حاشيتا قليوبي وعميرةصفحات 19-58
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الطَّهَارَةِ

صفحات 19-58
عن هذه الطبعة
عَلَم
القليوبي
الكتاب
حاشيتا قليوبي وعميرة
المؤلف
أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة
الناشر
دار الفكر - بيروت
عدد الأجزاء
4
الطبعة
بدون طبعة، 1415هـ-1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]- بأعلى الصفحة: «شرح العلامة جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين للشيخ محيي الدين النووي»- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد البرلسي عميرة (957هـ.)

يُطْلَقُ الْكِتَابُ لُغَةً بِمَعْنَى الضَّمِّ وَالْجَمْعِ، أَيْ الْمَضْمُومِ وَالْمَجْمُوعِ أَوْ الضَّامِّ وَالْجَامِعِ، وَاصْطِلَاحًا بِمَعْنَى اسْمٍ لِجِنْسٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، أَوْ بِمَعْنَى اسْمٍ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى أَبْوَابٍ وَفُصُولٍ غَالِبًا، وَيُرَادِفُهُ الْكِتَابَةُ وَالْكُتُبُ، فَهِيَ مَصَادِرُ مُشْتَقٌّ مِنْهَا لَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَهُوَ مِنْ التَّرَاجِمِ كَالْبَابِ وَالْفَصْلِ وَنَحْوِهِمَا.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ لِلْأَلْفَاظِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي، وَقِيلَ: أَسْمَاءٌ لِلْأَلْفَاظِ، وَقِيلَ: لِلْمَعَانِي، وَقِيلَ: لِلنُّقُوشِ، وَقِيلَ: لِلِاثْنَيْنِ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: لِلثَّلَاثَةِ، فَهِيَ سَبْعُ احْتِمَالَاتٍ غَيْرُ الْأَوَّلِ الْمُخْتَارِ وَمَعَانِيهَا عُرْفًا مَا مَرَّ وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ لُغَةً، فَالْبَابُ فُرْجَةٌ فِي سَاتِرٍ يُتَوَصَّلُ بِهَا مِنْ دَاخِلٍ إلَى خَارِجٍ وَبِالْعَكْسِ.
وَالْفَصْلُ الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ.
وَالْفَرْعُ مَا بُنِيَ عَلَى غَيْرِهِ.
وَالْأَصْلُ عَكْسُهُ.
وَالْمَسْأَلَةُ لُغَةً السُّؤَالُ وَعُرْفًا مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ يُبَرْهَنُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ، وَأَشَارُوا بِقَوْلِهِمْ غَالِبًا إلَى خُلُوِّ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ، وَالطَّهَارَةُ بِضَمِّ الطَّاءِ اسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ، وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ لِمَا يُضَافُ إلَى الْمَاءِ مِنْ سِدْرٍ وَنَحْوِهِ، وَبِالْفَتْحِ الْمُرَادُ هُنَا لُغَةً النَّظَافَةُ وَالْخُلُوصُ مِنْ الْأَدْنَاسِ حِسِّيَّةً كَانَتْ كَالنَّجَاسَاتِ، أَوْ مَعْنَوِيَّةً كَالْعُيُوبِ مِنْ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالزِّنَا وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَنَحْوِهَا، فَهِيَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَصَحَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَقِيلَ: مَجَازٌ فِي أَحَدِهِمَا، وَقِيلَ: مُشْتَرَكَةٌ، وَعَطْفُ الْخُلُوصِ تَفْسِيرٌ وَعُرْفًا زَوَالُ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْحَدَثِ وَالْخُبْثِ.
قَالَهُ الْقَاضِي، أَوْ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا صِحَّةَ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ أَوْ لَهُ، قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَالِكِيُّ، وَأَشَارَ بِالْأَوَّلِ لِلثَّوْبِ، وَبِالثَّانِي لِلْمَكَانِ، وَبِالثَّالِثِ لِلشَّخْصِ، وَلَمْ يَقُلْ: أَوْ عَلَيْهِ لِيَشْمَلَ الْمَيِّتَ لِأَنَّهُ لَا يَطْهُرُ عِنْدَهُمْ بِالْغُسْلِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ عِنْدَنَا، وَقَضِيَّةُ مَا ذَكَرَاهُ أَنَّهَا لَا تُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الْفِعْلِ وَلَا عَلَى الْمَنْدُوبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ صَرِيحَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي تَعْرِيفِهِ لَهَا إطْلَاقُهَا عَلَيْهِ وَعَلَى الْمَنْدُوبِ حَقِيقَةً حَيْثُ قَالَ: هِيَ رَفْعُ حَدَثٍ أَوْ إزَالَةُ نَجَسٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا، وَعَلَى صُورَتِهِمَا كَالتَّيَمُّمِ وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَأَشَارَ بِالتَّيَمُّمِ لِمَا هُوَ فِي مَعْنَى رَفْعِ الْحَدَثِ بِوُجُودِ الْإِبَاحَةِ، وَمِثْلُهُ طَهَارَةُ الضَّرُورَةِ، وَفِي مَعْنَى إزَالَةِ النَّجَسِ حَجَرُ الِاسْتِنْجَاءِ كَذَلِكَ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ مَا فِي الْمَعْنَى عَلَى الصُّورَةِ أَيْضًا، وَبِالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ إلَى مَا هُوَ عَلَى صُورَةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ غُسْلٌ صُورَةً وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ التَّحْرِيرِ وَأَصْلِهِ أَنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ تَنَجُّسُ جَمِيعِ الْبَدَنِ أَوْ بَعْضِهِ مَعَ الِاشْتِبَاهِ، وَتَجْدِيدُ الْوُضُوءِ إلَى مَا هُوَ عَلَى صُورَةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَبِالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ إلَى مَا هُوَ عَلَى صُورَةِ الْأُولَى فِي الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ، فَهِيَ شَامِلَةٌ لِأَنْوَاعِ الطَّهَارَةِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ حَجَرٍ بِمَا يَعُمُّ ذَلِكَ أَيْضًا مَعَ زِيَادَةِ الِاخْتِصَارِ بِقَوْلِهِ: هِيَ فِعْلُ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إبَاحَةٌ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ أَوْ ثَوَابٌ مُجَرَّدٌ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ النَّجَاسَةَ قِسْمَانِ: إمَّا عَيْنِيَّةٌ وَهِيَ مَا لَا تَتَجَاوَزُ مَحَلَّ حُلُولِ مُوجِبِهَا كَالنَّجَاسَاتِ، وَإِمَّا حُكْمِيَّةٌ وَهِيَ مَا تَتَجَاوَزُهُ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ أَوْ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِخُرُوجِ الْخَارِجِ وَنُزُولِ الْمَنِيِّ، وَقَدْ تُطْلَقُ الْحُكْمِيَّةُ عَلَى مَا لَا وَصْفَ لَهَا، وَسَتَأْتِي فِي بَابِهَا.
(تَنْبِيهٌ) لَفْظُ لُغَةً وَعُرْفًا وَشَرْعًا وَاصْطِلَاحًا مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَقِيلَ: عَلَى الْحَالِ مِنْ نِسْبَةِ الثُّبُوتِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، وَمِنْ ضَمِيرِ مَفْعُولٍ حُذِفَ مَعَ فِعْلِهِ أَيْ أَعْنِي، وَقِيلَ: عَلَى التَّمْيِيزِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (هِيَ شَامِلَةٌ لِلْوُضُوءِ

[حاشية عميرة]

[كِتَابُ الطَّهَارَةِ] وَهِيَ بِضَمِّ الطَّاءِ بَقِيَّةُ الْمَاءِ الَّذِي يَتَطَهَّرُ بِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ (طَهُورًا) نَقَلَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ ابْنِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمُطْلَقِ (يُشْتَرَطُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ) الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي الطَّهَارَةِ (مَاءٌ مُطْلَقٌ وَهُوَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ) وَإِنْ قُيِّدَ لِمُوَافَقَةِ الْوَاقِعِ كَمَاءِ الْبَحْرِ بِخِلَافِ مَا لَا يُذْكَرُ إلَّا مُقَيَّدًا كَمَاءِ الْوَرْدِ فَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] إلَخْ وَلَا الْمُنَجَّسَ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَالَ الْأَعْرَابِيُّ فِي الْمَسْجِدِ: صُبُّوا عَلَيْهِ

[حاشية قليوبي]

إلَخْ) أَيْ لِلْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُ الْمَنْدُوبَ، وَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّهَا مَجَازٌ فِي الْمَنْدُوبِ وَتَقَدَّمَ رَدُّهُ، وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مَقَاصِدُ الطَّهَارَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَسْحَ الْخُفِّ لِأَنَّهُ مِنْ الْوُضُوءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ شُمُولَهَا لِلدَّابِغِ وَنَحْوِهِ كَمَا فِي التَّحْرِيرِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ إحَالَةٌ، وَمَنْ ذَكَرَهُ فِيهَا أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُهُ كَانْقِلَابِ دَمِ الظَّبْيَةِ مِسْكًا وَالْخَمْرِ خَلًّا وَبُلُوغِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ قُلَّتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا) مِنْ الْمُوجِبَاتِ كَالْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ وَالنَّجَاسَةِ، وَمِنْ الْوَسَائِلِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: الْمَاءُ وَالتُّرَابُ وَحَجَرُ الِاسْتِنْجَاءِ وَعَدُّ الِاجْتِهَادِ وَالْأَوَانِي مِنْ الْوَسَائِلِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا وَسِيلَةٌ لِلْوَسِيلَةِ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ) أَيْ الْغَالِبُ أَوْ الْأَكْثَرُ أَوْ الْمَتْبُوعُ لِأَنَّ غَيْرَهُ تَابِعٌ لَهُ عَلَى سَبِيلِ الشَّطْرِيَّةِ أَوْ الشَّرْطِيَّةِ أَوْ النِّيَابَةِ.
قَوْلُهُ: (مُفْتَتِحًا بِآيَةٍ) أَيْ دَالَّةٍ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَقَدَّمَهَا، وَشَأْنُ الدَّلِيلِ التَّأْخِيرُ تَبَعًا لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْأَصْحَابِ كَمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: كَمَا فَعَلُوا، وَحِكْمَتُهُ أَنَّهَا كَالْقَاعِدَةِ وَالضَّابِطُ الَّذِي شَأْنُهُ التَّقْدِيمُ، وَاخْتَارُوا هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى آيَةِ ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] لِلنَّصِّ فِيهَا عَلَى الطَّهُورِيَّةِ الْمَقْصُودَةِ، وَالسَّمَاءُ الْجِرْمُ الْمَعْهُودُ حَقِيقَةً.
وَالسَّحَابُ مَجَازًا أَنَّ الْمَاءَ يَنْزِلُ مِنْ سَمَاءِ الدُّنْيَا قِطَعًا كِبَارًا عَلَى السَّحَابِ، ثُمَّ يَنْمَاعُ عَلَيْهِ وَيَنْزِلُ مِنْ عُيُونٍ فِيهِ كَالْغِرْبَالِ، وَقِيلَ: السَّمَاءُ السَّحَابُ حَقِيقَةً، لِمَا قِيلَ إنَّهُ يَغْتَرِفُ مِنْ الْبَحْرِ الْمِلْحِ كَالسَّفِنْجِ ثُمَّ يَصْعَدُ إلَى الْعُلُوِّ وَيَنْعَصِرُ فَيَنْزِلُ الْمَاءُ مِنْهُ، وَيَقْصُرُهُ الْهَوَاءُ وَالشَّمْسُ فَيَحْلُو.
وَطَهُورًا تَأْكِيدٌ لِأَنَّ الْمَاءَ مُنْصَرِفٌ لِلْفَرْدِ الْكَامِلِ كَمَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ، وَجَعْلُهُ فِي الْآيَةِ لِلْأَعَمِّ دُونَ الْحَدِيثِ تَحَكُّمٌ، وَذَكَرَ التَّأْكِيدَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الْعُمُومِ وَكَوْنُ التَّأْسِيسِ أَوْلَى لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي كُلِّ مَحَلٍّ كَذَا قَالُوا: وَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْآيَةِ لِلتَّأْسِيسِ، وَحُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى الْفَرْدِ الْكَامِلِ بِمَعُونَتِهَا فَتَأَمَّلْ.
وَتَفْسِيرُ الطَّهُورِ بِالْمُطَهِّرِ الْمُرَادِفِ لِلْمُطْلَقِ لِمُنَاسِبَةِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (يُشْتَرَطُ) عَدَلَ إلَيْهِ عَنْ قَوْلِ أَصْلِهِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الشَّرْطَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ فَيُفِيدُ عَدَمَ صِحَّةِ الطَّهَارَةِ بِغَيْرِ الْمُطْلَقِ، بِخِلَافِ عَدَمِ الْجَوَازِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَفَادَ الصِّحَّةَ بِهِ مَعَ الْحُرْمَةِ، وَعَدَمُ الصِّحَّةِ بِالْمُطْلَقِ الْمُحَرَّمِ كَالْمَاءِ الْمُسَبَّلِ لِلشُّرْبِ، أَوْ أَفَادَ عَدَمَ الْحُرْمَةِ فِيهِ فَتَأَمَّلْ.
وَالْحَدَثُ لُغَةً الشَّيْءُ الْحَادِثُ، وَشَرْعًا هُنَا أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ، وَالنَّجَسُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا بِفَتْحِهِمَا مَعًا لُغَةً الشَّيْءُ الْمُبْعَدُ أَوْ الْمُسْتَقْذَرُ، وَشَرْعًا هُنَا وَصْفٌ يَقُومُ بِالْمَحَلِّ عِنْدَ مُلَاقَاتِهِ لَعَيْنٍ مِنْ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ مَعَ تَوَسُّطِ رُطُوبَةٍ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي هُوَ) أَيْ الرَّفْعُ الْأَصْلُ إذْ غَيْرُهُ مُبِيحٌ لَا رَافِعٌ كَالتَّيَمُّمِ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ مُحِيلٌ كَالدَّبْغِ.
قَوْلُهُ: (مَا يَقَعُ عَلَيْهِ) أَيْ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ فِي عُرْفِهِمْ، فَيَخْرُجُ الْمُسْتَعْمَلُ، وَيَدْخُلُ الْمُتَغَيِّرُ بِنَحْوِ مَقَرِّهِ لَا عِنْدَ الرَّائِيِّ لِئَلَّا يَنْعَكِسَ مَا ذَكَرَ، فَشَمِلَ مَا رَشَحَ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ الْمُغَلَّى بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ لِأَنَّهُ مَاءٌ بِنَاءً عَلَى انْقِلَابِ الْعَنَاصِرِ إلَى بَعْضِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي الْحِكْمَةِ، وَلِذَلِكَ يَنْقُصُ الْمَاءُ بِقَدْرِهِ، وَشَمِلَ الزُّلَالَ وَهُوَ صُورَةُ حَيَوَانٍ فِي دَاخِلِ الثَّلْجِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ صَارَ مَاءً، وَشَمِلَ مَا نَبَعَ مِنْ الْأَرْضِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ مِنْ الْخِلْقَةِ، وَشَمِلَ مَاءَ الْبَحْرِ الْمِلْحِ، وَيُقَالُ لَهُ الْمَالِحُ وَالْمَلِيحُ وَالْمَلَّاحُ، وَشَمِلَ مَا نَبَعَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَفْضَلُ الْمِيَاهِ، ثُمَّ مَاءُ زَمْزَمَ، ثُمَّ الْكَوْثَرُ، ثُمَّ نِيلُ مِصْرَ، ثُمَّ بَاقِي الْأَنْهَارِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ السُّبْكِيُّ بِقَوْلِهِ نَظْمًا: وَأَفْضَلُ الْمِيَاهِ مَاءٌ قَدْ نَبَعْ ... مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ الْمُتَّبَعْ يَلِيهِ مَاءُ زَمْزَمَ فَالْكَوْثَرْ ... فَنِيلُ مِصْرَ ثُمَّ بَاقِي الْأَنْهُرْ وَخَرَجَ بِهِ مَا لَا يُسَمَّى مَاءً مِنْ جَامِدٍ أَوْ مَائِعٍ، فَذِكْرُ الْمَائِعِ فِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ مُضِرٌّ أَوْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَبِذَلِكَ خَرَجَ الْخَلُّ وَنَحْوُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ جِنْسٍ.
قَوْلُهُ: (اسْمُ مَاءٍ) هُوَ عَلَى الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ، وَأَطْلَقَ الْقَيْدَ لِأَنَّهُ اللَّازِمُ، حَيْثُ أُطْلِقَ وَالْمَاءُ

[حاشية عميرة]

أَنَّ فَعُولًا قَدْ يَكُونُ لِلْمُبَالَغَةِ، وَهِيَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى زِيَادَةٍ فِي مَعْنَى فَاعِلٍ مَعَ مُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي التَّعَدِّي كَضَرُوبٍ أَوْ اللُّزُومِ كَصَبُورٍ، وَقَدْ يَكُونُ اسْمًا لِمَا يُفْعَلُ بِهِ الشَّيْءُ كَالْبَرُودِ لِمَا يُتَبَرَّدُ بِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الطَّهُورُ مِنْ الْأَوَّلِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الثَّانِي اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ دَلَالَتَهُ عَلَى التَّطْهِيرِ وَقَالُوا لَا يَزِيدُ عَلَى مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي وَصْفِ فَاعِلِهِ، أَقُولُ: كَفَاك حُجَّةً قَاطِعَةً عَلَى فَسَادِهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» فَإِنَّ الطَّهُورَ هُنَا إنْ لَمْ يَكُنْ بِمَعْنَى الْمُطَهَّرِ لَمْ يَسْتَقِمْ لِفَوَاتِ مَا اُخْتُصَّتْ بِهِ الْأُمَّةُ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَإِنْ قَيَّدَ لِمُوَافَقَةِ الْوَاقِعِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْغَرَضُ أَنْ يَصِحَّ الْإِطْلَاقُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِخِلَافِ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا

ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالذَّنُوبُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الدَّلْوُ الْمَمْلُوءُ.
وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ.
وَالْمَاءُ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُطْلَقِ لِتَبَادُرِهِ إلَى الْأَذْهَانِ.
فَلَوْ رَفَعَ مَائِعٌ غَيْرُهُ مَا وَجَبَ غَسْلُ الْبَوْلِ بِهِ وَلَا التَّيَمُّمُ عِنْدَ فَقْدِهِ.
وَيُشْتَرَطُ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ أَيْضًا فِي غُسْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَالْغُسْلِ الْمَسْنُونِ وَالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَلَا النَّجَسَ كَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فِيهِمَا.

(فَالْمُتَغَيِّرُ بِمُسْتَغْنًى عَنْهُ) مُخَالِطٍ طَاهِرٍ (كَزَعْفَرَانٍ تَغَيُّرًا يَمْنَعُ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَاءِ) لِكَثْرَتِهِ (غَيْرُ طَهُورٍ) كَمَا أَنَّهُ غَيْرُ مُطْلَقٍ إذْ مَا صَدَقُ الطَّهُورِ وَالْمُطْلَقِ وَاحِدٌ (وَلَا يَضُرُّ) فِي الطَّهَارَةِ (تَغَيُّرٌ لَا يَمْنَعُ الِاسْمَ) لِقِلَّتِهِ (وَلَا مُتَغَيِّرٌ بِمُكْثٍ وَطِينٍ وَطُحْلُبٍ وَمَا فِي مَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ) كَكِبْرِيتٍ وَزَرْنِيخٍ لِتَعَذُّرِ صَوْنِ الْمَاءِ عَمَّا ذُكِرَ، فَلَا يَمْنَعُ التَّغَيُّرُ بِهِ إطْلَاقَ الِاسْمِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَشْبَهَ التَّغَيُّرُ بِهِ

[حاشية قليوبي]

جَوْهَرٌ لَطِيفٌ سَيَّالٌ شَفَّافٌ يَتَلَوَّنُ بِلَوْنِ إنَائِهِ، فَهُوَ لَا لَوْنَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (الْأَعْرَابِيُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، وَاسْمُهُ حُرْقُوصٌ، وَهُوَ أَبُو أَصْلِ الْخَوَارِجِ، كَذَا فِي ابْنِ حَجَرٍ، وَفِي الْقَامُوسِ أَنَّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ الْيَمَانِيُّ، وَهُوَ مُسْلِمٌ صَحَابِيٌّ فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (ذَنُوبًا) أَيْ مَظْرُوفَ ذُنُوبٍ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلدَّلْوِ الْمُمْتَلِئَةِ مَاءً أَوْ قَرِيبَةِ الِامْتِلَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ " مِنْ مَاءٍ ". قَوْلُهُ: (وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَاءُ) فِي الْآيَةِ، وَالْحَدِيثِ أَوْ فِي الْحَدِيثِ بِمَعُونَةِ الْآيَةِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لِمَا وَجَبَ إلَخْ) لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَاءِ بَعْدَ ذَنُوبٍ الْمُقَيَّدِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى تَعْيِينِهِ فِي إسْقَاطِ الْوَاجِبِ، وَلِئَلَّا يَفُوتَ الِامْتِنَانُ بِهِ الْمَفْهُومُ مِنْ الْمَقَامِ الْمُقْتَضِي لِتَعْظِيمِ الْمِنَّةِ فِيهِ الْمُنْتَفِيَةِ فِي مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَطَهَارَةِ دَائِمِ الْحَدَثِ وَكَغُسْلِ الذِّمِّيَّةِ أَوْ الْمَجْنُونَةِ إذَا غَسَّلَهَا حَلِيلُهَا.

قَوْلُهُ: (فَالْمُتَغَيِّرُ) هُوَ مَفْهُومٌ مُطْلَقٌ أَوْ بِلَا قَيْدٍ إذْ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: (بِمُسْتَغْنًى عَنْهُ) مِنْهُ مَاءٌ مُتَغَيِّرٌ بِمَا لَا يَضُرُّ أَوْ ثَمَرُ أَشْجَارٍ وَنَحْوِهَا وَلَوْ وَرَقًا كَوِرْدٍ لَا بِوَرَقِهَا وَلَوْ رَبِيعِيًّا.
قَوْلُهُ: (كَزَعْفَرَانٍ) جَمْعُهُ زَعَافِرُ كَتُرْجُمَانٍ وَتَرَاجِمَ.
قَوْلُهُ: (غَيْرِ طَهُورٍ) فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ رَجَعَ إلَى طَهُورِيَّتِهِ قِيلَ وَلَمْ يَقُلْ غَيْرَ مُطْلَقٍ لِلْخِلَافِ الَّذِي عِنْدَ الرَّافِعِيِّ بِقَوْلِهِ: إنَّ مَفْهُومَ الْمُطْلَقِ أَعَمُّ لِشُمُولِهِ الْمُسْتَعْمَلَ، وَلِمَا زَادَهُ الشَّارِحُ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (إذَا مَاصَدَق) هُوَ مُرَكَّبٌ مَزْجِيٌّ بِضَمِّ الْقَافِ، وَخَبَرُهُ وَاحِدٌ، وَمَفْهُومُهُمَا مُخْتَلِفٌ، فَإِنَّ مَفْهُومَ الْمُطْلَقِ مَا يُسَمَّى مَاءٌ بِلَا قَيْدٍ، وَمَفْهُومَ الطَّهُورِ مَا يَرْفَعُ وَيُزِيلُ، وَبِذَلِكَ رُدَّ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِيمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فِي الطَّهَارَةِ) أَيْ الرَّفْعِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ لَا فِي الطَّهُورِ الْمُحْوِجِ إلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ قَبْلَ مُتَغَيِّرٍ، كَذَا قِيلَ، وَالْوَجْهُ تَقْدِيرُ الْمُضَافِ وَمَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي الطَّهَارَةِ، وَلَمْ يَقُلْ فِي الْإِطْلَاقِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِتَهَافُتِ الْعِبَارَةِ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ، وَلَا يَضُرُّ فِي الْإِطْلَاقِ الْإِطْلَاقُ.
(تَنْبِيهٌ) شَمِلَ مَا ذُكِرَ التَّغَيُّرَ التَّقْدِيرِيَّ كَأَنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ مَا يُوَافِقُهُ فِي صِفَاتِهِ مِنْ الطِّهَارَاتِ، فَيُقَدَّرُ مُخَالِفًا لَهُ وَسْطًا فِيهَا كَطَعْمِ الرُّمَّانِ وَلَوْنِ عَصِيرِهِ وَرِيحِ اللَّاذَنِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، قَالُوا: وَلَا بُدَّ مِنْ عَرْضِ الصِّفَاتِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاقِعِ إلَّا صِفَةٌ وَاحِدَةٌ فَمَتَى لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي وَاحِدَةٍ فَهُوَ طَهُورٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَحَيْثُ خَرَجَ عَنْ اسْمِ الْمَاءِ فِي أَحَدِ التَّغَيُّرَيْنِ فَلَا يَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً، لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعِ عُرْفًا.
قَوْلُهُ: (لِكَثْرَتِهِ) أَيْ يَقِينًا فَلَوْ شَكَّ فِيهَا ابْتِدَاءً أَوْ انْتِهَاءً، فَهُوَ طَهُورٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَطُحْلُبٍ) أَيْ لَمْ يُفَتَّتْ وَيُطْرَحْ فِيهِ وَيُخَالِطْهُ بَعْدَ طَرْحِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (كَكِبْرِيتٍ) وَلَوْ مَصْنُوعًا لِإِصْلَاحِ الْمَقَرِّ لَا لِإِصْلَاحِ الْمَاءِ وَلَا عَبَثًا، وَمِنْهُ الْجِبْسُ وَالْجِصُّ وَالْقَطِرَانُ الْمُخَالِطُ، أَمَّا الْمُجَاوِرُ فَلَا يَضُرُّ مُطْلَقًا.
وَالْمُرَادُ الْكِبْرِيتُ الْمُفَتَّتُ، وَإِلَّا

[حاشية عميرة]

مُقَيَّدًا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَيُشْتَرَطُ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ أَيْضًا فِي غُسْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ) لَوْ قَالَ: فِي وُضُوءِ الْمُسْتَحَاضَةِ لَكَانَ أَوْلَى

قَوْلُ الشَّارِحِ: (إذْ مَا صَدَقُ الطَّهُورِ وَالْمُطْلَقِ وَاحِدٌ) هُوَ بِالرَّفْعِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرٌ لَا يَمْنَعُ الِاسْمَ) دَلِيلُهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ هُوَ وَمَيْمُونَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ فِيهِ أَثَرُ الْعَجِينِ» . قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَطُحْلُبٍ) يُشْتَرَطُ عَدَمُ الطَّرْحِ فِي الطُّحْلُبِ وَنَحْوِهِ دُونَ الطِّينِ فَفِيهِ خِلَافُ التُّرَابِ الْآتِي، ثُمَّ الْمُرَادُ هُنَا بِالْمَذْكُورَاتِ أَعَمُّ مِنْ الْمُفَتَّتِ الْمُخَالِطِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (فَلَا يَمْنَعُ التَّغَيُّرُ بِهِ إطْلَاقَ الِاسْمِ) كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ حَيْثُ قَالَ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ مُسَوِّغًا لِلْإِطْلَاقِ عِنْدَ أَهْلِ الْعُرْفِ وَاللِّسَانِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ بِتُرَابٍ) أَيْ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَالنُّورَةِ.

[الْمَاء الْمُشْمِس]

قَوْلُ الْمَتْنِ: (قِيلَ وَنَفْلُهَا) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَيْسَ مَعْنَاهُ النَّفَلَ دُونَ الْفَرْضِ إذْ لَا قَائِلَ بِهِ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ النَّفَلَ فِي ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَالْفَرْضِ.
فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ عَلَى الْأَوَّلِ الْفَرْضَ، وَعَلَى الثَّانِي أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، فَيَنْتِجُ أَنَّ غُسْلَ الذِّمِّيَّةِ لَيْسَ بِطَهُورٍ قَطْعًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: قِيلَ بَلْ عِبَادَتُهَا قَوْلُ الْمَتْنِ: (غَيْرُ طَهُورٍ فِي الْجَدِيدِ) الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ تَرْجِيحُ طَرِيقِ الْقَطْعِ بِذَلِكَ.

فِي الصُّورَةِ التَّغَيُّرَ الْكَثِيرَ بِمُسْتَغْنًى عَنْهُ.
(وَكَذَا) لَا يَضُرُّ (مُتَغَيِّرٌ بِمُجَاوِرٍ) طَاهِرٍ (كَعُودٍ وَدُهْنٍ) مُطَيَّبَيْنِ أَوْ لَا (أَوْ بِتُرَابٍ طُرِحَ فِيهِ فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّ تَغَيُّرَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ فِي الْأَوَّلِ تَرَوُّحًا وَفِي الثَّانِي كُدُورَةً لَا يَمْنَعُ إطْلَاقَ الِاسْمِ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي يَضُرُّ كَالْمُتَغَيِّرِ بِنَجَسٍ مُجَاوِرٍ فِي الْأَوَّلِ وَبِزَعْفَرَانٍ فِي الثَّانِي، وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِغِلَظِ أَمْرِ النَّجَسِ وَبِطَهُورِيَّةِ التُّرَابِ، بِخِلَافِ الزَّعْفَرَانِ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي حَدَثٍ وَلَا نَجَسٍ، أَمَّا الْمُتَغَيِّرُ بِتُرَابٍ تَهُبُّ بِهِ الرِّيحُ فَلَا يَضُرُّ جَزْمًا وَضُبِطَ الْمُجَاوِرُ بِمَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ وَالْمُخَالِطُ بِمَا لَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ

(وَيُكْرَهُ الْمُشَمَّسُ) أَيْ مَا سَخَّنَتْهُ الشَّمْسُ فِي الْبَدَنِ خَوْفَ الْبَرَصِ بِأَنْ يَكُونَ بِقُطْرٍ حَارٍّ كَالْحِجَازِ فِي إنَاءٍ مُنْطَبِعٍ كَالْحَدِيدِ لِأَنَّ الشَّمْسَ بِحِدَّتِهَا تَفْصِلُ مِنْهُ زُهُومَةً تَعْلُو الْمَاءَ، فَإِذَا لَاقَتْ الْبَدَنَ بِسُخُونَتِهَا خِيفَ أَنْ تَقْبِضَ عَلَيْهِ، فَتَحْبِسَ الدَّمَ، فَيَحْصُلَ الْبَرَصُ، بِخِلَافِ الْمُسَخَّنِ بِالنَّارِ، فَلَا يُكْرَهُ، لِذَهَابِ الزُّهُومَةِ بِهَا

(وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضِ الطَّهَارَةِ) عَنْ الْحَدَثِ كَالْغَسْلَةِ الْأُولَى فِيهِ (قِيلَ وَنَفْلِهَا) كَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالْوُضُوءُ الْمُجَدَّدُ وَالْغَسْلُ الْمَسْنُونُ

[حاشية قليوبي]

فَهُوَ مُجَاوِرٌ، وَكَذَا غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (مُطَيَّبَيْنِ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ أَوْلَى مِنْ كَسْرِهَا لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَضُرَّ الْمَصْنُوعُ فَالْخِلْقِيُّ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (بِتُرَابٍ) أَيْ وَلَوْ مُسْتَعْمَلًا وَالْمُرَادُ تُرَابٌ مُفَتَّتٌ وَإِلَّا فَهُوَ مُجَاوِرٌ فَلَا يَضُرُّ قَطْعًا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (طُرِحَ) وَلَوْ مِنْ عَاقِلٍ قَصْدًا، وَمِثْلُهُ الْمِلْحُ الْمَائِيُّ وَالنَّطْرُونُ الْمَائِيُّ إلَّا إنْ كَانَ مُنْعَقِدًا مِنْ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَظْهَرِ) قَدْ ضَعَّفَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ كَوْنَ الْخِلَافِ قَوْلَيْنِ، وَرَجَّحَ أَنَّهُ وَجْهَانِ، وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ ضَعِيفٌ، فَكَانَ الْأَنْسَبُ التَّعْبِيرَ بِالْمَشْهُورِ أَوْ الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (تَرَوُّحًا) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُجَاوِرَ لَا يُغَيِّرُ إلَّا بِالرِّيحِ وَلَيْسَ قَيْدًا، بَلْ الطَّعْمُ وَاللَّوْنُ كَذَلِكَ إنْ وُجِدَا، وَلَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ مُجَاوِرٌ أَوْ مُخَالِطٌ فَلَهُ حُكْمُ الْمُجَاوِرِ، كَذَا قِيلَ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ أَنْ يَكُونَ مُتَمَيِّزًا وَغَيْرَ مُتَمَيِّزٍ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الثَّانِي كُدُورَةً) هُوَ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلتُّرَابِ إلَّا لَوْنٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَوْ وُجِدَ لَهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ كَانَ كَذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ) جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْمُتَغَيِّرِ بِمَا لَا يَضُرُّ إمَّا لِكَوْنِهِ مِنْ الْمُطْلَقِ كَمَا مَرَّ أَوْ تَسْهِيلًا عَلَى الْعِبَادِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ، وَالْأَوَّلُ أَشْهُرُ، وَالثَّانِي أَقْعَدُ.
قَوْلُهُ: (بِطَهُورِيَّةِ التُّرَابِ) أَيْ بِحَسَبِ أَصْلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَضُبِطَ الْمُجَاوِرُ بِمَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ) وَهُوَ الْأَرْجَحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَوْ بِمَا يَتَمَيَّزُ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ كَالتُّرَابِ، وَعَكْسُهُ الْمُخَالِطُ، وَيُمْكِنُ رَدُّ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ مُجَاوِرًا ابْتِدَاءً وَدَوَامًا كَالْأَحْجَارِ أَوْ دَوَامًا كَالتُّرَابِ أَوْ ابْتِدَاءً كَالْأَشْجَارِ.

قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ الْمُشَمَّسُ مِنْ الْمَاءِ) وَكَذَا الْمَائِعُ، وَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ وَفَاعِلُهُ الشَّمْسُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِعْلُ غَيْرِهَا، وَكَرَاهَتُهُ شَرْعِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا الطِّبُّ فَيُثَابُ تَارِكُهَا امْتِثَالًا، وَلِذَلِكَ حُرِّمَ عَلَى مَنْ ظَنَّ فِيهِ الضَّرَرَ بِعَدْلٍ، وَلَا يَنْتَظِرُ بُرُودَتَهُ لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ بَلْ يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ ضَرَرَهُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهُ بَلْ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي بِخِلَافِ مَنْ مَعَهُ مَاءٌ يَحْتَاجُ إلَى تَسْخِينِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ الصَّبْرُ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْبَدَنِ) وَلَوْ لِمَيِّتٍ أَوْ أَبْرَصَ، وَإِنْ اسْتَحْكَمَ بَرَصُهُ أَوْ لِنَحْوِ خَيْلٍ مِمَّا يَعْتَرِيهِ الْبَرَصُ، وَسَوَاءٌ دَاخِلُ الْبَدَنِ وَخَارِجُهُ.
قَوْلُهُ: (خَوْفَ الْبَرَصِ) ابْتِدَاءً أَوْ دَوَامًا أَوْ تَعَبُّدًا كَالْمَيِّتِ.
قَوْلُهُ: (بِقُطْرٍ حَارٍّ) فَالْمُعْتَبَرُ الْقُطْرُ إلَّا فِي بَلَدٍ خَالَفَتْ طَبْعَهُ أَصَالَةً كَالطَّائِفِ بِمَكَّةَ فَلَا يُكْرَهُ فِيهِ، وَكَحَرَّانَ بِالشَّامِّ فَيُكْرَهُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (إنَاءٍ مُنْطَبِعٍ) أَيْ مُنْطَرِقٍ، أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ إلَّا النَّقْدَيْنِ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْمُمَوَّهِ بِمَا لَاقَى الْمَاءَ إنْ حَصَلَ بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (تَفْصِلُ مِنْهُ زُهُومَةً) فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ انْتِقَالِهِ إلَى السُّخُونَةِ.
قَوْلُهُ: (تَعْلُو) أَيْ تَظْهَرُ فِي عُلُوِّهِ وَإِلَّا فَهِيَ مُنْبَثَّةٌ فِي كُلِّهِ.
قَوْلُهُ: (بِسُخُونَتِهَا) فَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا اُسْتُعْمِلَ حَالَ حَرَارَتِهِ، وَتَرَدَّدَ الْعَبَّادِيُّ فِي اعْتِبَارِ وَقْتِ الْحَرِّ، فَإِنْ بَرَدَ زَالَتْ الْكَرَاهَةُ، وَإِنْ سُخِّنَ بِالنَّارِ بَعْدَهَا بِخِلَافِ تَسْخِينِهِ بِالنَّارِ قَبْلَ تَبْرِيدِهِ.
فَلَا تَزُولُ بِهِ الْكَرَاهَةُ، أَوْ طُبِخَ بِهِ طَعَامٌ مَائِعٌ كَذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ) يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الشَّدِيدَةِ الْبُرُودَةِ أَوْ السُّخُونَةِ لِمَنْعِهِ الْإِسْبَاغَ، وَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ كُلِّ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ مَغْضُوبٍ عَلَى أَهْلِهِ كَدِيَارِ ثَمُودَ غَيْرِ بِئْرِ النَّاقَةِ، وَدِيَارِ قَوْمِ لُوطٍ، وَبِئْرِ بَرَهُوتَ، وَبِئْرِ ذَرْوَانَ مَحَلِّ سِحْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَرْضِ بَابِلَ.

[الْمَاء الْمُسْتَعْمَل فِي الطَّهَارَة]

قَوْلُهُ: (وَالْمُسْتَعْمَلُ إلَخْ) هُوَ خَارِجٌ بِمُطْلَقٍ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُتَغَيِّرِ بِمُسْتَغْنًى عَنْهُ إلَخْ، وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً لِأَجْلِ الْخِلَافِ الْآتِي فِي أَنَّهُ مُطْلَقٌ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (عَنْ الْحَدَثِ) وَكَذَا عَنْ الْخَبَثِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ وَتَخْصِيصُ الْأَوَّلِ لِكَوْنِ الْكَلَامِ فِيهِ، وَهُوَ مَحَلُّ الدَّلِيلِ، وَسَيَأْتِي الْآخَرُ فِي بَابِهِ.
قَوْلُهُ: (كَالْغَسْلَةِ الْأُولَى) أَيْ بَعْدَ انْفِصَالِهَا عَنْ الْعُضْوِ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ

[حاشية عميرة]

(فَائِدَةٌ) جَزَمَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحَيْنِ وَالْمُحَرَّرِ بِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ مُطْلَقٌ مُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ تَعَبُّدًا.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ:

(غَيْرُ طَهُورٍ فِي الْجَدِيدِ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَمْ يَجْمَعُوا الْمُسْتَعْمَلَ فِي أَسْفَارِهِمْ الْقَلِيلَةِ الْمَاءِ لِيَتَطَهَّرُوا بِهِ، بَلْ عَدَلُوا عَنْهُ إلَى التَّيَمُّمِ وَالْقَدِيمُ أَنَّهُ طَهُورٌ لِوَصْفِ الْمَاءِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِلَفْظِ طَهُورٍ الْمُقْتَضِي تَكَرُّرَ الطَّهَارَةِ بِهِ، كَضَرُوبٍ لِمَنْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الضَّرْبُ.
وَأُجِيبُ بِتَكَرُّرِ الطَّهَارَةِ بِهِ فِيمَا يَتَرَدَّدُ عَلَى الْمَحَلِّ دُونَ الْمُنْفَصِلِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي نَفْلِ الطَّهَارَةِ عَلَى الْجَدِيدِ طَهُورٌ، وَشَمِلَتْ الْعِبَارَةُ مَا اغْتَسَلَتْ بِهِ الذِّمِّيَّةُ لِتَحِلَّ لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ فَهُوَ عَلَى الْجَدِيدِ غَيْرُ طَهُورٍ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَانِعَ وَقِيلَ إنَّهُ طَهُورٌ لِأَنَّ غُسْلَهَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَمَا تَوَضَّأَ بِهِ الصَّبِيُّ فَهُوَ أَيْضًا غَيْرُ طَهُورٍ إذْ الْمُرَادُ بِالْفَرْضِ هُنَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ أَثِمَ بِتَرْكِهِ أَمْ لَا وَلَا بُدَّ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الصَّبِيِّ مَثَلًا مِنْ وُضُوئِهِ، وَسَيَأْتِي الْمُسْتَعْمَلُ فِي النَّجَاسَةِ فِي بَابِهَا (فَإِنْ جَمَعَ) الْمُسْتَعْمَلَ عَلَى الْجَدِيدِ (فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَطَهُورٌ فِي الْأَصَحِّ) كَمَا لَوْ جَمَعَ النَّجِسَ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ، وَالثَّانِي لَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِالْجَمْعِ مَعَ وَصْفِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ بِخِلَافِ النَّجِسِ

(وَلَا تَنْجُسُ قُلَّتَا الْمَاءِ بِمُلَاقَاةِ نَجَسٍ)

[حاشية قليوبي]

بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ.
نَعَمْ إنْ انْفَصَلَ إلَى مَا يَغْلِبُ تَقَاذُفُهُ إلَيْهِ مِنْ نَحْوِ رَأْسِ الْمُغْتَسِلِ إلَى صَدْرِهِ لَمْ يُحْكَمْ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَالْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ أَوْ لِإِدْخَالِ مَاءِ الْمَسْحِ أَوْ مَاءِ غَسْلِ الْجَبِيرَةِ أَوْ الْخُفِّ بَدَلَ مَسْحِهِمَا أَوْ بَقِيَّةِ السَّبْعِ فِي نَحْوِ غَسَلَاتِ الْكَلْبِ.
(فَرْعٌ) لَوْ انْغَمَسَ جُنُبٌ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ وَنَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ، وَلَوْ قَبْلَ تَمَامِ انْغِمَاسِهِ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ عَنْ جَمِيعِ بَدَنِهِ بِتَمَامِ انْغِمَاسِهِ، فَإِنْ طَرَأَ لَهُ حَدَثٌ آخَرُ وَنَوَاهُ قَبْلَ انْفِصَالِ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ ارْتَفَعَ أَيْضًا، وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ انْغَمَسَ جُنُبَانِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ نَوَيَا مَعًا بَعْدَ تَمَامِ انْغِمَاسِهِمَا ارْتَفَعَ حَدَثُهُمَا، أَوْ قَبْلَهُ ارْتَفَعَ عَمَّا فِي الْمَاءِ مِنْهُمَا، أَوْ مُرَتَّبًا ارْتَفَعَ حَدَثُ السَّابِقِ مُطْلَقًا، وَإِنْ شَكَّا فَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَبَعًا لِبَسْطِ الْأَنْوَارِ إنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُمَا مَعًا نَظَرًا لِأَصْلِ طَهَارَةِ الْمَاءِ مَعَ عَدَمِ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا وَفِيهِ بَحْثٌ، وَالْوَجْهُ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُ أَحَدِهِمَا مُبْهَمًا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجْمَعُوا الْمُسْتَعْمَلَ) أَيْ مَا رَفَعَ الْمَانِعَ وَهُوَ الْغَسْلَةُ الْأُولَى لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَيْهَا لِقِلَّةِ الْمَاءِ أَوْ مُطْلَقًا كَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لِاخْتِلَاطِ مَائِهِمَا بِمَاءِ الْأُولَى غَالِبًا، وَتَكْلِيفُ تَنْشِيفِ الْأَعْضَاءِ بَعْدَ الْأُولَى فِيهِ مَشَقَّةٌ، أَوْ لِأَنَّ الْمَاءَ فِيهِمَا تَافِهٌ.
قَوْلُهُ (وَالْقَدِيمُ أَنَّهُ طَهُورٌ) . قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ لِقَذَارَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَشَمِلَتْ الْعِبَارَةُ إلَخْ) فِي شُمُولِهَا نَظَرٌ مَعَ ذِكْرِ الْخِلَافِ بَعْدَهُ لِأَنَّ شُمُولَهَا لَهَا يَقْتَضِي الْجَزْمَ فِيهَا إلَّا أَنْ يُرَادَ شُمُولُهَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِطَرِيقَةِ الشَّارِحِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (الذِّمِّيَّةُ) أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُسْلِمَةُ الْمَجْنُونَةُ أَوْ الْمُمْتَنِعَةُ وَغَسَّلَهَا زَوْجُهَا، وَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ فِي الْجَمِيعِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهَا لِأَجْلِ مَا بَعْدَهَا.
قَوْلُهُ: (لِتَحِلَّ لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ) هَذَا مَا اعْتَمَدَهُ الْخَطِيبُ، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا أَنَّ قَصْدَ الْحِلِّ كَافٍ وَإِنْ كَانَ حَلِيلُهَا صَغِيرًا، أَوْ كَافِرًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ يَرَى تَوَقُّفَ الْحِلِّ عَلَى الْغُسْلِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَلِيلٌ أَصْلًا، أَوْ قَصَدَتْ الْحِلَّ لَك نَعَمْ لَوْ قَصَدَتْ حَنَفِيَّةٌ حِلَّ وَطْءِ حَنَفِيٍّ يَرَى حِلَّهُ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ لَمْ يَكُنْ مَاؤُهَا مُسْتَعْمَلًا، وَلَا يَصِحُّ غُسْلُهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رَفْعُ مَانِعٍ شَرْعًا، وَبِذَلِكَ فَارَقَتْ الْكَافِرَةُ لِلْكَافِرِ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ بِعِبَادَةٍ) أَيْ فَلَيْسَ مِنْ فَرْضِ الطَّهَارَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا تَوَضَّأَ بِهِ الصَّبِيُّ) لَوْ قَالَ: وَمَاءُ وُضُوءِ الصَّبِيِّ كَانَ أَوْلَى لِيَدْخُلَ مَاءُ وُضُوءِ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَضَّأَهُ وَلِيُّهُ فِي الْحَجِّ.
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَلَهُ إذَا مَيَّزَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ، وَفِيهِ بَحْثٌ دَقِيقٌ.
قَوْلُهُ: (مَا لَا بُدَّ مِنْهُ) أَيْ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ الْفَاعِلِ وَلَوْ بِحَسَبِ الْأَصْلِ، كَالْخَبَثِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ كَمَا مَرَّ، فَخَرَجَ بِذَلِكَ مَاءُ غُسْلِ الرَّجُلِ أَوْ الرَّجُلَيْنِ فِي الْخُفِّ بَعْدَ مَسْحِهِمَا، فَهُوَ طَهُورٌ لِأَنَّ الْمُدَّةَ بَاقِيَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِالْمَسْحِ، وَهُوَ بَاقٍ، وَأَمَّا غَسْلُ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ مِمَّنْ تَوَضَّأَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ لِعُذْرٍ، فَإِنْ بَطَلَ التَّيَمُّمُ بِالْغَسْلِ فَالْمَاءُ مُسْتَعْمَلٌ وَإِلَّا فَلَا، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْخُفِّ مَا يُفِيدُ بَقَاءَ تَيَمُّمِهِ مَا دَامَ الْعُذْرُ.
قَوْلُهُ: (وَسَيَأْتِي إلَخْ) هُوَ مَفْهُومُ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ: عَنْ الْحَدَثِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ) أَيْ لَوْ احْتِمَالًا وَلَا يَضُرُّ تَفْرِيقُهُ بَعْدَ الْجَمْعِ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَرْقُ إلَخْ) هُوَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْوَصْفَ بِالنَّجَاسَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ

[حاشية عميرة]

إنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، لَكِنْ صَحَّحَ فِي التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالْفَتَاوَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَسَيَأْتِي الْمُسْتَعْمَلُ فِي النَّجَاسَةِ فِي بَابِهَا) أَيْ هُنَاكَ يُبَيَّنُ أَنَّهُ نَجِسٌ أَوْ طَاهِرٌ أَوْ طَهُورٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْآتِيَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا تَنْجُسُ قُلَّتَا الْمَاءِ) لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَامِدَةً فَهَلْ يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْهَا قَدْرَ قُلَّتَيْنِ أَوْ لَا؟ الْجَدِيدُ نَعَمْ، وَالْفَتْوَى عَلَى خِلَافِهِ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمَاءَ قُلَّتَانِ فَقَطْ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ الِاغْتِرَافُ مِنْهُ، وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي يَنْجُسُ بِالِانْفِصَالِ، وَقِيلَ لَا، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
(فَائِدَةٌ) نَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَصَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّبَاعُدِ فِي اخْتِلَافٍ فَيَكُونُ الْفَتْوَى عَلَى الْجَدِيدِ

لِحَدِيثِ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ» وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» أَيْ يَدْفَعُ النَّجَسَ وَلَا يَقْبَلُهُ.
(فَإِنْ غَيَّرَهُ) أَيْ الْمَاءُ الْقُلَّتَيْنِ (فَنَجَسٌ) لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ» (فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ شَيْءٍ إلَيْهِ كَأَنْ زَالَ بِطُولِ الْمُكْثِ (أَوْ بِمَاءٍ) انْضَمَّ إلَيْهِ (طَهُرَ) كَمَا كَانَ الزَّوَالُ سَبَبَ النَّجَاسَةِ (أَوْ بِمِسْكٍ وَزَعْفَرَانٍ) وَخَلٍّ أَيْ لَمْ تُوجَدْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ بِالْمِسْكِ، وَلَا لَوْنُهَا بِالزَّعْفَرَانِ، وَلَا طَعْمُهَا بِالْخَلِّ.
(فَلَا) يَطْهُرُ لِلشَّكِّ فِي أَنَّ التَّغَيُّرَ زَالَ أَوْ اسْتَتَرَ بَلْ الظَّاهِرُ الِاسْتِتَارُ.
(وَكَذَا تُرَابٌ وَجِصٌّ) أَيْ جِبْسٌ (فِي الْأَظْهَرِ) لِلشَّكِّ الْمَذْكُورِ.
وَالثَّانِي يَطْهُرُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَغْلِبُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَسْتَتِرُ التَّغَيُّرُ وَدُفِعَ أَنَّهُ يُكَدِّرُ الْمَاءَ وَالْكُدُورَةُ مِنْ أَسْبَابِ السِّتْرِ فَإِنْ صَفَا الْمَاءُ

[حاشية قليوبي]

مَوْجُودٌ فِيهِمَا قَبْلَ الْجَمْعِ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ الْجَمْعُ عَنْ وَصْفِ النَّجَاسَةِ فَلَأَنْ يُخْرِجَهُ عَنْ وَصْفِ الِاسْتِعْمَالِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّ الِانْتِقَالَ فِي الْمُسْتَعْمَلِ إلَى الطَّهُورِيَّةِ فَقَطْ وَالِانْتِقَالَ فِي الْمُتَنَجِّسِ إلَى الطَّاهِرِيَّةِ وَالطَّهُورِيَّةِ مَعًا فَتَأَمَّلْ، مَعَ أَنَّ وَصْفَ الِاسْتِعْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَزُلْ لَا يَضُرُّ لِأَنَّ شَرْطَ مَنْعِهِ الْقِلَّةَ، وَتَعْبِيرُ الْمَنْهَجِ بِالطَّاهِرِيَّةِ مُرَادُهُ الطَّهُورِيَّةُ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا أَقَلَّ دَرَجَاتِ الطَّهَارَةِ، فَهِيَ كَالْبُرْهَانِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تُنَجَّسُ قُلَّتَا الْمَاءِ) وَلَوْ احْتِمَالًا، وَالْمُرَادُ الصَّرْفُ يَقِينًا الْخَالِي مِنْ التَّغَيُّرِ السَّالِبِ لِلطَّهُورِيَّةِ، وَإِنْ جُمِعَ مِنْ مُسْتَعْمَلٍ أَوْ نَجَسٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي حُفْرَةٍ، أَوْ حُفَرٍ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَتْ وَاحِدَةٌ تَحَرُّكًا عَنِيفًا تَحَرَّكَ الْبَقِيَّةُ كَذَلِكَ فَخَرَجَ مَا لَوْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ بِمَائِعٍ اُسْتُهْلِكَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ، وَيَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِانْغِمَاسِ الْمُحْدِثِ فِيهِ، وَيَحْتَاجُ فِي الطَّهَارَةِ مِنْهُ إلَى نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ، وَإِذَا وَقَعَ فِيهِ طَاهِرٌ قَدَّرَ مُخَالِفًا وَسَطًا، لَكِنْ هَلْ يُفْرَضُ هَذَا الْوَاقِعُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْمُسْتَهْلَكِ الْأَوَّلِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَالظَّاهِرُ هُنَا الثَّانِي فَرَاجِعْهُ، وَخَرَجَ الْكَثِيرُ الْمُتَغَيِّرُ كَثِيرًا بِمُسْتَغْنًى عَنْهُ غَيْرِ نَحْوِ الْمِلْحِ الْمَائِيِّ، فَإِنَّهُ يُنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ أَيْضًا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ زَالَ هَذَا التَّغَيُّرُ أَيْ بِالطَّاهِرِ فِيمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ عَادَ طَهُورًا، فَهُنَا أَوْلَى، وَخَرَجَ مَا لَوْ وَقَعَتْ قُلَّةٌ مِنْ مَائِعٍ فِي قُلَّتَيْنِ مِنْ مَاءٍ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ حِسًّا وَلَا فَرْضًا، ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ قُلَّةً فَلِلْبَاقِي حُكْمُ الْقَلِيلِ عَلَى أَقْرَبِ احْتِمَالَيْنِ، وَدَخَلَ مَا لَوْ شَكَّ فِي كَثْرَتِهِ ابْتِدَاءً أَوْ انْتِهَاءً فَلَهُ حُكْمُ الْكَثِيرِ وَلِلرَّغْوَةِ الْمُرْتَفِعَةِ عَلَى الْمَاءِ عِنْدَ الْبَوْلِ فِيهِ حُكْمُ الطَّهَارَةِ، وَكَذَا لِلْمُتَنَاثِرِ مِنْ الرَّشَّاشِ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ غَيَّرَهُ) أَيْ النَّجَسُ يَقِينًا وَحْدَهُ، فَإِنْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْوَاقِعِ لَمْ يُنَجَّسْ، أَوْ كَانَ مَعَ النَّجَسِ طَاهِرٌ وَتَغَيَّرَ بِهِمَا فُرِضَ النَّجَسُ وَحْدَهُ مُخَالِفًا فَإِنْ غَيَّرَهُ ضَرَّ وَإِلَّا فَلَا، وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ جَمِيعُهُ، أَمَّا لَوْ غَيَّرَ بَعْضَهُ فَالْبَاقِي طَهُورٌ إنْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ، وَلَا يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْ الْمُتَنَجِّسِ مِنْهُ بِقَدْرِهِمَا عَلَى الْقَدِيمِ الْمُعْتَمَدِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (فَنَجَسٌ وَإِنْ قَلَّ التَّغَيُّرُ) أَوْ كَانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ أَوْ تَغَيَّرَ بِمُسْتَغْنًى عَنْهُ أَوْ بِمُجَاوِرٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ زَالَ) أَيْ ظَاهِرًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ كَالْمُحَرَّرِ أَيْ لَمْ يُوجَدْ إلَخْ فَلَا يُنَافِي مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ شَيْءٍ إلَيْهِ) وَإِنْ نُقِلَ مِنْ مَحَلٍّ إلَى آخَرَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِمَاءٍ وَلَوْ نَجَسًا) وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِطْ صَافٍ بِكَدَرٍ.
قَوْلُهُ: (انْضَمَّ إلَيْهِ) أَوْ أَخَذَ مِنْهُ وَالْبَاقِي قُلَّتَانِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا كَانَ) أَيْ فَالْعَائِدُ الطَّهُورِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (لِزَوَالِ سَبَبِ النَّجَاسَةِ) وَهُوَ التَّغَيُّرُ الْمَذْكُورُ، وَهَذَا فِي التَّغَيُّرِ الْحِسِّيِّ، وَأَمَّا التَّقْدِيرِيُّ كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَسٌ لَا وَصْفَ لَهُ فَيُقَدِّرُ مُخَالِفًا أَشَدَّ كَلَوْنِ الْحِبْرِ وَطَعْمِ الْخَلِّ وَرِيحِ الْمِسْكِ، فَإِنْ غَيَّرَهُ فَنَجَسٌ، وَيُعْتَبَرُ الْوَصْفُ الْمُوَافِقُ لِلْوَاقِعِ كَمَا يَأْتِي، وَيُعْرَفُ زَوَالُ التَّغَيُّرِ مِنْهُ بِزَوَالِ نَظِيرِهِ مِنْ مَاءٍ آخَرَ أَوْ بِضَمِّ مَاءٍ إلَيْهِ لَوْ ضُمَّ لِلْمُتَغَيِّرِ حِسًّا لَزَالَ أَوْ بِمُضِيِّ زَمَنٍ ذَكَرَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، أَنَّهُ يَزُولُ بِهِ الْحِسِّيُّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَمْ تُوجَدْ إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّ أَحَدَ الْأَوْصَافِ لَا يَسْتُرُ غَيْرَهُ، فَلَوْ زَالَ الرِّيحُ بِالْخَلِّ أَوْ الزَّعْفَرَانِ طَهُرَ وَكَذَا الْبَقِيَّةُ، وَأَنَّهُ لَا يُفْرَضُ فِي التَّقْدِيرِيِّ إلَّا مَا يُوَافِقُ صِفَةَ الْوَاقِعِ فَقَطْ، وَفَارَقَ الطَّاهِرَ بِغِلَظِ أَمْرِ النَّجَاسَةِ، كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ دَقِيقٌ.
قَوْلُهُ: (لِلشَّكِّ إلَخْ) . قَالَ شَيْخُنَا: مَحَلُّ الشَّكِّ إنْ ظَهَرَ رِيحُ الْمِسْكِ مَثَلًا وَإِلَّا بِأَنْ خَفِيَ رِيحُهُ وَرِيحُ النَّجَاسَةِ مَعًا فَإِنَّهُ يَطْهُرُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَكَذَا الْبَقِيَّةُ.
قَالَ: وَمِنْهُ ثَوْبٌ غُسِلَ بِصَابُونٍ وَلَمْ يَظْهَرْ وَصْفُ النَّجَاسَةِ وَلَا الصَّابُونِ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ، فَإِنْ ظَهَرَ وَصْفُ الصَّابُونِ لَمْ يَطْهُرْ وَفِيهِ بَحْثٌ فِي وَصْفِ نَحْوِ اللَّوْنِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يَغْلِبُ إلَخْ) تَعْلِيلُ الثَّانِي بِذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ يَقُولُ لِأَنَّ التُّرَابَ يَسْتُرُ الْأَوْصَافَ الثَّلَاثَةَ، وَبِهِ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ رَدًّا عَلَى

[حاشية عميرة]

الْمُوَافِقِ لِلْقَدِيمِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلَّتَا الْمَاءِ) أَيْ الطَّهُورِ، فَلَوْ كَانَ مَسْلُوبَ الطَّهُورِيَّةِ لِتَغَيُّرِهِ بِمُخَالِطٍ طَاهِرٍ تَنَجَّسَ بِالْمُلَاقَاةِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ، فَلَوْ زَالَ التَّغَيُّرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ عَدَمُ الطَّهُورِيَّةِ، وَمِثْلُ هَذَا لَوْ تَغَيَّرَ الْقَلِيلُ بِمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ ثُمَّ زَالَ التَّغَيُّرُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ غَيَّرَهُ فَنَجِسٌ) نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ إطْلَاقُهُ يَشْمَلُ التَّغَيُّرَ بِمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِأَنَّهُ لَا يَغْلِبُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ) أَيْ لَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ صِفَةُ التَّغَيُّرِ الَّتِي

وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ طَهُرَ جَزْمًا

. (وَدُونَهُمَا) أَيْ وَالْمَاءُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ (يَنْجُسُ بِالْمُلَاقَاةِ) لِمَفْهُومِ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ السَّابِقِ الْمُخَصِّصِ لِمَنْطُوقِ حَدِيثِ «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» السَّابِقِ.
نَعَمْ إنْ وَرَدَ عَلَى النَّجَاسَةِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي فِي بَابِهَا.
(فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ فَطَهُورٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَلَوْ كُوثِرَ بِإِيرَادِ طَهُورٍ) أَيْ أُورِدَ عَلَيْهِ طَهُورٌ أَكْثَرُ مِنْهُ (فَلَمْ يَبْلُغْهُمَا لَمْ يَطْهُرْ وَقِيلَ) : هُوَ (طَاهِرٌ لَا طَهُورٌ) لِأَنَّهُ مَغْسُولٌ كَالثَّوْبِ وَقِيلَ: هُوَ طَهُورٌ حَكَاهُ فِي التَّحْقِيقِ رَدًّا بِغُسْلِهِ إلَى أَصْلِهِ.
وَالْكَلَامُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ.
وَلَوْ انْتَفَى الْإِيرَادُ أَوْ الطَّهُورِيَّةُ أَوْ الْأَكْثَرِيَّةُ فَهُوَ عَلَى نَجَاسَتِهِ جَزْمًا.
وَلَا هُنَا اسْمٌ بِمَعْنَى غَيْرِ ظَهَرَ إعْرَابُهَا فِيمَا بَعْدَهَا لِكَوْنِهَا عَلَى صُورَةِ الْحَرْفِ، وَهِيَ مَعَهُ صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهَا.

(وَيُسْتَثْنَى) مِنْ النَّجَسِ (مَيْتَةٌ لَا دَمَ لَهَا سَائِلٌ) عِنْدَ شَقِّ عُضْوٍ مِنْهَا فِي حَيَاتِهَا كَالزُّنْبُورِ وَالْخُنْفُسَاءِ (فَلَا تُنَجِّسُ مَائِعًا) بِمَوْتِهَا فِيهِ (عَلَى الْمَشْهُورِ) لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهَا إلَّا أَنْ تُغَيِّرَهُ بِكَثْرَتِهَا وَالثَّانِي تُنَجِّسُهُ كَغَيْرِهَا، وَلَوْ مَاتَتْ فِيمَا نَشَأَتْ مِنْهُ كَالْعَلَقِ وَدُودِ الْخَلِّ لَمْ تُنَجِّسْهُ جَزْمًا، وَلَوْ طُرِحَتْ فِي الْمَائِعِ بَعْدَ مَوْتِهَا نَجَّسَتْهُ جَزْمًا كَمَا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ.
وَقَالَ فِي الْكَبِيرِ: فِيمَا نَشْؤُهُ فِي الْمَاءِ، لَوْ طُرِحَ فِيهِ مِنْ خَارِجٍ عَادَ الْخِلَافُ

[حاشية قليوبي]

الرَّافِعِيِّ فِي جَعْلِهِ مِنْ أَوْصَافِ الرِّيحِ فَقَطْ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّ صِفَاتِ التُّرَابِ مُخْتَلِفَةٌ، فَكُلٌّ يَسْتُرُ مَا يُوَافِقُ صِفَتَهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ صَفَا الْمَاءُ) أَيْ مِنْ التُّرَابِ وَالْجِصِّ الْمَذْكُورَيْنِ فِي كَلَامِهِ وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ مِنْ أَوْصَافِ النَّجَاسَةِ طَهُرَ جَزْمًا، وَكَذَا يَطْهُرُ التُّرَابُ أَوْ الْجِصُّ لَوْ كَانَ نَجِسًا لِأَنَّهُ مُجَاوِرٌ دَوَامًا كَمَا مَرَّ.

قَوْلُهُ: (لَا دَمَ لَهَا سَائِلٌ) بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ كَذَلِكَ لَوْلَا الرَّسْمُ، وَلَا يَجُوزُ بِنَاؤُهُ لِلْفَاصِلِ، وَالْمُرَادُ مَا شَأْنُهَا ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ وُجُودُ دَمٍ لَهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ كَعَكْسِهِ، وَلِلْمُتَوَلَّدِ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا حُكْمُ الْغَيْرِ، وَلَوْ شَكَّ فِي أَنَّهَا لَهَا دَمٌ تُنَجِّسُ، وَجَازَ جَرْحُهَا، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ، وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (مَائِعًا) . قَالَ فِي الدَّقَائِقِ: وَمِنْهُ الْمَاءُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ فَعُدُولُهُ إلَيْهِ لِعُمُومِهِ لَهُ أَوْ لِعَدَمِ حُكْمِ الْمَاءِ مِنْهُ بِالْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (بِمَوْتِهَا فِيهِ) وَإِنْ تَفَتَّتَتْ مَا لَمْ تُغَيِّرْهُ سَوَاءٌ طُرِحَتْ حَيَّةً فِيهِ أَوْ وَقَعَتْ بِنَفْسِهَا، وَسَوَاءٌ مَا نَشَأَتْ مِنْهُ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ تُغَيِّرَهُ بِكَثْرَتِهَا) فَيَتَنَجَّسَ، فَلَوْ زَالَ هَذَا التَّغَيُّرُ لَمْ يَطْهُرْ إنْ كَانَ مَائِعًا مُطْلَقًا أَوْ مَاءً قَلِيلًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَاتَتْ فِيمَا نَشَأَتْ مِنْهُ) أَيْ قَبْلَ إخْرَاجِهَا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ طُرِحَتْ مَيْتَةٌ) وَلَوْ مِنْ غَيْرِ آدَمِيٍّ كَبَهِيمَةٍ إلَّا الرِّيحَ وَمِثْلُهُ لَوْ وَقَعَتْ بِنَفْسِهَا.
قَوْلُهُ: (نَجَّسَتْهُ) سَوَاءٌ مَا نَشَأَتْ مِنْهُ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (لَوْ طُرِحَ فِيهِ مِنْ خَارِجٍ) أَيْ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فِيهِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ وَهِيَ فِي الْمَاءِ خَاصَّةٌ، وَمَا قَبْلَهَا فِي الْمَائِعِ، فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَاءَ كَالْمَائِعِ، أَوْ هُوَ مِنْهُ كَمَا مَرَّ عَنْ الدَّقَائِقِ، فَهِيَ مِنْ أَفْرَادِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْأَوَّلِ، وَفَهْمُ كَلَامِ الشَّارِحِ الْمَذْكُورِ عَلَى غَيْرِ هَذَا إمَّا تَعَسُّفٌ أَوْ تَكَلُّفٌ، وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى: مَا لَوْ مَاتَتْ فِي الْمَائِعِ، وَمِنْهُ الْمَاءُ بَعْدَ طَرْحِهَا فِيهِ، أَوْ وُقُوعِهَا بِنَفْسِهَا حَيَّةً سَوَاءٌ فِيمَا نَشَأَتْ مِنْهُ أَوْ لَا فَلَا تُنَجِّسُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
الثَّانِيَةُ: مَا لَوْ مَاتَتْ فِيمَا نَشَأَتْ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ إخْرَاجِهَا مِنْهُ فَلَا تُنَجِّسُهُ جَزْمًا.
الثَّالِثَةُ: مَا لَوْ طُرِحَتْ مَيْتَةٌ سَوَاءٌ فِيمَا نَشَأَتْ مِنْهُ أَمْ لَا فَإِنَّهَا تُنَجِّسُهُ جَزْمًا.
وَبَقِيَ رَابِعَةٌ وَهِيَ مَا لَوْ وَقَعَتْ بِنَفْسِهَا مَيِّتَةً، أَوْ أَلْقَاهَا الرِّيحُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تُنَجِّسُهُ جَزْمًا، وَلَوْ أَلْقَاهَا حَيَّةً فَمَاتَتْ قَبْلَ الْوُصُولِ أَوْ عَكْسَهُ لَمْ تُنَجِّسْ فِيهِمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَشَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ.
(تَنْبِيهٌ) : مِنْ الْمَيْتَةِ الْمَذْكُورَةِ نَحْوُ قُرَادٍ أَوْ بَقٍّ انْشَقَّ جَوْفُهُ فِي الْمَائِعِ وَخَرَجَ مَا فِيهِ، وَلَا يُنْدَبُ غَمْسُ غَيْرِ الذُّبَابِ لِعَدَمِ

[حاشية عميرة]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أَيْ بِمَوْتِهِ فِيهِ.
(وَكَذَا فِي كُلِّ نَجَسٍ لَا يُدْرِكُهُ طَرَفٌ) أَيْ بَصَرٌ لِقِلَّتِهِ كَنُقْطَةِ بَوْلٍ، وَمَا يَعْلَقُ بِرِجْلِ الذُّبَابِ مِنْ نَجَسٍ، فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُ مَائِعًا لِمَا ذُكِرَ.
(قُلْت: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) مِنْ مُقَابِلِهِ وَهُوَ التَّنَجُّسُ كَغَيْرِهِ وَالثَّوْبُ وَالْبَدَنُ كَالْمَائِعِ فِي ذَلِكَ.

(وَالْجَارِي كَرَاكِدٍ) فِي تَنَجُّسِهِ بِالْمُلَاقَاةِ.
(وَفِي الْقَدِيمِ: لَا يَنْجُسُ بِلَا تَغَيُّرٍ) لِقُوَّتِهِ فَالْجِرْيَةُ الَّتِي لَاقَاهَا النَّجَسُ وَهِيَ كَمَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: الدَّفْعَةُ بَيْنَ حَافَّتَيْ النَّهْرِ فِي الْعَرْضِ عَلَى الْجَدِيدِ، تَنْجُسُ، وَإِنْ كَانَ مَاءُ النَّهْرِ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ فَلَا يَنْجُسُ غَيْرُهَا وَإِنْ كَانَ مَاءُ النَّهْرِ دُونَ قُلَّتَيْنِ لِأَنَّ الْجِرْيَاتِ وَإِنْ تَوَاصَلَتْ حِسًّا مُتَفَاصِلَةً حُكْمًا إذْ كُلُّ جَرْيَةٍ طَالِبَةٌ لِمَا أَمَامَهَا هَارِبَةٌ مِمَّا وَرَاءَهَا.

(وَالْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ بَغْدَادِيٍّ) أَخْذًا مِنْ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ لَمْ

[حاشية قليوبي]

الْمَعْنَى الَّذِي طُلِبَ غَمْسُهُ لِأَجْلِهِ، وَلَوْ حَمَلَ مَا فِيهِ هَذِهِ الْمَيْتَةُ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ، وَمِثْلُهُ خَلٌّ أَوْ فَاكِهَةٌ فِيهَا دُودٌ مَيِّتٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِ شَيْخِنَا مِمَّا يُخَالِفُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ.
قَوْلُهُ: (نَجَسٌ) وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ.
قَوْلُهُ: (بَصَرٌ) أَيْ مُعْتَدِلٌ لَا بِوَاسِطَةٍ نَحْوَ شَمْسٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ فَرْضِ لَوْنِ الْوَاقِعِ عَلَيْهِ مُخَالِفًا لِلَوْنِ النَّجَاسَةِ.
قَوْلُهُ: (لِقِلَّتِهِ) سَوَاءٌ وَقَعَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِفِعْلِ فَاعِلٍ وَلَوْ قَصْدًا بِدَلِيلِ إطْلَاقِهِ مَعَ التَّفْصِيلِ فِي الْمَيْتَةِ بَعْدَهُ، وَبَعْضُهُمْ قَيَّدَهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ قَصْدٍ، وَسَيَأْتِي فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ وُقُوعُهُ فِي مَحَلٍّ أَوْ مَحَالٍّ نَعَمْ لَوْ كَانَ إذَا جُمِعَ صَارَ كَثِيرًا عُرْفًا لَمْ يُعْفَ عَنْهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا يُعَلَّقُ) . قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى نُقْطَةِ بَوْلٍ، فَهُوَ مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ مَا لَمْ يَكْثُرْ عُرْفًا.
قَوْلُهُ: (الذُّبَابِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ نَحْوَ النَّحْلِ وَالْبَعُوضِ وَالْفَرَاشِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّوْبُ وَالْبَدَنُ كَالْمَائِعِ فِي ذَلِكَ) اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ لِعَدَمِ التَّنَجُّسِ بِمَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ وَمَا بَعْدَهُ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهُ رَاجِعًا لِلْمَيْتَةِ أَيْضًا وَفِيهِ نَظَرٌ، وَسَوَاءٌ فِي الْعَفْوِ ثَوْبُ الْمُصَلِّي وَبَدَنُهُ وَغَيْرُهُ.
(تَنْبِيهٌ) : مِنْ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ قَلِيلُ شَعْرٍ مِنْ غَيْرِ مُغَلَّظٍ، وَيُعْفَى مِنْهُ لِلرَّاكِبِ وَنَحْوَهُ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ قَلِيلُ غُبَارِ نَجَسٍ وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ، وَقَلِيلُ دُخَانٍ كَذَلِكَ، وَمِنْهُ بَخُورٌ طَاهِرٌ عَلَى نَارٍ نَجِسَةٍ كَسِرْجِينِ لِأَنَّهُ يَنْمَاعُ فَيُنَجَّسُ، وَبُخَارُ النَّجَاسَةِ طَاهِرٌ وَهُوَ الْمُتَصَاعِدُ مِنْهَا بِغَيْرِ وَاسِطَةِ نَارٍ كَرِيحٍ مِنْ الدُّبُرِ، وَيُعْفَى عَنْ فَمِ نَحْوِ صَبِيٍّ كَمَجْنُونٍ وَوَلَدِ بَقَرٍ الْتَقَمَ ثَدْيَ أُمِّهِ، وَعَنْ مَنْفَذِ حَيَوَانٍ غَيْرِ آدَمِيٍّ وَرِجْلِهِ وَفَمِهِ مَا لَمْ تَنْفَصِلْ مِنْهُ عَيْنُ النَّجَاسَةِ لِأَنَّهُ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ.
نَعَمْ لَا بُدَّ فِي الْحُكْمِ بِالطَّهَارَةِ عَلَى فَمِ نَحْوِ هِرَّةٍ أَكَلْت فَأْرًا مَثَلًا أَنْ تَغِيبَ مُدَّةً يُمْكِنُ أَنْ تَرِدَ فِيهَا مَاءً كَثِيرًا، وَيُعْفَى عَنْ زُرْقِ طَيْرٍ فِي الْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ طُيُورِهِ، وَعَنْ بَعْرِ نَحْوَ شَاةٍ وَقَعَ مِنْهَا فِي لَبَنٍ حِينَ حَلْبِهَا، وَعَمَّا عَلَى نَحْوِ كَرِشٍ مِمَّا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَعَنْ جِرَّةِ بَعِيرٍ بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَعَنْ رَوْثِ ثَوْرِ الدِّيَاسَةِ، وَعَمَّا تُلْقِيهِ الْفِيرَانُ فِي بُيُوتِ الْأَخْلِيَةِ وَإِنْ أَدْرَكَهُ الطَّرْفُ خِلَافًا لِلْخَطِيبِ، وَعَنْ مُلَاقِي مَيْتَةِ نَحْوِ ذُبَابٍ وَدُودٍ أُخْرِجَ مِنْ مَائِعٍ بِعُودٍ أَوْ بِأُصْبُعٍ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَلَا يَضُرُّ وُقُوعُهُ فِيهِ بَعْدَ فَصْلِهِ عَنْهُ، وَعَنْ نَحْوِ زَيْتٍ خُلِطَ بِجُبْنٍ فِيهِ دُودٌ لِلْأَكْلِ، وَعَنْ الْخُبْزِ بِالنَّجَاسَةِ كَالسِّرْجِينِ بِأَكْلِهِ أَوْ ثَرْدِهِ بِمَائِعٍ كَلَبَنٍ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ الْفَمِ مِنْهُ لِنَحْوِ الصَّلَاةِ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ أَيْضًا وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ حَامِلِهِ، وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَتُعْرَفُ الْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ بِالْعُرْفِ.

قَوْلُهُ: (وَالْجَارِي) أَيْ مِنْ الْمَاءِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ، وَالْمَائِعُ كَالْمَاءِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَشْمَلُهُ كَمَا مَرَّ، وَهُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّ الْجِرْيَةَ وَإِنْ كَثُرَتْ فِيهِ تَنْجُسُ بِالْمُلَاقَاةِ لِأَنَّهَا كَالرَّاكِدِ، وَلَا يَنْجُسُ مَا قَبْلَهَا مُطْلَقًا، وَيَنْجُسُ مِمَّا بَعْدَهَا مَا مَرَّ عَلَى مَحَلِّهَا لِأَنَّهُ تَنَجَّسَ بِهَا، وَلَوْ نَزَلَ الْمَائِعُ مِنْ عُلُوٍّ عَلَى أَرْضٍ مُتَنَجِّسَةٍ لَمْ يَنْجُسْ إلَّا مَا لَاقَى النَّجَاسَةَ فَقَطْ لَا مَا فَوْقَهُ خِلَافًا لِلْخَطِيبِ فِي هَذِهِ.
قَوْلُهُ: (تَنْجُسُ) وَلِمَا بَعْدَهَا مِنْ وَاحِدَةٍ فِي غَيْرِ الْمُغَلَّظَةِ وَمِنْ سَبْعَةٍ فِيهَا حُكْمُ الْغُسَالَةِ.
هَذَا إنْ لَمْ تَكُنْ النَّجَاسَةُ وَاقِفَةً وَلَا مُتَثَاقِلَةً بِأَنْ لَازَمَتْ الْجِرْيَةَ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا، وَإِلَّا فَيَنْجُسُ جَمِيعُ مَا يَمُرُّ عَلَيْهَا، وَإِنْ بَلَغَ قِلَالًا، فَإِنْ جُمِعَ فِي حُفْرَةٍ وَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ عَادَ طَهُورًا، وَلَا يَضُرُّ تَفَرُّقُهُ مِنْهَا وَلَا مُرُورُهُ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (بَغْدَادِيٍّ) نِسْبَةً إلَى بَغْدَادَ اسْمِ بَلَدٍ، وَأَصْلُهُ اسْمُ بَلَدَيْنِ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، وَكَانَتْ بَغْدَادُ كَذَلِكَ، وَاَلَّذِي بَنَاهَا هُوَ أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللَّهِ الْمَنْصُورُ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَفِيهَا لُغَاتٌ وَهِيَ بِمُوَحَّدَةٍ أَوْ مِيمٍ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ دَالٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ

[حاشية عميرة]

فِي الْمَاءِ

قَوْلُهُ: (لِمَا تَقَدَّمَ) وَهُوَ زَوَالُ سَبَبِ النَّجَاسَةِ.
قَوْلُهُ: (لِمَفْهُومِ) أَيْ لِأَجْلِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْمَفْهُومِ إذْ الْمُخَصِّصُ مَنْطُوقُ الْحَدِيثَيْنِ لَكِنْ لِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ بِكَوْنِهِ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ إلَخْ) هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْمُلَاقَاةِ الشَّامِلِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (بِمَاءٍ) وَلَوْ نَجِسًا لَا بِنَحْوِ مَاءِ وَرْدٍ.
قَوْلُهُ: (أَيْ أَوْرَدَ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِلْمُرَادِ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَالْحُكْمُ عَامٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالْكَلَامُ) أَيْ فِي هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ فِيمَا إذَا خَلَا الْمَاءُ عَنْ نَجَاسَةٍ جَامِدَةٍ فَهُوَ مَعَهَا نَجِسٌ قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ تَغَيُّرٌ لِأَنَّهُ دُونَ قُلَّتَيْنِ، وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ كَالْمَنْهَجِ رُجُوعَ ذَلِكَ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ الَّذِي بَلَغَ فِيهِ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَنَّهَا إنْ غَيَّرَتْهُ لَمْ يَصِحَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ فَهِيَ كَالْعَدَمِ، وَفَرْضُهُ بِعَوْدِ التَّغَيُّرِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (اسْمٌ) أَيْ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهَا جَارٍ لَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى غَيْرَ) وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهَا عَاطِفَةً لِفَوَاتِ شَرْطِهَا وَهُوَ أَنْ لَا يَصْدُقَ أَحَدُ مَعْطُوفَيْهَا عَلَى الْآخَرِ، وَلِأَنَّهَا إذَا دَخَلَتْ عَلَى مُفْرَدِ صِفَةٍ لِسَابِقٍ وَجَبَ تَكْرَارُهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ [البقرة: 68] .

قَوْلُ الشَّارِحِ: (فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُ مَائِعًا لِمَا ذُكِرَ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ لِقِلَّتِهِ.

[حُكْمُ الْمَاءِ الْجَارِي]

قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْجَارِي كَرَاكِدٍ) اُنْظُرْ هَلْ لِلْجَارِي مِنْ

يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» وَالْوَاحِدَةُ مِنْهَا قَدَّرَهَا الشَّافِعِيُّ أَخْذًا مِنْ ابْنِ جُرَيْجٍ الرَّائِيِّ لَهَا بِقِرْبَتَيْنِ وَنِصْفٍ مِنْ قِرَبِ الْحِجَازِ، وَوَاحِدَتُهَا لَا تَزِيدُ غَالِبًا عَلَى مِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيٍّ، وَسَيَأْتِي فِي زَكَاةِ النَّبَاتِ أَنَّهُ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، أَوْ بِلَا أَسْبَاعٍ، أَوْ وَثَلَاثُونَ.
وَهَجَرُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ (تَقْرِيبًا فِي الْأَصَحِّ) قَدَّمَ تَقْرِيبًا عَكَسَ الْمُحَرَّرِ لِيَشْمَلَهُ وَمَا قَبْلَهُ التَّصْحِيحُ، وَالْمُقَابِلُ فِيمَا قَبْلَهُ مَا قِيلَ: الْقُلَّتَانِ أَلْفُ رَطْلٍ لِأَنَّ الْقِرْبَةَ قَدْ تَسَعُ مِائَتَيْ رَطْلٍ، وَقِيلَ: هُمَا سِتُّمِائَةِ رَطْلٍ لِأَنَّ الْقُلَّةَ مَا يُقِلُّهُ الْبَعِيرُ أَيْ يَحْمِلُهُ، وَبَعِيرُ الْعَرَبِ لَا يَحْمِلُ غَالِبًا أَكْثَرَ مِنْ وَسْقٍ وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا ثَلَاثُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ رَطْلًا يُحَطُّ عِشْرُونَ لِلظَّرْفِ وَالْحَبْلِ وَالْعَدَدُ عَلَى الثَّلَاثَةِ قِيلَ تَحْدِيدٌ فَيَضُرُّ أَيُّ شَيْءٍ نَقَصَ وَعَلَى التَّقْرِيبِ، الْأَصَحُّ لَا يَضُرُّ فِي الْخَمْسِمِائَةِ نَقْصُ رَطْلَيْنِ، وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ، وَالْمِسَاحَةُ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ ذِرَاعٍ وَرُبُعٍ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ، وَهُوَ شِبْرَانِ تَقْرِيبًا.
(وَالتَّغَيُّرُ الْمُؤَثِّرُ بِطَاهِرٍ أَوْ نَجَسٍ طَعْمٌ أَوْ لَوْنٌ أَوْ رِيحٌ) أَيْ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ كَافٍ، وَاحْتَرَزَ بِالْمُؤَثِّرِ فِي النَّجَسِ عَنْ التَّغَيُّرِ بِجِيفَةٍ عَلَى الشَّطِّ

(وَلَوْ اشْتَبَهَ مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ) كَأَنْ وَلَغَ كَلْبٌ فِي أَحَدِ الْمَاءَيْنِ وَاشْتَبَهَ (اجْتَهَدَ) الْمُشْتَبَهُ عَلَيْهِ فِيهِمَا بِأَنْ

[حاشية قليوبي]

أَلِفٍ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ أَوْ مُهْمَلَةٍ أَوْ نُونٍ بَدَلَهَا وَمِقْدَارُهُمَا عَلَى مُصَحَّحِ النَّوَوِيِّ بِالْمِصْرِيِّ أَرْبَعُمِائَةِ رَطْلٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ رَطْلًا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعٍ مِنْ رَطْلٍ، وَبِالدِّمَشْقِيِّ مِائَةٌ وَسَبْعَةُ أَرْطَالٍ وَسُبُعُ رَطْلٍ، وَعَلَى مُصَحَّحِ الرَّافِعِيِّ بِالْمِصْرِيِّ أَرْبَعُمِائَةٍ وَوَاحِدٌ وَخَمْسُونَ رَطْلًا وَثُلُثُ رَطْلٍ وَثُلُثَا أُوقِيَّةٍ، وَبِالدِّمَشْقِيِّ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رَطْلٍ.
قَوْلُهُ: (الرَّائِي لَهَا) مِنْ الرُّؤْيَةِ لَا مِنْ الرِّوَايَةِ وَلَا مِنْ الرَّأْيِ.
قَوْلُهُ: (قَرْيَةٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ) وَهِيَ الْحَدُّ بَيْنَ أَرْضِ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَصَحِّ) مَجْرُورٌ صِفَةٌ لَتَقْرِيبًا، وَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ.
قَوْلُهُ: (نَقْصُ الرَّطْلَيْنِ) أَيْ بِحَسَبِ الِاخْتِيَارِ النَّاشِئِ عَنْ الضَّابِطِ الَّذِي هُوَ لَا يَضُرُّ نَقْصُ قَدْرٍ لَا يَظْهَرُ بِنَقْصِهِ تَفَاوُتٌ فِي التَّغَيُّرِ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُغَيَّرَةِ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يُؤْخَذَ مَاءٌ قَدْرَ قُلَّتَيْنِ وَآخَرُ دُونَهُمَا بِنَحْوِ رَطْلٍ وَيُوضَعُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا قَدْرُ رَطْلٍ زَعْفَرَانٍ مَثَلًا، وَيُخَضُّ ثُمَّ يُنْظَرُ هَلْ التَّغَيُّرُ مُتَسَاوٍ أَوْ مُتَفَاوِتٌ، فَإِذَا وُجِدَ مُتَسَاوِيًا أُخِذَ مَاءٌ ثَالِثٌ نَاقِصٌ قَدْرَ رَطْلٍ وَنِصْفٍ، وَيُوضَعُ فِيهِ قَدْرُ الزَّعْفَرَانِ الْمَذْكُورِ، وَيُمَيَّزُ التَّغَيُّرُ فِيهِ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ وَهَكَذَا، وَقَدْ اخْتَبَرَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ ذَلِكَ فَوَجَدُوا أَنَّ التَّفَاوُتَ يَظْهَرُ إذَا زَادَ النَّقْصُ عَلَى الرَّطْلَيْنِ فَحَكَمُوا بِهِ فَلَا يُقَالُ إنَّ ذَلِكَ مِنْ التَّحْدِيدِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَالْمِسَاحَةُ) أَيْ فِي الْمُرَبَّعِ الْمُتَسَاوِي الْأَبْعَادِ الثَّلَاثَةِ عَلَى مُخْتَارِ النَّوَوِيِّ فِي رَطْلِ بَغْدَادَ أَوْ الْأَعَمِّ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ يَسِيرٌ.
قَوْلُهُ: (ذِرَاعٌ وَرُبُعٌ) أَيْ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ قَصِيرَةٍ كُلُّ ذِرَاعٍ مِنْهَا قَدْرُ رُبُعِ ذِرَاعٍ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَرْبَاعًا حَقِيقَةً لَكَانَ الْحَاصِلُ مِنْهَا ذِرَاعَيْنِ إلَّا ثَلَاثَةَ أَسْبَاعٍ مِنْ رُبُعٍ أَعْنِي إلَّا تُسْعَ ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَيُجْعَلُ كُلٌّ مِنْ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالْعُمْقِ خَمْسَةً، وَيُضْرَبُ أَحَدُهَا فِي الْآخَرِ، ثُمَّ الْحَاصِلُ فِي الثَّالِثِ فَيَحْصُلُ مِائَةُ خَمْسَةٍ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا قَصِيرَةً وَهِيَ الضَّابِطُ فِي مِقْدَارِ الْقُلَّتَيْنِ، وَإِذَا قُسِمَ عَلَيْهَا مِقْدَارُ أَرْبَعَةٍ خَصَّ كُلَّ رُبُعٍ أَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ وَهِيَ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ الْإِنَاءُ الَّذِي كُلٌّ مِنْ طُولِهِ وَعَرْضِهِ وَعُمْقِهِ رُبُعُ ذِرَاعٍ.
وَأَمَّا مِسَاحَتُهُمَا فِي الْمُدَوَّرِ كَرَأْسِ الْبِئْرِ فَهِيَ ذِرَاعٌ عَرْضًا وَذِرَاعَانِ وَنِصْفٌ طُولًا، وَالْمُرَادُ بِعَرْضِهِ أَطْوَلُ خَطٍّ بَيْنَ حَافَّتَيْهِ، وَبِطُولِهِ عُمْقُهُ، فَيُبْسَطُ ذَلِكَ أَرْبَاعًا أَيْ أَذْرُعًا قَصِيرَةً كَمَا مَرَّ، وَيُبْسَطُ الْمُحِيطُ كَذَلِكَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِ الْعَرْضِ وَسُبْعُ مِثْلِهِ بِالْبُرْهَانِ الْهَنْدَسِيِّ، ثُمَّ يُضْرَبُ نِصْفُ الْعَرْضِ وَهُوَ اثْنَانِ فِي نِصْفِ الْمُحِيطِ وَهُوَ سِتَّةٌ وَسُبْعَانِ أَوْ رُبُعُ الْعَرْضِ فِي جَمِيعِ الْمُحِيطِ أَوْ عَكْسِهِ يَحْصُلُ مِقْدَارُ السَّطْحِ، وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعٍ، فَيَضْرِبُ ذَلِكَ فِي الْعُمْقِ وَهُوَ عَشَرَةٌ يَبْلُغُ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا قَصِيرَةً وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ ذِرَاعٍ فَهُوَ مِقْدَارُ الْقُلَّتَيْنِ مَعَ زِيَادَةِ خَمْسَةِ الْأَسْبَاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ) وَهُوَ يَنْقُصُ عَنْ الذِّرَاعِ الْمِصْرِيِّ الْمَعْرُوفِ بِنَحْوِ ثُمُنِهِ.
قَوْلُهُ: (وَاحْتَرَزَ إلَخْ) هُوَ جَوَابٌ عَنْ أَنْ يُقَالَ ذِكْرُ الْمُؤَثِّرِ فِي النَّجَسِ مُسْتَدْرَكٌ إذْ التَّغَيُّرُ فِيهِ مُضِرٌّ مُطْلَقًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى الشَّطِّ) أَيْ غَيْرِ مُلَاقِيَةِ لِلْمَاءِ.

[اشْتَبَهَ مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ]

قَوْلُهُ: (وَلَوْ اشْتَبَهَ إلَخْ) هَذَا شُرُوعٌ فِي الِاجْتِهَادِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةٌ لِتَطْهِيرِ الْمِيَاهِ بِحَسَبِ الظَّنِّ الَّتِي هِيَ وَسِيلَةٌ لِلطَّهَارَةِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (مَاءٌ) خَصَّهُ لِكَوْنِ الْكَلَامِ فِيهِ وَإِلَّا فَالتُّرَابُ مِثْلُهُ، وَكَذَا غَيْرُهُمَا كَمَالِهِ بِمَالِ غَيْرِهِ، وَثَوْبٍ طَاهِرٍ بِغَيْرِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ الْمَاءِ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَعَمَّ كَمَا فَعَلَ فِي الْمَنْهَجِ، لَكِنْ فِي كَلَامِهِ تَكْرَارٌ وَشُمُولٌ لِمَا لَا يَصِحُّ كَمَا يَعْرِفُهُ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (طَاهِرٌ بِنَجَسٍ) الْمُرَادُ بِالطَّاهِرِ هُنَا

[حاشية عميرة]

الْمَائِعِ غَيْرِ الْمَاءِ حُكْمُ الْجَارِي مِنْ الْمَاءِ فِي أَنَّ الْجِرْيَةَ الْمُتَنَجِّسَةَ لَا تَتَعَدَّى لِغَيْرِهَا

. قَوْلُ الْمَتْنِ: (اجْتَهَدَ أَيْ لَوْ اشْتَبَهَ مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ) أَيْ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ قَدْ عَارَضَهُ تَعَيُّنُ النَّجَاسَةِ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ تَرْكُ الْأَصْلِ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَجَبَ النَّظَرُ فِي التَّعْيِينِ.

[اشْتَبَهَ مَاءٌ وَبَوْلٌ]

قَوْلُ الشَّارِحِ: (بِنُونِ الرَّفْعِ إلَخْ) أَيْ وَلَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى يَجْتَهِدُ لِثُبُوتِ النُّونِ، وَكَأَنَّ نُسْخَةَ الْجَمَالِ الْإِسْنَوِيِّ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ بِحَذْفِ النُّونِ فَإِنَّهُ قَالَ إنَّهُ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ النُّونِ عَطْفًا عَلَى يَجْتَهِدُ، انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي سَلَكَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِيهِ إشْكَالٌ، فَإِنَّ الْعَطْفَ عَلَى يَجْتَهِدُ يُفْسِدُ الْمَعْنَى إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ

يَبْحَثَ عَمَّا يُبَيِّنُ النَّجِسَ، كَرَشَّاشٍ حَوْلَ إنَائِهِ أَوْ قُرْبِ الْكَلْبِ مِنْهُ (وَتَطْهُرُ بِمَا ظَنَّ) بِالِاجْتِهَادِ (طَهَارَتَهُ) مِنْهُمَا (وَقِيلَ إنْ قَدَرَ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ فَلَا) يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِيهِمَا فَقَوْلُهُ: اجْتَهَدَ أَيْ جَوَازًا إنْ قَدَرَ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ وَوُجُوبًا إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(وَالْأَعْمَى كَبَصِيرٍ) فِيمَا ذُكِرَ (فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهُ يُدْرِكُ أَمَارَةَ النَّجِسِ بِاللَّمْسِ وَغَيْرِهِ.
وَالثَّانِي لَا يَجْتَهِدُ لِفَقْدِ الْبَصَرِ الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ الِاجْتِهَادِ بَلْ يُقَلِّدُ.

(أَوْ) اشْتَبَهَ (مَاءٌ وَبَوْلٌ) بِأَنْ انْقَطَعَتْ رَائِحَتُهُ (لَمْ يَجْتَهِدْ) فِيهِمَا (عَلَى الصَّحِيحِ) وَالثَّانِي يَجْتَهِدُ كَالْمَاءَيْنِ.
وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الْمَاءَ لَهُ أَصْلٌ فِي التَّطْهِيرِ يُرَدُّ بِالِاجْتِهَادِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْبَوْلِ.
(بَلْ يُخْلَطَانِ) أَوْ يُرَاقَانِ (ثُمَّ يَتَيَمَّمُ) وَيُصَلِّي بِلَا إعَادَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا صَلَّى قَبْلَ الْخَلْطِ أَوْ نَحْوِهِ فَيُعِيدُ لِأَنَّ مَعَهُ مَاءً طَاهِرًا

[حاشية قليوبي]

الطَّهُورُ نَظَرًا لِلتَّطْهِيرِ الْآتِي وَإِنْ كَانَ لَا يَتَقَيَّدُ بِهِ وَبِالنَّجِسِ الْمُتَنَجِّسُ أَيْ الْمُتَيَقَّنُ النَّجَاسَةِ أَوْ مَظْنُونُهَا بِخَبَرِ ثِقَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي، فَخَرَجَ مَا لَوْ رَأَى مَاءً مُتَغَيِّرًا مَثَلًا وَشَكَّ فِي سَلْبِ طَهُورِيَّتِهِ فَلَهُ التَّطَهُّرُ بِهِ نَظَرًا لِأَصْلِهِ، وَلَا نَظَرَ لِشَكِّهِ فِيهِ، بِذَلِكَ فَارَقَ مَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فَهَجَمَ وَتَطَهَّرَ فَطَهَارَتُهُ بَاطِلَةٌ إنْ صَادَفَ الطَّهُورَ.
قَوْلُهُ: (الْمُشْتَبَهُ عَلَيْهِ) وَهُوَ الْمُمَيِّزُ فِي الطِّهَارَاتِ اتِّفَاقًا وَفِي الْأَمْوَالِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ فَإِنَّهُ اشْتَرَطَ التَّكْلِيفَ فِيهَا أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَبْحَثَ إلَخْ) هَذَا مَعْنَى الِاجْتِهَادِ لُغَةً، وَمَعْنَاهُ عُرْفًا بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْمَقْصُودِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ هُنَا وَمَا يَأْتِي أَنَّ شُرُوطَهُ سِتَّةٌ: أَنْ يَكُونَ فِي مُتَعَدِّدٍ ابْتِدَاءٌ اتِّفَاقًا وَدَوَامًا عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا تَلِفَ أَحَدُ الْإِنَاءَيْنِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ لَمْ يَسْقُطْ وُجُوبُهُ أَوْ بَعْدَهُ سَقَطَ وَكَانَ جَائِزًا، وَأَنْ يَكُونَ فِي مَحْصُورٍ فَيَخْرُجُ مَا لَوْ اشْتَبَهَ إنَاءٌ بِأَوَانٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ، بَلْ يَجُوزُ لَهُ اسْتِعْمَالُهَا إلَى أَنْ يَبْقَى قَدْرُ الْمُشْتَبِهِ، وَقِيلَ: إلَى أَنْ يَبْقَى مَحْصُورٌ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لِوُجُوبِهِ لَا لِجَوَازِهِ، وَأَنْ يَتَأَيَّدَ بِأَصْلِ الْحِلِّ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ فِيمَا طُلِبَ مِنْهُ، وَأَنْ يَسْلَمَ مِنْ التَّعَارُضِ، وَأَنْ تُوجَدَ الْعَلَامَةُ، وَأَنْ يَكُونَ لَهَا مَدْخَلٌ لِيَخْرُجَ مَا لَوْ اشْتَبَهَتْ زَوْجَتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ، وَهَذَا الْأَخِيرُ شَرْطٌ لِلْعَمَلِ بِهِ، وَاَلَّذِي قَبْلَهُ شَرْطٌ لِوُجُودِهِ، وَالثَّانِي شَرْطٌ لِوُجُوبِهِ، وَالْبَقِيَّةُ شُرُوطٌ لِصِحَّتِهِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ شَرْطَيْنِ أَيْضًا: اتِّسَاعُ الْوَقْتِ، وَاتِّحَادُ مَالِكِ الْإِنَاءَيْنِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا تَوَضَّأَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِإِنَائِهِ، وَرَدَّهُمَا شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَرَشَّاشٍ إلَخْ) وَلَهُ ذَوْقُ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ وَيَمْتَنِعُ ذَوْقُ الْآخَرِ مَا لَمْ يَغْسِلْ فَمَهُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُتَيَقِّنًا لِنَجَاسَةِ فَمِهِ لِاجْتِمَاعِ الْمَاءَيْنِ عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ رَدُّ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ لِجَوَازِهِ بِأَنَّهُ حَالَ ذَوْقِ كُلٍّ غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ نَجَاسَتَهُ.
قَوْلُهُ: (جَوَازًا) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْعُدُولُ عَنْهُ وَتَرْكُهُ وَوُجُوبًا مِنْ حَيْثُ عَدَمُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَالِاجْتِهَادُ وَاجِبٌ مُطْلَقًا كَمَا فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْمُخَيَّرَةِ، وَهَذَا مَا قَالَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ، وَهُوَ الْوَجْهُ، وَمَا رَدَّهُ بِهِ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ لَا يُجْدِي نَفْعًا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (إنْ قَدَرَ إلَخْ) وَكَذَا لَوْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ بِالْخَلْطِ فِي طَهُورَيْنِ أَوْ طَهُورٍ وَمُسْتَعْمَلٍ، بَلْ يَجِبُ الْخَلْطُ فِي هَذَيْنِ عِنْدَ التَّحَيُّرِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (وَوُجُوبًا) أَيْ مُوَسَّعًا بِسَعَةِ الْوَقْتِ وَمُضَيَّقًا بِضِيقِهِ فَلَا يَتَيَمَّمُ وَلَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (فِيمَا ذَكَرَ) أَيْ لَا فِيمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَعْمَى أَنْ يُقَلِّدَ عِنْدَ التَّحَيُّرِ، وَلَوْ الْأَعْمَى أَقْوَى إدْرَاكًا مِنْهُ بِخِلَافِ الْبَصِيرِ.

قَوْلُهُ: (مَاءٌ وَبَوْلٌ) مِثْلُهُ تُرَابٌ طَاهِرٌ أَوْ طَهُورٌ وَتُرَابٌ مِنْ أَجْزَاءِ مَيْتَةٍ بَلِيَتْ وَمِنْ إعْدَامِهِمَا خَلْطُ جَمِيعِ أَجْزَاءِ أَحَدِهِمَا بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجْتَهِدُ) وَلَوْ لِطَفِّ نَارٍ أَوْ عَجْنِ طِينٍ أَوْ شُرْبِ النَّجَسِ لِدَوَابَّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يُفِيدُ حِلَّ اسْتِعْمَالِ الشَّيْءِ الْمُوَافِقِ لِحِلِّهِ فِي الْوَاقِعِ فَيَرُدُّهُ إلَى أَصْلِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي الْبَوْلِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فِي التَّطَهُّرِ) لَوْ قَالَ فِيمَا طُلِبَ مِنْهُ كَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (يُخْلَطَانِ) أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا بِأَنْ يُخْلَطَ مِنْ أَحَدِهِمَا فِي الْآخِرِ مَا يَسْلُبُ طَهُورِيَّتَهُ لَوْ كَانَ مُخَالِفًا أَشَدَّ لِخُرُوجِهِ بِذَلِكَ عَنْ يَقِينٍ طَاهِرٍ مَعَهُ، فَلَا نَظَرَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَدْ صُبَّ مِنْ الطَّاهِرِ فِي الْمُتَنَجِّسِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يُرَاقَانِ) أَوْ أَحَدُهُمَا لِمَا ذُكِرَ وَلَمْ يَنْظُرْ وَالتَّعَلُّقُ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَمَنْعُ التَّصَرُّفِ فِيهِ لِوُجُودِ الِاشْتِبَاهِ، وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْخَلْطُ وَإِنْ بَلَغَ بِهِ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَبِهِ عُلِمَ سَخَافَةُ مَا قِيلَ بِوُجُوبِ صَبِّ بَوْلٍ عَلَى مَاءِ قُلَّتَيْنِ مَعَ جَمَاعَةٍ لَا يَكْفِيهِمْ إلَّا بِهِ، حَيْثُ لَا يُغَيِّرُهُ لَوْ فُرِضَ مُخَالِفًا أَشَدَّ، وَلَا يُغْتَرُّ بِذِكْرِ ابْنِ حَجَرٍ لَهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى أَنَّ ذِكْرَهُ لَهُ لَيْسَ لِلرِّضَا بِهِ وَلَا لِصِحَّتِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِلرَّدِّ عَلَى الزَّرْكَشِيّ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْبَوْلَ لَهُ أَصْلٌ فِي التَّطْهِيرِ بِعَوْدِهِ إلَى أَصْلِهِ الَّذِي هُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ، ثُمَّ رَأَيْت مَا يَرُدُّهُ فِي كَلَامِ الْعَلَّامَةِ الْعَبَّادِيِّ بِقَوْلِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ عَنْ مَذْهَبِنَا وَذَكَرَ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ قَالَ: فَهُوَ غَلَطٌ بَلْ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِأَنَّهُ نَجَسٌ

[حاشية عميرة]

بَلْ تُقَرِّرُ حُكْمَ مَا قَبْلَهَا وَتُثْبِتُ ضِدَّهُ لِمَا بَعْدَهَا، وَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يُمْكِنُ الْعَطْفُ اللَّفْظِيُّ عَلَى مَا قَبْلَهَا وَتَأْثِيرُ الْجَازِمِ فِي لَفْظِ

بِيَقِينٍ، وَقِيلَ: لَا لِتَعَذُّرِ اسْتِعْمَالِهِ.
وَهَكَذَا الْكَلَامُ فِيمَا إذَا اجْتَهَدَ فِي الْمَاءَيْنِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ الطَّاهِرُ.
وَلِلْأَعْمَى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ التَّقْلِيدُ فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الْبَصِيرِ: قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُقَلِّدُهُ أَوْ وَجَدَهُ فَتَحَيَّرَ تَيَمَّمَ، وَقَوْلُهُ: بَلْ يُخْلَطَانِ بِنُونِ الرَّفْعِ كَمَا فِي خَطِّهِ اسْتِئْنَافًا، أَوْ عَطْفًا عَلَى لَمْ يَجْتَهِدْ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ إنَّ بَلْ تَعْطِفُ الْجُمَلَ وَهِيَ هُنَا، وَفِيمَا بَعْدُ لِلِانْتِقَالِ مِنْ غَرَضٍ إلَى آخَرَ

(أَوْ) مَاءٌ (وَمَاءُ وَرْدٍ) بِأَنْ انْقَطَعَتْ رَائِحَتُهُ (تَوَضَّأَ بِكُلٍّ) مِنْهُمَا (مَرَّةً) وَلَا يَجْتَهِدُ فِيهِمَا (وَقِيلَ: لَهُ الِاجْتِهَادُ) فِيهِمَا كَالْمَاءَيْنِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِمِثْلِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَوْلِ.

(وَإِذَا اسْتَعْمَلَ مَا ظَنَّهُ) الطَّاهِرَ مِنْ الْمَاءَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ (أَرَاقَ الْآخَرَ) نَدْبًا لِئَلَّا يَتَشَوَّشَ بِتَغَيُّرِ ظَنِّهِ فِيهِ (فَإِنْ تَرَكَهُ) بِلَا إرَاقَةٍ (وَتَغَيَّرَ ظَنُّهُ) فِيهِ مِنْ النَّجَاسَةِ إلَى الطَّهَارَةِ بِأَمَارَةٍ ظَهَرَتْ لَهُ، وَاحْتَاجَ إلَى الطَّهَارَةِ (لَمْ يَعْمَلْ بِالثَّانِي) مِنْ ظَنَّيْهِ فِيهِ (عَلَى النَّصِّ) لِئَلَّا يُنْتَقَضَ ظَنٌّ بِظَنٍّ (بَلْ يَتَيَمَّمُ) وَيُصَلِّي

[حاشية قليوبي]

بِلَا خِلَافٍ.
قَوْلُهُ: (بِلَا إعَادَةٍ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَاءُ فَلَا يُنَافِي كَوْنَهَا قَدْ تَجِبُ مِنْ حَيْثُ الْمَحَلُّ إنْ غَلَبَ وُجُودُ الْمَاءِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا إذَا صَلَّى) عَدَلَ عَنْ الظَّاهِرِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بِخِلَافِ مَا إذَا تَيَمَّمَ إلَخْ لِقَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ وَجْهَانِ، وَالْأَصَحُّ بُطْلَانُهُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَيُعِيدُ) لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلَاتِهِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى تَيَمُّمِهِ الْبَاطِلِ أَوْ عَكْسِهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ مَعَهُ إلَخْ) أَيْ مَعَ تَقْصِيرِهِ فِي إعْدَامِهِ وَعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إلَيْهِ، فَلَا يُرَدُّ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِنَحْوِ شُرْبٍ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْأَعْمَى) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (فِي هَذِهِ الْحَالَةِ) أَيْ التَّحَيُّرِ.
قَوْلُهُ: (التَّقْلِيدُ) وَلَوْ بِأُجْرَةٍ لَا تَزِيدُ عَلَى مَاءِ الطَّهَارَةِ وَقَدَرَ عَلَيْهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ طَلَبُ مَنْ يُقَلِّدُهُ مِنْ مَحَلٍّ يَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَيْهِ فِي طَلَبِ الْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ، وَضَبْطُ بَعْضِهِمْ لَهُ بِمَحَلِّ سَعْيِ الْجُمُعَةِ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ قَصَدَهُ الِاجْتِهَادُ لَهُ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ وَتَجِبُ لَهُ الْأُجْرَةُ إنْ لَمْ يَرْضَ مَجَّانًا وَانْظُرْ هَلْ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ، وَإِنْ تَحَيَّرَ رَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (تَيَمَّمَ) وَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لَكِنْ بَعْدَ الْإِعْدَامِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (عَطْفًا عَلَى لَمْ يَجْتَهِدْ) وَلَا يَصِحُّ جَزْمُهُ عَطْفًا عَلَى يَجْتَهِدُ لِفَسَادِ الْمَعْنَى كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(تَنْبِيهٌ:) لَوْ تَطَايَرَ مِنْ أَحَدِ الْمُشْتَبِهَيْنِ رَشَّاشٌ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ لِعَدَمِ تَيَقُّنِ نَجَاسَتِهِ، وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَهُ إنْ تَطَهَّرَ مِمَّا مِنْهُ الرَّشَّاشُ أَوْ مِنْ غَيْرِ الْإِنَاءَيْنِ، فَإِنْ تَطَهَّرَ مِنْ الْآخَرِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ قَبْلَ غَسْلِهِ لِتَيَقُّنِ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ بِهِمَا.

قَوْلُهُ: (أَوْ وَمَاءُ وَرْدٍ) وَمِثْلُهُ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ، وَبَحَثَ ابْنُ حَجَرٍ فِي هَذِهِ أَنَّ لَهُ الِاجْتِهَادَ، وَيَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي تُرَابٍ طَهُورٍ وَمُسْتَعْمَلٍ فَيَتَيَمَّمُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مَرَّةً، وَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ شَرْحِ شَيْخِنَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (تَوَضَّأَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا) وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَةُ مَاءِ الْوَرْدِ لِأَنَّهُ حَاصِلٌ مَعَهُ بِخِلَافِ مَا يُرِيدُ تَحْصِيلَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْعُدُولُ إلَى مُتَيَقَّنِ الطَّهُورِيَّةِ، وَيُغْتَفَرُ لَهُ التَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ خَلْطُهُمَا وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ لَوْ قَدَّرَ مُخَالِفًا وَسْطًا وَسَيَأْتِي مَا يُخَالِفُهُ، وَمَا هُنَا أَوْلَى، بَلْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا يَجُوزُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا غُرْفَةً، وَيَجْعَلَهُمَا عَلَى جَانِبَيْ وَجْهِهِ وَيَنْوِيَ إذْ فِيهِ الْجَزْمُ بِالنِّيَّةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِمَا فِي تَكْلِيفِهِ لَهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا فِي كَلَامِهِمْ بِالضَّرُورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجْتَهِدُ) أَيْ لِلطَّهَارَةِ، وَلَهُ الِاجْتِهَادُ بِهِمَا لِلشُّرْبِ وَنَحْوِهِ، قِيلَ: وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْوَجْهُ الثَّانِي، وَلَهُ التَّطَهُّرُ بِالْمَاءِ تَبَعًا عَلَى كُلٍّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَمَا يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ تَبَعًا لِلِاجْتِهَادِ فِي الْمِلْكِ فِي الْأَمَةِ.

قَوْلُهُ: (أَرَاقَ الْآخَرَ نَدْبًا) وَالْأَفْضَلُ إرَاقَتُهُ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ مَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (يَتَشَوَّشُ) هَكَذَا فِي الصَّحَاحِ، وَفِي اخْتِيَارِ الشَّارِحِ لَهُ رَدٌّ عَلَى الْقَامُوسِ هُوَ لَحْنٌ وَالصَّوَابُ يَتَهَوَّشُ.
قَوْلُهُ: (بِأَمَارَةٍ ظَهَرَتْ لَهُ) هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ تَغَيُّرَ ظَنِّهِ نَاشِئٌ عَنْ اجْتِهَادٍ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْأَوَّلِ شَيْءٌ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْأَمَارَةَ الَّتِي ظَهَرَتْ لَهُ وَكَانَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ وَلَمْ تَظْهَرْ لَهُ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ، فَهِيَ رَاجِعَةٌ إلَى الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ هَذَا اجْتِهَادًا آخَرَ، وَإِلَيْهِ يُومِئُ كَلَامُ الشَّارِحِ، وَعَلَى كُلٍّ فَمَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُعْمَلْ بِالثَّانِي) وَإِنْ كَانَ أَرْجَحَ وَلَا يُسْتَعْمَلُ مَا بَقِيَ مِنْ الْأَوَّلِ لَوْ كَانَ لِتَغَيُّرِ ظَنِّهِ وَفِيهِ مَا يَأْتِي.
نَعَمْ إنْ غَسَلَ مَا أَصَابَهُ الْأَوَّلُ أَوْ كَانَ الِاشْتِبَاهُ مَعَ مَاءِ وَرْدٍ أَوْ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ وَجَبَ الْعَمَلُ

[حاشية عميرة]

الْمَعْطُوفِ كَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

قَوْلُ الْمَتْنِ: (تَوَضَّأَ بِكُلِّ مَرَّةٍ) أَيْ وَيُعْذَرُ فِي تَرَدُّدِهِ فِي النِّيَّةِ لِلضَّرُورَةِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الضَّرُورَةُ تَنْتَفِي بِوُجُودِ مُتَيَقِّنِ الطَّهَارَةِ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ أَعَمُّ فِيمَا يَظْهَرُ.
(فَرْعٌ) إذَا اشْتَبَهَ الْمُسْتَعْمَلُ بِالطَّهُورِ يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مَرَّةً، وَيُغْتَفَرُ التَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ لِلضَّرُورَةِ.
انْتَهَى.
فَقَدْ انْكَشَفَ لَك أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى الضَّرُورَةِ تَعَذُّرَ الِاجْتِهَادِ.

[اسْتَعْمَلَ مَا ظَنَّهُ الطَّاهِرَ مِنْ الْمَاءَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ]

قَوْلُ الْمَتْنِ: (إذَا اسْتَعْمَلَ مَا ظَنَّهُ) أَيْ

(بِلَا إعَادَةٍ فِي الْأَصَحِّ) إذْ لَيْسَ مَعَهُ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ.
وَالثَّانِي يُعِيدُ لِأَنَّ مَعَهُ طَاهِرًا بِالظَّنِّ فَإِنْ أَرَاقَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَمْ يُعِدْ جَزْمًا.
وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ النَّصِّ فِي تَغَيُّرِ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ الْعَمَلَ بِالثَّانِي، فَيُورِدُ الْمَاءَ مَوَارِدَ الْأَوَّلِ مِنْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ، وَيَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَيُصَلِّي وَلَا يُعِيدُ كَمَا لَا يُعِيدُ الْأَوَّلُ، وَهَلْ تَكْفِي عِنْدَهُ الْغَسْلَةُ الْوَاحِدَةُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عَنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ؟ قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَا.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: نَعَمْ.
وَكُلٌّ مِنْهُمَا قَالَ بِحَسَبِ فَهْمِهِ الْمُوَافِقِ لِلرَّاجِحِ عِنْدَهُ فِي مَسْأَلَةِ تَيَقُّنِ النَّجَاسَةِ الْآتِيَةِ فِي بَابِ الْغُسْلِ.
وَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْأَوَّلِ شَيْءٌ وَتَغَيَّرَ ظَنُّهُ فَفِيهِ النَّصُّ وَالتَّخْرِيجُ، لَكِنْ يُعِيدُ عَلَى النَّصِّ مَا صَلَّاهُ بِالتَّيَمُّمِ لِأَنَّ مَعَهُ طَاهِرًا بِيَقِينٍ، وَقِيلَ: لَا لِتَعَذُّرِ اسْتِعْمَالِهِ فَإِنْ أَرَاقَهُمَا أَوْ خَلَطَهُمَا قَبْلَ الصَّلَاةِ لَمْ يُعِدْ جَزْمًا، وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ لِمَا ظَنَّهُ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ بَاقِيًا عَلَى طَهَارَتِهِ بِمَا ظَنَّهُ صَلَّى بِهَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَوْ مُحْدِثًا، وَقَدْ بَقِيَ مِمَّا تَطَهَّرَ مِنْهُ شَيْءٌ لَزِمَهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ، ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا.

(وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِتَنَجُّسِهِ) أَيْ الْمَاءِ (مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ) كَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ (وَبَيَّنَ السَّبَبَ) فِي تَنَجُّسِهِ كَوُلُوغِ كَلْبٍ (أَوْ كَانَ فَقِيهًا) فِي بَابِ تَنَجُّسِ الْمَاءِ (مُوَافِقًا) لِلْمُخْبِرِ فِي مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ (اعْتَمَدَهُ) مِنْ غَيْرِ تَبْيِينٍ لِلسَّبَبِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْفَقِيهِ أَوْ الْفَقِيهِ الْمُخَالِفِ،

[حاشية قليوبي]

بِالثَّانِي.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَلَا يُعِيدُ مَا صَلَّاهُ بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا فِي الثَّوْبَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَتَيَمَّمُ) مَا لَمْ يَكُنْ بَاقِيًا عَلَى طَهَارَتِهِ الْأُولَى وَإِلَّا فَيُصَلِّي بِهَا وَقَوْلُ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ يُصَلِّي كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ سَيَأْتِي مَا فِيهِ وَصَحَّ تَيَمُّمُهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ نَجَاسَةَ أَعْضَائِهِ لِإِلْغَاءِ ظَنِّهِ بِعَدَمِ تَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ.
قَوْلُهُ: (بِلَا إعَادَةٍ) مِنْ حَيْثُ الْمَاءُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الصَّلَاةِ) قَالَ شَيْخُنَا: وَقَبْلَ التَّيَمُّمِ.
قَوْلُهُ: (فَيُورِدُ الْمَاءَ) أَيْ إنْ لَمْ يُوجَدْ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَهُ) أَيْ ابْنِ سُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ: (وَتَغَيَّرَ ظَنُّهُ) أَيْ بِاجْتِهَادٍ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي عَنْ الرَّوْضَةِ.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ يُعِيدُ) أَيْ إذَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى قَبْلَ الْإِعْدَامِ.
قَوْلُهُ: (بَاقِيًا عَلَى طَهَارَتِهِ) أَيْ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ ظَنُّهُ سَوَاءٌ بَقِيَ مِنْ الْأَوَّلِ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَإِنْ تَغَيَّرَ ظَنُّهُ، فَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَالْخَطِيبُ وَالْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ: لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهَا أَيْضًا، كَمَا شَمِلَتْهُ الْعِبَارَةُ لِأَنَّهُمْ أَلْغَوْا ظَنَّهُ بِدَلِيلِ صِحَّةِ تَيَمُّمِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَعَ الْجَوَابِ عَنْهُ، فَقَوْلُ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ أَعْضَائِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ صَلَّى كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَلَا يُصَلِّي بِطَهَارَتِهِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ) وَفِي تَغَيُّرِ ظَنِّهِ وَعَدَمِهِ مَا تَقَدَّمَ.
نَعَمْ إنْ كَانَ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى إعَادَةِ الِاجْتِهَادِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ الْأَوَّلِ شَيْءٌ) أَيْ فَلَا يَلْزَمُهُ الِاجْتِهَادُ وَتَقَدَّمَ عَنْ النَّوَوِيِّ مَنْعُهُ، وَعَنْ الرَّافِعِيِّ جَوَازُهُ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَخْبَرَهُ) هُوَ إشَارَةٌ إلَى تَعْمِيمِ النَّجَسِ الْمُشْتَبَهِ، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ظَنُّ النَّجَاسَةِ فِي الْإِنَاءِ حَاصِلًا عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ) وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْعَدْلُ يَقِينًا الْعَارِفُ بِمَا يَنْجُسُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ أَعْمَى، أَوْ أَخْبَرَ عَنْ مِثْلِهِ وَلَوْ أَعْمَى.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الصَّبِيِّ) وَالْمَجْنُونِ وَالْفَاسِقِ وَمَجْهُولِ الْعَدَالَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ أَوْ يَعْتَقِدْ صِدْقَهُ، أَوْ يُخْبِرْ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ، كَبُلْت فِي هَذَا الْمَاءِ أَوْ أَلْقَيْت فِيهِ نَجَاسَةً، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَعْرِفَةُ مَا يَنْجُسُ لِئَلَّا يَعْتَقِدَ تَنْجِيسَ مَا لَمْ يَنْجُسْ، وَلَا يَكْفِي نَجَّسْته، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا عَدَمُ قَبُولِ إخْبَارِ الْمَجْنُونِ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ إلَّا إنْ قُيِّدَ بِمَا لَيْسَ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ.
قَوْلُهُ: (مُوَافِقًا) أَيْ يَقِينًا وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ السَّبَبِ.
قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْحُكْمِ بِتَنَجُّسِ الْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ فِي مَذْهَبِهِ، بَلْ لَوْ عَلِمَ مِنْهُ مَعْرِفَةَ الْحُكْمِ فِيهَا عِنْدَهُ اعْتَمَدَهُ، وَإِنْ خَالَفَهُ فِيهَا فِي مَذْهَبِهِ.
قَوْلُهُ: (اعْتَمَدَهُ) أَيْ وُجُوبًا إنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ اجْتِهَادٍ وَسَوَاءٌ أَخْبَرَهُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَوْ بِمُدَّةٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا صَلَّاهُ قَبْلَ الْإِخْبَارِ لِتَبَيُّنِ وُجُوبِ

[حاشية عميرة]

جَمِيعَهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي، وَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْأَوَّلِ شَيْءٌ وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ وَتَغَيَّرَ ظَنُّهُ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى طَرِيقَةِ الرَّافِعِيِّ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ وَلَا يَجِبُ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُخَالَفَتِهِ لِلْأَوَّلِ لَا يُعْمَلُ بِالثَّانِي فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الْمُرَادَةُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمَّا لَوْ تَلِفَ أَحَدُ الْإِنَاءَيْنِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ فَلَا إشْكَالَ فِي وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ وَجَوَازِهِ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ مَا لَوْ اجْتَهَدَ وَتَحَيَّرَ أَوْ ظَنَّ طَهَارَةَ أَحَدِهِمَا ثُمَّ تَلِفَ أَحَدُهُمَا فِي الْأُولَى أَوْ الَّذِي ظَنَّ طَهَارَتَهُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي إذَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى أَنْ يَجِبَ الِاجْتِهَادُ، وَيَجُوزَ عِنْدَ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْمَحْذُورَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَعْنِي مَسْأَلَةَ التَّلَفِ بِالِاسْتِعْمَالِ مُنْتَفٍ هُنَا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا أَعْطَى مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ فَلَا تَجِبُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ فِيهِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لَمْ يُعِدْ جَزْمًا) هَذَا يُوجِبُ أَنَّ مُرَادَهُ الْإِرَاقَةُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ التَّيَمُّمِ إذْ لَوْ أَرَاقَهُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَصِحَّ الْجَزْمُ لِأَنَّ مَنْ يَجْعَلُ الْإِرَاقَةَ شَرْطًا لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ لَا يَعْتَبِرُ الْإِرَاقَةَ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لَزِمَهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ) أَيْ إذَا كَانَ الَّذِي ظَنَّ نَجَاسَتَهُ بَاقِيًا وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سِوَى بَقِيَّةُ الَّذِي ظَنَّ طَهَارَتَهُ فَلَا يَسْتَعْمِلُهُ وَلَا يَجْتَهِدُ بَلْ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، وَلَا إعَادَةَ سَوَاءٌ

فَلَا يَعْتَمِدُهُ مِنْ غَيْرِ تَبْيِينِ السَّبَبِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخْبِرَ بِتَنَجُّسِ مَا لَمْ يَتَنَجَّسْ عِنْدَ الْمُخْبَرِ.

(وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ كُلِّ إنَاءٍ طَاهِرٍ) فِي الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا بِخِلَافِ النَّجِسِ كَالْمُتَّخَذِ مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ، فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ وَمَائِعٍ لِتُنَجِّسْهُمَا بِهِ.
(إلَّا ذَهَبًا وَفِضَّةً) أَيْ إنَاءَهُمَا (فَيَحْرُمُ) اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيُقَاسُ غَيْرُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَيْهِمَا.
(وَكَذَا) يَحْرُمُ (اتِّخَاذُهُ) أَيْ اقْتِنَاؤُهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى اسْتِعْمَالِهِ.
وَالثَّانِي لَا اقْتِصَارًا عَلَى مَوْرِدِ النَّهْيِ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ.
(وَيَحِلُّ) الْإِنَاءُ (الْمُمَوَّهُ) أَيْ الْمَطْلِيُّ بِذَهَبٍ أَوْ

[حاشية قليوبي]

الِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ هُوَ الطَّاهِرُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي هَذِهِ الْأَخِيرَةِ نَظَرٌ لِمُوَافَقَةِ فِعْلِهِ لِمَا فِي الْوَاقِعِ، وَلَيْسَتْ كَمَا لَوْ هَجَمَ كَمَا لَا يَخْفَى.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْفَقِيهِ الْمُخَالِفِ) أَوْ الْمَشْكُوكِ فِي فِقْهِهِ أَوْ فِي مُخَالَفَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَعْتَمِدْهُ) أَيْ فَيَتَوَقَّفُ وَلَا يُلْغِي خَبَرَهُ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ الِاحْتِمَالُ.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ فِي شَرْطِ الِاجْتِهَادِ السَّلَامَةُ مِنْ التَّعَارُضِ، فَلَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ هُنَا مُخْبِرَانِ قَدَّمَ الْأَكْثَرَ فَالْأَوْثَقَ فَالْمُبَيِّنَ لِلسَّبَبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُرَجِّحٌ تَسَاقَطَا وَرَجَعَ إلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ.
(فُرُوعٌ) يُعْمَلُ بِأَصْلِ الطَّهَارَةِ فِيمَا غَلَبَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ كَثِيَابِ مُدْمِنِي الْخَمْرِ وَالْجَزَّارِينَ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَوْ رَفَعَ نَحْوَ كَلْبٍ رَأْسَهُ مِنْ إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ أَوْ مَائِعٌ وَفَمُهُ رَطْبٌ لَمْ يُحْكَمْ بِتَنَجُّسِ مَا فِي الْإِنَاءِ إنْ احْتَمَلَ تَرْطُبُ فَمِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْبَقْلُ النَّابِتُ فِي النَّجَاسَةِ طَاهِرٌ، وَمَا لَاقَى النَّجَاسَةَ مِنْهُ مُتَنَجِّسٌ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، وَلَوْ وُجِدَتْ قِطْعَةُ لَحْمٍ مَرْمِيَّةٌ أَوْ مَكْشُوفَةٌ فَهِيَ نَجِسَةٌ أَوْ مَصُونَةٌ فِي إنَاءٍ أَوْ خِرْقَةٍ، فَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ فِي بَلَدٍ غَلَبَ فِيهَا الْمَجُوسُ وَإِلَّا فَطَاهِرَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ إلَخْ) هُوَ شُرُوعٌ فِي وَسِيلَةِ الْوَسِيلَةِ الَّتِي هِيَ ظُرُوفُ الْمِيَاهِ لِاحْتِيَاجِهَا إلَيْهَا كَمَا مَرَّ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْمُرَادُ بِالْحِلِّ مَا قَابَلَ الْحُرْمَةَ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِيهِ وَلِمَا يَأْتِي فِي الْكَرَاهَةِ، فَخَرَجَ بِهِ الْمَغْصُوبُ وَجِلْدُ الْآدَمِيِّ وَلَوْ مُهْدَرًا كَالْمُرْتَدِّ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَفَارَقَ جَوَازَ إغْرَاءِ الْكِلَابِ عَلَى جِيفَةِ الْمُهْدَرِ نَظَرًا لِلرَّدْعِ فِيهِ، إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِنَصِّ الْحَدِيثِ عَلَيْهِمَا وَلِنَفْيِ تَوَهُّمِ جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِمَا أَخْذًا مِنْ نَفْيِ كَرَاهَةِ الْمُشَمَّسِ فِيهِمَا كَمَا مَرَّ، وَلِكَوْنِ الْحُرْمَةِ فِيهِمَا لِذَاتِهِمَا، وَلِذَلِكَ حُرِّمَا وَلَوْ عَلَى مَالِكِهِمَا بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا، فَالْحُرْمَةُ فِيهِ لِعَارِضٍ، وَمَنْ قَيَّدَ الْحِلَّ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ لِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةُ أَرَادَ أَنَّهُ بِمَعْنَى الصِّحَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ كَمَا مَرَّ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ الِاسْتِثْنَاءِ مُنْقَطِعًا، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فِيهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (كُلِّ إنَاءٍ) أَيْ مَا يُسَمَّى إنَاءً عُرْفًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا كَمَا يَأْتِي، وَقَدْ تَوَضَّأَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شَنٍّ مِنْ جِلْدٍ، وَمِنْ قَدَحٍ مِنْ خَشَبٍ، وَمِنْ مِخْضَبٍ مِنْ حَجَرٍ، وَالشَّنُّ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالنُّونِ كَالرَّكْوَةِ، وَالْمِخْضَبُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ إنَاءٌ كَالْقَدَحِ، وَالْإِنَاءُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمَدِّ مُفْرَدٌ وَجَمْعُهُ آنِيَةٌ وَجَمْعُ آنِيَةٍ أَوَانٍ قَوْلُهُ: (مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ) وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا رَجَعَ إلَيْهِ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ بِقَوْلِهِ فِيهِ قِيلَ وَمَحَلُّهُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فِي مَاءٍ قَلِيلٍ) أَيْ إنْ لَزِمَ عَلَيْهِ تَضَمُّخٌ بِنَجَاسَةٍ فِي بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ كَالْبَوْلِ فِيهِ الْمُصَرَّحُ بِكَرَاهَتِهِ فَقَطْ وَلَوْ فِي إنَاءٍ طَاهِرٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَائِعٍ) إلَّا لِحَاجَةٍ كَوَضْعِ دُهْنٍ فِي إنَاءِ عَاجٍ لِلْوَقُودِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ إنَاءٍ نَجَسٍ جَافٍّ فِي جَافٍّ.
قَوْلُهُ: (إلَّا ذَهَبًا وَفِضَّةً) فَيَحْرُمُ إنْ لَمْ يَصْدَآ وَإِلَّا فَكَالْمُمَوَّهِ.
قَوْلُهُ: (إنَاءَهُمَا) وَمِنْهُ الْمُكْحُلَةُ وَالْمِرْوَدُ وَالْخِلَالُ وَالْمَجَرَّةُ وَالْمِلْعَقَةُ وَالْمُشْطُ وَالْإِبْرَةُ وَنَحْوُهَا.
(فَرْعٌ) يَحْرُمُ تَوَسُّدُ قِطْعَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا وَتَوَسُّدُ إنَائِهِ أَوْ الْوَزْنُ بِقِطْعَةٍ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ تُهَيَّأْ.
قَوْلُهُ: (لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ إلَخْ) عُلِمَ مِنْ الْخَبَرِ أَنَّ الْآنِيَةَ اسْمٌ لِمَا يُعَدُّ لِلشُّرْبِ، وَالصَّحْفَةُ اسْمٌ لِمَا يُعَدُّ لِلْأَكْلِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَعَمُّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَعَمْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ مَا ذُكِرَ لِنَحْوِ تَدَاوٍ كَمِرْوَدِ ذَهَبٍ لِجَلَاءِ الْبَصَرِ، وَخَرَجَ بِالْآنِيَةِ رَأْسُ نَحْوِ كُوزٍ لَا يَصْلُحُ لِوَضْعِ شَيْءٍ فِيهَا فَلَا يَحْرُمُ.
(فَرْعٌ) مِنْ الِاسْتِعْمَالِ الْمُحَرَّمِ مُلَاقَاةُ الْمَاءِ بِفَمِهِ مِنْ مِيزَابِ الْكَعْبَةِ إنْ قَرُبَ مِنْهُ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَعْمِلًا لَهُ عُرْفًا.
(فَائِدَةٌ) طَرِيقُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَا ذُكِرَ مِنْ غَيْرِ حُرْمَةٍ أَنْ يُفْرِغَ مَا فِيهِ فِي غَيْرِهِ وَلَوْ فِي كَفِّهِ لَا بِقَصْدِ اسْتِعْمَالِهِ، ثُمَّ يَسْتَعْمِلَهُ.
قَوْلُهُ: (اقْتِنَاؤُهُ) خَرَجَ بِهِ اتِّخَاذُهُ لِإِجَارَتِهِ لِمَنْ يَجُوزُ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَلِنَحْوِ تِجَارَةٍ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ الْإِنَاءُ الْمُمَوَّهُ)

[حاشية عميرة]

تَغَيَّرَ ظَنُّهُ فِيهِ أَمْ لَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْكَمَالُ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.

قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَكَانَ فَقِيهًا مُوَافِقًا) لَوْ شَكَّ فِي مُوَافَقَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالْمُخَالِفِ، وَكَذَا الشَّكُّ فِي الْفِقْهِ الْأَصْلُ عَدَمُهُ فِيمَا يَظْهَرُ.

قَوْلُ الشَّارِحِ: (عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ)

فِضَّةٍ أَيْ يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِقِلَّةِ الْمُمَوَّهِ بِهِ فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ، وَالثَّانِي يَحْرُمُ لِلْخُيَلَاءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَلَوْ كَثُرَ الْمُمَوَّهُ بِهِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حَرُمَ جَزْمًا.
(وَ) يَحِلُّ الْإِنَاءُ (النَّفِيسُ) مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (كَيَاقُوتٍ) أَيْ يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ (فِي الْأَظْهَرِ) . وَالثَّانِي يَحْرُمُ لِلْخُيَلَاءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ وَدُفِعَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ إلَّا الْخَوَاصُّ وَعَلَى الْحُرْمَةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ يَحْرُمُ الِاتِّخَاذُ فِي الْأَصَحِّ أَخْذًا مِمَّا سَبَقَ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الثَّانِيَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ

(وَمَا ضُبِّبَ) مِنْ إنَاءٍ (بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ضَبَّةً كَبِيرَةً لِزِينَةٍ حَرُمَ) اسْتِعْمَالُهُ (أَوْ صَغِيرَةً بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَلَا) يَحْرُمُ (أَوْ صَغِيرَةً لِزِينَةٍ أَوْ كَبِيرَةً لِحَاجَةٍ جَازَ فِي الْأَصَحِّ) نَظَرًا لِلصِّغَرِ وَلِلْحَاجَةِ وَمُقَابِلُهُ يُنْظَرُ إلَى الزِّينَةِ وَالْكِبَرِ (وَضَبَّةُ مَوْضِعِ الِاسْتِعْمَالِ) نَحْوَ الشُّرْبِ (كَغَيْرِهِ) فِيمَا ذُكِرَ (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي يَحْرُمُ إنَاؤُهَا مُطْلَقًا لِمُبَاشَرَتِهَا بِالِاسْتِعْمَالِ (قُلْت: الْمَذْهَبُ تَحْرِيمُ) إنَاءِ (ضَبَّةِ الذَّهَبِ مُطْلَقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّ فِيهِ الْخُيَلَاءَ مِنْ الْفِضَّةِ أَشَدُّ.
وَأَصْلُ ضَبَّةِ الْإِنَاءِ مَا يُصْلِحُ بِهِ خَلَلَهُ مِنْ صَفِيحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِطْلَاقُهَا عَلَى مَا هُوَ لِلزِّينَةِ تَوَسُّعٌ، وَمَرْجِعُ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ الْعُرْفُ، وَقِيلَ: وَهُوَ أَشْهَرُ: الْكَبِيرَةُ مَا تَسْتَوْعِبُ جَانِبًا مِنْ الْإِنَاءِ كَشَفَةٍ أَوْ أُذُنٍ، وَالصَّغِيرَةُ دُونَ ذَلِكَ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا مَا رُوِيَ أَنَّ «قَدَحَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَشْرَبُ فِيهِ كَانَ مُسَلْسَلًا بِفِضَّةٍ» لِانْصِدَاعِهِ أَيْ مُشَعَّبًا بِخَيْطِ فِضَّةٍ لِانْشِقَاقِهِ وَتَوَسَّعَ الْمُصَنِّفُ فِي نَصْبِ الضَّبَّةِ بِفِعْلِهَا نَصْبَ الْمَصْدَرِ، وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ وَالْمُضَبَّبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنْ كَانَ ضَبَّتُهُ كَبِيرَةً إلَى آخِرِهِ.

[حاشية قليوبي]

وَكَالْإِنَاءِ السُّقُوفُ وَالْجُدْرَانُ وَلَوْ لِلْكَعْبَةِ وَالْمُصْحَفُ وَالْكُرْسِيُّ وَالصُّنْدُوقُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُهَا إنْ لَمْ يَحْصُلْ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ شَيْءٌ مِنْهُ وَإِلَّا حَرُمَ، وَأَمَّا فِعْلُ ذَلِكَ فَحَرَامٌ مُطْلَقًا، وَخَرَجَ بِالتَّمْوِيهِ التَّحْلِيَةُ وَهِيَ قِطَعٌ مِنْ النَّقْدِ تُسَمَّرُ فِي غَيْرِهَا، فَقَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ بِحِلِّهَا فِي نَحْوِ الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ دُونَ غَيْرِهَا كَالْمُصْحَفِ وَالْكُرْسِيِّ وَغَيْرِهَا وَسَيَأْتِي فِيهِ كَلَامٌ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ تَحْرِيمُهَا فِي الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ أَيْضًا وَهُوَ الْوَجْهُ وَعِبَارَتُهُ، وَيَحْرُمُ تَحْلِيَةُ الْكَعْبَةِ وَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) يَنْبَغِي أَنَّ الزَّرْكَشَةَ مِنْ التَّحْلِيَةِ لَا مِنْ التَّمْوِيهِ فَتَأَمَّلْهُ وَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ) أَيْ لَا بِالْمَاءِ الْحَارِّ.
قَوْلُهُ: (حُرِّمَ جَزْمًا) لِمَا فِيهِ مِنْ الْعَيْنِ وَالْخُيَلَاءِ.
(تَنْبِيهٌ) لِعَكْسِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ حُكْمُ عَكْسِهِ كَإِنَاءٍ مِنْ نَقْدٍ طُلِيَ بِنَحْوِ نُحَاسٍ فَإِنْ حَصَلَ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ شَيْءٌ حَلَّ وَإِلَّا حَرُمَ.
قَالَ فِي الْمَنْهَجِ وَالتَّصْرِيحُ بِهَذِهِ مِنْ زِيَادَتِي، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا حَلَّ الِاسْتِعْمَالُ مَعَ مُلَاقَاةِ عَيْنِ النَّقْدِ فَمَعَ عَدَمِهَا أَوْلَى، وَلِذَلِكَ حَمَلُوا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْأَوْلَى مَعَ احْتِمَالِهِ لِلثَّانِيَةِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُجْعَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ شَامِلًا لَهُمَا، فَلَا تَصْرِيحَ وَلَا زِيَادَةَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ النَّفِيسُ) أَيْ لِذَاتِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، أَمَّا لِصَنْعَتِهِ كَإِنَاءٍ مِنْ خَشَبٍ مُحْكَمِ الصَّنْعَةِ فَلَا كَرَاهَةَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (وَمَا ضُبِّبَ) قَالَ شَيْخُنَا وَتُسَمَّرُ الدَّرَاهِمُ فِي نَحْوَ الْإِنَاءِ كَالضَّبَّةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ إنَاءٍ) فَكَالْإِنَاءِ غَيْرُهُ نَحْوَ مِرْوَدٍ وَخِلَالٍ وَغَيْرِهِمَا وَخَرَجَ بِالضَّبَّةِ الْحَلَقَةُ وَالسِّلْسِلَةُ وَالْغِطَاءُ وَالصَّفِيحَةُ عَلَى حَوَافِّي الْإِنَاءِ وَالرَّأْسُ الَّتِي لَيْسَتْ كَالْإِنَاءِ، فَلَا حُرْمَةَ فِيهَا، كَمَا لَا يَحْرُمُ تَنَاوُلُهُ الطَّعَامَ بِأُصْبُعٍ اتَّخَذَهُ مِنْ نَقْدٍ.
قَوْلُهُ: (كَبِيرَةً) أَيْ يَقِينًا، فَلَا حُرْمَةَ مَعَ الشَّكِّ، وَلَا كَرَاهَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (صَغِيرَةً) وَإِنْ تَعَدَّدَتْ مَا لَمْ تَكُنْ لَوْ جُمِعَتْ صَارَتْ كَبِيرَةً.
قَوْلُهُ: (بِقَدْرِ الْحَاجَةِ) وَالْمُرَادُ بِهَا إصْلَاحُ الْإِنَاءِ أَصَالَةً لَا عَدَمُ غَيْرِ النَّقْدِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ) بِلَا خِلَافٍ فِي ضَبَّةِ الْفِضَّةِ، وَعَلَى مُقَابِلِ الْأَصَحِّ فِي ضَبَّةِ الذَّهَبِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْحُرْمَةِ قَبْلَهُ أَيْ أَنَّهَا حَرَامٌ فِي الْفِضَّةِ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي الذَّهَبِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَوْلُهُ: (جَازَ فِي الْأَصَحِّ) أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ صَفِيحَةٍ) . قَالَ شَيْخُنَا: وَإِنْ عَمَّتْ جَمِيعَ الْإِنَاءِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ، وَمَا قِيلَ إنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى ضَبَّةً مَمْنُوعٌ قَوْلُهُ: (الْعُرْفُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (مُشَعَّبًا) بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْ السِّلْسِلَةِ لِأَحَقِّيَّتِهَا السَّابِقَةِ.
قَوْلُهُ: (وَتَوَسَّعَ الْمُصَنِّفُ) قَدْ يُقَالُ: لَا تَوَسُّعَ، بَلْ إنَّهَا خَبَرٌ لَكَانَ الْمَحْذُوفَةِ مَعَ اسْمِهَا.

[حاشية عميرة]

قَالَ الرَّافِعِيُّ: لِشُمُولِ مَعْنَى الْخُيَلَاءِ وَإِنْ جَازَ لَهُنَّ الْحُلِيُّ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ تَزْيِينًا كَمَا أَنَّ افْتِرَاشَ الْحَرِيرِ يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ، وَلَا يَحْرُمُ اللُّبْسُ عَلَيْهِنَّ، انْتَهَى.
وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ جَوَازَ افْتِرَاشِهِنَّ لِلْحَرِيرِ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (كَيَاقُوتٍ) مِنْهُ الْعَقِيقُ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، ثُمَّ الْمُرَادُ نَفِيسُ الذَّاتِ دُونَ الصِّفَةِ فَقَطْ.

قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ صَغِيرَةٍ لِزِينَةٍ إلَخْ) اسْتَشْكَلَ

بَابُ أَسْبَابِ الْحَدَثِ أَيْ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الْأَصْغَرُ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِنَوَاقِضِ الْوُضُوءِ (هِيَ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ) أَيْ الْمُتَوَضِّئِ (أَوْ دُبُرِهِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: 43] :.

[حاشية قليوبي]

(تَنْبِيهٌ) قَدْ أَوْصَلَ بَعْضُهُمْ مَسَائِلَ الضَّبَّةِ إلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ مَسْأَلَةً خَارِجًا عَنْ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ فَرَاجِعْهُ.

بَابُ أَسْبَابِ الْحَدَثِ هِيَ جَمْعُ سَبَبٍ، وَهُوَ لُغَةً مَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى غَيْرِهِ، وَعُرْفًا مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ، وَإِضَافَتُهَا إلَى الْحَدَثِ بَيَانِيَّةٌ، وَلَامُهُ لِلْجِنْسِ، كَذَا قَالُوا، وَالْوَجْهُ بَقَاءُ الْإِضَافَةِ عَلَى حَقِيقَتِهَا لِأَنَّهَا أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ، وَلَيْسَ الْفَائِتُ فِيهَا إلَّا تَسْمِيَةُ الْأَسْبَابِ حَدَثًا، وَلَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ أَمْرٍ مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ مِمَّا بَعْدَهُ فَتَأَمَّلْ، وَفِي اسْمِهَا وَجْهُ تَقْدِيمِهَا عَلَى الْوُضُوءِ، وَلِمُوَافَقَةِ الْوُجُودِ وَالطَّبْعِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدَثِ فِي عِبَارَةِ الْفُقَهَاءِ الْأَصْغَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَكَذَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ إلَّا لِقَرِينَةٍ كَنِيَّةِ الْجُنُبِ رَفْعَ الْحَدَثِ، فَيَنْصَرِفُ إلَى الْأَكْبَرِ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ الَّذِي عَلَيْهِ، وَيُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا الْأَسْبَابُ الَّتِي شَأْنُهَا أَنْ يَنْتَهِيَ بِهَا الطُّهْرُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَثَانِيهَا أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ مَعَ وُجُودِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ، وَثَالِثُهَا الْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا الْمُرَتَّبُ عَلَى الْأَسْبَابِ حَقِيقَةً وَعَلَى الْأَمْرِ الِاعْتِبَارِيِّ اعْتِبَارًا لِأَنَّهُ نَتِيجَةٌ لَهُ وَإِلَّا فَهُمَا مُتَقَارِنَانِ، بَلْ الثَّلَاثَةُ مُتَقَارِنَةٌ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
وَالْمُرَادُ بِالْأَعْضَاءِ مَا يُغْسَلُ وُجُوبًا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ فِي الرَّأْسِ جُزْءٌ مُبْهَمٌ يَتَعَيَّنُ بِوُقُوعِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ وَدُخُولِ الْمَنْدُوبِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ شُمُولُ اسْمِ الْوُضُوءِ لَهُ، وَقِيلَ: يَقُومُ بِجَمِيعِهَا فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَنْدُوبُ مِنْهَا، وَقِيلَ: بِجَمِيعِ الْبَدَنِ، وَيَرْتَفِعُ بِغَسْلِ الْوَاجِبِ مِنْهَا وَمَنْعِ مَسِّ نَحْوِ الْمُصْحَفِ بِغَيْرِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا وَلَوْ بَعْدَ غَسْلِهِ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ الَّذِي هُوَ غَسْلُ كُلِّهَا، وَقَوْلُهُمْ الَّتِي يَنْتَهِي بِهَا الطُّهْرُ، أَيْ لَوْ كَانَ وَإِلَّا فَهِيَ أَسْبَابٌ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَلِذَلِكَ صَحَّتْ النِّيَّةُ الْمُضَافَةُ إلَى غَيْرِ الْأَوَّلِ مِنْهَا مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (بِنَوَاقِضِ الْوُضُوءِ) ذَكَرَهُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ نَقْضٌ فِيمَا يَأْتِي، إذْ أَصْلُ النَّاقِضِ مَا يُزِيلُ الشَّيْءَ مِنْ أَصْلِهِ اللَّازِمِ عَلَيْهِ بُطْلَانُ مَا مَضَى بِمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ كَالْعِبَادَةِ هُنَا، وَلَيْسَ مُرَادًا.
قَوْلُهُ: (هِيَ) أَيْ الْأَسْبَابُ الَّتِي تَرَتَّبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا قِيَامُ الْحَدَثِ بِجَمِيعِ الْأَعْضَاءِ فِيمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةٌ) الْحَصْرُ فِيهَا تَعَبُّدِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا خَامِسٌ، وَشِفَاءُ دَائِمِ الْحَدَثِ غَيْرُ نَاقِضٍ، لِأَنَّ حَدَثَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ، كَذَا قَالُوهُ، وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ، فَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ وَلَا بَعْدَهُ لَمْ تَبْطُلْ طَهَارَتُهُ بِشِفَائِهِ، وَحِينَئِذٍ فَبُطْلَانُهَا بِشِفَائِهِ بَعْدَ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ فِي ذَلِكَ مَنْسُوبٌ إلَى ذَلِكَ الْخَارِجِ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ لِلضَّرُورَةِ وَقَدْ زَالَتْ فَتَأَمَّلْ، وَبُطْلَانُ مَسْحِ الْخُفِّ لِلْمُتَطَهِّرِ يُوجِبُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ فَقَطْ عَلَى أَنَّهُ بِسَبَبِ الْحَدَثِ السَّابِقِ فَتَأَمَّلْ، وَأَمَّا أَفْرَادُهَا فَغَيْرُ الْخَارِجِ مِنْهَا مَعْقُولُ الْمَعْنَى مُقَاسٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا هُوَ فَلَا، وَإِلْحَاقُ النَّادِرِ فِيهِ بِالْمُعْتَادِ مِنْ حَيْثُ عُمُومُ الْخَارِجِ بِشُمُولِهِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (خُرُوجُ شَيْءٍ) فَهُوَ

[حاشية عميرة]

الْإِسْنَوِيُّ هَذَا بِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَى تَحْرِيمِ تَحْلِيَةِ السِّكِّينِ وَالْمُقَلِّمَةِ وَنَحْوِهِمَا مُطْلَقًا وَاتِّخَاذِ سِنِّ الْخَاتَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي تَضْبِيبِ الْأَوَانِي لِكَثْرَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَمْوِيهُ السَّيْفِ وَالْخَاتَمِ وَنَحْوِهِمَا بِالذَّهَبِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى مَا ذُكِرَ هُنَا مِنْ التَّمْوِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَاكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يُلْبَسُ بِخِلَافِ هَذَا، أَوْ يُحْمَلُ ذَاكَ عَلَى نَفْسِ الْفِعْلِ، وَهَذَا عَلَى الِاسْتِعْمَالِ، قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: الِاسْتِعْمَالُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الْفِعْلِ بِدَلِيلِ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي الِاتِّخَاذِ دُونَ الِاسْتِعْمَالِ.

[بَابُ أَسْبَابِ الْحَدَثِ]

ِ قَوْلُ الْمَتْنِ: (هِيَ أَرْبَعَةٌ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: عِلَّةُ النَّقْضِ بِهَا غَيْرُ مَعْقُولَةٍ فَلَا يُقَاسُ عَلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرُهَا، وَلَك أَنْ تَقُولَ: التَّعَالِيلُ الْآتِيَةُ فِي مَسَائِلِ اللَّمْسِ تَقْتَضِي أَنَّهُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ قُبُلِهِ) قِيلَ: هَذَا التَّعْبِيرُ مِنْ حَيْثُ شُمُولُهُ مَا يَخْرُجُ مِنْ

وَالْغَائِطُ: الْمَكَانُ الْمُطَمْئِنُ مِنْ الْأَرْضِ تُقْضَى فِيهِ الْحَاجَةُ، سُمِّيَ بِاسْمِهِ الْخَارِجُ لِلْمُجَاوَرَةِ.
وَسَوَاءٌ فِي النَّقْضِ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ كَالْبَوْلِ وَالنَّادِرُ كَالدَّمِ.
(إلَّا الْمَنِيَّ) فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَأَنْ احْتَلَمَ النَّائِمُ قَاعِدًا عَلَى وُضُوءٍ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ الْأَعَمَّ مِنْ الْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا نَقَضَ الْحَيْضُ مَعَ إيجَابِهِ الْغُسْلَ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِبَقَاءِ الْوُضُوءِ مَعَهُ.
(وَلَوْ انْسَدَّ مَخْرَجُهُ وَانْفَتَحَ) مَخْرَجٌ (تَحْتَ مَعِدَتِهِ) وَهِيَ مِنْ السُّرَّةِ إلَى الْمُنْخَسِفِ تَحْتَ الصَّدْرِ، أَيْ انْفَتَحَ تَحْتَ السُّرَّةِ كَمَا قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ (فَخَرَجَ) مِنْهُ (الْمُعْتَادُ نُقِضَ، وَكَذَا نَادِرٌ كَدُودٍ فِي الْأَظْهَرِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُنْسَدِّ فِي الْمُعْتَادِ ضَرُورَةً، فَكَذَا فِي

[حاشية قليوبي]

الْمُوجِبُ وَالْمُرَادُ تَيَقُّنُ خُرُوجِهِ فَلَا نَقْضَ بِالشَّكِّ كَمَا يَأْتِي، وَالِانْقِطَاعُ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ وَالْقِيَامُ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا شَرْطٌ لِضِيقِ الْوَقْتِ، وَالْمُرَادُ بِمَا ذُكِرَ مَا يَعُمُّ خُرُوجَ الشَّيْءِ وَبَعْضَهُ وَإِنْ عَادَ أَوْ اسْتَمَرَّ، وَمِنْهُ مَا لَوْ سَلَّ عُودًا أَدْخَلَهُ فِي نَحْوَ قَصَبَةِ ذَكَرِهِ مَعَ بَقَائِهَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِالدُّخُولِ إنْ لَمْ يَعُدْ مِنْ الدَّاخِلِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (مِنْ قُبُلِهِ) هُوَ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ مَخْرَجَ الْبَوْلِ وَالْحَيْضِ وَقُبُلَيْ الْخُنْثَى، وَيَشْمَلُ الْمُتَعَدِّدَ إلَّا زَائِدًا يَقِينًا عَلَى غَيْرِ سَمْتِ الْأَصْلِيِّ.
نَعَمْ فِي النَّقْضِ بِالْخَارِجِ مِنْ أَحَدِهِمَا مَعَ الشَّكِّ بَحْثٌ يُعْلَمُ مِنْ الْخُنْثَى وَغَيْرِهِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ قَاسِمٍ عَدَمُ النَّقْضِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي اللَّمْسِ كَمَا يَأْتِي فَتَأَمَّلْهُ.
وَيُعْتَبَرُ مِنْ ذَكَرَيْنِ يَبُولُ بِأَحَدِهِمَا وَيُمْنِي مِنْ الْآخِرِ الْأَوَّلُ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (الْمُتَوَضِّئِ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ فَرْضًا فَهُوَ تَقْرِيبٌ، وَالْمُرَادُ الْحَيُّ الْوَاضِحُ، فَلَا بُدَّ فِي الْخُنْثَى مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ قُبُلَيْهِ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: (الْمُطَمْئِنُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا وَأَصْلُهُ الْمُطَمْأَنُ فِيهِ، فَحُذِفَ الْجَارُّ فَاتَّصَلَ الضَّمِيرُ وَاسْتَكَنَّ.
قَوْلُهُ: (وَالْخَارِجُ) . قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ: مِنْ الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ نَادِرًا كَالدَّمِ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ غَيْرُ مُخَالِفٍ لَهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا قِيَاسَ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَالدَّمِ) وَلَوْ مِنْ الْبَاسُورِ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَيَنْقُضُ خُرُوجُ نَفْسِ الْبَاسُورِ أَوْ زِيَادَةُ خُرُوجِهِ، وَكَذَا مَقْعَدَةُ الْمَزْحُورِ، وَلَا يَضُرُّ دُخُولُهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ وَلَوْ بِقُطْنَةٍ، وَلَا يَضُرُّ فَصْلُ شَيْءٍ عَلَى الْقُطْنَةِ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُنْفَصِلِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا الْمَنِيَّ) أَيْ مَنِيُّهُ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ فَخَرَجَ مَنِيُّ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِمَنِيِّهِ وَمَنِيُّهُ الْخَارِجُ بَعْدَ اسْتِدْخَالِهِ، وَخَرَجَ بِالْمَنِيِّ الْوَلَدُ وَلَوْ عَلَقَةً وَمُضْغَةً فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَعَ إيجَابِهِ الْغُسْلَ مُطْلَقًا.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: لَا يَنْقُضُ لَوْ كَانَ جَافًّا كَالْمَنِيِّ، وَلِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا عَقِبَهُ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَتُفْطِرُ بِهِ لَوْ كَانَتْ صَائِمَةً، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَفِي ذَلِكَ تَبْعِيضُ الْأَحْكَامِ فَرَاجِعْهُ.
وَأَمَّا خُرُوجُ بَعْضِ الْوَلَدِ فَيَنْقُضُ وَلَا يَلْزَمُهَا بِهِ غُسْلٌ حَتَّى يَتِمَّ جَمِيعُهُ.
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَلَا تُعِيدُ مَا فَعَلَتْهُ مِنْ الْعِبَادَةِ قَبْلَ تَمَامِهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْغُسْلُ بِكُلِّ جُزْءٍ لِانْعِقَادِهِ مِنْ مَنِيِّهِمَا، وَدُفِعَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ: تَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فِي كُلِّ جُزْءٍ.
قَوْلُهُ: (الْأَعَمَّ) أَيْ لِشُمُولِهِ جَمِيعَ الْبَدَنِ فَهُوَ مِنْ قَاعِدَةِ أَنَّ مَا أَوْجَبَ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ بِخُصُوصِهِ لَا يُوجِبُ أَدْوَنَهُمَا مَعَهُ بِعُمُومِهِ، كَزِنَا الْمُحْصِنِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الرَّجْمُ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ زِنَا مُحْصِنٍ، فَلَا يُوجِبُ أَدْوَنَهُمَا وَهُوَ الْجَلْدُ بِعُمُومِ كَوْنِهِ زِنًى، فَهُنَا أَوْجَبَ الْغُسْلَ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ مَنِيًّا، فَلَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ بِعُمُومِ كَوْنِهِ خَارِجًا، وَلَا يَرِدُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ جِمَاعًا مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ لِعُمُومِ كَوْنِهِ مُفَطِّرًا، وَلَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ بِخُصُوصِ كَوْنِهَا غَمُوسًا مَعَ التَّعْزِيرِ بِعُمُومِ كَوْنِهَا مَعْصِيَةً لِعَدَمِ الْمُجَانَسَةِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: الْأَعَمَّ الْمُفِيدَ أَنَّ الْأَدْوَنَ بَعْضُ الْأَعْظَمِ، وَلَا يَرِدُ مَا لَوْ كَفَّرَ فِي رَمَضَانَ بِالصَّوْمِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ وَلَمَّا كَانَ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ، أَجَابَ عَنْهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا نَقَضَ الْحَيْضُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لَا فَائِدَةَ لِبَقَاءِ الْوُضُوءِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ بِخِلَافِهِ فِي الْمَنِيِّ فَلِبَقَائِهِ فَائِدَةٌ فِي سَلَسٍ بِصِحَّةِ صَلَاتِهِ قَطْعًا أَوْ بِأَنَّهُ يَنْوِي بِوُضُوئِهِ فِيهِ سُنَّةَ الْغُسْلِ لَا رَفْعَ الْحَدَثِ، لَا يُقَالُ: قَدْ يُتَصَوَّرُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي النِّفَاسِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا نَادِرٌ عَلَى أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ سَلَسٌ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ أَصْلًا: نَعَمْ يَصِحُّ غُسْلُ الْحَائِضِ وَوُضُوءُهَا لِذَلِكَ الْغُسْلِ فِي نَحْوِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُبِيحٍ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ النَّظَافَةُ.
قَوْلُهُ: (انْسَدَّ) بِأَنَّ صَارَ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَإِنْ لَمْ يَلْتَحِمْ.
قَوْلُهُ: (مَخْرَجُهُ) هُوَ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ مَا لَوْ انْسَدَّ كُلٌّ مِنْ قُبُلِهِ وَدُبُرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَانْفَتَحَ) يُفِيدُ طُرُوُّ انْفِتَاحِهِ، وَعَطْفُهُ بِالْوَاوِ يُفِيدُ شُمُولَهُ لِمَا لَوْ كَانَ الِانْفِتَاحُ قَبْلَ الِانْسِدَادِ، أَوْ كَانَ بِفِعْلٍ، أَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَخَرَجَ بِهِ الْمَنَافِذُ الْأَصْلِيَّةُ كَأُذُنِهِ وَفَمِهِ فَلَا نَقْضَ بِالْخَارِجِ مِنْهَا خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا.
قَوْلُهُ: (مَخْرَجٌ) فَإِنْ تَعَدَّدَ وَكَانَ بَعْضُهُ أَقْرَبَ فَيَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْ كُلٍّ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ مِنْ السُّرَّةِ إلَخْ) هَذَا حَقِيقَتُهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَاللُّغَوِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مِنْ حَيْثُ الْأَحْكَامُ نَفْسُ السُّرَّةِ وَمَا حَاذَاهَا مِنْ خَلْفِهِ وَجَوَانِبِهِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِمَا فِي الدَّقَائِقِ.
قَوْلُهُ: (الْمُعْتَادُ) أَيْ لِلشَّخْصِ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ مَا لِلْمُنْسَدِّ وَمِنْهُ الرِّيحُ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَلَعَلَّ تَخْصِيصَهُ بِغَيْرِ الرِّيحِ لِاعْتِبَارِهِ النَّقْضَ بِالْخَارِجِ مِنْ الْمَنَافِذِ الَّتِي مِنْهَا الْفَمُ وَلَا يُتَصَوَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَأَلْحَقَ غَيْرَهُ بِهِ كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَمِنْ الْمُعْتَادِ الْمَذْيُ وَالْوَدْيُ وَالْمَنِيُّ كَمَا قَالَهُ الدَّمِيرِيِّ وَغَيْرُهُ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِبَعْضِ كُتُبِ النَّوَوِيِّ أَنَّهَا مِنْ النَّادِرِ مُرَادُهُ مَا لَا يَكْثُرُ وُجُودُهُ كَالْبَوْلِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْمُنْفَتِحِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ ذَلِكَ لِمَا يَأْتِي فِي الْغُسْلِ

[حاشية عميرة]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

النَّادِرِ.
وَالثَّانِي يَقُولُ: لَا ضَرُورَةَ فِي قِيَامِهِ مَقَامَهُ فِي النَّادِرِ فَلَا يَنْقُضُ (أَوْ) انْفَتَحَ (فَوْقَهَا) أَيْ فَوْقَ الْمَعِدَةِ بِأَنْ انْفَتَحَ فِي السُّرَّةِ وَمَا فَوْقَهَا، كَمَا قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ (وَهُوَ) أَيْ الْأَصْلِيُّ (مُنْسَدٌّ أَوْ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْفَتِحٌ فَلَا) يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْهُ الْمُعْتَادُ (فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهُ مِنْ فَوْقِهَا بِالْقَيْءِ أَشْبَهُ إذْ مَا تُحِيلُهُ الطَّبِيعَةُ تَدْفَعُهُ إلَى أَسْفَلَ وَمِنْ تَحْتِهَا لَا ضَرُورَةَ إلَى مَخْرَجِهِ مَعَ انْفِتَاحِ الْأَصْلِيِّ وَالثَّانِي يَنْقُضُ لِأَنَّهُ ضَرُورِيُّ الْخُرُوجِ تَحَوَّلَ مَخْرَجُهُ إلَى مَا ذُكِرَ، وَعَلَى هَذَا لَا يَنْقُضُ النَّادِرُ فِي الْأَظْهَرِ، وَلَوْ انْفَتَحَ فَوْقَهَا وَالْأَصْلِيُّ مُنْفَتِحٌ فَلَا نَقْضَ كَالْقَيْءِ، وَفِيهِ وَجْهٌ وَحَيْثُ قِيلَ بِالنَّقْضِ فِي الْمُنْفَتِحِ فَقِيلَ لَهُ حُكْمُ الْأَصْلِيِّ مِنْ إجْزَاءِ الِاسْتِنْجَاءِ فِيهِ بِالْحَجَرِ، وَإِيجَابِ الْوُضُوءِ بِمَسِّهِ، وَالْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ، وَتَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَيْهِ فَوْقَ الْعَوْرَةِ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ لِخُرُوجِهِ عَنْ مَظِنَّةِ الشَّهْوَةِ وَخُرُوجِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ عَنْ الْقِيَاسِ، فَلَا يَتَعَدَّى الْأَصْلِيُّ، أَمَّا الْأَصْلِيُّ فَأَحْكَامُهُ بَاقِيَةٌ.
وَلَوْ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مَسْدُودَ الْأَصْلِيِّ فَمُنْفَتِحُهُ كَالْأَصْلِيِّ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِالْخَارِجِ مِنْهُ تَحْتَ الْمَعِدَةِ كَانَ أَوْ فَوْقَهَا.
وَالْمَسْدُودُ كَعُضْوٍ زَائِدٍ مِنْ الْخُنْثَى لَا يَجِبُ بِمَسِّهِ وُضُوءٌ وَلَا بِإِيلَاجِهِ أَوْ الْإِيلَاجُ فِيهِ غُسْلٌ.
قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَلَمْ أَرَ لِغَيْرِهِ تَصْرِيحًا بِمُوَافَقَتِهِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ.

(الثَّانِي زَوَالُ الْعَقْلِ) أَيْ التَّمْيِيزِ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ كَجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ

[حاشية قليوبي]

فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ انْفَتَحَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِفَوْقِهَا مَا فَوْقَ تَحْتِهَا، فَهُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، أَوْ أَنَّهُ اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنْ الْمُضَافِ، وَفِي نُسْخَةٍ فَوْقَهُ وَهِيَ وَاضِحَةٌ، وَفَوْقَهَا مَعْطُوفٌ عَلَى تَحْتَهَا لَا بِقَيْدِ الِانْسِدَادِ فَلَا يُخَالِفُ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ ضَرُورِيُّ الْخُرُوجِ) أَيْ فِي نَفْسِهِ تَحَوَّلَ مَخْرَجُهُ أَيْ صَارَ لَهُ مَخْرَجٌ آخَرُ، فَالْعِلَّةُ صَالِحَةٌ لِمُقَابِلِ الْقَوْلَيْنِ قَبْلَهُ، وَفَارَقَ مَا قَبْلَهُ بِأَنَّهُ لَا حُكْمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَخْرَجٌ قَطْعًا لِلْمُنَاسِبِ فَأَمْكَنَ جَعْلُهُ مَخْرَجًا لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى هَذَا لَا يَنْقُضُ) بِإِثْبَاتِ لَا عَلَى الصَّوَابِ الْمُتَعَيَّنِ لِفَقْدِ عِلَّةِ الضَّعِيفِ الْمَذْكُورَةِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِ: الصَّوَابُ حَذْفُهَا كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَحَيْثُ قِيلَ) أَيْ عَلَى الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ صَحِيحُهَا وَضَعِيفُهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ) فَأَحْكَامُ الْأَصْلِيِّ بَاقِيَةٌ لَهُ مَا عَدَا النَّقْضَ بِالْخَارِجِ، وَمِثْلُهُ النَّوْمُ مُمَكِّنًا إنْ أَمْكَنَ، وَلَا يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ، وَلَوْ لَمْ يَنْفَتِحْ لَهُ مَخْرَجٌ أَصْلًا مَعَ انْسِدَادِ الْأَصْلِيِّ فَفِي النَّقْضِ بِنَوْمِهِ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ خُلِقَ) أَشَارَ إلَى أَنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي الِانْسِدَادِ الْعَارِضِ، وَهَذَا فِي الْخِلْقِيِّ، وَالْمُرَادُ بِالِانْسِدَادِ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَمُنْفَتِحُهُ) وَلَوْ فَوْقَ الْمَعِدَةِ أَوْ فِيهَا أَوْ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ الْأَصْلِيِّ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (بِالْخَارِجِ مِنْهُ) وَلَوْ نَادِرًا.
قَوْلُهُ (كَعُضْوٍ زَائِدٍ مِنْ الْخُنْثَى) فَجَمِيعُ أَحْكَامِ الْأَصْلِيِّ انْتَقَلَتْ عَنْهُ إلَيْهِ، وَمِنْهَا الِاكْتِفَاءُ فِيهِ بِالْحَجَرِ وَمِنْهَا سَتْرُهُ عَنْ الْأَجَانِبِ وَفِي الصَّلَاةِ وَلَوْ حَالَ السُّجُودُ لَوْ كَانَ فِي الْجَبْهَةِ مَثَلًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ، وَكَشْفُهَا يُبْطِلُهَا خِلَافًا لِلْخَطِيبِ، وَانْظُرْ قَدْرَ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ وَيُبْطِلُ كَشْفُهُ فِي الْجَبْهَةِ وَغَيْرِهَا، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: وَحَيْثُ أُقِيمَ إلَخْ هُوَ فِي الِانْسِدَادِ الْعَارِضِ خِلَافًا لِمَا تَقْتَضِيهِ عِبَارَتُهُ.
(تَنْبِيهٌ) سَيَأْتِي حُكْمُ خُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ الْمُنْفَتِحِ فِي الِانْسِدَادِ الْخِلْقِيِّ وَالْعَارِضِ فَرَاجِعْهُ مِنْ الْغُسْلِ.

قَوْلُهُ: (الْعَقْلِ) هُوَ لُغَةً الْمَنْعُ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَنْعِهِ صَاحِبَهُ مِنْ الْفَوَاحِشِ وَشَرْعًا يُطْلَقُ عَلَى التَّمْيِيزِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَيُعَرَّفُ بِأَنَّهُ صِفَةٌ يُمَيِّزُ بِهَا بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ وَهَذَا يُزِيلُهُ الْإِغْمَاءُ وَنَحْوُهُ، وَعَلَى الْغَرِيزِيِّ، وَيُعَرَّفُ بِأَنَّهُ غَرِيزَةٌ يَتْبَعُهَا الْعِلْمُ بِالضَّرُورِيَّاتِ.
أَيْ ضَرُورَةً بِمَعْنَى قَهْرًا عَلَى صَاحِبِهِ عِنْدَ سَلَامَةِ الْآلَاتِ أَيْ الْحَوَاسِّ، وَهَذَا لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْجُنُونُ وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَلَهُ شُعَاعٌ مُتَّصِلٌ بِالدِّمَاغِ، فَهُوَ مُطْلَقًا زَوَالُ الشُّعُورِ مِنْ الْقَلْبِ ثُمَّ إنْ كَانَ مَعَ قُوَّةِ حَرَكَةِ الْأَعْضَاءِ بِلَا طَرِبٍ فَهُوَ الْجُنُونُ، أَوْ مَعَ طَرِبٍ فَهُوَ السُّكْرُ، أَوْ مَعَ فُتُورِ الْأَعْضَاءِ فَهُوَ الْإِغْمَاءُ، أَوْ مَعَ اسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ فَهُوَ النَّوْمُ، وَيُعَرَّفُ النَّوْمُ بِأَنَّهُ رِيحٌ لَطِيفَةٌ تَأْتِي مِنْ الدِّمَاغِ إلَى الْقَلْبِ فَتُغَطِّي الْعَيْنَ، فَإِنْ لَمْ تَصِلْ إلَى الْقَلْبِ فَهُوَ النُّعَاسُ وَلَا نَقْضَ بِهِ، وَمِنْ عَلَامَتِهِ سَمَاعُ كَلَامِ الْحَاضِرِينَ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْهُ، وَمِنْ عَلَامَةِ النَّوْمِ الرُّؤْيَا، لَكِنْ لَوْ وُجِدَتْ الرُّؤْيَا وَلَمْ يَتَذَكَّرْ نَوْمًا أَوْ شَكَّ هَلْ نَامَ أَوْ نَعَسَ فَلَا نَقْضَ فِيهِمَا، وَمَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا مِنْ النَّقْضِ فِي الثَّانِيَةِ تَبَعًا لِشَرْحِ الرَّوْضِ فِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ.
(فَائِدَةٌ) نَوْمُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِأَنَّهُمْ لَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ كَمَا فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (كَجُنُونٍ إلَخْ) أَشَارَ بِالْكَافِ إلَى

[حاشية عميرة]

مَدْخَلِ ذَكَرِ الزَّوْجِ فِي الْمَرْأَةِ وَمَخْرَجِ بَوْلِهَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ الْمُحَرَّرِ كَغَيْرِهِ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَعَلَى هَذَا لَا يَنْقُضُ النَّادِرُ فِي الْأَظْهَرِ) كَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَيْضًا.

قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَيْ التَّمْيِيزُ) ، أَيْ فَالِاسْتِثْنَاءُ الْآتِي فِي الْمَتْنِ مُتَّصِلٌ.

قَوْلُ الشَّارِحِ:

«الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَغَيْرُ النَّوْمِ مِمَّا ذُكِرَ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي الذُّهُولِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ الدُّبُرِ، كَمَا أَشْعَرَ بِهَا الْحَدِيثُ إذْ السَّهُ الدُّبُرُ، وَوِكَاؤُهُ حِفَاظُهُ عَنْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ لَا يَشْعُرُ بِهِ، وَالْعَيْنَانِ كِنَايَةٌ عَنْ الْيَقِظَةِ.
(إلَّا نَوْمَ مُمَكِّنِ مَقْعَدِهِ) أَيْ أَلْيَتَيْهِ مِنْ مَقَرِّهِ فَلَا يَنْقُضُ لِأَمْنِ خُرُوجِ شَيْءٍ فِيهِ مِنْ دُبُرِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِاحْتِمَالِ خُرُوجِ رِيحٍ مِنْ الْقُبُلِ لِنُدْرَتِهِ وَلَا تَمْكِينَ لِمَنْ نَامَ عَلَى قَفَاهُ مُلْصِقًا مَقْعَدَهُ بِمَقَرِّهِ، وَلَا لِمَنْ نَامَ قَاعِدًا وَهُوَ هَزِيلٌ بَيْنَ بَعْضِ مَقْعَدِهِ وَمَقَرِّهِ تَجَافٍ.

(الثَّالِثُ: الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43] أَيْ لَمَسْتُمْ كَمَا قُرِئَ بِهِ، وَاللَّمْسُ الْجَسُّ بِالْيَدِ كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَالْمَعْنَى فِي النَّقْضِ بِهِ أَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلِالْتِذَاذِ الْمُثِيرِ لِلشَّهْوَةِ وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ بَاقِي صُوَرِ الِالْتِقَاءِ، فَأُلْحِقَ بِهِ وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ اللَّمْسُ تَوَسُّعًا (إلَّا مَحْرَمًا) فَلَا يَنْقُضُ لَمْسُهَا (فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ، وَالثَّانِي يَنْقُضُ لِعُمُومِ النِّسَاءِ فِي الْآيَةِ، وَالْأَوَّلُ اسْتَنْبَطَ مِنْهَا مَعْنًى خَصَّصَهَا، وَالْمَحْرَمُ مَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ.

[حاشية قليوبي]

إدْخَالِ الْمَذْهُولِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمُبَرْسَمِ وَالْمَطْبُوبِ، أَيْ الْمَسْحُورِ.
قَوْلُهُ: (وِكَاءُ السَّهِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، وَأَصْلُ الْوِكَاءِ الْخَيْطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ فَمُ نَحْوِ الْقِرْبَةِ لِمَنْعِ خُرُوجِ مَا فِيهَا فَشُبِّهَتْ الْيَقِظَةُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ النَّوْمِ أَبْلَغُ مِنْهُ) وَجْهُ الْأَبْلَغِيَّةِ أَنَّهُ أَقْوَى فِي زَوَالِ الشُّعُورِ مِنْ الْقَلْبِ كَمَا مَرَّ وَأَنَّهُ يَنْقُضُ مَعَ التَّمْكِينِ.
وَالْمَظِنَّةُ بِمَعْنَى الظَّنِّ الْمُنَزَّلِ مَنْزِلَةَ الْيَقِينِ، فَلِذَلِكَ بَطَلَ اسْتِصْحَابُ يَقِينِ الطَّهَارَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَ الْحُكْمُ إلَى النَّوْمِ فَصَارَ نَاقِضًا وَإِنْ كَانَ مَسْدُودَ الْمَخْرَجِ أَوْ تَيَقَّنَ عَدَمَ خُرُوجِ شَيْءٍ كَإِخْبَارِ مَعْصُومٍ بِعَدَمِهِ.
نَعَمْ لَوْ قَالَ لَهُ الْمَعْصُومُ تَوَضَّأْ أَوْ قَالَ لَهُ لَا تَتَوَضَّأْ وَجَبَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ فِيهِمَا سَوَاءٌ نَامَ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (إلَّا نَوْمَ مُمَكَّنِ) وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ طَالَ وَلَوْ فِي رُكْنٍ قَصِيرٍ، وَخَالَفَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي الرُّكْنِ الْقَصِيرِ لِأَنَّ تَعَاطِيَهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَهُوَ كَالْعَمْدِ، وَفِيهِ بَحْثٌ يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي عَنْهُ فِي مَسْحِ الْخُفِّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ أَلْيَتَيْهِ) وَلَوْ مُحْتَبِيًا أَوْ رَاكِبًا عَلَى دَابَّةٍ أَوْ مَادًّا رِجْلَيْهِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، فَلَوْ زَالَتْ إحْدَى أَلْيَتَيْهِ عَنْ مَقَرِّهَا فَإِنْ كَانَ قَبْلَ انْتِبَاهِهِ يَقِينًا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَإِلَّا فَلَا، كَمَا لَا يَنْتَقِضُ لَوْ شَكَّ هَلْ كَانَ مُتَمَكِّنًا أَوْ لَا.
نَعَمْ لَوْ أَخْبَرَهُ مَعْصُومٌ بِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا لِأَنَّ اسْتِصْحَابَ يَقِينِ الطَّهَارَةِ أَقْوَى مِنْهُ، وَفَارَقَ اعْتِمَادَهُ فِي تَنَجُّسِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ.
قَوْلُهُ: (لِنُدْرَتِهِ) فَلَوْ اعْتَادَهُ وَلَوْ بِمَرَّةٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِنَوْمِهِ إلَّا إنْ مَكَّنَهُ وَأَمْكَنَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَمْكِينَ إلَخْ) أَيْ فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ.
نَعَمْ لَوْ جَلَسَ الْهَزِيلُ عَلَى نَحْوَ قُطْنٍ مِمَّا يَمْنَعُ خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَا نَقْضَ، وَالسِّمَنُ الْمُفْرِطُ كَالْهُزَالِ.

قَوْلُهُ: (الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ) يَقِينًا لَا مَعَ الشَّكِّ وَلَوْ مِنْ الْجِنِّ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا، وَلَوْ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ الْآدَمِيِّ، حَيْثُ عُلِمَتْ الْمُخَالَفَةُ، كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا هُنَا فِي حَاشِيَتِهِ، وَسَيَأْتِي عَنْهُ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ بِجِنِّيَّةٍ جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا وَهِيَ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ الْآدَمِيَّةِ، وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُهَا وُضُوءَهُ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِمَامَةِ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِالْجِنِّيِّ أَنْ يَكُونَ عَلَى صُورَةِ الْآدَمِيِّ، وَكَذَا فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ بِهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ عَدَمُ النَّقْضِ هُنَا إجْرَاءً لِلْأَبْوَابِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ، وَلِعَدَمِ الِاسْمِ كَالْمَمْسُوخِ وَإِلَيْهِ رَجَعَ آخِرًا، وَاعْتَمَدَهُ، وَشَمِلَ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ مَا لَوْ كَانَا مُلْتَصِقَيْنِ فَيَنْقُضُ إلَّا فِيمَا يَشُقُّ، وَشَمِلَ بَعْضَ كُلٍّ حَيْثُ سُمِّيَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِمَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ، فَعُلِمَ أَنَّ لَمْسَ الْمَيِّتِ يَنْقُضُ وُضُوءَ الْحَيِّ، وَلَا يَنْقُضُ الْمَمْسُوخُ وَلَوْ حَيَوَانًا لِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ، فَلَوْ مُسِخَ بَعْضُهُ وَبَقِيَ الِاسْمُ عَلَى الْبَاقِي نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا، وَالصَّبِيُّ وَالصَّبِيَّةُ كَالرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ بِشَرْطِهِ الْآتِي، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ تَعْبِيرَ الْمُصَنِّفِ بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَوْلَى، بَلْ هُوَ الصَّوَابُ، فَعُدُولُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إلَى التَّعْبِيرِ بِذَكَرٍ وَأُنْثَى لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ إلَخْ) هُوَ تَصْحِيحٌ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: وَالْمَلْمُوسُ كَلَامِسٍ.
قَوْلُهُ: (إلَّا مَحْرَمًا) وَلَوْ احْتِمَالًا فَلَوْ اسْتَلْحَقَ أَبُوهُ زَوْجَتَهُ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ أَوْ شَكَّ فِي رَضَاعِ امْرَأَةٍ أَوْ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمُهُ بِغَيْرِ مَحْصُورَاتٍ، فَلَا نَقْضَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ قَبْلَ نِكَاحِهِ أَوْ بَعْدَهُ، خِلَافًا لِلْخَطِيبِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ فِي الْجَمِيعِ.
نَعَمْ لَوْ لَمَسَ مِنْ الْمُخْتَلِطَاتِ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ مَحْرَمِهِ فِي طَهَارَةٍ وَاحِدَةٍ نَقَضَ، وَلَا تَنْقُضُ الْمَنْفِيَّةُ بِاللِّعَانِ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ.
قَوْلُهُ: (مَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا إلَخْ) فَتَنْقُضُ بِنْتُ الزَّوْجَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِأُمِّهَا،

[حاشية عميرة]

وَالْأَوَّلُ اسْتَنْبَطَ مِنْهَا مَعْنًى خَصَّصَهَا) اعْتَرَضَ عَلَى هَذَا الِاسْتِنْبَاطِ بِعَدَمِ تَعَدِّيهِ لِلْمَيْتَةِ، أَيْ مَعَ أَنَّهَا لَا تُشْتَهَى وَتَنْقُضُ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالْمَحْرَمُ مَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا) أَيْ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَلَا تَرِدُ أُخْتُ الزَّوْجَةِ، وَخُرُوجُ أُصُولِ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَفُرُوعِهَا بَيِّنٌ وَكَذَا لَا يَرِدُ

(وَالْمَلْمُوسُ) وَهُوَ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ اللَّمْسُ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً (كَلَامِسٍ) فِي انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي لَذَّةِ اللَّمْسِ كَالْمُشْتَرَكِينَ فِي لَذَّةِ الْجِمَاعِ، وَالثَّانِي لَا يَنْقُضُ وُقُوفًا مَعَ ظَاهِرِ الْآيَةِ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى اللَّامِسِ.
(وَلَا تَنْقُضُ صَغِيرَةٌ) أَيْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْ حَدًّا تُشْتَهَى، (وَشَعْرٌ وَسِنٌّ وَظُفْرٌ فِي الْأَصَحِّ) لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى فِي لَمْسِ الْمَذْكُورَاتِ لِأَنَّ أَوَّلَهَا لَيْسَ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ وَبَاقِيَهَا لَا يُلْتَذُّ بِلَمْسِهِ وَإِنْ الْتَذَّ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ، وَالثَّانِي يَنْقُضُ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ فِي عُمُومِهَا لِلصَّغِيرَةِ وَلِلْأَجْزَاءِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي لَمْسِ الْمَرْأَةِ صَغِيرًا لَا يُشْتَهَى؛ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الدَّارِمِيِّ، وَلَا نَقْضَ بِالْتِقَاءِ بَشَرَتَيْ الرَّجُلَيْنِ، وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَالْخُنْثَيَيْنِ، وَالْخُنْثَى وَالرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ وَالْبَشَرَةُ ظَاهِرُ الْجِلْدِ.

(الرَّابِعُ: مَسُّ قُبُلِ الْآدَمِيِّ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (بِبَطْنِ الْكَفِّ) الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ

[حاشية قليوبي]

وَتَنْقُضُ أُخْتُهَا وَعَمَّتُهَا مُطْلَقًا، وَكَذَا تَنْقُضُ أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَبِنْتُهَا وَإِنْ حُرِّمَتَا أَبَدًا عَلَيْهِ، لِأَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ لَا يَتَّصِفُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ، فَلَا تَثْبُتُ بِهِ الْمَحْرَمِيَّةُ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ، وَهُمَا الْمُرَادُ بِالسَّبَبِ الْمَذْكُورِ فِي الضَّابِطِ الْآتِي، وَيَنْقُضُ زَوْجَاتُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَلِذَلِكَ ضَبَطُوا الْمَحْرَمَ بِمَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْيِيدِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لِحُرْمَتِهَا.
قَوْلُهُ: (وُقُوفًا إلَخْ) تَقَدَّمَ جَوَابُهُ بِقَوْلِهِ: وَأَطْلَقَ إلَخْ، مَعَ أَنَّ الْآيَةَ ظَاهِرَةٌ فِي الذُّكُورِ، وَلَمْ يَقْصُرْهَا الثَّانِي عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ (صَغِيرَةٌ) وَلَوْ لِزَوْجِهَا كَعَكْسِهِ.
قَوْلُهُ: (تُشْتَهَى) أَيْ لِلطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِسَبْعِ سِنِينَ، وَعَلَيْهِ فَهَلْ حَدُّ الشَّهْوَةِ يُوجَدُ فِيمَا دُونَهَا أَوْ لَا يُوجَدُ إلَّا فِيمَا فَوْقَهَا؟ رَاجِعْهُ، وَعَلَى ذَلِكَ فَمَا مِقْدَارُهُ فِيهِمَا حَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ الْتَذَّ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ) أَوْ بِلَمْسِهِ، وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا قَالُوهُ فِي النِّكَاحِ مِنْ حُرْمَةِ نَظَرِهِ وَلَمْسِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا نَقْضَ بِالْتِقَاءِ إلَخْ) وَلَا بِالْعُضْوِ الْمُبَانِ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِجِلْدِهِ، حَيْثُ وَجَبَ قَطْعُهَا، فَإِنْ الْتَصَقَ بِحَرَارَةِ الدَّمِ وَحَلَّتْهُ الْحَيَاةُ فَلَهُ حُكْمُ مَا الْتَصَقَ بِهِ، فَيَنْقُضُ عُضْوُ بَهِيمَةٍ اتَّصَلَ بِآدَمِيٍّ كَذَلِكَ، وَخَرَجَ بِالِالْتِقَاءِ اللَّمْسُ مَعَ الْحَائِلِ وَلَوْ رَقِيقًا، وَمِنْهُ الْقَشَفُ الْمَيِّتُ عَلَى الْجِلْدِ بِخِلَافِ الْعَرَقِ وَمِنْهُ الزُّجَاجُ وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ اللَّوْنَ، وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُ نَحْوَ أُصْبُعٍ مِنْ نَحْوَ نَقْدٍ وَإِنْ وَجَبَ غَسْلُهُ عَنْ الْحَدَثِ.
قَوْلُهُ: (وَالْخُنْثَيَيْنِ إلَخْ) نَعَمْ لَوْ اتَّضَحَ الْخُنْثَى بِمَا يَقْتَضِي النَّقْضَ عُمِلَ بِهِ وَوَجَبَتْ الْإِعَادَةُ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ لَامَسَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَشَرَةُ ظَاهِرُ الْجِلْدِ) وَيُلْحَقُ بِهَا لَحْمُ الْأَسْنَانِ وَاللِّسَانُ وَسَقْفُ الْحَلْقِ وَدَاخِلُ الْعَيْنِ وَالْأَنْفِ، وَكَذَا الْعَظْمُ إذَا وَضَحَ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ بِعَدَمِ النَّقْضِ بِهِ، وَهُوَ الْوَجْهُ كَالظُّفْرِ، قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: وَالْبَشَرَةُ مَا عَدَا الشَّعْرَ وَالسِّنَّ وَالظُّفْرَ أَيْ مِنْ ظَاهِرِ الْبَدَنِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْجِلْدِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ الْبَدَنُ لَمْ يَحْتَجْ إلَى إلْحَاقٍ، وَكَانَ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْأَنْوَارِ فَتَأَمَّلْ.

قَوْلُهُ: (مَسُّ قُبُلِ الْآدَمِيِّ) هُوَ مُفْرَدٌ مُضَافٌ، فَيَشْمَلُ مَا لَوْ تَعَدَّدَ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا زَائِدًا يَقِينًا غَيْرَ مُسَامِتٍ لِلْأَصْلِيِّ، كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا، لَكِنْ فِي الْمَشْكُوكِ فِيهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِنْ الْخُنْثَى، وَلِذَلِكَ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ بِعَدَمِ النَّقْضِ فِيهِ، وَيَشْمَلُ الْمُنْفَصِلَ إنْ سُمِّيَ فَرْجًا وَإِلَّا فَلَا، وَالْجِنُّ كَالْآدَمِيِّ عَلَى مَا مَرَّ فِي اللَّمْسِ، وَفِي النَّقْضِ بِقُبُلِ الْخُنْثَى تَفْصِيلٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ ضَابِطُهُ أَنَّهُ مَتَى مَسَّ الْأَلْيَتَيْنِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ وَاضِحٍ أَوْ مُشْكِلٍ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَإِنْ مَسَّ أَحَدَهُمَا فَإِنْ احْتَمَلَ عَدَمَ النَّقْضِ فِي وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ فَرْضِهِ فَلَا نَقْضَ لِأَنَّ يَقِينَ الطَّهَارَةِ لَا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ فِي نَقْضِهَا.
قَوْلُهُ: (بِبَطْنِ الْكَفِّ) وَهُوَ مَا يَسْتَتِرُ عِنْدَ وَضْعِ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى مَعَ تَحَامُلٍ يَسِيرٍ، وَقَيَّدَ بِالْيَسِيرِ لِيَقِلَّ غَيْرُ النَّاقِضِ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ، وَفِي ذَلِكَ قُصُورٌ بِالنِّسْبَةِ لِبَاطِنِ الْإِبْهَامَيْنِ وَشَمِلَ الْكَفُّ مَا لَوْ تَعَدَّدَ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا زَائِدًا يَقِينًا لَيْسَ عَلَى سَمْتِ الْأَصْلِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ كَانَ الْجَمِيعُ عَلَى مِعْصَمٍ أَوْ أَكْثَرَ خِلَافًا لِلْخَطِيبِ، وَفِي النَّقْضِ بِالْمَشْكُوكِ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ وَشَمِلَ الْأَصَابِعَ الْأَصْلِيَّ مِنْهَا وَالزَّائِدَ وَالْمُسَامِتَ وَغَيْرَهُ، وَمَا فِي دَاخِلِ الْكَفِّ أَوْ فِي ظَهْرِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ شَيْخِنَا، وَقِيلَ: يَنْقُضُ مَا فِي دَاخِلِ الْكَفِّ مُطْلَقًا، وَلَا يَنْقُضُ مَا فِي خَارِجِهِ مُطْلَقًا كَالسِّلْعَةِ فِيهِمَا، وَرُدَّ بِالْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ) قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ أَصَحُّ وَمُخَرِّجِيهِ أَكْثَرُ وَمَا بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لَهُ.
قَوْلُهُ: (لِحَدِيثِ) أَيْ لِمَنْطُوقِهِ وَصَحَّ الْحَمْلُ عَلَيْهِ لِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ بِكَوْنِهِ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ مَثَلًا، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، لَا أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ الْمُعْتَرَضِ بِأَنَّ ذِكْرَ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ لَا يُخَصِّصُهُ لِأَنَّهُ يُرَدُّ بِأَنَّ الْعُمُومَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ حَيْثُ

[حاشية عميرة]

عَلَيْهِ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ -. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَظُفْرٌ) فِيهِ لُغَاتٌ ضَمُّ الظَّاءِ مَعَ سُكُونِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا وَكَسْرُ الظَّاءِ مَعَ سُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا وَأُظْفُورٌ

قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِبَطْنِ الْكَفِّ) خَرَجَ بِهِ ظَهْرُ الْكَفِّ فَلَا يَنْقُضُ خِلَافًا لِأَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ كَفًّا لِأَنَّهَا تَكُفُّ الْأَذَى عَنْ الْبَدَنِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ إلَخْ) إنْ قُلْت لِمَ قَدَّمَهُ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ

وَغَيْرِهِمَا «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ وَفِي رِوَايَةٍ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَالْمُرَادُ الْمَسُّ بِبَطْنِ الْكَفِّ لِحَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ «إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى فَرْجِهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلَا حِجَابٌ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَالْإِفْضَاءُ لُغَةً الْمَسُّ بِبَطْنِ الْكَفِّ.
وَمَسُّ الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِهِ أَفْحَشُ مِنْ مَسِّهِ مِنْ نَفْسِهِ لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا لَا يَتَعَدَّى النَّقْضُ إلَيْهِ، وَقِيلَ فِيهِ خِلَافُ الْمَلْمُوسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ: وَقُبُلُ الْمَرْأَةِ النَّاقِضُ مَسُّهُ مُلْتَقَى شُفْرَيْهَا، وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، قَالَ: فَإِنْ مَسَّتْ مَا وَرَاءَ الشُّفْرَيْنِ لَمْ يُنْتَقَضْ بِلَا خِلَافٍ.
(وَكَذَا فِي الْجَدِيدِ حَلْقَةُ دُبُرِهِ) أَيْ الْآدَمِيِّ قِيَاسًا عَلَى قُبُلِهِ بِجَامِعِ النَّقْضِ بِالْخَارِجِ مِنْهُمَا، وَالْقَدِيمُ لَا نَقْضَ بِمَسِّهَا وُقُوفًا مَعَ ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْقُبُلِ.
وَعَبَّرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِالدُّبُرِ وَقَالَ: الْمُرَادُ بِهِ مُلْتَقَى الْمَنْفَذِ.
أَمَّا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ بَاطِنِ الْأَلْيَتَيْنِ فَلَا يَنْقُضُ بِلَا خِلَافٍ، انْتَهَى.
وَلَامُ حَلْقَةٍ سَاكِنَةٌ (لَا فَرْجُ بَهِيمَةٍ) أَيْ لَا يَنْقُضُ مَسُّهُ فِي الْجَدِيدِ إذْ لَا حُرْمَةَ لَهَا فِي ذَلِكَ، وَالْقَدِيمُ، وَحَكَاهُ جَمْعٌ جَدِيدًا أَنَّهُ يَنْقُضُ كَفَرْجِ الْآدَمِيِّ وَالرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ حَكَى الْخِلَافَ فِي قُبُلِهَا وَقَطَعَ فِي دُبُرِهَا بِعَدَمِ النَّقْضِ، وَتَعَقَّبَهُ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ الْأَصْحَابَ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ فَلَمْ يَخُصُّوا بِهِ الْقُبُلَ (وَيَنْقُضُ فَرْجُ الْمَيِّتِ وَالصَّغِيرِ وَمَحَلُّ الْجَبِّ وَالذَّكَرُ الْأَشَلُّ وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ مَحَلَّ الْجَبِّ فِي مَعْنَى الذَّكَرِ لِأَنَّهُ أَصْلُهُ

[حاشية قليوبي]

الْأَشْخَاصِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلٍّ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيهِمَا مِنْ حَيْثُ الْأَوْصَافُ، وَالْعَمَلُ فِيهَا مِنْ بَابِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: سِتْرٌ وَلَا حِجَابٌ، وَعَطْفُهُ تَفْسِيرٌ بِالْأَعَمِّ لِيَشْمَلَ نَحْوَ الزُّجَاجِ فَإِنَّهُ حَاجِبٌ لَا سَاتِرٌ، وَسَتْرٌ بِفَتْحِ السِّينِ إنْ أُرِيدَ الْمَصْدَرُ، وَبِكَسْرِهَا إنْ أُرِيدَ السَّاتِرُ، وَحِجَابٌ تَفْسِيرٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَالْإِفْضَاءُ) أَيْ الْمُرَادُ هُنَا كَمَا مَرَّ، فَفِي الْقَامُوسِ أَفْضَى بِيَدِهِ إلَى الْأَرْضِ مَسَّهَا بِرَاحَتِهِ، وَإِلَى الْمَرْأَةِ اخْتَلَى بِهَا وَإِنْ لَمْ يُجَامِعْهَا، وَأَفْضَى الْمَرْأَةَ خَلَطَ مَسْلَكَيْهَا.
قَوْلُهُ: (بِبَطْنِ الْكَفِّ) وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: بِجَمِيعِهَا ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَلَعَلَّهُ مَهْجُورٌ، فَلَمْ يُعَوَّلْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَفْحَشُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَوْ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (لِهَتْكِهِ إلَخْ) هُوَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ أَفْحَشُ، فَعِلَّةُ النَّقْضِ فِي نَفْسِهِ وَفِي غَيْرِهِ الْفُحْشُ، وَكَانَ بِقِيَاسِ الْفَحْوَى فِي غَيْرِهِ لِلْهَتْكِ لَا لِلَّذَّةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ لِانْتِفَائِهَا فِي مَسِّ نَفْسِهِ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَلِأَنَّهُ أَشْهَى لَهُ غَيْرُ لَائِقٍ بَلْ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، قِيلَ: وَلَعَلَّهَا عِبَارَةُ مَنْ يَعْتَبِرُ اللَّذَّةَ جَرَتْ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَتَأَمَّلْ وَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (وَلِهَذَا) أَيْ الْهَتْكِ، أَيْ يَكْفِيهِ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَسِّ الْهَتْكُ، فَلَا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ فِيهِ خِلَافُ الْمَلْمُوسِ) نَظَرُ الْأَصْلِ اللَّذَّةُ، وَفِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ حَيْثُ الْخِلَافُ.
قَوْلُهُ: (مُلْتَقَى شَفْرَيْهَا) لَمْ يَقُلْ كَغَيْرِهِ عَلَى الْمَنْفَذِ لِيَعُمَّ مَا يَلْتَقِي عَلَى مَا بَيْنَ الْمَنْفَذَيْنِ وَمَا فَوْقَهُمَا كَالْبَظْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ أَنَّ الْبَظْرَ قَبْلَ قَطْعِهِ وَمَحَلَّهُ بَعْدَ قَطْعِهِ نَاقِضٌ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ، وَإِنْ وُجِدَ فِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِهِ، وَالنَّاقِضُ فِي الرَّجُلِ جَمِيعُ الذَّكَرِ لَا مَا نَبَتَ عَلَيْهِ الشَّعْرُ، وَفِي الدُّبُرِ مَا يَنْضَمُّ مِنْ دَائِرِهِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (قِيَاسًا) قَدَّمَهُ لِعَدَمِ النِّزَاعِ فِيهِ الَّذِي سَلَكَهُ الْقَدِيمُ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَامُ حَلْقَةٍ سَاكِنَةٌ) أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ كَحَلْقَةِ الْعِلْمِ وَنَحْوِ الْحَدِيدِ.
قَوْلُهُ (لَا فَرْجَ بَهِيمَةٍ) وَمِنْهَا الطُّيُورُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعَدَمِ نُطْقِهَا، وَسَوَاءٌ الْأَصْلِيَّةُ وَالْعَارِضَةُ كَالْمَسْخِ وَمَا تَطَوَّرَ مِنْ الْجِنِّ كَمَا مَرَّ، وَلِذَلِكَ مَالَ شَيْخُنَا إلَى حُرْمَةِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ الْمَمْسُوخَةِ حَيَوَانًا لِأَنَّهُ كَالطَّلَاقِ كَمَا قَالُوهُ فِي الْعَدَدِ وَهُوَ وَجِيهٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) لَعَلَّ مَرْجِعَ الْإِشَارَةِ هَتْكُ الْحُرْمَةِ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ بِوُجُوبِ سَتْرِهِ وَتَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَيْهِ فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (وَحَكَاهُ جَمْعٌ جَدِيدًا) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ هَذَا غَيْرُ الْقَدِيمِ السَّابِقِ فِي دُبُرِ الْآدَمِيِّ، فَسَقَطَ مَا هُنَا مِنْ الِاعْتِرَاضِ وَإِنْ أَمْكَنَ الْجَوَابُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْقُضُ فَرْجُ الْمَيِّتِ) قُبُلًا أَوْ دُبُرًا.
قَوْلُهُ: (وَمَحَلُّ الْجَبِّ) وَهُوَ هُنَا فِي الذَّكَرِ مَا حَاذَى الْمَقْطُوعَ إلَى جِهَةِ الدَّاخِلِ لَا مِنْ الْجَوَانِبِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
قَوْلُهُ: (فِي مَعْنَى الذَّكَرِ) قَيَّدَ بِالذَّكَرِ لِتَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِالْجَبِّ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْفَرْجِ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ مَحَلَّ قَطْعِ قُبُلِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ مَا حَاذَى الشُّفْرَيْنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لَا مِنْ الدَّاخِلِ وَلَا مِنْ الْخَارِجِ، وَيَشْمَلُ الدُّبُرَ وَهُوَ مَا حَاذَى مَا كَانَ يَنْضَمُّ مِنْ دَائِرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ) خَرَجَ بِهَا الْمَقْطُوعَةُ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِبَعْضِ جِلْدِهَا إلَّا إنْ كَانَتْ الْجِلْدَةُ كَبِيرَةً بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ انْفِصَالُهَا كَمَا مَرَّ فَرَاجِعْهُ، وَخَرَجَ بِهَا الْيَدُ مِنْ نَحْوِ نَقْدٍ فَلَا نَقْضَ بِمَسِّهَا أَيْضًا.
قَوْلُهُ (وَلِانْتِفَاءِ مَظِنَّةِ

[حاشية عميرة]

مَعَ أَنَّ الَّذِي بَعْدَهُ أَنَصُّ فِي الْمَقْصُودِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْإِفْضَاءَ هُوَ الْمَسُّ بِبَطْنِ الْكَفِّ بِخِلَافِ الْمَسِّ؟ قُلْت: كَأَنَّهُ لِكَثْرَةِ مَخْرَجَيْهِ وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَلِهَذَا لَا يَتَعَدَّى النَّقْضُ إلَيْهِ) أَيْ بِخِلَافِ اللَّمْسِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالْقَدِيمُ وَحَكَاهُ جَمْعٌ جَدِيدًا أَنَّهُ يَنْقُضُ كَفَرْجِ الْآدَمِيِّ) أَيْ بِجَامِعِ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.

وَلِشُمُولِ الِاسْمِ فِي غَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ، وَالثَّانِي لَا تَنْقُضُ الْمَذْكُورَاتُ لِانْتِفَاءِ الذَّكَرِ فِي مَحَلِّ الْجَبِّ وَلِانْتِفَاءِ مَظِنَّةِ الشَّهْوَةِ فِي غَيْرِهِ (وَلَا يَنْقُضُ رَأْسُ الْأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَهَا) وَحَرْفُهَا وَحَرْفُ الْكَفِّ لِخُرُوجِهَا عَنْ صَمْتِ الْكَفِّ، وَقِيلَ: تَنْقُضُ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ بَشَرَةِ بَاطِنِ الْكَفِّ.

(وَيَحْرُمُ بِالْحَدَثِ الصَّلَاةُ) إجْمَاعًا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» وَمِنْهَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَفِي مَعْنَاهَا سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ (وَالطَّوَافُ) . قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الطَّوَافُ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ فِيهِ النُّطْقَ فَمَنْ نَطَقَ فَلَا يَنْطِقْ إلَّا بِخَيْرٍ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، (وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ وَمَسُّ وَرَقِهِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]

[حاشية قليوبي]

الشَّهْوَةِ) لَمْ يَقُلْ لِعَدَمِ هَتْكِ الْحُرْمَةِ الْمُنَاسِبِ لِمَا عَلَّلَ بِهِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ هُنَا إذْ الثَّانِي لَا يُنْكِرُهُ وَبِذَلِكَ عُلِمَ الرَّدُّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (رَأْسُ) وَفِي نُسْخَةٍ: رُءُوسُ الْأَصَابِعِ وَلَوْ زَائِدَةً وَبِبَطْنِ الْكَفِّ كَمَا مَرَّ آنِفًا، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَا بَيْنَهَا) وَهُوَ مَا يَسْتَتِرُ مِنْ جَوَانِبِهَا عِنْدَ ضَمِّهَا وَحَرْفِهَا، وَهُوَ مَا لَا يَسْتَتِرُ الَّذِي هُوَ جَانِبُ السَّبَّابَةِ وَالْخِنْصَرِ وَجَانِبَا الْإِبْهَامِ وَحَرْفُ الْكَفِّ بِمَعْنَى جَوَانِبِ الرَّاحَةِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ، أَوْ هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ، فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ الْمُرَادَ بِحَرْفِهَا مَا يَسْتَتِرُ مِنْهَا وَبِمَا بَيْنَهَا النُّقَرُ الَّتِي فِي أَسْفَلِهَا أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ وَخُرُوجٌ عَنْ الظَّاهِرِ بِلَا حَاجَةٍ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ إلَخْ) وَقِيَاسًا عَلَى الْخُفِّ حَيْثُ أَلْحَقَ جَوَانِبَهُ بِبَاطِنِهِ وَرُدَّ بِالرُّجُوعِ إلَى الْأَصْلِ فِيهِمَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْخُفِّ عَدَمُ صِحَّةِ الْمَسْحِ إلَّا مَا ثَبَتَتْ الرُّخْصَةُ فِيهِ، وَالْأَصْلَ فِي الْبَدَنِ عَدَمُ النَّقْضِ إلَّا مَا ثَبَتَ النَّصُّ بِالنَّقْضِ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ بِالْحَدَثِ) الْمُرَادُ بِالْحُرْمَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَلَوْ سَهْوًا، وَفِي غَيْرِهِمَا إثْمُهُ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا، وَتَعَمُّدُ الصَّلَاةِ مَعَهُ كَبِيرَةٌ، وَاسْتِحْلَالُهَا مَعَهُ كُفْرٌ، وَتَرَدَّدَ شَيْخُنَا فِي الطَّوَافِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدَثِ الْأَمْرُ الِاعْتِبَارِيُّ فَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ صَحِيحَةٌ، إذْ لَا يَقُولُ أَحَدٌ بِصِحَّةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَعَهُ، وَلَا يَرِدُ صَاحِبُ الضَّرُورَةِ وَالْمُتَيَمِّمُ وَفَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ لِوُجُودِ الرُّخْصِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَنْعُ لِتَهَافُتِ الْعِبَارَةِ إذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى: وَيَمْتَنِعُ بِالْمَنْعِ وَهُوَ فَاسِدٌ، وَتَعْبِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بِالْأَحْدَاثِ مُرَادُهُ بِهَا الْأَسْبَابُ لِأَنَّ غَيْرَهَا لَا تَعَدُّدَ فِيهِ، وَيُصَرِّحُ بِهِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ أَيْ بِكُلٍّ مِنْهَا، قِيلَ: وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ عَدَمُ صِحَّةِ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِيهَا لَا يُرَادُ نَحْوُ اللَّمْسِ، وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْجِنْسُ أَوْ الْمَجْمُوعُ لَا يَصِحُّ مَعَ الْكُلِّيَّةِ وَالْوَجْهُ أَنَّ الْكُلِّيَّةَ صَحِيحَةٌ مِنْ حَيْثُ الْحَدِيثُ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى حُرْمَةِ نَحْوِ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ سَبَبٍ مِنْهَا حَيْثُ كَانَ حَدَثًا أَوْ حَيْثُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ الِاعْتِبَارِيُّ مَعَ أَنَّ ذِكْرَ الْكُلِّيَّةِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ تَوَقُّفِ الْحُرْمَةِ عَلَى وُجُودِ جَمِيعِهَا، وَإِنَّمَا جَاءَ الْإِشْكَالُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ إلَى الْأَفْرَادِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَرَتُّبِ الْحَدَثِ عَلَيْهَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ وَاضِحٌ جَلِيٌّ.
قَوْلُهُ: (الصَّلَاةُ) سَوَاءٌ الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ، وَكَذَا الطَّوَافُ.
قَوْلُهُ: (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ) أَيْ قَبُولَ صِحَّةٍ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ لَا قَبُولَ كَمَالٍ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى صَارِفٍ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ) نَصَّ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَا تَشْمَلُهَا الصَّلَاةُ عُرْفًا، وَلِذَلِكَ لَا يَحْنَثُ بِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَرَدًّا عَلَى الشَّعْبِيِّ وَالطَّبَرِيِّ الْقَائِلَيْنِ بِصِحَّتِهَا مَعَ الْحَدَثِ.
قَوْلُهُ (سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ) وَكَذَا سَجْدَةُ الشُّكْرِ وَخُطْبَةُ الْجُمُعَةِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: صُورَةُ الرُّكُوعِ الْوَاقِعَةُ مِنْ الْعَوَامّ بَيْنَ يَدَيْ الْمَشَايِخِ حَرَامٌ وَيَأْثَمُ فَاعِلُهَا وَلَوْ بِطَهَارَةٍ وَإِلَى الْقِبْلَةِ، وَهِيَ مِنْ الْعَظَائِمِ، وَأَخْشَى أَنْ تَكُونَ كُفْرًا، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: 100] أَيْ رُكَّعًا إمَّا مَنْسُوخٌ أَوْ أَنَّهُ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ) وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَكْتُوبِ فِيهِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يُسَمَّى مُصْحَفًا عُرْفًا وَلَوْ قَلِيلًا كَحِزْبٍ، وَلَا عِبْرَةَ فِيهِ بِقَصْدِ غَيْرِ الدِّرَاسَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَسُّ وَرَقِهِ)

[حاشية عميرة]

قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالصَّغِيرُ) أَيْ لِشُمُولِ الِاسْمِ وَهَتْكِ الْحُرْمَةِ بِخِلَافِ لَمْسِ الصَّغِيرَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَنْقُضُ رَأْسُ الْأَصَابِعِ) . قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: لَوْ نَبَتَتْ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ فِي ظَاهِرِ الْكَفِّ فَلَا نَقْضَ بِهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ نَبَتَتْ عَلَى اسْتِوَاءِ الْأَصَابِعِ فِي بَاطِنِ الْكَفِّ، كَذَا رَأَيْته عَلَى هَامِشِ الْقِطْعَةِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَحَرْفُهَا وَحَرْفُ الْكَفِّ) لَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا إلْحَاقُ حَرْفِ الرِّجْلِ بِالْأَسْفَلِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُنَا بَقَاءُ الطَّهَارَةِ، وَهُنَاكَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْحُ عَلَى الظَّاهِرِ فَاسْتُصْحِبَ الْأَصْلُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ بِمَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ اللَّحْمِيَّةُ الْفَاصِلَةُ بَيْنَ أُصُولِ الْأَصَابِعِ، وَالْمُرَادُ بِحَرْفِ الْأَصَابِعِ مَا يَسْتَتِرُ إذَا انْضَمَّ الْأُصْبُعَانِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْأَفْهَامِ تَفْسِيرُ مَا بَيْنَهُمَا بِهَذَا الْأَخِيرِ، قُلْت: سَبَبُ هَذَا قَوْلُ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَحَرْفُهَا وَحَرْفُ الْكَفِّ فَإِنَّ حَرْفَ الْخِنْصَرِ وَالْإِبْهَامِ يَدْخُلَانِ فِي حَرْفِ الْكَفِّ لِأَنَّهُ الرَّاحَةُ مَعَ بُطُونِ الْأَصَابِعِ، قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِحُرُوفِ الْأَصَابِعِ جَوَانِبَهَا الْمُسْتَطِيلَةَ الَّتِي تَلِي ظَهْرَ الْكَفِّ.

قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَسُّ وَرَقِهِ) أَيْ كَانَ لِبَاطِنِ الْكَفِّ أَوْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ

هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَالْحَمْلُ أَبْلَغُ مِنْ الْمَسِّ وَالْمُطَهَّرُ بِمَعْنَى الْمُتَطَهِّرِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(وَكَذَا جِلْدُهُ عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْهُ.
وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ مَسُّهُ لِأَنَّهُ وِعَاءٌ لَهُ كَكِيسِهِ (وَخَرِيطَةٌ وَصُنْدُوقٌ فِيهِمَا مُصْحَفٌ وَمَا كُتِبَ لِدَرْسِ قُرْآنٍ كَلَوْحٍ فِي الْأَصَحِّ) لِشَبَهِ الْأَوَّلَيْنِ الْمُعَدَّيْنِ لِلْمُصْحَفِ بِالْجِلْدِ،

[حاشية قليوبي]

الْمُرَادُ وَمَسُّ شَيْءٍ مِنْهُ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِالْوَرَقِ لِدَفْعِ إيهَامِ خُصُوصِ جُمْلَتِهِ، وَلِإِدْخَالِ هَوَامِشِهِ وَمَا بَيْنَ سُطُورِهِ، وَحَمْلِ بَعْضِهِ مِنْ أَفْرَادِ مَا سَيَأْتِي، وَإِنَّمَا حُرِّمَ عَلَى الْمُحْرِمِ مَسُّ الطِّيبِ دُونَ حَمْلِهِ نَظَرًا لِلتَّرَفُّهِ الْمَفْقُودِ فِي الْحَمْلِ، وَلَوْ قُطِعَتْ الْهَوَامِشُ لَمْ يَحْرُمْ مَسُّهَا مُطْلَقًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجْرِي فِيهَا تَفْصِيلُ الْجِلْدِ الْآتِي، وَخَرَجَ بِحَمْلِهِ وَمَسِّهِ حَمْلُ حَامِلِهِ وَمَسُّهُ فَلَا يَحْرُمَانِ مُطْلَقًا عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَفِي ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ فِي حَمْلِهِ التَّفْصِيلُ فِي حَمْلِ الْمَتَاعِ الْآتِي، وَكَلَامُ الْخَطِيبِ يُوَافِقُهُ، وَعِنْدَ شَيْخِنَا الطَّبَلَاوِيِّ أَنَّ مَحَلَّ الْحِلِّ إنْ كَانَ الْمَحْمُولُ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ الْحَمْلُ لَا نَحْوَ طِفْلٍ.
نَعَمْ يَجُوزُ حَمْلُهُ لِخَوْفِ غَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ تَنَجُّسٍ أَوْ وُقُوعٍ فِي يَدِ كَافِرٍ أَوْ ضَيَاعٍ أَوْ سَرِقَةٍ، بَلْ يَجِبُ حَمْلُهُ فِي غَيْرِ الْأَخِيرَيْنِ.
وَتَوَسُّدُهُ كَحَمْلِهِ إنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لَا لِنَحْوِ الضَّيَاعِ، وَيَجِبُ عِنْدَ إرَادَةِ حَمْلِهِ التَّيَمُّمُ إنْ أَمْكَنَ وَدَخَلَ فِي مَسِّهِ مَا لَوْ كَانَ بِحَائِلٍ وَلَوْ ثَخِينًا حَيْثُ يُعَدُّ مَاسًّا عُرْفًا.
(فَائِدَةٌ) حَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ وَجْهًا غَرِيبًا بِعَدَمِ حُرْمَةِ مَسِّ الْمُصْحَفِ مُطْلَقًا، وَحَكَى فِي التَّتِمَّةِ وَجْهًا عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إلَّا مَسُّ الْمَكْتُوبِ وَحْدَهُ لَا الْهَامِشِ، وَلَا مَا بَيْنَ السُّطُورِ.
قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ: (فَرْعٌ) يَجُوزُ تَوَسُّدُ كُتُبِ الْعِلْمِ لِخَوْفِ الضَّيَاعِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ خَبَرٌ) أَيْ لَفْظًا لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُطَهَّرُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ بِمَعْنَى الْمُتَطَهِّرِ لِإِيقَاعِهِ الطَّهَارَةَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى التَّأْوِيلِ لِيَصِحَّ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ إذْ لَا يَكُونَانِ إلَّا فِيمَنْ لَهُ الْحَالَتَانِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ الطَّهَارَةَ الْمُقَابِلَةَ لِلنَّجَاسَةِ فِي الْأَبَدَانِ وَلَا الْمَلَائِكَةَ مَعَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَإِنَّمَا جَازَ تَعْلِيمُهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ لِأَنَّهُ لَا إهَانَةَ فِيهِ مَعَ احْتِمَالِ رَجَاءِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا جِلْدُهُ) أَيْ يَحْرُمُ مَسُّهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُقَابِلِ، وَسَكَتَ عَنْ حَمْلِهِ لِدُخُولِهِ فِي حَمْلِ الْمُصْحَفِ إذْ الْكَلَامُ فِي جِلْدِهِ الْمُتَّصِلِ بِهِ.
أَمَّا الْمُنْفَصِلُ عَنْهُ فَيَحْرُمُ حَمْلُهُ وَمَسُّهُ مَا دَامَتْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ، فَإِنْ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَوْ جُعِلَ.
جِلْدًا لِغَيْرِهِ، وَإِنْ بَقِيَتْ النِّسْبَةُ فَلَا حُرْمَةَ وَيَصِحُّ بَيْعُهُ لِلْكَافِرِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي إلَخْ) هُوَ مَرْجُوحٌ مَبْنِيٌّ عَلَى مَرْجُوحٍ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَخَرِيطَةٍ وَصُنْدُوقٍ فِيهِمَا مُصْحَفٌ) وَهُمَا بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى وَرَقِهِ أَوْ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى جِلْدِهِ، وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ فِي حُرْمَةِ الْمَسِّ، وَاسْتَغْنَى عَنْ الْحَمْلِ فِيهِمَا بِمَا مَرَّ مِنْ حَمْلِهِ لِأَنَّهُ فِيهِمَا، وَمَحَلُّ الْحُرْمَةِ فِيهِمَا إنْ كَانَا لَائِقَيْنِ بِهِ وَعُدَّ لَهُ عُرْفًا، لَا نَحْوَ خَلْوَةٍ وَغِرَارَةٍ وَإِنْ عُدَّتَا لَهُ، وَلَا نَحْوَ صُنْدُوقِ أَمْتِعَةٍ هُوَ فِيهِ، وَيَحْرُمُ مَسُّ عِلَاقَتِهِ فِي نَحْوَ كِيسِهِ، وَكَذَا مَا زَادَ مِنْهَا عَنْهُ، أَوْ مَا زَادَ مِنْ الْخَرِيطَةِ إنْ كَانَ مُنَاسِبًا، وَلَا يَحْرُمُ مَسُّ الزَّائِدِ إنْ كَانَ مِنْهُمَا مُفْرِطًا فِي الطُّولِ، وَالْكُرْسِيُّ كَالصُّنْدُوقِ فَيَحْرُمُ مَسُّ جَمِيعِهِ.
قَالَهُ شَيْخُنَا، وَنَقَلَهُ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ: لَا يَحْرُمُ مَسُّ شَيْءٍ مِنْهُ، وَنَقَلَهُ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ أَيْضًا وَلِي بِهِ أُسْوَةٌ، وَلَعَلَّهُ أَجَابَ كُلًّا مِنْهُمَا بِمَا سَنَحَ لَهُ وَقْتَ سُؤَالِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْرُمُ مَسُّ مَا حَاذَى الْمُصْحَفَ مِنْهُ، لَا مَا زَادَ عَلَيْهِ مِنْ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ، وَلَعَلَّ حُرْمَةَ الْمَسِّ عِنْدَ هَذَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَاسًّا لِلْمُصْحَفِ بِحَائِلٍ، لَا مِنْ حَيْثُ مَسُّ الْكُرْسِيِّ، وَخَرَجَ بِكُرْسِيِّ الْمُصْحَفِ كُرْسِيُّ الْقَارِئِ فِيهِ كَالْكَرَاسِيِّ الْكِبَارِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْخَزَائِنِ، فَلَا يَحْرُمُ مَسُّ شَيْءٍ مِنْهَا.
نَعَمْ الدَّفَّتَانِ الْمُنْطَبِقَتَانِ عَلَى الْمُصْحَفِ يَحْرُمُ مَسُّهُمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ الصُّنْدُوقِ الْمُتَقَدِّمِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا كُتِبَ) عَطْفٌ عَلَى خَرِيطَةٍ لِجَمْعِهِ مَعَهَا فِي الْخِلَافِ، فَكَلَامُهُ فِي حُرْمَةِ مَسِّ ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ حَمْلَهُ مَقِيسًا عَلَى مَسِّهِ، وَسُلُوكُ غَيْرِ هَذَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ لَائِقٍ بِهِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (لِدَرْسِ قُرْآنٍ) أَيْ بِقَصْدِ الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَوْ حَرْفًا وَاحِدًا، وَخَرَجَ بِهِ مَا قُصِدَ لِلتَّمِيمَةِ وَلَوْ مَعَ الْقُرْآنِ كَمَا مَرَّ، فَلَا يَحْرُمُ مَسُّهَا وَلَا حَمْلُهَا وَإِنْ اشْتَمَلَتْ عَلَى سُوَرٍ، بَلْ قَالَ الشَّيْخُ الْخَطِيبُ: وَإِنْ اشْتَمَلَتْ عَلَى جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَالْعِبْرَةُ بِقَصْدِ الْكَاتِبِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ بِلَا أُجْرَةٍ وَلَا أَمْرٍ، وَإِلَّا فَقَصْدُ الْمَكْتُوبِ لَهُ وَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِتَغَيُّرِ الْقَصْدِ مِنْ التَّمِيمَةِ إلَى الدِّرَاسَةِ وَعَكْسُهُ.
قَوْلُهُ: (كَلَوْحٍ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى اعْتِبَارِ مَا يُعَدُّ لِلْكِتَابَةِ عُرْفًا لَا نَحْوَ عَمُودٍ، فَلَا يَحْرُمُ فِيهِ إلَّا مَسُّ الْأَحْرُفِ وَحَرِيمُهَا عُرْفًا، وَلَوْ مُحِيَتْ أَحْرُفُ الْقُرْآنِ مِنْ اللَّوْحِ وَالْوَرَقِ بِحَيْثُ لَا تُقْرَأُ لَمْ يَحْرُمْ مَسُّهُمَا وَلَا حَمْلُهُمَا لِأَنَّ شَأْنَهُ انْقِطَاعُ النِّسْبَةِ عُرْفًا وَبِذَلِكَ فَارَقَ الْجِلْدَ.
(فُرُوعٌ) يَحْرُمُ لَزْقُ أَوْرَاقِ الْقُرْآنِ بِنَحْوِ النِّشَاءِ وَالرَّسْرَاسِ وَجَعْلُهَا وِقَايَةً وَلَوْ لِعِلْمٍ، وَوَضْعُ مَأْكُولٍ عَلَيْهَا مَعَ أَكْلِهِ وَإِلَّا فَلَا

[حاشية عميرة]

كَانَ بِحَائِلٍ أَوْ غَيْرِهِ.

وَالثَّالِثِ بِالْمُصْحَفِ وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ مَسُّهَا لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ كَالْوِعَاءِ لِلْمُصْحَفِ، وَالثَّالِثَ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، وَحَمْلُ الثَّالِثِ كَمَسِّهِ وَمَسُّ الْأَوَّلَيْنِ وَحَمْلُهُمَا وَلَا مُصْحَفَ فِيهِمَا جَائِزٌ (وَالْأَصَحُّ حِلُّ حَمْلِهِ فِي أَمْتِعَةٍ) تَبَعًا لَهَا (وَ) فِي (تَفْسِيرٍ وَدَنَانِيرَ) كَالْأَحْذِيَةِ لِأَنَّهُمَا الْمَقْصُودَانِ دُونَهُ، وَالثَّانِي يَحْرُمُ لِإِخْلَالِهِ بِالتَّعْظِيمِ، وَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ أَكْثَرَ مِنْ التَّفْسِيرِ حَرُمَ قَطْعًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَصَوَّبَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
وَالْمَسُّ فِي الْأَخِيرَيْنِ كَالْحَمْلِ (لَا قَلْبُ وَرَقِهِ بِعُودٍ) فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْحَمْلِ، لِانْتِقَالِ الْوَرَقِ بِفِعْلِ الْقَالِبِ مِنْ جَانِبٍ إلَى آخِرِهِ.
(وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُحْدِثَ لَا يُمْنَعُ) مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَاللَّوْحِ وَحَمْلِهِمَا لِحَاجَةِ

[حاشية قليوبي]

وَبَلْعُهَا بِلَا مَضْغٍ وَوَضْعُ نَحْوَ دَرَاهِمَ فِيهَا، وَوَضْعُهَا عَلَى نَجَسٍ، وَمَسُّهَا بِشَيْءٍ نَجَسٍ وَلَوْ مِنْ بَدَنِهِ لَا حَرْقُهَا بَالِيَةً، بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَسْلِهَا، وَيَجِبُ غَسْلُ مُصْحَفٍ تَنَجَّسَ وَإِنْ أَدَّى إلَى تَلَفِهِ وَكَانَ لِمَحْجُورٍ وَلَا ضَمَانَ.
نَعَمْ لَا تَحْرُمُ الْوِقَايَةُ بِوَرَقَةٍ مَكْتُوبٍ عَلَيْهَا نَحْوَ الْبَسْمَلَةِ، وَيَحْرُمُ السَّفَرُ بِالْمُصْحَفِ إلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ إنْ خِيفَ وُقُوعُهُ فِي أَيْدِيهِمْ، وَيَحْرُمُ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ بِنَجَسٍ وَلَوْ مَعْفُوًّا عَنْهُ كَمَسِّهِ بِهِ، لَا قِرَاءَتُهُ بِفَمٍ نَجَسٍ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ.
وَيَجُوزُ كِتَابَتُهُ لَا قِرَاءَتُهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَهَا حُكْمُ الْمُصْحَفِ فِي الْمَسِّ وَالْحَمْلِ، وَيَجُوزُ مَا لَا يُشْعِرُ بِالْإِهَانَةِ كَالْبُصَاقِ عَلَى اللَّوْحِ لِمَحْوِهِ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ، وَنَحْوُ مَدِّ رِجْلِهِ، أَيْ وَكَوْنُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فِي نَوْمٍ أَوْ جُلُوسٍ لَا بِقَصْدِ إهَانَةٍ فِي ذَلِكَ، وَكَوَضْعِ الْمُصْحَفِ فِي رَفِّ خِزَانَةٍ، وَوَضْعِ نَحْوَ تَرْجِيلٍ فِي رَفٍّ أَعْلَى مِنْهُ، وَيَجُوزُ ضَمُّ مُصْحَفٍ إلَى كِتَابِ عِلْمٍ مَثَلًا فِي جِلْدٍ وَاحِدٍ، وَلِكُلِّ جَانِبٍ حُكْمُهُ، وَلِمَا قَابَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ الْكَعْبِ حُكْمُهُ، وَكَذَا اللِّسَانُ إنْ كَانَ مَطْبُوقًا عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مَفْتُوحًا وَهُوَ مِنْ جِهَةِ الْمُصْحَفِ حَرُمَ كُلُّهُ، أَوْ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى حَلَّ كُلُّهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ بِالْحُرْمَةِ مُطْلَقًا تَغْلِيبًا لِلْمُصْحَفِ.
(تَنْبِيهٌ) يَجْرِي فِي كُتُبِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَآلَتِهِ مَا فِي الْمُصْحَفِ غَيْرُ تَحْرِيمِ الْمَسِّ وَالْحَمْلِ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِالْإِهَانَةِ.
قَوْلُهُ: (حَلَّ حَمْلُهُ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْمَذْكُورِ مِنْ الْمُصْحَفِ، وَمَا كُتِبَ لِدَرْسِ قُرْآنٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَتَاعِ، وَرَاجِعٌ لِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْقُرْآنِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّفْسِيرِ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ كَلَامُ الشَّارِحِ، وَيَجُوزُ رُجُوعُهُ لِلْقُرْآنِ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (تَبَعًا) يُفِيدُ أَنَّ الظَّرْفِيَّةَ وَالْجَمْعِيَّةَ لَيْسَا لِلتَّقْيِيدِ، فَيَكْفِي مَتَاعٌ وَاحِدٌ وَلَوْ غَيْرَ ظَرْفٍ وَصُورَتُهُ أَنْ يَحْمِلَهُ مُعَلَّقًا فِيهِ لِئَلَّا يَكُونَ مَاسًّا لَهُ، أَوْ يُقَالُ لَا حُرْمَةَ مِنْ حَيْثُ الْحَمْلُ وَإِنْ حَرُمَ مِنْ حَيْثُ الْمَسُّ، إذْ لَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا، وَقَيَّدَ الْخَطِيبُ الْمَتَاعَ بِأَنْ يَصْلُحَ لِلِاسْتِتْبَاعِ عُرْفًا لَا نَحْوَ إبْرَةٍ أَوْ خَيْطِهَا، وَعُلِمَ مِنْ التَّبَعِيَّةِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ مَقْصُودًا، فَإِنْ قُصِدَ وَحْدَهُ حَرُمَ اتِّفَاقًا، أَوْ قُصِدَ مَعَ الْمَتَاعِ حَرُمَ عِنْدَ الْخَطِيبِ كَمَا فِي قِرَاءَةِ الْجُنُبِ، وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِيمَا هُنَا، وَفَرَّقَ بِأَنَّ هُنَا جَرُّ مَا يَسْتَتْبِعُ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ، وَلَا يَحْرُمُ فِي الْإِطْلَاقِ وَلَا قَصْدَ غَيْرَ الْقُرْآنِ وَحْدَهُ عِنْدَهُمَا كَغَيْرِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَفِي تَفْسِيرٍ) لَفْظُ تَفْسِيرٍ عَطْفٌ عَلَى أَمْتِعَةٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ، فَهُوَ عَلَى الطَّرِيقِ الْجَادَّةِ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَشَمِلَ التَّفْسِيرُ مَا عَلَى هَوَامِشِ الْمُصْحَفِ.
قَالَهُ شَيْخُنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، قَالَا: وَلَا نَظَرَ لِقَصْدِ دِرَاسَةٍ فِيهِ، وَفِيهِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ قَوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَدَنَانِيرَ) وَجُدْرَانَ وَسُقُوفٍ وَثِيَابٍ، وَيَحِلُّ النَّوْمُ فِيهَا وَلَوْ لِجُنُبٍ، وَكَذَا النَّوْمُ عَلَيْهَا فِي نَحْوِ الْبِسَاطِ لَا الْوَطْءِ عَلَيْهَا، وَقِيلَ بِجَوَازِ الْوَطْءِ أَيْضًا لَا بِقَصْدِ إهَانَةٍ، وَكَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ يُومِئُ إلَيْهِ، وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ أَكْثَرَ) قَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْقَطْعِ فَإِنْ تَسَاوَيَا حَرُمَ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي الْكَثْرَةِ، وَفَارَقَ الشَّكَّ فِي الضَّبَّةِ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقُرْآنِ الْحُرْمَةُ، وَفِي الْإِنَاءِ الْحِلُّ، فَعُلِمَ أَنَّ مَحَلَّ الْحِلِّ إذَا كَانَ التَّفْسِيرُ أَكْثَرَ يَقِينًا.
قَالَ شَيْخُنَا تَبَعًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَنَقَلَهُ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَالْعِبْرَةُ بِالْكَثْرَةِ مِنْ حَيْثُ الْحُرُوفُ الرَّسْمِيَّةُ بِالرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ فِي الْقُرْآنِ وَبِقَاعِدَةِ رَسْمِ الْخَطِّ فِي التَّفْسِيرِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِرَسْمِ الْخَطِّ مُطْلَقًا، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ: الْعِبْرَةُ بِاللَّفْظِ، وَنَقَلَهُ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَهُوَ يُخَالِفُ مَا مَرَّ عَنْهُ، فَلَعَلَّهُ اخْتَلَفَ جَوَابُهُ وَكَلَامُهُ فِي الشَّرْحِ مُحْتَمَلٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَالْمَسُّ فِي الْأَخِيرَيْنِ) وَهُمَا التَّفْسِيرُ وَالدَّنَانِيرُ كَالْحَمْلِ فَلَا يَحْرُمُ مَسُّ الْحُرُوفِ عَلَى الدَّنَانِيرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا ذُكِرَ مُطْلَقًا وَلَا فِي التَّفْسِيرِ كَذَلِكَ، هَذَا صَرِيحُ كَلَامِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ الْخَطِيبُ، وَهُوَ وَاضِحٌ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِالْحُرْمَةِ إلَّا إذَا كَانَ الَّذِي مَسَّهُ مُشْتَمِلًا عَلَى تَفْسِيرٍ أَكْثَرَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ حَمْلَ الْقُرْآنِ وَحْدَهُ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ لَمْ يَحْرُمْ، وَكَذَا لَوْ قَصَدَ بِهِ الدِّرَاسَةَ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لَا قَلْبِ) هُوَ بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى حَمْلٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ الصَّبِيَّ) أَيْ الْمُمَيِّزَ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ لِفَقْدِ تَعَلُّمِهِ وَخَرَجَ بِالصَّبِيِّ الْبَالِغُ وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ دَوَامُ الطَّهَارَةِ كَمُؤَدِّبِ الْأَطْفَالِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ مِنْ جَوَازِ الْمَسِّ وَالْحَمْلِ لَهُ مَعَ التَّيَمُّمِ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ عِنْدَ شَيْخِنَا.
قَوْلُهُ: (الْمُحْدِثَ) وَلَوْ حَدَثًا أَكْبَرَ.
قَوْلُهُ: (لَا يُمْنَعُ) أَيْ لَا يَجِبُ مَنْعُهُ فَيُنْدَبُ.

[حاشية عميرة]

قَوْلُ الشَّارِحِ: (تَبَعًا لَهَا) أَيْ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قُوَّةِ الْعِبَارَةِ فَتَأَمَّلْ.

تَعَلُّمِهِ مِنْهُمَا وَمَشَقَّةِ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى الطَّهَارَةِ.
وَالثَّانِي عَلَى الْوَلِيِّ وَالْمُعَلِّمِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ (قُلْت: الْأَصَحُّ حِلُّ قَلْبِ وَرَقِهِ بِعُودٍ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَمْلٍ وَلَا فِي مَعْنَاهُ.
وَلَوْ لَفَّ كُمَّهُ عَلَى يَدِهِ وَقَلَبَ بِهِ حَرُمَ قَطْعًا، وَقِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ.

(وَمَنْ تَيَقَّنَ طُهْرًا أَوْ حَدَثًا وَشَكَّ فِي ضِدِّهِ) هَلْ طَرَأَ عَلَيْهِ (عَمِلَ بِيَقِينِهِ) اسْتِصْحَابًا لِلْيَقِينِ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ التَّرَدُّدُ بِاسْتِوَاءٍ أَوْ رُجْحَانٍ كَمَا.
قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ، فَمَنْ ظَنَّ الضِّدَّ لَا يَعْمَلُ بِظَنِّهِ لِأَنَّ ظَنَّ اسْتِصْحَابِ الْيَقِينِ أَقْوَى مِنْهُ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ يَعْمَلُ بِظَنِّ الطُّهْرِ بَعْدَ تَيَقُّنِ الْحَدَثِ.
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَأَسْقَطَهُ مِنْ الرَّوْضَةِ (فَلَوْ تَيَقَّنَهُمَا) أَيْ الطُّهْرَ وَالْحَدَثَ بِأَنْ وُجِدَا مِنْهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مَثَلًا (وَجَهِلَ السَّابِقَ) مِنْهُمَا (فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا) يَأْخُذُ بِهِ (فِي الْأَصَحِّ) فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي تَأَخُّرِ الْحَدَثِ عَنْهَا.
وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَأَخُّرِهِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ، وَشَكَّ فِي تَأَخُّرِ الطَّهَارَةِ عَنْهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَأَخُّرِهَا إنْ كَانَ يَعْتَادُ تَجْدِيدَ الطَّهَارَةِ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّ تَجْدِيدَهَا فَالظَّاهِرُ تَأَخُّرُهَا عَنْ الْحَدَثِ فَيَكُونُ الْآنَ مُتَطَهِّرًا، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا قَبْلَهُمَا لَزِمَهُ الْوُضُوءُ لِتَعَارُضِ الِاحْتِمَالَيْنِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَنْظُرُ إلَى مَا قَبْلَهُمَا وَيَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ بِكُلِّ حَالٍ احْتِيَاطًا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ جَمَاعَاتٍ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا.

[حاشية قليوبي]

قَوْلُهُ: (مِنْ مَسِّ إلَخْ) وَلَا مِنْ الْقِرَاءَةِ بِالْأَوْلَى لِجَوَازِهَا لِلْمُحْدِثِ.
قَوْلُهُ: (لِحَاجَةِ تَعَلُّمِهِ) وَمِنْهَا حَمْلُهُ مِنْ الْبَيْتِ إلَى الْمَكْتَبِ وَعَكْسُهُ، وَخَرَجَ بِهَا تَعَلُّمُ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ حَمْلُ خَادِمِهِ لَهُ مَعَهُ إلَى الْمَكْتَبِ فَيَحْرُمُ عَلَى الْبَالِغِ وَعَلَى وَلِيِّ غَيْرِهِ تَمْكِينُهُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ) فَالْأَنْسَبُ التَّعْبِيرُ بِالْمَذْهَبِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَمْلٍ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ انْفَصَلَتْ الْوَرَقَةُ عَلَى الْعُودِ حَرُمَ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ لَفَّ كُمَّهُ عَلَى يَدِهِ) كَوْنُهُ عَلَى الْيَدِ قَيْدٌ لِلْقَطْعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ حَلَّ عِنْدَ الشَّيْخِ الْخَطِيبِ، وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَلَوْ 8653 لَفَّ مِنْدِيلًا لَيْسَ مَلْبُوسًا لَهُ، وَقَلَبَ بِهِ لَمْ يَحْرُمْ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْعُودِ.
قَوْلُهُ: (حَرُمَ قَطْعًا) خِلَافًا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

قَوْلُهُ: (اسْتِصْحَابًا لِلْيَقِينِ) يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَقِينِ الظَّنُّ الْمُسْتَنِدُ إلَى اسْتِصْحَابِهِ لَا هُوَ، لِأَنَّهُ لَا يُجَامِعُ الشَّكَّ.
قَوْلُهُ: (شَيْئًا) أَيْ رِيحًا يَجُولُ فِي جَوْفِهِ يَطْلُبُ الْخُرُوجَ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ) أَيْ لَا يُبْطِلُ صَلَاةَ نَفْسِهِ بِمَا وَجَدَ، وَيَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ لِلْوُضُوءِ، أَوْ الْمُرَادُ لَا يَخْرُجُ مِنْ صَلَاتِهِ، وَسَمَّاهَا مَسْجِدًا مَجَازًا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَسْمَعَ إلَخْ) أَيْ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ أَحْدَثَ بِسَمَاعٍ أَوْ بِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ اسْتِصْحَابَ) وَفِي نُسْخَةٍ لِأَنَّ ظَنَّ اسْتِصْحَابِ الْيَقِينِ أَيْ الظَّنَّ الْمُسْتَنِدَ إلَى الْيَقِينِ كَمَا مَرَّ أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ الَّذِي لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى يَقِينٍ وَإِنْ اسْتَنَدَ إلَى خَبَرِ عَدْلٍ كَمَا مَرَّ عَنْ شَيْخِنَا وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الرَّافِعِيُّ يَعْمَلُ بِظَنِّ الطُّهْرِ بَعْدَ تَيَقُّنِ الْحَدَثِ) ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ، فَقِيلَ: هُوَ سَهْوٌ مِنْهُ، وَقِيلَ: إنَّهُ سَقَطَ مِنْهُ لَفْظَةُ لَا، وَالْأَصْلُ لَا يَعْمَلُ، وَقِيلَ: إنَّهُ فِي ظَنِّ طَهَارَةِ أَحَدِ الْمَاءَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ كَمَا مَرَّ، وَقِيلَ فِي النَّوْمِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَقِيلَ: إنَّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ عَقِبَ هَذِهِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَمَا قَبْلَهُ كَلَامٌ صَحِيحٌ فِي ذَاتِهِ، لَكِنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ الْمَقَامِ.
قَوْلُهُ: (وَأَسْقَطَهُ مِنْ الرَّوْضَةِ إلَخْ) فَإِسْقَاطُهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ: وَاسْتُقْرِئَ كَلَامُ الشَّارِحِ فَوُجِدَ أَنَّهُ مَتَى أَطْلَقَ لَفْظَ الرَّوْضَةِ فَمُرَادُهُ زَوَائِدُهَا، وَمَتَى قَالَ أَصْلَ الرَّوْضَةِ فَهُوَ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ النَّوَوِيُّ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ أَوْ زَادَهُ بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ، وَمَتَى.
قَالَ الرَّوْضَةَ وَأَصْلَهَا فَهُوَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مَعْنًى أَوْ كَأَصْلِهَا فَهُوَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ لَفْظًا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ) سَوَاءٌ اعْتَادَ التَّجْدِيدَ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ) أَيْ الرَّافِعَةَ لِلْحَدَثِ الَّذِي قَبْلَ الشَّمْسِ الَّذِي ذَكَرَهُ، فَلَا مُعَارَضَةَ بِالْمِثْلِ قَوْلُهُ: (وَشَكَّ فِي تَأَخُّرِ الطَّهَارَةِ) أَيْ الثَّانِيَةِ الَّتِي بَعْدَ الشَّمْسِ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ يَعْتَادُ تَجْدِيدَ الطَّهَارَةِ) وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ وَلَوْ بِمَرَّةٍ فِي عُمْرِهِ الْمَاضِي.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا قَبْلَهُمَا) أَخَذَ بِمِثْلِ مَا قَبْلَ مَا قَبْلَهُمَا فَيَأْخُذُ فِي الْإِفْرَادِ بِالضِّدِّ وَفِي الْإِشْفَاعِ بِالْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ الْوُضُوءُ بِكُلِّ حَالٍ) أَيْ إنْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ، وَكَانَ يَعْتَادُ التَّجْدِيدَ وَإِلَّا فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ دَائِمًا.

[حاشية عميرة]

(فَائِدَةٌ) لَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مَنْقُوشًا عَلَى خَشَبَةٍ أَوْ طَعَامٍ امْتَنَعَ حَرْقُ الْخَشَبَةِ وَجَازَ أَكْلُ الطَّعَامِ، كَذَا نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ الْقَاضِي

(فَصْلٌ فِي آدَابِ الْخَلَاءِ وَفِي الِاسْتِنْجَاءِ) . (يُقَدِّمُ دَاخِلُ الْخَلَاءِ يَسَارَهُ وَالْخَارِجُ يَمِينَهُ) لِمُنَاسِبَةِ الْيَسَارِ لِلْمُسْتَقْذَرِ وَالْيَمِينِ لِغَيْرِهِ، وَالْخَلَاءُ بِالْمَدِّ الْمَكَانُ الْخَالِي نُقِلَ إلَى الْبِنَاءِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ عُرْفًا (وَلَا يَحْمِلُ) فِي الْخَلَاءِ (ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ مَكْتُوبَ ذِكْرٍ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ غَيْرِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَحَمْلُهُ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ، وَالصَّحْرَاءُ كَالْبُنْيَانِ فِي هَذَيْنِ الْأَدَبَيْنِ.
(وَيَعْتَمِدُ) فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ (جَالِسًا يَسَارَهُ)

[حاشية قليوبي]

فَائِدَةٌ) قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يُرْفَعُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ إلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا: الشَّكُّ فِي خُرُوجِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ فَيُصَلُّونَ ظُهْرًا.
الثَّانِيَةُ: الشَّكُّ فِي بَقَاءِ مُدَّةِ الْمَسْحِ فَيَغْسِلُ.
الثَّالِثَةُ: الشَّكُّ فِي وُصُولِ مَقْصِدِهِ فَيُتِمُّ.
الرَّابِعَةُ: الشَّكُّ فِي نِيَّةِ الْإِتْمَامِ فَيُتِمُّ أَيْضًا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّ هَذِهِ رُخَصٌ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْيَقِينِ وَحِينَئِذٍ فَكُلُّ رُخْصَةٍ كَذَلِكَ وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَذْكُورَاتِ بَلْ إنَّ غَيْرَ الرُّخَصِ يَقَعُ فِيهَا ذَلِكَ كَمَا مَرَّ آنِفًا فِي اللَّمْسِ وَالْمَسِّ، وَانْظُرْ الْيَقِينَ الْمُقَابِلَ لِلشَّكِّ فِي الْأَخِيرَةِ مَا هُوَ فَتَأَمَّلْ.

[فَصْلٌ فِي آدَابِ الْخَلَاءِ وَفِي الِاسْتِنْجَاءِ]

(فَصْلٌ فِي آدَابِ الْخَلَاءِ وَفِي الِاسْتِنْجَاءِ) حَقِيقَةً وَشُرُوطًا وَآدَابًا.
وَالْآدَابُ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ جَمْعُ أَدَبٍ، وَهُوَ مَا يُطْلَبُ الْإِتْيَانُ بِهِ نَدْبًا أَصَالَةً، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يُطْلَبُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا لِأَجْلِ غَيْرِهِ صِحَّةً أَوْ كَمَالًا، وَقَدَّمَ هَذَا الْفَصْلَ عَلَى الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ الْأَكْمَلُ، وَأَخَّرَهُ فِي الرَّوْضَةِ إشْعَارًا بِجَوَازِهِ فِي حَقِّ السَّلِيمِ، وَأَعَادَ الْعَامِلَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ إرَادَةِ آدَابِهِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (دَاخِلُ الْخَلَاءِ) أَيْ مَنْ أَرَادَ دُخُولَهُ وَلَوْ صَغِيرًا بِأَمْرِ وَلِيِّهِ أَوْ حَامِلًا لِغَيْرِهِ لِغَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ الْمَخْصُوصَةِ كَوَضْعِ مَاءٍ وَإِزَالَةِ قَذَرٍ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ بِقَاضِي الْحَاجَةِ، وَالْجَوَابُ بِأَنَّ هَذَا أَعَمُّ لِشُمُولِهِ الصَّحْرَاءَ قَدْ يُرَدُّ بِأَنْ يُرَادَ بِالْخَلَاءِ مَا يَشْمَلُهُ، وَسَيَأْتِي مَا يُشِيرُ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ تَعْمِيمَ الْحُكْمِ دُونَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (يَسَارَهُ) أَوْ بَدَلَهَا وَكَذَا الْيَمِينُ.
قَوْلُهُ: (وَالْيَمِينِ لِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُسْتَقْذِرِ وَشَمِلَ مَا لَا شَرَفَ فِيهِ وَلَا خِسَّةَ فَيُقَدِّمُ يَمِينَهُ كَالشَّرِيفِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ شَرْحِهِ خِلَافَهُ، لَكِنْ فِي تَصْوِيرِهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ إمَّا مِنْ مَكَان لِمَا دُونَهُ فَيُقَدِّمُ الْيَسَارَ، أَوْ لِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ فَيُقَدِّمُ الْيَمِينَ، أَوْ لِمَا يُسَاوِيهِ فَيَتَخَيَّرُ كَأَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ، وَمِنْهُ صُعُودُ الْخَطِيبِ إلَى الْمِنْبَرِ، أَوْ نَحْوَ بَيْتَيْنِ مِنْ دَارٍ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ.
نَعَمْ يُقَدِّمُ يَمِينَهُ فِي خُرُوجِهِ مِنْ الْكَعْبَةِ إلَى الْمَسْجِدِ كَعَكْسِهِ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
(فَرْعٌ) يَحْرُمُ دُخُولُ الصَّاغَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَمْكِنَةِ الْمَعَاصِي إلَّا لِحَاجَةٍ بِقَدْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْخَلَاءُ) بِالْمَدِّ الْمَكَانُ الْخَالِي أَيْ لُغَةً.
قَوْلُهُ: (نُقِلَ) أَيْ عُرْفًا.
قَوْلُهُ: (إلَى الْبِنَاءِ) لَوْ قَالَ إلَى الْمَكَانِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ لَكَانَ أَعَمَّ، وَكَانَ يُسْتَغْنَى عَنْ إيرَادِ الصَّحْرَاءِ فِيمَا يَأْتِي، وَلَعَلَّهُ رَاعَى الظَّاهِرَ وَسُمِّيَ بِاسْمِ شَيْطَانٍ يَسْكُنُهُ.
قَوْلُهُ: (مَكْتُوبَ) قَدَّرَهُ لِصِحَّةِ نِسْبَةِ الْحَمْلِ إلَى الذِّكْرِ لِأَنَّهُ مَعْنًى لَكِنْ فِيهِ تَغْيِيرُ إعْرَابِ الْمَتْنِ اللَّفْظِيِّ وَهُوَ مَعِيبٌ، فَلَوْ أَخَّرَ لَفْظَ مَكْتُوبٍ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَسَلِمَ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرِهِ) كَمَنْسُوخِ تِلَاوَةٍ وَتَوْرَاةٍ لَمْ تُبَدَّلْ وَأَسْمَاءِ اللَّهِ الْخَاصَّةِ بِهِ أَوْ الْمُشْتَرَكَةِ بِقَصْدِهِ بِمَا فِي التَّمَائِمِ وَأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَلَوْ عَوَامَّهُمْ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَكَذَا أَسْمَاءُ صُلَحَاءِ الْمُؤْمِنِينَ كَالصَّحَابَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ، فَإِنْ دَخَلَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ غَيَّبَهُ فِي نَحْوِ عِمَامَتِهِ وَيَحْرُمُ تَنْجِيسُهُ وَلَوْ فِي غَيْرِ الِاسْتِنْجَاءِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (مَكْرُوهٌ) وَلَوْ نَحْوَ مُصْحَفٍ وَإِنْ حَرُمَ مِنْ حَيْثُ الْحَدَثُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ بِالْحُرْمَةِ.
(تَنْبِيهٌ) مَا نُقِلَ عَنْ الْجَلَالِ السُّيُوطِيّ مِنْ حُرْمَةِ نَقْشِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى الْخَاتَمِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ ضَعِيفٌ لِضَعْفِ الْحَدِيثِ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ عَلَى قَوْلٍ فِي الْكُنْيَةِ أَوْ عَلَى زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَوْلٍ فِيهَا أَيْضًا، أَوْ عَلَى إرَادَةِ الْمُضَاهَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّحْرَاءُ كَالْبُنْيَانِ) أَوْرَدَهَا نَظَرًا لِلظَّاهِرِ وَإِنْ أَمْكَنَ شُمُولُ الْمَكَانِ لَهَا كَمَا مَرَّ.
نَعَمْ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَيْنِ الْأَدَبَيْنِ: فِيهِمَا

[حاشية عميرة]

وَاَلَّذِي فِي الرَّوْضَةِ كَرَاهَةُ الْحَرْقِ لَا غَيْرُ.

(فَصْلٌ فِي آدَابِ الْخَلَاءِ وَفِي الِاسْتِنْجَاءِ) قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالصَّحْرَاءُ كَالْبُنْيَانِ) نَظِيرُ ذَلِكَ الصَّلَاةُ فِي الصَّحْرَاءِ فَيُقَدِّمُ الْيَمِينَ عِنْدَ قَصْدِ الْمَكَانِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ وَالْيَسَارَ عِنْدَ قَصْدِ الِانْصِرَافِ عَنْهُ.
(فَائِدَةٌ) مِنْ الْآدَابِ أَنْ لَا يُطِيلَ الْقُعُودَ عَلَى الْخَلَاءِ لِأَنَّهُ يَحْدُثُ مِنْهُ الْبَاسُورُ وَهُوَ مَكْرُوهٌ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ:

دُونَ يَمِينِهِ فَيَنْصِبُهَا لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ وَلَوْ بَالَ قَائِمًا فَرَّجَ بَيْنَهُمَا فَيَعْتَمِدُهَا (وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا) أَدَبًا فِي الْبُنْيَانِ (وَيَحْرُمَانِ بِالصَّحْرَاءِ) قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَرَوَيَا أَيْضًا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى حَاجَتَهُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةَ» . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذُكِرَ عِنْدَهُ أَنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِفُرُوجِهِمْ أَوَقَدْ فَعَلُوهَا حَوِّلُوا بِمَقْعَدَتِي إلَى الْقِبْلَةِ» فَجَمَعَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِحَمْلِ أَوَّلِهَا الْمُفِيدِ لِلتَّحْرِيمِ عَلَى الصَّحْرَاءِ لِأَنَّهَا لِسَعَتِهَا لَا يَشُقُّ فِيهَا اجْتِنَابُ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ بِخِلَافِ الْبُنْيَانِ فَقَدْ يَشُقُّ فِيهِ اجْتِنَابُ ذَلِكَ فَيَجُوزُ فِعْلُهُ كَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى لَنَا تَرْكَهُ.
نَعَمْ يَجُوزُ فِعْلُهُ فِي الصَّحْرَاءِ إذَا اسْتَتَرَ بِمُرْتَفَعٍ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ وَقَرُبَ مِنْهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ وَيَحْرُمُ فِعْلُهُ فِي الْبُنْيَانِ إذَا لَمْ يَسْتَتِرْ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْبِنَاءِ الْمُهَيَّأِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَلَا يَحْرُمُ وَإِنْ بَعُدَ السَّاتِرُ، وَقَصَرَ ذِكْرَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ أَرْخَى

[حاشية قليوبي]

خِلَافٌ، فَهُمَا وَارِدَانِ مِنْ حَيْثُ الْخِلَافُ فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَالَ قَائِمًا إلَخْ) اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ مُخَالِفًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَعْضِ فِي عِبَارَتِهِ الْجَلَالُ وَالشَّارِحُ، وَخَرَجَ بِالْبَوْلِ الْغَائِطُ قَائِمًا فَهُوَ كَالْجَالِسِ فِي اعْتِمَادِ يَسَارِهِ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَامُ مَكْرُوهًا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.
نَعَمْ إنْ خَشِيَ التَّنْجِيسَ فِي حَالَةِ تَعَيُّنِ خِلَافِهَا.
قَوْلُهُ: (الْقِبْلَةَ) أَيْ عَيْنَ الْكَعْبَةِ وَلَوْ بِالِاجْتِهَادِ لَا جِهَتِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَخَرَجَ بِهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ، فَاسْتِقْبَالُهُ وَاسْتِدْبَارُهُ مَكْرُوهٌ مَعَ عَدَمِ السَّاتِرِ، وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْقَمَرَيْنِ، لَا اسْتِدْبَارُهُمَا.
قَوْلُهُ: (بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ) هُوَ عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ أَيْ لَا تَسْتَقْبِلُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِغَائِطٍ، لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ جَعْلُ الشَّيْءِ قِبَالَةَ الْوَجْهِ، وَالِاسْتِدْبَارَ جَعْلُ الشَّيْءِ جِهَةَ دُبُرِهِ أَيْ خَلْفَهُ، فَلَوْ اسْتَقْبَلَ وَتَغَوَّطَ أَوْ اسْتَدْبَرَ وَبَالَ لَمْ يَحْرُمْ، وَكَذَا لَوْ اسْتَقْبَلَ وَلَوَى ذَكَرَهُ يَمِينًا أَوْ يَسَارًا بِخِلَافِ عَكْسِهِ لِوُجُودِ الِاسْتِقْبَالِ بِالْعَوْرَةِ وَالْخَارِجِ مَعًا فِي الْعَكْسِ دُونَ مَا قَبْلَهُ، وَبِمَا ذُكِرَ عُلِمَ سُقُوطُ مَا شَنَّعَ بِهِ بَعْضُ أَكَابِرِ الْفُضَلَاءِ وَالْعُلَمَاءِ عَلَى بَعْضِ الطَّلَبَةِ حِينَ تَوَقَّفَ فِي حِكْمَةِ تَعَارُضِهِمَا لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُمَا مَعًا فَضْلًا عَنْ تَعَارُضِهِمَا، فَذِكْرُ شَيْخِنَا لَهُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ غَفْلَةٌ عَنْ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا لَوْ نَزَلَا مَعًا فَلَيْسَ مِنْ التَّعَارُضِ، بَلْ يُقَالُ أَيُّهُمَا أَشَدُّ حُرْمَةً فَيَتَجَنَّبُهُ إذَا تَعَذَّرَ اجْتِنَابُهُمَا مَعًا، فَرَاجِعْ وَحَرِّرْ وَافِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) أَيْ مِيلُوا عَنْ عَيْنِ الْكَعْبَةِ إلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ أَوْ إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ، وَهُوَ خِطَابٌ خَاصٌّ بِمَنْ قِبْلَتُهُمْ الْجَنُوبُ كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ أَوْ الشَّمَالُ كَأَهْلِ عَدَنٍ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ عَيْنِ الْقِبْلَةِ لَوْ شَرَّقُوا أَوْ غَرَّبُوا بِخِلَافِ نَحْوِ أَهْلِ مِصْرَ مِمَّنْ قِبْلَتُهُمْ الْمَشْرِقُ، أَوْ أَهْلِ السِّنْدِ مِمَّنْ قِبْلَتُهُمْ الْمَغْرِبُ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ يُؤْخَذُ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا كَمَا فِي الْخِطَابِ فِي صَدْرِهِ اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ يَرُدُّهُ التَّعْبِيرُ بِالِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ حَقِيقَةً إلَّا فِي بَلَدٍ مُسَاوٍ لِمَكَّةَ فِي الطُّولِ أَوْ الْعَرْضِ كَمَا يَعْرِفُهُ مَنْ لَهُ دِرَايَةٌ بِذَلِكَ، وَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ مَنْعُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فِي عَدَمِ السَّاتِرِ وَيُنْدَبُ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (فَعَلُوهَا) أَيْ الْكَرَاهَةَ بِمَعْنَى اعْتَقَدُوهَا أَوْ بِمَعْنَى فَعَلُوا مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، أَوْ بِمَعْنَى وَقَعَتْ مِنْهُمْ، فَهُوَ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: حَوِّلُوا بِمَقْعَدَتِي إلَى الْقِبْلَةِ إلَى أَنَّهُمْ إنَّمَا كَرِهُوا مَا نُقِلَ عَنْهُمْ اعْتِمَادًا عَلَى فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جَعْلِهِ مَقْعَدَتَهُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَهُوَ تَأْكِيدٌ فِي رَدِّ مَا فَهِمُوهُ.
وَالْمَقْعَدَةُ اسْمٌ لِنَحْوِ حَجَرَيْنِ يَجْلِسُ قَاضِي الْحَاجَةِ عَلَيْهِمَا، وَبَيْنَهُمَا مُنْخَفَضٌ.
قَوْلُهُ: (فَجَمَعَ الشَّافِعِيُّ) فَنِسْبَةُ الْجَمْعِ لِلْأَصْحَابِ كَمَا فِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ كَالْمَنْهَجِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ التَّجَوُّزِ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلِهَا) وَهُوَ حَدِيثُ: " لَا تَسْتَقْبِلُوا " إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: (كَمَا فَعَلَهُ) أَيْ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ وَهُوَ فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ لَكِنَّهُ مَعَ السَّاتِرِ بِدَلِيلِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَسَكَتَ عَنْ الْمُعَدِّ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " حَوِّلُوا " إلَخْ لِعِلْمِهِ مِمَّا ذُكِرَ لِأَنَّهُ لَيْسَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ تَرْكَهُ حَيْثُ سَهُلَ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ إلَخْ) فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّحْرَاءِ مَا لَيْسَ بِسَاتِرٍ مُعْتَبَرٍ وَإِنْ كَانَ فِي الْبُنْيَانِ وَعَكْسِهِ، وَالسَّاتِرُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ لِلْبَوْلِ يَكُونُ أَمَامَهُ وَفِي الْمُسْتَدْبِرِ لِلْغَائِطِ يَكُونُ مِنْ خَلْفِهِ.
قَوْلُهُ: (بِمُرْتَفَعٍ) وَلَوْ مِنْ زُجَاجٍ وَمَاءٍ صَافٍ إنْ أَمْكَنَ، أَوْ بِذَيْلِهِ كَمَا يَأْتِي، وَتَقْدِيرُهُ بِثُلُثَيْ ذِرَاعٍ نَظَرًا لِلْغَالِبِ، فَلَوْ كَفَاهُ دُونَهُمَا فَلَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ، أَوْ احْتَاجَ إلَى زِيَادَةٍ وَجَبَتْ، فَلَوْ بَالَ قَائِمًا وَجَبَ سَتْرُ عَوْرَتِهِ وَمَا تَحْتَهَا إلَى آخِرِ قَدَمَيْهِ لِكَوْنِهِ مِنْ حَرِيمِ الْعَوْرَةِ، قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ عَنْ إفْتَاءِ وَالِدِهِ، وَالْوَجْهُ الِاكْتِفَاءُ بِمَا حَاذَى الْعَوْرَةَ لِمَا مَرَّ، وَقَالَ أَيْضًا لَا بُدَّ فِي السَّاتِرِ أَنْ يَكُونَ عَرِيضًا يَسْتُرُ جَوَانِبَ الْعَوْرَةِ فَلَا يَكْفِي نَحْوُ الْعَنَزَةِ وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ وِفَاقًا لِابْنِ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. قَوْلُهُ: (الْمُهَيَّأِ) أَيْ الْمُعَدِّ وَهُوَ يَحْصُلُ

[حاشية عميرة]

وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) أَيْ إذَا كَانَ قَاضِي الْحَاجَةِ فِي الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وَمَا سَامَتَهَا وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ التَّشْرِيقُ وَالتَّغْرِيبُ عَلَى سَمْتِ الْكَعْبَةِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (بِمُرْتَفَعٍ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ السَّاتِرَ فِي هَذَا الْبَابِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَرِيضًا بِحَيْثُ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ:

ذَيْلَهُ قُبَالَةَ الْقِبْلَةِ حَصَلَ بِهِ السَّتْرُ فِي الْأَصَحِّ، وَالْمُرَادُ بِالذِّرَاعِ ذِرَاعُ الْآدَمِيِّ (وَيَبْعُدُ) عَنْ النَّاسِ فِي الصَّحْرَاءِ إلَى حَيْثُ لَا يُسْمَعُ لِلْخَارِجِ مِنْهُ صَوْتٌ وَلَا يُشَمُّ لَهُ رِيحٌ.
(وَيَسْتَتِرُ) عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ فِي الصَّحْرَاءِ وَنَحْوِهَا بِمُرْتَفَعِ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَأَقَلُّ وَلَوْ أَرْخَى ذَيْلَهُ حَصَلَ بِهِ السِّتْرُ.
(وَلَا يَبُولُ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ فَقَالَ وَاقِدٌ عَنْ جَابِرٍ «إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ» . وَالنَّهْيُ فِيهِ لِلْكَرَاهَةِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لِإِمْكَانِ طُهْرِهِ بِالْكَثْرَةِ.
أَمَّا الْجَارِي فَنُقِلَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ جَمَاعَةٍ الْكَرَاهَةُ فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ دُونَ الْكَثِيرِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ الْبَوْلُ فِي الْقَلِيلِ مُطْلَقًا لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافًا عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْكَثِيرُ فَالْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ.
(وَ) لَا يَبُولُ فِي (جُحْرٍ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ» ، وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الثَّقْبُ.
وَأُلْحِقَ بِهِ السَّرَبُ بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ وَهُوَ الشَّقُّ.
وَالْمَعْنَى فِي النَّهْيِ مَا قِيلَ إنَّ الْجِنَّ تَسْكُنُ ذَلِكَ فَقَدْ تُؤْذِي مَنْ يَبُولُ فِيهِ.
(وَمَهَبِّ رِيحٍ) لِئَلَّا يَحْصُلَ لَهُ رَشَّاشُ الْبَوْلِ (وَمُتَحَدَّثٍ وَطَرِيقٍ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «اتَّقُوا

[حاشية قليوبي]

بِأَنْ يُهَيَّأَ لِذَلِكَ أَوْ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِيهِ مَعَ قَصْدِ الْعَوْدِ إلَيْهِ بِغَيْرِ بِنَاءٍ، أَوْ يَتَكَرَّرُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهِ مَرَّاتٍ يَعُدُّهُ الْعُرْفُ فِيهَا مُعَدًّا وَهَلْ نَحْوُ الْمَكَانِ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ عَلَيْهَا مِنْ الْمُعَدِّ مَالَ شَيْخُنَا إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَحْرُمُ) وَلَا يُكْرَهُ وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى كَمَا مَرَّ، وَكَذَا إلَّا حُرْمَةً مَعَ الْعُذْرِ بِعَجْزِهِ عَنْ السَّاتِرِ وَلَوْ بِذَيْلِهِ كَمَا مَرَّ، وَتَعَذَّرَ تَرْكُ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ بِنَحْوِ رِيحٍ هَبَّتْ عَنْ جَانِبَيْ الْقِبْلَةِ إنْ أَمْكَنَهُ لِأَنَّ خَشْيَةَ التَّنْجِيسِ أَشَدُّ.
(تَنْبِيهٌ) خَرَجَ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا بِجِمَاعٍ أَوْ بِدَمِ فَصْدٍ أَوْ حِجَامَةٍ أَوْ إخْرَاجِ قَيْحٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ مَنِيٍّ أَوْ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ نَجَاسَةً فَلَا حُرْمَةَ وَلَا كَرَاهَةَ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى تَرْكُهُ تَعْظِيمًا لَهَا نَعَمْ لِلثُّقْبَةِ الْمُنْفَتِحَةِ فِي الِانْسِدَادِ الْخِلْقِيِّ حُكْمُ الْأَصْلِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.
(فَرْعٌ) هَلْ الْمَذْيُ كَالْبَوْلِ فِيمَا ذُكِرَ رَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ لَوْ أَرْخَى ذَيْلَهُ) وَمِثْلُهُ سِلْعَةٌ فَوْقَ عَوْرَتِهِ وَشَعْرٌ كَذَلِكَ كَلِحْيَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَبْعُدُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَالِثِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَعُدَ اللَّازِمِ كَحَسُنَ لَا مِنْ أَبْعَدَ الْمُعْتَدِي وَالْكَلَامُ حَيْثُ أَمْكَنَ الْبُعْدُ وَسَهُلَ عَلَيْهِ وَأَمِنَ وَأَرَادَهُ، وَإِلَّا سُنَّ لِغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ الْبُعْدُ عَنْهُ بِقَدْرِ بُعْدِهِ عَنْهُمْ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَغِيبَ شَخْصُهُ عَنْهُمْ أَيْضًا وَالْأَبْنِيَةُ الْوَاسِعَةُ فِي هَذَا كَالصَّحْرَاءِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهَا لِإِخْرَاجِ الْأَبْنِيَةِ الْمُعَدَّةِ.
قَوْلُهُ (وَيَسْتَتِرُ) لَا بِزُجَاجٍ وَمَاءٍ صَافٍ بِخِلَافِ سَاتِرِ الْقِبْلَةِ كَمَا مَرَّ، وَيُقَدَّمُ السِّتْرُ عَلَى الْبُعْدِ وَغَيْرِهِ لَوْ عَارَضَهُ، وَالسِّتْرُ مَنْدُوبٌ عَنْ أَعْيُنِ مَنْ لَا يَحْرُمُ نَظَرُهُ إلَى عَوْرَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِحَضْرَتِهِ أَوْ احْتَمَلَ مُرُورُهُ عَلَيْهِ، وَوَاجِبٌ فِي غَيْرِهِ كَذَلِكَ، وَوُجُوبُ الْغَضِّ لَا يُسْقِطُ وُجُوبَ السِّتْرِ.
نَعَمْ إنْ عُلِمَ غَضُّ الْبَصَرِ بِالْفِعْلِ لَمْ يَجِبْ السِّتْرُ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهَا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّحْرَاءِ مَا يَحْصُلُ فِيهِ النَّظَرُ وَلَوْ احْتِمَالًا سَوَاءٌ كَانَ فِي بِنَاءٍ يُمْكِنُ تَسْقِيفُهُ أَوْ لَا.
وَالتَّقْيِيدُ بِثُلُثَيْ ذِرَاعٍ وَبِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِأَنَّهُ نَاشِئٌ عَنْ تَوَهُّمِ اتِّحَادِ سَاتِرِ الْقِبْلَةِ وَإِلَّا عَيَّنَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا نَعَمْ لَا يَحْرُمُ التَّكَشُّفُ عَلَى مَحْبُوسٍ بَيْنَ جَمَاعَةٍ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ السِّتْرُ، وَلَا لِمَنْ خَافَ خُرُوجَ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ خَوْفِ خُرُوجِ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ لِاتِّسَاعِ الْوَقْتِ مَعَ وُجُودِ الْبَدَلِ فِيهَا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَبُولُ فِي مَاءٍ) وَالْغَائِطُ كَالْبَوْلِ وَصَبُّهُمَا فِيهِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لِلْكَرَاهَةِ) إنْ كَانَ مُبَاحًا أَوْ مِلْكًا لَهُ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِلطَّهَارَةِ بِهِ وَإِلَّا حُرِّمَ مُطْلَقًا.
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: مَا لَمْ يَسْتَبْحِرْ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ إلَخْ) هُوَ مَرْجُوحٌ إلَّا إنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّ مَعَهُ نَحْوَ تَضَمُّخِ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافًا) تَقَدَّمَ جَوَابُهُ بِإِمْكَانِ طُهْرِهِ بِالْمُكَاثَرَةِ.
قَوْلُهُ: (فَالْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَسْتَبْحِرْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَحْوَ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ مَكْرُوهٌ بِاللَّيْلِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ مَأْوَى الْجِنِّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ كَتَنَجُّسِ الْعَظْمِ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَتَنَجَّسُ هُنَا أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَنَجُّسِ مَا يَتَنَاوَلُونَهُ بِخِلَافِ الْمَاءِ، وَيُكْرَهُ بِالنَّهَارِ إلَّا فِي رَاكِدٍ مُسْتَبْحَرٍ وَجَارٍ كَثِيرٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فِي جُحْرٍ) أَعَادَ الْعَامِلَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَطْفِ جُحْرٍ عَلَى رَاكِدٍ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى فِي مَاءِ جُحْرٍ وَلَيْسَ مُرَادًا فَتَأَمَّلْهُ، وَكَلَامُهُ فِي الْبَوْلِ وَمِثْلُهُ الْغَائِطُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (نَهَى أَنْ يُبَالَ إلَخْ) وَصَرْفُهُ عَنْ الْحُرْمَةِ عَدَمُ الْمُقْتَضِي لَهَا وَلِذَلِكَ لَوْ عَلِمَ أَنَّ فِيهِ إيذَاءً لَهُ بِمَا فِيهِ أَوْ لِمَا فِيهِ بِهِ حَرُمَ إلَّا فِي حَيَوَانٍ يُنْدَبُ قَتْلُهُ وَلَا تَعْذِيبَ.
قَوْلُهُ: (الثَّقْبُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْجُحْرَ وَالثَّقْبَ مُتَرَادِفَانِ، وَهُوَ مَا فِيهِمَا اسْتِدَارَةٌ وَأَنَّ السَّرْبَ وَالشَّقَّ مَا فِيهِمَا اسْتِطَالَةٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَهَمُّ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (مَا قِيلَ إنَّ الْجِنَّ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَرَضِيٍّ، فَغَيْرُ الْجِنِّ كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَمَهَبِّ رِيحٍ) أَيْ جِهَةِ هُبُوبِهَا حَالَةَ هُبُوبِهَا سَوَاءٌ مِنْ الْأَعْلَى أَوْ الْجَوَانِبِ أَوْ الْأَسْفَلِ.
قَوْلُهُ: (رَشَّاشُ الْبَوْلِ) وَكَذَا رَشَّاشُ الْغَائِطِ الْمَائِعِ، أَمَّا الْجَامِدُ فَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ تَبَعًا لِوَالِدِهِ عَدَمُ

[حاشية عميرة]

يَحْصُلُ لَهُ رَشَّاشُ الْبَوْلِ) أَيْ فَيَخْتَصُّ بِالِاسْتِقْبَالِ، وَهَذَا مَا فِي الرَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِيمَا رُوِيَ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَمْخِرُ الرِّيحَ» مَعْنَاهُ

اللَّعَّانَيْنِ قَالُوا وَمَا اللَّعَّانَانِ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» تَسَبُّبًا بِذَلِكَ فِي لَعْنِ النَّاسِ لَهُمَا كَثِيرًا عَادَةً فَنُسِبَ إلَيْهِمَا بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ.
وَالْمَعْنَى احْذَرُوا اللَّعْنَ الْمَذْكُورَ.
وَأُلْحِقَ بِظِلِّ النَّاسِ فِي الصَّيْفِ مَوْضِعُ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ وَشَمِلَهَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مُتَحَدَّثٍ بِفَتْحِ الدَّالِ اسْمُ مَكَانِ التَّحَدُّثِ، وَكَلَامُهُ فِي الْبَوْلِ.
وَصَرَّحَ فِي الرَّوْضَةِ بِكَرَاهَتِهِ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَمِثْلُهَا الْمُتَحَدَّثُ.
أَمَّا التَّغَوُّطُ فَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ فِي الطَّرِيقِ مَكْرُوهٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا لِمَا فِيهِ مِنْ إيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
وَنُقِلَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي الشَّهَادَاتِ عَنْ صَاحِبِ الْعُدَّةِ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَأَقَرَّهُ.
وَمِثْلُ الطَّرِيقِ فِي ذَلِكَ الْمُتَحَدَّثُ وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ هُنَا كَأَصْلِهَا، وَمِنْهَا أَيْ الْآدَابِ أَنْ لَا يَتَخَلَّى فِي مُتَحَدَّثِ النَّاسِ.
(وَتَحْتَ مُثْمِرَةٍ) صِيَانَةً لِلثَّمَرَةِ الْوَاقِعَةِ عَنْ التَّلْوِيثِ فَتَعَافُّهَا الْأَنْفُسُ، وَالتَّغَوُّطُ كَالْبَوْلِ فَيُكْرَهَانِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وَقْتِ الثَّمَرَةِ وَغَيْرِهِ قَالَ: وَلَمْ يَقُولُوا بِالتَّحْرِيمِ لِأَنَّ التَّنَجُّسَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ.
(وَلَا يَتَكَلَّمُ) فِي بَوْلٍ أَوْ تَغَوُّطٍ بِذِكْرٍ أَوْ غَيْرِهِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: يُكْرَهُ ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَإِنْ عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى بِقَلْبِهِ، وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ التَّحَدُّثِ عَلَى الْغَائِطِ.
(وَلَا يَسْتَنْجِي بِمَاءٍ فِي مَجْلِسِهِ) بَلْ يَنْتَقِلُ عَنْهُ لِئَلَّا يَحْصُلَ لَهُ رَشَّاشٌ يُنَجِّسُهُ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: إلَّا فِي الْأَخْلِيَةِ الْمُعَدَّةِ لِذَلِكَ فَلَا يَنْتَقِلُ لِأَنَّهُ لَا يَنَالُهُ فِيهَا رَشَّاشٌ، وَلَا يَنْتَقِلُ الْمُسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى

[حاشية قليوبي]

الْكَرَاهَةِ، وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا لِحُصُولِ رِيحِ الْغَائِطِ، وَسَوَاءٌ فِي الْمُعَدِّ وَغَيْرِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ وَغَيْرُهُ مِنْ التَّعَارُضِ هُنَا بِهُبُوبِ الرِّيحِ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَشِمَالِهَا مُمْكِنٌ عَقْلًا لَا عَادَةً فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (تَسَبُّبًا إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ كَوْنِهِمَا يَلْعَنَانِ أَنْفُسَهُمَا كَثِيرًا الْمَفْهُومُ مِنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَسَكَتَ عَنْ جَوَابِ التَّثْنِيَةِ لِعِلْمِهَا مِنْ تَعَدُّدِ الْمَكَانِ بِالطَّرِيقِ وَالظِّلِّ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ مُضَافًا مَحْذُوفًا وَهُوَ التَّخَلِّي أَيْ اتَّقُوا التَّخَلِّيَ إلَخْ وَالتَّخَلِّي يَشْمَلُ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ فَهُمَا مَكْرُوهَانِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الشَّارِحِ، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ فِي الْحَدِيثِ الْمُبَاحِ وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ بَلْ قَدْ يَجِبُ إنْ لَزِمَ عَلَيْهِ دَفْعُ مَعْصِيَةٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ إيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ) وَدُفِعَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، وَالْمُرَادُ بِالطَّرِيقِ مَحَلُّ مُرُورِ النَّاسِ الْجَائِزِ وَإِلَّا فَلَا كَمَا مَرَّ.
نَعَمْ لَا كَرَاهَةَ فِي مَمْلُوكٍ لَهُ.
قَوْلُهُ: (إنَّهُ حَرَامٌ) هُوَ مَرْجُوحٌ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي عَدَمِ الْحُرْمَةِ نَظَرٌ إذْ مُقْتَضَاهُ جَوَازُ لَعْنِ آكِلِ الْبَصَلِ وَنَحْوِهِ كَالثُّومِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (صِيَانَةً لِلثَّمَرَةِ الْوَاقِعَةِ) سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ لِشَمٍّ أَوْ نَحْوِ تَدَاوٍ كَوَرَقِ وَرْدٍ وَقَرَظٍ لِدَبْغٍ وَسِدْرٍ لِغُسْلٍ وَغَيْرِهَا.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْعَبَّادِيُّ وَسَقْيُ الشَّجَرِ بِالْمَاءِ النَّجَسِ كَالْبَوْلِ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فَيُكْرَهَانِ) مِنْ حَيْثُ الْبَوْلُ وَإِنْ حُرِّمَا مِنْ كَوْنِ الْأَرْضِ مِلْكًا لِغَيْرِهِ.
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَالْغَائِطُ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقْتِ الثَّمَرِ وَغَيْرِهِ) مِمَّا قَبْلَ إثْمَارِهِ حَيْثُ ظَنَّ بَقَاءَ النَّجَاسَةِ إلَى وَقْتِهِ وَلَوْ نَحْوَ وَدْيٍ، فَإِنْ ظَنَّ وُجُودَ مَاءٍ يَطْهُرُ بِهِ الْمَحَلُّ قَبْلَ وَقْتِ الثَّمَرِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَيَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْبَوْلِ فَتَأَمَّلْهُ.
(فَرْعٌ) يُكْرَهُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي الصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ وَمِنًى وَعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَقُزَحٍ وَمَحَلِّ الرَّمْيِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَمَاكِنِ اجْتِمَاعِ الْحَاجِّ، وَالْقَوْلُ بِالْحُرْمَةِ مَرْجُوحٌ، وَيَحْرُمُ ذَلِكَ فِي مَسْجِدٍ وَلَوْ فِي إنَاءٍ بِخِلَافِ الْقَصْدِ فِيهِ، لِلْعَفْوِ عَنْ جِنْسِ الدَّمِ، وَيَحْرُمُ فِي مَقْبَرَةٍ مَنْبُوشَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَنَجُّسِ أَجْزَاءِ الْمَيِّتِ وَلَوْ صَدِيدًا وَعَلَى قَبْرٍ مُطْلَقًا، وَبِقُرْبِ قَبْرِ نَبِيٍّ، وَيُكْرَهُ بِقُرْبِ قَبْرِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَكَلَّمُ) عَطْفٌ عَلَى يُقَدِّمُ بِأَنْ يَتَلَفَّظَ بِهِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ بِالْفِعْلِ وَلَوْ كَانَ سَمْعُهُ مُعْتَدِلًا.
قَوْلُهُ: (فِي بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ) أَيْ فِي مَحَلِّهِمَا سَوَاءٌ قَبْلَهُمَا وَبَعْدَهُمَا وَحَالَيْهِمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِالظَّرْفِيَّةِ دُونَ عَلَى خِلَافًا لِلْخَطِيبِ فِي غَيْرِ الْأَخِيرَةِ.
قَوْلُهُ: (بِذِكْرٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَقُرْآنٍ وَكَلَامٍ عُرْفِيٍّ.
قَوْلُهُ: (إلَّا لِضَرُورَةٍ) فَلَا يُكْرَهُ بَلْ يَجِبُ أَوْ لِحَاجَةٍ فَيُنْدَبُ.
قَوْلُهُ: (حَمِدَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ) وَمِثْلُهُ الذِّكْرُ الْمَطْلُوبُ لَوْ نَسِيَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَأَذْكَارُ الْوُضُوءِ لَوْ تَوَضَّأَ فِيهِ، وَالذِّكْرُ بَعْدَهُ وَالْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ وَيُقَدِّمُ عَلَيْهِ الذِّكْرَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْخَلَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْتَقِلُ الْمُسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ) أَيْ نَدْبًا، بَلْ لَا يَجِبُ لِمُتَيَمِّمٍ مَعَهُ مَاءٌ لَا يَكْفِيهِ أَوْ عَلِمَ عَدَمَ وُجُودِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ.
قَوْلُهُ:

[حاشية عميرة]

يَنْظُرُ أَيْنَ مَجْرَاهَا فَلَا يَسْتَقْبِلُهَا لِئَلَّا يَعُودَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ، لَكِنْ يَسْتَدْبِرُهَا انْتَهَى، وَنَازَعَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ فِي ذَلِكَ لِمَا فِي الِاسْتِدْبَارِ مِنْ عَوْدِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ إلَى آخِرِهِ) هَذَا مُفْرَدٌ وَاللَّعَّانَانِ مَثْنًى، فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلٍ، وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ مَثْنًى فِي الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتَحْتَ مُثْمِرَةٍ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُبَاحَةُ وَالْمَمْلُوكَةُ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: يُكْرَهُ ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ) أَيْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِرَدِّ السَّلَامِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَسْتَبْرِئُ) .

الْمَذْكُورِ.
(وَيَسْتَبْرِئُ مِنْ الْبَوْلِ) عِنْدَ انْقِطَاعِهِ بِالتَّنَحْنُحِ وَنَتْرِ الذَّكَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ انْقِطَاعِ الْبَوْلِ عَدَمُ عَوْدِهِ كَمَا قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وُجُوبَهُ، وَيَشْهَدُ لَهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ الْقَبْرَيْنِ لَا يَسْتَبْرِئُ (وَيَقُولُ عِنْدَ دُخُولِهِ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ، وَعِنْدَ خُرُوجِهِ: غُفْرَانَك الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي) وَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبُنْيَانِ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
وَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» زَادَ ابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُ فِي أَوَّلِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ» وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ: غُفْرَانَك» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» وَالْخُبُثُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْبَاءِ جَمْعُ خَبِيثٍ.
وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ.
وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ ذُكُورُ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثُهُمْ كَمَا قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ.
وَالِاسْتِعَاذَةُ مِنْهُمْ فِي الْبِنَاءِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ لِأَنَّهُ مَأْوَاهُمْ، وَفِي الصَّحْرَاءِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَأْوًى لَهُمْ بِخُرُوجِ الْخَارِجِ.

(وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ) إزَالَةً لِلنَّجَاسَةِ (بِمَاءٍ) عَلَى الْأَصْلِ (أَوْ حَجَرٍ) لِأَنَّ الشَّارِعَ جَوَّزَ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِ حَيْثُ فَعَلَهُ كَمَا

[حاشية قليوبي]

وَيَسْتَبْرِئُ مِنْ الْبَوْلِ) . قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَكَذَا مِنْ الْغَائِطِ.
قَوْلُهُ: (وَنَتْرِ) هُوَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ بَعْدَ النُّونِ وَمَعْنَاهُ الْجَذْبُ، وَالْمُرَادُ مَسَحَ بِهِ ذَكَرَهُ بِإِبْهَامِهِ وَسَبَّابَتِهِ مِنْ أَسْفَلِهِ إلَى أَعْلَاهُ، وَفِي الْمَرْأَةِ بِعَصْرِ عَانَتِهَا.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرِ ذَلِكَ) مِنْهُ الْمَشْيُ أَوْ أَقَلُّهُ كَمَا قِيلَ سَبْعُونَ خُطْوَةً وَعِبَارَةُ الْخَطِيبِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ وَأَكْثَرَ مَا قِيلَ فِيهِ سَبْعُونَ خُطْوَةً انْتَهَى، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِعَدَدٍ بَلْ بِمَا يَغْلِبُ بِهِ عَلَى الظَّنِّ انْقِطَاعُهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وُجُوبُهُ) حُمِلَ عَلَى مَا إذَا غَلَبَ عَلَى مَا فِي ظَنِّهِ عَدَمُ انْقِطَاعِهِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ دُخُولِهِ) أَيْ قُبَيْلَ دُخُولِ مَا يُنْسَبُ لَهُ وَلَوْ مِنْ أَوَّلِ دِهْلِيزٍ طَوِيلٍ وَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ لِغَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ) وَيُكْرَهُ إتْمَامُهَا.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك) أَيْ أَسْتَجِيرُ وَأَعْتَصِمُ بِك فَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ بِطِفْلٍ قَالَ إنَّهُ يَعُوذُ أَوْ إنِّي أُعِيذُهُ، وَقُدِّمَتْ الْبَسْمَلَةُ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ هُنَا عَكْسُ الْقِرَاءَةِ لِمُنَاسِبَةِ مَا بَعْدَهُمَا.
قَوْلُهُ: (خُرُوجِهِ) أَيْ بَعْدَ تَمَامِهِ وَإِنْ بَعُدَ كَدِهْلِيزٍ طَوِيلٍ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (غُفْرَانَك) وَيُنْدَبُ تَكَرُّرُهُ ثَلَاثًا، وَسَبَبُ سُؤَالِهِ خَوْفُ تَقْصِيرِهِ فِي شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، حَيْثُ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ ثُمَّ هَضَمَهُ، ثُمَّ سَهَّلَ خُرُوجَهُ أَوْ لِتَرْكِهِ الذِّكْرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنْ طُلِبَ تَرْكُهُ خُصُوصًا إنْ صَحِبَهُ تَرْكٌ قَلْبِيٌّ، وَغُفْرَانَك مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ.
قَوْلُهُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي إلَخْ) هَذَا لِقَاضِي الْحَاجَةِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيَقُولُ مَا يُنَاسِبُ.
قَوْلُهُ: (بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْبَاءِ) . قَالَ فِي الدَّقَائِقِ: وَيَجُوزُ إسْكَانُ الْبَاءِ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ إنَّهُ بِالضَّمِّ خَاصٌّ بِمَا هُنَا، وَبِالْإِسْكَانِ يُطْلَقُ عَلَى هَذَا وَعَلَى الشِّدَّةِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْكُفْرِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الشَّارِحِ، وَالْمُرَادُ إلَخْ.

قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ) أَيْ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِيَّةِ، وَإِنَّمَا عَبَّرُوا بِالْوُجُوبِ مُرَاعَاةً لِرَدِّ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيِّ مِنْ أَئِمَّتِنَا بِعَدَمِ وُجُوبِهِ، وَهُوَ بِالْمَاءِ يُقَالُ لَهُ اسْتِطَابَةٌ وَبِالْحَجَرِ اسْتِجْمَارٌ، وَقِيلَ الِاسْتِطَابَةُ كَالِاسْتِنْجَاءِ، وَهُوَ لُغَةً الْقَطْعُ مِنْ نَجَوْت الشَّيْءَ قَطَعْته لِقَطْعِ الْمُسْتَنْجِي الْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ بِهِ، وَعُرْفًا إزَالَةُ الْخَارِجِ مِنْ الْفَرْجِ عَنْ الْفَرْجِ بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ بِشَرْطِهِ أَيْ الْمَاءِ بِكَوْنِهِ مُطْلَقًا وَالْحَجَرُ بِمَا يَأْتِي، أَوْ بِشَرْطِ الْحَجَرِ الْمَذْكُورِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَتُعْتَبَرُ بِهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ، أَيْ بِحَسَبِ عَوَارِضِهِ لِأَنَّ أَصْلَهُ الْإِبَاحَةُ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى الْوُجُوبِ، وَقَدْ يُنْدَبُ كَجَمْعِ الْحَجَرِ مَعَ الْمَاءِ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ بَحْثٌ، وَالْوَجْهُ تَمْثِيلُهُ بِغَيْرِ الْمُلَوَّثِ كَمَا يَأْتِي، وَقَدْ يُكْرَهُ كَمَا فِي نَحْوِ مَاءِ زَمْزَمَ، وَسَيَأْتِي عَنْ شَيْخِنَا أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَالْأَوْلَى تَمْثِيلُ الْكَرَاهَةِ

[حاشية عميرة]

(فَائِدَةٌ) يُكْرَهُ حَشْوُ الذَّكَرِ بِقُطْنٍ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ انْقِطَاعِ الْبَوْلِ عَدَمُ عَوْدِهِ كَمَا قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ) زَادَ فِي الْكِفَايَةِ أَيْضًا: وَلِأَنَّ الْمَاءَ يَقْطَعُ الْبَوْلَ عَلَى مَا قَدْ قِيلَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالْخُبُثُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْبَاءِ) قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ، فَقِيلَ: هُوَ الْمَكْرُوهُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: الشَّرُّ، وَقِيلَ: الْكُفْرُ، وَقِيلَ: الشَّيْطَانُ.

قَوْلُ الْمَتْنِ (وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ) خَالَفَ فِي هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيِّ قِيَاسًا عَلَى الْأَثَرِ الْبَاقِي بَعْدَ اسْتِعْمَالِ الْحَجَرِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّ الْحَجَرَ لَا يُجْزِئُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى تَعَيُّنِ

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَمَرَ بِفِعْلِهِ بِقَوْلِهِ فِيمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» الْمُوَافِقُ لَهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ «نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» ، فَكَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا مِنْ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ (وَجَمْعُهُمَا) بِأَنْ يُقَدِّمَ الْحَجَرَ (أَفْضَلُ) مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَحَدِهِمَا.
وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَجَرِ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْعَيْنَ وَالْأَثَرَ بِخِلَافِ الْحَجَرِ.
(وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ) الْوَارِدِ (كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ) كَالْخَشَبِ وَالْخَزَفِ وَالْحَشِيشِ، فَيُجْزِئُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ.
وَاحْتَرَزَ بِالْجَامِدِ الَّذِي زَادَهُ عَلَى الْمُحَرَّرِ عَنْ مَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ كَمَا قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ وَبِالطَّاهِرِ عَنْ النَّجِسِ كَالْبَعْرِ، وَبِالْقَالِعِ عَنْ غَيْرِهِ كَالْقَصَبِ الْأَمْلَسِ، وَبِغَيْرِ مُحْتَرَمٍ عَنْهُ كَالْمَطْعُومِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «النَّهْيُ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ» زَادَ مُسْلِمٌ «فَإِنَّهُ طَعَامُ

[حاشية قليوبي]

بِالِاسْتِنْجَاءِ مِنْ الرِّيحِ عَلَى وَجْهٍ كَمَا يَأْتِي، وَقَدْ يَحْرُمُ كَمَا فِي النَّقْدِ الْمَطْبُوعِ، وَقَدْ لَا يُجْزِئُ كَمَا فِي الْمَطْعُومِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ مِنْ خَارِجٍ مُلَوَّثٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ آخِرِ الْفَصْلِ وَإِنْ كَانَ قَدْرًا لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ خِلَافًا لِلْخَطِيبِ.
وَخَرَجَ بِالْمُلَوَّثِ خُرُوجُ الرِّيحِ فَلَا يَجِبُ فِيهِ الِاسْتِنْجَاءُ بَلْ يُكْرَهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ رَطْبًا لِأَنَّهُ طَاهِرٌ عَلَى الرَّاجِحِ، بَلْ يَحْرُمُ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَاسِدَةٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (إزَالَةً لِلنَّجَاسَةِ) فَهُوَ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ، وَالْإِثْمُ عِنْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهَا فَقَطْ.
نَعَمْ يَجِبُ الْفَوْرُ لِعُذْرٍ أَوْ عَلَى مَنْ عَلِمَ عَدَمَ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ كَمَا مَرَّ، وَيَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ بِإِرَادَةِ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَمُوجِبُهُ الْخُرُوجُ بِشَرْطِ الِانْقِطَاعِ، وَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوُضُوءِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ وَعَلَى الْمُتَيَمِّمِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (بِمَاءٍ) شَمِلَ مَاءَ زَمْزَمَ وَهُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الْخَطِيبِ وَابْنِ حَجَرٍ.
وَقَالَ شَيْخُنَا خِلَافَ الْأَوْلَى لِمَا قِيلَ إنَّهُ يُورِثُ الْبَاسُورَ، وَيُلْحَقُ بِهِ فِي خِلَافِ الْأَوْلَى وَالْكَرَاهَةِ مَا نَبَعَ مِنْ بَيْنَ أَصَابِعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَاءُ الْكَوْثَرِ وَالْمَاءُ الْمَغْضُوبُ عَلَى أَهْلِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ حَجَرٍ) . قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ: وَهُوَ رُخْصَةٌ وَمِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ بِمَا وَرَدَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءَ بِمَاذَا أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِقَوْلِهِ ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ [التوبة: 108] فَقَالُوا لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا نَعْرِفُ شَيْئًا إلَّا أَنَّنَا كُنَّا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ بِالْمَاءِ» ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْخُصُوصِيَّةَ مِنْ حَيْثُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ.
وَشَمِلَ حِجَارَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَإِنْ حَرُمَ بِالْمُهَيَّأِ مِنْهُمَا، وَشَمِلَ حِجَارَةَ الْحَرَمِ وَيُكْرَهُ بِهَا.
وَقَالَ شَيْخُنَا: لَا كَرَاهَةَ، وَشَمِلَ الْمَوْقُوفَةَ غَيْرَ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا، وَيُجْزِئُ بِهَا لَكِنْ مَعَ الْحُرْمَةِ فِيهَا، وَسَيَأْتِي مَا فِي الْمَسْجِدِ، وَشَمِلَ نَحْوَ الْجَوَاهِرِ.
قَوْلُهُ: (الْمُوَافِقِ) هُوَ مَجْرُورٌ نَعْتٌ لِمَا وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ دَلِيلُ الْجَوَازِ، وَالثَّانِي دَلِيلُ الْوُجُوبِ، وَالثَّالِثُ دَلِيلُ عَدَمِ جَوَازِ النَّقْصِ عَنْ الثَّلَاثِ، وَمَا بَعْدَ الْأَوَّلِ دَافِعٌ لِتَوَهُّمِ الْخُصُوصِيَّةِ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ: (بِأَنْ يُقَدِّمَ الْحَجَرَ) هُوَ تَصْوِيرٌ لِلْجَمْعِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْجَمْعِ طَهَارَةُ الْحَجَرِ وَلَا كَوْنُهُ ثَلَاثًا، فَيَكْفِي بِالنَّجَسِ وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ، قَالَ: وَلَا يُسَنُّ جَمْعُ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ فِي غَيْرِ الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَيُقَدِّمُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ قُبُلَهُ، وَفِي الْحَجَرِ وَلَوْ مَعَ الْجَمْعِ دُبُرَهُ لِسُرْعَةِ جَفَافِهِ، وَالْمُسْتَعْمَلُ مِنْ الْمَاءِ قَدْرٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُ النَّجَاسَةِ بِهِ وَعَلَامَتُهُ زَوَالُ النُّعُومَةِ، وَلَا يُنْدَبُ الِاسْتِعَانَةُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِنَحْوِ أُشْنَانٍ وَلَا شَمِّ الْيَدِ بَعْدَهُ، فَإِنْ شَمَّهَا فَوَجَدَ رِيحَ النَّجَاسَةِ لَمْ يَضُرَّ إنْ كَانَ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ، وَيَضُرُّ إنْ كَانَ مِنْ الْمُلَاقِي لِلْمَحَلِّ لِدَلَالَتِهِ عَلَى بَقَائِهَا فَتَجِبُ إعَادَتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ) أَيْ قِيَاسًا عَلَيْهِ بِجَامِعِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَفِيهِ الْقِيَاسُ عَلَى الرُّخَصِ، وَهُوَ صَحِيحٌ حَيْثُ اُسْتُنْبِطَ لَهَا مَعْنًى كَمَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (الْوَارِدِ) دُفِعَ بِهِ قِيَاسُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (كُلُّ جَامِدٍ) دَخَلَ فِيهِ الْحَرِيرُ كَالدِّيبَاجِ وَلَوْ لِلرِّجَالِ فَيَحِلُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَبِغَيْرِ مُحْتَرَمٍ عَنْهُ) أَيْ الْمُحْتَرَمِ فَيَحْرُمُ وَلَا يُجْزِئُ وَمِنْهُ تَوْرَاةٌ وَإِنْجِيلٌ لَمْ يُبَدَّلَا، وَكُلُّ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ وَآلَتُهُ كَالْمَنْطِقِ الْآنَ لَا مَا كَانَ لِأَنَّهُ كَانَ فَلْسَفَةً، وَمِنْهُ جُزْءُ حَيَوَانٍ مُتَّصِلٍ مُطْلَقًا وَلَوْ نَحْوَ صُوفٍ، أَوْ مُنْفَصِلٍ مِنْ آدَمِيٍّ وَلَوْ مُهْدَرًا كَحَرْبِيٍّ وَمُرْتَدٍّ، وَمِنْهُ جُزْءُ مَسْجِدٍ وَإِنْ انْفَصَلَ وَجَازَ بَيْعُهُ عِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا بِصِحَّتِهِ فِيمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَمِنْهُ حِجَارَةُ الْكَعْبَةِ بِالْأَوْلَى مِنْ الْمَسْجِدِ، وَلَا نَظَرَ لِمَنْ تَرَدَّدَ فِيهَا، وَمِنْهُ جِلْدُ مُصْحَفٍ وَلَوْ مُنْفَصِلًا حَيْثُ نُسِبَ إلَيْهِ، وَجِلْدُ عِلْمٍ حَالَ اتِّصَالِهِ.
قَوْلُهُ: (كَالْمَطْعُومِ) وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِيهِ الرِّبَا، وَمِنْهُ جِلْدُ حُوتٍ جَفَّ وَخَشُنَ بِحَيْثُ لَوْ بُلَّ أُكِلَ، فَإِنْ لَمْ يُؤْكَلْ جَازَ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ التَّنَاقُضُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا الرِّوَايَةُ) الْأَوْلَى فَإِنَّهُ وَلَعَلَّ الشَّارِحَ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ:

[حاشية عميرة]

الْحَجَرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَجَمْعُهُمَا إلَى آخِرِهِ) وَمَا فِي قِصَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ مِنْ أَنَّ الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ لِجَمْعِهِمْ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا أَصْلَ لَهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: بَلْ وَجْهُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ اسْتِعْمَالُهُمْ الْمَاءَ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقْتَصِرُ عَلَى الْحَجَرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ إلَخْ) نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْخَطَّابِيِّ جَوَازَ اسْتِعْمَالِ النُّخَالَةِ وَدَقِيقِ الْبَاقِلَّا فِي غَسْلِ الْأَيْدِي وَنَحْوِهَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَدَمَ اسْتِعْمَالِ الْمَطْعُومِ لَا يَتَعَدَّى الِاسْتِنْجَاءَ إلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ، فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْمِلْحِ مَعَ

إخْوَانِكُمْ» يَعْنِي الْجِنَّ فَمَطْعُومُ الْإِنْسِ كَالْخُبْزِ أَوْلَى، فَلَا يُجْزِئُ الِاسْتِنْجَاءُ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ وَيَعْصِي بِهِ فِي الْمُحْتَرَمِ.
(وَجِلْدٌ دُبِغَ دُونَ غَيْرِهِ فِي الْأَظْهَرِ) فِيهِمَا وَجْهُ الْإِجْزَاءِ فِي الْمَدْبُوغِ أَنَّهُ انْتَقَلَ بِالدَّبْغِ عَنْ طَبْعِ اللُّحُومِ إلَى طَبْعِ الثِّيَابِ، وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا يُؤْكَلُ وَوَجْهُ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ فِي غَيْرِ الْمَدْبُوغِ أَنَّهُ مَطْعُومٌ وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ هُوَ قَيْدٌ فَيُلْحَقُ بِالثِّيَابِ.

(وَشَرْطُ الْحَجَرِ) لَأَنْ يُجْزِئَ (أَنْ لَا يَجِفَّ النَّجَسُ) الْخَارِجُ (وَلَا يَنْتَقِلَ) عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ وَاسْتَقَرَّ فِيهِ (وَلَا يَطْرَأَ أَجْنَبِيٌّ) مِنْ النَّجَاسَاتِ عَلَيْهِ، فَإِنْ جَفَّ الْخَارِجُ أَوْ انْتَقَلَ أَوْ طَرَأَ نَجَسٌ آخَرُ تَعَيَّنَ الْمَاءُ.
(وَلَوْ نَدُرَ) الْخَارِجُ كَالدَّمِ وَالْمَذْيِ (أَوْ انْتَشَرَ فَوْقَ الْعَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْ صَفْحَتَهُ) فِي الْغَائِطِ (وَحَشَفَتَهُ) فِي الْبَوْلِ (جَازَ الْحَجَرُ فِي الْأَظْهَرِ) فِي ذَلِكَ إلْحَاقًا لَهُ لِتَكَرُّرِ وُقُوعِهَا بِالْمُعْتَادِ وَالثَّانِي لَا بَلْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ فِيهِ لِأَنَّ جَوَازَ الْحَجَرِ تَخْفِيفٌ مِنْ الشَّارِعِ وَرَدَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ.
أَمَّا الْمُجَاوِزُ لِمَا ذُكِرَ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمَاءُ جَزْمًا، وَكَذَا غَيْرُهُ الْمُتَّصِلُ بِهِ دُونَ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ (وَيَجِبُ) فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ لِيُجْزِئَ (ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ) بِفَتْحِ السِّينِ جَمْعُ مَسْحَةٍ بِسُكُونِهَا (وَلَوْ بِأَطْرَافِ حَجَرٍ) أَيْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ

[حاشية قليوبي]

كَالْخُبْزِ) أَيْ مَا لَمْ يُحْرَقْ وَإِلَّا جَازَ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْمَطْعُومِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ الْعَظْمَ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِحَرْقِهِ عَنْ كَوْنِهِ مَطْعُومًا لِلْجِنِّ، وَيَحْرُمُ حَرْقُ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ حَرْقُ الْعَظْمِ، وَهَلْ نَفْسُ الْعَظْمِ هُوَ الْمَطْعُومُ لَهُمْ، أَوْ يَعُودُ لَهُمْ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ اللَّحْمِ، وَهَلْ يَأْكُلُونَ عِظَامَ الْمَيْتَةِ أَيْضًا؟ رَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَعْصِي بِهِ فِي الْمُحْتَرَمِ) مِنْ حَيْثُ الِاحْتِرَامُ وَيَعْصِي بِهِ فِي غَيْرِهِ إنْ قَصَدَ الْعِبَادَةَ لِفَسَادِهَا، وَحُرْمَةُ الْمَطْعُومِ خَاصَّةٌ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِخِلَافِ زَوَالِ نَجَاسَةٍ بِهِ أَوْ غَسْلِ الْأَيْدِي فَجَائِزٌ حَيْثُ اُحْتِيجَ إلَيْهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.
قَوْلُهُ: (وَجِلْدِ) هُوَ مِنْ أَفْرَادِ مَا قَبْلَهُ وَخَصَّهُ لِلْخِلَافِ فِيهِ، وَهُوَ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى جَامِدٍ أَوْ مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلَى كُلٍّ أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ فِي مَعْنَى الْحَجَرِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ انْتَقَلَ) أَيْ فَجَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَإِنْ كَانَ يُؤْكَلُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَالْأَقْوَالُ فِي جِلْدِ الْمُذَكَّاةِ، أَمَّا جِلْدُ مَيْتَتِهَا إذَا دُبِغَ فَالْقَدِيمُ مَنْعُ أَكْلِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَمَّا جِلْدُ مَا لَا يُذَكَّى كَالْحِمَارِ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ بَعْدَ دَبْغِهِ قَطْعًا.

قَوْلُهُ: (مِنْ النَّجَاسَاتِ) وَلَوْ مِنْهُ بَعْدَ انْفِصَالِهَا، وَكَذَا مِنْ الطَّاهِرَاتِ الرَّطْبَةِ، وَلَا تَضُرُّ الْجَامِدَةُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ جَفَّ) أَيْ وَلَمْ يَخْرُجْ بَعْدَهُ خَارِجٌ وَيَصِلُ إلَيْهِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَمَا رَجَعَ إلَيْهِ شَيْخُنَا وَإِلَّا كَفَى الْحَجَرُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ انْتَقَلَ) أَيْ بِانْفِصَالٍ عَلَى مَا قَالَهُ الْخَطِيبُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ الصَّفْحَةَ وَالْحَشَفَةَ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلْ بِأَنْ سَالَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ مَعَ الِاتِّصَالِ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ فِي الْمُنْفَصِلِ فَقَطْ، وَعَلَى الثَّانِي فِي الْجَمِيعِ، وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ طَرَأَ) وَكَذَا لَوْ كَانَ سَابِقًا عَلَى الْمَحَلِّ مِنْ غَيْرِ الْخَارِجِ، وَقَيَّدَهُ بِالنَّجَسِ لِعُمُومِهِ فِي الرُّطَبِ وَالْجَامِدِ، وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ مِنْ الطَّاهِرَاتِ الرَّطْبَةِ كَبَلَلٍ مِنْ أَثَرِ نَحْوِ اسْتِنْجَاءٍ.
نَعَمْ لَا يَضُرُّ الْعَرَقُ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَالدَّمِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْحَيْضِ.
قَوْلُهُ: (وَكَالْمَذْيِ) تَبَعٌ فِي كَوْنِهِ مِنْ النَّادِرِ الرَّوْضَةِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا مَرَّ لِأَنَّ الْمَنِيَّ وَالْمَذْيَ وَالْوَدْيَ وَدَمَ الْحَيْضِ مِنْ الْمُعْتَادِ عَلَى الرَّاجِحِ فِيهَا خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ خِلَافَهُ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالنُّدُورِ قِلَّةَ وُجُودِهِ فَلَيْسَ كَالْبَوْلِ مَثَلًا وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ انْتَشَرَ) وَلَوْ بِعَرَقٍ وَيُعْفَى عَمَّا يُلَاقِيهِ غَالِبًا مِنْ مَلْبُوسِهِ.
قَوْلُهُ: (وَحَشَفَتَهُ) أَوْ قَدْرَهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا أَوْ مِنْ أَمْثَالِهِ مِنْ فَاقِدِهَا وَفِي الْمَرْأَةِ وَلَوْ بِكْرًا أَنْ لَا يَدْخُلَ مَدْخَلَ الذَّكَرِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمُجَاوِزُ لِمَا ذَكَرَ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَإِنْ اُبْتُلِيَ بِهِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَفِي شَرْحِهِ مُوَافَقَةُ ابْنِ حَجَرٍ، وَحَمَلَهُ شَيْخُنَا عَلَى مَنْ فَقَدَ الْمَاءَ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (دُونَ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمُجَاوِزِ، وَهُوَ مَا فِي دَاخِلِ الصَّفْحَةِ وَالْحَشَفَةِ سَوَاءٌ تَقَطَّعَ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ انْتَقَلَ أَوْ لَا، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ آنِفًا.
وَالْوَجْهُ الْأَخْذُ بِهَذَا الْعُمُومِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُنْفَصِلَ عَنْ الْمَخْرَجِ لَا يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ مُطْلَقًا وَأَنَّ الْمُتَّصِلَ بِهِ يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ إنْ لَمْ يُجَاوِزْ مَا ذَكَرَ، سَوَاءٌ انْتَقَلَ أَوْ لَا، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِمَا زَادَهُ فِي الْمَنْهَجِ بِقَوْلِهِ: أَوْ تَقَطَّعَ، فَتَأَمَّلْ.
(فَرْعٌ) لَا يُجْزِئُ الْحَجَرُ فِي فَرْجِي الْمُشَكَّلِ وَلَا فِي أَحَدِهِمَا إلَّا إنْ اتَّضَحَ بِهِ أَوْ كَانَ لَهُ ثُقْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَتَقَدَّمَ إجْزَاؤُهُ فِي الثُّقْبَةِ الْمُنْفَتِحَةِ فِي الِانْسِدَادِ الْخِلْقِيِّ دُونَ الْعَارِضِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ إلَخْ) دَفَعَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ إيهَامَ أَنَّ كُلَّ مَسْحَةٍ بِثَلَاثَةِ

[حاشية عميرة]

الْمَاءِ فِي غَسْلِ الدَّمِ، قَالَ: وَظَاهِرُهُ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْخُبْزِ وَنَحْوِهِ فِي ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَجِلْدٌ) قِيلَ: إنْ كَانَ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ فَلَا خَبَرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى كُلٍّ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَسِيمًا مَعَ أَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ كُلِّ جَامِدٍ إلَخْ، وَكَذَا إذَا عُطِفَ عَلَى جَامِدٍ يَلْزَمُ مِثْلُ

بِثَلَاثَةِ أَطْرَافِ حَجَرٍ، رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» . وَفِي مَعْنَاهَا ثَلَاثَةُ أَطْرَافِ حَجَرٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عَدَدُ الْمَسَحَاتِ (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ) الْمَحَلُّ بِالثَّلَاثِ (وَجَبَ الْإِنْقَاءُ) بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا إلَى أَنْ لَا يَبْقَى إلَّا أَثَرٌ لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ أَوْ صِغَارُ الْخَزَفِ.

(وَسُنَّ الْإِيتَارُ) بَعْدَ الْإِنْقَاءِ الْمَذْكُورِ إنْ لَمْ يَحْصُل بِوِتْرٍ كَأَنْ حَصَلَ بِرَابِعَةٍ فَيَأْتِي بِخَامِسَةٍ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) سُنَّ (كُلُّ حَجَرٍ) مِنْ الثَّلَاثَةِ (لِكُلِّ مَحَلِّهِ) فَيَبْدَأُ بِالْأَوَّلِ مِنْ مُقَدَّمِ الصَّفْحَةِ الْيُمْنَى وَيُدِيرُهُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى مَوْضِعِ ابْتِدَائِهِ.
وَفِي الثَّانِي مِنْ مُقَدَّمِ الصَّفْحَةِ الْيُسْرَى وَيُدِيرُهُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى مَوْضِعِ ابْتِدَائِهِ.
وَيُمِرُّ الثَّالِثُ عَلَى الصَّفْحَتَيْنِ وَالْمَسْرَبَةِ جَمِيعًا.
(وَقِيلَ يُوَزِّعُهُنَّ لِجَانِبَيْهِ وَالْوَسْطِ) فَيَمْسَحُ بِوَاحِدٍ الصَّفْحَةَ الْيُمْنَى مِنْ مُقَدَّمِهَا، وَبِآخَرَ الْيُسْرَى مِنْ مُؤَخَّرِهَا، وَقِيلَ: مِنْ مُقَدَّمِهَا، وَبِالثَّالِثِ الْوَسْطَ.
(وَيُسَنُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِيَسَارِهِ) تَأَسِّيًا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَلْمَانَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ»

(وَلَا اسْتِنْجَاءَ لِدُودٍ وَبَعَرٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (بِلَا لَوْثٍ فِي الْأَظْهَرِ) لِفَوَاتِ مَقْصُودِ الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَوْ تَخْفِيفِهَا فِي ذَلِكَ.
وَالثَّانِي يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ رُطُوبَةٍ خَفِيَّةٍ.
وَيُجْزِئُ الْحَجَرُ فِيهِ.
وَقِيلَ فِيهِ قَوْلَا النَّادِرِ وَعَلَى الْأَوَّلِ يُسْتَحَبُّ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
وَقَوْلُ الْمُحَرَّرِ لَا يَجِبُ أَوْضَحُ.

بَابُ الْوُضُوءِ

[حاشية قليوبي]

أَطْرَافٍ وَيَكْفِي طَرَفَانِ أَوْ طَرَفٌ وَاحِدٌ لَمْ يَتَنَجَّسْ أَوْ غَسَلَهُ وَجَفَّ، أَوْ كُشِطَ مَا لَاقَى فِي الْمَحَلِّ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (عَدَدُ الْمَسَحَاتِ) وَبِذَلِكَ فَارَقَ رَمْيَ الْجِمَارِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عَدَدُ الرَّمَيَاتِ، كَذَا قَالُوا وَفِيهِ نَظَرٌ وَاضِحٌ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمَسْحُ وَالرَّمْيُ وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ فِيهِمَا لَا الْمَمْسُوحُ بِهِ وَالْمَرْمِيُّ بِهِ سَوَاءٌ تَعَدَّدَ فِيهِمَا أَوْ لَا، وَاكْتَفَى بِغَيْرِ الْحَجَرِ هُنَا أَيْضًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ زَوَالُ النَّجَاسَةِ.
قَوْلُهُ: (يَنْقَى) يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْقَافِ وَبِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ، كَذَا ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ، وَالْمَحَلُّ فَاعِلٌ فِي الْأَوَّلِ وَمَفْعُولٌ فِي الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (بِخَامِسَةٍ) وَهُوَ مَوْضِعُ الثَّالِثَةِ فَتَكُونُ لِلْمُسْرِيَةِ، فَإِنْ حَصَلَ بِوِتْرٍ لَمْ تُسَنَّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَغَسَلَاتِ الْكَلْبِ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ طَلَبُ تَثْلِيثِ النَّجَاسَةِ الْكَلْبِيَّةِ، وَتَثْلِيثُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ، فَلْيَنْظُرْ مَا هُوَ.
قَوْلُهُ: (وَسِنُّ كُلِّ الْحَجَرِ إلَخْ) فَالتَّعْمِيمُ مَنْدُوبٌ وَكُلٌّ عَطْفٌ عَلَى الْإِيتَارِ.
قَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا عَمِيرَةَ: وَهَذَا مَا فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ، وَعَلَيْهِ غَالِبُ الْمُحَقِّقِينَ، وَلَمْ أَرَ لِشَيْخِنَا يَعْنِي شَيْخَ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ سَلَفًا فِي وُجُوبِهِ، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَالْعَلَّامَةُ الْعَبَّادِيُّ، وَرُدَّ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ دَعْوَى أَنَّ الْوُجُوبَ مَنْقُولٌ، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ كَوَالِدِهِ أَنَّ التَّعْمِيمَ وَاجِبٌ تَبَعًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إلْغَاءُ الْوَجْهِ الَّذِي بَعْدَهُ فَالتَّوْزِيعُ وَجَعْلُهُ لِشِدَّةِ الِاعْتِمَادِ مِمَّا لَا مَعْنَى لَهُ وَلَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَيَبْدَأُ) أَيْ نَدْبًا وَيَضَعُ الْحَجَرَ أَوَّلًا عَلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ نَدْبًا، وَلَا يَضُرُّ انْتِقَالُ النَّجَاسَةِ فِي الْإِدَارَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِيَسَارِهِ) وَهُوَ بِالْمَاءِ وَاضِحٌ وَبِالْحَجَرِ فِي الدُّبُرِ مَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا بِالْحَجَرِ فِي الْقُبُلِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ وَهُوَ فِي الْمَرْأَةِ كَالدُّبُرِ، وَفِي الذَّكَرِ أَنْ يُمْسِكَ الْحَجَرَ بِعَقِبَيْهِ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَبِيَسَارِهِ، وَيُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا يُحَرِّكُهَا، وَيَضَعُ الْحَجَرَ عَلَى رَأْسِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَلَا يُكَرِّرُ الْوَضْعَ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَكَذَا فِي نَحْوِ الْجِدَارِ، وَلَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لِأَعْلَى وَلِأَسْفَلَ وَيَمِينًا وَشِمَالًا حَيْثُ لَمْ يَتَكَرَّرْ الْمَسْحُ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ كَمَا مَرَّ.

قَوْلُهُ: (بِلَا لَوْثٍ) خَرَجَ الْمُلَوَّثُ فَيَجِبُ وَإِنْ كَانَ قَدْرًا قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ أَوْ صِغَارُ الْخَزَفِ كَمَا مَرَّ، وَيَكْفِي فِيهِ الْحَجَرِ وَإِنْ لَمْ يُزِلْ شَيْئًا كَمَا أَنَّهُ يَكْفِي عَلَى قَوْلِ النَّدْبِ الْمَذْكُورِ فِي غَيْرِ الْمُلَوَّثِ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الرِّيحِ.

[بَابُ الْوُضُوءِ] ِ هُوَ أَوَّلُ مَقَاصِدِ الطَّهَارَةِ كَمَا مَرَّ، وَقَدَّمَهُ لِعُمُومِهِ، وَهُوَ لُغَةً النَّظَافَةُ لِأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ النَّضَارَةُ وَالْحُسْنُ، وَشَرْعًا

[حاشية عميرة]

هَذَا وَلَوْ قَالَ: وَمِنْهُ جِلْدٌ، لَكَانَ أَوْلَى، وَالْمَخْلَصُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.

قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْوَسْطُ) كُلُّ مَوْضِعٍ صَلُحَ فِيهِ بَيِّنٌ كَالصَّفِّ وَالْجَمَاعَةِ وَالْقِلَادَةِ فَإِنَّهُ بِإِسْكَانِ السِّينِ لَا غَيْرُ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ فِيهِ بَيِّنٌ كَالدَّارِ وَالسَّاحَةِ فَالْفَتْحُ، وَيَجُوزُ الْإِسْكَانُ عَلَى ضَعْفٍ نَبَّهَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي الدَّقَائِقِ.

هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فُرُوضٍ وَسُنَنٍ، وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ: (فَرْضُهُ) هُوَ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْهُ أَيْ فُرُوضَهُ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ (سِتَّةٌ: أَحَدُهَا نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ) عَلَيْهِ أَيْ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدَثٌ كَأَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ حَدَثِ الْبَوْلِ الصَّادِرِ مِنْهُ، أَيْ رَفْعَ حُكْمِهِ كَحُرْمَةِ الصَّلَاةِ، وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ رَفْعُ الْحَدَثِ أَيْ الَّذِي عَلَيْهِ، وَعَدَلَ عَنْهَا إلَى مَا قَالَهُ قَالَ فِي الدَّقَائِقِ لِيَدْخُلَ فِيهِ مَنْ نَوَى رَفْعَ بَعْضِ أَحْدَاثِهِ فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ نَوَى غَيْرَ مَا عَلَيْهِ كَأَنْ بَالَ وَلَمْ يَنَمْ فَنَوَى رَفْعَ حَدَثِ النَّوْمِ، فَإِنْ

[حاشية قليوبي]

اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ مُفْتَتِحًا بِنِيَّةٍ، وَخُصَّتْ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ لِأَنَّهَا مَحَلُّ اكْتِسَابِ الْخَطَايَا الَّتِي يُكَفِّرُهَا الْوُضُوءُ، وَفُرِضَ مَعَ فَرْضِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ بَعْدَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ الْهِجْرَةِ وَلَعَلَّهُمْ عَلَى هَذَا كَانُوا لَا يُصَلُّونَ إلَّا بِهِ لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ أَوْ النَّظَافَةِ لِأَنَّهُ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ وُقُوعُ صَلَاةٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ بِدُونِهِ فَرَاجِعْهُ وَفُرِضَ أَوَّلًا لِكُلِّ صَلَاةٍ، ثُمَّ نُسِخَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ إلَّا مَعَ الْحَدَثِ، وَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا أَثَرَهُ وَهُوَ بَيَاضُ مَحَلِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُسَمَّى بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ.
قَوْلُهُ: (فُرُوضٍ وَسُنَنٍ) اقْتَصَرَ عَلَيْهَا لِذِكْرِهَا فِي الْبَابِ، وَالْمُرَادُ بِهِ رَوْضَةُ أَرْكَانِهِ، وَأَمَّا شُرُوطُهُ كَالْغُسْلِ فَهِيَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ وَالْعِلْمُ بِهِ وَلَوْ ظَنًّا بِالِاجْتِهَادِ وَعَدَمُ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ كَالْحَيْضِ إلَّا فِي نَحْوِ أَغْسَالِ الْحَجِّ، وَعَدَمُ الْمَانِعِ الْحِسِّيِّ كَشَمْعٍ وَجَرِّي الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ، وَوُجُودُ الْمُقْتَضِي لَا نَحْوَ الشَّاكِّ، وَالْإِسْلَامُ لِغَيْرِ ذِمِّيَّةٍ لِتَحِلَّ لِحَلِيلِهَا، وَالتَّمْيِيزُ لِغَيْرِ مَجْنُونَةٍ كَذَلِكَ، وَطِفْلٍ فِي الْحَجِّ، وَعَدَمُ الصَّارِفِ كَرِدَّةٍ وَنِيَّةُ تَبَرُّدٍ وَنَحْوِهَا، وَعَدَمُ التَّعْلِيقِ إلَّا بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَصْدِ التَّبَرُّكِ فَقَطْ، وَتَمْيِيزُ فَرَائِضِهِ مِنْ سُنَنِهِ لَا لِجَاهِلٍ لَمْ يَقْصِدْ بِفَرْضٍ نَفْلًا وَدُخُولُ الْوَقْتِ لِصَاحِبِ الضَّرُورَةِ، وَتَقْدِيمُ اسْتِنْجَائِهِ، وَتَحَفُّظٌ اُحْتِيجَ إلَيْهِ.
وَأَمَّا غَسْلُ عُضْوٍ زَائِدٍ اشْتَبَهَ وَالْجُزْءُ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ الْوَاجِبُ مِنْ كُلِّ عُضْوٍ فَهُمَا مِنْ الْأَرْكَانِ لِأَنَّهُمَا بَعْضُهَا وَيَجُوزُ عَدُّهُمَا شَرْطًا لِلِاعْتِدَادِ بِهَا.
قَوْلُهُ: (فَيَعُمُّ كُلَّ فَرْضٍ) أَيْ جُمْلَةَ الْأَفْرَادِ كَمَا ذَكَرَهُ، فَهُوَ مِنْ الْحُكْمِ عَلَى لَفْظِ الْعَامِّ لَا عَلَى حُكْمِهِ الَّذِي هُوَ كُلِّيَّةٌ مَحْكُومٌ فِيهَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ الْمُقْتَضِي أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْهَا سِتَّةٌ فَتَكُونُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا.
قَوْلُهُ: (نِيَّةُ) وَيَتَعَلَّقُ بِهَا سَبْعَةُ أَحْكَامٍ نَظَّمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: حَقِيقَةٌ حُكْمٌ مَحَلٌّ وَزَمَنْ ... كَيْفِيَّةٌ شَرْطٌ وَمَقْصُودٌ حَسَنْ فَحَقِيقَتُهَا لُغَةً الْعَزْمُ أَوْ الْقَصْدُ، وَشَرْعًا الْقَصْدُ الْمُقَارِنُ لِلْفِعْلِ، وَحُكْمُهَا الْوُجُوبُ وَلَوْ النَّقْلُ لِلِاعْتِدَادِ بِهِ وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ، وَزَمَنُهَا أَوَّلُ الْعِبَادَةِ، وَكَيْفِيَّتُهَا بِحَسَبِ الْأَبْوَابِ كَالصَّلَاةِ هُنَا، وَشَرْطُهَا الْإِسْلَامُ وَالتَّمْيِيزُ، وَالْمَقْصُودُ بِهَا تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنْ بَعْضِهَا أَوْ عَنْ الْعَادَاتِ، وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ قَصْدَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ كَالصَّلَاةِ، وَاسْتَظْهَرَهُ الْعَبَّادِيُّ.
قَوْلُهُ: (حَدَثٍ عَلَيْهِ) الْمُرَادُ بِالْحَدَثِ السَّبَبُ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ تَارَةً دُونَ أُخْرَى، وَلَا يَحْتَاجُ لِلتَّأْوِيلِ بِرَفْعِ حُكْمِهِ.
قَوْلُهُ: (مَا يَصْدُقُ إلَخْ) لَا جَمِيعَ أَفْرَادِهِ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فَيَعُمُّ.
قَوْلُهُ: (حَدَثِ الْبَوْلِ) بِالْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ كَمَا عُلِمَ.
قَوْلُهُ: (رَفْعَ حُكْمِهِ) أَيْ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْهُ النَّاوِي، أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَيَنْصَرِفُ لِلرَّفْعِ الْعَامِّ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لِيَدْخُلَ) أَيْ صَرِيحًا بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ لِإِيهَامِهَا أَنَّ أَلْ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَفِي الْإِدْخَالِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ الْخِلَافُ.
قَوْلُهُ: (بَعْضِ أَحْدَاثِهِ) أَيْ فَرْدًا مِنْهَا وَإِنْ نَفَى بَقِيَّتَهَا بِخِلَافِ مَنْ نَوَى جُزْءَ فَرْدٍ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ كَبَعْضِ حَدَثِ الْبَوْلِ لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ بَعْضُهُ بَقِيَ كُلُّهُ لِعَدَمِ تَجْزِيهِ، وَلَا تَعَارُضَ بِالْمِثْلِ لِقُوَّةِ جَانِبِ الْبَقَاءِ بِالِاسْتِدَامَةِ، وَفَارَقَ الطَّلَاقَ بِأَنَّهُ إيجَادُ بَعْضِ مَعْدُومٍ، وَلَيْسَ دَوَامُ الْعِصْمَةِ رَافِعًا لِبَاقِيهِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ أَنَّهُ لَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا نَظِيرُ مَا هُنَا مَا لَوْ قَالَ: أَوْقَعْت عَلَيْك طَلْقَةً وَرَفَعْت بَعْضَهَا، فَإِنَّهُ يَغْلِبُ جَانِبُ الْبَاقِي، وَحِينَئِذٍ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا فَتَأَمَّلْ، وَلَا يَشْكُلُ مَا هُنَا أَيْضًا بِمَا قَالُوهُ مِنْ إلْحَاقِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الشَّمْسِ بِمَا ظَهَرَ فِي وُجُودِ النَّهَارِ وَبَقَائِهِ لِأَنَّ وُجُودَ النَّهَارِ قَدْ تَحَقَّقَ بِمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَلَيْسَ بَقَاءُ اللَّيْلِ مُحَقِّقًا بِمَا خُفِيَ لِاحْتِمَالِ سَتْرِهِ عَنَّا بِمَا يَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَتِهِ عَلَى أَنَّ اسْمَ النَّهَارِ يُطْلَقُ عَلَى جُزْئِهِ وَكُلِّهِ كَالْمَاءِ، وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ صِحَّةُ قَوْلِ الْبَغَوِيّ إنَّهُ إذَا نَوَى رَفْعَ حَدَثِهِ فِي حَقِّ صَلَاةٍ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهَا لَمْ يَصِحَّ.
وَمِثْلُهُ لَوْ رَفَعَهُ لِصَلَاةٍ دُونَ أُخْرَى أَوْ اسْتَبَاحَ بِهِ صَلَاةً دُونَ صَلَاةٍ أُخْرَى، فَكَأَنَّهُ فِي ذَلِكَ رَفَعَ بَعْضَهُ وَأَبْقَى بَعْضَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَصَدَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ صَلَاةً دُونَ غَيْرِهَا فَيَصِحّ، لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ رَفَعَ جَمِيعَهُ فِي صَلَاةٍ وَصَلَاةٍ غَيْرِهَا بِهِ مَوْكُولٌ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ فِيمَا لَوْ قَالَ أُصَلِّي بِهِ فِي مَحَلٍّ نَجَسٍ لِوُجُودِ الْمُنَافِي، فَهُوَ كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ أَوْ لِيَطُوفَ بِهِ حَالًّا وَهُوَ بِمِصْرَ مَثَلًا أَوْ لِيُصَلِّيَ بِهِ صَلَاةً لَا سَبَبَ لَهَا فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، وَقَوْلُ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ بِالصِّحَّةِ فِي هَذِهِ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُقَيِّدْ الصَّلَاةَ لِصِحَّتِهَا فِي الْجُمْلَةِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ عَارِيًّا فَإِنَّهُ صَحِيحٌ لِذَلِكَ، وَلَوْ نَوَى الْوُضُوءَ لِلْقِرَاءَةِ إنْ كَفَتْ وَإِلَّا فَلِلصَّلَاةِ لَمْ يَصِحَّ، خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَفَارَقَ الزَّكَاةَ بِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، وَلَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَتَجْدِيدٌ صَحَّ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ مَا عَلَيْهِ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ

[حاشية عميرة]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

كَانَ عَامِدًا لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ غَالِطًا صَحَّ قَطْعًا (أَوْ) نِيَّةُ (اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إلَى طُهْرٍ) أَيْ وُضُوءٍ كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ (أَوْ) نِيَّةُ (أَدَاءِ فَرْضِ الْوُضُوءِ) ، أَوْ أَدَاءِ الْوُضُوءِ، أَوْ فَرْضِ الْوُضُوءِ، أَوْ الْوُضُوءِ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ بِهِ الْحَدَثُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَجْدِيدًا.
وَالْأَصْلُ فِي النِّيَّةِ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ الْمَشْهُورُ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَمَنْ دَامَ حَدَثُهُ كَمُسْتَحَاضَةٍ) وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ (كَفَاهُ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ) كَغَيْرِهِ (دُونَ الرَّفْعِ) لِبَقَاءِ حَدَثِهِ (عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا) وَقِيلَ: لَا تَكْفِي نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الرَّفْعِ مَعَهَا لِتَكُونَ نِيَّةُ الرَّفْعِ لِلْحَدَثِ السَّابِقِ وَنِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ لِلَّاحِقِ.
وَقِيلَ: تَكْفِي نِيَّةُ الرَّفْعِ لِتَضَمُّنِهَا لِنِيَّةِ الِاسْتِبَاحَةِ.
(وَمَنْ نَوَى تَبَرُّدًا مَعَ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ) كَنِيَّةٍ مِمَّا تَقَدَّمَ (جَازَ) لَهُ

[حاشية قليوبي]

كَالْحَيْضِ لِلرَّجُلِ لَكِنْ فِي وُجُودِ تَصَوُّرِ الْغَلَطِ لَهُ حِينَئِذٍ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (فَنَوَى رَفْعَ حَدَثِ النَّوْمِ) وَنِيَّتُهُ تَنْصَرِفُ لِمَا عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَوْمٌ فَلَمْ تُصَادِفْ نِيَّتُهُ حَدَثًا وَإِنَّمَا صَحَّتْ لِلْغَالِطِ لِأَنَّ نِيَّتَهُ صَادَفَتْ حَدَثًا عَلَيْهِ بِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ، فَهُوَ قَاصِدٌ رَفْعَ الْمَنْعِ، وَلَمْ يَضُرَّهُ الْغَلَطُ لِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِلْأَسْبَابِ لَا يَجِبُ جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا، وَبِذَلِكَ سَقَطَ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا.
قَوْلُهُ: (مُفْتَقِرٍ) أَيْ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ مَا يُفْتَقَرُ إلَى وُضُوءٍ فِي نَفْسِهِ وَأَنْ يَفْتَقِرَ إلَيْهِ النَّاوِي فَيَصِحُّ بِنِيَّةِ صَبِيٍّ اسْتِبَاحَةُ مَسِّ الْمُصْحَفِ مَا لَمْ يَقْصِدْ لِحَاجَةِ تَعَلُّمِهِ لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ بِهَذَا الْقَيْدِ، وَيَصِحُّ الْوُضُوءُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْوُضُوءُ) فَسَّرَهُ بِذَلِكَ أَخْذًا مِنْ عَدَمِ صِحَّتِهِ بِنِيَّةِ مَا يُنْدَبُ لَهُ الْوُضُوءُ الْآتِي، وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ لَهُ مِنْ الِاسْتِبَاحَةِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْوُضُوءِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ مَا يُنْدَبُ لَهُ الْوُضُوءُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَرْضِ الْوُضُوءِ) وَمِثْلُهُ فَرْضُ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ أَوْ الطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ، وَكَذَا فَرْضُ الطَّهَارَةِ خِلَافًا لِلْعَلَّامَةِ الْخَطِيبِ وَشُمُولُهَا لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ لَا نِيَّةَ فِيهَا، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ فِيهَا وُقُوعُهَا فَرْضًا، وَلَا يَكْفِي نِيَّةُ الطَّهَارَةِ فَقَطْ اتِّفَاقًا وَالْمُرَادُ بِالْفَرْضِ فِي نِيَّةِ فَرْضِ الْوُضُوءِ الشَّرْطُ، وَهُوَ يُسَمَّى فَرْضًا لَا حَقِيقَةَ الْفَرْضِ وَإِلَّا لَكَانَ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ إذَا خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ مَثَلًا وَكَانَ لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُجَدِّدِ وَلَا قَبْلَ الْوَقْتِ وَلَا مِنْ الصَّبِيِّ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ (لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَجْدِيدًا) أَيْ وَلَفْظُ الْوُضُوءِ شَامِلٌ لِلْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَرُدَّ بِأَنَّ نِيَّةَ فَرْضِ الْوُضُوءِ وَأَدَاءَ الْوُضُوءِ صَحِيحَةٌ مِنْ الْمُجَدِّدِ أَيْضًا: (لِبَقَاءِ حَدَثِهِ) أَيْ الْأَمْرِ الِاعْتِبَارِيِّ أَوْ الْمَنْعِ الْعَامِّ لِأَنَّهُ الْمُنْصَرِفُ إلَيْهِ النِّيَّةَ كَمَا مَرَّ، وَلَيْسَ هُنَا إلَّا هُوَ فَقَطْ، فَلَمْ يَدْخُلْ الْخَاصُّ أَيْضًا، فَلَا يُقَالُ إنَّ لَفْظَ الرَّفْعِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَيَنْصَرِفُ لِذَلِكَ الْخَاصِّ بِالْقَرِينَةِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ نِيَّةَ رَفْعِ الْحَدَثِ مِنْ الْجُنُبِ، وَقَوْلُهُمْ: إذَا نَوَى الرَّفْعَ الْخَاصَّ صَحَّتْ نِيَّتُهُ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِ ذَلِكَ الْقَصْدِ يَتَضَمَّنُ الِاسْتِبَاحَةَ الْخَاصَّةَ الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودَةُ مِنْ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ رَفَعَتْ جُزْءًا مِنْ حَدَثِهِ مُطْلَقًا لِأَنَّ طَهَارَتَهُ أَبَدًا مُبِيحَةٌ لَا رَافِعَةٌ فَتَأَمَّلْهُ، فَإِنَّهُ يَعَضُّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ.
قَوْلُهُ: (لِتَكُونَ نِيَّةُ الرَّفْعِ لِلْحَدَثِ السَّابِقِ) أَيْ لِرَفْعِ الْمَنْعِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْحَدَثِ السَّابِقِ عَلَى وَقْتِ النِّيَّةِ، لَا أَنَّ الْحَدَثَ ارْتَفَعَ وَخَلَفَهُ حَدَثٌ آخَرُ، وَكَذَا نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ (لِتَضَمُّنِهَا لِنِيَّةِ الِاسْتِبَاحَةِ) هَذَا كَلَامُ مُسْلِمٍ لَكِنَّهُ مُغَالَطَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِبَاحَةَ الَّتِي تَضَمَّنَهَا الرَّفْعُ عَامَّةٌ لِرَفْعِهَا الْأَمْرَ الِاعْتِبَارِيَّ أَوْ الْمَنْعَ الْعَامَّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي صَاحِبِ الضَّرُورَةِ، لِأَنَّ الِاسْتِبَاحَةَ لَهُ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ، فَلَا تُشْتَبَهُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، وَلِذَلِكَ كَانَتْ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ فِي حَقِّهِ كَنِيَّةِ الْمُتَيَمِّمِ يُسْتَبَاحُ بِهَا فَرْضٌ وَنَوَافِلُ أَوْ نَوَافِلُ وَحْدَهَا.
نَعَمْ لَوْ أَرَادَ بِالرَّفْعِ رَفْعًا خَاصًّا كَفَاهُ لِتَضَمُّنِهِ الِاسْتِبَاحَةَ الَّتِي هِيَ خَاصَّةٌ بِهِ.
(تَنْبِيهٌ) يُشْتَرَطُ فِي وُضُوءِ دَائِمٍ الْحَدَثِ تَقَدُّمُ الِاسْتِنْجَاءِ كَمَا مَرَّ لَا تَقَدُّمُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْمُتَيَمِّمِ لِقُوَّةِ الْمَاءِ، قَالَهُ شَيْخُنَا وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَيْضًا كَمَا مَرَّ، وَقَدْ يُفَرَّقُ فَرَاجِعْهُ.
(فَائِدَةٌ) قَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ النِّيَّةَ فِي حَقِّ السَّلِيمِ غَيْرِ الْمُجَدِّدِ تُؤَدَّى بِأَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ وَهِيَ كَوْنُهَا مُضَافَةً إلَى رَفْعٍ أَوْ إلَى اسْتِبَاحَةٍ أَوْ إلَى وُضُوءٍ، وَأَنَّ غَيْرَ السَّلِيمِ لَهُ الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ، وَأَنَّ الْمُجَدِّدَ لَهُ الْوَجْهُ الْأَخِيرُ.
نَعَمْ إنْ أَرَادَ بِنِيَّةِ فَرْضِ الْوُضُوءِ أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ نَوَى تَبَرُّدًا) أَيْ مَثَلًا وَمِنْهُ غُسْلُ لَمْعَةٍ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ لِأَنَّ قَصْدَهَا صَارِفٌ.
قَوْلُهُ: (مَعَ نِيَّةٍ

[حاشية عميرة]

بَابُ الْوُضُوءِ قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالْأَصْلُ فِي النِّيَّةِ إلَخْ) مِنْ الْأَدِلَّةِ أَيْضًا مِنْ الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: 6] لِأَنَّ الْمَعْنَى فَاغْسِلُوا لِأَجْلِهَا كَمَا تَقُولُ إذَا ذَهَبْت إلَى السُّلْطَانِ فَتَلَبَّسْ أَيْ لِأَجْلِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (كَفَاهُ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ إلَخْ) بَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ جَوَازَ سَائِرِ الْكَيْفِيَّاتِ فِي الْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (دُونَ الرَّفْعِ)

ذَلِكَ أَيْ لَمْ يَضُرَّهُ فِي النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِحُصُولِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ.
وَالثَّانِي يَضُرُّهُ لِلْإِشْرَاكِ فِي النِّيَّةِ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا وَنِيَّةُ التَّنْظِيفِ كَنِيَّةِ التَّبَرُّدِ فِيمَا ذُكِرَ (أَوْ) نَوَى (مَا يُنْدَبُ لَهُ الْوُضُوءُ كَقِرَاءَةٍ) أَيْ نَوَى الْوُضُوءَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ نَحْوِهَا، (فَلَا) يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، أَيْ لَا يَكْفِيهِ فِي النِّيَّةِ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ مَا يُنْدَبُ لَهُ الْوُضُوءُ جَائِزٌ مَعَ الْحَدَثِ فَلَا يَتَضَمَّنُ قَصْدُهُ قَصْدَ رَفْعِ الْحَدَثِ، وَالثَّانِي يَقُولُ قَصَدَهُ حَالَةَ كَمَالِهِ، فَيَتَضَمَّنُ قَصْدُهُ مَا ذُكِرَ.
(وَيَجِبُ قَرْنُهَا بِأَوَّلِ الْوَجْهِ) أَيْ بِأَوَّلِ غَسْلِهِ فَلَا يَكْفِي قَرْنُهَا بِمَا بَعْدَ الْوَجْهِ لِخُلُوِّ أَوَّلِ الْمَغْسُولَاتِ وُجُوبًا عَنْهَا، وَلَا بِمَا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ تَابِعَةٌ لِلْوَاجِبِ (وَقِيلَ يَكْفِي) قَرْنُهَا (بِسُنَّةٍ قَبْلَهُ) لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْوُضُوءِ كَغَسْلِ الْكَفَّيْنِ، وَلَوْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ فِي أَثْنَاءِ غَسْلِ الْوَجْهِ دُونَ أَوَّلِهِ كَفَتْ وَوَجَبَ إعَادَةُ الْمَغْسُولِ مِنْهُ قَبْلَهَا كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، فَوُجُوبُ قَرْنِهَا بِالْأَوَّلِ لِيَعْتَدَّ بِهِ (وَلَهُ تَفْرِيقُهَا عَلَى أَعْضَائِهِ) أَيْ الْوُضُوءِ كَأَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْهُ وَهَكَذَا، (فِي الْأَصَحِّ) كَمَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ وَالثَّانِي، لَا كَمَا لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى

[حاشية قليوبي]

مُعْتَبَرَةٍ) أَيْ مَعَ اسْتِحْضَارِهِ لَهَا فَإِنْ غَفَلَ عَنْهَا انْقَطَعَتْ وَيَبْنِي السَّلِيمُ عَلَى مَا مَضَى بِتَجْدِيدِ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ عَلَى الْعُضْوِ الَّذِي انْقَطَعَتْ عِنْدَهُ النِّيَّةُ، وَيَسْتَأْنِفُ غَيْرُهُ، وَيُثَابُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَا مَضَى إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَقِّفًا عَلَى نِيَّةٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ بُطْلَانُهُ بِاخْتِيَارِهِ.
قَوْلُهُ: (لِحُصُولِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ) خَرَجَ مَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهَا وَهُوَ إمَّا مَطْلُوبٌ لِلْإِصْلَاحِ كَنِيَّةِ الِاغْتِرَافِ فِي مَحَلِّهَا مِنْ كَوْنِ الْمَاءِ قَلِيلًا كَذَا قِيلَ وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ نَظَرًا إلَى أَنَّ شَأْنَهَا الْإِصْلَاحُ فَلَا تَضُرُّ مُطْلَقًا، وَلَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ مَعَهَا ارْتَفَعَ وَصَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَإِمَّا مَطْلُوبٌ لَا لِلْإِصْلَاحِ كَنِيَّةِ مَا يُنْدَبُ لَهُ وُضُوءٌ، فَهُوَ كَنِيَّةِ التَّبَرُّدِ، أَوْ غَيْرُهُ مَطْلُوبٌ كَالتَّعْلِيقِ فَيَضُرُّ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّبَرُّكَ وَحْدَهُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ نَوَى إلَخْ) دَفَعَ بِهَذَا التَّقْدِيرِ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنْ الْمَنْوِيَّ نَفْسُ الْمَنْدُوبِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ كَمَا فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ هُنَا لِأَنَّ طَلَبَ الْوُضُوءِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تِلْكَ الْأَسْبَابِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) بِأَنْ لَاحَظَ فِي نِيَّتِهِ اسْتِبَاحَةَ الْقُرْآنِ فَهُوَ قَيْدٌ لِلْبُطْلَانِ فَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْ ذَلِكَ حَالَ النِّيَّةِ صَحَّتْ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (قَصَدَهُ حَالَةَ كَمَالِهِ) هُوَ فِعْلٌ مَاضٍ وَضَمِيرُهُ الْمُسْتَتِرُ عَائِدٌ لِلنَّاوِي، وَالْبَارِزُ لِلْمَنْوِيِّ، وَيَصِحُّ فِي حَالَةِ كَمَالِهِ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي، وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُ مَصْدَرًا لِمُنَافَاتِهِ لِلْفَاءِ بَعْدَهُ، وَلِلتَّصْرِيحِ بِالْفَاعِلِ بَعْدَهَا فَتَأَمَّلْهُ وَلَا تَعْدِلْ عَنْهُ.
(فَائِدَةٌ) كُلُّ عِبَادَةٍ وَقَعَ فِيهَا تَشْرِيكٌ فَإِنَّ فَاعِلَهَا يُثَابُ عَلَيْهَا إنْ غَلَبَ الْأُخْرَوِيُّ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ، قَالَهُ الْغَزَالِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا ثَوَابَ لَهُ مُطْلَقًا، وَالْمَنْقُولُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ قَرْنُهَا) أَيْ لَا يُعْتَدُّ بِهَا إلَّا كَذَلِكَ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (بِأَوَّلِ غَسْلِهِ) أَيْ بِأَوَّلِهِ الْمَغْسُولِ لَا بِأَوَّلِ مَغْسُولٍ مِنْهُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَلَوْ حَمَلَهُ الشَّارِحُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي الْمُرْشِدِ إلَيْهِ عُدُولُ الْمُصَنِّفِ عَنْ عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ وَلِيَكُونَ لِزِيَادَةِ لَفْظِ غَسْلٍ فَائِدَةٌ لَكَانَ أَوْلَى، وَكَانَ فِيهِ اسْتِغْنَاءٌ عَمَّا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَكَانَ فِيهِ دَفْعُ إبْهَامِ عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِهَا، أَوْ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يَجِبُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِمَا بَعْدَهُ) كَالْيَدَيْنِ.
نَعَمْ إنْ تَعَذَّرَ غَسْلُ جَمِيعِ الْوَجْهِ وَجَبَتْ عِنْدَهُمَا، وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَعْضَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِمَا قَبْلَهُ) أَيْ مِمَّا تُطْلَبُ النِّيَّةُ عِنْدَهُ نَدْبًا مِنْ مَطْلُوبَاتِ الْوُضُوءِ كَالْفَمِ وَالْأَنْفِ نَعَمْ إنْ انْغَسَلَ شَيْءٌ مِنْ الْوَجْهِ مَعَ أَحَدِهِمَا وَاقْتَرَنَتْ النِّيَّةُ بِهِ كَفَتْ مُطْلَقًا وَإِنْ قَصَدَهُمَا وَحْدَهُمَا، وَتَجِبُ إعَادَةُ غَسْلِ ذَلِكَ الْجُزْءِ مَعَ غَسْلِ الْوَجْهِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْوَجْهَ وَحْدَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ: لَا تَجِبُ إنْ قَصْدَهُمَا مَعًا أَيْضًا، وَيَحْصُلُ ثَوَابُ نَحْوِ الْمَضْمَضَةِ إنْ وَجَبَتْ إعَادَةُ غَسْلِ الْجُزْءِ وَإِلَّا فَلَا.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، بِفَوَاتِهِ مُطْلَقًا لِلِاعْتِدَادِ بِالنِّيَّةِ، وَيُوَافِقُهُ شَرْحُ شَيْخِنَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَبْلَ رُجُوعِهِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (فِي أَثْنَاءِ غَسْلِ الْوَجْهِ) وَلَوْ مُقَارَنَةً لِمَا يُنْدَبُ غَسْلُهُ مِنْهُ مِنْ الشَّعْرِ أَوْ الْبَشَرَةِ كَالْخَارِجِ مِنْ الشُّعُورِ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ، أَوْ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْ اللِّحْيَةِ.
نَعَمْ لَا تَكْفِي مُقَارَنَتُهَا لِشَعْرِ بَاطِنِ لَحَيَّةٍ كَثِيفَةٍ، وَلَا لِمَا يَجِبُ غَسْلُهُ لِإِتْمَامِ الْوَاجِبِ، وَلَوْ لَمْ تُوجَدْ النِّيَّةُ مَعَ السُّنَنِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَاتَ ثَوَابُهَا وَإِنْ سَقَطَ بِهَا الطَّلَبُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَعْضَائِهِ) أَيْ الْوُضُوءِ وَلَوْ مَنْدُوبَةً لَكِنْ يُتَّجَهُ أَنَّهُ لَا يَنْوِي عَلَى الْمَنْدُوبَةِ نَحْوَ الرَّفْعِ بَلْ يَنْوِي الْوُضُوءَ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ) وَمِثْلُ رَفْعِ الْحَدَثِ غَيْرُهُ مِنْ نِيَّاتِ الْوُضُوءِ السَّابِقَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْكَافِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَهُ فِي غَيْرِ الرَّفْعِ.
قَوْلُهُ: (عَنْهُ) وَإِنْ نَفَى غَيْرَهُ وَهُوَ قَيْدٌ لِكَوْنِهِ تَفْرِيقًا لِاحْتِيَاجِهِ

[حاشية عميرة]

فِي شَرْحِ الرَّوْضِ نَقْلًا عَنْ الرَّافِعِيِّ أَنَّ حُكْمَهُ كَالْمُتَيَمِّمِ فِي أَنَّهُ إنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الْفَرْضِ اسْتَبَاحَهُ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالثَّانِي يَقُولُ قَصَدَهُ حَالَةَ كَمَالِهِ) الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: " قَصَدَهُ " يَرْجِعُ لِلشَّخْصِ وَالضَّمِيرُ فِي " كَمَالِهِ " يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ: مَا يُنْدَبُ.

أَجْزَائِهَا.

(الثَّانِي: غَسْلُ وَجْهِهِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] (وَهُوَ) طُولًا (مَا بَيْنَ مَنَابِتِ) شَعْرِ (رَأْسِهِ غَالِبًا وَمُنْتَهَى لَحْيَيْهِ) أَيْ آخِرِهِمَا وَهُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ عَلَيْهِمَا الْأَسْنَانُ السُّفْلَى، (وَمَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ) عَرْضًا لِأَنَّ الْمُوَاجِهَةَ الْمَأْخُوذَ مِنْهَا الْوَجْهُ تَقَعُ بِذَلِكَ.
وَالْمُرَادُ ظَاهِرُ مَا ذُكِرَ إذْ لَا يَجِبُ غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنِ وَلَا يُسْتَحَبُّ، وَمُنْتَهَى اللَّحْيَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ وَإِنْ لَمْ تَشْمَلْهُ الْعِبَارَةُ (فَمِنْهُ مَوْضِعُ الْغَمَمِ) وَهُوَ مَا نَبَتَ عَلَيْهِ الشَّعْرُ مِنْ الْجَبْهَةِ، وَلَيْسَ مِنْهُ مَوْضِعُ الصَّلَعِ، وَهُوَ مَا انْحَسَرَ عَنْهُ الشَّعْرُ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وَعَنْهُ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ غَالِبًا.
(وَكَذَا التَّحْذِيفُ) بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ مَوْضِعُهُ مِنْ الْوَجْهِ.
(فِي الْأَصَحِّ) لِمُحَاذَاتِهِ بَيَاضَ الْوَجْهِ، وَهُوَ مَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ الشَّعْرُ الْخَفِيفُ بَيْنَ ابْتِدَاءِ الْعِذَارِ وَالنَّزَعَةِ تَعْتَادُ النِّسَاءُ وَالْأَشْرَافُ تَنْحِيَةَ شَعْرِهِ لِيَتَّسِعَ الْوَجْهُ.
(لَا النَّزَعَتَانِ) بِفَتْحِ الزَّايِ (وَهُمَا بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ) أَيْ لَيْسَتَا مِنْ الْوَجْهِ لِأَنَّهُمَا فِي تَدْوِيرِ الرَّأْسِ.
(قُلْت: صَحَّحَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ مِنْ الرَّأْسِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِاتِّصَالِ شَعْرِهِ بِشَعْرِ الرَّأْسِ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحَيْهِ تَرْجِيحَهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ، وَتَبِعَ فِي الْمُحَرَّرِ تَرْجِيحَ الْغَزَالِيِّ لِلْأَوَّلِ.
(وَيَجِبُ غَسْلُ كُلِّ هُدْبٍ) بِالْمُهْمَلَةِ (وَحَاجِبٍ وَعِذَارٍ) بِالْمُعْجَمَةِ (وَشَارِبٍ وَخَدٍّ وَعَنْفَقَةِ شَعَرٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (وَبَشَرٍ) أَيْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا سَوَاءٌ خَفَّ الشَّعْرُ أَمْ كَثُفَ لِأَنَّ كَثَافَتَهُ، نَادِرَةٌ، فَأُلْحِقَ

[حاشية قليوبي]

إلَى النِّيَّةِ فِيمَا بَعْدَهُ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ التَّفْرِيقِ لِشُمُولِ النِّيَّةِ لِمَا بَعْدَهُ، وَكُلُّ الْأَعْضَاءِ بَعْدَهُ كَذَلِكَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَهَكَذَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ التَّفْرِيقُ فِي الْعُضْوِ الْوَاحِدِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ) وَإِنَّمَا لَمْ يَزِدْ لَفْظَ لَهُ كَمَا زَادَهُ فِي الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ لِإِفَادَةِ جَوَازِ التَّفْرِيقِ لِدَائِمِ الْحَدَثِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَفْرِيقُ أَفْعَالِهِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي لَا كَمَا إلَخْ) وَرُدَّ بِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ أَفْعَالِهَا بِنَحْوِ ثَلَاثِ خُطُوَاتٍ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (غَسْلُ وَجْهِهِ) وَإِنْ تَعَدَّدَ إلَّا مَا عُلِمَ زِيَادَتُهُ وَلَيْسَ عَلَى سَمْتِ الْأَصْلِيِّ، وَتَجِبُ النِّيَّةُ عِنْدَ كُلِّ وَجْهٍ إلَّا عِنْدَ الزَّائِدِ يَقِينًا فَلَا تَكْفِي عِنْدَهُ وَإِنْ وَجَبَ غَسْلُهُ، وَلَا بُدَّ مِنْهَا مَعَ كُلِّ مُشْتَبَهٍ وَالْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ كَالْوَجْهِ فِي الْغُسْلُ، وَيَجِبُ فِي الرَّأْسِ مَسْحُ جُزْءٍ مِنْ الْأَصْلِيِّ إنْ عُلِمَ وَمَسْحُ جُزْءٍ مِنْ كُلٍّ مَا اُشْتُبِهَ.
. . .

. قَوْلُهُ: (الْمَأْخُوذَ مِنْهَا الْوَجْهُ) أَيْ الَّذِي هِيَ سَبَبٌ فِي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ لَا بِمَعْنَى الِاشْتِقَاقِ النَّحْوِيِّ، وَلَا حَاجَةَ لِمَا شَنَّعَ بِهِ بَعْضُهُمْ هُنَا.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا يَجِبُ غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنِ) وَلَا شَعْرٍ نَبَتَ فِيهِ وَمِثْلُهُ دَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَإِنْ ظَهَرَ بِقَطْعِ مَا سَتَرَهُ، نَعَمْ يَجِبُ أَنْ يَغْسِلَ مِمَّا ظَهَرَ بِالْقَطْعِ مَا كَانَ مُحَاذِيًا لِلظَّاهِرِ، وَيَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِ نَحْوِ أَنْفٍ مِنْ نَقْدٍ وَتَكْفِي النِّيَّةُ عِنْدَهُ، وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُهُ، وَيَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِ مَا ذَكَرَ عَنْ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُسْتَحَبُّ) أَيْ بَلْ يُكْرَهُ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ مَوْضِعُ الْغَمَمِ، فَالْغَمَمُ اسْمٌ لِلشَّعْرِ الْمَذْكُورِ وَيُقَالُ لِشَعْرِ الْقَفَا أَيْضًا، وَالْعَرَبُ تَذُمُّ بِكُلٍّ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْبَلَادَةِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضِدُّهُ الْأَنْزَعُ، وَلِذَلِكَ يُمْتَدَحُ بِهِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: وَلَا تَنْكِحِي إنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا ... أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهِ لَيْسَ بِأَنْزَعَا قَوْلُهُ: (التَّحْذِيفِ) مِنْ الْحَذْفِ لِأَنَّهُ يُزَالُ كَمَا يَأْتِي، وَالْعَامَّةُ تُبَدَّلُ الذَّالَ بِالْفَاءِ، وَهُوَ اسْمٌ لِلشَّعْرِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَفْسِيرِهِ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ ابْتِدَاءٍ إلَخْ) سَيَأْتِي ضَبْطُهُ.
قَوْلُهُ: (لَا النَّزْعَتَانِ) وَلَا الصُّدْغَانِ.
قَوْلُهُ: (لِاتِّصَالِ شَعْرِهِ إلَخْ) الْأَوْلَى لِأَنَّهُ فِي تَدْوِيرِ الرَّأْسِ لِئَلَّا يَرِدَ الْغَمَمُ.
قَوْلُهُ: (هُدْبٍ) بِفَتْحِ أَوَّلَيْهِ مَعًا، أَوْ ضَمِّهِمَا مَعًا، أَوْ ضَمٍّ فَسُكُونٍ.
قَوْلُهُ: (وَحَاجِبٍ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِحَجْبِهِ عَنْ الْعَيْنِ مَا يُؤْذِيهَا، وَجَمْعُهُ حَوَاجِبُ، وَحَاجِبُ السُّلْطَانِ جَمْعُهُ حُجَّابٌ بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَضَمِّ أَوَّلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَعِذَارٍ) وَهُوَ مَا حَاذَى الْأُذُنَ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ مَا نَبَتَ عَلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ فَوْقَ الْعَارِضِ، وَهَذَا نَاظِرٌ لِلْمُتَعَارَفِ، وَاَلَّذِي تُصَرِّحُ بِهِ عِبَارَتُهُمْ أَنَّهُ إذَا جُعِلَ خَيْطٌ مُسْتَقِيمٌ عَلَى أَعْلَى الْأُذُنِ وَأَعْلَى الْجَبْهَةِ فَمَا تَحْتَ ذَلِكَ الْخَيْطِ مِنْ الْمُلَاصِقِ لِلْأُذُنِ الْمُحَاذِي لِلْعَارِضِ هُوَ الْعِذَارُ، وَمَا تَحْتَهُ أَيْضًا مِمَّا بَيْنَ الْعِذَارِ وَالنَّزْعَةِ هُوَ التَّحْذِيفُ، وَمَا فَوْقَهُ مِمَّا حَاذَى الْعِذَارَ وَالتَّحْذِيفَ هُوَ الصُّدْغُ، فَابْتِدَاءُ الْعِذَارِ هُوَ أَوَّلُهُ الْمُلَاصِقُ لِلتَّحْذِيفِ تَحْتَ الصُّدْغِ، وَالْجَبِينُ وَهُوَ مَا حَاذَى الْجَبْهَةَ فَوْقَ الصُّدْغِ فَرَاجِعْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَخَدٍّ) أَيْ شَعْرُهُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ ظَاهِرًا

[حاشية عميرة]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بِالْغَالِبِ (وَقِيلَ لَا يَجِبُ بَاطِنُ عَنْفَقَةِ كَثِيفَةٍ) بِالْمُثَلَّثَةِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِ الْكَثِيفِ فِي الْجَمِيعِ، لِأَنَّ كَثَافَتَهُ مَانِعَةٌ مِنْ رُؤْيَةِ بَاطِنِهِ، فَلَا تَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ.
(وَاللِّحْيَةُ إنْ خَفَّتْ كَهُدْبٍ) فَيَجِبُ غَسْلُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (وَإِلَّا) بِأَنْ كَثُفَتْ (فَلْيَغْسِلْ ظَاهِرَهَا) وَلَا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِهَا لِعُسْرِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ، وَغَسْلُ بَعْضِهَا الْخَارِجِ عَنْ الْوَجْهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ لِحُصُولِ الْمُوَاجَهَةِ بِهِ أَيْضًا (وَفِي قَوْلٍ لَا يَجِبُ غَسْلُ خَارِجٍ عَنْ الْوَجْهِ) مِنْ اللِّحْيَةِ وَغَيْرِهَا كَالْعِذَارِ خَفِيفًا كَانَ أَوْ كَثِيفًا لَا بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا لِخُرُوجِهِ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ حِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِ غَسْلِ الْخَارِجِ الْخَفِيفِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ جَمَاعَةٍ، وَصَوَّبَهُ، وَحَمَلَ كَلَامَ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ فِي حِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِ غَسْلِ ظَاهِرِ الْخَارِجِ، وَأَنَّ بَاطِنَهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ قَوْلًا وَاحِدًا عَلَى الْكَثِيفِ، وَأَسْقَطَ مِنْ الرَّوْضَةِ الْكَلَامَ فِي بَاطِنِ الْخَارِجِ، وَزَادَهُ مَعَ غَيْرِهِ هُنَا عَلَى الْمُحَرَّرِ وَعِبَارَتُهُ.
وَأَمَّا اللِّحْيَةُ الْكَثِيفَةُ فَيَكْفِي غَسْلُ ظَاهِرِ مَا فِي حَدِّ الْوَجْهِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ خَفِيفَةً فَهِيَ كَالشُّعُورِ الْخَفِيفَةِ غَالِبًا.
وَيَجِبُ أَيْضًا غَسْلُ ظَاهِرِ الْخَارِجِ مِنْ اللِّحْيَةِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، انْتَهَى.
وَالْخَفِيفُ مَا تُرَى الْبَشَرَةُ مِنْ خِلَالِهِ فِي مَجْلِسِ التَّخَاطُبِ وَالْكَثِيفُ مَا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ.

(الثَّالِثُ غَسْلُ يَدَيْهِ) مِنْ الْكَفَّيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ (مَعَ مِرْفَقَيْهِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَبِالْعَكْسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]

[حاشية قليوبي]

وَبَاطِنًا) هُمَا تَفْسِيرٌ لِلشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ، فَالْمُرَادُ بِهَا الْبَاطِنُ مِنْ الشَّعْرِ لَا مَحَلُّهُ لِدُخُولِهِ فِي حَدِّ الْوَجْهِ السَّابِقِ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِمَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ، وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ لَا يَجِبُ إلَخْ) هُوَ وَجْهٌ ثَالِثٌ سَكَتَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ فَاقْتَضَى كَلَامُهُ الْقَطْعَ بِغَسْلِ بَاطِنِ الْكَثِيفِ مِنْ غَيْرِ الْعَنْفَقَةِ.
قَوْلُهُ: (وَاللِّحْيَةُ) بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْعَارِضَيْنِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ سِيدَهْ، وَكَلَامُهُ يَشْمَلُ الرَّجُلَ وَغَيْرَهُ، وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَسْقَطَ مِنْ الرَّوْضَةِ إلَخْ) فَهِيَ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ وُجُوبِ غَسْلِ بَاطِنِ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ وَبَاطِنِ الْخَارِجِ الْكَثِيفِ، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَحْمِلَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ هُنَا عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ وَالْمُحَرَّرِ كَمَا هُوَ عَادَتُهُ وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ، إذْ الِاعْتِرَاضُ بِالْحَمْلِ أَخَفُّ مِنْهُ بِثُبُوتِ حُكْمٍ فَاسِدٍ، بَلْ حُكْمُ الشَّارِحِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ زَادَهُ مَعَ إطْلَاقِ عِبَارَتِهِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَتَأَمَّلْ، وَالْحَاصِلُ الْمُعْتَمَدُ فِي الشُّعُورِ أَنْ يُقَالَ لِحْيَةُ الرَّجُلِ وَعَارِضَاهُ وَمَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ مُطْلَقًا يَجِبُ غَسْلُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا إنْ كَانَ خَفِيفًا وَظَاهِرًا فَقَطْ إنْ كَانَ كَثِيفًا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ يَجِبُ غَسْلُهُ مُطْلَقًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا خَفِيفًا وَكَثِيفًا مِنْ رَجُلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَارِجِ مَا جَاوَزَ حَدَّ الْوَجْهِ مِنْ جِهَةِ اسْتِرْسَالِهِ، وَبِالظَّاهِرِ فِي اللِّحْيَةِ وَنَحْوِهَا الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الْمُوَاجِهَةُ لِلْمُخَاطَبِ لَا مَا وَاجَهَ وَلَا مَا بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ غَسْلُ الصَّدْرِ بِالْكَثِيفِ الْخَارِجِ مِنْ الشُّعُورِ لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهِ بِخُرُوجِهِ عَنْ الْمُوَاجِهَةِ الْحَقِيقِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْخَفِيفُ إلَخْ) فَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَانِبٍ وَحْدَهُ وَجَبَ غَسْلُ الْجَمِيعِ، وَمَا فِي شَرْحِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مِمَّا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ.
(تَنْبِيهٌ) يَجْرِي هُنَا مَا سَيَأْتِي فِي الْغُسْلِ مِنْ أَنَّهُ يُعْفَى عَمَّا تَحْتَ طُبُوعٍ عَسُرَ زَوَالُهُ وَإِنْ كَثُرَ، وَتَجِبُ إزَالَتُهُ مَعَ الشَّعْرِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُثْلَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (يَدَيْهِ) أَيْ كُلِّ يَدٍ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ وَعُلِمَتْ زِيَادَتُهَا مَعَ الْمُسَامَتَةِ كَمَا مَرَّ، وَإِنْ زَادَ طُولُ الْمُسَامَتَةِ عَلَى الْأَصْلِيَّةِ وَسَوَاءٌ بَقِيَتْ الْأَصْلِيَّةُ أَوْ قُطِعَتْ، وَخَالَفَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّ غُسْلَهَا كَانَ لِلتَّبَعِيَّةِ وَقَدْ زَالَتْ، وَالْكَلَامُ فِي يَدٍ نَبَتَتْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَإِلَّا فَيَجِبُ غَسْلُهَا مُطْلَقًا، وَالْجِلْدَةُ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَحَلُّ انْتِهَائِهَا، فَإِنْ ثَبَتَ طَرَفَاهَا فَكَأَصْلِهَا، وَفَارَقَتْ اعْتِبَارَ الِابْتِدَاءِ فِي شَجَرٍ نُقِلَ مِنْ الْحَرَمِ أَوْ عَكْسِهِ، لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهِ إلَى الْوَصْفِ بِكَوْنِهِ حَرَمِيًّا أَوْ لَا، وَيَجِبُ غَسْلُ

[حاشية عميرة]

قَوْلُ الشَّارِحِ: (فِي وُجُوبِ غَسْلِ ظَاهِرِ الْخَارِجِ) هَذَا بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ الْخَارِجَ مِنْ اللِّحْيَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الشُّعُورِ النَّادِرَةِ الْكَثَافَةِ، فَتَسْتَفِيدُ مِنْهُ أَنَّ بَاطِنَ الْخَارِجِ الْكَثِيفَ وَلَوْ مِنْ عَذَارٍ وَنَحْوِهِ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ قَطْعًا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، فَيَكُونُ مَقَالُ الْمِنْهَاجِ وَفِي قَوْلٍ بِالنَّظَرِ لِلْكَثِيفِ إيجَابَ غَسْلِ ظَاهِرِهِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَفِي قَوْلٍ إلَخْ يَأْبَى ذَلِكَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَزَادَهُ مَعَ غَيْرِهِ) هُوَ حُكْمُ ظَاهِرِ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ اللِّحْيَةِ.

وَدَلَّ عَلَى دُخُولِهِمَا فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا رَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ» . (فَإِنْ قُطِعَ بَعْضُهُ) أَيْ بَعْضُ الْمَذْكُورِ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالْيَدُ مُؤَنَّثَةٌ (وَجَبَ غَسْلُ مَا بَقِيَ) مِنْهُ (أَوْ مِنْ مِرْفَقَيْهِ) بِأَنْ فُكَّ عَظْمُ الذِّرَاعِ مِنْ عَظْمِ الْعَضُدِ (فَرَأْسُ أَعْظَمِ الْعَضُدِ) يَجِبُ غَسْلُهُ (عَلَى الْمَشْهُورِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْمِرْفَقِ، وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ لَا، وَإِنَّمَا وَجَبَ غَسْلُهُ حَالَةَ الِاتِّصَالِ لِضَرُورَةِ غَسْلِ الْمِرْفَقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِالْوُجُوبِ، وَصَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ.
(أَوْ) مِنْ (فَوْقِهِ نُدِبَ) غَسْلُ (بَاقِي عَضُدِهِ) مُحَافَظَةً عَلَى التَّحْجِيلِ وَسَيَأْتِي.

(الرَّابِعُ: مُسَمَّى مَسْحٍ لِبَشَرَةِ رَأْسِهِ أَوْ شَعْرٍ فِي حَدِّهِ) أَيْ حَدِّ الرَّأْسِ بِأَنْ لَا يَخْرُجَ بِالْمَدِّ عَنْهُ وَلَوْ خَرَجَ عَنْهُ بِالْمَدِّ لَمْ يَكْفِهِ الْمَسْحُ عَلَى الْخَارِجِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] وَرَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ» فَدَلَّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِمَسْحِ الْبَعْضِ، وَالرَّأْسُ مُذَكَّرٌ (وَالْأَصَحُّ جَوَازُ غَسْلِهِ) لِأَنَّهُ مَسْحٌ وَزِيَادَةٌ.
(وَ) جَوَازُ (وَضْعِ الْيَدِ) عَلَيْهِ (بِلَا مَدٍّ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ وُصُولِ الْبَلَلِ إلَيْهِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ فِيهِمَا يَقُولُ مَا ذُكِرَ لَا يُسَمَّى مَسْحًا.

(الْخَامِسُ: غَسْلُ رِجْلَيْهِ مَعَ كَعْبَيْهِ) مِنْ كُلِّ رِجْلٍ، وَهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عِنْدَ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] قُرِئَ فِي السَّبْعِ بِالنَّصْبِ وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْأَيْدِي لَفْظًا فِي الْأَوَّلِ وَمَعْنًى فِي الثَّانِي

[حاشية قليوبي]

يَدٍ الْتَصَقَتْ فِي مَحَلِّ يَدِهِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهَا بَعْدَ قَطْعِهَا بِحَرَارَةِ الدَّمِ، بِحَيْثُ يُخْشَى مِنْ إزَالَتِهَا مَحْذُورُ تَيَمُّمٍ، وَيَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِ كَفٍّ أَوْ أُصْبُعٍ مِنْ نَحْوِ نَقْدٍ، وَغَسْلُ مَوْضِعِ شَوْكَةٍ إنْ كَانَ لَوْ قُلِعَتْ لَا يَنْطَبِقُ مَوْضِعُهَا، وَلَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ مَعَهَا وَإِلَّا فَلَا، وَيَجِبُ غَسْلُ مَا عَلَى الْيَدَيْنِ مِنْ شَعْرٍ وَإِنْ كَثُفَ وَطَالَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَيَجِبُ إزَالَةُ مَا عَلَيْهِمَا مِنْ نَحْوِ جِرْمٍ كَشَمْعٍ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ، وَلَا يَضُرُّ لَوْنُ نَحْوَ صَبَّاغٍ وَلَا دُهْنٌ لَا جِرْمَ لَهُ، وَيَجِبُ إزَالَةُ نَحْوِ قَشَفٍ مَيِّتٍ وَمَا تَحْتَ ظُفْرٍ مِنْ وَسَخٍ يَمْنَعُ الْمَاءَ.
قَوْلُهُ: (مِرْفَقَيْهِ) وَلَوْ تَقْدِيرًا مِنْ أَمْثَالِهِ.
قَوْلُهُ: (أَشْرَعَ) بِالْهَمْزِ أَوَّلُهُ فِي الْجَمِيعِ لِأَنَّ أَشْرَعَ وَشَرَعَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ لُغَةً.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مِنْ الْمِرْفَقِ) إذْ الْمِرْفَقُ اسْمٌ لِلْعِظَامِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ) فِيهِ اعْتِرَاضٌ حَيْثُ الْخِلَافُ.

قَوْلُهُ: (لِبَشَرَةِ رَأْسِهِ) وَمِنْهَا الْبَيَاضُ فَوْقَ الْأُذُنِ لَا مَا حَوْلَهَا.
قَوْلُهُ: (شَعْرٍ) وَيَكْفِي شَعْرَةٌ أَوْ بَعْضُهَا.
قَوْلُهُ: (فِي حَدِّهِ) أَيْ حَالَةَ مَسْحِهِ فَلَا يَضُرُّ إزَالَتُهُ بِالْحَلْقِ بَعْدَهُ كَقَطْعِ الْيَدِ بَعْدَ غَسْلِهَا وَلَا خُرُوجُهُ عَنْ الْحَدِّ بِطُولِهِ بَعْدَ الْمَسْحِ أَيْضًا، وَمِثْلُهُ جِلْدَةٌ تَدَلَّتْ فَلَا يَكْفِي الْمَسْحُ عَلَى مَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ خَرَجَ بِالْمَدِّ) أَيْ جِهَةَ اسْتِرْسَالِهِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَكْفِ الْمَسْحُ عَلَى الْخَارِجِ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رَأْسًا، وَصَحَّ تَقْصِيرُهُ فِي الْحَجِّ لِأَنَّهُ يُسَمَّى شَعْرًا، تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ وُصُولِ الْبَلَلِ) يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ شَيْئًا عَلَى رَأْسِهِ فَوَصَلَ الْبَلَلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَكْفِي، قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: مَا لَمْ يَقْصِدْ مَا عَلَى الرَّأْسِ فَقَطْ كَمَا فِي الْجُرْمُوقِ، وَيُوَافِقُهُ بَعْضُ نُسَخِ شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الِاكْتِفَاءُ هُنَا مُطْلَقًا لِأَنَّ الْمَسْحَ هُنَا أَصْلٌ، وَلِأَنَّ مَا عَلَى الرَّأْسِ قَدْ يُطْلَبُ مَسْحُهُ، انْتَهَى، وَهُوَ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لَا يُسَمَّى مَسْحًا) وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ يُوَافِقُهُ لَكِنَّهُ نَظَرَ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْمَقْصُودِ مِنْ الْمَسْحِ كَمَا عَلَّلَ بِهِ، فَلَا مُخَالَفَةَ، إلَّا فِي اللَّفْظِ، إذْ حَقِيقَةُ الْغُسْلِ غَيْرُ حَقِيقَةِ الْمَسْحِ قَطْعًا.

قَوْلُهُ: (كَعْبَيْهِ) وَلَوْ تَقْدِيرًا لِمَنْ فَقَدَهُمَا خِلْقَةً مِنْ أَمْثَالِهِ.
قَوْلُهُ: (عَطْفٌ عَلَى الْأَيْدِي) كَانَ الْمُوَافِقُ لِلْقَاعِدَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْوُجُوهِ كَمَا فَعَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (وَمَعْنًى) أَيْ تَقْدِيرًا فَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفَتْحَةٍ مَقْدِرَةٍ مَنَعَ مِنْهَا حَرَكَةُ الْجُوَارِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حَرَكَةَ إعْرَابٍ خِلَافًا لِلدَّمَامِينِيِّ، فَقَوْلُهُ لِجَرِّهِ عَلَى الْجُوَارِ فِيهِ تَسَامُحٌ، لِأَنَّ الْجَرَّ بِالْمُجَاوِرَةِ لَا يَكُونُ مَعَ الْوَاوِ، وَبِفَرْضِ جَوَازِهِ مَعَهَا عَلَى مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ لَا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ.

[حاشية عميرة]

قَوْلُ الشَّارِحِ: (حَتَّى أَشْرَعَ إلَخْ) أَيْ دَخَلَ فِيهَا، وَمِنْهُ أَشْرَعَ بَابًا إلَى الطَّرِيقِ أَيْ فَتَحَهُ، ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ.

قَوْلُ الْمَتْنِ: (إلَّا

لِجَرِّهِ عَلَى الْجُوَارِ، وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْمَعْطُوفَيْنِ لِلْإِشَارَةِ إلَى التَّرْتِيبِ بِتَقْدِيمِ الْمَسْحِ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَدَلَّ عَلَى دُخُولِ الْكَعْبَيْنِ فِي الْغَسْلِ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ فِي الْيَدَيْنِ: وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ هُوَ الْأَصْلُ، وَسَيَأْتِي جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَدَلَهُ.

(السَّادِسُ: تَرْتِيبُهُ هَكَذَا) أَيْ كَمَا ذُكِرَ مِنْ الْبُدَاءَةِ بِغَسْلِ الْوَجْهِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ الرَّأْسِ ثُمَّ الرِّجْلَيْنِ لِلِاتِّبَاعِ كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ وَغَيْرِهِ.
(فَلَوْ اغْتَسَلَ مُحْدِثٌ) بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ بَدَلَهُ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ تَرْتِيبٍ بِأَنْ غَطَسَ وَمَكَثَ) قَدْرَ التَّرْتِيبِ (صَحَّ) لَهُ الْوُضُوءُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَقْدِيرُ التَّرْتِيبِ فِيهِ بِأَنْ غَطَسَ وَخَرَجَ فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ مُكْثٍ (فَلَا) يَصِحُّ لَهُ وُضُوءٌ (قُلْت: الْأَصَحُّ الصِّحَّةُ بِلَا مُكْثٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّ الْغُسْلَ يَكْفِي لِلْحَدَثِ الْأَكْبَرِ فَلِلْأَصْغَرِ أَوْلَى وَقِيلَ لَا يَصِحُّ فِي الْمُكْثِ أَيْضًا لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِيهِ تَقْدِيرِيٌّ لَا تَحْقِيقِيٌّ.

(وَسُنَنُهُ) أَيْ الْوُضُوءِ (السِّوَاكُ عَرْضًا) لِحَدِيثِ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» أَيْ أَمْرَ إيجَابٍ، رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ وَحَدِيثِ «إذَا اسْتَكْتُمْ فَاسْتَاكُوا عَرْضًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ.
وَالْمُرَادُ عَرْضُ الْأَسْنَانِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: كَرِهَ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الِاسْتِيَاكَ طُولًا أَيْ لِأَنَّهُ يَجْرَحُ اللِّثَةَ (بِكُلِّ خَشِنٍ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، وَأَوْلَاهُ

[حاشية قليوبي]

تَنْبِيهٌ) الْمُرَادُ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ انْغِسَالُهَا سَوَاءٌ بِالْفِعْلِ أَوْ لَا، لَكِنْ مَعَ مُلَاحَظَتِهِ فِي الثَّانِي، وَيَكْفِي ظَنُّ غَسْلِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ الْيَقِينُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْحَسَنُ خِلَافًا لِمَنْ نَازَعَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْوَادِي تَوَضَّأَ وُضُوءًا لَمْ يَبُلَّ مِنْهُ الثَّرَى.
(فَائِدَةٌ) فِي ذِكْرِ حُكْمِهِ لِجَمْعِ الْمَرَافِقِ وَتَثْنِيَةِ الْكَعْبَيْنِ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، مَعَ أَنَّ الْوَاقِعَ عَكْسُ ذَلِكَ، وَهِيَ أَنَّ لِكُلِّ مِرْفَقٍ ثَلَاثَةُ عِظَامٍ، فَجُمْلَةُ الْمِرْفَقَيْنِ سِتَّةُ أَعْظُمَ، أَرْبَعَةٌ مِنْ رَأْسِ الْعَضُدَيْنِ، وَاثْنَانِ مِنْ السَّاعِدَيْنِ، فَلَوْ ذَكَرَ التَّثْنِيَةَ فِيهِمَا لَتُوُهِّمَ إخْرَاجُ الْأَرْبَعَةِ الْأُولَى وَأَنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ كَعْبَيْنِ، وَلَوْ ذَكَرَهُمَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ لَتُوُهِّمَ أَنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ ثَلَاثَةَ كُعُوبٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.

قَوْلُهُ: (تَرْتِيبُهُ) وَلَا يَسْقُطُ بِجَهْلٍ وَلَا نِسْيَانٍ وَلَا إكْرَاهٍ، فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى تَنْكِيسِهِ حَصَلَ لَهُ الْوَجْهُ فَقَطْ، وَلَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ غُصِبَ مَاؤُهُ، قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (اغْتَسَلَ) وَلَوْ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ.
قَوْلُهُ: (غَطَسَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ يَغْطِسُ بِكَسْرِهَا كَضَرَبَ يَضْرِبُ.
قَوْلُهُ: (بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ) أَيْ بِنِيَّةٍ مِنْ نِيَّاتِهِ أَوْ بِنِيَّةٍ مِنْ نِيَّاتِ الْغُسْلِ غَلَطًا، وَلَا بُدَّ مِنْ مُمَاسَّةِ الْمَاءِ لِجُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ عِنْدَ النِّيَّةِ لِإِتْمَامِ الِانْغِمَاس وَلَوْ مُنَكَّسًا.
قَوْلُهُ: (بَدَلَهُ) بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ فَلَا يُعْتَبَرُ قَصْدُهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْغُسْلَ يَكْفِي إلَخْ) فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ الْأَكْبَرُ كَفَاهُ أَيْضًا نِيَّتُهُ عَنْ نِيَّةِ الْأَصْغَرِ، وَإِنْ نَفَاهُ لِاضْمِحْلَالِهِ مَعَهُ، وَقَضِيَّةُ الْعِلَّةِ أَنَّهُ لَوْ أَغْفَلَ لَمْعَةً مِنْ بَدَنِهِ لَمْ يَكْتَفِ بِهِ عَنْ الْأَصْغَرِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا إنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَمْ يَضُرَّ، أَوْ فِيهَا وَجَبَ غَسْلُهَا.
وَغَسْلُ مَا بَعْدَهَا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ حِينَئِذٍ، وَلَوْ اغْتَسَلَ الْجُنُبُ إلَّا أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ ثُمَّ أَرَادَ غَسْلَهَا وَلَوْ بَعْدَ حَدَثٍ أَصْغَرَ قَبْلَ غَسْلِهَا لَمْ يَجِبْ تَرْتِيبُهَا، وَلَوْ اغْتَسَلَ إلَّا رِجْلَيْهِ مَثَلًا ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ غَسَلَهُمَا ثُمَّ تَوَضَّأَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ غَسْلِهِمَا، وَيُقَالُ هَذَا وُضُوءٌ خَالٍ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَهُمَا مَكْشُوفَتَانِ بِلَا عِلَّةٍ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: وَخَالٍ عَنْ التَّرْتِيبِ أَيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَهَلْ بَقِيَّةُ الْأَعْضَاءِ كَالرِّجْلَيْنِ؟ رَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فَلِلْأَصْغَرِ أَوْلَى) لِأَنَّ قِيَامَ غَسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ مَقَامَ غَسْلِ بَعْضِهِ أَقْوَى وَأَحَقُّ بِالِاعْتِبَارِ.

[سُنَن الْوُضُوء]

قَوْلُهُ: (وَسُنَنُهُ إلَخْ) قَدْ أَوْصَلَهَا بَعْضُهُمْ إلَى نَحْوِ الْخَمْسِينَ سُنَّةً، فَالْحَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ تَعْرِيفِ الْجُمْلَةِ بِالنَّظَرِ لِلْمَذْكُورِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْوُضُوءِ) وَكَذَا التَّيَمُّمُ وَالْغُسْلُ وَإِنْ اسْتَاكَ لِلْوُضُوءِ قَبْلَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (السِّوَاكُ) أَيْ الِاسْتِيَاكُ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ لُغَةً عَلَى آلَةِ الدَّلْكِ وَلَوْ بِغَيْرِ سِوَاكٍ، وَعَلَى اسْتِعْمَالِ الْآلَةِ وَلَوْ فِي غَيْرِ الْفَمِ.
وَالْمُرَادُ هُنَا اسْتِعْمَالُهَا فِي الْفَمِ، وَلِذَلِكَ عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ اسْتِعْمَالُ آلَةٍ مَخْصُوصَةٍ فِي أَجْزَاءِ الْفَمِ، وَأَصْلُهُ النَّدْبُ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ مُطْلَقًا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ، وَقَدْ يَخْرُجُ عَنْهُ لِعَارِضٍ مِنْ حَيْثُ وَصْفُهُ فَيَحْرُمُ لِنَحْوِ ضَرَرٍ أَوْ عَدَمِ إذْنٍ فِي سِوَاكِ غَيْرِهِ، وَيُكْرَهُ كَمَا يَأْتِي، وَيَجِبُ لِنَحْوِ إزَالَةِ نَجَاسَةٍ تَوَقَّفَتْ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا حَدِيثٌ فِي الزَّيْتُونِ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ، وَلَفْظُهُ: «هَذَا سِوَاكِي وَسِوَاكُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي وَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ» انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَهُ أَصْلٌ فِي السُّنَّةِ.
قَوْلُهُ: (عَرْضًا) هُوَ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَلَوْ عَطَفَهُ بِالْوَاوِ كَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ (عَرْضُ الْأَسْنَانِ) سَوَاءٌ ظَاهِرُهَا وَبَاطِنُهَا وَيُسَنُّ التَّيَامُنُ

[حاشية عميرة]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الْأَرَاكُ.
«قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كُنْت أَجْتَنِي لِرَسُولِ اللَّهِ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ» . رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (لَا أُصْبُعُهُ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى اسْتِيَاكًا، وَالثَّانِي يَكْفِي، وَاخْتَارَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، وَيَكْفِي بِأُصْبُعِ غَيْرِهِ قَطْعًا كَمَا قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ، وَنَبَّهَ فِيهَا عَلَى زِيَادَتِهِ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى الْمُحَرَّرِ.
(وَيُسَنُّ لِلصَّلَاةِ) لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» أَيْ أَمْرَ إيجَابٍ (وَتَغَيُّرِ الْفَمِ) بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» ، أَيْ يُدَلِّكُهُ.
رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَرَوَى النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ حَدِيثَ «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ» بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا، أَيْ آلَةٌ تُنَظِّفُهُ مِنْ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ (وَلَا يُكْرَهُ إلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ) لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» . وَالْخُلُوفُ بِضَمِّ الْخَاءِ التَّغَيُّرُ وَالْمُرَادُ الْخُلُوفُ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ لِحَدِيثِ «أُعْطِيت أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا قَالَ: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُمْ يُمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو بَكْرٍ السَّمْعَانِيُّ فِي أَمَالِيهِ

[حاشية قليوبي]

فِيهَا بِأَنْ يَبْدَأَ مِنْ أَوَّلِ الْأَضْرَاسِ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ إلَى وَسَطِ الْأَسْنَانِ، ثُمَّ مِنْ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ وَأَقَلُّهُ مَرَّةً.
قَوْلُهُ: (كَرِهَ جَمَاعَاتٌ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْكَيْفِيَّةُ، إذْ هُوَ مَنْدُوبٌ فِي كُلِّ حَالٍ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ وَيَحْصُلُ بِهِ السُّنَّةُ وَإِنْ حَرُمَ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ طُولًا) أَيْ فِي غَيْرِ اللِّسَانِ، فَيُسَنُّ فِيهِ طُولًا ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ.
قَوْلُهُ: (بِكُلِّ خَشِنٍ) أَيْ طَاهِرٍ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَإِنْ كَانَ الْوَجْهُ الْوَجِيهُ مَعَهُ كَمَا مَرَّ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ يُوَافِقُهُ.
نَعَمْ يُغْتَفَرُ دَمُ لِثَتِهِ لِلْمَشَقَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَوْلَاهُ الْأَرَاكُ) ثُمَّ جَرِيدُ النَّخْلِ، ثُمَّ الزَّيْتُونُ، ثُمَّ ذُو رِيحٍ طَيِّبٍ، ثُمَّ مَا لَا رِيحَ لَهُ، وَرَطْبُ كُلِّ نَوْعٍ أَوْلَى مِنْ يَابِسِهِ، ثُمَّ الْمُنَدَّى بِالْمَاءِ، ثُمَّ بِنَحْوِ مَاءِ الْوَرْدِ، ثُمَّ بِالرِّيقِ، فَالْمُنَدَّى بِالرِّيقِ مِنْ الْأَرَاكِ أَوْلَى مِنْ رَطْبِ الْجَرِيدِ وَهَكَذَا، وَيُسَنُّ أَنْ يَبْلَعَ رِيقَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَيُكْرَهُ بِعُودِ الْمُرْسِينَ لِمَا قِيلَ إنَّهُ يُورَثُ الْجُذَامَ.
قَوْلُهُ: (لَا أُصْبُعِهِ) . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الْمُتَّصِلَةُ فَيَكْفِي بِالْمُنْفَصِلَةِ وَبِأُصْبُعِ غَيْرِهِ مُطْلَقًا، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا أَنَّ أُصْبُعَهُ لَا تَكْفِي مُطْلَقًا، وَأَنَّ أُصْبُعَ غَيْرِهِ تَكْفِي إنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً مِنْ حَيٍّ وَإِلَّا فَلَا، وَيَحْرُمُ بِالْمُنْفَصِلَةِ وَلَوْ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ إذْنِ صَاحِبِهَا لِانْقِطَاعِ حَقِّهِ مِنْهَا بِقَطْعِهَا وَكَالْأُصْبُعِ غَيْرُهَا كَالشَّعْرِ وَيُجْزِئُ بِجُزْءِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ مِنْ الْحَيَوَانِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَمْ يَظْهَرْ لِي حِكْمَةُ تَخْصِيصِ الْأُصْبُعِ بِغَيْرِهِ مَعَ أَنَّهَا مِنْهُ أَبْلَغُ فِي الْمُرَادِ، وَكَوْنُهَا مِنْ أَجْزَائِهِ لَا يَظْهَرُ بِهِ الْمَنْعُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ لِلصَّلَاةِ) أَيْ يَتَأَكَّدُ لَهَا وَلَوْ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ قُبَيْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا لَا بَعْدَهُ، وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: يُطْلَبُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا إذَا لَمْ يُوجَدْ قَبْلَهَا بِفِعْلٍ خَفِيفٍ وَخَالَفَهُ الْخَطِيبُ.
(تَنْبِيهٌ) مَتَى كَانَ السِّوَاكُ مُسْتَقِلًّا نُدِبَ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنْ كَانَ فِي ضِمْنٍ مِنْ عِبَادَةٍ فَلَا، كَذَا قَالُوا، وَفِيهِ بَحْثٌ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَتَغَيُّرِ الْفَمِ) أَيْ يَتَأَكَّدُ لَهُ وَلَوْ بِلَوْنٍ أَوْ رِيحٍ سَوَاءٌ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ كَأَكْلٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ تَغَيُّرٌ كُرِهَ لِلصَّائِمِ كَمَا يَأْتِي، وَيَتَأَكَّدُ طَلَبُهُ أَيْضًا لِقِرَاءَةِ وَذِكْرٍ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فِيهِمَا، وَيُقَدِّمُهُ عَلَى التَّعَوُّذِ لِلْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَيَتَأَكَّدُ لِتَعَلُّمٍ أَوْ تَعْلِيمٍ أَوْ سَمَاعِ حَدِيثٍ أَوْ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ آلَتِهِ، وَلِسُجُودِ تِلَاوَةٍ، وَلِقِرَاءَةٍ بَعْدَهُ، وَلِسُجُودِ شُكْرٍ، وَلِدُخُولِ مَسْجِدٍ أَوْ مَنْزِلٍ وَلَوْ مِلْكًا لِغَيْرِهِ أَوْ خَالِيًا.
قَوْلُهُ: (آلَةٌ تُنَظِّفُهُ) فَمُطَهِّرٌ بِمَعْنَى مُزِيلٍ وَلَوْ لِغَيْرِ الرِّيحِ، وَاقْتِصَارُهُ عَلَيْهِ لَيْسَ قَيْدًا، وَتَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ يَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَ نَجَسًا كَمَا.
قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَتَقَدَّمَ خِلَافُهُ عَنْ شَيْخِنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُكْرَهُ) أَيْ الِاسْتِيَاكُ فَخَرَجَ مَا لَا يُسَمَّى بِهِ كَالْأُصْبُعِ الَّتِي لَا تُجْزِئُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (إلَّا لِلصَّائِمِ) خَرَجَ الْمُمْسِكُ وَقِيلَ بِالْكَرَاهَةِ فِيهِ كَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ ارْتِكَابُ الْمُحَرَّمِ، وَرُدَّ بِأَنَّ سَبَبَ الْكَرَاهَةِ الْخُلُوفُ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الزَّوَالِ) وَلَوْ تَقْدِيرًا، وَلَوْ لِلصَّلَاةِ أَوْ الْوُضُوءِ أَوْ غَيْرِهِمَا إلَّا لِتَغَيُّرِ الْفَمِ بِغَيْرِ الْخُلُوفِ وَلَوْ مَعَهُ فَيُسَنُّ لَهُ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ تَغَيُّرٌ كُرِهَ رُجُوعًا لِأَصْلِهِ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (أَطْيَبُ) أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْمُرَادُ كَثْرَةُ الثَّوَابِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَهُ تَعَالَى كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَبِذَلِكَ فُضِّلَ كَمِدَادِ الْعُلَمَاءِ عَلَى دَمِ الشَّهِيدِ الَّذِي هُوَ كَرِيحِ الْمِسْكِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ إلَخْ) أَيْ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمَسَاءِ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ مُبِينٌ لِلْإِطْلَاقِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى، فَتُحْمَلُ عَلَيْهَا، فَهُوَ مِنْ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ لَا مِنْ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ كَمَا ادَّعَاهُ بَعْضُهُمْ، إذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ تَقْيِيدُ أَحَادِيثِ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ وَنَحْوِهِمَا بِهِ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ، وَتَقْيِيدُهُ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ فِيهِ مِنْ أَثَرِ الصَّوْمِ وَقَبْلَهُ مِنْ أَثَرِ الطَّعَامِ غَالِبًا، فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ طَعَامٌ يُحَالُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ كَالْمُوَاصِلِ وَالْمَجَامِعِ عَادَتْ الْكَرَاهَةُ بِالْفَجْرِ أَخْذًا بِالْحِكْمَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَاعْتَمَدَهُ، وَفِيهِ بَحْثٌ مَعَ قَوْلِهِمْ غَالِبًا كَمَا مَرَّ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الثَّانِيَةُ إلَخْ)

[حاشية عميرة]

لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ) اُنْظُرْ هَلْ فِي مَعْنَاهُ الْمُمْسِكُ لِتَرْكِ النِّيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالْمُرَادُ الْخُلُوفُ إلَخْ) لَك أَنْ تَسْتَشْكِلَ فِي هَذَا بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ ذِكْرِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ، وَهُوَ لَا يُخَصَّصُ إلَّا أَنْ يُقَالَ التَّخْصِيصُ وَاقِعٌ بِالْمَفْهُومِ، نَظِيرُهُ مَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» مَعَ حَدِيثِ الْإِفْضَاءِ، ثُمَّ تَأَمَّلْ هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ أَحَادِيثِ طَلَبِ السِّوَاكِ لِلصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ

فصول الكتاب · 34 فصل · 442 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشيتا قليوبي وعميرة · 442 صفحة
ـ[حاشيتا قليوبي وعميرة]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِكِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِكِتَابُ الْغَصْبِكِتَابُ الشُّفْعَةِكِتَابُ الْقِرَاضكِتَابُ الْمُسَاقَاةِكِتَابُ الْإِجَارَةِكِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ الْفَرَائِضِكِتَابُ الْوَصَايَاكِتَابُ الْوَدِيعَةِ
كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ
كِتَابُ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزِ
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ.كِتَابُ الْأَيْمَانِكِتَابُ الْقَضَاءِكِتَابُ الشَّهَادَاتِكِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ.كِتَابُ الْعِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الْكِتَابَةِكِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ
جارٍ التحميل