كِتَابُ الصَّلَاةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القليوبي
- الكتاب
- حاشيتا قليوبي وعميرة
- المؤلف
- أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة
- الناشر
- دار الفكر - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4
- الطبعة
- بدون طبعة، 1415هـ-1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]- بأعلى الصفحة: «شرح العلامة جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين للشيخ محيي الدين النووي»- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد البرلسي عميرة (957هـ.)
جَمِيعِ الثَّوْبِ أَوْ الْبَدَنِ.
(وَجَبَ غَسْلُ كُلِّهِ) لِتَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهِ إذْ الْأَصْلُ بَقَاءُ النَّجَاسَةِ مَا بَقِيَ جُزْءٌ مِنْهُ بِلَا غُسْلٍ، وَلَوْ أَصَابَ شَيْءٌ رَطْبٌ بَعْضَ هَذَا الثَّوْبِ لَمْ نَحْكُمْ بِنَجَاسَتِهِ لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ نَجَاسَةَ مَوْضِعِ الْإِصَابَةِ، وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي مُقَدَّمِ الثَّوْبِ مَثَلًا وَجَهِلَ.
وَضْعَهَا وَجَبَ غَسْلُ مُقَدَّمِهِ فَقَطْ.
(فَلَوْ ظَنَّ) بِالِاجْتِهَادِ (طَرَفًا) مِنْهُ النَّجَسُ كَالْكُمِّ وَالْيَدِ (لَمْ يَكْفِ غَسْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلِاجْتِهَادِ، وَمُقَابِلُهُ الْمَزِيدُ فِي الْمُحَرَّرِ عَلَى الشَّرْحِ يَجْعَلُ الْوَاحِدَ بِاعْتِبَارِ أَجْزَائِهِ كَالْمُتَعَدِّدِ، وَفِي الشَّرْحِ: وَلَوْ اشْتَبَهَ مَكَانٌ مِنْ بَيْتٍ أَوْ بِسَاطٍ لَا يَتَحَرَّى فِي الْأَصَحِّ أَيْ لَمْ يُجْزِئْ التَّحَرِّي كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَوْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِأَنَّ النَّجِسَ هَذَا الْكُمُّ مَثَلًا يَقْبَلُ قَوْلَهُ فَيَكْفِي غَسْلُهُ.
(وَلَوْ غَسَلَ نِصْفَ نَجِسٍ) كَثَوْبٍ (ثُمَّ بَاقِيه فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ غَسَلَ مَعَ بَاقِيه مُجَاوِرَهُ) مِنْ الْمَغْسُولِ أَوَّلًا (طَهُرَ كُلُّهُ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ الْمُجَاوِرَ.
(فَغَيْرُ الْمُنْتَصَفِ) بِفَتْحِ الصَّادِ يَطْهُرُ وَالْمُنْتَصَفُ وَهُوَ الْمُجَاوِرُ نَجِسٌ لِمُلَاقَاتِهِ وَهُوَ رَطْبٌ لِلنَّجَسِ وَالثَّانِي لَا يَطْهُرُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُنَجِّسُ بِالْمُجَاوِرِ مُجَاوِرَهُ وَهَلُمَّ مِنْ النِّصْفَيْنِ إلَى آخِرِ الثَّوْبِ، وَإِنَّمَا يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَدُفِعَ بِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمُجَاوِرِ لَا تَتَعَدَّى إلَى مَا بَعْدَهُ كَالسَّمْنِ الْجَامِدَ يَنْجُسُ مِنْهُ مَا حَوْلَ النَّجَاسَةِ فَقَطْ.
(وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ مُلَاقٍ بَعْضَ لِبَاسِهِ نَجَاسَةً وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ) كَطَرَفِ عِمَامَتِهِ الْمُتَّصِلِ بِنَجَاسَةٍ مِنْ غَيْرِ حَرَكَةٍ أَوْ مَعَهَا.
(وَلَا قَابِضٍ طَرَفَ شَيْءٍ) كَحَبْلٍ.
(عَلَى نَجَسٍ إنْ تَحَرَّكَ) ذَلِكَ
[حاشية قليوبي]
مُسْتَقِيمٍ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْوَاحِدَ) أَيْ حَالَةَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ، وَلَوْ شَقَّهُ نِصْفَيْنِ مَثَلًا لَمْ يَجُزْ الِاجْتِهَادُ فِيهِمَا، لِاحْتِمَالِ انْقِسَامِ النَّجَاسَةِ فِيهِمَا فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ لَوْ فَصَلَ كُمَّهُ جَازَ الِاجْتِهَادُ، يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا عُلِمَ عَدَمُ انْقِسَامِهَا، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْكُمِّ فَتَأَمَّلْهُ قَوْلُهُ: (بِالِاجْتِهَادِ) وَسَيَأْتِي الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، لَوْ أَخْبَرَهُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ اشْتَبَهَ مَكَانٌ مِنْ بَيْتٍ أَوْ بِسَاطٍ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ بَعْضُ ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ، لَيْسَ قَيْدًا فَيَجِبُ غَسْلُ كُلِّهِ أَيْضًا، لَكِنْ إنْ ضَاقَ عُرْفًا إلَخْ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجُزْ التَّحَرِّي) أَيْ فَيَحْرُمُ فَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ الْجَوَازِ، لَا بِضَمِّهِ مِنْ الْإِجْزَاءِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَالْحُرْمَةُ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ، لَا مِنْ حَيْثُ ذَاته فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ غَسَلَ) أَيْ بِالصَّبِّ فِي غَيْرِ إجَابَةٍ أَمَّا بِالصَّبِّ فِيهَا فَلَا يَطْهُرُ، إلَّا بِغَسْلِ كُلِّهِ دَفْعَةً كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، لِأَنَّ مَا لَمْ يُغْسَلْ مِنْهُ، مُلَاقٍ لِلْمَاءِ الْقَلِيلِ فِي الْإِجَابَةِ مَعَ عَدَمِ الْمَشَقَّةِ، وَبِهَذَا فَارَقَ غَسْلَ الْإِنَاءِ الْمُتَنَجِّسِ.
نَعَمْ إنْ غَسَلَ النِّصْفَ الثَّانِي، مَعَ مُجَاوِرِهِ الَّذِي هُوَ الْمُنْتَصَفُ فِي الْإِجَابَةِ جَارٍ لِفَقْدِ مَا ذُكِرَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (نِصْفُ نَجِسٍ) أَيْ مُتَنَجِّسٌ كُلُّهُ يَقِينًا أَوْ بَعْضُهُ، وَاشْتُبِهَ لَكِنْ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ إذَا غُسِلَ بَعْضُهُ فِي إجَّانَةِ بِالصَّبِّ، الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْمُتَنَجِّسِ بِالشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (فَغَيْرُ الْمُنْتَصَفِ) أَيْ جَانِبَاهُ وَهُمَا غَيْرُ الْمُجَاوِرِ لَهُمَا.
قَوْلُهُ: (لَا تَتَعَدَّى إلَى مَا بَعْدَهُ) أَيْ مِنْ بَقِيَّةِ الثَّوْبِ الْمَغْسُولِ فَلَوْ وَقَعَ فِي مَائِعٍ أَوْ مَاءٍ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ أَوْ مَسَّهُ أَحَدٌ مَعَ رُطُوبَةِ تَنَجُّسِ مَا مَسَّهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (بَعْضُ لِبَاسِهِ) وَكَذَا مَحْمُولُهُ وَبَدَنُهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ) وَفَارَقَ صِحَّةَ السُّجُودِ عَلَى مَا لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ، بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُنَا الِاتِّصَالُ بِالنَّجِسِ، وَهُنَاكَ كَوْنُ السُّجُودِ عَلَى قَرَارٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا قَابِضٍ) أَيْ حَامِلٍ، وَلَوْ بِلَا قَبْضٍ كَوَضْعِهِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَلَوْ اتَّصَلَ نَحْوَ الْحَبْلِ بِطَاهِرٍ
[حاشية عميرة]
نَجَسٌ) يَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ الْجِيمِ وَكَسْرُهَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلِاجْتِهَادِ) بَلْ لَوْ فَصَلَهُ نِصْفَيْنِ امْتَنَعَ الِاجْتِهَادُ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ عَلَى مَوْضِعِ الشَّقِّ نَعَمْ إنْ كَانَ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إصَابَةَ النَّجَاسَةِ لِمَوْضِعٍ مُتَمَيِّزٍ كَالْكُمِّ ثُمَّ عَرَضَ اشْتِبَاهُهُ بِالْكُمِّ الْآخَرِ فَهُنَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ بَعْدَ فَصْلِ أَحَدِ الْكُمَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الشَّرْحُ إلَى آخِرِهِ) مَوْقِعُ هَذَا الْكَلَامِ مِمَّا قَبْلَهُ التَّعَرُّضُ لِلْبَيْتِ وَالْبِسَاطِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ مُلَاقٍ) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَوْ صَلَّى فِي مَوْضِعِ نَجَسٍ لِحَبْسٍ فِيهِ مَثَلًا وَتَعَارَضَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَتَغْطِيَةُ الْمَحِلِّ قَلَعَ ثَوْبَهُ وَصَلَّى عُرْيَانَا وَلَا إعَادَةَ عَلَى أَظْهَرْ الْقَوْلَيْنِ، وَالثَّانِي يُصَلِّي عَلَى النَّجَاسَةِ وَيُعِيدُ، انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ هُنَا لَوْ حُبِسَ فِي مَوْضِعِ نَجَسٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّي وَيَتَحَامَلُ قَدْرَ الْمُمْكِنِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ، بَلْ يَنْحَنِي إلَى السُّجُودِ إلَى الْقَدْرِ الَّذِي لَوْ زَادَ عَلَيْهِ أَصَابَ النَّجَاسَةَ ثُمَّ يُعِيدُ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، انْتَهَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بَعْضُ لِبَاسِهِ) يُفْهَمُ حُكْمُ الْبَدَنِ بِالْأَوْلَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّك بِحَرَكَتِهِ) أَيْ لِأَنَّهُ مَعْدُودٌ مِنْ لِبَاسِهِ فَصَارَ كَذَيْلِ قَمِيصِهِ الطَّوِيلِ الَّذِي لَا يَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِهِ، فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ تَنَجُّسِ الذَّيْلِ الْمَذْكُورِ، وَاسْتَشْكَلَ السُّبْكِيُّ ذَلِكَ بِصِحَّةِ السُّجُودِ عَلَيْهِ، قَالَ: وَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا قَابِضٍ طَرَفَ شَيْءٍ إلَى آخِرِهِ) مِثْلُ الْقَبْضِ الشَّدُّ فِي الْوَسَطِ أَوْ الرِّجْلِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَلَوْ كَانَ
الشَّيْءُ الْكَائِنُ عَلَى النَّجَسِ بِحَرَكَتِهِ.
(وَكَذَا إنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ) بِهَا (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِمُتَّصِلٍ بِنَجَاسَةٍ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ فَكَأَنَّهُ حَامِلٌ لَهَا، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ فِي الرَّابِعَةِ يَقُولُ لَيْسَ حَامِلًا لِلطَّرَفِ الْمُتَّصِلِ بِالنَّجَاسَةِ بِخِلَافِ طَرَفِ الْعِمَامَةِ الْمُتَّصِلِ بِهَا لِأَنَّهُ مِنْ مَلْبُوسِهِ.
(فَلَوْ جَعَلَهُ) أَيْ طَرَفَ الشَّيْءِ الْكَائِنِ عَلَى نَجَسٍ (تَحْتَ رِجْلِهِ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ أَمْ لَا لِعَدَمِ الْحَمْلِ لَهُ.
(وَلَا يَضُرُّ نَجَسٌ يُحَاذِي صَدْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى الصَّحِيحِ) لِعَدَمِ مُلَاقَاتِهِ لَهُ، وَالثَّانِي يَقُولُ الْمُحَاذِي مِنْ مَكَانِ صَلَاتِهِ فَتُعْتَبَرُ طَهَارَتُهُ.
(وَلَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ) لِانْكِسَارِهِ وَاحْتِيَاجِهِ إلَى الْوَصْلِ.
(بِنَجَسٍ) مِنْ الْعَظْمِ (لِفَقْدِ الطَّاهِرِ) الصَّالِحِ لِلْوَصْلِ (فَمَعْذُورٌ) فِي ذَلِكَ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَزْعُهُ إذَا وَجَدَ الطَّاهِرَ كَمَا فِي
[حاشية قليوبي]
مُتَّصِلٍ بِنَجِسٍ، كَأَنْ كَانَ عَلَى سَاجُورٍ كَلْبٌ، وَهُوَ مَا يُجْعَلُ فِي عُنُقِهِ، أَوْ عَلَى ظَهْرِ دَابَّةٍ بِهَا نَجَسٌ فِي مَحِلٍّ آخَرَ، أَوْ عَلَى مَحِلٍّ طَاهِرٍ مِنْ سَفِينَةٍ فِيهَا نَجَسٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْدُودًا بِهِ لَمْ يَضُرَّ مُطْلَقًا، وَإِلَّا بَطَلَتْ.
نَعَمْ.
إنْ لَمْ تَنْجَرَّ السَّفِينَةُ بِجَرِّهِ أَيْ الْحَبْلِ أَوْ الشَّخْصِ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا مَعًا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا، قُوَّةٌ تَنْجَرُّ بِهَا عُرْفًا فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ، لَمْ تَبْطُلْ، وَلَوْ حُمِلَ طَرَفُ حَبْلٍ مَرْبُوطٍ، بِوَتَدٍ مَرْبُوطٍ بِهِ حَبْلُ سَفِينَةٍ، فِيهَا نَجَسٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، فَيُتَّجَهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بَيْنَ الْحَبْلَيْنِ رَبْطٌ بَطَلَتْ وَإِلَّا فَلَا فَرَاجِعْهُ.
(فَرْعٌ) لَوْ حُبِسَ عَلَى مَحِلٍّ نَجِسٍ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ بِالْإِيمَاءِ، وَيَنْخَفِضَ فِي سُجُودِهِ إلَى حَيْثُ لَوْ زَادَ لَمَسَ النَّجِسَ، وَتَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ نَعَمْ إنْ كَانَ مَعَهُ مَا يَفْرِشُهُ عَلَى النَّجِسِ وَلَوْ سَاتِرَ عَوْرَتِهِ فَرَشَهُ عَلَيْهِ، وُجُوبًا وَصَلَّى عَارِيًّا وَلَوْ بِحَضْرَةِ مَنْ يَحْرُمُ نَظَرُهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ غَضُّ بَصَرِهِمْ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَضُرُّ إلَخْ) نَعَمْ يُكْرَه إنْ قَرُبَ مِنْهُ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُحَاذِيًا لَهُ عُرْفًا، وَمِثْلُ صَدْرِهِ ظَهْرُهُ وَبَقِيَّةُ بَدَنِهِ مِنْ سَائِرِ جِهَاتِهِ، وَلَوْ قَالَ يُحَاذِي شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ، أَوْ مَلْبُوسِهِ لَشَمِلَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ وَصَلَ) أَيْ الْمُكَلَّفُ الْمُخْتَارُ الْعَامِدُ الْعَالِمُ وَلَوْ غَيْرَ مَعْصُومٍ، خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا مَرَّ فِي التَّيَمُّمِ.
قَوْلُهُ: (وَاحْتِيَاجُهُ) بِنَحْوِ خَلَلٍ فِي الْعُضْوِ أَوْ مُبِيحِ تَيَمُّمٍ.
قَوْلُهُ: (لِفَقْدِ الطَّاهِرِ) أَيْ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ طَلَبُ الْمَاءِ مِنْهُ، فِي التَّيَمُّمِ فِي وَقْتِ إرَادَةِ الْوَصْلِ، وَلَا عِبْرَةَ بِوُجُودِهِ بَعْدَهُ، كَمَا لَا عِبْرَةَ بِوُجُودِ عَظْمِ الْآدَمِيّ وَلَوْ حَرْبِيًّا، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْوَصْلِ بِهِ مُطْلَقًا لِاحْتِرَامِهِ.
قَوْلُهُ: (الصَّالِحُ لِلْوَصْلِ) أَيْ وَلَيْسَ النَّجِسُ أَصْلُحَ مِنْهُ، وَإِلَّا كَعَظْمِ كَلْبٍ لِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، إنَّهُ أَوْفَقُ الْعِظَامِ، لِعَظْمِ الْآدَمِيِّ.
فَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّهُ يُعْذَرُ فِيهِ، وَوَافَقَهُ شَيْخُنَا كَالْخَطِيبِ وَخَالَفَهُمْ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَمَعْذُورٌ) أَيْ فَيُعْطَى حُكْمَ الطَّاهِرِ مُطْلَقًا فَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ حَامِلِهِ، وَلَا يَتَنَجَّسُ مَائِعٌ بِهِ وَلَا جَامِدٌ بِمَسِّهِ مَعَ رُطُوبَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكْتَسِ لَحْمًا أَوْ جِلْدًا كَمَا سَيَأْتِي.
وَمِثْلُ هَذَا مَا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ كَصَبِيٍّ وَمُكْرَهٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَزْعُهُ بَعْدَ كَمَالِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَزْعُهُ إذَا وَجَدَ الطَّاهِرَ) وَهُوَ
[حاشية عميرة]
طَرَفُ الْحَبْلِ مُلْقًى عَلَى سَاجُورِ كَلْبٍ أَوْ مَشْدُودٍ بِالسَّاجُورِ، وَهُوَ الْخَشَبَةُ الَّتِي تُجْعَلُ فِي عُنُقِ الْكَلْبِ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ، وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ لِأَنَّ بَيْنَ الْكَلْبِ وَطَرَفِ الْحَبْلِ وَاسِطَةً، وَلَوْ كَانَ طَرَفُ الْحَبْلِ عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ مِنْ حِمَارٍ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فَعَلَى الْخِلَافِ فِي السَّاجُورِ وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ لِأَنَّ السَّاجُورَ قَدْ يُعَدُّ مِنْ تَوَابِعِ الْحَبْلِ وَأَجْزَائِهِ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَصَحَّحَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ الْبُطْلَانَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
قُلْت فَرْضُ الْإِرْشَادِ الْمَسْأَلَةُ بِمَا لَوْ شَدَّ طَرَفَ الْحَبْلِ بِالسَّاجُورِ أَوْ الْحِمَارِ فَافْهَمْ أَنَّ الْإِلْقَاءَ بِخِلَافِهِ.
قَالَ شَارِحُهُ: وَقَوْلُ الْحَاوِي لَا سَاجُورَ كَلْبٍ أَيْ لَا حَبْلَ لَقِيَ سَاجُورَ كَلْبٍ، فَلَا تَبْطُلُ أَيَتَنَاوَلُ صُورَةَ الشَّدِّ وَالرَّاجِحُ فِيهَا الْبُطْلَانُ، وَحَمَلَهُ عَلَى مُلَاقَاتِهِ بِدُونِ شَدٍّ خِلَافَ الظَّاهِرِ، انْتَهَى.
وَهُوَ مُخَالِفٌ كَلَامَ الْإِسْنَوِيِّ: وَقَوْلُهُ: الْكَائِنُ عَلَى النَّجَسِ أَيْ فَالْمُضِرُّ تَحَرُّكُ الطَّرَفِ الْمُتَّصِلِ بِالنَّجَاسَةِ.
وَقَوْلُ الْمَتْنِ: وَكَذَا إنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ، أَيْ قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ طَرَفِ الْعِمَامَةِ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ الْحَمْلِ لَهُ) فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى عَلَى بِسَاطٍ طَرَفُهُ مُتَنَجِّسٌ أَوْ تَحْتَ الْبِسَاطِ نَجَاسَةٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (يُحَاذِي صَدْرَهُ) الْخِلَافُ جَارٍ فِيمَا يُحَاذِي شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ سَوَاءً الرُّكُوعُ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ يُوهِمُ جَرَيَانُهُ فِي الْأَعْلَى وَالْجَوَانِبِ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
نَعَمْ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْجِدَارِ النَّجِسِ أَوْ الْمُتَنَجِّسِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ إلَخْ) حُكْمُ الْوَشْمِ كَالْوَصْلِ، وَكَذَا لَوْ خَاطَ جُرْحَهُ بِخَيْطٍ نَجِسٍ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ وَصَلَ جَوْفَهُ مُحَرَّمٌ نَجِسٌ أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ مُكْرَهًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَايَاهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَضِيَّةُ مَا فِي التَّتِمَّةِ إلَخْ) فَإِنْ قُلْت يَلْزَمُ إذًا اتِّحَادُ الشِّقَّيْنِ.
قُلْت: قَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّهُ عَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِأَيِّ ضَرَرٍ وَإِنْ لَمْ يَرْتَقِ إلَى مُبِيحِ التَّيَمُّمِ، أَوْ يُقَالُ قَوْلُهُ الْآتِي قِيلَ، وَإِنْ خَافَ لَا يَأْتِي هُنَا فَافْتَرَقَ.
الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَقَضِيَّةُ مَا فِي التَّتِمَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ نَزْعِهِ إنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ ضَرَرًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَفْقِدْ الطَّاهِرَ أَيْ وَجَدَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ (نَزْعُهُ) أَيْ النَّجِسِ (إنْ لَمْ يَخَفْ) مِنْ نَزْعِهِ (ضَرَرًا ظَاهِرًا) وَهُوَ مَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ كَتَلَفِ عُضْوٍ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَهُ.
(قِيلَ: وَإِنْ خَافَ) ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ نَزْعُهُ أَيْضًا لِتَعَدِّيهِ بِوَصْلِهِ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْوُجُوبِ رِعَايَةً لِخَوْفِ الضَّرَرِ.
(فَإِنْ مَاتَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ النَّزْعُ قَبْلَهُ (لَمْ يُنْزَعْ) مِنْهُ، أَيْ لَمْ يَجِبْ النَّزْعُ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ بِزَوَالِ التَّكْلِيفِ، وَالثَّانِي يَجِبُ النَّزْعُ لِئَلَّا يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى حَامِلًا لِنَجَاسَةٍ تَعَدَّى بِحَمْلِهَا، وَسَوَاءٌ فِي وُجُوبِ النَّزْعِ فِي الْحَيَاةِ أَوْ الْمَوْتِ اكْتَسَى الْعَظْمُ اللَّحْمَ أَمْ لَمْ يَكْتَسِهْ، وَقِيلَ: إنْ اكْتَسَاهُ لَا يَجِبُ نَزْعُهُ (وَيُعْفَى عَنْ مَحِلِّ اسْتِجْمَارِهِ) فِي صَلَاتِهِ رُخْصَةً (وَلَوْ حَمَلَ مُسْتَجْمِرًا) فِي الصَّلَاةِ (بَطَلَتْ فِي الْأَصَحِّ) إذْ لَا حَاجَةَ إلَى حَمْلِهِ فِيهَا، وَالثَّانِي لَا تَبْطُلُ لِلْعَفْوِ عَنْ مَحِلِّ
[حاشية قليوبي]
الْمُعْتَمَدُ بَلْ يَحْرُمُ إنْ خِيفَ مِنْهُ ضَرَرٌ، كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (أَيْ وَجَدَهُ) يَعْنِي إذَا كَانَ الطَّاهِرُ الصَّالِحُ مَوْجُودًا مَقْدُورًا عَلَيْهِ، فِيمَا تَقَدَّمَ وَقْتُ الْوَصْلِ بِالنَّجِسِ، وَإِنْ فَقَدَهُ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ عَلَيْهِ) وَلَوْ حَائِضًا وَلَوْ بَعْدَ الْوَصْلِ، أَوْ جُنَّ لَكِنْ بَعْدَ إفَاقَتِهِ، نَزْعُ ذَلِكَ النَّجِسِ وَمِثْلُهُ الْمُحْتَرَمُ سَوَاءً اكْتَسَى لَحْمًا وَجِلْدًا فِيهِمَا أَوْ لَا، لَكِنْ مَعَ أَمْنِ الضَّرَرِ لِأَنَّ حُكْمَ التَّعَدِّي مُسْتَمِرٌّ عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ مَا فِي التَّتِمَّةِ، لِأَنَّهُ دَوَامٌ وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ نَزْعِهِ بِنَفْسِهِ، نَزَعَهُ الْحَاكِمُ قَهْرًا عَلَيْهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وُجُوبُ النَّزْعِ عَلَى الْكَافِرِ، إذَا أَسْلَمَ دُونَ الْمُكْرَهِ كَالصَّبِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ) أَيْ عِنْدَ خَوْفِ الضَّرَرِ عَدَمُ الْوُجُوبِ.
قَالَ شَيْخُنَا: بَلْ يَحْرُمُ النَّزْعُ كَمَا فِي الْمَيِّتِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَمْ يَجِبْ النَّزْعُ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ) وَلَوْ قَالَ: لَمْ يَجُزْ النَّزْعُ كَمَا هُوَ مُفَادُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، لَوَافَقَ الْمُعْتَمَدَ، وَكَانَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَغَسْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكْتَسِ جِلْدًا وَلَا لَحْمًا.
قَوْلُهُ: (لِئَلَّا يَلْقَى إلَخْ) هَذِهِ عِلَّةُ الْمَرْجُوحِ وَنَظَرُوا فِيهَا بِأَنَّ الْأَجْزَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تُرَدُّ إلَى أَصْحَابِهَا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَقِيَ مَلَائِكَةَ اللَّهِ فِي الْقَبْرِ، أَوْ الْمُرَادُ أَوَّلُ أَحْوَالِ قُدُومِهِ عَلَى اللَّهِ.
(فُرُوعٌ) كُلُّ مَا مَرَّ مِنْ أَحْكَامِ الْوَصْلِ يَجْرِي فِي الْوَشْمِ، وَخِيَاطَةِ الْجُرْحِ بِخَيْطٍ نَجِسٍ، وَالتَّدَاوِي بِنَحْوِ دُهْنٍ نَجِسٍ، فَيَحْرُمُ فِعْلُهُ عَلَى مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ عَامِدٍ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ، بِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَوْ حَائِضًا وَرَقِيقًا، وَتَجِبُ إزَالَتُهُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الْخَوْفِ، وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَهُ، وَيَنْجُسُ مَا لَاقَاهُ، مَا لَمْ يَكْتَسِ جِلْدًا وَلَوْ رَقِيقًا، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ أَكَلَ حَرَامًا أَوْ شَرِبَهُ، كَخَمْرٍ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَلَوْ لِعُذْرٍ كَإِكْرَاهٍ أَنْ يَتَقَايَاهُ مَعَ عَدَمِ خَوْفِ الضَّرَرِ.
نَعَمْ صَلَاتُهُ مَعَهُ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّهُ فِي مَعْدِنِ النَّجَاسَةِ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْوَصْلِ كَمَا مَرَّ، وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ، وَلَوْ مُهْدَرًا كَمَا مَرَّ.
وَأَمَّا الْخِضَابُ وَصَبْغُ نَحْوِ الشَّعْرِ وَالنَّقْشِ، وَتَطْرِيفُ نَحْوِ الْأَصَابِعِ، وَتَحْمِيرُ الْوَجْهِ وَتَجْعِيدُ الشَّعْرِ، فَحَرَامٌ بِالنَّجِسِ مُطْلَقًا، وَكَذَا بِالسَّوَادِ إلَّا لِحْيَةَ الرَّجُلِ الْمُحَارِبِ، لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ، وَكَذَا بِغَيْرِ السَّوَادِ إنْ مَنَعَ مِنْهُ حَلِيلٌ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِي الْخَلِيَّةِ، وَمَعَ النَّدْبِ بِنَحْوِ الْحِنَّاءِ فِي نَحْوِ يَدِ امْرَأَةٍ، وَلِحْيَةِ رَجُلٍ وَيَحْرُمُ أَخْذُ شُعُورٍ نَحْوِ اللِّحْيَةِ، وَالْحَوَاجِبِ وَوَشْرِ الْأَسْنَانِ أَيْ تَرْقِيقِهَا، بِنَحْوِ الْمِبْرَدِ وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ، وَلَوْ مِنْ لِحْيَةِ رَجُلٍ، وَأَخْذُ شَعْرِ الْخَدِّ وَالرَّقَبَةِ وَقَصِّ اللِّحْيَةِ، وَيَجُوزُ عَجْنُ نَحْوِ سِرْجِينٍ وَلَوْ رَطْبًا لِغَرَضٍ، وَإِلَّا فَيَحْرُمُ وَكُلُّ مَا حَرُمَ فِعْلُهُ تَجِبُ إزَالَتُهُ فَوْرًا.
قَوْلُهُ: (وَيُعْفَى عَنْ مَحِلِّ اسْتِجْمَارِهِ) وَكَذَا عَمَّا يُلَاقِيه مِنْ الْبَدَنِ، وَالثَّوْبِ غَالِبًا عَادَةً، وَلَوْ بِرُكُوبٍ أَوْ جُلُوسٍ، وَلَا يَضُرُّ عَرَقُ الْمَحَلِّ وَسَيَلَانِهِ بِهِ، إلَّا إنْ جَاوَزَ صَفْحَةً أَوْ حَشَفَةً، فَيَجِبُ إزَالَةُ الْجَمِيعِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ التَّنَاقُضُ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (فِي صَلَاتِهِ) بِخِلَافِ غَيْرِهَا كَتَنَجُّسِ مَائِعٍ، أَوْ مَاءٍ قَلِيلٍ وَقَعَ فِيهِ نَجَسٌ.
قَالَهُ شَيْخُنَا، وَمُقْتَضَى هَذَا عَدَمُ الْعَفْوِ فِي الطَّوَافِ وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَمَلَ مُسْتَجْمَرًا بَطَلَتْ) وَكَذَا لَوْ حَمَلَ حَامِلَهُ وَكَالْحَمْلِ الْقَابِضُ عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ يَدِهِ أَوْ عَكْسِهِ وَكَالْمُسْتَجْمَرِ كُلُّ ذِي نَجَاسَةٍ، وَلَوْ
[حاشية عميرة]
تَنْبِيهٌ) لَوْ كَانَ الْوَصْلُ بِالنَّجِسِ أَسْرَعُ انْجِبَارًا مِنْ الطَّاهِرِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ) مِنْهُ بُطْءُ الْبُرْءِ.
قَوْلُهُ: (رِعَايَةً لِخَوْفِ الضَّرَرِ) أَيْ وَلِأَنَّ النَّجَاسَةَ يَسْقُطُ حُكْمُهَا عِنْدَ خَوْفِ الضَّرَرِ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ، كَذَا قَالُوهُ، وَلَك أَنْ تَقُولَ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَنْعُ الْمُضْطَرِّ الْعَاصِي مِنْهَا فَلْتُشْتَرَطْ التَّوْبَةُ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى آخِرِهِ) هَذَا التَّعْلِيلُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُهَذَّبُ وَشَرْحُهُ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ تَعْلِيلًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ فِي النَّزْعِ مُثْلَةً وَهَتْكًا لِحُرْمَةِ الْمَيِّتِ، قَالَ: وَقَضِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ حُرْمَةُ النَّزْعِ كَمَا أَنَّ قَضِيَّةَ الْأَوَّلِ الْجَوَازُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مُسْتَجْمِرًا) مِثْلُهُ لَوْ حَمَلَ شَخْصًا عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ مَعْفُوٌّ عَنْهَا أَوْ طَيْرًا مُتَنَجِّسٌ لِمَنْفَذٍ.
قَالَ فِي شَرْحِ
الِاسْتِجْمَارِ.
(وَطِينُ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنِ نَجَاسَتَهُ يُعْفَى عَنْهُ عَمَّا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا وَيَخْتَلِفُ بِالْوَقْتِ وَمَوْضِعِهِ مِنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ) فَيُعْفَى فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ عَمَّا لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي زَمَنِ الصَّيْفِ، وَيُعْفَى فِي الذَّيْلِ وَالرِّجْلِ عَمَّا لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الْكُمِّ وَالْيَدِ، وَمَا لَا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ غَالِبًا لَا يُعْفَى عَنْهُ، وَمَا تُظَنُّ نَجَاسَتُهُ لِغَلَبَتِهَا فِيهِ قَوْلًا الْأَصْلُ، وَالظَّاهِرُ أَظْهَرُهُمَا طَهَارَتُهُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَمَا لَمْ يُظَنُّ نَجَاسَتُهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
(وَ) يُعْفَى (عَنْ قَلِيلِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَنَمِيمِ الذُّبَابِ) أَيْ رَوْثِهِ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ.
(وَالْأَصَحُّ لَا يُعْفَى عَنْ كَثِيرِهِ) لِكَثْرَتِهِ (وَلَا) عَنْهُ (قَلِيلٍ) مِنْهُ (انْتَشَرَ بِعَرَقٍ) لِمُجَاوَزَتِهِ مَحِلَّهُ (وَتُعْرَفُ الْكَثْرَةُ) وَالْقِلَّةُ
[حاشية قليوبي]
مَعْفُوًّا عَنْهَا، كَحَيَوَانٍ مُتَنَجِّسِ الْمَنْفَذِ وَصَبِيٍّ بِثَوْبِهِ، أَوْ بَدَنِهِ نَجَسٌ، أَوْ غَيْرِ مُسْتَنْجٍ وَبَيْضَةٍ اسْتَحَالَتْ دَمًا وَعُنْقُودٍ اسْتَحَالَ بَاطِنُهُ خَمْرًا، وَمَيِّتٍ وَمَيْتَةٍ وَمُذَكَّاةٍ، وَلَوْ مِنْ نَحْوِ سَمَكٍ، وَمِنْهُ مَنْ وَصَلَ عَظْمَهُ بِنَجِسٍ.
قَالَهُ شَيْخُنَا.
وَهُوَ يَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَ لِعُذْرٍ أَوْ اكْتَسَى جِلْدًا، أَوْ لَحْمًا وَفِي عُمُومِهِ وَقْفَةٌ فَرَاجِعْهُ، وَمِنْهُ مَا خُبِزَ بِسِرْجِينٍ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَخَالَفَهُ الْعَلَّامَةُ الْخَطِيبُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ، وَمِنْهُ مَا وَقَعَتْ فِيهِ مَيْتَةٌ لَا دَمَ لَهَا سَائِلٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا لَوْ حَمَلَهُ، وَهِيَ فِيهِ فَرَاجِعْهُ.
(فَرْعٌ) يَحْرُمُ انْغِمَاسُ، مُسْتَجْمِرٍ فِي نَحْوِ مَاءٍ قَلِيلٍ لِتَنَجُّسِهِ بِهِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ غَمْسَ نَحْوِ الذُّبَابِ، وَتَحْرُمُ الْمُجَامَعَةُ مَعَ اسْتِجْمَارِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَلِزَوْجَتِهِ مَنْعُهُ وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ لِنَحْوِ مُسَافِرٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَطِينُ الشَّارِعِ) وَكَذَا مَاؤُهُ وَالْمُرَادُ بِهِ مَحَلُّ الْمُرُورِ.
قَوْلُهُ: (الْمُتَيَقَّنُ نَجَاسَتُهُ) وَلَوْ بِخَبَرِ عَدْلٍ، مَا لَمْ تَتَمَيَّزُ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، وَإِلَّا فَلَا يُعْفَى عَنْهَا وَشَمِلَتْ نَجَاسَةُ الطِّينِ مَا لَوْ كَانَتْ مِنْ مُغَلَّظٍ، وَلَوْ مِنْ دَمِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (يُعْفَى عَنْهُ) أَيْ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا.
كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي هَذَا وَجَمِيعِ الْمَعْفُوَّاتِ الْآتِيَةِ، وَخَرَجَ بِهِ نَحْوُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَالْمَاءِ الْقَلِيلِ وَالْمَائِعِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَتَلْوِيثِهِ، فَلَا يُعْفَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ.
يَنْبَغِي الْعَفْوُ عَمَّا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ، كَإِخْرَاجِ مَائِعٍ مِنْ ظَرْفٍ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَا يَأْتِي، وَسَوَاءً أَصَابَهُ الطِّينُ الْمَذْكُورُ مِنْ شَارِعٍ، أَوْ مِنْ شَخْصٍ أَصَابَهُ أَوْ مِنْ مَحَلٍّ انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَلَوْ مِنْ نَحْوِ كَلْبٍ انْتَفَضَ، كَمَا مَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا آخِرًا، وَلَا يُكَلَّف التَّحَرُّزَ فِي مُرُورِهِ عَنْهُ وَلَا الْعُدُولَ إلَى مَكَانٍ خَالٍ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (عَمَّا يَتَعَذَّرُ) أَيْ عَنْ الْقَدْرِ الَّذِي يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَهُوَ مَا لَا يُنْسَبُ صَاحِبُهُ إلَى سَقْطَةٍ أَوْ كَبْوَةٍ أَوْ قِلَّةِ تَحَفُّظٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَخْتَلِفُ) أَيْ الْعَفْوُ فِي الطِّينِ الْمَذْكُورِ، وَيُعْفَى فِي حَقِّ الْأَعْمَى، مَا لَا يُعْفَى فِي حَقِّ الْبَصِيرِ.
(فَرْعٌ) مِيَاهُ الْمَيَازِيبِ وَالسُّقُوفِ وَنَحْوِهَا، مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهَا وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِطَهَارَةِ أَوْرَاقٍ تُبْسَطُ رَطْبَةً عَلَى الْحِيطَانِ الْمَعْمُولَةِ بِالرَّمَادِ النَّجِسِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُعْفَى) أَيْ فِي الصَّلَاةِ فَقَطْ، أَوْ فِيهَا وَغَيْرِهَا مَا مَرَّ عَلَى عَامِرٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ قَلِيلِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ) وَمِثْلُهُ فَضَلَاتُ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ.
قَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا عَمِيرَةُ وَمِثْلُهُ بَوْلُ الْخُفَّاشِ، كَمَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا وَرَجَّحَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ الْعَفْوَ عَنْ كَثِيرِهِ أَيْضًا.
قَالَ وَذَرْقُهُ كَبَوْلِهِ، وَقَالَ تَبَعًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَكَذَا سَائِرُ الطُّيُورِ، وَيُعْفَى عَنْ ذَرْقِهَا وَبَوْلِهَا، وَلَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ عَلَى نَحْوِ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا رَطْبًا أَوْ جَافًّا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهَا فَرَاجِعْهُ مَعَ مَا ذَكَرُوهُ فِي ذَرْقِ الطُّيُورِ فِي الْمَسَاجِدِ.
فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي مُخَالَفَتِهِ لِمَا مَرَّ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ مِنْ عَدَمِ الْعَفْوِ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ، نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالْعَفْوِ مُطْلَقًا فِيهَا فَالْوَجْهُ، حَمْلُ مَا هُنَا فِيهَا عَلَى مَا قَالُوهُ فَتَأَمَّلْ وَحَرِّرْ.
قَوْلُهُ: (وَوَنِيمُ الذُّبَابِ) هُوَ رَوْثُهُ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى دَمِ الْبَرَاغِيثِ، وَالْمُرَادُ الْقَلِيلُ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ، وَبَوْلُهُ كَذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ بَوْلٌ وَلَعَلَّ تَعْبِيرَهُمْ بِالْبَوْلِ فِي الطُّيُورِ، إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَالْمُشَاهَدُ عَدَمُهُ، وَالذُّبَابُ مُفْرَدٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَجَمْعُهُ ذِبَّانُ وَأَذِبَّةٌ كَغُرَابٍ وَغِرْبَانٍ وَأَغْرِبَةٍ.
قَوْلُهُ: (فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ) سَوَاءٌ الْجَافُّ وَالرَّطْبُ بِعَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا
[حاشية عميرة]
الْإِرْشَادِ: أَوْ مَا فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا دَمَ لَهَا سَائِلٌ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا تُظَنُّ نَجَاسَتُهُ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَغَلَّطُوا مَنْ ادَّعَى طَرْدَ الْقَوْلَيْنِ فِي كُلِّ أَصْلٍ وَظَاهِرٍ، فَقَدْ نَجْزِمُ بِالظَّاهِرِ كَالْبَيِّنَةِ وَالْخَبَرِ وَمَسْأَلَةِ الظَّبْيَةِ، أَوْ بِالْأَصْلِ، كَمَنْ ظَنَّ طَهَارَةً أَوْ حَدَثًا أَوْ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَقِيلَ دَمُ الْبَرَاغِيثِ إلَى آخِرِهِ) وَكَذَا الْقُمَّلُ وَالْبَقُّ وَغَيْرُهُمَا مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ وَبَوْلُ الْخُفَّاشِ لِأَنَّهُ تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى.
(فَائِدَةٌ) الْبَرَاغِيثُ مُفْرَدُهُ بُرْغُوثٌ بِالضَّمِّ، وَالْفَتْحُ قَلِيلٌ، وَالذُّبَابُ مُفْرَدٌ يَجْمَعُ عَلَى ذِبَّانِ وَأَذِبَّةٍ كَغُرَابٍ وَأَغْرِبَةٍ وَغِرْبَانٍ، وَلَا يُقَالُ ذُبَانَةٌ.
قَالَهُ ابْنُ سِيدَهْ وَالْأَزْهَرِيُّ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الذُّبَابُ مَعْرُوفٌ الْوَاحِدَةُ ذُبَابَةٌ، وَلَا يُقَالُ ذُبَانَةٌ بِنُونٍ فِي آخِرِهِ، وَجَمْعُ الْقِلَّةِ أَذِبَّةٌ، وَالْكَثْرَةُ ذِبَّانِ كَغُرَابٍ وَأَغْرِبَةٍ وَغِرْبَانٍ، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: (لِمُجَاوَزَتِهِ مَحِلِّهِ) هَذَا التَّعْلِيلُ مَوْجُودٌ فِي مَحِلِّ النَّجْوِ إذَا عَرِقَ، وَقَدْ
(بِالْعَادَةِ) وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ فَيَجْتَهِدُ الْمُصَلِّي فِي ذَلِكَ، فَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ أَقَلِيلٌ هُوَ أَمْ كَثِيرٌ فَلَهُ حُكْمُ الْقَلِيلِ فِي أَرْجَحِ احْتِمَالِيّ الْإِمَامِ، وَالثَّانِي أَحْوَطُ.
(قُلْت: الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ الْعَفْوُ مُطْلَقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ، وَقُوَّةُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ تُعْطِي تَصْحِيحَ الْعَفْوِ فِي كَثِيرِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ، كَمَا صَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِاللُّبْسِ لِمَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: لَوْ حَمَلَ ثَوْبَ بَرَاغِيثِ أَوْ صَلَّى عَلَيْهِ إنْ كَثُرَ دَمُهُ ضَرَّ وَإِلَّا فَلَا فِي الْأَصَحِّ وَيُقَاسُ بِذَلِكَ مَا فِيهِ الْوَنِيمُ ثُمَّ دَمُ الْبَرَاغِيثِ رَشَحَاتٌ تَمُصُّهَا مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ، ثُمَّ تَمُجُّهَا، وَلَيْسَ لَهَا دَمٌ فِي نَفْسِهَا، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ.
(وَدَمُ الْبَثَرَاتِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ بَثْرَةٍ بِسُكُونِهَا، وَهِيَ خُرَّاجٌ صَغِيرٌ (كَالْبَرَاغِيثِ) أَيْ كَدَمِهَا فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ فَقَطْ عَلَى تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ سَوَاءٌ أَخَرَجَ بِنَفْسِهِ أَمْ عَصَرَهُ.
(وَقِيلَ: إنْ عَصَرَهُ فَلَا) يُعْفَى عَنْهُ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ، وَصَحَّحَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ الْعَفْوَ عَنْ كَثِيرِهِ وَعَنْ الْمَعْصُورِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْقَلِيلِ كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَالرَّافِعِيِّ، وَظَاهِرُ الْمِنْهَاجِ تَصْحِيحُ الْعَفْوِ عَنْ الْكَثِيرِ الْمَعْصُورِ وَغَيْرِهِ.
(وَالدَّمَامِيلِ وَالْقُرُوحِ) أَيْ الْجِرَاحَاتِ (وَمَوْضِعِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ قِيلَ كَالْبَثَرَاتِ) فَيُعْفَى عَنْ دَمِهَا قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ عَلَى مَا سَبَقَ (وَالْأَصَحُّ) لَيْسَتْ مِثْلَهَا لِأَنَّهَا لَا تَكْثُرُ كَثْرَتَهَا فَيُقَالُ فِي دَمِهَا فِي جُزْئِيَّاتِهِ (إنْ كَانَ مِثْلَهُ يَدُومُ غَالِبًا
[حاشية قليوبي]
يُخْرِجُهُ عَنْ الْعَفْوِ مُلَاقَاتُهُ لِأَجْنَبِيٍّ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، كَمَاءِ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ أَوْ مَا تَسَاقَطَ، مِنْ نَحْوِ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ بُصَاقٍ، أَوْ مَاءِ حَلْقٍ أَوْ دُهْنِ رِيشَةٍ فَصَادَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَمُجُّهَا) يُفِيدُ أَنَّ دَمَ الْبَرَاغِيثِ مِنْ الْقَيْءِ لَا مِنْ الرَّوْثِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِاللُّبْسِ) أَيْ الْعَفْوُ الْمَذْكُورُ فِي دَمِ الْبَرَاغِيثِ، وَوَنِيمِ الذُّبَابِ مُقَيَّدٌ بِاللُّبْسِ فِي الصَّلَاةِ فَقَطْ كَمَا مَرَّ.
وَالْمُرَادُ بِاللُّبْسِ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَوْ لِلتَّجَمُّلِ وَقُيِّدَ بِالْكَثِيرِ لِلْعَفْوِ عَنْ الْقَلِيلِ، وَلَوْ لِغَيْرِ اللُّبْسِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (الْعَفْوُ مُطْلَقًا) أَيْ كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا لَكِنْ فِي اللُّبْسِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَمَحَلُّ الْعَفْوِ مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِأَجْنَبِيٍّ لَا يَشُقُّ فِيهِمَا، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا بِفِعْلِهَا، أَوْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَلَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ بِأَمْرِهِ أَوْ رِضَاهُ قَصْدًا فِيهِمَا، كَقَتْلِهِ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ لَا فِي نَحْوِ نَوْمٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ الْكَثِيرِ الْمَعْصُورِ) هُوَ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْجِرَاحَاتُ) تَفْسِيرٌ لِلْقُرُوحِ، لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَكَثِيرُهُ) لَعَلَّهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْجُوحِ.
[حاشية عميرة]
قَالَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ بِالْعَفْوِ فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ غَيْرُهُ مِنْ التَّعْلِيلِ بِعَدَمِ عُمُومِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ هَذَا حَاصِلُ مَا فِي الْإِسْنَوِيِّ وَكَأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ حَيْثُ عَلَّلَ الْعَفْوَ وَالْآتِي بِعُمُومِ الْبَلْوَى، وَعَلَّلَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ الْغَالِبَ فِي هَذَا عُسْرُ الِاحْتِرَازِ فَأَلْحَقَ غَيْرَ الْغَالِبِ مِنْهُ بِالْغَالِبِ كَالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِالْعَادَةِ) أَيْ فَمَا يَقَعُ التَّلَطُّخُ بِهِ غَالِبًا، وَيَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ قَلِيلٌ وَإِنْ زَادَ فَكَثِيرٌ لِأَنَّ أَصْلَ الْعَفْوِ ثَبَتَ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ، فَيُنْظَرُ أَيْضًا فِي الْعُرْفِ إلَيْهِ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ حُكْمُ الْقَلِيلِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَفْوُ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الْكَثْرَةِ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مُطْلَقًا) هُوَ شَامِلٌ لِلْكَثِيرِ الْمُنْتَشِرِ بِعَرَقٍ بَلْ وَلِلْكَثِيرِ الْحَاصِلِ بِالْقَتْلِ، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ فِي الثَّانِي كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الشَّرْحِ) أَيْ الشَّرْحُ الْكَبِيرُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا صَحَّحَهُ) أَيْ النَّوَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِاللُّبْسِ) قُيِّدَ أَيْضًا بِعَدَمِ الْقَتْلِ كَمَا فِي مَتْنِ الْإِرْشَادِ، وَنَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ دَمُ الْبَرَاغِيثِ إلَخْ) لَعَلَّ هَذَا مَذْكُورٌ تَوْطِئَةً لِمَعْنَى التَّشْبِيهِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (بِسُكُونِهَا) وَالْفَتْحُ لُغَةٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَقِيلَ إنَّ عَصْرَهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَالْبَرَاغِيثِ.
قَوْلُهُ: (وَصَحَّحَ) أَيْ النَّوَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَمَا قَيَّدَهُ إلَخْ) وَكَذَا فِي التَّحْقِيقِ، وَعَلَيْهِ مَشَى الْإِرْشَادُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّ الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَصْرِ مَحَلُّهُمَا عِنْدَ الْقِلَّةِ، ثُمَّ قَالَ يَعْنِي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالْوَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي دَمِ الْقَمْلَةِ وَنَحْوِهَا إذَا قَتَلَهَا فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَاَلَّذِي قَالَهُ جَمِيعُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَعْصُورَ الْكَثِيرَ لَا يُعْفَى عَنْهُ جَزْمًا وَأَنَّ الْحُكْمَ فِي دَمِ الْمَقْتُولِ مِنْ نَحْوَ الْقُمَّلِ كَذَلِكَ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْعَصْرُ هُنَا نَظِيرَ الْقَتْلِ هُنَاكَ، فَإِذَا خَرَجَ بِلَا عَصْرٍ وَلَا قَتْلٍ وَكَانَ قَلِيلًا عُفِيَ عَنْهُ جَزْمًا، وَكَذَا إنْ كَثُرَ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ خَرَجَ بِعَصْرٍ أَوْ قَتْلٍ فَإِنْ كَثُرَ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ، وَإِنْ قَلَّ عُفِيَ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ، قَالَ: وَعِبَارَةُ الْكِتَابِ تُشْعِرُ بِأَنَّ الْأَصَحَّ قَائِلٌ بِالْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا مَعَ الْعَصْرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ. قَوْلُهُ: (كَالرَّافِعِيِّ) أَيْ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَظَاهِرُ الْمِنْهَاجِ إلَخْ) أَيْ فِي قَوْلِهِ، وَقِيلَ: إنَّ عَصْرَهُ فَلَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قِيلَ كَالْبَثَرَاتِ) أَيْ لِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَالِبَةً فَلَيْسَتْ بِنَادِرَةٍ فَإِذَا وُجِدَتْ الدَّمَامِيلُ دَامَتْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَصَحُّ إنْ كَانَ مِثْلَهُ إلَخْ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: تَعْبِيرُ الْمُحَرِّرِ وَالْكِتَابِ يَقْتَضِي جَرَيَانَ الْخِلَافِ فِيمَا يَدُومُ غَالِبًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ حُكْمُهُ كَدَمِ
فَكَالِاسْتِحَاضَةِ) أَيْ كَدَمِهَا فَيُحْتَاطُ لَهُ كَمَا قَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ بِإِزَالَةِ مَا أَصَابَ مِنْهُ وَعَصْبِ مَحَلِّ جُرُوحِهِ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ نَظِيرَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، وَيُعْفَى عَمَّا يُسْتَصْحَبُ مِنْهُ بَعْدَ الِاحْتِيَاطِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ هُنَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بِأَنْ كَانَ مِثْلَهُ لَا يَدُومُ غَالِبًا (فَكَدَمِ الْأَجْنَبِيِّ فَلَا يُعْفَى) أَيْ دَمِ الْأَجْنَبِيِّ كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا لِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ.
(وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ) لِلتَّسَامُحِ فِيهِ فَيَكُونُ حُكْمُ ذَلِكَ الدَّمِ الَّذِي لَا يَدُومُ مِثْلُهُ غَالِبًا كَذَلِكَ فَفِيهِ عَدَمُ الْعَفْوِ، ثُمَّ فِي الِاحْتِيَاطِ فِي الَّذِي يَدُومُ مِثْلُهُ غَالِبًا عَدَمُ الْعَفْوِ أَيْضًا، وَمَا يُعْفَى بَعْدَهُ ضَرُورِيٌّ لَا خِلَافَ فِيهِ.
(قُلْت الْأَصَحُّ أَنَّهَا كَالْبَثَرَاتِ وَالْأَظْهَرُ الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلِ دَمِ الْأَجْنَبِيِّ) مِنْ إنْسَانٍ وَغَيْرِهِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَيَّدَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ: بِغَيْرِ دَمِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْء مِنْهُ قَطْعًا، وَالْجُمْهُورُ سَكَتُوا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ الْخِلَافُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ حَكَاهُ الْجُمْهُورُ قَوْلَيْنِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ خِلَافَ مَا فِي الْمُحَرَّرِ مِنْ حِكَايَتِهِ وَجْهَيْنِ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ وَجَمَاعَةٍ.
(وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ كَالدَّمِ) فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ فِيهِ.
لِأَنَّهُ أَصْلُهُمَا (وَكَذَا مَاءُ الْقُرُوحِ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (فِي جُزْئِيَّاتِهِ) أَيْ بِالنَّظَرِ لِكُلِّ دُمَّلٍ عَلَى انْفِرَادِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ فِي الِاحْتِيَاطِ إلَخْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى الرَّدِّ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ، حَيْثُ قَالَ: لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ الْعَفْوِ، عَمَّا يَدُومُ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَظْهَرُ الْعَفْوُ) أَيْ فِي الصَّلَاةُ فَقَطْ عَلَى مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ قَلِيلَ دَمِ الْأَجْنَبِيِّ) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مُغَلَّظٍ وَلَمْ يَخْتَلِطْ بِأَجْنَبِيٍّ، وَلَمْ يَتَضَمَّخْ بِهِ عَبَثًا، كَمَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ عَنْ إفْتَاءِ وَالِدِهِ، وَصَرِيحُ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَفْوُ عَنْ التَّضَمُّخِ بِهِ أَيْضًا، إلَّا أَنْ يَتَضَمَّخَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ فَتَبْطُلُ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَمِثْلُ ذَلِكَ التَّضَمُّخِ بِمَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَعْفُوَّاتِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَجْنَبِيِّ، مَا يَعُمُّ دَمَ غَيْرِهِ، وَدَمَ نَفْسِهِ إذَا جَاوَزَ مَحَلَّ سَيَلَانِهِ غَالِبًا أَوْ انْتَقَلَ عَنْ مَحَلِّهِ، وَلَوْ مِنْ الْعُضْوِ إلَيْهِ أَوْ مِنْ عُضْوِهِ لِعُضْوِهِ الْآخَرِ، وَشَمِلَ الْعَفْوُ مَا كَانَ مُتَفَرِّقًا، وَلَوْ جُمِعَ صَارَ كَثِيرًا عُرْفًا، وَهُوَ كَذَلِكَ لِلتَّوَسُّعِ فِي الدَّمِ، وَفَارَقَ بِذَلِكَ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ كَمَا مَرَّ فِي مَحَلِّهِ.
قَوْلُهُ: (كَالدَّمِ) أَيْ دَمِ الْبَثَرَاتِ فِي نَجَاسَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ فِيهِ) أَيْ فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ مِنْ عَدَمِ الْعَفْوِ عِنْدَ اخْتِلَاطِهِ بِأَجْنَبِيٍّ وَمِنْهُ رُطُوبَةُ الْمَنَافِذِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، كَدَمْعِهِ وَرِيقِهِ، وَخَالَفَهُ ابْنُ حَجَرٍ، لِأَنَّهُ ضَرُورِيٍّ وَمِنْ عَدَمِ الْعَفْوِ عَنْ الْكَثِيرِ بِفِعْلِهِ، كَعَصْرِ الدُّمَّلِ أَوْ مَحَلِّ الْفَصْدِ، أَوْ الْحَجْمِ أَوْ حَكِّ الدُّمَّلِ لِنَحْوِ وَضْعِ دَوَاءٍ عَلَيْهِ، وَلَوْ مُكْرَهًا عَلَى ذَلِكَ، أَوْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ أَوْ رِضَاهُ، وَلَيْسَ مِنْ الْفِعْلِ فَجْرُ الدُّمَّلِ بِنَحْوِ إبْرَةٍ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا.
(فَرْعٌ) الْبَلْغَمُ الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ الْمَعِدَةِ طَاهِرٌ، وَالْخَارِجُ مِنْهَا نَجِسٌ، وَلَا يُعْفَى عَنْهُ إلَّا عَنْ فَمِ مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ، وَيُعْفَى عَنْ الْخَارِجِ مِنْ فَمِ النَّائِمِ إنْ كَانَ مِنْ الْمَعِدَةِ يَقِينًا مُطْلَقًا، وَلَوْ فِي ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ لِلْمَشَقَّةِ بِكَثْرَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَعِدَتِهِ يَقِينًا فَهُوَ طَاهِرٌ.
(تَنْبِيهٌ) مَتَى أُرِيدَ غَسْلُ نَجِسٍ مَعْفُوٍّ عَنْهُ كَطِينِ الشَّارِعِ، وَجَبَ فِيهِ مَا فِي غَيْرِهِ، وَمِنْهُ التَّسْبِيعُ وَالتُّرَابُ فِي نَحْوِ كَلْبٍ.
نَعَمْ
[حاشية عميرة]
الِاسْتِحَاضَةِ بِلَا شَكٍّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ هُنَا وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَلَطَخَاتُ الدَّمَامِيلِ وَالْفَصْدُ إنْ دَامَ غَالِبًا فَكَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَإِلَّا فَفِي إلْحَاقِهَا بِالْبَثَرَاتِ تَرَدُّدٌ اهـ. قُلْت يُمْكِنُ حَمْلُ مَا فِي الْكِتَابِ عَلَى مَا يَدُومُ مِثْلُهُ غَالِبًا وَلَيْسَ سَيَلَانُهُ دَائِمًا وَاَلَّذِي فِي هَذِهِ الْكُتُبِ عَلَى دَائِمِ السَّيَلَانِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ، فَإِنَّ تَصْحِيحَ الْمُصَنِّفِ الْعَفْوُ كَمَا سَيَأْتِي لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ مَا يَدُومُ وَمَا لَا يَدُومُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَصَحُّ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ قِيلَ كَالْبَثَرَاتِ فَيُعْفَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَكَدَمِ الْأَجْنَبِيِّ) أَيْ لِأَنَّ الْبَثَرَاتِ أَعَمُّ وُجُودًا مِنْهَا، وَأَغْلَبُ لَكِنْ سَلَفَ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّ الشَّارِحَ حَمَلَهُ عَلَى الْمُنْتَقِمِ بِقَرِينَةِ التَّشْبِيهِ بِدَمِ الْأَجْنَبِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَفِيهِ عَدَمُ الْعَفْوِ ثُمَّ فِي الِاحْتِيَاطِ إلَخْ) غَرَضُهُ مِنْ هَذَا أَنْ يُوَضِّحَ وَجْهَ اشْتِمَالِ التَّشْبِيهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْمَتْنِ عَلَى عَدَمِ الْعَفْوِ كَيْ يَتَّضِحَ بِذَلِكَ وَجْهُ مُقَابِلِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الِاحْتِيَاطِ إلَخْ) تَوْجِيهٌ لِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيمَا يَدُومُ غَالِبًا بِأَنَّ الْقَوْلَ بِالِاحْتِيَاطِ مَعْنَاهُ عَدَمُ الْعَفْوِ وَإِلَّا لَمَا وَجَبَ الِاحْتِيَاطُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت الْأَصَحُّ إلَخْ) هَذَا تَصْحِيحٌ لِقَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ قِيلَ كَالْبَثَرَاتِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَظْهَرُ الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلٍ إلَخْ) لَوْ تَلَطَّخَ بِهِ عَمْدًا، فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْعَفْوِ عَنْ ذَلِكَ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ يَعُدُّ حِكَايَةَ التَّقْيِيدِ عَنْ صَاحِبِ
وَالْمُتَنَفِّطُ الَّذِي لَهُ رِيحٌ) كَالدَّمِ فِي نَجَاسَتِهِ وَمَا ذُكِرَ فِيهِ.
(وَكَذَا بِلَا رِيحٍ فِي الْأَظْهَرِ) لِتَحَلُّلِهِ بَعْلَةٍ، وَالثَّانِي هُوَ طَاهِرٌ كَالْعَرَقِ.
(قُلْت: الْمَذْهَبُ طَهَارَتُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) أَيْ أَنَّهُ طَاهِرٌ قَطْعًا كَمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ.
(وَلَوْ صَلَّى بِنَجِسٍ) غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ (لَمْ يَعْلَمْهُ) ثُمَّ عَلِمَهُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ مَكَانِهِ.
(وَجَبَ) عَلَيْهِ (الْقَضَاءُ فِي الْجَدِيدِ) لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ غَيْرُ مُعْتَدٍ بِهِ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَالْقَدِيمُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ لِعُذْرِهِ بِالْجَهْلِ.
(وَإِنْ عَلِمَ) بِالنَّجَسِ (ثُمَّ نَسِيَ) فَصَلَّى ثُمَّ تَذَكَّرَ (وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ) أَيْ وَجَبَ قَطْعًا الْإِعَادَةُ لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ التَّطْهِيرِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي فِي وُجُوبُهُ الْقَوْلَانِ لِعُذْرِهِ بِالنِّسْيَانِ وَالْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ، وَتَجِبُ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ تَيَقَّنَ مُصَاحَبَةَ النَّجَسِ لَهَا بِخِلَافِ مَا احْتَمَلَ حُدُوثَهُ بَعْدَهَا فَلَا تَجِبُ إعَادَتُهَا، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
[حاشية قليوبي]
قَدْ مَرَّ فِي النَّجَاسَةِ عَنْ الْعَلَّامَةِ ابْنِ قَاسِمٍ أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ ثَوْبًا فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ، لِأَجْلِ تَنْظِيفِهِ مِنْ الْوَسَخِ لَمْ يَضُرَّ بَقَاءُ لَوْنِ الدَّمِ فِيهِ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَاطُهُ بِمَاءِ الْغُسْلِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ قَطْعًا) حَمَلَ الْمَذْهَبَ عَلَى طَرِيقِ الْقَطْعِ لِقَرِينَةِ الْعُدُولِ عَنْ الْأَظْهَرِ إلَيْهِ، وَلِيُوَافِقَ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ تَصْحِيحِهَا وَلَيْسَ فِي الرَّوْضَةِ، وَلَا أَصْلِهَا تَرْجِيحٌ لِوَاحِدٍ مِنْ الطَّرِيقِينَ.
قَوْلُهُ: (لِفَوَاتِ الشَّرْطِ) هُوَ أَوْلَى مِنْ تَعْلِيلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بِالتَّفْرِيطِ، إذْ لَا تَفْرِيطَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ أَصَالَةً، وَلِمَا يَلْزَمُ عَلَى التَّفْرِيطِ مِنْ وُجُوبِ الْقَضَاءِ فَوْرًا بَعْدَ الْوَقْتِ، مَعَ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَذَكَرَ الشَّارِحُ التَّفْرِيطَ فِي الثَّانِيَةِ لِأَجْلِ طَرِيقِ الْقَطْعِ فِيهَا وَعَلَيْهِ، فَالْقَضَاءُ فِيهَا عَلَى الْفَوْرِ وَقِيلَ عَلَى التَّرَاخِي.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا احْتَمَلَ إلَخْ) أَيْ فَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ وَهُوَ يَشْمَلُ مَا بِرَاجِحِيَّةٍ أَوْ مَرْجُوحِيَّةٍ، أَوْ اسْتِوَاءٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ نَظَرًا لِلتَّخْفِيفِ، عَلَى وِزَانِ مَنْ شَكَّ بَعْدَ صَلَاتِهِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ.
نَعَمْ قَدْ مَرَّ فِيمَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ أَنَّهُ يَقْضِي مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِعْلُهُ مِنْهَا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ هُنَا قَدْ وُجِدَ الْفِعْلُ يَقِينًا، فَلَمْ يُوجِبُوا الْقَضَاءَ مَعَ الشَّكِّ فِي الصِّحَّةِ، قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الشَّكَّ لَيْسَ فِي الْفِعْلِ، وَعَدَمِهِ إذْ لَا جَامِعَ حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا الشَّكُّ فِي أَنَّهُ هَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ قَضَاءٌ، وَمَا هُنَا مِنْ هَذِهِ فَتَأَمَّلْ.
قَالَ بَعْضُهُمْ وَفِي الْأَوَّلِ بُعْدٌ وَلَعَلَّهُ مَحْمَلُ قَوْلِ الْقَاضِي، بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ اهـ.
(فَرْعٌ) لَوْ مَاتَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ أَوْ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ، فَفِي وُسْعِ اللَّهِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ لِعُذْرِهِ حَالَةَ الْفِعْلِ، وَلَا يُنَافِيه الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالتَّفْرِيطِ عَلَى مَا مَرَّ، لِأَنَّهُ لِتَرَتُّبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَيَجِبُ إعْلَامُ مَنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ كَمَا مَرَّ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهَا وَيَجِبُ قَبُولُ خَبَرِ الْعَدْلِ فِيهَا، وَفِي نَحْوِ كَشْفِ عَوْرَةٍ، وَكُلِّ مُبْطِلٍ فَيَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ فِي كَلَامٍ قَلِيلٍ مُبْطِلٍ، وَيَجِبُ تَعْلِيمُ مَنْ رَآهُ يُخِلُّ بِعِبَادَةٍ فِي رَأْي مُقَلِّدِهِ، عَيْنًا إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُ، وَلَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ إنْ قُوبِلَ بِهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ مَعَ عَدَمِ بَذْلِهَا وَيَلْزَمُ الْقَادِرُ عَلَيْهَا بَذْلُهَا، وَمَحَلُّ الْوُجُوبِ مَعَ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ.
[حاشية عميرة]
الْبَيَانِ، وَلَمْ أَجِدْ تَصْرِيحًا بِمُخَالَفَتِهِ وَلَا مُوَافَقَتِهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: قَدْ وَافَقَهُ الشَّيْخُ نَصْرُ فِي فَتَاوِيهِ الْمَقْصُودُ، قَالَ أَعْنِي الْإِسْنَوِيُّ: وَمِمَّا يُعْفَى عَنْهُ الْبَلْغَمُ إذَا كَثُرَ كَمَا سَبَقَ فِي النَّجَاسَاتِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَصْلُهُمَا) عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ لِأَنَّهُمَا دَمَانِ مُسْتَحِيلَانِ إلَى نَتِنٍ وَفَسَادٍ.
قَوْلُهُ: (كَالدَّمِ فِي نَجَاسَتِهِ) قِيَاسًا عَلَى الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَكَذَا بِلَا رِيحٍ) .
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَحَيْثُ نَجَّسْنَاهُ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ دَمِ الْبَثَرَاتِ لَا دَمَ الْقُرُوحِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ إنَّهُ طَاهِرٌ قَطْعًا) يُرِيدُ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَبَّرَ بِهِ عَنْ طَرِيقَةِ الْقَطْعِ، وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ مِنْ الْأَظْهَرِ وَمُقَابِلِهِ عَلَى طَرِيقَةِ الْخِلَافِ.
قَوْلُهُ: (لِعُذْرِهِ بِالْجَهْلِ) وَلِحَدِيثِ النَّعْلِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَجَبَ عَلَى الْمَذْهَبِ) .
(فَرْعٌ) لَوْ رَأَيْنَا فِي ثَوْبِ شَخْصٍ نَجَاسَةً لَا يَعْلَمُهَا وَجَبَ عَلَيْنَا إعْلَامُهُ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِصْيَانِ، بَلْ هُوَ كَزَوَالِ الْمُفْسِدِ، قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ الَّتِي يَشُكُّ فِي أَنَّهَا عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ: تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِالنُّطْقِ) عَمْدًا مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ، وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
(بِحَرْفَيْنِ) أَفُهِمَا أَوْ لَا نَحْوِ قُمْ وَعَنْ (أَوْ حَرْفٍ مُفْهِمٍ) نَحْوِ قِ مِنْ الْوِقَايَةِ.
(وَكَذَا مُدَّةٍ بَعْدَ حَرْفٍ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهَا أَلِفٌ أَوْ وَاوٌ أَوْ يَاءٌ، وَالثَّانِي قَالَ إنَّهَا لَا تَعُدُّ حَرْفًا، وَهَذَا كُلُّهُ يَسِيرٌ فَبِالْكَثِيرِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثِ مُسْلِمٍ «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» ، وَالْكَلَامُ يَقَعُ عَلَى الْمُفْهِمِ وَغَيْرِهِ الَّذِي هُوَ حَرْفَانِ وَتَخْصِيصُهُ بِالْمُفْهِمِ اصْطِلَاحٌ لِلنُّحَاةِ.
(وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّنَحْنُحَ وَالضَّحِكَ وَالْبُكَاءَ وَالْأَنِينَ وَالنَّفْخَ إنْ ظَهَرَ بِهِ) أَيْ بِكُلٍّ مِمَّا ذُكِرَ (حَرْفَانِ بَطَلَتْ وَإِلَّا فَلَا) تَبْطُلُ بِهِ، وَالثَّانِي لَا تَبْطُلُ بِهِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ.
(وَيُعْذَرُ فِي يَسِيرِ الْكَلَامِ إنْ سَبَقَ لِسَانُهُ) إلَيْهِ (أَوْ نَسِيَ الصَّلَاةَ) أَيْ نَسِيَ أَنَّهُ فِيهَا.
(أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ) فِيهَا (إنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ) بِخِلَافِ بَعِيدِ الْعَهْدِ بِهِ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ التَّعَلُّمِ، (لَا كَثِيرِهِ) فَإِنَّهُ لَا
[حاشية قليوبي]
فَصْلٌ فِي بَقِيَّةِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ) الَّتِي هِيَ الْمَوَانِعُ، وَتُسَمَّى شُرُوطًا بِاعْتِبَارِ عَدَمِهَا، كَمَا فِي الطَّهَارَةِ مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجِسِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (تَبْطُلُ) وَيُرَادِفُهُ تَفْسُدُ، لِأَنَّ الْبَاطِلَ وَالْفَاسِدَ عِنْدَنَا سَوَاءٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ إلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ النُّسُكِ، وَالْعَارِيَّةِ وَالْكِتَابَةِ وَالْخُلْعِ، وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ غَيْرَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ مِثْلُهَا، كَالْهِبَةِ وَالْإِجَارَةِ إذْ الْبَاطِلُ مَا كَانَ لِفَقْدِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ، وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ مِنْ ضَمَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِعْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى قَضَاءً، وَالْفَاسِدُ مَا كَانَ لِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ، وَحُكْمُهُ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ، وَعَدَمِهِ وَفِعْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، يُسَمَّى قَضَاءً فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِالنُّطْقِ) أَيْ التَّلَفُّظِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَلَوْ بِغَيْرِ اللِّسَانِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْأَنْفِ، إنْ سَمِعَ نَفْسَهُ، وَلَوْ كَانَ حَدِيدَ السَّمْعِ، أَوْ كَانَ بِحَيْثُ يُسْمَعُ لَوْ كَانَ مُعْتَدِلَهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ إلَخْ) دَخَلَ فِي الْغَيْرِ مَنْسُوخُ التِّلَاوَةِ وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالْأَحَادِيثُ، وَلَوْ قُدْسِيَّةً، وَلَوْ قَالَ قَالَ اللَّهُ، أَوْ قَالَ النَّبِيُّ، أَوْ قَافٌ أَوْ صَادٌ، بَطَلَتْ مَا لَمْ يَقْصِدْ أَنَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ، وَخَرَجَ بِالنُّطْقِ الْإِشَارَةُ وَلَوْ مِنْ أَخْرَسَ أَوْ بِاللِّسَانِ، وَإِنْ قَصَدَ بِهَا الْإِفْهَامَ كَمَا يَأْتِي، وَيُنْدَبُ لِلْمُصَلِّي رَدُّ السَّلَامِ بِهَا، كَمَا يَجُوزُ رَدُّهُ وَالتَّشْمِيتُ بِغَيْرِ الْخِطَابِ نَحْوُ عَلَيْهِ السَّلَامِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (بِحَرْفَيْنِ) أَيْ بِمُسَمَّاهُمَا وَكَذَا الْحَرْفُ.
قَوْلُهُ: (أَفُهِمَا) أَيْ مَجْمُوعُهُمَا، فَلَا بُدَّ مِنْ تُوَالِيهِمَا، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ قَالَ الصَّادُ، وَانْظُرْ مَا ضَابِطُ الْمُوَالَاةِ هُنَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي اعْتِبَارُ الْعُرْفِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (مُفْهِمٌ) أَيْ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ عَدَمَ الْإِفْهَامِ كَعَكْسِهِ.
قَوْلُهُ: (نَحْوُ قِ) مِنْ الْوِقَايَةِ وَعِ مِنْ الْوَعْيِ وَفِ مِنْ الْوَفَاءِ، وَشِ مِنْ الْوَشْيِ، وَحَذْفُ هَاءِ السَّكْتِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْخَطَأِ صِنَاعَةً، لِوُجُوبِهِ فِيهَا جَبْرًا لِلْكَلِمَةِ بِمَا دَخَلَهَا مِنْ الْوَهَنِ، بِالْحَذْفِ حَتَّى بَقِيَتْ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَتَرَكَّبُ الْكَلَامُ مِنْ أَقَلِّ مِنْ حَرْفَيْنِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِصَرْفِ الْحَدِيثِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (إنْ ظَهَرَ) أَيْ وُجِدَ مِنْ عَالِمٍ عَامِدٍ غَيْرِ مَعْذُورٍ.
قَوْلُهُ: (بِهِ) أَيْ بِمَا ذُكِرَ وَلَوْ لِمَرَضٍ، أَوْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ لِمُصْلِحَةِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (حَرْفَانِ) أَوْ حَرْفٌ مُفْهِمٌ أَوْ مُدَّةٌ بَعْدَ حَرْفٍ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ، فَلَا يُعْتَبَرُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَسِيَ الصَّلَاةَ) خَرَجَ مَنْ نَسِيَ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ فِيهَا فَتَبْطُلُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ) أَيْ تَحْرِيمَ مَا أَتَى بِهِ فَلَا تَبْطُلُ، وَإِنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ جِنْسِ الْكَلَامِ فِيهَا، لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى، وَمِنْهُ تَكْبِيرُ مُبَلِّغٍ أَوْ إمَامٌ جَهَرَ أَوْ تَسْبِيحٌ مِنْ مُنَبِّهٍ عَلَى خَطَأٍ، وَفَاتِحٍ عَلَى إمَامٍ بِقَصْدِ الْإِعْلَامِ فِي ذَلِكَ، فَلَا تَبْطُلُ مَعَ الْجَهْلِ بِتَحْرِيمِهِ، وَمِنْهُ مَنْ أَتَى بِشَيْءٍ غَيْرِ مُبْطِلٍ، وَظَنَّهُ مُبْطِلًا، فَتَكَلَّمَ بِقَلِيلٍ عَامِدًا فَلَا تَبْطُلُ، وَفَارَقَ مَنْ أَكَلَ فِي الصَّوْمِ نَاسِيًا، فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ فَأَكَلَ عَامِدًا، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ، بِأَنَّ جِنْسَ الْكَلَامِ اُغْتُفِرَ عَمْدًا فِي الصَّلَاةِ وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ مَا أَتَى بِهِ، وَجَهِلَ كَوْنَهُ مُبْطِلًا أَوْ نَسِيَ حُرْمَةَ الْكَلَامِ، وَفِي الصَّلَاةِ، كَمَا قَالَهُ الْخَطِيبُ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ.
قَوْلُهُ: (إنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ) أَيْ أَسْلَمَ قَرِيبًا وَلَوْ مُخَالِطًا لَنَا
[حاشية عميرة]
[فَصْلٌ مُبْطِلَات الصَّلَاةُ]
فَصْلٌ: (تَبْطُلُ بِالنُّطْقِ) .
(قَوْلُهُ وَالثَّانِي قَالَ إنَّهَا لَا تُعَدُّ حَرْفًا) عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ لِأَنَّ الْمُدَّةَ قَدْ تَتَّفِقُ لِإِشْبَاعِ الْحَرَكَةِ وَلَا تُعَدُّ حَرْفًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْبُكَاءُ) أَيْ وَلَوْ لِأَمْرِ الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ) زَادَ الرَّافِعِيُّ: وَلَا يَكَادُ يَبِينُ مِنْهُ حَرْفٌ فَأَشْبَهَ الصَّوْتَ الْغُفْلَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (إنْ سَبَقَ لِسَانُهُ) لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ النِّسْيَانِ، وَدَلِيلُ النَّاسِي حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ، وَدَلِيلُ الْجَاهِلِ حَدِيثُ الْمَأْمُومِ، وَهُوَ
يُعْذَرُ فِيهِ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ.
(فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ يَقْطَعُ نَظْمَ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ، وَالثَّانِي يَقُولُ يُسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْعُذْرِ كَمَا سُوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي الْعَمْدِ، وَالْيَسِيرُ بِالْعُرْفِ، وَيُصَدِّقُ بِمَا فِي الشَّرْحِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ كَالْكَلِمَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ وَنَحْوِهَا، وَأَسْقَطَ ذَلِكَ مِنْ الرَّوْضَةِ (وَ) يُعْذَرُ (فِي التَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ) مِمَّا تَقَدَّمَ وَغَيْرِهِ كَالسُّعَالِ وَالْعُطَاسِ وَإِنْ ظَهَرَ بِهِ حِرْمَانٌ (لِلْغَلَبَةِ) هِيَ رَاجِعَةٌ لِلْجَمِيعِ (وَتَعَذُّرِ الْقِرَاءَةِ) لِلْفَاتِحَةِ هُوَ رَاجِعٌ إلَى التَّنَحْنُحِ فَقَطْ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا (لَا الْجَهْرِ) بِالْقِرَاءَةِ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ لَا ضَرُورَةَ إلَى التَّنَحْنُحِ لَهُ، وَالثَّانِي يُعْذَرُ فِي التَّنَحْنُحِ إقَامَةً لِشِعَارِهِ، وَسَكَتُوا عَنْ ظُهُورِ أَكْثَرَ مِنْ حَرْفَيْنِ
(وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكَلَامِ بَطَلَتْ فِي الْأَظْهَرِ) لِنُدْرَةِ الْإِكْرَاهِ فِيهَا، وَالثَّانِي لَا تَبْطُلُ كَالنَّاسِي، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ
[حاشية قليوبي]
قَبْلَهُ وَمِثْلُهُ مِنْ بَعُدَ عَنْ الْعُلَمَاءِ، بِحَيْثُ لَمْ يَجِدْ مَا يُوصِلُهُ إلَيْهِمْ بِمَا يَجِبُ بَذْلُهُ فِي الْحَجِّ.
(تَنْبِيهٌ) مَحَلُّ هَذَا فِي الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ، أَمَّا دَقَائِقُ الْعِلْمِ كَقَصْدِ الْإِعْلَامِ فِي الْمُبَلِّغِ مَثَلًا، فَيُعْذَرُ فِيهَا مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ تَارِكُهَا إلَى تَقْصِيرٍ كَمَا عُلِمَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الْكَلَامُ الْكَثِيرُ.
قَوْلُهُ: (يَقْطَعُ نَظْمَ الصَّلَاةِ) أَيْ فَلَا مُسَاوَاةَ مَعَ هَذَا الْفَرْقِ الظَّاهِرِ، كَمَا يَقُولُ الْمُقَابِلُ.
قَوْلُهُ: (وَيُصَدَّقُ) أَيْ الْكَلَامُ الْيَسِيرُ عُرْفًا بِمَا فِي الشَّرْحِ، وَهُوَ خَمْسُ كَلِمَاتٍ فَأَقَلُّ، لِأَنَّ نَحْوَ الشَّيْءِ لَا يُسَاوِيه، وَيُصَدَّقُ بِغَيْرِهِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَمُقْتَضَى مَا فِي الشَّرْحِ الْبُطْلَانُ بِالسِّتَّةِ، وَمُقْتَضَى مَا فِي غَيْرِهِ عَدَمُ الْبُطْلَانِ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُمَا، وَهُوَ عَدَمُ الْبُطْلَانِ بِالسِّتَّةِ إلَى مَا دُونَهَا، وَالْبُطْلَانُ بِمَا زَادَ عَلَيْهَا فَلِذَلِكَ أَسْقَطَهُمَا مِنْ الرَّوْضَةِ، وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ الْكَلِمَاتِ الْعُرْفِيَّةِ بِدَلِيلِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ مُعَاوِيَةَ بِالْإِعَادَةِ بِقَوْلِهِ وَاثُكْلَ أُمَّاهُ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ لَمَّا قَالَ لِلْعَاطِسِ: يَرْحَمُك اللَّهُ، وَنَظَرَ إلَيْهِ الصَّحَابَةُ نَظَرَ اعْتِرَاضٍ، فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ» ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِ كَلِمَاتٍ نَحْوِيَّةٍ، وَقِيلَ الْكَثِيرُ مَا زَادَ عَلَى ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ، وَقِيلَ مَا زَادَ عَلَى مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَقِيلَ مَا يَقَعُ فِي قَدْرِ مَا يَسَعُ رَكْعَةٍ مِنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ مَا يَسَعُ الصَّلَاةَ كُلَّهَا فَهَذِهِ أَقْوَالٌ.
قَوْلُهُ: (لِلْغَلَبَةِ) أَيْ وَكَانَ قَلِيلًا عُرْفًا فِي الْجَمِيعِ، وَلَا نَظَرَ لِحُرُوفِهِ، وَإِنْ كَثُرَتْ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْغَلَبَةِ عَدَمُ قُدْرَتِهِ عَلَى دَفْعِهِ.
نَعَمْ إنْ صَارَ طَبِيعَةً لَهُ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو مِنْهُ زَمَنًا يَسَعُ الصَّلَاةَ عُذِرَ فِيهِ مُطْلَقًا، وَلَا يَضُرُّ الصَّوْتُ الْغُفْلُ أَيْ الْخَالِي عَنْ الْحُرُوفِ، وَعَنْ نَحْوِ تَنَحْنُحٍ مُطْلَقًا، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا بِحَرْفٍ، وَإِلَّا فَيَضُرُّ لِأَنَّهُ كَالْمُدَّةِ فَرَاجِعْهُ، وَلَوْ صَهَلَ كَالْفَرَسِ مَثَلًا، فَهُوَ كَالتَّنَحْنُحِ فَيَبْطُلُ، إنْ ظَهَرَ فِيهِ حَرْفَانِ.
قَوْلُهُ: (لِلْفَاتِحَةِ) وَكَذَا كُلُّ قَوْلٍ وَاجِبٍ كَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ.
قَوْلُهُ: (رَاجِعٌ إلَى التَّنَحْنُحِ) أَيْ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِمَّا ذُكِرَ مَعَهُ، لَا تَتَوَقَّفُ الْقِرَاءَةُ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَقَيَّدُ الْعُذْرُ فِي هَذَا بِقِلَّةٍ، وَلَا بِكَثْرَةٍ بَلْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَإِنْ كَثُرَتْ حُرُوفُهُ، وَيُعْذَرُ فِي التَّنَحْنُحِ أَيْضًا لِإِخْرَاجِ نُخَامَةٍ خِيفَ مِنْهَا، بُطْلَانُ صَوْمِهِ أَوْ صَلَاتِهِ كَأَنْ حَصَلَتْ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ.
قَوْلُهُ: (لَا الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ) وَلَوْ لِلْفَاتِحَةِ، وَكَذَا غَيْرُ الْقِرَاءَةِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالتَّبْلِيغِ، وَإِنْ تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ صَلَاةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَصْحِيحُ صَلَاةِ غَيْرِهِ، نَعَمْ إنْ تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ صَلَاةِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ، كَجَهْرِ مُبَلِّغٍ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ سَمَاعُ الْأَرْبَعِينَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ عُذِرَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَسَكَتُوا إلَخْ) أَيْ فِي السَّعْلَةِ الْوَاحِدَةِ مَثَلًا لِأَنَّهُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا كَمَا قَالَهُ شَيْخُ شَيْخِنَا عَمِيرَة.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكَلَامِ بَطَلَتْ) وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طُهْرٍ، أَوْ بِغَيْرِ اسْتِقْبَالٍ أَوْ بِغَيْرِ سُتْرَةٍ،
[حاشية عميرة]
مُعَاوِيَةُ بْن الْحَكَمِ الَّذِي تَكَلَّمَ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَرَمَقَهُ الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ لَهُ حَالَتَانِ عَدَمُ الْعُذْرِ وَقَدْ سَلَفَ، وَحَالَةُ عُذْرٍ وَقَدْ شَرَعَ الْآن فِي بَيَانِهَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَقْطَعُ نَظْمَ الصَّلَاةِ) وَإِنَّ السَّبْقَ وَالنِّسْيَانَ فِي الْكَثِيرِ نَادِرٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُصَدَّقُ بِمَا فِي الشَّرْحِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ: الْأَظْهَرُ الْعُرْفُ وَالثَّانِي الْقَدْرُ الْوَاقِعُ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَالثَّالِثُ ثَلَاثُ كَلِمَاتٍ وَنَحْوُهَا، فَحَاوَلَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَدَّ الثَّالِثِ إلَى الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ) مَشَى فِي الْإِرْشَادِ عَلَى اعْتِبَارِ الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ، وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ اغْتِفَارَهُ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لِلْغَلَبَةِ.
قَوْلُهُ: (لِلْجَمِيعِ) أَيْ قَوْلُ الْمَتْنِ وَفِي التَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (إقَامَةً لِشِعَارِهِ) قِيلَ يَدْخُلُ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ بَعْضَ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ثُمَّ احْتَاجَ لِلتَّنَحْنُحِ لِلْجَهْرِ لَا يُعْذَرُ جَزْمًا، لِأَنَّ الشِّعَارَ قَدْ وُجِدَ بِقِرَاءَةِ بَعْضِ السُّورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَسَكَتُوا عَنْ ظُهُورِ أَكْثَرَ مِنْ حَرْفَيْنِ) هُوَ كَمَا قَالَ بِالنَّظَرِ إلَى السَّعْلَةِ الْوَاحِدَةِ مَثَلًا، فَقَدْ رَاجَعْت الرَّوْضَةَ وَأَصْلَهَا فَوَجَدْتهمَا كَذَلِكَ، فَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ عِنْدَ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ لِلْغَلَبَةِ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ فِي كُتُبِهِمَا عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، لَكِنْ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ أَنَّ غَلَبَةَ الْكَلَامِ وَالسُّعَالِ يُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةَ وَالْقِلَّةَ فِي نَفْسِ السُّعَالِ لَا فِي الْأَحْرُفِ الْخَارِجَةِ بِالسَّعْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ الْحَالُ الثَّانِي فِي الْكَلَامِ بِعُذْرٍ، فَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ
الْخِلَافَ فِي الْيَسِيرِ، وَأَنَّهَا تَبْطُلُ بِالْكَثِيرِ جَزْمًا.
(وَلَوْ نَطَقَ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ بِقَصْدِ التَّفْهِيمِ كَ ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: 12] مُفْهِمًا بِهِ مَنْ يَسْتَأْذِنُ فِي أَخْذِ شَيْءٍ أَنْ يَأْخُذَهُ (إنْ قَصَدَ مَعَهُ) أَيْ التَّفْهِيمَ (قِرَاءَةً لَمْ تَبْطُلْ) كَمَا لَوْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ فَقَطْ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ قَصَدَ التَّفْهِيمَ فَقَطْ.
(بَطَلَتْ) بِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ شَيْئًا فَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا تَبْطُلُ، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ كَلَامَ الْآدَمِيِّ، فَلَا يَكُونُ قُرْآنًا إلَّا بِالْقَصْدِ، وَفِي الدَّقَائِقِ وَالتَّحْقِيقِ الْجَزْمُ بِالْبُطْلَانِ (وَلَا تَبْطُلُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ إلَّا أَنْ يُخَاطِبَ) بِهِ (كَقَوْلِهِ لِعَاطِسٍ: رَحِمَك اللَّهُ) فَتَبْطُلُ بِهِ خِلَافٌ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَخِطَابُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يَضُرُّ كَأَعْلَمُ مِنْ أَذْكَارِ الرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ
[حاشية قليوبي]
بِخِلَافِ مَا لَوْ غُصِبَتْ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (بِنَظْمِ الْقُرْآنِ) أَيْ بِصُورَةِ قُرْآنٍ عَلَى نَظْمِهِ الْمَعْرُوفِ، وَزَادَ لَفْظَ نَظْمٍ لِيَصِحَّ التَّقْسِيمُ، وَسَوَاءً ابْتَدَأَ بِهِ أَوْ انْتَهَى فِي قِرَاءَتِهِ إلَيْهِ، أَوْ قَالَهُ تَبَعًا لِإِمَامِهِ أَوْ لَمْ يَصْلُحْ لِلْإِفْهَامِ، وَمِنْهُ (كهيعص) مَثَلًا وَخَرَجَ بِذَلِكَ نَحْوُ (قِ) ، (ص) (ن) وَنَحْوُ يَا إبْرَاهِيمُ، سَلَامٌ، كُنْ، فَإِنْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ مَعَ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى انْفِرَادِهِ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا بَطَلَتْ سَوَاءً جَمَعَهَا أَوْ فَرَّقَهَا، وَخَرَجَ نَحْوُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 277] ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 257] فَتَبْطُلُ إنْ تَعَمَّدَ وَإِلَّا فَلَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
قَالَ الْقَفَّالُ وَيَكْفُرُ إنْ تَعَمَّدَ وَاعْتَقَدَ مَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: (إنْ قَصَدَ مَعَهُ) أَيْ التَّفْهِيمَ قِرَاءَةً أَيْ أَوْ ذِكْرٌ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ قَصْدُ الذَّكَرِ، بِالْقُرْآنِ لَا عَكْسُهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ شَيْئًا) هَذِهِ مِمَّا يَشْمَلُهَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهَا عَنْهُ لِضَرُورَةِ التَّقْسِيمِ.
قَوْلُهُ: (كَلَامُ الْمُصَنِّفِ) هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبَ.
قَوْلُهُ: (إنَّهَا تَبْطُلُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا لَوْ قَصَدَ التَّفْهِيمَ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَكُونُ) هُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى مَا يُشْبِهُ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْقَرِينَةِ، الصَّارِفَةِ كَقِرَاءَةِ الْجُنُبِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَبْطُلُ بِالذِّكْرِ) وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ حَيْثُ خَلَا عَنْ صَارِفٍ أَوْ قَصَدَهُ، وَلَوْ مَعَ الصَّارِفِ كَمَا مَرَّ فِي الْقُرْآنِ، وَمِنْهُ سُبْحَانَ اللَّهِ فِي التَّنْبِيهِ كَمَا يَأْتِي، وَتَكْبِيرَاتُ الِانْتِقَالَاتِ مِنْ مُبَلِّغٍ أَوْ إمَامٍ جَهَرَا.
قَالَ شَيْخُنَا، وَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ الذِّكْرِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَاكْتَفَى الْعَلَّامَةُ الْخَطِيبُ بِقَصْدِ ذَلِكَ، فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ عِنْدَ أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ، وَمِنْهُ اسْتَعَنْت بِاَللَّهِ أَوْ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ عِنْدَ سَمَاعِ آيَتِهَا، وَمِنْهُ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَشَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ كُلُّ مَا لَفْظُهُ الْخَبَرُ نَحْوُ صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ، أَوْ آمَنْت بِاَللَّهِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقِرَاءَةِ، بَلْ قَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ لَا يَضُرُّ الْإِطْلَاقُ فِي هَذَا، كَمَا فِي نَحْوِ سَجَدْت لِلَّهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَمِنْهُ مَا لَوْ قَالَ الْغَافِرُ أَوْ السَّلَامُ، فَإِنْ قَصَدَ أَنَّهُ اسْمُ اللَّهِ، أَوْ الذِّكْرُ لَمْ تَبْطُلُ وَإِلَّا بَطَلَتْ.
(تَنْبِيهٌ) مِنْ الذِّكْرِ التَّلَفُّظُ بِالْقُرْبَةِ كَنَذْرٍ، وَعِتْقٍ وَوَقْفٍ وَصَدَقَةٍ حَيْثُ خَلَتْ عَنْ خِطَابٍ، وَتَعْلِيقٍ قَالَهُ شَيْخُنَا: كَابْنِ حَجَرٍ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ الْبُطْلَانَ فِي غَيْرِ نَذْرِ التَّبَرُّرِ، سَوَاءً قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا، أَوْ نَذْرٌ عَلَيَّ كَذَا، أَوْ نَذَرْت لِلَّهِ كَذَا، وَلَا يَتَقَيَّدُ مَا ذُكِرَ بِالْكَلَامِ الْقَلِيلِ.
قَوْلُهُ: (وَالدُّعَاءُ) غَيْرُ الْمُحَرَّمِ وَلَوْ مَنْظُومًا خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، أَوْ مُسَجَّعًا أَوْ مُسْتَحِيلًا خِلَافًا لِلْعَبَّادِيِّ، لِعَدَمِ حُرْمَتِهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ التَّمَنِّي أَوْ ضِمْنِيًّا نَحْوُ أَنَا الْمُذْنِبُ كَمْ أَحْسَنْت إلَيَّ، وَأَسَأْت وَلَوْ قَالَ النِّعْمَةُ أَوْ الْعَافِيَةُ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الدُّعَاءَ بَطَلَتْ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يُخَاطِبَ بِهِ) أَيْ بِالذِّكْرِ أَوْ الدُّعَاءِ، وَلَوْ لِغَيْرِ عَاقِلٍ كَقَوْلِهِ لِلْقَمَرِ رَبِّي وَرَبُّك اللَّهُ، وَمَا وَرَدَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَإِبْلِيسَ فِي الصَّلَاةِ: أَلْعَنُك بِلَعْنَةِ اللَّهِ» ، فَلَعَلَّهُ كَانَ سَهْوًا أَوْ قِيلَ وُرُودُ الْمَنْعِ أَوْ مَرْوِيٌّ بِالْحِكَايَةِ، وَتَقَدَّمَ جَوَازُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِلْمَأْثُورِ دُونَ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَرَسُولُهُ) أَيْ لَا تَبْطُلُ بِخِطَابِ رَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ فِي غَيْرِ التَّشَهُّدِ كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ كَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْك يَا مُحَمَّدُ.
(تَنْبِيهٌ) يُؤْخَذُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ إجَابَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَوْ بِكَثِيرِ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ، وَلَوْ مَعَ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا بَعْدَهُ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ حَيْثُ، لَمْ تَزِدْ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ كَخِطَابِهِ، وَالْمُرَادُ بِهَا جَوَابُ كَلَامِهِ، وَلَوْ بِلَا مُنَادَاةٍ فَلَوْ ابْتَدَأَهُ الْمُصَلِّي، بِهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِذَا تَمَّتْ الْإِجَابَةُ بِالْفِعْلِ أَتَمَّ صَلَاتَهُ مَكَانَهُ، وَسُئِلَ شَيْخُنَا عَمَّا لَوْ كَانَ الْمُجِيبُ إمَامًا، وَلَزِمَ تَأَخُّرُهُ عَنْ الْقَوْمِ أَوْ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِمْ، بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثمِائَةِ ذِرَاعٍ، هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ حَالًا، أَوْ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالْمُبْطِلِ، أَوْ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِجَابَةِ، أَوْ يُغْتَفَرُ لَهُ عَوْدُهُ إلَى مَحَلِّهِ الْأَوَّلِ، أَوْ لَهُمْ مُتَابَعَتُهُ فِي مَحَلِّهِ الْآنَ، كَشِدَّةِ الْخَوْفِ، فَقَالَ: سُئِلَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ: بِأَنَّ
[حاشية عميرة]
إلَى الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ غَلَبَهُ الضَّحِكُ أَوْ السُّعَالُ فَبَانَ مِنْهُ حَرْفَانِ أَوْ تَكَلَّمَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا تَحْرِيمُ الْكَلَامِ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ كَثُرَ بَطَلَتْ عَلَى الْأَصَحِّ اهـ. وَهُوَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ يُورَثُ نَظَرًا فِي قَوْلِ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَسَكَتُوا.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا) يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ كَالنَّاسِي.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ نَطَقَ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ الْقُرْآنِ، وَالذِّكْرِ قَدْ يَلْحَقُ بِالْكَلَامِ الْمُضِرِّ لِعَارِضٍ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ) عَلَّلَهُ غَيْرُهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى التَّسْبِيحِ الْوَارِدِ فِي الْفَتْحِ عَلَى الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (وَخِطَابُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يَضُرُّ) لَا تَبْطُلُ بِإِجَابَةِ
وَمِنْ التَّشَهُّدِ.
(وَلَوْ سَكَتَ طَوِيلًا) عَمْدًا (بِلَا غَرَضٍ لَمْ تَبْطُلْ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ السُّكُوتَ لَا يَخْرِمُ هَيْئَةَ الصَّلَاةِ، وَالثَّانِي يَقُولُ: هَذَا السُّكُوتُ مُشْعِرٌ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا، أَمَّا السُّكُوتُ الْيَسِيرُ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ جَزْمًا، وَكَذَا الطَّوِيلُ نَاسِيًا، أَوْ لِغَرَضٍ كَتَذَكُّرِ مَا نَسِيَهُ، وَقِيلَ فِي كُلِّ وَجْهَانِ، لَكِنَّهُمَا فِي الْأَوَّلِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ عَمْدَهُ مُبْطِلٌ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ يَلِي هَذَا أَنَّ تَطْوِيلَ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ بِسُكُوتٍ يُبْطِلُ عَمْدُهُ فِي الْأَصَحِّ لِإِخْلَالِهِ بِالْمُوَالَاةِ.
(وَيُسَنُّ لِمَنْ نَابَهُ شَيْءٌ) فِي صَلَاتِهِ (كَتَنْبِيهِ إمَامِهِ) عَلَى سَهْوٍ (وَإِذْنِهِ لِدَاخِلٍ) أَيْ لِمُسْتَأْذِنٍ فِي الدُّخُولِ (وَإِنْذَارِهِ أَعْمَى) أَنْ يَقَعَ فِي بِئْرٍ مَثَلًا (أَنْ يُسَبِّحَ) الرَّجُلُ أَيْ يَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ.
(وَتُصَفِّقُ الْمَرْأَةُ بِضَرْبِ) بَطْنِ (الْيَمِينِ عَلَى ظَهْرِ الْيَسَارِ) فَلَوْ ضَرَبَتْ عَلَى بَطْنِهَا عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لِمُنَافَاةِ اللَّعِبِ لِلصَّلَاةِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» (وَلَوْ فَعَلَ فِي صَلَاتِهِ غَيْرَهَا إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهَا) كَزِيَادَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ (بَطَلَتْ) لِتَلَاعُبِهِ بِهَا (إلَّا أَنْ يَنْسَى) أَنَّهُ فَعَلَ مِثْلَهُ فَلَا تَبْطُلُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَلَمْ يُعِدْهَا؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ اقْتَدَى فِي حَالِ سُجُودِ الْإِمَامِ مَثَلًا وَجَبَتْ مُتَابَعَتُهُ فِيهِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ يَلِي هَذَا أَنَّهُ لَوْ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا عَمْدًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ فِي الْأَصَحِّ وَكَذَا لَوْ قَالَ مَرَّتَيْنِ لَمْ تَبْطُلْ
[حاشية قليوبي]
الْقَلْبَ إلَى الْأَوَّلِ أَمْيَلُ، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَالْوَجْهُ الْمَيْلُ إلَى الثَّانِي، إلَّا إنْ كَانَ هُوَ الْمُرَادَ مِنْ كَلَامِهِ، أَمَّا غَيْرُ نَبِيِّنَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، فَتَجِبُ إجَابَتُهُمْ بِالْقَوْلِ، أَوْ الْفِعْلِ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَلَوْ فِي الْفَرْضِ، وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَخِطَابِهِمْ أَيْضًا، وَنُقِلَ عَنْ وَالِدِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، أَنَّ إجَابَتَهُمْ مَنْدُوبَةٌ، وَضُعِّفَ وَأَمَّا إجَابَةُ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فَحَرَامٌ فِي الْفَرْضِ مُطْلَقًا، وَمَكْرُوهَةٌ فِي النَّفْلِ إلَّا لِوَالِدٍ، وَلَوْ أُنْثَى أَوْ بَعِيدًا إنْ شُقَّ عَلَيْهِ عَدَمُ الْإِجَابَةِ، فَلَا تُكْرَهُ وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ فِي الْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ سَكَتَ طَوِيلًا) وَلَوْ عَمْدًا بِلَا قَصْدِ قَطْعٍ لَمْ تَبْطُلْ وَمِثْلُهُ نَوْمٌ مُمْكِنٌ، وَلَوْ فِي رُكْنٍ قَصِيرٍ، إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْهُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ إلَخْ) الْمَعْنَى أَنَّ التَّسْبِيحَ لِلرَّجُلِ، وَالتَّصْفِيقَ لِلْأُنْثَى بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، عِنْدَ التَّنْبِيهِ مَنْدُوبٌ، وَالْخُنْثَى كَالْأُنْثَى فَلَوْ فَعَلَا ذَلِكَ لَا لِعَارِضٍ، أَوْ صَفَّقَ الرَّجُلُ مُطْلَقًا، أَوْ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ سَبَّحَتْ حَصَلَتْ سُنَّةُ التَّنْبِيهِ، وَإِنْ كُرِهَ مِنْ حَيْثُ الْمُخَالَفَةِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا فِي الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ، وَالتَّنْبِيهُ فِي نَحْوِ إنْذَارِ الْأَعْمَى وَاجِبٌ، فَلَوْ تَوَقَّفَ عَلَى مَشْيٍ أَوْ كَلَامٍ مُبْطِلٍ، وَجَبَ، وَبَطَلَتْ بِهِ، وَلَا بُدَّ فِي التَّسْبِيحِ مِنْ قَصْدِ الذِّكْرِ، وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ كَمَا مَرَّ، وَلَا يَضُرُّ فِي التَّصْفِيقِ قَصْدُ الْإِعْلَامِ، وَلَا تَوَالِيهِ وَلَا زِيَادَتِهِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بُعْدُ إحْدَى الْيَدَيْنِ، عَنْ الْأُخْرَى وَعَوْدِهَا إلَيْهَا، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَيُصَرِّحُ بِهِ التَّعَلُّلُ، بِأَنَّهُ فِعْلٌ خَفِيفٌ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ دَفْعَ الْمَارِّ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (بِضَرْبِ بَطْنِ الْيَمِينِ عَلَى ظَهْرِ الْيَسَارِ) أَوْ عَكْسِهِ أَوْ ضَرْبِ ظَهْرٍ عَلَى ظَهْرٍ أَوْ بَطْنٍ عَلَى بَطْنٍ، وَكُلُّ يَدٍ مِنْهُمَا إمَّا ضَارِبَةٌ أَوْ مَضْرُوبَةٌ، فَالْكَيْفِيَّاتُ ثَمَانِيَةٌ.
قَوْلُهُ: (عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ) أَيْ فَقَطْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، فَلَا يَضُرُّ قَصْدُ اللَّعِبِ مَعَ غَيْرِهِ، كَمَا فِي الذِّكْرِ فَرَاجِعْهُ وَخُصَّتْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ بِذَلِكَ، لِغَلَبَتِهِ فِيهَا فَغَيْرُهَا كَذَلِكَ، وَكَذَا كُلُّ فِعْلٍ خَفِيفٍ كَرَفْعِ الْأُصْبُعِ الْوُسْطَى، بِقَصْدِ الْفَاحِشَةِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُكْرَهُ التَّصْفِيقُ خَارِجَ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، وَلَوْ بِضَرْبِ بَطْنٍ عَلَى بَطْنٍ، وَبِقَصْدِ اللَّعِبِ، وَمَعَ بُعْدِ إحْدَى الْيَدَيْنِ عَنْ الْأُخْرَى.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: إنَّهُ حَرَامٌ بِقَصْدِ اللَّعِبِ، وَكَتَصْفِيقٍ فِيمَا ذُكِرَ ضَرْبُ الصَّبِيِّ عَلَى بَعْضِهِ، أَوْ بِنَحْوِ قَضِيبٍ أَوْ ضَرْبٍ خَشَبٍ عَلَى مِثْلِهِ، حَيْثُ حَصَلَ بِهِ الطَّرَبُ.
قَوْلُهُ: (كَزِيَادَةِ رُكُوعٍ) أَيْ صُورَتِهِ لِغَيْرِ مُقْتَضًّ، فَلَا يَضُرُّ وُجُودُهُ لِنَحْوِ مَنْدُوبٍ كَقَتْلِ حَيَّةٍ صَالَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَثُرَ أَيْ مَا لَمْ يَتَوَالَ كَمَا يَأْتِي، وَلَا فِي نَحْوِ هُوِيِّهِ لِسُجُودٍ، وَلَوْ لِتِلَاوَةٍ، وَإِنْ قَطَعَهُ لِتَرْكِهِ، وَلَا فِي قِيَامِهِ مِنْهُ، وَلَا فِي قِيَامِهِ عَنْ الْجُلُوسِ، وَلَا فِي تَوَرُّكِهِ أَوْ افْتِرَاشِهِ فِي التَّشَهُّدِ، خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ اقْتَدَى إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَتْ مُتَابَعَتُهُ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ السَّجْدَةِ، أَوْ أَحْدَثَ قَبْلَ شُرُوعِ الْمَأْمُومِ فِيهَا، امْتَنَعَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا فِيهِمَا، فَإِنْ فَعَلَهَا عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
[حاشية عميرة]
النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَكَذَا إجَابَتُهُ بِالْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَوَّلِ) هُوَ الطَّوِيلُ نَاسِيًا
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ لِمَنْ نَابَهُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْكِتَابِ تَقْضِي أَنَّ الْخُنْثَى يُسَبِّحُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ السُّنَّةُ فِي حَقِّهِ التَّصْفِيقُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الْفُتُوحِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (كَتَنْبِيهِ إمَامِهِ) مِثْلُ ذَلِكَ إعْلَامُ غَيْرِهِ بِأَمْرِ مَا أَرَادَ الْمُصَلِّي إعْلَامَهُ بِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِنْذَارُهُ أَعْمَى إلَخْ) الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِ الْكِتَابِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ حُكْمِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَلَا يُنَافِي كَوْنَ الْإِنْذَارِ وَاجِبًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَنْ يُسَبِّحَ) .
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: هُوَ مَنْدُوبٌ إذَا كَانَ
عَلَى النَّصِّ، وَعَنْ ذَلِكَ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فَعَلَ دُونَ أَتَى.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهَا كَالْمَشْيِ وَالضَّرْبِ.
(فَتَبْطُلُ بِكَثِيرِهِ لَا قَلِيلِهِ) «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ، فَكَانَ إذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي فِي صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ أَنَّهُ يُعْذَرُ فِيهَا فِي الْكَثِيرِ لِحَاجَةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْقَلِيلِ الْأَكْلُ فَتَبْطُلُ بِهِ لِمَا سَيَأْتِي.
(وَالْكَثْرَةُ) وَالْقِلَّةُ (بِالْعُرْفِ فَالْخُطْوَتَانِ أَوْ الضَّرْبَتَانِ قَلِيلٌ وَالثَّلَاثُ) مِنْ ذَلِكَ (كَثِيرٌ إنْ تَوَالَتْ) لَا إنْ تَفَرَّقَتْ بِأَنْ تُمَدَّ الثَّانِيَةُ مَثَلًا مُنْقَطِعَةً عَنْ الْأُولَى عَادَةً.
(وَتَبْطُلُ بِالْوَثْبَةِ الْفَاحِشَةِ) قَطْعًا كَمَا قَالَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ إلْحَاقًا لَهَا بِالْكَثِيرِ (لَا الْحَرَكَاتِ الْخَفِيفَةِ الْمُتَوَالِيَةِ كَتَحْرِيكِ أَصَابِعِهِ فِي سُبْحَةٍ أَوْ حَكٍّ فِي الْأَصَحِّ) إلْحَاقًا لَهَا بِالْقَلِيلِ وَالثَّانِي يُنْظَرُ إلَى كَثْرَتِهَا (وَسَهْوُ الْفِعْلِ) الْكَثِيرِ (كَعَمْدِهِ) فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِهِ (فِي الْأَصَحِّ) الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ نَظْمَهَا، وَالثَّانِي وَاخْتَارَهُ فِي التَّحْقِيقِ أَنَّهُ كَعَمْدِ قَلِيلِهِ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ، وَجَهْلُ التَّحْرِيمِ كَالسَّهْوِ أَخْذًا مِمَّا سَيَأْتِي.
(وَتَبْطُلُ بِقَلِيلِ الْأَكْلِ) لِإِشْعَارِهِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا (قُلْت إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) فَلَا تَبْطُلُ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الشَّرْحِ بِخِلَافِ كَثِيرِهِ، فَتَبْطُلُ بِهِ
[حاشية قليوبي]
تَنْبِيهٌ) لَوْ رَفَعَ الْمُصَلِّي رَأْسَهُ عَنْ مَحَلِّ سُجُودِهِ لِنَحْوِ خُشُونَتِهِ، أَوْ نَقَلَ جَبْهَتَهُ لِمَحَلٍّ آخَرَ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَمَامِ السُّجُودِ بَطَلَتْ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (بِكَثِيرِهِ) أَيْ يَقِينًا وَلَوْ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ تَمَامِهَا، لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا.
نَعَمْ إنْ عُذِرَ فِي الْكَثِيرِ لِنَحْوِ جَرَبٍ، أَوْ حَكَّةٍ أَوْ قُمَّلٍ لَمْ يَضُرَّ.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَثْنَى إلَخْ) فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الْفِعْلِ، فَلَيْسَ مِمَّا يَأْتِي أَوْ مِنْ الْمَأْكُولِ فَلَيْسَ مِمَّا هُنَا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَالْخُطْوَتَانِ) مُثَنَّى خُطْوَةٍ وَإِنْ اتَّسَعَتْ جَدًّا حَيْثُ خَلَتْ عَنْ الْوَثْبَةِ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْخَاءِ، نَقْلُ الْقَدَمِ عَنْ مَحَلِّهِ سَوَاءً أَعَادَهُ إلَى مَحَلِّهِ أَوْ غَيَّرَهُ، فَإِنْ أَعَادَهُ لِذَلِكَ بَعْدَ سُكُونِهِ فَخُطْوَةُ ثَانِيَةٌ، وَإِلَّا فَوَاحِدَةٌ، وَبِضَمِّهَا مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ، وَذَهَابُ الْيَدِ وَعَوْدِهَا كَالرِّجْلِ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ شَأْنَ الْيَدِ الْعَوْدُ إلَى مَحَلِّهَا، بِخِلَافِ الرِّجْلِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّلَاثُ كَثِيرٌ) فَتَبْطُلُ بِفِعْلِهَا أَوْ بِالشُّرُوعِ فِيهَا بَعْدَ قَصْدِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ بِعُضْوٍ أَوْ أَعْضَاءٍ، كَيَدَيْهِ وَرَأْسِهِ مَعًا أَوْ مُتَوَالِيَةً، وَسَوَاءٌ كَانَتْ لِعُذْرٍ، كَقَتْلِ حَيَّةٍ صَالَتْ عَلَيْهِ، أَوْ دَفْعِ مَارٍّ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (الْفَاحِشَةُ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِأَنَّ الْوَثْبَةَ لَا تَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ، فَتَبْطُلُ بِهَا وَلَوْ لِعُذْرٍ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (كَتَحْرِيكِ أَصَابِعِهِ) أَيْ مَعَ قَرَارِ سَاعِدِهِ وَرَاحَتِهِ، وَهِيَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ مَعَ قَرَارِ كَفِّهِ، لِأَنَّ الْأَصَابِعَ بَعْضُ الْكَفِّ بَلْ الْوَجْهُ، الِاكْتِفَاءُ بِقَرَارِ سَاعِدِهِ فَقَطْ، فَرَاجِعْهُ وَكَالْأَصَابِعِ آذَانُهُ وَأَجْفَانُهُ وَحَوَاجِبُهُ وَلِسَانُهُ وَشَفَتَاهُ، وَذَكَرُهُ وَأُنْثَيَاهُ.
قَوْلُهُ: (فِي سَبْحَةٍ) أَوْ لِحَلِّ عَقْدٍ أَوْ عَبَثًا لَا بِقَصْدِ لَعِبٍ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ) وَقَالُوا: لِأَنَّ الْفِعْلَ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ، بِدَلِيلِ نُفُوذِ اسْتِيلَادِ السَّفِيهِ دُونَ إعْتَاقِهِ، لَا يُقَالُ قَدْ اُغْتُفِرَ هُنَا قَلِيلُ الْفِعْلِ عَمْدًا، لِأَنَّهُ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (بِقَلِيلِ الْأَكْلِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ الْمَأْكُولِ وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مُفْطِرٍ فَيَشْمَلُ الْمَشْرُوبَ وَغَيْرَهُ، وَلَوْ بِإِدْخَالِ نَحْوِ عُودٍ فِي أُذُنِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ جَاهِلًا) أَيْ مَعْذُورًا.
كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَبْطُلُ
[حاشية عميرة]
التَّنْبِيهُ قُرْبَةً وَمُبَاحٌ إذَا كَانَ مُبَاحًا، قَالَ غَيْرُهُ: وَوَاجِبٌ إذَا كَانَ وَاجِبًا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْفَتْحُ عَلَى الْإِمَامِ فِيهِ تَفْصِيلُ الْقِرَاءَةِ السَّابِقَةِ اهـ. بِمَعْنَاهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِكَثِيرِهِ لَا قَلِيلِهِ) وَجْهُ ذَلِكَ بَعْدَ كَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ أَنَّ الْمُصَلِّي يَعْسُرُ عَلَيْهِ السُّكُونُ عَلَى هَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ فِي زَمَانٍ طَوِيلٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ التَّعْظِيمِ فَعُفِيَ عَنْ الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يُخِلُّ بِالتَّعْظِيمِ دُونَ الْكَثِيرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَالْخُطْوَتَانِ) الْخُطْوَةُ بِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ وَبِالضَّمِّ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ، قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (إنْ تَوَالَتْ) أَيْ وَلَوْ مِنْ أَجْنَاسٍ كَخُطْوَةٍ وَضَرْبَةٍ وَخَلْعِ نَعْلٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي سُبْحَةٍ) مِثْلُهُ مَا لَوْ حَرَّكَهَا فِي عَقْدِ شَيْءٍ أَوْ حَلِّهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: أَوْ لِغَيْرِ سَبَبٍ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَنْظُرُ إلَخْ) أَيْ وَعَلَيْهِ يَكُونُ ذَهَابُ الْأُصْبُعِ وَجَذْبُهَا حَرَكَةً وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ: (الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ) يَعْنِي أَنَّ الْجُمْهُورَ اقْتَصَرُوا عَلَى حُكْمِ الْبُطْلَانِ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْوَجْهَ الْآخَرَ، وَلِهَذَا كَانَ الْأَصَحُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَةً لِلْقَطْعِ بِالْبُطْلَانِ لِأَنَّهُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ الْفِعْلَ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ بِدَلِيلِ نُفُوذِ إحْبَالِ السَّفِيهِ دُونَ إعْتَاقِهِ، وَقَالُوا: وَلَا يُعْتَرَضُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِقَلِيلِ الْكَلَامِ الْعَمْدِ دُونَ قَلِيلِ الْفِعْلِ الْعَمْدِ لِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْفِعْلِ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْكَلَامِ.
قَوْلُهُ: (وَاخْتَارَهُ فِي التَّحْقِيقِ) صَحَّحَهُ أَيْضًا فِي التَّتِمَّةِ وَهُوَ قَوِيٌّ يَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَخْذًا مِمَّا سَيَأْتِي) الَّذِي سَيَأْتِي هُوَ قَوْلُهُ مَعَ النِّسْيَانِ أَوْ جَهْلِ التَّحْرِيمِ.
قَوْلُهُ: (لِإِشْعَارِهِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا) أَيْ فَلَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ وَمِثْلُ الْأَكْلِ سَائِرُ مَا يُفْطِرُ الصَّائِمَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ
مَعَ النِّسْيَانِ أَوْ جَهْلِ التَّحْرِيمِ فِي الْأَصَحِّ وَالْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ بِالْعُرْفِ.
(فَلَوْ كَانَ بِفَمِهِ سُكَّرَةٌ) فَذَابَتْ (فَبَلِعَ) بِكَسْرِ اللَّامِ (ذَوْبَهَا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْأَكْلِ وَالثَّانِي لَا تَبْطُلُ لِعَدَمِ الْمَضْغِ وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ كَالشَّرْحِ سُكَّرَةٌ تَذُوبُ وَتَسُوغُ أَيْ تَنْزِلُ إلَى الْجَوْفِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَعَدَلَ عَنْهُ إلَى الْبَلْعِ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي التَّفْرِيعِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ تَعْبِيرِ الْغَزَالِيِّ بِامْتِصَاصِهَا.
(وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي) إذَا تَوَجَّهَ (إلَى جِدَارٍ أَوْ سَارِيَةٍ) أَيْ عَمُودٍ.
(أَوْ عَصًا مَغْرُوزَةٍ أَوْ بَسَطَ مُصَلَّى) كَسَجَّادَةٍ بِفَتْحِ السِّينِ (أَوْ خَطَّ قُبَالَتَهُ) أَيْ تُجَاهَهُ خَطًّا طُولًا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ.
(دَفْعُ الْمَارِّ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِ الْمَذْكُورَاتِ الْمُرَادِ
[حاشية قليوبي]
بِهِ) أَيْ بِقَلِيلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا وَمَحَلُّهُ، إنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَضْغٍ كَثِيرٍ، لِأَنَّهُ مِنْ الْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: (بَطَلَتْ فِي الْأَصَحِّ) .
قَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا عَمِيرَة، قَدْ اُعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِتَصْحِيحِ طَرِيقِ الْقَطْعِ فِي كَثِيرِ الْفِعْلِ، سَهْوًا مَعَ الْعَفْوِ عَنْ قَلِيلِهِ، وَعَدَمِ الْعَفْوِ عَنْ قَلِيلِ الْأَكْلِ انْتَهَى.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَمَّا اُعْتُبِرَ هُنَا الْمُفْطِرُ، وَكَثِيرُ الْأَكْلِ نَاسِيًا غَيْرَ مُفْطِرٍ، فَكَانَ قِيَاسُهُ أَنْ لَا تَبْطُلَ بِهِ الصَّلَاةُ، فَلَا يُقَالُ بِالْقَطْعِ فِيهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَعَدَلَ إلَخْ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ الْوَجْهُ إسْقَاطُ هَذَا، لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَكْلِ فِيمَا ذُكِرَ الْفِعْلُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
نَعَمْ فِي كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْخِلَافِ مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا مَعًا فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ إلَخْ) وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ مَعَ حُرْمَةِ الْمُرُورِ مُرَاعَاةً لِحُرْمَةِ الصَّلَاةِ مِنْ طَلَبِ الْخُشُوعِ، وَعَدَمِ الْحَرَكَةِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (لِلْمُصَلِّي) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، وَقَدَّمَ هَذَا عَلَى النَّفْلِ لِمَا سَيَأْتِي فِي سُجُودِ السَّهْوِ، وَمِثْلُ الْمُصَلِّي مَنْ أَحْرَمَ بِسُجُودِ تِلَاوَةٍ أَوْ شُكْرٍ، وَيُسَنُّ الدَّفْعُ لِغَيْرِ الْمُصَلَّى عَنْهُ، لِأَنَّ حِكْمَتَهُ الْأَصْلِيَّةُ إزَالَةُ الْمُنْكَرِ وَتَشْوِيشُ الْخُشُوعِ.
قَوْلُهُ: (إذَا تَوَجَّهَ) قَدَّرَ تَوَجَّهَ لِيَصِحَّ عَطْفُ بَسَطَ، وَخَطَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّرَ إذْ الدَّفْعُ تُوهِمُ أَنَّ تَوَجُّهَ مَصْدَرُ نَائِبِ الْفَاعِلِ، فَيَتَكَرَّرُ مَعَ مَا بِعَهْدٍ، وَلِإِفَادَةِ شَرْطِيَّةِ الدَّفْعِ، وَاخْتِصَاصِهِ بِوَقْتِ وُجُودِ السُّتْرَةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، أَوْ بَعْضِهَا سَوَاءً وَضَعَهَا الْمُصَلِّي أَوْ غَيْرُهُ، وَلَوْ نَحْوَ رِيحٍ وَلَوْ مَغْصُوبَةً أَوْ ذَاتَ أَعْلَامٍ، أَوْ مُتَنَجِّسَةً أَوْ نَجِسَةً، لِأَنَّ الْحُرْمَةَ وَالْكَرَاهَةَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ.
نَعَمْ لَا تُعْتَبَرُ سُتْرَةٌ فِي مَحَلٍّ مَغْصُوبٍ لِأَنَّهُ لَا قَرَارَ لَهَا وَدَخَلَ فِيهَا مَا لَوْ كَانَتْ حَيَوَانًا وَلَوْ غَيْرَ آدَمِيٍّ، وَمِنْهُ الصُّفُوفُ وَالْجِنَازَةُ، وَهُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَعَلَيْهِ حَدِيثُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَرِضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إلَيْهَا» ، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَالزِّيَادِيُّ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ الْحَيَوَانُ سُتْرَةً، بَلْ يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تُنَافِي اعْتِبَارَ السُّتْرَةِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (إلَى جِدَارٍ أَوْ سَارِيَةٍ) وَهُمَا فِي مَرْتَبَةٍ فَ (أَوْ) فِيهِمَا لِلتَّخْيِيرِ وَفِيمَا بَعْدَهُمَا لِلتَّنْوِيعِ، فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى مَرْتَبَةٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مَا قَبْلَهَا وَإِلَّا لَمْ يُعْتَبَرْ حُكْمُهَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (عَصَا) وَمِثْلُهَا رُمْحٌ وَنُشَّابَةٌ وَغَيْرُهُمَا.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ الْفَرَّاءُ: أَوَّلُ شَيْءٍ سُمِعَ مِنْ اللَّحْنِ: هَذِهِ عَصَاتِي، وَإِنَّمَا هِيَ عَصَايَ كَمَا فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ.
قَوْلُهُ: (كَسَجَّادَةٍ) وَمِثْلُهَا مَتَاعٌ أَوْ تُرَابٌ جَمَعَهُ، وَلَا يَقْدَحُ فِي اعْتِبَارِ السَّجَّادَةِ إمْكَانُ جَمْعِهَا كَالْمَتَاعِ، وَلَا كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا أَوْ إلَيْهَا إذَا كَانَتْ ذَاتَ أَعْلَامٍ، وَكَذَا نَحْوُ الْجِدَارِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ تُجَاهُهُ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِقُبَالَتِهِ مِنْ حَيْثُ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ، وَلَيْسَ مُعْتَبَرًا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (طُولًا) أَيْ فِيمَا بَيْنَ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَمَوْقِفِ الْمُصَلِّي، لَا عَرْضًا بَيْنَ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ وَابْنِ حَجَرٍ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا مُوَافَقَةُ ابْنِ حَجَرٍ، فِي أَنَّ أَصْلَ السُّنَّةِ تَحْصُلُ فِي الْعَرْضِ أَيْضًا، وَيَظْهَرُ بَقَاءُ طَلَبِ الدَّفْعِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (دَفْعُ الْمَارِّ) أَيْ
[حاشية عميرة]
الْإِمْسَاكَ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ شَرْطٌ كَمَا يُشْتَرَطُ تَرْكُ الْأَفْعَالِ وَتَرْكُ الْكَلَامِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي الْأَصَحِّ) اُعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِتَصْحِيحِ طَرِيقِ الْقَطْعِ فِي الْفِعْلِ الْكَثِيرِ سَهْوًا مَعَ أَنَّ قَلِيلَ الْأَكْلِ مُضِرٌّ بِخِلَافِ قَلِيلِ الْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: (لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ) اعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الْإِبْطَالِ بِالْأَكْلِ فَقِيلَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ، وَقِيلَ لِوُجُودِ الْمُفْطِرِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا الْوَجْهَانِ فِي مَسْأَلَةِ السُّكَّرَةِ إذَا وَصَلَتْ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ (تَنْبِيهٌ) لَوْ نَزَلَتْ نُخَامَةٌ مِنْ رَأْسِهِ وَتَعَارَضَ بَلْعُهَا مَعَ ظُهُورِ حَرْفَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَطْعِهَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقْطَعُهَا وَيُغْتَفَرُ ظُهُورُ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (إذَا تَوَجَّهَ) تَقْدِيرٌ لِصِحَّةِ عَطْفِ بَسَطَ وَخَطَّ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مِنْ الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ أَوْ الْمَوْصُوفِ بِهَا لِأَنَّ لَامَ الْمُصَلِّي لِلْجِنْسِ، فَتَكُونُ الْحَالِيَّةُ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَالْوَصْفِيَّةُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ سَارِيَةٍ إلَخْ) لَا يُقَالُ ظَاهِرُ الْمِنْهَاجِ اسْتِوَاءُ الْجَمِيعِ فِي الرُّتْبَةِ لِأَنَّ غَرَضَهُ بَيَانُ حُكْمِ دَفْعِ الْمَارِّ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَالْكُلُّ سَوَاءٌ فِي تَمَكُّنِ الْمُصَلِّي مِنْ الدَّفْعِ، وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الصَّلَاةِ إلَيْهَا فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ.
نَعَمْ فِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ إلَى سِنِّ الصَّلَاةِ إلَيْهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ عَصًا) .
قَالَ الْفَرَّاءُ: أَوَّلُ لَحْنٍ سُمِعَ هَذِهِ عَصَاتِي، وَإِنَّمَا هِيَ كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى " عَصَايَ ".
بِالْمُصَلِّي مِنْهَا أَعْلَاهُ إذَا لَمْ يَزِدْ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ هُوَ ظَاهِرٌ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُولَى، وَأَلْحَقَ بِهَا الْبَاقِيَانِ لِاشْتِرَاكِ الْخَمْسَةِ فِي سِنِّ الصَّلَاةِ إلَيْهَا الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ سِنُّ الدَّفْعِ، وَقَوْلُهُ: بَيْنَ يَدَيْهِ، أَيْ أَمَامَهُ إلَى السُّتْرَةِ الَّتِي هِيَ غَايَةُ إمْكَانِ سُجُودِهِ الْمُقَدَّرِ بِالثَّلَاثَةِ أَذْرُعٍ.
(وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُ الْمُرُورِ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ سِنِّ الدَّفْعِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ هُوَ بَعْدَ حَمْلِهِ عَلَى الْمُصَلِّي إلَى سُتْرَةٍ مُحْتَمِلٌ لِلْكَرَاهَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلصَّحِيحِ وَظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نَصًّا رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ مِنْ الْإِثْمِ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ، وَلَوْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ تَبَاعَدَ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُ الدَّفْعُ لِتَقْصِيرِهِ، وَلَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَفِيهَا إذَا صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَجْعَلَهَا مُقَابِلَةً لِيَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ وَلَا يَصْمُدُ لَهَا بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ لَا يَجْعَلُهَا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وَهِيَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ثُلُثَا ذِرَاعٍ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ الْخَطُّ كَذَلِكَ وَسَنُّ الصَّلَاةِ إلَيْهَا الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ دَلِيلُهُ الِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ فِي الْجِدَارِ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَفِي الْأُسْطُوَانَةِ وَالْعَنَزَةِ أَيْ الْعَمُودِ وَالْحَرْبَةِ الشَّيْخَانِ وَالْمُصَلَّى قِيسَ عَلَى الْخَطِّ
[حاشية قليوبي]
بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ، لِأَنَّهُ صَائِلٌ، بِأَفْعَالٍ لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِالتَّلَفِ وَدَخَلَ فِي الْمَارِّ مَا لَوْ كَانَ غَيْرَ عَاقِلٍ، وَلَوْ حَامِلًا أَوْ رَقِيقًا، أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ أَوْ آدَمِيَّةً حَامِلًا.
قَوْلُهُ: (الْمُرَادُ بِالْمُصَلَّى) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ أَوْ أَمَامَهُ.
قَوْلُهُ: (أَعْلَاهُ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَمِثْلُهُ الْخَطُّ.
قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ يَزِدْ مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ أَحَدِ الْمَذْكُورَاتِ، الْجِدَارِ وَالسَّارِيَةِ، وَالْعَصَا بِاعْتِبَارِ أَسْفَلِهَا، وَالْمُصَلَّى وَالْخَطِّ، بِاعْتِبَارِ أَعْلَاهُمَا كَمَا مَرَّ.
وَبَيْنَ الْمُصَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ، بِمَا فِي التَّقَدُّمِ عَلَى الْإِمَامِ، فَفِي الْقَائِمِ قَدَمَاهُ، وَفِي الْقَاعِدِ أَلْيَاهُ، وَفِي الْمُضْطَجِعِ جَنْبُهُ، وَفِي الْمُسْتَلْقِي رَأْسُهُ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا فِي كَلَامِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، مِمَّا يُوهَمُ الْمُخَالَفَةَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ، وَاعْتَبَرَ الْعَلَّامَةُ السَّنْبَاطِيُّ فِي الْقَاعِدِ رُكْبَتَيْهِ، وَفِي الْمُسْتَلْقِي قَدَمَيْهِ، وَلَهُ وَجْهٌ إذَا كَانَ طُولُ الْمُصَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ، ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ فَأَكْثَرَ، وَانْظُرْ مَا حُكْمُهُ عَلَى الْأَوَّلِ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ طُولَهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ) لَعَلَّ الْمَعْنَى مَا يَمْنَعُ النَّاسَ شَرْعًا مِنْ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ فَتَأَمَّلْهُ.
وَالْمُرَادُ بِأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ، أَيْ يَشْرَعَ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَلْيَدْفَعْهُ) وَفِي رِوَايَةٍ «فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» بِمَعْنَى أَنَّهُ شَيْطَانُ الْإِنْسِ، أَوْ مَعَهُ شَيْطَانٌ مِنْ الْجِنِّ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ، وَصَرْفُ الْأَمْرِ عَنْ الْوُجُوبِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَأُلْحِقَ بِهَا الْبَاقِيَانِ) وَهُمَا الْمُصَلَّى وَالْخَطُّ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ فِيهِمَا إنَّمَا تَحْصُلُ، بِتَخَطِّيهِمَا أَوْ مِنْ أَسْفَلِهِمَا أَوْ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِمَا، إذَا كَانَا عَنْ يَمِينِ الْمُصَلِّي أَوْ شِمَالِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إلَى السُّتْرَةِ الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَتَحْرِيمُ الْمُرُورِ) أَيْ عَلَى الْعَامِدِ الْعَالِمِ الْمُكَلَّفِ الْمُعْتَقِدِ لِلْحُرْمَةِ، وَإِنْ زَالَتْ السُّتْرَةُ كَمَا مَرَّ.
وَيَحْرُمُ عَلَى الْوَلِيِّ تَمْكِينُ مُوَلِّيه غَيْرِ الْمُكَلَّفِ مِنْ الْمُرُورِ.
نَعَمْ إنْ قَصَّرَ الْمُصَلِّي بِوُقُوفِهِ فِي مَحِلِّ الْمُرُورِ لَمْ يَحْرُمْ الْمُرُورُ وَلَا يُسَنُّ الدَّفْعُ.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعِينَ) فِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ «أَرْبَعِينَ خَرِيفًا» أَيْ عَامًا.
قَوْلُهُ: (ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ) أَيْ مَنْ لُفِظَ عَلَيْهِ، فَقُدِّمَ عَلَى النَّدْبِ وَعَلَيْهِ، فَالدَّفْعُ أَخَفُّ لِأَنَّهُ كَالتَّنْبِيهِ.
قَوْلُهُ: (رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ كَابْنِ حَجَرٍ، إنَّ لَفْظَةَ مِنْ الْإِثْمِ لَمْ تُوجَدْ فِي رِوَايَةٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَبَاعَدَ عَنْهَا) وَمِنْ التَّبَاعُدِ مُجَاوَزَةُ أَعْلَى الْمُصَلِّي، أَوْ الْخَطُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ مِنْ مَوْقِفِ الْمُصَلِّي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طُولُهُمَا ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ.
قَوْلُهُ: (إلَى سُتْرَةٍ) خَرَجَ الْمُصَلِّي عَلَى سُتْرَةٍ، كَالسَّجَّادَةِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ لَا إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لِيَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ) ظَاهِرُهُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْفَضِيلَةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يُصْمَدَ إلَيْهَا إلَّا فِي نَحْوِ جِدَارٍ عَرِيضٍ يَعْسُرُ فِيهِ ذَلِكَ، وَلَا يَخْرُجُ بِالْكَرَاهَةِ عَنْ سَنِّ الدَّفْعِ، وَحُرْمَةِ الْمُرُورِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ الْخَطُّ كَذَلِكَ) أَيْ يَكُونَ طُولُهُ فِيمَا بَيْنَ أَعْلَاهُ إلَى جِهَةِ الْمُصَلِّي، ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ وَصَرَّحَ بِهَذَا، مَعَ شُمُولِ، مَا قَبْلَهُ لَهُ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي سُتْرَةِ الْقِبْلَةِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا مَا هُنَا، وَالْمُصَلَّى كَالْخَطِّ وَسَكَتَ عَنْهُ لِأَنَّهُ تُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، اتِّفَاقًا كَمَا عُلِمَ.
قَوْلُهُ: (الْمُشَارُ إلَيْهِ) أَيْ الْمُسْتَفَادُ حُكْمُهُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ غَيْرِ تَوَجُّهٍ إلَى إفَادَتِهِ، كَاسْتِفَادَةِ صِحَّةِ صَوْمِ الْجُنُبِ، مِنْ آيَةِ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ﴾ ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ هَذَا مِنْ الِاقْتِضَاءِ، لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِيهِ نَظَرٌ.
(تَنْبِيهٌ) تُقَدَّمُ السُّتْرَةُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَوْ تَعَارَضَا.
قَوْلُهُ: (وَالْعَنَزَةُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ، هِيَ
[حاشية عميرة]
فَرْعٌ) يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ امْرَأَةٌ أَوْ رَجُلٌ مُسْتَقْبِلُهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُ الْمُرُورِ) إنْ قُلْت فَهَلَّا وَجَبَ الدَّفْعُ إزَالَةً لِلْمُنْكَرِ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ؟ قُلْت: كَأَنَّهُ لِمَا فِي الْفِعْلِ مِنْ مُنَافَاةِ الْخُشُوعِ الْمَطْلُوبِ فِي الصَّلَاةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَإِذَا قُلْنَا لَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ، فَلَا يَنْتَهِي الْحَالُ إلَى دَفْعٍ مُحَقَّقٍ، وَلَكِنْ يُسَنُّ بِرِفْقٍ بِقَصْدِ التَّنْبِيهِ.
قَوْلُهُ: (الْمُشَارُ إلَيْهِ) مَنْشَأُ
الْمَأْمُورِ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ فَهُمَا أَيْ الْخَطُّ وَالْمُصَلَّى عِنْدَ عَدَمِ الشَّاخِصِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
(قُلْت: يُكْرَهُ الِالْتِفَاتُ) بِوَجْهٍ (لَا لِحَاجَةٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَا يُكْرَهُ لِحَاجَةٍ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَلْتَفِتُ إلَى الشِّعْبِ، وَكَانَ أَرْسَلَ إلَيْهِ فَارِسًا مِنْ أَجْلِ الْحَرَسِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، (وَرَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ لِيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» . (وَكَفُّ شَعْرِهِ أَوْ ثَوْبِهِ) لِحَدِيثِ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلَا أَكُفُّ ثَوْبًا وَلَا شَعْرًا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ وَلَا نَكُفَّ» ، وَالْمَعْنَى فِي النَّهْيِ عَنْ كَفِّهِ أَنَّهُ يَسْجُدُ مَعَهُ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالنَّهْيُ لِكُلِّ مَنْ صَلَّى كَذَلِكَ سَوَاءٌ تَعَمَّدَهُ لِلصَّلَاةِ أَمْ كَانَ قَبْلَهَا لِمَعْنًى وَصَلَّى عَلَى حَالِهِ، وَذُكِرَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ وَشَعْرُهُ مَعْقُوصٌ أَوْ مَرْدُودٌ تَحْتَ عِمَامَتِهِ أَوْ ثَوْبُهُ أَوْ كُمُّهُ مُشَمَّرٌ.
(وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ بِلَا حَاجَةٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ فِي الصَّلَاةِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَلَا يُكْرَهُ لِحَاجَةٍ كَالتَّثَاؤُبِ فَيُسَنُّ فِيهِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» (وَالْقِيَامُ عَلَى رِجْلٍ) وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ تَكَلُّفٌ يُنَافِي هَيْئَةَ الْخُشُوعِ.
[حاشية قليوبي]
الْحَرْبَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ، الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ كَمَا فَسَّرَهَا الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُصَلَّى قِيسَ عَلَى الْخَطِّ) لَكِنْ قُدِّمَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ فِيهِ أَعْلَامٌ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد) وَمِنْ لَفْظِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا، فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ انْتَهَى.
وَمَعْنَى لَا يَضُرُّ عَدَمُ نَقْصِ أَجْرِهِ، بِتَشْوِيشِ خُشُوعِهِ، كَمَا حُمِلَ الْقَطْعُ فِي حَدِيثِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ وَالْحِمَارُ عَلَى قَطْعِ الْخُشُوعِ، كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (يُكْرَهُ) أَيْ تَنْزِيهًا الِالْتِفَاتُ لَا بِقَصْدِ لَعِبٍ وَإِلَّا حَرُمَ، وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَكَذَا لَوْ لَوَى عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا لِحَاجَةٍ) فَلَا يُكْرَهُ كَلَمْحِ الْبَصَرِ.
قَوْلُهُ: (اخْتِلَاسٌ) أَيْ نَقْصٌ مِنْ ثَوَابِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَرَفْعُ بَصَرِهِ) وَلَوْ أَعْمَى إلَّا لِحَاجَةٍ، وَكَذَا جَمِيعُ الْمَكْرُوهَاتِ، وَذَكَرَ الْحَاجَةَ فِي بَعْضِهَا، لِحِكْمَةٍ كَنَصِّ حَدِيثٍ أَوْ نَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي صَلَاتِهِمْ) فَلَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِهَا، بَلْ يَنْدُبُ فِي دُعَاءِ الْوُضُوءِ، كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ، وَلِلِاعْتِبَارِ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقٍ الْعِيدُ، وَلِأَنَّهُ يُزِيلُ الْهُمُومَ.
قَوْلُهُ: (وَكَفُّ) أَيْ فِي الصَّلَاةِ، مَعَ انْكِفَافِ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ سَابِقًا، عَلَى إحْرَامِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، وَمِثْلُهُ شَدُّ وَسَطِهِ وَلَوْ عَلَى جِلْدِهِ.
قَوْلُهُ: (شَعْرِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي.
نَعَمْ يَجِبُ كَفُّ شَعْرِ امْرَأَةٍ، وَخُنْثَى تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَلَا يُكْرَهُ بَقَاؤُهُ مَكْفُوفًا بِالضَّفْرِ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ ثَوْبِهِ) أَيْ مَلْبُوسِهِ وَلَوْ نَحْوَ شَدِّ، عَلَى كَتِفِهِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَثِيرٌ مِنْ جَهَلَةِ الْفُقَهَاءِ يَفْرِشُونَ مَا عَلَى أَكْتَافِهِمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِعُذْرٍ، أَوْ حَاجَةٍ كَدَفْعِ غُبَارٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى) أَيْ حِكْمَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ فَلَا يَرِدُ، أَنَّهُ يُكْرَهُ الْكَفُّ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلِلْقَاعِدِ وَالطَّائِفِ.
قَوْلُهُ: (وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ) وَكَذَا غَيْرُهَا.
قَوْلُهُ: (كَالتَّثَاؤُبِ) وَهُوَ مَكْرُوهٌ، إذَا كَانَ بِاخْتِيَارِهِ، وَعُلِمَ مِنْ الْحَدِيثِ، أَنَّهُ
لَمْ يَتَثَاءَبْ قَطُّ.
قَوْلُهُ: (بِيَدِهِ) وَالْأَوْلَى بِظَهْرِ الْيَسَارِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ تَكَلُّفٌ) يُفِيدُ أَنَّهَا مَرْفُوعَةٌ عَنْ الْأَرْضِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالصَّافِنِ، فَلَا يُكْرَهُ كَوْنُهَا عَلَى الْأَرْضِ مَعَ
[حاشية عميرة]
الْإِشَارَةِ جَعْلُ سِنِّ الدَّفْعِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهَا أَحْوَالُ كَمَالٍ حَيْثُ ارْتَبَطَ السِّنُّ بِهَا.
قَوْلُهُ: (وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ) عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ قُلْت: وَقَالَ جَمَاعَةٌ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْخَطِّ، قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
قَالَ فِي الْقَدِيمِ وَسُنَنُ حَرْمَلَةَ: يُسْتَحَبُّ، وَنَفَاهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ لِاضْطِرَابِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ وَضَعَّفَهُ، انْتَهَى.
قُلْت وَاخْتَارَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْخَطَّ لَا يَكْفِي وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ لِلْمَارَّةِ.
[الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت يُكْرَهُ إلَخْ) أَيْ وَهَذِهِ أُمُورٌ يُطْلَبُ اجْتِنَابُهَا فِي الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (لِحَدِيثِ عَائِشَةَ إلَخْ) رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِت، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» .
وَوَرَدَ أَيْضًا «لَوْ يَعْلَمُ الْمُصَلِّي مَنْ يُنَاجِي مَا الْتَفَتَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا» وَفِي التَّتِمَّةِ أَنَّهُ حَرَامٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَرَفَعَ بَصَرَهُ) .
(فَائِدَةٌ) نَقَلَ الدَّمِيرِيِّ عَنْ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ قَالَ: يُسْتَحَبُّ أَنَّهُ يَرْمُقُ بِبَصَرِهِ السَّمَاءَ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا أَكُفُّ ثَوْبًا إلَخْ) الَّذِي فِي الْإِسْنَوِيِّ: أُمِرْت أَنْ لَا أَكْفِت الشَّعْرَ وَلَا الثِّيَابَ، وَأَسْنَدَهُ لِرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ.
قَالَ: وَالْكَفْتُ الْجَمْعُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ كُمُّهُ مُشَمَّرٌ) أَوْ مَشْدُودُ الْوَسَطِ أَوْ مَغْرُوزُ عَذْبَةِ الْعِمَامَةِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَوْلُهُ: (نَهَى إلَخْ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: حِكْمَةُ ذَلِكَ
نَعَمْ إنْ كَانَ لِحَاجَةٍ كَوَضْعِ الْأُخْرَى فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ.
(وَالصَّلَاةُ حَاقِنًا) بِالنُّونِ أَيْ بِالْبَوْلِ (أَوْ حَاقِبًا) بِالْمُوَحَّدَةِ أَيْ بِالْغَائِطِ (أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَتُوقُ إلَيْهِ) بِالْمُثَنَّاةِ أَيْ يَشْتَاقُ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» أَيْ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ، وَتُكْرَهُ أَيْضًا مَعَ مُدَافَعَةِ الرِّيحِ ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا.
فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَسَوَاءٌ فِي الطَّعَامِ الْمَأْكُولُ وَالْمَشْرُوبُ (وَأَنْ يَبْصُقَ) إذَا عَرَضَ لَهُ الْبُصَاقُ (قِبَلَ وَجْهِهِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ) بِخِلَافِ يَسَارِهِ لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ» وَهَذَا كَمَا.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ حَرُمَ الْبُصَاقُ فِيهِ لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ: «وَالْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا، بَلْ يَبْصُقُ
[حاشية قليوبي]
عَدَمِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا، لِرَاحَةٍ مَثَلًا وَيُنْدَبُ تَفْرِيقُ قَدَمَيْهِ، بِنَحْوِ شِبْرٍ فَيُكْرَه ضَمُّهُمَا، وَيُسَمَّى الصَّافِدَ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّلَاةُ حَاقِنًا أَوْ حَاقِبًا) أَحَدُهُمَا بِالْمُوَحَّدَةِ لِلْغَائِطِ وَالْآخَرُ بِالنُّونِ لِلْبَوْلِ، وَبِالْمِيمِ لَهُمَا وَسَيَأْتِي، فَالْأَوْلَى تَفْرِيغُ نَفْسِهِ، وَإِنْ فَاتَهُ الْجَمَاعَةُ وَيَجِبُ تَفْرِيغُ نَفْسِهِ إنْ خَافَ ضَرَرًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي الْعَارِضِ، فِي الْأَثْنَاءِ وَفِي خَوْفِ حَبْسِهِ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (بِحَضْرَةِ) بِتَثْلِيثِ الْحَاءِ، وَمَا قَرُبَ حُضُورُهُ عُرْفًا كَالْحَاضِرِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَشْتَاقُ) فَسَّرَ بِهِ التَّوَقَانَ، لِيُفِيدَ أَنَّهُمَا مُسَاوِيَانِ لِشِدَّةِ الْجُوعِ عِنْدَ مَنْ عَبَّرَ بِهِ، فَيَأْكُلُ قَدْرَ الشِّبَعِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، كَمَا.
قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَخَرَجَ الشَّوْقُ وَهُوَ مَيْلُ النَّفْسِ إلَى الْأَطْعِمَةِ اللَّذِيذَةِ، فَلَا كَرَاهَةَ مَعَهُ، وَتَوَقَانُ الْجِمَاعِ بِحَضْرَةِ حَلِيلَتِهِ كَالْأَكْلِ.
قَوْلُهُ: (الْأَخْبَثَانِ) اسْتِدْلَالُهُ بِذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا يُفِيدُ أَنَّ لَامَهُ لِلْجِنْسِ، وَيُصَدَّقُ بِهِمَا مَعًا بِالْأَوْلَى، وَيُسَمَّى الْحَاقِمُ بِالْمِيمِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (مُدَافَعَةِ الرِّيحِ) وَيُسَمَّى الْحَافِزُ بِالْفَاءِ وَالزَّايِ، وَكَذَا بِالْخُفِّ وَيُسَمَّى الْحَازِقُ بِالزَّايِ وَالْقَافِ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِمَا عَكْسَ ذَلِكَ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ.
قَوْلُهُ: (قِبَلَ وَجْهِهِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةَ إمَامِهِ، وَلَوْ غَيَّرَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ كَنَفْلِ السَّفَرِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ عَنْ يَمِينِهِ) إكْرَامًا لِمَلَكِهِ، لِأَنَّهُ كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ يَسَارِهِ) قِيلَ لِعَدَمِ مُرَاعَاةِ مَلَكِهِ، لِأَنَّهُ كَاتِبُ السَّيِّئَاتِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ يَتَنَحَّى عَنْهُ حَالَةَ الصَّلَاةِ، وَهَذَا مَرْدُودٌ وَإِنْ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ مَحَلِّهِ.
نَعَمْ يُكْرَهُ لِجِهَةِ الْيَسَارِ فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ، إكْرَامًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَيُكْرَهُ الْبُصَاقُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، قِبَلَ وَجْهِهِ مُطْلَقًا وَلِجِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَجِهَةِ يَمِينِهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ) مَدْلُولُ الْحَدِيثِ أَكْثَرُ، مِمَّا يُفِيدُهُ الدَّلِيلُ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (حَرُمَ الْبُصَاقُ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ.
قَالَ الْعَبَّادِيُّ وَإِدْخَالُ الْبُصَاقِ فِيهِ حَرَامٌ أَيْضًا، وَجُدْرَانُهُ وَلَوْ مِنْ خَارِجٍ مِثْلُهُ، وَمَحَلُّ الْحُرْمَةِ فِي ذَلِكَ، أَنْ اتَّصَلَ بِجُزْءٍ مِنْهُ، وَلَيْسَ مُسْتَهْلَكًا فِي نَحْوِ مَاءِ مَضْمَضَةٍ، لِأَنَّ قَطْعَ هَوَاءِ الْمَسْجِدِ بِالْبُصَاقِ مَكْرُوهٌ.
(فَرْعٌ) يَحْرُمُ الْبُصَاقُ إذَا اتَّصَلَ بِغَيْرِ مِلْكِهِ، وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ كَحُصْرِ الْمَسْجِدِ وَخَزَائِنِهِ، مِنْ حَيْثُ اسْتِعْمَالِهِ غَيْرَ مِلْكِهِ، وَيَحْرُمُ إخْرَاجُ أَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ مِنْهُ، كَجِصٍّ وَحَجَرٍ وَتُرَابٍ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا الشَّمْعُ وَالزَّيْتُ، قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ فَرَاجِعْهُ، وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا فِيمَا لَا يَجُوزُ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ يَسَارُهُ فَارِغًا، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ كَمَا عُلِمَ.
(تَنْبِيهٌ) تُكْرَهُ الصَّنَائِعُ فِي الْمَسْجِدِ، وَاتِّخَاذُهُ حَانُوتًا لَهَا، إنْ لَمْ يَكُنْ تَضْيِيقٌ عَلَى الْمُصَلِّينَ، وَلَا إزْرَاءٌ بِهِ فِيهِمَا، وَإِلَّا
[حاشية عميرة]
مُنَافَاتُهُ لِهَيْئَةِ الْخُشُوعِ.
قَوْلُهُ: (فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ إلَخْ) فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا بَدَلَ هَذَا فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالصَّلَاةُ حَاقِنًا إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ تَفْرِيغُهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (يَتُوقُ إلَخْ) مِثْلُ هَذَا فِيمَا يَظْهَرُ لَوْ كَانَ بِحَضْرَةِ حَلِيلَتِهِ وَهُوَ يَتُوقُ إلَى جِمَاعِهَا.
وَقَوْلُهُ: يَتُوقُ شَامِلٌ لِمَنْ لَيْسَ بِهِ جُوعٌ وَعَطَشٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفَوَاكِهِ وَالْمَشَارِبِ اللَّذِيذَةِ قَدْ تَتُوقُ النَّفْسُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ جُوعٍ وَلَا عَطَشٍ، بَلْ لَوْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ وَحَصَلَ التَّوَقَانُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْكِفَايَةِ تَبَعًا لِابْنِ يُونُسَ، وَاعْتُذِرَ عَنْ الشَّيْخِ فِي ذِكْرِ الْحُضُورِ بِالتَّبَرُّكِ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي زَوَالَ الْكَرَاهَةِ بِزَوَالِ التَّوَقَانِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الشِّبَعُ وَهُوَ كَذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالَاهُ فِي الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِلْجَمَاعَةِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ.
نَعَمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ وَلَا تُعَجِّلُوا حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ» .
قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَأْكُلُ حَاجَتَهُ بِكَمَالِهَا وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَأَمَّا مَا تَأَوَّلَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ مِنْ أَنَّهُ يَأْكُلُ لُقَمًا يَكْسِرُ بِهَا سَوْرَةَ الْجُوعِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: كَلَامُهُ هَذَا يُخَالِفُ الْأَصْحَابَ، وَجَعْلُ الْعُذْرِ قَائِمًا إلَى الشِّبَعِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بَقَاءُ الْكَرَاهَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا إلَى الشِّبَعِ يَعْنِي مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ الْمَذْكُورَةِ، وَوَجْهُ عَدَمِ اللُّزُومِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَنْقَطِعَ الْكَرَاهَةُ بَعْدَ تَنَاوُلِ مَا يَكْسِرُ سَوْرَةَ الْجُوعِ، وَإِنْ طُلِبَ مِنْهُ اسْتِيفَاءُ الشِّبَعِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ اسْتِمْرَارُ الْكَرَاهَةِ بَعْدَ أَكْلِ اللُّقَمِ.
قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ) الْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ
فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْسَرِ كَكُمِّهِ» وَبَصَقَ وَبَزَقَ لُغَتَانِ بِمَعْنًى.
(وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(وَالْمُبَالَغَةُ فِي خَفْضِ الرَّأْسِ فِي رُكُوعِهِ) لِمُجَاوَزَتِهِ أَكْمَلَهُ الَّذِي هُوَ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ تَسْوِيَةِ ظَهْرِهِ وَعُنُقِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَالصَّلَاةُ فِي الْحَمَّامِ) وَمِنْهُ مَسْلَخُهُ.
(وَالطَّرِيقِ وَالْمَزْبَلَةِ) أَيْ مَوْضِعِ الزِّبْلِ (وَالْكَنِيسَةِ وَعَطَنِ الْإِبِلِ) هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَنْحِي إلَيْهِ الْإِبِلُ الشَّارِبَةُ شَيْئًا فَشَيْئًا إلَى أَنْ تَجْتَمِعَ كُلُّهَا فِيهِ فَتُسَاقَ إلَى الْمَرْعَى (وَالْمَقْبَرَةِ الطَّاهِرَةِ) بِأَنْ لَمْ تُنْبَشْ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَذْكُورَاتِ خَلَا الْكَنِيسَةِ فَلَمْ تَرِدْ فِي حَدِيثٍ وَأُلْحِقَتْ بِالْحَمَّامِ، وَالْمَعْنَى فِي الْكَرَاهَةِ فِيهِمَا أَنَّهُمَا مَأْوَى الشَّيَاطِينِ، وَفِي الطَّرِيقِ اشْتِغَالُ الْقَلْبِ بِمُرُورِ النَّاسِ فِيهِ، وَفِي الْمَزْبَلَةِ نَجَاسَتُهَا تَحْتَ الثَّوْبِ الْمَفْرُوشِ عَلَيْهَا
[حاشية قليوبي]
حَرُمَتْ كَالْوُضُوءِ مَعَ الْعُذْرِ عَلَى حَصِيرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا) أَيْ إذْهَابُ صُورَتِهَا وَلَوْ فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ الدَّاخِلِ فِي وَقْفِهِ، أَوْ عَلَى بَلَاطِهِ أَوْ حَصِيرِهِ، وَإِنْ حَرُمَ مِنْ حَيْثُ اسْتِعْمَالِهِ مِلْكَ غَيْرِهِ، مَثَلًا وَالدَّفْنُ الْمَذْكُورُ قَاطِعٌ لِدَوَامِ الْإِثْمِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَلِابْتِدَائِهِ أَيْضًا عِنْدَ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ.
قَوْلُهُ: (لُغَتَانِ) وَيُقَالُ بِالسِّينِ أَيْضًا فَهِيَ ثَلَاثَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَوَضْعُ يَدِهِ إلَخْ) وَيُسَمَّى الِاخْتِصَارَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ كَذَلِكَ خَارِجَ الصَّلَاةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لِأَنَّهَا مِشْيَةُ إبْلِيسَ.
قَوْلُهُ: (لِمُجَاوَزَتِهِ أَكْمَلَهُ) يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبَالَغَةِ مَا خَالَفَ الْأَكْمَلَ، سَوَاءً بِخَفْضِ رَأْسِهِ فَقَطْ أَوْ مَعَ صَدْرِهِ، وَأَقَلُّ الرُّكُوعِ كَأَكْمَلِهِ، وَلَا تَقُومُ هَذِهِ الْمُبَالَغَةُ مَقَامَ الطُّمَأْنِينَةِ، كَمَا مَرَّ فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ رُكُوعُهُ فِي هَذِهِ، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ اعْتَدَلَ قَبْلَ أَنْ يَطْمَئِنَّ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَمَّامِ) أَيْ الْقَدِيمُ بِأَنْ كُشِفَتْ فِيهِ الْعَوْرَاتُ، وَإِنْ دُرِسَ أَوْ هُجِرَ مَا لَمْ يُتَّخَذْ نَحْوُ مَسْجِدٍ، لَا فِي الْجَدِيدِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَتُكْرَهُ فِي الْحَشِّ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ مِنْ ابْتِدَائِهِ، وَلَا تُكْرَهُ عَلَى سَطْحِهِمَا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَالطَّرِيقِ) أَيْ مَحَلُّ الْمُرُورِ فِي وَقْتِ الْمُرُورِ، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ، وَالْمُرَادُ بِمَكَانِ الْمُرُورِ مَا شَأْنُهُ الطُّرُوقُ، وَبِوَقْتِ الْمُرُورِ مَا جَرَّتْ الْعَادَةُ بِالْمُرُورِ فِيهِ، فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَوْ فِي الْبَرِّيَّةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَالْأَسْوَاقِ وَرِحَابِ الْمَسَاجِدِ.
(فَرْعٌ) تُكْرَهُ الصَّلَاةُ خَلْفَ شَبَابِيكِ الْمَدَارِسِ عَلَى الشَّوَارِعِ، فَتَرْكُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فِيهَا أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَأُلْحِقَتْ إلَخْ) يُفِيدُ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ عَلَى سَطْحِهَا، وَهِيَ مَعْبَدُ الْيَهُودِ وَالْبِيعَةُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مَعْبَدُ النَّصَارَى، وَعَكْسُ ذَلِكَ الَّذِي اُشْتُهِرَ فِي الْعُرْفِ بَيْنَ الْعَامَّةِ خِلَافُ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: (نَجَاسَتُهَا تَحْتَ الثَّوْبِ) إنْ كَانَتْ مَنْبُوشَةً وَإِلَّا فَتُكْرَهُ عَلَى مَا حَاذَى الْمَيِّتَ، لِنَجَاسَةِ مَا تَحْتَهُ مِنْ
[حاشية عميرة]
يَبْصُقَ فِي ثَوْبِهِ، فَإِنَّ فِيهِ إذْهَابَ الصُّورَةِ بِخِلَافِ الْبَصْقِ عَلَى الْيَسَارِ وَإِنْ كَانَ هُنَا جَائِزًا قَوْلُهُ: (حَرُمَ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ الْكَرَاهَةُ.
قَوْلُهُ: (لُغَتَانِ) بِمَعْنَى وَبِالسِّينِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهَا.
. قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ نَهَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْمُبَالَغَةُ إلَخْ) .
قَالَ السُّبْكِيُّ: التَّقْيِيدُ بِالْمُبَالَغَةِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ عَدَمِهَا وَهُوَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَكَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْأَصْحَابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ وَلَك أَنْ تَقُولَ: حَالَةُ الرُّكُوعِ الْكَامِلَةِ فِيهَا خَفْضُ رَأْسٍ بِاعْتِبَارِ الْحَالَةِ قَبْلَهَا، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ تُصَدِّقُ أَنَّهَا مُبَالَغَةٌ فَلَا إشْكَالَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي الْحَمَّامِ) عَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ وَاعْتَمَدَهُ الشَّيْخَانِ وَقِيلَ لِكَثْرَةِ النَّجَاسَةِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ فِي الْمَسْلَخِ أَوْ مَوْضِعٍ طَاهِرٍ فِي الْحَمَّامِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَمِيمِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْمَزْبَلَةِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْكَنِيسَةِ) هِيَ لِلنَّصَارَى وَالْبَيْعَةِ لِلْيَهُودِ، وَلَوْ مُنِعَ أَهْلُهَا مِنْ دُخُولِهَا حَرُمَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْمَقْبَرَةِ) بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ.
قَوْلُهُ: (اشْتِغَالُ الْقَلْبِ بِمُرُورِ النَّاسِ) يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَقْبَلَ الطَّرِيقَ وَصَلَّى كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (نَجَاسَتُهَا تَحْتَ الثَّوْبِ إلَخْ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هَذَا فِي الْبَسْطِ عَلَى النَّجَاسَةِ، أَمَّا الْبَسْطُ عَلَى مَا غَلَبَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ فَإِنَّهُ يُزِيلُ الْكَرَاهَةَ عَلَى مَا تَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ ضَعُفَ بِالْحَائِلِ.
قَوْلُهُ: (نَجَاسَةُ مَا تَحْتَهَا بِالصَّدِيدِ) ثُمَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي كَمَا قَالَ فِي الْكِفَايَةِ احْتِرَامُهُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَمِنْ الْمَعْنَيَيْنِ يَظْهَرُ لَك أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا لَوْ حَاذَى الْمَيِّتَ حَتَّى لَوْ وَقَفَ بَيْنَ الْمَوْتَى فَلَا كَرَاهَةَ.
نَعَمْ يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْقَبْرِ إلَّا قَبْرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَحْرُمُ، انْتَهَى.
وَمَا صَوَّرَ بِهِ الْمَسْأَلَةَ خَالَفَهُ فِي الْكِفَايَةِ فَقَالَ: تُكْرَهُ عَلَى الْقَبْرِ وَبِجَانِبِهِ وَإِلَيْهِ.
(تَتِمَّةٌ) : قَالَ فِي الْأَحْيَاءِ: تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالرِّحَابِ الْخَارِجَةِ عَلَى الْمَسْجِدِ.
مَثَلًا، وَفِي عَطَنِ الْإِبِلِ نِفَارُهَا الْمُشَوِّشُ لِلْخُشُوعِ، وَفِي الْمَقْبَرَةِ غَيْرِ الْمَنْبُوشَةِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ فِي الْحَدِيثِ نَجَاسَةَ مَا تَحْتَهَا بِالصَّدِيدِ، أَمَّا الْمَنْبُوشَةُ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَمَعَهُ تُكْرَهُ وَأُلْحِقَ بِعَطَنِ الْإِبِلِ مَأْوَاهَا لَيْلًا لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِيهِ، وَلَا تُكْرَهُ فِي مُرَاحِ الْغُثْمِ بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ مَأْوَاهَا لَيْلًا لِانْتِفَاءِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهَا، وَإِنْ تُصُوِّرَ فِيهَا مِثْلُ عَطَنِ الْإِبِلِ فَلَا تَكْرَهُ فِيهِ أَيْضًا.
(بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (سُجُودِ السَّهْوِ) وَهُوَ كَمَا سَيَأْتِي سَجْدَتَانِ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ.
(سُنَّةٌ عِنْدَ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ) مِنْ الصَّلَاةِ (أَوْ فِعْلِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ) فِيهَا وَلَوْ بِالشَّكِّ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِيهِمَا فَرْضًا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ نَفْلًا.
(فَالْأَوَّلُ) الْمَتْرُوكُ مِنْهَا (إنْ كَانَ رُكْنًا وَجَبَ تَدَارُكُهُ) بِفِعْلِهِ (وَقَدْ يُشْرَعُ) مَعَ تَدَارُكِهِ (السُّجُودَ كَزِيَادَةٍ) بِالْكَافِ (حَصَلَتْ بِتَدَارُكِ رُكْنٍ كَمَا سَبَقَ فِي) رُكْنِ (التَّرْتِيبِ) مِنْ حُصُولِهَا،
[حاشية قليوبي]
الصَّدِيدِ، وَلِذَلِكَ لَا تَكْرَهُ فِي مَقَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ الشُّهَدَاءِ.
(تَنْبِيهُ) مَحَالُّ النَّجَاسَةِ كَمَحَالِّ الْقَصَّابِينَ كَالْمَقْبَرَةِ فِيمَا ذُكِرَ.
(فَرْعُ) تَحْرُمُ الصَّلَاةُ مُتَوَجِّهًا قَبْرَ نَبِيٍّ، وَتُكْرَهُ فِي غَيْرِهِ، وَلَا تَبْطُلُ فِيهِمَا قَالَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَفِي عَطَنِ الْإِبِلِ نِفَارُهَا) لِأَنَّهُ شَأْنُهَا، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ وَلَا تُكْرَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ غَنَمٍ وَبَقَرٍ وَحَمِيرٍ، إلَّا مَعَ وُجُودِ النِّفَارِ بِالْفِعْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابٌ فِي بَيَانِ سُجُودِ السَّهْوِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَقَدَّمَهُ عَلَى صَلَاةِ النَّفْلِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، مَعَ طَلَبِهِ فِيهَا اهْتِمَامًا بِشَأْنِ الْفَرْضِ، وَلِأَنَّهُ مَحَلُّ طَلَبِهِ أَصَالَةً عَلَى أَنَّهُ لَوْ أُخِّرَ عَنْ النَّفْلِ وَغَيْرِهِ لَتَوَهَّمَ تَوَقُّفُ طَلَبِهِ عَلَى وُجُودِ أَسْبَابِهِ كُلِّهَا فِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ الْأَبْعَاضِ، لَا يَأْتِي فِي النَّفْلِ مِنْهُ إلَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَارْتِكَابُ مَا لَا يُوهِمُ بَاطِلًا أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ فَتَأَمَّلْ.
وَقَدَّمَ سُجُودَ السَّهْوِ عَلَى سُجُودِ التِّلَاوَةِ، لِاخْتِصَاصِهِ بِالصَّلَاةِ.
وَأَخَّرَ سُجُودَ الشُّكْرِ، لِاخْتِصَاصِهِ بِخَارِجِهَا وَوَسَّطَ سُجُودَ التِّلَاوَةِ لِوُجُودِهِ فِيهِمَا، وَأَصْلُ مَشْرُوعِيَّتِهِ لِجَبْرِ الْخَلَلِ فِي الصَّلَاةِ غَيْرِ الْمُبْطِلِ، وَقَدْ يُطْلَبُ لِرَغْمِ أَنْفِ الشَّيْطَانِ، وَالسَّهْوُ لُغَةً اللِّينُ وَيُرَادِفُهُ الذُّهُولُ، وَالْغَفْلَةُ وَالنِّسْيَانُ وَقِيلَ السَّهْوُ زَوَالُ الصُّورَةِ عَنْ الْمُدْرَكَةِ، دُونَ الْحَافِظَةِ وَالنِّسْيَانُ زَوَالُهَا عَنْهُمَا مَعًا، وَالْغَفْلَةُ تَعُمُّهُمَا وَالذُّهُولُ مِثْلُهَا، أَوْ مَعَ زَوَالِ الْحُكْمِ وَشَرْعًا سَجْدَتَانِ إلَى آخِرِ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (بِالتَّنْوِينِ) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ الْإِضَافَةِ الْمُقْتَضَى لِفَقْدِ أَحَدِ رُكْنَيْ الْإِسْنَادِ، وَهُوَ الْمُبْتَدَأُ.
قَوْلُهُ: (هُوَ) أَيْ سُجُودُ السَّهْوِ أَوْ السَّهْوُ عَلَى مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) لِنِيَابَتِهِ عَنْ سُنَّةٍ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ جُبْرَانَاتِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الصَّلَاةِ) خَرَجَ بِهِ الْمَنْدُوبُ فِيهَا كَقُنُوتِ النَّازِلَةِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ فَلَا سُجُودَ لِتَرْكِهِمَا وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِالشَّكِّ فِيهِمَا) أَيْ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ، فَالْأَوَّلُ كَالشَّكِّ فِي تَرْكِ بَعْضٍ، وَالثَّانِي كَالشَّكِّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا كَمَا يَأْتِي، فَالْمُرَادُ بِالْمَنْهِيِّ مَا يَعُمُّ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (فَرْضًا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ نَفْلًا) نَعَمْ لَا سُجُودَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَأُلْحِقَ بِالصَّلَاةِ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَلَا مَانِعَ مِنْ زِيَادَةِ الْجَابِرِ لِأَنَّهُ لِلْخَلَلِ وَهُوَ فِيهِمَا وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (بِالْكَافِ) قِيلَ لِأَنَّهُ الَّذِي فِي خَطِّ الْمُصَنِّفِ، وَقِيلَ لِأَنَّ اللَّامَ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِلزِّيَادَةِ، أَوْ تَقْتَضِي طَلَبَ السُّجُودِ لَهَا دَائِمًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِيهِمَا، وَقِيلَ لِإِدْخَالِ مَسْأَلَةِ الشَّكِّ الْمَذْكُورَةِ، لِأَنَّ السُّجُودَ فِيهَا لِلتَّرَدُّدِ فِي الزِّيَادَةِ، وَلَيْسَ فِيهَا زِيَادَةٌ، وَقِيلَ لِأَنَّ اللَّامَ تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ السُّجُودُ فِيهِ، لِكَوْنِهِ مِنْ
[حاشية عميرة]
[بَاب سُجُودِ السَّهْوِ]
ِ قَوْلُ الْمَتْنِ: (سُنَّةٌ) الصَّارِفُ لِأَحَادِيثِهِ عَنْ الْوُجُوبِ مَا فِي بَعْضِهَا كَانَتْ الرَّكْعَةُ لَهُ نَافِلَةً وَالسَّجْدَتَانِ، وَلِأَنَّ الْبَدَلَ كَمُبْدَلِهِ أَوْ أَخَفُّ، وَلِذَا وَجَبَتْ جُبْرَانَاتُ الْحَجِّ دُونَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الصَّلَاةِ) خَرَجَ بِهِ قُنُوتُ النَّازِلَةِ وَنَحْوُهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ فِي الصَّلَاةِ لَا مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِالشَّكِّ) دَفْعٌ لِمَا اُعْتُرِضَ بِهِ مِنْ قُصُورِ الْعِبَارَةِ عَنْ إفَادَةِ إيقَاعِ الرُّكْنِ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي فِعْلِهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ حُصُولِهَا) أَيْ لَا مِنْ السُّجُودِ أَيْضًا كَمَا تُوهِمُهُ الْعِبَارَةُ.
قَوْلُهُ: (يَسْجُدُ) أَيْ عَمْدًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ سَهْوًا أَخْذًا مِنْ الْمَأْخُوذِ الْآتِي.
قَوْلُهُ:
وَقَدْ لَا يُشْرَعُ السُّجُودُ بِأَنْ لَا تَحْصُلَ زِيَادَةٌ كَمَا إذَا كَانَ الْمَتْرُوكُ السَّلَامَ فَتَذَكَّرَهُ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ فَيُسَلِّمَ مِنْ غَيْرِ سُجُودِ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ فَهُوَ مَسْأَلَةُ السُّكُوتِ الطَّوِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابٍ يَلِيه هَذَا أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقَدْ يُقَالُ: يَسْجُدُ لَهُ أَخْذًا مِمَّا سَيَأْتِي فِي تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ بِالسُّكُوتِ.
(أَوْ) كَانَ (بَعْضًا وَهُوَ الْقُنُوتُ أَوْ قِيَامُهُ) وَإِنْ اسْتَلْزَمَ تَرْكُهُ تَرْكَ الْقُنُوتَ.
(أَوْ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ أَوْ قُعُودُهُ) وَإِنْ اسْتَلْزَمَ تَرْكُهُ تَرْكَ التَّشَهُّدِ (وَكَذَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ فِي الْأَظْهَرِ) بِنَاءً عَلَى الْأَظْهَرِ أَنَّهَا سُنَّةٌ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(سَجَدَ) لِتَرْكِهِ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا (وَقِيلَ إنْ تَرَكَ عَمْدًا فَلَا) يَسْجُدُ (قُلْت: وَكَذَا الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ حَيْثُ سَنَّنَّاهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَذَلِكَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهٍ، وَفِي الْآخِرِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ
[حاشية قليوبي]
الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ مِنْ تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ، كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ بِالْكَافِ مِثَالًا لَهُ، وَإِيضَاحُهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الرُّكْنَ لَيْسَ مِنْ الْمَأْمُورِ الَّذِي يَكْفِي السُّجُودُ لِتَرْكِهِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَدَارُكِهِ، أَشَارَ إلَى حُكْمٍ آخَرَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ طَلَبُ السُّجُودِ مَعَ تَدَارُكِهِ، وَلَمَّا كَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ طَلَبَهُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي الزِّيَادَةِ، أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّهَا مِثَالٌ لَا قَيْدٌ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْكَافَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِيَدْفَعَ بِهِ، مَا يَلْزَمُ عَلَى اللَّازِمِ مِنْ الِاعْتِرَاضِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ حُصُولِهَا) أَيْ لَا مِنْ السُّجُودِ لَهَا أَيْضًا كَمَا تُوهِمُهُ الْعِبَارَةُ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ يُقَالُ يَسْجُدُ لَهُ) هُوَ مَرْجُوحٌ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ، وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ هُنَا أُمُورٌ مِنْهَا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إلَخْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْكَلَامَ فِي السُّكُوتِ الطَّوِيلِ عَمْدًا وَصَرِيحٌ مَا قَبْلُهُ بِقَوْلِهِ، فَتَذَكَّرْهُ أَنَّهُ فِي السُّكُوتِ سَهْوًا وَمِنْهَا أَنَّ مَا سَيَأْتِي مُبْطِلٌ، فَلَا سُجُودَ فِيهِ لِيُؤْخَذَ مِنْهُ السُّجُودُ فِي هَذَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ السُّجُودَ هُنَا مَأْخُوذٌ مِنْ مُقَابِلِ الْأَصَحِّ فِيمَا سَيَأْتِي، فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ وَقَدْ يُقَالُ يَجْرِي فِي الْأَخْذِ هُنَا وَجْهَانِ إلَخْ.
وَمِنْهَا إنَّ أَخْذَ الْحُكْمِ مِنْ ضَعِيفٍ لِيَجْرِيَ عَلَى صَحِيحٍ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَمِنْهَا أَنَّ صَرِيحَ مَا يَأْتِي أَنَّ السُّكُوتَ الطَّوِيلَ سَهْوًا فِي الرُّكْنِ الْقَصِيرِ، لَا يُبْطِلُ جَزْمًا، وَصَرِيحُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ فِي الرُّكْنِ الطَّوِيلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَسَعُ الْقَوْلُ بِهِ، وَلَا الْمَصِيرُ إلَيْهِ فَتَأَمَّلْ وَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْقُنُوتُ) أَيْ الْمَعْهُودُ شَرْعًا، وَهُوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَى ثَنَاءٍ وَدُعَاءٍ سَوَاءً الْوَارِدُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَنْ عُمَرَ أَوْ عَنْ غَيْرِهِمَا، وَتَرْكُ بَعْضِ أَحَدِ الْأَوَّلَيْنِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ أَوْ إبْدَالُ حَرْفٍ مِنْهُ بِغَيْرِهِ، وَلَوْ بِمَعْنَاهُ كَتَرْكِ كُلِّهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قِيَامُهُ) أَيْ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بِأَنْ لَا يَقِفَ زَمَنًا يَسَعُ أَقَلَّ قُنُوتٍ مِمَّا مَرَّ، وَإِلَّا لَمْ يَسْجُدْ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ إفْتَاءَ وَالِدِهِ بِعَدَمِ السُّجُودِ.
(فَرْعٌ) لَوْ اقْتَدَى شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ فِي الصُّبْحِ، سَجَدَ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ قَنَتَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْمَأْمُومَ يَرَى طَلَبَهُ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَتَرْكُهُ لَهُ لِاعْتِقَادِ عَدَمِهِ يُجْعَلُ كَالسَّهْوِ بِتَرْكِهِ، وَفِعْلُهُ لَهُ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ عِنْدَهُ، فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الْخَلَلِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُبْطِلٍ عِنْدَهُ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ اقْتَدَى مُصَلِّي الظُّهْرِ بِمُصَلِّي الصُّبْحِ، وَلَمْ يَقْنُتْ لِاعْتِقَادِ الْمَأْمُورِ خَلَلًا فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَدَى مُصَلِّي الصُّبْحِ بِمُصَلِّي سُنَّتِهِ، لِعَدَمِ الْخَلَلِ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَتَحَمُّلِهِ خَلَلَ الْمَأْمُومِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ اسْتَلْزَمَ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْقِيَامَ بَعْضٌ، وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ تَرْكُهُ مُنْفَرِدًا فَيَجُوزُ قَصْدُ جَبْرِ خَلَلِهِ، وَحَدُّهُ بِالسُّجُودِ، وَأَمَّا قِيَامُ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ فَوَاقِعٌ أَصْلًا وَبَدَلًا.
أَوْ بَدَلًا فَقَطْ كَقِيَامِ الْفَاتِحَةِ، وَمِثْلُ هَذَا يُقَالُ فِي قُعُودِ التَّشَهُّدِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ) أَيْ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
وَكَذَا الْمَقْصُودُ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فَأَكْثَرَ، وَقَصَدَ أَنْ يَتَشَهَّدَ عَقِبَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا، فَتَرَكَ وَاحِدًا مِمَّا قَصَدَهُ وَلَوْ سَهْوًا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ، وَخَالَفَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَكَذَا ابْنُ قَاسِمٍ وَهُوَ الْوَجْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ إنْ لَمْ يَطْلُبْ أَصَالَةً لَمْ يَسْجُدْ لِتَرْكِهِ، وَإِنْ عَزَمَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ عَزْمَهُ لَا يَجْعَلُهُ مَطْلُوبًا، وَإِنْ طُلِبَ فَالْوَجْهُ السُّجُودُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ) أَيْ فِي التَّشَهُّدِ أَعَادَ الضَّمِيرَ لِلتَّشَهُّدِ، وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ لِقَوْلِهِ فِي الْأَظْهَرِ وَعَوْدُهُ لِلْقُنُوتِ أَيْضًا، كَمَا فَعَلَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ طَلَبُهُ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاعْتَمَدُوهُ.
قَوْلُهُ: (بِنَاءً إلَخْ) أَيْ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا بَعْضٌ، مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا سُنَّةٌ وَمُقَابِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَابِلِهِ.
قَوْلُهُ: (حَيْثُ سَنَنَّاهَا إلَى آخِرِهِ) خَصَّهُ الشَّارِحُ بِالتَّشَهُّدِ دُونَ الْقُنُوتِ، لِمَا تَقَدَّمَ وَجُمْلَةُ الْأَبْعَاضِ فِي
[حاشية عميرة]
بِنَاءً عَلَى الْأَظْهَرِ) أَيْ وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ مَبْنِيٌّ هُنَا عَلَى مُقَابِلِ الْأَظْهَرِ هُنَاكَ، وَلَمَّا فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ الْبِنَاءِ اسْتَغْنَى بِهِ عَنْ التَّصْرِيحِ
يَسْجُدُ لِتَرْكِهَا (وَلَا تَجَبُّرُ سَائِرَ السُّنَنِ) أَيْ بَاقِيهَا إذَا تُرِكَتْ بِالسُّجُودِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ فِيهَا بِخِلَافِ الْأَبْعَاضِ لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِهَا، «فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَلَمْ يَجْلِسْ، ثُمَّ سَجَدَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ قَبْلَ السَّلَامِ سَجْدَتَيْنِ» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِيهِ تَرْكُ التَّشَهُّدِ مَعَ قُعُودِهِ الْمَشْرُوعِ لَهُ، وَفِي مَعْنَاهُ تَرْكُ التَّشَهُّدِ وَحْدَهُ وَقِيسَ عَلَيْهِ تَرْكُ الْقُنُوتِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ قِيَامِهِ الْمَشْرُوعِ لَهُ بِجَامِعِ الذِّكْرِ الْمَقْصُودِ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ.
وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ حَيْثُ سُنِّنَتْ مُلْحَقَةً بِالتَّشَهُّدِ لِمَا ذُكِرَ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّنَنُ أَبْعَاضًا لِقُرْبِهَا بِالْجَبْرِ بِالسُّجُودِ مِنْ الْأَبْعَاضِ الْحَقِيقِيَّةِ أَيْ الْأَرْكَانِ، وَفِي الرَّوْضَةِ لَوْ أَرَادَ الْقُنُوتَ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ لِنَازِلَةٍ وَقُلْنَا بِهِ فَنَسِيَهُ لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ عَلَى الْأَصَحِّ، ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ.
(وَالثَّانِي) : أَيْ الْفِعْلُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.
(إنْ لَمْ يُبْطِلْ عَمْدُهُ كَالِالْتِفَاتِ وَالْخُطْوَتَيْنِ لَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ) لِعَدَمِ وُرُودِ السُّجُودِ لَهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي، وَقَوْلُهُ: لِسَهْوِهِ، كَذَا لِعَمْدِهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ أَبْطَلَ عَمْدُهُ كَرَكْعَةٍ زَائِدَةٍ.
(سَجَدَ) لِسَهْوِهِ (إنْ لَمْ تَبْطُلْ) الصَّلَاةُ (بِسَهْوِهِ كَكَلَامٍ كَثِيرٍ) فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِسَهْوِهِ (فِي الْأَصَحِّ) كَمَا تَقَدَّمَ وَدَلِيلُ السُّجُودِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقِيَاسُ غَيْرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ الْمُتَنَفِّلِ فِي السَّفَرِ إذَا انْحَرَفَ عَنْ طَرِيقِهِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ نَاسِيًا وَعَادَ عَلَى قُرْبٍ فَإِنَّ صَلَاتَهُ لَا تَبْطُلُ بِخِلَافِ الْعَامِدِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَلَى الْمَنْصُوصِ الْمَذْكُورِ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(وَتَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ) بِسُكُوتٍ أَوْ ذِكْرٍ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ.
(يُبْطِلُ عَمْدَهُ فِي
[حاشية قليوبي]
كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سِتَّةٌ، الْقُنُوتُ وَقِيَامُهُ وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَقُعُودُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهُ، وَعَلَى آلِهِ بَعْدَ الْأَخِيرِ، وَإِنْ عُدَّ قُعُودُهُمَا فَهِيَ ثَمَانِيَةٌ، وَزَادَ الْمُتَأَخِّرُونَ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ، بَعْدَ الْقُنُوتِ وَهَذِهِ سِتَّةٌ بِإِسْقَاطِ الْقِيَامِ لَهَا، وَسَبْعَةٌ بَعْدَهُ وَاحِدًا وَاثْنَا عَشَرَ، بِاعْتِبَارِ كُلٍّ مِنْهَا فَجُمْلَتُهَا عَلَى هَذَا عِشْرُونَ، وَالْخِلَافُ فِي عَدِّهَا لَفْظِيٌّ، وَيُتَصَوَّرُ السُّجُودُ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ بِتَرْكِ إمَامِهِ لَهَا لَا بِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ إنْ سَلَّمَ عَامِدًا تَرْكَهَا فَاتَتْ، أَوْ سَاهِيًا وَعَادَ لَهَا طَلَبَ فِعْلَهَا، لَا السُّجُودَ عَنْهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَجْبُرُ سَائِرَ السُّنَنِ) فَلَوْ سَجَدَ لِشَيْءٍ مِنْهَا عَامِدًا عَالِمًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا لَمْ تَبْطُلْ، وَيُنْدَبُ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ لِلْخَلَلِ الْحَاصِلِ بِهَذَا السُّجُودِ.
(تَنْبِيهٌ) لَا يَلْزَمُ مِنْ مَعْرِفَةِ طَلَبِ السُّجُودِ مَعْرِفَةُ، مَحَلِّهِ خِلَافًا لِمُدَّعِيهِ.
قَوْلُهُ: (بِجَامِعِ إلَخْ) أَيْ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ، أَوْ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ تَابِعًا وَلَا مُقَدِّمَةً لِغَيْرِهِ، فَلَا يَرِدُ نَحْوُ أَذْكَارِ السُّجُودِ وَدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) هُوَ مَفْهُومُ مَا مَرَّ، بِقَوْلِهِ مِنْهَا لِأَنَّ قُنُوتَ النَّازِلَةِ مَسْنُونٌ فِيهَا كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، فَلَا سُجُودَ لَهُ وَإِنْ قَصَدَ تَرْكَهُ لِأَجْلِ السُّجُودِ، بِخِلَافِ قُنُوتِ وَتْرِ رَمَضَانَ.
قَوْلُهُ: (مَا سَيَأْتِي) أَيْ فِي نَقْلِ الْقَوْلِيِّ.
قَوْلُهُ: (كَذَا لِعَمْدِهِ) وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَمْ يَسْجُدْ لَهُ لَشَمِلَهُمَا وَالْجَهْلُ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ، كَالسَّهْوِ فِيمَا يَظْهَرُ إذَا عُلِمَ بَعْدَ تَرْكِهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا تَبْطُلُ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْبُطْلَانِ، لَا فِي السُّجُودِ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ لَكَانَ أَوْلَى، إذْ لَا سُجُودَ مَعَ الْبُطْلَانِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَسْجُدُ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَسْجُدُ فَلَا اسْتِثْنَاءَ.
قَوْلُهُ: (وَتَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ) وَهُوَ فِي الِاعْتِدَالِ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ لِلْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ، زِيَادَةً عَلَى مَا يُطْلَبُ لِذَلِكَ الْمُصَلِّي.
قَالَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَشَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، تَبَعًا لِابْنِ حَجَرٍ لَا زِيَادَةً عَلَى مَا يُطْلَبُ لِلْمُنْفَرِدِ مُطْلَقًا، وَفِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ التَّشَهُّدَ الْوَاجِبَ، زِيَادَةً عَلَى مَا ذُكِرَ.
نَعَمْ لَا يَضُرُّ تَطْوِيلُ مَطْلُوبٍ كَصَلَاةِ التَّسْبِيحِ، وَلَا تَطْوِيلُ اعْتِدَالِ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الصُّبْحِ.
قَالَ شَيْخُنَا: أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، لِأَنَّهُ طُلِبَ فِيهِ التَّطْوِيلُ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْقُنُوتَ لِلنَّازِلَةِ فِي نَحْوِ الْعِيدِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَفِي الرَّوَاتِبِ مَكْرُوهٌ،
[حاشية عميرة]
بِالْمُقَابِلِ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (سَائِرَ السُّنَنِ) فَلَوْ سَجَدَ فِيهَا ظَانًّا جَوَازَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ.
قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَنَظَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَبَيَّنَ الْعِرَاقِيُّ النَّظَرَ بِأَنَّ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ لَا يَعْرِفُ مَشْرُوعِيَّةَ السُّجُودِ، وَمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ عَرَفَ مَحَلَّهُ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (بِجَامِعِ إلَخْ) هَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَفِي أَذْكَارِ الرُّكُوعِ وَنَحْوِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا سُجُودَ وَلِذَا عَلَّلَ الْغَزَالِيُّ اخْتِصَاصَ السُّجُودِ بِهَذِهِ الْأَبْعَاضِ بِأَنَّهَا مِنْ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ الْمَخْصُوصَةِ بِالصَّلَاةِ، انْتَهَى.
وَخَرَجَ بِالْمَخْصُوصَةِ بِالصَّلَاةِ تَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ.
قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ إلَخْ) عَلَّلَ غَيْرُهُ السُّجُودَ لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهَا ذِكْرٌ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَيَسْجُدُ لِتَرْكِهِ فِي الْأَوَّلِ قِيَاسًا عَلَى التَّشَهُّدِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فِي
الْأَصَحِّ) لَا خِلَالَهُ بِالْمُوَالَاةِ (فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ) وَالثَّانِي لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ وَفِي السُّجُودِ لِسَهْوِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ (فَالِاعْتِدَالُ قَصِيرٌ) لِأَنَّهُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (وَكَذَا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) قَصِيرٌ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا، وَالثَّانِي طَوِيلٌ كَالْجُلُوسِ بَعْدَهُمَا.
(وَلَوْ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا) إلَى رُكْنٍ طَوِيلٍ (كَفَاتِحَةٍ) أَوْ بَعْضِهَا (فِي رُكُوعٍ أَوْ) جُلُوسِ (تَشَهُّدٍ) آخَرَ وَكَتَشَهُّدٍ أَوْ بَعْضِهِ فِي قِيَامٍ (لَمْ تَبْطُلْ بِعَمْدِهِ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي تَبْطُلُ كَنَقْلِ الرُّكْنِ الْفِعْلِيِّ وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ نَقْلَ الْفِعْلِيِّ يُغَيِّرُ هَيْئَةَ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ نَقْلِ الْقَوْلِيِّ، وَلَوْ نَقَلَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ أَوْ التَّشَهُّدِ إلَى الِاعْتِدَالِ، وَلَمْ يُطِلْ فَفِيهِ الْخِلَافُ، وَلَوْ أَطَالَهُ بِنَقْلِ كُلِّ الْفَاتِحَةِ أَوْ التَّشَهُّدِ بَطَلَتْ فِي الْأَصَحِّ، وَهَذَا مِنْ صُوَرِ مَا تَقَدَّمَ فِي تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ (وَ) عَلَى عَدَمِ الْبُطْلَانِ (يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ فِي الْأَصَحِّ) لِتَرْكِهِ التَّحَفُّظَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ مُؤَكَّدًا كَتَأْكِيدِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (وَعَلَى هَذَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ قَوْلِنَا) الْمُتَقَدِّمِ (مَا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ لَا سُجُودَ لِسَهْوِهِ) وَيُضَمُّ إلَيْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي تَطْوِيلِ الْقَصِيرِ تَفْرِيعًا عَلَى الْمَرْجُوحِ، وَقَوْلُهُ وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ كَذَا الْعُمْدَةُ كَمَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَيُقَاسُ بِهِ الْعَمْدُ فِي تَطْوِيلِ الْقَصِيرِ عَلَى
[حاشية قليوبي]
وَمُقْتَضَاهُ الْبُطْلَانُ لِعَدَمِ طَلَبِهِ وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لِلْفَصْلِ) بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ ذِكْرُ وَاجِبٍ مَعَ مُوَافَقَتِهِ لِلْعَادَةِ كَالْقِيَامِ، وَلَا يَرِدُ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَالْقُنُوتُ لِأَنَّهُمَا مَسْنُونَانِ، وَالْمُرَادُ أَظْهَرُ مَقَاصِدِهِ الْفَصْلِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ أَيْضًا بِدَلِيلِ وُجُوبِ الطُّمَأْنِينَةِ فِيهِ لِيُوجَدَ فِيهِ الْخُشُوعُ وَالسَّكِينَةُ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْجُلُوسِ.
وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ أَنَّهُمَا طَوِيلَانِ وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ.
(فَرْعٌ) لَوْ قَامَ نَاسِيًا لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَعَادَ لَهُ بَعْدَمَا صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يَسْجُدَ، لِأَنَّ عَمْدَ هَذَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ مُبْطِلٌ، فَهُوَ مِنْ قَاعِدَةِ مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ.
قَوْلُهُ: (رُكْنًا) سَيَأْتِي مَفْهُومُهُ.
قَوْلُهُ: (قَوْلِيًّا) أَيْ غَيْرَ التَّكْبِيرَةِ وَالسَّلَامِ لِأَنَّ نَقْلَ أَحَدِهِمَا مُبْطِلٌ، وَغَيْرَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ التَّشَهُّدِ فَلَا يَسْجُدُ لِأَنَّ الْقُعُودَ مَحَلُّهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ مِنْ بَدَلِهَا مِنْ قُرْآنٍ أَوْ ذِكْرٍ لَا يَكُونُ رُكْنًا إلَّا بِقَصْدِهِ، وَكَذَا نَحْوُ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ: (إلَى رُكْنٍ طَوِيلٍ) قَيَّدَ بِهِ لِأَجْلِ تَمْثِيلِهِ بِالْفَاتِحَةِ لِأَنَّهَا فِي الْقَصِيرِ مُبْطِلَةٌ، وَتَقْيِيدُ التَّشَهُّدِ بِالْأَخِيرِ لِجَعْلِهِ رُكْنًا لِلِاحْتِرَازِ، فَالْوَجْهُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ فِيهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْفَاتِحَةِ فِي الِاعْتِدَالِ تَطْوِيلُهُ لِإِمْكَانِ وُجُودِهَا فِي قَدْرِ زَمَنِ الذِّكْرِ الْمَطْلُوبِ فِيهِ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الرُّكْنِ غَيْرُ مَشْرُوطٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى هَذَا اسْتَثْنَى إلَخْ) وَكَذَا يُسْتَثْنَى مَا لَوْ فَرَّقَهُمْ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مَثَلًا أَرْبَعَ فِرَقٍ وَصَلَّى بِكُلِّ رَكْعَةٍ أَوْ فِرْقَتَيْنِ وَصَلَّى بِوَاحِدَةٍ ثَلَاثًا وَبِالْأُخْرَى رَكْعَةً، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِمُخَالَفَتِهِ بِالِانْتِظَارِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وُرُودِهِ أَيْ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، فَلَا يَرِدُ عَدَمُ طَلَبِ السُّجُودِ لِلِانْتِظَارِ فِي نَحْوِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَيَسْجُدُ أَيْضًا مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ الِانْتِظَارَ أَوْ اقْتَدَى بَعْدَهُ.
[حاشية عميرة]
الصَّلَاةِ لَا مِنْهَا، فَلَا يَرُدُّ عَلَى الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُهُ: (لَا خِلَالَهُ بِالْمُوَالَاةِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَكَمَا لَوْ قَصَرَ الْأَرْكَانَ الطَّوِيلَةَ وَنَقَصَ بَعْضَهَا، وَعِبَارَةُ ابْنِ الرِّفْعَةِ فِي إيرَادِ مَا عَلَّلَ بِهِ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَقْلًا لِأَنَّ سَائِرَ الْأَرْكَانِ قَدْ يَجُوزُ تَطْوِيلُهَا، فَإِذَا طَوَّلَ الْقَصِيرَ أَيْضًا فَاتَتْ الْمُوَالَاةُ وَهِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلِمَنْ ذَهَبَ إلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ أَنْ يَقُولَ مَعْنَى الْمُوَالَاةِ إنْ كَانَ بِأَنْ لَا يَتَخَلَّلَ فَصْلٌ طَوِيلٌ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ بَيْنَ أَرْكَانِهَا فَهُوَ مَقْصُودٌ هُنَا، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنًى آخَرَ فَلَا نُسَلِّمُ اشْتِرَاطَ الْمُوَالَاةِ بِمَعْنًى آخَرَ.
قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا نَعَمْ) عَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ مَأْمُورٌ بِالتَّحَفُّظِ، وَإِحْضَارِ الذِّهْنِ أَمْرًا مُؤَكَّدًا كَتَأْكِيدِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَيَسْجُدُ عِنْدَ تَرْكِهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ، وَقَضِيَّتُهُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: أَنْ يَسْجُدَ عِنْدَ عَمْدِ ذَلِكَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَوْلُ الْمَتْنِ: (قَصِيرٌ) أَيْ فَيُؤْمَرُ الْمُصَلِّي فِيهِ بِالتَّخْفِيفِ، وَلِهَذَا لَا يُسَنُّ تَكْرَارُ الذِّكْرِ فِيهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ نَقْلِ الْقَوْلِيِّ) زَادَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلِهَذَا لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَكْرِيرِهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَطَالَهُ بِنَقْلِ كُلِّ الْفَاتِحَةِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ خَلَا الِاعْتِدَالُ عَنْ الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ تَبْطُلُ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ كَوْنُ الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ أَطْوَلَ مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ حَيْثُ ذُكِرَ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ التَّطْوِيلَ يَلْحَقُ بِقَدْرِ الْقِيَامِ الْوَاجِبِ، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: (مَا تَقَدَّمَ) الْمُرَادُ بِهِ قَوْلُهُ بِسُكُوتٍ أَوْ ذِكْرٍ.
قَوْلُهُ: (إنَّهُ
الْمَرْجُوحِ فِيهِ، وَذَكَرَ فِي الرَّوْضَةِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَوْ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَمْ يُحْسَبْ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يُعِيدُهُ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، وَذَلِكَ صَادِقٌ بِالْعَمْدِ وَالسَّهْوِ فَتُضَمُّ مَسْأَلَةُ السَّهْوِ إلَى الْمُسْتَثْنَى.
(وَلَوْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ) مَعَ قُعُودِهِ أَوْ وَحْدَهُ (فَذَكَرَهُ بَعْدَ انْتِصَابِهِ لَمْ يَعُدْ لَهُ) لِتَلَبُّسِهِ بِفَرْضٍ فَلَا يَقْطَعُهُ لِسُنَّةٍ.
(فَإِنْ عَادَ) عَامِدًا (عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِزِيَادَتِهِ قُعُودًا عَمْدًا (أَوْ نَاسِيًا) أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ (فَلَا) تَبْطُلُ وَيَلْزَمُهُ الْقِيَامُ عِنْدَ تَذَكُّرِهِ (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ أَوْ جَاهِلًا) تَحْرِيمَهُ (فَكَذَا) لَا تَبْطُلُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى عَلَى الْعَوَامّ وَيَسْجُدُ، وَالثَّانِي تَبْطُلُ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ التَّعَلُّمِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْمُنْفَرِدِ وَفِي مَعْنَاهُ الْإِمَامُ، وَلَوْ تَخَلَّفَ الْمَأْمُومُ عَنْ انْتِصَابِهِ لِلتَّشَهُّدِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُفَارَقَتَهُ فَيُعْذَرُ، وَلَوْ عَادَ الْمَأْمُومُ قَبْلَ قِيَامِ الْإِمَامِ حَرُمَ قُعُودُهُ مَعَهُ لِوُجُوبِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ بِانْتِصَابِ الْإِمَامِ، وَلَوْ انْتَصَبَ مَعَهُ ثُمَّ عَادَ هُوَ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَتُهُ فِي الْعُودِ لِأَنَّهُ إمَّا مُخْطِئٌ بِهِ فَلَا يُوَافِقُهُ فِي الْخَطَأِ أَوْ عَامِدٌ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، بَلْ يُفَارِقُهُ أَوْ يَنْتَظِرُهُ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ عَادَ نَاسِيًا، وَقِيلَ لَا يَنْتَظِرُهُ، وَلَوْ عَادَ مَعَهُ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ (وَلِلْمَأْمُومِ) إذَا انْتَصَبَ دُونَ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (إنَّهُ لَوْ قَنَتَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى بَيَانِ مَفْهُومِ الرُّكْنِ، وَالْمُعْتَمَدُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا نَقَلَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ أَوْ الْقُنُوتَ أَوْ السُّورَةَ سَجَدَ إنْ نَوَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا سُجُودَ لِنَقْلِ نَحْوِ التَّسْبِيحِ وَإِنْ نَوَاهُ.
نَعَمْ لَا سُجُودَ لِتَقْدِيمِ السُّورَةِ عَلَى الْفَاتِحَةِ فِي الْقِيَامِ، وَلَا لِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْقُنُوتِ فِي قِيَامِهِ أَوْ عَلَى التَّشَهُّدِ فِي جُلُوسِهِ، وَلَوْ الْأَخِيرَ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحَلُّهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا لِلصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ قِيلَ بِنَدْبِهَا فِيهِ، وَلَا لِلتَّسْمِيَةِ قَبْلَ التَّشَهُّدِ وَإِنْ كُرِهَتْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ عُلِمَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكُونُ رُكْنًا تَارَةً كَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَبَعْضًا تَارَةً كَالْأَوَّلِ وَسُنَّةً تَارَةً عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ، وَمَكْرُوهَةً تَارَةً كَتَقْدِيمِهَا عَلَى مَحَلِّهَا، فَإِذَا أَتَى بِهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا فَيُتَّجَهُ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِهَا أَحَدَ الْأَوَّلَيْنِ فَرَاجِعْهُ.
وَقَوْلُ الْعَبَّادِيُّ: بِعَدَمِ السُّجُودِ فِي نَقْلِ التَّشَهُّدِ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَسِيَ) أَيْ الْمُصَلِّي مُطْلَقًا وَلَوْ مَأْمُومًا بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْعَوْدِ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي، وَلَيْسَ النِّسْيَانُ قَيْدًا، وَسَيَأْتِي.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ: هَذَا كُلُّهُ إلَخْ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: فَإِنْ عَادَ إلَى آخِرِهِ، وَرُجُوعُ الضَّمِيرِ وَنَحْوِهِ لِبَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِ صَحِيحٌ وَلَا يُخَصِّصُهُ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ انْتِصَابِهِ) أَيْ إلَى مَحَلِّ تُجْزِئُهُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ بِأَنْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى أَقَلِّ الرُّكُوعِ، وَمِثْلُ الْقِيَامِ نَائِبُهُ كَشُرُوعِ الْمُصَلِّي قَاعِدًا فِي الْقِرَاءَةِ عَمْدًا، فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ فِي هَذِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ كَشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَلَمْ يَعْتَمِدْ إفْتَاءَ وَالِدِهِ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ كَمَا فِي قَطْعِ الْقِرَاءَةِ لِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ، أَوْ التَّعَوُّذِ لِوُجُودِ الْفَرْقِ، لِمَا مَرَّ مِنْ النِّيَابَةِ هُنَا، وَيُتَّجَهُ أَنَّ عَدَمَ الْبُطْلَانِ هُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ وَاقِعَةٌ فِي الْقَصْدِ لَا فِي الْفِعْلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يُتَّجَهُ مَا رَتَّبَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ، فَإِنْ عَادَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَلَى الْقَاعِدَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَادَ) لَمْ يَقُلْ لَهُ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَنْتَظِمُ مَعَ قَوْلِهِ: أَوْ نَاسِيًا أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَاسِيًا أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ) كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الشُّرَّاحِ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ كَيْفَ يَنْسَاهَا مَعَ أَنَّهُ عَائِدٌ إلَى التَّشَهُّدِ فِيهَا، فَالْوَجْهُ أَنْ يُفَسَّرَ بِنِسْيَانِ تَحْرِيمِ الْعَوْدِ كَمَا ذَكَرُوهُ مَعَ أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوْ صَرِيحِهِ، وَمِثْلُ نِسْيَانِ حُرْمَةِ الْعَوْدِ شَكُّهُ فِيهَا، وَفَارَقَ بُطْلَانُهَا لِمَنْ نَسِيَ حُرْمَةَ الْكَلَامِ بِأَنَّ الْعُودَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَبِعَدَمِ اغْتِفَارِ قَلِيلِ الْكَلَامِ عَمْدًا، وَتَبْطُلُ لِمَنْ جَهِلَ الْبُطْلَانَ مَعَ عِلْمِهِ حُرْمَةَ الْعَوْدِ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا يَخْفَى عَلَى الْعَوَامّ) أَيْ وَكُلُّ مَا شَأْنُهُ ذَلِكَ يُعْذَرُ فِي جَهْلِهِ الْمُتَفَقِّهُ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ مِنْ دَقَائِقِ الْعِلْمِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ انْتِصَابِهِ) أَيْ الْإِمَامُ وَإِنْ جَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، أَوْ بِقَصْدِ التَّشَهُّدِ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ لِأَنَّ الْجُلُوسَ لَا يَكُونُ لِلتَّشَهُّدِ إلَّا بِذِكْرِهِ.
قَوْلُهُ: (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) .
قَالَ شَيْخُنَا: إنْ طَالَ الْفَصْلُ، أَوْ قُصِدَ التَّخَلُّفُ، أَوْ شَرَعَ فِي التَّشَهُّدِ لِفُحْشِ الْمُخَالَفَةِ فِي الْأُولَى وَشُرُوعِهِ فِي الْمُبْطِلِ فِي الثَّانِيَةِ، وَلِأَنَّهُ أَحْدَثَ جُلُوسَ تَشَهُّدٍ لَمْ يَفْعَلْهُ إمَامُهُ فِي الثَّالِثَةِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ تَخَلُّفَهُ لِلْقُنُوتِ لِمُوَافَقَتِهِ لِلْإِمَامِ فِي قِيَامِهِ كَذَا قَالُوا وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ قَدْ وَافَقَ الْإِمَامَ فِي الْجُلُوسِ إذَا جَلَسَ، وَلِأَنَّهُ هُنَاكَ أَحْدَثَ قِيَامَ قُنُوتٍ لَمْ يَفْعَلْهُ إمَامُهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يُفَارِقُهُ) وَهُوَ أَوْلَى مِنْ انْتِظَارِهِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا فَعَلَهُ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ مِنْ تَشَهُّدٍ أَوْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (سَهْوًا) قَيْدٌ لِوُجُوبِ الْعَوْدِ، فَفِي الْعَمْدِ
[حاشية عميرة]
لَوْ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ) صُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَقْنُتَ بِنِيَّةِ الْقُنُوتِ، وَإِلَّا فَلَا سُجُودَ قَالَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي الْكَافِي، وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ظَاهِرَةٌ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَفِي مَعْنَاهُ الْإِمَامُ) لَك أَنْ تَقُولَ: هَلَّا أَدْخَلَهُ فِي الْعِبَارَةِ نَصًّا، وَقَدْ يُعْتَذَرُ بِأَنَّ إفْرَادَ الضَّمَائِرِ السَّابِقَةِ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، لَا يُقَالُ: يُمْكِنُ رُجُوعُهَا إلَى الْمُصَلِّي لِأَنَّا نَقُولُ الْمُصَلِّي يَشْمَلُ الْإِمَامَ.
قَوْلُهُ: (سَهْوًا) هُوَ تَصْرِيحٌ بِمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ الْمَتْنِ
الْإِمَامِ سَهْوًا (الْعَوْدُ لِمُتَابَعَةِ إمَامِهِ فِي الْأَصَحِّ) فَهِيَ مُجَوِّزَةٌ لِعَوْدِهِ الْمُمْتَنِعِ فِي غَيْرِهِ، وَالثَّانِي لَيْسَ لَهُ الْعَوْدُ لِتَلَبُّسِهِ بِرُكْنِ الْقِيَامِ كَغَيْرِهِ بَلْ يَصْبِرُ إلَى أَنْ يَلْحَقَهُ الْإِمَامُ.
(قُلْت: الْأَصَحُّ وُجُوبُهُ) أَيْ الْعَوْدُ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِوُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَأَصْلُ الْخِلَافِ هَلْ يَعُودُ أَوْ لَا؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْجَوَازِ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي الْوُجُوبِ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ كَمَا حَكَاهَا الْمُصَنِّفُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ مَعَ تَصْحِيحِ الْوُجُوبِ فِيهِ أَخْذًا مِنْ قُوَّةِ كَلَامِ الشَّرْحِ، وَلَوْ انْتَصَبَ عَامِدًا فَقَطَعَ الْإِمَامُ بِحُرْمَةِ الْعَوْدِ كَمَا لَوْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ عَمْدًا.
وَتَعَقَّبَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ اسْتَحَبُّوا الْعَوْدَ فَضْلًا عَنْ الْجَوَازِ يَعْنِي فَيَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ الْمَقِيسِ، وَرَجَّحَهُ فِيهِ فِي التَّحْقِيقِ حَاكِيًا فِيهِ الْوُجُوبَ أَيْضًا.
(وَلَوْ تَذَكَّرَ) الْمُصَلِّي (قَبْلَ انْتِصَابِهِ عَادَ لِلتَّشَهُّدِ) الَّذِي نَسِيَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِفَرْضٍ.
(وَيَسْجُدُ إنْ كَانَ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ) مِنْهُ إلَى الْقُعُودِ لِتَغْيِيرِهِ نَظْمَ الصَّلَاةِ بِمَا فَعَلَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبَ، أَوْ كَانَتْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِمَا عَلَى السَّوَاءِ، فَلَا يَسْجُدُ لِقِلَّةِ مَا فَعَلَهُ حِينَئِذٍ.
(وَلَوْ نَهَضَ عَمْدًا) مِنْ غَيْرِ تَشَهُّدٍ (فَعَادَ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (إنْ كَانَ) فِيمَا نَهَضَ (إلَى
[حاشية قليوبي]
يُسْتَحَبُّ وَإِنْ انْتَصَبَ وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (الْأَصَحُّ وُجُوبُهُ أَيْ الْعَوْدُ) إلَّا إنْ لَحِقَهُ الْإِمَامُ.
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِ: أَوْ نَوَى فِرَاقَهُ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعَوْدُ وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا فَعَلَهُ قَبْلَهُمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَفِي نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ نَظَرٌ، لِأَنَّ فِعْلَهُ لَاغٍ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَالِاكْتِفَاءُ بِهَا يُؤَدِّي إلَى الِاعْتِدَادِ بِهِ بِخِلَافِ لُحُوقِ الْإِمَامِ لَهُ لِأَنَّ فِي عَوْدِهِ حِينَئِذٍ فُحْشَ مُخَالَفَةٍ مَعَ مُوَافَقَةِ الْإِمَامِ فِيهِ، وَفَارَقَ الِاعْتِدَادَ بِلُحُوقِهِ هُنَا وُجُوبُ الْعَوْدِ عَلَى مَنْ قَامَ ظَانًّا سَلَامَ إمَامِهِ وَإِنْ سَلَّمَ إمَامُهُ بَعْدَ قِيَامِهِ، أَوْ نَوَى مُفَارِقَتِهِ بَعْدَهُ بِأَنَّهُ هُنَا فَعَلَ شَيْئًا لِلْإِمَامِ فِعْلُهُ، وَقَدْ وَافَقَهُ فِيهِ.
(تَنْبِيهٌ) يَجْرِي مَا ذُكِرَ فِي عَكْسِهِ بِأَنْ سَجَدَ الْمَأْمُومُ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى عَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَى الْعَامِدِ مِنْ حَيْثُ إنَّ صَلَاتَهُ لَا تَبْطُلُ لَوْ لَمْ يُعِدْ وَإِلَّا فَهُوَ حَرَامٌ، لِأَنَّهُ مِنْ السَّبْقِ وَلَوْ مِنْ ابْتِدَائِهِ، وَمَعْنَى الْوُجُوبِ عَلَى السَّاهِي مِنْ حَيْثُ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ لَوْ لَمْ يُعِدْ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ عَلَيْهِ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ الْعَوْدِ عَلَيْهِ إنْ صَارَ لِلْقِيَامِ أَقْرَبُ قَبْلَ عِلْمِهِ فِي صُورَةِ الْقِيَامِ أَوْ بَلَغَ حَدَّ الرَّاكِعِ فِي عَكْسِهِ، وَإِلَّا نُدِبَ لَهُ الْعَوْدُ لِعَدَمِ فُحْشِ الْمُخَالَفَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْعَوْدُ هُنَا مُطْلَقًا لِإِلْغَاءِ ابْتِدَاءِ فِعْلِهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ) وَهِيَ يَجِبُ يَجُوزُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ لَا يَجِبُ مُسَاوٍ لِيَجُوزُ فَهُمَا وَاحِدٌ.
نَعَمْ يَدْخُلُ النَّدْبُ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ وَلَيْسَ مُرَادًا.
قَوْلُهُ: (انْتَصَبَ) أَيْ وَصَلَ إلَى مَحَلِّ أَجْزَاءِ الْقِرَاءَةِ وَهُوَ قَيْدٌ لِقَوْلِ الْإِمَامِ بِحُرْمَةِ الْعَوْدِ إذْ قَبْلَهُ لَا حُرْمَةَ.
قَوْلُهُ: (اسْتَحَبُّوا الْعَوْدَ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْعَمْدُ هُنَا كَالسَّهْوِ لِعَدَمِ فُحْشِ الْمُخَالَفَةِ.
قَوْلُهُ: (فَيَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ) أَيْ الِاسْتِحْبَابُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ.
قَوْلُهُ: (الْمُصَلِّي وَلَوْ مَأْمُومًا) لَكِنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِتَحَمُّلِ الْإِمَامِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (عَادَ) أَيْ نَدْبًا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَيَسْجُدُ) أَيْ إنْ دَامَتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ نَوَى الْمُتَنَفِّلُ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا فَعَلَهُ وَعَادَ لَمْ يَجُزْ لَهُ السُّجُودُ.
قَوْلُهُ: (مِنْهُ) أَيْ مِنْ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَهَضَ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ: هُوَ مُحْتَرَزُ (نَسِيَ) فِيمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ فِي إطْلَاقِهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي، فَالْمُرَادُ بِالتَّشَهُّدِ فِيهِ الْأَوَّلُ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: عَمْدًا عَزْمُهُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ التَّشَهُّدِ حَالَ نُهُوضِهِ وَحَالَ عَوْدِهِ، فَبُطْلَانُ صَلَاتِهِ بِالْعَوْدِ فَقَطْ بِأَنَّهُ عَبَثٌ، وَلِذَلِكَ رَتَّبَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَعَادَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ بُطْلَانِهَا بِالنُّهُوضِ وَالْعَوْدِ مَعًا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِأَنَّ نُهُوضَهُ مَحْسُوبٌ لَهُ
[حاشية عميرة]
لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي النِّسْيَانِ، وَأَمَّا عَمْدُ الْقِيَامِ فَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ نَهَضَ عَمْدًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَرِدَ صُورَةُ عَمْدِ الْمَأْمُومِ عَلَى عِبَارَةِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لَهَا الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَرِيبًا تَتْمِيمًا لِأَحْكَامِ أَقْسَامِ الْمَأْمُومِ.
قَوْلُهُ: (لِوُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ أَمْرُهَا مُتَأَكِّدٌ بِدَلِيلِ سُقُوطِ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ بِهَا عَنْ الْمَأْمُومِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ انْتَصَبَ عَامِدًا) أَهْمَلَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا لَوْ صَارَ الْمَأْمُومُ فِي نُهُوضِهِ عَمْدًا إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا كَالِانْتِصَابِ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَأْمُومِ فَيَجْرِي فِيهَا مَا تَقَرَّرَ عَنْ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ تَعَيُّنُ مَا سَيَأْتِي عَنْ التَّحْقِيقِ.
قَوْلُهُ: (مِنْهُ) أَيْ مِنْ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (لِتَغْيِيرِهِ نَظْمَ الصَّلَاةِ) عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ أَتَى بِفِعْلٍ غَيَّرَ نَظْمَ الصَّلَاةِ، وَلَوْ أَتَى بِهِ عَمْدًا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ فِي التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ صَحَّحَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَدَمَ السُّجُودِ مُطْلَقًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ نَهَضَ عَمْدًا) هُوَ قَسِيمُ قَوْلِهِ السَّابِقِ، وَلَوْ نَسِيَ
الْقِيَامِ أَقْرَبَ) مِنْ الْقُعُودِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبَ أَوْ كَانَتْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِمَا عَلَى السَّوَاءِ، فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَشَمَلَ الصُّورَتَيْنِ قَوْلُ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَإِنْ عَادَ قَبْلَ مَا صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ.
(وَلَوْ نَسِيَ قُنُوتًا فَذَكَرَهُ فِي سُجُودِهِ لَمْ يَعُدْ لَهُ) لِتَلَبُّسِهِ بِفَرْضٍ (أَوْ قَبْلَهُ عَادَ) لِعَدَمِ التَّلَبُّسِ بِهِ (وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ إنْ بَلَغَ حَدَّ الرَّاكِعِ) فِي هُوِيِّهِ لِزِيَادَتِهِ رُكُوبًا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَبْلُغْهُ فَلَا يَسْجُدُ (وَلَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ بَعْضٍ) بِالْمَعْنَى السَّابِقِ كَالْقُنُوتِ (سَجَدَ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ فِعْلِهِ (أَوْ ارْتِكَابِ نَهْيٍ) أَيْ مَنْهِيٍّ يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ كَكَلَامٍ قَلِيلٍ نَاسِيًا (فَلَا) يَسْجُدُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ارْتِكَابِهِ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ سَهْوُهُ بِالْأَوَّلِ أَوْ بِالثَّانِي سَجَدَ لِتَيَقُّنِ مُقْتَضِيهِ، وَلَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ مَنْدُوبٍ فِي الْجُمْلَةِ لَا يَسْجُدُ لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ قَدْ لَا يَقْتَضِيه.
(وَلَوْ سَهَا) بِمَا يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ (وَشَكَّ هَلْ سَجَدَ) أَوْ لَا (فَلْيَسْجُدْ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ السُّجُودِ (وَلَوْ شَكَّ) أَيْ تَرَدَّدَ (أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا أَتَى بِرَكْعَةٍ) لِأَنَّ
[حاشية قليوبي]
مُطْلَقًا.
وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ: إنَّهُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِوُصُولِهِ إلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ قِيَامُهُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، لِأَنَّ نُهُوضَهُ حِينَئِذٍ عَبَثٌ لِعَدَمِ حُسْبَانِهِ لَهُ، وَسَيَأْتِي مَا يُصَرِّحُ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَعَادَ) أَيْ بِالْفِعْلِ فَلَا تَبْطُلُ بِقَصْدِ الْعَوْدِ.
نَعَمْ إنْ عَزَمَ فِي ابْتِدَاءِ نُهُوضِهِ عَلَى الْعَوْدِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِمُجَرَّدِ نُهُوضِهِ لِأَنَّهُ شُرُوعٌ فِي الْمُبْطِلِ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ) أَيْ مِنْهُ إلَى الْقُعُودِ، فَإِنْ عَادَ قَبْلَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ مُطْلَقًا، وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْفِعْلِ الْقَلِيلِ كَالْخُطْوَتَيْنِ فَتَأَمَّلْ.
(تَنْبِيهٌ) حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ قَامَ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ غَيْرَ قَاصِدٍ تَرْكَهُ، فَلَهُ الْعَوْدُ مَا لَمْ يَنْتَصِبْ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إنْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْقُعُودِ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ قَامَ عَنْهُ قَاصِدًا تَرْكَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِالْقِيَامِ مُطْلَقًا، ثُمَّ إنْ عَزَمَ عَلَى فِعْلِهِ بَعْدَ قَصْدِ تَرْكِهِ فَلَهُ الْعَوْدُ أَيْضًا مَا لَمْ يَنْتَصِبْ، لِأَنَّ النَّفَلَ يَجُوزُ فِعْلُهُ بَعْدَ قَصْدِ تَرْكِهِ مَا لَمْ يَفُتْ مَحَلُّهُ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إنْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ كَمَا مَرَّ وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ مَنْ قَامَ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ سَاهِيًا غَيْرَ قَاصِدٍ تَرْكَهُ فَلَهُ الْعُودُ وَإِنْ انْتَصَبَ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إنْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ قَامَ قَاصِدًا تَرْكَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ أَوْ قَصَدَ وُصُولَهُ لِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ لِأَنَّهُ مِمَّا يُبْطِلُ عَمْدُهُ، وَإِلَّا فَلَا كَمَا يَأْتِي.
وَعَلَى هَذَا يُنَزَّلُ كَلَامُهُمْ فَافْهَمْ هَذَا، فَإِنَّهُ مِمَّا يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَلَا التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَسِيَ) أَيْ الْمُصَلِّي مُطْلَقًا، وَتَخَلُّفُ بَعْضِ الْأَحْكَامِ فِي الْمَأْمُومِ لَا يَضُرُّ، وَالنِّسْيَانُ لَيْسَ قَيْدًا.
قَوْلُهُ: (لِتَلَبُّسِهِ بِفَرْضٍ) فَهُوَ بَعْدَ وَضْعِ الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ كَمَا قَالَهُ الْخَطِيبُ، وَاعْتَبَرَ شَيْخُنَا مَعَهُ التَّحَامُلَ وَالتَّكَيُّسَ وَإِنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ، وَمَنْ عَادَ بَعْدَ هُوِيِّهِ أَوْ سُجُودِهِ إلَيْهِ فَفِيهِ مَا مَرَّ فِي الْقَائِمِ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (إنْ بَلَغَ حَدَّ الرَّاكِعِ) أَيْ أَقَلَّ الرُّكُوعِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ بَعْضٍ) اعْلَمْ أَنَّ جُمْلَةَ صُوَرِ تَرْكِ الْمَنْدُوبِ وَلَوْ يَقِينًا أَوْ غَيْرَ بَعْضُ عَشَرَةٍ، أَحَدُهَا: تَيَقُّنُ تَرْكِ بَعْضِ مُعَيَّنٌ، كَالْقُنُوتِ وَفِيهِ السُّجُودُ.
ثَانِيهَا: تَيَقُّنُ تَرْكِ بَعْضِ مُبْهَمٍ فِي الْأَبْعَاضِ كَالْقُنُوتِ أَوْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ مَثَلًا، وَفِيهِ السُّجُودُ أَيْضًا وَهَاتَانِ مَعْلُومَتَانِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالْأَوْلَى ثَالِثُهَا: الشَّكُّ فِي تَرْكِ بَعْضِ مُعَيَّنٍ، كَالْقُنُوتِ هَلْ فَعَلَهُ أَوْ لَا؟ وَفِيهِ السُّجُودُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ فِعْلِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
رَابِعُهَا: الشَّكُّ فِي تَرْكِ بَعْضِ مُبْهَمٍ فِيهَا، كَأَنْ شَكَّ هَلْ فَعَلَ جَمِيعَ الْأَبْعَاضِ أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا؟ وَالْوَجْهُ فِيهَا عَدَمُ السُّجُودِ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ، لِأَنَّهَا الْمُحْتَرَزُ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: مُعَيَّنٌ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهَا مُضْعِفَانِ الشَّكُّ وَالْإِبْهَامُ.
خَامِسُهَا: تَيَقُّنُ تَرْكِ مَنْدُوبٍ مُبْهَمٍ فِي الْأَبْعَاضِ وَالْهَيْئَاتِ.
سَادِسُهَا: تَيَقُّنُ تَرْكِ هَيْئَةٍ مُعَيَّنَةٍ، كَتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ.
سَابِعُهَا: الشَّكُّ فِي فِعْلِ هَيْئَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَا ذُكِرَ.
ثَامِنُهَا: تَيَقُّنُ تَرْكِ هَيْئَةٍ مُبْهَمَةٍ.
تَاسِعُهَا: الشَّكُّ فِي تَرْكِ هَيْئَةٍ مُبْهَمَةٍ.
عَاشِرُهَا: الشَّكُّ فِي تَرْكِ مَنْدُوبٍ مُطْلَقًا، وَلَا سُجُودَ فِي هَذِهِ السِّتَّةِ كَمَا فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ فِي أَوَّلِهَا قَدْ لَا يَقْتَضِي السُّجُودَ، وَفِي الْبَقِيَّةِ لَيْسَ بَعْضًا وَعَدَمُ السُّجُودِ فِي الشَّكِّ فِيهَا أَوْلَى مِنْ عَدَمِهِ مَعَ تَيَقُّنِهَا، وَبِمَا ذُكِرَ عُلِمَ أَنَّ تَقْيِيدَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ الْبَعْضَ بِالْمُعَيَّنِ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا يُغْتَرُّ بِمَا انْتَقَدَ بِهِ عَلَيْهِ بَعْضُ أَكَابِرِ الْفُضَلَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، وَالْحَقُّ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ، وَالتَّسْلِيمُ لَهُ أُولَى مِنْ النِّزَاعِ.
قَوْلُهُ: (بِالْمَعْنَى السَّابِقِ) وَهُوَ كَوْنُهُ
[حاشية عميرة]
التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ.
كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ السَّابِقَ: وَلَوْ تَذَكَّرَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ قَسِيمُ قَوْلِهِ السَّابِقِ فَذَكَرَهُ بَعْدَ انْتِصَابِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (إنْ بَلَغَ حَدَّ الرَّاكِعِ) شَرْطٌ لِقَوْلِهِ: وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ قَوْلُهُ: (أَيْ تَرَدَّدَ) أَيْ بِاسْتِوَاءٍ أَوْ رُجْحَانٍ فَلَا يَعْمَلُ بِظَنِّهِ وَلَا بِقَوْلِ غَيْرِهِ، لِأَنَّ لَفْظَ الشَّكِّ وَقَعَ
الْأَصْلَ عَدَمُ فِعْلِهَا (وَسَجَدَ) لِلتَّرَدُّدِ فِي زِيَادَتِهَا، وَلَا يَرْجِعُ فِي فِعْلِهَا إلَى ظَنِّهِ وَلَا إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ جَمْعًا كَثِيرًا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلِيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ» أَيْ رَدَّتْهَا السَّجْدَتَانِ إلَى الْأَرْبَعِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْجُدُ وَإِنْ زَالَ شَكُّهُ قَبْلَ سَلَامِهِ) بِأَنْ تَذَكَّرَ أَنَّهَا رَابِعَةٌ لِفِعْلِهَا مَعَ التَّرَدُّدِ وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا يُعْتَبَرُ التَّرَدُّدُ بَعْدَ زَوَالِهِ.
(وَكَذَا حُكْمُ مَا يُصَلِّيه مُتَرَدِّدًا، وَاحْتَمَلَ كَوْنَهُ زَائِدًا) أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلتَّرَدُّدِ فِي زِيَادَتِهِ وَإِنْ زَالَ شَكُّهُ قَبْلَ سَلَامِهِ.
(وَلَا يَسْجُدُ لِمَا يَجِبُ بِكُلِّ حَالٍ إذَا زَالَ شَكُّهُ مِثَالُهُ شَكَّ فِي الثَّالِثَةِ) فِي الْوَاقِعِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ (أَثَالِثَةٌ هِيَ أَمْ رَابِعَةٌ فَتَذَكَّرَ فِيهَا) أَنَّهَا ثَالِثَةٌ وَأَتَى بِرَابِعَةٍ.
(لَمْ يَسْجُدْ) لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ مِنْهَا مَعَ التَّرَدُّدِ لَا بُدَّ مِنْهُ (أَوْ) تَذَكَّرَ (فِي الرَّابِعَةِ) الَّتِي أَتَى بِهَا أَنَّ مَا قَبْلَهَا ثَالِثَةٌ (سَجَدَ) لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ مِنْهَا قَبْلَ التَّذَكُّرِ مُحْتَمِلٌ لِلزِّيَادَةِ.
(وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلَامِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الْمَشْهُورِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ
[حاشية قليوبي]
مِمَّا يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ.
قَوْلُهُ: (أَصَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا) أَيْ فِي صَلَاةٍ رُبَاعِيَّةٍ وَلَوْ مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ الَّذِي عَقَدَ نِيَّتَهُ عَلَيْهِ، وَجَوَازُ الِاقْتِصَارِ لَهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لِلتَّرَدُّدِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ السُّجُودَ لَيْسَ لِلشَّكِّ فِي فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَلَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُرْجَعُ فِي فِعْلِهَا إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ) وَلَا فِي تَرْكِهَا كَذَلِكَ، إلَّا إنْ تَذَكَّرَ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَذَكَّرَ مَا وَقَعَ لَهُ حِينَ نَبَّهُوهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَ إلَى قَوْلِ الصَّحَابَةِ لِبُلُوغِهِمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ كَمَا يَأْتِي، لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ثُبُوتِ كَوْنِهِمْ كَانُوا كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي وَقْتِ جَوَازِ نَسْخِ الْأَحْكَامِ وَتَغْيِيرِهَا، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ذُو الْيَدَيْنِ فِيمَا ذَكَرَهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ جَمْعًا كَثِيرًا) أَيْ وَلَمْ يَبْلُغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ وَإِلَّا رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمْ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْيَقِينَ قَالَ شَيْخُنَا: وَفِعْلُهُمْ كَقَوْلِهِمْ كَمَا فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا.
قَوْلُهُ: (رَدَّتْهَا السَّجْدَتَانِ إلَى أَرْبَعٍ) أَشَارَ إلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ نَزْعٌ، مِنْهَا الزِّيَادَةُ الْوَاقِعُ بِهَا الْخَلَلُ فَرَجَعَتْ إلَى أَرْبَعَةٍ كَامِلَةٍ كَمَا هُوَ أَصْلُهَا، وَجَمَعَ ضَمِيرَ شَفَعْنَ بِاعْتِبَارِ انْضِمَامِ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ إلَيْهِمَا، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ مَعْنَى شَفَعْنَ لَهُ صَلَاةً جَعَلْنَهَا سِتًّا بِضَمِّ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ جَعْلِهِمَا رَكْعَةً مَعَ الرَّكْعَةِ الزَّائِدَةِ إلَى الْأَرْبَعِ، وَكَذَا مَا قِيلَ: إنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ السَّجْدَتَيْنِ شَفْعٌ، وَقَدْ انْضَمَّا إلَى شَفْعٍ، وَلَا يَخْفَى نَكَارَةُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ إذْ لَا قَائِلَ بِأَنَّ السَّجْدَتَيْنِ بِرَكْعَةٍ، وَلَا بِأَنَّ بَعْضَ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ فَرْضٌ وَبَعْضُهَا نَفْلٌ، فَمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مِمَّا يُوهَمُ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَهُ نَافِلَةٌ يُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الزِّيَادَةِ أَوْ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى مَا لَا يُتَوَقَّفُ فِيهِ عَلَى نِيَّةِ ثَوَابِ النَّافِلَةِ، أَوْ أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ أَوْ مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (مَا يُصَلِّيه مُتَرَدِّدًا) وَكَانَ مِمَّا يُبْطِلُ عَمْدُهُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْوَاقِعِ) رَفَعَ بِهِ التَّنَاقُضَ فِي كَلَامِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الشَّكُّ فِي أَنَّهَا ثَالِثَةٌ أَوْ رَابِعَةٌ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهَا ثَالِثَةٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْ فِي الرَّابِعَةِ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَكَذَا لَوْ تَذَكَّرَ قَبْلَهُمَا بَعْدَ أَنْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الْقُعُودِ، وَاعْتَرَضَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ الْمُبْطِلَ إنَّمَا هُوَ النُّهُوضُ مَعَ الْعَوْدِ، لَا النُّهُوضُ وَحْدَهُ، وَهُنَا لَمْ يَعُدْ وَرَدَّهُ ابْنُ حَجَرٍ وَانْتَصَرَ لِلْإِسْنَوِيِّ وَهُوَ الْوَجْهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَوْ قَامَ إمَامُهُ لِخَامِسَةٍ فَإِنْ فَارَقَهُ قَبْلَ أَنْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ لَمْ يَسْجُدْ وَإِلَّا سَجَدَ، وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَرَاجِعْهُ.
(فَرْعٌ) سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ مَثَلًا ظَانًّا تَمَامَهَا، وَأَحْرَمَ بِأُخْرَى بَعْدَهَا ثُمَّ تَذَكَّرَ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ سَلَامِهِ وَإِحْرَامِهِ فَالثَّانِيَةُ صَحِيحَةٌ وَيُعِيدُ الْأُولَى، أَوْ بَيْنَ سَلَامِهِ وَتَذَكُّرِهِ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالثَّانِيَةِ بَطَلَتَا وَلَزِمَهُ إعَادَتُهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بَنَى عَلَى الْأُولَى وَأَتَمَّهَا، وَلَا يُحْسَبُ مَا فَعَلَهُ مِنْ الثَّانِيَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَقْعُدَ ثُمَّ يَقُومَ لِإِتْمَامِهَا وَلَا يَضُرُّ إحْرَامُهُ بِالثَّانِيَةِ، وَلَا اسْتِدْبَارُهُ الْقِبْلَةَ قَبْلَ إحْرَامِهِ، وَلَا وَطْؤُهُ نَجَاسَةً، وَلَا مُفَارَقَتُهُ مُصَلَّاهُ، وَلَا كَلَامٌ قَلِيلٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلَامِ) أَيْ طَرَأَ لَهُ بَعْدَ
[حاشية عميرة]
فِي الْحَدِيثِ وَهَذَا مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ.
قَوْلُهُ: (لِلتَّرَدُّدِ فِي زِيَادَتِهَا) هَذَا التَّعْلِيلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقِيلَ: الْعِلَّةُ الْخَبَرُ، وَلَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ تَرْكَ مَأْمُورٍ وَلَا فِعْلَ مَنْهِيٍّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَرْجِعُ فِي فِعْلِهَا إلَخْ) لَا يُقَالُ يُشْكِلُ عَلَيْهِ قِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُخْبِرُوهُ بِالْفِعْلِ إنَّمَا أَخْبَرُوهُ بِالتَّرْكِ.
نَعَمْ قَضِيَّتُهَا تَأْثِيرُ الشَّكِّ بَعْدَ السَّلَامِ الْمُسْتَنِدِ إلَى قَوْلِ الْغَيْرِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
تَذَكَّرَ عَقِبَ إخْبَارِهِمْ.
قَوْلُهُ: (أَيْ رَدَّتْهَا إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْخَامِسَةَ وَالْخَلَلَ الْحَاصِلَ بِزِيَادَتِهَا زَالَ شَرْعًا وَذَهَبَ أَثَرُهُ بِسَبَبِ السُّجُودِ، فَهُوَ جَابِرٌ لِلْخَلَلِ الْحَاصِلِ مِنْ النُّقْصَانِ تَارَةً وَمِنْ الزِّيَادَةِ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَذَكَّرَ فِي الرَّابِعَةِ) لَوْ تَذَكَّرَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَالْقِيَاسُ السُّجُودُ
وُقُوعُ السَّلَامِ عَنْ تَمَامٍ وَالثَّانِي يُؤَثِّرُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ فِعْلِهِ فَيُبْنَى عَلَى الْمُتَيَقَّنِ، وَيَسْجُدُ كَمَا فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ إنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ فَإِنْ طَالَ اسْتَأْنَفَ كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ.
وَمَرْجِعُ الطُّولِ الْعُرْفُ، وَلَا فَرْقَ فِي الْبِنَاءِ بَيْنَ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَيَمْشِيَ وَيَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ.
(وَسَهْوُهُ حَالَ قُدْوَتِهِ) كَأَنْ سَهَا عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (يَحْمِلُهُ إمَامُهُ) كَمَا يَحْمِلُ عَنْهُ الْجَهْرَ وَالسُّورَةَ وَغَيْرَهُمَا (فَلَوْ ظَنَّ سَلَامَهُ فَسَلَّمَ فَبَانَ خِلَافُهُ) أَيْ خِلَافَ ظَنِّهِ (سَلَّمَ مَعَهُ) أَيْ بَعْدَ سَلَامِهِ (وَلَا سُجُودَ) لِأَنَّ سَهْوَهُ فِي حَالِ الْقُدْوَةِ.
(وَلَوْ ذَكَرَ فِي تَشَهُّدِهِ تَرْكَ رُكْنٍ غَيْرِ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرَةِ قَامَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ إلَى رَكْعَتِهِ) الَّتِي فَاتَتْ بِفَوَاتِ الرُّكْنِ كَأَنْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَخِيرَةِ كَمَّلَهَا.
(وَلَا يَسْجُدُ) لِأَنَّ سَهْوَهُ فِي حَالِ الْقُدْوَةِ وَزَادَ عَلَى الْمُحَرَّرِ قَوْلَهُ كَالشَّرْحِ غَيْرَ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرَةِ لِأَنَّ التَّارِكَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَيْسَ فِي صَلَاةٍ.
(وَسَهْوُهُ بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ سَلَامِ إمَامِهِ
[حاشية قليوبي]
سَلَامِهِ التَّرَدُّدُ فِي حَالِهِ قَبْلَ صَلَاتِهِ أَوْ فِيهَا، وَخَرَجَ بِالتَّرَدُّدِ تَذَكُّرُ حَالِهِ، وَإِخْبَارُ عَدَدٍ بِالتَّوَاتُرِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَكَذَا ظَنُّهُ بِخَبَرِ عَدْلٍ لِأَنَّ الظَّنَّ مَعَهُ كَالْيَقِينِ.
قَوْلُهُ: (فِي تَرْكِ فَرْضٍ) عَدَلَ عَنْ أَنْ يَقُولَ فِي تَرْكِ رُكْنٍ لِيَشْمَلَ الرُّكْنَ وَبَعْضَهُ، وَالشَّرْطَ وَبَعْضَهُ، وَالْمُعَيَّنَ مِنْهُمَا وَالْمُبْهَمَ كَتَرْكِ الْفَاتِحَةِ أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ الرُّكُوعِ أَوْ طُمَأْنِينَتِهِ أَوْ بَعْضِ الْأَرْكَانِ، أَوْ الِاسْتِقْبَالِ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ السِّتْرِ كَذَلِكَ، أَوْ الْوُضُوءِ أَوْ بَعْضِهِ، وَلَوْ نِيَّتَهُ وَإِنْ كَانَ الْآنَ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ، أَوْ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ أَوْ بَعْضِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا لَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ أَوْ عَكْسِهِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ فِي صُورَةِ الْعَكْسِ.
نَعَمْ التَّرَدُّدُ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مُوجِبُ الْإِعَادَةِ، لِأَنَّ التَّارِكَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ إلَّا إنْ تَذَكَّرَ فِعْلَهُمَا وَلَوْ بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ، وَخَرَجَ بِالتَّرَدُّدِ بَعْدَ الْفَرَاغِ كَمَا مَرَّ مَا لَوْ تَرَدَّدَ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَحُكْمُهُ ظَاهِرٌ، وَمَا لَوْ تَرَدَّدَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَيَلْزَمُهُ فِعْلُ مَا تَرَدَّدَ فِيهِ فِي غَيْرِ الشُّرُوطِ، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ فِيهَا.
نَعَمْ التَّرَدُّدُ فِي بَعْضِ الرُّكْنِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ لَا يُؤَثَّرُ فِيهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ.
(فَرْعٌ) عَلَيْهِ صَلَاتَانِ فَصَلَّى وَاحِدَةً مِنْهُمَا ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا شَكَّ فِي أَيَّتِهِمَا الَّتِي صَلَّاهَا لَزِمَهُ إعَادَتُهُمَا مَعًا لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ يَقِينًا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الشَّكِّ فِي النِّيَّةِ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُ السَّلَامِ عَنْ تَمَامٍ) وَالْأَصْلُ فِي الْأَفْعَالِ الْعُقَلَاءُ وُقُوعُهَا عَلَى السَّدَادِ.
قَوْلُهُ: (وَسَهْوٌ مُحَالٌ قُدْوَتُهُ) أَيْ مُدَّةُ وُجُودِهَا حِسًّا أَوْ حُكْمًا، كَسَهْوِ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ فِي رَكْعَتِهَا الثَّانِيَةِ فِي صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ.
قَوْلُهُ: (يَحْمِلُهُ إمَامُهُ) إنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّحَمُّلِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْمِلُ مُقْتَضَاهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَهُوَ سُجُودُ السَّهْوِ فَلَا يَطْلُبُ مِنْ الْمَأْمُومِ، وَيَتَّجِهُ أَنَّهُ يَحْمِلُ الْخَلَلَ الْوَاقِعَ فِي صَلَاتِهِ أَيْضًا بِمَعْنَى كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَحْمِلُ) أَيْ قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ، وَقَدَّمَ الْقِيَاسَ عَلَى الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ، وَلَعَلَّ ذِكْرَهُ حِينَئِذٍ لِبَيَانِ ضَعْفِهِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهُمَا) كَالْقُنُوتِ فِي الْجَهْرِيَّةِ قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ: وَكَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، بَلْ لَا وَجْهَ لَهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ الْمَأْمُومُ، أَيْ يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ أَنْ يُسَلَّمَ ثَانِيًا مَعَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ بَعْدَ سَلَامِهِ الْوَاقِعِ مِنْهُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ لِوُقُوعِهِ لَغْوًا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَهَذَا مَا قَالَهُ الْعَلَامَةُ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ وَمَشَى عَلَيْهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: ضَمِيرُ سَلَامِهِ عَائِدٌ لِلْإِمَامِ فَبَعُدَ تَفْسِيرُ لِمَعَ أَيْ يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ أَنْ يُسَلِّمَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَهَذَا مَعَ بُعْدِهِ يُوهِمُ عَدَمَ صِحَّةِ سَلَامِ الْمَأْمُومِ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَكْمَلِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا سُجُودَ) وَإِنْ كَانَ مَا فَعَلَهُ مُبْطِلًا وَتَعَمَّدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ ذَكَرَ) أَيْ تَذَكَّرَ أَيْ عَلِمَ وَخَرَجَ بِهِ الشَّكُّ فَيَسْجُدُ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَسْجُدُ) جَوَابٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلِقَوْلِ الشَّارِحِ كَمَّلَهَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ التَّارِكَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) أَيْ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرَةِ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ فِي صَلَاةٍ) وَكَلَامُهُ فِي الْعِلْمِ بِتَرْكِهِمَا، وَمِثْلُهُ الشَّكُّ فِيهِ مَا لَمْ يَتَذَكَّرْهُ قَبْلَ فِعْلِ رُكْنٍ أَوْ مَضَى زَمَنُهُ.
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَالشُّرُوطُ مِثْلُهُمَا فِيمَا ذُكِرَ وَقَدْ مَرَّ، وَيَجْرِي الشَّكُّ فِي النِّيَّةِ وَالْعِلْمُ بِتَرْكِهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَاسْتِثْنَاءُ بَعْضِهِمْ الصَّوْمَ مِنْ الشَّكِّ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ إلَّا إنْ حُمِلَ عَلَى الشَّكِّ فِي أَنَّ النِّيَّةَ فِيهِ وَقَعَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَسَهْوُهُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ سَهْوَهُ مَعَ سَلَامِ إمَامِهِ مَحْمُولٌ عَنْهُ فَقَوْلُهُ: بِسَلَامِ إمَامِهِ بِمَعْنَى بَعْدَهُ، لَا
[حاشية عميرة]
إنْ كَانَ بَعْدَمَا صَارَ إلَى الْقِيَام أَقْرَبَ، وَإِلَّا فَلَا قَالَ: وَقَدْ يُقَالُ: يَسْجُدُ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِانْتِقَالَاتِ وَاجِبَةٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلَامِ إلَخْ) قَضِيَّةُ حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ عِنْدَ إخْبَارِ الْجَمْعِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَذَكَّرَ الْحَالَ عَقِبَ إخْبَارِهِمْ لَهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الظَّاهِرَ إلَخْ) عُلِّلَ أَيْضًا بِأَنَّ عُرُوضَ هَذَا الشَّكِّ لِلْمُصَلِّي كَثِيرٌ، فَلَوْ كُلِّفَ بِتَدَارُكِهِ بَعْدَ السَّلَامِ عَسُرَ وَشَقَّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (يَحْمِلُهُ إمَامُهُ) لِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ الَّذِي تَكَلَّمَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُ الْمَتْنِ: (قَامَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ)
(لَا يَحْمِلُهُ) أَيْ إمَامُهُ لِانْتِهَاءِ الْقُدْوَةِ.
(فَلَوْ سَلَّمَ الْمَسْبُوقُ بِسَلَامِ إمَامِهِ) فَذَكَرَ (بَنَى وَسَجَدَ) لِأَنَّ سَهْوَهُ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْقُدْوَةِ، وَلَوْ سَهَا الْمُنْفَرِدُ ثُمَّ اقْتَدَى لَا يَحْمِلُ الْإِمَامُ سَهْوَهُ (وَيَلْحَقُهُ) أَيْ الْمَأْمُومُ (سَهْوَ إمَامِهِ) كَمَا يَحْمِلُ الْإِمَامُ سَهْوَهُ وَفِيهِمَا حَدِيثُ «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ» فَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ السَّهْوُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَضَعَّفَهُ (فَإِنْ سَجَدَ) أَيْ إمَامُهُ (لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ) فَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
وَاسْتَثْنَى فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا مَا إذَا تَبَيَّنَ لَهُ حَدَثُ الْإِمَامِ فَلَا يَلْحَقُهُ سَهْوَهُ، وَلَا يَحْمِلُ الْإِمَامُ سَهْوَهُ وَمَا إذَا تَيَقَّنَ غَلَطَ الْإِمَامِ فِي ظَنِّهِ وُجُودُ مُقْتَضٍ لِلسُّجُودِ فَلَا يُتَابِعُهُ فِيهِ.
(وَإِلَّا) أَيْ
[حاشية قليوبي]
أَنَّهُ تَصْوِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَلِذَلِكَ فَرَّعَهُ بِالْفَاءِ وَهَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ قَالَ: وَإِذَا أَحْرَمَ شَخْصٌ خَلْفَ الْإِمَامِ حِينَئِذٍ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ جَمَاعَةً، وَلَا يَضُرُّ فِي ذَلِكَ اخْتِلَالُ الْقُدْوَةِ بِالشُّرُوعِ فِي السَّلَامِ لِبَقَاءِ حُكْمِهَا، وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فَقَالَ: إنَّ سَهْوَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَحْمُولٍ فَيَسْجُدُ لَهُ، وَلَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُ الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ لِاخْتِلَالِ الْقُدْوَةِ بِمَا ذُكِرَ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطِيبُ: يُحْمَلُ السَّهْوُ فَلَا يَسْجُدُ لَهُ وَبِانْعِقَادِ إحْرَامِ الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ فُرَادَى لَا جَمَاعَةً وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الضِّدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ سَلَّمَ الْمَسْبُوقُ) خَرَجَ مَا لَوْ قَامَ لِيَأْتِيَ بِمَا عَلَيْهِ ظَانًّا سَلَامَ الْإِمَامِ فَبَانَ عَدَمُهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقُعُودُ، وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا فَعَلَهُ قَبْلَهُ، وَلَا يَكْفِيه نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ فِي قِيَامِهِ.
نَعَمْ إنْ كَانَ حَصَلَ مِنْهُ قُعُودٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ كَأَنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا فِي رَكْعَةٍ ثَانِيَةٍ بَعْدَ قِيَامِهِ فَرَاجِعْهُ، وَعَلَى كُلٍّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
قَوْلُهُ: (وَيَلْحَقُهُ سَهْوُ إمَامِهِ) وَإِنْ اقْتَدَى بِهِ بَعْدَ سُجُودِهِ لِلسَّهْوِ كَمَا يُفِيدُهُ فَحْوَى كَلَامِهِمْ، وَجَبْرُ الْخَلَلِ لَا يَمْنَعُ وُجُودَهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ سَجَدَ أَيْ إمَامُهُ) وَلَوْ لِغَيْرِ سَهْوٍ كَاعْتِقَادِ حَنَفِيٍّ تَرْكَ الْقُنُوتِ فِي الْوَتْرِ وَإِنْ أَتَى بِهِ الْمَأْمُومُ مَعَهُ فِي مَحَلِّهِ لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِسَهْوِهِ لِأَنَّهُ الْآنَ لِمَحْضِ الْمُتَابَعَةِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ بَعْضَهُ امْتَنَعَ عَلَى الْمَأْمُومِ إتْمَامُهُ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ عَدَمَ مُتَابَعَتِهِ لَهُ فِي قِيَامِهِ لِخَامِسَةٍ، وَأَمَّا السُّجُودُ لِأَجْلِ سَهْوِ الْإِمَامِ فَهُوَ فِي الْأَخِيرِ.
نَعَمْ إنْ كَانَ الْمَأْمُومُ مَسْبُوقًا وَسَجَدَ الْإِمَامُ الْحَنَفِيُّ بَعْدَ سَلَامِ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَإِنَّمَا يَسْجُدُ فِي آخِرِ صَلَاةِ نَفْسِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ شَافِعِيًّا مُوَافِقًا وَلَمْ يُتِمَّ الْمَأْمُومُ التَّشَهُّدَ الْوَاجِبَ أَوْ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ الْوَاجِبَةَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّخَلُّفُ لِإِتْمَامِهِمَا لِأَنَّهُ سُجُودٌ جَابِرٌ لَا لِمَحْضِ الْمُتَابَعَةِ، وَهُوَ لَا يَقَعُ جَابِرًا قَبْلَ تَمَامِ الْوَاجِبِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، فَلَوْ سَجَدَ قَبْلَ تَمَامِهِمَا عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، ثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ بَعْدَ تَمَامِهِمَا وَلَوْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ لِاسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ بِفِعْلِ الْإِمَامِ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ وَسَلَّمَ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا وَطَالَ الْفَصْلُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِيهِمَا، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ إلَى الصَّلَاةِ لِيَسْجُدَ، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ بَطَلَتْ أَيْضًا، وَلَوْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى الْمَأْمُومِ السُّجُودُ، وَلَوْ سَجَدَ الْإِمَامُ فِي هَذِهِ سَجْدَةً فَقَطْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَسْبُوقِ فِعْلُ الثَّانِيَةِ، وَيُنْدَبُ لِلْمُوَافِقِ فِعْلُهَا كَمَا فِي غَيْرِ هَذِهِ وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا لَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ.
قَوْلُهُ: (عَمْدًا) فَلَوْ كَانَ سَهْوًا وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ بَعْدَ التَّذَكُّرِ، وَلَوْ بِالْعَوْدِ بَعْدَ سَلَامِهِ وَإِنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ بِشُرُوعِ الْإِمَامِ فِي الْهُوِيِّ لِلسَّجْدَةِ الْأُولَى إنْ قَصَدَ الْمَأْمُومُ التَّخَلُّفَ، وَإِلَّا فَبِشُرُوعِهِ لِلْهَوِيِّ لِلسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا إذَا تَيَقَّنَ غَلَطَ الْإِمَامِ إلَخْ) .
قَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي التَّصْحِيحِ لِابْنِ قَاضِي عَجْلُونَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ تَصْوِيرًا وَحُكْمًا وَاسْتِثْنَاءً إذْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَيَقُّنُ الْغَلَطِ مَعَ كَوْنِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ وَكَيْف لَا يَسْجُدُ مَعَ أَنَّ سُجُودَ الْإِمَامِ غَلَطًا مُوجِبٌ لِلسُّجُودِ؟ وَكَيْف يُسْتَثْنَى غَيْرُ السَّاهِي مِنْ السَّاهِي؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ التَّيَقُّنُ بِكِتَابَتِهِ لَهُ أُرِيدُ السُّجُودَ لِلسُّورَةِ مَثَلًا، أَوْ بِأَنَّهُ تَكَلَّمَ لَهُ بِذَلِكَ قَلِيلًا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا، أَوْ بَعْدَ سَلَامِ نَفْسِهِ وَقَبْلَ سَلَامِهِ وَبِأَنَّ
[حاشية عميرة]
كَذَلِكَ الْحَكِيمُ فِيمَا لَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ الرُّكْنِ الْمَذْكُورِ، وَلَكِنْ هَلْ يَسْجُدُ أَوْ لَا؟ قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: كُنْت أَقُولُ يَسْجُدُ ثُمَّ رَجَعَتْ وَقُلْت: لَا سُجُودَ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: السُّجُودُ أَظْهَرُ كَالْمَسْبُوقِ إذَا شَكَّ فِي إدْرَاكِ الرُّكُوعِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَلَوْ سَلَّمَ الْمَسْبُوقُ) لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تَذَكَّرَ قَبْلَ الْخِطَابِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَمْ يَسْجُدْ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ ثُمَّ بَحَثَ أَعْنِي الْإِسْنَوِيُّ السُّجُودَ إذَا نَوَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالسَّلَامِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِسَلَامِ إمَامِهِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَا مَعًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ) أَيْ وَيَكُونُ سُجُودُهُ لِأَجْلِ سَهْوِ الْإِمَامِ وَقِيلَ لِأَجْلِ الْمُتَابَعَةِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا مَسَائِلُ مِنْهَا الْخِلَافُ الْآتِي فِي سُجُودِهِ، إذَا لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ الْمُتَابَعَةُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ سَهْوَ الْإِمَامِ، بَلْ لَوْ لَمْ يَسْجُدْ إلَّا وَاحِدَةً سَجَدَ الْمَأْمُومُ أُخْرَى حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ نَسِيَ.
أَقُولُ: وَقَدْ يُشْكِلُ الِاتِّبَاعُ بِمَا لَوْ قَامَ إلَى خَامِسَةٍ، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ لَا يُتَابِعُهُ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ الْإِمَامَ تَذَكَّرَ تَرْكَ رُكْنٍ فَقَامَ لِيَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَوْ تَحَقَّقَ الْحَالُ أَعْنِي الْخَلَلُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ طُلِبَ مِنْهُ الْمُتَابَعَةُ فِي السُّجُودِ وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الْمُوَافَقَةُ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي قَامَ الْإِمَامُ لِيَأْتِيَ بِهَا، لِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ قَدْ تَمَّتْ، بَلْ لَوْ بَقِيَ عَلَى الْمَأْمُومِ رَكْعَةٌ لَمْ يُتَابِعْهُ فِيمَا قَامَ إلَيْهِ أَيْضًا ذَكَرَهُ
وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ إمَامُهُ (فَيَسْجُدْ) هُوَ (عَلَى النَّصِّ) وَفِي قَوْلٍ مُخَرَّجٍ لَا يَسْجُدُ وَهُوَ نَاظِرٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ سَهْوُ إمَامِهِ وَإِنْ لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ فِي السُّجُودِ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْمُوَافِقِ.
(وَلَوْ اقْتَدَى مَسْبُوقٌ بِمَنْ سَهَا بَعْدَ اقْتِدَائِهِ كَذَا قَبْلَهُ فِي الْأَصَحِّ) وَسَجَدَ الْإِمَامُ (فَالصَّحِيحُ) فِي الصُّورَتَيْنِ (أَنَّهُ) أَيْ الْمَسْبُوقُ (يَسْجُدُ مَعَهُ) رِعَايَةً لِلْمُتَابَعَةِ.
(ثُمَّ) يَسْجُدُ أَيْضًا (فِي آخِرِ صَلَاتِهِ) لِأَنَّهُ مَحَلُّ سُجُودِ السَّهْوِ الَّذِي لَحِقَهُ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ مَعَهُ نَظَرًا إلَى أَنَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ آخِرُ الصَّلَاةِ، وَفِي قَوْلٍ فِي الْأُولَى، وَوَجْهٌ فِي الثَّانِيَةِ: يَسْجُدُ مَعَهُ مُتَابَعَةً وَلَا يَسْجُدُ فِي آخِرِ صَلَاةِ نَفْسِهِ، وَهُوَ الْمُخَرَّجُ السَّابِقُ، وَفِي وَجْهٍ فِي الثَّانِيَةِ هُوَ مُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ مَعَهُ وَلَا فِي آخِرِ صَلَاةِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ السَّهْوَ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ سَجَدَ) هُوَ (آخِرَ صَلَاةِ نَفْسِهِ) فِي الصُّورَتَيْنِ (عَلَى النَّصِّ) وَمُقَابِلُهُ الْقَوْلُ الْمُخَرَّجُ السَّابِقُ.
(وَسُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ كَثُرَ) أَيْ السَّهْوُ (سَجْدَتَانِ كَسُجُودِ الصَّلَاةِ) فِي وَاجِبَاتِهِ وَمَنْدُوبَاتِهِ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِيهِمَا: سُبْحَانَ مَنْ لَا يَنَامُ وَلَا يَسْهُو، وَهُوَ لَائِقٌ بِالْحَالِ، وَقَوْلُهُ فِي الْمُحَرَّرِ بَيْنَهُمَا جَلْسَةٌ أَدْخَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّشْبِيهِ.
(وَالْجَدِيدُ أَنَّ مَحَلَّهُ) أَيْ السُّجُودِ (بَيْنَ تَشَهُّدِهِ وَسَلَامِهِ) أَيْ تَشَهُّدِهِ الْمَخْتُومِ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ كَمَا قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ.
وَفِي الْقَدِيمِ إنْ سَهَا بِنَقْصٍ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بِزِيَادَةٍ فَبَعْدَهُ، وَفِي قَدِيمٍ آخَرَ يَتَخَيَّرُ إنْ شَاءَ قَبْلَهُ وَإِنْ شَاءَ بَعْدَهُ لِثُبُوتِ فِعْلِ الْأَمْرَيْنِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي الْبَابِ، وَاسْتَنَدَ الْقَدِيمُ الْأَوَّلُ إلَى أَنَّ السَّهْوَ فِي الْأَوَّلِ بِالنَّقْصِ، وَفِي الثَّانِي بِالزِّيَادَةِ وَحَمَلَ الْجَدِيدُ السُّجُودَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ تَدَارُكٌ
[حاشية قليوبي]
الْحُكْمَ الْمَنْفِيَّ هُنَا عَدَمُ مُتَابَعَتِهِ فِي هَذَا السُّجُودِ، وَأَمَّا كَوْنُ سُجُودِهِ.
هَذَا يَقْتَضِي السُّجُودَ لَهُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ فَذَلِكَ حُكْمٌ آخَرُ، وَبَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةِ.
قَوْلُهُ: (فَيَسْجُدُ هُوَ) أَيْ الْمَأْمُومُ السَّجْدَتَيْنِ سَوَاءً تَرَكَهُمَا الْإِمَامُ أَوْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا أَوْ كَانَ يَرَى السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ وَقَصَدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقُدْوَةَ انْقَطَعَتْ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا نَاظِرٌ إلَخْ) هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ لُحُوقَ سَهْوِ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ فِيهِ خِلَافٌ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا الْكَلَامُ) أَيْ قَوْلُهُ: وَيَلْحَقُهُ سَهْوُ إمَامِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمُوَافِقِ) وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَنْ تَتِمُّ صَلَاتُهُ مَعَ تَمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (رِعَايَةً لِلْمُتَابَعَةِ) فَالسُّجُودُ مَعَهُ وَاجِبٌ، وَلَوْ خَلِيفَةً عَنْ الْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ، فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ مَعَهُ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَسْجُدُ إلَخْ) .
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: نَدْبًا وَإِنْ فَاتَتْهُ الْمُتَابَعَةُ بِنَحْوِ غَفْلَةٍ، وَفَارَقَ الْمُوَافِقَ الْمُتَقَدِّمَ بِأَنَّ سُجُودَ الْإِمَامِ فِيهِ فِي مَحَلِّ سُجُودِهِ هُوَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِالْوُجُوبِ هُنَا أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَفِي قَوْلٍ) هُوَ مِنْ مُقَابِلِ الصَّحِيحِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْقَوْلِ لِأَنَّهُ مُخَرَّجٌ.
قَوْلُهُ: (سَجَدَ هُوَ) أَيْ نَدْبًا كَالْمُوَافِقِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَثُرَ السَّهْوُ) وَيَقَعُ السُّجُودُ جَابِرًا لِجَمِيعِ الْخَلَلِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ جَبْرَ خَلَلٍ مُعَيَّنٍ، وَإِلَّا فَاتَ جَبْرُ غَيْرِهِ وَلَا يُكَرِّرُهُ لَهُ، وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَسْهُ بِمَا عَيَّنَهُ بَلْ بِغَيْرِهِ سَجَدَ الْخَلَلَ بِهَذَا السُّجُودِ، وَيَدْخُلُ مَعَهُ جَبْرُ غَيْرِهِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ تَرْكَهُ.
قَوْلُهُ: (سَجْدَتَانِ) أَيْ بِنِيَّةِ سُجُودِ السَّهْوِ وُجُوبًا بِالْقَلْبِ فَقَطْ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يَحْتَاجُ الْمَأْمُومُ إلَى نِيَّةٍ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَبِهِ قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ كَمَا فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ الْآتِي، وَلَا يَحْصُلُ الْجَبْرُ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ إنْ قَصَدَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهَا قَبْلَ فِعْلِهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِشُرُوعِهِ فِيهَا أَوْ بَعْدَ فِعْلِهَا لَمْ تَبْطُلْ، وَلَوْ عَنَّ لَهُ السُّجُودُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكْفِهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ قَصْدَ تَرْكِ السَّجْدَةِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهَا أَلْغَى الَّتِي فَعَلَهَا، كَذَا تَحَرَّرَ مَعَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (فِي وَاجِبَاتِهِ) فَإِنْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ تَرَكَهُ، فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ آنِفًا.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ تَشَهُّدِهِ) أَيْ الشَّامِلُ لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُؤَخِّرُهُ عَنْ الْوَاجِبِ وُجُوبًا وَعَنْ الْمَنْدُوبِ نَدْبًا وَلَا يَضُرُّ طُولُ الْفَصْلِ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، وَلَا تَشَهُّدُهُ بَعْدَهُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ السَّلَامِ) نَعَمْ يُنْدَبُ لِلْإِمَامِ تَأْخِيرُ سُجُودِهِ لِمَا بَعْدَ سَلَامِهِ فِي السِّرِّيَّةِ وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَبِزِيَادَةٍ) أَيْ فَقَطْ أَوْ مَعَ النَّقْصِ.
قَوْلُهُ: (وَحُمِلَ الْجَدِيدُ إلَخْ) فَإِنْ قِيلَ:
[حاشية عميرة]
فِي الرَّوْضَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَيَسْجُدُ عَلَى النَّصِّ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَسْجُدُ بِمُجَرَّدِ سَلَامِ الْإِمَامِ وَلَا يَتَأَخَّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامُ بِسُجُودِهِ، لِأَنَّ الْقُدْوَةَ انْقَطَعَتْ بِالسَّلَامِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِنْ كَثُرَ) لَوْ سَجَدَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِبَعْضِ الْأَسْبَابِ فَقَطْ قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ وَيَنْجَبِرُ مَا نَوَاهُ فَقَطْ، وَيُحْتَمَلُ الْبُطْلَانُ لِأَنَّهُ زَادَ سُجُودًا عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ، وَيُحْتَمَلُ الْإِجْزَاءُ إنْ قَصَدَ الْأَوَّلَ دُونَ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْقَدِيمِ إلَخْ) لَوْ حَصَلَ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ سَجَدَ عَلَى هَذَا قَبْلَ السَّلَامِ فَقَطْ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لِأَنَّ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ فِي الزِّيَادَةِ قَالُوا بِصِحَّتِهِ قَبْلَهُ، انْتَهَى.
أَقُولُ: كَيْف يَجْتَمِعُ هَذَا مَعَ
لِلْمَتْرُوكِ قَبْلَ السَّلَامِ سَهْوًا لِمَا فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ الْآمِرِ بِالسُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلزِّيَادَةِ (فَإِنْ سَلَّمَ عَمْدًا) عَلَى الْجَدِيدِ، وَكَذَا الْقَدِيمُ فِي النَّقْصِ مِنْ غَيْرِ سُجُودٍ (فَاتَ فِي الْأَصَحِّ) وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ كَالسَّهْوِ إنْ قَصُرَ الْفَصْلُ سَجَدَ وَإِلَّا فَلَا (أَوْ سَهْوًا وَطَالَ الْفَصْلُ) وَمَرْجِعُهُ الْعُرْفُ (فَاتَ فِي الْجَدِيدِ) بِخِلَافِ الْقَدِيمِ فِي السَّهْوِ بِالنَّقْصِ فَلَا يَفُوتُ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ (فَلَا) يَفُوتُ (عَلَى النَّصِّ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثِ الْمَحْمُولِ عَلَى ذَلِكَ وَقِيلَ يَفُوتُ حَذَرًا مِنْ إلْغَاءِ السَّلَامِ بِالْعَوْدِ إلَى الصَّلَاةِ (وَإِذَا سَجَدَ) فِي صُورَةِ السَّهْوِ عَلَى النَّصِّ أَوْ الْقَدِيمِ (صَارَ عَائِدًا إلَى الصَّلَاةِ فِي الْأَصَحِّ) فَيَجِبُ أَنْ يُعِيدَ السَّلَامَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَإِذَا أَحْدَثَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَالثَّانِي لَا يَضُرُّ لِحُصُولِ التَّحَلُّلِ بِالسَّلَامِ، وَدَفَعَ بِأَنَّ نِسْيَانَهُ السَّهْوَ الَّذِي لَوْ ذَكَرَهُ لَسَجَدَ لِرَغْبَتِهِ فِي السُّجُودِ يُخْرِجُ السَّلَامَ عَنْ كَوْنِهِ مُحَلِّلًا، وَإِذَا سَجَدَ عَلَى مُقَابِلِ الْأَصَحِّ فِي السَّلَامِ عَمْدًا لَا يَكُونُ عَائِدًا إلَى الصَّلَاةِ قَطْعًا (وَلَوْ سَهَا إمَامُ الْجُمُعَةِ وَسَجَدُوا فَبَانَ فَوْتُهَا أَتَمُّوهَا ظُهْرًا) كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهَا (وَسَجَدُوا) أَيْضًا لِتَبَيُّنِ أَنَّ ذَاكَ السُّجُودَ لَيْسَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ ظَنَّ سَهْوًا فَسَجَدَ فَبَانَ عَدَمُهُ سَجَدَ فِي الْأَصَحِّ لِزِيَادَةِ
[حاشية قليوبي]
إنَّهُ لَمْ يَرِدْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ سَلَّمَ بَعْدَ السُّجُودِ، قُلْنَا: هَذَا كَافٍ فِي سُقُوطِ دَلِيلِهِ الَّذِي اسْتَنَدَ إلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ بَعْدَهُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِي الْحَدِيثِ) أَيْ السَّابِقِ فِي كَلَامِهِ الْمُتَعَرِّضِ لِلزِّيَادَةِ بِقَوْلِهِ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ نَقْصٌ فِي الْمَعْنَى كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فِي النَّقْصِ) قَيَّدَ بِهِ لِقَوْلِهِ أَوْ سَهْوًا.
قَوْلُهُ: (وَطَالَ الْفَصْلُ) أَيْ بَيْنَ تَذَكُّرِهِ وَسَلَامِهِ وَمِثْلُهُ لَوْ وَطِئَ نَجَاسَةً أَوْ تَكَلَّمَ كَثِيرًا أَوْ أَتَى بِفِعْلٍ مُبْطِلٍ وَكَالسَّهْوِ الْجَهْلُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَفُوتُ) أَيْ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَدِّ.
نَعَمْ يَفُوتُ بِعُرُوضِ مَانِعٍ كَتَخَرُّقِ خُفٍّ، وَفَرَاغِ مُدَّتِهِ وَحَدَثٍ، وَإِنْ تَطَهَّرَ عَنْ قُرْبٍ، وَرُؤْيَةِ مَاءٍ لِتَيَمُّمٍ، وَلَا يَصِحُّ الْعَوْدُ فِيهَا، وَنِيَّةِ إتْمَامٍ أَوْ إقَامَةٍ وَضِيقِ وَقْتِ جُمُعَةٍ عَنْهُ، وَيَصِحُّ عَوْدُهُ فِي ذَلِكَ وَلَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ، وَلَا يَضُرُّ فِي عَوْدِهِ انْقِلَابُ الْجُمُعَةِ ظُهْرًا وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لِفَوَاتِ الْوَقْتِ، وَلَا لُزُومُ الْإِتْمَامِ وَنَحْوِهِ وَيُؤَخَّرُ السُّجُودُ إلَى قُبَيْلِ السَّلَامِ وَهَذَا مَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْعَلَّامَةُ الْعَبَّادِيُّ، وَلَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ خُصُوصًا فِي تَصْوِيرِ لُزُومِ الْإِتْمَامِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا سَجَدَ) أَيْ أَرَادَ السُّجُودَ.
قَوْلُهُ: (صَارَ عَائِدًا إلَى الصَّلَاةِ) أَيْ عَلَى الْقَوْلِ: بِأَنَّ السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ: أَمَّا عَلَى الْآخَرِ فَلَا يَصِيرُ عَائِدًا وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ تَذَكَّرَ تَرْكَ رُكْنٍ أَوْ شَكَّ فِيهِ لَزِمَهُ تَدَارُكُهُ قَبْلَ سُجُودِهِ، فَإِنْ سَجَدَ قَبْلَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَبِهَذَا يُلْغَزُ فَيُقَالُ لَنَا شَخْصٌ أَتَى بِسُنَّةٍ فَلَزِمَهُ قَرْضٌ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ كَانَ إمَامًا وَخَلْفَهُ مَأْمُومٌ، فَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ إلَيْهِ وَالْجُلُوسُ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَامَ وَيُلْغَى مَا فَعَلَهُ، وَلَهُ مُوَافَقَتُهُ إلَى سَلَامِهِ، أَوْ مُفَارَقَتُهُ وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا، وَقَدْ سَلَّمَ قَبْلَ عَوْدِ الْإِمَامِ، أَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ أَوْ شَرَعَ فِيهِ لَمْ تَعُدْ قُدْوَتُهُ بِعَوْدِ الْإِمَامِ، وَلَا يَلْزَمُهُ مُوَافَقَتُهُ وَإِلَّا عَادَتْ، وَلَزِمَهُ مُوَافَقَتُهُ، وَهَذَا مَا يُسْتَفَادُ مِنْ شَرْحِ شَيْخِنَا وَغَيْرِهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي لَا يَضُرُّ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيَجِبُ إعَادَةُ السَّلَامِ كَمَا فِي التَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ نِسْيَانَهُ السَّهْوَ) أَيْ فَالْمَنْسِيُّ السَّهْوُ، وَأَمَّا سَلَامُهُ فَعَمْدٌ مُطْلَقًا.
[حاشية عميرة]
قَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْخِلَافُ فِي الْأَجْزَاءِ، وَقِيلَ: فِي الْأَفْضَلِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ قَالُوا بِصِحَّتِهِ أَيْ فِي حَالِ النَّقْصِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ التَّعَرُّضِ لِلزِّيَادَةِ) أَيْ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ نَقْصٌ فِي الْمَعْنَى، ثُمَّ اُنْظُرْ هَلْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْحَدِيثِ الثَّالِثِ: إنَّ السُّجُودَ لِلتَّرَدُّدِ لَا لِلزِّيَادَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَاتَ فِي الْأَصَحِّ) أَيْ لِأَنَّ مَحَلَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَقَدْ قَطَعَ الصَّلَاةَ بِالسَّلَامِ فَفَوَّتَهُ عَلَى نَفْسِهِ عَمْدًا، وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ الْقِيَاسُ عَلَى النَّوَافِلِ الَّتِي تُقْضَى لَا فَرْقَ بَيْنَ تَرْكِهَا عَمْدًا وَسَهْوًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَاتَ فِي الْجَدِيدِ) لِتَعَذُّرِ الْبِنَاءِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْقَدِيمِ إلَخْ) عَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ جُبْرَانُ الصَّلَاةِ فَجَازَ أَنْ يَتَرَاخَى عَنْهَا كَجُبْرَانِ الْحَجِّ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: قَضِيَّتُهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْمُبَادَرَةِ عَقِبَ التَّذَكُّرِ.
قَوْلُهُ: (فِي السَّهْوِ بِالنَّقْصِ) إنَّمَا قُيِّدَ بِذَلِكَ لِأَجْلِ قَوْلِ الْمَتْنِ: أَوْ سَهْوًا فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالسُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ يُوجِبُ الْمُبَادَرَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ إلْغَاءِ السَّلَامِ) الَّذِي هُوَ رُكْنٌ بِسَبَبِ سُنَّةِ تَدَارَكَهَا، وَلِأَنَّهُ يُصَيِّرُ الْأَمْرَ فِي الْإِلْغَاءِ وَعَدَمِهِ مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْهُودٍ، قُلْت: بَلْ هُوَ مَعْهُودٌ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَى إمَامِهِ بِرُكْنٍ كَرُكُوعٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْعُودُ فَيَلْغُو.
قَوْلُهُ: (وَدُفِعَ بِأَنَّ نِسْيَانَهُ إلَى قَوْلِهِ يُخْرِجُ السَّلَامَ عَنْ كَوْنِهِ مُحَلِّلًا) اُنْظُرْ كَيْفَ يَتَّجِهُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ وُجُوبِ الْعَوْدِ، فَإِنَّ عَدَمَ إيجَابِ الْعَوْدِ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ مُحَلِّلًا، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُحَلِّلًا إذَا عَادَ.
قَوْلُهُ: (قَطْعًا) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَقَلَّدَهُ فِيهِ الرَّافِعِيُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ فِي عَوْدِهِ هُنَا وَجْهَانِ صَرَّحَ بِهِمَا الْفُورَانِيُّ وَالْعِمْرَانِيُّ.
السُّجُودِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي لَا يَسْجُدُ لِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ يَجْبُرُ نَفْسَهُ كَمَا يَجْبُرُ غَيْرَهُ.
بَابٌ فِي سُجُودَيْ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ (تُسَنُّ سَجَدَاتُ التِّلَاوَةِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ (وَهُنَّ فِي الْجَدِيدِ أَرْبَعً عَشْرَةَ مِنْهَا سَجْدَتَا الْحَجِّ) وَتِسْعٌ فِي الْأَعْرَافِ وَالرَّعْدِ وَالنَّحْلِ وَالْإِسْرَاءِ وَمَرْيَمَ وَالْفُرْقَانِ وَالنَّمْلِ وَالم تَنْزِيلُ وَحُمَّ السَّجْدَةُ وَثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ فِي النَّجْمِ وَالِانْشِقَاقِ وَاقْرَأْ، وَفِي الْقَدِيمِ إحْدَى عَشْرَةَ بِإِسْقَاطِ ثَلَاثِ الْمُفَصَّلِ، وَاسْتَدَلَّ لِلْجَدِيدِ بِحَدِيثِ «عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَقْرَأَ بِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْحَجِّ سَجْدَتَانِ» ؛ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالسَّجْدَةُ الْبَاقِيَةُ مِنْهُ سَجْدَةُ ص وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهَا.
وَاسْتَدَلَّ لِلْقَدِيمِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوُّلِ الْمَدِينَةِ»
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (كَمَا يَجْبُرُ غَيْرَهُ) أَيْ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ وَبَعْدَهُ أَيْ إذَا وَقَعَ كَانَ مَجْبُورًا.
نَعَمْ لَوْ قَصَدَ بِالسُّجُودِ جَبْرَ مُعَيَّنٍ جَبَرَهُ فَقَطْ وَفَاتَ جَبْرُ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ السُّجُودُ ثَانِيًا لِجَبْرِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ السُّجُودَ لَا يَجْبُرُ نَفْسَهُ.
بَابٌ فِي حُكْمِ سُجُودَيْ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ
وَذِكْرُهُمَا هُنَا اسْتِطْرَادِيٌّ، وَمَحَلُّهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ النَّفْلِ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ.
قَوْلُهُ: (بِالتَّنْوِينِ) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (تُسَنُّ سَجَدَاتُ التِّلَاوَةِ) لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهَا، مِنْهَا: حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «إذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ آيَةَ سَجْدَةٍ وَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلَتَاهُ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْت بِالسُّجُودِ فَعَصَيْت فَلِيَ النَّارُ» ، وَمَحَلُّ السُّنِّيَّةِ إنْ قَرَأَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَلَوْ بِقَصْدِ السُّجُودِ، أَوْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ لَا بِقَصْدِ السُّجُودِ، أَوْ فِي صُبْحِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَوْ بِقَصْدِ السُّجُودِ، لَكِنْ خَصَّهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِسَجْدَةِ (الم تَنْزِيلُ) فَقَطْ، وَعَمَّمَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ فِي كُلِّ آيَةِ سَجْدَةٍ، وَمَا عَدَا هَذَا لَا يُسَنُّ لَكِنْ إنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ بِقَصْدِ السُّجُودِ وَسَجَدَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَرَأَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ لَا بِقَصْدِ السُّجُودِ لَمْ تُكْرَهْ الْقِرَاءَةُ، وَلَا يُسَنُّ السُّجُودُ وَلَا يَبْطُلُ وَإِنْ قَرَأَ فِيهِ لِيَسْجُدَ بَعْدَهُ فَكَذَلِكَ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِلْقِرَاءَةِ، وَإِنْ قَرَأَ فِيهِ أَوْ قَبْلَهُ بِقَصْدِ السُّجُودِ فِيهِ فِيهِمَا حَرَّمَتْ الْقِرَاءَةُ السُّجُودَ وَكَانَ بَاطِلًا.
(تَنْبِيهٌ) لَا يَصِحُّ نَذَرَ السُّجُودِ إذَا لَمْ يُسَنَّ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَلَوْ تَعَارَضَ مَعَ التَّحِيَّةِ قَدَّمَهُ عَلَيْهَا لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِوُجُوبِهِ، وَلَا يَفُوتُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ.
(فَرْعٌ) يَقُومُ مَقَامَ السُّجُودِ لِلتِّلَاوَةِ أَوْ الشُّكْرِ مَا يَقُومُ مَقَامَ التَّحِيَّةِ لِمَنْ لَمْ يُرِدْ فِعْلَهَا، وَلَوْ مُتَطَهِّرًا وَهُوَ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعَ عَشَرَةَ) سَجْدَةً.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَحِكْمَةُ اخْتِصَاصِ السُّجُودِ بِهَذِهِ الْمَوَاضِعِ، أَنَّ فِيهَا مَدْحَ مَنْ يَسْجُدُ وَذَمَّ غَيْرِهِ تَصْرِيحًا، أَوْ تَلْوِيحًا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْهَا سَجْدَتَا الْحَجِّ) نَصَّ عَلَيْهِمَا لِخِلَافِ الْإِمَامِ مَالِك وَأَبِي حَنِيفَةَ.
فِي الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا، وَمَحَلُّهَا بَعْدَ ﴿تُفْلِحُونَ﴾ وَمَحَلُّ الْأُولَى بَعْدَ ﴿مَا يَشَاءُ﴾ . قَوْلُهُ: (فِي الْأَعْرَافِ) أَيْ بَعْدَ آخِرِهَا، وَفِي الرَّعْدِ بَعْدَ ﴿وَالْآصَالِ﴾ وَفِي النَّحْلِ بَعْدَ ﴿يُؤْمَرُونَ﴾ وَفِي الْإِسْرَاءِ بَعْدَ ﴿خُشُوعًا﴾ وَفِي مَرْيَمَ بَعْدَ ﴿بُكِيًّا﴾ وَفِي الْفُرْقَانِ، بَعْدَ ﴿نُفُورًا﴾ وَفِي النَّمْلِ بَعْدَ ﴿الْعَظِيمِ﴾ وَفِي الم السَّجْدَةِ بَعْدَ ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وَفِي حم السَّجْدَةِ بَعْدَ ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾ وَفِي النَّجْمِ
[حاشية عميرة]
تَنْبِيهٌ) سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ التَّفْرِيعِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَحُكْمُهُ وُجُوبُ الْمُبَادَرَةِ، وَإِذَا سَجَدَ لَا يَصِيرُ عَائِدًا لِلصَّلَاةِ جَزْمًا.
[بَاب فِي سُجُودَيْ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ]
بَابٌ تُسَنُّ سَجَدَاتُ التِّلَاوَةِ قَوْلُهُ: (حَدِيثُ النَّسَائِيّ) . قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، إلَّا أَنَّهُ حُجَّةٌ لِاعْتِضَادِهِ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، لَيْسَتْ
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ.
(لَا) سَجْدَةُ (ص) أَيْ لَيْسَتْ مِنْ سَجَدَاتِ التِّلَاوَةِ (بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ) كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ (تُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَتَحْرُمُ فِيهَا) وَتُبْطِلُهَا (فِي الْأَصَحِّ) لِمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ، فَإِنْ جَهِلَهُ أَوْ نَسِيَ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ فَلَا، لَكِنْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
وَالثَّانِي لَا تَحْرُمُ فِيهَا وَلَا تُبْطِلُهَا لِتَعَلُّقِهَا بِالتِّلَاوَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ سُجُودِ الشُّكْرِ، وَفِي وَجْهٍ لِابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهَا مِنْ سَجَدَاتِ التِّلَاوَةِ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَالصَّارِفُ عَنْهُ إلَى الشُّكْرِ حَدِيثُ النَّسَائِيّ «سَجَدَهَا دَاوُد تَوْبَةً وَسَجَدَهَا شُكْرًا» ، أَيْ عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَأَسْقَطَهُ مِنْ الرَّوْضَةِ.
(وَيُسَنُّ) السُّجُودُ (لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ) أَيْ قَاصِدِ السَّمَاعِ (وَيَتَأَكَّدُ لَهُ بِسُجُودِ الْقَارِئِ قُلْت) : كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (وَيُسَنُّ لِلسَّامِعِ) مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِلسَّمَاعِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فِي غَيْرِ صَلَاةٍ.
(وَإِنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (لِقِرَاءَتِهِ فَقَطْ) أَيْ وَلَا يَسْجُدُ لِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ (وَ) سَجَدَ.
(الْمَأْمُومُ لِسَجْدَةِ إمَامِهِ) أَيْ وَلَا يَسْجُدُ لِقِرَاءَتِهِ مِنْ غَيْرِ سُجُودٍ وَلَا لِقِرَاءَةِ غَيْرِ الْإِمَامِ مِنْ
[حاشية قليوبي]
بَعْدَ آخِرِهَا، وَفِي الِانْشِقَاقِ بَعْدَ ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ وَفِي اقْرَأْ بَعْدَ آخِرِهَا.
قَوْلُهُ: (أَقْرَأَنِي) أَيْ ذَكَرَ لِي أَوْ أَخْبَرَنِي.
قَوْلُهُ: (وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ) أَيْ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ وَبِفَرْضِ صِحَّتِهِ يُجَابُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ مُثْبِتٌ، أَوْ بِأَنَّ التَّرْكَ إنَّمَا يُنَافِي الْوُجُوبَ.
قَوْلُهُ: (لَا سَجْدَةَ ص) وَمَحَلُّهَا بَعْدَ أَنَابَ.
قَوْلُهُ: (بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ) فَتَصِحُّ مِنْ قَارِئِهَا وَسَامِعِهَا بِنِيَّةِ الشُّكْرِ لَا بِنِيَّةِ التِّلَاوَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صِحَّتُهَا فِي الطَّوَافِ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا أَنَّهَا تُنْدَبُ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ مَا يُخَالِفُهُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَنْبَغِي نَدْبُ سُجُودِ الشُّكْرِ فِيهِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَتُبْطِلُهَا) أَيْ بِمُجَرَّدِ الْهُوِيِّ وَإِنْ جَهِلَ الْبُطْلَانَ، أَوْ إنْ نَوَى مَعَهَا التِّلَاوَةَ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ مُفَارَقَةُ إمَامِهِ غَيْرِ الْحَنَفِيِّ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَهُ انْتِظَارُ إمَامِهِ الْحَنَفِيِّ لِأَنَّهُ لِاعْتِقَادِهِ لَهَا كَالسَّاهِي وَهُوَ أَفْضَلُ، لِأَنَّ الْمَأْمُومَ يَرَى السُّجُودَ فِي الْجُمْلَةِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ وُجُوبَ مُفَارَقَتِهِ فِي الْمَسِّ وَنَحْوِهِ، وَيَسْجُدُ الْمَأْمُومُ إنْ لَمْ يُفَارِقْهُ قَبْلَ الْهُوِيِّ وَسُجُودُهُ لِأَجْلِ سُجُودِ إمَامِهِ لَا لِانْتِظَارِهِ لِأَنَّهُ كَالسَّاهِي بِهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِمَامِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ الْقَوْلُ بِعَدَمِ السُّجُودِ وَلَوْ هَوَى مَعَهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ يَرْكَعُ فَالْوَجْهُ انْتِظَارُهُ فِي الرُّكُوعِ وَيَعُودُ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي وَجْهٍ إلَخْ) وَعَلَيْهِ فَيَنْوِي بِهَا التِّلَاوَةَ، وَتَدْخُلُ الصَّلَاةُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ) أَيْ تَقَعُ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ، وَخَصَّ دَاوُد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ نَدِمَ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُ مِثْلُهُ لِأَنَّهُ بَكَى حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ مِنْ دُمُوعِهِ، وَلَا يَرِدُ آدَم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ بُكَاءَهُ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، وَلَا يَعْقُوبُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَمْرٍ وَقَعَ مِنْهُ أَوْ لِأَنَّهُ حُزْنٌ لَا بُكَاءَ فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بَيَاضُ عَيْنَيْهِ عَنْ بُكَاءٍ.
قَوْلُهُ: (وَأَسْقَطَهُ إلَخْ) أَيْ لِإِيهَامِهِ اعْتِبَارَ الْمُلَاحَظَةِ.
قَوْلُهُ: (لِلْقَارِئِ) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مُمَيِّزٌ وَلَوْ أَصَمَّ وَأُنْثَى وَصَغِيرًا لِجَمِيعِ الْآيَةِ فَلَا يَكْفِي سَمَاعُ بَعْضِهَا مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ مَشْرُوعَةٍ بِأَنْ لَا تَكُونَ حَرَامًا لِذَاتِهَا كَقِرَاءَةِ جُنُبٍ مُسْلِمٍ بِقَصْدِهَا، وَلَا مَكْرُوهَةً لِذَاتِهَا كَقِرَاءَةِ مُصَلٍّ بِقَصْدِ السُّجُودِ، أَوْ فِي جِنَازَةٍ مُطْلَقًا أَوْ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ، وَإِنْ حَرُمَتْ لِخَارِجٍ كَرَفْعِ صَوْتِ امْرَأَةٍ بِحَضْرَةِ أَجْنَبِيٍّ، أَوْ كُرِهَتْ كَذَلِكَ كَقِرَاءَةٍ فِي سُوقٍ أَوْ فِي طَرِيقٍ فَدَخَلَ قِرَاءَةُ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ وَالْمُدَرِّسِ، وَمَنْ يُقْرَأُ عَلَيْهِ فَيَسْجُدُ كَسَامِعِيهِ، وَدَخَلَ الْخَطِيبُ لَكِنْ لَا يَسْجُدُ سَامِعُوهُ وَإِنْ سَجَدَ فَوْقَ الْمِنْبَرِ أَوْ تَحْتَهُ لِأَنَّهُ إعْرَاضٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُسْتَمِعُ) أَيْ لِجَمِيعِ الْآيَةِ، فَلَا يَكْفِي بَعْضُهَا مِنْ قَارِئٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَكْفِي مِنْ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مُمَيِّزٌ وَلَوْ جِنِّيًّا أَوْ مَلَكًا أَوْ كَافِرًا، وَلَوْ جُنُبًا أَوْ مُعَانِدًا لِعَدَمِ اعْتِقَادِهِ الْحُرْمَةَ لَا مِنْ مَجْنُونٍ وَنَائِمٍ وَسَاهٍ وَسَكْرَانَ، وَطَيْرٍ قِرَاءَةٌ مَشْرُوعَةٌ بِمَا مَرَّ، وَمِنْهَا قِرَاءَةُ مُصَلٍّ فِي الْقِيَامِ وَلَوْ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ لِأَنَّهُ مَحَلُّهَا، وَلَا سُجُودَ لِبَدَلِ الْفَاتِحَةِ وَلَوْ الْآيَةَ الْأَخِيرَةَ مِنْهُ، وَلَا يَسْجُدُ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ لِصَمَمٍ أَوْ بُعْدٍ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ سُجُودُ تِلَاوَةٍ.
نَعَمْ يَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي سَمَاعِ قِرَاءَةِ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ جُنُبٍ بِقَصْدِ التَّعَلُّمِ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَأَكَّدُ إلَخْ) فَلَا يَتَوَقَّفُ سُجُودُ أَحَدِهِمَا عَلَى سُجُودِ الْآخَرِ، وَلَا يُسَنُّ الِاقْتِدَاءُ وَلَا يَضُرُّ.
قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ صَلَاةٍ) لَعَلَّ هَذَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِ بِحُكْمِهِ، فَلَا يُخَصِّصُهُ فَلَا يُقَالُ.
يَلْزَمُ خُلُوُّ السُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ عَنْ دَلِيلٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَسْجُدُ لِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ) لِعَدَمِ طَلَبِ إصْغَائِهِ لَهُ وَلَوْ مُصَلِّيًا أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَسْجُدُ لِقِرَاءَتِهِ) أَيْ لَا يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ مِنْ غَيْرِ سُجُودِ إمَامِهِ مَا لَمْ يُفَارِقْهُ، وَلَهُ فِرَاقُهُ
[حاشية عميرة]
مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ.
قَوْلُهُ: (رَوَى الشَّيْخَانِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى دُخُولِ السَّامِعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21]
نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (فَإِنْ سَجَدَ إمَامُهُ فَتَخَلَّفَ) هُوَ (أَوْ انْعَكَسَ) ذَلِكَ أَيْ سَجَدَ هُوَ دُونَ إمَامِهِ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِمُخَالَفَتِهِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ تَنَازَعَ فِيهِ قَرَأَ وَسَجَدَ، فَالْفَرَّاءُ يُعْمِلُهُمَا فِيهِ، وَالْكِسَائِيُّ يَقُولُ: حُذِفَ فَاعِلُ الْأَوَّلِ.
وَالْبَصْرِيُّونَ يُضْمِرُونَهُ، وَهُوَ مُفْرَدٌ لَا مَثْنَى لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّأْوِيلِ.
فَالتَّرْكِيبُ صَحِيحٌ عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ:
(وَمَنْ سَجَدَ خَارِجَ الصَّلَاةِ) أَيْ أَرَادَ السُّجُودَ (نَوَى) سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ (وَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ) بِهَا (رَافِعًا يَدَيْهِ) كَالرَّفْعِ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (ثُمَّ) كَبَّرَ (لِلْهُوِيِّ بِلَا رَفْعٍ) لِيَدَيْهِ (وَسَجَدَ) سَجْدَةً (كَسَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَرَفَعَ) رَأْسَهُ (مُكَبِّرًا) وَجَلَسَ (وَسَلَّمَ) مِنْ غَيْرِ تَشَهُّدٍ كَتَسْلِيمِ الصَّلَاةِ (وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ شَرْطٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا السَّلَامُ فِي الْأَظْهَرِ) أَيْ لَا بُدَّ مِنْهُمَا وَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا.
وَمُدْرَكُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ السَّجْدَةَ تَلْحَقُ بِالصَّلَاةِ أَوْ لَا تَلْحَقُ بِهَا، وَلَا يُسْتَحَبُّ التَّشَهُّدُ فِي الْأَصَحِّ.
(وَتُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ) قَطْعًا كَالطَّهَارَةِ وَالسَّتْرِ وَالِاسْتِقْبَالِ (وَمَنْ سَجَدَ فِيهَا) أَيْ أَرَادَ السُّجُودَ فِي الصَّلَاةِ (كَبَّرَ
[حاشية قليوبي]
لِلسُّجُودِ وَهُوَ فِرَاقٌ بِعُذْرٍ لَا يَفُوتُ بِهِ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ وَمَا لَمْ يُحْدِثْ إمَامُهُ وَإِلَّا فَيَسْجُدُ، وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ حَدَثُ الْإِمَامِ قَبْلَ قِرَاءَةِ الْآيَةِ لَمْ يَسْجُدْ وَإِنْ سَجَدَ الْإِمَامُ، وَإِذَا لَمْ يُفَارِقْهُ فِي الْأُولَى سَجَدَ بَعْدَ الْفَرَاغِ إنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، وَيُنْدَبُ لِلْإِمَامِ تَأْخِيرَ السُّجُودِ إلَى مَا بَعْدَ الْفَرَاغِ إنْ خَشِيَ عَلَى بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ التَّخَلُّفَ لِبُعْدٍ، أَوْ صَمَمٍ، أَوْ جَهْلٍ، أَوْ إسْرَارَهُ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَلَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ بِسُجُودِ إمَامِهِ بَعْدَ انْتِصَابِهِ لَمْ يَسْجُدْ، أَوْ قَبْلَهُ وَجَبَ أَنْ يَهْوِيَ خَلْفَهُ، فَإِنْ رَفَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ سُجُودِهِ هُوَ وَجَبَ عَوْدُهُ مَعَهُ وَلَا يَسْجُدُ، وَفَارَقَ سُجُودَ السَّهْوِ فِيهِمَا بِأَنَّهُ يُطْلَبُ فِعْلُهُ مِنْ الْمَأْمُومِ وَإِنْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ كَذَا قَالُوا وَفِيهِ نَظَرٌ بِمَا مَرَّ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّ سُجُودَ السَّهْوِ جَائِزٌ بِخِلَافِ هَذَا وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا، وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ هُنَا لِلْمُتَابَعَةِ كَسُجُودِ السَّهْوِ لِلْمَسْبُوقِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ نَفْسِهِ) أَيْ لَا يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ خَلْفَ الْإِمَامِ، أَيْ مَا لَمْ يُفَارِقْهُ وَإِلَّا فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَكْرَهُ لِلْمَأْمُومِ قِرَاءَةُ آيَةِ سَجْدَةٍ خَلْفَ الْإِمَامِ لَمْ يَسْجُدْ أَيْضًا، وَهُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ فَلَهُ السُّجُودُ، وَهُوَ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ إنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ لَا بِقَصْدِ السُّجُودِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ نَفْسِهِ وَغَيْرُ إمَامِهِ، وَإِنْ فَارَقَ إمَامَهُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ بِمُجَرَّدِ شُرُوعِهِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ هُوِيِّ الْإِمَامِ، أَوْ بِمُجَرَّدِ شُرُوعِهِ فِي الْهُوِيِّ دُونَ الْإِمَامِ إنْ قَصَدَ الْمُخَالَفَةَ فِيهِمَا لِأَنَّهُ شُرُوعٌ فِي الْمُبْطِلِ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهَا فَبِرَفْعِ رَأْسِ الْإِمَامِ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى، وَبِسُجُودِهِ هُوَ فِي الثَّانِيَةِ إنْ خَالَفَ بَعْدَ عِلْمِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا تَبْطُلُ بِرَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ السُّجُودِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ التَّأْوِيلِ) بِقَوْلِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (نَوَى سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ) أَيْ نَوَى السُّجُودَ لِلتِّلَاوَةِ، وَلَا تَجِبُ مُلَاحَظَةُ الْآيَةِ وَلَا عَيْنِهَا.
قَوْلُهُ: (وَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ) أَيْ مِنْ جُلُوسٍ أَوْ قِيَامٍ، وَلَا يُنْدَبُ الْقِيَامُ لِيَأْتِيَ بِهَا مِنْهُ لِعَدَمِ وُرُودِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ كَبَّرَ لِلْهُوِيِّ) فَلَوْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً فَفِيهِ مَا يَأْتِي فِيمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا.
قَوْلُهُ: (وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامُ شَرْطٌ) أَيْ رُكْنٌ وَكَذَا مَا بَعْدَهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ، وَجُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَرْكَانِ أَرْبَعَةٌ: النِّيَّةُ، وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَالسَّجْدَةُ، وَالسَّلَامُ، وَأَمَّا الرَّفْعُ مِنْ السُّجُودِ فَهُوَ وَاجِبٌ لِأَنَّ بِهِ يَتِمُّ السُّجُودُ، وَسَكَتَ عَنْ الْجُلُوسِ لِلسَّلَامِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ إذْ يَكْفِي عَنْهُ الِاضْطِجَاعُ كَمَا فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ، فَلَا يَكْفِي غَيْرُهَا عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَكَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ لَا يُخَالِفُهُ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ.
قَوْلُهُ: (كَالطَّهَارَةِ) أَيْ مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجِسِ غَيْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ.
قَوْلُهُ: (وَالسَّتْرُ) لِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فِي غَيْرِ الْحُرَّةِ، وَفِيهَا لِمَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَبَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ الْآيَةِ فَلَا يَجُوزُ لِلْقَارِئِ أَوْ السَّامِعِ أَنْ يَسْجُدَ قَبْلَ تَمَامِهَا وَلَوْ بِحَرْفٍ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ كُلِّهَا أَوْ سَمَاعِهَا مِنْ قَارِئٍ وَاحِدٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ سَجَدَ فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا
[حاشية عميرة]
وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَسْمَعْ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْ دَخَلَ فِي الْإِطْلَاقِ فَهُوَ خَارِجٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ عُلِمَ الْحَالُ بِرُؤْيَةِ السَّاجِدِينَ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (حُذِفَ فَاعِلُ الْأَوَّلِ) أَيْ وَهُوَ اسْمٌ ظَاهِرٌ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَذْهَبَ الْبَصْرِيِّينَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ، وَاسْتَحَبَّ الرَّافِعِيُّ الْقِيَامَ لِيَحُوزَ فَضِيلَتَهُ، وَخَالَفَ النَّوَوِيُّ فَصَحَّحَ اسْتِحْبَابَ تَرْكِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَكَذَا السَّلَامُ) .
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى التَّحَرُّمِ، فَتَفْتَقِرُ إلَى التَّحَلُّلِ كَالصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُسْتَحَبُّ التَّشَهُّدُ) كَمَا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ، وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ جَوَازُ التَّشَهُّدِ كَالْقِيَامِ
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ) مِنْهَا دُخُولُ الْوَقْتِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ:
لِلْهُوِيِّ وَلِلرَّفْعِ) مِنْ السَّجْدَةِ نَدْبًا.
(وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) فِيهِمَا (قُلْت) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (وَلَا يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ) بَعْدَهَا.
(وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ.
(وَيَقُولُ) فِيهَا دَاخِلَ الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا.
«سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ وَصَوَّرَهُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
(وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً) خَارِجَ الصَّلَاةِ أَيْ أَتَى بِهَا مَرَّتَيْنِ (فِي مَجْلِسَيْنِ سَجَدَ لِكُلٍّ) مِنْ الْمَرَّتَيْنِ عَقِبَهَا.
(وَكَذَا الْمَجْلِسُ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي تَكْفِيه السَّجْدَةُ الْأُولَى عَنْ الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ.
وَالثَّالِثُ يَكْفِيه إنْ لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى كَفَاهُ سَجْدَةٌ عَنْهُمَا.
(وَرَكْعَةٌ كَمَجْلِسٍ) فِيمَا ذُكِرَ (وَرَكْعَتَانِ كَمَجْلِسَيْنِ) فَيَسْجُدُ فِيهِمَا (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ) مَنْ سُنَّ لَهُ السُّجُودُ عَقِبَ الْقِرَاءَةِ (وَطَالَ الْفَصْلُ لَمْ يَسْجُدْ) بِخِلَافِ مَا إذَا قَصُرَ فَيَسْجُدُ.
وَمَرْجِعُ الطُّولِ وَالْقِصَرِ الْعُرْفُ، وَمَنْ كَانَ مُحْدِثًا عِنْدَ الْقِرَاءَةِ وَتَطَهَّرَ عَلَى الْقُرْبِ يَسْجُدُ.
(وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ لَا تَدْخُلُ الصَّلَاةَ) فَلَوْ فَعَلَهَا فِيهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (وَتُسَنُّ لِهُجُومِ نِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ) وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالرَّوْضَةِ كَالشَّرْحِ
[حاشية قليوبي]
أَوْ مَأْمُومًا، وَتَجِبُ نِيَّتُهَا عَلَى غَيْرِ الْمَأْمُومِ وَتُنْدَبُ لَهُ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ: لَا تَجِبُ لَهَا نِيَّةٌ مُطْلَقًا لِشُمُولِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ لَهَا بِوَاسِطَةِ شُمُولِهَا لِلْقِرَاءَةِ وَالنِّيَّةِ بِالْقَلْبِ، فَإِنْ تَلَفَّظَ بِهَا بَطَلَتْ كَمَا لَوْ كَبَّرَ بِقَصْدِ الْإِحْرَامِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ) أَيْ لَا يُنْدَبُ لَهُ، وَيُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ قَبْلَ رُكُوعِهِ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ) أَيْ نَدْبًا وَهَذَا دَاخِلٌ فِي التَّشْبِيهِ السَّابِقِ فَذِكْرُهُ إيضَاحٌ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَقُولَ أَيْضًا: اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَك أَجْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَك ذُخْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتهَا مِنْ عَبْدِك دَاوُد، أَيْ كَمَا تَقَبَّلْت جِنْسَهَا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ أَتَى بِهَا مَرَّتَيْنِ) يُفِيدُ أَنَّ قَصْدَ التَّكْرَارِ غَيْرُ مُرَادٍ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَرَّتَيْنِ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ لِكَوْنِهِ مَحَلُّ الْخِلَافِ وَهُوَ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّكْرَارِ لِمَا قَالَ السَّعْدُ: إنَّ مَا زَادَ عَلَى الْمَرَّتَيْنِ تَكْرَارَاتٌ مُتَعَدِّدَاتٌ، وَعَلَى كُلٍّ لَا يَتَقَيَّدُ الْحُكْمُ بِمَرَّتَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَجْلِسَيْنِ تَعَدُّدُ مَحَلِّ قِرَاءَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْمَجْلِسُ) أَيْ لَوْ كَرَّرَ الْآيَةَ فِيهِ سَجَدَ لِكُلِّ مَرَّةٍ عَقِبَهَا.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ) أَيْ بَيْنَ السَّجْدَةِ وَقِرَاءَتِهَا.
قَوْلُهُ: (كَفَاهُ سَجْدَةٌ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ الْمَرَّتَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا جَارٍ عَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ، وَمَحَلُّهُ عَلَى الْأَوَّلِ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهَا إحْدَى الْمَرَّتَيْنِ بِعَيْنِهَا، وَإِلَّا كَفَى عَنْهَا، وَيَسْجُدُ لِلْأُخْرَى إنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلَ، وَلَوْ زَادَ عَلَى مَرَّتَيْنِ فَلَهُ تَكْرَارُ السُّجُودِ بِعَدَدِهِ وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ جَمِيعِهِ، كَمَا لَوْ طَافَ أَسَابِيعَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ، لَكِنْ مَحَلُّهُ هُنَا إنْ لَمْ يَطُلْ فَصْلٌ بَيْنَ كُلِّ مَرَّةٍ وَسُجُودِهَا وَلَهُ جَمْعُهَا فِي سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي الطَّوَافِ، وَسَوَاءٌ كَرَّرَهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا أَوْ فِيهِمَا مَعًا، وَلَا يَحْتَاجُ الْمُصَلِّي إلَى قِيَامٍ لِمَا بَعْدَ السَّجْدَةِ الْأُولَى.
نَعَمْ لَا يَسْجُدُ فِي الصَّلَاةِ لِقِرَاءَتِهِ قَبْلَهَا فَقَطْ فِيمَا يَظْهَرُ.
قَوْلُهُ: (مُحْدِثًا) أَيْ حَدَثًا أَصْغَرَ مُطْلَقًا، أَوْ أَكْبَرَ وَهُوَ غَيْرُ الْقَارِئِ، وَسَكَتَ عَنْ فَوَاتِهَا بِالْإِعْرَاضِ مَعَ قِصَرِ الْفَصْلِ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ عَدَمُ الْفَوَاتِ فَلَهُ الْعَوْدُ، وَاَلَّذِي قَالَهُ شَيْخُنَا: إنَّهَا تَفُوتُ بِهِ كَمَا فِي التَّحِيَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ إذَا فَاتَتْ لَا تُقْضَى وَكَذَا سَجْدَةُ الشُّكْرِ وَإِنْ نَذَرَهُمَا كَذَوَاتِ السَّبَبِ.
قَوْلُهُ: (وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ لَا تَدْخُلُ الصَّلَاةَ) هُوَ تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ بِالْأَوْلَى مِنْ سَجْدَةِ ص كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ فَعَلَهَا فِيهَا بَطَلَتْ) إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا، وَإِلَّا فَلَا تَبْطُلُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ انْدِفَاعُ نِقْمَةٍ) هُوَ عَطْفٌ عَلَى النِّعْمَةِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْهُجُومُ أَيْضًا، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ هُجُومِ النِّعْمَةِ وَانْدِفَاعِ النِّقْمَةِ ظَاهِرَتَيْنِ لِيَخْرُجَ مَا لَا وَقْعَ لَهُ وَقَوْلُ الْمَنْهَجِ: لِيَخْرُجَ الْمَعْرِفَةُ وَسَتْرُ الْمَسَاوِئِ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ السُّجُودُ لَهُمَا.
[حاشية عميرة]
الْمُهَذَّبِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ قَرَأَ الْآيَةَ أَوْ سَمِعَهَا وَذَكَرَ فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ قَرِيبًا مِنْهُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ سَمَاعَ الْآيَةِ بِكَمَالِهَا شَرْطٌ كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ، فَلَا يَكْفِي سَمَاعُ كَلِمَةِ السَّجْدَةِ وَنَحْوِهَا فَلْيُتَفَطَّنْ لَهُ، انْتَهَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَخْ) أَيْ كَمَا فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَا يَحْتَاجُ فِي هَذَا السُّجُودِ إلَى نِيَّةٍ اتِّفَاقًا لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ تَنْسَحِبُ عَلَيْهَا أَيْ بِخِلَافِ سُجُودِ السَّهْوِ، فَإِنَّ سَبَبَهُ لَمْ تَشْمَلْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: كَيْف يُتَصَوَّرُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ وَصَوَّرَهُ) وَلِذَا حَذَفَهَا فِي التَّحْقِيقِ وَقَوْلُهُ: وَالثَّانِي تَكْفِيه إلَى آخِرِهِ أَيْ كَمَا تَكْفِي الثَّانِيَةُ عَنْ الْأُولَى عِنْدَ تَرْكِهِ فِي الْأُولَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَرَكْعَةٌ كَمَجْلِسٍ) أَيْ وَإِنْ طَالَتْ وَرَكْعَتَانِ كَمَجْلِسَيْنِ، أَيْ وَإِنْ قَصُرَتَا نَظَرًا لِلِاسْمِ فِيهِمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَوْ قَرَأَ الْآيَةَ فِي
مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: الْأَوَّلُ كَحُدُوثِ وَلَدٍ أَوْ مَالٍ لَهُ.
وَالثَّانِي كَنَجَاتِهِ مِنْ الْهَدْمِ وَالْغَرَقِ، رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا جَاءَهُ شَيْءٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِدًا» ، وَلَا يُسَنُّ السُّجُودُ لِاسْتِمْرَارِ النِّعَمِ.
(أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلًى) كَزَمِنٍ (أَوْ عَاصٍ) قَالَ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ يَتَظَاهَرُ بِعِصْيَانِهِ، رَوَى الْحَاكِمُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ لِرُؤْيَةِ زَمِنٍ» . وَالسَّجْدَةُ لِذَلِكَ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْهُ.
(وَيُظْهِرُهَا لِلْعَاصِي) لَعَلَّهُ يَتُوبُ (لَا لِلْمُبْتَلَى) لِئَلَّا يَتَأَذَّى وَيُظْهِرُهَا أَيْضًا لِحُصُولِ نِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ، كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَإِنْ خَافَ مِنْ إظْهَارِ السُّجُودِ لِلْفَاسِقِ مَفْسَدَةً أَوْ ضَرَرًا أَخْفَاهُ.
(وَهِيَ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ) خَارِجَ الصَّلَاةِ فِي كَيْفِيَّتِهَا وَشُرُوطِهَا (وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُمَا) أَيْ السَّجْدَتَيْنِ.
(عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ) بِأَنْ يُومِئَ بِهِمَا لِمَشَقَّةِ النُّزُولِ.
وَالثَّانِي لَا لِفَوَاتِ الرُّكْنِ الْأَظْهَرِ أَيْ السُّجُودِ (فَإِنْ سَجَدَ لِتِلَاوَةِ صَلَاةٍ جَازَ عَلَيْهَا قَطْعًا) كَسُجُودِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا.
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) أَيْ فِي وَقْتٍ لَا يُتَيَقَّنُ حُصُولُهَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَقَّعًا لَهَا قَبْلَهُ قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ كَابْنِ حَجَرٍ: وَقَدْ يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ شَيْءٍ وَقَعَ عَقِبَ سَبَبِهِ عَادَةً كَرِبْحٍ مُتَعَارَفٍ لِتَاجِرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (كَحُدُوثِ وَلَدٍ) نَعَمْ لَا تُسَنُّ لَهُ بِحَضْرَةِ عَقِيمٍ، وَكَذَا كُلُّ نِعْمَةٍ بِحَضْرَةِ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِثْلُهَا.
قَوْلُهُ: (مَالٍ لَهُ) وَكَذَا لِوَلَدِهِ أَوْ صَدِيقِهِ، أَوْ نَحْوِ عَالِمٍ أَوْ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَا يُقَالُ فِي انْدِفَاعِ النِّقْمَةِ.
قَوْلُهُ: (لِاسْتِمْرَارِ النِّعَمِ) أَيْ النِّعَمِ الْمُسْتَمِرَّةِ كَدَوَامِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالشَّمِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ لِاسْتِغْرَاقِ الْعُمْرِ فِي السُّجُودِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلًى) أَيْ الْعِلْمُ بِهِ وَلَوْ لِأَعْمَى.
قَوْلُهُ: (كَزَمِنٍ) وَمِثْلُهُ نَقْصُ عُضْوٍ وَلَوْ خِلْقَةً، أَوْ اخْتِلَالُ عَقْلِ أَوْ ضَعْفُ حَرَكَةٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ عَاصٍ) وَإِنْ لَمْ يَفْسُقْ كَصَغِيرَةٍ لَمْ يُصِرَّ عَلَيْهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ الْمَنْهَجِ بِفَاسِقٍ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَمِنْهُ الْكَافِرُ وَشَافِعِيٌّ يَرَى حَنَفِيًّا يَشْرَبُ نَبِيذًا، وَمِنْهُ رُؤْيَةُ مَقْطُوعٍ فِي سَرِقَةٍ أَوْ مَجْلُودٍ فِي زِنًى، وَيَسْجُدُ الْعَاصِي لِرُؤْيَةِ عَاصٍ آخَرَ إلَّا إنْ اتَّحِدَا جِنْسًا وَنَوْعًا وَصِفَةً وَمَحَلًّا وَقَدْرًا.
نَعَمْ فِي سُجُودِ صَاحِبِ الْأَكْثَرِ فِي الْقَدْرِ نَظَرٌ، فَتَأَمَّلْهُ.
وَفِي كَلَامِ الْعَبَّادِيِّ عَدَمُ تَصَوُّرِ الِاتِّحَادِ فِي الْعِصْيَانِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (يَتَظَاهَرُ بِعِصْيَانِهِ) اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا قَالَ: وَتَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْ الصَّغِيرَةِ وَلَوْ بَعْدَ فِعْلِ مُكَفِّرٍ لَهَا وِفَاقًا لِقَوْلِ السُّبْكِيّ بِهِ، وَالتَّكْفِيرُ بِهِ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ، وَعَلَيْهِ فَيَسْجُدُ لِرُؤْيَتِهِ بَعْدَ الْمُكَفِّرِ، وَلَا يَسْجُدُ لِرُؤْيَتِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، لَكِنَّ التَّعْلِيلَ بِالسَّلَامَةِ مِنْهُ يُخَالِفُهُ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ بِالسُّجُودِ، لَكِنْ لَا يُظْهِرُهُ لَهُ وَهُوَ الْوَجْهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَيُظْهِرُهَا إلَخْ) وَلَوْ اجْتَمَعَ فِيهِ الِابْتِلَاءُ وَالْعِصْيَانُ أَظْهَرَهَا لَهُ وَبَيَّنَ السَّبَبَ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ) فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فِيهَا، وَمِنْهُ فَوَاتُهَا بِطُولِ الْفَصْلِ أَوْ الْإِعْرَاضِ، وَلَوْ مَعَ قَصْرِهِ وَعَدَمِ قَضَائِهَا إذَا فَاتَتْ وَلَوْ مَنْذُورَةً، وَمِنْهُ تَكَرُّرُهَا بِتَكَرُّرِ السَّبَبِ، وَلَوْ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ كَعَاصٍ فَيَسْجُدُ كُلَّمَا رَآهُ، وَلَهُ جَمْعُ أَسْبَابٍ فِي سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ لَا جَمْعَ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ فِي سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يَصِحُّ، وَفَارَقَ الطَّهَارَةَ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّدَاخُلِ.
قَوْلُهُ: (فِي كَيْفِيَّتِهَا) شَمِلَ أَرْكَانَهَا وَسُنَنَهَا، وَمِنْهَا النِّيَّةُ فَيَنْوِي سُجُودَ الشُّكْرِ، وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْ كَوْنَهُ عَنْ نِعْمَةٍ، أَوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْ سَبَبًا بِعَيْنِهِ، فَإِنْ عَيَّنَهُ كَانَ عَنْهُ، وَلَهُ السُّجُودُ لِغَيْرِهِ بِشَرْطِهِ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِسَجْدَةٍ مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ وَلَوْ عَقِبَ صَلَاةٍ، وَلَا بِرُكُوعٍ وَنَحْوِهِ كَذَلِكَ، وَلَا بِصَلَاةٍ بِنِيَّةِ الشُّكْرِ أَوْ بِنِيَّةِ التِّلَاوَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ صُورَةُ الرُّكُوعِ عِنْدَ تَحِيَّةِ الْعُظَمَاءِ فَهُوَ حَرَامٌ، بَلْ قِيلَ: إنَّهُ كُفْرٌ وَحَمَلَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ عَلَى مَنْ قَصَدَ تَعْظِيمَهُمْ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا مَرَّ.
[حاشية عميرة]
الصَّلَاةِ ثُمَّ أَعَادَهَا خَارِجَهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا، وَإِطْلَاقُ الْخِلَافِ فِي التَّكْرَارِ يَقْتَضِي طَرْدُهُ هُنَا.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَرَ إلَخْ) لَوْ قَصَدَ عَدَمَ السُّجُودِ ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسْجُدُ أَعْنِي مَعَ قَصْرِ الْفَصْل.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْمُحَرَّرِ إلَخْ) هَذَا الَّذِي فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ مُسْتَفَادٌ مِنْ لَفْظِ الْهُجُومِ فَيُسْتَغْنَى عَنْهُ، ثُمَّ اُنْظُرْ لَوْ طَالَ الزَّمَنُ هَلْ يَسْقُطُ أَوْ لَا؟ . قَوْلُهُ: (كَحُدُوثِ وَلَدٍ إلَخْ) يَقْتَضِي كَلَامُ الْكِفَايَةِ أَنَّ حُدُوثَ النِّعْمَةِ عَلَى الْوَلَدِ وَنَحْوِهِ كَهِيَ عَلَيْهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَشْمَلُ الْعِلْمُ بِهِ وَإِنْ كَانَ فِي ظُلْمَةٍ وَنَحْوِهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلًى أَوْ عَاصٍ) لَوْ رَآهُمَا وَهَجَمَتْ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ مَثَلًا فَهَلْ يَكْفِيه سُجُودٌ وَاحِدٌ؟ الظَّاهِرُ نَعَمْ كَنَظِيرِهِ مِنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ السَّابِقِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ وَيُفَرَّقُ، وَلَوْ تَأَخَّرَ سُجُودُ الشُّكْرِ عَنْ سَبَبِهِ فَالْوَجْهُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ طُولِ الْفَصْلِ وَعَدَمِهِ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُظْهِرُهَا لِلْعَاصِي إلَخْ) ظَاهِرُ صَنِيعِهِ أَنَّهُ لَوْ أَسَرَّ فِي الْعَاصِي وَأَظْهَرَ فِي الْمُبْتَلَى حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ، وَقَدْ يُمْنَعُ فِي الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يُومِئَ بِهِمَا إلَخْ) صَنِيعُهُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ لَوْ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ صَحَّا لِصَوْبِ الْمَقْصِدِ عَلَيْهَا قَطْعًا وَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ ثُمَّ إحْرَامُهُ لِلْقِبْلَةِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي لَا) رَجَحَ هَذَا فِي الْجِنَازَةِ لِنُدْرَتِهَا.
بَابٌ بِالتَّنْوِينِ (صَلَاةُ النَّفْلِ) وَهُوَ مَا عَدَا الْفَرَائِضَ (قِسْمَانِ: قِسْمٌ لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ لِمُحَوَّلٍ عَنْ نَائِبِ الْفَاعِلِ، أَيْ لَا تُسَنُّ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، فَلَوْ صَلَّى جَمَاعَةً لَمْ يُكْرَهْ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
(فَمِنْهُ الرَّوَاتِبُ مَعَ الْفَرَائِضِ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَكَذَا بَعْدَهَا وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية قليوبي]
بَابٌ بِالتَّنْوِينِ أَيْ بِالْإِضَافَةِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابَيْنِ قَبْلَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّفَلَ مُطْلَقًا لُغَةً: الزِّيَادَةُ، وَفِي فَائِهِ السُّكُونُ وَالتَّحْرِيكُ أَوْ التَّحْرِيكُ فِي الْأَمْوَالِ، وَشَرْعًا: مَا طَلَبَ الشَّارِعُ فِعْلُهُ وَجَوَّزَ تَرْكَهُ، وَيُرَادِفُهُ الْمَنْدُوبُ وَالْمُرَغَّبُ فِيهِ وَالْحَسَنُ اتِّفَاقًا وَكَذَا السُّنَّةُ.
وَالْمُسْتَحَبُّ وَالتَّطَوُّعُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: السُّنَّةُ مَا وَاظَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فِعْلِهِ وَالْمُسْتَحَبُّ مَا فَعَلَهُ أَحْيَانًا أَوْ أَمَرَ بِهِ، وَالتَّطَوُّعُ مَا يُنْشِئُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَبِّرْ الْمُصَنِّفُ كَالْوَجِيزِ وَالتَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِمَا بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ، وَلَمْ يُعَبِّرْ بِالْحَسَنِ لِمَا قِيلَ: إنَّهُ يَشْمَلُ الْوَاجِبُ، وَلَا بِالْمُرَغَّبِ فِيهِ لِطُولِ عِبَارَتِهِ، وَلَا بِالْمَنْدُوبِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، إذْ أَصْلُهُ الْمَنْدُوبُ إلَيْهِ وَأَصْلُ مَشْرُوعِيَّتِهِ لِجَبْرِ خَلَلٍ يَحْصُلُ فِي الْعِبَادَاتِ الْأَصْلِيَّةِ غَيْرِ مُبْطِلٍ لَهَا، أَوْ تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ مَنْدُوبَاتِهَا كَتَرْكِ خُشُوعٍ وَتَدَبُّرِ قِرَاءَةٍ فِي الصَّلَاةِ وَفِعْلٍ نَحْوَ غِيبَةٍ فِي الصَّوْمِ، وَلَا يَقُومُ مَقَامَ الْفَرَائِضِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَا مَانِعَ مِنْ قِيَامِهِ عَنْهَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا فَعَلَهُ مِنْهَا خَلَلٌ وَتُحْسَبُ بِقَدْرِ زِيَادَةِ فَضْلِهَا عَلَيْهِ، كَأَنْ يَجْعَلَ فِي الصَّلَاةِ مَثَلًا كُلَّ سَبْعِينَ رَكْعَةٍ مِنْهُ بِرَكْعَةٍ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ النَّفَلُ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ مَا عَدَا الْفَرْضَ مِنْ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ إمَّا قَلْبِيَّةٌ كَالْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّفَكُّرِ وَالتَّوَكُّلِ، وَالصَّبْرِ وَالرِّضَا، وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالطَّهَارَةِ مِنْ الرَّذَائِلِ وَأَفْضَلُهَا الْإِيمَانُ، وَلَا يَكُونُ إلَّا وَاجِبًا، وَقَدْ تَكُونُ تَطَوُّعًا بِالتَّجْدِيدِ، وَإِمَّا بَدَنِيَّةٌ كَالْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَأَفْضَلُهَا الْإِسْلَامُ وَفِيهِ مَا مَرَّ فِي الْإِيمَانِ، ثُمَّ الصَّلَاةُ، ثُمَّ الصَّوْمُ، ثُمَّ الْحَجُّ، ثُمَّ الزَّكَاةُ، وَفَرْضُ كُلٍّ مِنْهَا أَفْضَلُ مِنْ نَفْلِهِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةٍ، فَفَرْضُ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ الْفَرَائِضِ الْبَدَنِيَّةِ، وَنَفْلُهَا أَفْضَلُ النَّوَافِلِ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ أَفْضَلَ أَعْمَالِ الْبَدَنِ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهَا مَا تَفَرَّقَ فِي غَيْرِهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَقِرَاءَةٍ وَتَسْبِيحٍ، وَلِبْسٍ وَطَهَارَةٍ، وَسَتْرٍ وَاسْتِقْبَالٍ، وَتَرْكِ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَزَادَتْ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَنَحْوِهِمَا، وَالْكَلَامُ فِي الْإِكْثَارِ مِنْهَا مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْآكَدِ مِنْ غَيْرِهَا، أَوْ فِي شَغْلِ الزَّمَنِ الْمُعَيَّنِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا وَهَذَا أَوْجَهُ وَأَدُقُّ، وَإِلَّا فَصَوْمُ يَوْمٍ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ اخْتِلَافَ فَضِيلَةِ هَذِهِ الْأَرْكَانِ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهَا كَمَا يُقَالُ: التَّصَدُّقُ بِالْخُبْزِ لِلْجَائِعِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَاءِ، وَلِلْعَطْشَانِ عَكْسُهُ، وَالتَّصَدُّقُ بِدِرْهَمِ غَنِيٍّ شَدِيدِ الْبُخْلِ، أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ أَوْ صِيَامٍ يَوْمٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (قِسْمٌ لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً) قَدَّمَهُ لِانْضِمَامِ بَعْضِهِ إلَى الْفَرْضِ، وَلِكَثْرَةِ وُقُوعِ أَفْرَادِهِ وَعُمُومِهَا، وَلِكَوْنِهِ كَالْبَسِيطِ، وَلِكَثْرَةِ تَكْرَارِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَخَّرَ النَّفَلَ الْمُطْلَقَ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي تَعْرِيفِهِ وَفَقْدِ الْقِسْمَيْنِ مَعًا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (عَلَى التَّمْيِيزِ) أَيْ لَا عَلَى الْحَالِ لِفَسَادِهِ لِلُزُومِ عَدَمِ نَدْبِهِ، وَلَوْ فُعِلَ جَمَاعَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُكْرَهْ) بَلْ هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ عَلَى الدَّوَامِ، فَلَا يَرِدُ نَدْبُ الْجَمَاعَةِ فِي نَحْوَ وَتْرِ رَمَضَانَ.
قَوْلُهُ: (فَمِنْهُ الرَّوَاتِبُ مَعَ الْفَرَائِضِ) يُطْلَقُ الرَّاتِبُ عَلَى التَّابِعِ لِغَيْرِهِ، وَعَلَى مَا يَتَوَقَّفُ فِعْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَعَلَى مَا لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ فَقَوْلُهُ: مَعَ الْفَرَائِضِ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَقَيَّدَ لِإِخْرَاجِ نَحْوِ التَّهَجُّدِ عَلَى الثَّانِي، وَفِيهِ تَجَوُّزٌ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّاتِبِ الْمُقَدَّمِ، وَلِإِخْرَاجِ نَحْوِ الْعِيدِ عَلَى الثَّالِثِ.
قَوْلُهُ: (رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ) وَكَانَتَا وَاجِبَتَيْنِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خَصَائِصِهِ كَمَا فِي الْعُبَابِ، وَيَسُنُّ الِاضْطِجَاعُ بَعْدَهُمَا وَلَوْ فِي الْقَضَاءِ وَإِنْ أَخَّرَهُمَا عَنْ الصُّبْحِ، وَحِكْمَتُهُ تَذَكُّرُ ضَجْعَةِ الْقَبْرِ لِيُفْرِغَ وُسْعَهُ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَإِنْ لَمْ يَضْطَجِعْ نُدِبَ أَنْ
[حاشية عميرة]
[بَاب صَلَاةُ النَّفْلِ]
ِ قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا عَدَا الْفَرْضَ) شَامِلٌ لِمَا وَاظَبَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِمَا فَعَلَهُ أَحْيَانًا أَوْ أَمَرَ بِهِ، وَلِمَا يُنْشِئُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ الْأَوْرَادِ وَإِطْلَاقُهُ عَلَى ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِالْأَخِيرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً) لَوْ قَالَ: يُسَنُّ فُرَادَى كَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ) أَيْ لَا عَلَى الْحَالِيَّةِ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى نَفْيَ سُنِّيَّتِهِ حَالَ كَوْنِهِ جَمَاعَةً وَهُوَ فَاسِدٌ.
قَوْلُ
كَانَ يُصَلِّي مَا ذُكِرَ (وَقِيلَ: لَا رَاتِبَةَ لِلْعِشَاءِ) وَمَا ذُكِرَ بَعْدَهَا فِي الْحَدِيثِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ.
(وَقِيلَ) مِنْ الرَّوَاتِبِ (أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ» . (وَقِيلَ: وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا) لِحَدِيثِ «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ» وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (وَقِيلَ: وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ» ، حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (وَالْجَمِيعُ سُنَّةٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الرَّاتِبِ الْمُؤَكَّدِ) مِنْ حَيْثُ التَّأْكِيدِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَخِيرِ الْجَمِيعُ مُؤَكَّدٌ وَعَلَى الْأَوَّلِ الرَّاجِحُ الْمُؤَكَّدُ الْعَشْرُ الْأُوَلُ فَقَطْ.
(وَ) قِيلَ مِنْ الرَّوَاتِبِ (رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ قُلْت هُمَا سُنَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ الْأَمْرُ بِهِمَا) وَلَفْظُهُ (صَلَّوْا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ) أَيْ رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي لَفْظِ أَبِي دَاوُد، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَّى قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ» وَاسْتَدَلَّ لِمُقَابِلِ الصَّحِيحِ بِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «مَا رَأَيْت أَحَدًا يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ كَمَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَدَفَعَ بِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ «عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَأَنَسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ
[حاشية قليوبي]
يَفْصِلَ بِكَلَامٍ أَوْ نَحْوِهِ، لِئَلَّا يَعْتَقِدَ الْعَوَامُّ أَنَّ الصُّبْحَ أَرْبَعٌ كَانْتِقَالٍ مِنْ مَحَلِّهِ لَا بِصَلَاةِ نَفْلٍ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَرَوَاتِبِهَا، وَفِي نِيَّتِهِمَا عَشْرُ، كَيْفِيَّاتٍ سُنَّةُ الصُّبْحِ، أَوْ رَكْعَتَيْ الصُّبْحِ، أَوْ الْفَجْرِ، أَوْ الْبَرْدِ بِسُكُونِ الرَّاءِ، أَوْ الْغَدَاةِ، أَوْ الْوُسْطَى عَلَى قَوْلٍ، وَلَا يَضُرُّ لَوْ قَالَ: رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ سُنَّةُ الصُّبْحِ، وَمَا قِيلَ: إنَّهُ يُطْلَبُ تَخْفِيفُهُمَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُمْ، وَيُنْدَبُ فِيهِمَا قِرَاءَةُ آيَةِ الْبَقَرَةِ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: 136] إلَى قَوْلِهِ ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136] فِي الْأُولَى، وَآيَةِ آلِ عِمْرَانَ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64] إلَى قَوْلِهِ: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64] فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْكَافِرُونَ فِي الْأُولَى، وَالْإِخْلَاصِ فِي الثَّانِيَةِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَقِرَاءَةُ أَلَمْ نَشْرَحْ فِي الْأُولَى، وَأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فِي الثَّانِيَةِ، لِمَا قِيلَ: إنَّ مَنْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأَلَمْ وَأَلَمْ، لَا يَمَسُّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَلَمٌ أَيْ وَجَعٌ أَوْ ضَرَرٌ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ) .
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَالْأَكْمَلُ تَطْوِيلُهُمَا، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الرَّوْضَةِ يُخَالِفُهُ.
نَعَمْ إنْ حُمِلَ الْأَوَّلُ عَلَى مَنْ أَخَّرَهَا عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَالثَّانِي عَلَى مَنْ بَادَرَ بِهَا لَكَانَ وَجِيهًا لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْتَظِرُهُ إذَا بَادَرَ لَهَا لِتَرْفَعَهَا مَعَ عَمَلِ النَّهَارِ، فَلَا يَنْبَغِي التَّطْوِيلُ عَلَيْهِمْ بِانْتِظَارِهِمْ لَهُ، فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَالْعِشَاءِ) وَلَوْ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَةَ وَيُنْدَبُ لَهُ تَرْكُ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يُصَلِّي مَا ذُكِرَ) أَيْ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ أَخْذًا مِنْ كَانَ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْمُضَارِعِ، وَالْمُوَاظَبَةُ الْمُلَازَمَةُ عَلَى الشَّيْءِ بِأَنْ لَا يَتْرُكَهُ إلَّا لِعُذْرٍ.
قَوْلُهُ: (يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ) أَيْ فَانْتَفَتْ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِمَا الْمُقْتَضِيَةُ لِلتَّأْكِيدِ، فَقَوْلُهُ لَا رَاتِبَةَ لِلْعِشَاءِ أَيْ مُؤَكَّدَةً، فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَالْجَمِيعُ سُنَّةٌ إلَخْ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْجَمِيعُ سُنَّةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ أَخْذًا مِنْ (كَانَ) الدَّاخِلَةِ عَلَى الْمُضَارِعِ فِيهِ كَمَا مَرَّ، وَخُرُوجُ الْبَعْضِ عَنْ التَّأْكِيدِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ، لِمُعَارَضَتِهِ بِعَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ بِالْفِعْلِ، فَقَوْلُ الْمَنْهَجِ: وَزِيَادَةُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ إلَخْ مُرَادُهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمُؤَكَّدِ لَا مِنْهُ، بِدَلِيلِ رَفْعِ الْمَعْطُوفِ بَعْدَهُ، وَإِذَا أَحْرَمَ قَبْلَ الظُّهْرِ بِرَكْعَتَيْنِ انْصَرَفَتَا لِلْمُؤَكَّدَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُمَا وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْأَرْبَعِ فِي إحْرَامٍ وَاحِدٍ وَكَذَا فِي الْمُتَأَخِّرِ، وَلَهُ إذَا أَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَ أَنْ يُحْرِمَ بِالثَّمَانِيَةِ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ أَحْرَمَ حِينَئِذٍ بِأَرْبَعٍ انْصَرَفَ لِلْمُؤَكَّدَاتِ الْقَبْلِيَّةَ وَالْبَعْدِيَّةِ، وَلَا بُدَّ فِي إحْرَامِهِ مُطْلَقًا أَنْ يُعَيِّنَ الْقَبْلِيَّةَ أَوْ الْبَعْدِيَّةَ أَوْ هُمَا.
قَوْلُهُ: (هُمَا سُنَّةٌ) أَفَادَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَصْلِ سُنِّيَّتِهِمَا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ الْآتِي لَا فِي التَّأْكِيدِ
[حاشية عميرة]
الْمَتْنِ: (وَالْجَمِيعُ سُنَّةٌ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رَاتِبَةِ الْعِشَاءِ، وَمَا ذُكِرَ بَعْدَهَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ التَّأْكِيدِ) أَيْ فَفِي كَلَامِ الْمَتْنِ أَنَّ الْجَمِيعَ سُنَّةٌ رَوَاتِبُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ أَمْ لَا؟ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْجَمِيعُ مُؤَكَّدٌ لِظَاهِرِ الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْعَشْرُ فَقَطْ لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَخِيرِ الْجَمِيعُ مُؤَكَّدٌ) وَذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ: وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ لِأَنَّهَا تُفِيدُ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ قَائِلٌ بِمَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ إلَخْ) أَيْ بَعْدَ إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ كَمَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّهُ الْمُتَّجَهُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» انْتَهَى.
قُلْت: فَلَوْ كَانَ الِاشْتِغَالُ بِالْإِجَابَةِ يَمْنَعُ فِعْلَهُمَا قَبْلَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرَاعَى الْإِجَابَةُ
يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَنْهَنَا»
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَاسْتِحْبَابُهُمَا قَبْلَ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ فِي الْإِقَامَةِ فَإِنْ شَرَعَ فِيهَا كُرِهَ الشُّرُوعُ فِي غَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» .
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَيْسَتَا مِنْ الرَّوَاتِبِ الْمُؤَكَّدَةِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِهِمَا، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ لِلْعِلْمِ بِهِ.
(وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعٌ) وَكَذَا رَكْعَتَانِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ الْأَوَّلُ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» وَالثَّانِي لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ» . (وَقَبْلَهَا مَا قَبْلَ الظُّهْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعٍ الْأَوَّلُ لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ: «جَاءَ سُلَيْكُ الْغَطَفَانِيُّ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ: أَصَلَّيْت قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ؟ قَالَ لَا.
قَالَ: فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» وَالثَّانِي بِالْقِيَاسِ عَلَى الظُّهْرِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيُسْتَأْنَسُ فِيهِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا» ، قَالَ: وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا.
(وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً (الْوَتْرُ وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ وَأَكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ) رَكْعَةً (وَقِيلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ) رَكْعَةً، وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ، وَأَكْمَلُ مِنْهُ خَمْسٌ ثُمَّ سَبْعٌ ثُمَّ تِسْعٌ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، فَيَحْصُلُ بِكُلٍّ مِمَّا ذُكِرَ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ: «أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ» وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ» وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهَا حَسَبَتْ فِيهِ سُنَّةَ الْعِشَاءِ.
[حاشية قليوبي]
وَعَدَمِهِ، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا جَوَابُ الْمُؤَذِّنِ لَوْ تَعَارَضَا إنْ أَمْكَنَ تَعَارُضُهُمَا، وَيُؤَخِّرُهُمَا لِمَا بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إنْ عَارَضَتَا نَحْوَ فَضِيلَةِ التَّحَرُّمِ مَعَ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعٌ وَكَذَا رَكْعَتَانِ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُمَا نَصَّانِ لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَيَنْوِي بِالْقَبَلِيَّةِ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُقُوعُهَا، وَكَذَا الْبَعْدِيَّةِ إنْ لَمْ يَشُكَّ فِي وُقُوعِهَا، وَإِذَا وَجَبَتْ الظُّهْرُ صَلَّاهَا بِسُنَنِهَا وَتَنْقَلِبُ سُنَّةُ الْجُمُعَةِ الَّتِي صَلَّاهَا قَبْلَهَا نَفْلًا مُطْلَقًا، وَلَا تَنْقَلِبُ إلَى سُنَّةِ الظُّهْرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَبْلَهَا مَا قَبْلَ الظُّهْرِ) لَمْ يَقُلْ: وَقَبْلَهَا أَرْبَعٌ كَاَلَّتِي بَعْدَهَا إشَارَةً لِلْقِيَاسِ كَمَا ذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (أَصَلَّيْت قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ) صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالرَّكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، بَلْ هُمَا سُنَّةُ الْجُمُعَةِ، فَيَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِهِمَا بِقَصْدِ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ وَالتَّحِيَّةُ دَاخِلَةٌ فِيهِمَا وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا وَهِيَ الْمُصَحِّحَةُ لَهُمَا حَتَّى لَوْ كَانَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ امْتَنَعَتَا أَصْلًا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطِيبُ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ، مَعَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مِنْ الْقِسْمِ إلَخْ) أَيْ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ الرَّوَاتِبِ، وَفِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ مِنْهَا وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْمَنْهَجِ، وَحَمَلُوا الْأَوَّلَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ إضَافَتُهُ فِي النِّيَّةِ إلَى الْفَرَائِضِ كَسُنَّةِ الْعِشَاءِ مَثَلًا، وَالثَّانِي عَلَى أَنَّ وَقْتَهُ وَقْتُ رَاتِبَةِ الْعِشَاءِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَى هَذَا التَّهَجُّدُ وَالتَّرَاوِيحُ، وَقَدْ يُعْتَذَرُ بِعَدَمِ طَلَبِهِمَا دَوَامًا مُؤَكَّدًا، أَوْ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَصْحِيحُ التَّسْمِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ) وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ لِلْخِلَافِ فِي جَوَازِهِ بِهَا، وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ) .
قَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ: وَعَلَيْهَا تُحْمَلُ نِيَّتُهُ الْمُطْلَقَةُ وَنَذْرُهُ الْمُطْلَقُ، فَلَوْ قَامَ الرَّابِعَةَ فِيهِمَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَوْ نَوَاهَا مَعَ الْفَرْضِ فِي الثَّانِي بَطَلَتْ نِيَّتُهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الْخَطِيبُ كَالْعَلَّامَةِ السَّنْبَاطِيِّ: إنَّهُ فِي الْإِطْلَاقِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ مَا عَدَا الرَّكْعَةَ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَقْرَأَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ سُورَةَ (سَبِّحْ) ، وَفِي الثَّانِيَةِ مِنْهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَةِ الْإِخْلَاصَ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ سَوَاءً اقْتَصَرَ عَلَيْهَا، أَوْ زَادَ عَلَيْهَا بِوَصْلٍ أَوْ فَصْلٍ، وَمَتَى صَلَّى الرَّكْعَةَ الْمُفْرَدَةَ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ غَيْرِهَا سَوَاءً وَصَلَ أَمْ لَا، وَبَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَجُزْ الْإِتْيَانُ بِهِ لِفَوَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْذُورًا عِنْدَ شَيْخِنَا خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِ، وَمَتَى صَلَّى شَيْئًا مِنْهُ غَيْرَهَا حَصَلَ لَهُ ثَوَابُ كَوْنِهِ مِنْ الْوَتْرِ.
قَوْلُهُ: (وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهَا إلَخْ) أَيْ إنَّ أُمَّ سَلَمَةَ لَمَّا «رَأَتْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي
[حاشية عميرة]
لِإِمْكَانِ تَدَارُكِ الرَّكْعَتَيْنِ أَدَاءً بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ.
قَوْلُهُ: (كُرِهَ الشُّرُوعُ) خَرَجَ الدَّوَامُ فَإِنَّهُ يُكْمِلُ النَّفَلَ مَا لَمْ يَخْشَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الرَّافِعِيُّ إلَخْ) أَيْ وَبِهَذَا يَتَّضِحُ لَك أَنَّ مَا يُفْهِمُهُ ظَاهِرُ الْمَتْنِ مِنْ أَنَّهَا مِنْ الرَّوَاتِبِ الْمُؤَكَّدَةِ لَيْسَ مُرَادًا، وَوَجْهُ الْإِفْهَامِ عَطْفُهَا عَلَيْهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعٌ وَقَبْلَهَا مَا قَبْلَ الظُّهْرِ) هَذَا الصَّنِيعُ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَرْبَعَ بَعْدَهَا رَوَاتِبُ مُؤَكَّدَةٌ، وَأَنَّ مَا قَبْلَهَا كَالظُّهْرِ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَشَرْحُ الْمُهَذَّبِ مِنْ أَنَّهَا كَالظُّهْرِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا) إنْ قِيلَ مُحْتَمَلٌ أَنَّهُمَا التَّحِيَّةُ قُلْت: يَمْنَعُ مِنْهُ قَوْلُهُ: أَصَلَّيْت قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْقِسْمُ الَّذِي لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً) فَاقْتَضَتْ عِبَارَةُ الْكِتَابِ أَنَّهُ قَسِيمٌ لِلرَّوَاتِبِ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّهُ قِسْمٌ
(وَلِمَنْ زَادَ عَلَى رَكْعَةٍ الْفَصْلُ) بَيْنَ الرَّكَعَاتِ بِالسَّلَامِ فَيَنْوِي رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا مِنْ الْوَتْرِ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(وَهُوَ أَفْضَلُ) مِنْ الْوَصْلِ الْآتِي لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ بِالسَّلَامِ وَغَيْرِهِ (وَالْوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ) فِي الْآخِرَةِ (أَوْ تَشَهُّدَيْنِ فِي الْآخِرَتَيْنِ) قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْصِلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ بِتَسْلِيمٍ» ، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهَا» ، «وَقَالَتْ: لَمَّا سُئِلَتْ عَنْ وَتْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ إلَّا فِي الثَّامِنَةِ وَلَا يُسَلِّمُ، وَالتَّاسِعَةُ ثُمَّ يُسَلِّمُ» ، رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَلَا يَجُوزُ فِي الْوَصْلِ أَكْثَرُ مِنْ تَشَهُّدَيْنِ وَلَا فِعْلُ أَوَّلِهِمَا قَبْلَ الْآخِرَتَيْنِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْقُولِ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَوَقْتُهُ بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «إنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَهِيَ الْوَتْرُ فَجَعَلَهَا فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ " فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ " وَقِيلَ وَقْتُهُ وَقْتُ الْعِشَاءِ " (وَقِيلَ: شَرْطُ الْإِيثَارِ بِرَكْعَةٍ سَبْقُ نَفْلٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ) مِنْ سُنَّتِهَا أَوْ غَيْرِهَا لِيُوتِرَ النَّفَلَ (وَيُسَنُّ جَعْلُهُ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ) لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنْ اللَّيْلِ وِتْرًا» فَمَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ أَيْ تَنَفُّلٌ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ نَوْمٍ يُؤَخِّرُ الْوَتْرَ لِيَفْعَلَهُ بَعْدَ التَّهَجُّدِ وَمَنْ لَا تَهَجُّدَ لَهُ يُوتِرُ بَعْدَ رَاتِبَةِ الْعِشَاءِ، وَوِتْرُهُ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ، كَذَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ مَنْ
[حاشية قليوبي]
بَعْدَ الْعِشَاءِ ثَلَاثَ عَشَرَةَ رَكْعَةً» ظَنَّتْ أَنَّهَا كُلَّهَا وَتْرٌ فَأَخْبَرَتْ بِهِ، وَعَلَى الرَّاجِحِ لَوْ أَحْرَمَ بِهَا كَذَلِكَ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ بَطَلَ الْجَمِيعُ، أَوْ بِرَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ بَطَلَ الْإِحْرَامُ السَّادِسُ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا وَقَعَ نَفْلًا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (الْفَصْلِ) أَيْ فَصْلُ الْأَخِيرَةِ بِإِحْرَامٍ مُسْتَقِلٍّ سَوَاءً فَصَلَ مَا قَبْلَهَا أَوْ وَصَلَهُ، وَلَهُ فِيهِ حِينَئِذٍ التَّشَهُّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَهُ فِيهِ أَنْ يَنْوِيَ سُنَّةَ الْوَتْرِ أَوْ مُقَدِّمَةَ الْوَتْرِ أَوْ مِنْ الْوَتْرِ أَوْ الْوَتْرَ أَيْضًا، وَلَا يَصِحُّ بِنِيَّةِ الشَّفْعِ، وَلَا بِنِيَّةِ سُنَّةِ الْعِشَاءِ، وَلَا بِنِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَا قِيلَ: إنَّ وَصْلَ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ أَفْضَلُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ، رَدَّهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَنَّ مَحَلَّ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يُوقِعْ فِي حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ كَمَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الْفَصْلُ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصْلِ، قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: إنْ تَسَاوَيَا عَدَدًا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (بِتَشَهُّدٍ) وَهُوَ أَفْضَلُ لِأَنَّ تَشْبِيهَ الْوَتْرِ بِالْمَغْرِبِ مَكْرُوهٌ.
قَوْلُهُ: (الشَّفْعِ) أَيْ الزَّوْجُ الشَّامِلُ لِرَكْعَتَيْنِ، أَوْ أَرْبَعٍ، أَوْ سِتٍّ، أَوْ ثَمَانٍ، أَوْ عَشْرٍ، لَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ زَادَ فِي إحْرَامٍ عَلَى رَكْعَتَيْنِ كَذَا قِيلَ، وَيَرُدُّهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عَقِبَهُ بِقَوْلِهِ: خِلَافُ الْمَنْقُولِ إلَخْ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْوَتْرِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ثَلَاثًا، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك، وَبِك مِنْك، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ فِي الْوَصْلِ إلَخْ) فَلَوْ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ، أَوْ جَلَسَ بِقَصْدِ التَّشَهُّدِ فِي ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَالَهُ شَيْخُنَا، وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةِ الْعِشَاءِ) فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا وَلَوْ مَقْضِيَّةً أَوْ مَجْمُوعَةً تَقْدِيمًا، وَهَلْ وَإِنْ لَمْ تُغْنِ عَنْ الْقَضَاءِ؟ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (حُمْرِ) هُوَ بِسُكُونِ الْمِيمِ: جَمْعُ أَحْمَرَ لَا بِضَمِّهَا: جَمْعُ حَمَارٍ، وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَعَزُّ أَمْوَالِ الْعَرَبِ عِنْدَهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ وَقْتُهُ وَقْتُ الْعِشَاءِ) أَيْ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فِعْلِهَا، وَهُوَ كَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ الزَّمَنِ.
قَوْلُهُ: (تَهَجُّدٌ) هُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْيَقَظَةِ يُقَالُ: هَجَدَ: إذَا نَامَ، وَتَهَجَّدَ: إذَا زَالَ نَوْمُهُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ تَنَفَّلَ) لَيْسَ قَيْدًا بَلْ الْفَرْضُ كَقَضَاءٍ، كَذَلِكَ حَيْثُ وَقَعَ بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ وَبَعْدَ نَوْمٍ وَلَوْ قَبْلَ وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَيَقَعُ الْوَتْرُ فِي هَذِهِ تَهَجُّدًا وَوَتْرًا لِوُجُودِ النَّوْمِ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (إنَّ مَنْ لَا تَهَجُّدَ لَهُ إلَخْ)
[حاشية عميرة]
مِنْهَا وَأَفْضَلُهَا، وَعَلَى ذَلِكَ مَشَى شَيْخُنَا فِي الْمَنْهَجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ عَلَى وُجُوبِهِ حَتَّى صَاحِبَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ بِالسَّلَامِ وَغَيْرِهِ) مِنْهُ التَّكْبِيرُ وَالنِّيَّةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: الْوَصْلُ أَفْضَلُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَفْصُولُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي اللَّطِيفِ مَجْزُومًا بِهِ أَنَّ الْوَصْلَ يُكْرَهُ، وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ الْفَصْلُ بِخِلَافِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ يَقْتَدِي بِهِ الْمُخَالِفُ وَغَيْرُهُ، وَعَكَسَ الرُّويَانِيُّ فَقَالَ: أَنَا أُصَلِّي مُنْفَرِدًا وَأُفَضِّلُ إمَامًا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ خَلَلٌ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ ثَابِتٌ صَحِيحٌ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ فَإِذَا زَادَ فَالْفَصْلُ أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالتَّحْقِيقِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِتَشَهُّدٍ) أَيْ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ التَّشَهُّدَيْنِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَالْمُرَادُ التَّشَهُّدَانِ مِنْ غَيْرِ سَلَامٍ، وَإِلَّا فَهُوَ فَصْلٌ فَاضِلٌ عَلَى غَيْرِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ تَشَهُّدَيْنِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ سَلَامٍ فِي الْأَوَّلِ وَإِلَّا لَخَرَجَ عَنْ الْوَصْلِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ بِتَسْلِيمٍ) اعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ سَاقَ هَذَا دَلِيلًا لِلْفَصْلِ الْفَاضِلِ كَمَا فَعَلَ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَوْلُهُ: (لِيُوتِرَ النَّفَلَ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فِي الرَّدِّ عَلَى هَذَا: يَكْفِي كَوْنُهُ وَتْرًا فِي نَفْسِهِ، أَوْ وَتْرًا لِمَا قَبْلَهُ فَرْضًا كَانَ أَوْ سُنَّةً.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثُمَّ تَهَجَّدَ) الْهُجُودُ فِي اللُّغَة النَّوْمُ، يُقَالُ: هَجَدَ إذَا نَامَ، وَتَهَجَّدَ: أَزَالَ النَّوْمَ كَأَثِمَ وَتَأَثَّمَ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ لَيْلًا
لَا تَهَجُّدَ لَهُ إذَا وَثِقَ بِاسْتِيقَاظِهِ أَوَاخِرَ اللَّيْلِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْوَتْرَ لِيَفْعَلَهُ آخِرَ اللَّيْلِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ» (فَإِنْ أَوْتَرَ ثُمَّ تَهَجَّدَ لَمْ يُعِدْهُ) لِحَدِيثِ «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
(وَقِيلَ: يَشْفَعُهُ بِرَكْعَةٍ) بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا أَوَّلَ التَّهَجُّدِ.
(ثُمَّ يُعِيدُهُ) بَعْدَ تَمَامِ التَّهَجُّدِ كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ (وَيُنْدَبُ الْقُنُوتُ آخِرَ وَتْرِهِ) بِثَلَاثٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَفِي الْوَتْرِ بِرَكْعَةٍ.
(فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ) وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَنَتَ فِيهِ لَمَّا جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ أَيْ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ.
(وَقِيلَ:) فِي (كُلِّ السَّنَةِ) لِإِطْلَاقِ مَا تَقَدَّمَ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْنُتُ فِي وَتْرِ اللَّيْلِ وَعَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ قُنُوتَ الْوَتْرِ» .
(وَهُوَ كَقُنُوتِ الصُّبْحِ) فِي لَفْظِهِ وَمَحَلِّهِ وَالْجَهْرِ بِهِ وَاقْتِضَاءِ السُّجُودِ بِتَرْكِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهَا فِي الْمُحَرَّرِ وَفِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ.
(وَيَقُولُ قَبْلَهُ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَغْفِرُك إلَى آخِرِهِ) أَيْ: وَنَسْتَهْدِيك وَنُؤْمِنُ بِك وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك وَنُثْنِي عَلَيْك الْخَيْرَ كُلَّهُ نَشْكُرُك وَلَا نَكْفُرُك، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْك نَسْعَى وَنَحْفِدُ أَيْ نُسْرِعُ نَرْجُو رَحْمَتَك وَنَخْشَى عَذَابَك إنَّ عَذَابَك الْجِدَّ بِالْكَفَّارِ مُلْحَقٌ.
هَذَا مَا فِي الْمُحَرَّرِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِنَحْوِهِ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ
[حاشية قليوبي]
أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: صَلَاةُ اللَّيْلِ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَفِعْلَ بَعْضِهِ آخِرَ اللَّيْلِ وَلَوْ فُرَادَى أَفْضَلُ مِنْ كُلِّهِ أَوْ لَهُ وَلَوْ جَمَاعَةً.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُعِدْهُ) أَيْ لَمْ تَجُزْ إعَادَتُهُ فَيَبْطُلُ مِنْ الْعَالِمِ الْعَامِدِ، وَيَقَعُ لِغَيْرِهِ نَفْلًا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: «لَا وَتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» ) أَيْ أَدَاءً وَلَوْ بِرَكْعَةٍ، وَإِنْ كَانَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا خِلَافَ الْأَوْلَى عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَصَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ» ، وَحُمِلَ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَيَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ قَضَاءً.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يَشْفَعُهُ إلَخْ) .
قَالَ شَيْخُنَا: فَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ وَتْرًا إلَى النَّفْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا يُنَازَعُ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ يُعِيدُهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ يُعِيدُ صُورَتَهُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْوَتْرِ بِرَكْعَةٍ) أَوْرَدَهَا عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ آخِرُ رَكَعَاتِ وَتْرِهِ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى آخِرِ مَا يَقَعُ وَتْرًا لَشَمِلَهَا وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا جَمَعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - النَّاسَ) أَيْ جَمَعَ الرِّجَالَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ التَّرَاوِيحَ، وَجَمَعَ النِّسَاءَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ بِمُهْمَلَةٍ فَمُثَلَّثَةٍ سَاكِنَةٍ لِيُصَلِّيَ بِهِنَّ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَاقْتِضَاءُ السُّجُودِ) أَيْ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهِ، وَكَذَا بِفِعْلِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِعَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ بِهِ، كَمَا لَوْ قَنَتَ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَإِنْ طَالَ بِهِ الِاعْتِدَالُ كَمَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا، وَتَقَدَّمَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ بُطْلَانُ صَلَاتِهِ بِتَطْوِيلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْفِدُ) الْحَفْدُ: هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ آخِرُ الْإِسْرَاعِ، وَالْجِدُّ: بِكَسْرِ الْجِيمِ الْحَقُّ أَوْ الَّذِي لَا يَتَخَلَّفُ، وَالْمُلْحِقُ: بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا بِمَعْنَى اللَّاحِقِ بِهِمْ، أَوْ الَّذِي أَلْحَقَهُ اللَّهُ بِهِمْ.
قَوْلُهُ: (هَذَا مَا فِي الْمُحَرَّرِ) وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ زِيَادَةُ: اللَّهُمَّ عَذِّبْ الْكَفَرَةَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِك، وَيُكَذِّبُونَ رَسُولَك، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَك، وَيَدِينُونَ دِينًا غَيْرَ دِينِك، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ وَالْحِكْمَةَ، وَثَبِّتْهُمْ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَوْزِعْهُمْ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِك الَّذِي عَاهَدَتْهُمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّك وَعَدُوِّهِمْ إلَهَ الْحَقِّ فَاجْعَلْنَا مِنْهُمْ، انْتَهَى.
وَالْحِكْمَةُ الْمُرَادَةُ هُنَا مَا يَمْنَعُ مِنْ الْقَبِيحِ، وَأَصْلُهَا وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَحَلِّهِ.
وَمَعْنَى أَوْزِعْهُمْ: أَلْهِمْهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالْعَهْدِ الْقِيَامُ بِأَوَامِرِ
[حاشية عميرة]
بَعْدَ النَّوْمِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، قَالَ: وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنْ تَرْكِ النَّوْمِ فَهُوَ مِنْ بَابِ قَصْرِ الْعَامِ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ مِنْ الْأَضْدَادِ يُقَالُ: تَهَجَّدَ إذَا سَهِرَ وَتَهَجَّدَ إذَا نَامَ، انْتَهَى.
أَقُولُ: وَقَوْلُهُ: وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ ظَاهِرُهُ الرُّجُوعُ إلَى الْهُجُودِ وَيَأْبَاهُ قَوْلُهُ، فَهُوَ مِنْ بَابِ قَصْرِ الْعَامِ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَلَوْ جَعَلَ مَرْجِعَ الْإِشَارَةِ التَّهَجُّدَ لَاسْتَقَامَ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ) يُسَمَّى هَذَا نَقْضُ الْوَتْرِ.
قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْ نَقْضِ الْوَتْرِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْوَتْرِ بِرَكْعَةٍ) أَشَارَ بِهَذَا الصَّنِيعِ إلَى أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (رَوَى أَبُو دَاوُد إلَخْ) أَيْ وَحَيْثُ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَمْ يُخَالَفْ فَهُوَ إجْمَاعٌ.
قَوْلُهُ: (لِإِطْلَاقِ مَا تَقَدَّمَ إلَخْ) لِهَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: هَذَا الْوَجْهُ قَوِيٌّ.
وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ: إنَّهُ الْمُخْتَارُ.
أَقُولُ: وَقِصَّةُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَدْ يُقَالُ لَا تُخَصِّصُهُ لِأَنَّهَا مِنْ ذِكْرِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْعُمُومَ مِنْ لَفْظِ الرَّاوِي فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: لِإِطْلَاقِ مَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
قَوْلُهُ: (وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك) التَّوَكُّلُ هُوَ الِاعْتِمَادُ وَإِظْهَارُ الْعَجْزِ، وَقَوْلُهُ: نَحْفِدُ هُوَ مِنْ حَفَدَ وَأَحْفَدَ لُغَةٌ فِيهِ، وَالْجِدُّ مَعْنَاهُ الْحَقُّ قَالَ ابْنُ مَالِك: هُوَ
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. (قُلْت: الْأَصَحُّ) يَقُولُهُ (بَعْدَهُ) . قَالَ فِي الرَّوْضَةِ لِأَنَّ قُنُوتَ الصُّبْحِ ثَابِتٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْوَتْرِ أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَنُوتَيْنِ لِلْمُنْفَرِدِ وَلِإِمَامِ قَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَضُوا بِالتَّطْوِيلِ وَأَنَّ غَيْرَهُمَا يَقْتَصِرُ عَلَى قُنُوتِ الصُّبْحِ.
(وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تُنْدَبُ فِي الْوَتْرِ) الْمَأْتِيِّ بِهِ.
(عَقِبَ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) بِنَاءً عَلَى نَدْبِهَا فِي التَّرَاوِيحِ الَّذِي هُوَ الْأَصَحُّ الْآتِي.
وَقَوْلُهُ عَقِبَ وَجَمَاعَةً جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، فَلَا مَفْهُومَ لَهُ لِيُوَافِقَ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا إذَا اسْتَحْبَبْنَا الْجَمَاعَةَ فِي التَّرَاوِيحِ نَسْتَحِبُّهَا فِي الْوَتْرِ بَعْدَهَا فَإِنَّهُ يَصْدُقُ مَعَ فِعْلِهَا جَمَاعَةً وَفُرَادَى وَمَعَ كَوْنِ الْوَتْرِ عَقِبَهَا وَمُتَرَاخِيًا عَنْهَا وَلَوْ أَرَادَ تَهَجُّدًا بَعْدَ التَّرَاوِيحِ أَخَّرَ الْوَتْرَ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَالتَّنْبِيهِ، وَوَتْرُ غَيْرَ رَمَضَانَ لَا يُنْدَبُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ.
(وَمِنْهُ) أَيْ الْقِسْمُ الَّذِي لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً (الضُّحَى وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ وَأَكْثَرُهَا ثَنَتَا عَشْرَةَ) رَكْعَةً وَيُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثٍ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهَا قَرِيبٌ مِنْهُ.
وَالسُّبْحَةُ بِضَمِّ السِّينِ الصَّلَاةُ، وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنْ صَلَّيْت الضُّحَى عَشْرًا لَمْ يُكْتَبْ لَك ذَلِكَ الْيَوْمَ ذَنْبٌ، وَإِنْ صَلَّيْتهَا ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَك بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ فِي إسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَضَعَّفَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَالَ فِيهِ: أَكْثَرُهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، وَأَدْنَى الْكَمَالِ أَرْبَعٌ، وَأَفْضَلُ مِنْهُ سِتٌّ، ثُمَّ وَقْتُهَا فِيمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إلَى الِاسْتِوَاءِ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالتَّحْقِيقِ إلَى الزَّوَالِ.
وَفِي الرَّوْضَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَقْتُ الضُّحَى مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى ارْتِفَاعِهَا.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقْتُهَا الْمُخْتَارُ إذَا مَضَى رُبْعٌ
[حاشية قليوبي]
اللَّهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَلَا يُسَنُّ قِرَاءَةُ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَثَلًا لِكَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تُنْدَبُ فِي الْوَتْرِ) أَيْ وَلَوْ قَضَاءً كَالتَّرَاوِيحِ قَالَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا، وَفِيهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِنْ عَدَمِ طَلَبِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَقْضِيَّةِ مِنْ الْخَمْسِ فَهَذَا أَوْلَى فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَرَادَ إلَخْ) لَيْسَ قَيْدًا كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ وَلَوْ تَرَكَ التَّرَاوِيحَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (الضُّحَى) وَهِيَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ وَصَلَاةُ الْإِشْرَاقِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيّ وَشَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ، وَقِيلَ كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ: إنَّهَا صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ.
قَوْلُهُ: (رَكْعَتَانِ) وَقِرَاءَةُ سُورَتَيْ الْإِخْلَاصِ فِيهِمَا، أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ وَالشَّمْسِ وَالضُّحَى.
قَوْلُهُ: (وَأَكْثَرُهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً) هَذَا وَجْهٌ مَرْجُوحٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَفْضَلُ يُسَلِّمُ إلَخْ) فِيهِ إشْعَارٌ بِجَوَازِ جَمْعِ أَرْبَعٍ أَوْ سِتٍّ أَوْ ثَمَانٍ فِي إحْرَامٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَهُ التَّشَهُّدُ فِي كُلِّ شَفْعٍ، فَإِنْ تَشَهَّدَ فِي وَتْرٍ فَفِيهِ مَا فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: «وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَسْتَيْقِظُ آخِرَ اللَّيْلِ فَيَفُوتُ وَقْتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَضَعَّفَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) فَسَقَطَ كَوْنُهُ دَلِيلًا.
قَوْلُهُ: (وَأَكْثَرُهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ) فَضْلًا وَعَدَدًا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا فَكَمَا لَوْ زَادَ فِي الْوَتْرِ كَمَا مَرَّ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ الْأَقَلِّ عَلَى الْأَكْثَرِ كَمَا فِي الْقَصْرِ لِمَنْ بَلَغَ سَفَرُهُ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَكَوْنُهُ إلَى الزَّوَالِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ أَيْضًا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ: إلَى الِاسْتِوَاءِ وَهَذِهِ صَاحِبَةُ وَقْتٍ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا وَقْتُ الْكَرَاهَةِ.
قَوْلُهُ: (الْمُخْتَارُ) أَيْ الَّذِي يُخْتَارُ تَأْخِيرُهَا إلَيْهِ لَا عَنْهُ.
قَوْلُهُ: النَّهَارُ، انْتَهَى وَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ الْقَلَمِ لَفْظَةُ (بَعْضٍ) قَبْلَ أَصْحَابِنَا وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ حِكَايَةَ وَجْهٍ بِذَلِكَ كَالْأَصَحِّ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ
[حاشية عميرة]
بِالْفَتْحِ النَّسَبُ وَالْعَظَمَةُ وَالْحَظُّ، وَبِالْكَسْرِ: نَقِيضُ الْهَزْلِ، وَبِالضَّمِّ: الرَّجُلُ الْعَظِيمُ، انْتَهَى.
وَمُلْحِقٌ بِالْكَسْرِ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ.
قَوْلُهُ: (وَمُتَرَاخِيًا عَنْهَا) زَادَ بَعْضُهُمْ وَمَعَ تَرْكِ التَّرَاوِيحِ.
قَوْلُهُ: (وَتْرُ غَيْرِ رَمَضَانَ إلَخْ) هَذَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُ الْمَتْنِ السَّابِقِ، وَمِنْهُ الْوَتْرُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الضُّحَى) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهَا صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ الْمُشَارِ إلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص: 18] أَيْ يُصَلِّينَ وَلَكِنْ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهَا غَيْرُهَا وَأَنَّ صَلَاةَ الْإِشْرَاقِ رَكْعَتَانِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَ زَوَالِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَفْضَلُ مِنْهُ سِتٌّ) زَادَ الْإِسْنَوِيُّ نَقْلًا عَنْ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيَنْوِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ الضُّحَى، انْتَهَى.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ التَّسْلِيمَ الْمَذْكُورَ سُنَّةٌ، وَأَنَّ الْوَصْلَ جَائِزٌ، ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَنَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ صَرَّحَ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ