كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القليوبي
- الكتاب
- حاشيتا قليوبي وعميرة
- المؤلف
- أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة
- الناشر
- دار الفكر - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4
- الطبعة
- بدون طبعة، 1415هـ-1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]- بأعلى الصفحة: «شرح العلامة جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين للشيخ محيي الدين النووي»- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد البرلسي عميرة (957هـ.)
وَهِيَ الْمُشْتَدَّةُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ (خَمْرًا) (لَمْ يُحَدَّ) لِعُذْرِهِ (وَلَوْ قَرُبَ إسْلَامُهُ فَقَالَ جَهِلْت تَحْرِيمَهَا لَمْ يُحَدَّ) لِجَهْلِهِ (أَوْ) قَالَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِهَا (جَهِلْت الْحَدَّ حُدَّ) لِأَنَّ حَقَّهُ أَنْ يَمْتَنِعَ.
(وَيُحَدُّ بِدُرْدِيِّ خَمْرٍ) وَهُوَ مَا يَبْقَى فِي أَسْفَلِ إنَائِهَا ثَخِينًا (لَا بِخُبْزِ عُجِنَ دَقِيقُهُ بِهَا وَمَعْجُونٌ هِيَ فِيهِ) لِاسْتِهْلَاكِهَا (وَكَذَا حُقْنَةٌ وَسَعُوطٌ) بِفَتْحِ السِّينِ أَيْ لَا يُحَدُّ بِهِمَا (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْحَدَّ لِلزَّجْرِ وَلَا حَاجَةَ فِيهِمَا إلَى زَجْرٍ، وَالثَّانِي يُحَدُّ بِهِمَا لِلطَّرِبِ بِهِمَا كَالشُّرْبِ وَالثَّالِثُ يُحَدُّ فِي السَّعُوطِ دُونَ الْحُقْنَةِ (وَمَنْ غَصَّ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ (بِلُقْمَةٍ أَسَاغَهَا بِخَمْرٍ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا) وُجُوبًا وَلَا حَدَّ (وَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُهَا لِدَوَاءٍ وَعَطَشٍ) إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْهَا وَالثَّانِي جَوَازُهَا لِذَلِكَ وَالثَّالِثُ جَوَازُهَا لِلتَّدَاوِي دُونَ الْعَطَشِ وَالرَّابِعُ عَكْسُهُ وَالْجَوَازُ فِي التَّدَاوِي مَخْصُوصٌ بِالْقَلِيلِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ وَبِقَوْلِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ وَيَرْتَفِعُ الْجَوَازُ فِي الْعَطَشِ إلَى الْوُجُوبِ كَتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَعَلَى التَّحْرِيمِ وَقِيلَ يُحَدُّ وَقِيلَ لَا وَعَلَى الْجَوَازِ لَا حَدَّ.
(وَحَدُّ الْحُرِّ أَرْبَعُونَ وَرَقِيقٍ عِشْرُونَ) عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ (بِسَوْطٍ أَوْ أَيْدٍ أَوْ نِعَالٍ أَوْ أَطْرَافِ ثِيَابٍ وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ سَوْطٌ) لِاقْتِصَارِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنَّهُ أُتِيَ بِشَارِبٍ فَقَالَ اضْرِبُوهُ بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ وَفِيهِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَضْرِبُ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ» وَقُدِّرَ ذَلِكَ الضَّرْبُ لِلشَّارِبِ بِأَرْبَعِينَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَنْ سَأَلَ مَنْ حَضَرَهُ فَضَرَبَ أَرْبَعِينَ حَيَاتَهُ ثُمَّ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَهِيَ الْمُشْتَدَّةُ إلَخْ) هُوَ بَيَانٌ لِحَقِيقَةِ الْخَمْرَةِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْمُسْكِرُ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ، وَيُصَدَّقُ فِي جَهْلِهِ بِيَمِينِهِ.
نَعَمْ إنْ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ لَمْ يُصَدَّقْ وَيُحَدُّ
قَوْلُهُ: (إنَائِهَا) أَضَافَهُ نَظَرًا لِمَا الْكَلَامُ فِيهِ، وَإِلَّا فَالدُّرْدِيُّ اسْمٌ لِمَا يُرَسَّبُ فِي أَسْفَلِ إنَاءِ كُلِّ مَائِعٍ.
قَوْلُهُ: (ثَخِينًا) فَهِيَ خَمْرَةٌ مَعْقُودَةٌ وَحَدَّهُ بِهَا نَظَرًا لِأَصْلِهَا، كَمَا لَا يُحَدُّ بِالْحَشِيشِ وَالْبَنْجِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَوْ مُذَابَةً نَظَرًا لِأَصْلِهَا مَا لَمْ تَصِلْ إلَى الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ قَوْلُهُ: (لِاسْتِهْلَاكِهَا) رَاجِعٌ لِلْخُبْزِ وَالْمَعْجُونِ وَلَا يَتَقَيَّدُ الْحُكْمُ بِهِمَا أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ فَالْمَاءُ وَنَحْوُهُ كَالْعَسَلِ كَذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِاسْتِهْلَاكِهَا عَدَمُ ظُهُورِ عَيْنِهَا بِالرُّؤْيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يُحَدُّ إلَخْ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْحَدِّ، وَأَمَّا الْحُرْمَةُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ اتِّفَاقًا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي هَذَا وَكَذَا مَا قَبْلَهُ أَيْضًا إلَّا لِنَحْوِ تَدَاوٍ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فِي السَّعُوطِ) نَظَرًا لِكَوْنِهِ فِي الدِّمَاغِ فَلَا يُسَمَّى شُرْبًا.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ غَصَّ بِفَتْحِ الْغَيْنِ) أَيْ الْمُعْجَمَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَبَعْدَهَا صَادٌ مُهْمَلَةٌ ثَقِيلَةٌ بِمَعْنَى شَرِقَ.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا) مِمَّا يَقُومُ مَقَامَهَا وَلَوْ مِنْ بَوْلِ نَحْوِ كَلْبٍ فَهُوَ قَيْدٌ لِلْوُجُوبِ وَيَلْزَمُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ وَعَدَمُ الْحَدِّ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ بَلْ تَحْرُمُ وَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ.
قَوْلُهُ: (تَحْرِيمُهَا لِدَوَاءٍ) أَيْ وَهِيَ صِرْفَةٌ وَإِلَّا فَيَجُوزُ التَّدَاوِي بِمَا هِيَ فِيهِ كَصَرْفِ بَقِيَّةِ النَّجَاسَاتِ قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا) أَيْ بِمَا يُغْنِي عَنْهَا وَلَوْ مِنْ مُغَلَّطٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا قَيْدٌ لِلْخِلَافِ، فَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهَا حَرُمَتْ قَطْعًا وَلَكِنْ لَا حَدَّ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَالْجَوَازُ فِي التَّدَاوِي إلَخْ) هُوَ قَيْدٌ لِلْجَوَازِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ الْمَرْجُوحِ.
قَوْلُهُ: (وَيَرْتَفِعُ الْجَوَازُ فِي الْعَطَشِ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي وَالرَّابِعِ وَكَذَا عَلَى الْأَوَّلِ الرَّاجِحِ وَالثَّانِي لِأَنَّ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ لَا خِلَافَ فِي الْجَوَازِ فِيهَا، فَلَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ الْجَوَازِ مِنْ عِبَارَتِهِ لَكَانَ صَوَابًا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (إلَى الْوُجُوبِ) وَحِينَئِذٍ لَا حُرْمَةَ فِيهَا كَمَا مَرَّ وَمِثْلُ الْعَطَشِ غَيْرُهُ مِمَّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ لَا) أَيْ لَا يَجِدُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْجَوَازِ) أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ لَا حَدَّ بِلَا خِلَافٍ نَعَمْ يُحَدُّ حَنَفِيٌّ بِشُرْبِهِ مَا يَقُولُ بِجَوَازِهِ زَجْرًا لِمَيْلِ الطَّبْعِ إلَيْهَا لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ.
وَلِذَلِكَ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ.
فَرْعٌ: يَجُوزُ إزَالَةُ عَقْلٍ لِنَحْوِ قَطْعِ سِلْعَةٍ بِنَحْوِ بَنْجٍ لَا بِمُسْكِرٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ
قَوْلُهُ: (وَحَدُّ الْحُرِّ أَرْبَعُونَ) وَقَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ ثَمَانُونَ.
قَوْلُهُ: (وَرَقِيقٍ) وَلَوْ مُبَعَّضًا عِشْرُونَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ وَقِيَاسُ مَا ذُكِرَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ حَدَّهُ أَرْبَعُونَ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْحُرِّ وَعَدَمُ تَعْرِيفِهِ الْمُنَاسِبِ رِعَايَةً لِلِاخْتِصَارِ وَهُوَ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (لِاقْتِصَارِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى السَّوْطِ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ) أَيْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَضْرِبُ) أَيْ يَأْمُرُ بِالضَّرْبِ كَمَا مَرَّ فَالْأَحَادِيثُ كُلُّهَا بَيَانٌ لِمُطْلَقِ الضَّرْبِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ سَأَلَ) أَيْ أَبُو بَكْرٍ مَنْ حَضَرَهُ فِي مَجْلِسِهِ أَوْ مَنْ حَضَرَ الْجَلْدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَلَعَلَّ الْمَسْئُولَ أَجَابَ بِالْأَرْبَعِينَ أَخَذًا مِمَّا
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَرُبَ إسْلَامُهُ) يُسْتَثْنَى الْمُخَالِطُ لِلْعُلَمَاءِ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ بِمِصْرَ،
قَوْلُهُ: (إنَائِهَا) أَضَافَهُ لِقَوْلِ الْمَتْنِ دُرْدِيِّ خَمْرٍ وَإِلَّا فَالدُّرْدِيُّ مَا يُرَسَّبُ فِي أَسْفَلِ الْمَائِعِ مُطْلَقًا، قَوْلُهُ: (وَلَا حَاجَةَ) أَيْ لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَدْعُو إلَى ذَلِكَ، قَوْلُهُ: (وَالثُّلُثُ يُحَدُّ) كَمَا يَحْرُمُ فِي الرَّضَاعِ السَّعُوطُ دُونَ الْحُقْنَةِ، قَوْلُهُ: (بِفَتْحِ الْغَيْنِ) أَيْ وَفِيهِ الضَّمُّ أَيْضًا، قَوْلُهُ: (وَعَطَشٍ) بَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ جَوَازَ أَكْلِ النَّبَاتِ الْمُحَرَّمِ عِنْدَ الْجُوعِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَمِثْلُهُ بِالْحَشِيشِ قَالَ لِأَنَّهَا لَا تَزِيدُ الْجُوعَ وَفِيهِ نَظَرٌ يُعْرَفُ بِالنَّظَرِ فِي حَالِ أَصْلِهَا عِنْدَ أَكْلِهَا، قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي جَوَازُهَا لِذَلِكَ) كَغَيْرِهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُ بِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَهَا سَلَبَ نَفْعَهَا وَبِأَنَّ شُرْبَهَا يُثِيرُ الْعَطَشَ بَعْدَ ذَلِكَ،
[حَدُّ الْحُرِّ أَرْبَعُونَ وَرَقِيقٍ عِشْرُونَ فِي الشُّرْب]
قَوْلُهُ: (أَرْبَعُونَ) أَيْ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ حَيْثُ قَالُوا إنَّهُ ثَمَانُونَ، قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ سَوْطٌ) فَلَا يَجْزِي الْأَيْدِي وَالنِّعَالُ وَمُرَادُهُ بِالسَّوْطِ مَا يَشْمَلُ الْعَصَا لَا خُصُوصَ الْمُتَّخَذِ
عُمَرُ أَرْبَعِينَ إلَى أَنْ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الشُّرْبِ فَاسْتَشَارَ فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّهُ إذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى (وَلَوْ رَأَى الْإِمَامُ بُلُوغَهُ ثَمَانِينَ جَازَ فِي الْأَصَحِّ) كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ يَجْلِدُ فِي خِلَافَتِهِ أَرْبَعِينَ (وَالزِّيَادَةُ) عَلَيْهَا (تَعْزِيرَاتٌ وَقِيلَ حَدٌّ) بِالرَّأْيِ.
(وَيُحَدُّ بِإِقْرَارِهِ أَوْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ لَا بِرِيحِ خَمْرٍ وَسُكْرٍ وَقَيْءٍ) لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ غَالِطًا أَوْ مُكْرَهًا (وَيَكْفِي فِي إقْرَارٍ وَشَهَادَةٍ شَرِبَ خَمْرًا وَقِيلَ يُشْتَرَطُ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ مُخْتَارٌ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِهِ أَوْ مُكْرَهًا عَلَيْهِ وَدُفِعَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْجَهْلِ وَالْإِكْرَاهِ
(وَلَا يُحَدُّ حَالَ سُكْرِهِ) بَلْ يُؤَخَّرُ إلَى أَنْ يُفِيقَ لِيَرْتَدِعَ (وَسَوْطُ الْحُدُودِ) فِي الشُّرْبِ وَالزِّنَى وَالْقَذْفِ (بَيْنَ قَضِيبٍ وَعَصًا وَرَطْبٍ وَيَابِسٍ) لِلِاتِّبَاعِ (وَيُفَرِّقُهُ) أَيْ السَّوْطَ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ (عَلَى الْأَعْضَاءِ) وَلَا يَجْمَعُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ (إلَّا الْمُقَاتِلُ) كَثُغْرَةِ النَّحْرِ وَالْفَرْجِ وَنَحْوِهِمَا (وَالْوَجْهُ قِيلَ وَالرَّأْسُ) لِشَرَفِهِ كَالْوَجْهِ وَالْأَصَحُّ لَا وَالْفَرْقُ أَنَّهُ مُغَطًّى غَالِبًا فَلَا يُخَافُ
[حاشية قليوبي]
بَعْدَهُ، أَيْ أَجَابَهُ بِذَلِكَ اجْتِهَادًا وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الْحَاضِرُونَ فَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقِيلَ أَجَابَهُ بِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ أَرْبَعِينَ» وَعَلَى هَذَا فَلَعَلَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ حِينَ سَأَلَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْوَجْهُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لَمْ تَثْبُتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مُسْلِمٍ وَلَا مَا سَيَأْتِي عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الشَّارِحِ وَقَدْرُ ذَلِكَ إلَخْ.
إذْ لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ عَدَمُ بُلُوغِهَا لِلْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَلِمَنْ حَضَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ أَبَا بَكْرٍ حِينَ سُؤَالِهِ عَنْ ذَلِكَ مِنْ أَبْعَدِ الْبَعِيدِ، وَلَمَا اسْتَشَارَ الْإِمَامُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ حَضَرَهُ فِي كَمْ يَضْرِبُ، وَلَمَا وَسِعَهُ الِاجْتِهَادُ بِمُخَالَفَتِهَا بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا، وَلَمَا وَسِعَ الْإِمَامَ عَلِيًّا أَنْ يَقُولَ كُلٌّ سُنَّةٌ فَتَأَمَّلْ وَافْهَمْ وَرَاجِعْ، وَالْحَقُّ أَحَقُّ مِنْ الْمِرَاءِ.
قَوْلُهُ: (تَتَابَعَ النَّاسُ) أَيْ كَثُرَ مِنْهُمْ الشُّرْبُ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَشَارَ) أَيْ عُمَرُ كَمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ أَيْ شَاوَرَ مَنْ حَوْلَهُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ إلَى الثَّمَانِينَ فَقِيلَ لَمْ يُشِيرُوا عَلَيْهِ فَفَعَلَهَا بِاجْتِهَادٍ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا سَيَأْتِي وَقِيلَ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِهَا فَوَافَقَهُمْ وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَلَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَيْ الْأَرْبَعُونَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ تَبَعًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ: (قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَخْ) هُوَ بَيَانٌ لِمُسْتَنَدِ الْإِمَامِ عُمَرَ فِي ضَرْبِهِ ثَمَانِينَ لَا أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ.
قَوْلُهُ: (هَذَى) مِنْ الْهَذَيَانِ وَهُوَ التَّكَلُّمُ بِغَيْرِ رَوِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (افْتَرَى) أَيْ قَذَفَ وَحَدُّ الْقَذْفِ ثَمَانُونَ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) بِاجْتِهَادِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ الصَّحَابَةِ مُوَافِقَتُهُ عَلَيْهِ، فَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ مَدْخُولَةٌ، فَلِذَلِكَ رَجَعَ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (وَالزِّيَادَةُ إلَخْ) هُوَ جَوَابٌ عَنْ الْوَاقِعِ مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِاجْتِهَادِهِ أَوْ مَعَ مُوَافَقَةِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ أَوْ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ بِخِلَافِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ كَمَا قِيلَ فِيمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْهَا) أَيْ الْأَرْبَعِينَ إلَى الثَّمَانِينَ فَقَطْ وَلَا يَجُوزُ بَعْدَهَا لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِ الزِّيَادَةِ عَنْهَا.
قَوْلُهُ: (تَعْزِيرَاتٌ) أَيْ أَكْثَرُ مِنْ تَعْزِيرٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ فَلِذَلِكَ بَلَغَتْ قَدْرَ الْحَدِّ وَامْتَنَعَتْ الزِّيَادَةُ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ حَدٌّ بِالرَّأْيِ) أَيْ وَقِيلَ الزِّيَادَةُ حَدٌّ بِرَأْيِ الْإِمَامِ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْحَدِّ لَا بِالنَّصِّ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الِاتِّفَاقِ عَلَى ثُبُوتِهِ كَمَا مَرَّ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِبَقِيَّةِ الْحُدُودِ لِجَوَازِ تَرْكِ بَعْضِهِ وَعَدَمِ تَحَقُّقِ مُقْتَضِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُحَدُّ بِإِقْرَارِهِ) أَيْ الْحَقِيقِيِّ وَمِثْلُهُ عِلْمُ السَّيِّدِ فِي عَبْدِهِ لَا غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُحَدُّ حَالَ سُكْرِهِ) فَيَحْرُمُ وَلَكِنْ يُجْزِئُ وَلَوْ وَقَعَ مَا لَمْ يَصِرْ مُلْقًى كَالْخَشَبَةِ، وَيُكْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَحْرُمُ إنْ لَوَّثَهُ بِنَجِسٍ.
قَوْلُهُ: (وَسَوْطُ) وَهُوَ فِي الْأَصْلِ سُيُورٌ تُلَفُّ وَتُلَوَّى سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُسَوِّطُ الْجِلْدَ أَيْ يَشُقُّهُ وَكَوْنُ السَّوْطِ بَيْنَ مَا ذُكِرَ وَاجِبٌ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَقِيلَ مَنْدُوبٌ.
قَوْلُهُ: (الْحُدُودِ) لَوْ قَالَ الْعُقُوبَةِ كَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ التَّعْزِيرَ.
قَوْلُهُ: (فِي الشُّرْبِ وَالزِّنَى وَالْقَذْفِ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يُوجَدُ تَعَيُّنُ الْجَلْدِ فِي غَيْرِهَا، فَالْمُرَادُ بِالزِّنَى فِي الْبِكْرِ.
قَوْلُهُ: (قَضِيبٌ) هُوَ عَصًا رَقِيقٌ جِدًّا.
قَوْلُهُ: (وَيُفَرِّقُهُ) وُجُوبًا قَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ) لَا مِنْ حَيْثُ الزَّمَانِ أَوْ الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ قَوْلُهُ: (إلَّا الْمُقَاتِلُ) فَيَحْرُمُ وَلَا ضَمَانَ لَوْ مَاتَ قَوْلُهُ: (وَالْوَجْهُ) فَيَحْرُمُ قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ لَا) قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِغَيْرِ نَحْوِ مَلْحُوقٍ، وَأَقْرَعَ وَإِلَّا فَيُجْتَنَبُ قَطْعًا، وَمَتَى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَحَلٍّ لَمْ يُعِدْ عَلَيْهِ الضَّرْبَ، وَلَا يُلْطَمُ وَجْهُهُ فَيَحْرُمُ إنْ تَأَذَّى بِهِ وَيُجْلَدُ الرَّجُلُ قَائِمًا نَدْبًا وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً كَذَلِكَ، وَيُلَفُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا وُجُوبًا وَيَلُفُّهَا نَحْوُ امْرَأَةٍ وَمَحْرَمٍ وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ، وَلَا يُلَفُّ ثِيَابُهُ إلَّا مَحْرَمٌ.
[حاشية عميرة]
مِنْ سُيُورٍ، فَفِي الْحَدِيثِ «أُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ فَقَالَ فَوْقَ هَذَا فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ، فَقَالَ بَيْنَ هَذَيْنِ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِّبَ بِهِ وَلَانَ فَأَمَرَ بِهِ وَجُلِدَ» ، قَوْلُهُ: (لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ) لَك أَنْ تَقُولَ إنْ كَانَ الَّذِي صَدَرَ مِنْ عُمَرَ إجْمَاعًا فَكَيْفَ سَاغَ لِعَلِيٍّ الْمُخَالَفَةُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ إجْمَاعٍ فَكَيْفَ احْتَجَّ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ لَا عَلَى تَعَيُّنِهَا لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهَا تَعْزِيرَاتٌ، قَوْلُهُ: (تَعْزِيرَاتٌ) أَيْ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَدًّا مَا جَازَ تَرْكُهَا، وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ التَّعْزِيرَ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ وَأَيْضًا لَوْ كَانَ تَعْزِيرًا لَمَا جَازَ بُلُوغُهُ أَرْبَعِينَ وَرُدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ تَعْزِيرَاتٌ وَاعْتَرَضَ الرَّافِعِيُّ، بِأَنَّ الْجِنَايَةَ الْمُتَوَلِّدَةَ مِنْهُ لَا تَنْحَصِرُ فَجَائِزٌ مُجَاوَزَةَ الثَّمَانِينَ،
قَوْلُهُ: (وَيُحَدُّ بِإِقْرَارِهِ) أَيْ الْحَقِيقِيِّ،
[الْحَدّ حَال السُّكْر]
قَوْلُهُ: (قَضِيبٌ) وَهُوَ الْغُصْنُ أَيْ فَيَكُونُ ضَعِيفًا.
تَشْوِيهُهُ بِالضَّرْبِ بِخِلَافِ الْوَجْهِ (وَلَا تُشَدُّ يَدُهُ) بَلْ تُتْرَكُ يَدَاهُ مُطْلَقَتَيْنِ حَتَّى يَتَّقِيَ بِهِمَا (وَلَا تُجَرَّدُ ثِيَابُهُ) بَلْ يُتْرَكُ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أَوْ قَمِيصَانِ دُونَ جُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ أَوْ فَرْوَةٍ (وَيُوَالِي الضَّرْبَ) عَلَيْهِ (بِحَيْثُ يَحْصُلُ زَجْرٌ وَتَنْكِيلٌ) فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضْرِبَ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَوْطًا أَوْ سَوْطَيْنِ.
.
فَصْلٌ فِي التَّعْزِيرِ (يُعَزَّرُ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ لَهَا وَلَا كَفَّارَةَ) كَمُبَاشَرَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَسَرِقَةِ مَا دُونَ النِّصَابِ وَالسَّبِّ بِمَا لَيْسَ بِقَذْفٍ وَالتَّزْوِيرِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَالضَّرْبِ بِغَيْرِ حَقٍّ (بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ صَفْعٍ أَوْ تَوْبِيخٍ) بِالْكَلَامِ (وَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ وَقِيلَ إنْ تَعَلَّقَ بِآدَمِيٍّ لَمْ يَكْفِ تَوْبِيخٌ) فِيهِ بِخِلَافِ الْمُتَعَلِّقِ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحَبْسِ وَغَيْرِهِ وَلَهُ فِي الْمُتَعَلِّقِ بِحَقِّ اللَّهِ خَاصَّةً الْعَفْوُ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ (فَإِنْ جَلَدَ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَلَا تُشَدُّ يَدُهُ) أَيْ الْمَحْدُودِ وَلَوْ أُنْثَى وَالْيَدُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَشْمَلُ الْيَدَيْنِ مَعًا فَيَحْرُمُ شَدُّهُمَا عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَيُكْرَهُ فَقَطْ عِنْدَ الْخَطِيبِ وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِمَا مَرَّ مِنْ تَمَكُّنِهِ مِنْ وَضْعِ يَدِهِ عَلَى مَا يُؤْلِمُهُ، وَلَا يَتَوَلَّى الْجَلْدَ إلَّا الرِّجَالُ وَلَوْ مِنْ أُنْثَى وَخُنْثَى، وَيَجْلِدُ ذُو الْهَيْئَةِ فِي مَحَلٍّ خَالٍ وَاسْتَحْسَنَ الْمَاوَرْدِيُّ مَا أَحْدَثَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ جَلْدِ الْمَرْأَةِ فِي نَحْوِ غِرَارَةٍ لِأَنَّهَا أَسْتَرُهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُجَرَّدُ) فَيُكْرَهُ قَوْلُهُ: (دُونَ نَحْوِ جُبَّةٍ) فَيَجِبُ نَزْعُهَا.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَجُوزُ) أَيْ عَدَمُ تَوَالِيهِ فَيَحْرُمُ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، نَعَمْ إنْ بَقِيَ أَلَمُ الْأَوَّلِ عِنْدَ الضَّرْبِ الثَّانِي كَفَى قَالَهُ الْإِمَامُ وَرَجَّحُوهُ.
فَصْلٌ فِي التَّعْزِيرِ مِنْ الْعَزْرِ وَهُوَ مُفْرَدُ التَّعَازِيرِ كَمَا مَرَّ، وَيُطْلَقُ لُغَةً عَلَى التَّعْظِيمِ وَالتَّفْخِيمِ وَالتَّأْدِيبِ وَالْإِجْلَالِ وَالرَّدِّ وَالْمَنْعِ وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، وَدُونَ الْحَدِّ وَشَرْعًا تَأْدِيبٌ عَلَى ذَنْبٍ لَا حَدَّ فِيهِ، وَلَا كَفَّارَةَ غَالِبًا وَهُوَ لِلَّهِ وَلِآدَمِيٍّ، وَلَا يَسْتَوْفِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآدَمِيِّ إلَّا بَعْدَ طَلَبِ ذَلِكَ الْآدَمِيِّ كَمَا فِي حَدِّ السَّرِقَةِ وَغَيْرِهِ وَيَلْزَمُ الْإِمَامَ إجَابَتُهُ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ إلَخْ) هَذَا الضَّابِطُ لِلْغَالِبِ فَقَدْ يُشْرَعُ التَّعْزِيرُ وَلَا مَعْصِيَةَ كَتَأْدِيبِ طِفْلٍ وَكَافِرٍ، وَكَمَنْ يَكْتَسِبُ بِآلَةِ لَهْوٍ لَا مَعْصِيَةٍ فِيهَا وَقَدْ يَنْتَفِي مَعَ انْتِفَاءِ الْحَدِّ وَالْكَفَّارَةِ كَقَطْعِ شَخْصٍ أَطْرَافَ نَفْسِهِ، وَكَصَغِيرَةٍ صَدَرَتْ مِنْ ذِي هَيْئَةٍ قَبْلَ نَهْيِ الْحَاكِمِ لَهُ، وَإِنْ تَكَرَّرَتْ وَمِثْلُهُ وَطْءُ حَلِيلَتِهِ فِي دُبُرِهَا إذَا تَكَرَّرَ وَتَكْلِيفُ الْمَالِكِ مَمْلُوكَهُ مَا لَا يُطِيقُ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ الْحَدِّ كَمَا فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الرِّدَّةُ لِأَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الرِّدَّةِ رِدَّةٌ، وَيُعَزَّرُ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَقَدْ تَجْتَمِعُ مَعَ الْكَفَّارَةِ كَمَا فِي الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَإِفْسَادُ صَوْمِهِ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانِ بِجِمَاعٍ مِنْهُ لِحَلِيلَتِهِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ الثَّلَاثَةُ نَحْوُ مَنْ زَنَى بِأُمِّهِ فِي رَمَضَانَ زَادَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهُوَ صَائِمٌ مُعْتَكِفٌ مُحْرِمٌ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ قَالَ فَيَلْزَمُهُ الْعِتْقُ وَالْفِدْيَةُ، وَيُحَدُّ لِلزِّنَى وَيُعَزَّرُ لِقَطْعِ رَحِمِهِ وَانْتِهَاكِ الْكَعْبَةِ.
فَرْعٌ: يُعَزَّرُ مَنْ وَافَقَ الْكُفَّارَ فِي أَعْيَادِهِمْ وَمَنْ يُمْسِكُ الْحَيَّاتِ، وَمَنْ يَدْخُلُ النَّارَ، وَمَنْ يَقُولُ لِذِمِّيٍّ يَا حَاجُّ، وَمَنْ سَمَّى زَائِرَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ حَاجًّا.
قَوْلُهُ: (كَمُبَاشَرَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ) مِنْ رَجُلٍ بِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُهُ الْأَوَّلُ وَالْمُرَادُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ غَيْرُ حَلِيلَتِهِ، وَلَوْ مَحْرَمًا لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّزْوِيرُ) هُوَ مُحَاكَاةُ خَطِّ الْغَيْرِ.
قَوْلُهُ: (بِحَبْسٍ) وَلَهُ إدَامَةُ حَبْسِ مَنْ يَكْثُرُ أَذَاهُ لِلنَّاسِ، وَلَا يَكْفِهِ التَّعْزِيرُ حَتَّى يَمُوتَ، قَوْلُهُ: (صَفْعٍ) هُوَ الضَّرْبُ بِجَمْعِ الْكَفِّ أَوْ بِبَطْنِهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَوْبِيخٍ بِالْكَلَامِ) وَبِالْقِيَامِ مِنْ مَجْلِسٍ وَخَلْعِ مَلْبُوسٍ، وَيَجُوزُ بِإِرْكَابِ دَابَّةٍ نَحْوِ حِمَارٍ مَقْلُوبًا وَدَوَرَانِهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَبِكَشْفِ رَأْسٍ وَحَلْقِ رَأْسٍ لِمَنْ يَكْرَهُهُ، وَيُصْلَبُ دُونَ ثَلَاثٍ وَتَغْرِيبٍ دُونَ عَامٍ فِي الْحُرِّ، وَدُونَ نِصْفِهِ فِي الرَّقِيقِ وَلَا يَجُوزُ مَنْعُ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ حَلْقِ لِحْيَةٍ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّهُ يُكْرَهُ حَلْقُهَا لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَحَلْقُ رَأْسِ الْمَرْأَةِ كَاللِّحْيَةِ، وَلَوْ عُزِّرَ بِهِ فِيهِمَا كَفَى وَمَنَعَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ تَبَعًا لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ الضَّرْبَ بِالدُّرَّةِ الْمَعْرُوفَةِ الْآنَ لِذَوِي الْهَيْئَاتِ لِأَنَّهُ صَارَ عَارًا فِي ذُرِّيَّتِهِمْ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ) وَكَذَا غَيْرُهُ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ التَّعْزِيرُ مِنْ نَحْوِ كَافِلِ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ وَسَيِّدٍ فِي رَقِيقِهِ وَمُعَلِّمٍ لِمُتَعَلِّمٍ مِنْهُ لَكِنْ بِإِذْنِ وَلِيٍّ مَحْجُورٍ وَزَوْجٍ لِحَقِّ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ إلَخْ) هُوَ دَفْعٌ لِمَا تُوُهِّمَ مِنْ أَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الْأَشْيَاءِ، فَيُفِيدُ أَنَّهَا لِلْإِبَاحَةِ فَلَهُ جَمْعُ نَوْعَيْنِ، فَأَكْثَرَ وَتَجِبُ مُرَاعَاةُ الْأَخَفِّ، فَالْأَخَفُّ كَالصِّيَالِ قَوْلُهُ: (وَلَهُ فِي الْمُتَعَلِّقِ بِحَقِّ اللَّهِ خَاصَّةً الْعَفْوُ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ) بِخِلَافِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْآدَمِيِّ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَإِنْ جُلِدَ) وَغَيْرُ الْجَلْدِ مِثْلُهُ كَمَا مَرَّ، قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَفَا مُسْتَحِقُّ حَدٍّ عَنْهُ فَلَا تَعْزِيرَ) وَلَا تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِي تَرْكِ الْحُدُودِ إنْ بَلَغَتْ الْإِمَامَ
[حاشية عميرة]
[فَصْلٌ فِي التَّعْزِيرِ]
فَصْلٌ يُعَزَّرُ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ إلَخْ وَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنْهَا كَالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْقُصَ الضَّرْبُ حِينَئِذٍ عَنْ أَدْنَى الْحُدُودِ نُقْصَانًا لَا يَبْلُغُ مَعَ الَّذِي ضُمَّ إلَيْهِ مِنْ أَلَمِ الْحَبْسِ، مَثَلًا أَدْنَى الْحُدُودِ ثُمَّ مِنْ الْأَنْوَاعِ الَّتِي يُعَزَّرُ بِهَا النَّفْيُ أَيْضًا، وَلَا يَجُوزُ حَلْقُ لِحْيَتِهِ وَفِي تَسْوِيدِ وَجْهٍ وَجْهَانِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْجَوَازِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْجَدِيدِ بِأَخْذِ الْمَالِ.
وَجَبَ أَنْ يَنْقُصَ فِي عَبْدٍ عَنْ عِشْرِينَ جَلْدَةً وَ) فِي (حُرٍّ عَنْ أَرْبَعِينَ) جَلْدَةً أَدْنَى حُدُودِهِمَا، (وَقَبْلَ عِشْرِينَ) أَدْنَى الْحُدُودِ عَلَى الْإِطْلَاقِ (وَيَسْتَوِي فِي هَذَا جَمِيعُ الْمَعَاصِي) السَّابِقَةِ (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي لَا بَلْ يُعْتَبَرُ كُلُّ مَعْصِيَةٍ مِنْهَا بِمَا يُنَاسِبُهَا مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ فَتَعْزِيرُ مُقَدِّمَاتِ الزِّنَى، أَوْ الْوَطْءِ الْحَرَامِ الَّذِي لَا يُوجِبُ الْحَدَّ يَنْقُصُ عَنْ حَدِّ الزِّنَى لَا عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ وَالشُّرْبِ، وَتَعْزِيرُ السَّبِّ بِمَا لَيْسَ بِقَذْفٍ يَنْقُصُ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ لَا عَنْ حَدِّ الشُّرْبِ، وَتَعْزِيرُ سَرِقَةِ مَا دُونَ النِّصَابِ يُعْتَبَرُ بِأَغْلَبِ حُدُودِ الْجَلْدِ وَهُوَ مِائَةُ جَلْدَةٍ لِأَنَّ الْقَطْعَ أَبْلَغُ مِنْهَا.
(وَلَوْ عَفَا مُسْتَحِقُّ حَدٍّ) عَنْهُ كَحَدِّ الْقَذْفِ (فَلَا تَعْزِيرَ لِلْإِمَامِ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي لَهُ التَّعْزِيرُ لِحَقِّ اللَّهِ.
(أَوْ) مُسْتَحِقُّ (تَعْزِيرٍ فَلَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ التَّعْزِيرُ (فِي الْأَصَحِّ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَصَحَّيْنِ أَنَّ الْحَدَّ مُقَدَّرٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ الْإِمَامِ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْعُدُولِ إلَى غَيْرِهِ، بَعْدَ سُقُوطِهِ وَالتَّعْزِيرُ يَتَعَلَّقُ أَصْلُهُ بِنَظَرِ الْإِمَامِ فَجَازَ أَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِيهِ إسْقَاطُ غَيْرِهِ.
كِتَابُ الصِّيَالِ وَضَمَانُ الْوُلَاةِ (لَهُ) أَيْ الشَّخْصِ (دَفْعُ كُلِّ صَائِلٍ) مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ (عَلَى نَفْسٍ أَوْ طَرْفٍ أَوْ بُضْعٍ أَوْ مَالٍ) وَإِنْ قَلَّ إذَا كَانَتْ الْمَذْكُورَاتُ مَعْصُومَةً، (فَإِنْ قَتَلَهُ فَلَا ضَمَانَ) فِيهِ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ وَلَا قِيمَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ، (وَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ مَالٍ) لَا رُوحَ فِيهِ (وَيَجِبُ عَنْ بُضْعٍ) قَالَ الْبَغَوِيّ: بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، (وَكَذَا نَفْسٌ قَصَدَهَا كَافِرٌ أَوْ بَهِيمَةٌ) أَيْ يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهَا (لَا مُسْلِمٌ فِي الْأَظْهَرِ) فَيَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ.
[حاشية قليوبي]
أَوْ كَانَ الْمَحْدُودُ صَاحِبَ شَرٍّ، وَإِلَّا جَازَتْ وَتَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِي التَّعْزِيرِ مُطْلَقًا إلَّا لِذِي شَرٍّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ إلَخْ) أَيْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَزِّرَ مَنْ لَزِمَهُ التَّعْزِيرُ بَعْدَ عَفْوِ مُسْتَحِقِّهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِصْلَاحِ وَقَدْ فَرَّقَ الشَّارِحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِّ.
كِتَابُ الصِّيَالِ وَضَمَانُ الْوُلَاةِ وَكَذَا ضَمَانُ غَيْرِهِمْ، وَحُكْمُ الْخَتْنِ وَسُكُوتُهُ عَنْهُمَا غَيْرُ مَعِيبٍ، وَالصِّيَالُ لُغَةً الِاسْتِطَالَةُ وَالْوُثُوبُ وَشَرْعًا اسْتِطَالَةٌ مَخْصُوصَةٌ.
قَوْلُهُ: (لَهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْوُلَاةِ وَإِلَّا وَجَبَ الدَّفْعُ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ عَنْ الْمَالِ وَفِي غَيْرِ الصِّيَالِ وَلَهُمْ وَكَذَا لِغَيْرِهِمْ، عِنْدَ الْأَمْنِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ الْهَجْمُ عَلَى فَاعِلِ الْمَعْصِيَةِ كَشُرْبِ خَمْرٍ فِي بَيْتِهِ، كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَتَفْسِيرُ الضَّمِيرِ بِالشَّخْصِ يَشْمَلُ دَفْعَ ذِمِّيٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ مُسْلِمٍ صَالَ عَلَى كَافِرٍ، وَلَوْ حَرْبِيًّا أَوْ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَوْ غَيْرَ مَعْصُومٍ، أَوْ عَلَى بُضْعٍ أَوْ مَالٍ وَلَوْ لِحَرْبِيَّةٍ أَوْ حَرْبِيٍّ، قَالَ شَيْخُنَا: وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمَعْصُومِ نَحْوُ الْقَتْلِ عَلَى مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (مُسْلِمٍ إلَخْ) سَوَاءٌ الذَّكَرُ أَوْ الْأُنْثَى وَلَوْ آدَمِيَّةً حَامِلًا وَالْأَصْلُ وَالْفَرْعُ نَعَمْ لَا يَدْفَعُ مُضْطَرٌّ، وَلَا مُكْرَهٌ عَلَى إتْلَافِ مَالِ غَيْرِهِ، وَقَيَّدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِمَا إذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ بِالْقَتْلِ، أَوْ الْقَطْعِ فَإِنْ كَانَ بِإِتْلَافِ مَالٍ لَهُ جَازَ لِلْمَالِكِ دَفْعُهُ، وَلِكُلٍّ مِنْ الْمُكْرَهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمَصُولِ عَلَيْهِ دَفْعُ الْمُكْرِهِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَلَا ضَمَانَ وَإِنْ ظَهَرَ الْإِكْرَاهُ بَعْدَ الْقَتْلِ مَثَلًا.
تَنْبِيهٌ: لَا يَخْفَى أَنَّ الِاخْتِصَاصَ كَالْمَالِ فِيمَا ذَكَرَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى نَفْسٍ) وَلَوْ مَمْلُوكَةً لِلصَّائِلِ وَكَذَا مَا بَعْدَهَا وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا، فَمَنْ رَأَى شَخْصًا يُحْرِقُ مَالَهُ نَفْسَهُ جَازَ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ أَوْ رَآهُ يُرِيدُ قَتْلَ مَمْلُوكِهِ، أَوْ رَآهُ يَزْنِي بِمَمْلُوكِهِ وَجَبَ دَفْعُهُ عَنْهُ، قَوْلُهُ: (أَوْ بُضْعٍ) وَكَذَا مُقَدِّمَاتُهُ قَوْلُهُ: (إذَا كَانَتْ إلَخْ) هُوَ قَيْدٌ لِوُجُوبِ الدَّفْعِ وَعَدَمِ الضَّمَانِ وَيَجُوزُ الدَّفْعُ عَنْ غَيْرِ الْمَعْصُومِ، إلَّا بِنَحْوِ قَطْعٍ أَوْ تَلَفِ مَنْفَعَةِ عُضْوٍ.
نَعَمْ قَالَ شَيْخُنَا: يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ بُضْعِ الْحَرْبِيَّةِ، وَلَوْ بِالْقَتْلِ قَالَ: وَدَخَلَ فِي الْمَعْصُومِ الْكَلْبُ الْمُحْتَرَمُ فَيَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ الصَّائِلُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا مَعْصُومًا وَأَدَّى إلَى قَتْلِهِ وَنَقَلَ عَنْ الْخَادِمِ مَا يُخَالِفُهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَتَلَهُ) أَيْ قَتَلَ الدَّافِعُ الصَّائِلَ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَعَكْسُهُ بِأَنْ قَتَلَ الصَّائِلُ الدَّافِعَ فَيَضْمَنُهُ، وَلَوْ بِالْقَوَدِ وَإِنْ لَمْ نُوجِبْ الدَّفْعَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا ضَمَانَ) وَفَارَقَ قَلِيلُ الْمَالِ هُنَا مَا فِي السَّرِقَةِ لِوُجُودِ الْمُبِيحِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ) أَيْ عَلَى غَيْرِ الْوُلَاةِ كَمَا مَرَّ، قَوْلُهُ: (الدَّفْعُ عَنْ مَالٍ) إلَّا لِمُقْتَصِّ كَوَلِيٍّ فِي مَالِ مَحْجُورِهِ وَوَدِيعٍ وَكَمَالٍ مَرْهُونٍ، وَلَوْ عَلَى غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ، وَكَمَا لَوْ لَزِمَ عَلَى عَدَمِ الدَّفْعِ نَقْصُ جَاهٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ خَسَارَةٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ وُجُوبَ الدَّفْعِ عَنْ الْمَالِ مُطْلَقًا، كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ وَالِاخْتِصَاصُ كَالْمَالِ، وَيُشْتَرَطُ الْأَمْنُ كَمَا يَأْتِي فِي نَحْوِ النَّفْسِ، قَوْلُهُ: (وَكَذَا نَفْسٌ) كُلًّا أَوْ بَعْضًا أَوْ مَنْفَعَةً وَلَوْ لِذِمِّيٍّ.
قَوْلُهُ: (كَافِرٌ) وَمِثْلُهُ مُسْلِمٌ غَيْرُ مَعْصُومٍ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَهِيمَةٌ) أَيْ صَائِلَةٌ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ فَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (وَفِي حُرٍّ عَنْ أَرْبَعِينَ) لَا يُرَدُّ عَلَى هَذَا مَا سَلَفَ مِنْ بُلُوغِ حَدِّ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ لِأَنَّهَا تَعْزِيرَاتٌ لَا تَعْزِيرٌ وَاحِدٌ.
[كِتَابُ الصِّيَالِ وَضَمَانُ الْوُلَاةِ لَهُ]
كِتَابُ الصِّيَالِ قَوْلُهُ: (كُلِّ صَائِلٍ) دَخَّلَ الْمَرْأَةَ الْحَامِلَ وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ تَخْرِيجَهَا عَلَى تَتَرُّسِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِينَ وَكَذَا يَأْتِي مِثْلُ هَذَا فِي دَفْعِ الْهِرَّةِ الْحَامِلِ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يَحْرُمُ ذَبْحُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ الْحَامِلِ بِغَيْرِ مَأْكُولٍ قَوْلُهُ: (فَلَا ضَمَانَ) أَيْ جَوَازُ الْقَتْلِ يُنَافِي ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ أَبْطَلَ حُرْمَةَ دَمِهِ بِصِيَالِهِ، قَوْلُهُ: (وَكَذَا نَفْسٌ) بَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ اسْتِثْنَاءَ النَّفْسِ الْكَافِرَةِ فَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهَا لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْمُوجِبِ هُنَا، قَوْلُهُ: (فَيَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ) مِنْهُ
وَالثَّانِي يَجِبُ دَفْعُهُ (وَالدَّفْعُ عَنْ غَيْرِهِ فَهُوَ عَنْ نَفْسِهِ) فَيَجِبُ تَارَةً وَلَا يَجِبُ أُخْرَى عَلَى خِلَافٍ فِيهَا (وَقِيلَ: يَجِبُ) فِيهَا (قَطْعًا) لِأَنَّ لَهُ الْإِيثَارَ بِحَقِّ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالْوُجُوبُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: كَذَلِكَ قَيَّدَهُ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْمَرْوَرُوذِيُّ وَغَيْرُهُ وَسَكَتَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْعُزُوِّ
(وَلَوْ سَقَطَتْ جَرَّةٌ) مِنْ عُلُوٍّ عَلَى إنْسَانٍ، (وَلَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهُ إلَّا بِكَسْرِهَا) فَكَسَرَهَا (ضَمِنَهَا فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي لَا تَنْزِيلًا لَهَا مَنْزِلَةَ الْبَهِيمَةِ الصَّائِلَةِ وَدُفِعَ بِأَنَّ لِلْبَهِيمَةِ اخْتِيَارًا.
(وَيُدْفَعُ الصَّائِلُ بِالْأَخَفِّ) فَالْأَخَفِّ (فَإِنْ أَمْكَنَ بِكَلَامٍ أَوْ اسْتِغَاثَةٍ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ (حَرُمَ الضَّرْبُ أَوْ بِضَرْبٍ بِيَدٍ حَرُمَ سَوْطٌ أَوْ بِسَوْطٍ حَرُمَ عَصًا أَوْ بِقَطْعِ عُضْوٍ حَرُمَ قَتْلٌ، فَإِنْ أَمْكَنَ هَرَبَ فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ وَتَحْرِيمُ قِتَالٍ) ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يَجِبُ
[حاشية قليوبي]
حَالَتْ بَهِيمَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، فَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا وَيَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ بِدَفْعِهِ قَوْلُهُ: (فَيَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ) إنْ لَمْ يُمْكِنْ هَرَبٌ أَوْ نَحْوُ اسْتِغَاثَةٍ وَإِلَّا وَجَبَ ذَلِكَ فَإِنْ قَاتَلَ مَعَ ذَلِكَ صَارَ ضَامِنًا قَالَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا نَعَمْ لَا يَجُوزُ اسْتِسْلَامُ مَنْ بِهِ نَفْعٌ عَامٌ كَعَالِمٍ أَوْ شُجَاعٍ قَالَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَالدَّفْعُ عَنْ غَيْرِهِ كَهُوَ عَنْ نَفْسِهِ إلَخْ) أَيْ ذَاتِهَا أَوْ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ، مِمَّا تَقَدَّمَ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فَيَجِبُ تَارَةً إلَى الْأَوَّلِ وَبِقَوْلِهِ وَلَا يَجِبُ أُخْرَى إلَى الثَّانِي، لَكِنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ ظَاهِرٌ، أَوْ صَرِيحٌ فِي إرَادَةِ الْأَوَّلِ وَعَلَى كُلٍّ فَهَذَا دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهُ، وَلَعَلَّ ذِكْرَهُ لِأَجْلِ مُخَالَفَةِ الْخِلَافِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ الْمَالِ بِشَرْطٍ) وَفَارَقَ حُرْمَةَ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ الْمُؤَدِّي لِلضَّيَاعِ بِوُجُودِ الصِّيَالِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (فِيهَا) ضَمِيرُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَائِدٌ إلَى أُخْرَى لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ فِي الدَّفْعِ عَنْ الْمَالِ طَرِيقَيْنِ، وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الدَّفْعِ عَنْ النَّفْسِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (ضَمِنَهَا) إنْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً بِحَقٍّ عَلَى هَيْئَةٍ لَا يَخْشَى سُقُوطَهَا وَإِلَّا كَمَغْصُوبٍ أَوْ نَحْوِ مَيْلٍ، فَلَا ضَمَانَ لَهَا بَلْ يَضْمَنُ وَاضِعُهَا مَا أَتْلَفَتْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُدْفَعُ الصَّائِلُ) وَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ عَدَمَ الصِّيَالِ وَفِي مُرَاعَاتِهِ الْمُمْكِنِ بِيَمِينِهِ فِيهِمَا مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى صِيَالِهِ كَهُجُومٍ بِنَحْوِ سَيْفٍ، وَضَعْفِ الْمَصُولِ عَلَيْهِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (بِكَلَامٍ أَوْ اسْتِغَاثَةٍ) فَهُمَا سَوَاءٌ إلَّا أَنْ لَزِمَ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ ضَرَرٌ مِنْ نَحْوِ ظَالِمٍ فَيَجِبُ تَأْخِيرُهَا عَنْ الزَّجْرِ.
قَوْلُهُ: (بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ) لَا بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِشُمُولِهِ الِاسْتِغَاثَةَ بِمَنْ يَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَتَحْرِيمُ قِتَالٍ) وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ نَحْوِ ضَرْبٍ أَوْ قَطْعٍ، فَإِنْ خَالَفَ ضَمِنَ وَلَوْ بِالْقِصَاصِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ أَيْ حَيْثُ وُجِدَتْ شُرُوطُ الْقِصَاصِ بِأَنْ دَفَعَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا كَمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ شَرْحُ شَيْخِنَا، وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ وُجُوبَ تَقْدِيمِ الزَّجْرِ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ مِنْ حَيْثُ الْحُرْمَةُ إذْ لَا ضَمَانَ فِيهِمَا، وَكَذَا غَيْرُهُمَا مِمَّا فِيهِ التَّرْتِيبُ وَخَالَفَهُ فَسَقَطَ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا مِنْ الِاعْتِرَاضِ فَرَاجِعْهُ، وَلَوْ أَمْكَنَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ خَلَاصَ نَفْسِهِ بِهَرَبٍ أَوْ غَيْرِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ وَحَرُمَ عَلَيْهِ الْمُقَاتَلَةُ.
تَنْبِيهٌ: مَحِلُّ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ عِنْدَ إمْكَانِهِ فَلَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا سِكِّينًا أَوْ سَيْفًا ابْتِدَاءً فَلَهُ الدَّفْعُ بِهِ أَوْ الْتَحَمَ قِتَالٌ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ سَقَطَ التَّرْتِيبُ أَوْ كَانَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَعْصُومٍ كَحَرْبِيٍّ فَكَذَلِكَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَكَذَا فِي الْفَاحِشَةِ كَأَنْ رَآهُ قَدْ أَوْلَجَ فِي أَجْنَبِيَّةٍ، فَلَهُ أَنْ يَبْدَأَهُ بِالْقَتْلِ، وَإِنْ انْدَفَعَ بِدُونِهِ وَلَمْ يَعْتَمِدْهُ شَيْخُنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ حَمْلُ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمُحْصَنِ.
قَوْلُهُ: (عَضَّتْ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعَضُّ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ إنْ كَانَ بِالْجَارِحَةِ، وَإِلَّا فَبِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ نَحْوَ عَظُّ الزَّمَانِ.
[حاشية عميرة]
مَا وَقَعَ لِعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَجِبُ) أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] وَكَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إحْيَاءُ نَفْسِهِ بِالطَّعَامِ، قَوْلُهُ: (وَالدَّفْعُ عَنْ غَيْرِهِ إلَخْ) اقْتَضَى هَذَا الْكَلَامُ أَوَّلًا وَآخِرًا أَنَّ مَنْ رَأَى إنْسَانًا يُتْلِفُ مَالَ الْغَيْرِ أَوْ مَالَ الرَّائِي وَتَمَكَّنَ مِنْ دَفْعِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ، وَاسْتُشْكِلَ بِتَحْرِيمِ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ بَلْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ بِالْوُجُوبِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ إزَالَةَ الْمُنْكَرِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ فَلَعَلَّ الْمَنْفِيَّ هُنَا الْوُجُوبُ الْعَيْنِيُّ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ وُجُوبَ الدَّفْعِ عَنْ الْبُضْعِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي إزَالَةِ الْمُنْكَرِ بِالْفِعْلِ مَثَلًا بِمَعْنَى أَنَّهُ يُحَصِّلُهُ بِيَدِهِ مَثَلًا فَإِنْ تَوَقَّفَ التَّخْلِيصُ عَلَى دَفْعٍ وَقِتَالٍ كَانَ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ وَنَحْوِهَا جَائِزًا لَا وَاجِبًا كَمَا بَيَّنَ فِي هَذَا الْبَابِ وَبِهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى يَزُولُ الْإِشْكَالُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَمْكَنَ هَرَبٌ) أَيْ إذَا كَانَ الصِّيَالُ عَلَى النَّفْسِ أَوْ غَيْرِهَا وَأَمْكَنَ الْهَرَبُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ) إذَا تَأَمَّلْت هَذِهِ الْعِبَارَةَ اسْتَفَدْت مِنْهَا أَنَّ مَعْنَى جَوَازِ الِاسْتِسْلَامِ السَّابِقِ أَنَّهُ إذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْقِتَالِ وَبَيْنَ الِاسْتِسْلَامِ جَازَ الِاسْتِسْلَامُ، وَأَمَّا إذَا أَمْكَنَ الْهَرَبُ فَإِنَّهُ يَجِبُ وَيَحْرُمُ الثَّبَاتُ، وَإِلَّا لَكَانَ مِنْ حَقِّ الْمُؤَلِّفِ أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى تَحْرِيمِ الْقِتَالِ، وَلَا يَذْكُرُ وُجُوبَ الْهَرَبِ وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَكِنْ بَقِيَ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ الْهَرَبِ فَلَمْ يَفْعَلْ، هَلْ يَكُونُ مَضْمُونًا الظَّاهِرُ نَعَمْ وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ فَتَرَكَ السِّبَاحَةَ وَهُوَ يُحْسِنُهَا.
لِأَنَّ الْفِعْلَ وَهُوَ الْإِلْقَاءُ قَدْ انْقَطَعَ بِخِلَافِ الصِّيَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ:
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي حَمْلُ نَصِّ الْهَرَبِ عَلَى مَنْ تَيَقَّنَ النَّجَاةَ بِهِ وَنَصِّ عَدَمِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ
(وَلَوْ عُضَّتْ يَدُهُ) (خَلَّصَهَا بِالْأَسْهَلِ مِنْ ذَلِكَ لَحْيَيْهِ وَضَرْبِ شِدْقَيْهِ) بِكَسْرِ الشِّينِ (فَإِنْ عَجَزَ فَسَلَّهَا فَنَدَرَتْ أَسْنَانُهُ) بِالنُّونِ أَيْ سَقَطَتْ (فَهَدَرٌ) لِأَنَّ الْعَضَّ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ
(وَمَنْ نَظَرَ) بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْهَاءِ (فِي دَارِهِ مِنْ كُوَّةٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ طَاقَةٌ (أَوْ ثَقْبٌ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ (عَمْدًا فَرَمَاهُ) ، أَيْ النَّاظِرَ صَاحِبُ الدَّارِ (بِخَفِيفٍ كَحَصَاةٍ فَأَعْمَاهُ أَوْ أَصَابَ قُرْبَ عَيْنِهِ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ فَهَدَرٌ بِشَرْطِ عَدَمِ مَحْرَمٍ وَزَوْجَةٍ لِلنَّاظِرِ) ، لِأَنَّ لَهُ مَعَهُمَا شُبْهَةً فِي النَّظَرِ (قِيلَ وَ) عَدَمُ (اسْتِتَارِ الْجِرْمِ) بِالثِّيَابِ لِأَنَّهُ مَعَ اسْتِتَارِهِنَّ لَا يَطَّلِعُ عَلَى شَيْءٍ، فَلَا يُرْمَى وَدُفِعَ بِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يَسْتَتِرْنَ وَيَتَكَشَّفْنَ فَيَحْسِمُ بَابَ النَّظَرِ.
(قِيلَ وَ) شُرِطَ (إنْذَارٌ) بِالْمُعْجَمَةِ (قَبْلَ رَمْيِهِ) عَلَى قِيَاسِ دَفْعِ الصَّائِلِ أَوَّلًا بِالْأَخَفِّ وَعُورِضَ، بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ ابْتِدَاؤُهُ بِالْقَوْلِ بَلْ يَجُوزُ بِالْفِعْلِ.
(وَلَوْ عَزَّرَ وَلِيٌّ) وَلَدَهُ (وَوَالٍ) مَنْ رُفِعَ إلَيْهِ (وَزَوْجٌ) زَوْجَتَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ نُشُوزٍ وَغَيْرِهِ، (وَمُعَلِّمٌ) حَبِيَّةُ وَيُسَمَّى فِي غَيْرِ الْوَالِي تَأْدِيبًا أَيْضًا (فَمَضْمُونُ) تَعْزِيرِهِمْ عَلَى الْعَاقِلَةِ إذَا حَصَلَ بِهِ هَلَاكٌ لِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ
(وَلَوْ حَدَّ مُقَدَّرًا) بِالنَّصِّ كَحَدِّ الْقَذْفِ دُونَ الشُّرْبِ فَهَلَكَ، (فَلَا ضَمَانَ) فِيهِ وَالْحَقُّ قَتْلُهُ
(وَلَوْ ضُرِبَ شَارِبٌ بِنِعَالٍ وَثِيَابٍ) فَهَلَكَ (فَلَا ضَمَانَ) فِيهِ (عَلَى الصَّحِيحِ) ، وَالثَّانِي فِيهِ الضَّمَانُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضْرَبَ هَكَذَا بِأَنْ يَتَعَيَّنَ السَّوْطُ، (وَكَذَا أَرْبَعُونَ سَوْطًا)
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (بِالْأَسْهَلِ) فَيُقَدَّمُ الْإِنْذَارُ ثُمَّ الزَّجْرُ ثُمَّ الْفَكُّ ثُمَّ نَحْوُ بَعْجِ بَطْنِهِ، أَوْ عَصْرِ خُصْيَتِهِ ثُمَّ ضَرْبِ شِدْقَيْهِ، ثُمَّ فَقْءِ عَيْنِهِ فَالْوَاوُ بِمَعْنَى الْفَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَهُدِرَ) أَيْ إنْ كَانَ الْمَعْضُوضُ مَعْصُومًا أَوْ حَرْبِيًّا وَإِنْ كَانَ الْعَاضُّ مَظْلُومًا، وَإِلَّا كَتَارِكِ صَلَاةٍ بَعْدَ الْأَمْرِ بِهَا وَزَانٍ مُحْصَنٍ وَمُرْتَدٍّ فَلَا يُهْدَرُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْعَضَّ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ) أَيْ حَيْثُ أَمْكَنَ التَّخَلُّصُ بِغَيْرِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ حَقُّهُ فَلَهُ فِعْلُهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ نُظِرَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ) لِأَنَّ بِنَاءَهُ لِلْفَاعِلِ فَاسِدٌ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ النَّظَرِ لَا لِغَرَضٍ كَخِطْبَةٍ، وَلَيْسَ النَّظَرُ أَصْلًا وَلَا فَرْعًا لِلْمَنْظُورِ إلَيْهِ، وَيُصَدَّقُ إنْ ادَّعَى غَرَضًا مُمْكِنًا، قَوْلُهُ: (إلَى حُرَمِهِ) جَمْعُ حُرْمَةٍ مِنْ الِاحْتِرَامِ وَلَوْ خُنْثَى أَوْ أَمْرَدَ وَلَوْ مَسْتُورَةً.
قَوْلُهُ: (فِي دَارِهِ) وَلَوْ مُعَارَةً أَوْ مُؤَجَّرَةً وَمِثْلُهَا الْخَيْمَةُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَخَرَجَ بِهِمَا غَيْرُهُمَا كَالْمَسْجِدِ وَالشَّارِعِ وَنَحْوِهِمَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ كُوَّةٍ) أَيْ غَيْرِ وَاسِعَةٍ وَكَذَا مِنْ نَحْوِ مَنَارَةٍ مِمَّا لَا يُعَدُّ صَاحِبُ الدَّارِ مُقَصِّرًا بِفَتْحِهِ بِخِلَافِ بَابٍ مَفْتُوحٍ أَيْ بِغَيْرِ فَتْحِ النَّاظِرِ، قَوْلُهُ: (عَمْدًا) خَرَجَ مَا لَوْ وَقَعَ اتِّفَاقًا أَوْ خَطَأً، وَيُصَدَّقُ الرَّامِي فِي ذَلِكَ لَوْ خَالَفَهُ النَّاظِرُ وَخَرَجَ مَا لَوْ كَانَ النَّاظِرُ مَجْنُونًا، أَوْ أَعْمَى أَوْ فِي ظُلْمَةٍ فَهُوَ مَضْمُونٌ وَإِنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ الرَّمْيِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ النَّاظِرِ) وَلَوْ مُؤَجَّرًا وَمُعِيرًا وَامْرَأَةً وَصَبِيًّا قَوْلُهُ: (بِخَفِيفٍ) لَا بِثَقِيلٍ إلَّا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَلَهُ رَمْيُهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ بِهِ اسْتَغَاثَ عَلَيْهِ بِنَحْوِ سُلْطَانٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَلَهُ ضَرْبُهُ بِسِلَاحٍ وَرَمْيُهُ بِنَبْلٍ، قَوْلُهُ: (وَزَوْجَةٌ) أَيْ حَلِيلَةٌ وَلَوْ أَمَةً أَوْ مَتَاعًا.
قَوْلُهُ: (قِيلَ وَعَدَمُ اسْتِتَارِ إلَخْ) هُوَ مَرْجُوحٌ فَيُرْمَى وَلَوْ مَسْتُورَةً كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (قِيلَ وَشُرِطَ إنْذَارٌ إلَخْ) اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ إنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُفِيدُ وَإِلَّا فَلَا يُشْتَرَطُ وَهُوَ جَمْعٌ لِلتَّنَاقُضِ.
تَنْبِيهٌ: مَتَى قَصَّرَ الرَّامِي فَهُوَ ضَامِنٌ مَالًا أَوْ قَوَدًا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَزَّرَ وَلِيٌّ وَلَدَهُ) أَيْ مُوَلِّيهِ قَوْلُهُ: (وَزَوْجٌ زَوْجَتَهُ) أَيْ الْحُرَّةَ وَكَذَا الْأَمَةُ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهَا قَوْلُهُ: (وَمُعَلِّمٌ صَبِيَّةً) الْأَوْلَى مُتَعَلِّمًا مِنْهُ وَلَوْ غَيْرَ صَبِيٍّ وَسَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ أَوْ لَا إذْ لَهُ التَّأْدِيبُ، وَلَوْ بِالضَّرْبِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (فَمَضْمُونٌ) نَعَمْ لَا ضَمَانَ عَلَى سَيِّدٍ أَوْ مَأْذُونِهِ فِي عَبْدِهِ بِالضَّرْبِ أَوْ بِنَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنْهُ، فَإِنْ قَالَ: عَزَّرَهُ وَأَطْلَقَ فَهُوَ مَضْمُونٌ، وَلَا عَلَى مَنْ عَزَّرَ غَيْرَهُ، بِإِذْنِهِ مُطْلَقًا أَوْ بِنَوْعٍ مَخْصُوصٍ وَلَا عَلَى مَنْ عَزَّرَ مُمْتَنِعًا مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَدَّى إلَى قَتْلِهِ كَمَا مَرَّ فِي الْفَلَسِ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَلَا عَلَى مُكْتِرٍ دَابَّةً بِضَرْبِهَا الْمُعْتَادِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْعَاقِلَةِ) فَهُوَ ضَمَانٌ شِبْهُ عَمْدٍ، نَعَمْ إنْ ضَرَبَهُ ضَرْبًا يَقْتُلُ غَالِبًا أَوْ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، أَوْ قَصَدَ قَتْلَهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ، أَوْ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِهِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (إذَا حَصَلَ بِهِ هَلَاكٌ) مِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ بِنَحْوِ تَوْبِيخٍ بِكَلَامٍ وَصَفْعٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَدَّ مُقَدَّرًا فَلَا ضَمَانَ) وَلَوْ فِي حُرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ قَوْلُهُ: (بِالنَّصِّ) بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْ الْمُقَدَّرِ فَيَخْرُجُ بِهِ مَا بِالِاجْتِهَادِ وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (دُونَ الشُّرْبِ) قُيِّدَ لِعَدَمِ الْخِلَافِ لَا لِلْإِخْرَاجِ مِنْ الْحُكْمِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (ضُرِبَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ وَكَذَا ضَرْبُهَا الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَتَعَيَّنَ السَّوْطُ) إذَا تَأَمَّلْت مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي تَقْرِيرِ الْخِلَافِ ظَهَرَ لَك أَنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِالصَّحِيحِ، طَرِيقٌ قَاطِعٌ بِعَدَمِ الضَّمَانِ
[حاشية عميرة]
لَا يَجِبُ) لِأَنَّ إقَامَتَهُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ جَائِزَةٌ، فَلَا تُوجِبُ مُفَارَقَتَهُ
وَقَوْلُهُ: (فَأَعْمَاهُ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ التَّخْيِيرُ وَالْمَنْقُولُ أَنَّهُ يَقْصِدُ الْعَيْنَ، ثُمَّ لَا يَضُرُّ إصَابَتُهُ مَا بِقُرْبِهَا خَطَأً، قَوْلُهُ: (فَهَدَرٌ) خَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ قَوْلُهُ: (وَاسْتِتَارِ الْجِرْمِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ مَحْرَمٍ، قَوْلُهُ: (وَإِنْذَارٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَدَمِ
قَوْلُهُ: (فَمَضْمُونُ تَعْزِيرِهِمْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ لَوْ كَانَ الضَّرْبُ يَقْتُلُ غَالِبًا وَجَبَ الْقِصَاصُ
[حَدَّ مُقَدَّرًا بِالنَّصِّ كَحَدِّ الْقَذْفِ دُونَ الشُّرْبِ فَهَلَكَ]
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَدَّ) أَيْ الْإِمَامُ وَلَوْ جَلَدَ الْمَقْذُوفُ الْقَاذِفَ بِإِذْنِهِ فَمَاتَ فَلَا ضَمَانَ وَإِلَّا وَجَبَ الضَّمَانُ بِالْقَوَدِ، قَوْلُهُ: (مُقَدَّرًا) هُوَ تَأْكِيدٌ فَإِنَّ الْحَدَّ لَا يَكُونُ إلَّا مُقَدَّرًا لَكِنْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ بِالنَّصِّ، قَوْلُهُ: (بِالنَّصِّ) دَفْعٌ لِمَا يُقَالُ ذِكْرُ التَّقْدِيرِ فِي الْمَتْنِ مُسْتَدْرَكٌ،
قَوْلُهُ (فَمَاتَ) أَيْ بِالْجَمِيعِ قَوْلُهُ:
ضَرَبَهَا فَمَاتَ لَا ضَمَانَ فِيهِ (عَلَى الْمَشْهُورِ) . وَالثَّانِي عَلَى الضَّمَانِ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِهَا اجْتِهَادِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ، (أَوْ أَكْثَرَ) مِنْ أَرْبَعِينَ فَمَاتَ (وَجَبَ قِسْطُهُ بِالْعَدَدِ) فَفِي أَحَدٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ أَحَدٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا (وَفِي قَوْلٍ نِصْفُ دِيَةٍ) لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ، (وَيَجْرِيَانِ فِي قَاذِفٍ جُلِدَ أَحَدًا وَثَمَانِينَ) فَفِي قَوْلٍ يَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ وَالْأَظْهَرُ جُزْءٌ مِنْ أَحَدٍ وَثَمَانِينَ جُزْءًا مِنْهَا
(وَلِمُسْتَقِلٍّ) بِأَمْرِ نَفْسِهِ (قَطْعُ سِلْعَةٍ) ، مِنْهُ وَهِيَ بِكَسْرِ السِّينِ غُدَّةٌ تَخْرُجُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ إزَالَةً لِلشَّيْنِ بِهَا، (إلَّا مَخُوفَةً) مِنْ حَيْثُ قَطْعِهَا (لَا خَطَرَ فِي تَرْكِهَا أَوْ الْخَطَرُ فِي قَطْعِهَا أَكْثَرُ) مِنْهُ فِي تَرْكِهَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُهَا بِخِلَافِ مَا الْخَطَرُ فِي تَرْكِهَا أَكْثَرُ أَوْ فِي الْقَطْعِ وَالتَّرْكِ مُتَسَاوٍ، فَيَجُوزُ لَهُ قَطْعُهَا كَغَيْرِ الْمَخُوفَةِ، (وَلِأَبٍ وَجَدٍّ قَطْعُهَا مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ مَعَ الْخَطَرِ) فِيهِ (إنْ زَادَ خَطَرُ التَّرْكِ) عَلَيْهِ (لَا لِسُلْطَانٍ) بِعَدَمِ فَرَاغِهِ لِلنَّظَرِ الدَّقِيقِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ الْقَطْعُ وَلَوْ زَادَ خَطَرُهُ عَلَى خَطَرِ التَّرْكِ أَوْ تَسَاوَيَا امْتَنَعَ الْقَطْعُ.
(وَلَهُ) أَيْ لِلْوَلِيِّ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ (وَلِسُلْطَانٍ قَطْعُهَا بِلَا خَطَرٍ) فِيهِ (وَفَصْدٌ وَحِجَامَةٌ فَلَوْ مَاتَ) الصَّبِيُّ أَوْ الْمَجْنُونُ (بِجَائِزٍ مِنْ هَذَا) الْمَذْكُورِ (فَلَا ضَمَانَ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي يَقُولُ هُوَ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ كَالتَّعْزِيرِ
(وَلَوْ فَعَلَ سُلْطَانٌ بِصَبِيٍّ مَا مُنِعَ) مِنْهُ فَمَاتَ بِهِ (فَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِهِ) لِتَعَدِّيهِ.
[حاشية قليوبي]
فِي الضَّرْبِ بِالسَّوْطِ، وَأَنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَشْهُورِ وَمُقَابِلِهِ طَرِيقٌ حَاكِيَةٌ مُقَابِلَةٌ لَهُ، وَأَنَّ مُقَابِلَ الْمَشْهُورِ طَرِيقٌ قَاطِعٌ بِالضَّمَانِ فِي غَيْرِ السَّوْطِ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ وَمُقَابِلَهُ طَرِيقٌ حَاكِيَةٌ مُقَابِلَةٌ لَهُ فَتَأَمَّلْ وَافْهَمْ.
وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ قَوْلُهُ: (أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ) لَمْ يَقُلْ سَوْطًا عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ لِيُفِيدَ أَنَّ هَذَا لَا يَتَقَيَّدُ بِهِ، بَلْ يَجْرِي فِي غَيْرِ السَّوْطِ مِمَّا تَقَدَّمَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ قَسْطُهُ) أَيْ إنْ بَقِيَ أَلَمُ الضَّرْبِ قَبْلَهُ وَإِلَّا فَكُلُّ الضَّمَانِ بِهِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَفِي أَحَدٍ وَأَرْبَعِينَ) أَيْ فِي الْحُرِّ وَفِي أَحَدٍ وَعِشْرِينَ فِي غَيْرِهِ جُزْءٌ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، مِنْ قِيمَتِهِ وَهُوَ ثُلُثُ سُبْعِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَظْهَرُ إلَخْ) اسْتَشْكَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ أَلَمَ السَّوْطِ الْأَخِيرَ لَا يُسَاوِي أَلَمَ السَّوْطِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ هَذَا لَاقَى الْبَدَنَ صَحِيحًا فَيَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ فَإِنْ جُهِلَ وَجَبَ النِّصْفُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَلَمِ الْمَعْنَوِيُّ، وَهُوَ وَاحِدٌ فِي كُلِّ ضَرْبَةٍ وَأَمَّا أَلَمُ الْجِسْمِ فَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَإِنْ كَانَ وَاسِطَةً فِي التَّأَلُّمِ الْأَوَّلِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُوجِبُوا كَوْنَ الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ مَثَلًا عَلَى مَحِلِّ الضَّرْبَةِ الْأُولَى فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلِمُسْتَقِلٍّ) وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْحُرُّ وَلَوْ سَفِيهًا وَمِثْلُهُ الْمُكَاتَبُ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَلَوْ قَبْلَ إعْتَاقِهِ.
قَوْلُهُ: (قَطْعُ سِلْعَةٍ مِنْهُ) بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بِكَسْرِ السِّينِ) عَلَى الْأَفْصَحِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا مَعَ سُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا، وَهُوَ الْأَفْصَحُ فِي الْأَمْتِعَةِ.
قَوْلُهُ: (غُدَّةٌ) أَقَلُّهَا كَالْحِمَّصَةِ وَأَعْلَاهَا كَالْبِطِّيخَةِ.
قَوْلُهُ: (لَا خَطَرَ فِي تَرْكِهَا) أَيْ وَالْخَطَرُ فِي قَطْعِهَا فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا الْخَطَرُ فِي تَرْكِهَا أَكْثَرُ) أَوْ كَانَ فِيهِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (كَغَيْرِ الْمَخُوفَةِ) بِأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ خَوْفٌ فِي تَرْكِهَا، وَلَا فِي قَطْعِهَا فَجُمْلَةُ الصُّوَرِ سِتَّةٌ يَمْتَنِعُ الْقَطْعُ فِي اثْنَتَيْنِ مِنْهَا، بِأَنْ يَخْتَصَّ الْخَطَرُ بِالْقَطْعِ، أَوْ يَكُونَ فِيهِ أَكْثَرَ، وَيَجِبُ فِي اثْنَتَيْنِ أَيْضًا أَنْ يَخْتَصَّ الْخَطَرُ بِالتَّرْكِ أَوْ يَكُونَ فِيهِ أَكْثَرَ.
كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَأَقَرَّ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ، وَيَجُوزُ فِي الْبَاقِيَتَيْنِ فَقَوْلُهُ فَيَجُوزُ هُوَ جَوَازٌ بَعْدَ مَنْعٍ، فَيُصَدَّقُ بِالْوَاجِبِ فَتَأَمَّلْ وَبَقِيَ مَا لَوْ جَهِلَ خَطَرَ التَّرْكِ أَوْ الْقَطْعِ أَوْ هُمَا مَعًا وَفِي ابْنِ حَجَرٍ جَوَازُ الْقَطْعِ فِي الْأُولَى دُونَ الْبَقِيَّةِ، كَذَا قَالُوا وَفِيهِ بَحْثٌ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ إذَا جَهِلَ خَطَرَ التَّرْكِ فَإِمَّا أَنْ يَعْلَمَ خَطَرَ الْقَطْعِ أَوْ لَا، وَالْقَطْعُ فِي الْأَوَّلِ مُمْتَنِعٌ وَالثَّانِي هُوَ جَهْلُهُمَا مَعًا وَبِمَا ذُكِرَ عُلِمَ أَنَّ مَا عَدَا جَهْلِهِمَا مَعًا، وَإِذَا جَهِلَ خَطَرَ الْقَطْعِ فَإِمَّا أَنْ يَعْلَمَ خَطَرَ التَّرْكِ أَوْ لَا، وَالْقَطْعُ فِي الْأَوَّلِ مُمْتَنِعٌ، وَالثَّانِي هُوَ جَهْلُهُمَا مَعًا، وَإِذَا جُهِلَ خَطَرٌ جَهْلُهُمَا مَعًا دَاخِلٌ فِي كَلَامِهِمْ السَّابِقِ، لِأَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الْخَطَرَ يَخْتَصُّ بِالتَّرْكِ شَامِلٌ لِمَا إذَا عُلِمَ عَدَمُ خَطَرِ الْقَطْعِ أَوْ جُهِلَ، وَقَوْلُهُمْ إنَّ الْخَطَرَ يَخْتَصُّ بِالْقَطْعِ شَامِلٌ، لِمَا إذَا عُلِمَ عَدَمُ خَطَرِ التَّرْكِ أَوْ جُهِلَ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَلَامِهِمْ إلَّا مَسْأَلَةُ جَهْلِ خَطَرِهِمَا مَعًا وَالظَّاهِرُ فِيهَا عَدَمُ الْقَطْعِ لِاجْتِمَاعِ الْمُقْتَضِي وَالْمَانِعِ فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْهُ.
وَيُعْلَمُ الْخَطَرُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَلَوْ وَاحِدًا أَوْ بِمَعْرِفَةِ الْقَاطِعِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمَعْرِفَةِ الْوَلِيِّ إذَا كَانَ عَارِفًا بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَبٍ وَجَدٍّ) وَمِثْلُهُمَا أُمٌّ لَهَا وِصَايَةٌ وَقَيِّمٌ وَوَصِيٌّ، وَالْجَوَازُ هُنَا بِمَعْنَى الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَنْعٍ كَمَا مَرَّ، فَيَجِبُ بِالْأَوْلَى عِنْدَ اخْتِصَاصِ الْخَطَرِ بِالتَّرْكِ وَحْدَهُ.
قَوْله: (لَا لِسُلْطَانٍ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ اخْتَصَّ الْخَطَرُ بِالتَّرْكِ فَرَاجِعْهُ مَعَ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَسَاوَيَا امْتَنَعَ الْقَطْعُ) بِخِلَافِ الْمُسْتَقِلِّ كَمَا مَرَّ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ) وَكَذَا مَنْ أُلْحِقَ بِهِمَا كَمَا مَرَّ وَلِسُلْطَانٍ عِلَاجٌ لَا خَطَرَ فِيهِ أَيْ الْعِلَاجِ وَمِنْهُ سِلْعَةٌ لَا خَطَرَ فِي تَرْكِهَا وَلَا فِي قَطْعِهَا، كَمَا فِي الْمُسْتَقِلِّ كَمَا مَرَّ وَمِنْهُ ثَقْبُ الْآذَان وَإِنْ كُرِهَ فِي الذَّكَرِ وَخَرَجَ بِالْوَلِيِّ وَالسُّلْطَانِ غَيْرُهُمَا كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَمِنْهُ أَبٌ رَقِيقٌ أَوْ سَفِيهٌ وَمِنْهُ سَيِّدٌ فِي رَقِيقِهِ، فَلَيْسَ لَهُمْ عِلَاجٌ مُطْلَقًا وَيَضْمَنُونَ قَوَدًا أَوْ مَالًا.
قَوْلُهُ: (كَالتَّعْزِيرِ) وَفَرَّقَ بِخَوْفِ الْهَلَاكِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ فَعَلَ سُلْطَانٌ) وَكَذَا غَيْرُهُ مِمَّنْ مَرَّ بِصَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ مَا مُنِعَ مِنْهُ فِدْيَةٌ مُغَلَّظَةٌ فِي
[حاشية عميرة]
أَحَدًا وَثَمَانِينَ) ذُكِرَ بِاعْتِبَارِ السَّوْطِ
قَوْلُهُ: (وَلِمُسْتَقِلٍّ بِأَمْرِ نَفْسِهِ) أَيْ وَهُوَ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ وَلَوْ سَفِيهًا قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي إلَخْ) أَيْ فَتَجِبُ الدِّيَةُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَتَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ
قَوْلُهُ: (فَدِيَةٌ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْخَطَرُ فِي الْقَطْعِ أَكْثَرَ أَوْ لَا خَطَرَ فِي التَّرْكِ لَكِنْ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ هُنَا بِوُجُوبِ
وَلَا قِصَاصَ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِفِعْلِ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ فَدِيَةٌ فِي مَالِهِ وَالْمَجْنُونُ كَالصَّبِيِّ
(وَمَا وَجَبَ بِخَطَأِ إمَامٍ فِي حَدٍّ وَحُكْمٍ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ وَفِي قَوْلٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ) مِثَالُ الْحَدِّ ضُرِبَ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ فَمَاتَ، فَفِي مَحِلِّ ضَمَانِهِ الْقَوْلَانِ (وَلَوْ حَدَّهُ بِشَاهِدَيْنِ فَبَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ ذِمِّيَّيْنِ أَوْ مُرَاهِقَيْنِ) فَمَاتَ.
(فَإِنْ قَصَّرَ فِي اخْتِبَارِهِمَا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَالْقَوْلَانِ) وَفِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ قَالَ الْإِمَامُ يَتَرَدَّدُ نَظَرُ الْفَقِيهِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ لِلِاسْتِنَادِ إلَى صُورَةِ الْبَيِّنَةِ وَالْأَظْهَرُ وُجُوبُهُ لِهُجُومِهِ، (فَإِنْ ضَمِنَا عَاقِلَةً أَوْ بَيْتَ مَالٍ فَلَا رُجُوعَ عَلَى الذِّمِّيَّيْنِ وَالْعَبْدَيْنِ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ وَالثَّانِي نَعَمْ لِأَنَّهُمْ غَرُّوا الْقَاضِي وَالثَّالِثُ لِلْعَاقِلَةِ الرُّجُوعُ دُونَ بَيْتِ الْمَالِ، وَعَلَى الرُّجُوعِ عَلَى الْعَبْدَيْنِ يَتَعَلَّقُ الْغُرْمُ بِذِمَّتِهِمَا وَقِيلَ بِرَقَبَتِهِمَا وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا رُجُوعَ عَلَى الْمُرَاهِقَيْنِ، لِأَنَّ قَوْلَ الصَّبِيِّ لَا يَصْلُحُ لِلِالْتِزَامِ وَعَلَى الثَّانِي يَنْزِلُ مَا وُجِدَ مِنْهُمَا مَنْزِلَةَ الْإِتْلَافِ
(وَمَنْ حَجَّمَ أَوْ فَصَدَ بِإِذْنٍ) مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إذْنُهُ فَأَفْضَى إلَى تَلَفٍ، (لَمْ يَضْمَنْ) وَإِلَّا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ
(وَقَتْلُ جَلَّادٍ وَضَرْبُهُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ كَمُبَاشَرَةِ الْإِمَامِ إنْ جَهِلَ ظُلْمَهُ وَخَطَأَهُ) فَالْقِصَاصُ وَالضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ دُونَ الْجَلَّادِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ عَلِمَ ظُلْمَهُ وَخَطَأَهُ (فَالْقِصَاصُ وَالضَّمَانُ عَلَى الْجَلَّادِ إنْ لَمْ يَكُنْ إكْرَاهٌ) مِنْ الْإِمَامِ وَإِنْ أَكْرَهَهُ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا وَالْقِصَاصُ عَلَى الْإِمَامِ وَكَذَا الْجَلَّادُ فِي الْأَظْهَرِ
(وَيَجِبُ خِتَانُ الْمَرْأَةِ بِجُزْءٍ) أَيْ بِقَطْعِ جُزْءٍ (مِنْ اللَّحْمَةِ بِأَعْلَى الْفَرْجِ وَالرَّجُلِ بِقَطْعِ مَا يُغَطِّي حَشَفَتَهُ) حَتَّى يَنْكَشِفَ جَمِيعُهَا (بَعْدَ الْبُلُوغِ) الَّذِي هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ
[حاشية قليوبي]
مَالِهِ وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ بَعْضَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا قِصَاصَ) نَعَمْ لَوْ عَالَجَ بِقَطْعِ سِلْعَةٍ الْخَطَرُ فِي قَطْعِهَا فَقَطْ.
أَوْ فِيهِ أَكْثَرُ وَجَبَ الْقِصَاصُ قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَأَقَرَّهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ وَخَالَفَهُ الْخَطِيبُ.
قَوْلُهُ: (وَمَا وَجَبَ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْكَفَّارَةِ قَوْلُهُ: (بِخَطَأِ إمَامٍ فِي حَدٍّ وَحُكْمٍ) وَمِنْهُ التَّعْزِيرُ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَى عَاقِلَتِهِ) أَيْ الْإِمَامِ قَوْلُهُ: (فَبَانَا) أَوْ أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَصَّرَ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِأَنْ لَمْ يَبْحَثْ أَصْلًا قَوْلُهُ: (وَالْأَظْهَرُ وُجُوبُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ إذَا لَمْ يَبْحَثْ أَصْلًا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فَلَا رُجُوعَ عَلَى الذِّمِّيَّيْنِ) وَكَذَا لَا رُجُوعَ عَلَى الْمُرَاهِقَيْنِ وَكَذَا لَا رُجُوعَ عَلَى الْفَاسِقَيْنِ، إلَّا إنْ كَانَا مُتَجَاهَرَيْنِ بِفِسْقِهِمَا بِغَيْرِ الْكُفْرِ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ تَدْلِيسَهُمَا الظَّاهِرَ، أَلْغَى تَقْصِيرَ الْإِمَامِ فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ أَوْ الْمَالُ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ حَجَّمَ أَوْ فَصَّدَ) أَيْ مَثَلًا فَكُلُّ عِلَاجٍ كَذَلِكَ بِجِرَاحَةٍ أَوْ دَوَاءٍ.
قَوْلُهُ: (بِإِذْنٍ) بِحَيْثُ يُنْسَبُ الْفِعْلُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إذْنُهُ) وَمِنْهُ الْوَلِيُّ فِيمَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ قَوْلُهُ: (لَمْ يَضْمَنْ) إنْ كَانَ عَالِمًا وَلَمْ يُخْطِئْ أَوْ قَالَ لَهُ الْمَرِيضُ: دَاوِنِي بِهَذَا الدَّوَاءِ مَثَلًا فَإِنْ أَخْطَأَ أَوْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِالطِّبِّ ضَمِنَ مُطْلَقًا، وَكَذَا إنْ قَالَ لَهُ: افْصِدْنِي مَثَلًا إنْ رَأَيْت مَصْلَحَةً وَكَانَ غَيْرَ حَاذِقٍ بِقَوْلِ أَهْلِ فَنِّهِ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
تَنْبِيهٌ: يَحْرُمُ عَلَى الْمُتَأَلِّمِ قَتْلُ نَفْسِهِ، وَإِنْ زَادَ أَلَمُهُ وَلَمْ يُطِقْهُ لِأَنَّ بُرْأَهُ مَرْجُوٌّ.
نَعَمْ لَهُ مُرَاعَاةُ أَهْوَنِ مُهْلِكَيْنِ كَأَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْ نَارٍ فِي مَاءٍ أَوْ يَعْدِلَ إلَى السَّيْفِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ عُلِمَ ظُلْمُهُ وَخَطَؤُهُ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ فَمِنْهُ مُخَالَفَةُ الِاعْتِقَادِ كَأَنْ أَمَرَ إمَامٌ حَنَفِيٌّ جَلَّادًا شَافِعِيًّا بِقَتْلِ مُسْلِمٍ فِي ذِمِّيٍّ، فَإِنْ أَكْرَهَهُ الْإِمَامُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِلَّا فَعَلَى الْجَلَّادِ وَحْدَهُ وَفِي عَكْسِ ذَلِكَ لَا ضَمَانَ عَلَى الْجَلَّادِ وَإِنْ لَمْ يُكْرِهْهُ الْإِمَامُ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ خِتَانٌ) الْأَوْلَى خَتْنٌ لِأَنَّ الْخِتَانَ مَحِلُّ الْقَطْعِ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَيُنْدَبُ إظْهَارُ خَتْنِ الذُّكُورِ وَإِخْفَاءُ خَتْنِ الْإِنَاثِ وَأَوَّلُ مَنْ اُخْتُتِنَ مِنْ الرِّجَالِ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ، بِالْقَدُومِ وَمِنْ النِّسَاءِ حَلِيلَتُهُ هَاجَرُ أُمُّ وَلَدِهِ إسْمَاعِيلَ وَالْقَدُومُ مُخَفَّفًا اسْمُ آلَةِ النَّجَّارِ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَقِيلَ اسْمُ مَكَان وَكَانَ عُمْرُهُ ثَمَانِينَ سَنَةً وَقِيلَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ عَلَى مَا بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَالثَّانِي عَلَى وَقْتِ الْوِلَادَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (اللَّحْمَةِ) الْمُسَمَّاةُ بِالْبَظْرِ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ وَهِيَ فَوْقَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ الَّذِي هُوَ فَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ، وَخَرَجَ بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْخُنْثَى فَيَحْرُمُ خَتْنُهُ لِأَنَّ الْجُرْحَ مَعَ الْإِشْكَالِ مَمْنُوعٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي الرَّوْضَةِ، وَالْمَجْمُوعِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ مَنْ لَهُ ذَكَرَانِ مَثَلًا لَا يَجُوزُ خَتْنُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا اشْتَبَهَا فَإِنْ عُلِمَ الْأَصْلِيُّ خُتِنَ وَحْدَهُ أَوْ كَانَا أَصْلِيَّيْنِ خُتِنَا مَعًا، وَلَوْ خُلِقَ مَخْتُونًا سَقَطَ الْوُجُوبُ وَقَدْ وُلِدَ مَخْتُونًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَقَالَ السُّيُوطِيّ سَبْعَةَ عَشَرَ وَهُمْ آدَم وَشِيثٌ وَإِدْرِيسُ وَنُوحٌ وَسَامٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَلُوطٌ وَشُعَيْبٌ وَيُوسُفُ وَمُوسَى وَسُلَيْمَانُ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَحَنْظَلَةُ وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَقَدْ نَظَّمَهُمْ الْجَلَالُ الْمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ:
وَسَبْعَةٌ قَدْ رُوُوا مَعَ عَشَرَةٍ خُلِقُوا ... وَهُمْ خِتَانُ فَخْذٍ لَا زِلْت مَأْنُوسًا
[حاشية عميرة]
الْقِصَاصِ
قَوْلُهُ: (وَفِي قَوْلٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّ الْوَقَائِعَ تَكْثُرُ وَالْعِصْمَةُ لَا تَطَّرِدُ فَإِيجَابُهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ إجْحَافٌ، قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ) أَيْ وَلِأَنَّهُ أَيْضًا مَأْمُورٌ بِالْبَحْثِ، قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْأَوَّلِ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ بِذِمَّتِهَا.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْأَوَّلِ إلَخْ) . هَذَا يُشْبِهُ قَوْلَ الْأَصْحَابِ لَوْ أَتْلَفَ الْعَبْدُ الْوَدِيعَةَ فَإِنْ قُلْنَا الصَّبِيُّ يَضْمَنُهَا لَوْ أَتْلَفَهَا تَعَلَّقَ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَضْمَنُ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ،
قَوْلُهُ: (مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إذْنُهُ) شَمِلَ إذْنَ الْوَلِيِّ فِيمَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ خِتَانٌ) قِيلَ: الصَّوَابُ الْخَتْنُ مَصْدَرًا لِأَنَّ الْخِتَانَ مَوْضِعُ الْخَتْنِ وَمِنْهُ «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ» قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْبُلُوغِ) أَيْ
لِلْأَمْرِ بِهِ وَعَدَمِ جَوَازِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، (وَيُنْدَبُ تَعْجِيلُهُ فِي سَابِعِهِ) أَيْ سَابِعِ يَوْمٍ مِنْ الْوِلَادَةِ (فَإِنْ ضَعُفَ عَنْ احْتِمَالِهِ) فِي السَّابِعِ (أُخِّرَ) حَتَّى يَحْتَمِلَهُ
(وَمَنْ خَتَنَهُ فِي سِنٍّ لَا يَحْتَمِلُهُ) ، مِنْ وَلِيٍّ وَغَيْرِهِ فَمَاتَ (لَزِمَهُ قِصَاصٌ إلَّا وَلَدًا) فَلَا وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ.
(فَإِنْ احْتَمَلَهُ وَخَتَنَهُ وَلِيٌّ) أَيْ أَبٌ أَوْ جَدٌّ أَوْ إمَامٌ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ غَيْرُهُ فَمَاتَ (فَلَا ضَمَانَ فِي الْأَصَحِّ) ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ فِي الصِّغَرِ أَسْهَلُ وَالثَّانِي نَظَرٌ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الْحَالِ، وَإِنْ خَتَنَهُ أَجْنَبِيٌّ فَمَاتَ ضَمِنَهُ فِي الْأَصَحِّ، (وَأُجْرَتُهُ فِي مَالِ الْمَخْتُونِ) لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَتِهِ.
فَصْلٌ (مَنْ كَانَ مَعَهُ دَابَّةٌ أَوْ دَوَابُّ ضَمِنَ إتْلَافَهَا نَفْسًا وَمَالًا لَيْلًا وَنَهَارًا) سَوَاءٌ أَكَانَ مَالِكًا أَمْ أَجِيرَهُ أَمْ مُسْتَأْجِرًا أَمْ مُسْتَعِيرًا أَمْ غَاصِبًا وَسَوَاءٌ أَكَانَ سَائِقَهَا أَمْ رَاكِبَهَا أَمْ قَائِدَهَا لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ وَعَلَيْهِ تَعَهُّدُهَا وَحِفْظُهَا، (وَلَوْ بَالَتْ أَوْ رَاثَتْ) بِالْمُثَلَّثَةِ
[حاشية قليوبي]
مُحَمَّدٌ آدَم إدْرِيسُ شِيثُ وَنُوحٌ ... سَامٌ هُودٌ شُعَيْبٌ يُوسُفُ مُوسَى
لُوطٌ سُلَيْمَانُ يَحْيَى صَالِحٌ زَكَرِيَّا ... حَنْظَلَةُ مُرْسَلٌ لِلرُّسُلِ مَعَ عِيسَى
نَعَمْ فِي ذِكْرِ سَامَ مَعَهُمْ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَبِيًّا إلَّا إنْ كَانَ مُرَادُهُ مُطْلَقَ مَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا وَغَلَبَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: يَجِبُ قَطْعُ السُّرِّ مِنْ الْمَوْلُودِ نَظَرٌ بِالْأَوْلَى مِنْ الْخَتْنِ لِتَوَقُّفِ الْحَيَاةِ عَلَيْهِ غَالِبًا، وَهُوَ بِضَمِّ السِّينِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَيُقَالُ لِمَحِلِّهِ السُّرَّةُ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ) أَيْ فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِهِ عَنْ التَّكْلِيفِ الَّذِي هُوَ الْمُرَادُ وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِطَاقَةِ أَيْضًا وَالسَّكْرَانُ كَالْمُكَلَّفِ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَمَنْ لَا يُطِيقُهُ فَلَا يَجِبُ خَتْنُهُمْ، وَقَالَ شَيْخُنَا يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْمَجْنُونِ خَتْنُهُ وَلَا يَجُوزُ خَتْنُ الْمَيِّتِ، وَإِنْ تَعَدَّى بِتَرْكِهِ لِسُقُوطِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ وَعُلِمَ مِنْ وُجُوبِهِ، أَنَّهُ يُجْبِرُهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ لَوْ امْتَنَعَ وَأَنَّهُ لَا ضَمَانَ لَوْ مَاتَ بِهِ إلَّا إنْ كَانَ فِي نَحْوِ حُرٍّ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الضَّمَانِ قَالَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لِلْأَمْرِ بِهِ) عِلَّةٌ لِلْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123] وَمِنْهَا الْخَتْنُ كَمَا مَرَّ وَأُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِ أَمْرٌ لَنَا بِفِعْلِ تِلْكَ الْأُمُورِ، فَهُوَ مِنْ شَرْعِنَا وَلَيْسَ أَمْرُنَا بِهَا صَيَّرَهَا شَرْعًا لَنَا.
قَوْلُهُ: (وَعَدَمِ إلَخْ) دَفْعٌ لِمَا يُقَالُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْمِلَّةِ الْوُجُوبُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا قَطْعُ جُزْءٍ، وَلَا يَخْلُفُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمَا جَازَ كَمَا فِي قَطْعِ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ فِي السَّرِقَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي سَابِعِهِ) وَيُكْرَهُ قَبْلَهُ وَالْكَلَامُ فِي الْمُطِيقِ.
قَوْلُهُ: (سَابِعِ يَوْمٍ مِنْ الْوِلَادَةِ) أَيْ بَعْدَهُ فَلَا يُحْسَبُ مِنْ السَّبْعِ يَوْمُ الْوِلَادَةِ بِخِلَافِ الْعَقِيقَةِ، وَالْفَرْقُ لَائِحٌ فَإِنْ أُخِّرَ فَإِلَى الْأَرْبَعِينَ ثُمَّ إلَى السَّنَةِ السَّابِعَةِ.
قَوْلُهُ: (أُخِّرَ) وُجُوبًا قَوْلُهُ: (حَتَّى يَحْتَمِلَهُ) بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ) مُغَلَّظَةً فِي مَالِهِ لِأَنَّهَا دِيَةُ عَمْدٍ قَوْلُهُ: (أَيْ أَبٌ أَوْ جَدٌّ) وَكَذَا وَصِيٌّ وَقَيِّمٌ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَشْمَلُهُمَا.
قَوْلُهُ: (أَجْنَبِيٌّ) أَيْ غَيْرُ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ أَوْ بِإِذْنِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِعَدَمِ إطَاقَتِهِ فَإِنْ جَهِلَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْوَلِيِّ، وَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَى جَهْلِهِ بِيَمِينِهِ.
قَوْلُهُ: (ضَمِنَهُ) أَيْ بِالْقَوَدِ وَإِنْ قَصَدَ إقَامَةَ الشِّعَارِ.
نَعَمْ إنْ ظَنَّ الْجَوَازَ فَلَا قَوَدَ وَتَجِبُ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ.
قَوْلُهُ: (وَأُجْرَتُهُ) وَبَقِيَّةُ مُؤَنِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي مَالِ الْمَخْتُونِ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَيْتِ مَالٍ أَوْ سَيِّدٍ فِي رَقِيقِهِ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ مَا تُتْلِفُهُ الدَّوَابُّ قَوْلُهُ: (مَعَ دَابَّةٌ) الْأَوْلَى مَعَهُ دَابَّةٌ وَوَلَدُهَا السَّائِبُ مَعَهَا مِثْلُهَا كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (ضَمِنَ) وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ قِنًّا فِي رَقَبَةٍ وَلَوْ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
قَوْلُهُ: (إتْلَافَهَا) أَيْ مَا تَلِفَ بِهَا أَوْ بِمَا عَلَيْهَا لَوْ وَقَعَ عَلَى شَيْءٍ أَوْ بِسَبَبِهَا كَأَنْ انْزَعَجَ بِهَا فَتَلِفَتْ وَضَمَانُ النَّفْسِ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
قَوْلُهُ: (أَمْ غَاصِبًا) قَالَ شَيْخُنَا وَكَذَا الْمُكْرَهُ، لَكِنَّ قَرَارَ الضَّمَانِ عَلَى الْمُكْرِهِ بِكَسْرِ الرَّاءِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ إلَخْ) وَسَوَاءٌ الْبَصِيرُ وَالْأَعْمَى أَيْضًا وَهَذَا إذَا انْفَرَدَ مَنْ ذُكِرَ فَلَوْ اجْتَمَعُوا أَوْ اثْنَانِ مِنْهُمْ اسْتَوَى السَّائِقُ، وَالْقَائِدُ وَيُقَدَّمُ الرَّاكِبُ عَلَيْهِمَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ إلَّا إنْ كَانَ زِمَامُهَا بِيَدِ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ لَا عَلَى الرَّاكِبِ فَرَاجِعْهُ، وَلَوْ تَعَدَّدَ الرَّاكِبُ فَعَلَى الْمُقَدَّمِ إنْ نُسِبَ إلَيْهِ فِعْلٌ لَا نَحْوِ مَرِيضٍ، وَلَوْ رَكِبَ ثَلَاثَةٌ فِي الْجَانِبَيْنِ وَالْوَسَطِ فَقَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَالْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ كَالطَّبَلَاوِيِّ ضَمِنُوا سَوَاءً وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
كَوَالِدِهِ بِتَضْمِينِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ وَحْدَهُ، وَلَوْ تَعَدَّدَ
[حاشية عميرة]
عَلَى الْفَوْرِ إلَّا لِعُذْرٍ وَلَوْ بَلَغَ مَجْنُونًا فَلَا وُجُوبَ فَقَوْلُ الشَّارِحِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ، قَوْلُهُ: (وَيُنْدَبُ تَعْجِيلُهُ) أَيْ وَلَوْ لِأُنْثَى
قَوْلُهُ: (فَلَا ضَمَانَ فِي الْأَصَحِّ) .
تَتِمَّةٌ: كَمَا يَجِبُ الْخِتَانُ يَجِبُ قَطْعُ السُّرَّةِ لِأَنَّ الطَّعَامَ لَا يَسْتَقِرُّ بِدُونِ ذَلِكَ، قَالَ الْغَزَالِيُّ وَتَثْقِيبُ أُذُنِ الصَّغِيرَةِ لِتَعْلِيقِ الْحَلَقِ حَرَامٌ لِأَنَّهُ جُرْحٌ لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا ذَلِكَ وَاعْتَرَضَ بِحَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُنْت لَك كَأَبِي زَرْعٍ إلَخْ.
وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِهِ لِلصَّبِيَّةِ لِأَجْلِ الزِّينَةِ، وَكَرَاهَتُهُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ، قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي إلَخْ) هَذَا يُرْشِدُك إلَى شُمُولِ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ لِمَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا وَإِنْ أَبَاهُ قَوْلُ الشَّارِحِ السَّابِقِ وَهُوَ فِي الصَّغِيرِ أَسْهَلُ.
[فَصْلٌ مَنْ كَانَ مَعَهُ دَابَّةٌ أَوْ دَوَابُّ ضَمِنَ إتْلَافَهَا]
فَصْلٌ مَنْ كَانَ مَعَهُ دَابَّةٌ أَوْ دَوَابُّ أَيْ وَلَوْ مَقْطُورَةً، قَوْلُهُ: (بِطَرِيقٍ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ مِلْكِهِ
قَوْلُهُ: (ضَمِنَ ذَلِكَ) أَيْ مُطْلَقًا عَنْ التَّقْيِيدِ بِالْأَعْمَى وَالْمُسْتَدِيرِ.
قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ
(بِطَرِيقٍ فَتَلِفَ بِهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ فَلَا ضَمَانَ) لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَا تَخْلُو عَنْهُ وَالْمَنْعُ مِنْ الطُّرُوقِ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ.
(وَيُحْتَرَزُ عَمَّا لَا يُعْتَادُ كَرَكْضٍ شَدِيدٍ فِي وَحْلٍ فَإِنْ خَالَفَ ضَمِنَ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ) لِمُخَالَفَتِهِ لِلْمُعْتَادِ.
(وَمَنْ حَمَلَ حَطَبًا عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ بَهِيمَةً فَحَكَّ بِنَاءً فَسَقَطَ ضَمِنَهُ) ، لِأَنَّ سُقُوطَهُ بِفِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ دَابَّتِهِ الْمَغْصُوبِ إلَيْهِ (وَإِنْ دَخَلَ سُوقًا فَتَلِفَ بِهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ ضَمِنَ) ذَلِكَ (إنْ كَانَ زِحَامٌ) بِكَسْرِ الزَّايِ، (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَتَمَزَّقَ) بِهِ (ثَوْبٌ فَلَا) يَضْمَنُهُ (إلَّا ثَوْبُ أَعْمَى وَمُسْتَدْبَرُ الْبَهِيمَةِ فَيَجِبُ تَنْبِيهُهُ) ، أَيْ كُلٍّ مِنْ الْأَعْمَى وَالْمُسْتَدْبِرِ فَإِنْ لَمْ يُنَبِّهْهُ ضَمِنَهُ، (وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ (إذَا لَمْ يُقَصِّرْ صَاحِبُ الْمَالِ فَإِنْ قَصَّرَ بِأَنْ وَضَعَهُ بِطَرِيقٍ أَوْ عَرَّضَهُ لِلدَّابَّةِ فَلَا) يَضْمَنُهُ (فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ وَحْدَهَا فَأَتْلَفَتْ زَرْعًا أَوْ غَيْرَهُ نَهَارًا لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهَا أَوْ لَيْلًا ضَمِنَ) لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَهُوَ عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ فِي حِفْظِ الزَّرْعِ وَنَحْوِهِ نَهَارًا وَالدَّابَّةِ لَيْلًا (إلَّا أَنْ لَا يُفَرِّطَ فِي رَبْطِهَا) بِأَنْ أَحْكَمَهُ وَعَرَّضَ حَلَّهَا، (أَوْ حَضَرَ صَاحِبُ الزَّرْعِ وَتَهَاوَنَ فِي دَفْعِهَا)
[حاشية قليوبي]
أَحَدُ الثَّلَاثَةِ مَثَلًا وُزِّعَ الضَّمَانُ عَلَى الرُّءُوسِ نَعَمْ لَوْ سَقَطَتْ الدَّابَّةُ بِمَرَضٍ أَوْ مَوْتٍ، أَوْ الرَّاكِبُ كَذَلِكَ فَتَلِفَ بِهِمَا شَيْءٌ فَلَا ضَمَانَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَكَالْمَرَضِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ وَخَالَفَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَلَوْ غَلَبَتْ رَاكِبَهَا، وَأَتْلَفَتْ شَيْئًا ضَمِنَهُ لِتَقْصِيرِهِ بِرُكُوبِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى ضَبْطِهِ، وَشَأْنُهُ أَنْ يُضْبَطَ وَبِذَلِكَ فَارَقَتْ السَّفِينَةُ وَخَرَجَ بِغَلَبَتِهَا لَهُ مَا لَوْ انْفَلَتَتْ قَهْرًا عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ وَفِيهِ بَحْثٌ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ أَرْكَبَ أَجْنَبِيٌّ أَوْ وَلِيٌّ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا دَابَّةً ضَمِنَ الْمَرْكَبَ، وَإِنْ أَمْكَنَهُمَا ضَبْطُهَا عَلَى الْمُعْتَدِّ وَلَوْ نَخَسَهَا إنْسَانٌ بِغَيْرِ إذْنِ مَنْ صَحِبَهَا ضَمِنَ النَّاخِسُ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا وَلَوْ غَلَبَتْ رَاكِبَهَا فَرَدَّهَا إنْسَانٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ ضَمِنَ الرَّادُّ حَيْثُ نُسِبَ رَدُّهَا إلَيْهِ، وَلَوْ بِإِشَارَةٍ فَإِنْ رَجَعَتْ فَزَعًا مِنْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: ضَمَانُ النَّفْسِ وَنَحْوِهَا فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
فَرْعٌ: لَوْ كَانَ خَلْفُ الدَّابَّةِ تَبَعًا لَهَا كَوَلَدِهَا ضَمِنَ مَا يُتْلِفُهُ إنْ كَانَ لَهُ يَدٌ عَلَيْهِ بِمِلْكٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ اسْتِحْفَاظٍ، وَإِلَّا فَلَا يَضْمَنُ ذَلِكَ كَمَا لَا يَضْمَنُهُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَتَلِفَ بِهِ) أَيْ بِالْبَوْلِ أَوْ الرَّوْثِ حَالَ وُجُودِهِ أَوْ بَعْدَهُ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ فَلَا ضَمَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (فِي وَحْلٍ) أَوْ فِي زَحْمَةٍ لِلنَّاسِ فَيَضْمَنُ وَمِثْلُهُ فِي الضَّمَانِ سَوْقُ نَحْوِ غَنَمٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ إبِلٍ غَيْرِ مَقْطُورَةٍ فِي الْأَسْوَاقِ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لِمُخَالَفَتِهِ لِلْمُعْتَادِ) فَمَا يُعْتَادُ مِنْ الرَّكْضِ وَغَيْرِهِ لَا ضَمَانَ فِيهِ نَظَرًا لِلْعَادَةِ.
قَوْلُهُ: (ضَمِنَهُ) أَيْ بِمِثْلِهِ لِأَنَّ اللَّبِنَاتِ مِثْلِيَّةٌ لِصِحَّةِ السَّلَمِ فِيهَا وَضَرْبُهَا عَنْ اخْتِيَارٍ، وَمَا قِيلَ مِنْ ضَمَانِهِ بِالْقِيمَةِ يُحْمَلُ عَلَى مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بِنَاؤُهُ بِلَبِنَاتٍ.
نَعَمْ لَا يُضْمَنُ جِدَارٌ بُنِيَ مَائِلًا.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ زِحَامٌ) أَيْ حَالَ دُخُولِهِ فَإِنْ طَرَأَ الزِّحَامُ فَلَا ضَمَانَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) أَوْ طَرَأَ كَمَا عُلِمَ قَوْلُهُ: (الْأَثْوَابُ) أَيْ مَثَلًا وَالْمُرَادُ جَامِعُهُمَا وَكَذَا أَنْفُسُهُمَا.
قَوْلُهُ: (أَعْمَى) وَكَذَا مَعْصُوبُ الْعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَمُسْتَدْبِرُ إلَخْ) أَيْ مُطْلَقًا وَكَذَا مُقْبِلٌ غَيْرُ مُمَيِّزٍ صِبًا أَوْ جُنُونًا وَغَافِلٌ، وَمُفَكِّرٌ مُطْرِقٌ وَمُلْتَفِتٌ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَجِدْ مُنْحَرَفًا يَنْحَرِفُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (ضَمِنَهُ) أَيْ كُلًّا مِنْ الْمَذْكُورَيْنِ وَمَا مَعَهُ وَلَوْ نَحْوَ مَدَاسٍ وَيَجِبُ كُلُّ الضَّمَانِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ صَاحِبِ الْمَتَاعِ جَذْبٌ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ نِصْفُ الضَّمَانِ، وَلَوْ شَكَّ فِي فِعْلِ أَحَدِهِمَا رَجَعَ إلَى الْقَرِينَةِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ وَضَعَهُ بِطَرِيقٍ) وَلَوْ وَاسِعًا وَبِإِذْنِ الْإِمَامِ وَمِنْهُ رَبْعًا دَابَّةً بِبَابِ دَارِهِ أَوْ عَلَى حَانُوتِهِ فَيَضْمَنُ مُطْلَقًا أَيْضًا، وَمِنْ التَّقْصِيرِ فِي الْمَارِّ مَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْبِقَ دَابَّةً عَلَيْهَا حَطَبٌ فَتَمَزَّقَ بِهِ ثَوْبُهُ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (صَاحِبُهَا) أَيْ مَنْ صَحِبَهَا وَلَوْ غَاصِبًا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ إلَخْ) فَلَوْ جَرَتْ بِالْحِفْظِ نَهَارًا دُونَ اللَّيْلِ فَعَلَيْهِ، أَوْ بِالْحِفْظِ فِيهَا ضَمِنَ فِيهِمَا أَوْ بِعَدَمِهِ فِيهِمَا لَمْ يَضْمَنْ فِيهِمَا سَوَاءٌ الْبُنْيَانُ وَالصَّحْرَاءُ قَالَهُ شَيْخُنَا كَابْنِ حَجَرٍ وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، إنَّهُ يَضْمَنُ فِي الْبُنْيَانِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ حَضَرَ صَاحِبُ الزَّرْعِ) أَيْ حَافِظُهُ وَلَوْ غَيْرَ مَالِكِهِ وَتَهَاوَنَ فِي حِفْظِهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الدَّفْعِ فَلَا ضَمَانَ، وَإِلَّا ضَمِنَ صَاحِبُهَا وَلَوْ أَرْسَلَهَا فِي مَكَان مَغْصُوبٍ، فَانْتَشَرَتْ لِغَيْرِهِ وَأَفْسَدَتْهُ ضَمِنَهُ الْمُرْسِلُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَوْ وَجَدَهَا فِي زَرْعِهِ، فَإِنْ لَمْ يَلْزَم عَلَى إخْرَاجِهَا دُخُولُهَا فِي زَرْعِ غَيْرِهِ، فَلَهُ إخْرَاجُهَا إلَى حَدٍّ يَأْمَنُ فِيهِ عَوْدَهَا إلَى زَرْعِهِ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ ضَمِنَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكُهَا سَيَّبَهَا وَلَوْ أَمْكَنَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْأَكْلِ بِنَحْوِ رَبْطِ فَمِهَا، وَأَمِنَ تَلَفَ شَيْءٍ بِبَقَائِهَا لَزِمَهُ بَقَاؤُهَا، فَإِنْ أَخْرَجَهَا ضَمِنَهَا بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ فَإِنْ لَزِمَهُ عَلَى إخْرَاجِهَا دُخُولُهَا فِي زَرْعِ غَيْرِهِ، وَلَوْ زَرْعَ
[حاشية عميرة]
يُقَصِّرْ إلَخْ) أَلْحَقَ الْقَفَّالُ بِالتَّقْصِيرِ مَا لَوْ كَانَ يَمْشِي مِنْ جِهَةٍ وَحِمَارُ حَطَبٍ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَمَرَّ عَلَى جَنْبِ الْحِمَارِ وَأَرَادَ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ فَتَمَزَّقَ ثَوْبُهُ بِالْحَطَبِ، فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّهُ جَانٍ بِمُرُورِهِ وَجَعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ الْحَطَبُ مَوْضُوعًا بِالطَّرِيقِ الْوَاسِعِ فَمَرَّ بِهِ إنْسَانٌ وَتَعَلَّقَ بِهِ، قَوْلُهُ: (لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهَا) مَحِلُّهُ إذَا أَرْسَلَهَا فِي الصَّحْرَاءِ دُونَ الْعَبْدِ وَالْمُرَادُ بِصَاحِبِهَا ذُو الْيَدِ لَكِنْ قَالَ الْبَغَوِيّ: إنَّ الْمُودِعَ وَالْمُسْتَأْجِرَ يَضْمَنَانِ نَهَارًا وَتَوَقَّفَ فِيهِ الشَّيْخَانِ، قَوْلُهُ: (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وَهُوَ حَدِيثُ الْبَرَاءِ السَّابِقُ وَعَلَى النَّهَارِ حُمِلَ حَدِيثُ: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» أَيْ هَدَرٌ.
فَلَا يَضْمَنُ.
(وَكَذَا إنْ كَانَ الزَّرْعُ فِي مَحُوطٍ لَهُ بَابٌ تَرَكَهُ مَفْتُوحًا) فَلَا يَضْمَنُ (فِي الْأَصَحِّ) ، وَالثَّانِي يَضْمَنُ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْعَادَةِ فِي رَبْطِهَا لَيْلًا
(وَهِرَّةٌ تُتْلِفُ طَيْرًا أَوْ طَعَامًا إنْ عُهِدَ ذَلِكَ مِنْهَا ضَمِنَ مَالِكُهَا فِي الْأَصَحِّ لَيْلًا وَنَهَارًا) ، لِأَنَّ هَذِهِ يَنْبَغِي أَنْ تُرْبَطَ وَيُكَفَّ شَرُّهَا، وَالثَّانِي لَا يَضْمَنُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْهِرَّةَ لَا تُرْبَطُ، (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعْهَدْ ذَلِكَ مِنْهَا (فَلَا) يَضْمَنُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْعَادَةَ حِفْظُ الطَّعَامِ عَنْهَا لَا رَبْطُهَا، وَالثَّانِي يَضْمَنُ فِي اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ كَالدَّابَّةِ.
.
كِتَابُ السِّيَرِ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِ الْيَاءِ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْجِهَادِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمُتَلَقِّي مِنْ سِيَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَوَاتِهِ فَتُرْجِمَ بِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ تَرْجَمَ بِالْجِهَادِ.
(كَانَ الْجِهَادُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بَعْدَ الْهِجْرَةِ (فَرْضَ كِفَايَةٍ وَقِيلَ) فَرْضَ (عَيْنٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 39] وَمَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَدِينَةِ كَانَ يَحْرُسُهَا، وَحِرَاسَتُهَا نَوْعٌ مِنْ الْجِهَادِ وَالْأَوَّلُ يَمْنَعُ حِرَاسَةَ الْجَمِيعِ، (وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلِلْكُفَّارِ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا يَكُونُونَ بِبِلَادِهِمْ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ) يَجِبُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً (إذَا فَعَلَهُ مَنْ فِيهِمْ كِفَايَةً سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ)
[حاشية قليوبي]
مَالِكِهَا لَزِمَهُ بَقَاؤُهَا إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَغْرَمُ مَالِكَهَا، وَمَا أَتْلَفَتْهُ إلَّا مَا أَمْكَنَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ بِنَحْوِ مَا مَرَّ لِتَفْرِيطِهِ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا ضَمِنَهَا إنْ ضَاعَتْ وَضَمِنَ مَا تُتْلِفُهُ مِنْ زَرْعِ غَيْرِ مَالِكِهَا لِتَعَدِّيهِ وَلَوْ نَدَّ بَعِيرٌ وَأَتْلَفَ شَيْئًا، كَزَرْعٍ فَلَا ضَمَانَ وَكَذَا لَوْ انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ مِنْ يَدِهِ، أَوْ نَفَرَتْ الدَّوَابُّ عَلَى الرَّاعِي لِهَيَجَانِ رِيحٍ أَوْ ظُلْمَةٍ فِي النَّهَارِ فَلَا ضَمَانَ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَفَرَّقَتْ الدَّوَابُّ لِنَوْمِهِ أَوْ غَفْلَتِهِ أَوْ لِاشْتِغَالِهِ لِتَعَدِّيهِ.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ الدَّابَّةِ الطُّيُورُ كَحَمَامٍ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ مَالِكُهُ وَأَتْلَفَ شَيْئًا أَوْ الْتَقَطَ حَبًّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهِ وَإِنْ جَازَ حَبْسُهُ مَعَ تَعَهُّدِهِ بِمَا يَحْتَاجُهُ، نَعَمْ إنْ أَرْسَلَهُ لِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ ضَمِنَهُ.
فَرْعٌ: لَوْ حَمَلَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا وَأَشْرَفَ أَنْ يَقَعَ فِي مِلْكِهِ فَدَفَعَهُ مِنْ الْهَوَاءِ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَهِرَّةٌ) وَمِثْلُهَا كُلُّ حَيَوَانٍ عَادٍ إلَّا الطُّيُورَ كَمَا مَرَّ، وَمِنْهَا النَّحْلُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ، فَلَا ضَمَانَ فِيمَا أَتْلَفَهُ مُطْلَقًا وَبِهِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطِيبُ تَبَعًا لِلْإِمَامِ الْبُلْقِينِيِّ وَنَقَلَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ خِلَافَهُ.
قَوْلُهُ: (عُهِدَ) وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ: (ضَمِنَ مَالِكُهَا) مَا لَمْ يُفَرِّطْ مَالِكُهُ وَالْمُرَادُ بِمَالِكِهَا ذُو الْيَدِ عَلَيْهَا وَلَوْ بِإِيوَاءٍ أَوْ لِنَحْوِ تَأْدِيبٍ.
نَعَمْ إنْ انْفَلَتَتْ قَهْرًا فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا فَلَا ضَمَانَ فِيهِ كَمَا مَرَّ.
تَنْبِيهٌ: يُدْفَعُ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ وُجُوبًا وَإِنْ أَدَّى إلَى قَتْلِهِ كَالصَّائِلِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ كَانَ يَنْدَفِعُ بِالزَّجْرِ، لَكِنَّهُ يَعُودُ وَيُتْلِفُ مَا دُفِعَ عَنْهُ مَعَ التَّغَافُلِ عَنْهُ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ جَازَ قَتْلُهُ وَلَوْ فِي غَيْرِ حَالِ صِيَالِهِ لِأَنَّهُ لَا يُكَفُّ شَرُّهُ إلَّا بِالْقَتْلِ فَرَاجِعْهُ.
[كِتَابُ السِّيَرِ]
ِ أَيْ الْجِهَادُ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِ الْيَاءِ جَمْعُ سِيرَةٍ بِكَسْرِ السِّينِ وَسُكُونِ الْيَاءِ، وَهِيَ لُغَةً الطَّرِيقَةُ أَوْ السُّنَّةُ أَوْ التَّتَبُّعُ أَوْ الذِّكْرُ الْحَسَنُ عِنْدَ النَّاسِ وَاصْطِلَاحًا مَا يُؤْخَذُ، بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ تَوْجِيهًا لِلتَّعْبِيرِ بِالسِّيَرِ الَّتِي لَيْسَ هَذَا مَحِلُّهَا وَإِنَّمَا الْمُنَاسِبُ هُنَا التَّعْبِيرُ بِالْجِهَادِ، وَالْكِتَابُ شَامِلٌ لِلْغَزَوَاتِ هِيَ مَا خَرَجَ فِيهَا بِنَفْسِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ سِتًّا وَعِشْرِينَ وَقِيلَ سَبْعًا وَعِشْرِينَ وَرَجَحَ وَلَمْ يُقَاتِلْ بِنَفْسِهِ إلَّا فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَهِيَ غَزْوَةُ أُحُدٍ وَقِيلَ: إنَّهُ قَاتَلَ فِي تِسْعٍ أَوْ أَكْثَرَ وَحُمِلَ عَلَى مَعْنَى عَزْمِهِ عَلَى الْقِتَالِ أَوْ عَلَى مَا لَوْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لَقَاتَلَ، وَلَمْ يَقْتُلْ بِنَفْسِهِ إلَّا وَاحِدًا وَهُوَ أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ وَشَامِلٌ لِلْبُعُوثِ وَالسَّرَايَا، وَهِيَ مَا لَمْ يَخْرُجْ فِيهَا بِنَفْسِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْهِجْرَةِ) أَمَّا قَبْلَهَا فَكَانَ مَمْنُوعًا مُطْلَقًا، وَلَهُ بَعْدَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ أَوَّلًا قِتَالُ مَنْ قَاتَلَهُ لَا الِابْتِدَاءُ بِهِ ثُمَّ أُبِيحَ لَهُ الِابْتِدَاءُ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، ثُمَّ أُبِيحَ لَهُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُمْ إنَّهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَيْهَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَبَعْدَ إبَاحَتِهِ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْ وَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (فَرْضَ كِفَايَةٍ) وَقِيلَ: فَرْضَ عَيْنٍ.
فَرْعٌ: قَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْعَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ يَمْنَعُ إلَخْ) أَوْ يَقُولُ فَرْضُ الْعَيْنِ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْخُرُوجِ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا عَيَّنَ شَخْصًا لِلْقِيَامِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ إنَابَةُ غَيْرِهِ فِيهِ وَلَا أَخْذُ أُجْرَةٍ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا بَعْدَهُ) لَوْ أَسْقَطَهُ كَانَ أَصْوَبَ أَوْ هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الْحَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي عَهْدِهِ أَيْضًا.
[حاشية عميرة]
كِتَابُ السِّيَرِ جَمْعُ سِيرَةٍ وَهِيَ الطَّرِيقَةُ قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا الْبَابُ مَعَ قَسْمِ الْغَنَائِمِ تَتَدَاخَلُ فُصُولُهَا فَمَا نَقَصَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلْيُطْلَبْ مِنْ الْآخَرِ، وَفِي الْحَدِيثِ «لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، قَوْلُهُ: (فَرْضَ كِفَايَةٍ) وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَرْضُ كِفَايَةٍ فِيمَا لَمْ يَغْزُ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَفَرْضُ عَيْنٍ فِيمَا غَزَا فِيهِ بِنَفْسِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْأَنْصَارِ دُونَ غَيْرِهِمْ، قَوْلُهُ: (وَأَمَّا بَعْدَهُ إلَخْ) اعْتَرَضَ بِأَنَّ
كَمَا هُوَ شَأْنُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ إنَّهُ عَلَى الْجَمِيعِ
(وَمِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ) الْعِلْمِيَّةِ (وَحَلُّ الْمُشْكِلَاتِ فِي الدِّينِ) وَدَفْعُ الشُّبَهِ (وَ) الْقِيَامُ، (بِعُلُومِ الشَّرْعِ كَتَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ) بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا (وَالْفُرُوعِ) الْفَقِيهُ (بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) وَالْإِفْتَاءُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِمَا وَعَرَّفَ الْفُرُوعَ دُونَ مَا قَبْلَهُ لِمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ، وَأَسْقَطَ مِنْ الْمُحَرَّرِ الْفَتْوَى.
(وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ) أَيْ الْأَمْرُ بِوَاجِبَاتِ الشَّرْعِ وَالنَّهْيُ عَنْ مُحَرَّمَاتِهِ، (وَإِحْيَاءُ الْكَعْبَةِ كُلَّ سَنَةٍ بِالزِّيَارَةِ) بِأَنْ يَأْتِيَ بِالْحَجِّ وَالِاعْتِمَارِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا بَدَلُ الزِّيَارَةِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ (وَدَفْعُ ضَرَرِ الْمُسْلِمِينَ، كَكِسْوَةِ عَارٍ وَإِطْعَامِ جَائِعٍ إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ بِزَكَاةٍ وَبَيْتِ مَالٍ) مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (يَجِبُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً) وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا وَيَقَعُ الزَّائِدُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ السُّبْكِيّ، وَكَمَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَيَجُوزُ تَرْكُ الْمَرَّةِ لِعُذْرٍ كَضَعْفٍ بِنَا أَوْ رَجَاءَ إسْلَامِهِمْ.
قَوْلُهُ: (إذَا فَعَلَهُ إلَخْ) وَيُغْنِي عَنْ ذَلِكَ أَنْ يُشْحِنَ الْإِمَامُ الثُّغُورَ بِمُكَافِئِينَ مَعَ إحْكَامِ الْحُصُونِ، أَيْ الثُّغُورِ وَتَقْلِيدِ الْأُمَرَاءِ ذَلِكَ أَوْ بِأَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ دَارَ الْكُفَّارِ بِالْجُيُوشِ لِقِتَالِهِمْ فَأَحَدُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ كَافٍ عَنْ الْفِعْلِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ فِيهِمْ كِفَايَةٌ) وَلَوْ مِنْ صِبْيَانٍ وَأَرِقَّاءٍ وَنِسَاءٍ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ نِكَايَةً لِلْكُفَّارِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ فِي إحْيَاءِ الْكَعْبَةِ فِي الْحَجِّ وَرَدِّ السَّلَامِ وَنَحْوِهِمَا.
قَوْلُهُ: (سَقَطَ الْحَرَجُ) أَيْ الْإِثْمُ عَنْ الْبَاقِينَ، فَيَأْثَمُ الْجَمِيعُ بِتَرْكِهِ حَيْثُ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: (الْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ) وَهِيَ الْبَرَاهِينُ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَعَلَى إثْبَاتِ النُّبُوَّاتِ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَعَلَى إثْبَاتِ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مِنْ الْمَعَادِ وَالْحِسَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَوْلُهُ: (وَحَلُّ الْمُشْكِلَاتِ) أَيْ الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ الْمُدْرِكُ لِقُوَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَدَفْعُ الشُّبَهِ) وَهِيَ أُمُورٌ بَاطِلَةٌ تَشْتَبِهُ بِالْحَقِّ.
قَوْلُهُ: (بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا) أَيْ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَالْعَرَبِيَّةُ تَنْقَسِمُ إلَى اثْنَيْ عَشَرَ عِلْمًا: اللُّغَةُ وَالصَّرْفُ وَالِاشْتِقَاقُ وَالنَّحْوُ وَالْمَعَانِي، وَالْبَيَانُ وَالْعَرُوضُ وَالْقَافِيَةُ وَالْخَطُّ وَقَرْضُ الشِّعْرِ، وَإِنْشَاءُ الرَّسَائِلِ، وَالْخُطَبُ وَالْمُحَاضَرَاتُ، وَمِنْهُ التَّوَارِيخُ وَأَمَّا الْبَدِيعُ فَهُوَ ذَيْلُ الْبَلَاغَةِ.
قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ) بِأَنْ يَكُونَ مَعَهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى التَّرْجِيحِ دُونَ الِاسْتِنْبَاطِ فَهُوَ مُجْتَهِدُ الْفَتْوَى، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ قَوَاعِدِ إمَامِهِ وَضَوَابِطِهِ، فَهُوَ مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ أَوْ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَهُوَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ وَهَذَا قَدْ انْقَطَعَ مِنْ نَحْوِ الثَّلَاثِمِائَةِ لِغَلَبَةِ الْبَلَادَةِ عَلَى النَّاسِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُجْتَهِدِ حُرِّيَّةٌ، وَلَا ذُكُورَةٌ وَلَا عَدَالَةٌ عَلَى الرَّاجِحِ، وَيَجِبُ تَعَدُّدُ الْمُفْتِي بِحَيْثُ يَكُونُ فِي كُلِّ مَسَافَةِ قَصْرٍ وَاحِدٌ، وَتَعَدُّدُ الْقَاضِي بِحَيْثُ يَكُونُ فِي كُلِّ مَسَافَةِ عَدْوَى وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا ذَكَرَهُ بَعْدُ) وَهُوَ بِحَيْثُ إلَخْ وَهِيَ عَطْفٌ عَلَى تَفْسِيرٍ وَالْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ وَلَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى عُلُومٍ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ لِمَا لَا يَخْفَى.
قَوْلُهُ: (وَأَسْقَطَ) أَيْ الْمُصَنِّفُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ الْفَتْوَى، وَلَعَلَّهُ اسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْقَضَاءِ عَنْهَا.
فَائِدَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ وَالْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَمْرُ إلَخْ) وَلَا يُنْكَرُ إلَّا عَلَى فَاعِلٍ يَعْتَقِدُ التَّحْرِيمَ، وَلَا عُذْرَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ الْمُنْكِرُ التَّحْرِيمَ، وَيَعْمَلُ الْحَاكِمُ بِعَقِيدَتِهِ فَيُعَزِّرُ شَافِعِيٌّ حَنَفِيًّا رُفِعَ إلَيْهِ فِي شُرْبِ نَبِيذٍ مُسْكِرٍ وَشَرْطُ وُجُوبِ الْأَمْرِ سَلَامَةُ الْعَاقِبَةِ، وَلَوْ فِي الْعِرْضِ وَعَدَمِ جَرَاءَةِ الْفَاعِلِ، وَارْتِكَابُهُ أَقْوَى مِمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ فِيهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَلِلْمُحْتَسِبِ الْإِنْكَارُ عَلَى فَاعِلِ الْمَكْرُوهِ، وَتَارِكُ الْمَنْدُوبِ مِنْ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِحْيَاءُ الْكَعْبَةِ) أَيْ بِجَمْعٍ يَحْصُلُ بِهِمْ الشِّعَارُ مِمَّنْ هُمْ أَهْلٌ لِلْفَرْضِ لَا غَيْرُهُمْ، وَاكْتَفَى الْعَلَّامَةُ السَّنْبَاطِيِّ بِوَاحِدٍ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَائِدَةٌ: عَدَدُ الْحُجَّاجِ فِي كُلِّ عَامٍ سِتُّونَ أَلْفًا فَإِنْ نَقَصُوا كُمِّلُوا مِنْ الْمَلَائِكَةِ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يُؤْتَى بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ الزِّيَارَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَكْفِي نَحْوُ صَلَاةٍ وَاعْتِكَافٍ وَلَا حَجٍّ مِنْ غَيْرِ اعْتِمَارٍ أَوْ عَكْسُهُ.
قَوْلُهُ: (وَدَفْعُ ضَرَرِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ كُلِّ مُسْلِمٍ مِنْ الْمَعْصُومِينَ وَكَذَا كَافِرٌ مَعْصُومٌ.
[حاشية عميرة]
الْحَالَ الثَّانِي، كَانَتْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا
قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) اُحْتُرِزَ عَنْ الْقَدْرِ الضَّرُورِيِّ فَإِنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ، قَوْلُهُ: (وَالْإِفْتَاءِ) يُرِيدُ أَنَّ الْقَاضِي يَرْجِعُ إلَيْهِ النَّاسُ فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَالْمُفْتِي يُرَادُ لِغَرَضٍ آخَرَ، فَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِأَحَدِهِمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَاَلَّذِي فَهِمْتُهُ مِنْ كَلَامِهِمْ عَدَمُ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْمُجْتَهِدِ الْمُقَيَّدِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ بِذَلِكَ الْفَرْضِ الْفَتْوَى وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ فِي إحْيَاءِ تِلْكَ الْعُلُومِ الَّتِي يَسْتَمِدُّ مِنْهَا الْمُفْتِي.
قَوْلُهُ: (وَأَسْقَطَ مِنْ الْمُحَرَّرِ) فَاعِلُهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، قَوْلُهُ: (وَأَسْقَطَ إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَعَرَّفَ، قَوْلُهُ: (أَيْ الْأَمْرُ بِوَاجِبَاتِ الشَّرْعِ إلَخْ) قَدْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا سَلَفَ مِنْ أَنَّ دَفْعَ الصَّائِلِ عَنْ غَيْرِ النَّفْسِ وَالْبُضْعِ جَائِزٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَقَدْ تَعَرَّضْنَا لِلْجَوَابِ فِي الْوَرَقَةِ السَّابِقَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالدَّفْعُ عَنْ غَيْرِهِ كَهُوَ عَنْ نَفْسِهِ، قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَأْتِيَ بِالْحَجِّ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِطَ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ ظُهُورَ الشِّعَارِ بِذَلِكَ فَلَا يَكْفِي
مِنْهُ، وَهَذَا فِي حَقِّ أَهْلِ الثَّرْوَةِ، (وَتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا) لِلْحَاجَةِ إلَيْهِمَا (وَالْحِرَفُ وَالصَّنَائِعُ وَمَا تَتِمُّ بِهِ الْمَعَايِشُ) كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْحِرَاثَةِ، (وَجَوَابُ سَلَامٍ عَلَى جَمَاعَةٍ) فَيَكْفِي مِنْ أَحَدِهِمْ (وَسُنَّ ابْتِدَاؤُهُ) . أَيْ السَّلَامِ عَلَى مُسْلِمٍ (لَا عَلَى قَاضِي حَاجَةٍ وَآكِلٍ و) كَائِنٍ (فِي حَمَّامٍ) ،
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (كَكُسْوَةِ عَارٍ) بِمَا يَقِي بَدَنَهُ عَمَّا يَضُرُّهُ مِنْ نَحْوِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِطْعَامِ جَائِعٍ) بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ.
قَوْلُهُ: (بِزَكَاةٍ) أَوْ بِنَذْرٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُ) أَيْ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ قَوْلُهُ: (أَهْلِ الثَّرْوَةِ) أَيْ الْمَالِ بِأَنْ يَمْلِكُ مَا يَبْذُلُهُ زِيَادَةً عَلَى كِفَايَةِ سَنَةٍ فَقَطْ لَا الْعُمْرَ الْغَالِبُ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ.
وَيُقَدِّمُ حَاجَةَ مُسْلِمٍ عَلَى كَافِرٍ وَكَالْكُسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ أُجْرَةُ طَبِيبٍ وَثَمَنُ دَوَاءٍ لِمَرِيضٍ وَخَادِمٌ لِمُنْقَطِعٍ وَحَمْلُ عَاجِزٍ عَنْ الْمَشْيِ، وَحَمْلُ مَتَاعِ عَاجِزٍ عَنْ حَمْلِهِ وَيَحْرُمُ الْمَنْعُ عَلَى مَنْ سُئِلَ وَإِنْ كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُ دَفْعًا لِلتَّوَاكُلِ.
قَوْلُهُ: (وَتَحَمُّلُ شَهَادَةٍ) أَيْ إذَا حَضَرَ مَحِلُّ التَّحَمُّلِ أَوْ دَعَاهُ مَعْذُورُ جُمُعَةٍ أَوْ امْرَأَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّنَائِعِ) عَطْفٌ خَاصٌّ عَلَى الْحِرَفِ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ مَا كَانَتْ بِآلَةٍ وَالْحِرْفَةُ أَعَمُّ مِنْهَا، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِانْحِرَافِ الشَّخْصِ إلَيْهَا لِأَجْلِ الْكَسْبِ غَالِبًا كَمَا مَرَّ فِي الْكَفَّارَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا تَتِمُّ بِهِ الْمَعَايِشُ) أَيْ مَا بِهِ قَوَامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَعَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مُرَادِفٌ، قَوْلُهُ: (وَجَوَابِ سَلَامٍ) أَيْ مَطْلُوبُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِصِيغَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَلَوْ مِنْ مُصَلٍّ عُلِمَ قَصْدُهُ بِهِ أَوْ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِقَادِرٍ عَلَيْهَا، فَخَرَجَ جَوَابُ أُنْثَى مُشْتَهَاةٍ لِرَجُلٍ لَيْسَ بَيْنَهُمَا، نَحْوُ مَحْرَمِيَّةٍ فَلَا يَجِبُ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الرَّدُّ كَالِابْتِدَاءِ عَلَيْهِ وَيُكْرَهُ لَهُ الرَّدُّ وَالِابْتِدَاءُ عَلَيْهَا وَيَجُوزُ فِي نَحْوِ الْعَجُوزِ بِلَا كَرَاهَةٍ وَيُنْدَبُ فِي نَحْوِ الْمُحْرِمِ، وَيَحْرُمُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْخُنْثَيَيْنِ مَعَ الْآخَرِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا وَالْخُنْثَى مَعَ الرَّجُلِ كَالْأُنْثَى، وَمَعَ الْأُنْثَى كَالرَّجُلِ وَخَرَجَ جَوَابُ كَافِرٍ لِمُسْلِمٍ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاؤُهُ بِهِ حَتَّى لَوْ عُلِمَ كُفْرُهُ بَعْدَ سَلَامِهِ عَلَيْهِ وَجَبَ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَنُدِبَ كَمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: رُدَّ عَلَيَّ سَلَامِي، وَلَوْ بِالسَّعْيِ خَلْفَهُ وَأَمَّا عَكْسُهُ بِأَنْ سَلَّمَ الْكَافِرُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَوْ بِصِيغَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَيَجِبُ الرَّدُّ لَكِنْ بِصِيغَةِ، وَعَلَيْكُمْ فَقَطْ بِالْوَاوِ أَوْ بِدُونِهَا وَبِالْمِيمِ وَدُونِهَا وَخَرَجَ نَحْوُ: سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَوْ السَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا أَوْ مَوْلَانَا أَوْ السَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى أَوْ السَّلَامُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجِبُ الرَّدُّ لِعَدَمِ الصِّيغَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَكَذَا وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ لَا يَجِبُ فِيهِ الرَّدُّ لِمَا ذُكِرَ لِأَنَّ صِيغَتَهُ الْمَطْلُوبَةَ ابْتِدَاءً السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَوْ سَلَامِي عَلَيْكُمْ أَوْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَصِيغَتُهُ كَذَلِكَ رَدًّا، وَعَلَيْهِمْ السَّلَامُ أَوْ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَهَذِهِ الثَّانِيَةُ تَكْفِي فِي الِابْتِدَاءِ أَيْضًا، فَلَوْ ذَكَرَهَا شَخْصَانِ مَعًا تَلَاقَيَا وَجَبَ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْصِدْ الرَّدَّ مِنْهُمَا أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْآخَرِ، وَيُنْدَبُ ذِكْرُ الْمِيمِ فِي الْوَاحِدِ وَزِيَادَةُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ابْتِدَاءً وَرَدًّا، وَخَرَجَ نَحْوُ الْآكِلِ مِمَّنْ يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (عَلَى جَمَاعَةٍ) وَهُوَ قَيْدٌ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَلَا يَكْفِي رَدُّ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ مِنْهُمْ وَلَا رَدُّ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ عَنْهُمْ، وَلَوْ مُكَلَّفًا وَجَوَابُ الْوَاحِدِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَيَكْفِي جَوَابُ وَاحِدٍ لِجَمَاعَةٍ سَلَّمُوا وَلَوْ مُرَتَّبًا إذَا لَمْ يَطُلْ فَصْلٌ سَوَاءٌ قَصَدَهُمْ أَوْ أَطْلَقَ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ ابْتِدَاؤُهُ) وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ إجَابَتِهِ لَا إنْ عَلِمَهُ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الرَّدِّ الْوَاجِبِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ فِيهِمَا، وَمِثْلُهُ إبْرَاءُ الْمُعْسِرِ وَإِنْظَارُهُ وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لَهُمَا ثَالِثًا فِي الصَّلَاةِ بِالسِّوَاكِ فِي جَوَابٍ إشْكَالٌ فِيهِ وَالْأَوْلَى فِيهِ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَارِّ عَلَى غَيْرِهِ وَمِنْ رَاكِبِ الْبَعِيرِ عَلَى رَاكِبِ الْفَرَسِ، وَمِنْهُ عَلَى رَاكِبِ الْحِمَارِ وَمِنْهُ عَلَى الْمَاشِي وَمِنْهُ عَلَى الْجَالِسِ، وَنَحْوِهِ.
وَشَمِلَ الِابْتِدَاءُ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالْكِتَابَةِ لِنَحْوِ غَائِبٍ أَوْ بِإِشَارَةٍ حَتَّى لِلْأَخْرَسِ، وَيَجِبُ اتِّصَالُ الْجَوَابِ بِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَيَجِبُ مَعَهُ الْإِشَارَةُ لِنَحْوِ أَصَمَّ وَلَا عِبْرَةَ بِإِشَارَةِ نَاطِقٍ ابْتِدَاءً، وَلَا رَدًّا وَلَا بِلَفْظِ السَّلَامِ وَحْدَهُ أَوْ لَفْظِ عَلَيْكُمْ وَحْدَهُ، كَذَلِكَ وَلَا يُقَدِّمُ الْخِطَابَ فِيهِمَا إلَّا فِي تَبْلِيغِ رِسَالَةٍ، بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ فَبَلِّغْهُ لَهُ فَإِذَا قَالَ لَهُ فُلَانٌ يُسَلِّمُ عَلَيْك كَفَاهُ أَنْ يَقُولَ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: سَلِّمْ لِي عَلَى فُلَانٍ أَوْ حَمَّلْتُك السَّلَامَ عَلَى فُلَانٍ وَجَبَ عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْك مِنْ فُلَانٍ، وَلَا يَكْفِي فُلَانٌ يُسَلِّمُ عَلَيْك، وَيَجِبُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ وَعَلَيْك السَّلَامُ أَوْ عَلَيْك وَعَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمَا السَّلَامُ، وَلَا يَكْفِي غَيْرُ ذَلِكَ قَالَهُ شَيْخُنَا فَرَاجِعْهُ.
[حاشية عميرة]
وَاحِدٌ وَاثْنَانِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، قَوْلُهُ: (كَكُسْوَةِ عَارٍ) أَيْ لِجَمِيعِ بَدَنِهِ عَلَى الْعَادَةِ وَلَا يَكْفِي سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَيَخْتَلِفُ الْحَالُ شِتَاءً وَصَيْفًا، ثُمَّ قَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ الِاكْتِفَاءُ بِسَدِّ الضَّرُورَةِ دُونَ الِارْتِقَاءِ إلَى كِفَايَةِ الْحَاجَةِ.
فَرْعٌ: يَجِبُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ فَكُّ الْأَسْرَى وَلَا يَجِبُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (وَبَيْتِ الْمَالِ) لَوْ كَانَ فِيهِ وَلَكِنْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ كَانَ كَالْعَدَمِ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ، حِينَئِذٍ فَرْضًا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ إذَا اسْتَأْذَنَ الْإِمَامُ وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ.
قَوْلُهُ: (وَتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ) أَيْ إذَا حَضَرَ الْمُتَحَمَّلُ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ الطَّالِبُ قَاضِيًا أَوْ مَعْذُورًا.
قَوْلُهُ: (وَأَدَاؤُهَا) لَا يَخْفَى أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْمُتَحَمِّلَيْنِ فَقَطْ بِخِلَافِ التَّحَمُّلِ.
قَوْلُهُ: (وَجَوَابِ سَلَامٍ) هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى
قَوْلُهُ: (وَنَفَقَة) ذَهَابًا وَإِيَابًا وَكَذَا إقَامَةٌ وَيَكْفِي فِي تَقْدِيرِهَا غَلَبَةُ الظَّنِّ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ قُلْتُهُ
يَتَنَظَّفُ لِأَنَّ أَحْوَالَهُمْ لَا تُنَاسِبُهُ، (وَلَا جَوَابَ عَلَيْهِمْ) لَوْ أَتَى بِهِ لِعَدَمِ سَنِّهِ،.
(وَلَا جِهَادَ عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ) لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا، (وَامْرَأَةٍ) لِضَعْفِهَا عَنْ الْقِتَالِ (وَمَرِيضٍ) يَتَعَذَّرُ قِتَالُهُ أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً وَلَا عِبْرَةَ بِالصُّدَاعِ وَالْحُمَّى الْخَفِيفَةِ، (وَذِي عَرَجٍ بَيِّنٍ) وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوبِ وَلَا عِبْرَة بِيَسِيرٍ لَا يَمْنَعُ الْمَشْيَ، (وَأَقْطَعَ وَأَشَلَّ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الضَّرْبِ (وَعَبْدٍ) ، وَإِنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ (وَعَادِمِ أُهْبَةِ قِتَالٍ) مِنْ سِلَاحٍ وَنَفَقَةٍ وَرَاحِلَةٍ فِي سَفَرِ الْقَصْرِ فَاضِلُ جَمِيعِ ذَلِكَ عَنْ نَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا فِي الْحَجِّ (وَكُلُّ عُذْرٍ مَنَعَ وُجُوبَ الْحَجِّ مَنَعَ الْجِهَادَ) ، أَيْ وُجُوبَهُ (وَإِلَّا خَوْفَ طَرِيقٍ مِنْ كُفَّارٍ وَكَذَا مِنْ لُصُوصِ مُسْلِمِينَ عَلَى الصَّحِيحِ) أَيْ فَإِنَّ الْخَوْفَ الْمَذْكُورَ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِهَادِ لِبِنَائِهِ عَلَى مُصَادَمَةِ الْمَخَاوِفِ وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ يُقَيِّدُهَا بِالْكُفَّارِ.
(وَالدَّيْنُ الْحَالُّ) عَلَى مُوسِرٍ (يَحْرُمُ سَفَرُ جِهَادٍ وَغَيْرِهِ) بِالْجَرِّ (إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ) أَيْ رَبِّ الدَّيْنِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا وَلَهُ مَنْعُهُ السَّفَرَ بِخِلَافِ الْمُعْسِرِ، وَقِيلَ لَهُ مَنْعُهُ لِأَنَّهُ يَرْجُو أَنْ يُوسِرَ فَيُؤَدِّي وَفِي الْجِهَادِ خَطَرُ الْهَلَاكِ، وَلَوْ اسْتَنَابَ الْمُوسِرُ مَنْ يَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ مَالٍ حَاضِرٍ جَازَ لَهُ السَّفَرُ، (وَالْمُؤَجَّلُ لَا) يُحْرَمُ السَّفَرَ فَلَا يَمْنَعُهُ رَبُّ الدَّيْنِ (وَقِيلَ: يُمْنَعُ سَفَرًا مَخُوفًا) كَسَفَرِ الْجِهَادِ وَرُكُوبِ الْبَحْرِ، (وَيَحْرُمُ) عَلَى الرَّجُلِ (جِهَادٌ إلَّا بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ إنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ) ، وَلَوْ كَانَ الْحَيُّ أَحَدَهُمَا فَقَطْ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِهِ أَيْضًا (لَا سَفَرَ تَعَلُّمِ فَرْضِ عَيْنٍ) فَإِنَّهُ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِمَا.
(وَكَذَا كِفَايَةٍ فِي الْأَصَحِّ) كَطَلَبِ دَرَجَةِ الْفَتْوَى، وَالثَّانِي يَقِيسُهُ عَلَى الْجِهَادِ وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بِخَطَرِ الْهَلَاكِ فِي الْجِهَادِ (فَإِنْ أَذِنَ أَبَوَاهُ وَالْغَرِيمُ) فِي الْجِهَادِ (ثُمَّ رَجَعُوا) بَعْدَ خُرُوجِهِ وَعَلِمَ بِهِ (وَجَبَ) عَلَيْهِ (الرُّجُوعُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ الصَّفَّ) إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (عَلَى مُسْلِمٍ) تَقَدَّمَ مَفْهُومُهُ قَوْلُهُ: (وَآكِلٍ) بِالْمَدِّ أَيْ مُتَلَبِّسٌ بِالْأَكْلِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ حَالَةَ بَلْعِهِ أَوْ مَضْغِهِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ بَلْعِ لُقْمَةٍ وَقَبْلَ وَضْعِ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (يَتَنَظَّفُ) خَرَجَ غَيْرُ الْمُتَنَظِّفِ وَمَنْ بِمَسْلَخَةٍ قَوْلُهُ: (وَلَا جَوَابَ عَلَيْهِمْ) بَلْ يُكْرَهُ لِقَاضِي الْحَاجَةِ وَمِثْلُهُ الْمُجَامِعُ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ سِنِّهِ) قَضِيَّةُ هَذَا عَدَمُ وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَى فَاسِقٍ لِعَدَمِ نَدْبِهِ عَلَيْهِ، وَعَلَى مُسْتَمِعِ الْخُطْبَةِ لِكَرَاهَتِهِ عَلَيْهِ وَالْمُعْتَمَدُ فِيهِمَا وُجُوبُ الرَّدِّ فَالْعِلَّةُ لِلْأَغْلَبِ أَوْ الْأَصْلِ قَوْلُهُ:.
(وَلَا جِهَادَ) أَيْ وَاجِبٌ أَوْ جَائِزٌ عَلَى مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَامْرَأَةٍ) وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى وَالْكَافِرُ، قَوْلُهُ: (وَأَقْطَعَ) يَدًا أَوْ رِجْلًا قَوْلُهُ: (وَأَشَلَّ) يَدًا أَوْ رِجْلًا وَمِنْهُ يُعْلَمُ عَدَمُ الْوُجُوبِ عَلَى الْأَعْمَى وَفَاقِدِ الْأَصَابِعِ مِنْ إحْدَى الْيَدَيْنِ قَالَ فِي الْعُبَابِ وَكَذَا فَاقِدُ أَكْثَرِ أَنَامِلِ يَدِهِ.
قَوْلُهُ: (وَعَبْدٍ) أَيْ مَنْ فِيهِ رِقٌّ وَلَوْ مُكَاتَبًا وَمُبَعَّضًا وَيَحْرُمُ أَيْضًا بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ، قَوْلُهُ: (وَعَادِمِ أُهْبَةِ) وَلَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ فَرَاغِهَا وَلَوْ مِنْ الصَّفِّ مَا لَمْ يَلْزَمْ فَشَلُ الْمُسْلِمِينَ، وَسَوَاءٌ سَفَرُ الْقَصْرِ وَدُونَهُ فِيمَا ذُكِرَ إلَّا فِي عَدَمِ الْمَرْكُوبِ فَيُعْتَبَرُ كَوْنُ السَّفَرِ سَفَرَ قَصْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَالدَّيْنُ الْحَالُّ) وَإِنْ كَانَ بِهِ رَهْنٌ أَوْ كَفِيلٌ أَوْ كَانَ قَلِيلًا كَدِرْهَمٍ.
قَوْلُهُ: (يَحْرُمُ سَفَرُ جِهَادٍ) وَكَذَا الْجِهَادُ أَيْضًا وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِعِلْمِهِ بِالْأُولَى، لِأَنَّهُ أَشَدُّ خَوْفًا مِنْهُ وَالْمُرَادُ بِالسَّفَرِ هُنَا مَا يَجُوزُ فِيهِ النَّفَلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قَالَهُ شَيْخُنَا فَرَاجِعْهُ فَلَعَلَّهُ بَعِيدٌ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ) أَوْ بِعِلْمِ رِضَاهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ مَنْعُهُ) وَإِنْ حَدَثَ الدَّيْنُ فِي السَّفَرِ نَعَمْ لَا يَحْرُمُ دَوَامُهُ بِغَيْرِ مَنْعٍ بَعْدَ الْحُدُوثِ فِيهِ، وَكَالدَّيْنِ الْحَالِّ مُؤْنَةُ أَصْلٍ أَوْ فَرْعٍ وَاجِبَةٌ، وَإِنْ سَلَّمَ مُؤْنَةَ يَوْمِ سَفَرِهِ وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَا يَحْرُمُ فِي يَوْمِ سَلَّمَ مُؤْنَتَهُ وَمَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَالْمُؤَجَّلُ لَا يُحْرَمُ السَّفَرَ) وَإِنْ قَصُرَ الْأَجَلُ وَلَهُ الْمَنْعُ بَعْدَ حُلُولِهِ فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ مَحِلُّ الْوُجُوبِ وَبِهِ يُعْلَمُ الْحُرْمَةُ عَلَى غَيْرِهِ بِالْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (جِهَادٍ) أَيْ نَفْسِهِ وَسَفَرِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَعْدَهُ فَلَيْسَ سَاكِتًا عَنْهُ، كَمَا قِيلَ وَسَوَاءٌ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ السَّفَرُ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ حَيْثُ كَانَ مَخُوفًا، وَيُعْتَبَرُ فِي الطَّوِيلِ الْإِذْنِ وَلَوْ غَيْرَ مَخُوفٍ أَيْضًا وَالْقَصِيرُ أَقَلُّ مَا يَحِلُّ فِيهِ التَّنَفُّلُ عَلَى الدَّابَّةِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ إذْنِ أَبَوَيْهِ) وَكَذَا بَقِيَّةُ أُصُولِهِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ ذُكُورًا وَإِنَاثًا.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ) خَرَجَ الْكَافِرُ مِنْ أُصُولِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُهُ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِهَادِ فَهُوَ فِي غَيْرِهِ كَالْمُسْلِمِ، وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ سَفَرِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَحُدُوثِ الدَّيْنِ فَيُمْنَعُ كَمَا تَقَدَّمَ وَشَمِلَ الْأَصْلُ الْحُرَّ وَالرَّقِيقَ وَالْمُرَادُ بِالْوَلَدِ الْحُرُّ وَالْمُبَعَّضُ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْمُبَعَّضِ إذْنُ سَيِّدِهِ أَيْضًا، وَيُعْتَبَرُ فِي الرَّقِيقِ إذْنُ سَيِّدِهِ فَقَطْ.
فَلَهُ: (لَا سَفَرُ تَعَلُّمِ فَرْضِ عَيْنٍ) وَكَذَا كِفَايَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَلَا يَحْرُمُ السَّفَرُ لَهُمَا وَلَوْ نَحْوَ صَنْعَةٍ وَمِثْلُهُمَا آلَتُهُمَا.
قَوْلُهُ: (جَائِزٌ) أَيْ إنْ أَمِنَ الطَّرِيقَ وَلَوْ مُنْفَرِدًا وَلَيْسَ فِي بَلَدِهِ مِنْ يُغْنِيهِ، وَيُعْتَبَرُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا وَلَيْسَ أَمْرَدَ جَمِيلًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَذِنَ أَبَوَاهُ) أَيْ جَمِيعُ أُصُولِهِ كَمَا مَرَّ قَوْلُهُ: (وَالْغَرِيمُ ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ خُرُوجِهِ) قَيَّدَهُ بِهِ لِمُنَاسَبَةِ مَا بَعْدَهُ فَقَبْلَهُ يَمْتَنِعُ بِالْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ) كُلًّا أَوْ بَعْضًا ذَاتًا وَمَنْفَعَةً وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْإِقَامَةُ فِي طَرِيقِهِ فِي مَحِلٍّ إلَى رُجُوعِ مَنْ يَأْمَنُ مَعَهُ لَزِمَهُ، وَإِلَّا فَلَهُ الْمُضِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَالِهِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ حَضَرَ) قَيَّدَ بِهِ لِمُنَاسَبَةِ الْمَقَامِ وَإِلَّا فَالشُّرُوعُ وَلَوْ بِلَا سَفَرٍ كَذَلِكَ.
[حاشية عميرة]
بَحْثًا وَهُوَ ظَاهِرٌ قَوْلُهُ: (مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) أَيْ حِينَ يَحْضُرُ قَوْلُهُ: (سَفَرُ جِهَادٍ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُمْنَعُ الْجِهَادَ كَمَا يُمْنَعُ السَّفَرَ لِلْجِهَادِ لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِي فَرْقٌ بَيْنَ لَفْظِ السَّفَرِ هُنَا وَإِسْقَاطِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْأُصُولِ الْآتِيَةِ.
قَوْلُهُ: (قِيلَ: وَإِنْ كَفَوْا) قَالَ الْإِمَامُ هَذَا يَلْزَمُهُ الْإِيجَادُ عَلَى كُلِّ الْأُمَّةِ
أَوْ مَالِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ (فَإِنْ) حَضَرَ وَ (شَرَعَ فِي قِتَالٍ) ثُمَّ عَلِمَ الرُّجُوعَ، (حَرُمَ الِانْصِرَافُ فِي الْأَظْهَرِ) وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ بَلْ يَجِبُ وَالثَّالِثُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الِانْصِرَافِ وَالْمُصَابَرَةِ وَالْخِلَافُ فِي الرَّوْضَةِ أَوْجُهٌ وَفِي أَصْلِهَا أَقْوَالٌ أَوْ أَوْجُهٌ، (الثَّانِي) مِنْ حَالِ الْكُفَّارِ (يَدْخُلُونَ بَلْدَةً لَنَا فَيَلْزَمُ) أَهْلَهَا الدَّفْعُ بِالْمُمْكِنِ فَإِنْ أَمْكَنَ تَأَهُّبٌ لِقِتَالٍ وَجَبَ الْمُمْكِنُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ (حَتَّى عَلَى فَقِيرٍ وَوَلَدٍ وَمَدِينٍ وَعَبْدٍ بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَرَبِّ الدَّيْنِ وَالسَّيِّدِ، (وَقِيلَ: إنْ حَصَلَتْ مُقَاوَمَةٌ بِأَحْرَارٍ اُشْتُرِطَ) فِي الْعَبْدِ (إذْنُ سَيِّدِهِ) فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَالنِّسْوَةُ إنْ كَانَ فِيهِنَّ قُوَّةُ دِفَاعٍ كَالْعَبِيدِ، وَإِلَّا فَلَا يَحْضُرْنَ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَأَهُّبٌ لِقِتَالٍ، (فَمَنْ قَصَدَ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْمُمْكِنِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ أُخِذَ قُتِلَ) يَسْتَوِي فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ وَالْأَعْمَى وَالْأَعْرَجُ وَالْمَرِيضُ، (وَإِنْ جُوِّزَ الْأَسْرُ) وَالْقَتْلُ (فَلَهُ أَنْ يَسْتَسْلِمَ) وَأَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ (وَمَنْ هُوَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ الْبَلْدَةِ كَأَهْلِهَا) ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجِيءَ إلَيْهِمْ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كِفَايَةٌ، وَكَذَا إنْ كَانَ فِي الْأَصَحِّ مُسَاعَدَةٌ لَهُمْ (وَمَنْ) هُمْ (عَلَى الْمَسَافَةِ يَلْزَمُهُمْ الْمُوَافَقَةُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ إنْ لَمْ يَكْفِ أَهْلُهَا وَمَنْ يَلِيهِمْ قِيلَ وَإِنْ كُفُوا) يَلْزَمُهُمْ الْمُوَافَقَةُ مُسَاعَدَةً لَهُمْ
(وَلَوْ أَسَرُوا مُسْلِمًا فَالْأَصَحُّ وُجُوبُ النُّهُوضِ إلَيْهِمْ لِخَلَاصِهِ إنْ تَوَقَّعْنَاهُ) كَمَا يُنْهَضُ إلَيْهِمْ فِي دُخُولِهِمْ دَارَ الْإِسْلَامِ لِدَفْعِهِمْ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الدَّارِ، وَالثَّانِي قَالَ إزْعَاجُ الْجُنُودِ لِخَلَاصِ أَسِيرٍ بَعِيدٌ.
.
فَصْلٌ (يُكْرَهُ غَزْوٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ) . الْأَمِيرِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ
(وَيُسَنُّ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ وَيَأْخُذَ الْبَيْعَةَ) ، عَلَيْهِمْ (بِالثَّبَاتِ) وَيَأْمُرَهُمْ بِطَاعَةِ الْأَمِيرِ وَيُوصِيهِ بِهِمْ لِلِاتِّبَاعِ (وَلَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِكُفَّارٍ تُؤْمَنُ خِيَانَتُهُمْ) أَهْلِ ذِمَّةٍ
[حاشية قليوبي]
تَنْبِيهٌ: هَذَا الْخِلَافُ وَالتَّفْصِيلُ خَاصٌّ بِالْفَرْعِ وَالْمَدِينِ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَغَيْرُهُمَا لَهُ الرُّجُوعُ وَالِانْصِرَافُ مُطْلَقًا إلَّا مَعَ الْفَشَلِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ آنِفًا.
قَوْلُهُ: (بَلْدَةً لَنَا) هُمَا مِثَالٌ إذْ غَيْرُ الْبَلَدِ كَالْجَبَلِ وَالْخَرَابُ الْقَرِيبُ مِنْهَا كَذَلِكَ، وَبِلَادُ الذِّمِّيِّينَ كَبِلَادِنَا لِأَنَّهُ يَلْزَمُنَا الذَّبُّ عَنْهُمْ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (إنْ عُلِمَ إلَخْ) أَوْ لَمْ تَأْمَنْ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْأَمْرَدِ فَاحِشَةً لَوْ أَخْذًا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ جَوَّزَ إلَخْ) أَوْ أَمِنَ مِنْ ذِكْرِ الْفَاحِشَةِ وَلَوْ حَالَ الْقِتَالِ، وَلَهُ الدَّفْعُ إذَا أُرِيدَتْ مِنْهُ بَعْدَ الْأَسْرِ.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ أَنْ يَسْتَسْلِمَ) لِأَنَّهُ قَدْ أَمِنَ الْمَحْذُورَ الْآنَ وَقَدْ يَسْتَمِرُّ وَبِذَلِكَ فَارَقَ مَا لَوْ صَالَ عَلَيْهِ كَافِرٌ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَصَحِّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْكَلَامُ فِيمَنْ يَلْزَمُهُ الْجِهَادُ ابْتِدَاءً وَلَيْسَ لِمَنْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ تَأْخِيرٌ لِتَرَقُّبِ خُرُوجِ غَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ، قَوْلُهُ: (بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ) فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّهِمْ وَفِيمَنْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ بِمَا عَلِمْت،.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَسَرُوا مُسْلِمًا فَالْأَصَحُّ وُجُوبُ النُّهُوضِ إلَيْهِمْ) وَلَوْ عَلَى رَقِيقٍ وَنَحْوِهِ بِلَا إذْنٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَوَقَّعْنَاهُ) أَيْ خَلَاصَهُ وَإِلَّا كَأَنْ تَوَغَّلُوا فِي بِلَادِهِمْ تَرَكْنَاهُ لِلضَّرُورَةِ.
[فَصْلٌ الْغَزْو بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ]
فَصْلٌ فِيمَا يُكْرَهُ مِنْ الْغَزْوِ وَمَنْ يُكْرَهُ لَهُ وَمَا يَجُوزُ أَوْ يُسَنُّ فِعْلُهُ بِهِمْ، وَمَنْ يَحْرُمُ قَتْلُهُ مِنْهُمْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ وَالْغَزْوُ لُغَةً الطَّلَبُ، لِأَنَّ الْغَازِي يَطْلُبُ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاصْطِلَاحًا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (يُكْرَهُ) أَيْ فِي الْمُتَطَوِّعَةِ وَيَحْرُمُ فِي الْمُرْتَزِقَةِ بِلَا إذْنٍ نَعَمْ إنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي الْغَزْوِ لَكِنْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ وَجُنْدُهُ بِإِقْبَالِهِمْ عَلَى الدُّنْيَا أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِذْنِ فِيهِ أَوْ كَانَ انْتِظَارُ الْإِذْنِ يُفَوِّتُ مَقْصُودًا لَمْ يُكْرَهْ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ يُؤْمَرَ إلَخْ) نَعَمْ إنْ لَزِمَ عَلَى عَدَمِ الْإِمَارَةِ خَلَلٌ فِي الْقِتَالِ وَجَبَتْ وَيُسَنُّ مَنْعُ مُخَذِّلٍ أَوْ مُرْجِفٍ مِنْ الْخُرُوجِ وَمِنْ الْجِهَادِ بَلْ يَجِبُ إنْ لَزِمَ عَلَى خُرُوجِهِ فَسَادٌ فِي الْقِتَالِ أَوْ طَمَعٌ فِي الْمُسْلِمِينَ قَوْلُهُ: (إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَخْرُجُ سِرًّا أَوْ لَيْلًا غَالِبًا، وَتَعُودُ إلَى الْجَيْشِ وَأَقَلُّهَا مِائَةٌ وَأَكْثَرُهَا أَرْبَعُمِائَةٍ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مُطْلَقُ الْجَمَاعَةِ الشَّامِلَةِ لِلْبَعْثِ وَالْكَتِيبَةِ وَالْفِئَةِ، وَهِيَ مَا دُونَهَا إلَى الْوَاحِدِ وَلِمَا فَوْقَهَا وَيُسَمَّى بِالْمَنْسَرِ إلَى ثَمَانمِائَةٍ ثُمَّ بِالْجَيْشِ وَالْخَمِيسِ إلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ ثُمَّ بِالْجَحْفَلِ لِمَا زَادَ بِلَا نِهَايَةٍ.
قَوْلُهُ: (الْبَيْعَةَ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ.
قَوْلُهُ: (بِطَاعَةِ الْأَمِيرِ) وَيَحْرُمُ كَوْنُهُ مُبْتَدِعًا نَحْوَ فَاسِقٍ.
تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ بَلْ يُنْدَبُ لِكُلِّ جَمَاعَةٍ أَرَادُوا سَفَرًا وَلَوْ قَصِيرًا أَنْ يُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ وَاحِدًا مِنْهُمْ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ وَتَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِكُفَّارٍ) وَإِنْ لَمْ يُخَالِفُوا مُعْتَقَدِ الْعَدُوِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَسَوَاءٌ اُحْتِيجَ إلَيْهِمْ أَوْ لَا وَيُرَادُ بِالْمُقَاوَمَةِ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ وَشَمِلَ الْكُفَّارَ مَا لَوْ كَانُوا نِسَاءً بِإِذْنِ أَزْوَاجِهِنَّ.
[حاشية عميرة]
لَكِنَّ قَائِلَهُ يُوجِبُهُ عَلَى الْأَقْرَبِينَ، فَالْأَقْرَبِينَ بِلَا ضَبْطٍ حَتَّى يَصِلَ الْخَبَرُ بِأَنَّهُمْ قَدْ كَفَوْا وَأُخْرِجُوا.
قَوْلُهُ: (يَلْزَمُهُمْ الْمُوَافَقَةُ) لَمْ يَقُلْ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ لِئَلَّا يَتَدَافَعَ.
فَصْلٌ يُكْرَهُ غَزْوٌ قَوْلُهُ: (بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ) قِيلَ: مَحِلُّ هَذَا فِي غَيْرِ الْمُرْتَزِقَةِ وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ بِصَدَدِ مُهِمَّاتِ الدِّينِ الَّتِي تَعْرِضُ فَلَا يَغْزُونَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (الْبَيْعَةَ) هِيَ الْيَمِينُ وَالْحَلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَسُمِّيَتْ السَّرِيَّةُ سَرِيَّةً لِأَنَّهَا تَسْرِي لَيْلًا وَقِيلَ مِنْ الشَّيْءِ السَّرِيِّ، أَيْ النَّفِيسِ
أَوْ مُشْرِكِينَ (وَيَكُونُونَ بِحَيْثُ لَوْ انْضَمَّتْ فِرْقَتَا الْكُفْرِ قَاوَمْنَاهُمْ) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ: وَيُفْعَلُ بِالْمُسْتَعَانِ بِهِمْ مَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً مِنْ إفْرَادِهِمْ فِي جَانِبِ الْجَيْشِ أَوْ اخْتِلَاطِهِمْ بِهِ بِأَنْ يُفَرِّقَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، (وَ) لَهُ الِاسْتِعَانَةُ (بِعَبِيدٍ بِإِذْنِ السَّادَةِ وَمُرَاهِقِينَ أَقْوِيَاءَ) فِي الْقِتَالِ وَيَنْتَفِعُ بِهِمْ فِي سَقْيِ الْمَاءِ وَمُدَاوَاةِ الْجَرْحَى، (وَلَهُ بَذْلُ الْأُهْبَةِ وَالسِّلَاحِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمِنْ مَالِهِ) فَيَنَالُ ثَوَابَ الْإِعَانَةِ وَكَذَا إذَا بَذَلَ وَاحِدٌ مِنْ الرَّعِيَّةِ.
(وَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ مُسْلِمٍ لِجِهَادٍ) لِأَحَدٍ لِأَنَّهُ بِحُضُورِ الصَّفِّ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ
(وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ) لِجِهَادٍ (لِلْإِمَامِ قِيلَ وَلِغَيْرِهِ) مِنْ الْآحَادِ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لَا يَتَوَلَّاهَا الْآحَادُ وَيُغْتَفَرُ جَهَالَةُ الْعُمْرِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْقِتَالُ عَلَى مَا يُتَّفَقُ
(وَيُكْرَهُ لِغَازٍ قَتْلُ قَرِيبٍ) لَهُ مِنْ الْكُفَّارِ (وَ) قَتْلُ (مُحْرِمٍ أَشَدُّ) كَرَاهَةً (قُلْت) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ، (إلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ يَسُبَّ اللَّهَ) تَعَالَى (أَوْ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) فَلَا يُكْرَهُ قَتْلُهُ.
(وَيَحْرُمُ قَتْلُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَامْرَأَةٍ وَخُنْثَى مُشْكِلٍ) لِلنَّهْيِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَإِلْحَاقِ الْمَجْنُونِ بِالصَّبِيِّ وَالْخُنْثَى بِالْمَرْأَةِ فَإِنْ قَاتَلُوا جَازَ قَتْلُهُمْ
(وَيَحِلُّ قَتْلُ رَاهِبٍ) شَيْخٍ أَوْ شَابٍّ (وَأَجِيرٍ وَشَيْخٍ) ضَعِيفٍ (وَأَعْمَى وَزَمِنٍ لَا قِتَالَ فِيهِمْ وَلَا رَأْيَ فِي الْأَظْهَرِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] وَالثَّانِي لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ فَمَنْ قَاتَلَ مِنْهُمْ أَوْ كَانَ لَهُ رَأْيٌ فِي الْقِتَالِ وَتَدْبِيرِ أَمْرِ الْحَرْبِ جَازَ قَتْلُهُ قَطْعًا وَتَفَرَّعَ عَلَى الْجَوَازِ قَوْلُهُ (فَيُسْتَرَقُّونَ وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ) وَصِبْيَانُهُمْ (وَ) تُغْنَمُ (أَمْوَالُهُمْ) وَعَلَى الْمَنْعِ يُرَقُّونَ بِنَفْسِ الْأَسْرِ وَقِيلَ: يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ وَقِيلَ: يُتْرَكُونَ وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ، وَيَجُوزُ سَبْيُ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَاغْتِنَامُ أَمْوَالِهِمْ فِي الْأَصَحِّ.
(وَيَجُوز
ُ حِصَارُ الْكُفَّارِ فِي الْبِلَادِ وَالْقِلَاعِ وَإِرْسَالُ الْمَاءِ عَلَيْهِمْ وَرَمْيُهُمْ بِنَارٍ
وَمَنْجَنِيقٍ وَتَبْيِيتُهُمْ فِي غَفْلَةٍ) أَيْ الْإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ لَيْلًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ نِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ قَالَ تَعَالَى ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] «وَحَاصَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ الطَّائِفِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ «وَنَصَبَ عَلَيْهِمْ الْمَنْجَنِيقَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقِيسَ عَلَيْهِ رَمْيُ النَّارِ وَإِرْسَالُ الْمَاءِ «وَأَغَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَسَأَلَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ يَبِيتُونَ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (أَوْ مُشْرِكِينَ) أَيْ أَهْلَ حَرْبٍ وَلَوْ عَبِيدًا وَمُرَاهِقِينَ بِالْإِذْنِ كَمَا مَرَّ وَيُمْكِنُ شُمُولُ مَا بَعْدَهُ لَهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَبِعَبِيدٍ) وَلَوْ مُكَاتَبِينَ وَمُوصًى بِمَنْفَعَتِهِمْ وَلَوْ لِبَيْتِ الْمَالِ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا وَكَذَا مَا بَعْدَهُ مِنْ الْمُرَاهِقِينَ وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْقِتَالِ) أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالسِّلَاحُ) عَطْفٌ خَاصٌّ قَوْلُهُ: (فَيَنَالُ إلَخْ) يُمْكِنُ رُجُوعُهُ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ مُسْلِمٍ) وَلَوْ صَغِيرًا وَرَقِيقًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَالْعِلَّةُ لِلْأَغْلَبِ أَوْ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ) أَيْ كَافِرٍ مُطْلَقًا خِلَافًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَتَصِحُّ بِلَفْظِ الْمُصَالَحَةِ وَتَنْفَسِخُ بِإِسْلَامِهِ وَبِالصُّلْحِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ قَالَهُ شَيْخُنَا، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا عَدَمُ الْفَسْخِ وَلَا تَتَوَقَّفُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْحَاجَةِ وَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ الْكَافِرُ، أَوْ انْفَسَخَتْ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا أَخَذَهُ كُلَّهُ فِي الْأُولَى، وَكَذَا فِي الثَّانِيَةِ إنْ لَمْ يَمْضِ مِنْ زَمَنِ الْإِجَارَةِ شَيْءٌ وَإِلَّا فَبِالْقِسْطِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ) أَيْ مَنْعُ صِحَّةِ إجَارَةِ الْكَافِرِ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلَوْ مِنْ نَحْوِ قُضَاةِ الْعَسَاكِرِ حَيْثُ لَا نِيَابَةَ لَهُمْ فِيهَا.
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ) وَلِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِئْجَارُ لِلْأَذَانِ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ وَلِأَنَّ الْأَجِيرَ فِي الْأَذَانِ مُسْلِمٌ فَهُوَ مَأْمُونٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُغْتَفَرُ إلَخْ) وَأَيْضًا يُغْتَفَرُ فِي مُعَاقَدَةِ الْكُفَّارِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا كَمَا يَأْتِي.
.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ لِغَازٍ قَتْلُ قَرِيبٍ) وَكَذَا مَحْرَمٌ لَا قَرَابَةَ لَهُ قَالَهُ شَيْخُنَا وَعَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَتْلُ مُحْرِمٍ) أَيْ قَرِيبٍ أَيْضًا وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ ذِكْرَهُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ يَسُبُّ اللَّهَ) أَيْ يَعْلَمُ مِنْهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (أَوْ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَلَوْ قَالَ رَسُولًا لَكَانَ أَعَمَّ وَالنَّبِيُّ كَالرَّسُولِ وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ كَانَ أَعَمَّ وَأَوْلَى، وَكَذَا مَنْ سَبَّ الْإِسْلَامَ أَوْ الْمُسْلِمِينَ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ قَتْلُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَامْرَأَةٍ وَخُنْثَى) وَمَنْ بِهِ رِقٌّ قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَاتَلُوا جَازَ قَتْلُهُمْ) وَكَذَا مَنْ سَبَّ مِنْهُمْ الْإِسْلَامَ أَوْ الْمُسْلِمِينَ، نَعَمْ لَا عِبْرَةَ بِسَبِّ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ قَتْلُ رَاهِبٍ) هُوَ عَابِدُ النَّصَارَى قَوْلُهُ: (وَأَجِيرٍ) أَيْ مَنْ اسْتَأْجَرُوهُ عَلَى قِتَالِنَا أَوْ اسْتَأْجَرْنَاهُ لِقِتَالِهِمْ ثُمَّ انْضَمَّ إلَيْهِمْ، نَعَمْ يَحْرُمُ قَتْلُ الرُّسُلِ مِنْهُمْ إلَيْنَا.
قَوْلُهُ: (وَتَفَرَّعَ إلَخْ) أَيْ لِعَدَمِ ذِكْرِ الْخِلَافِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ) وَلَوْ مُتَرَهِّبَاتٍ وَكَذَا خَنَاثَاهُمْ وَأَرِقَّاؤُهُمْ وَمَجَانِينُهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ إلَخْ) أَيْ عَلَى قَوْلِ التَّرْكِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ رَمْيُهُمْ بِنَارٍ إلَخْ) وَإِنْ أَمْكَنَ قَتْلُهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
نَعَمْ يَجِبُ عَرْضُ
[حاشية عميرة]
وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ يُخْفُونَ سَيْرَهُمْ مِنْ السِّرِّ وَرُدَّ بِأَنَّ اللَّامَ فِي السِّرِّ رَاءٌ قَوْلُهُ: (بِعَبِيدٍ وَمُرَاهِقِينَ) نَبَّهَ بِالْأَوَّلِ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ كَالْمَدْيُونِ وَالْوَلَدِ وَبِالثَّانِي عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ كَالنِّسَاءِ.
[اسْتِئْجَارُ مُسْلِمٍ لِجِهَادٍ]
قَوْلُهُ: (مُسْلِمٍ) أَيْ وَلَوْ رَقِيقًا لِأَنَّ الْأَرِقَّاءَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إذَا قَصَدَ الْكُفَّارُ دَارَ الْإِسْلَامِ بِمِثْلِ ذَلِكَ حُضُورُ الصَّفِّ
[اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ لِجِهَادٍ]
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ هُنَا مِنْ شُرُوطِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْكُفَّارِ كَمَا سَلَفَ، وَلَوْ حَصَلَ صُلْحٌ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ قَبْلَ وُصُولِ دَارِ الْحَرْبِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ وَقَضِيَّةُ نَظِيرِهِ مِنْ الْحَجِّ عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ مُطْلَقًا، قَوْلُهُ: (مِنْ الْآحَادِ) كَالْأَذَانِ قَوْلُهُ: (عَلَى مَا يُتَّفَقُ) أَيْ يَقَعُ
قَوْلُهُ: (وَمُحْرِمٍ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ بِدَلِيلِ تَقَدُّمِ الْأَقَارِبِ مُطْلَقًا فِي التَّصَدُّقِ عَلَى مَحَارِمِ الرَّضَاعِ
قَوْلُهُ: (ضَعِيفٍ) هُوَ صِفَةٌ لِشَيْخِ، قَوْلُهُ: (لَا قِتَالَ فِيهِمْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ لِلشَّيْخِ وَمَا بَعْدَهُ فَإِنَّ الْأَجِيرَ وَالرَّاهِبَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّابِّ وَالشَّيْخِ.
أَقُولُ
فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ فَقَالَ: هُمْ مِنْهُمْ» رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ أَسِيرٌ أَوْ تَاجِرٌ جَازَ ذَلِكَ) أَيْ الرَّمْيُ بِمَا ذُكِرَ وَغَيْرُهُ (عَلَى الْمَذْهَبِ) وَفِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةٌ إلَيْهِ قَوْلٌ بِحُرْمَتِهِ هَذِهِ طَرِيقَةٌ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ إنْ عَلِمَ هَلَاكَ الْمُسْلِمِ بِهِ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ.
(وَلَوْ الْتَحَمَ حَرْبٌ فَتَتَرَّسُوا بِنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ) مِنْهُمْ وَلَوْ تُرِكُوا لَغَلَبُوا الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا (جَازَ رَمْيُهُمْ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (وَإِنْ دَفَعُوا بِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى رَمْيِهِمْ فَالْأَظْهَرُ تَرْكُهُمْ) فَلَا يُرْمَوْنَ وَالثَّانِي جَوَازُ رَمْيِهِمْ وَرَجَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ (وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ فَإِنْ لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى رَمْيِهِمْ تَرَكْنَاهُمْ) فَلَا نَرْمِيهِمْ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ دَعَتْ إلَى رَمْيِهِمْ بِأَنْ يَظْفَرُوا بِنَا لَوْ تَرَكْنَاهُمْ (جَازَ رَمْيُهُمْ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (فِي الْأَصَحِّ) عَلَى قَصْدِ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَنَتَوَقَّى الْمُسْلِمِينَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَالثَّانِي الْمَنْعُ إذَا لَمْ يَتَأَتَّ رَمْيُ الْكُفَّارِ إلَّا بِرَمْيِ مُسْلِمٍ
(وَيَحْرُمُ الِانْصِرَافُ عَنْ الصَّفِّ إذَا لَمْ يَزِدْ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلَيْنَا) بِأَنْ كَانُوا مِثْلَيْنَا أَوْ أَقَلَّ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 66] هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ (إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ) كَمَنْ يَنْصَرِفُ لِيَكْمُنَ فِي مَوْضِعٍ وَيَهْجُمَ أَوْ يَنْصَرِفَ مِنْ مَضِيقٍ لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ إلَى مُتَّسَعِ سَهْلٍ لِلْقِتَالِ (أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ يَسْتَنْجِدُ بِهَا) قَلِيلَةٍ أَوْ كَثِيرَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ انْصِرَافُهُ قَالَ تَعَالَى إلَّا مُتَحَرِّفًا إلَى آخِرِهِ.
(وَيَجُوزُ إلَى فِئَةٍ بَعِيدَةٍ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ قُرْبُهَا وَمَنْ عَجَزَ بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ لَهُ الِانْصِرَافُ بِكُلِّ حَالٍ (وَلَا يُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إلَى بَعِيدَةِ الْجَيْشَ فِيمَا غَنِمَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ) وَيُشَارِكُهُ فِيمَا غَنِمَ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ (وَيُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إلَى قَرِيبَةِ) الْجَيْشَ فِيمَا غَنِمَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي لَا يُشَارِكُهُ لِمُفَارَقَتِهِ وَيُشَارِكُهُ فِيمَا غَنِمَ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ قَطْعًا وَالْمُتَحَرِّفُ يُشَارِكُهُ فِيمَا غَنِمَ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ وَلَا يُشَارِكُهُ فِيمَا غَنِمَ بَعْدَهَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ يُشَارِكُ وَلَعَلَّهُ فِيمَنْ لَمْ يَبْعُدْ وَلَمْ يَغِبْ وَنَصَّ فِيمَا إذَا انْحَرَفَ وَانْقَطَعَ عَنْ الْقَوْمِ قَبْلَ أَنْ يَغْنَمُوا أَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُمْ (فَإِنْ زَادَ) الْعَدَدُ (عَلَى مِثْلَيْنَا جَازَ الِانْصِرَافُ إلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ انْصِرَافُ مِائَةِ بَطَلٍ عَنْ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدٍ ضُعَفَاءَ فِي الْأَصَحِّ) نَظَرًا لِلْمَعْنَى وَالثَّانِي يَقِفُ مَعَ الْعَدَدِ.
[حاشية قليوبي]
الْإِسْلَامِ عَلَى مَنْ تَبْلُغُهُ الدَّعْوَةُ قَبْلَ قِتَالِهِ، وَيَحْرُمُ ذَلِكَ إنْ الْتَجَئُوا لِنَحْوِ الْحُرُمِ بِلَا ضَرُورَةٍ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ إلَخْ) وَلَوْ ظَنًّا أَوْ يَقِينًا.
قَوْلُهُ: (جَازَ ذَلِكَ) أَيْ وَلَا ضَمَانَ فِي الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ عَيْنُهُ كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ: (قَوْلٌ بِحُرْمَتِهِ) الْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي جَوَازُ رَمْيِهِمْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ حَيْثُ كَانَتْ حَاجَةٌ وَلَوْ بِلَا ضَرُورَةٍ.
قَوْلُهُ: (بِمُسْلِمِينَ) أَوْ ذِمِّيِّينَ.
قَوْلُهُ: (تَرَكْنَاهُمْ) وُجُوبًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَا عِبْرَةَ بِالْحَاجَةِ هُنَا، وَفَارَقَ مَا قَبْلَهُ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُسْلِمِ لِلَّهِ وَفِي نَحْوَ النِّسَاءِ لِلْغَانِمِينَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ دَعَتْ) أَيْ الضَّرُورَةُ جَازَ رَمْيُهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ الِانْصِرَافُ) أَيْ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِتَالُ كَمَا مَرَّ، وَسَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ بَعْضُ مَفْهُومِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ الصَّفِّ) خَرَجَ غَيْرُ الصَّفِّ فَيَجُوزُ فِرَارُ مُسْلِمٍ مِنْ كَافِرَيْنِ وَإِنْ طَلَبَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَطْلُبَاهُ.
قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ يَزِدْ إلَخْ) وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْقُوَّةِ أَيْضًا فَيَجُوزُ انْصِرَافُ مِائَةٍ مِنَّا ضُعَفَاءَ عَنْ مِائَتَيْنِ إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ أَقْوِيَاءَ.
قَوْلُهُ: (لِيَكْمُنَ) مُضَارِعُ كَمَنَ كَنَصَرَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَضِيقٍ) أَوْ نَحْوِ شَمْسٍ أَوْ رِيحٍ.
قَوْلُهُ: (مُتَحَيِّزًا) ذَاهِبًا قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَجُوزُ) وَيُصَدَّقُ فِي قَصْدِهِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ.
قَوْلُهُ: (بَعِيدَةِ) بِحَيْثُ لَوْ اسْتَغَاثَ بِهَا لَمْ تَسْمَعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَعَلَّهُ إلَخْ) أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى جَاسُوسٍ أَرْسَلَهُ الْإِمَامُ فَإِنَّهُ يُشَارِكُ مُطْلَقًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُتَحَرِّفِ وَالْمُتَحَيِّزِ يُشَارِكُ فِيمَا غَنِمَ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ وَحَالَ مُفَارَقَتِهِ وَبَعْدَ عَوْدِهِ إلَّا إنْ بَعُدَ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَغِبْ) هُوَ بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهُ أَوْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَنَصَّ إلَخْ) ظَاهِرٌ سَوَاءٌ بَعُدَ أَوْ لَا وَمِثْلُهُ الْمُتَحَيِّزُ.
قَوْلُهُ: (وَوَاحِدٍ) وَكَذَا اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ لَا أَكْثَرَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَتَجُوزُ الْمُبَارَزَةُ) نَعَمْ تَحْرُمُ عَلَى فَرْعٍ وَمَدِينٍ وَرَقِيقٍ، لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِي خُصُوصِهَا وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْبُرُوزِ وَهُوَ الظُّهُورُ بِأَنْ
[حاشية عميرة]
لَعَلَّ مُرَادَهُ لَا قِتَالَ بِالْفِعْلِ فَيَعُودُ لِلْكُلِّ وَيَتَبَيَّنُ بِهِ مَحِلُّ الْخِلَافِ،
[حِصَارُ الْكُفَّارِ فِي الْبِلَادِ وَالْقِلَاعِ وَإِرْسَالُ الْمَاءِ عَلَيْهِمْ وَرَمْيُهُمْ بِنَارٍ]
قَوْلُهُ: (وَفِيمَا إلَخْ) أَيْ وَأَمَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَيَجُوزُ قَطْعًا، قَوْلُهُ: (وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ وَلَوْ كَانَ ثَمَّ ضَرُورَةٌ وَيَنْبَغِي اخْتِصَاصُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِحَالَةِ عَدَمِ الضَّرُورَةِ، ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ صَرَّحَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنَّ حَالَةَ الضَّرُورَةِ لَا خِلَافَ فِيهَا، قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَقَوْلَانِ) عِبَارَةُ الزَّرْكَشِيّ نَقْلًا عَنْ الرَّوْضَةِ فَالْقَوْلَانِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ دَفَعُوا بِهِمْ) عِبَارَةُ أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَإِنْ لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ بِأَنْ دَفَعُوا بِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ اهـ. لَكِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّهُ يَعْنِي الْمِنْهَاجَ احْتَرَزَ بِهَذَا عَمَّا لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ مَكْرًا وَخَدِيعَةً لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ شَرْعَنَا لَا يَقْتُلُهُمْ فَإِنَّهُمْ يُرْمَوْنَ قَطْعًا، ثُمَّ قَالَ: وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ وَلَكِنْ لَمْ يَقْصِدُوا الدَّفْعَ لَا يُتْرَكُونَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
أَقُولُ: تَأَمَّلْ الْجَمْعَ بَيْنَ كَلَامَيْهِ الْمَذْكُورَيْنِ، قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَيْ كَمَا يُنْصَبُ الْمَنْجَنِيقُ وَغَيْرُهُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ ذُرِّيَّةٌ، قَوْلُهُ: (تَرَكْنَاهُمْ) أَيْ قَطْعًا
قَوْلُهُ: ﴿إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال: 16] إلَخْ) لَوْ ادَّعَى التَّحَرُّفَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَشَرَطَ فِيهِ الْبَغَوِيّ أَنْ يَعُودَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْقَتْلِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ، قَوْلُهُ: (نَصَّ عَلَيْهِ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى كُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ يُشَارِكُهُ وَلَا يُشَارِكُهُ، قَوْلُهُ: (وَنَصَّ إلَخْ) هَذَا سَاقَهُ لِأَنَّهُ كَالدَّلِيلِ عَلَى مَا تُرْجَاهُ، قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَقِفُ مَعَ الْعَدَدِ) أَيْ وَيَقُولُ: تَتَبُّعُ الْأَوْصَافِ عَسِرٌ وَالْأَوَّلُ قَالَ: يَسْتَنْبِطُ مِنْ النَّصِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ.
[حُكْم الْمُبَارِزَة]
قَوْلُهُ: (الْمُبَارَزَةُ) مَأْخُوذٌ مِنْ الْبُرُوزِ وَهُوَ الظُّهُورُ.
(وَتَجُوزُ الْمُبَارَزَةُ) . وَلَا يُسْتَحَبُّ ابْتِدَاؤُهَا وَلَا يُكْرَهُ (فَإِنْ طَلَبَهَا كَافِرٌ اُسْتُحِبَّ الْخُرُوجُ إلَيْهِ) لَهَا (وَإِنَّمَا تَحْسُنُ مِمَّنْ جَرَّبَ نَفْسَهُ) وَعَرَفَ قُوَّتَهُ وَجُرْأَتَهُ فَالضَّعِيفُ الَّذِي لَا يَثِقُ بِنَفْسِهِ يُكْرَهُ لَهُ ابْتِدَاءً وَإِجَابَةً (وَ) إنَّمَا تَحْسُنُ (بِإِذْنِ الْإِمَامِ) فَلَوْ بَارَزَ بِغَيْرِ إذْنِهِ جَازَ، وَمِثْلُهُ الْأَمِيرُ الْمُعَبَّرُ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا
(وَيَجُوزُ إتْلَافُ بِنَائِهِمْ وَشَجَرِهِمْ لِحَاجَةِ الْقِتَالِ وَالظَّفَرِ بِهِمْ وَكَذَا) يَجُوزُ إتْلَافُهَا (إنْ لَمْ يُرْجَ حُصُولُهَا لَنَا فَإِنْ رُجِيَ نُدِبَ التَّرْكُ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: 5] » الْآيَةُ.
(وَيَحْرُمُ إتْلَافُ الْحَيَوَانِ إلَّا مَا يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ) كَالْخَيْلِ فَيَجُوزُ إتْلَافُهُ (لَدَفَعَهُمْ أَوْ ظَفِرَ بِهِمْ أَوْ غَنِمْنَاهُ وَخِفْنَا رُجُوعَهُ إلَيْهِمْ وَضَرَرَهُ) لَنَا فَيَجُوزُ إتْلَافُهُ دَفْعًا لِضَرَرِهِ.
فَصْلٌ (نِسَاءُ الْكُفَّارِ وَصِبْيَانُهُمْ إذَا أُسِرُوا رُقُّوا) وَكَذَا الْعَبِيدُ (يَصِيرُونَ بِالْأَسْرِ أَرِقَّاءَ لَنَا) فَيَكُونُ الثَّلَاثَةُ كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْغَنِيمَةِ الْخُمُسُ لِأَهْلِ الْخُمُسِ وَالْبَاقِي لِلْغَانِمِينَ (وَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي الْأَحْرَارِ الْكَامِلِينَ) إذَا أَسَرُوا (وَيَفْعَلُ) فِيهِمْ (الْأَحَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَتْلٍ) بِضَرْبِ الرَّقَبَةِ (وَمِنْ) بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ (وَفِدَاءٍ بِأَسْرَى) مُسْلِمِينَ (أَوْ مَالٍ وَاسْتِرْقَاقٍ) لِلِاتِّبَاعِ وَيَكُونُ مَالُ الْفِدَاءِ وَرِقَابُهُمْ إذَا اُسْتُرِقُّوا كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْغَنِيمَةِ وَيَجُوزُ فِدَاءُ مُشْرِكٍ بِمُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمِينَ أَوْ مُشْرِكِينَ بِمُسْلِمٍ (فَإِنْ خَفِيَ) عَلَى الْإِمَامِ (الْأَحَظُّ) فِي الْحَالِ (حَبَسَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ) لَهُ فَيَفْعَلُهُ وَسَوَاءٌ فِي الِاسْتِرْقَاقِ الْكِتَابِيُّ وَالْوَثَنِيُّ وَالْعَرَبِيُّ وَغَيْرُهُ (وَقِيلَ: لَا يُسْتَرَقُّ وَثَنِيٌّ) لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ بِالْحُرِّيَّةِ (وَكَذَا عَرَبِيٌّ فِي قَوْلٍ) لِحَدِيثٍ فِيهِ لَكِنَّهُ وَاهٍ
(وَلَوْ أَسْلَمَ أَسِيرٌ عُصِمَ دَمُهُ) لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ» (وَبَقِيَ الْخِيَارُ فِي الْبَاقِي وَفِي قَوْلٍ يَتَعَيَّنُ الرِّقُّ)
[حاشية قليوبي]
يَظْهَرَ اثْنَانِ مَثَلًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ صَفٍّ لِلْقِتَالِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا تَحْسُنُ) أَيْ تَجُوزُ أَوْ تُسْتَحَبُّ قَوْلُهُ: (تُكْرَهُ لَهُ) وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ وَطَلَبَهَا الْكَافِرُ.
قَوْلُهُ: (جَازَ) أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَإِنْ طَلَبَهَا الْكَافِرُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا تُبَاحُ لِقَوِيٍّ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ إنْ لَمْ يَطْلُبْهَا الْكَافِرُ مِنْهُ، وَتُسَنُّ لَهُ إنْ طَلَبهَا وَتُكْرَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ مَا تَحْرُمُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُهُ الْأَمِيرُ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ مَا قَبْلَهُ وَلَعَلَّ ذِكْرَهُ مِنْ الشَّارِحِ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَى الرَّوْضَةِ بِذِكْرِهِ بَعْدَ مَا قَبْلَهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (نَدْبُ التَّرْكِ) فَيُكْرَهُ الْإِتْلَافُ نَعَمْ إنْ فَتَحْنَا بِلَادَهُمْ صُلْحًا عَلَى أَنَّهَا لَنَا أَوْ لَهُمْ أَوْ قَهْرًا وَلَمْ نَحْتَجْ إلَيْهَا حَرُمَ إتْلَافُهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِوَاحِدٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ حَاجَةُ الْقِتَالِ وَالظَّفَرِ بِهِمْ وَعَدَمِ حُصُولِهَا لَنَا فَانْظُرْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ إتْلَافُ الْحَيَوَانِ) أَيْ الْمُحْتَرَمِ فَنَحْوُ خِنْزِيرٍ يَجُوزُ إتْلَافُهُ مُطْلَقًا بَلْ يُنْدَبُ.
[فَصْلٌ نِسَاءُ الْكُفَّارِ وَصِبْيَانُهُمْ إذَا أُسِرُوا]
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْأَسْرِ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَوْلُهُ: (نِسَاءُ الْكُفَّارِ) وَإِنْ كُنَّ حَامِلَاتٍ بِمُسْلِمٍ أَوْ غَيْرَ كِتَابِيَّاتٍ وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْمُرْتَدَّاتِ وَالْخَنَاثَى كَالنِّسَاءِ.
قَوْلُهُ: (يَصِيرُونَ إلَخْ) فَمَعْنَى الرِّقِّ فِيهِمْ انْتِقَالُهُ لَنَا لِأَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ وَلَا يَسْرِي فِي الْمُبَعَّضِ رِقُّهُ بَلْ لِجُزْئِهِ الْحُرِّ حُكْمُ الْحُرِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَالْمَجَانِينُ كَالصِّبْيَانِ ذُكُورًا وَإِنَاثًا.
قَوْلُهُ: (الْكَامِلِينَ) بِذُكُورَةٍ يَقِينًا وَبُلُوغٍ وَعَقْلٍ وَحُرِّيَّةٍ وَلَوْ لِبَعْضِهِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَيَفْعَلُ) وُجُوبًا بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ.
قَوْلُهُ: (بِأَسْرَى مُسْلِمِينَ) وَكَذَا بِكُفَّارٍ وَلَهُ فِدَاءُ أَسْرَانَا بِسِلَاحِهِمْ، لِأَنَّهُ دَوَامٌ وَبِذَلِكَ فَارَقَ عَدَمُ بَيْعِهِ لَهُمْ وَلَوْ اخْتَارَ خَصْلَةً ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ غَيْرُهَا جَازَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا، إلَّا إنْ كَانَتْ الْخَصْلَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا أَوَّلًا قَتْلًا وَإِلَّا فَلَا تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُبَعَّضَ لَا يُقْتَلُ وَلَهُ ضَرْبُ الرِّقِّ عَلَى جُزْءِ الْوَاحِدِ، وَلَا يَسْرِي لِبَاقِيهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَيَكُونُ مَالُ الْفِدَاءِ) وَلَوْ سِلَاحًا لِأَنَّهُ لَا يُرَدُّ إلَيْهِمْ إذَا أُخِذَ كَالْفَيْءِ فَيُخَمَّسُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَسْلَمَ أَسِيرٌ) كَامِلٌ أَوْ بَذَلَ الْجِزْيَةَ بِالْتِزَامِهَا عُصِمَ دَمُهُ، كَذَا وَلَدُهُ الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ أَخْذًا مِمَّا
[حاشية عميرة]
فَصْلُ نِسَاءِ الْكُفَّارِ إلَخْ لَنَا قَوْلٌ: إنَّ الْعَرَبِيَّ الْكَامِلَ لَا يَجُوزُ إرْقَاقُهُ فَيَنْبَغِي جَرَيَانُ نَظِيرِهِ هُنَا وَلَمْ يَذْكُرُوهُ وَخَرَّجَ بِإِضَافَةِ النِّسَاءِ إلَى الْكُفَّارِ نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ الْكَافِرَاتِ، فَلَا تُرَقُّ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ خِلَافٌ فِي سَبْيِ الرَّاهِبَةِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ قَوْلُهُ: (مِنْ قَتْلٍ) قَدْ فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بِبَدْرٍ وَجَعَلَ الْمَنَّ بِثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ، وَأَبِي عَزَّةَ وَالْفِدَاءُ كَثِيرٌ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] وَالِاسْتِرْقَاقُ وَقَعَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَفِي بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَحَكَى بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ بِالْجِزْيَةِ) أَيْ وَفِي الِاسْتِرْقَاقِ تَقْرِيرٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ الْمَنُّ عَلَيْهِ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا عَرَبِيٌّ فِي قَوْلٍ) ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْأُمِّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّا نَأْثَمُ بِالتَّمَنِّي لَتَمَنَّيْنَا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَهَذَا، انْتَهَى.
وَلِلتَّأْثِيمِ بِالتَّمَنِّي فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ ثُمَّ دَلِيلُ الْمَذْهَبِ سَبْيُ هَوَازِنَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ كَبَنِي الْمُصْطَلِقِ
قَوْلُهُ: (وَفِي قَوْلٍ إلَخْ) وَجْهُهُ أَنَّهُ أَسِيرٌ مُحَرَّمُ الْقَتْلِ فَكَانَ كَالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ.
أَيْ يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ.
، (وَإِسْلَامُ كَافِرٍ قَبْلَ ظَفَرٍ بِهِ يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ فَفِيهِ وَأَمْوَالَهُمْ (وَصِغَارَ وَلَدِهِ) عَنْ السَّبْيِ وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِمْ تَبَعًا لَهُ (لَا زَوْجَتَهُ) عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ (عَلَى الْمَذْهَبِ) وَفِي قَوْلٍ مِنْ طَرِيقٍ يَعْصِمُهَا لِئَلَّا يَبْطُلَ حَقُّهُ مِنْ النِّكَاحِ (فَإِنْ اُسْتُرِقَّتْ انْقَطَعَ نِكَاحُهُ فِي الْحَالِ) قَبْلَ دُخُولٍ وَبَعْدَهُ لِامْتِنَاعِ إمْسَاكِ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ لِلنِّكَاحِ (وَقِيلَ: إنْ كَانَ بَعْدَ دُخُولٍ انْتَظَرَتْ الْعِدَّةَ فَلَعَلَّهَا تُعْتَقُ فِيهَا) فَإِنْ أُعْتِقَتْ اسْتَمَرَّ النِّكَاحُ وَإِنْ لَمْ تَسْلَمْ لِأَنَّ إمْسَاكَ الْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ جَائِزٌ
(وَيَجُوزُ إرْقَاقُ زَوْجَةِ ذِمِّيٍّ) إذَا كَانَتْ حَرْبِيَّةً وَيَنْقَطِعُ بِهِ نِكَاحُهُ (وَكَذَا عَتِيقُهُ) الْحَرْبِيُّ يَجُوزُ إرْقَاقُهُ (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِئَلَّا يَبْطُلَ حَقُّهُ مِنْ الْوَلَاءِ (لَا عَتِيقٍ مُسْلِمٍ وَزَوْجَتِهِ الْحَرْبِيَّيْنِ) أَيْ لَا يَجُوزُ إرْقَاقُهُمَا (عَلَى الْمَذْهَبِ) وَفِي قَوْلٍ مِنْ طَرِيقٍ يَجُوزُ.
(وَإِذَا سُبِيَ زَوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ) بَيْنَهُمَا (إنْ كَانَا حُرَّيْنِ) صَغِيرَيْنِ كَانَا أَوْ كَبِيرَيْنِ وَاسْتُرِقَّ الزَّوْجُ لِحُدُوثِ الرِّقِّ (قَبْلُ أَوْ رَقِيقَيْنِ) أَيْضًا لِحُدُوثِ السَّبْيِ.
[حاشية قليوبي]
يَأْتِي وَمِنْ التَّعْلِيلِ بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْلِمًا تَبَعًا، وَكَذَا مَالُهُ إنْ لَمْ يَخْتَرْ الْإِمَامُ رِقَّهُ لَا زَوْجَتَهُ فَلَا يَعْصِمُهُ بِالْأَوْلَى مِنْ زَوْجَةِ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِ عَلَى مَا يَأْتِي.
تَنْبِيهٌ: مَنْ قَتَلَ أَسِيرًا بَعْدَ اخْتِيَارِ قَتْلِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَوْ قَبْلَهُ عُزِّرَ فَقَطْ، أَوْ بَعْدَ اخْتِيَارِ رِقِّهِ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ غَنِيمَةً، أَوْ بَعْدَ الْمَنِّ عَلَيْهِ لَزِمَهُ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ إنْ قَتَلَهُ قَبْلَ بُلُوغِ مَأْمَنِهِ، وَإِلَّا فَهَدْرٌ أَوْ بَعْدَ الْفِدَاءِ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ غَنِيمَةً إنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ الْإِمَامُ فِدَاءَهُ، وَإِلَّا لَزِمَهُ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ إنْ لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ وَإِلَّا فَهَدْرٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِسْلَامُ كَافِرٍ قَبْلَ ظَفَرٍ بِهِ) أَيْ قَبْلَ أَسْرِهِ كَمَا مَرَّ يُعْصَمُ دَمُهُ وَمَالُهُ وَإِنْ كَانَ بِدَرَاهِمَ وَلَيْسَ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (وَصِغَارُ وَلَدِهِ) وَكَذَا حَمْلُهُ وَالْكَبِيرُ الْمَجْنُونُ مِنْ وَلَدِهِ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ وَالْكَلَامُ فِي الْأَوْلَادِ الْأَحْرَارِ.
قَوْلُهُ: (لَا زَوْجَتُهُ) قَالَ شَيْخُنَا أَيْ الْمَوْجُودَةُ حَالَ إسْلَامِهِ وَلَوْ حَامِلًا مِنْهُ كَمَا مَرَّ، وَقَالَ شَيْحُنَا الرَّمْلِيُّ: إنَّهُ يَعْصِمُهَا لِأَنَّهَا الْآنَ زَوْجَةُ مُسْلِمٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يُوجِدَ زَوْجَةٌ لِمُسْلِمٍ غَيْرُ مَعْصُومَةٍ، فَإِنْ قِيلَ يُتَصَوَّرُ فِي زَوْجَةٍ أُسِرَتْ قَبْلَ إسْلَامِهِ لِأَنَّ إسْلَامَهُ بَعْدَ أَسْرِهَا لَا يَعْصِمُهَا عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ، الَّذِي حُكِمَ بِهِ قَبْلَ إسْلَامِهِ وَيُؤَوَّلُ قَوْلُ الشَّارِحِ عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ بِالسَّابِقِ عَلَى إسْلَامِهِ وَيَرُدُّهُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ اُسْتُرِقَّتْ إلَخْ.
صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ فَالْوَجْهُ الَّذِي لَا يُتَّجَهُ غَيْرُهُ أَنْ يُرَادَ بِزَوْجَتِهِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا الَّتِي لَا يَعْصِمُهَا أَنَّهَا هِيَ الَّتِي عَصَمَتْهُ حِينَ أَسْلَمَ وَبِزَوْجَتِهِ الَّتِي يَعْصِمُهَا كَمَا يَأْتِي هِيَ الَّتِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَ إسْلَامِهِ أَوْ هُوَ مُسْلِمٌ أَصْلِيٌّ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَلَى كَلَامِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ تَضْعِيفُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَكَلَامِ الْأَصْحَابِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ وَرَاجِعْ.
وَافْهَمْ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ اُسْتُرِقَّتْ) الْأَوْلَى رُقَّتْ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ضَرْبِ رِقٍّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ وَغَيْرِهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (انْقَطَعَ نِكَاحُهُ فِي الْحَالِ) لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الرَّقِيقَةِ الْكَافِرَةِ مُطْلَقًا، وَلَا الْمُسْلِمَةِ إلَّا بِشُرُوطٍ هِيَ مَعْدُومَةٌ هُنَا، وَبِذَلِكَ عُلِمَ رَدُّ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أُعْتِقَتْ إلَخْ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْجُوحِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ إرْقَاقُ زَوْجَةِ ذِمِّيٍّ) أَيْ الْحُكْمُ بِالرِّقِّ لَا ضَرْبُ الرِّقِّ عَلَيْهَا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي النِّسَاءِ كَمَا مَرَّ، قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّنْبَاطِيُّ: لَعَلَّ هَذَا فِي زَوْجَةٍ لَيْسَتْ تَحْتَ قُدْرَتِنَا، أَوْ فِي زَوْجَةٍ طَرَأَتْ بَعْدَ عَقْدِ الْجِزْيَةِ لَهُ فَلَا يُنَافِي مَا قَالُوهُ أَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لِكَافِرٍ يَعْصِمُ زَوْجَتَهُ تَبَعًا فَرَاجِعْهُ مِنْ مَحِلِّهِ وَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْقَطِعُ بِهِ نِكَاحُهُ) أَيْ الذِّمِّيِّ لِأَنَّ حُدُوثَ الرِّقِّ نَقْصٌ يَمْنَعُ ابْتِدَاءً نِكَاحَهُ لَهُ وَهَذَا شَامِلٌ وَلَمَّا وَكَانَتْ كِتَابِيَّةً، وَقَدْ مَرَّ جَوَازُ نِكَاحِ الْكِتَابِيِّ الْحُرِّ لَهَا فَرَاجِعْهُ نَعَمْ سَيَأْتِي أَنَّ حُدُوثَ الرِّقِّ كَالْمَوْتِ فَلَا فَرْقَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا عَتِيقُهُ) أَيْ الذِّمِّيِّ يَجُوزُ إرْقَاقُهُ وَإِنْ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ بَعْدُ أَوْ كَانَ الْعَتِيقُ عَاقِلًا كَبِيرًا، يَرِقُّ بِنَفْسِ الْأَسْرِ كَالرَّقِيقِ الْأَصْلِيِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ، (يَجُوزُ إرْقَاقُهُ) بَعْدُ أَوْ كَانَ الْعَتِيقُ عَاقِلًا كَبِيرًا، وَيَرِقُّ بِنَفْسِ الْأَسْرِ كَالرَّقِيقِ الْأَصْلِيِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ، يَجُوزُ إرْقَاقُهُ مَرْجُوحٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ بِمُرَاعَاةِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي الْمَنْعُ) وَرُدَّ بِأَنَّ سَيِّدَهُ لَوْ الْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ جَازَ رِقُّهُ فَعَتِيقُهُ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (لَا عَتِيقُ مُسْلِمٍ وَزَوْجَتِهِ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: أَيْ الْمَوْجُودِينَ حَالَ إسْلَامِهِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا قَبْلُ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُرَادَ بِعَتِيقِهِ مَنْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ، أَوْ وَهُوَ مُسْلِمٌ أَصَالَةً وَبِزَوْجَتِهِ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا تَغْفُلْ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَا حُرِّيَّيْنِ) وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَرُقَّ بِسَبْيٍ أَوْ إرْقَاقٍ.
قَوْلُهُ: (وَاسْتَرَقَّ الزَّوْجُ) عَائِدٌ لِقَوْلِهِ كَبِيرَيْنِ فَقَطْ، وَسَوَاءٌ فِيمَا ذُكِرَ سُبِيَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا وَسَوَاءٌ سَبَقَ سَبْيُ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ قَوْلُهُ: (لِحُدُوثِ الرِّقِّ) أَيْ وَحُدُوثُهُ كَالْمَوْتِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ جَوَازُ نِكَاحِ رَقِيقٍ لِرَقِيقَةٍ أَوْ لِحُرَّةٍ ابْتِدَاءً.
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (ظَفَرٍ بِهِ) وَهُوَ أَسْرُهُ قَوْلُهُ: (عَنْ السَّبْيِ) وَكَذَا لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ هِيَ الَّتِي أَسْلَمَتْ قَبْلَ الظَّفَرِ، قَوْلُهُ: (لَا زَوْجَتِهِ) لِاسْتِقْلَالِهَا قَوْلُهُ: (حَقُّهُ) أَيْ كَمَا فِي الْوَلَاءِ، قَوْلُهُ: (إمْسَاكِ الْأَمَةِ) وَلِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَزَوَالُ مِلْكِ الْغَيْرِ عَنْهَا أَوْلَى، قَوْلُهُ: (فَإِنْ أُعْتِقَتْ إلَى آخِرِهِ) هُوَ مِنْ تَتِمَّةِ الْوَجْهِ.
قَوْلُهُ: (زَوْجَةِ ذِمِّيٍّ) أَيْ بِخِلَافِ زَوْجَةِ الْمُسْلِمِ الْآتِيَةِ لِأَنَّ نِكَاحَ الْمُسْلِمِ يُتَخَيَّلُ فِيهِ التَّأْمِينُ، قَوْلُهُ: (لَا عَتِيقِ مُسْلِمٍ) أَيْ وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ حِينَ الْإِعْتَاقِ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْأَسْرِ
قَوْلُهُ: (انْفَسَخَ النِّكَاحُ) وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّبْيَ إذَا أَبْطَلَ مِلْكَ الْمَالِ أَبْطَلَ مِلْكَ النِّكَاحِ، قَوْلُهُ: (لِحُدُوثِ السَّبْيِ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ لِأَنَّ السَّبْيَ يَقْتَضِي فِي الْحُرَّةِ مِلْكًا لَمْ يَكُنْ فَوَجَبَ مِثْلُهُ فِي الْأَمَةِ وَاجْتِمَاعُ رِقَّيْنِ مُحَالٌ فَقُدِّمَ الْأَقْوَى
وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ أَسْلَمَا أَوْ لَا إذَا لَمْ يَحْدُثْ رِقٌّ وَإِنَّمَا انْتَقَلَ مِنْ مَالِكٍ إلَى آخَرَ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ
(وَإِذَا أُرِقَّ) حَرْبِيٌّ (وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَسْقُطْ فَيَقْضِي مِنْ مَالِهِ إنْ غَنِمَ مِنْ إرْقَاقِهِ) وَإِنْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِالرِّقِّ فَإِنْ غَنِمَ قَبْلَ إرْقَاقِهِ أَوْ مَعَهُ لَمْ يَقْضِ مِنْهُ وَفِي الْمَعِيَّةِ وَجْهٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَوْ لَمْ يَقْضِ مِنْهُ بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ إلَى أَنْ يُعْتَقَ فَيُطَالِبُ بِهِ هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَ الدَّيْنُ لِمُسْلِمٍ وَبِمِثْلِهِ أَجَابَ الْإِمَامُ إنْ كَانَ لِذِمِّيٍّ وَذَكَرَ الْبَغَوِيّ فِيهِ وَجْهَيْنِ وَإِنْ كَانَ لِحَرْبِيٍّ فَعَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ سُقُوطُ الدَّيْنِ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ وَفِي التَّهْذِيبِ سُقُوطُ الدَّيْنِ فِي عَكْسِ هَذِهِ أَيْضًا وَهُوَ إرْقَاقُ الدَّائِنِ، وَقَالَ الْإِمَامُ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى مُسْلِمٍ دَيْنُ قَرْضٍ أَوْ ثَمَنٍ لِحَرْبِيٍّ اُسْتُرِقَّ لَا يَسْقُطُ وَفِي الْوَسِيطِ نَحْوُهُ فَيُطَالِبُ بِهِ.
(وَلَوْ اقْتَرَضَ حَرْبِيٌّ مِنْ حَرْبِيٍّ أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ قَبِلَا جِزْيَةً دَامَ الْحَقُّ) لِالْتِزَامِهِ بِعَقْدٍ (وَلَوْ أُتْلِفَ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَا) أَوْ أَسْلَمَ الْمُتْلِفُ (فَلَا ضَمَانَ) عَلَيْهِ (فِي الْأَصَحِّ) لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ وَالثَّانِي قَالَ هُوَ لَازِمٌ عِنْدَهُمْ
(وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَهْرًا غَنِيمَةً) كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ قَسْمِهَا وَذُكِرَ هُنَا تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ (وَكَذَا مَا أَخَذَهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ سَرِقَةً أَوْ وُجِدَ كَهَيْئَةِ اللُّقَطَةِ) مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ لِلْكُفَّارِ فَأَخَذَ فَإِنَّهُ فِي الْقِسْمَيْنِ غَنِيمَةٌ (عَلَى الْأَصَحِّ) بِمَعْنَى أَنَّهُ يُقْسَمُ قِسْمُهَا خَمْسَةٌ لِأَهْلِ الْخُمُسِ وَالْبَاقِي لِمَنْ أَخَذَهَا وَالثَّانِي يَخْتَصُّ بِهِ مَنْ أَخَذَهُ وَعَلَيْهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ (فَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ (لِمُسْلِمٍ) بِأَنْ كَانَ هُنَاكَ مُسْلِمٌ (وَجَبَ تَعْرِيفُهُ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَفِي الْمُهَذَّبِ وَالتَّهْذِيبِ سَنَةً وَبَعْدَ التَّعْرِيفِ يَعُودُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
(وَلِلْغَانِمِينَ التَّبَسُّطُ فِي الْغَنِيمَةِ) قَبْلَ الْقِسْمَةِ (بِأَخْذِ الْقُوتِ وَمَا يَصْلُحُ بِهِ لَحْمٌ وَشَحْمٌ وَكُلُّ طَعَامٍ يُعْتَادُ أَكْلُهُ عُمُومًا) وَفِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْعُمُومِ (وَعَلْفُ الدَّوَابِّ) بِسُكُونِ اللَّامِ (تِبْنًا وَشَعِيرًا وَنَحْوَهُمَا وَذَبْحُ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ لِلَحْمِهِ وَالصَّحِيحُ جَوَازُ الْفَاكِهَةِ) وَهِيَ مِمَّا يُؤْكَلُ غَالِبًا وَالثَّانِي قَالَ: لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَاجَةُ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ سُبِيَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا لِعَدَمِ حُدُوثِ الرِّقِّ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ لِذِمِّيٍّ) وَكَذَا الْمُعَاهِدُ أَوْ مُؤَمَّنٌ وَالْمُطَالَبَةُ فِيهِمَا بِهِ وَبِوَدَائِعِهَا وَنَحْوِهَا لِلْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الظَّاهِرُ) أَيْ سُقُوطُ الدَّيْنِ إنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ هُوَ الظَّاهِرُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَكَذَا عَكْسُهُ الَّذِي فِي التَّهْذِيبِ وَهُوَ إرْقَاقُ الدَّائِنِ أَيْ وَالْمَدِينُ حَرْبِيٌّ لِأَنَّهُ الْعَكْسُ.
قَوْلُهُ: (لَا يَسْقُطُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إلَّا دَيْنُ حَرْبِيٍّ عَلَى مِثْلِهِ بِإِرْقَاقِ أَحَدِهِمَا.
قَوْلُهُ: (فَيُطَالِبُ) بِكَسْرِ اللَّامِ سَوَاءٌ عَتَقَ أَوْ لَا فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ عِتْقِهِ فَالْمُطَالِبُ الْإِمَامُ.
.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَسْلَمَا) أَوْ أَحَدُهُمَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَبِلَا) أَوْ أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ جِزْيَةً أَوْ أَمَانًا أَوْ عَهْدًا كَذَلِكَ دَامَ الْحَقُّ.
قَوْلُهُ: (فَأَسْلَمَا) أَوْ قَبِلَا جِزْيَةً أَوْ عَهْدًا أَوْ أَمَانًا وَكَذَا الْمُتْلِفُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَكَالْحَرْبِيِّ.
مَعَ مِثْلِهِ إذَا عُصِمَ وَعَدَمُ الضَّمَانِ فِي الثَّانِي كَمَا عُلِمَ،.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا يُحْكَمُ بِالْغَنِيمَةِ عَلَى مَا أَخَذَهُ) أَيْ قَهْرًا أَوْ بِرِضًا فِي حَالِ الْحَرْبِ فَدَارُ الْحَرْبِ غَيْرُ قَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ) أَيْ مُسْلِمُونَ أَمَّا الذِّمِّيُّ فَيَمْلِكُ مَا أَخَذَهُ.
فَائِدَةٌ: قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَأَتْبَاعُهُ أَخْذًا مِمَّا ذُكِرَ: إنَّ السَّرَارِيَ الْمَجْلُوبَةَ مِنْ نَحْوَ الْهِنْدِ وَالتُّرْكِ يَجُوزُ وَطْؤُهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّ السَّابِيَ لَهَا، أَوَّلًا ذِمِّيٌّ لَكِنَّ الْأَحْوَطَ شِرَاؤُهَا مِنْ أَمِينِ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ عَلِمَ إسْلَامَ السَّابِي امْتَنَعَ ذَلِكَ حَتَّى تُخَمَّسَ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْأَبْضَاعَ يُحْتَاطُ لَهَا فَلَا يَكْفِي احْتِمَالُ الْحِلِّ فِيهَا، وَلِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِكَافِرٍ سَبَاهَا فَلَا وِلَايَةَ لِأَمِينِ بَيْتِ الْمَالِ عَلَيْهَا، أَوْ لِمُسْلِمٍ وَجَبَ تَخْمِيسُهَا وَلَا وِلَايَةَ لِلْأَمِينِ عَلَى أَهْلِ الْخُمُسِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَلَكَهَا كَافِرٌ ثُمَّ مَلَكَهَا مِنْهُ مُسْلِمٌ ثُمَّ رَجَعَ أَمْرُهَا لِبَيْتِ الْمَالِ، بِنَحْوِ مَوْتِهِ بِلَا وَارِثٍ وَفِيهِ مِنْ الْبُعْدِ مَا لَا يَخْفَى وَدُونَهُ خَرْطُ الْقَتَادِ وَقَدْ مَرَّ.
قَوْلُهُ: (غَنِيمَةٌ) فَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي الْكَامِلِ مِنْهَا بِمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لِمُسْلِمٍ) أَوْ ذِمِّيٍّ قَوْلُهُ: (وَفِي الْمُهَذَّبِ وَالتَّهْذِيبِ سَنَةً) هُوَ الْمُعْتَمَدُ قَوْلُهُ: (يَعُودُ فِي الْخِلَافِ) الْأَصَحُّ مِنْهُ أَنَّهُ غَنِيمَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْغَانِمِينَ) وَلَوْ أَغْنِيَاءَ أَوْ ذِمِّيِّينَ لَوْ أُجَرَاءَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ لَمْ يَرْضَخْ لَهُمْ.
قَوْلُهُ: (التَّبَسُّطُ) أَيْ التَّوَسُّعُ قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْقِسْمَةِ) أَيْ قَبْلَ اخْتِيَارِ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ قَوْلُهُ: (بِأَخْذِ الْقُوتِ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ الْفَوْتِ لِنَفْسِهِ وَمُمَوَّنِهِ لَا لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (يُعْتَادُ أَكْلُهُ) لَا التَّدَهُّنُ بِنَحْوِ دُهْنٍ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْمُحَرَّرِ إلَخْ) وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَسْقَطَهُ لِصِحَّةِ جَعْلِهِ مَعْمُولًا لِلْمَصْدَرِ أَوْ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَفُ الدَّوَابِّ) الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الْحَرْبِ لَا لِنَحْوِ الزِّينَةِ.
قَوْلُهُ: (بِسُكُونِ اللَّامِ) مَصْدَرٌ عَطْفًا عَلَى أَخَذَ فَمَا بَعْدَهُ مَعْمُولٌ لَهُ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا عَطْفًا عَلَى الْقُوتِ وَمَا بَعْدَهُ حَالٌ أَوْ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أَوْ بَدَلٌ عَلَى الْمَحِلِّ وَاخْتِيَارُ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعَلَفُ بِالْفِعْلِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (لِلَحْمِهِ) وَكَذَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ لِأَكْلِ غَيْرِ لَحْمِهِ كَجِلْدِهِ، وَيَجِبُ رَدُّ جِلْدٍ لَا يُؤْكَلُ وَلَا يَجُوزُ جَعْلُهُ سِقَاءً أَوْ خُفًّا، كَمَا لَا يَجُوزُ.
[حاشية عميرة]
الْمُسْتَنِدُ إلَى السَّبْيِ لِتَعَذُّرِ إسْقَاطِهِ
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَسْلَمَا إلَخْ) مِثْلُهُ لَوْ عَرَضَ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا قَوْلُهُ: (أَوْ أَسْلَمَ الْمُتْلِفُ) إنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَجْلِ الْخِلَافِ،.
[الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَهْرًا]
قَوْلُهُ: (مِنْ دَارِ الْحَرْبِ) مِثْلُهُ دَارُنَا إذَا دَخَلُوهَا بِأَمَانٍ، قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ) بَلْ ادَّعَى الْإِمَامُ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ: (وَذَبْحِ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ) اسْتَدَلَّ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ ذَبَحَ شَاةً لِإِهَابِهَا لَمْ يَرْجِعْ كَفَافًا، قَوْلُهُ: (لَا تَجِبُ قِيمَةُ الْمَذْبُوحِ) وَإِلَّا لَمَا جَازَ
حَالَةٍ وَلَا يَجُوزُ الْفَانِيدُ وَالسُّكَّرُ وَمَا تَنْدُرُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ (وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّهُ لَا تَجِبُ قِيمَةُ الْمَذْبُوحِ) وَالثَّانِي تَجِبُ لِنُدُورِ الْحَاجَةِ إلَى ذَبْحِهِ وَمَنْعِ الْأَوَّلِ إلَى نُدُورِهِمَا (وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ الْجَوَازُ بِمُحْتَاجٍ إلَى طَعَامٍ وَعَلَفٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالثَّانِي يَخْتَصُّ بِهِ فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَحَدُهُمَا لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ أَخْذِ حَقِّ الْغَيْرِ وَالْأَوَّلُ قَالَ: لَيْسَ فِيمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَارِ تَقْيِيدٌ بِالْحَاجَةِ نَعَمْ لَيْسَ لَهُ صَرْفُ الطَّعَامِ مَثَلًا إلَى حَاجَةٍ أُخْرَى بَدَلًا عَنْ طَعَامِهِ (وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ لَحِقَ الْجَيْشَ بَعْدَ الْحَرْبِ وَالْحِيَازَةِ وَوَجْهُ الْجَوَازِ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ) وَعِزَّةُ الطَّعَامِ هُنَاكَ (وَأَنَّ مَنْ رَجَعَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَمَعَهُ بَقِيَّةٌ) مِمَّا تَبَسَّطَهُ (لَزِمَهُ رَدُّهَا إلَى الْمَغْنَمِ) أَيْ الْغَنِيمَةِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مُبَاحٌ وَالْأَوَّلُ قَالَ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ وَهُمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا قَوْلَانِ وَلَا يُمْلَكُ بِالْأَخْذِ (وَمَوْضِعُ التَّبَسُّطِ دَارُهُمْ) أَيْ الْكُفَّارِ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ دَارُ الْحَرْبِ (وَكَذَا) مَحِلُّ الرُّجُوعِ (مَا لَمْ يَصِلْ عُمْرَانُ الْإِسْلَامِ فِي الْأَصَحِّ) فَإِنْ وَصَلَهُ انْتَهَى التَّبَسُّطُ وَالثَّانِي قَصْرُهُ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ.
(وَلِغَانِمٍ رَشِيدٍ وَلَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِفَلَسِ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ قِسْمَةٍ) وَبِهِ يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْهَا وَلَا يَصِحُّ إعْرَاضُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ (وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ) لِرَشِيدٍ (بَعْدَ فَرْزِ الْخُمُسِ) لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ مِنْهُ وَالثَّانِي لِيَتَمَيَّزَ حَقُّ الْغَانِمِينَ (وَجَوَازُهُ لِجَمِيعِهِمْ) أَيْ الْغَانِمِينَ وَيُصْرَفُ حَقُّهُمْ مَصْرِفَ الْخُمُسِ وَالثَّانِي مَنْعُ ذَلِكَ (وَبُطْلَانُهُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَسَالِبٍ) أَيْ مُسْتَحِقِّ سَلَبٍ وَالثَّانِي صِحَّتُهُ مِنْهُمَا كَالْغَانِمِينَ وَحْدَهُمْ وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بِتَعَيُّنِ حَقِّ السَّالِبِ وَبِأَنَّ حَقَّ ذَوِي الْقُرْبَى بِلَا عَمَلٍ وَحَقَّ الْغَانِمِينَ بِعَمَلٍ حَصَلَ بِهِ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ الْجِهَادِ وَهُوَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ الدِّينِ وَالْغَنِيمَةُ تَابِعَةٌ
[حاشية قليوبي]
الذَّبْحُ لِذَلِكَ وَيَضْمَنُهُ ذَابِحُهُ بِقِيمَةِ لَحْمِهِ وَجِلْدِهِ.
قَوْلُهُ: (حَاقَّةٍ) بِمُهْمَلَةِ فَقَافٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ قَوِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ الْفَانِيدُ وَالسُّكَّرُ) فَمَنْ احْتَاجَ إلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا فَلَهُ أَخْذُهُ، وَيُحْسَبُ عَلَيْهِ مِنْ قَسْمِهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَلْبُوسِ وَالْمَرْكُوبِ، فَيَلْزَمُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ أُجْرَتُهُ إلَّا إنْ كَانَ لِضَرُورَةِ الْقِتَالِ فَلَا وَالْفَانِيدُ الْمُرَادُ هُنَا، هُوَ الْعَسَلُ الْأَسْوَدُ وَخَرَجَ بِهِ عَسَلُ النَّحْلِ، فَيَجُوزُ التَّبَسُّطُ بِهِ لِنَصِّ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا تَنْدُرُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ كَدَوَاءٍ وَسِقَاءٍ وَخُفٍّ وَنَحْوِهَا.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ لَيْسَ لَهُ إلَخْ) أَيْ لَا يَجُوزُ لِمَنْ أَخَذَ الطَّعَامَ إلَّا أَكْلُهُ فَقَطْ، لِأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ لَا التَّمْلِيكِ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَهُ التَّزَوُّدُ لِذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ إلَى مَا يَأْتِي قَوْلُهُ: (وَالْحِيَازَةِ) فَقَبْلَ الْحِيَازَةِ لَهُ التَّبَسُّطُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْمَغْنَمِ كَمَا مَرَّ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا مَنْعُهُ وَلَمْ يَرْتَضِهِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ) أَيْ دَارٍ فِي قَبْضَةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ رَدُّهَا) أَيْ الْبَقِيَّةِ إلَى الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، أَوْ إلَى الْإِمَامِ بَعْدَهَا وَيَقْسِمُهَا الْإِمَامُ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا أَخْرَجَ لِأَهْلِ الْخُمُسِ حِصَّتَهُمْ مِنْهَا وَجَعَلَ الْبَاقِي لِلْمَصَالِحِ، وَكَأَنَّ الْغَانِمِينَ أَعْرَضُوا عَنْهُ، وَكَانَ عَدَمُ لُزُومِ حِفْظِهِ لَهُ حَتَّى يُضَمَّ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ تَافِهٌ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ إلَخْ) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَى الْمُسْلِمِينَ الْمَفْهُومُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يَصِلْ عُمْرَانَ الْإِسْلَامِ) بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِيهَا مَرَّ، نَعَمْ لَوْ وَقَعَ الْقِتَالُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَعَزَّ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ فَلَهُمْ التَّبَسُّطُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (رَشِيدٍ) أَيْ حَالَ إعْرَاضِهِ وَلَوْ بِعِتْقٍ أَوْ بُلُوغٍ أَوْ عَقْلٍ طَرَأَ بَعْدَ الْقِتَالِ، فَيَخْرُجُ ضِدُّهُمْ.
نَعَمْ يَصِحُّ إعْرَاضُ الْمُكَاتَبِ وَإِعْرَاضُ الْمُبَعَّضِ فِي جُزْءِ الْحُرِّيَّةِ أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ مُهَايَأَةً وَفِي الْكُلِّ فِي نَوْبَتِهِ إنْ كَانَتْ صَحِيحَةً، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يَصِحُّ إعْرَاضُهُ لِأَنَّ الْحَقَّ لِسَيِّدِهِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْقِسْمَةِ) أَيْ وَاخْتِيَارُ التَّمَلُّكِ، قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْمَحْجُورُ مَمْنُوعٌ مِنْهَا، وَبِذَلِكَ فَارَقَ صِحَّةُ إسْقَاطِهِ الْقِصَاصَ، وَإِنَّمَا صَحَّ إعْرَاضُ الْمُفْلِسِ، لِأَنَّهُ مِنْ الِاكْتِسَابِ وَهُوَ لَا يَلْزَمُهُ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ لِوَفَاءِ دَيْنٍ عَصَى بِهِ لَمْ يَصِحَّ إعْرَاضُهُ انْتَهَى.
وَفِيهِ نَظَرٌ بِمَا قَالَهُ فِي بَابِ الْمُفْلِسِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّكَسُّبُ لِأَجْلِ الدَّيْنِ وَإِنْ عَصَى بِهِ، وَإِنَّمَا اللُّزُومُ مِنْ حَيْثُ الْخُرُوجُ مِنْ الْعِصْيَانِ فَرَاجِعْهُ.
مِنْ مَحِلِّهِ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ كَالسَّفِيهِ إلَّا إنْ كَمُلَا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ حَقَّهُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ بَاقِيَةٌ عَلَى الشُّيُوعِ قَوْلُهُ: (لِجَمِيعِهِمْ) أَيْ حَيْثُ كَانُوا كَامِلِينَ وَصِيغَةُ الْإِعْرَاضِ أَنْ يَقُولَ: أَعْرَضْت عَنْ حَقِّي أَوْ أَسْقَطْتُهُ أَوْ سَامَحْت مِنْهُ، أَوْ وَهَبْتُهُ لَهُمْ وَأَرَادَ الْإِسْقَاطَ فَإِنْ أَرَادَ الْهِبَةَ لَمْ يَصِحَّ وَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِعْرَاضِ قَبْلَ اخْتِيَارِ تَمَلُّكِ الْغَانِمِينَ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ عَدَمُ صِحَّةِ الرُّجُوعِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْمُعْرَضَ عَنْهُ حَقُّ تَمَلُّكٍ لَا عَيْنٍ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ جَوَازُ الْعَوْدِ بَعْدَ الْإِعْرَاضِ عَنْ نَحْوِ كَسْرِ الْخُبْزِ وَالسَّنَابِلِ قَبْلَ أَخْذِ غَيْرِهِ لَهُمَا.
[حاشية عميرة]
الذَّبْحُ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ) تَشْبِيهًا لَهُ بِطَعَامِ الْوَلَائِمِ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مُبَاحٌ كَالصَّيْدِ،
قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ) اسْتَشْكَلَ بِصِحَّةِ عَفْوِهِ عَنْ الْقِصَاصِ مَجَّانًا وَقَدْ اعْتَمَدَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ صِحَّةَ عَفْوِهِ وَنُسِبَ لِقَضِيَّةِ كَلَامِ الْجُمْهُورِ كَالْمُفْلِسِ.
فَرْعٌ: لَوْ أَعْرَضَ الشَّخْصُ ثُمَّ رَجَعَ فَيَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ قَبْلَ تَمَلُّكِ الْغَانِمِينَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّمَلُّكَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ فِي الْهِبَةِ كَمَا لَوْ أَعْرَضَ عَنْ كِسْرَةٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي مَنْعُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَعَطُّلُ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ قَوْلُهُ: (بِلَا عَمَلٍ) أَيْ فَكَانَ كَالْإِرْثِ
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ: يَمْلِكُونَ قَبْلَهَا إلَخْ)
وَغَيْرُ ذَوِي الْقُرْبَى مِنْ أَصْحَابِ الْخُمُسِ جِهَاتٌ عَامَّةٌ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا إعْرَاضٌ (وَالْمُعْرِضُ كَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ) فَيُضَمُّ نَصِيبُهُ إلَى الْمَغْنَمِ (وَمَنْ مَاتَ) وَلَمْ يُعْرِضْ (فَحَقُّهُ لِوَارِثِهِ) فَلَهُ طَلَبُهُ وَالْإِعْرَاضُ عَنْهُ.
(وَلَا تُمْلَكُ) الْغَنِيمَةُ (إلَّا بِقِسْمَةٍ وَلَهُمْ) أَيْ لِلْغَانِمِينَ (التَّمَلُّكُ) قَبْلَهَا (وَقِيلَ يَمْلِكُونَ) قَبْلَهَا بِالِاسْتِيلَاءِ مِلْكًا ضَعِيفًا يَسْقُطُ بِالْإِعْرَاضِ (وَقِيلَ: إنْ سَلِمَتْ إلَى الْقِسْمَةِ بِأَنْ مَلَكَهُمْ) بِالِاسْتِيلَاءِ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَلِفَتْ أَوْ أَعْرَضُوا (فَلَا) مِلْكَ لَهُمْ وَالتَّمَلُّكُ فِي الْأَوَّلِ بِأَنْ يَقُولَ كُلٌّ مِنْهُمْ: اخْتَرْت مِلْكَ نَصِيبِي طَرِيقٌ ثَانٍ لِمِلْكِهِمْ (وَيُمْلَكُ الْعَقَارُ بِالِاسْتِيلَاءِ كَالْمَنْقُولِ) الَّذِي الْكَلَامُ السَّابِقُ فِيهِ فِي أَحَدِ أَوْجُهِهِ وَالتَّشْبِيهُ مَزِيدٌ عَلَى الْمُحَرَّرِ مَذْكُورٌ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا قَرُبَ بِهِ مِلْكُ الْعَقَارِ وَالِاكْتِفَاءُ فِي مِلْكِهِ بِالِاسْتِيلَاءِ.
(وَلَوْ كَانَ فِيهَا) أَيْ الْغَنِيمَةِ (كَلْبٌ أَوْ كِلَابٌ تَنْفَعُ) لِصَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ (وَأَرَادَهُ بَعْضُهُمْ) مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ أَوْ الْخُمُسِ (وَلَمْ يُنَازَعْ أُعْطِيهِ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ نَازَعَهُ غَيْرُهُ (قُسِمَتْ إنْ أَمْكَنَ) قَسْمُهَا عَدَدًا (وَإِلَّا أَقُرِعَ) بَيْنَهُمْ (وَالصَّحِيحُ أَنَّ سَوَادَ الْعِرَاقِ) مِنْ الْبِلَادِ (فُتِحَ) فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (عَنْوَةً) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (وَقُسِمَ) بَيْنَ الْغَانِمِينَ (ثُمَّ بَذَلُوهُ) بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ أَعْطَوْهُ (وَوُقِفَ) دُونَ مَسَاكِنِهِ لِمَا سَيَأْتِي فِيهَا (عَلَى الْمُسْلِمِينَ) وَقَفَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَآجَرَهُ لِأَهْلِهِ (وَخَرَاجُهُ) بِزَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ (أُجْرَةٌ تُؤَدَّى كُلَّ سَنَةٍ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ) وَالْوَجْهُ الثَّانِي فُتِحَ صُلْحًا
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَغَيْرُ ذَوِي الْقُرْبَى إلَخْ) هُوَ جَوَابٌ عَنْ سُكُوتِ الْمُصَنِّفِ عَنْهُمْ الْمُوهِمِ لِصِحَّةِ الْإِعْرَاضِ مِنْهُمْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِقِسْمَةٍ) أَيْ إنْ قَبِلَ مَا أُفْرِزَ لَهُ أَوْ رَضِيَ بِهِ لَا بِمُجَرَّدِ الْقِسْمَةِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُنَا، هُوَ اخْتِيَارُ التَّمَلُّكِ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّمَلُّكُ فِي الْأَوَّلِ) الْمُتَقَدِّمُ بِقَوْلِهِ وَلَهُمْ التَّمَلُّكُ وَلَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ كَأَنْ يَقُولَ كُلٌّ مِنْهُمْ: اخْتَرْت مِلْكَ نَصِيبِي، وَلَا يَمْلِكُ بِالِاسْتِيلَاءِ قَوْلُهُ: (طَرِيقٌ ثَانٍ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي وَمُنْفَرِدٌ عَلَى الْأَوَّلِ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (فِي أَحَدِ أَوْجُهِهِ) وَهُوَ مَرْجُوحٌ وَالْمُعْتَمَدُ بِاخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّشْبِيهِ سَوَاءٌ قَسَمَ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (قَرُبَ) يَجُوزُ بِنَاؤُهُ لِلْمَجْهُولِ وَالْمَعْلُومِ.
قَوْلُهُ: (تَنْفَعُ) رَاجِعٌ لِكَلْبٍ وَغَلَبَ الثَّانِي وَخَرَجَ مَا لَا يَنْفَعُ فَكَالْعَدَمِ.
قَوْلُهُ: (عَدَدًا) أَيْ لَا قِيمَةَ لِضَعْفِ الْمِلَلِ هُنَا، بِتَوَقُّفِهِ عَلَى اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ بِذَلِكَ فَارَقَ اعْتِبَارُ قِيمَتِهَا عِنْدَ مَنْ يَرَاهَا فِي الْإِرْثِ.
قَوْلُهُ: (سَوَادَ الْعِرَاقِ) سُمِّيَ سَوَادًا لِكَثْرَةِ خُضْرَتِهِ بِالْأَشْجَارِ وَالْخُضْرَةِ تُرَى مِنْ الْبُعْدِ سَوَادًا، وَعِرَاقًا لِاسْتِوَاءِ أَرْضِهِ بِخُلُوِّهَا عَنْ الْجِبَالِ وَالْأَوْدِيَةِ وَأَصْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِوَاءُ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْجِنْسِ إلَى بَعْضِهِ لِأَنَّ طُولَ السَّوَادِ وَالْعِرَاقِ وَاحِدٌ وَهُوَ مِائَتَا فَرْسَخٍ وَعَرْضُ السَّوَادِ مِائَةٌ وَسِتُّونَ فَرْسَخًا، وَعَرْضُ الْعِرَاقِ مِنْهُ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَرْسَخًا، فَالسَّوَادُ يَزِيدُ عَلَيْهِ فِي الْعَرْضِ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ فَرْسَخًا، وَعَرْضُ الْعِرَاقِ مِنْهُ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَرْسَخًا، فَالسَّوَادُ يَزِيدُ عَلَيْهِ فِي الْعَرْضِ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ فَرْسَخًا، وَجُمْلَةُ السَّوَادِ بِالتَّكْسِيرِ عَشَرَةُ آلَافِ فَرْسَخٍ هَذَا مَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (بِفَتْحِ الْعَيْنِ) أَيْ قَهْرًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صُلْحًا لَمْ يُقْسَمْ وَتَفْسِيرُ عَنْوَةٍ قَهْرًا هُوَ الْمُرَادُ، وَإِلَّا فَهُوَ يُقَالُ عَلَى الصُّلْحِ فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْغَانِمِينَ) وَأَهْلِ الْخُمُسِ وَلَعَلَّ اقْتِصَارَ الشَّارِحِ عَلَى الْغَانِمِينَ لِأَجْلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَذَلُوهُ بَعْدَ قِسْمَتِهِ) وَاخْتِيَارُ تَمَلُّكِهِ وَالْبَذْلُ إنَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ يُمْكِنُ بَذْلُهُ وَهُمْ الْغَانِمُونَ وَذَوُو الْقُرْبَى، إنْ انْحَصَرُوا بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ، مِنْ بَقِيَّةِ أَهْلِ الْخُمُسِ فَلَا يَحْتَاجُ الْإِمَامُ فِي وَقْفِ حَقِّهِمْ إلَى بَذْلِهِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِيهِ بِالْمَصْلَحَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَفَهُ عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ أَوَّلُ وَقْفٍ صَدَرَ فِي الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (وَآجَرَهُ لِأَهْلِهِ) إجَارَةً مُؤَبَّدَةً لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الْكُلِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَخَرَاجُهُ) الْمَضْرُوبُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ لِكُلِّ جَرِيبٍ وَهُوَ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَسِتُّمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَلَعَلَّ هَذَا فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَصَبَةَ سِتَّةُ أَذْرُعٍ فَقَطْ وَفِي شَرْحِ التَّوْضِيحِ لِلشَّيْخِ خَالِدٍ، أَنَّ الْقَصَبَةَ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَثُلُثَا ذِرَاعٍ وَضَرْبُهَا فِي عَشْرَةِ أَقْصَابٍ وَهُوَ عُشْرُ الْجَرِيبِ فَيَكُونُ الْجَرِيبُ عَلَى هَذَا أَرْبَعَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ ذِرَاعٍ وَأَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا وَأَرْبَعَةَ أَتْسَاعٍ مِنْ ذِرَاعٍ فَرَاجِعْ، وَتَأَمَّلْ وَالْخَرَاجَ
[حاشية عميرة]
وَجْهُهُ أَنَّ مِلْكَ الْكُفَّارِ قَدْ زَالَ وَيَبْعُدُ بَقَاؤُهُ بِلَا مَالِكٍ، قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَقُولَ كُلٌّ مِنْهُمْ إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِ الْقِسْمَةِ فَإِنَّهَا إذَا حَصَلَتْ مَعَ الرِّضَا كَانَتْ طَرِيقًا أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا هَذَا اللَّفْظُ وَنَحْوُهُ، قَوْلُهُ: (وَيُمْلَكُ الْعَقَارُ) أَيْ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ خَيَّرَ الْإِمَامُ بَيْنَ قِسْمَتِهِ أَوْ وَقْفِهِ أَوْ رَدِّهِ عَلَى الْكُفَّارِ.
لَنَا الْقِيَاسُ عَلَى الْمَنْقُولِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةُ وَقِسْمَةُ خَيْبَرَ عَلَى الْغَانِمِينَ وَلَوْ اسْتَوْلَيْنَا عَلَى الْبَلَدِ وَالْعَقَارِ ثُمَّ أَزَالُونَا عَنْهُ بَعْدَ أَيَّامٍ مَثَلًا فَالْوَجْهُ عَدَمُ انْقِطَاعِ حَقِّنَا مِنْهُ حَتَّى لَوْ فُرِضَ اسْتِيلَاءُ غَيْرِنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، لَا يَخْرُجُ عَنْ حَقِّ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِ الْمَتْنِ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ يَثْبُتُ بِهِ حَقُّ التَّمَلُّكِ كَمَا فِي الْمَنْقُولِ وَجَعَلَ الزَّرْكَشِيُّ قَوْلَهُ كَالْمَنْقُولِ إشَارَةً لِلْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: (قَرُبَ بِهِ مِلْكُ الْعَقَارِ) وَجْهُ التَّقْرِيبِ فِي الِاسْتِيلَاءِ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ فِي الْمَنْقُولِ أَكْمَلُ
قَوْلُهُ: (فُتِحَ صُلْحًا) أَيْ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ بِخَرَاجٍ
(وَهُوَ مِنْ عَبَّادَانَ) بِالْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ (إلَى حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْمِيمِ (طُولًا وَمِنْ الْقَادِسِيَّةِ إلَى حُلْوَانَ) بِضَمِّ الْحَاءِ (عَرْضًا قُلْت) أَخْذًا مِنْ الرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ (: الصَّحِيحُ أَنَّ الْبَصْرَةَ) بِفَتْحِ الْبَاءِ فِي الْأَشْهَرِ (وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي حَدِّ السَّوَادِ فَلَيْسَ لَهَا حُكْمُهُ إلَّا فِي مَوْضِعِ غَرْبَيْ دِجْلَتِهَا) يُسَمَّى الْفُرَاتَ (وَمَوْضِعِ شَرْقِيِّهَا) أَيْ لِدِجْلَةَ يُسَمَّى نَهْرَ الصَّرَاةِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْهَا كَانَ مَوَاتًا أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ بَعْدُ وَمَنْ أَدْخَلَهُ فِي الْحُكْمِ مَشَى عَلَى التَّحْدِيدِ الْمَذْكُورِ (وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّ مَا فِي السَّوَادِ مِنْ الدُّورِ وَالْمَسَاكِنِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَمَنْ مَنَعَهُ مَشَى عَلَى أَنَّهُ وَقْفٌ (وَفُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا فَدُورُهَا وَأَرْضُهَا الْمُحْيَاةُ مِلْكٌ يُبَاعُ) وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَهَا.
.
فَصْلٌ (يَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارًا أَمَانُ حَرْبِيٍّ) وَاحِدٍ (وَعَدَدٍ مَحْصُورٍ) مِنْهُمْ كَعَشَرَةٍ وَمِائَةٍ (فَقَطْ) أَيْ بِخِلَافِ أَهْلِ نَاحِيَةٍ وَبَلْدَةٍ
[حاشية قليوبي]
الْمَضْرُوبُ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ قَدْرٌ مَعْلُومٌ فَعَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَانِ وَالْبُرِّ أَرْبَعَةٌ وَالشَّجَرِ وَقَصَبِ السُّكَّرِ سِتَّةٌ، وَالنَّخْلِ ثَمَانِيَةٌ وَالْعِنَبِ عَشَرَةٌ وَالزَّيْتُونِ اثْنَا عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ السَّوَادُ وَالْمَبْدَأُ وَالْغَايَةُ دَاخِلَانِ فِي الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: (الْمَوْصِلِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ نُوحًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا وَصَلَ بِسَفِينَتِهِ إلَى الْجُودِيِّ أَدْلَى حَجَرًا فِي حَبْلٍ لِيَعْلَمَ بِهِ قَدْرَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَاءِ، فَوَصَلَ إلَى الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ الْمَحِلِّ قَوْلُهُ: (الْقَادِسِيَّةِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا لَهَا بِالتَّقْدِيسِ.
قَوْلُهُ: (الْبَصْرَةَ) بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهَا بَصْرِيٌّ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ لَا بِالضَّمِّ وَتُسَمَّى قُبَّةَ الْإِسْلَامِ، وَخِزَانَةَ الْعَرَبِ وَخِزَانَةَ الْعِلْمِ بَنَاهَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانٍ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قِيلَ كَانَ بِهَا سَبْعَةُ آلَافِ مَسْجِدًا وَعَشَرَةُ آلَافِ نَهْرًا لِكُلِّ نَهْرٍ اسْمٌ مَخْصُوصٌ وَبَنَى بَعْدَهَا الْكُوفَةَ بِسَنَتَيْنِ عَلَى الْأَشْهَرِ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قَوْلُهُ: (يُسَمَّى الْفُرَاتَ) الصَّوَابُ أَنَّ هَذَا هُوَ نَهْرُ الصَّرَاةِ، وَمَا بَعْدَهُ هُوَ نَهْرُ الْفُرَاتِ فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِيهَا خِلَافُ الصَّوَابِ، وَالْفُرَاتُ اسْمُ مَكَان بِهَا لَا أَنَّهُ النَّهْرُ الْمَشْهُورُ.
قَوْلُهُ: (أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ) وَهُمْ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانٍ، وَمَنْ مَعَهُمْ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ، فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قَوْلُهُ: (بَعْدَ) أَيْ بَعْدَ فَتْحِ الْعِرَاقِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الدُّورِ وَالْمَسَاكِنِ) إلَّا الْخَانَاتِ فَإِنَّهَا مِنْ الْوَقْفِ قَالَ شَيْخُنَا: وَكَذَا الْأَشْجَارُ فَهِيَ وَقْفٌ لِدُخُولِهَا فِي وَقْفِ الْأَرْضِ فَيَمْتَنِعُ التَّصَرُّفُ فِيمَا كَانَ مَوْجُودًا مِنْهَا حَالَةَ الْوَقْفِ وَكَذَا يُقَالُ فِي بِنَاءِ الْخَانَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَفُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا) أَعْلَاهَا عَلَى يَدِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَأَسْفَلُهَا عَلَى يَدِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَكِنْ بَعْدَ وُجُودِ صُورَةِ قِتَالٍ ابْتِدَاءً مِنْ جِهَةِ خَالِدٍ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَهُ ثُمَّ سَلَّمُوا فَكَفَّ عَنْهُمْ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ التَّنَاقُضُ فِي الْأَخْبَارِ وَالْأَقْوَالِ، وَفُتِحَتْ مِصْرُ عَنْوَةً وَقَدْ فُتِحَتْ قُرَاهَا صُلْحًا وَضَعَّفَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَفُتِحَتْ مُدُنُ الشَّامِ صُلْحًا وَقُرَاهَا عَنْوَةً وَرَجَّحَ السُّبْكِيُّ أَنَّ دِمَشْقَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَسَيَأْتِي فِي الْجِزْيَةِ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَذْكُورِ هُنَا فَرَاجِعْهُ.
. فَصْلٌ فِي الْأَمَانِ مَعَ الْكُفَّارِ وَهُوَ أَحَدُ الْعُقُودِ الَّتِي تُفِيدُهُمْ الْأَمْنَ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: أَمَانٌ، وَجِزْيَةٌ، وَهُدْنَةٌ لِأَنَّ الْعَقْدَ إنْ تَعَلَّقَ بِمَحْصُورٍ أَصَالَةً فَهُوَ الْأَمَانُ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ إلَى غَايَةٍ فَالْهُدْنَةُ وَإِلَّا فَالْجِزْيَةُ وَهَذَانِ يَخْتَصَّانِ بِالْإِمَامِ وَنَائِبِهِ وَبِوَالِي الْإِقْلِيمِ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ.
قَوْلُهُ: (يَصِحُّ) أَيْ يُعْتَبَرُ الْأَمَانُ وَيُعْمَلُ بِهِ إنْ وُجِدَ مِنْ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ وَلَفْظُهُ كُلُّ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَإِنْ أَمِنَهُ غَيْرُ مَنْ ذُكِرَ بَلَغَ الْمَأْمَنَ إنْ ظَنَّ صِحَّتَهُ.
قَوْلُهُ: (أَمَانُ حَرْبِيٍّ) وَهَذَا مِنْ مُقَابَلَةِ الْفَرْدِ بِالْفَرْدِ سَوَاءٌ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى.
قَوْلُهُ: (وَعَدَدٌ مَحْصُورٌ) وَهَذَا مِنْ مُقَابَلَةِ الْمُفْرَدِ بِالْجَمْعِ وَعَكْسُهُ أَوْلَى وَأَمَّا مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ كَأَنْ أَمِنَ مِائَةُ أَلْفٍ مِنَّا مِائَةَ أَلْفٍ مِنْهُمْ، فَقَالَ الْإِمَامُ: فَكُلُّ وَاحِدٍ لَمْ يُؤَمِّنْ إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ لَكِنَّ مَحِلَّ الصِّحَّةِ إنْ لَمْ يَنْسَدَّ بَابُ الْجِهَادِ، وَإِلَّا بَطَلَ الْكُلُّ إنْ وَقَعَ الْعَقْدُ دَفْعَةً، وَإِلَّا فَيَصِحُّ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ إلَى ظُهُورِ الْخَلَلِ فَيَبْطُلُ مَا زَادَ.
[حاشية عميرة]
يُؤَدُّونَهُ كُلَّ عَامٍ وَقِيلَ بَعْضُهُ صُلْحًا وَبَعْضُهُ عَنْوَةً، وَقِيلَ بِالْوَقْفِ قَوْلُهُ: (وَهُوَ مِنْ عَبَّادَانَ) ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ دَاخِلٌ فِي الْكُلِّ وَكَذَا انْتِهَاؤُهَا قَوْلُهُ: (وَهُوَ مِنْ عَبَّادَانَ إلَى حَدِيثَةِ الْمُوصِلِ إلَخْ) هُوَ بِالْفَرَاسِخِ مِائَةٌ وَسِتُّونَ طُولًا وَثَمَانُونَ عَرْضًا قَوْلُهُ: (أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ) ابْتِدَاءُ ذَلِكَ عَلَى يَدِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بَعْدَ فَتْحِ الْعِرَاقِ، وَكَانَ الْبِنَاءُ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَلَمْ يُعْبَدْ بِهَا صَنَمٌ قَطُّ، ثُمَّ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالْبَصْرَةِ بَلْ كُلُّ مَوَاتٍ كَانَ فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْحُكْمِ، قَوْلُهُ: (الصَّحِيحُ) مَوْضِعُ الْخِلَافِ الْأَبْنِيَةُ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً حِينَ وَقَفَهَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَأَمَّا الْحَادِثُ فَمِلْكٌ قَطْعًا.
نَعَمْ اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مَنْ الْأَبْنِيَةِ الَّتِي كَانَتْ الْخَانَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُسْتَغَلُّ فَجَعَلَهُ وَقْفًا، كَالْأَرَاضِيِ وَالشَّجَرِ وَلَوْ اُتُّخِذَ مِنْ طِينِ الْأَرْضِ لَبِنٌ وَبُنِيَ بِهِ فَمَوْقُوفٌ وَالشَّجَرُ الَّذِي غُرِسَ بَعْدَ مِلْكِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ مِنْ طِينِهَا الْمَسَاجِدَ وَالرُّبُطَ.
قَوْلُهُ: (وَأَرْضُهَا الْمُحْيَاةُ) يَنْبَغِي أَنْ يُرِيدَ الَّتِي كَانَتْ مُحْيَاةً وَقْتَ الْفَتْحِ لِيَكُونَ لِلْفَاءِ مَعْنًى، وَإِلَّا فَالْمَوَاتُ وَقْتَ الْفَتْحِ مِلْكُ مَنْ أَحْيَاهُ بَعْدَهُ سَوَاءٌ فُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا.
فَصْلٌ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ إلَخْ لَوْ دَخَلَ دَارَنَا وَزَعَمَ رِسَالَةً لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ وَكَذَا مَنْ قَالَ أَرَدْت سَمَاعَ الْقُرْآنِ أَوْ طَلَبَ مَالِي الَّذِي عِنْدَكُمْ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْجِزْيَةِ.
[فَصْلٌ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارًا أَمَانُ حَرْبِيٍّ]
قَوْلُهُ: (لِمَنْ هُوَ مَعَهُمْ) هُوَ مُسْتَدْرَكٌ فَغَيْرُهُمْ كَذَلِكَ، قَوْلُهُ: (فِي الْأَصَحِّ) خَصَّ الْإِمَامُ الْخِلَافَ بِتَأْمِينِ غَيْرِ مَنْ أَسَرَهُ وَإِلَّا فَيَبْطُلُ قَطْعًا
وَدَخَلَ فِي الضَّابِطِ الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَغَيْرُهُمْ وَخَرَجَ الْمُكْرَهُ وَالصَّبِيُّ وَالْكَافِرُ
(وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ أَسِيرٍ لِمَنْ هُوَ مَعَهُمْ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي يَصِحُّ لِدُخُولِهِ فِي الضَّابِطِ وَالْأَوَّلُ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ مَقْهُورٌ فِي أَيْدِيهِمْ
(وَيَصِحُّ) الْأَمَانُ (بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ مَقْصُودَهُ) صَرِيحًا نَحْوَ أَمَّنْتُك أَوْ أَجَّرْتُك أَوْ أَنْتَ فِي أَمَانِي أَوْ كِنَايَةً نَحْوَ أَنْتَ عَلَى مَا تُحِبُّ أَوْ كُنْ كَيْفَ شِئْت (وَبِكِتَابَةٍ) بِالْفَوْقَانِيَّةِ (وَرِسَالَةٍ) وَلَوْ كَانَ الرَّسُولُ كَافِرًا.
(وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الْكَافِرِ بِالْأَمَانِ) بِأَنْ يُبَلِّغَهُ فَإِنْ لَمْ يُبَلِّغْهُ فَلَا أَمَانَ فَلَوْ بَدَرَ مُسْلِمٌ فَقَتَلَهُ جَازَ وَإِذَا عَلِمَهُ (فَإِنْ رَدَّهُ بَطَلَ وَكَذَا إنْ لَمْ يَقْبَلْ) بِأَنْ سَكَتَ (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي لَا يَبْطُلُ بِالسُّكُوتِ (وَتَكْفِي إشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ لِلْقَبُولِ) مِنْ قَادِرٍ عَلَى النُّطْقِ وَكَذَا فِي الْإِيجَابِ (وَيَجِبُ أَنْ لَا تَزِيدَ مُدَّتُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَفِي قَوْلٍ يَجُوزُ) الْأَمَانُ (مَا لَمْ تَبْلُغْ سَنَةً) كَالْهُدْنَةِ فَلَوْ زَادَ عَلَى الْجَائِزِ بَطَلَ الزَّائِدُ فَقَطْ تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ وَإِذَا أُطْلِقَ حُمِلَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَيَبْلُغُ بَعْدَهَا الْمَأْمَنَ (وَلَا يَجُوزُ أَمَانٌ يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ كَجَاسُوسٍ) وَطَلِيعَةٍ فَلَا يَنْعَقِدُ قَالَ الْإِمَامُ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ تَبْلِيغَ الْمَأْمَنِ (وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ نَبْذُ الْأَمَانِ إنْ لَمْ يَخَفْ خِيَانَةً) فَإِنْ خَافَهَا نَبَذَهُ كَالْهُدْنَةِ وَهُوَ جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ الْكَافِرِ يَنْبِذُهُ مَتَى شَاءَ (وَلَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ مَالُهُ وَأَهْلُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَكَذَا مَا مَعَهُ مِنْهُمَا فِي الْأَصَحِّ إلَّا بِشَرْطٍ) وَالثَّانِي لَا يَحْتَاجُ إلَى شَرْطٍ.
(وَالْمُسْلِمُ بِدَارِ كُفْرٍ إنْ أَمْكَنَهُ إظْهَارُ دِينِهِ) بِأَنْ كَانَ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ أَوْ لَهُ عَشِيرَةٌ يَحْمُونَهُ وَلَمْ يَخَفْ فِتْنَةً فِي دِينِهِ (اُسْتُحِبَّ لَهُ الْهِجْرَةُ)
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (أَهْلِ نَاحِيَةٍ وَبَلْدَةٍ) أَيْ لَمْ يُعْلَمْ عَدَدُهُمْ فَلَا يَصِحُّ إنْ انْسَدَّ بَابُ الْجِهَادِ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا عُلِمَ.
قَوْلُهُ: (لِمَنْ هُوَ مَعَهُمْ) وَلَا لِغَيْرِهِمْ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ أَمَانِ الْأَسِيرِ الْمُطْلَقِ بِدَارِهِمْ الْمَمْنُوعِ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَلَا يَصِحُّ أَسِيرٌ مَعَنَا إلَّا مِنْ الْإِمَامِ وَنَائِبِهِ وَكَذَا مِمَّنْ أَسَرَهُ إنْ لَمْ يَقْبِضْهُ الْإِمَامُ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
. قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ الرَّسُولُ كَافِرًا) وَلَوْ صَبِيًّا مَأْمُونًا تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدِّمَاءِ،
قَوْلُهُ: (وَكَذَا) أَيْ لَا يَحْصُلُ الْأَمَانُ لِلْكَافِرِ إنْ لَمْ يُقْبَلْ فِي الْأَصَحِّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْقَبُولَ عَلَى الْفَوْرِ قَوْلُهُ: (مِنْ قَادِرٍ عَلَى النُّطْقِ) وَهِيَ كِنَايَةٌ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَمِنْ الْأَخْرَسِ فِيهَا التَّفْصِيلُ الْمَعْرُوفُ وَيَصِحُّ بِالْعَجَمِيَّةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَزِيدَ) أَيْ فِي أَمَانِ الرِّجَالِ أَمَّا النِّسَاءُ وَالْخَنَاثَى فَلَا يَتَقَيَّدُ الْأَمَانُ لَهُنَّ بِزَمَانٍ لِعَدَمِ انْسِدَادِ بَابِ الْجِهَادِ فِيهِنَّ.
قَوْلُهُ: (بَطَلَ فِي الزَّائِدِ) إنْ لَمْ يَكُنْ بِنَا ضَعْفٌ وَإِلَّا فَيَصِحُّ فِي الزَّائِدِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ إلَى عَشْرِ سِنِينَ، كَمَا فِي الْهُدْنَةِ فَإِنْ اُحْتِيجَ لِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا زِيدَ بِعَقْدٍ آخَرَ أَوْ أَكْثَرَ وَلَا يَزِيدُ فِي كُلِّ عَقْدٍ عَلَى عَشْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ أَمَانٌ يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ) وَلَوْ مِنْ الْإِمَامِ لِخَبَرِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أَيْ لَا يَضُرُّ أَحَدٌ نَفْسَهُ، وَلَا يَضُرُّ غَيْرَهُ أَوْ لَا يَضُرُّ أَحَدٌ غَيْرَهُ وَلَا يَتَضَارَّ اثْنَانِ مَثَلًا وَقَدْ مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَطَلِيعَةٌ) هِيَ مَا يُقَدَّمُ عَلَى الْجَيْشِ لِيَطَّلِعَ عَلَى أَحْوَالِ عَدُوِّهِمْ ثُمَّ يُخْبِرُهُمْ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْإِمَامُ إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ نَبْذُ الْأَمَانِ) وَلَا لِغَيْرِهِ بِالْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ خَافَهَا نَبَذَهُ) أَيْ الْإِمَامُ وَكَذَا مَنْ أَمِنَهُ لَا غَيْرُهُمَا، قَوْلُهُ: (وَلَا يَدْخُلُ إلَخْ) أَيْ إنْ أَمِنَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ وَنَائِبِهِ هُوَ بِدَارِنَا.
قَوْلُهُ: (مَالُهُ) أَيْ مَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ أَوْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَأَهْلُهُ) أَيْ وَلَا يَدْخُلُ وَلَدُهُ الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ وَلَا زَوْجَتُهُ، وَلَوْ بِالنَّصِّ عَلَيْهَا وَكَانَتْ بِدَارِنَا.
قَوْلُهُ: (بِدَارٍ وَأَهْلُهُ) أَيْ وَلَا يَدْخُلُ وَلَدُهُ الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ وَلَا تَدْخُلُ زَوْجَتُهُ، وَلَوْ بِالنَّصِّ عَلَيْهَا وَكَانَتْ بِدَارِنَا.
قَوْلُهُ: (بِدَارِ الْحَرْبِ) وَإِنْ شُرِطَ دُخُولُهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا مَا مَعَهُ) أَيْ مَا بِدَارِنَا مِنْ مَالِهِ وَوَلَدِهِ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِشَرْطِ دُخُولِهِ إلَّا زَوْجَتَهُ كَمَا مَرَّ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قِسْمٌ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ بِدَارِنَا أَوْ بِدَارِهِمْ، وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَالُهُ وَأَهْلُهُ مَعَهُ، أَوْ لَا وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يُؤَمِّنَهُ الْإِمَامُ وَلَوْ بِنَائِبِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَحَاصِلُ الْحُكْمِ فِيهَا أَنَّهُ إنْ أَمَّنَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ دَخَلَ مَا مَعَهُ مِنْ مَالِهِ، وَأَهْلِهِ كَذَا زَوْجَتُهُ هُنَا وَلَوْ بِلَا شَرْطٍ سَوَاءٌ أَمَّنَهُ بِدَارِنَا أَوْ بِدَارِهِمْ، وَيَدْخُلُ مَا لَيْسَ مَعَهُ مِنْهَا إنْ شَرَطَ دُخُولَهُ، وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ أَمَّنَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ لَمْ يَدْخُلْ مَا لَيْسَ مَعَهُ مُطْلَقًا، وَيَدْخُلُ مَا مَعَهُ إنْ شَرَطَ دُخُولَهُ، وَإِلَّا فَلَا نَعَمْ لَا تَدْخُلُ زَوْجَتُهُ هُنَا وَلَوْ بِالشَّرْطِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُسْلِمُ بِدَارِ كُفْرٍ) أَوْ بِدَارِ إسْلَامٍ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْكُفَّارُ وَلَا تُسَمَّى دَارَ كُفْرٍ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو.
قَوْلُهُ: (اُسْتُحِبَّ لَهُ الْهِجْرَةُ) أَيْ إنْ لَمْ يُرْجَ نُصْرَةُ الْمُسْلِمِينَ بِمَقَامِهِ وَلَمْ يُقِرَّ عَلَى الِاعْتِزَالِ فَإِنْ رُجِيَ مَا ذُكِرَ فَمَقَامُهُ أَفْضَلُ، أَوْ قَدَرَ عَلَى الِاعْتِزَالِ حَرُمَتْ الْهِجْرَةُ، لِئَلَّا يَسْتَوْلِيَ الْكُفَّارُ عَلَى مَحِلِّهِ فَيُشْبِهُ دَارَ الْكُفْرِ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا وَجَبَتْ) عَلَى امْرَأَةٍ بِلَا مَحْرَمٍ.
[حاشية عميرة]
ثُمَّ الْأَمَانُ مِنْ الْأَسِيرِ غَيْرُ نَافِذٍ حَتَّى فِي حَقِّ نَفْسِهِ
قَوْلُهُ: (أَوْ كِنَايَةٍ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ قَوْلُهُ: (بِكِتَابَةٍ) أَيْ مَعَ النِّيَّةِ، قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ الرَّسُولُ كَافِرًا) تَوْسِعَةً فِي حَقْنِ الدِّمَاءِ، وَلَوْ كَانَ الرَّسُولُ صَبِيًّا فَمَحِلُّ نَظَرٍ
قَوْلُهُ: (فَلَوْ بَدَرَ مُسْلِمٌ إلَى آخِرِهِ) وَلَوْ كَانَ الْمُؤْمِنَ وَنَازَعَ الزَّرْكَشِيُّ فِي هَذَا الشَّرْطِ وَاسْتَنَدَ إلَى ظَاهِرِ قِصَّةِ أُمِّ هَانِئٍ عَامَ الْفَتْحِ، قَوْلُهُ: (وَكَذَا إنْ لَمْ يُقْبَلْ) لَوْ سَبَقَ اسْتِيجَابٌ أَعْنِي عَنْ الْقَبُولِ قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي لَا يَبْطُلُ بِالسُّكُوتِ) لِبِنَاءِ الْبَابِ عَلَى التَّوْسِعَةِ كَالْهُدْنَةِ عِنْدَ قُوَّتِنَا، مَا لَمْ تَبْلُغْ سَنَةً لِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَرْتَبِطُ بِالسَّنَةِ فَفِي اسْتِيفَائِهَا مَنْعٌ لِلْجِزْيَةِ، قَوْلُهُ: (كَالْهُدْنَةِ) أَيْ عَلَى قَوْلٍ قَوْلُهُ: (وَلَا يَدْخُلُ إلَخْ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ حُكْمِ النَّفْسِ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْمَالِ وَالْأَهْلِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا مَا مَعَهُ) أَيْ لِأَنَّ اللَّفْظَ قَاصِرٌ عَنْ إفَادَةِ ذَلِكَ ثُمَّ عِبَارَةُ الْكِتَابِ تَشْمَلُ مِثْلَ ثِيَابِ بَدَنِهِ، قَوْلُهُ: (إلَّا بِشَرْطٍ) رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ كَذَا فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ
إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِئَلَّا يَكِيدُوا لَهُ (وَإِلَّا وَجَبَتْ إنْ أَطَاقَهَا) فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا فَمَعْذُورٌ إلَى أَنْ يَقْدِرَ
(وَلَوْ قَدَرَ أَسِيرٌ عَلَى هَرَبٍ لَزِمَهُ) لِخُلُوصِهِ بِهِ مِنْ قَهْرِ الْأَسْرِ (وَلَوْ أَطْلَقُوهُ بِلَا شَرْطٍ فَلَهُ اغْتِيَالُهُمْ) قَتْلًا وَسَبْيًا وَأَخْذُ الْمَالِ (أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ فِي أَمَانِهِ حَرُمَ) عَلَيْهِ اغْتِيَالُهُمْ (فَإِنْ تَبِعَهُ قَوْمٌ فَلْيَدْفَعْهُمْ وَلَوْ بِقَتْلِهِمْ) كَالصَّائِلِ (وَلَوْ شَرَطُوا) عَلَيْهِ (أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ لَمْ يَجُزْ) لَهُ (الْوَفَاءُ) بِالشَّرْطِ.
(وَلَوْ عَاقَدَ الْإِمَامُ عِلْجًا) وَهُوَ الْكَافِرُ الْغَلِيظُ الشَّدِيدُ (يَدُلُّ عَلَى قَلْعَةٍ) تُفْتَحُ عَنْوَةً (وَلَهُ مِنْهَا جَارِيَةٌ جَازَ) ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ مُعَيَّنَةً كَانَتْ أَوْ مُبْهَمَةً رَقِيقَةً أَوْ حُرَّةً لِأَنَّهَا تَصِيرُ رَقِيقَةً بِالْأَسْرِ وَالْمُبْهَمَةُ يُعَيِّنُهَا الْإِمَامُ (فَإِنْ فُتِحَتْ بِدَلَالَتِهِ) وَفِيهَا الْجَارِيَةُ (أُعْطِيهَا أَوْ بِغَيْرِهَا فَلَا) شَيْءَ لَهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْقَصْدَ الدَّلَالَةُ الْمُوَصِّلَةُ إلَى الْفَتْحِ وَالثَّانِي يَسْتَحِقُّهَا بِالدَّلَالَةِ (فَإِنْ لَمْ تُفْتَحْ فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِقَوْلِهِ مِنْهَا (وَقِيلَ: إنْ لَمْ يُعَلِّقْ الْجَعْلَ بِالْفَتْحِ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلٍ) لِدَلَالَتِهِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَارِيَةٌ أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ فَلَا شَيْءَ) لَهُ (أَوْ بَعْدَ الظَّفَرِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَجَبَ بَدَلٌ) جَزْمًا (أَوْ قَبْلَ ظَفَرٍ فَلَا) بَدَلَ (فِي الْأَظْهَرِ) لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَالثَّانِي تَجِبُ لِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ وَتَعَذَّرَ تَسْلِيمُهَا (وَإِنْ أَسْلَمَتْ) بَعْدَ الظَّفَرِ أَوْ قَبْلَهُ (فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ بَدَلٍ) وَقِيلَ فِي كُلٍّ قَوْلَانِ (وَهُوَ) أَيْ الْبَدَلُ حَيْثُ وَجَبَ فِي الْمُعَيَّنَةِ (أُجْرَةُ مِثْلٍ وَقِيلَ قِيمَتُهَا) وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَيْهِ فَضَمَانُهَا ضَمَانُ يَدٍ وَعَلَى الْأَوَّلِ ضَمَانُ عَقْدٍ وَتَرْجِيحُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي تَلَفِ الصَّدَاقِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَتَقَدَّمَ تَرْجِيحُهُ فِي بَابِهِ.
.
[حاشية قليوبي]
تَنْبِيهٌ: كَانَتْ الْهِجْرَةُ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ بَلَدِهِ إلَيْهِ، وَبَعْدَهُ مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا الْهِجْرَةُ مِنْ بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيهَا الْمَعَاصِي، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إزَالَتِهَا فَقَالَ شَيْخُنَا: لَا تَجِبُ بَلْ تُنْدَبُ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ السَّنْبَاطِيُّ كَغَيْرِهِ تَجِبُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ) وَإِنْ أَمْكَنَهُ إظْهَارُ دِينِهِ.
قَوْلُهُ: (اغْتِيَالُهُمْ) وَالْغِيلَةُ أَنْ يَخْدَعَهُ فَيَذْهَبُ بِهِ إلَى مَكَان فَيَقْتُلُهُ فِيهِ، قَوْلُهُ: (وَعَلَى أَنَّهُمْ فِي أَمَانِهِ) وَكَذَا عَكْسُهُ نَعَمْ إنْ قَالُوا: أَمَّنَّاك وَلَا أَمَانَ لَنَا عَلَيْك فَلَهُ اغْتِيَالُهُمْ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَلْيَدْفَعْهُمْ) أَيْ نَدْبًا قَوْلُهُ: (كَالصِّيَالِ) فَيَدْفَعهُمْ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ مَا لَمْ يُحَارِبُوهُ وَإِلَّا اُنْتُقِضَ عَهْدُهُمْ وَلَهُ قَتْلُهُمْ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجُزْ لَهُ الْوَفَاءُ) إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إظْهَارُ دِينِهِ، وَإِلَّا فَلَهُ الْوَفَاءُ وَلَوْ حَلَّفُوهُ مُكْرَهًا لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ وَمِنْهُ مَنْعُهُمْ مِنْ إطْلَاقِهِمْ مِنْ الْحَبْسِ إلَّا بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ أَوْ بِالطَّلَاقِ فَلَا كَفَّارَةَ وَلَا وُقُوعَ.
قَوْلُهُ: (عِلْجًا) مِنْ الْعِلَاجِ لِقُوَّتِهِ فِي نَفْسِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْكَافِرِ قَالَ شَيْخُنَا: وَكَذَا الْمُسْلِمُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لَكِنْ تُعْطَى لَهُ الْجَارِيَةُ إذَا أَسْلَمَتْ.
قَوْلُهُ: (قَلْعَةٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ مَعَ فَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِهَا، وَأَصْلُهَا الْحِصْنُ الْمَنِيعُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُعَيَّنَةً أَوْ مُبْهَمَةً فِي قِلَاعٍ مَحْصُورَةٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْهَا) لَا مِمَّا عِنْدَ إلَّا إنْ عُلِمَتْ.
قَوْلُهُ: (جَازَ) إنْ كَانَ فِي دَلَالَتِهِ كُلْفَةٌ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ قَوْلُهُ: (فَإِنْ فُتِحَتْ) عَلَى يَدِ مَنْ عَاقَدَهُ عَنْوَةً بِدَلَالَتِهَا أُعْطِيهَا، وَإِنْ فُتِحَتْ صُلْحًا أُعْطَى بَدَلَهَا الْآتِي إنْ رَضِيَ بِهِ وَإِلَّا فَإِنْ رَضُوا بِدَفْعِهَا مَجَّانًا أَوْ بِبَدَلِهَا وَهُوَ مِنْ حَيْثُ يَكُونُ الرَّضْخُ أُعْطِيهَا، وَإِلَّا نُبِذَ الصُّلْحُ وَبَلَغُوا الْمَأْمَنَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَاتَتْ) أَوْ هَرَبَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ قَوْلُهُ: (أَوْ مَاتَتْ قَبْلَهُ) أَيْ الظَّفَرِ وَبَعْدَ الْعَقْدِ لَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ أَيْضًا، أَوْ مَاتَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ وَجَبَ الْبَدَلُ وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَسْلَمَتْ) أَيْ بَعْدَ الْعَقْدِ سَوَاءٌ قَبْلَ الظَّفَرِ أَوْ بَعْدَهُ وَجَبَتْ قِيمَتُهَا.
قَوْلُهُ: (وُجُوبُ بَدَلٍ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَهُوَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمُعَيَّنَةِ) وَكَذَا فِي الْمُبْهَمَةِ بِأَنْ مَاتَ كُلُّ جَارِيَةٍ فِيهَا وَعَيَّنَهَا الْإِمَامُ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ قِيمَتُهَا) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ فُتِحَتْ الْقَلْعَةُ قَهْرًا بِدَلَالَتِهِ وَفِيهَا الْأَمَةُ بَعْدَ الظَّفَرِ حَيَّةٌ، أُعْطِيهَا إنْ لَمْ تُسْلِمْ أَوْ قِيمَتَهَا إنْ أَسْلَمَتْ أَوْ مَاتَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ.
فَرْعٌ: لَوْ حَاصَرْنَا قَلْعَةً فَصَالَحَ زَعِيمُهَا عَلَى نَفْيِ الْقَتْلِ عَنْ مِائَةِ شَخْصٍ مِنْهَا مَثَلًا جَازَ فَإِنْ عَدَّ مِائَةً غَيْرَ نَفْسِهِ فَلَنَا قَتْلُهُ.
[حاشية عميرة]
عَلَى أَنَّهُمْ فِي أَمَانِهِ) مِثْلُهُ عَكْسُهُ
قَوْلُهُ: (فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلٍ) قَالَ ابْنُ دَاوُد مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ قَوْلُهُ: (بِدَلَالَتِهِ) يُرَدُّ هَذَا بِأَنَّ قَوْلَهُ مِنْهَا فِي مَعْنَى التَّعْلِيقِ عَلَى الْفَتْحِ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ بِهِ لَفْظًا، قَوْلُهُ: (أَوْ مَاتَتْ إلَخْ) مِنْهُ تَعْلَمُ أَنَّ لِمَوْتِهَا ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، قَوْلُهُ: (فَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ وَقَدْ أَخْطَأَ ظَنُّهُ وَقِيلَ يَرْضَخُ لَهُ لِأَنَّهُ أَعَانَنَا.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ بَدَلٌ) لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ فَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِهِ، قَوْلُهُ: (فِي الْأَظْهَرِ) هَذَا الْخِلَافُ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِنَا بِعَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ إذَا لَمْ يُفْتَحْ، قَوْلُهُ: (وَتَعَذَّرَ) أَيْ بِالْمَوْتِ قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ) لَوْ أَسْلَمَ هُوَ أَيْضًا، فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَقَطْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ إنْ تَأَخَّرَ إسْلَامُهُ عَنْ إسْلَامِهَا لَمْ تُسَلَّمْ إلَيْهِ وَإِلَّا سُلِّمَتْ، قَوْلُهُ: (أَوْ قَبْلَهُ) بِخِلَافِ نَظِيرِهِ مِنْ الْمَوْتِ لِأَنَّهَا هُنَا مَوْجُودَةٌ حِسًّا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْإِسْلَامَ مَنَعَ.
تَنْبِيهٌ: هَلْ إسْلَامُهَا قَبْلَ الْعَقْدِ كَذَلِكَ أَمْ يَلْحَقُ بِالْمَوْتِ الظَّاهِرُ الثَّانِي ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَنَا جَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، قَوْلُهُ: (وَقِيلَ إلَخْ) جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الظَّفَرِ يُشْكِلُ عَلَى نَظِيرِهِ مِنْ الْمَوْتِ قَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ الْجَزْمُ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ ظَاهِرٌ خُصُوصًا، وَقَدْ قَالُوا بِأَنَّ الْبَدَلَ يَجِبُ فِي الْإِسْلَامِ السَّابِقِ عَلَى الظَّفَرِ وَلَا يَجِبُ فِي الْمَوْتِ السَّابِقِ فَالْإِسْلَامُ الْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى بِالْجَزْمِ.
كِتَابُ الْجِزْيَةِ هِيَ مَالٌ يَلْتَزِمُهُ الْكُفَّارُ بِعَقْدٍ عَلَى وَجْهٍ يَأْتِي (صُورَةُ عَقْدِهَا) الْأَصْلِيُّ مِنْ الْمُوجِبِ (أُقِرُّكُمْ) وَسَيَأْتِي وَفِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ أَقْرَرْتُكُمْ (بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَذِنْت فِي إقَامَتِكُمْ بِهَا عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا) بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ تُعْطُوا (جِزْيَةً وَتَنْقَادُوا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ) وَفِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ أَحْكَامٌ وَمِنْهَا الْمُتَعَلِّقُ بِالْمُعَامَلَاتِ وَالْغَرَامَاتِ كَمَا ذَكَرَهَا صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَالْبَيَانِ وَحَدُّ السَّرِقَةِ وَالزِّنَى دُونَ الشُّرْبِ لِاعْتِقَادِهِمْ حِلَّهُ كَمَا ذُكِرَتْ فِي أَبْوَابِهَا
(وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ ذِكْرِ قَدْرِهَا) أَيْ الْجِزْيَةِ كَالْأُجْرَةِ وَسَيَأْتِي أَنَّ أَقَلَّهَا دِينَارٌ لِكُلِّ سَنَةٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ وَيُنَزَّلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْأَقَلِّ (لَا كَفِّ اللِّسَانِ) مِنْهُمْ (عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدِينِهِ) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ لِأَنَّ فِي ذِكْرِ الِانْقِيَادِ غَنِيَّةً عَنْهُ، وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ لِيُؤْمَنَ دَعْوَى عَدَمِ إرَادَتِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ مُؤَقَّتًا عَلَى الْمَذْهَبِ) وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ يَصِحُّ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي الْقَطْعُ بِالْأَوَّلِ وَلَوْ قَالَ: أُقِرُّكُمْ مَا شِئْتُمْ جَازَ لِأَنَّ لَهُمْ نَبْذَ الْعَقْدِ مَتَى شَاءُوا بِخِلَافِنَا وَسَيَأْتِي إقْرَارُهُمْ بِالْجِزْيَةِ فِي دَارِ الْكُفْرِ (وَيُشْتَرَطُ لَفْظُ قَبُولٍ) مِنْهُمْ لِمَا أَوْجَبَ
(وَلَوْ وُجِدَ كَافِرٌ بِدَارِنَا فَقَالَ: دَخَلْت لِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ أَوْ بِأَمَانِ مُسْلِمٍ صُدِّقَ) فَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ (وَفِي دَعْوَى الْأَمَانِ وَجْهٌ) أَنَّهُ يُطَالَبُ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ لِإِمْكَانِهَا غَالِبًا (وَيَشْتَرِطُ لِعَقْدِهَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ) فِي عَقْدِهَا (وَعَلَيْهِ الْإِجَابَةُ إذَا طَلَبُوا إلَّا جَاسُوسًا نَخَافُهُ) الْمُرَادُ بِهِ مَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا
[حاشية قليوبي]
كِتَابُ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمُجَازَاةِ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ إقَامَتِهِمْ بِدَارِنَا وَكَفِّ أَذَانَا عَنْهُمْ لَا فِي مُقَابَلَةِ مَقَامِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ وَقِيلَ: مِنْ الْجَزَاءِ بِمَعْنَى الْقَضَاءِ، وَذُكِرَتْ عَقِبَ الْجِهَادِ لِأَنَّهُ مَغْيًا بِهَا وَالْمَعْنَى فِي أَخْذِهَا أَنَّهُ مَعُونَةٌ لَنَا، وَإِهَانَةٌ لَهُمْ وَرُبَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَغَايَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا إلَى نُزُولِ عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِزَوَالِ شُبْهَتِهِمْ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ وَهَذَا مِنْ شَرْعِنَا لِأَنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ مُتَلَقِّيًا لَهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَبِالِاجْتِهَادِ الْمُسْتَمَدِّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ لَا يُخْطِئُ فِيهِ وَلَيْسَ لِلْمَذَاهِبِ عِنْدَهُ اعْتِبَارٌ، إذْ لَا عِبْرَةَ بِالِاجْتِهَادِ مَعَ النَّصِّ، وَالْمُجْتَهِدُ لَا يُقَلِّدُ مِثْلَهُ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (هِيَ مَالٌ إلَخْ) أَيْ تُطْلَقُ عَلَى الْمَالِ وَكَذَا عَلَى الْعَقْدِ وَعَلَيْهِمَا مَعًا، وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ لِمُنَاسَبَةِ مَا يَأْتِي فَأَرْكَانُهَا خَمْسَةٌ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا ذُكِرَ عَاقِدٌ وَمَعْقُودٌ لَهُ وَمَالٌ وَصِيغَةٌ وَمَكَانٌ.
قَوْلُهُ: (صُورَةُ عَقْدِهَا الْأَصْلِيِّ) فَلَا يَرُدُّ صِحَّتَهَا مَعَ إقَامَتِهِمْ بِدَارِ الْكُفْرِ وَسَيَذْكُرُهُ وَلَا ابْتِدَاءِ الْكُفَّارِ بِعَقْدِهَا، وَلَا عَقْدِهَا لِلنِّسَاءِ لِأَنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْتِزَامِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْمُوجِبِ) وَسَيَأْتِي أَنَّهُ الْإِمَامُ وَلَوْ بِنَائِبِهِ فَقَطْ لَا الْآحَادُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْمُحَرَّرِ إلَخْ) فَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ أَوْلَى لِإِفَادَتِهَا الصِّحَّةَ مَعَ الْمُضَارِعِ الَّذِي لَا يَصِحُّ مَعَهُ غَيْرُهَا مِنْ الْعُقُودِ.
قَوْلُهُ: (بِدَارِ الْإِسْلَامِ) أَيْ غَيْرِ الْحِجَازِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ) هُوَ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيُسَاوِي مَا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (لِاعْتِقَادِهِمْ حِلَّهُ) فَالْعَقْدُ مُنَزَّلٌ عَلَى مَا يَعْتَقِدُونَ حُرْمَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَالَ إلَخْ) هُوَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ التَّأْقِيتِ الْمُبْطِلِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِنَا) أَيْ بِخِلَافِ الْمَشِيئَةِ مِنْ جِهَتِنَا، بِأَنْ يَقُولَ: أَقْرَرْتُكُمْ مَا شِئْت أَنَا أَوْ مَا شَاءَ الْمُسْلِمُونَ أَوْ مَا شِئْنَا، وَكَذَا مَا شَاءَ اللَّهُ فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ لَفْظُ قَبُولٍ) أَيْ بِشُرُوطِهِ فِي الْبَيْعِ مِنْ اتِّصَالِهِ بِالْإِيجَابِ وَغَيْرِهِ، وَفِي الْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ مَا مَرَّ فِي الضَّمَانِ، وَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لَزِمَ الْكَافِرَ أَقَلُّهَا لِمُدَّةِ إقَامَتِهِ بِدَارِنَا، وَخَرَجَ الْإِشَارَةُ وَالْكِتَابَةُ بِمَا مَرَّ فِي الضَّمَانِ، وَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لَزِمَ الْكَافِرَ أَقَلُّهَا لِمُدَّةِ إقَامَتِهِ بِدَارِنَا، وَخَرَجَ بِفَسَادِ الْعَقْدِ مَا إذَا بَطَلَ بِأَنْ عَقَدَ الْآحَادَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ) أَيْ قَبْلَ أَسْرِهِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ.
قَوْلُهُ: (صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ) وَيُنْدَبُ إنْ اُتُّهِمَ وَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ عَقْدِهَا لَهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَائِبُهُ فِي عَقْدِهَا) وَلَوْ عُمُومًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (الْمُرَادُ بِهِ) أَيْ بِالْجَاسُوسِ مَا
[حاشية عميرة]
[كِتَابُ الْجِزْيَةِ]
ِ قَوْلُهُ: (الْأَصْلِيُّ) قَيَّدَ بِهِ لِقَوْلِهِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ قَوْلُهُ: (دُونَ الشُّرْبِ) أَيْ وَدُونَ الْعِبَادَاتِ وَنِكَاحُ الْمَحْرَمِ مِنْ الْمَحَارِمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ
[اشْتِرَاطُ ذِكْرِ قَدْرِ الْجِزْيَةِ]
قَوْله: (لَا كَفِّ اللِّسَانِ إلَخْ) أَيْ وَأَمَّا التَّعَرُّضُ لِعَدَمِ قِتَالِنَا، وَنَحْوُهُ مِمَّا يُنْتَقَضُ بِهِ عَهْدُهُمْ فَلَا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لَهُ جَزْمًا،
قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ مُؤَقَّتًا) أَيْ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَحْقِنُ الدُّنْيَا ` مَ كَالْإِسْلَامِ فَكَمَا لَا يَجُوزُ الْإِسْلَامُ مُؤَقَّتًا كَذَلِكَ هَذَا ثُمَّ إذَا عُقِدَ مُؤَقَّتًا بَلَغُوا الْمَأْمَنَ وَمَهْمَا نَكَثُوا بِدَارِنَا أَخَذْنَا مِنْهُمْ أَقَلَّ الْجِزْيَةِ عَنْ كُلِّ سَنَةٍ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَالَ إلَخْ) يُرِيدُ أَنَّ هَذَا كَالْمُسْتَثْنَى مِنْ ضَرَرِ التَّأْقِيتِ كَمَا يُسْتَثْنَى مِنْ مَحِلِّ الْخِلَافِ مَا شِئْنَا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ الْعَقْدُ جَزْمًا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِمِقْدَارِ الْأَجَلِ نَعَمْ هَذَا الَّذِي اُغْتُفِرَ هُنَا مِنْ التَّعْلِيقِ بِمَشِيئَتِهِمْ لَمْ يَغْتَفِرُوا مِثْلَهُ فِي الْهُدْنَةِ، قَوْلُهُ: (لَفْظُ قَبُولٍ) مِثْلُهُ الْإِشَارَةُ فِي الْأَخْرَسِ، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْعَقِدَ بِالْكِتَابَةِ بِالْفَوْقَانِيَّةِ كَالْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ يُطَالِبُ) وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَالِبَ كَوْنُ الْحَرْبِيِّ لَا يَدْخُلُ دَارَنَا إلَّا بِأَمَانٍ، قَوْلُهُ: (فِي عَقْدِهَا) خَرَجَ نَائِبُهُ الْعَامُّ فَلَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ بِالْإِمَامِ لِاحْتِيَاجِهَا إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، وَتَعْلِيقُهَا بِالْمَحْصُورِينَ وَغَيْرِهِمْ، قَوْلُهُ: (جَاسُوسًا) هُوَ صَاحِبُ سِرِّ الشَّرِّ وَالنَّامُوسُ صَاحِبُ الْخَيْرِ، قَوْلُهُ: (الْمُرَادُ إلَخْ) يُرِيدُ
عَقِبَ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ فَلَوْ خَافَ غَائِلَتَهُمْ وَأَنَّ ذَلِكَ مَكِيدَةٌ مِنْهُمْ.
لَمْ يُجِبْهُمْ وَفِيهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ قَرْعُ الْجَاسُوسِ الَّذِي يُخَافُ شَرُّهُ لَا يُقِرُّ بِالْجِزْيَةِ.
(وَلَا تُعْقَدُ إلَّا لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَأَوْلَادِ مَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ قَبْلَ النَّسْخِ) لِدِينِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّبْدِيلِ فِيهِ (أَوْ شَكَكْنَا فِي وَقْتِهِ بَعْد) أَيْ التَّهَوُّدِ أَوْ التَّنَصُّرِ أَكَانَ قَبْلَ النَّسْخِ أَمْ بَعْدَهُ (وَكَذَا زَاعِمُ التَّمَسُّكِ بِصُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَزَبُورِ دَاوُد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - وَمَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيٌّ وَالْآخَرُ وَثَنِيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَهُوَ فِي الْأَوَّلِ أَصَحُّ وَجْهَيْنِ قَطَعَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَفِي الثَّانِيَةِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَصَحُّ الطُّرُقِ وَقَوْلٌ مِنْ طَرِيقٍ ثَانٍ قَطَعَ بَعْضُهُمْ بِمُقَابِلِهِ وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي الْمَذْكُورِينَ بِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ وَلَا يُقِرُّ بِهَا أَوْلَادُ مَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ بَعْدَ النَّسْخِ فِي ذَلِكَ الدِّينِ وَلَا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَالشَّمْسِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالسَّامِرَةِ وَالصَّابِئُونَ إنْ خَالَفُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي أُصُولِ دِينِهِمْ فَلَيْسُوا مِنْهُمْ فَلَا يُقِرُّونَ وَإِلَّا فَمِنْهُمْ وَالْأَصْلُ فِي إقْرَارِ الْمَذْكُورِينَ بِالْجِزْيَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 29]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29] إلَى آخِرِهِ أَيْ يَلْتَزِمُوهَا مُنْقَادِينَ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ وَغَلَبَ مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيٌّ وَأَدْرَجَهُ فِيهِمْ الْمُتَمَسِّكُ بِالصُّحُفِ وَالزَّبُورِ وَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» .
(وَلَا جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ وَخُنْثَى) لِأَنَّ آيَتَهَا السَّابِقَةَ لِلذُّكُورِ (وَمَنْ فِيهِ رِقٌّ) وَقِيلَ: تَجِبُ بِقِسْطِ حُرِّيَّتِهِ (وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ) لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا (فَإِنْ تَقَطَّعَ جُنُونُهُ قَلِيلًا كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ لَزِمَتْهُ أَوْ كَثِيرًا كَيَوْمٍ وَيَوْمٍ) أَوْ يَوْمَيْنِ (فَالْأَصَحُّ بِلَفْقِ
[حاشية قليوبي]
فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا الَّذِي هُوَ الْأَعَمُّ مِنْهُ بِدَلِيلِ وَصْفِهِ، بِقَوْلِهِ نَخَافُهُ الْمُشْعِرِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا مَنَعَهُ الْخَوْفُ وَذِكْرُهُ فِيهِمَا مُنْفَرِدًا خَاصٌّ، بَعْدَ عَامٍّ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ إرَادَةِ الْجَمْعِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، هَكَذَا فُهِمَ وَالْجَاسُوسُ صَاحِبُ سِرِّ الشَّرِّ النَّامُوسُ صَاحِبُ سِرِّ الْخَيْرِ وَلَا تُعْقَدُ لِأَسِيرٍ طَلَبَهَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُجِبْهُمْ) فَيَحْرُمُ عَقْدُهَا لَهُمْ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا طَلَبُوا مَعَ الْأَمْنِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ النَّسْخِ) وَكَذَا مَعَهُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَعْدَهُ وَالْمُرَادُ مَنْ تَهَوَّدَ قَبْلَ نَسْخِ شَرِيعَةِ مُوسَى، بِبَعْثَةِ عِيسَى أَوْ مَنْ تَنَصَّرَ قَبْلَ نَسْخِ شَرِيعَةِ عِيسَى بِبَعْثَةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُقْبَلُ دَعْوَاهُ الْقَبَلِيَّةَ بِلَا يَمِينٍ، فَإِنْ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهُ عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ النَّسْخُ وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ التَّبْدِيلُ وَلَا عَدَمُ اجْتِنَابِهِ وَكَذَا التَّحْرِيفُ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا زَعَمَ إلَخْ) وَفَارَقَ عَدَمَ صِحَّةِ نِكَاحِ الْمُتَمَسِّكَةِ بِذَلِكَ بِطَلَبِ حَقْنِ الدِّمَاءِ هُنَا، وَأَفَادَ بِذِكْرِ الزَّعْمِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ فِي التَّمَسُّكِ الْمَذْكُورِ كَوْنُهُ قَبْلَ بَعْثَةٍ تَنْسَخُهُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (بِصُحُفِ إبْرَاهِيمَ) وَهِيَ عَشْرَةُ صَحَائِفَ وَمِثْلُهَا التَّمَسُّكُ بِصُحُفِ شِيثٍ وَهِيَ خَمْسُونَ صَحِيفَةً، أَوْ بِصُحُفِ إدْرِيسَ وَهِيَ ثَلَاثُونَ صَحِيفَةً تَنْعَقِدُ الْجِزْيَةُ لِجَمِيعِ هَؤُلَاءِ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ كَمَا مَرَّ، وَسَكَتَ عَنْ صُحُفِ مُوسَى وَهِيَ عَشْرَةٌ قَبْلَ التَّوْرَاةِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا بِالتَّوْرَاةِ.
قَوْلُهُ: (أَحَدُ أَبَوَيْهِ) الذَّكَرُ أَوْ الْأُنْثَى وَالْمُعْتَبَرُ مَنْ نُسِبَ إلَيْهِ وَغَلَبَ فِيهِ حَقْنُ الدَّمِ، نَعَمْ إنْ اخْتَارَ دِينَ الْوَثَنِيِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ لَمْ تُعْقَدُ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ، وَمَا فِي الْمَنْهَجِ مُؤَوَّلٌ فَرَاجِعْهُ وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِيِّ هُنَا مَنْ لَهُ كِتَابٌ مِمَّا ذُكِرَ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ انْتَسَبَ إلَى أَبَوَيْنِ مِنْ الْيَهُودِ أَحَدُهُمَا تَمَسَّكَ قَبْلَ النَّسْخِ وَالْآخَرُ بَعْدَهُ فَقِيَاسُ، مَا ذُكِرَ أَنْ تُعْقَدَ لَهُ الْجِزْيَةُ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ النَّسْخِ) أَيْ يَقِينًا كَمَا عُلِمَ.
قَوْلُهُ: (إنْ خَالَفُوا إلَخْ) فَلَهُمْ هُنَا حُكْمُ مَا فِي النِّكَاحِ وَأَصْلُ كُلِّ دِينٍ نَبِيُّهُ، وَكِتَابُهُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَأُدْرِجَ إلَخْ) لَوْ جُعِلَ هَذَا مِنْ مَدْخُولِ الثَّانِي أَوْ مَقِيسًا عَلَى مَا فِيهِ لَكَانَ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَمَا رَوَى) عَطْفٌ عَلَى الدَّلِيلِ الْقُرْآنِيِّ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ) وَقَالَ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَخَذَهَا أَيْضًا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ وَخُنْثَى) فَإِنْ طَلَبَا عَقْدَهَا لَهُمَا أَعْلَمَهُمَا الْإِمَامُ بِأَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمَا فَإِنْ رَغِبَا فِي بَذْلِهَا عَقَدَهَا لَهُمَا وَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمَا هِبَةٌ وَلَوْ تَبَيَّنَ ذُكُورَةُ الْخُنْثَى طُولِبَ بِهَا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ لَهُ وَلَا يُغْنِي عَنْهَا مَا دَفَعَهُ أَوَّلًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَوْ لَمْ تُعْقَدْ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ فِيهِ رِقٌّ) وَلَا تُعْقَدُ لَهُ لَوْ طَلَبَهَا، نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُبَعَّضُ كَالْمَرْأَةِ لِمِلْكِهِ بِبَعْضِهِ الْحُرِّ، وَلَوْ عَتَقَ الرَّقِيقُ عُقِدَتْ لَهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ تُعْقَدُ لَهُ وَطَلَبَهَا، وَإِلَّا بَلَغَ الْمَأْمَنَ سَوَاءٌ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ إلَخْ) فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِعَدَمِ ذِكْرِ الْخِلَافِ.
قَوْلُهُ: (وَمَجْنُونٍ) لَا يَصِحُّ عَقْدُ وَلِيِّهِ عَنْهُ كَالصَّبِيِّ، وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ السَّفِيهِ وَلَا عَقْدُ وَلِيِّهِ لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ، وَلَا عِبْرَةَ بِالسَّفَهِ الطَّارِئِ بَعْدَ الرُّشْدِ حَالَ الْعَقْدِ وَسَيَأْتِي.
فَرْعٌ: لَوْ عُقِدَ عَلَى الرِّجَالِ عَلَى أَنْ يَبْذُلُوا عَنْ ذَرَارِيِّهِمْ شَيْئًا، غَيْرَ مَا عَلَيْهِمْ جَازَ وَلَزِمَهُمْ إنْ كَانَ مِنْ مَالِهِمْ لَا مِنْ مَالِ الذَّرَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ) أَيْ مَثَلًا لَزِمَتْهُ وَالضَّابِطُ أَوْ تَكُونُ أَوْقَاتُهُ لَوْ لُفِّقَتْ لَا تُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
[حاشية عميرة]
أَنَّ عِبَارَةَ الْمِنْهَاجِ لَا تُفِيدُ تَحْرِيمَ إجَابَةِ الْجَاسُوسِ وَلَكِنَّهُ مُرَادُهُ
قَوْلُهُ: (وَأَوْلَادِ إلَخْ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ: يُرَدُّ عَلَى عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ وَالتَّنْبِيهِ وَالْحَاوِي إذَا تَهَوَّدَ الْأَصْلُ أَوْ تَنَصَّرَ قَبْلَ النَّسْخِ، لَكِنْ انْتَقَلَتْ ذُرِّيَّتُهُ عَنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ أَوْ قَبْلَهُ فَلَا يُقِرُّ بِالْجِزْيَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ: (أَوْ شَكَكْنَا) هُوَ عُمْدَةُ الصَّحَابَةِ فِي تَقْرِيرُ نَصَارَى الْعَرَبِ، قَوْلُهُ: (بِصُحُفِ إبْرَاهِيمَ) لِشُمُولِ الْكِتَابِ فِي الْآيَةِ لَهَا، قَوْلُهُ: (وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) كَانَ يُرِيدُ بِهَذَا أَنَّ الْأَحْسَنَ إسْقَاطُ الْحَصْرِ الَّذِي فِي عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَلْتَزِمُوهَا مُنْقَادِينَ) الِالْتِزَامُ تَفْسِيرُ الْإِعْطَاءِ وَالِانْقِيَادُ تَفْسِيرُ الصَّغَارِ
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ آيَتَهَا السَّابِقَةَ إلَخْ) وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ لِحَقْنِ الدَّمِ وَسُكْنَى الدَّارِ وَالْمَرْأَةُ مَحْقُونَةٌ وَتَابِعَةٌ لِغَيْرِهَا وَكَذَا الصِّبْيَانُ.
الْإِفَاقَةِ فَإِذَا بَلَغَتْ سَنَةً وَجَبَتْ) وَالثَّانِي لَا تَجِبُ وَالثَّالِثُ تَجِبُ كَالْعَاقِلِ وَالرَّابِعُ يُحْكَمُ بِمُوجِبِ الْأَغْلَبِ فَإِنْ اسْتَوَى الزَّمَانُ وَجَبَتْ
(وَلَوْ بَلَغَ ابْنُ ذِمِّيٍّ وَلَمْ يَبْذُلْ) بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ يُعْطِ (جِزْيَةً أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ لِأَنَّ بَذْلَهَا عَقْدٌ لَهُ) وَتَقَدَّمَ أَنَّ إعْطَاءَهَا بِمَعْنَى الْتِزَامِهَا (وَقِيلَ عَلَيْهِ كَجِزْيَةِ أَبِيهِ) وَلَا يَحْتَاجُ إلَى عَقْدٍ اكْتِفَاءً بِعَقْدِ أَبِيهِ.
(وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهَا عَلَى زَمِنٍ وَشَيْخٍ هَرِمٍ وَأَعْمَى وَرَاهِبٍ وَأَجِيرٍ) لِأَنَّهَا كَأُجْرَةِ الدَّارِ (وَفَقِيرٍ عَجَزَ عَنْ كَسْبٍ فَإِذَا تَمَّتْ سَنَةٌ) لِلْفَقِيرِ (وَهُوَ مُعْسِرٌ فَفِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوسِرَ) وَكَذَا حُكْمُ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا وَمُقَابِلُ الْمَذْهَبِ فِي غَيْرِ الْفَقِيرِ أَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ إنْ قُلْنَا لَا يُقْتَلُونَ كَالنِّسَاءِ، وَفِي الْفَقِيرِ قَوْلٌ وَغَيْرُهُ مَشْهُورٌ أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا تُعْقَدُ لَهُ عَلَى أَنْ يَبْذُلَهَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ فَإِذَا أَيْسَرَ فَهُوَ أَوَّلُ حَوْلِهِ
(وَيُمْنَعُ كُلُّ كَافِرٍ مِنْ اسْتِيطَانِ الْحِجَازِ) وَفِي الشَّرْحِ وَمِنْ الْإِقَامَةِ بِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا فِي الرَّوْضَةِ (وَهُوَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَقُرَاهَا) كَالطَّائِفِ لِمَكَّةَ وَخَيْبَرَ لِلْمَدِينَةِ (وَقِيلَ: لَهُ الْإِقَامَةُ فِي طُرُقِهِ الْمُمْتَدَّةِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْضِعَ إقَامَةِ النَّاسِ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ «آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ الْحِجَازِ» ، وَرَوَى الشَّيْخَانِ حَدِيثَ «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» وَمُسْلِمٌ حَدِيثَ «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» وَالْقَصْدُ مِنْهَا الْحِجَازُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ دَخَلَهُ) الْكَافِرُ (بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَخْرَجَهُ وَعَزَّرَهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ) مِنْهُ (فَإِنْ اسْتَأْذَنَ أُذِنَ لَهُ إنْ كَانَ) دُخُولُهُ (مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ كَرِسَالَةٍ وَحَمْلِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ لِتِجَارَةٍ لَيْسَ فِيهَا كِبَرُ حَاجَةٍ لَمْ يَأْذَنْ إلَّا بِشَرْطِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا)
[حاشية قليوبي]
قَوْله: (تُلَفَّقُ الْإِفَاقَةُ) إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا انْسَحَبَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْجُنُونِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ) فَإِنْ ضُمَّتْ مُدَّةٌ قَبْلَهُ لَزِمَهُ لَهَا أَقَلُّ جِزْيَةً.
قَوْلُهُ: (وَتَقَدَّمَ إلَخْ) هُوَ إصْلَاحٌ لِتَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِالْبَذْلِ الَّذِي فَسَّرَهُ بِالْإِعْطَاءِ أَيْ فَالْمُرَادُ مِنْهُمَا عَقْدُهَا لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَفَقِيرٍ) أَيْ تَلْزَمُهُ الْجِزْيَةُ لِأَنَّهَا أُجْرَةٌ وَالْمُرَادُ بِهِ فَقِيرُ الزَّكَاةِ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا وَقِيلَ: الْفِطْرَةُ.
تَنْبِيهٌ: يَدْخُلُ فِي عَقْدِ الْجِزْيَةِ لِلذِّمِّيِّ أَمْوَالُهُ وَعَبِيدُهُ وَزَوْجَاتُهُ وَصِغَارُ أَوْلَادِهِ وَمَجَانِينُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ دُخُولُهُمْ وَكَذَا مَنْ لَهُ بِهِ عَلَقَةٌ بِقَرَابَةٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ مِنْ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَالْأَرِقَّاءِ إنْ شُرِطَ دُخُولُهُمْ، قَوْلُهُ: (وَمُقَابِلُ الْمَذْهَبِ) فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى التَّعْبِيرِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُمْنَعُ كُلُّ كَافِرٍ مِنْ اسْتِيطَانِ الْحِجَازِ) وَالْإِقَامَةِ بِهِ مُعَاقَبَةً لَهُ بِإِخْرَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ كَذَا قِيلَ فَرَاجِعْهُ وَسُمِّيَ بِالْحِجَازِ كَمَا مَرَّ لِحَجْزِهِ بِالْجِبَالِ، وَالْحِجَارَةِ أَوْ لِأَنَّهُ حَاجِزٌ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ أَوْ بَيْنَ الشَّامِ وَالْيَمَنِ لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ بِمَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ مِنْ الْيَمَنِ، إلَّا إنْ حُمِلَ عَلَى مُجَاوَرَتِهِ لَهُ وَهُوَ مُقَابِلٌ لِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ شَرْقِهَا وَقَدْرُهُ مَسِيرَةُ نَحْوِ شَهْرٍ مَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَسَدُومَ، وَهُوَ قِطْعَةٌ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَفِي الشَّرْحِ وَمِنْ الْإِقَامَةِ بِهِ) وَهِيَ أَوْلَى كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهَا فِي الرَّوْضَةِ، وَيُمْنَعُ أَيْضًا مِنْ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ يَتَّخِذَهُ، وَلَوْ لِسُكْنَى مُسْلِمٍ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَمِنْ الْإِقَامَةِ بِجَزَائِرِهِ وَلَوْ خَرَابًا، وَمِنْ الْإِقَامَةِ فِي بَحْرٍ فِيهِ وَلَوْ فِي سَفِينَةٍ.
نَعَمْ لَهُ رُكُوبُهَا خَارِجَ الْحَرَمِ لَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْيَمَامَةُ) اسْمٌ لِأَرْضٍ وَاسِعَةٍ يُنْسَبُ إلَيْهَا مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ وَأَصْلُهَا اسْمٌ لِجَارِيَةٍ زَرْقَاءَ كَانَتْ تَرَى مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلِإِقَامَتِهَا بِتِلْكَ الْأَرْضِ سُمِّيَتْ بِهَا وَهِيَ حِجَازٌ كَمَا ذُكِرَ، وَقِيلَ يَمَنٌ وَقِيلَ فَاصِلَةٌ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (كَالطَّائِفِ بِمَكَّةَ) وَمِثْلُهُ وَجٌّ وَجُدَّةُ.
قَوْلُهُ: (وَخَيْبَرَ لِلْمَدِينَةِ) عَلَى ثَمَانِيَةِ بُرُدٍ مِنْهَا وَمِثْلُهَا النَّبْعُ وَسَكَتَ عَنْ قُرَى الْيَمَامَةِ لِعَدَمِ وُجُودِهَا فَفِي الضَّمِيرِ الْعَائِدِ إلَيْهَا تَغْلِيبٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ فِي شَأْنِ الْكُفَّارِ أَوْ فِي شَأْنِ الْحِجَازِ أَوْ الْمُرَادُ آخِرُ مَا سَمِعَهُ الرَّاوِي الْمَذْكُورُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (الْمُشْتَمِلَةُ هِيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا مِنْ أَقْصَى عَدَنَ إلَى رِيفِ الْعِرَاقِ طُولًا وَمِنْ جُدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ إلَى الشَّامِ عَرْضًا، وَسُمِّيَتْ جَزِيرَةً لِأَنَّهُ أَحَاطَ بِهِ أَرْبَعَةُ أَبْحُرٍ دِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ وَبَحْرُ فَارِسٍ وَبَحْرُ الْحَبَشَةِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَذِنَ لَهُ) قَالَ شَيْخُنَا وُجُوبًا وَسَوَاءٌ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ) هُوَ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ أَيْ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُونَ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَأْذَنْ) فَيَحْرُمُ وَلَوْ مَعَ مُسْلِمٍ لِتِجَارَةٍ مَعَهُمَا أَوْ لِطَلَبٍ أَوْ صِيَاغَةِ نَصٍّ عَلَيْهِ.
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (فَإِذَا بَلَغَتْ سَنَةً) أَيْ هِلَالِيَّةً فَلَوْ كَانَ جُنُونُهُ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ نَوَاقِصَ أَخَذْنَا قَدْرَ النَّاقِصِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ زَمَنِ الْإِفَاقَةِ
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَلَغَ ابْنُ ذِمِّيٍّ) وَلَوْ بِنَبَاتِ الْعَانَةِ قَوْلُهُ: (إنَّ إعْطَاءَهَا) أَيْ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ أَيْ فَيَكُونُ الْبَذْلُ هُنَا بِمَعْنَى الِالْتِزَامِ، قَوْلُهُ: (كَجِزْيَةِ أَبِيهِ) لَوْ كَانَ آبَاؤُهُ مَفْقُودِينَ فَالظَّاهِرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُرَاعَاةُ جِزْيَةِ قَوْمِهِ، أَوْ أَقَارِبِهِ كَذَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَلَك أَنْ تَقُولَ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إنَّهُ ابْنُ ذِمِّيٍّ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِأَبِيهِ جِزْيَةٌ وَلَوْ فُقِدَ.
قَوْلُهُ: (وَشَيْخٍ) إذَا لَمْ يَكُنْ ذَا رَأْيٍ وَإِلَّا فَيُقِرُّ جَزْمًا، قَوْلُهُ: (وَفَقِيرٍ) وَجْهُهُ أَنَّهَا لِحَقْنِ الدَّمِ وَالْفَقِيرُ وَالْغَنِيُّ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ، قَوْلُهُ: (وَمُقَابِلُ الْمَذْهَبِ) عِبَارَةُ الزَّرْكَشِيّ فِي حِكَايَةِ هَذَا وَقِيلَ: يُبْنَى عَلَى قِلَّتِهِمْ وَبِالتَّأَمُّلِ، يَظْهَرُ لَك أَنَّهُ مُرَادُ الشَّارِحِ وَأَمَّا الْفَقِيرُ فَلَيْسَ فِيهِ قَوْلَانِ
قَوْلُهُ: (وَقُرَاهَا) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ لِمَكَّةَ وَمَا بَعْدَهَا فَقَطْ، قَوْلُهُ: (وَخَيْبَرَ) مِنْهَا أَيْضًا فَدَكُ وَقُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَيَنْبُعُ مِنْ الْحِجَازِ أَيْضًا، قَوْلُهُ: (وَقِيلَ) هُوَ خَاصٌّ بِغَيْرِ الْحَرَمِ، قَوْلُهُ: (آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الْكُفَّارِ، قَوْلُهُ: (لَمْ يَأْذَنْ إلَّا
وَقَدْرُهُ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ (وَلَا يُقِيمُ إلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا يَوْمُ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ (وَيُمْنَعُ دُخُولَ حَرَمِ مَكَّةَ فَإِنْ كَانَ رَسُولًا) وَالْإِمَامُ فِي الْحَرَمِ (خَرَجَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ يَسْمَعُهُ) وَيُخْبِرُ الْإِمَامَ (وَإِنْ) دَخَلَهُ وَ (مَرِضَ فِيهِ نُقِلَ وَإِنْ خِيفَ مَوْتُهُ) مِنْ نَقْلِهِ (فَإِنْ مَاتَ) فِيهِ (لَمْ يُدْفَنْ فِيهِ فَإِنْ دُفِنَ نُبِشَ وَأُخْرِجَ) مِنْهُ (وَإِنْ مَرِضَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْحِجَازِ وَعَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ فِي نَقْلِهِ تُرِكَ وَإِلَّا نُقِلَ فَإِنْ مَاتَ) فِيهِ (وَتَعَذَّرَ نَقْلُهُ دُفِنَ هُنَاكَ) وَلَيْسَ حَرَمُ الْمَدِينَةِ كَحَرَمِ مَكَّةَ فِيمَا ذُكِرَ فِيهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالنُّسُكِ وَفِيهِ حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ «لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ» وَغَيْرُ الْحِجَازِ لِكُلِّ كَافِرٍ دُخُولُهُ بِالْأَمَانِ.
فَصْلٌ (أَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ لِكُلِّ سَنَةٍ) عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ أَيْ مُحْتَلِمٍ دِينَارًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ مُمَاكَسَةٌ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْ مُتَوَسِّطٍ دِينَارَيْنِ وَغَنِيٍّ أَرْبَعَةً) وَلَوْ شُرِطَ ذَلِكَ فِي
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (إلَّا بِشَرْطِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا) مَرَّةً فِي السَّنَةِ فَقَطْ كَالْجِزْيَةِ نَعَمْ إنْ بَاعَ مَا دَخَلَ بِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَاشْتَرَى غَيْرَهُ.
أَوْ مِثْلَهُ بِثَمَنِهِ ثُمَّ دَخَلَ بِهِ أَيْضًا، أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ آخَرُ ثَانِيًا، وَكَذَا ثَالِثًا وَهَكَذَا بِخِلَافِ مَا لَمْ يَبِعْهُ، وَرَجَعَ بِهِ ثُمَّ عَادَ بِهِ وَدَخَلَ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ ثَانِيًا.
قَوْلُهُ: (وَقَدْرُهُ) أَيْ الْمَأْخُوذِ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ ظَاهِرُهُ قَدْرُ الْعَشْرِ وَفَوْقَهُ وَدُونَهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُقِيمُ) أَيْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنْ تَعَدَّدَ فَلَهُ الْإِقَامَةُ إنْ كَانَ بَيْنَ كُلِّ مَوْضِعَيْنِ مَسَافَةُ قَصْرٍ وَإِلَّا فَلَا قَوْلُهُ: (وَيُمْنَعُ دُخُولَ الْحَرَمِ) وَلَوْ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ أَوْ بَذْلِ مَالٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُخَيِّرُ الْإِمَامُ) فَإِنْ امْتَنَعَ إلَّا مِنْ أَدَائِهَا مُشَافَهَةً تَعَيَّنَ خُرُوجُ الْإِمَامِ لَهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ رُدَّ بِهَا أَوْ أَسْمَعَهَا مَنْ يُخْبِرُ الْإِمَامَ بِهَا، وَلَوْ كَانَ طَبِيبًا وَجَبَ إخْرَاجُ الْمَرِيضِ إلَيْهِ مَحْمُولًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ رُدَّ أَوْ وَصَفَ لَهُ مَرَضَهُ وَهُوَ خَارِجٌ وَلَا تَجُوزُ إجَابَتُهُ وَإِنْ بَذَلَ مَالًا كَمَا مَرَّ، قَوْلُهُ: (نُبِشَ) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ تَهَرَّى.
قَوْلُهُ: (وَعَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ) أَوْ خِيفَ مَوْتُهُ مِنْ نَقْلِهِ أَوْ زِيَادَةُ مَرَضِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقِيلَ يَجِبُ نَقْلُهُ مُطْلَقًا وَقِيلَ: لَا يُنْقَلُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ حَرَمُ الْمَدِينَةِ كَحَرَمِ مَكَّةَ فِيمَا ذُكِرَ فِيهِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْوُجُوبُ وَلَكِنَّهُ يُنْدَبُ وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْحِجَازِ دُخُولُ كُلِّ كَافِرٍ لَهُ بِأَمَانٍ وَلَوْ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا كَمَا ذَكَرَهُ.
فَصْلٌ فِي مِقْدَارِ مَالِ الْجِزْيَةِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِمَّا يَأْتِي قَوْلُهُ: (أَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ) أَيْ عِنْدَ قُوَّتِنَا، وَإِلَّا فَيَجُوزُ الْعَقْدُ مَعَهُمْ بِدُونِهِ، وَالدِّينَارُ هُوَ الْمَضْرُوبُ مِنْ الذَّهَبِ الْخَالِصِ، فَلَا يَجُوزُ لَنَا الْعَقْدُ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ سَاوَاهُ وَيَجُوزُ بَعْدَ الْعَقْدِ أَخْذُ غَيْرِهِ عَنْهُ عِوَضًا بِقِيمَتِهِ، وَلَوْ مَغْشُوشًا غَيْرَ رَائِجٍ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ زِيَادَةٍ مِنْهُمْ عَلَى مَا عَقَدَ عَلَيْهِ إلَّا بِنَحْوِ عَقْدٍ كَهِبَةٍ، قَوْلُهُ: (مُمَاكَسَةٌ) أَيْ مُشَاحَّةٌ وَلَا يَجُوزُ عَقْدُهَا بِدُونِهَا حَيْثُ أَمْكَنَ، وَلَا يَجُوزُ عَقْدُهَا لِسَفِيهٍ بِأَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ احْتِيَاطًا وَلَوْ بِوَلِيِّهِ لِوُجُودِ حَقْنِ الدَّمِ بِهِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ صُلْحُهُ عَلَى الْقِصَاصِ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ، وَإِنْ حُجِرَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَقْدِ بِأَكْثَرَ لَزِمَ مَا عَقَدَ بِهِ كَمَا يَأْتِي، قَوْلُهُ: (حَتَّى يَأْخُذَ مِنْ مُتَوَسِّطٍ دِينَارَيْنِ) وَضَبَطَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ تَبَعًا لِابْنِ حَجَرٍ الْمُتَوَسِّطَ وَالْغَنِيَّ بِمَا ذَكَرُوهُ فِي النَّفَقَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُتَوَسِّطَ مَنْ يَمْلِكُ زِيَادَةً عَلَى مَا يَفِي بِبَقِيَّةِ عُمْرِهِ الْغَالِبُ أَكْثَرُ مِنْ مُدٍّ وَنِصْفٍ إلَى مُدَّيْنِ، فَإِنْ مَلَكَهُمَا أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ غَنِيٌّ وَخَالَفَهُمَا شَيْخُنَا وَاعْتَمَدَ ضَبْطَهُمَا بِالْعَاقِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُتَوَسِّطَ مَنْ يَمْلِكُ زِيَادَةً عَلَى مَا يَفِي بِبَقِيَّةِ الْعُمْرِ الْغَالِبُ أَكْثَرُ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ إلَى عِشْرِينَ دِينَارًا، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ غَنِيٌّ، قَوْلُهُ: (وَيُعْتَبَرُ إلَخْ) هَذَا إنْ عَقَدَ عَلَى الْأَوْصَافِ كَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْعَقْدِ عَلَى الْمُتَوَسِّطِ مِنْكُمْ كَذَا وَعَلَى الْغَنِيِّ مِنْكُمْ كَذَا فَإِنْ عَقَدَ عَلَى الْأَشْخَاصِ بِالْمُمَاكَسَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَقَطْ، فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ زِيَادَةٍ عَلَى مَا عَقَدَ بِهِ كَمَا مَرَّ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِمَّا عَقَدَ بِهِ فَدَيْنٌ وَلَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ
[حاشية عميرة]
بِشَرْطِ إلَخْ) . قَالَ الْغَزَالِيُّ مَحِلُّ ذَلِكَ فِي الذِّمِّيِّ وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ دُخُولِ الْحِجَازِ لِلتِّجَارَةِ كَمَا نَقَلَهُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ النَّصِّ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَجَرَى عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
[فَصْلٌ أَقَلُّ الْجِزْيَةِ]
ِ دِينَارٌ أَيْ فَلَا يَجُوزُ عَقْدُهَا بِغَيْرِهِ وَلَوْ فِضَّةً تَعْدِلُهُ، وَإِنْ جَازَ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ بَعْدَ الْعَقْدِ بِفِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا قَوْلُهُ: (عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ) أَيْ وَلَوْ فَقِيرًا أَوْ سَفِيهًا، قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَرَطَ إلَخْ) اُنْظُرْ كَيْفَ هَذَا مَعَ قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ مَحِلُّ ذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَأَمَّا بَعْدَ صُدُورِهِ فَلَا مُمَاكَسَةَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اهـ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا يُعْلَمُ مِنْ الْحَاشِيَةِ عَلَى قَوْلِهِ أَيْضًا، وَلَوْ شَرَطَ إلَخْ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ غَرَضَ الشَّارِحِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، أَنَّ مَعْنَى الْمَتْنِ تُسْتَحَبُّ الْمُمَاكَسَةُ عِنْدَ الْعَقْدِ وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ إجَابَةُ الْكَافِرِ إلَى طَلَبِ الْعَقْدِ بِدِينَارٍ بَلْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُ، وَيُمَاكِسَهُ حَتَّى يَعْقِدَ لَهُ بِأَرْبَعَةٍ مَثَلًا فَيَكُونُ الْعَقْدُ صَادِرًا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ، قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ جَازَ) مَعْنَاهُ أَنْ يَعْقِدَ لَهُ بِدِينَارٍ مَثَلًا وَيَشْرِطَ فِي الْعَقْدِ إنْ كَانَ غَنِيًّا آخِرَ الْحَوْلِ أَخَذَ مِنْهُ أَرْبَعَةً أَوْ يَقُولُ مَثَلًا عَاقَدْتُكُمْ عَلَى أَنَّ عَلَى الْغَنِيِّ كَذَا وَالْمُتَوَسِّطِ كَذَا وَالْفَقِيرِ دِينَارًا ثُمَّ رَأَيْت فِي الرَّوْضَةِ مَا يَدُلُّ لِهَذَا، قَوْلُهُ: (وَيُعْتَبَرُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ جَازَ.
قَوْلُهُ: (نَاقِضُونَ) فَعَلَيْهِ لَوْ طَلَبُوا الْعَقْدَ بِدِينَارٍ بَعْدَ النَّقْضِ
الْعَقْدِ جَازَ وَيَعْتَبِرُ الْغَنِيُّ وَغَيْرُهُ الْأَخْذَ وَلَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَا مُتَوَسِّطٌ أَوْ فَقِيرٌ قُبِلَ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ (وَلَوْ عُقِدَتْ بِأَكْثَرَ) مِنْ دِينَارٍ (ثُمَّ عَلِمُوا جَوَازَ دِينَارٍ لَزِمَهُمْ مَا الْتَزَمُوهُ فَإِنْ أَبَوْا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُمْ نَاقِضُونَ) لِلْعَهْدِ وَالثَّانِي لَا وَيَقْنَعُ مِنْهُمْ بِالدِّينَارِ.
(وَلَوْ أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ أَوْ مَاتَ بَعْدَ سِنِينَ أُخِذَتْ جِزْيَتُهُنَّ) فِي الْإِسْلَامِ مِنْهُ وَفِي الْمَوْتِ (مِنْ تَرِكَتِهِ مُقَدَّمَةً عَلَى الْوَصَايَا وَيُسَوَّى بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ دَيْنِ آدَمِيٍّ عَلَى الْمَذْهَبِ) ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي تُقَدَّمُ هِيَ فِي قَوْلٍ وَدَيْنُ الْآدَمِيِّ فِي قَوْلٍ وَيُسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي قَوْلٍ (أَوْ فِي خِلَالِ سَنَةٍ فَقِسْطٌ) لِمَا مَضَى كَالْأُجْرَةِ (وَفِي قَوْلٍ لَا شَيْءَ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ بِالْحَوْلِ كَالزَّكَاةِ
(وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ بِإِهَانَةٍ فَيَجْلِسُ الْآخِذُ وَيَقُومُ الذِّمِّيُّ وَيُطَأْطِئُ رَأْسَهُ وَيَحْنِي ظَهْرَهُ وَيَضَعُهَا فِي الْمِيزَانِ وَيَقْبِضُ الْآخِذُ لِحْيَتَهُ وَيَضْرِبُ لِهْزِمَتَيْهِ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَالزَّاي وَهُمَا مُجْتَمَعُ اللَّحْمِ بَيْنَ الْمَاضِغِ وَالْأُذُنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ (وَكُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ وَقِيلَ وَاجِبٌ) وَهُوَ مَعْنَى الصَّغَارِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] عِنْدَ بَعْضِهِمْ (فَعَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ الِاسْتِحْبَابِ (لَهُ تَوْكِيلُ مُسْلِمٍ بِالْأَدَاءِ) لِلْجِزْيَةِ (وَحَوَالَةٌ) بِهَا (عَلَيْهِ وَأَنْ يَضْمَنَهَا) بِخِلَافِ الثَّانِي (قُلْت: هَذِهِ الْهَيْئَةُ بَاطِلَةٌ وَدَعْوَى اسْتِحْبَابِهَا أَشَدُّ خَطَأً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ لَا نَعْلَمُ أَصْلًا مُعْتَمَدًا وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدًا مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَعَلَ شَيْئًا مِنْهَا وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ وَقَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ بِرِفْقٍ كَأَخْذِ الدُّيُونِ انْتَهَى وَفِيهِ تُحْمَلُ عَلَى الذَّاكِرِينَ لَهَا وَلِلْخِلَافِ فِيهَا الْمُسْتَنِدِ إلَى تَفْسِيرِ الصَّغَارِ فِي الْآيَةِ بِهَا الْمَبْنِيِّ عَلَيْهَا الْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِمْ إذَا صُولِحُوا
[حاشية قليوبي]
شَيْءٍ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْأَوْصَافِ، قَوْلُهُ: (قِيلَ قَوْلُهُ) أَيْ فِي أَنَّهُ مُتَوَسِّطٌ أَوْ فَقِيرٌ لَكِنْ بِيَمِينِهِ،.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ أَوْ مَاتَ بَعْدَ سِنِينَ) أُخِذَتْ الْجِزْيَةُ لَهُنَّ مِنْهُ أَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ أَخَذَ جِزْيَتَهُنَّ، أَيْ السِّنِينَ الْمَاضِيَةَ مِنْ تَرِكَتِهِ فِي الْمَوْتِ وَمِنْ مَالِهِ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ فِي الْعَقْدِ لَا بِآخِرِ الْحَوْلِ، وَمَحِلُّهُ فِي الْمَوْتِ إنْ خَلَفَ وَارِثًا مُسْتَغْرِقًا، فَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ وَارِثًا أَصْلًا سَقَطَتْ أَوْ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ أُخِذَ جَمِيعُ مَا مَضَى قَبْلَ مَوْتِهِ مِنْ السِّنِينَ، مُقَدَّمًا عَلَى الْإِرْثِ وَأُخِذَ لِسَنَةِ الْمَوْتِ مِنْ الْوَارِثِ مِنْ تَرِكَتِهِ بِقَدْرِ مَا يُقَابِلُ حِصَّتَهُ كَمَا يَأْتِي، وَسَقَطَ الْبَاقِي سَوَاءٌ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ فِي خِلَالِ) أَيْ لَوْ أَسْلَمَ أَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ فِي أَثْنَاءِ سَنَةٍ فَقِسْطٌ مِنْ الْجِزْيَةِ بِقَدْرِ الْمَاضِي مِنْهَا كَذَا فِي الْمَنْهَجِ، وَيَأْتِي فِي الْمَيِّتِ مَا مَرَّ وَأَخْذُ الْقِسْطِ فِيهِ ظَاهِرٌ وَكَذَا فِي الْمَجْنُونِ إنْ أُطْبِقَ جُنُونُهُ، وَأَمَّا مَحْجُورُ السَّفَهِ وَالْفَلَسِ فَفِيهِمَا نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ سُقُوطَ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ عَنْهُمَا فَلَا قَائِلَ بِهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمَا فِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ قِسْطُ السَّفِيهِ، وَالْمُفْلِسِ فَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمَا مَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ بِهِ مُطْلَقًا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ يُجَابُ بِحَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى مَا لَوْ عَقَدَ عَلَى الْأَوْصَافِ، وَكَانَ الْمَحْجُورُ قَبْلَ حَجْرِهِ غَنِيًّا أَوْ مُتَوَسِّطًا فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِسْطُ بِذَلِكَ الْوَصْفِ قَبْلَ الْحَجْرِ، وَقِسْطُ الْفَقِيرِ بَعْدَهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَحَرِّرْهُ، قَوْلُهُ: (كَالزَّكَاةِ) وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْجِزْيَةَ مُعَاوَضَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ بِإِهَانَةٍ) مَا لَمْ تُؤْخَذْ بِاسْمِ الزَّكَاةِ كَمَا يَأْتِي، قَوْلُهُ: (وَيَضْرِبُ) بِكَفِّهِ مَفْتُوحَةً ضَرْبَتَيْنِ وَقِيلَ: وَاحِدَةً وَيَقُولُ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَدِّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَدَعْوَى اسْتِحْبَابِهَا إلَخْ) فَدَعْوَى وُجُوبِهَا أَشَدُّ وَأَعْظَمُ خَطَأً بَلْ هِيَ حَرَامٌ إنْ حَصَلَ بِهَا إيذَاءٌ وَإِلَّا كُرِهَتْ، قَوْلُهُ: (الْمُسْتَنِدُ إلَى تَفْسِيرِ الصِّغَارِ فِي الْآيَةِ) وَالصَّوَابُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِنَا.
[حاشية عميرة]
بِمَا ذُكِرَ هَلْ تَجِبُ إجَابَتُهُمْ نَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ النَّصِّ أَنَّهُمْ إنْ دُعُوا إلَى ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ الْإِمَامِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِامْتِنَاعُ
قَوْلُهُ: (بَعْدَ) مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ أَسْلَمَ أَوْ مَاتَ، قَوْلُهُ: (مِنْهُ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أُخِذَتْ، قَوْلُهُ: (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) مُحَصِّلُهَا تَخْرِيجُهُ عَلَى الْأَقْوَالِ فِي امْتِنَاعِ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْآدَمِيِّ لَكِنَّ الْأَصَحَّ هُنَا اسْتِوَاؤُهُمَا نَظَرًا لِجَانِبِ الْأُجْرَةِ وَالْأَصَحُّ فِي الزَّكَاةِ وَدَيْنِ الْآدَمِيِّ تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ.
فَرْعٌ: أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ وَجِزْيَةٌ قُدِّمَتْ الزَّكَاةُ فِيمَا يَظْهَرُ، قَوْلُهُ: (بِالْحَوْلِ) وَالْأَوَّلُ يَقُولُ تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَتَسْتَقِرُّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ كَالْأُجْرَةِ.
[كَيْفِيَّة أَخَذَ الْجِزْيَةَ]
قَوْلُهُ: (وَيَقْبِضُ الْآخِذُ لِحْيَتَهُ) لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لِحْيَةٌ فَهَلْ يَأْخُذُ بِمَوْضِعِهَا هُوَ مُحْتَمَلٌ، قَوْلُهُ: (مِنْ الْجَانِبَيْنِ) وَهَلْ يَضْرِبُهَا فِي الْجَانِبَيْنِ أَوْ يَكْتَفِي بِجَانِبٍ ظَاهِرُ الْمِنْهَاجِ الْأَوَّلُ وَبَحْثُ الرَّافِعِيِّ الثَّانِي، قَوْلُهُ: (وَكُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ) لِأَنَّ الْغَرَضَ أَخْذُ الْمَالِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِدُونِ ذَلِكَ، قَوْلُهُ: (وَقِيلَ: وَاجِبٌ) تَحْصِيلًا لِمَعْنَى الصَّغَارِ، قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الثَّانِي) فَلَا يُوَكِّلُ مُسْلِمًا وَلَا كَافِرًا.
فَرْعٌ: لَوْ وَكَّلَ شَخْصٌ شَخْصًا فِي أَمْرِ الدَّعْوَى وَجَلَسَ مَعَ الْقَاضِي مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ ذَكَرَهُ الزَّبِيلِيُّ فِي آدَابِ الْقَضَاءِ، قَوْلُهُ: (قُلْت إلَخْ) قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْأُمِّ: وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ أَخَذَهَا بِإِجْمَالٍ وَلَمْ يَضُرَّ أَحَدًا مِنْهُمْ وَلَمْ يَنَلْهُ بِقَوْلِهِ قَبِيحٌ، وَالصَّغَارُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ الْحُكْمُ لَا أَنْ يُضْرَبُوا وَلَا أَنْ يُؤْذُوا انْتَهَى.
قِيلَ: وَلَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لَاسْتَشْهَدَ بِهِ، قَوْلُهُ: (وَدَعْوِي اسْتِحْبَابِهَا) لَا شَكَّ أَنَّ الْوُجُوبَ أَوْلَى بِالْإِنْكَارِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فَضْلًا عَنْ وُجُوبِهَا ثُمَّ وَصْفُهَا بِالْبُطْلَانِ يَقْتَضِي أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عِنْدَهُ، قَوْلُهُ: (عَلَيْهَا) فِي نُسْخَةٍ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ الضَّمِيرُ عَلَى الْخِلَافِ وَأَمَّا تَأْنِيثُهُ فَيَعُودُ لِلْهَيْئَةِ أَوْ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (الْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ) أَيْ فِي الْمَتْنِ وَهِيَ التَّوْكِيلُ وَالْحَوَالَةُ وَالتَّضْمِينُ
قَوْلُهُ: (أَنْ يَشْرِطَ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يُسْتَحَبُّ، قَوْلُهُ: (فِي
فِي بَلَدِهِمْ ضِيَافَةُ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ زَائِدًا عَلَى أَقَلِّ جِزْيَةٍ وَقِيلَ: يَجُوزُ مِنْهَا وَيَجْعَلُ) عَلَى الْأَوَّلِ (عَلَى غَنِيٍّ وَمُتَوَسِّطٍ لَا فَقِيرٍ فِي الْأَصَحِّ) ، وَالثَّانِي عَلَيْهِ أَيْضًا كَالْجِزْيَةِ (وَيَذْكُرُ عَدَدَ الضِّيفَانِ رِجَالًا وَفُرْسَانًا وَجِنْسَ الطَّعَامِ وَالْأُدُمِ وَقَدْرَهُمَا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَذَا وَعَلَفَ الدَّوَابِّ وَمَنْزِلَ الضِّيفَانِ مِنْ كَنِيسَةٍ وَفَاضِلِ مَسْكَنٍ وَمُقَامِهِمْ وَلَا يُجَاوِزُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَ أَهْلَ أَيْلَةَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ وَعَلَى ضِيَافَةِ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» ، وَرَوَى الشَّيْخَانِ حَدِيثَ الضِّيَافَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالطَّعَامُ وَالْأُدْمُ كَالْخُبْزِ وَالسَّمْنِ وَالْعَلَفُ كَالتِّبْنِ وَالْحَشِيشِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ قَدْرِهِ وَإِنْ ذَكَرَ الشَّعِيرَ بَيَّنَ قَدْرَهُ وَلْيَكُنْ الْمَنْزِلُ بِحَيْثُ يَدْفَعُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَلَا يُخْرِجُونَ أَهْلَ الْمَنَازِلِ مِنْهَا وَمُقَامُهُمْ بِضَمِّ الْمِيمِ أَوَّلَهُ اسْمُ زَمَانٍ أَيْ مُدَّةَ إقَامَتِهِمْ.
(وَلَوْ قَالَ قَوْمٌ: نُؤَدِّي الْجِزْيَةَ بِاسْمِ صَدَقَةٍ لَا جِزْيَةٍ فَلِلْإِمَامِ إجَابَتُهُمْ إذَا رَأَى) ذَلِكَ فَتَسْقُطُ عَنْهُمْ الْإِهَانَةُ (وَيُضَعِّفُ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةَ) كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (فَمِنْ خَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ شَاتَانِ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ بِنْتَا مَخَاضٍ) وَأَرْبَعِينَ شَاةً شَاتَانِ (وَعِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارٌ وَمِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَشَرَةٌ وَخُمُسُ الْمُعَشِّرَاتِ وَلَوْ وَجَبَ بِنْتَا مَخَاضٍ مَعَ جُبْرَانَ) بَدَلَ بِنْتَيْ لَبُونٍ عِنْدَ فَقْدِهِمَا (لَمْ يُضَعِّفْ الْجُبْرَانَ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي يُضَعِّفُهُ فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ بِنْتِ مَخَاضٍ أَرْبَعَ شِيَاهٍ أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، (وَلَوْ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ) بِحَيْثُ يُسَمَّى مُسَافِرًا وَلَيْسَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ، قَوْلُهُ: (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) قُيِّدَ لِلنَّدْبِ لَا لِلْجَوَازِ وَيُحْمَلُ إطْلَاقُ الْمَارِّ عَلَى الْمُسْلِمِ سَوَاءٌ كَانَ مُسَافِرًا لِدِيَارِهِمْ أَوْ عَكْسُهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ بِدَارِنَا أَوْ دَارِهِمْ، قَوْلُهُ: (زَائِدًا عَلَى أَقَلِّ جِزْيَةٍ) وَهُوَ الدِّينَارُ فَلَا يَجُوزُ كَوْنُهُ مِنْهُ إذَا أَمْكَنَتْ مِنْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَذْكُرُ) وُجُوبًا عَدَدَ الضِّيفَانِ وَعَدَدَ أَيَّامِ الضِّيَافَةِ، كَمِائَةِ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ مَثَلًا وَقَدْرَ الْإِقَامَةِ، قَوْلُهُ: (وَجِنْسَ الطَّعَامِ) وَمِنْهُ الْفَاكِهَةُ وَالْحَلْوَى وَنَحْوُهُمَا فِي كُلِّ زَمَانٍ عَلَى الْعَادَةِ، وَيُلْزِمُهُمْ أُجْرَةُ طَبِيبٍ وَثَمَنُ دَوَاءٍ، قَوْلُهُ: (وَعَلَفَ الدَّوَابِّ) أَيْ جُمْلَتَهَا أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ مَثَلًا، وَيُحْمَلُ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهَا وَهُمْ فِي الْجُمْلَةِ يُوَزَّعُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَوْ يَتَحَمَّلُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَلَهُ أَنْ يُقَارِبَ بَيْنَهُمْ فِي الْقَدْرِ كَأَنْ يَجْعَلَ عَلَى وَاحِدٍ عَشَرَةً وَعَلَى آخَرَ دُونَهَا، قَوْلُهُ: (وَمَنْزِلَ الضِّيفَانِ) وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ رَفْعَ بَابِهِ لِيَدْخُلَهُ الْفَارِسُ رَاكِبًا مَثَلًا، قَوْلُهُ: (وَلَا يُجَاوِزُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) نَدْبًا وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُعْطُوا الضَّيْفَ عِنْدَ رَحِيلِهِ كِفَايَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَوْ لَمْ يَأْتِهِمْ ضِيفَانٌ لَمْ يَلْزَمْهُمْ بَدَلُ الضِّيَافَةِ إلَّا إنْ شُرِطَ عَدَدٌ مَثَلًا فِي يَوْمٍ وَفَاتَ ذَلِكَ الْيَوْمُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْعَدَدِ.
قَوْلُهُ: (أَيْلَةَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ وَبَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ هَاءٌ هُوَ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الْمَعْرُوفِ بِالْعَقَبَةِ مِنْ مَنَازِلِ الْحَجِّ الْمِصْرِيِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْقَرْيَةِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 163] الْآيَةُ، وَأَمَّا إيلِيَاءُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ وَبَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ وَآخِرُهُ يَاءٌ مَفْتُوحَةٌ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ فَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ.
قَوْلُهُ: (كَالْخُبْزِ وَالسَّمْنِ) وَالزَّيْتِ وَنَحْوِهَا لَا ذَبْحِ دَجَاجٍ وَنَحْوِهِ، قَوْلُهُ: (وَالْعَلَفِ كَالتِّبْنِ وَالْحَشِيشِ) وَالْقَتِّ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْتَاجُ) أَيْ إذَا ذَكَرَ جِنْسَ الْعَلَفِ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ قَدْرِهِ، قَوْلُهُ: (وَإِنْ ذَكَرَ الشَّعِيرَ) هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ ذِكْرِ الْقَدْرِ أَيْ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْقَدْرِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَلَفِ إلَّا فِي الشَّعِيرِ، إذَا ذَكَرَهُ قَالَ شَيْخُنَا لِكَوْنِهِ مِنْ الْحُبُوبِ الْمَكِيلَةِ وَيَنْبَغِي أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ أَنَّ الْفُولَ وَنَحْوَهُ كَذَلِكَ، قَوْلُهُ: (وَلَا يُخْرِجُونَ أَهْلَ الْمَنَازِلِ مِنْهَا) فَيَحْرُمُ وَمَتَى امْتَنَعُوا مِنْ شَيْءٍ مِمَّا شَرَطَهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا ذُكِرَ انْتَقَضَ عَهْدُ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُمْ إلَّا إذَا أَمْكَنَ الْأَخْذُ مِنْهُ بِالْإِجْبَارِ.
قَوْلُهُ: (وَمُقَامَهُمْ بِضَمِّ الْمِيمِ أَوَّلُهُ اسْمُ زَمَانٍ أَيْ مُدَّةَ إقَامَتِهِمْ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ فَإِنَّهُ اسْمُ مَكَانِ الْإِقَامَةِ وَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَمَنْزِلَ الضِّيفَان إلَخْ،
قَوْلُهُ: (بِاسْمِ صَدَقَةٍ) أَيْ بِاسْمِ زَكَاةٍ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ فَلِلْإِمَامِ إجَابَتُهُمْ جَوَازًا قَوْلُهُ: (فَتَسْقُطُ عَنْهُمْ الْإِهَانَةُ) أَيْ لَا يَطْلُبُ فَيَمْتَنِعُ فِعْلُهَا عَلَى الْقَوْلِ بِهَا السَّابِقِ قَوْلُهُ: (وَيُضَعِّفُ عَلَيْهِمْ) مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَأَكْثَرَ بِقَدْرِ إمْكَانِهِ نَعَمْ لَا يُضَعِّفُ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَسَيَأْتِي وُجُوبُ التَّضْعِيفِ إذَا لَمْ يَفِ الْأَصْلُ بِالدِّينَارِ، قَوْلُهُ: (كَمَا فَعَلَ) أَيْ أَخَذَ كَذَلِكَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ فَصَارَ إجْمَاعًا، قَوْلُهُ: (وَخُمُسُ الْمُعْشِرَاتِ) فِيمَا يَكُونُ وَاجِبُهُ الْعُشْرَ وَعُشْرُهَا فِيمَا وَاجِبُهُ نِصْفُ الْعُشْرِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُضَعِّفْ الْجُبْرَانَ) لِأَنَّهُ خِلَافُ قِيَاسٍ وَلِئَلَّا يَكْثُرَ التَّضْعِيفُ وَلِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنَّا وَمِنْهُمْ، فَلَوْ مَلَكَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا لَيْسَ فِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ أَعْطَى لَنَا بِنْتَيْ مَخَاضٍ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ أَعْطَى حِقَّتَيْنِ لَنَا وَأَخَذَ مِنَّا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَا ذُكِرَ وَهَذَا يَقْتَضِي.
[حاشية عميرة]
بَلَدِهِمْ) خَرَجَ بَلَدُنَا قَوْلُهُ: (فِي الْأَصَحِّ) الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ كَوْنِهَا مِنْ الْجِزْيَةِ وَعَدَمِهِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ، فَإِذًا لَا خِلَافَ، قَوْلُهُ: (وَلِكُلِّ) قِيلَ: الْوَاوُ مُسْتَدْرَكَةٌ، قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ) هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ وَعَلَى كَوْنِ ذَلِكَ خَارِجًا عَنْ الْجِزْيَةِ
قَوْلُهُ: (وَخُمُسُ الْمُعَشَّرَاتِ) أَيْ فِي الْمَسْقِيِّ بِلَا مُؤْنَةٍ، قَوْلُهُ: (وَلَوْ وَجَبَ إلَخْ) إنَّمَا خَصَّ الْخِلَافَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ حِقَّتَيْنِ عَنْ سِتٍّ
كَانَ بَعْضُ نِصَابٍ لَمْ يَجِبْ قِسْطُهُ فِي الْأَظْهَرِ) وَالثَّانِي يَجِبُ فَفِي عِشْرِينَ شَاةٍ شَاةٌ وَفِي مِائَةِ دِرْهَمٍ خَمْسَةٌ (ثُمَّ الْمَأْخُوذُ جِزْيَةٌ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ مَالِ مَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ) كَالْمَرْأَةِ، وَالصَّبِيِّ وَيُزَادُ عَلَى الضِّعْفِ إنْ لَمْ يَفِ بِدِينَارٍ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ إلَى أَنْ يَفِيَ بِهِ وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَدْرِ الزَّكَاةِ وَنِصْفِهَا إذَا وَفَّى بِالدِّينَارِ.
.
فَصْلٌ (يَلْزَمُنَا الْكَفُّ عَنْهُمْ) بِأَنْ لَا نَتَعَرَّضَ لَهُمْ نَفْسًا وَمَالًا (وَضَمَانُ مَا نُتْلِفُهُ عَلَيْهِمْ نَفْسًا وَمَالًا) أَيْ يَضْمَنُهُ الْمُتْلِفُ مِنَّا (وَدَفْعُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُمْ) كَائِنِينَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ مُنْفَرِدِينَ بِبَلَدٍ (وَقِيلَ: إنْ انْفَرَدُوا بِبَلَدٍ لَمْ يَلْزَمْنَا الدَّفْعُ) عَنْهُمْ وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا تَقْيِيدُ الْبَلَدِ بِجِوَارِ الدَّارِ أَيْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْتَوْطِنُونَ دَارَ الْحَرْبِ وَبَذَلُوا الْجِزْيَةَ لَا يَلْزَمُنَا الدَّفْعُ عَنْهُمْ جَزْمًا
(وَنَمْنَعُهُمْ إحْدَاثَ كَنِيسَةٍ) وَبَيْعَةٍ (فِي بَلَدٍ أَحْدَثْنَاهُ) كَبَغْدَادَ
[حاشية قليوبي]
أَنَّ الْجُبْرَانَ يُؤْخَذُ عَنْ الْأَصْلِ وَعَنْ التَّضْعِيفِ، وَبِهِ صَرَّحَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ فَالْمُرَادُ بِمَنْعِ تَضْعِيفِ الْجُبْرَانِ مَنْعُ تَكْرَارِهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ.
تَنْبِيهٌ: الْخِيرَةُ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ هُنَا لِلْإِمَامِ، وَلَوْ بِنَائِبِهِ لَا لِلْمَالِكِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَوْلُهُ (لَمْ يَجِبْ قِسْطُهُ) أَيْ قَدْرُ قِسْطِهِ وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ فِي الْوَقْصِ وَلَا فِي مَالٍ غَيْرِ زَكَوِيٍّ كَالْعَوَامِلِ وَالْمَعْلُوفَةِ، وَيُعْتَبَرُ النِّصَابُ جَمِيعَ الْحَوْلِ.
نَعَمْ لَوْ تَمَّ الْحَوْلُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَالٌ بِزَكِيٍّ أُخِذَتْ الْجِزْيَةُ مِنْ بَقِيَّةِ أَمْوَالِهِ، قَوْلُهُ: (ثُمَّ الْمَأْخُوذُ جِزْيَةٌ) فَيُصْرَفُ كُلُّهُ مَصْرِفَهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ حَمْقَى أَبَوْا الِاسْمَ وَرَضَوْا بِالْمَعْنَى، قَوْلُهُ: (كَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ) فَلَا تُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِمَا خِلَافًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ فِي الْأَخْذِ مِنْهُمَا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْأَخْذِ مِنْ الْمَرْأَةِ فَقَطْ.
فَصْلٌ فِي بَقِيَّةِ أَحْكَامِ عَقْدِ الْجِزْيَةِ مِمَّا يُطْلَبُ مِنَّا لَهُمْ أَوْ عَكْسُهُ أَوْ يَمْتَنِعُ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: (يَلْزَمُنَا) بِعَقْدِ الْجِزْيَةِ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ، قَوْلُهُ: (الْكَفُّ عَنْهُمْ) سَوَاءٌ كَانُوا بِدَارِنَا أَمْ لَا، قَوْلُهُ: (نَفْسًا وَمَالًا) وَعِرْضًا وَسَائِرَ مَا يُقِرُّونَ عَلَيْهِ كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ لَمْ يُظْهِرُوهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَضَمَانُ مَا نُتْلِفُهُ عَلَيْهِمْ) رَوَى أَبُو دَاوُد حَدِيثًا حَسَّنَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَلَفْظُهُ «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا أَوْ انْتَقَصَهُ حَقَّهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . اهـ قَالُوا وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلزَّجْرِ عَنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَيَكُونُ حِكْمَتُهُ صَوْنَ أُمَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَوَهُّمِ نَقْصِ مَقَامِهِمْ النَّاشِئِ عَنْ مُسَاوَاتِهِمْ لِلْكُفَّارِ فِي قِيَامِهِمْ مَعَهُمْ فِي مَوْقِفِ الْمُخَاصَمَةِ، وَهَذَا مَعْلُومُ الِانْتِفَاءِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقَالُ مُخَاصَمَتُهُ عَنْ الْكَافِرِ إنْ لَمْ تَكُنْ بِإِذْنِهِ فَهُوَ فُضُولِيٌّ أَوْ كَانَتْ بِإِذْنِهِ فَهُوَ وَكِيلٌ عَنْهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يُنَاسِبُ مَقَامَهُ الشَّرِيفَ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخَيَالِ الْفَاسِدِ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ نَائِبُ الْغَائِبِينَ فِي حُقُوقِهِمْ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ إنَّهُ فُضُولِيٌّ وَلِأَنَّ فِي مُخَاصَمَتِهِ الْمَذْكُورَةِ أَوْضَحُ دَلِيلٍ وَأَقْوَى شَاهِدٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَاعِي أُمَّتَهُ فِي أَخْذِ حَقِّ عَدَدِهِمْ مِنْهُمْ، وَلَوْ بِغَيْرِ سُؤَالِهِ وَلِأَنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا لِلْكَافِرِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَاشَى عَنْ طَلَبِ حَقِّهِ خَشْيَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرَاعِي أُمَّتَهُ عَدَمَ أَخْذِهِ مِنْهُمْ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي وَكَالَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْكَافِرِ تَوَهُّمُ نَقْصٍ فِي مَقَامِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فَافْهَمْ وَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَدَفْعُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُمْ) وَكَذَا غَيْرُهُمْ مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فَلَوْ أَطْلَقَ الدَّفْعَ كَانَ أَوْلَى وَأَعَمَّ وَلَوْ شَرَطَ عَدَمَ الدَّفْعِ فَسَدَ الْعَقْدَانِ كَانُوا بِدَارِنَا أَوْ بِمَحِلٍّ لَوْ قَصَدَهُمْ عَدُوُّهُمْ مَرَّ عَلَيْنَا وَإِلَّا فَلَا وَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ مُدَّةَ عَدَمِ الدَّفْعِ حَيْثُ وَجَبَ، قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ (لَا يَلْزَمُنَا الدَّفْعُ عَنْهُمْ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مُسْلِمٌ وَلَوْ أَسِيرًا إلَّا وَجَبَ الدَّفْعُ عَنْهُ وَعَنْهُمْ لِأَجْلِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْسَبُ إقَامَتُهُ فِيهِ عُرْفًا وَهَذَا الْمُرَادُ بِجِوَارِ بَلَدِهِمْ لَنَا.
قَوْلُهُ: (فِي بَلَدٍ أَحْدَثْنَاهُ) أَيْ وُجِدَتْ عِمَارَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ اسْتِيلَائِهِمْ عَلَى مَحِلِّهِ، قَوْلُهُ: (كَبَغْدَادَ) وَالْقَاهِرَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ لِأَنَّ بَغْدَادَ بَنَاهَا أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَالْقَاهِرَةُ بَنَاهَا الْمُعِزُّ فِي سَنَةِ تِسْعٍ أَوْ ثَمَانِ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَالْبَصْرَةُ بَنَاهَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَالْكُوفَةُ بَنَاهَا عُتْبَةُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهَا بِسَنَتَيْنِ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهُدِمَ
[حاشية عميرة]
وَثَلَاثِينَ بَدَلًا عَنْ بِنْتَيْ اللَّبُونِ لَمْ يُضَعِّفْ لَهُ الْجُبْرَانَ قَطْعًا وَقَوْلُ الشَّارِحِ بَدَلٌ إلَخْ.
دَفْعٌ لِمَا عَسَاهُ يُقَالُ عِبَارَتُهُ تَقْتَضِي أَنَّ بِنْتَيْ الْمَخَاضِ تَجِبَانِ عَيْنًا مَعَ الْجُبْرَانِ وَهُوَ لَا يَكُونُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ بَعْضَ نِصَابٍ إلَخْ) . أَيْ لِأَنَّ الْأَثَرَ عَنْ عُمَرَ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ، قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي إلَخْ) . لَوْ كَانَ مَالِكًا لِمَا دُونَ النِّصَابِ فَهَلْ يَجْرِي فِيهِ ذَلِكَ تَرَدَّدَ فِيهِ ابْنُ أَبِي الدَّمِ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ شَاةٍ بِالْخُلْطَةِ أُضْعِفَتْ بِلَا خِلَافٍ.
[فَصْلٌ يَلْزَمُ الْمُسْلِمُونَ الْكَفُّ عَنْ أَهْلُ الْجِزْيَةِ وعدم التَّعَرُّض لَهُمْ]
فَصْلٌ يَلْزَمُنَا الْكَفُّ عَنْهُمْ نَفْسًا وَمَالًا فِيهِ الْحَذْفُ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي وَهُوَ ضَعِيفٌ
قَوْلُهُ: (وَنَمْنَعُهُمْ إحْدَاثَ كَنِيسَةٍ) وَإِنْ لَمْ يُشْرَطْ قَوْلُهُ: (وَلَهُمْ إلَخْ) قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَكْبَرَ مِنْ الشِّرْكِ.
(أَوْ أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ) كَالْيَمَنِ وَمَا يُوجَدُ فِي الْأَوَّلِ لَا يُنْقَضُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ بَرِّيَّةٍ فَاتَّصَلَ بِهِ عِمَارَةُ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ عُرِفَ إحْدَاثُ شَيْءٍ نُقِضَ (وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً لَا يُحْدِثُونَهَا فِيهِ وَلَا يُقِرُّونَ عَلَى كَنِيسَةٍ كَانَتْ فِيهِ فِي الْأَصَحِّ) ، وَالثَّانِي يَقْرَءُونَ بِالْمَصْلَحَةِ (أَوْ) فُتِحَ (صُلْحًا بِشَرْطِ الْأَرْضِ لَنَا وَشَرْطِ إسْكَانِهِمْ) بِخَرَاجٍ (وَإِبْقَاءِ الْكَنَائِسِ) وَالْبِيَعِ (جَازَ) وَإِنْ ذَكَرُوا إحْدَاثَهَا جَازَ أَيْضًا (وَإِنْ أُطْلِقَ) أَيْ لَمْ يُشْرَطْ إبْقَاؤُهَا (فَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ) مِنْهُ وَالثَّانِي لَا وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ بِقَرِينَةِ الْحَالِ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهَا فِي عِبَادَتِهِمْ (أَوْ) بِشَرْطِ الْأَرْضِ (لَهُمْ) وَيُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ (قُرِّرَتْ وَلَهُمْ الْإِحْدَاثُ) أَيْضًا (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِأَنَّ الْبَلَدَ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ.
(وَيُمْنَعُونَ وُجُوبًا وَقِيلَ: نَدْبًا مِنْ رَفْعِ بِنَاءً عَلَى بِنَاءِ جَارٍ مُسْلِمٍ) وَإِنْ رَضِيَ لِحَقِّ الْإِسْلَامِ (وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ مِنْ الْمُسَاوَاةِ) أَيْضًا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْبِنَاءَيْنِ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا بِمَحَلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ) عَنْ الْعِمَارَةِ (لَمْ يُمْنَعُوا) مِنْ رَفْعِ الْبِنَاءِ وَالثَّانِي يُمْنَعُونَ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّجَمُّلِ وَالشَّرَفِ
(وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ رُكُوبَ خَيْلٍ) لِأَنَّ فِيهِ عِزًّا وَاسْتَثْنَى الْجُوَيْنِيُّ الْبَرَاذِينَ الْخَسِيسَةَ (لَا حَمِيرَ وَبِغَالَ نَفِيسَةً) وَقِيلَ: يُمْنَعُ رُكُوبَ الْبِغَالِ النَّفِيسَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّجَمُّلِ (وَيَرْكَبُ بِإِكَافٍ وَرِكَابٍ خَشَبٍ لَا حَدِيدٍ وَلَا سَرْجٍ) تَمْيِيزًا لَهُ عَنْ الْمُسْلِمِ وَالْإِكَافُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ يُطْلَقُ عَلَى الْبَرْذعَةِ وَنَحْوِهَا (وَيُلْجَأُ إلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ) عِنْدَ زَحْمَةِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ بِحَيْثُ لَا يَقَعُ فِي وَهْدَةٍ وَلَا يَصْدِمُهُ جِدَارٌ.
رَوَى الشَّيْخَانِ حَدِيثَ «إذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ أَيْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إلَى أَضْيَقِهِ» .
(وَلَا يُوَقَّرُ وَلَا يُصَدَّرُ فِي مَجْلِسٍ) فِيهِ مُسْلِمُونَ (وَيُؤْمَرُ بِالْغِيَارِ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ (وَالزُّنَّارِ) بِضَمِّ الزَّايِ (فَوْقَ الثِّيَابِ) ، وَالْأَوَّلُ مَا يُخَالِفُ لَوْنُهُ
[حاشية قليوبي]
ذَلِكَ الْبِنَاءُ قَبْلَ نَقْضِهِمْ الْعَهْدَ كَمَا فِي الْعُبَابِ، وَيُبْنَى وَلَوْ قَبْلَ بُلُوغِهِمْ مَأْمَنُهُمْ وَالصُّلْحُ عَلَى إحْدَاثِ ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَالْكَنِيسَةُ مَعْبَدُ الْيَهُودِ وَالْبِيعَةُ مَعْبَدُ النَّصَارَى، وَقَدْ انْعَكَسَ الْعُرْفُ فِيهِمَا وَالْكَلَامُ هُنَا، وَمَا يَأْتِي فِيمَا لَيْسَ لِنَحْوِ نُزُولِ الْمَارَّةِ، قَوْلُهُ: (أَوْ أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ) كُلُّهُمْ أَوْ الْمُعْتَبَرُ مِنْهُمْ، قَوْلُهُ: (كَالْيَمَنِ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَالْمَدِينَةِ وَهُوَ مِثَالٌ لِمَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْإِسْلَامُ وَإِلَّا فَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ الْحِجَازِ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ، قَوْلُهُ: (وَمَا يُوجَدُ فِي الْأَوَّلِ) وَفِي الثَّانِي بِالْأَوْلَى لَا يُنْقَضُ إلَّا إنْ عُرِفَ أَيْضًا، قَوْلُهُ: (وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً) كَمِصْرِ وَأَصْبَهَانَ وَالْمَغْرِبِ وَمِثْلُهُ مَا فُتِحَ صُلْحًا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ كَوْنِ الْأَرْضِ لَنَا أَوْ لَهُمْ أَوْ بِشَرْطِ كَوْنِ الْأَرْضِ لَنَا مَعَ السُّكُوتِ عَنْ إحْدَاثٍ، وَإِبْقَاءٍ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْإِحْدَاثُ وَلَا يُقَرُّ عَلَى الْمَوْجُودِ، قَوْلُهُ: (جَازَ) أَيْ الْإِحْدَاثُ وَالْإِبْقَاءُ قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِشَرْطِ وُجُودِ ضَرُورَةٍ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، قَوْلُهُ: (أَيْ لَمْ يُشْتَرَطْ إبْقَاؤُهَا) وَكَذَا إحْدَاثُهَا وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِمُرَاعَاةِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، قَوْلُهُ: (فَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ) أَيْ مِنْ الْإِبْقَاءِ وَمِنْ الْإِحْدَاثِ بِالْأَوْلَى كَمَا مَرَّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِبْقَاءُ وَلَا الْإِحْدَاثُ إلَّا فِيمَا فُتِحَ صُلْحًا بِشَرْطِ كَوْنِ الْأَرْضِ لَهُمْ مُطْلَقًا، أَوْ لَنَا مَعَ شَرْطِ ذَلِكَ.
فَرْعٌ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَإِذَا حَرُمَ إبْقَاؤُهَا أَوْ إحْدَاثُهَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْنَا دُخُولُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْبِنَاءَ مِلْكٌ لَهُمْ، وَاسْتِعْمَالُهُ حَرَامٌ فَإِنَّ حَمْلَ عَدَمِ الْحُرْمَةِ عَلَى جَوَازِ اشْتِغَالِ الْأَرْضِ الَّتِي لَيْسَ عَلَيْهَا نَحْوُ بَلَاطٍ لَهُمْ فَوَاضِحٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (قُرِّرَتْ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ الْمَذْكُورِ إقْرَارُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ الْمَعَاصِي وَلَوْ تَعَدَّدَ الْفَتْحُ وَاخْتَلَفَ الشَّرْطُ كَبَيْتِ الْمَقْدِسِ اُعْتُبِرَ الْأَوَّلُ،.
قَوْلُهُ: (وَيُمْنَعُونَ) أَيْ ابْتِدَاءً أَخْذًا مِنْ ذِكْرِ الْبِنَاءِ وَكَذَا الْإِعَادَةُ بَعْدَ الْهَدْمِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَخَرَجَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ مِمَّنْ جَازَ لَهُ الرَّفْعُ لِأَنَّهُ دَوَامٌ وَالرَّوْشَنُ كَالْبِنَاءِ، لَكِنْ يُمْنَعُ فِيهِمَا مِنْ إشْرَافِهِ وَأَوْلَادُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَجْعَلَ مَانِعًا، وَلَوْ نَحْوَ بِنَاءِ حَاجِزٍ مُرْتَفِعٍ فَوْقَ الْبِنَاءِ وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ هُنَا لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَتِنَا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ رَفْعِ بِنَاءٍ) أَيْ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهِ وَإِلَّا جَازَ لَهُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ، قَوْلُهُ: (جَازَ) الْمُرَادُ بِهِ أَهْلُ مَحَلَّتِهِ وَمُلَاصِقِهِ، قَوْلُهُ: (وَإِنْ رَضِيَ) لِأَنَّهُ لِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَلِذَلِكَ لَا يَسْقُطُ هَدْمُهُ بِوَقْفِهِ وَلَا يَبِيعُهُ لِكَافِرٍ مُطْلَقًا وَلَا لِمُسْلِمٍ وَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِمَنْعِ هَدْمِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
نَعَمْ يَسْقُطُ الْهَدْمُ بِإِسْلَامِهِ وَيَرْفَعُ بِنَاءَ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ بَعْدَهُ، قَوْلُهُ: (بِمَحَلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنْ الْعِمَارَةِ) أَيْ عِمَارَةِ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ مِنْهُمْ إشْرَافٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا مُجَاوَرَةٌ عُرْفًا.
قَوْلُهُ: (وَيُمْنَعُ) وُجُوبًا الذِّمِّيُّ أَيْ الْكَافِرُ وَلَوْ مُعَاهَدًا هَذَا وَمُؤْمِنًا الذَّكَرُ الْمُكَلَّفُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ رُكُوبِ خَيْلٍ، وَلَوْ فِي مَحِلِّهِ انْفَرَدُوا بِهَا وَيُمْنَعُونَ وُجُوبًا مُطْلَقًا مِنْ الرُّكُوبِ فِي زَحْمَتِنَا وَمِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ وَمِنْ التَّخَتُّمِ وَلَوْ بِفِضَّةٍ وَمِنْ اسْتِخْدَامِ الْمَمَالِيكِ وَمِنْ اسْتِخْدَامِ الْمُسْلِمِ وَمِنْ خِدْمَتِهِمْ لِلْأُمَرَاءِ وَلَوْ بِالرِّضَا، قَوْلُهُ: (وَيَرْكَبُ) أَيْ وَيُؤْمَرُ وُجُوبًا بِرُكُوبِهِ بِإِكَافٍ إلَخْ، وَبِرُكُوبِهِ عَرْضًا سَوَاءٌ فِي طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ جَوَازُ الرُّكُوبِ بِغَيْرِ الْعَرْضِ فِي الطَّوِيلِ، قَوْلُهُ: (لَا حَدِيدٍ إلَخْ) فَيَحْرُمُ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: (وَيَلْجَأُ) وُجُوبًا فَيَحْرُمُ إيثَارُهُ بِهِ لِمَنْ قَصَدَ تَعْظِيمَهُ وَإِلَّا فَلَا،.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُوَقَّرُ وَلَا يُصَدَّرُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ مُسْلِمُونَ) وَلَوْ وَاحِدًا وَلَوْ طَارِئًا وُجُوبًا فَيَحْرُمُ ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَيَحْرُمُ الْمَيْلُ إلَيْهِمْ بِالْقَلْبِ مِنْ حَيْثُ الْكُفْرُ وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ، وَتُكْرَهُ مُهَادَاتُهُمْ إلَّا لِنَحْوِ رَحِمٍ أَوْ رَجَاءَ إسْلَامٍ أَوْ جِوَارٍ، قَوْلُهُ: (وَيُؤْمَرُ) وَلَوْ أُنْثَى بِالْغِيَارِ وَيُغْنِي عَنْهُ الْعِمَامَةُ وَنَحْوُهَا الْمَعْرُوفُ الْآنَ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ لُبْسِ نَحْوِ دِيبَاجٍ أَوْ طَيْلَسَانٍ، قَوْلُهُ: (وَالزُّنَّارِ) وَيُغْنِي عَنْهُ نَحْوُ مِنْدِيلٍ عَلَى الْكَتِفِ مَثَلًا، (فَوْقَ الثِّيَابِ) لِلذَّكَرِ وَتَحْتَ الْإِزَارِ لِلْأُنْثَى وَالْخُنْثَى بِحَيْثُ يَظْهَرُ بَعْضُهُ
[حاشية عميرة]
فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ لَنَا دُخُولُهَا إلَّا بِإِذْنِهِمْ وَإِنْ كَانَ فِيهَا تَصْوِيرٌ حَرُمَ مُطْلَقًا، وَكَذَا كُلُّ بَيْتٍ فِيهِ صُورَةٌ.
قَوْلُهُ: (وُجُوبًا) ظَاهِرُ صَنِيعِهِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَصْلِ الْمَنْعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، قَوْلُهُ: (لِلتَّمْيِيزِ) أَيْ كَمَا يُمَيِّزُونَ فِي اللِّبَاسِ وَغَيْرِهِ.
لَوْنَهَا بِخَيْطٍ عَلَى الْكَتِفِ وَنَحْوِهِ وَالْأَوْلَى بِالْيَهُودِيِّ الْأَصْفَرُ وَبِالنَّصْرَانِيِّ الْأَزْرَقُ، وَالثَّانِي خَيْطٌ غَلِيظٌ يَشُدُّ بِهِ وَسَطَهُ وَهُمَا لِلتَّمْيِيزِ وَجَمْعُهُمَا الْمَنْقُولُ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَأْكِيدٌ وَالْغِيَارُ وَاجِبٌ وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ
(وَإِذَا دَخَلَ حَمَّامًا فِيهِ مُسْلِمُونَ) مُتَجَرِّدًا (أَوْ تَجَرَّدَ عَنْ ثِيَابِهِ) فِي غَيْرِ حَمَّامٍ بَيْنَ مُسْلِمِينَ (جُعِلَ فِي عُنُقِهِ خَاتَمُ حَدِيدٍ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا (أَوْ رَصَاصٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ (وَنَحْوِهِ) أَيْ الْخَاتَمِ كَالْجُلْجُلِ وَفِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ يُجْعَلُ عَلَيْهِ جُلْجُلٌ (وَيُمْنَعُ مِنْ إسْمَاعِهِ الْمُسْلِمِينَ شِرْكًا) كَقَوْلِهِ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ (وَقَوْلَهُمْ) بِالنَّصْبِ (فِي عُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ -: (وَمِنْ إظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَنَاقُوسٍ وَعِيدٍ) فَإِنْ أَظْهَرَ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ عُزِّرَ وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ فِي الْعَقْدِ (وَلَوْ شُرِطَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ) فِي الْعَقْدِ أَيْ شُرِطَ نَفْيُهَا (فَخَالَفُوا) بِأَنْ أَظْهَرُوهَا (لَمْ يُنْتَقَضْ الْعَهْدُ) لِأَنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِهَا.
(وَلَوْ قَاتَلُونَا أَوْ امْتَنَعُوا مِنْ) إعْطَاءِ (الْجِزْيَةِ أَوْ مِنْ إجْرَاءِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ) عَلَيْهِنَّ (اُنْتُقِضَ) عَهْدُهُمْ بِذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ مَوْضُوعَ الْعَقْدِ وَمُقْتَضَاهُ
(وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ) أَيْ بِاسْمِهِ (أَوْ دَلَّ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ) وَدَعَاهُ إلَى دِينِهِمْ (أَوْ طَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ الْقُرْآنِ أَوْ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسُوءٍ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ شُرِطَ انْتِقَاضُ الْعَهْدِ بِهَا انْتَقَضَ وَإِلَّا فَلَا) يُنْتَقَضُ وَالثَّانِي يُنْتَقَضُ مُطْلَقًا لِتَضَرُّرِ الْمُسْلِمِينَ بِهَا وَالثَّالِثُ لَا يُنْتَقَضُ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا لَا تُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْعَقْدِ وَصَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ
(وَمَنْ اُنْتُقِضَ عَهْدُهُ بِقِتَالٍ جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ أَوْ بِغَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ إبْلَاغُهُ مَأْمَنَهُ فِي الْأَظْهَرِ بَلْ يَخْتَارُ الْإِمَامُ فِيهِ قَتْلًا وَرِقًا وَمَنًّا وَفَدَاهُ فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ امْتَنَعَ الرِّقُّ) فِيهِ الْجَائِزُ فِي الْأَسِيرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ يَدُ الْإِمَامِ بِالْقَهْرِ فَيَمْتَنِعُ فِدَاؤُهُ أَيْضًا وَمَعْلُومٌ امْتِنَاعُ قَتْلِهِ.
(وَإِذَا بَطَلَ أَمَانُ رِجَالٍ لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُ نِسَائِهِمْ وَلَا صِبْيَانِهِمْ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي يَبْطُلُ تَبَعًا لَهُمْ كَمَا تَبِعُوهُمْ فِي
[حاشية قليوبي]
لِيُرَى، قَوْلُهُ: (وَبِالنَّصْرَانِيِّ الْأَزْرَقِ) أَوْ الْأَكْهَبِ وَهُوَ الرَّمَادِيُّ وَبِالْمَجُوسِيِّ الْأَسْوَدِ، وَبِالسَّامِرِيِّ الْأَحْمَرِ وَقَدْ وَقَعَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ فِي زَمَنِ الْمُتَوَكِّلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعْتَضِدِ بِاَللَّهِ بْنِ الْمُكْتَفِي بِاَللَّهِ سَنَةَ سَبْعِمِائَةٍ، وَاسْتَمَرَّ إلَى الْآنَ وَخَصَّ الْيَهُودِيَّ بِالْأَصْفَرِ لِصُفْرَةِ أَلْوَانِهِمْ مِنْ الْغِشِّ فِيهَا، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ كَانَ شِعَارًا لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ كَمَا قِيلَ لِلْعِلْمِ بِكَمَالِهِمْ، وَبُعْدِ زَمَنِهِمْ عَنْ الْبِدَعِ وَيُمْنَعُونَ مِنْ الْعُدُولِ لِغَيْرِ مَا أُمِرُوا بِهِ مِمَّا ذُكِرَ، قَوْلُهُ: (وَجَمْعُهُمَا إلَخْ) فَأَحَدُهُمَا كَافٍ فَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، قَوْلُهُ: (وَالْغِيَارُ) بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلزُّنَّارِ وَاجِبٌ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ فِي حَقِّ الْبَالِغِينَ الْعُقَلَاءِ مِنْهُمْ،.
قَوْلُهُ: (فِيهِ مُسْلِمُونَ) وَلَوْ وَاحِدًا قَوْلُهُ: (جُعِلَ) وُجُوبًا وَكَوْنُهُ فِي عُنُقِهِ مَثَلًا أَوْلَى مِنْ نَحْوِ يَدِهِ، قَوْلُهُ: (بِفَتْحِ الرَّاءِ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَكَسْرُهَا مِنْ لَحْنِ الْعَوَامّ فَرَاجِعْهُ، قَوْلُهُ: (أَيْ الْخَاتَمُ) يُفِيدُ أَنَّ نَحْوَهُ مَعْطُوفٌ عَلَى خَاتَمٍ وَهُوَ مَرْفُوعٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ، بِكَوْنِ جُعِلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أَوْ مَنْصُوبًا بِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَطْفًا عَلَى حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ، قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُمْ بِالنَّصْبِ) أَيْ عَطْفًا عَلَى شِرْكًا وَعَوْدُ ضَمِيرِ الْجَمْعِ بَعْدَ الْإِفْرَادِ سَائِغٌ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْجَرُّ عَطْفًا عَلَى إسْمَاعٍ لِأَنَّ الْقَوْلَ مِنْ غَيْرِ إسْمَاعٍ لَا يُمْنَعُونَ مِنْهُ.
نَعَمْ لَوْ جَرَّ عَطْفًا عَلَى ضَمِيرِ إسْمَاعِ الْمُضَافِ جَازَ وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ إعَادَةِ الْجَارِّ الَّذِي أَوْجَبَهُ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَا يُوجِبُهُ كَشَيْخِهِ ابْنِ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (فِي عُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ) أَيْ بِأَنَّهُمَا ابْنَانِ لِلَّهِ مَثَلًا وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرُ بْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ بْنُ اللَّهِ، قَوْلُهُ: (وَنَاقُوسٍ) مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى خَمْرٍ أَيْ مِنْ إظْهَارِهِ وَهُوَ آلَةٌ مِنْ نَحْوِ خَشَبٍ تَضْرِبُ بِهَا النَّصَارَى لِإِعْلَامِ وَقْتِ صَلَاتِهِمْ مَثَلًا، قَوْلُهُ: (وَعِيدٍ) مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى خَمْرٍ أَيْ مِنْ إظْهَارِهِ وَكَذَا نَحْوُ لَطْمٍ، وَنَوْحٍ وَقِرَاءَةِ نَحْوِ تَوْرَاةٍ وَإِنْجِيلٍ وَلَوْ بِكَنَائِسِهِمْ وَلَا يُمْنَعُونَ مِمَّا يَتَدَيَّنُونَ بِهِ مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ، كَفِطْرٍ فِي رَمَضَانَ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ تَكْلِيفُهُمْ بِالْفُرُوعِ، وَبِذَلِكَ حَرُمَ بَيْعُ الْمُفْطِرَاتِ لَهُمْ فِيهِ لِمَنْ عَلِمَ وَلَوْ بِالظَّنِّ أَنَّهُمْ يَتَعَاطَوْنَهَا نَهَارًا لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ قَوِيَّةٍ عَلَى الدَّلَالَةِ بِالتَّهَاوُنِ بِالدِّينِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَتْ دُخُولَهُمْ الْمَسَاجِدَ، قَوْلُهُ: (أَظْهَرُوهَا) بِأَنْ اطَّلَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ غَيْرِ تَجَسُّسٍ، قَوْلُهُ: (لَمْ يُنْتَقَضْ الْعَهْدُ) فَفَائِدَةُ الشَّرْطِ الْإِرْهَابُ وَالتَّخْوِيفُ،.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَاتَلُونَا) أَيْ بِلَا شُبْهَةٍ كَمَا مَرَّ فِي الْبُغَاةِ قَوْلُهُ: (اُنْتُقِضَ عَهْدُهُمْ) أَيْ عَهْدُ مَنْ قَاتَلَ مِنْهُمْ وَكَذَا مَنْ امْتَنَعَ مِنْ إجْرَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ، أَوْ مَنْ امْتَنَعَ مِنْهُمْ عَنْ الْجِزْيَةِ، نَعَمْ مَنْ أَمْكَنَ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ بِالْإِجْبَارِ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ فِي الرَّوْضَةِ،
قَوْلُهُ: (وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِمُسْلِمَةٍ) أَوْ لَاطَ بِمُسْلِمٍ قَوْلُهُ: (أَيْ بِاسْمِهِ) أَيْ النِّكَاحِ أَيْ بِلَفْظِهِ مِنْ إنْكَاحٍ أَوْ تَزْوِيجٍ، وَالتَّأْوِيلُ بِاسْمِهِ لِدَفْعِ إيهَامِ صِحَّتِهِ، وَمَحِلُّ النَّقْضِ فِيهِ لِمَنْ كَانَ عَالِمًا بِامْتِنَاعِهِ، قَوْلُهُ: (وَدَعَا إلَخْ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ، قَوْلُهُ: (أَوْ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ وَاحِدًا مِنْ الرُّسُلِ أَوْ نَبِيًّا أَيْضًا أَوْ الْقُرْآنَ أَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا عَمْدًا أَوْ قَذَفَهُ، قَوْلُهُ: (فَالْأَصَحُّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ قَوْلُهُ: (إنَّهُ إنْ شَرَطَ إلَخْ) أَيْ وَعَلِمَا وُجُودَ الشَّرْطِ يَقِينًا فَإِنْ شَكَّ فَلَا نَقْضَ وَسَوَاءٌ قُلْنَا بِنَقْضِ عَهْدِهِ، أَوْ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ مُوجِبُ مَا فَعَلَهُ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ،.
قَوْلُهُ: (جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ) هُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَهُوَ جَوَازٌ بَعْدَ الْمَنْعِ فَهُوَ وَاجِبٌ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ وُجُوبُ قَتْلِهِ، وَلَا يَبْلُغُ الْمَأْمَنَ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يُجَابُ لَوْ طَلَبَ تَجْدِيدَ عَهْدِهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجِبْ إلَخْ) وَفَارَقَ الْهُدْنَةَ بِأَنَّهَا مَحْضُ أَمَانٍ وَفَارَقَ بُلُوغَ مَنْ أَمَّنَهُ صَبِيٌّ إلَى مَأْمَنِهِ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ لِنَفْسِهِ أَمَانًا، قَوْلُهُ: (بَلْ يَخْتَارُ إلَخْ) مَا لَمْ يَطْلُبْ تَجْدِيدَ عَهْدِهِ وَإِلَّا وَجَبَتْ إجَابَتُهُ، قَوْلُهُ: (وَمَعْلُومٌ إلَخْ) وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ الْمَنُّ عَلَيْهِ فَقَطْ،.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا بَطَلَ أَمَانُ رِجَالٍ لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُ نِسَائِهِمْ وَلَا صِبْيَانِهِمْ) لَوْ قَالَ ذَرَارِيِّهِمْ كَانَ أَعَمَّ لِيُدْخِلَ الْخَنَاثَى وَالْمَجَانِينِ وَلَوْ طَلَبَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ بُلُوغَ الْمَأْمَنِ أُجِيبَ النِّسَاءُ وَالْخَنَاثَى، وَكَذَا الصِّبْيَانُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْمَجَانِينُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ وَقَبْلَ ذَلِكَ، لَا.
[حاشية عميرة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْأَمَانِ وَدَفَعَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ نَاقِضٌ
(وَإِذَا اخْتَارَ ذِمِّيٌّ نَبْذَ الْعَهْدِ وَاللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَلَغَ الْمَأْمَنَ) أَيْ مَا يَأْمَنُ فِيهِ لِيَكُونَ مَعَ النَّبْذِ الْجَائِزِ لَهُ خُرُوجُهُ بِأَمَانٍ كَدُخُولِهِ.
بَابُ الْهُدْنَةِ (هِيَ الصُّلْحُ مِنْ الْكُفَّارِ) عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ أَوْ مَعَهُ كَمَا سَيَأْتِي (عَقَدَهَا لِكُفَّارِ إقْلِيمٍ) كَالرُّومِ وَالْهِنْدِ (يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ وَنَائِبِهِ فِيهَا) فَيَجُوزُ لَهُمَا (وَ) عَقَدَهَا (لِبَلْدَةٍ) أَيْ لِكُفَّارِهَا (يَجُوزُ لِوَالِي الْإِقْلِيمِ) لِتِلْكَ الْبَلْدَةِ كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ (أَيْضًا) أَيْ مَعَهُمَا (وَإِنَّمَا تُعْقَدُ لِمَصْلَحَةٍ كَضَعْفِنَا بِقِلَّةِ عَدَدٍ وَأُهْبَةٍ أَوْ رَجَاءَ إسْلَامِهِمْ أَوْ بَذْلِ جِزْيَةٍ) ، مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ بِنَا فِي الرَّجَاءِ وَالْبَذْلِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ ضَعْفٌ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ (جَازَتْ) بِلَا عِوَضٍ.
(أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) لِآيَةِ ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 2] (لَا سَنَةً وَكَذَا دُونَهَا) فَوْقَ الْأَرْبَعَةِ لَا تَجُوزُ (فِي الْأَظْهَرِ) وَالثَّانِي تَجُوزُ لِنَقْصِهَا عَنْ مُدَّةِ الْجِزْيَةِ وَالْأَوَّلُ نَظَرٌ إلَى مَفْهُومِ الْآيَةِ (وَلِضَعْفٍ تَجُوزُ عَشْرَ سِنِينَ فَقَطْ) ، رَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَادَنَ قُرَيْشًا فِي الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ» وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا أَنَّ الْعَشْرَ وَمَا دُونَهَا بِحَسَبِ الْحَاجَةِ (وَمَتَى زَادَ عَلَى الْجَائِزِ) بِحَسَبِ الْحَاجَةِ (فَقَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ) فِي عَقْدِ أَحَدِهِمَا يَبْطُلُ فِي الْمَزِيدِ وَغَيْرِهِ، وَأَظْهَرُهُمَا فِي الْمَزِيدِ فَقَطْ
(وَإِطْلَاقُ الْعَقْدِ) عَنْ ذِكْرِ الْمُدَّةِ (يُفْسِدُهُ وَكَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ) يُفْسِدُهُ (عَلَى الصَّحِيحِ بِأَنْ شُرِطَ مَنْعُ فَكِّ أَسْرَانَا) مِنْهُمْ (أَوْ تَرْكُ مَالَنَا) أَيْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَيْدِيهِمْ (لَهُمْ أَوْ لِتُعْقَدَ لَهُمْ ذِمَّةٌ بِدُونِ دِينَارٍ) لِكُلِّ وَاحِدٍ
[حاشية قليوبي]
يُجَابُونَ إلَّا إنْ طَلَبَهُمْ مَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ، قَوْلُهُ: (كَمَا تَبَعُوهُمْ) أَيْ مَنْ شَأْنُهُمْ التَّبَعِيَّةُ وَإِنْ احْتَاجُوا فِي التَّبَعِيَّةِ إلَى شَرْطٍ،.
قَوْلُهُ: (بَلَغَ الْمَأْمَنَ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ نَاقِضٌ وَلَا خِيَانَةٌ وَمَأْمَنُهُ دَارُ الْحَرْبِ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ مَا يَأْمَنُ فِيهِ أَيْ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَغَيْرِهِمَا، وَمَنْ لَهُ مَأْمَنَانِ اُعْتُبِرَ مَسْكَنُهُ مِنْهُمَا فَإِنْ سَكَنَهُمَا تَخَيَّرَ الْإِمَامُ.
[بَابُ الْهُدْنَةِ]
ِ مِنْ الْهُدُونِ وَهُوَ السُّكُونُ بِسُكُونِ الْقِتَالِ بِسَبَبِهَا فَفِيهَا شَبَهٌ بِالْجِزْيَةِ وَالْأَمَانِ كَمَا مَرَّ، وَتُسَمَّى مُهَادَنَةً وَمُسَالَمَةً وَمُعَاهَدَةً وَمُوَادَعَةً وَأَصْلُهَا الْجَوَازُ وَقَدْ تَجِبُ، قَوْلُهُ: (هِيَ) أَيْ شَرْعًا وَأَمَّا لُغَةً فَمَا مَرَّ أَوْ مُطْلَقُ الْمُصَالَحَةِ، قَوْلُهُ: (إمَامٍ) أَيْ لِأَهْلِ الْعَدْلِ فَلَا يَعْقِدُهَا إمَامُ الْبُغَاةِ فَلَوْ عَقَدَهَا لِمَنْ ظَنُّوا صِحَّتَهَا مِنْهُ بَلَغُوا الْمَأْمَنَ كَمَا لَوْ عَقَدَهَا الْآحَادُ، قَوْلُهُ: (وَنَائِبِهِ فِيهَا) أَيْ فِي عَقْدِهَا وَلَوْ بِالْعُمُومِ قَوْلُهُ: (وَلِبَلْدَةٍ) أَيْ يَجُوزُ لِوَالِي الْإِقْلِيمِ أَنْ يَعْقِدَهَا لِأَهْلِ بَلَدٍ وَكَذَا الْإِقْلِيمُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، قَوْلُهُ: (فِي الرَّجَاءِ وَالْبَذْلِ) وَكَذَا فِي إعَانَتِهِمْ لَنَا أَوْ عَدَمِ إعَانَتِهِمْ عَلَيْنَا أَوْ بُعْدِ دَارِهِمْ، قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ) دُفِعَ بِهِ تَوَهُّمُ عَوْدِ الضَّمِيرِ لِلرَّجَاءِ وَالْبَذْلِ، قَوْلُهُ: (بِلَا عِوَضٍ) أَوْ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إلَخْ) هَذَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَأَمَّا النِّسَاءُ وَنَحْوُهُنَّ وَالْأَمْوَالُ فَيَجُوزُ عَقْدُهَا لَهُمَا مُؤَبَّدًا، قَوْلُهُ: (فَقَطْ) فَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ الْعُشْرِ وَلَوْ فِي عُقُودٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَإِنْ اُحْتِيجَ بَعْدَ فَرَاغِ عَقْدٍ جُدِّدَ عَقْدٌ آخَرُ، قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ قَوْلُهُ: (وَأَظْهَرُهُمَا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلَوْ دَخَلَ إلَيْنَا كَافِرٌ بِأَمَانٍ لِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتَمَعَ فِي مَجَالِسَ لَمْ يُمْهَلْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لِحُصُولِ غَرَضِهِ بِدُونِهَا،.
قَوْلُهُ: (وَإِطْلَاقُ الْعَقْدِ يُفْسِدُهُ) لِأَنَّهُ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَيْسَ لَهُ مُدَّةٌ مُحَقَّقَةٌ يُحْمَلُ عَلَيْهَا لِاخْتِلَافِهَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَبِذَلِكَ فَارَقَ الْأَمَانَ، قَوْلُهُ: (بِأَنْ شَرَطَ إلَخْ) وَمِنْ الْمُفْسِدِ شَرْطُ إقَامَتِهِمْ بِالْحِجَازِ أَوْ دُخُولِهِمْ الْحَرَمَ، قَوْلُهُ: (مَالِ الْمُسْلِمِينَ) فَصْلُ اللَّامِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ الْمَالُ الْمُضَافُ لِلْمُسْلِمِينَ
[حاشية عميرة]
بَابُ الْهُدْنَةِ قَوْلُهُ: (مَعَ الْكُفَّارِ) أَيْ سَوَاءٌ مِنْهُمْ مَنْ يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ وَمَنْ لَا يُقَرُّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ الْمُصَالَحَةُ أَيْ وَأَصْلُهَا السُّكُونُ، قَوْلُهُ: (أَوْ مَعَهُ) كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْمَسْأَلَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِ الْمِنْهَاجِ الْآتِي، أَوْ بَذْلِ جِزْيَةٍ فَإِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى رَجَاءِ لَا عَلَى إسْلَامِهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ عَقِبَهُ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ بِنَا فِي الرَّجَاءِ وَالْبَذْلِ اهـ وَإِلَّا لَقَالَ فِي الرَّجَاءِ وَأَسْقَطَ قَوْلَهُ وَالْبَذْلِ هَذَا مَا ظَهَرَ فِي كَلَامِ الشَّرْحِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، قَوْلُهُ: (لِتِلْكَ الْبَلْدَةِ) يَرْجِعُ لِقَوْلِ الْمَتْنِ الْإِقْلِيمِ، قَوْلُهُ: (أَيْ مَعَهُمَا) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ لِكُلٍّ مِنْ قَوْلِ الْمَتْنِ الْإِمَامِ وَنَائِبِهِ، قَوْلُهُ: (كَضَعْفِنَا) هَذَا مِثَالُ حَاجَةٍ وَهِيَ أَخَصُّ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، قَوْلُهُ: (أَوْ رَجَاءِ) عَطْفٌ عَلَى ضَعْفِنَا هَذَا مِثَالٌ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَاَلَّذِي قَبْلَهُ مِثَالٌ لِعَشْرِ سِنِينَ، قَوْلُهُ: (أَوْ بَذْلِ جِزْيَةٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ رَجَاءِ إسْلَامِهِمْ، قَوْلُهُ: (أَيْ ضَعْفٍ) خِلَافُ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ مِنْ انْتِفَاءِ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ.
[مُدَّة الْهُدْنَة]
قَوْلُهُ: (لَا سَنَةً إلَخْ) قَضِيَّةُ الْعِبَارَةِ عَدَمُ الْخِلَافِ فِي السَّنَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
نَعَمْ لَا خِلَافَ فِيمَا فَوْقَهَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَا يَجُوزُ فَوْقَ السَّنَةِ قَطْعًا وَلَا سَنَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْبَعَةِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ، قَوْلُهُ: (بِحَسَبِ الْحَاجَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِ الْمَتْنِ الْجَائِزِ
قَوْلُهُ: (عَلَى الصَّحِيحِ) مُقَابِلُهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَلْغُو الشَّرْطُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ حَتَّى تَفْسُدَ بِفَسَادِ الشَّرْطِ، قَوْلُهُ: (أَوْ لِتُعْقَدَ) أَيْ أَوْ صَالَحَ لِتُعْقَدَ إلَخْ.
قَوْلُهُ:
(أَوْ بِدَفْعِ مَالٍ إلَيْهِمْ) مَعْطُوفٌ عَلَى بِدُونِ وَسَيَأْتِي رَدُّ مُسْلِمَةٍ تَأْتِينَا مِنْهُمْ وَالتَّعْبِيرُ فِي الْعَقْدِ فِيهِ بِالْأَصَحِّ.
(وَتَصِحُّ الْهُدْنَةُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا الْإِمَامُ مَتَى شَاءَ) فَقَامَ هَذَا الْقَيْدُ مَقَامَ تَعْيِينِ الْمُدَّةِ فِي الصِّحَّةِ
(وَمَتَى صَحَّتْ) أَيْ الْهُدْنَةُ (وَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُمْ حَتَّى تَنْقَضِيَ) مُدَّتُهَا (أَوْ يَنْقُضُوهَا بِتَصْرِيحٍ) مِنْهُمْ (أَوْ قِتَالٍ لَنَا أَوْ مُكَاتَبَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِعَوْرَةٍ لَنَا أَوْ قَتْلِ مُسْلِمٍ) وَمِمَّا تَنْقَضِي بِهِ الْمُدَّةُ نَقْدُ الْإِمَامِ فِي مَسْأَلَةِ التَّقْيِيدِ بِمَشِيئَةِ
(وَإِذَا انْتَقَضَتْ) أَيْ الْهُدْنَةُ (جَازَتْ الْإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ وَبَيَاتُهُمْ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ فِي بِلَادِهِمْ فَلَوْ كَانُوا بِدَارِنَا بَلَغُوا مَأْمَنَهُمْ (وَلَوْ نَقَضَ بَعْضُهُمْ) الْعَهْدَ (وَلَمْ يُنْكِرْ الْبَاقُونَ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ) بِأَنْ سَاكَنُوهُمْ وَسَكَتُوا (اُنْتُقِضَ فِيهِمْ أَيْضًا) لِإِشْعَارِ سُكُوتِهِمْ بِالرِّضَا بِالنَّقْضِ (وَإِنْ أَنْكَرُوا بِاعْتِزَالِهِمْ أَوْ إعْلَامِ الْإِمَامِ بِبَقَائِهِمْ عَلَى الْعَهْدِ فَلَا) يُنْتَقَضُ فِيهِمْ.
(وَلَوْ خَافَ) الْإِمَامُ (خِيَانَتَهُمْ) بِظُهُورِ أَمَارَةٍ لَا بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ (فَلَهُ نَبْذُ عَهْدِهِمْ إلَيْهِمْ وَيُبَلِّغُهُمْ الْمَأْمَنَ) أَيْ مَا يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ عَهْدِهِمْ (وَلَا يَنْبِذُ عَقْدَ الذِّمَّةِ بِتُهْمَةٍ) بِفَتْحِ الْهَاءِ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مُؤَبَّدٌ
(وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ رَدِّ مُسْلِمَةٍ تَأْتِينَا مِنْهُمْ) لِامْتِنَاعِ رَدِّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] وَسَوَاءٌ الْحُرَّةُ أَوْ الْأَمَةُ (فَإِنْ شُرِطَ فَسَدَ الشَّرْطُ وَكَذَا الْعَقْدُ فِي الْأَصَحِّ) أَشَارَ بِهِ إلَى قُوَّةِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَعَبَّرَ فِي صُورَةٍ تَقَدَّمَتْ بِالصَّحِيحِ إشَارَةً إلَى ضَعْفِ الْخِلَافِ فِيهَا فَلَا تَكْرَارَ وَلَا تَخَالُفَ
(وَإِنْ شَرَطَ) الْإِمَامُ لَهُمْ (رَدَّ مَنْ جَاءَ) مِنْهُمْ مُسْلِمًا إلَيْنَا (أَوْ لَمْ يَذْكُرْ رَدًّا فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ) مُسْلِمَةٌ (لَمْ يَجِبْ) بِارْتِفَاعِ نِكَاحِهَا بِإِسْلَامِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ (دَفْعُ مَهْرٍ إلَى زَوْجِهَا فِي الْأَظْهَرِ) وَالثَّانِي يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إذَا طَلَبَ الزَّوْجُ الْمَرْأَةَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا بَذَلَهُ مِنْ كُلِّ الصَّدَاقِ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، فَإِنْ لَمْ يَبْذُلْ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الْمَرْأَةَ لَا يُعْطَى شَيْئًا قَالَ تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ﴾ أَيْ الْأَزْوَاجَ ﴿مَا أَنْفَقُوا﴾ أَيْ مِنْ الْمُهُورِ الْأَمْرُ فِيهِ مُحْتَمِلٌ لِلْوُجُوبِ وَلِلنَّدْبِ الصَّادِقِ بِهِ عَدَمُ الْوُجُوبِ الْمُوَافِقُ لِلْأَصْلِ.
[حاشية قليوبي]
وَوَصْلُهَا يَقْتَضِي خِلَافَهُ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ مَالُنَا، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّ مَا اسْمُ مَوْصُولٍ أَيْ الَّذِي لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ مُسْلِمٍ وَمَالٍ وَغَيْرِهِمَا، كَرَدِّ مُسْلِمٍ أَفْلَتَ مِنْهُمْ فَاللَّامُ فِي مَالِنَا عَلَى الْأَوَّلِ جُزْءُ كَلِمَةٍ، وَعَلَى الثَّانِي حَرْفُ جَرٍّ وَهُوَ الْأَنْسَبُ لِعُمُومِهِ لِمَا تَقَدَّمَ فَتَأَمَّلْهُ، قَوْلُهُ: (أَوْ بِدَفْعِ مَالٍ إلَيْهِمْ) نَعَمْ إنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ كَفَكِّ أَسْرَى يُعَذِّبُونَهُمْ أَوْ خَوْفِ اسْتِئْصَالِهِمْ لَنَا جَازَ بَلْ وَجَبَ دَفْعُهُ إلَيْهِمْ، لَكِنْ لَا يَمْلِكُونَهُ وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ وَمَحِلُّ نَدْبِ فَكِّ الْأَسْرَى فِي غَيْرِ الْمُعَذَّبِينَ، وَإِلَّا فَوَاجِبٌ وَحَمْلُ بَعْضِهِمْ الْوُجُوبَ عَلَى الْإِمَامِ وَالنَّدْبَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ نَظَرٌ، قَوْلُهُ: (مَعْطُوفٌ عَلَى بِدُونِ) لَا عَلَى دِينَارٍ لِأَنَّ الْعَقْدَ حِينَئِذٍ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: (وَسَيَأْتِي إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا هُنَا وَالْجَوَابُ عَنْ إيرَادِهِ لِأَجْلِ نَوْعِ الْخِلَافِ وَعَنْ تَأْخِيرِهِ لِضَرُورَةِ التَّقْسِيمِ مَعَهُ،.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَنْقُضَهَا الْإِمَامُ) وَكَذَا ذُكِرَ عَدْلٌ ذُو رَأْيٍ فِي الْحُرُوبِ وَلِإِمَامٍ حَادِثٍ بَعْدَ الْأَوَّلِ نَقْضُهَا إنْ فَسَدَتْ بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهَا لَا تُنْقَضُ بِمَوْتِ الْإِمَامِ وَلَا بِعَزْلِهِ، قَوْلُهُ: (مَتَى شَاءَ) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشَاءَ أَكْثَرَ مِمَّا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهِ ابْتِدَاءً، وَلَا تَصِحُّ مَعَ مَتَى شَاءَ اللَّهُ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا مَا تَقَدَّمَ،.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ الْكَفُّ) أَيْ كَفُّ أَذَانَا وَأَذَى أَهْلِ الْعَهْدِ لَا الْحَرْبِيِّينَ وَلَا بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، قَوْلُهُ: (أَوْ مُكَاتَبَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ) أَوْ إيوَائِهِمْ وَإِنْ لَمْ يُشْرَطْ فِي الْعَقْدِ، قَوْلُهُ: (قُتِلَ مُسْلِمٌ) أَوْ ذِمِّيُّ بِدَارِنَا أَوْ سُبَّ اللَّهُ أَوْ نَبِيٌّ لَهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَوْلُهُ: (وَمِمَّا تَنْقَضِي إلَخْ) فَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَكَالْإِمَامِ الْمُعَيَّنِ السَّابِقِ
، قَوْلُهُ: (انْتَقَضَتْ) وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِالنَّاقِضِ، قَوْلُهُ: (بَعْضُهُمْ) سَوَاءٌ أَمِيرُهُمْ أَوْ غَيْرُهُ، قَوْلُهُ: (لِإِشْعَارِ إلَخْ) وَفَارَقَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْجِزْيَةِ لِقُوَّتِهَا وَكَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْدَهَا،.
قَوْلُهُ: (الْمَأْمَنَ) وَمَنْ لَهُ مَأْمَنٌ أَنْ يُعْتَبَرَ مَسْكَنُهُ مِنْهُمَا، فَإِنْ سَكَنَهُمَا تَخَيَّرَ الْإِمَامُ فِيهِمَا كَمَا مَرَّ،
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ رَدِّ مُسْلِمَةٍ) خَرَجَ شَرْطُ رَدِّ مُسْلِمٍ سَوَاءٌ قَيَّدَهُ بِذِكْرِهِ، أَوْ أَطْلَقَهُ فَلَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ كَمَا سَيَذْكُرُهُ، وَخَرَجَ شَرْطُ رَدِّ كَافِرٍ أَوْ كَافِرَةٍ فَلَا يُفْسِدُ بِالْأَوْلَى، قَوْلُهُ: (تَأْتِينَا) وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَتْ عِنْدَنَا بَعْدَ مَجِيئِهَا مِنْ عِنْدِهِمْ، قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ) وَالْوَاضِحَةُ وَالْخُنْثَى، قَوْلُهُ: (فَلَا تَكْرَارَ) أَيْ عَلَى مَا هُنَا وَفِي الرَّوْضَةِ التَّعْبِيرُ فِي هَذِهِ بِالصَّحِيحِ أَيْضًا فَهُوَ مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ، وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ رَدِّ مُسْلِمَةٍ تَأْتِينَا، أَوْ أَسْلَمَتْ عِنْدَنَا كَمَا مَرَّ.
وَلَا يَجُوزُ رَدُّهَا إلَيْهِمْ وَإِنْ جُنَّتْ بَعْدَ إسْلَامِهَا أَوْ شَكَكْنَا فِي جُنُونِهَا هَلْ هُوَ بَعْدَ إسْلَامِهَا أَوْ قَبْلَهُ، وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً وَجُنَّتْ وَوَصَفَتْ الْكُفْرَ ثُمَّ أَفَاقَتْ رُدَّتْ إلَيْهِمْ،.
قَوْلُهُ: (الصَّادِق إلَخْ) أَيْ الْأَمْرُ مُحْتَمِلٌ لِلْوُجُوبِ وَلِعَدَمِهِ وَهَذَا الْعَدَمُ مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ الَّذِي هُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَهُوَ يَصْدُقُ بِالنَّدْبِ وَرَجَّحُوا هَذَا النَّدْبَ، لِمَا ذَكَرَهُ فَالصَّادِقُ نَعْتٌ سَبَبِيٌّ لِلنَّدْبِ، وَضَمِيرُ بِهِ عَائِدٌ إلَيْهِ، وَعَدَمُ فَاعِلُ بِصَادِقٍ وَالْمُوَافِقُ نَعْتٌ لِعَدَمِ وَالضَّمِيرُ فِي رَجَّحُوهُ عَائِدٌ لِلنَّدْبِ فَتَأَمَّلْ.
[حاشية عميرة]
وَمِمَّا تَنْقَضِي إلَخْ) يُرَدُّ أَنَّ هَذَا لَا يَرُدُّ عَلَى عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَبَيَاتُهُمْ) مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، قَوْلُهُ: (لِإِشْعَارِ إلَخْ) وَلِمَا أَنَّ هُدْنَةَ الْبَعْضِ هُدْنَةٌ لِلْكُلِّ
قَوْلُهُ: (وَيُبَلِّغُهُمْ) التَّبْلِيغُ وَاجِبٌ خِلَافًا فَالظَّاهِرُ الْعِبَارَةُ.
نَعَمْ فِي نُسْخَةٍ وَيُبَلِّغُهُمْ الْمَأْمَنَ
قَوْلُهُ: (تَأْتِينَا) مُسْتَدْرَكٌ، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَمَا وَقَعَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ الشَّرْطِ الْعَامِّ فَهِيَ نَاسِخَةٌ أَوْ مُخَصَّصَةٌ هَذَا إنْ صَحَّ رِوَايَةُ التَّعْمِيمِ، وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ الَّذِي وَقَعَ فِيهَا خَاصًّا بِالرِّجَالِ كَمَا رُوِيَ فَلَا إشْكَالَ، قَوْلُهُ: (فَسَدَ) أَيْ لِأَنَّهُ شَرْطٌ أَحَلَّ حَرَامًا
قَوْلُهُ: (وَلِلنَّدْبِ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ، قَوْلُهُ: (الصَّادِقِ بِهِ عَدَمُ الْوُجُوبِ) الَّذِي فِي قَوْلِ الْمَتْنِ لَمْ يَجِبْ دَفْعٌ.
وَرَجَّحُوهُ عَلَى الْوُجُوبِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ.
(وَلَا يُرَدُّ) مِمَّنْ جَاءَنَا آتِيًا بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَطَلَبَ رَدَّهُ (صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ) وَأُنْثَاهُمَا (وَكَذَا عَبْدٌ) بَالِغٌ عَاقِلٌ (وَحُرٌّ) كَذَلِكَ (لَا عَشِيرَةَ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) لِضَعْفِهِمَا وَقِيلَ: يُرَدُّ الْأَخِيرَانِ لِقُوَّتِهِمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِمَا، وَقَطَعَ الْبَعْضُ بِالرَّدِّ فِي الْحُرِّ وَالْجُمْهُورُ بِعَدَمِهِ فِي الْعَبْدِ (وَيُرَدُّ مَنْ لَهُ عَشِيرَةٌ طَلَبَتْهُ إلَيْهَا لَا إلَى غَيْرِهَا) أَيْ لَا يُرَدُّ إلَى غَيْرِ عَشِيرَتِهِ الطَّالِبُ لَهُ (إلَّا أَنْ يَقْدِرَ الْمَطْلُوبُ عَلَى قَهْرِ الطَّالِبِ وَالْهَرَبِ مِنْهُ) فَيُرَدُّ إلَيْهِ (وَمَعْنَى الرَّدِّ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَالِبِهِ) كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ (وَلَا يُجْبَرُ) الْمَطْلُوبُ (عَلَى الرُّجُوعِ) إلَى طَالِبِهِ (وَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ) إلَيْهِ (وَلَهُ قَتْلُ الطَّالِبِ وَلَنَا التَّعْرِيضُ لَهُ بِهِ لَا التَّصْرِيحُ) بِهِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ أَبَا جَنْدَلٍ عَلَى أَبِيهِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبَا بَصِيرٍ وَقَدْ جَاءَ فِي طَلَبِهِ رَجُلَانِ فَرَدَّهُ إلَيْهِمَا فَقَتَلَ أَحَدَهُمَا فِي الطَّرِيق وَأَفْلَتَ الْآخَرُ» ، وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِأَبِي جَنْدَلٍ حِين رُدَّ إلَى أَبِيهِ إنَّ دَمَ الْكَافِرِ عِنْدَ اللَّهِ كَدَمِ الْكَلْبِ يُعَرِّضُ لَهُ بِقَتْلِ أَبِيهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ طَلَبٌ فَلَا رَدَّ.
(وَلَوْ شَرَطَ) عَلَيْهِمْ فِي الْهُدْنَةِ (أَنْ يَرُدُّوا مَنْ جَاءَهُمْ مُرْتَدًّا مِنَّا لَزِمَهُمْ الْوَفَاءُ) بِذَلِكَ (فَإِنْ أَبَوْا فَقَدْ نَقَضُوا) الْعَهْدَ (وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ شَرْطِ أَنْ لَا يَرُدُّوا) الْمُرْتَدَّ وَالثَّانِي الْمَنْعُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِرْدَادِهِ لِإِقَامَةِ حُكْمِ الْمُرْتَدِّينَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِمْ التَّمْكِينُ مِنْهُ وَالتَّخْلِيَةُ دُونَ التَّسْلِيمِ
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ جَمْعُ ذَبِيحَةٍ (ذَكَاةُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ) الْبَرِّيِّ الْمَطْلُوبَةُ شَرْعًا لِحِلِّ أَكْلِهِ تَحْصُلُ (بِذَبْحِهِ فِي حَلْقٍ) هُوَ أَعْلَى الْعُنُقِ (أَوْ لَبَّةٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (لِمَا قَامَ إلَخْ) وَهُوَ عَدَمُ شَغْلِ الذِّمَّةِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ كَمَا مَرَّ،.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُرَدُّ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَأُنْثَاهُمَا) وَحُرُّهُمَا وَرَقِيقُهُمَا فَإِنْ كَمُلَا جَازَ رَدُّهُمَا حِينَئِذٍ وَإِنْ وَصَفَا كُفْرًا، قَوْلُهُ: (وَكَذَا عَبْدٌ) وَيُعْتَقُ إنْ جَاءَ قَهْرًا عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ قَبْلَ عَقْدِ الْهُدْنَةِ، قَوْلُهُ: (عَشِيرَةٌ طَلَبَتْهُ) كُلُّهَا أَوْ مَنْ يَحْمِيهِ مِنْهَا وَلَوْ وَاحِدًا بِرَسُولٍ، قَوْلُهُ: (وَالْهَرَبِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ قَوْلُهُ: (وَلَا يُجْبَرُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُجْبَرْ الْمُسْلِمُ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَبِلَادُ الْكُفْرِ أَوْلَى، فَلَوْ شَرَطَ عَلَى الْإِمَامِ بَعْثَهُ فَسَدَ الْعَقْدُ، قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُهُ إلَخْ) بَلْ عَلَيْهِ الْهَرَبُ مِنْ الْبَلَدِ إذَا عَلِمَ بِمَجِيءِ مَنْ يَطْلُبُهُ خُصُوصًا إنْ خَشِيَ فِتْنَةً، قَوْلُهُ: (وَلَهُ قَتْلُ الطَّالِبِ) قَالَ شَيْخُنَا: إنْ عَجَزَ عَنْ غَيْرِ الْقَتْلِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَدَفْعِ الصَّائِلِ فَرَاجِعْهُ، قَوْلُهُ: (وَلَنَا التَّعْرِيضُ لَهُ بِهِ) بِقَتْلٍ طَالِبِهِ وَلَوْ بِحَضْرَةِ طَالِبِهِ، قَوْلُهُ: (لَا التَّصْرِيحُ) فَيَمْتَنِعُ نَعَمْ لَنَا التَّصْرِيحُ لِمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ عَقْدِ الْهُدْنَةِ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ، قَوْلُهُ: (وَأَفْلَتَ) أَيْ هَرَبَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ قَالَ) وَلَعَلَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَهُ وَأَقَرَّهُ أَوْ عَلِمَ بِهِ كَذَلِكَ،.
قَوْلُهُ: (مَنْ جَاءَهُمْ مُرْتَدًّا) حُرًّا أَوْ رَقِيقًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى قَوْلُهُ: (لَزِمَهُمْ الْوَفَاءُ) وَهُوَ الرَّدُّ فِيمَا يَظْهَرُ وَهَلْ يَكْفِي التَّخْلِيَةُ وَالتَّمْكِينُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَرَاجِعْهُ، قَوْلُهُ: (وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ شَرْطِ أَنْ لَا يَرُدُّوا الْمُرْتَدَّ) لَكِنْ يَغْرَمُونَ مَهْرَ الْمَرْأَةِ وَقِيمَةَ الرَّقِيقِ فَإِنْ عَادَ إلَيْنَا رَدَدْنَا عَلَيْهِمْ الْقِيمَةَ دُونَ الْمَهْرِ لِأَنَّ الرَّقِيقَ يَصِيرُ مِلْكًا لَهُمْ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَصِيرُ زَوْجَةً لَهُمْ كَذَا فِي الرَّوْضَةِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الرِّدَّةَ تَقْتَضِي انْفِسَاخَ النِّكَاحِ أَوْ تَوَقُّفَهُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلَا وَجْهَ لِلْغُرْمِ، وَبِأَنَّ صَيْرُورَةَ الرَّقِيقِ مِلْكًا لَهُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُرْتَدِّ لِلْكَافِرِ وَهُوَ مَرْجُوحٌ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ اسْتِيلَاءَهُمْ عَلَى الْمَرْأَةِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الشَّهَادَةِ بِمَا يَفْسَخُ النِّكَاحَ مِنْ نَحْوِ رَضَاعٍ بِجَامِعِ الْحَيْلُولَةِ، وَبِأَنَّ اسْتِيلَاءَهُمْ عَلَى الرَّقِيقِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْمِلْكِ لَا أَنَّهُ مِلْكٌ حَقِيقِيٌّ فَرَاجِعْهُ.
تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ شِرَاءُ وَلَدِ الْمُعَاهَدِ مِنْ مُعَاهَدٍ آخَرَ غَيْرِ أَبِيهِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالْقَهْرِ لِغَيْرِ الْمُعَاهَدِ لَا مِنْ أَبِيهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْمُعْتَمَدِ إنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالْقَهْرِ وَلَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فَرَاجِعْهُ.
[كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ]
ِ ذَكَرَهُ هُنَا عَقِبَ الْجِهَادِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاكْتِسَابِ بِالِاصْطِيَادِ الْمُشَابِهِ لِلِاكْتِسَابِ بِالْغَزْوِ وَذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَغَيْرِهَا عَقِبَ رُبُعِ الْعِبَادَاتِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ ذَكَرَهُ هُنَا وَهُنَاكَ نَظَرًا لِكَوْنِهِ فَرْضًا فِيهِ نَظَرٌ فَتَأَمَّلْ، قَوْلُهُ: (جَمْعُ ذَبِيحَةٍ) بِمَعْنَى مَذْبُوحَةٍ وَجَمَعَهَا لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا إمَّا بِذَاتِهَا كَغَنَمٍ وَبَقَرٍ وَصَيْدٍ وَطَيْرٍ أَوْ بِهَيْئَةِ ذَبْحِهَا كَكَوْنِهِ فِي حَلْقٍ أَوْ لَبَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَرَمْيٍ بِسَهْمٍ، أَوْ بِمَحِلِّ ذَبْحِهَا كَالْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ وَغَيْرِهِمَا أَوْ
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (وَرَجَّحُوهُ) الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلَى النَّدْبِ فَتَأَمَّلْ،
قَوْلُهُ: (وَكَذَا عَبْدٌ إلَخْ) . صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ مَعَ الشَّرْطِ السَّابِقِ وَإِلَّا فَلَا رَدَّ جَزْمًا، قَوْلُهُ: (وَمَعْنَى الرَّدِّ إلَخْ) عُلِّلَ بِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَجْرِ مَعَهُمْ وَتَقَدَّمَ إنْكَارُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَبِي بَصِيرٍ فِي امْتِنَاعِهِ وَقَتْلِهِ مَنْ قَتَلَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْهَرَبُ وَالتَّخَلُّصُ مِنْ الطَّلَبِ إنْ أَمْكَنَهُ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُمْ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَجْرِ مَعَهُمْ قَدْ رَأَيْتُهُ مُتَكَرِّرًا فِي كَلَامِهِمْ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ قَضِيَّتَهُ عَدَمُ تَعَدِّي الْحُكْمِ لِمَنْ وُلِدَ هُنَا بَعْدَ الْعَقْدِ.
كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ قَوْلُهُ: (ذَكَاةُ) التَّذْكِيَةُ لُغَةً التَّطْيِيبُ وَمِنْهُ رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ أَيْ طَيِّبَةٌ وَالذَّكَاةُ تَطْيِيبُ الْحَيَوَانِ.
فَإِنَّهُ لَوْ خَرَجَتْ رُوحُهُ بِغَيْرِهَا كَالْخَنْقِ لَتَغَيَّرَ
هِيَ أَسْفَلُهُ (إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ) وَسَيَأْتِي أَنَّ ذَكَاتَهُ بِقَطْعِ كُلِّ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ فَهُوَ مَعْنَى الذَّبْحِ وَذَالُهُمَا مُعْجَمَةٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ (فَبِعَقْرٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (مُزْهِقٍ) لِلرُّوحِ (حَيْثُ) أَيْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ (كَانَ) ذَكَاتُهُ.
(وَشَرْطُ ذَابِحٍ) وَعَاقِرٍ (وَصَائِدٍ) لِيَحِلَّ مَذْبُوحُهُ وَمَعْقُورُهُ وَمَصِيدُهُ (حِلُّ مُنَاكَحَتُهُ) بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] (وَتَحِلُّ ذَكَاةُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ) وَإِنْ لَمْ تَحِلَّ مُنَاكَحَتُهَا وَالْفَرْقُ أَنَّ الرِّقَّ مَانِعٌ فِي النِّكَاحِ دُونَ الذَّبْحِ وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَخَرَجَ بِهِ الْمَجُوسِيُّ وَغَيْرُهُ
(وَلَوْ شَارَكَ مَجُوسِيٌّ مُسْلِمًا فِي ذَبْحٍ أَوْ اصْطِيَادٍ) قَاتِلٍ كَأَنْ أَمَرَّا سِكِّينًا عَلَى حَلْقِ شَاةٍ أَوْ قَتَلَا صَيْدًا بِسَهْمٍ أَوْ كَلْبٍ (حَرُمَ) الْمَذْبُوحُ وَالْمُصْطَادُ تَغْلِيبًا لِلْحَرَامِ
(وَلَوْ أَرْسَلَا كَلْبَيْنِ أَوْ سَهْمَيْنِ فَإِنْ سَبَقَ آلَةُ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَ) الصَّيْدَ (أَوْ أَنْهَاهُ إلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ حَلَّ وَلَوْ انْعَكَسَ) مَا ذُكِرَ (أَوْ جَرَحَاهُ مَعًا أَوْ جَهِلَ) ذَلِكَ (أَوْ مُرَتَّبًا وَلَمْ يَقْذِفْ أَحَدُهُمَا) بِإِعْجَامٍ وَإِهْمَالٍ أَيْ لَمْ يَقْتُلْ سَرِيعًا فَهَلَكَ بِهِمَا (حَرُمَ) تَغْلِيبًا لِلْحَرَامِ وَمَسْأَلَةُ الْجَهْلِ مَزِيدَةٌ وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا بَدَلُهَا وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَيَّهمَا قَتَلَهُ فَحَرَامٌ.
(وَيَحِلُّ ذَبْحُ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ وَكَذَا غَيْرُ مُمَيِّزٍ مَجْنُونٌ وَسَكْرَانٍ فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّ لَهُمْ قَصْدًا وَإِرَادَةً فِي الْجُمْلَةِ وَالثَّانِي لَا يَحِلُّ لِفَسَادِ قَصْدِهِمْ
(وَتُكْرَهُ ذَكَاةُ أَعْمَى) لِأَنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ الْمَذْبَحَ (وَيَحْرُمُ صَيْدُهُ بِرَمْيٍ وَكَلْبٍ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ وَالثَّانِي يَحِلُّ كَذَبْحِهِ أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ
[حاشية قليوبي]
بِآلَةِ ذَبْحِهَا كَسِكِّينٍ وَسَهْمٍ وَكَلْبٍ وَجَارِحَةٍ، وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِمْ وَإِفْرَادُ الصَّيْدِ لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْمَصِيدِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فَاعِلٍ وَمَفْعُولٍ وَفِعْلٍ وَآلَةٍ فَهِيَ أَرْكَانٌ أَرْبَعَةٌ، قَوْلُهُ: (ذَكَاةُ الْحَيَوَانِ) هُوَ لُغَةً التَّطْهِيرُ وَالتَّطْيِيبُ وَالتَّحْلِيلُ وَشَرْعًا مَا ذَكَرَهُ وَالْمُرَادُ الذَّكَاةُ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْآلَةِ، أَوْ بِالتَّبَعِيَّةِ فَلَا يُرَدُّ الْجَنِينُ، قَوْلُهُ: (الْمَطْلُوبَةُ شَرْعًا) دَفْعُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ الْمَأْخُوذِ مِمَّا ذُكِرَ، بِأَنَّ مَعْنَى الذَّكَاةِ وَالذَّبْحِ وَاحِدٌ، وَقَدْ يُدْفَعُ ذَلِكَ بِتَقْيِيدِ الذَّبْحِ بِكَوْنِهِ فِي الْحَلْقِ أَوْ اللَّبَّةِ وَالْمُقَيَّدُ غَيْرُ الْمُطْلَقِ، وَحِكْمَةُ الذَّبْحِ تَمْيِيزُ حَلَالِ اللَّحْمِ مِنْ حَرَامِهِ، قَوْلُهُ: (إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ) أَيْ حَالَةَ إصَابَةِ الْآلَةِ لَهُ، وَلَا نَظَرَ لِمَا قَبْلَهَا فَلَوْ رَمَى سَهْمًا عَلَى صَيْدٍ يَعْدُو فَوَقَعَ فِي حُفْرَةٍ مَثَلًا وَصَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَأَصَابَهُ السَّهْمُ حِينَئِذٍ فِي غَيْرِ مَذْبَحِهِ لَمْ يَحِلَّ وَلَوْ عَكْسَ ذَلِكَ لَمْ يَحْرُمْ، وَفَارَقَ حِلَّ الْمُنَاكَحَةِ كَمَا يَأْتِي بِأَنَّ الْقُدْرَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ، قَوْلُهُ: (يُقْطَعُ إلَخْ) سَوَاءٌ فِي مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ بِحَيْثُ يَكُونُ بِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، قَوْلُهُ: (فِي أَيِّ مَوْضِعٍ) لَعَلَّهُ مِمَّا يُنْسَبُ إلَيْهِ الزُّهُوقُ لَا نَحْوُ حَافِرٍ وَخُفٍّ.
.
قَوْلُهُ: (حِلُّ مُنَاكَحَتِهِ) مِنْ أَوَّلِ إجْرَاءِ الْفِعْلِ وَلَوْ بِإِرْسَالِ جَارِحَةٍ إلَى الزُّهُوقِ فَلَوْ تَخَلَّلَ أَوْ اقْتَرَنَ بِجُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ لَمْ يَحِلَّ، وَالْمُرَادُ حِلُّ الْمُنَاكَحَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ فِي ذَاتِ الْمَنْكُوحِ فَلَا يَرُدُّ الْحُرْمَةَ لِعَارِضٍ خَاصٍّ كَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْوِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَالْمُلَاعَنَةِ وَالْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ لِأَهْلِ مِلَّتِهِ لِتَدْخُلَ الْأَمَةُ الْمَذْكُورَةُ مُعْتَرَضٌ بِدُخُولِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْتَبِرْهُ الْمُصَنِّفِ، قَوْلُهُ: (وَالْفَرْقُ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ فَرْقٌ بِصُورَةِ الْمَسْأَلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَارَكَ مَجُوسِيٌّ) وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْفِعْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا فِيمَا لَوْ وَقَعَ الْفِعْلُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَلَوْ أَكْرَهَ الْمَجُوسِيُّ مُسْلِمًا أَوْ الْمُحْرِمُ حَلَالًا عَلَى الرَّمْيِ أَوْ الذَّبْحِ كَانَ حَلَالًا كَمَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا وَانْظُرْ حُكْمَ عَكْسِهِ، قَوْلُهُ: (حَرُمَ) وَيَضْمَنُهُ الْمَجُوسِيُّ إنْ أَزْمَنَهُ الْمُسْلِمُ أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) وَهِيَ أَوْلَى لِشُمُولِهَا لِلْمَعِيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ كَذَا قِيلَ: وَالْوَجْهُ تَسَاوِيهِمَا لِقَوْلِ الشَّارِحِ ذَلِكَ.
فَذِكْرُهُ لِعِبَارَةِ الرَّوْضَةِ اسْتِشْهَادٌ لِكَلَامِهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ ذَبْحُ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ) هُوَ مِنْ الْمَصْدَرِ الْمُضَافِ إلَى فَاعِلِهِ وَرَمْيُهُ وَإِرْسَالُهُ جَارِحَةً كَذَبْحِهِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ، وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ وَكَالصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْأَخْرَسُ وَالْأَقْلَفُ وَالْمُكْرَهُ، قَوْلُهُ: (وَكَذَا غَيْرُ مُمَيِّزٍ) أَيْ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى مُمَيِّزٍ قَبْلَهُ فَهُوَ فِي الصَّبِيِّ وَيَدُلُّ لَهُ عَطْفُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ وَرُجُوعُ الْخِلَافِ لِلْجَمِيعِ وَلَا يَخْتَصُّ بِمَا لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ وَقِيلَ: عَطْفٌ عَلَى صَبِيٍّ فَعَطْفُ مَا بَعْدَهُ خَاصٌّ بَعْدَ عَامٍّ، وَعَلَيْهِ فَيُسْتَثْنَى مِنْهُ نَحْوُ النَّائِمِ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ وَعَلَى كُلٍّ فَلَفْظٌ غَيْرُ مَرْفُوعٍ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ، كَذَا، وَمَجْنُونٍ وَسَكْرَانٍ عَطْفٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ عَطْفُهُمَا عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ، قَوْلُهُ: (لِأَنَّ لَهُمْ) أَيْ حَالَةُ الْفِعْلِ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِنْهُ يُعْلَمُ عَدَمُ صِحَّةِ ذَبْحِ مَنْ صَارَ كَالْخَشَبَةِ الْمُلْقَاةِ مِنْ السَّكْرَانِ أَوْ الْمَجْنُونِ أَوْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ أَسْوَأُ مِنْ النَّائِمِ وَهُوَ وَاضِحٌ لَكِنَّ تَعْبِيرَهُ بِقَوْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ رُبَّمَا يُنَافِيهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَصَحِّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَيَحْرُمُ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الصَّيْدَ فَلَا يُمْكِنُ قَصْدُهُ
[حاشية عميرة]
لَحْمُهُ لَوْنًا وَطَعْمًا، قَوْلُهُ: (بِذَبْحِهِ إلَخْ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ أَسْرَعُ إلَى خُرُوجِ الرُّوحِ وَأَخَفُّ، ثُمَّ مُرَادُهُ بِالذَّبْحِ هُنَا مُطْلَقُ الْقَطْعِ فَلَا يُنَافِي مَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ مِنْ نَحْرِ إبِلٍ وَذَبْحِ بَقَرٍ وَغَنَمٍ، قَوْلُهُ: (فَبِعَقْرٍ) أَيْ وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى عَقْرُ الْكَلْبِ لِلتَّرَدِّي كَمَا سَيَأْتِي وَهُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّارِحِ ذَكَاتُهُ
[شُرُوطُ الذَّابِحِ وَالْعَاقِرِ وَالصَّائِدِ]
قَوْلُهُ: (حِلُّ مُنَاكَحَتِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ يَرَى عَدَمَ حِلِّ ذَلِكَ الْمَذْبُوحِ كَالْإِبِلِ خِلَافًا لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ قَالَ: نِكَاحُنَا لَهُ بَدَلَ صِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ لَكَانَ أَوْضَحَ وَلَوْ أُكْرِهَ الشَّخْصُ عَلَى الذَّبْحِ.
صَحَّ وَحَلَّ أَكْلُهُ.
قَوْلُهُ: (أُوتُوا الْكِتَابَ) الْمُرَادُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْمَجُوسِ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ وَلَا نَاكِحِي نِسَائِهِمْ
قَوْلُهُ: (قَاتِلٍ) خَرَجَ الِاشْتِرَاكُ فِي مُجَرَّدِ الِاصْطِيَادِ أَيْ الِاصْطِيَادُ غَيْرُ الْقَاتِلِ
قَوْلُهُ: (صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ) أَيْ وَلَوْ كِتَابِيًّا قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَذَبْحُهُ وَكَذَا ذَبْحُ الْحَائِضِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ ذَبْحِ الْكِتَابِيِّ
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ) أَيْ فَصَارَ كَمَا لَوْ اسْتَرْسَلَ الْكَلْبَ بِنَفْسِهِ.
وَقَيَّدَهُ الْبَغَوِيّ بِمَا إذَا أَخْبَرَهُ بَصِيرٌ فَأَرْسَلَ السَّهْمَ أَوْ الْكَلْبَ وَهُوَ أَشْبَهُ وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي صَيْدِ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونِ بِالْكَلْبِ وَالسَّهْمِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالْمَذْهَبُ هُنَا الْحِلُّ قَالَ: وَصَيْدُ الْمُمَيِّزِ بِهِمَا كَذَبْحِهِ
(وَتَحِلُّ مَيْتَةُ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ) إجْمَاعًا (وَلَوْ صَادَهُمَا مَجُوسِيٌّ) فَتَحِلُّ وَلَا اعْتِبَارَ بِفِعْلِهِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَوْ ذَبَحَ سَمَكَةً حَلَّتْ (وَكَذَا الدُّودُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ طَعَامٍ كَخَلٍّ وَفَاكِهَةٍ إذَا أَكَلَ مَعَهُ) مَيْتًا يَحِلُّ (فِي الْأَصَحِّ) لِعُسْرِ تَمْيِيزِهِ بِخِلَافِ أَكْلِهِ مُنْفَرِدًا فَيَحْرُمُ وَالثَّانِي يَحِلُّ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ طَبْعًا وَطَعْمًا، وَالثَّالِثُ يَحْرُمُ مُطْلَقًا لِاسْتِقْذَارِهِ وَإِنْ قِيلَ بِطَهَارَتِهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَالَ فِي الدَّقَائِقِ أَشَارَ إلَيْهَا الْمُحَرَّرُ بِقَوْلِهِ مَا حَلَّتْ مَيْتَتُهُ كَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ (وَلَا يَقْطَعُ) الشَّخْصُ (بَعْضَ سَمَكَةٍ) حَيَّةٍ (فَإِنْ فَعَلَ) ذَلِكَ (أَوْ بَلِعَ) بِكَسْرِ اللَّامِ (سَمَكَةً حَيَّةً حَلَّ) مَا ذُكِرَ (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي لَا يَحِلُّ الْمَقْطُوعُ كَمَا فِي غَيْرِ السَّمَكِ وَلَا الْبُلُوغُ لِمَا فِي جَوْفِهِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَطَرَدُوا الْوَجْهَيْنِ فِي الْجَرَادِ.
(وَإِذَا رَمَى صَيْدًا مُتَوَحِّشًا أَوْ بَعِيرًا نَدَّ أَوْ شَاةً شَرَدَتْ بِسَهْمٍ أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ جَارِحَةً فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ وَمَاتَ فِي الْحَالِ حَلَّ) لِلْإِجْمَاعِ فِي الْأَوَّلِ بِالسَّهْمِ وَالْجَارِحَةِ وَلِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ فِي الْبَعِيرِ بِالسَّهْمِ وَقِيسَ بِهِ الشَّاةُ وَعَلَى السَّهْمِ الْجَارِحَةُ وَفِي الْكَلْبِ مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي دَاوُد فِي الصَّيْدِ الصَّادِقِ بِالْمُتَوَحِّشِ وَنَدَّ وَشَرَدَ بِمَعْنَى نَفَرَ كَالْمُتَوَحِّشِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ:
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَقَيَّدَهُ إلَخْ) أَيْ فَإِذَا لَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ لَمْ يَحِلَّ جَزْمًا، قَوْلُهُ: (وَالْمَجْنُونِ) وَالسَّكْرَانِ أَيْضًا عَلَى الْمَرْجُوحِ، قَوْلُهُ: (وَالْمَذْهَبُ هُنَا الْحِلُّ) أَيْ لِمَا صَادَهُ الصَّبِيُّ وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ وَالْمَجْنُونُ كَذَلِكَ وَالسَّكْرَانُ كَذَلِكَ سَوَاءٌ بِالسَّهْمِ أَوْ بِالْجَارِحَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
فَرْعٌ: لَوْ أَخْبَرَ بَصِيرٌ بِصَيْدٍ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ شَجَرَةٍ فَرَمَاهُ حَلَّ جَزْمًا، وَلَوْ أَخْبَرَ فَاسِقٌ أَوْ كِتَابِيٌّ أَنَّهُ ذَبَحَ هَذِهِ الشَّاةَ مَثَلًا قَبِلْنَاهُ وَحَلَّتْ وَلَوْ رَأَيْنَا شَاةً مَذْبُوحَةً وَلَمْ نَدْرِ مَنْ ذَبَحَهَا فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَحْوُ مَجُوسِيٍّ لَمْ تَحِلَّ وَإِلَّا حَلَّتْ، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ شَامِلٌ لِمَا لَوْ قَلَّ الْمَجُوسُ كَوَاحِدٍ فِي بَلَدٍ أَوْ إقْلِيمٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ خُصُوصًا فِي نَحْوِ مِصْرَ، وَإِقْلِيمِهَا فَالْوَجْهُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَغْلِبْ مَنْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ أَيْضًا بِجَرْيِ الْعَادَةِ فِيهَا بِذَبْحِ نَحْوِ الْمَجُوسِيِّ وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ وَمَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَتَحِلُّ مَيْتَةُ السَّمَكِ) وَالْمُرَادُ بِهِ حَيَوَانُ الْبَحْرِ الَّذِي عَيْشُهُ فِي الْبَرِّ عَيْشُ مَذْبُوحٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الدُّودُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ طَعَامٍ) وَمِثْلُهُ النَّحْلُ الصَّغِيرُ فِي شَمْعِهِ وَنَحْوُ سُوسِ بَاقِلَّا أَوْ تَمْرٍ فِيهِ فَهُوَ حَلَالٌ مَعَهُ، وَلَوْ بِطَبْخٍ وَأَمَّا الْمُتَوَلِّدُ مِنْ غَيْرِ الشَّيْءِ كَنَمْلٍ فِي خَلٍّ أَوْ عَسَلٍ فَلَا يَحِلُّ إلَّا إنْ تَهَرَّى، وَلَوْ بِطَبْخِهِ مَعَهُ أَيْ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ بَابِ الطَّهَارَةِ، وَيَحِلُّ مَا تَهَرَّى مِنْ جَرَادٍ وَقَعَ فِي قِدْرٍ، وَيُعْفَى عَمَّا فِي بَاطِنِهِ لِلْمَشَقَّةِ كَمَا يَأْتِي فِي السَّمَكِ.
قَوْلُهُ: (مَيِّتًا) أَوْ حَيًّا أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (لِعُسْرِ تَمْيِيزِهِ) أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (أَشَارَ إلَيْهَا الْمُحَرَّرُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ مَا حَلَّتْ مَيْتَتُهُ لَا حَاجَةَ لِذَبْحِهِ قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْطَعُ الشَّخْصُ بَعْضَ سَمَكَةٍ) أَيْ يُكْرَهُ لَهُ نَعَمْ يُسَنُّ ذَبْحُ سَمَكَةٍ كَبِيرَةٍ وَالْقَلْيُ كَالْقَطْعِ قَوْلُهُ: (أَوْ بَلِعَ سَمَكَةً حَيَّةً) أَيْ فَهُوَ حَلَالٌ وَخَرَّجَ الْمَيِّتَةَ فَتَحْرُمُ الْكَبِيرَةُ قَطْعًا، وَتَحِلُّ الصَّغِيرَةُ عَلَى أَقْرَبِ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ شَيْخِ شَيْخِنَا عَمِيرَةَ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِي جَوْفِهِ) وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَهَذَا فِي الصَّغِيرِ كَمَا مَرَّ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِهِ دُهْنٌ قُلِيَ فِيهِ مَثَلًا وَلَا يَحْرُمُ قَلْيُهُ حَيًّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ نَعَمْ مَا يَقَعُ الْآنَ مِنْ تَفْقِيعِ الصَّغِيرِ وَجَعْلِهِ بِسَارِيَةٍ قَبْلَ اسْتِقْصَاءِ غَسْلِهِ فَالْوَجْهُ نَجَاسَتُهُ وَدُهْنُهُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ فَرَاجِعْهُ.
فَرْعٌ: أَوْ وُجِدَتْ سَمَكَةٌ فِي جَوْفِ أُخْرَى حَلَّتْ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ.
قَوْلُهُ: (وَطَرَدُوا الْوَجْهَيْنِ فِي الْجَرَادِ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ كَالسَّمَكِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ.
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (مَيْتَةُ السَّمَكِ) أَيْ سَوَاءٌ مَاتَ طَافِيًا أَوْ رَاسِبًا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
لَنَا قَضِيَّةُ الْعَنْبَرِ.
تَنْبِيهٌ: خَالَفَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي صَيْدِ الْمَجُوسِ لِلْجَرَادِ وَيُكْرَهُ ذَبْحُ السَّمَكِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا يَطُولُ بَقَاؤُهُ فَيُسْتَحَبُّ إرَاحَةً لَهُ، قَوْلُهُ: (وَلَا اعْتِبَارَ إلَخْ) قَضِيَّةُ هَذَا الْحِلُّ فِيمَا لَوْ صَادَهُمَا مُحْرِمٌ، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ التَّحْرِيمُ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، قَوْلُهُ: (وَكَذَا الدُّودُ إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَوَلِّدِ يَحْرُمُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَمِنْهُ النَّمْلُ فِي الْعَسَلِ قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: إلَّا إذَا وَقَعَتْ نَمْلَةٌ أَوْ ذُبَابَةٌ وَتَهَرَّتْ أَجْزَاؤُهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ انْتَهَى.
وَلَوْ أَخْرَجَ الدُّودَ وَأَكَلَهُ مَعَ طَعَامٍ آخَرَ حَرُمَ وَلَا فَرْقَ فِي الْجَوَازِ بَيْنَ الَّذِي يَعْسُرُ تَمْيِيزُهُ أَوْ يَسْهُلُ وَلَا بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، قَوْلُهُ: (وَإِنْ قِيلَ بِطَهَارَتِهِ) هُوَ رَأْيُ الْقَفَّالِ، قَوْلُهُ: (وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ) مُرَادُهُ الَّتِي فِي قَوْلِ الْمَتْنِ وَكَذَا الدُّودُ.
قَوْلُهُ: (كَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ) تَتِمَّةُ الْعِبَارَةِ لَا حَاجَةَ إلَى ذَبْحِهِ ثُمَّ الْإِشَارَةُ فِي الْكَافِ الدَّاخِلَةِ عَلَى السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْطَعُ) اقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْقَطْعَ حَرَامٌ لِلتَّعْذِيبِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي حِلِّ التَّنَاوُلِ وَاعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَقَالَ إنَّهُ وَقَعَ فِي الرَّوْضَةِ مَا يُخَالِفُهُ فَلَا تَغْتَرَّ بِهِ، وَأَنَّ قَوْلَ الْمِنْهَاجِ حِلَّ يُرِيدُ بِهِ حِلَّ التَّنَاوُلِ اهـ.
الزَّرْكَشِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ وَقَعَ فِي الرَّوْضَةِ مَا يُخَالِفُهُ فَلَا تَغْتَرَّ بِهِ، وَأَنَّ قَوْلَ الْمِنْهَاجِ حِلَّ يُرِيدُ بِهِ حِلَّ التَّنَاوُلِ اهـ. أَقُولُ: وَقَوْلُ الشَّارِحِ مَا ذُكِرَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لَهُ فِيمَا يَظْهَرُ وَيُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَالثَّانِي إلَخْ يُرْشِدُ إلَى مُوَافَقَتِهِ فَتَأَمَّلْ وَاَلَّذِي فِي الرَّوْضِ التَّصْرِيحُ بِالْحِلِّ، قَوْلُهُ: (حَلَّ فِي الْأَصَحِّ) لَوْ قَطَعَ بَعْضَ سَمَكَةٍ فَمَاتَتْ بِذَلِكَ حَلَّ الْمَقْطُوعُ، قَوْلُهُ: (كَمَا فِي غَيْرِ السَّمَكِ) أَيْ لِعُمُومِ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ، قَوْلُهُ: (لِمَا فِي جَوْفِهِ إلَخْ) هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالْحَيَّةِ وَعَلَّلَهُ بِحَدِيثِ أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ لِأَنَّهُ يُخْرِجُ هَذَا ثُمَّ الْخِلَافُ جَارٍ فِي إلْقَائِهِ فِي الزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ، وَهُوَ حَيٌّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَوْ بَلَعَ سَمَكَةً كَبِيرَةً مَيِّتَةً حَرُمَ لِنَجَاسَةِ جَوْفِهَا، قَالَ وَفِي الصَّغِيرَةِ كَذَلِكَ وَجْهَانِ وَمَيْلُهُمْ إلَى الْجَوَازِ.
.
كَأَصْلِهِ الْمَزِيدِ عَلَى الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَمَاتَ فِي الْحَالِ عَمَّا إذَا أَدْرَكَهُ، وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَأَمْكَنَهُ ذَبْحُهُ وَلَمْ يُذْبَحْ وَمَاتَ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ كَمَا سَيَأْتِي
(وَلَوْ تَرَدَّى بَعِيرٌ وَنَحْوُهُ فِي بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ حُلْقُومِهِ فَكَنَادٍّ) فِي حِلِّهِ بِالرَّمْيِ وَكَذَا بِإِرْسَالِ الْكَلْبِ فِي وَجْهٍ اخْتَارَهُ الْبَصْرِيُّونَ، (قُلْت: الْأَصَحُّ لَا يَحِلُّ بِإِرْسَالِ الْكَلْبِ وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) ، وَفَرَّقَ الرُّويَانِيُّ بِأَنَّ الْحَدِيدَ يُسْتَبَاحُ بِهِ الذَّبْحُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَعَقْرُ الْكَلْبِ بِخِلَافِهِ، (وَمَتَى تَيَسَّرَ لُحُوقُهُ) أَيْ النَّادِّ (بِعَدْوٍ أَوْ اسْتِعَانَةٍ) بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ، (بِمَنْ يَسْتَقْبِلُهُ فَمَقْدُورٌ عَلَيْهِ) فَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْمَذْبَحِ.
(وَيَكْفِي فِي النَّادِّ وَالْمُتَرَدِّي جُرْحٌ يُفْضِي إلَى الزَّهُوقِ وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مُذَفِّفٌ) أَيْ مُسْرِعٌ لِلْقَتْلِ لِيَتَنَزَّلَ مَنْزِلَةَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ.
(وَإِذَا أَرْسَلَ سَهْمًا أَوْ كَلْبًا أَوْ طَائِرًا عَلَى صَيْدٍ فَأَصَابَهُ وَمَاتَ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً أَوْ أَدْرَكَهَا وَتَعَذَّرَ ذَبْحُهُ بِلَا تَقْصِيرٍ بِأَنْ سَلَّ السِّكِّينَ فَمَاتَ قَبْلَ إمْكَانٍ) لِذَبْحِهِ (أَوْ امْتَنَعَ) مِنْهُ، (بِقُوَّتِهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ) عَلَيْهِ (حَلَّ) فِيمَا ذُكِرَ، (وَإِنْ مَاتَ لِتَقْصِيرِهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ سِكِّينٌ أَوْ غُصِبَتْ) مِنْهُ (أَوْ نَشِبَتْ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ (فِي الْغِمْدِ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ الْخِلَافُ أَيْ عَلِقَتْ فِيهِ فَعَسُرَ إخْرَاجُهَا وَفِيهَا التَّذْكِيرُ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي (حَرُمَ) فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ (وَلَوْ رَمَاهُ فَقَدَّهُ نِصْفَيْنِ حَلَّا) تَسَاوَيَا أَوْ تَفَاوَتَا (وَلَوْ أَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا) كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ (بِجُرْحٍ مُذَفِّفٍ) أَيْ مُسْرِعٍ لِلْقَتْلِ فَمَاتَ فِي الْحَالِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا (حَلَّ الْعُضْوُ وَالْبَدَنُ) ، أَيْ بَاقِيهِ (أَوْ بِغَيْرِ مُذَفِّفٍ ثُمَّ ذَبَحَهُ أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا آخَرَ مُذَفِّفًا) فَمَاتَ (حَرُمَ الْعُضْوُ) لِأَنَّهُ أَبْيَنُ مِنْ حَيٍّ (وَحَلَّ الْبَاقِي) وَحِلُّهُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ.
فِيمَا إذَا لَمْ يُثْبِتْهُ بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ فَإِنْ أَثْبَتَهُ بِهِ تَعَيَّنَ ذَبْحُهُ وَلَا يُجْزِئُ الْجُرْحُ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا.
(فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ وَمَاتَ بِالْجُرْحِ حَلَّ الْجَمِيعُ) كَمَا لَوْ كَانَ مُذَفِّفًا (وَقِيلَ: يَحْرُمُ الْعُضْوُ) لِأَنَّهُ أَبْيَنُ مِنْ حَيٍّ وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا
(وَذَكَاةُ كُلِّ حَيَوَانٍ) بَرِّيٍّ (قَدَرَ عَلَيْهِ بِقَطْعِ كُلِّ الْحُلْقُومِ) بِضَمِّ الْحَاءِ (وَهُوَ مَخْرَجُ النَّفَسِ) وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا مَجْرَاهُ خُرُوجًا وَدُخُولًا، (وَ) كُلُّ (الْمَرِيءِ وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ) وَالشَّرَابِ وَهُوَ تَحْتَ الْحُلْقُومِ (وَيُسْتَحَبُّ قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالدَّالِ، (وَهُمَا عِرْقَانِ فِي صَفْحَتَيْ الْعُنُقِ) يُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ، وَقِيلَ بِالْمَرِيءِ.
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَنَدَّ وَشَرَدَ بِمَعْنَى نَفَرَ إلَخْ) لَكِنْ لَا يُسْتَعْمَلُ نَدَّ إلَّا فِي الْإِبِلِ خَاصَّةً
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُمْكِنْ) أَيْ لَمْ يَسْهُلْ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَإِنْ سَهُلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ شَيْخُنَا: لَا بُدَّ مِنْ التَّعَذُّرِ.
قَوْلُهُ: (الْأَصَحُّ لَا يَحِلُّ) أَيْ الْمُتَرَدِّي بِإِرْسَالِ الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَمَتَى تَيَسَّرَ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِحَالِ الطَّالِبِ قُوَّةً وَضَعْفًا، وَاعْتَبَرَ شَيْخُنَا التَّعَذُّرَ فِيهِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ اسْتِعَانَةٌ) بِمُهْمَلَةٍ فَنُونٍ أَوْ بِمُعْجَمَةٍ فَمُثَلَّثَةٍ.
قَوْلُهُ: (جُرْحٌ يُفْضِي إلَخْ) فَإِنْ نَفَذَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَلَوْ وَصَلَ بَعْدَ نُفُوذِهِ إلَى صَيْدٍ آخَرَ وَأَثَّرَ فِيهِ كَذَلِكَ حَلَّ حَيْثُ لَا يُحَالُ مَوْتُهُ عَلَى سَبَبٍ آخَرَ.
فَرْعٌ: لَوْ تَرَدَّى بَعِيرٌ إنْ مَثَلًا فَوْقَ بَعْضِهِمَا فِي نَحْوَ بِئْرٍ فَإِنْ مَاتَ الْأَسْفَلُ بِثِقَلِ الْأَعْلَى مَثَلًا لَمْ يَحِلَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ طُعِنَ الْأَعْلَى بِنَحْوِ سَهْمٍ أَوْ رُمْحٍ، فَوَصَلَ إلَى الْأَسْفَلِ وَأَثَّرَ فِيهِ يَقِينًا فَهُمَا حَلَالَانِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِالْأَسْفَلِ.
.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً) أَيْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ إدْرَاكُهُ بِهَا فَلَا تَحِلُّ إذَا شَكَّ فِي وُجُودِهَا فِيهِ، وَالْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ مَا يَكُونُ مَعَهَا حَرَكَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ، وَتُعْرَفُ بِالْحَرَكَةِ الْقَوِيَّةِ أَوْ تَفَجُّرِ الدَّمِ أَوْ الْقِيَامِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَكْفِي وُجُودُهَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ آخِرِ مَرَّةٍ لَوْ تَعَدَّدَ الْقَطْعُ، وَهَذِهِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ أَوْ كَانَ بِسَبَبٍ يُحَالُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ كَجُرْحٍ وَأَكْلِ نَبَاتٍ سُمَيٌّ، وَأَكْلِ مَا يَحْصُلُ بِهِ نَفْخٌ أَمَّا مَرِيضٌ وَصَلَ إلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ بِالْمَرَضِ فَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ تِلْكَ الْحَيَاةُ، قَوْلُهُ: (بِلَا تَقْصِيرٍ) يَقِينًا فَلَوْ شَكَّ فِي تَقْصِيرِهِ حَلَّ وَلَيْسَ مِنْ التَّقْصِيرِ حَيْلُولَةُ نَحْوِ سَبُعٍ أَوْ اشْتِغَالِهِ بِنَحْوِ تَوْجِيهِهِ لِلْقِبْلَةِ، أَوْ طَلَبَ مَذْبَحَهُ أَوْ قَلَّبَهُ وَلَوْ وَقَعَ مُنَكَّسًا فَلَا يَحْرُمُ فِي ذَلِكَ، قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ) وَلَا يُكَلَّفُ الْعَدُوُّ خَلْفَهُ مَثَلًا، قَوْلُهُ: (لِتَقْصِيرِهِ) وَمِنْهُ الذَّبْحُ بِظَهْرِ السِّكِّينِ وَسُمِّيَتْ سِكِّينًا لِأَنَّهَا تُسْكِنُ الْحَيَاةَ وَالْحَرَارَةَ النَّاشِئَةَ عَنْهَا وَتُسَمَّى مُدْيَةً لِقَطْعِهَا مُدَّةَ الْحَيَاةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (غُصِبَتْ) أَيْ قَبْلَ الرَّمْيِ فَإِنْ غُصِبَتْ بَعْدَهُ فَلَا تَقْصِيرَ فِيهِ، قَوْلُهُ: (أَيْ عَلِقَتْ فِيهِ) أَيْ لَا لِعَارِضٍ وَإِلَّا فَتَحِلُّ قَوْلُهُ: (وَفِيهَا التَّذْكِيرُ) وَهُوَ الْغَالِبُ قَوْلُهُ: (فِي الْحَالِ) قَيْدٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فَإِنْ تَرَكَهُ بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَحِلَّ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ: يَحْرُمُ الْعُضْوُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ أَخْذًا مِنْ تَصْحِيحِهِ فِي الرَّوْضَةِ
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (وَنَدَّ وَشَرَدَ) أَيْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَهَّمَ مُغَايَرَتُهُمَا مِنْ ظَاهِرِ الْمَتْنِ
قَوْلُهُ: (تَيَسَّرَ) يُرِيدُ أَمْكَنَ قَوْلُهُ: (وَيَكْفِي إلَخْ) دَلِيلُهُ حَدِيثُ لَوْ طُعِنَتْ فِي فَخِذِهَا لَأَجْزَأَ، وَجُرْحُ الْفَخِذِ لَيْسَ مُذَفِّفًا غَالِبًا ثُمَّ قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ الصَّيْدَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ قَطْعًا، ثُمَّ مَحِلُّ الْخِلَافِ فِي الرَّمْيِ أَمَّا الْجَارِحَةُ فَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيهَا قَطْعًا
قَوْلُهُ: (وَمَاتَ) وَلَوْ مَآلًا فَلَا يُنَافِي جَعْلَهُ مِنْ أَقْسَامِ مَا فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، قَوْلُهُ: (السِّكِّينَ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا تُسْكِنُ حَرَكَةَ الْمَذْبُوحِ
قَوْلُهُ: (قَدَرَ عَلَيْهِ) يُرِيدُ عَلَيْهِ مَا لَوْ أَخْرَجَ الْجَنِينُ رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يَحِلُّ بِذَكَاةِ أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: