِلَايَةَ) أَيْ وَلَا مِلْكَ.
فَائِدَةٌ: اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مَا لَوْ تَغَلَّبَتْ امْرَأَةٌ عَلَى الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، فَإِنَّهَا تُنَفِّذُ أَحْكَامَهَا لِلضَّرُورَةِ فَلَهَا عَلَى هَذَا مُبَاشَرَةُ عَقْدِ الْأَنْكِحَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا تَقْبَلُ نِكَاحًا لِأَحَدٍ) أَيْ وَلَيْسَتْ كَالْفَاسِقِ يَكُونُ وَكِيلًا؛ لِأَنَّ مَانِعَهُ غَيْرُ لَازِمٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُهَا فِي نِكَاحِ غَيْرِهَا إلَّا فِي مِلْكِهَا أَوْ سَفِيهٍ أَوْ مَجْنُونٍ هِيَ وَصِيَّةٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا) زَادَ الزَّرْكَشِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ مَاجَهْ «فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا» .
قَوْلُهُ: (لِفَسَادِ النِّكَاحِ) أَيْ وَلِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» ثُمَّ الْوَطْءُ فِي عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ مُتَنَاوِلٌ لَهُ فِي الْقُبُلِ، وَالدُّبُرِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقَرِّرُ الْمَهْرَ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ النَّصِّ وَالْأَصْحَابِ أَنَّ الْوَطْءَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ يُوجِبُ الْمَهْرَ دُونَ أَرْشِ الْبَكَارَةِ بِخِلَافِ الْوَطْءِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ الْبَكَارَةِ مَأْذُونٌ فِيهِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، كَالصَّحِيحِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْوَطْءُ
حَدِيثٌ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ حَدِيثَ «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا» ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ
(وَالْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ) بِأَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا، (يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ) دُونَ الْمُسَمَّى لِفَسَادِ النِّكَاحِ، (لَا الْحَدَّ) لِشُبْهَةِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُصَحِّحُهُ نَعَمْ يُعَزَّرُ مُعْتَقِدُ تَحْرِيمِهِ
(وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْوَلِيِّ بِالنِّكَاحِ إنْ اسْتَقَلَّ بِالْإِنْشَاءِ) ، وَقْتَ الْإِقْرَارِ بِأَنْ كَانَ مُجْبَرًا لِقُدْرَتِهِ عَلَى إنْشَاءٍ بِالنِّكَاحِ، حِينَئِذٍ (وَإِلَّا) . أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِإِنْشَاءِ النِّكَاحِ وَقْتَ الْإِقْرَارِ بِهِ، بِأَنْ كَانَ غَيْرَ مُجْبَرٍ (فَلَا) يُقْبَلُ إقْرَارٌ بِهِ عَلَيْهَا لِانْتِفَاءِ قُدْرَتِهِ عَلَى إنْشَائِهِ، بِدُونِ رِضَاهَا
(وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ بِالنِّكَاحِ) لِمَنْ صَدَقَهَا النِّكَاحُ حَقَّ الزَّوْجَيْنِ، فَيَثْبُتُ بِتَصَادُقِهِمَا كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَالْقَدِيمُ، لَا يُقْبَلُ إذَا كَانَا بَلَدِيَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَسْهُلُ عَلَيْهِمَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِخِلَافِ الْغَرِيبَيْنِ، وَعَلَى الْجَدِيدِ قِيلَ: يَكْفِي إطْلَاقُ الْإِقْرَارِ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (يُعَزِّرُ) قَالَ شَيْخُنَا هُوَ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ وَمُعْتَقِدُ تَحْرِيمِهِ فَاعِلُهُ عَائِدٌ إلَى الْحَاكِمِ لِيَدْخُلَ مَا لَوْ رَفَعَ إلَيْهِ مَنْ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ، فَإِنَّهُ يُعَزِّرُهُ نَعَمْ إنْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ حَاكِمٌ فَلَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْوَلِيِّ) الْمُرَادُ بِهِ الْمُجْبِرُ فَتَدْخُلُ الْمَجْنُونَةُ، وَيَشْمَلُ السَّيِّدَ وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِ الْإِقْرَارِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي جَوَابِ دَعْوَى وَشَمِلَ مَا ذُكِرَ مَا لَوْ كَذَّبَهُ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ وَالشُّهُودُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقْتَ الْإِقْرَارِ) أَيْ لَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ بِالنِّكَاحِ) ثُمَّ يَثْبُتُ النِّكَاحُ وَلَوْ سَفِيهَةً أَوْ فَاسِقَةً أَوْ بِغَيْرِ كُفْءٍ أَوْ كَذَّبَهَا الْوَلِيُّ وَالشُّهُودُ وَالسَّكْرَى كَالْعَاقِلَةِ.
قَوْلُهُ: (لِمَنْ صَدَّقَهَا) شَمِلَ الْعَبْدَ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِ سَيِّدِهِ، وَالسَّفِيهِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِ وَلِيِّهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ تَصْدِيقٌ مِنْهُمَا لَكِنْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا التَّزْوِيجُ إلَّا بِطَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ، وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ إنْ صَدَّقَتْهُ كَعَكْسِهِ وَخَرَجَ بِالتَّصْدِيقِ، مَا لَوْ كَذَّبَهَا أَوْ عَكْسُهُ فَلَا يَثْبُتُ، وَلَا إرْثَ لِأَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ لَوْ مَاتَ لَكِنْ لَهَا الرُّجُوعُ عَنْ التَّكْذِيبِ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَحِينَئِذٍ تَرِثُ مِنْهُ وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ، وَمَا لَوْ سَكَتَ أَوْ عَكْسُهُ فَلَا يَثْبُتُ أَيْضًا، لَكِنْ يَرِثُ السَّاكِتُ مِنْ الْآخَرِ دُونَ عَكْسِهِ، وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا قَبْلَ مَوْتِهِ وَأُخْرَى، أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهَا فِي نِكَاحِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَعَدُّدُ الْعَقْدِ عَمِلَ بِهِمَا، وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ أَقَرَّتْ لِوَاحِدٍ، وَوَلِيُّهَا لِآخَرَ عُمِلَ بِالْأَسْبَقِ فَإِنْ وَقَعَا مَعًا عُمِلَ بِإِقْرَارِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَوْ عَلِمَ السَّبْقَ وَنَسِيَ وَجَبَ التَّوَقُّفُ، وَلَوْ جُهِلَ السَّبْقُ أَوْ عَيْنُ السَّابِقُ وَجَبَ التَّوَقُّفُ أَيْضًا إنْ رُجِيَ وَإِلَّا بَطَلَا وَانْظُرْ إذَا قَدَّمْنَا إقْرَارَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَمَاتَ مَنْ أَقَرَّتْ لَهُ أَوْ طَلَّقَهَا هَلْ تَرْجِعُ لِلْآخَرِ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (فَيَثْبُتُ إلَخْ) وَعَلَى هَذَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ حَتَّى يُطَلِّقَهَا، أَوْ يَمُوتَ وَتَعْتَدَّ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمَحَلُّهُ إنْ يَكُنْ إقْرَارُهَا فِي جَوَابِ دَعْوَى كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْأَبِ) وَإِنْ لَمْ يَلِ مَالَهَا كَطُرُوِّ سَفَهٍ بَعْدَ رُشْدٍ.
قَوْلُهُ: (صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً) عَاقِلَةً أَوْ مَجْنُونَةً، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يُزَوِّجُ الْبِنْتَ الْمَجْنُونَةَ وَلَوْ صَغِيرَةً.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ إذْنِهَا) وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ حِينَئِذٍ عَدَمُ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ مِنْ الْوَلِيِّ لَهَا بِأَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهَا، أَهْلُ مَحَلِّهَا، وَكَوْنُ الزَّوْجِ كُفُؤًا وَمُوسِرًا أَيْ قَادِرًا عَلَى حَالِ الصَّدَاقِ لَيْسَ عَدُوًّا لَهَا وَلَوْ بَاطِنًا حَتَّى لَوْ تَبَيَّنَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ تَبَيَّنَ بُطْلَانُهُ، وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْعَقْدِ كَوْنُهُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ حَالًّا كُلُّهُ، وَالْمُرَادُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ فِيهَا، وَلَوْ عُرُوضًا، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْحُلُولِ، وَالْمُرَادُ بِقُدْرَتِهِ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِقَدْرِهِ مِمَّا يُبَاعُ فِي الدِّينِ، قَالَ شَيْخُنَا: وَإِذَا حَرُمَ الْإِقْدَامُ فَسَدَ عَقْدُ الصَّدَاقِ فَقَطْ، وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَيَرْجِعُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذَا كَانَ غَيْرُ نَقْدِ الْبَلَدِ أَكْثَرَ مِنْهُ قَالَ: وَإِذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ بَطَلَ النِّكَاحُ كَمَا مَرَّ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا فِي نَحْوِ مَا لَوْ عَقَدَ لِمَنْ مَهْرُهَا مِائَةٌ بِمِائَتَيْنِ حَالَّتَيْنِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مِائَةٍ فَقَطْ فَرَاجِعْهُ.
وَخَرَجَ بِالْعَدَاوَةِ الْكَرَاهَةُ لِنَحْوِ بُخْلٍ أَوْ عَمًى أَوْ تَشَوُّهِ خِلْقَةٍ فَيُكْرَهُ التَّزْوِيجُ فَقَطْ.
قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَلَا حَاجَةَ لِاشْتِرَاطِ عَدَمِ عَدَاوَةِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ شَفَقَةَ الْوَلِيِّ تَدْعُوهُ إلَى أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهَا مِنْ عَدُوِّهَا انْتَهَى، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَوَكِيلُ الْوَلِيِّ مِثْلُهُ فِيمَا ذُكِرَ.
تَنْبِيهٌ: مُقْتَضَى اعْتِبَارِ تِلْكَ الشُّرُوطِ عَدَمُ صِحَّةِ الْعَقْدِ مَعَ جَهْلِ الْوَلِيِّ بِهَا فَرَاجِعْهُ.
مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي اعْتِبَارِ التَّحْلِيلِ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَمَحَلُّ اعْتِبَارِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَرْأَةِ إذْنٌ فِي التَّزْوِيجِ كَمَا يَأْتِي فِي الْخِيَارِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْكَبِيرَةِ) وَكَذَا الْمُمَيِّزَةُ وَيُنْدَبُ أَنْ لَا تُزَوَّجَ حَتَّى تَبْلُغَ.
قَوْلُهُ: (ثَيِّبٌ) وَإِنْ عَادَتْ بَكَارَتُهَا.
قَوْلُهُ: (صَغِيرَةٌ) أَيْ حُرَّةٌ عَاقِلَةٌ أَوْ سَكْرَى كَمَا مَرَّ.
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (نَعَمْ يُعَزَّرُ إلَخْ) مِنْهُ تَعْلَمُ أَنَّ نَفْيَ الْحَدِّ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ مُعْتَقِدِ التَّحْرِيمِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَدِيمُ لَا يُقْبَلُ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ عَلَى هَذَا جَوَازُ نِكَاحِهَا لِغَيْرِهِ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ مَنْعَ ذَلِكَ حَتَّى يُطَلِّقَهَا كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْوَكِيلِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلِلْأَبِ إلَخْ) شَمِلَ هَذَا الْإِطْلَاقُ الرَّتْقَاءَ وَالْقَرْنَاءَ وَالصَّغِيرَةَ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تُفَصِّلَ، فَتَقُولَ: زَوَّجَنِي مِنْهُ وَلِيٌّ بِحُضُورِ عَدْلَيْنِ، وَرِضَايَ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ رِضَاهَا
، (وَلِلْأَبِ تَزْوِيجُ الْبِكْرِ صَغِيرَةً، وَكَبِيرَةً بِغَيْرِ إذْنِهَا) لِكَمَالِ شَفَقَتِهِ، (وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُهَا) أَيْ الْكَبِيرَةِ تَطْيِيبًا لِخَاطِرِهَا، (وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ ثَيِّبٍ إلَّا بِإِذْنِهَا فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَمْ تُزَوَّجْ حَتَّى تَبْلُغَ) ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا إذْنَ لَهَا (وَالْجَدُّ كَالْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ) فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، (وَسَوَاءٌ) ، فِيمَا ذُكِرَ فِي الثَّيِّبِ (زَالَتْ الْبَكَارَةُ بِوَطْءٍ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ) كَالزِّنَا (وَلَا أَثَرَ لِزَوَالِهَا بِلَا وَطْءٍ كَسَقْطَةٍ) وَأُصْبُعٍ وَحِدَةِ حَيْضٍ، (فِي الْأَصَحِّ) فَهِيَ فِي ذَلِكَ كَالْبِكْرِ لِبَقَائِهَا عَلَى حَيَائِهَا حَيْثُ لَمْ تُمَارِسْ أَحَدًا مِنْ الرِّجَالِ، وَالثَّانِي أَنَّهَا كَالثَّيِّبِ فِيمَا ذُكِرَ فِيهَا لِزَوَالِ الْعُذْرَةِ، وَالْمَوْطُوءَةُ فِي الدُّبُرِ كَالْبِكْرِ فِي الْأَصَحِّ، (وَمَنْ عَلَى حَاشِيَةِ النَّسَبِ كَأَخٍ وَعَمٍّ) ، وَابْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا (لَا يُزَوِّجُ صَغِيرَةً بِحَالٍ) ، أَيْ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُزَوِّجُ بِالْإِذْنِ، وَلَا إذْنَ لِلصَّغِيرَةِ، (وَتَزْوِيجُ الثَّيِّبِ الْبَالِغَةِ بِصَرِيحِ الْإِذْنِ) لِلْأَبِ أَوْ غَيْرِهِ، (وَيَكْفِي فِي الْبِكْرِ) الْبَالِغَةِ إذَا اُسْتُؤْذِنَتْ (سُكُوتُهَا فِي الْأَصَحِّ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا» ، وَالثَّانِي لَا يَكْفِي لِمَنْ عَلَى حَاشِيَةِ النَّسَبِ كَالثَّيِّبِ، (وَالْمُعْتِقُ) وَعَصَبَتُهُ (وَالسُّلْطَانُ كَالْأَخِ) فِيمَا ذُكِرَ فِيهِ
، (وَأَحَقُّ الْأَوْلِيَاءِ)
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (لَمْ تُزَوَّجْ) خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْجَدُّ إنْ عَلَا) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ كَالْأَبِ إلَّا فِي جَوَازِ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ فِي الْجَدِّ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ زَالَتْ الْبَكَارَةُ إلَخْ) فَالْغَوْرَاءُ بِكْرٌ مُطْلَقًا وَمِثْلُهَا مَنْ خُلِقَتْ بِغَيْرِ بَكَارَةٍ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ تَعَدَّدَ الْفَرْجُ لَمْ يَزُلْ الْإِجْبَارُ بِالْوَطْءِ فِي الزَّائِدِ يَقِينًا، وَلَا فِي أَحَدِ الْمُشْتَبَهَيْنِ لِلشَّكِّ فِي زَوَالِ الْوِلَايَةِ وَيَزُولُ بِالْوَطْءِ فِي أَحَدِ الْأَصْلِيَّيْنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِهَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَيُتَّجَهُ فِي تَزْوِيجِهَا فِي الثَّالِثَةِ اعْتِبَارُ مَهْرِ بِكْرٍ نَظَرًا لِلْأَصْلِيِّ الْآخَرَ، وَوُجُوبُ مَهْرِ بِكْرٍ بِالْوَطْءِ فِيهِ بَلْ مَعَ أَرْشِ بَكَارَةٍ وَيُتَّجَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُشْتَبَهَيْنِ وَاعْتِبَارُ إذْنِهَا احْتِيَاطٌ نَعَمْ لَا حَدَّ هُنَا بِوَطْئِهَا لِلشُّبْهَةِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِوَطْءٍ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ) وَكَذَا وَطْءُ الشُّبْهَةِ وَالنَّائِمَةِ وَقَدْ يَدْخُلَانِ فِي الْحَلَالِ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا عَدَا الْحَرَامَ.
قَوْلُهُ: (فَهِيَ فِي ذَلِكَ كَالْبِكْرِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ بَقَاءُ الْإِجْبَارِ وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ بِوَطْئِهَا مَهْرُ ثَيِّبٍ وَمِثْلُهَا الْغَوْرَاءُ.
قَوْلُهُ: (تُمَارِسُ إلَخْ) هُوَ لِلْأَغْلَبِ وَإِلَّا فَنَحْوُ الْقِرْدِ كَالرَّجُلِ وَمُمَارَسَةُ الْغَوْرَاءِ كَعَدَمِهَا.
تَنْبِيهٌ: تُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ فِي دَعْوَى بَكَارَتِهَا بِلَا يَمِينٍ وَكَذَا فِي ثُيُوبَتِهَا إلَّا إنْ ادَّعَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّهَا كَانَتْ ثَيِّبًا قَبْلَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهَا وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطِيبُ يُصَدَّقُ الْوَلِيُّ بِيَمِينِهِ هُنَا لِئَلَّا يَلْزَمَ بُطْلَانُ الْعَقْدِ، وَلَا تُسْأَلُ عَنْ سَبَبِ زَوَالِ بَكَارَتِهَا، وَلَوْ أَقَامَ الْوَلِيُّ بَيِّنَةً بِبَكَارَتِهَا قَبْلَ الْعَقْدِ لِإِجْبَارِهَا قُبِلَتْ، وَلَوْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَهُ ثَيِّبًا لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَوْطُوءَةُ فِي الدُّبُرِ كَالْبِكْرِ) وَإِنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِهِ، وَهَذَا تَقْيِيدٌ لِلْوَطْءِ الْحَرَامِ السَّابِقِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ أَفْضَاهَا بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ فَإِنْ لَمْ تَزُلْ الْبَكَارَةُ أَوْ لَمْ تُوجَدْ صُورَةُ وَطْءٍ فِي الْقُبُلِ فَهِيَ كَالْبِكْرِ أَيْضًا، وَإِلَّا فَهِيَ كَالثَّيِّبِ وَهَذَا مَا ظَهَرَ فَلْيُرَاجَعْ قَوْلُهُ: (وَمِنْ عَلَى حَاشِيَةِ النَّسَبِ) ، أَيْ فِيهَا لَا يُزَوِّجُ مَجْنُونَةً وَلَوْ كَبِيرَةً وَلَا صَغِيرَةً وَلَوْ بِكْرًا عَاقِلَةً.
قَوْلُهُ: (الثَّيِّبُ الْبَالِغَةُ) الْعَاقِلَةُ وَلَوْ سَفِيهَةً أَوْ سَكْرَى بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا.
قَوْلُهُ: (بِصَرِيحِ الْإِذْنِ) أَيْ بِالنُّطْقِ بِهِ مِنْ النَّاطِقَةِ وَبِالْإِشَارَةِ أَوْ الْكِتَابَةِ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْمَجْنُونَةِ فَلَا يُزَوِّجُهَا مُطْلَقًا، وَمِنْ صَرِيحِ النُّطْقِ قَوْلُهَا: رَضِيت بِمَا يَفْعَلُهُ أَبِي أَوْ أُمِّي أَوْ أَخِي أَوْ عَمِّي، أَوْ رَضِيت بِمَا يَرْضُونَهُ أَوْ رَضِيت أَنْ أُزَوَّجَ أَوْ رَضِيت فُلَانًا زَوْجًا، وَأَمَّا إنْ رَضِيَ أَبِي مَثَلًا فَقَدْ رَضِيت فَلَيْسَ إذْنًا.
قَوْلُهُ: (إذَا اُسْتُؤْذِنَتْ) أَيْ فِي النِّكَاحِ أَمَّا غَيْرُهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمَهْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِإِذْنِهَا قَبْلَ اسْتِئْذَانِهَا، وَلَوْ رَجَعَتْ قَبْلَ عَقْدِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِرُجُوعِهَا وَأَفْتَى شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِصِحَّةِ الْإِذْنِ مِنْ الْمُزَوَّجَةِ إذَا أَذِنَتْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجَهَا إذَا طَلُقَتْ بِخِلَافِ، إذْنِ الْوَلِيِّ لِوَكِيلٍ فِي تَزْوِيجِ الْبِكْرِ إذَا طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْجَدُّ كَالْأَبِ) . وَهَلْ أُلْحِقَ بِهِ قِيَاسًا أَوْ الِاسْمُ شَامِلٌ لَهُ وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي وَالْبَحْرِ وَأَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ عِنْدَ عَدَمِهِ أَوْ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِيَشْمَلَ مَا لَوْ وُلِدَ لَهُ بِنْتٌ فِي كَمَالِ التَّاسِعَةِ، فَإِنَّهَا تَلْحَقُ بِهِ وَلَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ بِخِلَافِ النَّسَبِ اهـ.
وَنَبَّهَ أَيْضًا أَنَّ الْجَدَّ قَدْ يَزِيدُ عَلَى الْأَبِ كَمَا فِي تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ الْآتِي.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِوَطْءٍ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ) يَرِدُ عَلَيْهِ وَطْءُ الشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ قَوْلُهُ: (وَلَا أَثَرَ إلَخْ) . الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُنَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْإِجْبَارِ وَكَذَا الِاكْتِفَاءُ بِالصَّمْتِ، وَأَمَّا لَوْ وَطِئَهَا إنْسَانٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَهْرُ ثَيِّبٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِصَرِيحِ الْإِذْنِ) أَيْ وَلَوْ بِلَفْظِ التَّوْكِيلِ.
قَوْلُهُ: (لِمَنْ فِي حَاشِيَةِ النَّسَبِ) أَفَادَ بِهَذَا أَنَّهُ كَافٍ فِي حَقِّ الْآبَاءِ وَهُوَ قَطْعًا وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَزِيدِ الْحَيَاءِ فِي حَقِّهِمْ ثُمَّ السُّكُوتُ كَافٍ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ كَافٍ خِلَافًا لِابْنِ الْمُنْذِرِ، وَسَيَأْتِي فِي الْقَضَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ تَقَدُّمُ إعْلَامِ النَّاكِلِ بِمُوجِبِ نُكُولِهِ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ كُفْءٍ كَفَى السُّكُوتُ أَيْضًا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا عُلِمَتْ حَالُهُ وَنَبَّهَ أَيْضًا عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ كَافٍ فِي إذْنِهَا لِلْحُكْمِ حَيْثُ جَوَّزْنَاهُ.
بِالتَّزْوِيجِ (أَبٌ ثُمَّ جَدٌّ) أَبُو الْأَبِ (ثُمَّ أَبُوهُ) ، وَإِنْ عَلَا إلَى حَيْثُ يَنْتَهِي؛ لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ وِلَادَةً وَعُصُوبَةً فَقُدِّمُوا عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُمْ إلَّا عُصُوبَةٌ وَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ، (ثُمَّ أَخٌ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ ثُمَّ ابْنُهُ) أَيْ ابْنِ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ (وَإِنْ سَفَلَ ثُمَّ عَمٌّ) ، لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ (ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ ثُمَّ سَائِرُ الْعَصَبَةِ) مِنْ الْقَرَابَةِ (كَالْإِرْثِ وَيُقَدَّمُ أَخٌ لِأَبَوَيْنِ عَلَى أَخٍ لِأَبٍ فِي الْأَظْهَرِ) كَالْإِرْثِ لِزِيَادَةِ الْقُرْبِ وَالشَّفَقَةِ، وَالثَّانِي أَنَّهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ إخْوَةَ الْأُمِّ لَا تُفِيدُ وِلَايَةَ النِّكَاحِ، فَلَا تُرَجَّحُ بِخِلَافِهَا فِي الْإِرْثِ وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي ابْنَيْهِمَا وَفِي الْعَمَّيْنِ وَابْنَيْهِمَا، (وَلَا يُزَوَّجُ ابْنٌ بِبُنُوَّةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مُشَارَكَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ فِي النَّسَبِ، فَلَا يَعْتَنِي بِدَفْعِ الْعَارِ عَنْهُ، (فَإِنْ كَانَ ابْنَ ابْنِ عَمٍّ) لَهَا (أَوْ مُعْتِقًا) لَهَا (أَوْ قَاضِيًا زَوَّجَ بِهِ) أَيْ بِمَا ذُكِرَ، وَلَا تَضُرُّهُ الْبُنُوَّةُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُقْتَضِيَةٍ لَا مَانِعَةٍ، (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ نَسِيبٌ زَوَّجَ الْمُعْتِقُ ثُمَّ عَصَبَتُهُ) بِحَقِّ الْوَلَاءِ (كَالْإِرْثِ) أَيْ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي إرْثِهِمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِهِ.
(وَيُزَوِّجُ عَتِيقَةَ الْمَرْأَةِ مَنْ يُزَوِّجُ الْمُعْتَقَةَ مَا دَامَتْ حَيَّةً)
[حاشية قليوبي]
فَلَا يَصِحُّ وَخَالَفَهُ شَيْخُ شَيْخِنَا عَمِيرَةَ، قَالَ بِصِحَّتِهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (سُكُوتُهَا) إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا كَضَرْبِ خَدٍّ أَوْ صِيَاحٍ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي إلَخْ) يُفِيدُ الِاكْتِفَاءَ بِهِ فِي الْأَبِ قَطْعًا فَفِي كَلَامِهِ تَغْلِيبٌ.
قَوْلُهُ: (فِيمَا ذُكِرَ فِيهِ) أَيْ فِي الْأَخِ لَا فِي غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَحَقُّ الْأَوْلِيَاءِ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى ثُبُوتِ الْحَقِّ لِجَمِيعِهِمْ، وَإِنْ تَوَقَّفَ تَصَرُّفُ بَعْضِهِمْ عَلَى فَقْدِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ إلَخْ) هَذِهِ عِلَّةٌ لِتَقْدِيمِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ لَا لِتَقْدِيمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَقَدْ يُؤْخَذُ هَذَا مِمَّا يَأْتِي بِقَوْلِهِ: لِزِيَادَةِ الْقُرْبِ وَالتَّفَقُّهِ.
تَنْبِيهٌ: الْخُنْثَى مِنْهُمْ لَا يُزَوَّجُ بَلْ يُزَوَّجُ مَنْ بَعْدُهُ بِإِذْنِهِ وُجُوبًا سَوَاءٌ فِي النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لِأَبٍ) سَكَتَ عَنْ تَرْتِيبِهِ لِلْخِلَافِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ وَكَذَا فِي غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (كَالْإِرْثِ) رَاجِعٌ لِلْإِخْوَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُزَوِّجُ ابْنٌ بِبُنُوَّةٍ) خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَلِلْمُزَنِيِّ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَخَرَجَ بِالْبُنُوَّةِ نَحْوُ السِّيَادَةِ كَمُكَاتَبٍ مَلَكَ أَمَةً فَيُزَوِّجُهَا بِهَا لَكِنْ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا مُشَارَكَةً) ؛ لِأَنَّ كُلًّا يَنْتَسِبُ لِأَبِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَعْتَنِي بِدَفْعِ الْعَارِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ النَّسَبِ كَذَا قَالُوا وَلَا فَائِدَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْرِهُهَا عَلَى النِّكَاحِ وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ بِغَيْرِ رِضَاهَا، وَإِذَا رَضِيَتْ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ ابْنَ ابْنِ عَمٍّ) أَوْ قَاضِيًا أَوْ مُعْتَقًا أَوْ أَخًا لِغَيْرِ أُمٍّ بِوَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحِ مَجُوسٍ، أَوْ وَكِيلًا عَنْ الْوَلِيِّ زَوَّجَ وَيُقَدَّمُ ابْنُ عَمٍّ هُوَ ابْنُهَا أَوْ ابْنُ مُعْتَقٍ أَوْ ابْنُ عَمِّ أَخٍ لِأُمٍّ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُقَدَّمُ ابْنُ عَمٍّ شَقِيقٍ عَلَى ابْنِ عَمٍّ لِأَبٍ مُعْتَقٍ.
قَوْلُهُ: (زَوَّجَ الْمُعْتِقُ) أَيْ الذَّكَرُ وَعَصَبَتُهُ الذُّكُورُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أُنْثَى.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ) وَمِنْهُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ ابْنُ الْمُعْتِقِ عَلَى أَبِيهِ وَأَخُوهُ وَابْنُ أَخِيهِ عَلَى جَدِّهِ وَعَمُّهُ عَلَى أَبِي جَدِّهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُزَوِّجُ عَتِيقَةَ الْمَرْأَةِ) إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَتِيقَةِ وَلِيٌّ مِنْ النَّسَبِ، وَمَمْلُوكَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَتِيقَتِهَا لَكِنْ بِشَرْطِ إذْنِ الْمَالِكَةِ صَرِيحًا.
فُرُوعٌ: لَا تُزَوَّجُ مُدَبَّرَةُ الْمُفْلِسِ وَلَوْ بِإِذْنِ الْغُرَمَاءِ، وَلَا أَمَةُ الْمُرْتَدَّةِ وَالْمُرْتَدِّ، وَلَا لِوَلِيِّ أَمَةٍ صَغِيرَةٍ ثَيِّبٍ إلَّا إنْ كَانَتْ الصَّغِيرَةُ مَجْنُونَةً وَيُزَوِّجُ الْوَلِيُّ أَمَةً مَحْجُورَةً لِلْمَصْلَحَةِ، وَيُزَوِّجُ السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمَأْذُونَ لَهَا فِي التِّجَارَةِ وَأَمَةَ عَبْدِهِ كَذَلِكَ لَكِنْ، بِإِذْنِ الْغُرَمَاءِ فِيهِمَا إنْ كَانَ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ بَيْعُ أَمَةِ عَبْدِهِ بَعْدَ الْحَجَرِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَا هِبَتُهَا، وَلَا وَطْؤُهَا وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ بِوَطْئِهَا وَيَنْفُذُ إيلَادُهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَإِلَّا فَلَا وَيُزَوِّجُ الْمَغْصُوبَةَ سَيِّدُهَا، وَلَوْ لِعَاجِزٍ عَنْ انْتِزَاعِهَا وَيُزَوِّجُ الْجَانِيَةَ وَالْمَرْهُونَةَ سَيِّدُهَا بِإِذْنِ الْمُسْتَحِقِّ، وَيُزَوِّجُ الْمَوْقُوفَةَ كُلَّهَا الْحَاكِمُ بِإِذْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَافِرًا أَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، أَوْ بِإِذْنِ نَاظِرِهِ فِي نَحْوِ مَسْجِدٍ أَوْ جِهَةٍ، وَفِي مَوْقُوفَةِ الْبَعْضِ وَلِيُّهَا أَوْ سَيِّدُهَا مَعَ ذَكَرٍ، وَبِنْتُ الْمَوْقُوفَةِ مِثْلُهَا إنْ حَدَّثَتْ بَعْدَ الْوَقْفِ، وَاخْتَارَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهَا وَقْفٌ أَيْضًا، وَيُزَوِّجُ الْمُوصِي بِمَنْفَعَتِهَا لِوَارِثٍ بِإِذْنِ الْمُوصَى لَهُ أَوْ وَلِيِّهِ، وَيُزَوِّجُ الْمُشْتَرِكَةَ سَادَاتُهَا أَوْ أَحَدُهُمْ بِإِذْنِ الْبَاقِينَ إنْ وَافَقَهَا فِي الدِّينِ وَيُزَوِّجُ أَمَةَ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَةَ الْحَاكِمُ بِإِذْنِهِ وُجُوبًا، وَفِيهِ بَحْثٌ وَيُزَوِّجُ أَمَةَ
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (فِيمَا ذُكِرَ فِيهِ) قَيَّدَهُ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَرِدَ أَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي تَزْوِيجِ الْمَجْنُونَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
مِمَّا يَأْتِي فِي قَوْلِ الْمَتْنِ كَالْإِرْثِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْأَحْسَنُ أَنْ يَعُودَ إلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ سَائِرُ الْعَصَبَاتِ دُونَ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ لِئَلَّا يَرِدَ أَنَّ الْجَدَّ هُنَا مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَخِ بِخِلَافِ الْإِرْثِ.
[أَحَقُّ الْأَوْلِيَاءِ بِالتَّزْوِيجِ]
قَوْلُهُ: (كَالْإِرْثِ) أَيْ فَإِنَّهُ مُقَدَّمٌ فِيهِ قَطْعًا، وَكَذَا فِي الْوَلَاءِ وَالْوَصِيَّةِ بِخِلَافِهِ هُنَا وَتَحَمَّلَ الْعَقْلَ أَيْ الدِّيَةَ وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يُزَوِّجُ ابْنُ الْأَخِ) خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ كَانَ ابْنَ ابْنٍ إلَخْ) لَوْ كَانَ لِابْنِ ابْنِ الْعَمِّ الْمَذْكُورِ أَخٌ مِنْ أَبِيهِ فَفِيهِمَا خِلَافُ الْأَخِ الشَّقِيقِ مَعَ الْأَخِ لِلْأَبِ فَتَكُونُ الْبُنُوَّةُ مُرَجَّحَةً قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ: قَالَ شَيْخُنَا وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْمُسْتَوِيَيْنِ مُعْتَقًا أَوْ أَخًا لِأُمٍّ قُدِّمَ.
فَائِدَةٌ: قَدْ يُتَصَوَّرُ تَزْوِيجُ الِابْنِ لِأُمِّهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا لَوْ كَانَ مُكَاتَبًا وَمَلَكَهَا فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهَا بِالْمِلْكِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَكَمَا لَوْ تَوَلَّدَتْ قَرَابَةٌ مِنْ أَنْكِحَةِ الْمَجُوسِ أَوْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (زَوَّجَ الْمُعْتِقُ) أَيْ الذَّكَرُ وَقَوْلُهُ ثُمَّ عَصَبَتُهُ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْعِتْقُ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى.
لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَفَتْ وِلَايَةُ الْمَرْأَةِ لِلنِّكَاحِ، اسْتَتْبَعَتْ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا الْوِلَايَةَ عَلَى عَتِيقِهَا فَيُزَوِّجُهَا أَبُو الْمُعْتَقَةِ ثُمَّ جَدُّهَا عَلَى تَرْتِيبِ الْأَوْلِيَاءِ وَلَا يُزَوِّجُهَا ابْنُ الْمُعْتِقَةِ، وَيُعْتَبَرُ فِي تَزْوِيجِهَا رِضَاهَا (وَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُ الْمُعْتَقَةِ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهَا لَا وِلَايَةَ لَهَا وَالثَّانِي يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَهَا، وَالْعَصَبَةُ إنَّمَا تُزَوِّجُ لِإِدْلَائِهِ بِهَا فَلَا أَقَلَّ مِنْ مُرَاجَعَتِهَا، فَإِنْ امْتَنَعَتْ نَابَ الْحَاكِمُ عَنْهَا فِي الْإِذْنِ، وَزَوَّجَ وَلِيُّهَا (فَإِذَا مَاتَتْ زَوَّجَ مَنْ لَهُ الْوَلَاءُ) ، مِنْ عَصَبَاتِهَا فَيُقَدَّمُ ابْنُهَا عَلَى أَبِيهَا، (فَإِنْ فُقِدَ الْمُعْتِقُ وَعَصَبَتُهُ زَوَّجَ السُّلْطَانُ) بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ (وَكَذَا يُزَوِّجُ إذَا عَضَلَ الْقَرِيبُ) ، مِنْ النَّسَبِ (وَالْمُعْتِقُ) ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ حَقُّ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُ وَفَّاهُ الْحَاكِمُ، وَهَلْ تَزْوِيجُهُ بِالْوِلَايَةِ أَوْ النِّيَابَةِ عَنْ الْوَلِيِّ وَجْهَانِ، (وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْفَضْلُ إذَا دَعَتْ بَالِغَةٌ عَاقِلَةٌ إلَى كُفْءٍ وَامْتَنَعَ) ، الْوَلِيُّ مِنْ تَزْوِيجِهِ، وَإِنْ كَانَ امْتِنَاعُهُ لِنَقْصِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ يَتَمَحَّضُ حَقًّا لَهَا بِخِلَافِ مَا إذَا دَعَتْ إلَى غَيْرِ كُفْءٍ، فَلَا يَكُونُ امْتِنَاعُهُ عَضْلًا؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْكَفَاءَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْعَضْلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيُزَوِّجَ بِأَنْ يَمْتَنِعَ الْوَلِيُّ مِنْ التَّزْوِيجِ بَيْنَ يَدَيْهِ بَعْدَ أَمْرِهِ بِهِ، وَالْمَرْأَةُ وَالْخَاطِبُ حَاضِرَانِ، أَوْ تُقَامُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ لِتَعَزُّزٍ أَوْ تَوَارٍ بِخِلَافِ مَا إذَا حَضَرَ، فَإِنَّهُ إنْ زَوَّجَ فَقَدْ حَصَلَ
[حاشية قليوبي]
الْقِرَاضِ الْمَالِكُ بِإِذْنِ الْعَامِلِ، وَيُزَوِّجُ أَمَةَ الْخُنْثَى وَعَتِيقَتَهُ مَنْ يُزَوِّجُهُ لَوْ كَانَ أُنْثَى بِإِذْنِهِ وُجُوبًا، وَيُزَوِّجُ الْمَبِيعَةَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فَإِنْ شَرَطَ لَهَا أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ اُعْتُبِرَ إذْنُهَا وُجُوبًا وَيُزَوِّجُ الْمُبَعَّضَةَ وَلِيُّهَا بِإِذْنِ السَّيِّدِ أَوْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُزَوِّجُ أَمَتَهَا مَنْ يُزَوِّجُهَا لَكِنْ بِإِذْنِ السَّيِّدِ تَصْرِيحًا وَيُزَوِّجُ الْمُكَاتَبُ أَمَتَهُ وَمُكَاتَبَتَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَيُزَوِّجُ الْمُكَاتَبَةَ سَيِّدُهَا، وَيُزَوِّجُ أَمَةَ بَيْتِ الْمَالِ الْإِمَامُ كَاللَّقِيطَةِ بِإِذْنِهَا وَكَبِنْتِ الرَّقِيقِ مِنْ الْحُرَّةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُ أَبِيهَا خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ، وَلَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ وَإِنْ انْحَصَرَ الْمُسْتَحَقُّونَ وَأَذِنُوا.
قَوْلُهُ: (مَنْ يُزَوِّجُ الْمُعْتِقَةَ) بِكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ دَخَلَ فِيهِ الْمُعْتِقُ وَعَصَبَتُهُ، وَلَوْ أَعْتَقَهَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ كَاثْنَيْنِ اعْتَبَرَ مُبَاشَرَتَهُمَا، أَوْ إذْنَهُمَا الْوَكِيلُ عَنْهُمَا، أَوْ تَوْكِيلُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، وَيُزَوِّجُهَا أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ مَعَ السُّلْطَانِ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا اسْتَقَلَّ الْآخَرُ بِتَزْوِيجِهَا.
قَوْلُهُ: (رِضَاهَا) أَيْ الْعَتِيقَةِ وَلَوْ بِالسُّكُوتِ فِي الْبِكْرِ، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَمْ يَصِحَّ حَتَّى تَبْلُغَ وَتَأْذَنَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُ الْمُعْتَقَةِ) بَلْ وَلَوْ مَنَعَتْ أَوْ خَالَفَتْ دِينَ الْعَتِيقَةِ حَيْثُ وَافَقَ الْوَلِيُّ الْعَتِيقَةَ فِي الدِّينِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ امْتَنَعَتْ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (زَوَّجَ السُّلْطَانُ) أَيْ مَنْ شَمِلَتْهَا وِلَايَتُهُ عُمُومًا أَوْ خُصُوصًا كَالْقَاضِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ فِي وِلَايَتِهِ بِأَنْ وَكَّلَ وَلَا يُزَوِّجُ الْخَارِجَةَ عَنْ وِلَايَتِهِ، وَلَوْ لِمَنْ هُوَ فِيهَا.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُوَكِّلَ فِي تَزْوِيجِهَا مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ.
نَعَمْ لَهَا أَنْ تُحَكِّمَ مَعَ الزَّوْجِ مَنْ يُزَوِّجُهَا إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا مُطْلَقًا، أَوْ غَيْرَهُ مَعَ عَدَمِ قَاضٍ، وَلَوْ ضَرُورَةً، أَوْ تَوَقَّفَ الرَّفْعُ إلَيْهَا عَلَى دَفْعِ مَالٍ لَهُ وَقْعٌ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا يُزَوِّجُ) أَيْ السُّلْطَانُ، وَهَذَا وَمَا قَبْلَهُ مَوْضِعَانِ مِنْ خَمْسَةٍ يُزَوِّجُ فِيهَا السُّلْطَانُ وَسَيَأْتِي بَاقِيهَا.
قَوْلُهُ: (إذَا عَضَلَ) مِنْ الْعَضْلِ وَهُوَ الِامْتِنَاعُ.
قَوْلُهُ: (الْقَرِيبُ) لَوْ قَالَ: الْوَلِيُّ كَانَ أَخْصَرَ وَأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَجْهَانِ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ بِنِيَابَةٍ اقْتَضَتْهَا الْوِلَايَةُ.
قَوْلُهُ: (وَامْتَنَعَ الْوَلِيُّ) أَيْ دُونَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، وَلَوْ بِالسُّكُوتِ، وَإِلَّا فَقَدْ فَسَقَ فَتَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ لِلْأَبْعَدِ دُونَ السُّلْطَانِ، نَعَمْ إنْ غَلَبَتْ طَاعَاتُهُ عَلَى مَعَاصِيهِ، وَلَوْ بِالْفِعْلِ أَوْ امْتَنَعَ لِعُذْرٍ كَطَلَبِ أَكْفَاءَ أَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يُزَوِّجُهَا، أَوْ قَالَ: هُوَ أَخُوهَا مِنْ رَضَاعٍ مَثَلًا، أَوْ قَالَ مَذْهَبِي لَا يَرَى حِلَّهَا لَهُ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ التَّحْلِيلِ وَلَوْ لِاجْتِهَادٍ لَمْ يَكُنْ عَاضِلًا فَلَا يَأْثَمُ وَلَا يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ، وَلَوْ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ فِي الْحَلِفِ وَزَوَّجَ لَمْ يَحْنَثْ.
قَوْلُهُ: (لِنَقْصِ الْمَهْرِ) أَوْ كَانَ عِنِّينًا أَوْ مَجْبُوبًا؛ لِأَنَّهُ حَقُّهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْعَضْلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ) فَامْتِنَاعُهُ قَبْلَهُ، وَإِنْ تَكَرَّرَ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْعَضْلُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (حَاضِرَانِ) وَيُغْنِي عَنْ حُضُورِ الزَّوْجِ تَعْيِينُهُ.
قَوْلُهُ: (الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ) أَيْ الْوَلِيِّ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (كُفُؤًا غَيْرَهُ) وَلَوْ أَقَلَّ مَهْرًا.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ ذَلِكَ) وَمِثْلُهُ مَا لَوْ دَعَتْ إلَى وَاحِدٍ مِنْ أَكْفَاءَ حَاضِرِينَ وَعَيَّنَ الْوَلِيُّ غَيْرَهُ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَلَهُ ذَلِكَ أَيْضًا وَلَوْ دَعَا الْوَلِيُّ إلَى أَكْفَاءَ مِمَّنْ ذَكَرَتْهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إلَّا كُفْؤًا حَاضِرًا أُجِيبَ الْوَلِيُّ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ أَوْ غَائِبًا فَعَاضِلٌ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَحَرِّرْهُ.
تَنْبِيهٌ: تَوْبَةُ الْعَاضِلِ تَحْصُلُ بِتَزْوِيجِهِ فَتَعُودُ وِلَايَتُهُ بِهِ، وَهَذِهِ زَائِدَةٌ عَلَى مَنْ ذَكَرُوهُ بِعَوْدِ وِلَايَتِهِ بِلَا تَوْلِيَةٍ جَدِيدَةٍ فَرَاجِعْهُ، وَلَوْ زَوَّجَ الْحَاكِمُ لِلْعَضْلِ ثُمَّ ادَّعَى الْوَلِيُّ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْعَضْلِ، وَزَوَّجَ قَبْلَ تَزْوِيجِ الْحَاكِمِ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
قَوْلُهُ: (مَنْ عَيَّنَتْهُ) أَيْ مِنْ الْأَكْفَاءِ.
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُزَوِّجُ عَتِيقَةَ الْمَرْأَةِ) مِثْلُهَا فِي هَذَا أَمَةُ الْمَرْأَةِ إلَّا أَنَّ السَّيِّدَةَ الْكَامِلَةَ يُعْتَبَرُ إذْنُهَا نُطْقًا وَلَوْ بِكْرًا.
قَوْلُهُ: (وَيُعْتَبَرُ فِي تَزْوِيجِهَا رَضَاعًا) وَيَكْفِي السُّكُوتُ مِنْ الْبِكْرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْقَرِيبُ إلَخْ) لَوْ قَالَ بَدَلَهُ الْوَلِيُّ كَانَ أَخْصَرَ وَأَشْمَلَ.
الْغَرَضُ وَإِلَّا فَعَاضِلٌ فَلَا مَعْنَى لِلْبَيِّنَةِ عِنْدَ حُضُورِهِ، (وَلَوْ عَيَّنَتْ كُفُؤًا وَأَرَادَ الْأَبُ) الْمُجْبِرُ كُفُؤًا، (غَيْرَهُ فَلَهُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ نَظَرًا مِنْهَا، وَالثَّانِي لَا إعْفَافًا لَهَا، وَهُوَ قَوِيٌّ أَمَّا غَيْرُ الْمُجْبِرِ، فَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهَا مِنْ غَيْرِ مَنْ عَيَّنَتْهُ جَزْمًا.
فَصْلٌ لَا وِلَايَةَ لِرَقِيقٍ لِنَقْصِهِ (وَصَبِيٍّ) لِسَلْبِ عِبَارَتِهِ (وَمَجْنُونٍ) أُطْبِقَ جُنُونُهُ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ أَوْ تَقَطَّعَ، كَمَا صَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ تَغْلِيبًا لِزَمَنِ الْجُنُونِ، فَيَزَوَّجُ الْأَبْعَدُ فِي زَمَنِ جُنُونِهِ دُونَ إفَاقَتِهِ وَالْأَشْبَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، أَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْوِلَايَةَ كَالْإِغْمَاءِ، فَتُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ وَلَوْ قَصُرَتْ نَوْبَةُ الْإِفَاقَةِ جِدًّا فَهِيَ كَالْعَدَمِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ، (وَمُخْتَلُّ النَّظَرِ بِهَرَمٍ أَوْ خَبَلٍ) أَصْلِيٍّ أَوْ عَارِضٍ لِعَجْزِهِ عَنْ الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ الْأَزْوَاجِ وَمَعْرِفَةِ الْكُفْءِ مِنْهُمْ، وَفِي مَعْنَاهُ مَنْ شَغَلَهُ عَنْ ذَلِكَ الْأَسْقَامُ، وَالْآلَامُ (وَكَذَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ) بِأَنْ بَذَرَ فِي مَالِهِ (عَلَى الْمَذْهَبِ) ؛ لِأَنَّهُ لِنَقْصِهِ لَا يَلِي أَمْرَ نَفْسِهِ فَلَا يَلِي أَمْرَ غَيْرِهِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي يَلِي فِي وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ كَامِلُ النَّظَرِ فِي أَمْرِ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا حُجِرَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُضَيِّعَ مَالَهُ فَإِنْ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ فَمَا يَنْبَغِي أَنْ تَزُولَ وِلَايَتُهُ، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ فِي الْحَاوِي وَصَحَّحَ فِي الْمَطْلَبِ كَالذَّخَائِرِ زَوَالَهَا أَمَّا مَنْ بَلَغَ مُفْسِدًا لِدِينِهِ، فَاسْتَمَرَّ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، فَهُوَ مِنْ صُوَرِهِ مَسْأَلَةُ الْفَاسِقِ الْآتِيَةُ، وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ يَلِي لِكَمَالِ نَظَرِهِ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ لَا لِنَقْصٍ فِيهِ، (وَمَتَى كَانَ الْأَقْرَبُ بِبَعْضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَالْوِلَايَةُ لِلْأَبْعَدِ) ، فَيُزَوِّجُ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ، فَإِذَا زَالَتْ عَادَتْ الْوِلَايَةُ لِلْأَقْرَبِ (وَالْإِغْمَاءُ إنْ كَانَ لَا يَدُومُ غَالِبًا) ، كَأَنْ حَصَلَ بَهِيجَانِ الْمِرَّةِ الصَّفْرَاءِ، (اُنْتُظِرَ إفَاقَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَرِيبُ الزَّوَالِ كَالنَّوْمِ (وَإِنْ كَانَ يَدُومُ أَيَّامًا) ، فَأَقَلَّ أَيْ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرَ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، (اُنْتُظِرَ) الْإِفَاقَةُ مِنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُ قَرِيبَةٌ (وَقِيلَ) الْوِلَايَةُ (لِلْأَبْعَدِ) كَمَا فِي الْجُنُونِ (وَلَا يَقْدَحُ الْعَمَى فِي الْأَصَحِّ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مَعَهُ مِنْ الْبَحْثِ عَنْ الْأَكِفَّاءِ،
[حاشية قليوبي]
فَصْلٌ فِي مَوَانِعِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَوَانِعُ الْخَاصَّةُ وَاسْتِثْنَاءُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُزَوِّجُ بَنَاتِهِ الْأَبْكَارَ إجْبَارًا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لَا وِلَايَةَ) خَرَجَ الْوَكَالَةُ فَسَيَأْتِي صِحَّتُهَا فِي الرَّقِيقِ وَالسَّفِيهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.
قَوْلُهُ: (الرَّقِيقُ) أَيْ وَلَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُبَعَّضًا وَتَزْوِيجُهُ أَمَتَهُ بِالْمِلْكِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (تَغْلِيبًا لِزَمَنِ الْجُنُونِ) الصَّوَابُ إسْقَاطُ هَذَا لِمُخَالَفَتِهِ لِلتَّفْرِيعِ بَعْدَهُ مَعَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ يُزَوِّجُ فِي زَمَنِ إفَاقَتِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ قَلَّ وَلَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ غَيْرِهِ فِيهِ، وَعَكْسُهُ زَمَنَ الْجُنُونِ كَذَلِكَ، وَلَوْ وَكَّلَ فِي زَمَنِ إفَاقَتِهِ صَحَّ عَقْدُ وَكِيلٍ فِي زَمَنِ الْإِفَاقَةِ دُونَ زَمَنِ الْجُنُونِ؛ لِأَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَهِيَ كَالْعَدَمِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْخِلَافُ لَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا أَنَّهُ لَوْ قَصُرَ زَمَنُ الْجُنُونِ جِدًّا كَيَوْمٍ فِي سَنَةٍ اُنْتُظِرَ كَالْإِغْمَاءِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (خَبَلٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِهَا خَلَلٍ فِي الْعَقْلِ أَوْ كَالْجُنُونِ.
قَوْلُهُ: (لِعَجْزِهِ) فَهُوَ غَيْرُ أَهْلٍ وَلَيْسَ لَهُ أَمَدٌ يُنْتَظَرُ فَسَقَطَ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَفِي مَعْنَاهُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْعَجْزُ الْمَذْكُورُ، وَعَطْفُ الْآلَامِ عَلَى الْأَسْقَامِ مُرَادِفٌ أَوْ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ بَذَّرَ إلَخْ) صَرِيحُ كَلَامِهِ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَنْ بَذَّرَ بَعْدَ رُشْدِهِ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهَذَا هُوَ السَّفِيهُ الْمُهْمَلُ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مَنْ بَلَغَ إلَخْ) إذَا تَأَمَّلْت مَا ذَكَرَهُ رَأَيْت أَنَّ مَنْ فَسَقَ بَعْدَ رُشْدِهِ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ هُنَا وَكَذَا مَنْ بَلَغَ غَيْرَ مُصْلِحٍ لِمَالِهِ وَدِينِهِ مَعًا وَقَدْ يُجْعَلُ كَلَامُهُ شَامِلًا، لِهَذِهِ بِأَنْ يُرَادَ مُفْسِدًا لِدِينِهِ أَيْ فَقَطْ أَوْ مَعَ مَالِهِ، وَأَمَّا الْأَوْلَى فَإِخْرَاجُهَا مُتَعَيِّنٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَسْأَلَةِ الْفِسْقِ الْآتِيَةِ فَإِدْخَالُهَا يَقْتَضِي تَكْرَارَهَا، وَلِذَلِكَ جَعَلَ مَا هُنَا مِنْ أَفْرَادِهَا دُونَ عَكْسِهِ نَعَمْ قَدْ يُشْكِلُ، وَيُقَالُ: التَّبْذِيرُ فِي الْمَالِ مِنْ الْحَرَامِ، وَهُوَ مُفَسِّقٌ فَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ مَا يَأْتِي أَيْضًا فَإِنْ حُمِلَ عَلَى تَبْذِيرٍ غَيْرِ مُفَسِّقٍ فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يُخَصِّصُهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مَانِعًا مِنْ الْوِلَايَةِ فَرَاجِعْ ذَلِكَ وَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (بِالْفَلَسِ) أَيْ وَهُوَ مُكَلَّفٌ.
قَوْلُهُ: (لِلْأَبْعَدِ) مِنْ الْأَقَارِبِ أَوْ الْمُعْتَقِ أَوْ عَصَبَتِهِ فَلَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ عَنْ ابْنٍ صَغِيرٍ وَأَخٍ كَبِيرٍ فَالْوِلَايَةُ عَلَى عَتِيقَتِهِ لِلْأَخِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِغْمَاءُ) وَمِثْلُهُ السُّكْرُ بِلَا تَعَدٍّ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِغْمَاءُ إنْ كَانَ لَا يَدُومُ) بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِقْدَارَ يَوْمٍ فَقَطْ اُنْتُظِرَ إفَاقَتُهُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ احْتَاجَتْ.
قَوْلُهُ: (وَأَكْثَرُ) أَيْ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ إلَى مِقْدَارِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ اُنْتُظِرَ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ عَنْهُ قَطْعًا لِلْأَبْعَدِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَنْتَقِلُ
[حاشية عميرة]
[فَصْلٌ لَا وِلَايَةَ لِرَقِيقٍ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ فِي النِّكَاحِ]
فَصْلٌ لَا وِلَايَةَ لِرَقِيقٍ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى نَفْيِ الْوِلَايَةِ يُفْهِمُ جَوَازَ الْوَكَالَةِ أَعْنِي أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْقَبُولِ دُونَ الْإِيجَابِ عَلَى الْأَصَحِّ، فِيهِمَا فَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ جَازَ الْقَبُولُ قَطْعًا وَمِثْلُ الرَّقِيقِ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ فَيَصِحُّ تَوَكُّلُهُ فِي الْقَبُولِ دُونَ الْإِيجَابِ.
قَوْلُهُ: (دُونَ إفَاقَتِهِ) لَوْ وَكَّلَ هَذَا الْوَلِيُّ فِي حَالِ الْإِفَاقَةِ شَخْصًا اشْتَرَطَ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ إيقَاعَهُ قَبْلَ عَوْدِ الْجُنُونِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِالْجُنُونِ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ خَبَلٍ) هُوَ فَسَادٌ فِي الْعَقْلِ وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالْجُنُونِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَالْوِلَايَةُ لِلْأَبْعَدِ) دَلِيلُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بِوِلَايَةِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، أَوْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَكِلَاهُمَا ابْنُ عَمِّ أَبِيهَا مَعَ وُجُودِ أَبِي سُفْيَانَ كَافِرًا» ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْكُفْرِ فَيُقَاسُ الْبَاقِي عَلَيْهِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْأَقْرَبُ لِلْأَبْعَدِ زَوَّجْت بَعْدَ تَأَهُّلِي فَتَزْوِيجُك بَاطِلٌ، وَقَالَ الْأَبْعَدُ بَلْ قَبْلَهُ فَتَزْوِيجِي صَحِيحٌ لَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِهِمَا وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ لِلزَّوْجَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ إلَخْ) حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ مُوَافَقَةُ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا وَاقْتِضَاءُ التَّعْبِيرِ بِالْأَيَّامِ أَنَّ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ مَعَ أَنَّهُ مِنْهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (اُنْتُظِرَ) . الْأَحْسَنُ فِي هَذَا مَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنْ كَانَتْ مُدَّتُهُ بِحَيْثُ يُعْتَبَرُ فِيهَا إذْنُ
وَمَعْرِفَتُهَا بِالسَّمَاعِ، وَقِيلَ يَقْدَحُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ يُؤَثِّرُ فِي الشَّهَادَةِ فَأَشْبَهَ الصِّغَرَ فَيُزَوِّجُ الْأَبْعَدُ.
(وَلَا وِلَايَةَ لِفَاسِقٍ عَلَى الْمَذْهَبِ) مُجْبِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ فَسَقَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ بِغَيْرِهِ، أَعْلَنَ بِفِسْقِهِ أَوْ أَسَرَّهُ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ فِي الشَّهَادَةِ فَيَمْنَعُ الْوِلَايَةَ كَالرِّقِّ فَيُزَوِّجُ الْأَبْعَدُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ يَلِي؛ لِأَنَّ الْفَسَقَةَ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ التَّزْوِيجِ فِي عَصْرِ الْأَوَّلِينَ، وَلِأَنَّ أَمْرَ النِّكَاحِ خَطِيرٌ فَالِاهْتِمَامُ بِشَأْنِهِ، وَإِنْ كَانَ الشَّخْصُ فَاسِقًا أَقْرَبُ مِنْ تَرْكِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَبِهَذَا يُفْتِي أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا سِيَّمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ، وَقَطَعَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِالْأَوَّلِ، وَبَعْضُهُمْ بِالثَّانِي، وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُجْبِرَ يَلِي بِخِلَافِ غَيْرِهِ، لِكَمَالِ شَفَقَتِهِ، وَبَعْضُهُمْ بِعَكْسِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُجْبِرَ قَدْ يَضَعُهَا عِنْدَ فَاسِقٍ مِثْلِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، لِتَوَقُّفِهِ عَلَى إذْنِهَا فَتَنْظُرُ لِنَفْسِهَا، وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ إنْ فَسَقَ بِغَيْرِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَلِيَ أَوْ بِشُرْبِهِ، فَلَا يَلِي لِاضْطِرَابِ نَظَرِهِ وَغَلَبَةِ السُّكْرِ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ إنْ أَسَرَّ فِسْقَهُ وَلِيَ وَأَعْلَنَ بِهِ فَلَا يَلِي، وَأَفْتَى الْغَزَالِيُّ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَوْ سُلِبَ الْوِلَايَةُ لَانْتَقَلَتْ إلَى حَاكِمٍ فَاسِقٍ وَلِيَ، وَإِلَّا فَلَا وَاسْتَحْسَنَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ بِهِ وَهَا هُنَا أُمُورٌ أَحَدُهَا الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، إذَا لَمْ يَنْعَزِلْ بِالْفِسْقِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنَّهُ يُزَوِّجُ بَنَاتِهِ وَبَنَاتِ غَيْرِهِ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، وَقِيلَ لَا كَغَيْرِهِ فَيُزَوِّجُهُنَّ مَنْ دُونَهُ مِنْ الْحُكَّامِ، الثَّانِي الْفِسْقُ يَتَحَقَّقُ بِارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ، أَوْ إصْرَارٍ عَلَى صَغِيرَةٍ كَالْعَضْلِ مَرَّاتٍ أَقَلُّهَا فِيمَا حَكَى بَعْضُهُمْ ثَلَاثٌ، الثَّالِثُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَلِي اشْتِرَاطُ أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ عَدْلًا فَإِنَّ الْمَسْتُورَ يَلِي بِلَا خِلَافٍ، كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَأَصْحَابُ الْحِرَفِ الدَّنِيئَةِ يَلُونَ، كَمَا رَجَّحَ فِي الرَّوْضَةِ الْقَطْعَ بِهِ بَعْدَ حِكَايَةِ وَجْهَيْنِ
، (وَيَلِي الْكَافِرُ الْكَافِرَةَ) إذَا لَمْ يَرْتَكِبْ مَحْظُورًا فِي دِينِهِ فَإِنْ ارْتَكَبَهُ فَلَا، كَمَا فِي الْمُسْلِمِ الْفَاسِقِ وَسَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ كَافِرًا أَمْ مُسْلِمًا فِي الذِّمِّيَّةِ وَلَا يَلِي الْكَافِرُ الْمُسْلِمَةَ وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَةَ بَلْ يَلِي الْأَبْعَدُ الْمُسْلِمُ فِي الْأُولَى وَالْكَافِرُ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنْ فُقِدَ فَالْحَاكِمُ يُزَوِّجُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ، وَهَلْ يَلِي الْيَهُودِيُّ النَّصْرَانِيَّةَ، وَعَكْسُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يَلْحَقَ بِالْإِرْثِ أَيْ
[حاشية قليوبي]
لِلسُّلْطَانِ كَالْغَائِبِ وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إنَّهُ يَدُومُ ثَلَاثًا انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ لِلْأَبْعَدِ مِنْ أَوَّلِهَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَقَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ: إنَّهُ كَالْغَيْبَةِ فِيمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْدَحُ الْعَمَى) لَكِنْ يُوَكِّلُ فِي قَبْضِ الْمَهْرِ فَإِنْ عَقَدَ بِهِ مُعَيَّنًا صَحَّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فِي الذِّمَّةِ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا كَابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ الْحَاكِمِ أَنْ يُوَلِّيَ الْأَعْمَى عَقْدَ الْأَنْكِحَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ، وَنُقِلَ عَنْ وَالِدِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ صِحَّةُ تَوْلِيَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَشْبَهَ الصِّغَرَ) وَرُدَّ بِصِحَّةِ شَهَادَتِهِ بِمَا قَبْلَ الْعَمَى، وَمَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا لَوْ عَقَدَ بِنَفْسِهِ فَإِنْ وَكَّلَ صَحَّ قَطْعًا.
تَنْبِيهٌ: تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِعَقْدِ الْأَخْرَسِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا وِلَايَةَ لِفَاسِقٍ) فَإِنْ تَابَ زَوَّجَ فِي الْحَالِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَأَتْبَاعِهِ وَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ هُنَا بِعَزْمِهِ عَلَى وَفَاءِ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْمَذْهَبِ) هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ مِنْ الطَّرِيقِ الْحَاكِيَةِ وَيُقَابِلُهَا سَبْعُ طُرُقٍ بِجَعْلِ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ طَرِيقَةً مُسْتَقِلَّةً.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْفَسَقَةَ) أَيْ الَّذِينَ طَرَأَ فِسْقُهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَأَفْتَى الْغَزَالِيُّ إلَخْ) وَرَدُّوهُ بِأَنَّ الْحَاكِمَ تُنَفَّذُ أَحْكَامُهُ لِلضَّرُورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الصَّحِيحُ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (بَنَاتُهُ) أَيْ وَلَوْ بِالْإِجْبَارِ فِي الْأَبْكَارِ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ شَيْخِنَا لَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِنَّ نُطْقًا فِيهِ نَظَرٌ وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلِيٌّ خَاصٌّ أَقْرَبُ مِنْهُ، وَكَذَا بَنَاتُ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ) يُفِيدُ أَنَّهُ انْعَزَلَ عَنْ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ لِاسْتِثْنَائِهِ مِمَّا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ كَذَلِكَ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ وِلَايَتَهُ الْعَامَّةَ سَبَبٌ فِي بَقَاءِ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ لَهُ بِدَلِيلِ مَا مَرَّ مِنْ تَزْوِيجِهِ بَنَاتِهِ بِالْإِجْبَارِ فَصَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ نَعَمْ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْأُمُّ هِيَ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِ بَنَاتِهَا لَهَا نُطْقًا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْ إصْرَارٌ عَلَى صَغِيرَةٍ) أَيْ مَا لَمْ تَغْلِبْ طَاعَاتُهُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْمَسْتُورَ يَلِي) هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَفِيهِ بَحْثٌ دَقِيقٌ مَعَ مَا مَرَّ، بِقَوْلِهِ أَعْلَنَ بِفِسْقِهِ أَوْ أَسَرَّهُ.
قَوْلُهُ: (الْحِرَفُ الدَّنِيئَةُ) الْمُخِلَّةُ بِالْمُرُوءَةِ.
قَوْلُهُ: (يَلُونَ كَمَا رَجَّحَ فِي الرَّوْضَةِ الْقَطْعَ بِهِ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَحَيْثُ قُلْنَا الْفَاسِقُ لَا يَلِي انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ لِلْأَبْعَدِ إنْ كَانَ بِلَا خِلَافٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَلِي الْكَافِرُ الْكَافِرَةَ) وَإِنْ زَوَّجَهَا لِمُسْلِمٍ أَوْ كَانَتْ عَتِيقَةَ مُسْلِمٍ، وَفَارَقَ عَدَمَ صِحَّةِ شَهَادَتِهِ بِأَنَّهَا وِلَايَةٌ مَحْضَةٌ وَفِي التَّزَوُّجِ حَقٌّ لِنَفْسِهِ بِنَحْوِ دَفْعِ الْعَارِ.
قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ يَرْتَكِبْ إلَخْ) هَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ عَدْلٍ فِي دِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَدَمُ الْفِسْقِ لَا الْعَدَالَةِ كَمَا فِي الْمُسْلِمِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُعْرَفُ أَنَّهُ كَذَلِكَ بِإِخْبَارِ عَدَدٍ مُتَوَاتِرٍ مِنْهُمْ، أَوْ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ أَسْلَمَا مِنْهُمْ كَانَا يَعْرِفَانِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلِي إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ التَّزْوِيجِ بِالْمِلْكِيَّةِ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ صِحَّةِ تَزْوِيجِ السَّيِّدِ الْمُسْلِمِ أَمَتَهُ الْكَافِرَةَ، وَوَلِيُّهُ أَيْ السَّيِّدِ وَلَوْ أُنْثَى مِثْلُهُ وَلَا يُزَوِّجُ الْكَافِرُ أَمَتَهُ الْمُسْلِمَةَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ فُقِدَ) أَيْ الْوَلِيُّ الْخَاصُّ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ
[حاشية عميرة]
الْوَلِيِّ الْغَائِبِ ذَهَابًا وَإِيَابًا اُنْتُظِرَ، وَإِلَّا زَوَّجَ الْحَاكِمُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا زَوَّجَ الْحَاكِمُ مَعَ صِحَّةِ عِبَارَةِ الْغَائِبِ فَمَعَ تَعَذُّرِ ذَلِكَ بِإِغْمَائِهِ أَوْلَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَقْدَحُ الْعَمَى فِي الْأَصَحِّ) قِيلَ مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا عَقَدَ بِنَفْسِهِ أَمَّا لَوْ وَكَّلَ فَيَصِحُّ قَطْعًا كَنَظِيرِهِ مِنْ الْبَيْعِ، ثُمَّ إذَا قُلْنَا يَلِي وَكَانَ الصَّدَاقُ عَيْنًا لَمْ يَنُبْ كَمَا فِي شِرَاءِ الْغَائِبِ قَالَهُ الشَّيْخَانِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يَقْدَحُ) الظَّاهِرُ عَلَى هَذَا أَنَّ الْوِلَايَةَ لِلْأَبْعَدِ كَمَا نَقَلَهُ الْجَبَلِيُّ عَنْ الْإِمَامِ وَاعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: يُوَكِّلُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ زَوَّجَ الْقَاضِي.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَلِي الْكَافِرُ) أَيْ الْأَصْلِيُّ قَوْلُهُ: (أَمْ مُسْلِمًا) لَا يُشْكِلُ ذَلِكَ بِعَدَمِ انْعِقَادِهِ بِالشَّاهِدِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ الْفَارِقَ الضَّرُورَةُ فِي الْوَلِيِّ دُونَ الشَّاهِدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلِي الْكَافِرُ الْمُسْلِمَةَ إلَخْ) . قَالَ الْقَفَّالُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ أَصْلَ الْوِلَايَةِ، يَتَعَلَّقُ بِاتِّفَاقِ الْأَدْيَانِ؛ إذْ لَا عَدَاوَةَ أَشَدُّ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ فَوَقَعَتْ التُّهْمَةُ فِي الِاخْتِيَارِ اهـ.
وَاسْتُدِلَّ عَلَى امْتِنَاعِ تَزَوُّجِ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمَةِ بِقِصَّةِ أُمِّ حَبِيبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَوْلُهُ: (وَالْكَافِرُ فِي الثَّانِيَةِ) أَيْ وَإِلَّا بَعْدَ الْكَافِرِ.
فَيَلِي وَيُمْكِنُ أَنْ يُمْنَعَ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمِلَلِ، وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً مَنْشَأُ الْعَدَاوَةِ وَسُقُوطُ النَّظَرِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْمُشِيرِ إلَى الْبِنَاءِ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ أَوْ مِلَلٌ كَمَا بَنَاهُ الْمُتَوَلِّي تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ مِنْ عُمُومِ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يَلِي مُرْتَدَّةً وَلَا غَيْرَهَا
(وَإِحْرَامُ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ) مِنْ وَلِيٍّ، وَلَوْ كَانَ السُّلْطَانُ، أَوْ زَوْجٍ أَوْ وَكِيلٍ عَنْ أَحَدِهِمَا، (أَوْ الزَّوْجِيَّةِ) بِالْحَجِّ أَوْ بِالْعُمْرَةِ أَوْ بِهِمَا، (يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ»
(وَلَا تُنْقَلُ الْوِلَايَةُ) إلَى الْأَبْعَدِ (فِي الْأَصَحِّ) لِبَقَاءِ الرُّشْدِ وَالنَّظَرِ (فَيُزَوِّجُ السُّلْطَانُ عِنْدَ إحْرَامِ الْوَلِيِّ لَا الْأَبْعَدُ) وَقِيلَ يُزَوِّجُ الْأَبْعَدُ بِنَاءً عَلَى انْتِقَالِ الْوِلَايَةِ إلَيْهِ (قُلْت) أَخْذًا مِنْ الرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ (وَلَوْ أَحْرَمَ الْوَلِيُّ أَوْ الزَّوْجُ) بَعْدَ التَّوْكِيلِ (فَعَقَدَ وَكِيلُهُ الْحَلَالُ لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ سَفِيرٌ مَحْضٌ فَكَأَنَّ الْعَاقِدَ الْمُوَكِّلُ عَلَى أَنَّهُ قِيلَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِإِحْرَامِ الْمُوَكِّلِ، وَالْأَصَحُّ لَا فَيُزَوِّجُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ، وَلَوْ أَحْرَمَ السُّلْطَانُ أَوْ الْقَاضِي جَازَ لِخُلَفَائِهِ أَنْ يَعْقِدُوا الْأَنْكِحَةَ، كَمَا ذَكَرَهُ الْخَفَّافُ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ بِالْوِلَايَةِ لَا بِالْوَكَالَةِ (وَلَوْ غَابَ الْأَقْرَبُ إلَى مَرْحَلَتَيْنِ زَوَّجَ السُّلْطَانُ) نِيَابَةً عَنْهُ لِبَقَائِهِ عَلَى الْوِلَايَةِ، وَلَا يُسْتَأْذَنُ لِطُولِ مَسَافَتِهِ، (وَدُونَهُمَا لَا يُزَوِّجُ إلَّا بِإِذْنِهِ فِي الْأَصَحِّ) لِقِصَرِ مَسَافَتِهِ، وَالثَّانِي يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ وَلَا يَنْتَظِرُ إذْنَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَفُوتُ الْكُفْءُ الرَّاغِبُ بِالتَّأْخِيرِ فَتَتَضَرَّرُ بِهِ، وَلَوْ ادَّعَتْ غِيبَةَ وَلِيَّهَا، وَأَنَّهَا خَلِيَّةٌ عَنْ النِّكَاحِ وَالْعِدَّةِ، فَهَلْ يُعَوِّلُ الْحَاكِمُ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ، وَيُزَوِّجُهَا أَمْ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ خَبِيرَيْنِ بِهِ احْتِيَاطًا لِلْأَبْضَاعِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ فَإِنَّ الْعُقُودَ يُرْجَعُ فِيهَا إلَى قَوْلِ أَرْبَابِهَا
[حاشية قليوبي]
فَالْحَاكِمُ وَلَوْ قَاضِيَ ضَرُورَةٍ يُزَوِّجُ فِيهِمَا بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَاكِمِ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى مَحَلِّ الزَّوْجَةِ، وَيُزَوِّجُ حَاكِمُ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ، وَحَاكِمُ الْكُفَّارِ لَهُمْ.
قَوْلُهُ: (يَلْحَقُ بِالْإِرْثِ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْمُعَاهَدَ وَالْمُؤَمَّنَ كَالذِّمِّيِّ وَلِأَنَّهُ لَا يَلِي الْحَرْبِيَّ غَيْرُهُ وَعَكْسُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (أَيْ فَيَلِي) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرْتَدُّ لَا يَلِي) أَيْ لَا يَمْلِكُ لَا بِوِلَايَةٍ وَلَا بِوَكَالَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِحْرَامُ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ) مِنْ زَوْجٍ أَوْ وَلِيٍّ وَلَوْ عَامًّا أَوْ وَكِيلٍ عَنْ أَحَدِهِمَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ عَقْدِهِ حَالَةَ إحْرَامِهِ وَكَذَا إذْنُهُ لِعَبْدِهِ أَوْ وَلِيِّهِ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ، وَلَوْ بِإِذْنِهِ لَهُ كَذَلِكَ نَعَمْ يَصِحُّ أَنْ يُزَوِّجَ الْوَلِيُّ الْحَلَالُ أَمَةَ مُوَلِّيهِ الْحَرَامِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ وَكِيلٍ عَنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ وَهُمَا حَلَالَانِ فَهُوَ عَكْسُ مَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ) بِكَسْرِ الْكَافِ فِيهِمَا وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مِنْ أَحَدِهِمَا وَضَمِّهَا مِنْ الْآخَرِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ التَّوْكِيلِ) لَيْسَ قَيْدًا بَلْ تَوْكِيلُهُ حَالَةَ إحْرَامِهِ كَذَلِكَ، وَسَوَاءٌ فِيهِمَا قَيَّدَ التَّوْكِيلَ بِالْعَقْدِ حَالَةَ الْإِحْرَامِ أَوْ أَطْلَقَ بَلْ يَبْطُلُ التَّوْكِيلُ فِي الْأَوَّلِ بِخِلَافِهِ فِي الثَّانِي، فَلَهُ أَنْ يَعْقِدَ لَهُ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ لِحَمْلِ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ لِيَعْقِدَ لَهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ، وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ مَا لَوْ وَكَّلَ حَلَالٌ مُحْرِمًا فِي أَنْ يُوَكِّلَ حَلَالًا لِيَعْقِدَ لَهُ، وَلَمْ يَقُلْ عَنْ نَفْسِك وَلَا عَنَّا فِيمَا يَظْهَرُ فَيَصِحُّ مُطْلَقًا فَإِنْ قَالَ عَنْ نَفْسِك، أَوْ عَنَّا لَمْ يَصِحَّ كَمَا مَرَّ.
وَبِهَذَا يُجْمَعُ التَّنَاقُضُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ) أَيْ إنْ عُلِمَ أَنَّهُ وَقَعَ حَالَةَ الْإِحْرَامِ وَإِلَّا فَهُوَ صَحِيحٌ لِإِلْغَاءِ الشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَحْرَمَ السُّلْطَانُ أَوْ الْقَاضِي إلَخْ) لَيْسَ وَارِدًا عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ بِالْوَكَالَةِ عَنْ الْمُحْرِمِ مِنْهُمَا فَلِذَلِكَ لَمْ يَضُرَّ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ غَابَ) هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا مَوْضِعَانِ أَيْ مِنْ الْخَمْسَةِ الَّتِي يُزَوِّجُ بِهَا السُّلْطَانُ أَيْضًا بَعْدَ الْمَوْضِعَيْنِ السَّابِقَيْنِ وَسَيَأْتِي الْخَامِسُ وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مَعَ زِيَادَةٍ بِقَوْلِهِ:
وَتُزَوِّجُ الْحُكَّامُ فِي صُوَرٍ أَتَتْ ... مَنْظُومَةً تَحْكِي عُقُودَ جَوَاهِرِ
عَدَمُ الْوَلِيِّ وَفَقْدُهُ وَنِكَاحُهُ ... وَكَذَاك غَيْبَتُهُ مَسَافَةَ قَاصِرِ
وَكَذَاك إغْمَاءٌ وَحَبْسٌ مَانِعٌ ... أَمَةً لِمَحْجُورٍ تَوَارِي الْقَادِرِ
إحْرَامُهُ وَتَعَزُّزٌ مَعَ عَضْلِهِ ... إسْلَامُ أُمِّ الْفَرْعِ وَهْيَ لِكَافِرِ
انْتَهَى فَانْظُرْهُ وَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (إلَى مَرْحَلَتَيْنِ) أَيْ بَيْنَ الْوَلِيِّ مُوَلِّيَتِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ لِلسُّلْطَانِ أَوْ الْقَاضِي مَسَافَةٌ مَعَهُمَا وَلَا مَعَ أَحَدِهِمَا.
قَوْلُهُ: (زَوَّجَ السُّلْطَانُ) بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْقَاضِي كَمَا عُلِمَ نَعَمْ إنْ كَانَ لِلْغَائِبِ وَكِيلٌ حَاضِرٌ قُدِّمَ عَلَى السُّلْطَانِ.
قَوْلُهُ: (لِقَصْرِ مَسَافَتِهِ) نَعَمْ لَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ لِنَحْوِ حَبْسٍ، وَلَوْ فِي حَبْسِ السُّلْطَانِ زَوَّجَ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ بِلَا إذْنٍ مِنْهُ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ ادَّعَتْ إلَخْ) هُوَ
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ إلَخْ) رَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -
وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَدَّمَ إمَامُنَا الْأَوَّلَ لِأُمُورٍ مِنْهَا قَوْلُ أَبِي رَافِعٍ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَأَنَا كُنْت الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَيْضًا فَابْنُ عَبَّاسٍ، كَانَ يَرَى أَنَّ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ صَارَ مُحْرِمًا وَلَعَلَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَهَا بَعْدَ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ فَكَانَتْ رِوَايَتُهُ عَلَى وَفْقِ مَذْهَبِهِ، وَأَيْضًا فَدَلِيلُنَا مُحْرِمٌ وَقَوْلٌ، وَذَاكَ مُحَلِّلٌ وَفَعَلَ، وَعِنْدَ التَّعَارُضِ يُصَارُ إلَى تَرْجِيحِ الْمُحْرِمِ وَالْقَوْلِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ الْمَتْنُ عِوَضَ الزَّوْجَةِ أَوْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ الصَّبِيُّ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ الْحَلَالِ فَعَقَدَ عَلَيْهِ جَبْرًا لَمْ يَصِحَّ، وَكَذَا يُقَالُ فِي السَّيِّدِ مَعَ عَبْدِهِ، ثُمَّ إنَّهُ كَمَا لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ لَا يَصِحُّ إذْنُهُ لِعَبْدِهِ الْحَلَالِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَمْ يَصِحَّ) أَيْ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَقَدَ الْوَكِيلُ فِي حَالِ صَلَاةِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَمْنَعُ حَتَّى لَوْ عَقَدَ فِيهَا نَاسِيًا صَحَّ.
قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ غَابَ الْأَقْرَبُ إلَخْ) . لَوْ زَوَّجَ السُّلْطَانُ عَلَى ظَنِّ الْغَيْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ ثُمَّ تَبَيَّنَ قُرْبُ مَكَانَهُ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ.
(وَلِلْمُجْبِرِ التَّوْكِيلُ فِي التَّزْوِيجِ بِغَيْرِ إذْنِهَا) كَمَا يُزَوِّجُهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا، (وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي جَوَازِ التَّوْكِيلِ، (تَعْيِينُ الزَّوْجِ فِي الْأَظْهَرِ) وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِاخْتِلَافِ الْأَزْوَاجِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لِلْوَكِيلِ شَفَقَةٌ دَاعِيَةٌ إلَى حُسْنِ الِاخْتِيَارِ، وَدُفِعَ هَذَا بِأَنَّ شَفَقَةَ الْوَلِيِّ تَدْعُوهُ إلَى أَنْ لَا يُوَكِّلَ إلَّا مَنْ يَثِقُ بِحُسْنِ نَظَرِهِ وَاخْتِيَارِهِ، (وَيَحْتَاطُ الْوَكِيلُ) حَيْثُ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الزَّوْجُ، (فَلَا يُزَوِّجُ غَيْرَ كُفْءٍ) فَإِنْ زَوَّجَ بِهِ لَمْ يَصِحَّ (وَغَيْرُ الْمُجْبِرِ) ، بِأَنْ كَانَ غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ مُطْلَقًا، وَأَحَدُهُمَا فِي الثَّيِّبِ (إنْ قَالَتْ لَهُ وَكِّلْ وَكَّلَ وَإِنْ نَهَتْهُ) عَنْ التَّوْكِيلِ (فَلَا) يُوَكِّلُ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُزَوَّجُ بِالْإِذْنِ، وَلَمْ تَأْذَنْ فِي تَزْوِيجِ الْوَكِيلِ بَلْ نَهَتْ عَنْهُ، (وَإِنْ قَالَتْ زَوِّجْنِي) وَسَكَتَتْ عَنْ التَّوْكِيلِ (فَلَهُ التَّوْكِيلُ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ بِالْوِلَايَةِ، فَيَتَمَكَّنُ مِنْ التَّوْكِيلِ بِغَيْرِ إذْنٍ كَالْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ، وَالثَّانِي لَا؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِالْإِذْنِ فَلَا يُوَكِّلُ إلَّا بِإِذْنٍ كَالْوَكِيلِ (وَلَوْ وَكَّلَ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاحِ لَمْ يَصِحَّ) تَوْكِيلُهُ (عَلَى الصَّحِيحِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّزْوِيجَ بِنَفْسِهِ حِينَئِذٍ، فَكَيْفَ يُوَكِّلُ غَيْرَهُ فِيهِ، وَالثَّانِي يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا بِشَرْطِ الْإِذْنِ، فَلَهُ تَفْوِيضُ مَالِهِ إلَى غَيْرِهِ، وَلَا يُزَوِّجُ الْوَكِيلُ حَتَّى تَأْذَنَ هِيَ لِلْوَلِيِّ، وَلَا يَكْفِي إذْنُهَا لِلْوَكِيلِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَكْفِي وَلَوْ قَالَتْ وَكِّلْ بِتَزْوِيجِي، وَاقْتَصَرَتْ عَلَيْهِ فَلَهُ التَّوْكِيلُ وَكَذَا التَّزْوِيجُ بِنَفْسِهِ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ مَنْعُهُ مِمَّا لَهُ التَّوْكِيلُ فِيهِ، فَإِنْ نَهَتْهُ عَنْ التَّزْوِيجِ بِنَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ الْإِذْنُ؛ لِأَنَّهَا مَنَعَتْ الْوَلِيَّ وَرَدَّتْ التَّزْوِيجَ إلَى الْوَكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ فَأَشْبَهَ التَّفْوِيضَ إلَيْهِ ابْتِدَاءً.
(وَلْيَقُلْ وَكِيلُ الْوَلِيِّ) لِلزَّوْجِ (زَوَّجْتُك بِنْتَ فُلَانٍ) فَيَقْبَلُ (وَلْيَقُلْ الْوَلِيُّ لِوَكِيلِ الزَّوْجِ زَوَّجْت بِنْتِي فُلَانًا فَيَقُولُ وَكِيلُهُ قَبِلْت نِكَاحَهَا لَهُ) فَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ وَنَوَاهُ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ الْمُشْتَرَطَ حُضُورُهُمْ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ لَا اطِّلَاعَ لَهُمْ عَلَى النِّيَّةِ
، (وَيَلْزَمُ الْمُجْبِرُ)
[حاشية قليوبي]
تَعْمِيمٌ فِي الْغَيْبَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الشَّامِلَةِ لِمَا لَوْ كَانَتْ بِدَعْوَاهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّهَا خَلِيَّةٌ إلَخْ) أَيْ وَلَمْ تُعَيِّنْ زَوْجًا وَإِلَّا فَلَا بُدَّ فِي صِحَّةِ عَقْدِ الْحَاكِمِ لَهَا مِنْ إثْبَاتِ طَلَاقِهِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْحَاكِمِ.
قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ) وَهُوَ الْعَمَلُ بِقَوْلِهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيُنْدَبُ تَحْلِيفُهَا عَلَى مَا ادَّعَتْهُ وَعَلَى أَنَّهَا لَمْ تَأْذَنْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجَهَا فِي غَيْبَتِهِ إنْ تَوَقَّفَ عَلَى إذْنِهِ وَعَلَى أَنَّهُ لَمْ يُزَوِّجْهَا فِي الْغَيْبَةِ، وَلِلْحَاكِمِ تَأْخِيرُ عَقْدِهِ لِيَظْهَرَ لَهُ الْأَمْرُ حَيْثُ رَآهُ مَصْلَحَةً لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ، وَلَوْ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ لِظَنِّ بُعْدِهِ فَبَانَ قَرِيبًا أَوْ عَكْسُهُ اُعْتُبِرَ الْوَاقِعُ فَيَبْطُلُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (وَلِلْمُجْبِرِ) وَهُوَ الْأَبُ وَإِنْ عَلَا فِي الْبِكْرِ وَلَوْ حُكْمًا وَالْمَجْنُونَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ إذْنِهَا) بَلْ وَإِنْ نَهَتْهُ عَنْهُ، وَيَنْعَزِلُ وَكِيلُهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا بِزَوَالِ بَكَارَتِهَا لِزَوَالِ الْإِجْبَارِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ إلَخْ) وَقِيَاسًا عَلَى تَوْكِيلِ الزَّوْجِ الْمُشْتَرَطِ فِيهِ تَعْيِينُ الزَّوْجَةِ لِلْوَكِيلِ كَفُلَانَةَ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْوَكِيلَ فِيهَا مُقَيَّدٌ بِالْكُفْءِ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ الزَّوْجِ، نَعَمْ يَكْفِي تَعْمِيمُ الزَّوْجِ لِلْوَكِيلِ كَزَوِّجْنِي مَنْ شِئْت بِخِلَافِ زَوِّجْنِي امْرَأَةً.
قَوْلُهُ: (الِاخْتِبَارُ) هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَذَا اخْتِبَارُهُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ شَفَقَةَ الْوَلِيِّ إلَخْ) أَيْ فَدَعْوَى الثَّانِي عَدَمُ شَفَقَةِ الْوَلِيِّ مَمْنُوعَةٌ أَوْ أَنَّهَا نَادِرَةٌ بِجَعْلِ قَدْ لِلتَّقْلِيلِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُزَوِّجُ غَيْرَ كُفْءٍ) وَلَا كُفُؤًا مَعَ طَلَبِ أَكْفَأَ مِنْهُ وَيُقَدَّمُ فِي الْمُسْتَوِينَ الْمُوسِرُ مِنْهُمْ، وَمَتَى خَالَفَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ بِخِلَافِ قِلَّةِ الْمَهْرِ، وَكَثْرَتِهِ فَمُخَالَفَتُهُ لَا تُبْطِلُ الْعَقْدَ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ إنْ كَانَ الْمُسَمَّى دُونَهُ وَالْأَصَحُّ بِالْمُسَمَّى.
قَوْلُهُ: (كَالْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ) هُوَ مَرْجُوحٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُمَا كَالْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ تَصَرَّفَهُمَا بِالتَّوْكِيلِ لَا بِالْوِلَايَةِ بِخِلَافِ وَكِيلِ الْوَلِيِّ لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ هُنَا جَوَازُ التَّوْكِيلِ مِنْهُمَا، وَلَوْ عَيَّنَتْ لِلْوَلِيِّ زَوْجًا وَجَبَ تَعْيِينُهُ لِلْوَكِيلِ، وَإِلَّا فَسَدَ التَّوْكِيلُ وَالْعَقْدُ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ اسْتِئْذَانِهَا) الْأَوْلَى إذْنُهَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ) نَعَمْ يَصِحُّ مِنْ الْحَاكِمِ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُزَوِّجُهَا قَبْلَ إذْنِهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْلَافٌ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ إلَخْ) فَهُوَ فِي غَيْرِ الْمُجْبِرِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُزَوِّجُ الْوَكِيلُ) أَيْ عَلَى الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَكْفِي) أَيْ عَلَى الثَّانِي أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ) هُوَ مَرْجُوحٌ عَلَى الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَصَحِّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ الْإِذْنُ) نَعَمْ إنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْعَهَا لَهُ لِنَحْوِ شَفَقَةٍ عَلَيْهِ، فَهُوَ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فَيَصِحُّ.
تَنْبِيهٌ: مِنْ التَّوْكِيلِ لَفْظُ الْإِذْنِ مِنْهَا، وَلَوْ مُعَلَّقًا كَأَذِنْتُ لَك فِي تَزْوِيجِي، أَوْ إذَا طَلَّقَنِي زَوْجِي وَانْقَضَتْ عِدَّتِي فَزَوِّجْنِي وَلَا يَصِحُّ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الْوَلِيِّ لِلْوَكِيلِ.
قَوْلُهُ: (بِنْتَ فُلَانٍ) وَإِنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ مُوَكِّلِي نَعَمْ إنْ لَمْ يَعْلَمْ الزَّوْجُ أَوْ الشُّهُودُ بِالْوَكَالَةِ وَجَبَ ذِكْرُهَا أَوْ إعْلَامُهُمْ بِهَا.
قَوْلُهُ: (فُلَانًا) وَإِنْ لَمْ يَقُلْ مُوَكِّلُك نَعَمْ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ نَسَبَ الزَّوْجِ وَجَبَ إنْشَادُهُ، وَتَثْبُتُ الْوَكَالَةُ بِقَوْلِ مُدَّعِيهَا حَيْثُ اعْتَقَدَ الشُّهُودُ وَالزَّوْجُ أَوْ الْوَلِيُّ صِدْقَهُ، وَلْيَقُلْ وَكِيلُ الْوَلِيِّ لِوَكِيلِ الزَّوْجِ زَوَّجْت بِنْتَ فُلَانٍ فُلَانًا.
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِغَيْرِ إذْنِهَا) وَقِيلَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِهَا فَيُمْنَعُ فِي الصَّغِيرَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُسْتَحَبُّ لِلْوَكِيلِ اسْتِئْذَانُهَا خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (تَعْيِينُ الزَّوْجِ فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّعْيِينَ فَيَمْلِكُ الْإِطْلَاقَ كَالْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ قَوْلُهُ: (لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ إلَخْ) . قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَضِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الْأَبَ لَوْ وَكَّلَ الْجَدَّ صَحَّ قَطْعًا وَيَجِبُ أَيْضًا اخْتِصَاصُ الْخِلَافِ بِمَا إذَا لَمْ تُصَرِّحْ الْمَرْأَةُ بِإِسْقَاطِ الْكَفَاءَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ وَكَّلَ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهَا إلَخْ) . لَوْ كَانَ الْوَلِيُّ الْحَاكِمَ فَأَمَرَ رَجُلًا بِتَزْوِيجِهَا قَبْلَ الِاسْتِئْذَانِ فَنَقْلًا عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيّ، أَنَّهُ يَصِحُّ إنْ قُلْنَا: الِاسْتِنَابَةُ مِنْهُ فِي شُغْلٍ مُعَيَّنٍ اسْتِخْلَافٌ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (زَوَّجْت بِنْتِي فُلَانًا إلَخْ) لَوْ قَالَ: زَوَّجْت بِنْتِي مِنْك لِلْمُخَاطَبِ الَّذِي وَكَّلَك لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا إلَّا فِي وَجْهٍ حَكَاهُ صَاحِبُ
أَيْ الْأَبُ أَوْ الْجَدُّ، (تَزْوِيجُ مَجْنُونَةٍ بَالِغَةٍ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ (وَمَجْنُونٍ ظَهَرَتْ حَاجَته) هُوَ مُرَادُ الْمُحَرَّرِ بِقَوْلِهِ عِنْدَ ظُهُورِ الْحَاجَةِ، وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا يَلْزَمُهُ تَزْوِيجُ الْمَجْنُونَةِ وَالْمَجْنُونِ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِظُهُورِ أَمَارَاتِ التَّوَقَانِ أَوْ بِتَوَقُّعٍ لِشِفَاءٍ عِنْدَ إشَارَةِ الْأَطِبَّاءِ، أَيْ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْهُمْ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَطْلَبِ فَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْمِنْهَاجِ اكْتَفَى فِي الْمَجْنُونَةِ بِالْبُلُوغِ عَنْ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّتُهَا وَاقْتَصَرَ فِي الْمَجْنُونِ عَلَى الْحَاجَةِ الظَّاهِرَةِ لِاسْتِلْزَامِهَا لِلْبُلُوغِ بِخِلَافِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الْأَطِبَّاءُ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ بَالِغَةٌ مُحْتَاجَةٌ، وَبَالِغٌ ظَاهِرُ الْحَاجَةِ وَالْحِكْمَةُ فِي الْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّ تَزْوِيجَهَا يُفِيدُهَا الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ وَتَزْوِيجُهُ يُغْرِمُهُ إيَّاهُمَا، (لَا صَغِيرَةٍ وَصَغِيرٍ) عَاقِلَيْنِ لِعَدَمِ حَاجَتِهِمَا إلَيْهِ فِي الْحَالِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الْمَجْنُونَيْنِ
(وَيَلْزَمُ الْمُجْبِرَ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ وَنَوَاهُ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ) أَيْ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ فَلَوْ اقْتَصَرَ الْوَلِيُّ عَلَى زَوَّجْتُك بِنْتِي وَاقْتَصَرَ الْوَكِيلُ عَلَى قَبِلْت نِكَاحَهَا وَقَعَ الْعَقْدُ لِلْوَكِيلِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالنِّيَّةِ لِغَيْرِهِ، وَهَذِهِ غَيْرُ النِّيَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَ الِاكْتِفَاءُ بِهَا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُمَا الْمُرَادُ بِالْمُجْبِرِ هُنَا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إجْبَارٌ حَقِيقَةً كَمَا فِي الثَّيِّبِ الْبَالِغَةِ وَمِثْلُهُمَا الْقَاضِي هُنَا.
قَوْلُهُ: (هُوَ مُرَادُ الْمُحَرَّرِ) أَيْ بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا يُفْهَمُ مِنْهَا شَيْءٌ غَيْرُ مَا يُفْهَمُ مِنْ الْأُخْرَى فَلَوْ قَالَ: وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ كَذَا، وَالْمُرَادُ مِنْهَا كَذَا لَكَانَ أَوْلَى كَمَا سَتَعْرِفُهُ، مِمَّا يَأْتِي وَالْمُرَادُ الْمُطْبِقُ جُنُونُهُمَا وَإِلَّا لَمْ يُزَوَّجَا حَتَّى يُفِيقَا وَيَأْذَنَا فِي غَيْرِ الْبِكْرِيِّ وَبِعَوْدِ جُنُونِهِمَا يَبْطُلُ الْإِذْنُ وَفَارَقَا الْمُحْرِمَ بِبَقَاءِ الْأَهْلِيَّةِ فِيهِ دُونَهُمَا.
قَوْلُهُ: (عَنْ الْحَاجَةِ) رَاجِعٌ لَهُمَا مَعًا وَلَمْ تُقَيَّدْ الْحَاجَةُ فِيهِمَا بِالظُّهُورِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَاكْتَفَى بِالْحَاجَةِ عَنْ الْبُلُوغِ لِلُزُومِهِ لَهُمَا، كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ فَقَوْلُهُ بِظُهُورِ أَمَارَاتِ التَّوَقَانِ إلَخْ بَيَانٌ لِوُجُودِ الْحَاجَةِ لَا لِظُهُورِهَا فِيهِمَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ الِاحْتِيَاجُ لِلْخِدْمَةِ فِيهِمَا وَقَيَّدَهُ فِي الْمَنْهَجِ فِي الذَّكَرِ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي مَحَارِمِهِ مَنْ يَقُومُ بِهَا، وَمُؤْنَةُ النِّكَاحِ أَخَفُّ مِنْ شِرَاءِ أَمَةٍ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الدَّمِيرِيِّ وَغَيْرُهُ وَاحْتِيَاجُ الْأُنْثَى لِلْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عَدْلَيْنِ) قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَلَوْ فِي الرِّوَايَةِ وَفِي الْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ عَدْلَيْ شَهَادَةٍ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا الِاكْتِفَاءُ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: (لِاسْتِلْزَامِهَا) هُوَ عِلَّةٌ لِلْحَاجَةِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِظُهُورِهَا فَتَأَمَّلْ، وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَوْعٌ مِنْ الْبَدِيعِ يُسَمَّى الِاحْتِبَاكَ، وَهُوَ إسْقَاطُ شَيْءٍ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ اسْتِغْنَاءٌ بِذِكْرِهِ فِي الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا إلَخْ) إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ مَا مَرَّ مِنْ تَوَقُّعِ الشِّفَاءِ فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَالْحِكْمَةُ إلَخْ) مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَرَّرَهُ فِي كَلَامِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَيَلْزَمُ الْمُجْبِرَ وَغَيْرَهُ) فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعُ وَسَيَأْتِي مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ الْإِجَابَةُ) فَإِنْ امْتَنَعَ فَعَاضِلٌ وَيُزَوِّجُ مَنْ يُسَاوِيهِ لَا الْحَاكِمُ إلَّا إذَا عَضَلُوا كُلُّهُمْ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا اجْتَمَعَ أَوْلِيَاءُ) أَيْ الْخَوَاصُّ مِنْ النَّسَبِ أَمَّا لَوْ أَذِنَتْ لِجَمَاعَةٍ مِنْ قُضَاةِ بَلَدِهَا، فَلِكُلٍّ الِانْفِرَادُ بِالْعَقْدِ بِلَا إقْرَاعٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَأَمَّا الْمُعْتِقُونَ فَلَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْعَقْدِ، وَلَوْ بِإِذْنِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَأَمَّا عَصَبَتُهُمْ فَعَصَبَةُ كُلِّ وَاحِدٍ تَقُومُ مَقَامَهُ كَذَا قَالُوهُ، وَفِيهِ اقْتِضَاءٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِ جَمِيعِ الْعَصَبَةِ الْمُتَعَدِّدِينَ سَوَاءٌ كَانُوا لِكُلِّ مُعْتِقٍ أَوْ لِبَعْضِهِمْ وَلَوْ كُلُّ وَاحِدٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ اعْتِبَارُ مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ إذْ ذَاكَ، مِنْهُمْ كَأَوْلِيَاءِ النَّسَبِ، وَأَنَّهُمْ إذَا تَعَدَّدَتْ عَصَبَاتُهُمْ أَوْ عَصَبَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَاتَّحَدَتْ دَرَجَتُهُمْ يُعْتَبَرُ إذْنُ كُلِّهِمْ كَأَوْلِيَاءِ النَّسَبِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (كَإِخْوَةٍ) أَيْ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ كَأَشِقَّاءَ فَقَطْ أَوْ لِأَبٍ فَقَطْ، وَكَذَا الْأَعْمَامُ وَغَيْرُهُمْ.
قَوْلُهُ: (فَسَأَلْت بَعْضَهُمْ) أَيْ مُعَيَّنًا مُفْرَدًا فَإِنْ تَعَدَّدَ فَفِيهِ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ) أَيْ عَيْنًا إنْ انْفَرَدَ وَكِفَايَةً إنْ تَعَدَّدَ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا اجْتَمَعَ أَوْلِيَاءُ فِي دَرَجَةٍ اُسْتُحِبَّ إلَخْ) وَالصُّورَةُ أَنَّهَا قَدْ أَذِنَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمْ كَمَا سَيَذْكُرُهُ، وَلَوْ بِقَوْلِهَا: أَذِنْت لِكُلٍّ مِنْكُمْ أَنْ يُزَوِّجَنِي أَوْ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ، فَلْيَزَوَّجْنِي، أَوْ أَذِنْت لِوَاحِدٍ مِنْكُمْ، أَوْ أَذِنْت لِأَحَدِكُمْ، أَوْ لِأَحَدِ أَوْلِيَائِي وَكَذَا أَذِنْت لَكُمْ فِي تَزْوِيجِي سَوَاءٌ عَيَّنَتْ
[حاشية عميرة]
الْبَحْرِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْأَبِ وَالْجَدِّ) أَيْ فَهُمَا الْمُرَادُ بِالْمُجْبِرِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِ الْمُوَلِّيَةِ مُجْبَرَةً.
قَوْلُهُ: (هُوَ مُرَادُ الْمُحَرَّرِ إلَخْ) لَمْ يَقُلْ هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ الْمُحَرَّرِ كَأَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ يُتَوَهَّمُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ خِلَافُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَغْمُرَ عِنْدَ ظُهُورِ الْحَاجَةِ بِمِثْلِ الظُّهُورِ الَّذِي هُوَ الْبُلُوغُ سَوَاءٌ وُجِدَتْ الْحَاجَةُ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (بِالْبُلُوغِ عَنْ الْحَاجَةِ) أَيْ عَنْ التَّصْرِيحِ بِاشْتِرَاطِهَا، وَإِلَّا فَهِيَ مُشْتَرَطَةٌ يَدُلُّك عَلَى أَنَّ هَذَا مُرَادَهُ قَوْلُهُ الْآتِي فَكَأَنَّهُ قِيلَ بَالِغَةٌ مُحْتَاجَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْحِكْمَةُ فِي الْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمَا) أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمِنْهَاجِ، وَإِلَّا فَالْمَذْهَبُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الِاكْتِفَاءِ بِمُطْلَقِ الْحَاجَةِ كَمَا سَلَفَ عَنْ الرَّوْضَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عَاقِلَيْنِ) الظَّاهِرُ أَنَّ التَّعْمِيمَ أَوْلَى وَكَأَنَّهُ فَرَّ مِنْ ذَلِكَ لِلُزُومِ التَّكْرَارِ وَإِيهَامِ الْعِبَارَةِ الْجَوَازَ فِي الْمَجْنُونِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَزِمَهُ الْإِجَابَةُ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَصِيرُ بِالِامْتِنَاعِ عَاضِلًا فَيُزَوِّجُهَا الْقَاضِي، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ إذْ كَيْفَ يُزَوِّجُ مَعَ وُجُودِ وَلِيٍّ آخَرَ، قَالَ: وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يُزَوِّجُ لَكِنْ بِإِذْنِهِمْ انْتَهَى.
قُلْت وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْتَقِلُّ إلَّا بَعْدَ امْتِنَاعِ الْجَمْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَائِدَةٌ: إلْزَامُهُ بِالْإِجَابَةِ تَرَتُّبُ الْإِثْمِ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَغَيْرُهُ إنْ تَعَيَّنَ) كَأَخٍ وَاحِدٍ أَوْ عَمٍّ وَاحِدٍ (إجَابَةُ مُلْتَمِسَةِ التَّزْوِيجِ) تَحْصِينًا لَهَا (فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَإِخْوَةٍ فَسَأَلَتْ بَعْضَهُمْ) ، أَنْ يُزَوِّجَهَا (لَزِمَهُ الْإِجَابَةُ فِي الْأَصَحِّ) كَيْ لَا يَتَوَاكَلُوا، فَلَا يُعِفُّونَهَا، وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ لِلْوِلَايَةِ.
، (وَإِذَا اجْتَمَعَ أَوْلِيَاءٌ فِي دَرَجَةٍ) كَإِخْوَةٍ أَوْ أَعْمَامٍ (اُسْتُحِبَّ أَنْ يُزَوِّجَهَا أَفْقَهَهُمْ) بِالنَّظَرِ إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِشَرَائِطِ النِّكَاحِ، (وَأَسَنَّهُمْ) بِالنَّظَرِ إلَى غَيْرِهِ لِزِيَادِ تَجْرِبَتِهِ، وَكَذَا أَوَرَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَشْفَقُ وَأَحْرَصُ عَلَى طَلَبِ الْحِفْظِ (بِرِضَاهُمْ) أَيْ بِرِضَا بَاقِيهِمْ لِتَجْتَمِعَ الْآرَاءُ، وَلَا يَتَشَوَّشَ بَعْضُهُمْ بِاسْتِئْثَارِ الْبَعْضِ، (فَإِنْ تَشَاحُّوا) بِأَنْ لَمْ يَرْضُوا بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَأَرَادَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنْ يُزَوِّجَ (أَقْرَعَ) بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، (وَقَدْ أَذِنَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمْ) أَنْ يُزَوِّجَهَا (صَحَّ) تَزْوِيجُهُ (فِي الْأَصَحِّ) ، لِلْإِذْنِ فِيهِ، وَالثَّانِي لَا لِيَكُونَ لِلْقُرْعَةِ فَائِدَةٌ وَأُجِيبَ، بِأَنَّ فَائِدَتَهَا قَطْعُ النِّزَاعِ بَيْنَهُمْ لَا نَفْيُ وِلَايَةِ الْبَعْضِ.
(وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ زَيْدًا وَالْآخَرُ عُمَرًا) وَقَدْ أَذِنَتْ لَهُمْ فِي التَّزْوِيجِ وَسَبَقَ أَحَدُ التَّزْوِيجَيْنِ، (فَإِنْ عُرِفَ السَّابِقُ) مِنْهُمَا (فَهُوَ الصَّحِيحُ) وَالْآخَرُ بَاطِلٌ (وَإِنْ وَقَعَا مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّبْقُ وَالْمَعِيَّةُ فَبَاطِلَانِ) لِتَدَافُعِهِمَا فِي الْمَعِيَّةِ الْمُحَقَّقَةِ أَوْ الْمُحْتَمَلَةِ؛ إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فِيهَا مَعَ امْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَلِتَعَذُّرِ إمْضَاءِ الْعَقْدِ فِي السَّبْقِ الْمُحْتَمَلِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ لَغَا.
(وَكَذَا لَوْ عُرِفَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ) أَيْ فَهُمَا بَاطِلَانِ (عَلَى الْمَذْهَبِ) أَمَّا الثَّانِي مِنْهُمَا فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِتَعَذُّرِ إمْضَائِهِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ، وَفِي قَوْلٍ مُخَرَّجٍ: يُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَبَعْضُهُمْ أَبَى تَخْرِيجَهُ وَقَطَعَ بِالْأَوَّلِ، (وَلَوْ سَبَقَ مُعَيَّنٌ ثُمَّ اشْتَبَهَ) بِالْآخَرِ، (وَجَبَ التَّوَقُّفُ حَتَّى يُبَيِّنَ) ، فَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَطْؤُهَا، وَلَا لِثَالِثٍ نِكَاحُهَا قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَاهَا أَوْ يَمُوتَا أَوْ يُطَلِّقَ أَحَدُهُمَا وَيَمُوتَ الْآخَرُ، وَتَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَبَعْضُهُمْ أَجْرَى هُنَا قَوْلَ الْبُطْلَانِ فِيمَا قَبْلَهُ، (فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ زَوْجٍ) عَلَيْهَا
[حاشية قليوبي]
زَوْجًا فِي ذَلِكَ، أَوْ لَا، فَإِنْ قَالَتْ: زَوِّجُونِي تَعَيَّنَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْعَقْدِ، وَلَوْ بِإِذْنِهِمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِذَا عَيَّنَتْ وَاحِدًا بَعْدَمَا تَقَدَّمَ لَا يَنْعَزِلُ غَيْرُهُ، وَلَوْ أَذِنَتْ ابْتِدَاءً لِوَاحِدٍ فَقَطْ تَعَيَّنَ دُونَ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (بِالنَّظَرِ إلَخْ) دَفَعَ بِهِ فِي هَذَا وَمَا بَعْدَهُ عَدَمُ صِحَّةِ تَفْضِيلِ الْمُضَافِ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ أَوْ عَدَمَ صِحَّةِ تَفْضِيلِ الشَّخْصِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ، فَلَوْ قَالَ: الْأَفْقَهُ لَكَانَ أَوْلَى؛ إذْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: زَيْدٌ أَفْضَلُ الْإِخْوَةِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ زَيْدٌ أَفْضَلُ إخْوَتِهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِشَرَائِطِ النِّكَاحِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِقْهِ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا فِي غَيْرِهِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا أَوْرَعُهُمْ) هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَسَنِّ بَعْدَ الْأَفْقَهِ فَلَوْ ذَكَرَهُ عَقِبَهُ لَوَافَقَ الْمُعْتَمَدَ وَتَعْبِيرُهُ، بِمَا ذَكَرَهُ جَرَى عَلَى سُنَنِ الْمُصَنِّفِ، وَلَوْ قَالَ الْأَوْرَعُ لَكَانَ أَوْلَى كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَمْ يَرْضُوا إلَخْ) لَوْ قَالَ بِأَنْ لَمْ يَرْضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بِأَنْ يُزَوِّجَ غَيْرَهُ لَكَانَ صَوَابًا عَمَّا ذَكَرَهُ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (أَقْرَعَ) أَيْ وُجُوبًا، وَكَوْنُ الْقَارِعِ الْإِمَامَ أَوْلَى، وَهَذَا إذَا اتَّحَدَ الْخَاطِبُ، وَإِلَّا تَعَيَّنَ مَنْ عَيَّنَتْهُ، وَإِلَّا عَيَّنَ الْإِمَامُ الْأَصْلَحَ، وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (فَائِدَتُهَا قَطْعُ النِّزَاعِ) فَلَا إثْمَ بِتَرْكِهَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَفِيهِ نَظَرٌ مَعَ مَا مَرَّ مِنْ وُجُوبِهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّأْكِيدُ فَرَاجِعْهُ، وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ لِلسُّلْطَانِ.
وَأَمَّا خَبَرُ فَإِنْ تَشَاحُّوا فَالسُّلْطَانُ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا عَضَلُوا كُلُّهُمْ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَذِنَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمْ) أَيْ وَاتَّفَقَ الزَّوْجَانِ فِي الْكَفَاءَةِ أَوْ أَسْقَطُوهَا وَهَذَا تَصْوِيرٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ أَذِنَتْ لِمُعَيَّنٍ مُفْرَدٍ مِنْهُمْ فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ غَيْرِهِ، وَمَا لَوْ عَيَّنَتْ اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى الْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ مَعَ فَقْدِ وَاحِدٍ مِمَّنْ عَيَّنَتْهُ كَمَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَالْآخَرُ بَاطِلٌ) أَيْ الثَّانِي، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا خِلَافًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ فِي الدُّخُولِ، إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِعَقْدِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (عُرِفَ) أَيْ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِتَصَادُقٍ.
قَوْلُهُ: (فَبَاطِلَانِ) ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا فِي الْأُولَى وَظَاهِرًا فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهِيَ لَهُ نَعَمْ إنْ وَقَعَ الْفَسْخُ مِنْ الْحَاكِمِ انْفَسَخَ بَاطِنًا أَيْضًا فَلَا تَعُودُ لَهُ، وَإِنْ عَلِمَ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فِي السَّبْقِ الْمُحْتَمَلِ) نَعَمْ إنْ رُجِيَ وَجَبَ التَّوَقُّفُ.
قَوْلُهُ: (لَوْ عُرِفَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا) أَيْ وَلَوْ لَمْ يُرْجَ زَوَالُهُ وَإِلَّا وَجَبَ أَنْ يَتَوَقَّفَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (مُخَرَّجٍ) أَيْ مِنْ سَبْقِ إحْدَى الْجُمُعَتَيْنِ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ إذَا صَحَّتْ لَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا إبْطَالٌ بِخِلَافِهِ هُنَا، كَمَا لَوْ فَسَخَهُ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ هُنَا فَسْخُهُ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ التَّوَقُّفُ) وَلَهَا رَفْعُ أَمْرِهَا لِلْحَاكِمِ لِأَجْلِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ كَمَا يَأْتِي وَلَهُ الْفَسْخُ إذَا سَأَلَتْهُ لِلضَّرُورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَطْؤُهَا) فَإِنْ وَطِئَهَا لَزِمَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَالْمُسَمَّى.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَمُوتَا) وَيُوقَفَ مِنْ تَرِكَةِ كُلِّ مَيِّتٍ مِنْهَا إرْثُ زَوْجَةٍ وَمَهْرُهَا.
تَنْبِيهٌ: يَجِبُ عَلَيْهِمَا نَفَقَتُهَا مُدَّةَ التَّوَقُّفِ بِحَسَبِ حَالِهِمَا يَسَارٌ أَوْ غَيْرُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَسْبُوقُ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَهُ إنْ كَانَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ ثُمَّ بِإِشْهَادٍ، وَهِيَ تَرْجِعُ عَلَى السَّابِقِ بِتَمَامِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ النَّفَقَةِ الْكَامِلَةِ كَذَا قَالَهُ الْكَمَالُ الدَّمِيرِيِّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْوَجْهُ وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا م ر عَدَمُ اعْتِمَادِهِ فَلْيُرَاجَعْ.
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (بِالنَّظَرِ إلَى غَيْرِهِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ الْأَوْرَعَ وَالْأَسَنَّ هَذَا مُرَادُهُ، فِيمَا يَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي إلَخْ) قَالَ الْإِمَامُ لَا أَدْرِي هَلْ قَائِلُ هَذَا يَخُصُّهُ بِقُرْعَةِ السُّلْطَانِ أَوْ يَعُمُّ.
قَالَ: وَعَلَى الْأَصَحِّ يُكْرَهُ التَّزْوِيجُ فِي قُرْعَةِ السُّلْطَانِ دُونَ غَيْرِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَالْآخَرُ بَاطِلٌ) أَيْ سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أَمْ لَا خِلَافًا لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَبَاطِلَانِ) اُسْتُشْكِلَ الْبُطْلَانُ فِي الثَّانِيَةِ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَعِيَّةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ زَوْجٍ إلَخْ) . لَيْسَ تَفْرِيعًا عَلَى الْخَامِسَةِ بَلْ الْمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ إذَا اعْتَرَفَ الزَّوْجَانِ بِأَنَّ الْحَالَ كَمَا ذُكِرَ فَإِنْ تَنَازَعَا وَزَعَمَ كُلٌّ أَنَّهُ السَّابِقُ، وَأَنَّهَا تَعْلَمُ ذَلِكَ فَفِيهِ هَذَا التَّفْصِيلُ يُعْرَفُ هَذَا بِمُرَاجَعَةِ الرَّافِعِيِّ الْكَبِيرِ.
(عِلْمَهَا بِسَبْقِهِ سُمِعَتْ دَعْوَاهُمَا بِنَاءً عَلَى الْجَدِيدِ، وَهُوَ قَبُولُ إقْرَارِهَا بِالنِّكَاحِ، فَإِنْ أَنْكَرَتْ حَلَفَتْ) قَالَ الْبَغَوِيّ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا أَيْ إنَّهَا لَا تَعْلَمُ سَبْقَ نِكَاحِهِ، وَعَنْ الْقَفَّالِ إذَا حَضَرَا مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَادَّعَيَا أَيْ مَعًا حَلَفَتْ لَهُمَا يَمِينًا وَاحِدَةً، أَيْ إنَّهَا لَا تَعْلَمُ سَبْقَ نِكَاحِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ، (وَإِنْ أَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا) بِالسَّبْقِ (ثَبَتَ نِكَاحُهُ) بِإِقْرَارِهَا (وَسَمَاعُ دَعْوَى الْآخَرِ وَتَحْلِيفُهَا لَهُ) أَنَّهَا لَا تَعْلَمُ سَبْقَ نِكَاحِهِ، (يُبْنَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ قَالَ هَذَا لِزَيْدٍ بَلْ لِعَمْرٍو، وَهَلْ يَغْرَمُ لِعَمْرٍو إنْ قُلْنَا نَعَمْ) وَهُوَ الْأَظْهَرُ (فَنَعَمْ) أَيْ تُسْمَعُ الدَّعْوَى، وَلَهُ التَّحْلِيفُ رَجَاءَ أَنْ تُقِرَّ فَيُغْرِمَهَا، وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الزَّوْجِيَّةُ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَغْرَمُ لِعَمْرٍو، فَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى هُنَا لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ لَهُ أَوْ نَكَلَتْ عَنْ الْيَمِينِ، فَحَلَفَ هُوَ فَيَكُونُ كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ عَلَى الْأَظْهَرِ، لَا تَغْرَمُ لَهُ شَيْئًا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ، وَحَيْثُ غَرِمَتْ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى شُهُودِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ إذَا رَجَعُوا بَعْدَ تَفْرِيقِ الْقَاضِي وَهُوَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَفِي قَوْلٍ نِصْفُهُ إنْ كَانَ قَبْلَ وَطْءٍ
(وَلَوْ تَوَلَّى طَرَفَيْ عَقْدٍ فِي تَزْوِيجِ بِنْتِ ابْنِهِ بِابْنِ ابْنِهِ الْآخَرِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ) لِقُوَّةِ وِلَايَتِهِ، وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ خِطَابَ الْإِنْسَانِ مَعَ نَفْسِهِ لَا يَنْتَظِمُ، وَإِنَّمَا جُوِّزَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ لِلطِّفْلِ وَمِنْهُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ
(وَلَا يُزَوِّجُ ابْنُ الْعَمِّ نَفْسَهُ بَلْ يُزَوِّجُهُ ابْنُ عَمٍّ فِي دَرَجَتِهِ) ، إنْ كَانَ (فَإِنْ فَقَدَهُ الْقَاضِي) ، وَلَا تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ إلَى الْأَبْعَدِ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (فَإِنْ ادَّعَى) أَيْ فِي غَيْرِ الْمَعِيَّةِ الْمُحَقَّقَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْهَا) وَكَذَا عَلَى وَلِيِّهَا الْمُجْبِرِ لِصِحَّةِ إقْرَارِهِ بِالنِّكَاحِ وَخَرَجَ بِذَلِكَ دَعْوَى أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، فَلَا تَصِحُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ سَوَاءٌ قَبْلَ حَلِفِهَا وَبَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (عِلْمَهَا بِسَبَقِهِ) أَوْ إنَّهَا زَوْجَتُهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْبَغَوِيّ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ الْقَفَّالِ) هُوَ مَرْجُوحٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ نَكَلَتْ وَحَلَفَ هُوَ.
قَوْلُهُ: (رَجَاءَ أَنْ تُقِرَّ) أَوْ تُنْكِرَ فَيَحْلِفَ هُوَ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فَيُغْرِمُهَا) أَيْ مَهْرَ مِثْلِهَا وَهُوَ لِلْحَيْلُولَةِ كَمَا يَأْتِي؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ الْأَوَّلُ مَثَلًا عَادَتْ زَوْجَةً لِهَذَا بَعْدَ عِدَّتِهَا لِلْأَوَّلِ، وَتَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَخَذَهُ مِنْهَا.
تَنْبِيهٌ: شَمِلَ مَا ذُكِرَ مَا لَوْ ادَّعَيَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، وَلَوْ أَقَرَّتْ لَهُمَا مَعًا أَوْ نَكَلَتْ وَحَلَفَا لَمْ تَسْقُطْ الْمُطَالَبَةُ عَنْهَا لِإِلْغَاءِ إقْرَارِهَا، وَتَعَارَضَ حَلِفُهَا وَتُؤْمَرُ بِمَا مَرَّ، وَلَوْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ ثَبَتَتْ لَهُ، وَلَوْ حَلَفَتْ لَهُمَا قَالَ شَيْخُنَا: بَقِيَ الْإِشْكَالُ فِي صُورَةِ النِّسْيَانِ، وَبَطَلَ النِّكَاحَانِ فِي غَيْرِهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهَا) أَيْ الدَّعْوَى بِعَدَمِ الْغُرْمِ فَالْمُدَّعَى بِهِ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ هُوَ النِّكَاحُ بِعَيْنِهِ، وَالْغُرْمُ أَمْرٌ مُرَتَّبٌ عَلَى ذَلِكَ، كَالنَّتِيجَةِ لَهُ فَهُوَ كَدَعْوَى الْمَالِ فِي السَّرِقَةِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهَا الْقَطْعُ وَبِذَلِكَ سَقَطَ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا إلَخْ) هُوَ بَيَانٌ لِعَدَمِ فَائِدَةِ الدَّعْوَى أَيْ أَنَّ مُقَابِلَ الْأَظْهَرِ هُنَا يَقُولُ بِعَدَمِ غُرْمِهَا إذَا أَقَرَّتْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِيَمِينِهِ الْمَرْدُودَةِ بِنَاءً عَلَى الْأَظْهَرِ أَنَّهَا كَالْإِقْرَارِ فَلَا فَائِدَةَ لِلدَّعْوَى لِعَدَمِ حُصُولِ زَوْجِيَّةٍ أَوْ غُرْمٍ فَلَا تُسْمَعُ فَقَوْلُهُ لَا تَغْرَمُ إلَخْ.
جَوَابُ لَوْ وَعَلَى الْأَظْهَرِ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّشْبِيهِ بِقَوْلِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ فَيَكُونُ تَفْرِيعًا عَلَى نُكُولِهَا وَحَلِفُهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَحَيْثُ غَرِمَتْ) وَهُوَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَظْهَرِ فِي الْإِقْرَارِ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو الْمَذْكُورِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَهُ لَكَانَ أَقْرَبَ لِلْمُرَادِ.
قَوْلُهُ: (مَهْرُ الْمِثْلِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَوَلَّى) أَيْ الْوَلِيُّ الْمُجْبِرُ كَمَا قَيَّدَ بِهِ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ إذْنَ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ الثَّيِّبِ كَذَلِكَ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْجَدُّ وَإِنْ عَلَا وَلَيْسَ دُونَهُ وَلِيٌّ أَقْرَبُ.
قَوْلُهُ: (بِابْنِ ابْنِهِ) أَيْ الَّذِي فِي حِجْرِهِ.
قَوْلُهُ: (صَحَّ) وَيَكْفِيهِ قَبِلْت نِكَاحَهَا لَهُ وَلَوْ بِغَيْرِ وَاوٍ وَخَرَجَ بِالْجَدِّ وَكِيلُهُ، وَهُوَ وَكِيلُهُ مَعَهُ وَخَرَجَ السَّيِّدُ فِي عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مَجْنُونَةٍ وَمَجْنُونٍ فَيَنْصِبُ وَاحِدًا فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وَيَتَوَلَّى هُوَ الطَّرَفَ الْآخَرَ، وَلِلْعَمِّ تَزْوِيجُ بِنْتِ أَخِيهِ بِابْنِهِ الْبَالِغِ وَلِابْنِ الْعَمِّ تَزْوِيجُ بِنْتِ عَمِّهِ بِابْنِهِ الْبَالِغِ، لِعَدَمِ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ فِيهِمَا فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا قَبِلَ لَهُ مِنْ الْحَاكِمِ فَهُوَ وَلِيُّهَا حِينَئِذٍ وَلَا يُكَلَّفُ الصَّبْرَ إلَى الْبُلُوغِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُزَوِّجُ ابْنُ الْعَمِّ) أَيْ مَثَلًا فَكُلُّ الْأَوْلِيَاءِ كَذَلِكَ أَيْ لَا يُزَوِّجُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، مُوَلِّيَتَهُ لِنَفْسِهِ بِتَوْلِيَةِ الطَّرَفَيْنِ بَلْ يُزَوِّجُهُ بِهَا نَظِيرَهُ فِي دَرَجَتِهِ، وَيَقْبَلُ هُوَ لِنَفْسِهِ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ حِينَئِذٍ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي دَرَجَتِهِ زَوَّجَهَا لَهُ الْقَاضِي، وَهَذِهِ تَمَامُ الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ الَّتِي يُزَوِّجُ فِيهَا الْحَاكِمُ وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَسَمَاعُ دَعْوَى الْآخَرِ إلَخْ) اسْتَشْكَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الْبِنَاءَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّ الدَّعْوَى عَلَى النِّكَاحِ إنَّمَا هِيَ لَعَيْنِهِ لَا لِمَا يَلْزَمُ عَنْهُ مِنْ الْغُرْمِ، فَكَيْفَ يَحْلِفُ عَلَى مَا لَمْ يَدَّعِهِ، وَالْحَلِفُ إنَّمَا يَكُونُ لِنَفْيِ الْمُدَّعَى بِهِ وَنَبَّهَ الزَّرْكَشِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا ذَكَرَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً يَنْبَغِي أَنْ تُسْمَعَ بِلَا خِلَافٍ.
قُلْت وَكَذَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ بَيِّنَةً، وَلَا حَلِفًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَدَّعِيَ ثُمَّ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ.
قَوْلُهُ: (فَيَكُونُ كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ لَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ) مُقَابِلُهُ أَنَّهَا كَالْبَيِّنَةِ وَعَلَيْهِ فَقِيلَ تُسْمَعُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَنْكَلَ وَيَحْلِفَ فَتُسَلَّمُ لَهُ، وَتُنْتَزَعَ مِنْ الْأَوَّلِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ السَّمَاعِ؛ لِأَنَّهَا كَالْبَيِّنَةِ فِي حَقِّ الْمُتَدَاعِيَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا.
وَلَوْ عَلِمْنَا بِهَا لَزِمَ بُطْلَانُ نِكَاحِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَذَا فِي التَّكْمِلَةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي تَزْوِيجِ إلَخْ) مِثْلُ ذَلِكَ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ بِعَبْدِهِ الصَّغِيرِ إنْ قُلْنَا: لَهُ إجْبَارُهُ، وَفِي الْبَحْرِ: لَوْ أَرَادَ الْقَاضِي تَزْوِيجَ الْمَجْنُونِ مَجْنُونَةً لَا نَصَّ لَهُ وَلِقِيَاسِ أَنْ لَا يَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ وَيُحْتَمَلُ الْمَذْهَبُ وَغَيْرُهُ اهـ. وَمَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا إلَّا الْقَاضِي يَجُوزُ أَنْ يَنْصِبَ شَخْصًا يُزَوِّجُهَا لِلْمَجْنُونِ الْمُحْتَاجِ وَالْقَاضِي يَقْبَلُ وَبِالْعَكْسِ.
قَوْلُهُ: (لِقُوَّةِ وِلَايَتِهِ) هَذَا التَّعْلِيلُ يُؤْخَذُ مِنْهُ اشْتِرَاطُ أَنْ يَكُونَ مُجْبِرًا، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الرِّفْعَةِ حَتَّى لَا يَجُوزَ فِي بِنْتِ ابْنِهِ الثَّيِّبِ بِالْبَالِغِ الْعَاقِلِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يُزَوِّجُ ابْنُ الْعَمِّ نَفْسَهُ) مِثْلُهُ ابْنُهُ الصَّغِيرُ.
(فَلَوْ أَرَادَ الْقَاضِي نِكَاحَ مَنْ لَا وَلِيَ لَهَا) خَاصًّا (زَوَّجَهُ) إيَّاهَا (مَنْ فَوْقَهُ مِنْ الْوُلَاةِ) ، كَالسُّلْطَانِ (أَوْ خَلِيفَتِهِ) إنْ كَانَ لَهُ خَلِيفَةٌ أَوْ مُسَاوِيهِ كَخُلَفَاءِ الْقَاضِي (وَكَمَا لَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ) . غَيْرِ الْجَدِّ كَمَا تَقَدَّمَ (لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا فِي أَحَدِهِمَا) وَيَتَوَلَّى الْآخَرَ (أَوْ وَكِيلَيْنِ فِيهِمَا) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْوَكِيلِ فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ مَنْزِلَةُ فِعْلِ الْمُوَكِّلِ بِخِلَافِ تَزْوِيجِ خَلِيفَةِ الْقَاضِي لَهُ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ بِالْوِلَايَةِ، وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ رِعَايَةُ التَّعَدُّدِ فِي صُورَةِ الْعَقْدِ وَقَدْ حَصَلَ
فَصْلٌ (زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ) الْمُنْفَرِدُ كَالْأَبِ أَوْ الْأَخِ (غَيْرَ كُفْءٍ بِرِضَاهَا أَوْ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ الْمُسْتَوِينَ) كَإِخْوَةٍ أَوْ أَعْمَامٍ غَيْرِ كُفْءٍ (بِرِضَاهَا وَرِضَا الْبَاقِينَ صَحَّ) ، التَّزْوِيجُ؛ لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ حَقُّهَا، وَحَقُّ الْأَوْلِيَاءِ، وَقَدْ رَضِيَتْ مَعَهُمْ بِتَرْكِهَا، (وَلَوْ زَوَّجَهَا الْأَقْرَبُ بِرِضَاهَا) غَيْرَ كُفْءٍ، (فَلَيْسَ
[حاشية قليوبي]
وَمَسَائِلُ خَمْسٌ تَقَرَّرَ حُكْمُهَا ... فِيهَا يُرَدُّ الْعَقْدُ لِلْحُكَّامِ فَقْدُ الْوَلِيِّ وَعَضْلُهُ وَنِكَاحُهُ ... وَكَذَاك غَيْبَتُهُ مَعَ الْإِحْرَامِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهَا مَسَائِلَ أُخَرَ تَعُودُ إلَى هَذِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَلْتُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَرَادَ الْقَاضِي إلَخْ) هَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ أَفْرَادِ مَا مَرَّ أَيْ إذَا أَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ هُوَ وَلِيٌّ لَهَا لِفَقْدِ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ فَلَا يَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ كَمَا مَرَّ.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَتْ لِابْنِ عَمِّهَا: زَوِّجْنِي مِنْ نَفْسِك جَازَ أَنْ يُزَوِّجَهَا لَهُ الْقَاضِي، وَلَوْ قَالَتْ: زَوِّجْنِي مِمَّنْ شِئْت لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ ذَلِكَ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِهِ.
فَصْلٌ فِي الْكَفَاءَةِ بِالْمَدِّ وَهِيَ لُغَةً الْمُسَاوَاةُ وَالْمُعَادَلَةُ وَاصْطِلَاحًا أَمْرٌ يُوجِبُ فَقْدُهُ عَارًا، وَاعْتِبَارُهَا فِي النِّكَاحِ لَا لِصِحَّتِهِ غَالِبًا بَلْ لِكَوْنِهَا حَقًّا لِلْوَلِيِّ وَالْمَرْأَةِ فَلَهُمَا إسْقَاطُهَا.
قَوْلُهُ: (زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ) وَمِثْلُهُ وَكِيلُهُ فَلَهُ ذَلِكَ بِالرِّضَا.
نَعَمْ لَوْ قَالَتْ: زَوِّجْنِي مِمَّنْ شِئْت جَازَ لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ دُونَ وَكِيلِهِ، قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ مَعَ الْإِذْنِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ وَإِنْ رَضِيَتْ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (بِرِضَاهَا) وَلَوْ سَفِيهَةً، وَسُكُوتُهُ كَافٍ إنْ صَرَّحَ لَهَا بِأَنَّهُ غَيْرُ كُفْءٍ أَوْ عَيَّنَهُ لَهَا أَوْ عَيَّنَتْهُ لَهُ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِإِسْقَاطِهَا لَفْظًا، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ عَقْدَ الْوَلِيِّ كَافٍ عَنْ تَصْرِيحِهِ بِإِسْقَاطِهَا نَعَمْ فِي تَعَدُّدِ الْأَوْلِيَاءِ لَا بُدَّ مِنْ تَصْرِيحِ غَيْرِ الْعَاقِدِ لَفْظًا أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِيمَنْ عَرَفَ مَعْنَى الْكَفَاءَةِ، وَاعْتِبَارِهَا فِي الْعَقْدِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ مِنْ الزَّوْجَةِ، أَوْ الْأَوْلِيَاءِ كَغَالِبِ الْعَوَامّ فَهَلْ سُكُوتُهُ عَنْهَا كَافٍ فِي إسْقَاطِهَا وَصِحَّةُ الْعَقْدِ أَوْ لَا فَرَاجِعْهُ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ إنْ وَقَعَ إذْنٌ مِنْ الزَّوْجَةِ فِي التَّزْوِيجِ، وَإِلَّا فَلَا لَكِنَّ ظَاهِرَ إفْتَاءِ وَالِدِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ بِوُجُوبِ التَّحْلِيلِ كَمَا مَرَّ، يَقْتَضِي صِحَّةَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَرِضَا الْبَاقِينَ) نَعَمْ لَوْ زَوَّجَهَا لَهُ ثَانِيًا لِنَحْوِ طَلَاقٍ بَعْدَ رِضَاهُمْ بِهِ أَوَّلًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى رِضَاهُمْ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ لِلْأَبْعَدِ اعْتِرَاضٌ) الْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ فِي التَّزْوِيجِ، وَلَوْ أَقْرَبَ كَأَخٍ صَغِيرٍ مَعَ عَمٍّ كَامِلٍ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ كُفْءٍ) أَيْ بِغَيْرِ جَبٍّ وَعُنَّةٍ وَإِلَّا فَرَضَاهَا كَافٍ وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا.
قَوْلُهُ: (رِضَا بَاقِيهِمْ) أَيْ وَلَوْ غَائِبًا مَرْحَلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: (وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي تَزْوِيجِ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ بِكْرًا) وَكَذَا غَيْرُهُمَا فِي التَّزْوِيجِ
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ خَلِيفَتُهُ) . عَلَّلَهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ حُكْمَهُ نَافِذٌ عَلَيْهِ، وَبِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَزْلَهُ بِلَا سَبَبٍ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فِيهِمَا وَلَوْ اسْتَنَابَ شَخْصًا فِي هَذَا التَّزْوِيجِ فَقَطْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي، وَيُحْتَمَلُ الْكِفَايَةُ عِنْدَ انْفِرَادِ الْقَاضِي بِالْبَلَدِ.
قَوْلُهُ: (كَخُلَفَاءِ الْقَاضِي) أَيْ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يُزَوِّجُ بَعْضًا، وَهُمْ مَسْتُورُونَ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَجُوزُ إلَخْ) لَنَا وَجْهٌ ثَالِثٌ بِالْجَوَازِ لِلْجَدِّ دُونَ غَيْرِهِ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ عَقِبَهُ تَنْبِيهٌ مُقْتَضَى تَعْلِيلِهِمْ أَنَّ الْجَدَّ لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا فِي تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ صَحَّ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ الْمَنْعُ اهـ.
وَقَوْلُهُ يَجُوزُ لِلْجَدِّ دُونَ غَيْرِهِ يَجِبُ تَفْرِيعُهُ عَلَى الْقَوْلِ، بِأَنَّ الْجَدَّ لَا يَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ كَمَا يَلُوحُ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
[فَصْلٌ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ غَيْرَ كُفْءٍ بِرِضَاهَا]
فَصْلٌ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ قَوْلُ الْمَتْنِ: (صَحَّ) يَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ تَزَوُّجِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الْقُرَشِيَّةِ مِنْ أُسَامَةَ وَتَزَوُّجِ بَنَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ وَلَا مُكَافِئَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ التَّزْوِيجُ مِنْ غَيْرِ الْكُفْءِ عَنْ الرِّضَا إلَّا لِمَصْلَحَةٍ، وَيَكْفِي فِي الرِّضَا السُّكُوتُ فِي الْبِكْرِ، وَلَوْ أَطْلَقَتْ الْإِذْنَ فَلَمْ تُعَيِّنْ رَجُلًا فَبَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ كُفْءٍ، قَالَ الْإِمَامُ صَحَّ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَكِنْ لَهَا حَقُّ الْفَسْخِ كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي رَجُلٍ ثُمَّ وَجَدَتْ بِهِ عَيْبًا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ النُّقْصَانَ إلَخْ) رُبَّمَا يُوهِمُ اخْتِصَاصَ الْخِلَافِ بِالْعَيْبِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ التَّعْمِيمُ فِي سَائِرِ خِصَالِ الْكَفَاءَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ إلَخْ) خَصَّ
لِلْأَبْعَدِ اعْتِرَاضٌ) ؛ إذْ لَا حَقَّ لَهُ الْآنَ فِي التَّزْوِيجِ (وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ) أَيْ أَحَدُ الْمُسْتَوِينَ (بِغَيْرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا دُونَ رِضَاهُمْ) أَيْ رِضَا بَاقِيهِمْ (لَمْ يَصِحَّ) التَّزْوِيجُ؛ لِأَنَّ لَهُمْ حَقًّا فِي الْكَفَاءَةِ فَاعْتُبِرَ رِضَاهُمْ بِتَرْكِهَا كَالْمَرْأَةِ (وَفِي قَوْلٍ يَصِحُّ وَلَهُمْ الْفَسْخُ) ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ يَقْتَضِي الْخِيَارَ لَا الْبُطْلَانَ كَمَا فِي عَيْبِ الْبَيْعِ، (وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي تَزْوِيجِ الْأَبِ) أَوْ ابْنِهِ (بِكْرًا صَغِيرًا أَوْ بَالِغَةً غَيْرَ كُفْءٍ بِغَيْرِ رِضَاهَا) أَيْ رِضَا الْبَالِغَةِ (فَفِي الْأَظْهَرِ) التَّزْوِيجُ (بَاطِلٌ) ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْغِبْطَةِ كَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ عَلَى خِلَافِهَا بَلْ أَوْلَى مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ يُحْتَاطُ فِيهِ (وَفِي الْآخَرِ يَصِحُّ وَلِلْبَالِغَةِ الْخِيَارُ وَلِلصَّغِيرَةِ) أَيْضًا (إذَا بَلَغَتْ وَلَوْ طَلَبَتْ مَنْ لَيْسَ الْأَوْلَى لَهَا) خَاصًّا (أَنْ يُزَوِّجَهَا السُّلْطَانُ) أَوْ الْقَاضِي (بِغَيْرِ كُفْءٍ فَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ) التَّزْوِيجُ (فِي الْأَصَحِّ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْحَظِّ وَالثَّانِي يَصِحُّ كَمَا فِي الْوَلِيِّ الْخَاصِّ
(وَخِصَالُ الْكَفَاءَةِ) ، أَيْ الصِّفَاتُ الْمُعْتَبَرَةُ فِيهَا لِيُعْتَبَرَ مِثْلُهَا فِي الزَّوْجِ خَمْسَةٌ، (سَلَامَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُثْبِتَةِ لِلْخِيَارِ) ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِهِ فَمَنْ بِهِ بَعْضُهَا كَالْجُنُونِ أَوْ الْجُذَامِ أَوْ الْبَرَصِ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِلسَّلِيمَةِ عَنْهَا؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُ صُحْبَةَ مَنْ بِهِ، ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ بِهَا عَيْبٌ أَيْضًا، فَإِنْ اخْتَلَفَ الْعَيْبَانِ، فَلَا كَفَاءَةَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ اتَّفَقَا وَمَا بِهِ أَكْثَرُ، فَكَذَلِكَ وَكَذَا إنْ تَسَاوَيَا أَوْ كَانَ مَا بِهَا أَكْثَرُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَعَافُ مِنْ غَيْرِهِ، مَا لَا يَعَافُهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ كَانَ مَجْبُوبًا، وَهِيَ رَتْقَاءُ، أَوْ قَرْنَاءُ، (وَحُرِّيَّةٌ فَالرَّقِيقُ لَيْسَ كُفُؤًا لِحُرَّةٍ) أَصْلِيَّةً كَانَتْ أَوْ عَتِيقَةً؛ لِأَنَّهَا تُعَيَّرُ بِهِ، وَتَتَضَرَّرُ بِأَنَّهُ لَا يُنْفِقُ إلَّا نَفَقَةَ الْمُعْسِرِينَ، (وَالْعَتِيقُ لَيْسَ كُفُؤًا لِحُرَّةٍ أَصْلِيَّةٍ) بِخِلَافِ الْمُعْتَقَةِ وَمَنْ مَسَّ الرِّقُّ أَحَدَ آبَائِهِ لَيْسَ كُفُؤًا لِمَنْ لَمْ يَمَسَّ أَحَدًا مِنْ آبَائِهَا أَوْ مَسَّ أَبًا أَبْعَدَ قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الرِّقُّ فِي الْأُمَّهَاتِ مُؤَثِّرًا، وَلِذَلِكَ تَعَلَّقَ بِهَا الْوَلَاءُ زَادَ فِي الرَّوْضَةِ قَوْلَهُ: الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ وَصَرَّحَ، بِهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ فَقَالَ: مَنْ وَلَدَتْهُ رَقِيقَةٌ كُفْءٌ لِمَنْ وَلَدَتْهَا عَرَبِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْأَبَ فِي النَّسَبِ (وَنَسَبٌ) كَأَنْ تَنْتَسِبَ إلَى مَنْ تَشْرُفُ بِهِ بِالنَّظَرِ إلَى مُقَابِلِهِ كَالْعَرَبِ فَإِنَّ اللَّهَ فَضَلَّهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، (فَالْعَجَمِيُّ لَيْسَ كُفْءَ عَرَبِيَّةٍ)
[حاشية قليوبي]
مُطْلَقًا بِكْرًا أَوْ لَا فَهُوَ بَاطِلٌ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَيُصَدَّقُ الْوَلِيُّ بِيَمِينِهِ إذَا ادَّعَى صِغَرَهَا وَقْتَ التَّزْوِيجِ، وَالزَّوْجُ غَيْرُ كُفْءٍ حَيْثُ أَمْكَنَ الصِّغَرُ وَقْتَهُ، وَتَبَيَّنَ بُطْلَانُ النِّكَاحِ، وَكَذَا تُصَدَّقُ هِيَ إذَا بَلَغَتْ وَادَّعَتْهُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا خَاصًّا) هُوَ قَيْدٌ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ أَمَّا مَنْ لَهَا وَلِيٌّ خَاصٌّ، وَلَكِنْ زَوَّجَ الْحَاكِمُ لِغَيْبَتِهِ أَوْ إحْرَامِهِ أَوْ عَضْلِهِ فَالتَّزْوِيجُ بَاطِلٌ قَطْعًا.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ كُفْءٍ) أَيْ بِغَيْرِ جَبٍّ وَعُنَّةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ) وَإِنْ رَضِيَتْ نَعَمْ لَوْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُكَافِئُهَا، أَوْ لَمْ يَرْغَبْ فِيهَا مَنْ يُكَافِئُهَا صَحَّ تَزْوِيجُهُ لَهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا بُدَّ مِنْ فَقْدِ حَاكِمٍ يَرَى صِحَّةَ تَزْوِيجِهَا أَيْضًا، وَإِلَّا زَوَّجَهَا وُجُوبًا فَإِنْ امْتَنَعَ فَلَهَا تَحْكِيمُ مَنْ يَرَى الصِّحَّةَ أَيْضًا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ الْأَوَّلُ وُجُوبًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ تَرْكِ الْحَظِّ) أَيْ فِي حَقِّ الْوَلِيِّ مَنْ هُوَ كَالنَّائِبِ فَلَا يَرِدُ الْجَبُّ وَالْعُنَّةُ فِيمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (الْمُعْتَبَرَةُ) أَيْ حَالَةَ الْعَقْدِ نَعَمْ الْفَاسِقُ بِالزِّنَا لَا يَعُودُ كُفُؤًا بِالتَّوْبَةِ.
قَوْلُهُ: (فِيهَا) ظَاهِرُ كَلَامِهِ عَوْدُ الضَّمِيرِ لِلْكَفَاءَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ رَاجِعٌ لِلزَّوْجَةِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الْمُقَاوَمِ وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِمَا بَعْدَهُ بَلْ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ لِقَوْلِهِ: مِثْلُهَا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (خَمْسَةٌ) أَيْ اتِّفَاقًا وَفِي السَّادِسِ وَهُوَ الْيَسَارُ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
شَرْطُ الْكَفَاءَةِ خَمْسَةٌ قَدْ حُرِّرَتْ ... يُنْبِيكَ عَنْهَا بَيْتُ شِعْرٍ مُفْرَدُ
نَسَبٌ وَدِينٌ حِرْفَةٌ حُرِّيَّةٌ ... فَقْدُ الْعُيُوبِ وَفِي الْيَسَارِ تَرَدُّدُ
وَالْحَاصِلُ فِيهَا أَنَّ كُلًّا مِنْ الدِّينِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْعِفَّةِ وَالْحِرْفَةِ وَفَقْدِ الْعُيُوبِ يُعْتَبَرُ فِي الشَّخْصِ وَآبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ، وَأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالنَّسَبَ يُعْتَبَرَانِ فِي الْآبَاءِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (فَمَنْ بِهِ) أَوْ بِأَحَدِ آبَائِهِ أَوْ أُمَّهَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَصَحِّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَيَجْرِي الْخِلَافُ) أَيْ بِتَصْحِيحِهِ فَلَيْسَ كُفُؤًا لَهَا وَالْمُعْتَبَرُ هُنَا رِضَاهَا دُونَ الْوَلِيِّ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (الْمُعْتَقَةُ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَفِي نُسْخَةٍ الْعَتِيقَةُ، وَالْمُبَعَّضُ كُفُؤٌ لِلْمُبَعَّضَةِ إنْ اسْتَوَيَا أَوْ زَادَتْ حُرِّيَّتُهُ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ الرَّافِعِيُّ) هُوَ مَرْجُوحٌ وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ رِقُّ الْأُمَّهَاتِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ:
[حاشية عميرة]
بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ بِحَالَةِ جَهْلِ الْأَبِ وَقَطَعَ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالْبُطْلَانِ، كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَتَصْرِيحِ الْمَاوَرْدِيِّ فَلْيُنْظَرْ عَلَى هَذَا أَيُّ حَالَةٍ يَثْبُتُ فِيهَا الْخِيَارُ لِلْأَوْلِيَاءِ وَلِلْمَرْأَةِ بِالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ الْخِيَارِ وَالْجَوَابُ أَنَّ صُورَتَهُ مَا لَوْ أَذِنَتْ الْبَالِغَةُ فِي مُعَيَّنٍ فَبَنَى الْوَلِيُّ الْحَالَ عَلَى ظَنِّ السَّلَامَةِ، ثُمَّ بَانَ مَعِيبًا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَجَوَابُهُ إذَا ظَنَّتْ زَيْدًا كُفُؤًا وَأَذِنَتْ فِي تَزْوِيجِهَا مِنْهُ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ غَيْرُ كُفْءٍ فَلَا خِيَارَ، وَالتَّقْصِيرُ مِنْهَا وَمِنْ الْوَلِيِّ، حَيْثُ لَمْ يَبْحَثَا، وَلَيْسَ هَذَا كَظَنِّ سَلَامَةِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ فِيهِ يُبْنَى عَلَى الْغَالِبِ، وَهُنَا لَا يُقَالُ: الْغَالِبُ كَفَاءَةُ الْخَاطِبِ.
اهـ وَهَذَا كَمَا تَرَى صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ عِنْدَ جَهْلِ الْعَيْبِ، وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الصُّورَةِ فَلَا يَصِحُّ فِيهَا النِّكَاحُ نَظَرًا لِلْمُوَلِّيَةِ، جَهِلَ الْوَلِيُّ الْحَالَ، أَوْ عَلِمَ، وَالتَّخْصِيصُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ أَخَذْته مِنْ كَلَامٍ نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ لَكِنَّ قَضِيَّةَ الْحَاشِيَةِ الْمُسَطَّرَةِ فِي رَأْسِ الصِّفَةِ الَّتِي عَلَى قَوْلِ الْمَتْنِ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا أُخْرَى، وَهِيَ مَا لَوْ أَذِنَتْ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَكَانَ الْوَلِيُّ جَاهِلًا قَوْلُهُ: (مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا بِالْكُلِّيَّةِ، أَمَّا لَوْ زَوَّجَ السُّلْطَانُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ لِغِيبَةِ الْخَاصِّ أَوْ إحْرَامِهِ وَنَحْوِهِمَا، فَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَاضِرًا، وَهُوَ فَاسِقٌ مَثَلًا، وَلَيْسَ بَعْدَهُ إلَّا السُّلْطَانُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِيهِ إلَخْ) عِبَارَةُ الزَّرْكَشِيّ: لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُمْ حَظٌّ فِي الْكَفَاءَةِ كَالْوَكِيلِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَصِحُّ كَمَا إلَخْ) قَوَّى هَذَا الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاسْتَدَلُّوا بِظَاهِرِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَهَا وَاخْتَارَهُ الْجُوَيْنِيُّ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْعَبَّادِيُّ، وَقَالَ فِي الذَّخَائِرِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَمُقَابِلُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.