كِتَابُ الصَّلَاةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القليوبي
- الكتاب
- حاشيتا قليوبي وعميرة
- المؤلف
- أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة
- الناشر
- دار الفكر - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4
- الطبعة
- بدون طبعة، 1415هـ-1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]- بأعلى الصفحة: «شرح العلامة جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين للشيخ محيي الدين النووي»- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد البرلسي عميرة (957هـ.)
الْحَاجَةِ» . وَقَطَعَ بِالْأَوَّلِ الْأَكْثَرُونَ، وَأُجْرِيَ الْوَجْهَانِ فِيمَا إذَا لَمْ يَنْقَطِعْ الْمَاءُ، وَأَرَادُوا أَنْ يُصَلُّوا لِلِاسْتِزَادَةِ.
(وَيَأْمُرُهُمْ الْإِمَامُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوَّلًا وَالتَّوْبَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِوُجُوهِ الْبِرِّ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ) . فِي الدَّمِ وَالْعِرْضِ وَالْمَالِ لِأَنَّ لِكُلٍّ مِمَّا ذُكِرَ أَثَرٌ فِي إجَابَةِ الدُّعَاءِ.
(وَيَخْرُجُونَ إلَى الصَّحْرَاءِ فِي الرَّابِعِ صِيَامًا فِي ثِيَابِ بِذْلَةٍ وَتَخَشُّعٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الِاسْتِسْقَاءِ يُصَلِّي الْعِيدَ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَوْلُهُ: مُتَبَذِّلًا هُوَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ النِّهَايَةِ، مِنْ تَبَذَّلَ أَيْ لَبِسَ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ وَالْبِذْلَةُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ الْمِهْنَةُ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَثِيَابُ الْبِذْلَةِ هِيَ الَّتِي تُلْبَسُ فِي حَالِ الشُّغْلِ وَمُبَاشَرَةِ الْخِدْمَةِ وَتَصَرُّفِ الْإِنْسَانِ فِي بَيْتِهِ
. (وَيُخْرِجُونَ الصِّبْيَانَ وَالشُّيُوخَ) لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ.
(وَكَذَا الْبَهَائِمُ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي لَا يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهَا إذْ لَيْسَ لَهَا أَهْلِيَّةُ دُعَاءٍ، وَرُدَّ بِحَدِيثِ: «خَرَجَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَسْتَسْقِي فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةً بَعْضَ قَوَائِمِهَا إلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ اُسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجْلِ شَأْنِ النَّمْلَةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ
. (وَلَا يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْحُضُورَ) لِأَنَّهُمْ مُسْتَرْزِقُونَ، وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ.
(وَلَا
[حاشية قليوبي]
يَنْتَفِعُ بِهِ فَكَأَنَّ سَبَبَهَا لَمْ يَفُتْ.
كَذَا قِيلَ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِمَا يَأْتِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالدُّعَاءِ وَيُصَلُّونَ) هُمَا تَفْسِيرٌ لِلشُّكْرِ أَوْ تَفْصِيلٌ لَهُ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، أَوْ يُصَلُّونَ تَفْسِيرٌ لِلشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ لِاشْتِمَالِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهَا شُكْرٌ وَفِيهَا دُعَاءٌ.
قَوْلُهُ: (شُكْرًا) أَيْ تَقَعُ شُكْرًا وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ نِيَّةِ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (لِلِاسْتِزَادَةِ) أَيْ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَأْمُرُهُمْ الْإِمَامُ) وَمِثْلُهُ نَائِبُهُ أَوْ قَاضِي الْمَحَلِّ أَوْ مُطَاعٍ فِيهِ أَوْ حَاكِمٌ فِي بَلَدٍ لَا إمَامَ فِيهِ.
وَبِأَمْرِهِ لَهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّوْمُ وَغَيْرُهُ مِمَّا يَأْتِي وَيَكْفِي فِيهِ مَا فِي النَّذْرِ، وَلَا يَتَقَيَّدُ وُجُوبُ ذَلِكَ بِالْأَمْرِ بِالِاسْتِسْقَاءِ، بَلْ كُلُّ مَا لَيْسَ مَعْصِيَةً يَجِبُ بِأَمْرِهِ وَلَوْ مُبَاحًا، وَلَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَلَكِنْ يُعَزَّرُ مَنْ خَالَفَهُ لِشَقٍّ وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ عَلَى الْإِمَامِ بِأَمْرِهِ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ، وَيَبْعُدُ إيجَابُ الشَّخْصِ شَيْئًا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ بِرُجُوعِهِ عَنْ الْأَمْرِ وَلَا بِالسُّقْيَا فِي أَثْنَائِهِ، وَيَجِبُ فِي الصَّوْمِ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ لَيْلًا وَلَا يَقْضِي إذَا فَاتَ.
وَيُجْزِئُ عَنْهُ صَوْمُ غَيْرِهِ وَلَوْ نَفْلًا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ.
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ فِطْرُهُ وَإِنْ تَضَرَّرَ بِمَا لَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ.
قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ كَابْنِ حَجَرٍ فَقَالَا: لَا يُجْزِئُ عَنْهُ غَيْرُهُ.
وَيَجُوزُ فِطْرُهُ بِمَا يَجُوزُ بِهِ فِطْرُ رَمَضَانَ وَهُوَ الْوَجْهُ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) بَلْ أَرْبَعَةٍ بِيَوْمِ الْخُرُوجِ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْرِ وَيَجُوزُ صَوْمُهَا وَلَوْ مِنْ نِصْفِ شَعْبَانَ الثَّانِي لِأَنَّهُ لِسَبَبٍ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّوْبَةِ) وَوُجُوبُهَا بِالْأَمْرِ تَأْكِيدٌ لِوُجُوبِهَا شَرْعًا وَتَرَدَّدَ شَيْخُنَا فِي وُجُوبِهَا عَلَى مَنْ لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بِوُجُوهِ الْبِرِّ) كَالصَّدَقَةِ وَيَجِبُ مِنْهَا أَقَلُّ مُتَمَوَّلٍ فَإِنْ عَيَّنَ قَدْرًا كَالْفِطْرَةِ فَأَقَلَّ اُعْتُبِرَ بِهَا أَوْ كَالْكَفَّارَةِ اُعْتُبِرَ بِهَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَهُوَ يَشْمَلُ الْكَفَّارَةَ الْعُظْمَى، وَيُعْتَبَرُ فِيهَا بِالْعُمْرِ الْغَالِبِ، وَكَالْعِتْقِ وَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِمَا فِي الْكَفَّارَةِ بِهِ كَكِفَايَةِ الْعُمْرِ الْغَالِبِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَفِّرِ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَالْخُرُوجِ إلَخْ) وَالْأَمْرُ بِهِ تَأْكِيدٌ لِوُجُوبِهِ الشَّرْعِيِّ كَمَا مَرَّ
. قَوْلُهُ: (وَيَخْرُجُونَ إلَخْ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ لَيْسَ مِمَّا دَخَلَ فِي الْأَمْرِ وَإِنَّمَا يُسَنُّ فِعْلُهُ لَهُمْ فِي ذَاتِهِ.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْإِمَامِ الْأَمْرُ بِهِ كَالصِّيَامِ، لَكِنْ هَلْ يَجِبُ بِأَمْرِهِ بَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَجِبُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِمَنْدُوبٍ كَمَا مَرَّ، وَنُوزِعَ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (إلَى الصَّحْرَاءِ) أَيْ وَلَوْ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (وَتَخَشُّعٍ) عَطْفٌ عَلَى ثِيَابٍ، وَيُنْدَبُ الْمَشْيُ وَالْحَفَا لَا كَشْفُ الرَّأْسِ وَالْعُرْيُ.
قَوْلُهُ: (وَيُخْرِجُونَ الصِّبْيَانَ) وَمُؤْنَةُ إخْرَاجِهِمْ فِي مَالِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُمْ مُؤْنَتُهُمْ، وَمِثْلُهُمْ النِّسَاءُ غَيْرُ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ، وَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِ حَلِيلِ ذَاتِ الْحَلِيلِ.
وَكَذَا الْعَبِيدُ بِإِذْنِ سَادَاتِهِمْ لَا الْمَجَانِينَ وَإِنْ أَمِنَتْ ضَرَاوَتُهُمْ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْبَهَائِمُ) وَتُبْعَدُ أَوْلَادُهَا عَنْهَا لِيَكْثُرَ الصِّيَاحُ وَالضَّجِيجُ.
قَوْلُهُ: (نَبِيٌّ) هُوَ سُلَيْمَانُ.
قَوْلُهُ: (نَمْلَةٍ) قِيلَ: اسْمُهَا حَرْمَى، وَقِيلَ طَافِيَةٌ، وَقِيلَ شَاهِدَةٌ، وَكَانَتْ عَرْجَاءَ وَقَالَ الدَّمِيرِيِّ اسْمُهَا عَيْجَلُونَ.
قَوْلُهُ: (رَافِعَةً إلَخْ) وَهِيَ مُلْقَاةٌ عَلَى ظَهْرِهَا وَهِيَ تَدْعُو بِقَوْلِهَا: اللَّهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِك لَا غِنَى بِنَا عَنْ رِزْقِك، فَلَا تُهْلِكُنَا بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْعِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ) أَيْ لَا يَجِبُ مَنْعُهُمْ بَلْ يَنْدُبُ عَلَى أَحَدِ احْتِمَالَيْنِ لِابْنِ حَجَرٍ فَتَمْكِينُهُمْ مِنْ خُرُوجِهِمْ مَكْرُوهٌ كَإِخْرَاجِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا
[حاشية عميرة]
الْمِنْهَاجِ وَالدُّعَاءِ وَيُصَلُّونَ، كَأَنَّهُ عَطْفُ تَفْصِيلٍ لِلشُّكْرِ، لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ) تَصْرِيحٌ بِبَعْضِ أَرْكَانِ التَّوْبَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتَخَشُّعٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ ثِيَابٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَيْسَ لَهَا أَهْلِيَّةُ دُعَاءٍ) وَلِأَنَّ النَّاسَ
يَخْتَلِطُونَ بِنَا) لِأَنَّهُ قَدْ يَحِلُّ بِهِمْ عَذَابٌ بِكُفْرِهِمْ الْمُتَقَرَّبِ بِهِ فِي اعْتِقَادِهِمْ.
(وَهِيَ رَكْعَتَانِ) كَمَا فَعَلَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
(كَالْعِيدِ) فِي التَّكْبِيرَاتِ سَبْعًا وَخَمْسًا وَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَمَا يُقْرَأُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ (لَكِنْ قِيلَ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ) بَدَلَ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ [القمر: 1] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: 1] لِاشْتِمَالِهَا عَلَى اللَّائِقِ بِالْحَالِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: 11] وَالْأَصَحُّ يَقْرَأُ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ [القمر: 1] كَمَا يَقْرَأُ فِي الْأُولَى ﴿ق﴾ [ق: 1] وَمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الْأُولَى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] وَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1] » قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: ضَعِيفٌ
(وَلَا تَخْتَصُّ بِوَقْتِ الْعِيدِ فِي الْأَصَحِّ) فَيَجُوزُ فِعْلُهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَالثَّانِي يَخْتَصُّ بِهِ أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ
. (وَيَخْطُبُ) بَعْدَ الصَّلَاةِ وَسَيَأْتِي جَوَازُ أَنْ يَخْطُبَ قَبْلَهَا دَلِيلُ الْأَوَّلِ حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَطَبَ» .
(كَالْعِيدِ) أَيْ كَخُطْبَتَيْهِ فِي الْأَرْكَانِ وَغَيْرِهَا (لَكِنْ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى بَدَلَ التَّكْبِيرِ) أَوَّلُهُمَا فَيَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ بَدَلَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ.
وَيُكْثِرُ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ، وَمِنْ قَوْلِ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: 11] (وَيَدْعُو فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا) هُوَ الْمَطَرُ (مُغِيثًا) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ مُرْوِيًا مُشْبِعًا (هَنِيئًا) هُوَ الطَّيِّبُ الَّذِي لَا يُنَغِّصُهُ شَيْءٌ (مَرِيئًا) بِالْهَمْزِ هُوَ الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ (مَرِيعًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ ذَا رِيعٍ أَيْ نَمَاءٍ (غَدَقًا) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ كَثِيرَ الْخَيْرِ (مُجَلِّلًا) بِكَسْرِ اللَّامِ يُجَلِّلُ الْأَرْضَ أَيْ يَعُمُّهَا كَجُلِّ الْفَرَسِ.
(سَحًّا) بِالْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ شَدِيدَ الْوَقْعِ عَلَى الْأَرْضِ (طَبَقًا) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْبَاءِ يُطَبِّقُ الْأَرْضَ فَيَصِيرُ كَالطَّبَقِ عَلَيْهَا (دَائِمًا) إلَى انْتِهَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ الْقَانِطِينَ) أَيْ الْآيِسِينَ بِتَأْخِيرِهِ (اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُك إنَّك كُنْت غَفَّارًا فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ) أَيْ الْمَطَرَ (عَلَيْنَا مِدْرَارًا) أَيْ كَثِيرًا.
رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا اسْتَسْقَى قَالَ: اللَّهُمَّ
[حاشية قليوبي]
يَخْتَلِطُونَ بِنَا) أَيْ يُكْرَهُ لَنَا تَمْكِينُهُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي مُصَلَّانَا أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوْ غَيْرَ بَاغِينَ، وَيَمْنَعُهُمْ الْإِمَامُ مِنْ خُرُوجِهِمْ اسْتِقْلَالًا فِي يَوْمٍ وَمَا فِي الْأُمِّ مُؤَوَّلٌ.
(فَرْعٌ) يَجُوزُ إجَابَةُ دُعَاءِ الْكَافِرِينَ، وَيَجُوزُ الدُّعَاءُ لَهُ وَلَوْ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، خِلَافًا لِمَا فِي الْأَذْكَارِ إلَّا مَغْفِرَةَ ذَنْبِ الْكُفْرِ مَعَ مَوْتِهِ عَلَى الْكُفْرِ فَلَا يَجُوزُ.
قَوْلُهُ: (كَالْعِيدِ) فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْرِمَ فِيهَا بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ مُوَافَقَتُهُ.
وَنَقَلَ أَنَّهُ ضَرَبَ عَلَيْهِ بِالْقَلَمِ، وَعَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ يَنْظُرُ فِي التَّكْبِيرِ فِيمَا زَادَ هَلْ يَتْرُكُهُ أَوْ يَزِيدُهُ أَوْ يَنْقُصُهُ حَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (ضَعِيفٌ) أَيْ الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ قِرَاءَةُ السُّورَتَيْنِ سُنَّةً أَيْضًا كَمَا فِي الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي أَيْ وَقْتٍ) . وَلَوْ وَقْتَ الْكَرَاهَةِ، لِأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ، وَلَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ الْعِيدِ كَانَ أَوْلَى، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الْخِلَافِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَخْتَصُّ بِهِ) وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ.
. قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ) أَيْ بَدَلَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلَخْ، لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ: «مَنْ قَالَهَا غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ» . قَوْلُهُ: (أَسْقِنَا) هُوَ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَسْقَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُفِيدُ جَوَازُ وَصْلِهَا مِنْ سَقَى.
قَوْلُهُ: (مُغِيثًا) هُوَ فِي الْأَصْلِ الْمُنْقِذُ مِنْ الشِّدَّةِ.
قَوْلُهُ: (هَنِيئًا) بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ كَمَرِيئًا.
قَوْلُهُ: (مَرِيعًا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ) وَبَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ قَبْلَ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَرُوِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَبَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ أَوْ فَوْقِيَّةٌ كَذَلِكَ، وَهُمَا بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُمَا مِنْ أَرْبَعَ الْبَعِيرُ أَكَلَ الرَّبِيعَ وَرَتَعَتْ الْمَاشِيَةُ أَكَلَتْ مَا شَاءَتْ.
قَوْلُهُ: (يَعُمُّهَا) أَيْ بِالنَّبَاتِ النَّاشِئِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (بِالْمُهْمَلَتَيْنِ) أَيْ مَعَ تَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ، يُقَالُ سَحَّ إذَا سَالَ مِنْ أَعْلَى إلَى أَسْفَلَ، وَسَاحَ إذَا سَالَ عَلَى وَجْهِ
[حاشية عميرة]
يَشْتَغِلُونَ بِهَا وَبِأَصْوَاتِهَا
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مُغِيثًا) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هُوَ الْمُنْقِذُ مِنْ الشِّدَّةِ.
قَوْلُهُ: (هُوَ الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ إلَخْ) بِتَسْمِينِ الدَّوَابِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِدْرَارًا) صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ وَمَعْنَاهُ كَثِيرُ الدَّرِّ.
قَوْلُهُ: (وَأَسْقَطَهُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يُتَعَجَّبُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ
اسْقِنَا غَيْثًا.» إلَى آخِرِهِ وَفِيهِ بَيْنَ الْقَانِطِينَ وَمَا بَعْدَهُ زِيَادَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
ذُكِرَ فِي الْمُحَرَّرِ أَكْثَرُهَا وَأَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ اخْتِصَارًا.
(وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بَعْدَ صَدْرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ) وَهُوَ نَحْوُ ثُلُثِهَا كَمَا قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ (وَيُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ) حِينَئِذٍ (سِرًّا وَجَهْرًا) ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55] فَإِذَا أَسَرَّ دَعَا النَّاسُ سِرًّا وَإِذَا جَهَرَ أَمَّنُوا وَيَرْفَعُونَ كُلُّهُمْ أَيْدِيَهُمْ فِي الدُّعَاءِ مُشِيرِينَ بِظُهُورِ أَكُفِّهِمْ إلَى السَّمَاءِ.
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ» . وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْقَصْدَ دَفْعُ الْبَلَاءِ بِخِلَافِ قَاصِدِ حُصُولِ شَيْءٍ فَيَجْعَلُ بَطْنَ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ.
وَذَكَرَ فِي الْمُحَرِّرِ دُعَاءً أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ اخْتِصَارًا.
(وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ فَيَجْعَلُ يَمِينَهُ يَسَارَهُ وَعَكْسَهُ) رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اسْتِسْقَائِهِ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَوَّلَ رِدَاءً فَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ» . (وَيَنْكُسُهُ عَلَى الْجَدِيدِ فَيَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَعَكْسَهُ) رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَيْضًا قَالَ: «اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ» . فَهَمُّهُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَتُرِكَ لِلسَّبَبِ الْمَذْكُورِ وَالْقَدِيمُ يَنْظُرُ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ وَيَحْصُلُ التَّحْوِيلُ وَالتَّنْكِيسُ بِجَعْلِ الطَّرَفِ الْأَسْفَلِ الَّذِي عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَالطَّرَفَ الْأَسْفَلَ الَّذِي عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِمَا التَّفَاؤُلُ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ إلَى الْخِصْبِ وَالسَّعَةِ.
رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْقَى وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ» . (وَيُحَوِّلُ -
[حاشية قليوبي]
الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ (زِيَادَةٌ مَذْكُورَةٌ إلَخْ) وَهِيَ اللَّهُمَّ إنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ مِنْ اللَّأْوَاءِ، وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لَا نَشْكُو بِالنُّونِ، إلَّا إلَيْك، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُك، وَاللَّأْوَاءُ بِالْهَمْزِ وَالْمَدِّ شِدَّةُ الْجُوعِ، وَالْجَهْدُ التَّعَبُ وَالضَّنْكُ شِدَّةُ التَّعَبِ.
قَوْلُهُ: (وَأَسْقَطَهُ) أَيْ الْأَكْثَرُ وَفِيهِ اقْتِصَارٌ عَلَى بَعْضِ حَدِيثٍ وَلَا بِدَعَ فِيهِ
. قَوْلُهُ: (وَيَسْتَقْبِلُ) أَيْ نَدْبًا بَعْدَ صَدْرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَوْ اسْتَقْبَلَ فِي الْأُولَى، لَمْ يُعِدْهُ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَيْئَاتِهَا.
قَوْلُهُ: (وَيُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ) قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَيُطْلَبُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنَّك أَمَرْتنَا بِدُعَائِك، وَوَعَدَتْنَا إجَابَتَك وَقَدْ دَعَوْنَاك كَمَا أَمَرْتنَا، فَأُحِبْنَا كَمَا وَعَدْتنَا، اللَّهُمَّ فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ مَا قَارَفْنَا وَإِجَابَتِكَ فِي سُقْيَانَا، وَسِعَةٍ فِي رِزْقِنَا، وَيُنْدَبُ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ كَثْرَةُ الِاسْتِغْفَارِ، وَالشَّفَاعَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، بِخَالِصِ عَمَلِهِ وَبِأَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ.
قَوْلُهُ: (بِظُهُورِ أَكُفِّهِمْ إلَخْ) حَاصِلُ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّنَاقُضِ فِيهِ، إنَّ الْإِشَارَةَ بِظَهْرِ الْكَفِّ فِي كُلِّ صِيغَةٍ فِيهَا، رَفْعٌ نَحْوَ اكْشِفْ وَارْفَعْ وَبِبَطْنِهِ فِي كُلِّ صِيغَةٍ، فِيهَا تَحْصِيلٌ نَحْوَ اسْقِنَا وَأَنْبِتْ لَنَا وَمَا فِي الْمَنْهَجِ مِنْ اعْتِبَارِ الْقَصْدِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ التَّحْصِيلُ وَالرَّفْعُ، رَاعَى الثَّانِيَ كَمَا لَوْ سَمِعَ شَخْصًا دَعَا بِهِمَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ افْعَلْ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، وَيُكْرَهُ رَفْعُ الْيَدِ النَّجِسَةِ فِي الدُّعَاءِ وَلَوْ بِحَائِلٍ كَدَاخِلِ كُمِّهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُحَوِّلُ) أَيْ الذَّكَرُ عِنْدَ أَيْ بَعْدَ اسْتِقْبَالِهِ، رِدَاءَهُ لَا غَيْرَهُ مِنْ نَحْوِ قَمِيصِهِ.
قَوْلُهُ: (وَحَوَّلَ) أَيْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِدَاءَهُ، وَكَانَ طُولُهُ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَنِصْفَ تَقْرِيبًا، وَعَرْضُهُ ذِرَاعَانِ تَقْرِيبًا، وَجِنْسُهُ مِنْ الصُّوفِ كَإِزَارِهِ قَدْرًا وَجِنْسًا، وَعِمَامَتُهُ جِنْسًا، وَلَمْ يَرِدْ فِيهَا تَقْدِيرٌ.
فَالتَّحْوِيلُ يَكُونُ فِيمَا قَارَبَ ذَلِكَ، لَا فِي نَحْوِ الْبُرْدَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَلَبَ ظَهْرَ الْبَطْنِ) أَيْ بِالْفِعْلِ وَالدَّوَامِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْكُسْ أَوْ بِالْفِعْلِ فَقَطْ، لِأَنَّ الرِّدَاءَ مَعَهُمَا يَعُودُ إلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ، كَمَا سَيَأْتِي وَفِي ذِكْرِ مَعْنَى الْحَدِيثِ، بِقَوْلِهِمْ فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ، قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ نَظَرٌ يُدْرَكُ بِالتَّأَمُّلِ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْكُسُهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ، وَضَمِّ ثَالِثِهِ مُخَفَّفًا مِنْ بَابِ نَصَرَ، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ، مُشَدَّدًا وَلَا يُطْلَبُ تَنْكِيسُ الرِّدَاءِ غَيْرِ الْمُرَبَّعِ، كَمَا لَا يُطْلَبُ التَّحْوِيلُ، وَلَا التَّنْكِيسُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى.
قَوْلُهُ: (وَالْقَدِيمُ إلَخْ) أَيْ وَلِأَنَّ فِي التَّنْكِيسِ مَعَ التَّحْوِيلِ عَوْدُ وَجْهِ الرِّدَاءِ الْمُلَاصِقِ لِلثِّيَابِ إلَى حَالِهِ قَبْلَهُمَا الْمُنَافِي لِتَغَيُّرِ الْحَالِ فَقَوْلُهُ وَالْحِكْمَةُ فِيهِمَا أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَجْمُوعُ، أَوْ الْمَقْصُودُ أَوْ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ أَوْ -
[حاشية عميرة]
الْجَمِيعَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَأَسْقَطَهُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: وَأَكْثَرُهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ) وَيَكُونُ مِنْهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ أَمَرْتنَا بِدُعَائِك، وَوَعَدْتنَا إجَابَتَك، وَقَدْ دَعَوْنَاك كَمَا أَمَرْتنَا، فَأَجِبْنَا كَمَا وَعَدْتنَا.
اللَّهُمَّ فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ مَا قَارَفْنَا، وَإِجَابَتِك فِي سُقْيَانَا، وَسَعَةٍ فِي رِزْقِنَا، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِيمَا يَأْتِي.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ) اُنْظُرْ هَلْ يَفْعَلُ التَّحْوِيلَ عِنْدَ إرَادَةِ الِاسْتِقْبَالِ، أَوْ مَعَهُ أَوْ عَقِبَهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَنْكُسُهُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يُقَالُ نَكَسَ يَنْكُسُ كَقَعَدَ يَقْعُدُ.
النَّاسُ مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ تَحْوِيلِ الْخَطِيبِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى التَّنْكِيسِ.
فَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَالْمُحَرَّرِ، وَيَفْعَلُ النَّاسُ بِأَرْدِيَتِهِمْ كَفِعْلِ الْإِمَامِ.
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَوَّلَ رِدَاءَهُ وَقَلَبَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ» ، وَحَوَّلَ النَّاسُ مَعَهُ.
(قُلْت: وَيُتْرَكُ مُحَوَّلًا حَتَّى يَنْزَعَ الثِّيَابَ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - غَيَّرَ رِدَاءَهُ بَعْدَ التَّحْوِيلِ، وَيُتْرَكُ وَيُنْزَعُ مَبْنِيَّانِ لِلْمَفْعُولِ فَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَيَتْرُكُونَهَا أَيْ الْأَرْدِيَةَ مُحَوَّلَةً إلَى أَنْ يَنْزِعُوا الثِّيَابَ، فَإِذَا فَرَغَ الْخَطِيبُ مِنْ الدُّعَاءِ مُسْتَقْبِلًا أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ وَحَثَّهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَعَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَقَرَأَ آيَةً وَآيَتَيْنِ وَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
(وَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ الِاسْتِسْقَاءَ فَعَلَهُ النَّاسُ) مُحَافَظَةً عَلَى السُّنَّةِ (وَلَوْ خَطَبَ) لَهُ (قَبْلَ الصَّلَاةِ جَازَ) نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ.
قَالَ: وَيَحْتَجُّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ ثُمَّ صَلَّى» وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: قَالَ أَصْحَابُنَا تَقَدُّمُ الْخُطْبَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَبْرُزَ لِأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ وَيَكْشِفَ غَيْرَ عَوْرَتِهِ لِيُصِيبَهُ) الْمَطَرُ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أَصَابَنَا مَطَرٌ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَسَرَ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ الْمَطَرُ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْت هَذَا؟ قَالَ: لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» . أَيْ بِتَكْوِينِهِ وَتَنْزِيلِهِ.
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ: «كَانَ إذَا مَطَرَتْ السَّمَاءُ حَسَرَ ثَوْبَهُ عَنْ ظَهْرِهِ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَطَرُ» الْحَدِيثَ.
وَفِي الصَّحَاحِ حَسَرْت كُمِّي عَنْ ذِرَاعِي كَشَفْت.
(وَأَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ فِي السَّيْلِ) رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَالَ السَّيْلُ قَالَ: اُخْرُجُوا بِنَا إلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا فَنَتَطَهَّرُ مِنْهُ» . (وَيُسَبِّحَ عِنْدَ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ) رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَرْقَ فِي الْمُهَذَّبِ وَشَرْحِهِ.
وَذَكَرَ فِي التَّنْبِيهِ وَالرَّوْضَةِ: وَكَانَ ذِكْرُهُ لِمُقَارَنَتِهِ الرَّعْدَ الْمَسْمُوعَ.
-
[حاشية قليوبي]
تَحَوُّلُ الطَّرَفَيْنِ، لِأَنَّهُمَا يَسْتَمِرَّانِ عَلَى التَّغَيُّرِ.
قَوْلُهُ: (وَيُحَوِّلُ النَّاسُ) أَيْ الذُّكُورُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (الْمُشْتَمِلُ عَلَى التَّنْكِيسِ) أَيْ لِيَصِحَّ الدَّلِيلُ بَعْدَهُ، فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَنْزَعَ الثِّيَابَ) أَيْ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْعَوْدِ إلَى مَحَلِّ نَزْعِهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ الِاسْتِسْقَاءَ) أَوْ لَمْ يَكُنْ إمَامٌ وَلَا مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَهُ النَّاسُ) أَيْ نَدْبًا وَلَوْ بِالْهَيْئَةِ السَّابِقَةِ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الصَّحْرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ.
نَعَمْ يُكْرَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَيَحْرُمُ إنْ خَافُوا فِتْنَةً مِنْهُ.
قَوْلُهُ: " (وَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ جَازَ) وَكَذَا يَجُوزُ تَرْكُ الْخُطْبَةِ دُونَ الصَّلَاةِ وَعَكْسُهُ لِتَوَسُّعِهِمْ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ الصَّلَاةِ بَعْدَ السُّقْيَا.
كَمَا مَرَّ وَبِهَذَا فَارَقَ نَحْوَ الْكُسُوفِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ) أَيْ مُؤَكَّدًا.
قَوْلُهُ: (لِأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ) الْمُرَادُ بِهِ الْمَطَرُ الْأَوَّلُ فِي ابْتِدَاءِ السَّنَةِ، سَوَاءٌ أَوَّلُهُ وَوَسَطُهُ وَآخِرُهُ وَهَذَا مِنْ حَيْثُ الْآكَدِيَّةُ، وَإِلَّا فَيَنْدُبُ لِكُلِّ مَطَرٍ، وَأَوَّلُ كُلِّ مَطَرٍ آكَدُ ثُمَّ أَوْسَطُهُ وَأَسْمَاءُ كُلِّ مَطَرٍ خَمْسَةٌ فَالْأَوَّلُ الْوَسْمِيُّ ثُمَّ الْوَلِيُّ ثُمَّ الرَّسَعُ، ثُمَّ الصَّيْفُ ثُمَّ الْحَمِيمُ، وَفِي مُطَابَقَةِ الدَّلِيلِ لِلْمَدْلُولِ تَأَمُّلٌ.
قَوْلُهُ: (بِتَكْوِينِهِ) أَيْ إيجَادِهِ وَزَوْلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَكْشِفُ غَيْرَ عَوْرَتِهِ) وَهِيَ عَوْرَةُ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرَ عَوْرَةِ الْخَلْوَةِ، إنْ كَانَ خَالِيًا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْحَاجَةِ الَّتِي تُكْشَفُ لَهَا الْعَوْرَةُ، وَالْوَجْهُ أَنْ يُرَادَ هُنَا عَوْرَةُ الْمَحَارِمِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَتَوَضَّأُ) هِيَ مَانِعَةُ خُلُوٍّ فَجَمْعُهَا أَفْضَلُ ثُمَّ الْغُسْلُ، وَحْدَهُ ثُمَّ الْوُضُوءُ وَحْدَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِمَا مِنْ حَيْثُ التَّبَرُّكُ إلَى نِيَّةٍ، وَلَهُ نِيَّةُ السَّبَبِ فِيهِمَا، وَنِيَّةُ غَيْرِهِمَا، إنْ صَادَفَهُ وَيَحْصُلُ مَعَهُ كَمَا فِي التَّحِيَّةِ، وَهَذَا الْمُعْتَمَدُ، وَالنِّيلُ كَالسَّيْلِ فَيُسَنُّ الْغُسْلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ فِي أَيَّامِ الزِّيَادَةِ، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا لِلْحِكْمَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ ذِكْرُهُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ عَدَمُ نَدْبِ التَّسْبِيحِ لِلْبَرْقِ
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (فَفِي الرَّوْضَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الْمُشْتَمِلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ، وَقَلْبُ ظَهْرِ الْبَطْنِ لَا يُمَكِّنُ مَنْعَ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّحْوِيلِ، وَالتَّنْكِيسِ السَّابِقَيْنِ ثُمَّ رَأَيْت ذَلِكَ مَسْطُورًا مِنْ بَحْثِ الرَّافِعِيِّ، وَكَذَا السُّبْكِيّ فِي شَرْحِهِ لَكِنْ الْحَدِيثُ لَا إشْكَالَ فِيهِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَمْ يَنْكُسْ وَإِنَّمَا فَعَلَ لِتَحْوِيلٍ فَقَطْ، وَالْقَلْبُ مَعَهُ مُمْكِنٌ.
قَوْلُهُ: (مَبْنِيَّانِ لِلْمَفْعُولِ) أَيْ فَيَشْمَلُ ذَلِكَ الْمَأْمُومِينَ بِدَلِيلِ مَا سَاقَهُ عَنْ الرَّوْضَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ أَنْ يَبْرُزَ إلَخْ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: 9] ، قَالَ: فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تُصِيبَ الْبَرَكَةُ رَأْسِي وَرِجْلِي.
قَوْلُهُ: (رَوَى مُسْلِمٌ إلَخْ) قَالَ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِهِ اتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَصْحَابُ عَلَى
(وَلَا يُتْبِعَ بَصَرَهُ الْبَرْقَ) رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الْبَرْقَ أَوْ الْوَدْقَ فَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ.
الْوَدْقُ بِالْمُهْمَلَةِ الْمَطَرُ.
(وَيَقُولَ عِنْدَ الْمَطَرِ اللَّهُمَّ صَيِّبًا) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ مَطَرًا (نَافِعًا) رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ ذَلِكَ» . (وَيَدْعُوَ بِمَا شَاءَ) لِحَدِيثِ الْبَيْهَقِيّ «يُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصُّفُوفِ وَنُزُولِ الْغَيْثِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَرُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ» . (وَ) يَقُولَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْمَطَرِ أَيْ فِي أَثَرِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْأَصْحَابِ: (مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَيُكْرَهُ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا) بِفَتْحِ النُّونِ وَبِالْهَمْزِ آخِرَهُ أَيْ بِوَقْتِ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي إضَافَةِ الْأَمْطَارِ إلَى الْأَنْوَاءِ فَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّ النَّوْءَ هُوَ الْفَاعِلُ لِلْمَطَرِ حَقِيقَةً كَفَرَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ وَقْتٌ أَوْقَعَ اللَّهُ فِيهِ الْمَطَرَ فَهُوَ مَحَلُّ الْكَرَاهَةِ لِإِيهَامِهِ الْأَوَّلَ.
رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الصُّبْحِ عَلَى أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» .
(وَ) يُكْرَهُ (سَبُّ الرِّيحِ) رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ تَعَالَى.
أَيْ مِنْ رَحْمَتِهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا وَاسْأَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا وَاسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا» . (وَلَوْ تَضَرَّرُوا بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ رَفْعَهُ) بِأَنْ يَقُولُوا كَمَا
[حاشية قليوبي]
وَحْدَهُ، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ وَالْمُنَاسِبُ فِيهِ، أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ مَنْ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَفِي الْحَدِيثِ «بَعَثَ اللَّهُ السَّحَابَ فَنَطَقَتْ أَحْسَنَ النُّطْقِ، وَضَحِكَتْ أَحْسَنَ الضَّحِكِ، فَالرَّعْدُ نُطْقُهَا وَالْبَرْقُ ضَحِكُهَا» ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ، وَالْبَرْقَ لَمَعَانُ أَجْنِحَتِهِ الَّتِي يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَيَكُونُ الْمَسْمُوعُ صَوْتَهُ أَوْ صَوْتَ تَسْبِيحِهِ، أَوْ صَوْتَ سَوْقِهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ: إنَّ الرَّعْدَ صَوْتُ اصْطِكَاكِ السَّحَابِ، وَالْبَرْقَ مَا يَتَقَدَّمُ ذَلِكَ الِاصْطِكَاكَ، فَقَوْلُهُ وَذُكِرَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: (لِمُقَارَنَتِهِ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبُرُلُّسِيُّ أَيْ لَا لِكَوْنِهِ يُشْرَعُ لَهُ، ذِكْرٌ مُسْتَقِلٌّ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (الرَّعْدَ الْمَسْمُوعَ) يُفِيدُ أَنَّ الْأَصَمَّ لَا يُسَبِّحُ لِلرَّعْدِ، إلَّا أَنْ يُرَادَ مَا شَأْنُهُ السَّمَاعُ، فَيَشْمَلُهُ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُشِيرُ) شَامِلٌ لِلْإِشَارَةِ بِغَيْرِ الْبَصَرِ فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْوَدْقَ إلَخْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ لَا يُشِيرُونَ إلَيْهِ، وَيَقُولُونَ عِنْدَهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ.
قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ) أَيْ نَدْبًا وَثَلَاثًا.
قَوْلُهُ: (صَيِّبًا) مِنْ صَابَ يَصُوبُ إذَا نَزَلَ إلَى أَسْفَلَ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالسِّينِ بِمَعْنَى الْعَطَاءِ.
قَوْلُهُ: (بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ) وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا، وَهُوَ الْأَنْسَبُ مَعَ السِّينِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْتِقَاءِ الصُّفُوفِ) الْمُرَادُ بِهَا الْمُقَارَنَةُ وَبِالصُّفُوفِ الْجِهَادُ، وَبِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ أَلْفَاظُهَا أَوْ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ إلَخْ) وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ كَمَا فِي الذَّبْحِ لِإِبْهَامِ الْفَاعِلِينَ هُنَاكَ، وَانْفِرَادِ النَّوْءِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (بِنَوْءٍ) لَوْ قَالَ فِي نَوْءِ كَذَا، لَمْ يُكْرَهْ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ: (بِوَقْتِ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ) أَيْ بِوَقْتِ سُقُوطِ مَنْزِلَةٍ مِنْ الْمَنَازِلِ فِي الْأُفُقِ الْغَرْبِيِّ الْمُقَارِنِ، لِطُلُوعِ نَظِيرَتِهَا مِنْ الْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ، فِي مُدَّةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَفِي الْحَقِيقَةِ أَنَّ إضَافَةَ الْمَطَرِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إنَّمَا هِيَ لِلطَّالِعَةِ، وَإِنَّمَا نُسِبَ لِلْغَارِبَةِ نَظَرًا لِاسْمِ النَّوْءِ الَّذِي هُوَ السُّقُوطُ.
قَوْلُهُ: (كَفَرَ) أَيْ حَقِيقَةً كَمَا فِي الْحَدِيثِ، لِأَنَّ فِيهِ اعْتِقَادَ التَّأْثِيرِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (أَثَرِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِفَتْحِهِمَا.
قَوْلُهُ: (لِإِيهَامِهِ الْأَوَّلَ) أَيْ إنَّهُ فَاعِلٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْفَاعِلَ مَحْذُوفٌ، وَنَائِبَهُ ضَمِيرُهُ مُطِرْنَا وَبِنَوْءِ ظَرْفُ لَغْوٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لِإِيهَامِ السَّبَبِيَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْفَاعِلِيَّةِ
. قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ سَبُّ الرِّيحِ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَيُطْلَبُ الدُّعَاءُ عِنْدَهَا لِمَا وَرَدَ، أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ: عِنْدَ هُبُوبِهَا.
اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مِنْ رَحْمَتِهِ) أَيْ فِي الْوَاقِعِ وَنِسْبَةُ الْعَذَابِ إلَيْهَا، فِي الظَّاهِرِ لَا يُنَافِيهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مَجْمُوعُهَا.
قَوْلُهُ (بِكَثْرَةِ) بِتَثْلِيثِ الْكَافِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَقُولُوا) أَيْ نَدْبًا لِأَنَّ الدُّعَاءَ بِرَفْعِ الضَّرَرِ
[حاشية عميرة]
التَّخْصِيصِ، بَلْ ظَاهِرُ الثَّانِي الْعُمُومُ.
قَوْلُهُ: (لِمُقَارَنَتِهِ الرَّعْدَ الْمَسْمُوعَ) يَعْنِي ذُكِرَ لِأَجْلِ الْمُقَارَنَةِ لَا لِأَنَّهُ يُشْرَعُ لِأَجْلِهِ تَسْبِيحٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (صَيِّبًا) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مِنْ صَابَ يَصُوبُ إذَا نَزَلَ مِنْ عُلُوٍّ إلَى أَسْفَلَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ «اللَّهُمَّ سَيْبًا» وَهُوَ الْعَطَاءُ.
قَوْلُهُ: (كَافِرٌ بِي) أَيْ حَقِيقَةً إنْ اعْتَقَدَ التَّأْثِيرَ أَوْ كَافِرٌ بِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إنْ لَمْ يَعْتَقِدْ التَّأْثِيرَ
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَسَبُّ الرِّيحِ) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا عَصَفَتْ الرِّيحُ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا شُكِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا» ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَيْ اجْعَلْ الْمَطَرَ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالْمَرَاعِي لَا فِي الْأَبْنِيَةِ وَنَحْوِهَا.
(وَلَا يُصَلَّى لِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِعَدَمِ وُرُودِ الصَّلَاةِ لَهُ.
بَابٌ بِالتَّنْوِينِ (إنْ تَرَكَ) الْمُكَلَّفُ.
(الصَّلَاةَ) الْمَعْهُودَةَ الصَّادِقَةَ بِإِحْدَى الْخَمْسِ.
(جَاحِدًا وُجُوبَهَا) بِأَنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ.
(كَفَرَ) لِإِنْكَارِهِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ بِخِلَافِ مَنْ أَنْكَرَهُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ لِجَوَازِ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ فَلَمْ يَعْلَمْهُ (أَوْ) تَرَكَهَا (كَسَلًا قُتِلَ حَدًّا) لَا كُفْرًا، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ» الْحَدِيثَ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقَالَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ فَلَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ، «وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ كَافِرٌ» . (وَالصَّحِيحُ قَتْلُهُ بِصَلَاةٍ فَقَطْ) لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ (بِشَرْطِ إخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ) فِيمَا لَهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ بِأَنْ تُجْمَعَ مَعَ الثَّانِيَةِ فِي وَقْتِهَا فَلَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الظُّهْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا بِتَرْكِ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، وَيُقْتَلُ فِي الصُّبْحِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَفِي الْعَصْرِ بِغُرُوبِهَا، وَفِي الْعِشَاءِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ كَالشَّرْحِ: فَيُطَالَبُ بِأَدَائِهَا إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا وَيُتَوَعَّدُ بِالْقَتْلِ إنْ أَخْرَجَهَا عَنْ الْوَقْتِ فَإِنْ أَصَرَّ
[حاشية قليوبي]
مَطْلُوبٌ، وَلَيْسَ مُنَافِيًا لِلتَّوَكُّلِ وَالتَّفْوِيضِ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُصَلَّى لِذَلِكَ) أَيْ الصَّلَاةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بَلْ يُصَلَّى لَهُ فُرَادَى كَمَا مَرَّ فِي الزَّلَازِلِ، وَالرِّيَاحِ.
بَابٌ هُوَ أَنْسَبُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْفَصْلِ، لِأَنَّهُ فِي الْفَرْضِ، وَلِأَنَّهُ تَرْكٌ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَعْبِيرِهِ بِالْبَابِ قَبْلَهُ، وَقُدِّمَ عَلَى الْجَنَائِزِ تَبَعًا لِلْمُزَنِيِّ وَالْجُمْهُورِ، لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِصَلَاةٍ فِي الْحَيَاةِ فَهُوَ أَنْسَبُ مِنْ ذِكْرِ الْوَجِيزِ، وَالشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ لَهُ بَعْدَهَا وَمِنْ ذِكْرِ جَمَاعَةٍ لَهُ أَوَائِلَ الصَّلَاةِ، وَدُفِعَ بِذِكْرِ التَّنْوِينِ تَوَهُّمُ الْإِضَافَةِ لِفَسَادِهَا، إلَّا أَنْ يُرَادَ الْإِضَافَةُ لِلْجُمْلَةِ.
قَوْلُهُ: (الصَّلَاةَ) خَرَجَ غَيْرُهَا فَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ يُقَاتَلُ عَلَيْهِمَا، وَالصَّوْمُ يُحْبَسُ وَيُمْنَعُ الْأَكْلَ حَتَّى يَصُومَ، كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (الْخَمْسِ) خَرَجَ بِهَا النَّافِلَةُ وَالْمَنْذُورَةُ وَلَوْ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ أَنْكَرَهُ إلَخْ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْجَحْدِ لُغَةً وَجَحْدُ رُكْنٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أَوْ شَرْطٍ كَذَلِكَ، وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ التَّرْكِ وَالْجَحْدِ، عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ لَازِمٌ لِلثَّانِي.
قَوْلُهُ: (كَسَلًا) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ أَوْ تَهَاوُنًا.
قَوْلُهُ: (فِيمَا لَهَا إلَخْ) أَفَادَ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِوَقْتِ الضَّرُورَةِ، وَقْتُ الْعُذْرِ، لِأَنَّ وَقْتَ الضَّرُورَةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ.
قَوْلُهُ: (فَيُطَالَبُ) أَيْ يُطَالِبُهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِي ذَلِكَ فَلَا عِبْرَةَ بِطَلَبِ غَيْرِهِمَا، وَالتَّوَعُّدُ بِالْقَتْلِ، إنْ لَمْ يَفْعَلْ كَالْأَمْرِ وَلَا يَحْتَاجُ لِجَمْعِهِمَا خِلَافًا لِمَا فِي الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا) مُتَعَلِّقٌ -
[حاشية عميرة]
شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ»
[بَابٌ تَرَكَ الْمُكَلَّفُ الصَّلَاةَ الْمَعْهُودَةَ الصَّادِقَةَ بِإِحْدَى الْخَمْسِ جَاحِدًا وُجُوبَهَا]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بَابٌ) عَبَّرَ فِي الْمُحَرَّرِ بِفَصْلٍ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا، ثُمَّ خَطَّ عَلَيْهِ وَعَبَّرَ الْبَابَ، وَقُدِّمَ عَلَى الْجَنَائِزِ تَبَعًا لِلْمُزَنِيِّ وَالْجُمْهُورِ، وَفِيهِ مُنَاسَبَةٌ وَذَكَرَهُ فِي الْوَجِيزِ بَعْدَهَا، وَتَبِعَهُ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ) يَخْرُجُ بِهِ نَحْوُ قَرِيبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ كَمَا سَيَأْتِي، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أُمُورِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، الْمَعْلُومَةِ بِالضَّرُورَةِ، وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ عَلَى عِبَارَةِ الْمَتْنِ مُؤَاخَذَةً، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْجَحْدَ كَافٍ فِي الْكُفْرِ، وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ التَّرْكُ، ثُمَّ عِبَارَةُ الشَّيْخِ تَشْمَلُ جَحْدَ الْجُمُعَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ لَنَا قَوْلًا بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالْحَنَفِيُّ يُخَالِفُ فِي وُجُوبِهَا عَلَى أَهْلِ الْقُرَى.
قَوْلُهُ: (لِإِنْكَارِهِ إلَخْ) أَيْ فَيَكُونُ تَكْذِيبًا لِلشَّارِعِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هُنَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ خُرُوجُ الْوَقْتِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَضِيقُهُ بِحَيْثُ يَبْقَى مَا لَا يَسَعُ الْفِعْلَ، وَضِيقُهُ عَنْ رَكْعَةٍ، وَقَدْ قِيلَ بِكُلٍّ وَإِلَّا وُجِّهَ عَلَى مَا أَوْضَحْته فِي الْمُهِمَّاتِ اعْتِبَارُ الرَّكْعَةِ.
وَقَوْلُهُ: (إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا) هَذَا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا فِيهَا فَيُطَالَبُ عِنْدَ
وَأَخْرَجَ اسْتَوْجَبَ الْقَتْلَ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَوْجَهُ إنَّمَا يُقْتَلُ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ، وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا إذَا ضَاقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ، وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا إذَا تَرَكَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ، وَامْتَنَعَ عَنْ الْقَضَاءِ إذَا تَرَكَ قَدْرًا يَظْهَرُ بِهِ لَنَا اعْتِيَادُهُ لِلتَّرْكِ.
(وَيُسْتَتَابُ) عَلَى الْكُلِّ قَبْلَ الْقَتْلِ وَتَكْفِي الِاسْتِتَابَةُ فِي الْحَالِ، وَفِي قَوْلٍ: يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهُمَا فِي الِاسْتِحْبَابِ، وَقِيلَ فِي الْوُجُوبِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الِاسْتِتَابَةَ فِي الْحَالِ أَوْ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَقِيلَ وَاجِبَةٌ.
(ثُمَّ يُضْرَبُ عُنُقُهُ) بِالسَّيْفِ إنْ لَمْ يَتُبْ (وَقِيلَ: يُنْخَسُ بِحَدِيدَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ) وَقِيلَ: يُضْرَبُ بِالْخَشَبِ حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ (وَيُغَسَّلُ) وَيُكَفَّنُ (وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُطْمَسُ قَبْرُهُ) وَقِيلَ: لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُكَفَّنُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِذَا دُفِنَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ طُمِسَ قَبْرُهُ حَتَّى يُنْسَى وَلَا يُذْكَرَ
(تَتِمَّةٌ) تَارِكُ الْجُمُعَةِ يُقْتَلُ، فَإِنْ قَالَ أُصَلِّيهَا ظُهْرًا، فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: لَا يُقْتَلُ، وَأَقَرَّهُ الرَّافِعِيُّ، وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَزَادَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الشَّاشِيِّ أَنَّهُ يُقْتَلُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَهُوَ الْقَوِيُّ.
[حاشية قليوبي]
بِأَدَائِهَا فَتَكْفِي الْمُطَالَبَةُ، وَلَوْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، إلَى أَنْ يَبْقَى بَعْدَ الْأَمْرِ، مَا يَسَعُهَا بِطُهْرِهَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَصَرَّ) أَيْ لَمْ يَفْعَلْ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، وَخَرَجَ بِالتَّوَعُّدِ الْمَذْكُورِ مَا تَرَكَهُ قَبْلَهُ، وَلَوْ غَالِبَ عُمُرِهِ فَلَا قَتْلَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَالِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَالِاسْتِحْبَابِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ فِي الْوُجُوبِ) أَيْ كَالْمُرْتَدِّ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، فَوَجَبَ إنْقَاذُهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يُضْرَبُ عُنُقُهُ) أَيْ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فِي ذَلِكَ، لَا غَيْرِهِمَا وَلَوْ مِنْ أَهْلِ السَّطْوَةِ فَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُمَا، بَعْدَ الْأَمْرِ، وَلَوْ قَبْلَ خُرُوجٍ لِوَقْتٍ، وَلَيْسَ مِثْلُهُ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ إلَّا أَنْ قَتَلَهُ فِي حَالَةِ جُنُونِهِ أَوْ سُكْرِهِ
. قَوْلُهُ: (تَارِكُ الْجُمُعَةِ يُقْتَلُ) أَيْ إنْ تَرَكَهَا فِي مَحَلٍّ مُجْمَعٍ عَلَى وُجُوبِهَا فِيهِ، كَالْأَمْصَارِ لَا الْقُرَى لِعَدَمِ وُجُوبِهَا فِيهَا، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا لَا يُقْتَلُ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ لِذَلِكَ، وَلَا يُقْتَلُ بِهَا حَتَّى يَبْقَى مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ، مَا لَا يَسَعُ خُطْبَتَيْهَا وَرَكْعَتَيْهَا لَا قَبْلَهُ، وَإِنْ أَيِسَ مِنْهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَوْ أَمْكَنَهُ إدْرَاكُهَا فِي غَيْرِ بَلَدِهِ، لَا يَبْعُدُ الْوُجُوبُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ يُقْتَلُ) مَا لَمْ يَتُبْ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالْفِعْلِ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ أُصَلِّي، فَإِنْ قَالَ: صَلَّيْت أَوْ تَرَكْتهَا لِعُذْرٍ، كَعَدَمِ الْمَاءِ صُدِّقَ، فَلَا يُقْتَلُ.
وَإِنْ ظَنَّ كَذِبَهُ لَكِنْ يُؤْمَرُ، بِأَنْ يُصَلِّيَ وُجُوبًا فِي الْعُذْرِ الْبَاطِلِ، وَنَدْبًا فِي غَيْرِهِ.
(تَتِمَّةٌ) قَالَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَنْ ادَّعَى أَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى حَالَةً، أَسْقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةَ أَوْ أَبَاحَتْ لَهُ الْخَمْرَ، أَوْ أَكْلَ مَالَ النَّاسِ، كَزَعْمِ بَعْضِ الْمُتَصَوِّفَةِ، فَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ بَلْ قَتْلُ مِثْلِهِ، أَفْضَلُ مِنْ قَتْلِ مِائَةِ كَافِرٍ، لِأَنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
-
[حاشية عميرة]
ضِيقِ الْوَقْتِ، عَنْ فِعْلِهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَصَرَّ وَأَخْرَجَ إلَخْ) اقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ انْتَفَى التَّوَعُّدُ الْمَذْكُورُ، فَلَا قَتْلَ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ التَّوَعُّدُ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ التَّوَعُّدَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ مَثَلًا، ثُمَّ تَوَعَّدَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ عَلَى الظُّهْرِ، فَلَا قَتْلَ.
قَوْلُهُ: (أَوْجُهٌ) وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوَاحِدَةَ يُحْتَمَلُ تَرْكُهَا لِشُبْهَةِ الْجَمْعِ، وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الثَّلَاثَ أَقَلُّ الْجَمْعِ، فَيُغْتَفَرُ لِاحْتِمَالِ عُذْرٍ وَوَجْهُ الثَّالِثِ، احْتِمَالُ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى تَأْوِيلٍ مِنْ «تَرْكِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ، أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ» قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ.
قَوْلُهُ: (إذَا ضَاقَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ إلَخْ) اُنْظُرْ عَلَى هَذَا إذَا تَرَكَ الصُّبْحَ مَثَلًا، فَهَلْ نَقُولُ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَخْرُجَ الظُّهْرُ عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ، أَوْ لَا يُعْتَبَرُ هُنَا وَقْتُ الضَّرُورَةِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ الْفِعْلُ فِي كُلٍّ مِنْ الْفَرْضَيْنِ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهِ، أَمْ يَخْتَصُّ بِالثَّانِي.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَدَائِهَا) الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ الثَّانِيَةِ
. قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَتُبْ) اسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْحَدَّ هُنَا شَرْطُهُ دَوَامُ الِامْتِنَاعِ.
(فَرْعٌ) تَارِكُ الْجُمُعَةِ لَا يَسْقُطُ قَتْلُهُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ، لِأَنَّ فِعْلَ الظُّهْرِ لَيْسَ قَضَاءً لَهَا بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، فَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِالْقَضَاءِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّوْبَةَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ لَا تَتَحَقَّقُ، إلَّا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا فِي الْجُمُعَةِ فَتُحَقَّقُ بِالتَّوْبَةِ فَقَطْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ يَمُوتَ) أَيْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حَمْلُهُ عَلَى الصَّلَاةِ لَا قَتْلُهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُغَسَّلُ إلَخْ) أَيْ كَسَائِرِ أَرْبَابِ الْكَبَائِرِ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْحَدَّ يُسْقِطُ الْعُقُوبَةَ الْأُخْرَوِيَّةَ، كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ بِالْفَتْحِ جَمْعُ جِنَازَةٍ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ فِي النَّعْشِ، مِنْ جَنَزَهُ أَيْ سَتَرَهُ، وَذُكِرَ هُنَا دُونَ الْفَرَائِضِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الصَّلَاةِ.
(لِيُكْثِرَ) كُلُّ مُكَلَّفٍ (ذِكْرَ الْمَوْتِ) اسْتِحْبَابًا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» يَعْنِي الْمَوْتَ، حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، زَادَ النَّسَائِيّ: «فَإِنَّهُ مَا يُذْكَرُ فِي كَثِيرٍ إلَّا قَلَّلَهُ وَلَا قَلِيلٍ إلَّا كَثَّرَهُ» أَيْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَمَلِ وَالدُّنْيَا، وَقَلِيلٍ مِنْ الْعَمَلِ.
وَهَاذِمُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ قَاطِعُ.
(وَيَسْتَعِدَّ) لَهُ (بِالتَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ) إلَى أَهْلِهَا بِأَنْ يُبَادِرَ إلَيْهِمَا فَلَا يَخَافُ مِنْ فَجْأَةِ الْمَوْتِ الْمُفَوِّتِ لَهُمَا، وَصَرَّحَ بِرَدِّ الْمَظَالِمِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ التَّوْبَةِ لِئَلَّا يَغْفُلَ عَنْهُ.
(وَالْمَرِيضُ آكَدُ) بِمَا ذُكِرَ أَيْ أَشَدُّ طَلَبًا بِهِ مِنْ غَيْرِهِ (وَيُضْجَعُ الْمُحْتَضَرُ) أَيْ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ (لِجَنْبِهِ الْأَيْمَنِ إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ لِضِيقِ مَكَان وَنَحْوِهِ) كَعِلَّةٍ بِجَنْبِهِ (أُلْقِيَ عَلَى قَفَاهُ وَوَجْهُهُ وَأَخْمَصَاهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (لِلْقِبْلَةِ) بِأَنْ يُرْفَعَ رَأْسُهُ قَلِيلًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ الْإِلْقَاءُ الْمَذْكُورُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ.
وَوَسَّطَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِضْجَاعِ عَلَى الْأَيْمَنِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ بِالْإِضْجَاعِ عَلَى الْأَيْسَرِ إلَى الْقِبْلَةِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ إذَا قِيلَ بِالْإِلْقَاءِ عَلَى الْقَفَا أَوَّلًا فَتَعَذَّرَ
[حاشية قليوبي]
[كِتَابُ الْجَنَائِزِ]
الْمُشْتَمِلُ عَلَى بَعْضِ إفْرَادِ الصَّلَوَاتِ، الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الصَّلَاةُ عَلَى الْمَقْتُولِ بِتَرْكِهَا.
قَوْلُهُ: (اسْمٌ لِلْمَيِّتِ فِي النَّعْشِ) وَقِيلَ بِالْفَتْحِ اسْمٌ لِذَلِكَ، وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلنَّعْشِ، وَعَلَيْهِ الْمَيِّتُ وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ نِيَّةُ الْمُصَلِّي إذَا قَالَ: أُصَلِّي عَلَى هَذِهِ الْجِنَازَةِ، فَعَلَى كَوْنِهَا اسْمًا لِلنَّعْشِ، لَا تَصِحُّ النِّيَّةُ مُطْلَقًا، وَعَلَى كَوْنِهَا اسْمًا لَهُ فِي النَّعْشِ، لَا تَصِحُّ عَلَى مَيِّتٍ بِلَا نَعْشٍ، قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ، وَقَدْ هَجَرَ فَالنِّيَّةُ صَحِيحَةٌ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (لِيُكْثِرَ نَدْبًا ذِكْرَ الْمَوْتِ) أَيْ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ بِاسْتِحْضَارِهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ قَاطِعٌ) لِقَطْعِهِ مُدَّةَ الْحَيَاةِ، وَبِالْمُهْمَلَةِ مُزِيلُ الشَّيْءِ مِنْ أَصْلِهِ، كَهَدْمِ الْجِدَارِ وَالْمَوْتُ عَدَمُ الْحَيَاةِ، عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْحَيَاةُ، وَقِيلَ: عَرَضٌ يُضَادُّ الْحَيَاةَ، وَنُقِضَ بِشُمُولِهِ لِلْجَمَادِ، وَقَبْلَ مُفَارِقَةِ الرُّوحِ الْجَسَدَ، وَنُقِضَ بِإِخْرَاجِهِ لِلْجَنِينِ، قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وَالرُّوحُ جِسْمٌ لَطِيفٌ سَارٍ فِي الْبَدَنِ، كَسَرَيَانِ الْمَاءِ فِي الْعُودِ الْأَخْضَرِ، وَقِيلَ كَسَرَيَانِ النَّارِ فِي الْفَحْمِ، وَقِيلَ الدَّمُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَيَسْتَعِدَّ) أَيْ وُجُوبًا بِالتَّوْبَةِ وَلَوْ مِنْ صَغِيرَةٍ، وَإِنْ أَتَى بِمُكَفِّرٍ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ، وَتَوْبَةُ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ مَجَازٌ.
قَوْلُهُ: (وَرَدِّ الْمَظَالِمِ) أَيْ الْخُرُوجِ مِنْهَا فِي الْمَالِ، وَالْعِرْضِ وَالنَّفْسِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْهَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَزْمُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا، إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَرِيضُ آكَدُ) وَيُكْرَهُ لَهُ الْجَزَعُ وَالتَّضَجُّرُ مُطْلَقًا، وَالشَّكْوَى إلَّا لِنَحْوِ طَبِيبٍ وَصَدِيقٍ، وَلَا يُكْرَهُ لَهُ الْأَنِينُ، -
[حاشية عميرة]
[تَتِمَّةٌ تَارِكُ الْجُمُعَةِ]
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
قَوْلُهُ: (اسْتِحْبَابًا) وَأَمَّا الْمَعْطُوفُ الْآتِي فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ عَلَى عِبَارَةِ الْمَتْنِ نَوْعُ مُؤَاخَذَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) وَقَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ نَقْلًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ مَعْنَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَشَرْطِ مُسْلِمٍ أَنَّهُمَا لَا يُخَرِّجَانِ، لَا الْحَدِيثَ الْمُجْمَعَ عَلَى ثِقَةِ نَقْلَتِهِ إلَى الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ قَاطِعٌ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَأَمَّا بِالْإِهْمَالِ فَهُوَ الْمُزِيلُ لِلشَّيْءِ مِنْ أَصْلِهِ، وَقَوْلُ الْمَتْنِ وَرَدُّ الْمَظَالِمِ، أَوْلَى مِنْهُ أَنْ يَقُولَ وَالْخُرُوجَ مِنْ الْمَظَالِمِ، لِيَشْمَلَ إبْرَاءَ صَاحِبِهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ) أَيْ أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَوْلُهُ: (وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ إلَخْ) أَيْ
يُضْجَعُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ.
وَالْأَخْمَصَانِ هُمَا أَسْفَلُ الرِّجْلَيْنِ، وَحَقِيقَتُهُمَا الْمُنْخَفِضُ مِنْ أَسْفَلِهِمَا، قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ.
(وَيُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ) أَيْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: الْمُرَادُ ذَكِّرُوا مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ.
(بِلَا إلْحَاحٍ) لِئَلَّا يَضْجَرَ، وَلَا يُقَالُ لَهُ: قُلْ، بَلْ يَتَشَهَّدُ عِنْدَهُ، وَلْيَكُنْ غَيْرَ وَارِثٍ لِئَلَّا يَتَّهِمَهُ بِالِاسْتِعْجَالِ لِلْإِرْثِ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُ الْوَرَثَةِ لَقَّنَهُ أَشْفَقُهُمْ عَلَيْهِ.
وَإِذَا قَالَهَا مَرَّةً لَا تُعَادُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهَا.
وَنُقِلَ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُلَقَّنُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَيْضًا.
قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ.
(وَيُقْرَأُ عِنْدَهُ ﴿يس﴾ [يس: 1] قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ ﴿يس﴾ [يس: 1] » رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ: الْمُرَادُ بِهِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ.
(وَلْيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: «لَا يَمُوتَن أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى» أَيْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَرْحَمُهُ وَيَعْفُو عَنْهُ.
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ عِنْدَهُ تَحْسِينُ ظَنِّهِ وَتَطْمِيعُهُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
(فَإِذَا مَاتَ غُمِّضَ) وَإِلَّا لَبَقِيَتْ عَيْنَاهُ مَفْتُوحَتَيْنِ وَقَبُحَ مَنْظَرُهُ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دَخَلَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَخَصَ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: إنَّ الرُّوحَ إذَا
[حاشية قليوبي]
وَاشْتِغَالُهُ بِذِكْرٍ أَوْ قُرْآنٍ أَوْلَى مِنْهُ، وَيُنْدَبُ لَهُ تَعَهُّدُ نَفْسِهِ بِتِلَاوَةٍ وَذِكْرٍ وَحِكَايَةِ الصَّالِحِينَ، وَوَصِيَّةِ أَهْلِهِ بِالصَّبْرِ وِتْرِك نَحْوِ نَوْحٍ وَنَدْبٍ وَغَيْرِهِمَا، وَتَحْسِينُ خَلْقِهِ، وَاسْتِرْضَاءُ مَنْ لَهُ بِهِ عَلَاقَةٌ مِنْ خِدْمَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ، وَتَرْكُ الْمُنَازَعَةِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، وَتُنْدَبُ عِيَادَتُهُ، وَلَوْ مِنْ نَحْوِ رَمَدٍ، وَإِنَّ لَمْ يَعْرِفْهُ وَلَوْ كَافِرًا رُجِيَ إسْلَامُهُ، أَوْ لَهُ قَرَابَةٌ أَوْ جِوَارٌ، إلَّا جَازَتْ وَتُكْرَهُ لِنَحْوِ مُبْتَدِعٍ، وَتُكْرَهُ إطَالَتُهَا وَتَكْرَارُهَا، إلَّا لِتَأَنُّسٍ وَنَحْوِهِ كَتَبَرُّكٍ، وَيُنْدَبُ أَمْرُهُ بِالصَّبْرِ وَوَعْدُهُ بِالْأَجْرِ، وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالشِّفَاءِ، وَمِنْهُ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، أَنْ يَشْفِيَك بِشِفَائِهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَأَنْ يُرَغِّبُهُ عَائِدُهُ فِي الْوَصِيَّةِ، وَالتَّوْبَةِ وَأَنْ يَطْلُبَ الدُّعَاءَ مِنْهُ، وَأَنْ يُوصِيَ خَادِمَهُ بِالرِّفْقِ بِهِ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُضْجَعُ) أَيْ نَدْبًا بَعْدَ التَّلْقِينِ الْآتِي، إنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فُعِلَا مَعًا.
قَوْلُهُ: (وَيُلَقَّنُ) نَدْبًا وَلَوْ صَبِيًّا هُنَا لَا بَعْدَ الدَّفْنِ وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) وَلَا يُنْدَبُ الرَّفِيقُ الْأَعْلَى، كَمَا وَقَعَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ: (وَلَا يُقَالُ لَهُ قُلْ) وَلَا اشْهَدْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ كَوْنُهَا آخِرَ كَلَامِهِ، لِيَفُوزَ بِهَا مَعَ السَّابِقِينَ، أَوْ بِعَدَمِ الْحِسَابِ أَوْ بِتَقَدُّمِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُلْ مِثْلَهُ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ الْحَدِيثُ.
نَعَمْ يَجِبُ تَلْقِينُ الشَّهَادَتَيْنِ، لِكَافِرٍ رُجِيَ إسْلَامُهُ، وَيُقَالُ لَهُ قُلْ.
قَوْلُهُ: (لِئَلَّا يَتَّهِمَهُ) أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إرْثٌ، وَيَنْبَغِي تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالتُّهْمَةِ لِغَيْرِ الْوَارِثِ.
قَوْلُهُ: (أَشْفَقُهُمْ) إنْ وُجِدَ وَإِلَّا تَرَكَهُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهَا) وَلَوْ بِأُخْرَوِيٍّ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (لَا يَقْرَأُ عَلَيْهِ) أَيْ عَادَةً بَلْ يَقْرَأُ عِنْدَهُ، وَلَا مَانِعَ مِنْ الْأَوَّلِ كَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، وَيُنْدَبُ قِرَاءَةُ سُورَةِ الرَّعْدِ عِنْدَهُ أَيْضًا، لِتَسْهِيلِهَا خُرُوجَ الرُّوحِ، وَلِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ، أَنَّهُ يَمُوتُ رَيَّانًا، وَيَدْخُلُ قَبْرَهُ رَيَّانًا وَيَخْرُجُ مِنْهُ رَيَّانًا، وَيُنْدَبُ أَنْ يُجَرَّعَ مَاءً، خُصُوصًا لِمَنْ ظَهَرَ مِنْهُ أَمَارَةُ طَلَبِهِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِيهِ بِمَاءٍ، وَيَقُولُ لَهُ: قُلْ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا حَتَّى أَسْقِيَك.
قَوْلُهُ: (بِثَلَاثٍ) أَيْ مِنْ الْأَيَّامِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ عِنْدَهُ) أَيْ لِلْحَاضِرِينَ عِنْدَ الْمَرِيضِ مِنْ النَّاسِ.
(فَائِدَةٌ) قَدْ دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ يَحْضُرُ مَوْتَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، مَا لَمْ يَمُتْ جُنُبًا.
قَوْلُهُ: (تَحْسِينُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ) نَدْبًا، وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَى مَنْ رَأَى مِنْهُ يَأْسًا وَقُنُوطًا، وَالرَّجَاءُ لَهُ أَوْلَى كَالصَّحِيحِ إنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْيَأْسُ، وَإِلَّا فَالْخَوْفُ لَهُ أَوْلَى، وَإِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْأَمْنُ، وَإِلَّا اسْتَوَيَا.
نَعَمْ الْأَوْلَى لِلْمَرِيضِ تَقْدِيمُ الرَّجَاءِ وَعَكْسُهُ.
[حاشية عميرة]
فَلَيْسَ الْخِلَافُ رَاجِعًا لِلِاسْتِقْبَالِ أَيْضًا، كَمَا يُوهِمُهُ الْمَتْنُ.
قَوْلُهُ: (وَحَقِيقَتُهُمَا) أَيْ وَهَذِهِ الْحَقِيقَةُ لَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ إلَخْ) قِيلَ عُمُومُ الْكَلَامِ يَشْمَلُ الصَّغِيرَ الْمُمَيِّزَ، لَكِنْ قِيَاسُ عَدَمِ تَلْقِينِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَدَمُهُ هُنَا، وَفَرَّقَ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّهُ هُنَا لِلْمَصْلَحَةِ فَيُفْعَلُ، وَهُنَاكَ لِلْفِتْنَةِ وَهُوَ لَا يُفْتَنُ، بَلْ بَحَثَ وُجُوبُهُ عَلَى الْوَلِيِّ كَتَعْلِيمِ الشَّرَائِعِ.
قَوْلُهُ: (وَلْيَكُنْ غَيْرَ وَارِثٍ) لَوْ كَانَ فَقِيرًا لَا شَيْءَ لَهُ فَالْوَجْهُ أَنَّ الْوَارِثَ كَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهَا) لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنْ يَكُونَ آخَرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ: لَا يُعِيدُهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِكَلَامِ الدُّنْيَا أَيْ بِخِلَافِ التَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ اهـ.
وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ نَظَرًا لِلْغَرَضِ السَّابِقِ، وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ» بَحَثَ فِي الْخَادِمِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ أَعَمَّ مِنْ اللَّفْظِيِّ وَالنَّفْسَانِيِّ، وَأَنَّهُ لَوْ نَطَقَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّوْحِيدِ يَكْفِي، كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى» . قَوْلُهُ: (لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ) وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، أَنْ يُلَقِّنَهُ الشَّهَادَتَيْنِ أَوَّلًا ثُمَّ يَقْتَصِرَ بَعْدَ ذَلِكَ، عَلَى لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ إلَخْ) زَادَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، ثُمَّ قَالَ:
قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ» قَالَ الْمُصَنِّفُ: نَاظِرٌ أَيْنَ تَذْهَبُ، وَقُبِضَ خَرَجَ مِنْ الْجَسَدِ، وَشَخَصَ بَصَرُهُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَضَمِّ الرَّاءِ شَخَصَ، أَيْ بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْخَاءِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَيُسْتَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ حَالَ إغْمَاضِهِ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَشُدَّ لَحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ) عَرِيضَةٍ تُرْبَطُ فَوْقَ رَأْسِهِ لِئَلَّا يَبْقَى فَمُهُ مُنْفَتِحًا فَتَدْخُلَهُ الْهَوَامُّ.
(وَلُيِّنَتْ مَفَاصِلُهُ) فَيُرَدُّ سَاعِدُهُ إلَى عَضُدِهِ وَسَاقُهُ إلَى فَخْذِهِ وَفَخِذُهُ إلَى بَطْنِهِ، ثُمَّ يَمُدُّهَا وَيُلَيَّنُ أَصَابِعُهُ أَيْضًا وَذَلِكَ لِيُسْهِلَ غُسْلُهُ فَإِنَّ فِي الْبَدَنِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الرُّوحِ بَقِيَّةَ حَرَارَةٍ إذَا لُيِّنَتْ الْمَفَاصِلُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَانَتْ، وَإِلَّا لَمْ يُمْكِنْ تَلْيِينُهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
(وَسُتِرَ جَمِيعُ بَدَنِهِ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ) بَعْدَ نَزْعِ ثِيَابِهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَيُجْعَلُ طَرَفُ الثَّوْبِ تَحْتَ رَأْسِهِ وَطَرَفُهُ الْآخَرُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ لِئَلَّا يَنْكَشِفَ، وَاحْتَرَزَ بِالْخَفِيفِ عَنْ الثَّقِيلِ فَإِنَّهُ يَحْمِيهِ فَيُغَيِّرُهُ.
رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «سُجِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ» ، هُوَ بِالْإِضَافَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ.
وَسُجِّيَ: غُطِّيَ جَمِيعُ بَدَنِهِ.
(وَوُضِعَ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ) كَمِرْآةٍ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَدِيدٌ فَطِينٌ رَطْبٌ، وَيُصَانُ الْمُصْحَفُ عَنْهُ.
(وَوُضِعَ عَلَى سَرِيرٍ وَنَحْوِهِ) لِئَلَّا يُصِيبَهُ نَدَاوَةُ الْأَرْضِ فَتُغَيِّرَهُ.
(وَنُزِعَتْ) عَنْهُ (ثِيَابُهُ) الَّتِي مَاتَ فِيهَا بِحَيْثُ لَا يُرَى بَدَنُهُ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، فَإِنَّهَا تُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادَ فِيمَا حُكِيَ.
(وَوُجِّهَ لِلْقِبْلَةِ كَمُحْتَضَرٍ) وَقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ تَوْجِيهِهِ (وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ) جَمِيعَهُ (أَرْفَقُ مَحَارِمِهِ) بِهِ بِأَسْهَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيَتَوَلَّاهُ الرِّجَالُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءُ مِنْ النِّسَاءِ، فَإِنْ تَوَلَّاهُ الرِّجَالُ مِنْ نِسَاءِ الْمَحَارِمِ، أَوْ النِّسَاءُ مِنْ رِجَالِ الْمَحَارِمِ جَازَ.
(وَيُبَادَرُ) بِفَتْحِ الدَّالِ (بِغُسْلِهِ إذَا تَيَقَّنَ مَوْتُهُ) بِظُهُورِ أَمَارَاتِهِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ كَأَنْ تَسْتَرْخِيَ قَدَمَاهُ فَلَا تَنْتَصِبَا أَوْ يَمِيلَ أَنْفُهُ أَوْ يَنْخَسِفَ صُدْغَاهُ، وَإِنْ شَكَّ فِي مَوْتِهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ بِهِ عِلَّةٌ، وَاحْتُمِلَ عُرُوضُ سَكْتَةٍ أَوْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ فَزَعٍ أَوْ غَيْرِهِ أُخِّرَ إلَى الْيَقِينِ بِتَغَيُّرِ الرَّائِحَةِ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَغُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ فُرُوضُ كِفَايَةٍ) فِي حَقِّ الْمَيِّتِ
[حاشية قليوبي]
(فَائِدَةٌ) الظَّنُّ أَقْسَامٌ وَاجِبٌ كَحُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ، وَحَرَامٌ كَسُوءِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ، وَبِالْمُسْلِمِ الظَّاهِرِ الْعَدَالَةِ، وَمُبَاحٌ كَمَنْ يُخَالِطُ الرَّيْبَ، وَيَتَجَاهَرُ بِالْخَبَائِثِ، وَمِنْ الْجَائِزِ ظَنُّ الشُّهُودِ وَتَقْوِيمُ الْأَمْوَالِ وَأَرْشُ الْجِنَايَاتِ.
قَوْلُهُ: (نَاظِرٌ) وَلَوْ أَعْمَى وَبَقَاءُ النَّظَرِ بَعْدَ مُفَارِقَةِ الرُّوحِ، غَيْرُ بَعِيدٍ لِبَقَاءِ حَرَارَةِ الْبَدَنِ، خُصُوصًا فِي عُضْوٍ أَقْرَبَ إلَى مَحَلِّ خُرُوجِ الرُّوحِ، لِأَنَّهَا تَدْخُلُ وَتَخْرُجُ مِنْ الْيَافُوخِ، وَالْعَيْنُ آخِرُ شَيْءٍ، تُنْزَعُ مِنْهُ الرُّوحُ وَأَوَّلُ شَيْءٍ تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ، وَأَوَّلُ شَيْءٍ يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ.
قَوْلُهُ: (وَلُيِّنَتْ مَفَاصِلُهُ) وَلَوْ بِنَحْوِ دُهْنٍ تُوقَفُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُغَسَّلْ وَالْعِلَّةُ لِلْأَغْلَبِ قَوْلُهُ: (جَمِيعِ بَدَنِهِ) إلَّا رَأْسَ الْمُحْرِمِ وَوَجْهَ الْمُحْرِمَةِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ نَزْعِ ثِيَابِهِ) وَلَوْ نَبِيًّا وَشَهِيدًا وَالْعِلَّةُ لِلْغَالِبِ، وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، بِمَا فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُرَاجَعْ، وَتُرَدُّ ثِيَابُ الشَّهِيدِ إلَيْهِ، كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (عَلَى بَطْنِهِ) أَيْ فَوْقَ مَا سُتِرَ بِهِ بَدَنُهُ أَوْ تَحْتَهُ.
قَوْلُهُ: (ثَقِيلٌ) نَحْوَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا فَأَكْثَرَ، وَكَوْنُهُ مِنْ الْحَدِيدِ أَوْلَى كَمَا ذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُصَانُ الْمُصْحَفُ عَنْهُ) وُجُوبًا إنْ خِيفَ تَنَجُّسُهُ وَإِلَّا فَنَدْبًا، وَكُتُبُ الْعِلْمِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عَلَى سَرِيرٍ) وَإِنَّ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى أَرْضٍ وَالْعِلَّةُ لِلْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: (وَنُزِعَتْ) أَيْ قَبْلَ سَتْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَوُجِّهَ لِلْقِبْلَةِ) فَيُشَدُّ مَا ثَقُلَ بِهِ بَطْنُهُ بِنَحْوِ خِرْقَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ جَمِيعَهُ) أَيْ التَّغْمِيضَ وَمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَوَلَّاهُ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالزَّوْجُ كَالْمُحْرِمِ، وَيَجُوزُ مِنْ الْأَجَانِبِ مَعَ غَضِّ الْبَصَرِ بِلَامِسٍ، وَاسْتَبْعَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَيُبَادَرُ) أَيْ وُجُوبًا إنْ خِيفَ تَغَيُّرُهُ بِالتَّأْخِيرِ وَإِلَّا فَنَدْبًا.
قَوْلُهُ: (إذَا تَيَقَّنَ مَوْتَهُ) قَالَ شَيْخُنَا: هُوَ رَاجِعٌ إلَى التَّغْمِيضِ وَمَا بَعْدَهُ، وَإِنْ خَالَفَهُ ظَاهِرُ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ تَسْتَرْخِيَ قَدَمَاهُ) وَيَنْخَلِعَ كَفَّاهُ، وَتَتَقَلَّصَ خُصْيَتَاهُ وَتَسْتَرْخِيَ جِلْدَتَاهُمَا قَوْلُهُ: (أُخِّرَ) أَيْ وُجُوبًا.
قَوْلُهُ (فُرُوضُ كِفَايَةٍ) وَإِنْ تَكَرَّرَ مَوْتُهُ بَعْدَ حَيَاةٍ
[حاشية عميرة]
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْهُ لَهُ.
قَوْلُهُ (إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ إلَخْ) .
(فَائِدَةٌ) قِيلَ: إنَّ الْعَيْنَ آخِرُ شَيْءٍ تُنْزَعُ مِنْهُ الرُّوحُ وَأَوَّلُ شَيْءٍ يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَنُزِعَتْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: كَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُ هَذَا عَلَى مَا سَلَفَ اهـ. أَقُولُ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى هَذَا فِيمَا سَلَفَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَغُسْلُهُ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يَسْقُطُ بِفِعْلِ
الْمُسْلِمِ بِالْإِجْمَاعِ.
أَمَّا الْكَافِرُ فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ فِي فَرْعِ الْأَوْلِيَاءِ.
(وَأَقَلُّ الْغُسْلِ تَعْمِيمُ بَدَنِهِ) مَرَّةً (بَعْدَ إزَالَةِ النَّجَسِ) عَنْهُ إنْ كَانَ، كَذَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا أَيْضًا فَلَا يَكْفِي لَهُمَا غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْحَيِّ أَنَّ الْغَسْلَةَ لَا تَكْفِيهِ عَنْ النَّجَسِ وَالْحَدَثِ، وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهَا تَكْفِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغُسْلِ، وَكَأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِدْرَاكَ هُنَا لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ هُنَاكَ.
(وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْغَاسِلِ) أَيْ لَا تُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْغُسْلِ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْقَصْدَ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ النَّظَافَةُ، وَهِيَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ.
وَالثَّانِي يَجِبُ لِأَنَّهُ غُسْلٌ وَاجِبٌ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فَيَنْوِي عِنْدَ إفَاضَةِ الْمَاءِ الْقَرَاحِ الْغُسْلَ الْوَاجِبَ أَوْ غُسْلَ الْمَيِّتِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (فَيَكْفِي) عَلَى الْأَصَحِّ (غَرَقُهُ) عَنْ الْغُسْلِ (أَوْ غُسْلُ كَافِرٍ) لَهُ (قُلْت:) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ وُجُوبُ غُسْلِ الْغَرِيقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ فَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنَّا إلَّا بِفِعْلِنَا.
(وَالْأَكْمَلُ وَضْعُهُ بِمَوْضِعٍ خَالٍ) مِنْ النَّاسِ (مَسْتُورٍ) عَنْهُمْ لَا يَدْخُلُهُ إلَّا الْغَاسِلُ وَمَنْ يُعِينُهُ وَالْوَلِيُّ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَتِرُ عِنْدَ الِاغْتِسَالِ فَيَسْتَتِرُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِبَعْضِ بَدَنِهِ مَا يُكْرَهُ ظُهُورُهُ، وَقَدْ تَوَلَّى غُسْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيٌّ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ يُنَاوِلُ الْمَاءَ، وَالْعَبَّاسُ وَاقِفٌ، ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ.
(عَلَى لَوْحٍ) أَوْ سَرِيرٍ هِيَ لِذَلِكَ وَلِيَكُنْ مَوْضِعُ رَأْسِهِ أَعْلَى لِيَنْحَدِرَ الْمَاءُ عَنْهُ وَلَا يَقِفُ تَحْتَهُ.
(وَيُغَسَّلُ فِي قَمِيصٍ) يُلْبَسُ عِنْدَ غُسْلِهِ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُ، وَقَدْ «غُسِّلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَمِيصٍ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَلِيَكُنْ الْقَمِيصُ سَحِيقًا أَوْ بَالِيًا، وَيُدْخِلُ الْغَاسِلُ يَدَهُ فِي كُمِّهِ إنْ كَانَ وَاسِعًا يَغْسِلُهُ مِنْ تَحْتِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَتَقَ رُءُوسَ الدَّخَارِيصِ وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي مَوْضِعِ الْفَتْقِ، فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ قَمِيصٌ أَوْ لَمْ يَتَأَتَّ غُسْلُهُ فِيهِ سُتِرَ مِنْهُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ نَظَرِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْمَنْثُورَةِ.
(بِمَاءٍ بَارِدٍ) لِأَنَّهُ يَشُدُّ الْبَدَنَ بِخِلَافِ الْمُسَخَّنِ فَإِنَّهُ يُرْخِيهِ إلَّا أَنْ يُحْتَاجَ إلَيْهِ لِوَسَخٍ
[حاشية قليوبي]
حَقِيقَةٍ، وَيَحْرُمُ تَرْكُهَا عَلَى مَنْ عَلِمَ بِهِ، وَغَيْرِ قَرِيبٍ، وَعَلَى جَارٍ قَصَّرَ فِي عِلْمِهِ بِعَدَمِ الْبَحْثِ عَنْهُ.
(تَنْبِيهٌ) مَشْرُوعِيَّةُ الْغُسْلِ وَالْحَنُوطِ وَالسِّدْرِ وَالْكَافُورِ، وَكَوْنِ الثِّيَابِ وِتْرًا وَالْحَفْرِ وَالصَّلَاةِ، بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَلَا تَعَارُضَ، أَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَسَّلَتْ آدَمَ، وَصَلَّتْ عَلَيْهِ وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ فِي الْقَبْرِ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ غَائِبًا النَّجَاشِيُّ.
قَوْلُهُ: (بَدَنِهِ) وَمِنْهُ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ
. قَوْلُهُ: (أَيْ لَا تُشْتَرَطُ) أَفَادَ أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْ عَدَمِ الْوُجُوبِ، الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ الْبُطْلَانُ.
قَوْلُهُ: (نِيَّةُ الْغَاسِلِ) وَلَا مَنْ يَمَّمَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّا) مَعَاشِرَ الْآدَمِيِّينَ، وَلَوْ غَيْرَ الْمُكَلَّفِينَ، وَمِنْهُمْ الْمَيِّتُ لَوْ غَسَّلَ نَفْسَهُ كَرَامَةً، وَالْجِنُّ كَالْآدَمِيِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ، وَالصَّلَاةُ كَالْغُسْلِ.
نَعَمْ يَكْفِي تَكْفِينُ الْمَلَائِكَةِ، وَدَفْنُهُمْ لِوُجُودِ السِّتْرِ.
قَوْلُهُ: (مَسْتُورٍ) وَتَحْتَ سَقْفٍ كَمَا فِي الْأُمِّ، وَيُنْدَبُ كَمَا فِي وَقْتِ مَوْتِهِ، أَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ فِي أَوَّلِ وَضْعِهِ كَمَا قَالَهُ الْمُزَنِيّ عَنْ الْإِمَامِ، وَيُنْدَبُ التَّبْخِيرُ عِنْدَهُ، مِنْ وَقْتِ مَوْتِهِ، وَبَعْدَهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا.
قَوْلُهُ: (وَالْوَلِيُّ) أَيْ إنْ لَمْ تَكُنْ عَدَاوَةٌ، وَإِلَّا فَالْأَجْنَبِيُّ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَأُسَامَةُ يُنَاوِلُ الْمَاءَ) وَكَذَا شُقْرَانُ مَوْلَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُمْ خَمْسَةٌ عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ، وَشُقْرَانُ وَأُسَامَةُ وَالْعَبَّاسُ، وَكَانَتْ أَعْيُنُهُمْ مَعْصُوبَةً، وَكَانَ مَوْتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحْوَةَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ، وَكَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَصَلُّوا عَلَيْهِ فُرَادَى خِلَافًا لِمَا فِي الْمَجْمُوعِ، لِأَنَّهُ الْإِمَامُ وَلَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً بَعْدُ يُجْعَلُ إمَامًا وَجُمْلَةُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ سِتُّونَ أَلْفًا، وَمِنْ غَيْرِهِمْ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمُّهُ الْعَبَّاسُ، ثُمَّ بَنُو هَاشِمٍ ثُمَّ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ الْأَنْصَارُ ثُمَّ أَهْلُ الْقُرَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ الرِّجَالُ ثُمَّ الصِّبْيَانُ، وَمَاتَ عَنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، كُلُّهُمْ لَهُ صُحْبَةٌ، خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ، وَمَنْ قَالَ: إنَّهُمْ صَلُّوا عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَمَّى اللَّيْلَةَ يَوْمًا بِالتَّغْلِيبِ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِلَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ الَّتِي تَلِيهِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (سَرِيرٍ) وَيُنْدَبُ رَفْعُهُ إنْ خِيفَ الرَّشَّاشُ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ «غُسِّلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَمِيصٍ» ) وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي تَجْرِيدِهِ، أَوْ
[حاشية عميرة]
الْمُمَيِّزِ، مَعَ وُجُودِ الرِّجَالِ، كَنَظِيرِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَلَى لَوْحٍ) رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسِّلَ عَلَى سَرِيرٍ، وَأَنَّهُ اسْتَمَرَّ إلَى أَنْ غُسِّلَ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَحُمِلَ عَلَيْهِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِمَاءٍ بَارِدٍ) وَاسْتَحَبَّ
أَوْ بَرْدٍ، وَفِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَكُونُ الْمَاءُ فِي إنَاءٍ كَبِيرٍ، وَيُبْعَدُ عَنْ الْمُغْتَسَلِ بِحَيْثُ لَا يُصِيبُهُ رَشَّاشُهُ.
(وَيُجْلِسُهُ الْغَاسِلُ) بِرِفْقٍ.
(عَلَى الْمُغْتَسَلِ مَائِلًا إلَى وَرَائِهِ، وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى كَتِفِهِ وَإِبْهَامَهُ فِي نُقْرَةِ قَفَاهُ) لِئَلَّا يَمِيلَ رَأْسُهُ (وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى وَيُمِرُّ يَسَارَهُ عَلَى بَطْنِهِ إمْرَارًا بَلِيغًا لِيَخْرُجَ مَا فِيهِ) مِنْ الْفَضَلَاتِ وَيَكُونُ عِنْدَهُ حِينَئِذٍ مِجْمَرَةٌ مُتَّقِدَةٌ فَائِحَةُ الطِّيبِ، وَالْمُعِينُ يَصُبُّ عَلَيْهِ مَاءً كَثِيرًا لِئَلَّا تَظْهَرَ رَائِحَةُ مَا يَخْرُجُ.
(ثُمَّ يُضْجِعُهُ لِقَفَاهُ وَيَغْسِلُ بِيَسَارِهِ وَعَلَيْهَا خِرْقَةٌ) مَلْفُوفَةٌ بِهَا (سَوْأَتَيْهِ) أَيْ دُبُرَهُ وَقُبُلَهُ وَمَا حَوْلَهُ كَمَا يَسْتَنْجِي الْحَيُّ.
وَفِي النِّهَايَةِ وَالْوَسِيطِ أَنَّهُ يَغْسِلُ كُلَّ سَوْأَةٍ بِخِرْقَةٍ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ، لَكِنْ الَّذِي ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ الْأَوَّلُ، وَيَتَعَهَّدُ مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ قَذَرٍ وَنَحْوِهِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ إلْقَاءِ الْخِرْقَةِ وَغَسْلِ يَدِهِ بِمَاءٍ وَأُشْنَانٍ.
(يَلُفُّ) خِرْقَةً (أُخْرَى) عَلَى الْيَدِ (وَيُدْخِلُ أُصْبُعَهُ فَمَهُ وَيُمِرُّهَا عَلَى أَسْنَانِهِ) بِشَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ كَمَا يَسْتَاكُ الْحَيُّ وَلَا يَفْتَحُ فَاهُ.
(وَيُزِيلُ مَا فِي مَنْخِرَيْهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْخَاءِ (مِنْ أَذًى) بِأُصْبُعِهِ مَعَ شَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ.
(وَيُوَضِّئُهُ كَالْحَيِّ) ثَلَاثًا ثَلَاثًا بِمَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْشَاقٍ، وَقِيلَ: يُسْتَغْنَى عَنْهُمَا بِمَا تَقَدَّمَ، وَيُمِيلُ رَأْسَهُ فِيهِمَا لِئَلَّا يَصِلَ الْمَاءُ بَاطِنَهُ، وَلِخَوْفِ ذَلِكَ حَكَى الْإِمَامُ تَرَدُّدًا فِي أَنَّهُ يَكْفِي وُصُولُ الْمَاءِ مَقَادِيمَ الثَّغْرِ وَالْمَنْخِرَيْنِ، أَوْ يُوصَلُ الدَّاخِلَ، وَقَطَعَ بِأَنَّ أَسْنَانَهُ لَوْ كَانَتْ مُتَرَاصَّةً لَا تُفْتَحُ.
(ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ثُمَّ لِحْيَتَهُ بِسِدْرٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ خِطْمِيٍّ (وَيُسَرِّحُهُمَا) إنْ تَلَبَّدَ شَعْرُهُمَا (بِمُشْطٍ وَاسِعِ الْأَسْنَانِ بِرِفْقٍ) لِيَقِلَّ الِانْتِتَافُ (وَيَرُدُّ الْمُنْتَتَفَ إلَيْهِ) بِأَنْ يُوضَعَ فِي كَفَنِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ قُبَيْلَ بَابِ التَّكْفِينِ عَنْ الْبَغَوِيّ وَغَيْرِهِ (وَيَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ثُمَّ الْأَيْسَرَ) الْمُقْبِلَيْنِ مِنْ عُنُقِهِ إلَى قَدَمِهِ (ثُمَّ يُحَرِّفُهُ) بِالتَّشْدِيدِ (إلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ مِمَّا يَلِي الْقَفَا وَالظَّهْرِ إلَى الْقَدَمِ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيَغْسِلُ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ فَهَذِهِ) الْأَغْسَالُ الْمَذْكُورَةُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ -
[حاشية قليوبي]
لَا فَغَشِيَهُمْ جَمِيعًا النُّعَاسُ، فَسَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ: لَا تُجَرِّدُوا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَرِيرُهُ الَّذِي غُسِّلَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَمَرَّ بَعْدَهُ مَوْجُودًا، إلَى أَنْ غُسِّلَ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَحُمِلَ عَلَيْهِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بِمَاءٍ بَارِدٍ) وَأَوْلَاهُ الْمِلْحُ وَيُقَدَّمُ غَيْرُ مَاءِ زَمْزَمَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فِي إنَاءٍ كَبِيرٍ) يُغْرَفُ مِنْهُ بِصَغِيرٍ إلَى مُتَوَسِّطٍ يَصُبُّ بِهِ فَالْآنِيَةُ ثَلَاثَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُجْلِسُهُ إلَخْ) لَا يَخْفَى مَرْجِعُ هَذِهِ الضَّمَائِرِ.
قَوْلُهُ: (بَلِيغًا) أَيْ مِنْ حَيْثُ تَكْرَارُهُ لَا شِدَّتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَبِخِرْقَةٍ) مَلْفُوفَةٍ وُجُوبًا إلَّا فِي حَقِّ الزَّوْجَيْنِ، فَنَدْبًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِجَوَازِ الْمَسِّ، وَالنَّظَرِ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (الْأَوَّلُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَغَسْلِ يَدَيْهِ) أَيْ إنْ تَلَوَّثَتْ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْيَدِ) أَيْ الْيُسْرَى.
قَوْلُهُ: (أُصْبُعَهُ) أَيْ السَّبَّابَةَ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَسْتَاكُ الْحَيُّ) مِنْ حَيْثُ الْإِمْرَارُ إذْ الْأَوْلَى فِي الْحَيِّ أَنْ يَكُونَ بِعُودٍ، وَفِي بَاطِنِ الْأَسْنَانِ.
قَوْلُهُ: (بِأُصْبُعِهِ) أَيْ الْخِنْصَرِ مِنْ الْيُسْرَى، وَيُزِيلُ مَا تَحْتَ أَظَافِيرِهِ إنْ لَمْ يُقَلِّمُهَا.
قَوْلُهُ: (وَيُوَضِّئُهُ كَالْحَيِّ) يُفِيدُ وُجُوبَ النِّيَّةِ فِيهِ، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ نَدْبَهَا، كَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ وَيَكْفِيهِ فِيهِ نِيَّةُ سُنَّةِ الْغُسْلِ.
قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَلَا يُنْدَبُ تَكْرِيرُ الْوُضُوءِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَيُسَرِّحُهُمَا) أَيْ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ.
قَوْلُهُ: (إنْ تَلَبَّدَ) لَيْسَ قَيْدًا لِلْحُكْمِ قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: قَيْدٌ لِطَلَبِ التَّسْرِيحِ مُطْلَقًا.
وَقَالَ شَيْخُنَا: قَيْدٌ فِي كَوْنِ الْمِشْطِ وَاسِعَ الْأَسْنَانِ.
قَوْلُهُ: (فِي كَفَنِهِ) نَدْبًا وَدَفْنُهُ وَاجِبٌ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يُحَرِّفُهُ) وَيَحْرُمُ كَبُّهُ عَلَى وَجْهِهِ احْتِرَامًا لَهُ، وَإِنْ كُرِهَ لَهُ حَيًّا لِأَنَّهُ حَقُّهُ.
قَوْلُهُ: (مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ إلَخْ) أَيْ فَالْمُرَادُ الْمَاءُ الْقَرَاحُ فِيهَا، كَمَا فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالسِّدْرُ، وَنَحْوَهُ الْمَذْكُورُ هُنَا مِنْ جُمْلَةِ الِاسْتِعَانَةِ الْآتِيَةِ، قَدَّمَهُ عَلَى مَحَلِّهِ كَمَا
[حاشية عميرة]
الْمَاوَرْدِيُّ وَالصَّيْمَرِيُّ كَوْنَهُ مَالِحًا.
قَوْلُهُ: (إنْ تَلَبَّدَ) وَكَذَا إنْ لَمْ يَتَلَبَّدْ لِإِزَالَةِ مَا فِي أُصُولِهِ مِنْ السِّدْرِ، وَمَا عَسَاهُ يَكُونُ مِنْ الْوَسَخِ.
قَوْلُهُ: (بِمِشْطٍ) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا، وَبِضَمِّهَا مَعَ الشِّينِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْأَيْمَنِ) أَيْ لِلْحَدِيثِ وَأَمَّا الشِّقَّانِ الْمُقْبِلَانِ فَلِشَرَفِهِمَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَهَذِهِ غَسْلَةٌ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ لَك فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ كَيْفِيَّتَيْنِ، إحْدَاهُمَا غُسْلُهُ بِالسِّدْرِ ثُمَّ يُزَالُ، وَهَكَذَا ثَانِيًا وَثَالِثًا، ثُمَّ
عَنْ السِّدْرِ وَنَحْوِهِ فِيهَا غَسْلَةٌ (وَيُسْتَحَبُّ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً) فَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ النَّظَافَةُ زِيدَ حَتَّى تَحْصُلَ، فَإِنْ حَصَلَتْ بِشَفْعٍ اُسْتُحِبَّ الْإِيتَارُ بِوَاحِدَةٍ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يُسْتَعَانَ فِي الْأُولَى بِسِدْرٍ أَوْ خِطْمِيٍّ) بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَحُكِيَ فَتْحُهَا لِلتَّنْظِيفِ وَالْإِنْقَاءِ، وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ.
(ثُمَّ يَصُبُّ مَاءَ قَرَاحٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ أَيْ خَالِصٍ (مِنْ فَرْقِهِ إلَى قَدَمِهِ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ) أَوْ نَحْوِهِ بِالْمَاءِ فَلَا تُحْسَبُ غَسْلَةُ السِّدْرِ وَلَا مَا أُزِيلَ بِهِ مِنْ الثَّلَاثِ لِتَغَيُّرِ الْمَاءِ بِهِ التَّغَيُّرِ السَّالِبِ لِلطَّهُورِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُحْسَبُ مِنْهَا غَسْلَةُ الْمَاءِ الْقَرَاحِ، فَيَكُونُ الثَّلَاثُ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ فَيَسْقُطُ الْوَاجِبُ بِأُولَاهَا.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَجْعَلَ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ) مِنْ الثَّلَاثِ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ.
(قَلِيلَ كَافُورٍ) بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ الْمَاءَ لِأَنَّ رَائِحَتَهُ تَطْرُدُ الْهَوَامَّ، وَهُوَ فِي الْأَخِيرَةِ آكَدُ وَيُلَيِّنُ مَفَاصِلَهُ بَعْدَ الْغُسْلِ ثُمَّ يُنَشَّفُ تَنْشِيفًا بَلِيغًا لِئَلَّا تَبْتَلَّ أَكْفَانُهُ فَيَسْرَعَ إلَيْهِ الْفَسَادُ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِغَاسِلَاتِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا وَاغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ مِنْهُنَّ: وَمَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَفِي رِوَايَةٍ فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا» ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ خَمْسًا " إلَى آخِرِهِ هُوَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ فِي النَّظَافَةِ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ مَعَ رِعَايَةِ -
[حاشية قليوبي]
سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ زِيدَ، أَيْ مِنْ الْمَاءِ الْقَرَاحِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُسْتَعَانَ فِي الْأُولَى) أَيْ مَعَهَا قَبْلَ فِعْلِهَا لِأَنَّهَا هِيَ الْمَذْكُورَةُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ يَصُبُّ مَاءَ قَرَاحٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ إلَخْ) أَيْ فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَهُ لِعَدَمِ طَلَبِ التَّحْرِيفِ فِيهِ كَمَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَصُبُّ إلَخْ) أَيْ يَعُمُّ بَدَنَهُ بِهِ سَوَاءٌ مَعَ تَحْرِيفٍ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (فَلَا تُحْسَبُ إلَخْ) أَيْ فَهُمَا غَسْلَتَانِ قَبْلَ ثَلَاثَةِ الْمَاءِ، الْقَرَاحِ الَّتِي يَسْقُطُ الْوَاجِبُ بِأُولَاهَا كَمَا ذَكَرَهُ، فَجُمْلَةُ مَا فِي كَلَامِهِ خَمْسُ غَسَلَاتٍ هَذَا صَرِيحُ كَلَامِ الشَّارِحِ، الَّذِي قَرَّرَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهُمْ قَرَّرَهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، كَمَا يُرَاجَعُ وَيُعْرَفُ بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ، وَيُنْدَبُ الْغَسْلَتَانِ بِالسِّدْرِ وَالْمُزِيلَةِ قَبْلَ الثَّانِيَةِ، مِنْ مَاءِ الْقَرَاحِ فَتَكُونُ الْغَسَلَاتُ سَبْعَةً، وَيُنْدَبَانِ قَبْلَ الثَّالِثَةِ أَيْضًا، فَتَكُونُ تِسْعَةً وَلَهُ تَأْخِيرُ ثَلَاثَةِ الْمَاءِ الْقَرَاحِ عَنْ السِّتَّةِ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (السَّالِبُ لِلطَّهُورِيَّةِ) أَيْ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (فَرْقِهِ) هُوَ وَسَطُ الرَّأْسِ، لِأَنَّهُ مَحَلُّ فَرْقِ الشَّعْرِ، -
[حاشية عميرة]
يُغَسَّلُ ثَلَاثًا بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَاحِدَةٌ لِلْوَاجِبِ، وَثِنْتَانِ لِلتَّثْلِيثِ، فَالْجُمْلَةُ تِسْعَةٌ الثَّانِيَةُ وَاحِدَةٌ بِالسِّدْرِ، وَأُخْرَى مُزِيلَةٌ، وَأُخْرَى بِالْقَرَاحِ، ثُمَّ تُعَادُ الثَّلَاثُ هَكَذَا ثَانِيًا وَثَالِثًا، فَالْجُمْلَةُ تِسْعٌ أَيْضًا فَالْكَيْفِيَّةُ الْأُولَى فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْإِسْنَوِيُّ وَحَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ قَرِيبٌ مِنْهَا، وَالثَّانِيَةُ فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ، وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا فِي الْمَنْهَجِ، قَالَ السُّبْكِيُّ: وَكَلَامُ الْمِنْهَاجِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهَا بِأَنْ يُجْعَلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ بِأَنْ يُقَالَ فَيَغْسِلُ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ يُصَبُّ مَاءُ قَرَاحٍ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ، فَهَذِهِ غَسْلَةٌ وَيُسْتَحَبُّ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً أَيْ كَذَلِكَ أَقُولُ، لَكِنْ يُنَافِيهِ وَأَنْ يُسْتَعَانَ فِي الْأُولَى إلَّا أَنْ يَحْمِلَ عَلَى الْأُولَى مِنْ كُلٍّ مِنْ الْغَسَلَاتِ الثَّلَاثِ، إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَسْلُكْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فَهِمَ كَيْفِيَّةً أُخْرَى حَاوَلَ حَمْلَ الْمَتْنِ عَلَيْهَا، هِيَ أَنْ يُغَسَّلَ أَوَّلًا بِالسِّدْرِ ثُمَّ يُزِيلَهُ ثُمَّ ثَلَاثًا فَبِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، فَقَوْلُهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ إلَخْ.
يُرِيدُ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالْغَسْلَةِ، هُوَ تَعْمِيمُ الْبَدَنِ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ السِّدْرِ وَمُزِيلِهِ، وَقَوْلُ الْمِنْهَاجِ وَيُسْتَحَبُّ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً أَيْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَقَوْلُهُ وَأَنْ يُسْتَعَانَ إلَى قَوْلِهِ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ، تَفْصِيلٌ وَبَيَانٌ لِمَا هُوَ الْأَكْمَلُ فِي الْأُولَى، وَإِفَادَةٌ لِأَنَّ غَسْلَةَ السِّدْرِ وَالْمُزِيلَةَ، لَا تُحْسَبُ، وَإِنَّمَا تُحْسَبُ الَّتِي بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِنْتَاجِ، فِيمَا يَأْتِي فَتَكُونُ الثَّلَاثَةُ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، يَسْقُطُ الْوَاجِبُ بِأَوَّلِهَا ثُمَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَحَاوَلَهُ هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ بَلْ لَا يُقْبَلُ غَيْرُهُ، وَكَذَا صَنَعَ فِي الْبَهْجَةِ وَالْإِرْشَادِ لَكِنْ شَارِحَاهُ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَا ذَلِكَ، نَبَّهَا عَلَى أَنَّ الْأَكْمَلَ، هُوَ الْكَيْفِيَّةُ الْأُولَى أَيْ الَّتِي اعْتَمَدَهَا الْإِسْنَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ السِّدْرِ) أَيْ الَّذِي سَلَفَ ذِكْرُهُ فِي الرَّافِعِيِّ، وَاَلَّذِي سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الْمِنْهَاجُ، أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْبَدَنِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثَانِيَةً وَثَالِثَةً) أَيْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ النَّظَافَةُ زِيدَ إلَخْ) صَرَّحَ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي غَسْلَةِ السِّدْرِ، وَمُزِيلِهِ بِأَنْ يُكَرَّرَا مَعًا، وَيَكُونُ وِتْرًا إذَا حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِشَفْعٍ، وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِلْمَقْدِسِيِّ، وَاعْلَمْ أَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْإِنْقَاءِ، إنَّمَا هِيَ فِي غَسْلَةِ السِّدْرِ وَمُزِيلَتِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْحَدِيثِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ خِلَافُ مَا يُوهِمُهُ الْإِرْشَادُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ غَسَلَاتِ الْمَاءِ الْقَرَاحِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ إلَخْ) أَيْ فَالْمُرَادُ بِالْأُولَى بَاقِي الْبَدَنِ غَيْرُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ فَرْقِهِ) هُوَ وَسَطُ الرَّأْسِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ فَرْقِ الشَّعْرِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الْمَفْرِقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا.
الْوِتْرِ لَا لِلتَّخْيِيرِ، وَقَوْلُهُ: " إنْ رَأَيْتُنَّ " أَيْ احْتَجْتُنَّ، وَكَافُ ذَلِكَ بِالْكَسْرِ خِطَابًا لِأُمِّ عَطِيَّةَ.
وَمَشَطْنَا وَضَفَرْنَا بِالتَّخْفِيفِ وَثَلَاثَةَ قُرُونٍ أَيْ ضَفَائِرَ الْقَرْنَيْنِ وَالنَّاصِيَةَ.
(وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَهُ) أَيْ الْغُسْلِ (نَجَسٌ وَجَبَ إزَالَتُهُ فَقَطْ) وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِمَا وُجِدَ (وَقِيلَ) تَجِبُ إزَالَتُهُ (مَعَ الْغُسْلِ إنْ خَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ) لِيُخْتَمَ أَمْرُهُ بِالْأَكْمَلِ (وَقِيلَ) يَجِبُ مَعَ (الْوُضُوءِ) لَا الْغُسْلِ فِي الْخَارِجِ مِنْ الْفَرْجِ كَمَا فِي الْحَيِّ.
وَأَطْلَقَ الْجُمْهُورُ الْخِلَافَ، وَأَشَارَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ إلَى تَخْصِيصِهِ بِالْخَارِجِ قَبْلَ الْإِدْرَاجِ فِي الْكَفَنِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: يُوَافِقُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ صَاحِبُ الْأَمَالِي: فَجَزَمُوا بِالِاكْتِفَاءِ بِغَسْلِ النَّجَاسَةِ بَعْدَ الْإِدْرَاجِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إطْلَاقُ الْجُمْهُورِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ الْإِدْرَاجِ
(وَيُغَسِّلُ الرَّجُلَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةَ الْمَرْأَةُ) هَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَالْأَوَّلُ فِيهِمَا الْمَنْصُوبُ.
(وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ وَزَوْجَتَهُ وَهِيَ زَوْجَهَا) أَيْ لَهُمْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَمَةِ لَا تُغَسِّلُ سَيِّدَهَا فِي الْأَصَحِّ لِانْتِقَالِهَا عَنْهُ وَالزَّوْجَةُ لَا تَنْقَطِعُ حُقُوقُهَا بِالْمَوْتِ بِدَلِيلِ التَّوَارُثِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ: «لَوْ مِتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُك وَكَفَّنْتُك» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ وَسَوَاءٌ فِي الْأَمَةِ فِي الشِّقَّيْنِ الْقِنَّةُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ.
أَمَّا الْمُكَاتَبَةُ فَلَهُ غُسْلُهَا أَيْضًا لِارْتِفَاعِ كِتَابَتِهَا بِمَوْتِهَا، وَلَيْسَ لَهَا غُسْلُهُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ غُسْلُ الْمُزَوَّجَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ وَالْمُسْتَبْرَأَةِ وَلَا لَهُنَّ غُسْلُهُ بِلَا خِلَافٍ لِحُرْمَةِ بُضْعِهِنَّ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ فِي الزَّوْجَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ فِي الشِّقَّيْنِ إلَّا أَنَّ غُسْلَ الذِّمِّيَّةِ لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ مَكْرُوهٌ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ كَالْمُهَذَّبِ عَنْ النَّصِّ، وَفِي شَرْحِهِ لِسَيِّدِ الذِّمِّيَّةِ غُسْلُهَا.
(وَيَلُفَّانِ) أَيْ السَّيِّدُ وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ.
(خِرْقَةً) عَلَى يَدِهِمَا (وَلَا مَسَّ) بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَيِّتِ، أَيْ يَنْبَغِي ذَلِكَ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ صَحَّ الْغُسْلُ، وَلَا يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي انْتِقَاضِ طُهْرِ الْمَلْمُوسِ، وَأَمَّا وُضُوءُ الْغَاسِلِ فَيُنْتَقَضُ.
(فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إلَّا أَجْنَبِيٌّ) فِي الْمَيِّتِ الْمَرْأَةِ (أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ) فِي الرَّجُلِ.
(يُمِّمَ فِي الْأَصَحِّ) إلْحَاقًا لِفَقْدِ الْغَاسِلِ بِفَقْدِ الْمَاءِ الثَّانِي بِغُسْلِ الْمَيِّتِ -
[حاشية قليوبي]
وَيُقَالُ لَهُ مَفْرَقٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ إلَخْ) وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ وَيَحْرُمُ فِعْلُهُ فِي الْمُحْرِمِ.
قَوْلُهُ: (وَكَافٍ ذَلِكَ) أَيْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْكَسْرِ، لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِمُؤَنَّثٍ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ ذَلِكُنَّ كَمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، وَأَجَابَ عَنْهُ الشَّارِحُ، بِقَوْلِهِ: خِطَابًا لِأُمِّ عَطِيَّةَ، لِأَنَّ غَيْرَهَا تَبَعٌ لَهَا فَلَمْ يَحْتَجْ لِخِطَابِهِ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ إزَالَتُهُ) أَيْ قَبْلَ الصَّلَاةِ، لِمَنْعِهِ مِنْ صِحَّتِهَا عَلَيْهِ، وَعَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وُجُوبُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يَرْتَضِهِ شَيْخُنَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَطْعُ الْخَارِجِ مِنْهُ صَلَّى عَلَيْهِ كَالْحَيِّ السَّلِسِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ) لِعَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ كَمَا لَا يُجَنَّبُ بِالْوَطْءِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ فِيهِمَا الْمَنْصُوبُ) أَيْ لِيَصِحَّ تَذْكِيرُ الْفِعْلِ فِي الثَّانِي، بِوُجُودِ الْفَاصِلِ وَالْمُرَادُ بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى.
نَعَمْ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ وَالْخُنْثَى وَلَوْ كَبِيرًا يُغَسِّلَانِ الْفَرِيقَيْنِ، وَيُغَسِّلُهُمَا الْفَرِيقَانِ قَالَ شَيْخُنَا، وَيَقْتَصِرُ فِيهِمَا عَلَى غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ وَزَوْجَتَهُ) أَيْ وَإِنْ تَزَوَّجَ نَحْوَ أُخْتِهَا، وَهِيَ زَوْجُهَا، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ غُسْلِهِ كَأَنْ، وَلَدَتْ عَقِبَ مَوْتِهِ وَالْكَلَامُ هُنَا مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ، وَسَتَأْتِي الْأَوْلَوِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لَهُ غَسْلُ الْمُزَوِّجَةِ) وَكَذَا الْمَجُوسِيَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ وَلَوْ مَسْبِيَّةً.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ فِي الزَّوْجَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ) وَكَذَا الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ، وَالضَّابِطُ فِي جَوَازِ الْغُسْلِ فِي الزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ، وَالسَّيِّدِ وَأَمَتِهِ حِلُّ الْبُضْعِ قَبْلَ الْمَوْتِ لِأَحَدِهِمَا، إلَّا فِي أَمَتِهِ الْمُكَاتَبَةِ لِمَا ذَكَرَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَيَلُفَّانِ) أَيْ نَدْبًا كَمَا مَرَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْغَاسِلُ مُتَطَهِّرًا.
قَوْلُهُ: (يَنْبَغِي) أَيْ يُنْدَبُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ) أَيْ لَمْ -
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (كَافُورًا أَوْ شَيْئًا) يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا شَكًّا مِنْ الرَّاوِي.
قَوْلُهُ: (خِطَابًا لِأُمِّ عَطِيَّةَ) أَيْ لِأَنَّ غَيْرَهَا تَبَعٌ لَهَا، وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: 83] .
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُغَسِّلُ الرَّجُلَ الرَّجُلُ) بَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ إلْحَاقَ الْأَمْرِ بِالْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ فِيهِمَا الْمَنْصُوبُ) حِكْمَةُ ذَلِكَ إفَادَةُ الِاخْتِصَاصِ هَذِهِ الْحَاشِيَةُ كَتَبْتهَا وَلَمْ أَرَ إلَى الْآنَ هَلْ لِي فِيهَا سَلَفٌ أَمْ لَا، وَفِيهَا إنَّ إفَادَةَ الِاخْتِصَاصِ إنَّمَا هِيَ فِي تَقْدِيمِ الْمَعْمُولِ عَلَى عَامِلِهِ.
وَأَمَّا كَوْنُهَا فِي تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ عَلَى الْفَاعِلِ فَلَمْ أَعْلَمْهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ) قِيَاسًا عَلَى الزَّوْجَةِ.
قَوْلُهُ: (لِانْتِقَالِهَا عَنْهُ) قَدْ يَرِدُ أُمُّ الْوَلَدِ وَيُجَابُ بِأَنَّهَا انْتَقَلَتْ عَنْهُ إلَى الْحُرِّيَّةِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّ عَلَقَتَهَا بَاقِيَةٌ.
قَوْلُهُ: (لِحُرْمَةِ بُضْعِهِنَّ) قَضِيَّةُ هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنَّهُ لَا يُغَسِّلُ الْمَجُوسِيَّةَ وَالْوَثَنِيَّةَ، وَكُلَّ أَمَةٍ يَحْرُمُ بُضْعُهَا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ السَّيِّدُ) أَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ أَيْ الْحَلِيلُ وَالزَّوْجَةُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ) لَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ، وَهُنَاكَ
فِي ثِيَابِهِ، وَيَلُفُّ الْغَاسِلُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً وَيَغُضُّ طَرْفَهُ مَا أَمْكَنَهُ، فَإِنْ اضْطَرَّ إلَى النَّظَرِ نَظَرَ لِلضَّرُورَةِ.
(وَأَوْلَى الرِّجَالِ بِهِ) أَيْ بِالرَّجُلِ فِي غُسْلِهِ (أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ) عَلَيْهِ وَهُمْ رِجَالُ الْعَصَبَاتِ مِنْ النَّسَبِ ثُمَّ الْوَلَاءِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَنْظُرُ مِنْهُ إلَى مَا لَا يَنْظُرُونَ، وَهُوَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَبَعْدَهُمْ ذَوُو الْأَرْحَامِ، ثُمَّ الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ، ثُمَّ الزَّوْجَةُ، ثُمَّ النِّسَاءُ الْمَحَارِمُ.
وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الزَّوْجَةُ عَلَى الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ.
(وَ) أَوْلَى النِّسَاءِ (بِهَا) أَيْ بِالْمَرْأَةِ فِي غُسْلِهَا (قَرَابَاتُهَا وَيُقَدَّمْنَ عَلَى زَوْجٍ فِي الْأَصَحِّ) وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ مِنْهَا إلَى مَا لَا يَنْظُرْنَ إلَيْهِ.
(وَأَوْلَاهُنَّ ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ) وَهِيَ مَنْ لَوْ قُدِّرَتْ ذَكَرًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا، فَإِنْ اسْتَوَتْ اثْنَتَانِ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ فَالَّتِي فِي مَحَلِّ الْعُصُوبَةِ أَوْلَى كَالْعَمَّةِ مَعَ الْخَالَةِ وَاَللَّوَاتِي لَا مَحْرَمِيَّةَ لَهُنَّ يُقَدَّمُ مِنْهُنَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْقَرَابَاتِ ذَوَاتُ الْوَلَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ثُمَّ (الْأَجْنَبِيَّةُ ثُمَّ رِجَالُ الْقَرَابَةِ كَتَرْتِيبِ صَلَاتِهِمْ قُلْت إلَّا ابْنَ الْعَمِّ وَنَحْوَهُ) وَهُوَ قَرِيبٌ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ (فَكَالْأَجْنَبِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) فَلَا حَقَّ لَهُ فِي غُسْلِهَا بِلَا خِلَافٍ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَالَ: نَبَّهَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُ وَأَهْمَلَهُ الْأَكْثَرُونَ.
(وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى رِجَالِ الْقَرَابَةِ (الزَّوْجُ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُمْ ذُكُورٌ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَى مَا لَا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، وَالثَّانِي يُقَدَّمُونَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ تَدُومُ، -
[حاشية قليوبي]
يُوجَدُ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ فِيهِ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ بِسَمَاعِ النِّدَاءِ، أَوْ فِي مَحَلٍّ يُطْلَبُ الْمَاءُ مِنْهُ أَوْ بِمَحَلِّ الْغَيْبَةِ الْآتِي كُلٌّ مُحْتَمَلٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَيِّتِ الْمَرْأَةِ) وَمِثْلُهَا الْأَمْرَدُ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ.
قَوْلُهُ: (يَمَّمَ) بِنِيَّةٍ نَدْبًا كَالْغُسْلِ وَلَوْ صَرَفَ الْوُضُوءَ، أَوْ الْغُسْلَ أَوْ التَّيَمُّمَ لِغَيْرِهِ، عِنْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَنْصَرِفْ وَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِ نَجَاسَةٍ عَلَيْهِ، وَلَوْ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ قَبْلَ التَّيَمُّمِ وَيُقَدَّمُ غَسْلُهَا عَلَيْهِ، إنْ قَلَّ الْمَاءُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ إزَالَتُهَا دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ، فَإِنْ تَيَسَّرَ قَبْلَ دَفْنِهِ، وَجَبَ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي مَرَّةٍ يُنْبَشُ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَلَوْ وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ لِفَقْدِهِ، وَجَبَ غُسْلُهُ وَإِعَادَةُ الصَّلَاةِ إنْ غَلَبَ وُجُودُ الْمَاءِ كَالْحَيِّ، وَوُجُودُ الْمُغَسِّلِ كَوُجُودِ الْمَاءِ فِيمَا ذَكَرَ.
(فَرْعٌ) لَوْ أَمْكَنَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ الْغُسْلُ بِلَا مَسٍّ، وَلَا نَظَرٍ وَجَبَ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ.
قَوْلُهُ: (أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الدَّرَجَةُ، كَمَا فِي الْمَنْهَجِ لِيُخْرِجَ بِهِ الصِّفَةَ كَالسِّنِّ وَالْفِقْهِ.
قَالَ شَيْخُنَا: كَشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَهَذَا التَّرْتِيبُ مَنْدُوبٌ إلَّا فِي التَّفْوِيضِ، لِغَيْرِ الْجِنْسِ فَوَاجِبٌ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ تُقَدَّمُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِمْ) وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا بَعْدَهُمْ، وَذِكْرُ الشَّارِحُ لِهَذِهِ مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الرِّجَالِ لِفَهْمِهِ أَنَّ الرِّجَالَ لَيْسُوا قَيْدًا.
قَوْلُهُ: (وَبَعْدَهُمْ ذَوُو الْأَرْحَامِ) أَيْ بَعْدَ بَيْتِ الْمَالِ إنْ انْتَظَمَ.
قَوْلُهُ: (ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ) أَيْ مِنْ حَيْثُ النَّسَبُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ اسْتَوَتْ اثْنَتَانِ إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ تَقْدِيمُ مَنْ فِي مَحَلِّ الْعُصُوبَةِ، إنْ بَعُدَتْ عَلَى غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَعْدَ الْقَرَابَاتِ) تَقَدَّمَ فِي الرَّجُلِ تَقْدِيمُ ذَوِي الْوَلَاءِ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَقِيَاسُهُ هُنَا تَقْدِيمُ ذَوَاتِ الْوَلَاءِ عَلَى ذَوَاتِ الْأَرْحَامِ فَرَاجِعْهُ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ الْقَرَابَاتِ تَبَعًا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ ذَلِكَ، صَرِيحٌ فِي صِحَّتِهِ لُغَةً خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ إلَخْ) وَيُؤَخَّرُ عَنْ
[حاشية عميرة]
كَافِرٌ وَامْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ غَسَّلَهُ الْكَافِرُ وَصَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (يُمِّمَ فِي الْأَصَحِّ) اُنْظُرْ لَوْ كَانَ عَلَى الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ نَجَاسَةٌ مَاذَا يَفْعَلُ؟ ثُمَّ رَأَيْته فِي شَرْحِ الرَّوْضِ قَالَ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُزِيلُهَا لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَوْلَى النِّسَاءِ) هَذَا الَّذِي قَدَّرَهُ الشَّارِحُ هُوَ الْمُرَادُ وَإِنْ كَانَ قَضِيَّةُ الْعِبَارَةِ، وَأَوْلَى الرِّجَالِ بِهَا قَرَابَاتُهَا، ثُمَّ التَّعْبِيرُ بِالْقَرَابَاتِ نَظَرَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُؤَلِّفَ تَوَهَّمَ أَنَّ الْقَرَابَةَ خَاصَّةٌ بِالْأُنْثَى.
الثَّانِي أَنَّ الْقَرَابَاتِ مِنْ كَلَامِ الْعَوَامّ، كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُجْمَعُ إلَّا إذَا اخْتَلَفَ نَوْعُهُ، وَأَيْضًا فَهِيَ مَصْدَرٌ، وَقَدْ أَطْلَقَهَا عَلَى الْأَشْخَاصِ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ إنَّهَا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الرَّحِمِ، تَقُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ وَقُرْبٌ، وَتَقُولُ ذُو قَرَابَتِي، وَلَا تَقُولُ هُمْ قَرَابَتِي وَلَا هُمْ قَرَابَاتِي، وَالْعَامَّةُ تَقُولُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ قُلْ: هُوَ قَرِيبِي، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ اهـ.
(فَائِدَةٌ) مَذْهَبُنَا أَنَّ الْمَوْتَ مُحَرِّمٌ لِلنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ فِي حَقِّ الزَّوْجَيْنِ دُونَ النَّظَرِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ أَوْلَى النِّسَاءِ يَنْدَفِعُ بِهِ إشْكَالُ الْإِسْنَوِيِّ الْأَوَّلِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ) رُبَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ عُمُومِهِ أَنَّ بِنْتَ الْعَمِّ الْبَعِيدَةَ إذَا كَانَتْ أُمًّا مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ أُخْتًا تُقَدَّمُ عَلَى بِنْتِ الْعَمِّ الْقَرِيبَةِ، وَلَكِنْ الظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَحْرَمِيَّةُ مِنْ حَيْثُ النَّسَبُ، وَلِذَا لَمْ يُعَبِّرْ بِالرَّضَاعِ هُنَا بِالْكُلِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَعْدَ الْقَرَابَاتِ ذَوَاتُ الْوَلَاءِ إلَخْ) اقْتَضَى هَذَا أَنَّ ذَوَاتِ الْأَرْحَامِ يُقَدَّمْنَ هُنَا عَلَى ذَوَاتِ الْوَلَاءِ،
وَالنِّكَاحُ يَنْتَهِي بِالْمَوْتِ ثُمَّ كُلُّ مَنْ قُدِّمَ شَرْطُهُ الْإِسْلَامُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ قَاتِلًا لِلْمَيِّتِ.
(وَلَا يَقْرَبُ الْمُحْرِمُ طِيبًا) كَالْكَافُورِ فِي غُسْلِهِ وَكَفَنِهِ.
(وَلَا يُؤْخَذُ شَعْرُهُ وَظُفْرُهُ) إبْقَاءً لِأَثَرِ الْإِحْرَامِ، «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي مَاتَ وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَهُ بِعَرَفَةَ: لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
(وَتُطَيَّبُ الْمُعْتَدَّةُ) الَّتِي كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الطِّيبُ بِأَنْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ.
(فِي الْأَصَحِّ) لِزَوَالِ الْمَعْنَى الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الطِّيبِ وَهُوَ التَّفَجُّعُ عَلَى زَوْجِهَا وَالتَّحَرُّزُ عَنْ الرِّجَالِ، وَالثَّانِي يُسْتَصْحَبُ التَّحْرِيمُ قِيَاسًا عَلَى الْمُحْرِمِ، وَرُدَّ بِأَنَّ التَّحَرُّمَ فِي الْمُحْرِمِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَزُولُ بِالْمَوْتِ (وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَخْذُ ظُفْرِهِ وَشَعْرِ إبْطِهِ وَعَانَتِهِ وَشَارِبِهِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ كَالرُّويَانِيِّ: وَلَا يُسْتَحَبُّ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ أَوْ الْكَثِيرِينَ الْجَدِيدُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَالْحَيِّ، وَالْقَدِيمُ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّ مَصِيرَهُ إلَى الْبِلَى.
(قُلْت: الْأَظْهَرُ كَرَاهَتُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّ أَجْزَاءَ الْمَيِّتِ مُحْتَرَمَةٌ فَلَا تُنْتَهَكُ، بِهَذَا قَالَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ فِيهِ شَيْءٌ مُعْتَمَدٌ، وَنَقَلَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَرَاهَتَهُ عَنْ الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ هُنَا بِالْأَظْهَرِ وَفِي الرَّوْضَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَتُفْعَلُ هَذِهِ الْأُمُورُ قَبْلَ الْغُسْلِ.
(فَصْلٌ: يُكَفَّنُ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا) مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ لِلْمَرْأَةِ وَغَيْرِ حَرِيرٍ لِلرَّجُلِ، وَيَحْرُمُ تَكْفِينُهُ بِالْحَرِيرِ، وَيُكْرَهُ تَكْفِينُهَا بِهِ لِلسَّرَفِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيُعْتَبَرُ فِيهِ حَالُ الْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ مُكْثِرًا فَمِنْ جِيَادِ الثِّيَابِ أَوْ مُتَوَسِّطًا فَمِنْ وَسَطِهَا، أَوْ مُقِلًّا فَمِنْ -
[حاشية قليوبي]
الْأَجْنَبِيَّاتِ.
قَوْلُهُ: (شَرْطُهُ الْإِسْلَامُ) وَالْحُرِّيَّةُ الْكَامِلَةُ وَعَدَمُ الْقَتْلِ، وَعَدَمُ عَدَاوَةٍ وَفِسْقٍ وَصِبًا وَجُنُونٌ وَوِصَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْرَبُ الْمُحْرِمَ إلَخْ) أَيْ فَيَحْرُمُ تَطْيِيبُهُ لَا الْبَخُورُ عِنْدَهُ، وَيَحْرُمُ أَخْذُ شَعْرِهِ.
وَلَوْ مِنْ رَأْسِهِ فَلَا يَحْلِقُ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَيَحْرُمُ أَخْذُ ظُفْرِهِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَى فَاعِلِ مَا ذَكَرَ.
وَكُلُّ ذَلِكَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ بَعْدَهُ كَغَيْرِهِ وَيَحْرُمُ أَخْذُ الْقُلْفَةِ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ مُحْرِمٍ، وَإِنْ عَصَى بِتَأْخِيرِهَا، وَإِذَا تَعَذَّرَ إزَالَةُ مَا تَحْتَهَا أَوْ غَسْلُهُ، دُفِنَ بَعْدَ غَسْلِ بَقِيَّةِ بَدَنِهِ بِلَا صَلَاةٍ، خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، حَيْثُ قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ، عَمَّا تَحْتَهَا أَوْ تُزَالُ، نَعَمْ يُزَالُ شَعْرٌ وَظُفْرٌ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ، زَوَالُ نَجَاسَةٍ، أَوْ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ وَلَوْ مِنْ مُحْرِمٍ.
(فَصْلٌ فِي التَّكْفِينِ) أَيْ كَيْفِيَّتِهِ، وَمَا يُكَفَّنُ بِهِ وَمَا يَتْبَعُهُمَا.
قَوْلُهُ: (يُكَفَّنُ) وَلَوْ ذِمِّيًّا.
قَوْلُهُ: (بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا) أَيْ بِمَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ، لَا لِحَاجَةٍ فَلَا يُكَفَّنُ بِالْحَرِيرِ مِنْ لُبْسِهِ، لِحَكَّةٍ أَوْ قَمْلٍ، وَكَذَا الْقِتَالُ وَجَوَّزَهُ شَيْخُنَا فِي الشَّهِيدِ فِي الْقِتَالِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الرَّمْلِيِّ، وَيُكَفَّنُ بِهِ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ، وَإِنْ كُرِهَ كَالْمَرْأَةِ وَيُقَدَّمُ الْحَرِيرُ عَلَى الْجِلْدِ، وَهُوَ عَلَى الْحَشِيشِ وَهُوَ عَلَى الطِّينِ وَالْمُزَعْفَرِ، كَالْحَرِيرِ وَيُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ، وَلَوْ لِلْمَرْأَةِ وَيُكَفَّنُ بِالنَّجَسِ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، عَارِيًّا إنْ لَمْ يُوجَدْ نَحْوَ طِينٍ، وَكُلُّ كَفَنٍ نَقَصَ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ تُمِّمَ مِمَّا بَعْدَهُ، وَسِتْرُ التَّابُوتِ كَالتَّكْفِينِ.
قَوْلُهُ: (الْعَوْرَةَ) وَهِيَ هُنَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فِي الذَّكَرِ، وَمَا عَدَا الْوَجْهَ، وَالْكَفَّيْنِ فِي الْأُنْثَى وَلَوْ رَقِيقَةً، لِأَنَّ الرِّقَّ يَزُولُ هُنَا بِالْمَوْتِ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُعْتَبَرُ) قَالَ شَيْخُنَا: نَدْبًا وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقِلَّةِ وَالتَّوَسُّطِ، -
[حاشية عميرة]
وَهُوَ عَكْسُ مَا سَلَفَ فِي غُسْلِ الرَّجُلِ، فَمَا الْفَرْقُ؟ وَلَعَلَّهُ قُوَّةُ الذُّكُورِ بِدَلِيلِ عَقْلِهِمْ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ كُلُّ مَنْ قَدَّمَ شَرْطَهُ الْإِسْلَامُ) لَا يُقَالُ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَقَدُّمِهِ الْبُلُوغُ وَلَا الْحُرِّيَّةُ وَلَا الْعَدَالَةُ لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ أَحَالُوا عَلَى الصَّلَاةِ، وَسَيَأْتِي فِي الصَّلَاةِ أَنَّ الْحُرَّ الْبَعِيدَ يُقَدَّمُ عَلَى الرَّقِيقِ الْقَرِيبِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ أَيْضًا
. قَوْلُهُ: (لِمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) وَأَيْضًا فَقِيَاسًا عَلَى عَدَمِ خَتْنِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ) أَيْ فَهُوَ جَدِيدٌ أَيْضًا، وَلِذَا عَبَّرَ بِالْأَظْهَرِ، وَلَمْ يَقُلْ: قُلْت: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ.
[فَصْلٌ يُكَفَّنُ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا]
(فَصْلٌ: يُكَفَّنُ إلَخْ) قَوْلُهُ: (بِالْحَرِيرِ) بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ اسْتِثْنَاءَ الْحَرِيرِ إذَا كَانَ عَلَى قَتِيلِ الْمَعْرَكَةِ وَلَا سِيَّمَا إذَا تَلَطَّخَ بِالدَّمِ فَيُدْفَنُ فِيهِ كَمَا هُوَ.
(فَرْعٌ) يَجُوزُ تَكْفِينُ الْمُحَدَّةِ فِيمَا حَرُمَ عَلَيْهَا لُبْسُهُ كَمَا يَجُوزُ تَطْيِيبُهَا.
قَوْلُهُ: (فَمِنْ جِيَادِ الثِّيَابِ) لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ
خَشِنِهَا وَسَيَأْتِي فِي الزِّيَادَةِ كَلَامٌ آخَرُ.
(وَأَقَلُّهُ ثَوْبٌ) وَهُوَ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ أَوْ جَمِيعَ الْبَدَنِ إلَّا رَأْسَ الْمُحْرِمِ وَوَجْهَ الْمُحْرِمَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْأَوَّلُ فَيَخْتَلِفُ قَدْرُهُ فِي الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، وَجَزَمَ بِالثَّانِي الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
(وَلَا تُنَفَّذُ) بِالتَّشْدِيدِ (وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِ) أَيْ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الثَّوْبِ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ الْآتِي ذِكْرُهُمَا فِي الْأَفْضَلِ فَإِنَّهُمَا حَقٌّ لِلْمَيِّتِ تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِمَا، وَلَوْ أَوْصَى بِسَائِرِ الْعَوْرَةِ فَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَالْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمْ لَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ وَيَجِبُ تَكْفِينُهُ بِسَاتِرٍ لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَلَوْ لَمْ يُوصِ، فَقَالَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ يُكَفَّنُ بِثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَ الْبَدَنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَبَعْضُهُمْ بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ فَقَطْ، وَقُلْنَا بِجَوَازِهِ كُفِّنَ بِثَوْبٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَلَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ يُكَفَّنُ بِثَوْبٍ وَبَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةٍ كُفِّنَ بِهَا وَقِيلَ بِثَوْبٍ، وَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَى ثَوْبٍ، فَفِي التَّهْذِيبِ يَجُوزُ، وَفِي التَّتِمَّةِ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: قَوْلُ التَّتِمَّةِ أَقْيَسُ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فَقَالَ الْغُرَمَاءُ ثَوْبٌ وَالْوَرَثَةُ ثَلَاثَةٌ أُجِيبَ الْغُرَمَاءُ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ إلَى إبْدَاءِ ذِمَّتُهُ أَحْوَجُ مِنْهُ إلَى زِيَادَةِ السِّتْرِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَلَوْ قَالَ الْغُرَمَاءُ: يُكَفَّنُ بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ، وَالْوَرَثَةُ بِسَاتِرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ، نَقَلَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى سَاتِرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَلَوْ اتَّفَقَتْ الْوَرَثَةُ وَالْغُرَمَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ جَازَ بِلَا خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ، وَقَدْ يَتَشَكَّكُ فِيهِ إنْسَانٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ ذِمَّتَهُ تَبْقَى مُرْتَهَنَةً بِالدَّيْنِ، انْتَهَى.
(وَالْأَفْضَلُ لِلرَّجُلِ ثَلَاثَةٌ) قَالَتْ عَائِشَةُ: «كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَّةٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا
[حاشية قليوبي]
وَالْإِكْثَارِ الْعُرْفُ.
قَوْلُهُ: (فَمِنْ جِيَادِ الثِّيَابِ) وَإِنْ كَانَ مُقَتِّرًا عَلَى نَفْسِهِ، إلَّا أَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ، لِأَنَّ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ أَوْلَى، وَيَبْقَى الْمُفْلِسُ عَلَى مَا كَانَ لِرِضَاهُ لِنَفْسِهِ بِالرَّذَالَةِ.
قَوْلُهُ: (فَمِنْ خَشِنِهَا) وَإِنْ اعْتَادَ الْجِيَادَ فِي حَيَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَجَزَمَ بِالثَّانِي الْإِمَامُ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ) وَهُوَ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ جَمِيعَ الْبَدَنِ عَلَى الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَعْنَى كَوْنِ الثَّوْبِ أَقَلُّ، هُوَ مِنْ حَيْثُ سُقُوطُ الْوَاجِبِ بِهِ، فِي نَحْوِ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الثَّوْبَ الْوَاحِدَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَيْ مَحْضُ حَقِّهِ فِي سَاتِرِ الْعَوْرَةِ، وَمَعَ الْآدَمِيِّ فِيمَا بَقِيَ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ.
قَوْلُهُ: (حَقٌّ لِلْمَيِّتِ) أَيْ مَحْضُ حَقِّهِ، وَسَوَاءٌ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ) أَيْ إنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَقَطْ، لِأَنَّ النَّقْصَ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ مَكْرُوهٌ، كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ إلَخْ) . هُمَا مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ يُكَفَّنُ بِثَوْبٍ، وَبَعْضُهُمْ بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ.
ثَانِيَتُهُمَا: لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ يُكَفَّنُ بِثَلَاثَةٍ، وَبَعْضُهُمْ بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ، فَالْمُجَابُ طَالِبُ الثَّوْبِ فِي الْأُولَى، وَطَالِبُ الثَّلَاثَةِ فِي الثَّانِيَةِ، لِأَنَّهُ طَلَبُ الْأَكْثَرِ فِيهِمَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي وُجُوبَ الثَّلَاثَةِ، وَلَوْ بِلَا طَلَبٍ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (كُفِّنَ بِهَا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (قَوْلُ التَّتِمَّةِ أَقِيسُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَيُكَفَّنُ بِثَلَاثٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (أُجِيبَ الْغُرَمَاءُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (نَقَلَ صَاحِبُ الْحَاوِي إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ يَتَشَكَّكُ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ: رِضَا الْغُرَمَاءِ بِذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى رَجَاءِ إبْرَائِهِمْ لَهُ، أَوْ عَدَمِ مُطَالَبَتِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَلَا تَكُونُ ذِمَّتُهُ مَرْهُونَةً فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ:
[حاشية عميرة]
مُسْتَغْرِقٌ وَمِنْ عَادَتِهِ التَّقْتِيرُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَنْبَغِي اعْتِبَارُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ التَّقْتِيرِ وَلَا يَكُونُ مِنْ جِيَادِ الثِّيَابِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثَوْبٌ) قَضِيَّتُهُ عَدَمُ جَوَازِ التَّطْيِينِ وَهُوَ ظَاهِرٌ نَعَمْ إنْ تَعَذَّرَ الثَّوْبُ فُعِلَ، وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ تَقْدِيمَ الْإِذْخِرِ وَنَحْوِهِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ) اُسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأَنَّ كِسْوَةَ الرَّقِيقِ لَا يَكْفِي فِيهَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ لِأَنَّهُ تَحْقِيرٌ وَإِذْلَالٌ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، فَالْمَيِّتُ أَوْلَى، ثُمَّ هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافٍ غَرِيبٍ، وَهُوَ أَنَّ الشَّخْصَ بِمَوْتِهِ هَلْ يَصِيرُ كُلُّهُ عَوْرَةً أَمْ عَوْرَتُهُ مَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ شَارِحُ التَّعْجِيزِ
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِإِسْقَاطِهِ) بَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ إسْقَاطَ الزَّائِدِ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ إلَخْ) قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ.
قَوْلُهُ: (كُفِّنَ بِثَوْبٍ) هَذَا قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي عَنْ التَّتِمَّةِ الَّذِي قَالَ فِي الرَّوْضَةِ إنَّهُ أَقْيَسُ.
قَوْلُهُ (إنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ) قَضِيَّتُهُ وُجُوبُ الثَّلَاثِ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِهِمْ: أَقَلُّ الْكَفَنِ ثَوْبٌ أَوْ سَاتِرُ الْعَوْرَةِ، لِأَنَّ مَعْنَى ذَاكَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي إسْقَاطِ الْفَرْضِ إلَى زِيَادَةٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا عِنْدَ اتِّسَاعِ التَّرِكَةِ فَتَسْتَوْفِي الثَّلَاثُ وُجُوبًا.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ يَتَشَكَّكُ فِيهِ إنْسَانٌ إلَخْ) لَك أَنْ تَقُولَ الْمَيِّتُ خَرِبَتْ ذِمَّتُهُ وَقَدْ تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِالتَّرِكَةِ فَأَذِنَ الْغُرَمَاءُ فِي صَرْفِهَا فِي الْكَفَنِ، وَالْحَالُ مَا ذُكِرَ مُتَضَمِّنٌ لِلْمُسَامَحَةِ بِمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ الدَّيْنِ بِذَلِكَ، فَلَا أَثَرَ لِتَعَلُّقِهِ بِالذِّمَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَ الْمُطَالَبَةَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَيُجَابُ مِنْ طَرَفِ النَّوَوِيِّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الدَّيْنَ عَنْ ذِمَّتِهِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ، ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي قَبْلَهَا قَابِلَةٌ لِهَذَا التَّشْكِيكِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ
قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
(وَيَجُوزُ رَابِعٌ وَخَامِسٌ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.
(وَلَهَا) أَيْ وَالْأَفْضَلُ لِلْمَرْأَةِ.
(خَمْسَةٌ) رِعَايَةً لِزِيَادَةِ السِّتْرِ فِيهَا وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْخَمْسَةِ مَكْرُوهَةٌ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لِلسَّرَفِ وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ فِيمَا ذُكِرَ.
(وَمَنْ كُفِّنَ مِنْهُمَا بِثَلَاثَةٍ فَهِيَ لَفَائِفُ) يَسْتُرُ كُلٌّ مِنْهَا جَمِيعَ الْبَدَنِ (وَإِنْ كُفِّنَ) الرَّجُلُ (فِي خَمْسَةٍ زِيدَ عِمَامَةٌ وَقَمِيصٌ تَحْتَهُنَّ) رَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَفَّنَ ابْنًا لَهُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ قَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ وَثَلَاثِ لَفَائِفَ.
(وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي خَمْسَةٍ فَإِزَارٌ وَخِمَارٌ وَقَمِيصٌ وَلِفَافَتَانِ وَفِي قَوْلٍ ثَلَاثُ لَفَائِفَ فَإِزَارٌ وَخِمَارٌ) وَالْإِزَارُ وَالْمِئْزَرُ مَا تُسْتَرُ بِهِ الْعَوْرَةُ وَالْخِمَارُ مَا يُغَطَّى بِهِ الرَّأْسُ وَيُجْعَلُ بَعْدَ الْقَمِيصِ وَهُوَ بَعْدَ الْإِزَارِ، ثُمَّ يُلَفُّ.
رَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الْغَاسِلَاتِ فِي تَكْفِينِ ابْنَتِهِ أُمِّ كُلْثُومٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - الْحِقَاءَ ثُمَّ الدِّرْعَ ثُمَّ الْخِمَارَ ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ» . وَالْحِقَاءُ بِكَسْرِ الْحَاءِ.
الْإِزَارُ، وَالدِّرْعُ: الْقَمِيصُ
(وَيُسَنُّ الْأَبْيَضُ) قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا خَيْرُ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَيَأْتِي فِي الزِّيَادَةِ أَنَّ الْمَغْسُولَ أَوْلَى مِنْ الْجَدِيدِ.
(وَمَحَلُّهُ أَصْلُ التَّرِكَةِ) يَبْدَأُ بِهِ فِي جُمْلَةِ مُؤْنَةِ التَّجْهِيزِ مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي أَوَّلَ الْفَرَائِضِ أَنَّهُ يَبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ حَقٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْأَصْلِ مَنْ لِزَوْجِهَا مَالٌ فَكَفَنُهَا عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ الْآتِي (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) لِلْمَيِّتِ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ تَرِكَةٌ (فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ قَرِيبٍ وَسَيِّدٍ) سَوَاءٌ فِي الْمَيِّتِ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ لِعَجْزِهِ بِالْمَوْتِ وَالْقِنُّ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبُ لِانْفِسَاخِ كِتَابَتِهِ بِمَوْتِهِ.
(وَكَذَا الزَّوْجُ) مَعْطُوفٌ عَلَى أَصْلِ التَّرِكَةِ أَيْ عَلَيْهِ كَفَنُ زَوْجَتِهِ فِي جُمْلَةِ مُؤْنَةِ تَجْهِيزِهَا
[حاشية قليوبي]
وَالْأَفْضَلُ) أَيْ مِنْ الزِّيَادَةِ الْآتِيَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ) بَلْ هِيَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَتَحْرُمُ إنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، أَوْ غَائِبٌ أَوْ امْتَنَعَ مِنْهَا بَعْضُهُمْ.
قَوْلُهُ: (مَكْرُوهَةٌ) أَوْ حَرَامٌ بِالْأَوْلَى مِمَّا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فَهِيَ لَفَائِفُ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ نَدْبًا.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وُجُوبًا، وَلَا تُجَابُ الْوَرَثَةُ لَوْ طَلَبُوا غَيْرَهَا، أَوْ كَانَ فِيهِمْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدَ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا فَلَا يُنَافِي مَا بَعْدَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأُولَى وَاجِبَةٌ لِذَاتِهَا، وَالْأُخْرَيَانِ وَاجِبَتَانِ لِأَدَاءِ الْمُسْتَحَبِّ، وَلِذَلِكَ صَحَّ إسْقَاطُهُمَا بِالْوَصِيَّةِ مَثَلًا، وَمَنْعُ الْوَرَثَةِ مِنْ النَّقْصِ عَنْهُمَا لِأَدَاءِ الْمُسْتَحَبِّ، لَا لِذَاتِهِمَا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لَا مَكْرُوهٌ) الْمُعْتَمَدُ كَرَاهَتُهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِزَارٌ إلَخْ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ.
قَوْلُهُ: (الْمِلْحَقَةُ) هِيَ لِفَافَةٌ، وَكَذَا الثَّوْبُ الْمَذْكُورُ مَعَهَا.
قَوْلُهُ: (يَبْدَأُ بِهِ) أَيْ يَقْدُمُ بِهِ مِنْهَا عَلَى مَالِ الْوَارِثِ، أَوْ الْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ طَلَبَاهُ.
نَعَمْ إنْ رَضِيَ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِتَكْفِينِهِ مِنْ مَالِ الْأَجْنَبِيِّ جَازَ، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ إبْدَالُهُ، وَيَلْزَمُهُمْ رَدُّهُ إنْ أَبْدَلُوهُ، إلَّا إنْ عَلِمُوا جَوَازَهُ مِنْ دَافِعِهِ، وَلَوْ سُرِقَ الْكَفَنُ قَبْلَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ وَجَبَ إبْدَالُهُ مِنْهَا، أَوْ بَعْدَهَا، فَكَذَلِكَ إنْ كُفِّنَ فِي دُونِ ثَلَاثَةٍ، وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَوْ كَانَ حَيًّا، أَوْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْمُسْلِمِينَ، قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَفَنَاءُ الْكَفَنِ كَسَرِقَتِهِ إنْ ظَهَرَ مِنْ الْمَيِّتِ شَيْءٌ، وَلَوْ فُتِحَ قَبْرٌ فَوَجَدَ الْكَفَنَ قَدْ بَلِيَ وَجَبَ بِدَالُهُ، قَبْلَ سَدِّ الْقَبْرِ وَيَكْفِي وَضْعُهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ لَفٍّ فِيهِ إنْ لَزِمَ عَلَى لَفِّهِ تَمَزُّقُ الْمَيِّتِ، وَإِلَّا لُفَّ فِيهِ وَلَوْ أَكَلَ الْمَيِّتَ سَبْعٌ مَثَلًا، قَبْلَ بَلَاءِ الْكَفَنِ عَادَ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ كَفَّنَهُ أَجْنَبِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ) وَلَوْ فِي وَقْتِ الْمَوْتِ فَدَخَلَ الِابْنُ الْكَبِيرُ الْفَقِيرُ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ لِعَجْزِهِ بِالْمَوْتِ.
نَعَمْ
[حاشية عميرة]
الْعَوْرَةِ، وَقَدْ يُمْنَعُ الْغَرِيمُ مِنْ الزَّائِدِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَجُوزُ رَابِعٌ وَخَامِسٌ) أَيْ وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ خِلَافُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَلَوْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ نَحْوَ صَغِيرٍ امْتَنَعَ الزَّائِدُ عَلَى الثَّلَاثِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَهِيَ لَفَائِفُ) فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى لِفَافَةٍ مَعَ قَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ لِلرَّجُلِ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى لَا مَكْرُوهٌ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي قَوْلٍ إلَخْ) تَوْجِيهُهُ أَنَّ الْخَمْسَةَ فِيهَا كَالثَّلَاثَةِ فِي الرَّجُلِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَحَلُّهُ أَصْلُ التَّرِكَةِ) دَلِيلُهُ الْإِجْمَاعُ «وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَّنَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ فِي نَمِرَةٍ وَالرَّجُلَ الَّذِي مَاتَ مُحْرِمًا فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَمْ يَسْأَلْ هَلْ هُنَاكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَمْ لَا» . قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْأَبَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَكْفِينُ الِابْنِ الْبَالِغِ الْفَقِيرِ، لِأَنَّ نَفَقَتَهُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، لَكِنْ نُقِلَ فِي الْكَبِيرِ عَنْ التَّتِمَّةِ وُجُوبُ تَكْفِينِهِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ نَفَقَتَهُ تَجِبُ إذَا كَانَ عَاجِزًا وَالْمَيِّتُ عَاجِزٌ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ.
وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: لِعَجْزِهِ بِالْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (وَالْقِنُّ إلَخْ) لَوْ كَانَ مُبَعَّضًا فَعَلَيْهِ وَعَلَى السَّيِّدِ فِيمَا يَظْهَرُ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ ثُمَّ مَاتَ فِي نَوْبَةِ أَحَدِهِمَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لِبُطْلَانِ الْمُهَايَأَةِ كَمَا فِي الْكِتَابَةِ، وَيُحْتَمَلُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِذِي النَّوْبَةِ.
قَوْلُهُ: (مَعْطُوفٌ عَلَى أَصْلِ التَّرِكَةِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ مَحَلَّ التَّعَلُّقِ
(فِي الْأَصَحِّ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ، وَالثَّانِي قَالَ صَارَتْ بِالْمَوْتِ أَجْنَبِيَّةً، وَعَلَى الْأَصَحِّ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ مَالٌ وَجَبَ فِي مَالِهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ وَلَا كَانَ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ يَجِبُ كَفَنُهُ وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَنَفَقَتِهِ فِي الْحَيَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ فَعَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَلْزَمُهُمْ التَّكْفِينُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَوْبٍ، وَكَذَا بَيْتُ الْمَالِ وَمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُمَا التَّكْفِينُ بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ.
(وَتُبْسَطُ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ وَأَوْسَعُهَا وَالثَّانِيَةُ فَوْقَهَا وَكَذَا الثَّالِثَةُ) أَيْ فَوْقَ الثَّانِيَةِ.
(وَيُذَرُّ) بِالْمُعْجَمَةِ (عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ حَنُوطٌ) بِفَتْحِ الْحَاءِ نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ وَكَافُورٌ يُذَرُّ عَلَى الْأُولَى قَبْلَ وَضْعِ الثَّانِيَةِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ قَبْلَ وَضْعِ الثَّالِثَةِ.
(وَيُوضَعُ الْمَيِّتُ فَوْقَهَا مُسْتَلْقِيًا) عَلَى ظَهْرِهِ.
(وَعَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ) وَيُسْتَحَبُّ تَبْخِيرُ الْكَفَنِ بِالْعُودِ أَوَّلًا (وَتُشَدُّ أَلْيَاهُ) بِخِرْقَةٍ بَعْدَ أَنْ يُدَسَّ بَيْنَهُمَا قُطْنٌ عَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ (وَيُجْعَلُ عَلَى مَنَافِذِ بَدَنِهِ) مِنْ الْمَنْخِرَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ (قُطْنٌ) عَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ (وَتُلَفُّ عَلَيْهِ اللَّفَائِفُ) بِأَنْ يُثْنَى كُلٌّ مِنْهَا مِنْ طَرَفِ شِقِّهِ الْأَيْسَرِ عَلَى الْأَيْمَنِ ثُمَّ مِنْ طَرَفِ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ بِالْقَبَاءِ، وَيُجْمَعُ الْفَاضِلُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ وَيَكُونُ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ (وَتُشَدُّ) بِشِدَادٍ خَوْفَ الِانْتِشَارِ عِنْدَ الْحَمْلِ.
(فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ نُزِعَ الشِّدَادُ) عَنْهُ (وَلَا يُلْبَسُ الْمُحْرِمُ الذَّكَرُ مَخِيطًا، وَلَا
[حاشية قليوبي]
لَا يَلْزَمُ الْفَرْعَ كَفَنُ زَوْجَةِ أَبِيهِ، وَلَوْ مَاتَ مَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ بَعْدَ مَوْتِ غَيْرِهِ وَضَاقَ مَالُهُ، قُدِّمَ هُوَ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَالْقِنُّ إلَخْ) وَالْمُبَعَّضُ يُوَزَّعُ كَفَنُهُ بِحَسَبِ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ لِبُطْلَانِهَا، وَيُحْتَمَلُ اخْتِصَاصُهُ بِذِي النَّوْبَةِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الزَّوْجُ) أَيْ عَلَيْهِ كَفَنُهَا مَعَ بَقِيَّةِ مُؤَنِ تَجْهِيزِهَا، وَمَحَلُّهُ فِي الزَّوْجِ الْمُوسِرِ وَلَوْ بِمَا خَصَّهُ مِنْ التَّرِكَةِ، أَوْ بِمَالٍ حَصَلَ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ دَفْنِهَا، وَيُعْتَبَرُ الْيَسَارُ بِمَا فِي الْفِطْرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا فِي الْفَلَسِ وَفِيهِ نَظَرٌ، بِمَا مَرَّ فِي زَوْجَتِهِ لِاسْتِوَائِهَا فِي زَوَالِ الْإِعْفَافِ وَالْخِدْمَةِ بِمَوْتِهِمَا فَرَاجِعْهُ.
(فَرْعٌ) لَوْ أَوْصَتْ الزَّوْجَةُ بِأَنْ تُكَفَّنَ مِنْ تَرِكَتِهَا فَهِيَ وَصِيَّةُ الْوَارِثِ، فَتَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ.
قَوْلُهُ: (لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا) شَمِلَ الْحُرَّةَ وَالْأَمَةَ، وَالْبَائِنَ وَالْحَامِلَ، وَالرَّجْعِيَّةَ لَا النَّاشِزَةَ مَثَلًا، وَخَادِمُ الزَّوْجَةِ بِالنَّفَقَةِ مِثْلُهَا، وَلَوْ مَاتَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا قَدَّمَ مَنْ يَخَافُ تَغَيُّرُهُ فِيهِمَا، وَإِلَّا فَبِالْقُرْعَةِ فِي الْأُولَى وَبِالسَّبْقِ فِي الثَّانِيَةِ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
نَعَمْ يُقَدِّمُ فِي الْمَعِيَّةِ الْأَبَ أَوْ الْأُمَّ ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ، وَقَدَّمَ بَعْضُهُمْ الْبَرَّ عَلَى الْفَاجِرِ.
قَوْلُهُ: (عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ الْمُوسِرِينَ مِنْهُمْ بِمَا فِي الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ كَفَّنَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ كَفَى عَنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا بَيْتُ الْمَالِ) بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا زَادَ عَلَى الثَّوْبِ، وَنَحْوَ الْحَنُوطِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ) وَمِنْهُ الزَّوْجَةُ، وَلَا يَجِبُ فِي تَرِكَتِهَا مَا زَادَ عَلَى الثَّوْبِ، وَلَوْ كَفَّنَهَا غَيْرُهُ مِنْ وَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ لِغِيبَتِهِ مَثَلًا رَجَعَ عَلَيْهِ إنْ كَفَّنَ بِإِذْنِ حَاكِمٍ أَوْ أَشْهَدَ
. قَوْلُهُ: (عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ إلَخْ) فَالْمُرَادُ بِالتَّسَاوِي كَوْنُهَا تَسْتُرُ جَمِيعَ الْبَدَنِ، وَكَذَا لِمَا زِيدَ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ) وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هُوَ صَنْدَلٌ وَكَافُورٌ وَذَرِيرَةُ قَصَبٍ مَخْلُوطَةٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كُلُّ مَا خُلِطَ لِأَجْلِ الْمَيِّتِ فَهُوَ حَنُوطٌ، وَعَلَى هَذَيْنِ فَعَطْفُ الْكَافُورِ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى ظَهْرِهِ) وَيَدَاهُ عَلَى صَدْرِهِ، أَوْ مُرْسَلَتَانِ بِجَنْبِهِ.
قَوْلُهُ: (بِخِرْقَةٍ) كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَإِدْخَالُ الْقُطْنِ فِي دُبُرِهِ وَاجِبٌ لِعُذْرٍ وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ، وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ بَعْضُهُ خَارِجًا مُطْلَقًا.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: تَصِحُّ مَعَ الْعُذْرِ.
قَوْلُهُ: (مَنَافِذِ بَدَنِهِ) وَمِنْهَا الْجِرَاحَةُ فِيهِ، وَيُسَنُّ وَضْعُهُ أَيْضًا عَلَى مَوَاضِعِ السُّجُودِ إكْرَامًا لَهَا.
قَوْلُهُ: (وَتُشَدُّ) أَيْ فِي غَيْرِ مُحْرِمٍ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَقْدِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِ.
(فَرْعٌ) قَالُوا: يَحْرُمُ كِتَابَةُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ اسْمٍ مُعَظَّمٍ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمَيِّتِ، لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِالصَّدِيدِ.
قَوْلُهُ: (نُزِعَ الشِّدَادُ) أَيْ شِدَادُ اللَّفَائِفِ فَقَطْ تَفَاؤُلًا بِانْحِلَالِ الشِّدَّةِ عَنْهُ، وَقِيلَ: جَمِيعُ مَا فِيهِ تَعَقُّدٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي -
[حاشية عميرة]
بِالزَّوْجِ إذَا لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَيَاةِ) وَكَانَتْ مَعَهُ كَالْأَبِ وَالِابْنِ لَكِنْ تَكْفِينُهَا وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهَا وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ غَنِيَّةً.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ) دَخَلَ فِيهِ الزَّوْجُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالثَّانِيَةَ فَوْقَهَا إلَخْ) الْمُرَادُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ فِي الرُّتْبَةِ، فَيُفِيدُ اعْتِبَارَ السِّعَةِ وَالْحُسْنِ فَيُوَافِقُ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (نُزِعَ الشِّدَادُ) الظَّاهِرُ اخْتِصَاصُ النَّزْعِ بِشِدَادِ اللَّفَائِفِ دُونَ
يُسْتَرُ رَأْسُهُ وَلَا وَجْهُ الْمُحْرِمَةِ) إبْقَاءً لِأَثَرِ الْإِحْرَامِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُ طِيبًا
(وَحَمْلُ الْجِنَازَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ التَّرْبِيعِ فِي الْأَصَحِّ) كَحَمْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ «وَحَمْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ» ، رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، الْأَوَّلُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَالثَّانِي بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَالثَّانِي التَّرْبِيعُ أَفْضَلُ، وَالثَّالِثُ هُمَا سَوَاءٌ.
(وَهُوَ) أَيْ الْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ (أَنْ يَضَعَ الْخَشَبَتَيْنِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ) وَهُمَا الْعَمُودَانِ (عَلَى عَاتِقِيهِ وَرَأْسُهُ بَيْنَهُمَا وَيَحْمِلُ الْمُؤَخَّرَتَيْنِ رَجُلَانِ) أَحَدُهُمَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَالْآخَرُ مِنْ الْأَيْسَرِ، وَلَوْ تَوَسَّطَ الْمُؤَخَّرَتَيْنِ وَاحِدٌ كَالْمُقَدَّمَتَيْنِ لَمْ يَرَ مَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ بِخِلَافِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ (وَالتَّرْبِيعُ أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلَانِ وَيَتَأَخَّرَ آخَرَانِ) فِي حَمْلِهَا يَضَعُ أَحَدُ الْمُتَقَدِّمَيْنِ الْعَمُودَ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَالْآخِرُ الْعَمُودَ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَالْمُتَأَخِّرَانِ كَذَلِكَ
(وَالْمَشْيُ أَمَامُهَا بِقُرْبِهَا) بِحَيْثُ لَوْ الْتَفَتَ رَآهَا (أَفْضَلُ) مِنْهُ بِبَعْدِهَا فَلَا يَرَاهَا لِكَثْرَةِ الْمَاشِينَ مَعَهَا، وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا أَفْضَلُ مِنْهُ خَلْفَهَا لِلرَّاكِبِ وَالْمَاشِي، وَفِي الرَّوْضَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْكَبَ فِي ذَهَابِهِ مَعَهَا إلَّا لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ ضَعْفٍ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فَلَا بَأْسَ، بِهِ وَهُوَ لِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ، رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَالْمَاشِي عَنْ يَمِينِهَا وَشِمَالِهَا قَرِيبًا مِنْهَا، وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ» وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ
(وَيُسْرَعُ بِهَا) نَدْبًا لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» (إنْ لَمْ يُخَفْ تَغَيُّرُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ بِالْإِسْرَاعِ فَيَأْتِي بِهِ حِينَئِذٍ، وَالْإِسْرَاعُ فَوْقَ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ، وَدُونَ الْخَبَبِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ الضُّعَفَاءُ، فَإِنْ خِيفَ تَغَيُّرُ الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ الْإِسْرَاعِ أَوْ انْفِجَارِهِ أَوْ انْتِفَاخِهِ زِيدَ فِي الْإِسْرَاعِ.
[حاشية قليوبي]
الْقَبْرِ شَيْءٌ مَعْقُودٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُلْبَسُ وَلَا يُسْتَرُ أَيْ فَهُمَا حَرَامٌ) .
(فَرْعٌ) يُكْرَهُ إعْدَادُ الْكَفَنِ إلَّا مِنْ وَجْهٍ حَلَالٍ أَوْ أَثَرٍ صَالِحٍ، وَلَا يَجُوزُ إبْدَالُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مِمَّا ذَكَرَ مُرَاعَاةً لِغَرَضِ الْمَيِّتِ، وَبِهَذَا فَارَقَ إبْدَالَ ثِيَابِ الشَّهِيدِ.
قَوْلُهُ: أَفْضَلُ مِنْ التَّرْبِيعِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْكَيْفِيَّتَيْنِ تَارَةً وَتَارَةً أَفْضَلُ، وَمَنْ حَمَلَهَا تَبَرُّكًا قُدِّمَ الْمُقَدَّمُ عَلَى الْمُؤَخَّرِ، وَالْأَيْمَنُ مِنْ الْحَامِلِ عَلَى الْأَيْسَرِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا بِقُرْبِهَا) لَوْ قَالَ: وَبِأَمَامِهَا وَبِقُرْبِهَا لَكَانَ أَوْلَى، لِإِفَادَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَمَا صَنَعَ الشَّارِحُ، وَالْحَاصِلُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَشْيَ أَفْضَلُ وَلَوْ خَلْفَهَا، أَوْ بَعِيدًا مِنْ الرُّكُوبِ وَلَوْ أَمَامَهَا، أَوْ قَرِيبًا وَأَنَّهُ أَمَامَهَا أَفْضَلُ مِنْهُ خَلْفَهَا، وَلَوْ مَشَى بِالْقُرْبِ وَبِهَذَا سَقَطَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ وُقُوعِ التَّعَارُضِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الرَّاكِبُ إلَخْ) وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى نَاسًا رُكْبَانًا فِي جِنَازَةٍ فَقَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ إنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ يَمْشُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ»
. قَوْلُهُ: (وَدُونَ الْخَبَبِ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَمُوَحَّدَتَيْنِ: هُوَ الْمَشْيُ عَلَى الْهَيِّنَةِ وَالتَّأَنِّي.
قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ الْإِسْرَاعِ) هُوَ مَفْهُومُ تَقْيِيدِهِ الْخَوْفَ قَبْلَهُ بِالْإِسْرَاعِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ لَوْ خِيفَ تَغَيُّرُهُ مَعَ الْإِسْرَاعِ مِنْ غَيْرِهِ كَشِدَّةِ حَرٍّ طُلِبَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْإِسْرَاعِ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ زِيدَ فِي الْإِسْرَاعِ وَلَمْ يَقُلْ: أَسْرَعَ، وَيَلْزَمُ مِنْ خَوْفِ التَّغَيُّرِ بِمَا ذَكَرَ مَعَ الْإِسْرَاعِ أَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ مَعَ التَّأَنِّي أَوْلَى، وَلِذَلِكَ سَكَتَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْإِسْرَاعِ) أَيْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.
(فَائِدَةٌ) يَنْدُبُ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَنْ يَدْعُوَ لَهَا وَيُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا إنْ كَانَتْ أَهْلًا لَهُ، وَأَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، أَوْ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، أَوْ ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: 22] ، اللَّهُمَّ زِدْنَا إيمَانًا وَتَصْدِيقًا وَتَسْلِيمًا، أَوْ اللَّهُ أَكْبَرُ ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 52] لِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ كُتِبَ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حاشية عميرة]
شِدَادِ الْأَلْيَيْنِ السَّابِقِ وَنَحْوِهِ
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِقُرْبِهَا) لَوْ تَعَارَضَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ فَانْظُرْ مَاذَا يُرَاعَى
. قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ الْإِسْرَاعِ) يَعْنِي لَوْ أَتَى بِالسُّنَّةِ، وَهِيَ الْإِسْرَاعُ وَلَكِنْ خِيفَ التَّغَيُّرُ لَا مِنْ الْإِسْرَاعِ، بَلْ مِنْ أَمْرِ غَيْرِهِ كَشِدَّةِ الْحَرِّ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّارِحُ: فِيمَا يَأْتِي زِيدَ فِي الْإِسْرَاعِ، وَلَمْ يَقُلْ أَسْرَعَ بِهَا.
قَوْلُهُ: (زِيدَ فِي الْإِسْرَاعِ) .
(فَصْلٌ لِصَلَاتِهِ أَرْكَانٌ أَحَدُهَا النِّيَّةُ) كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ (وَوَقْتُهَا كَغَيْرِهَا) أَيْ كَوَقْتِ نِيَّةِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ وَقْتُ التَّكْبِيرِ لِلْإِحْرَامِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ (وَتَكْفِي نِيَّةُ الْفَرْضِ) فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُ وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ نِيَّةُ فَرْضِ كِفَايَةٍ) تَعَرُّضًا لِكَمَالِ وَصْفِهَا.
(وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ) كَزَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو أَوْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ بَلْ تَكْفِيهِ نِيَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا وَنَوَى الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ إمَامُهُ جَازَ.
(فَإِنْ عَيَّنَ وَأَخْطَأَ) كَأَنْ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى زَيْدٍ فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو، أَوْ رَجُلٍ فَكَانَ امْرَأَةً (بَطَلَتْ) أَيْ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، زَادَ فِي الرَّوْضَةِ هَذَا إذَا لَمْ يُشِرْ إلَى الْمُعَيَّنِ فَإِنْ أَشَارَ صَحَّتْ فِي الْأَصَحِّ (وَإِنْ حَضَرَ مَوْتَى نَوَاهُمْ) أَيْ قَصَدَهُمْ فِي نِيَّتِهِ وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ وَيَجِبُ عَلَى الْمُقْتَدِي نِيَّةُ الِاقْتِدَاءِ
(الثَّانِي:) مِنْ الْأَرْكَانِ (أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ) رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَمَا دُفِنَ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا» .
(فَإِنْ خَمَّسَ) عَمْدًا (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ زَادَ ذِكْرًا، وَالثَّانِي يَقُولُ: زَادَ رُكْنًا، وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَبِّرُ خَمْسًا» ، وَلَا تَبْطُلُ فِي السَّهْوِ جَزْمًا، وَلَا مَدْخَلَ لِسُجُودِ السَّهْوِ فِيهَا.
(وَلَوْ خَمَّسَ إمَامُهُ) وَقُلْنَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ (لَمْ يُتَابِعْهُ فِي الْأَصَحِّ) وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا الْأَظْهَرِ وَرَجَّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْقَطْعَ بِهِ (بَلْ يُسَلِّمُ أَوْ يَنْتَظِرُهُ
[حاشية قليوبي]
فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَمَا يَتْبَعُهَا) وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَمْ تُشْرَعْ إلَّا فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ فِي الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ «وَلَمْ يُصَلِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى زَوْجَتِهِ خَدِيجَةَ بِمَكَّةَ» . قَوْلُهُ: (يَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ) وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّشْبِيهِ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ فِي أَثْنَائِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، فَلَا وَجْهَ لِقَصْرِ كَلَامِهِ عَلَى الْحَالَةِ الْأُولَى فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُ) أَيْ لِلْفَرْضِ ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي صَبِيًّا وَلَوْ مَعَ الرِّجَالِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَفَارَقَ عَدَمَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى رَأْيِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ بِأَنَّ فِي صَلَاتِهِ هُنَا إسْقَاطًا عَنْ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْجُمْلَةِ وَالْمَرْأَةُ كَالصَّبِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ) أَيْ الْحَاضِرِ، أَمَّا الْغَائِبُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ قَرِينَةِ الْحُضُورِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (نَوَاهُمْ) وَلَهُ أَنْ يَنْوِيَ مَعَهُمْ مَيِّتًا آخَرَ كَمَا سَيَأْتِي، فَإِنْ نَوَى مَعَهُمْ حَيًّا أَوْ نَقَصَ مِنْهُمْ بِلَا تَعْيِينٍ، أَوْ زَادَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ نِيَّتِهِمْ، أَوْ نَوَى بَعْضَهُمْ مُبْهَمًا ثُمَّ بَعْضَهُمْ كَذَلِكَ، أَوْ ذَكَرَ عَدَدَهُمْ فَبَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُ بَطَلَتْ فِي الْجَمِيعِ.
نَعَمْ إنْ جَهِلَ الْحَيُّ فِي صُورَتِهِ لَمْ تَبْطُلْ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
وَكَذَا لَوْ أَشَارَ إلَيْهِمْ فِي الْأَخِيرَةِ لَمْ تَبْطُلْ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ، وَمَشَى عَلَيْهِ شَيْخُنَا
. قَوْلُهُ: (فَإِنْ خَمَّسَ) الْمُرَادُ فَإِنْ زَادَ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ، وَإِنْ كَرَّرَ الْأَذْكَارَ فِي الزِّيَادَةِ أَوْ أَخَّرَهَا إلَيْهَا.
نَعَمْ لَوْ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الزِّيَادَةِ ثَلَاثًا مُتَوَالِيًا بَطَلَتْ كَمَا مَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا، وَكَذَا لَوْ اعْتَقَدَ الْبُطْلَانَ بِالزِّيَادَةِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُتَابِعْهُ) أَيْ لَمْ تَنْدُبْ لَهُ مُتَابَعَتُهُ، فَلَا يَضُرُّ لَوْ تَابَعَ عَلَى مَا
[حاشية عميرة]
تَتِمَّةٌ) الْمَنْصُوصُ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ عَدَمُ اسْتِحْبَابِ الْقِيَامِ لَهَا، وَخَالَفَ الْمُتَوَلِّي وَاخْتَارَ مَقَالَتَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ
[فَصْلٌ أَرْكَانٌ صَلَاة الْجِنَازَةُ]
(فَصْلٌ: لِصَلَاتِهِ أَرْكَانٌ إلَخْ) . قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَكْفِي نِيَّةُ الْفَرْضِ) أَيْ كَمَا أَنَّ الظُّهْرَ مَثَلًا لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِكَوْنِهَا فَرْضَ عَيْنٍ.
قَوْلُهُ: (فَلَا بُدَّ إلَخْ) هُوَ شَامِلٌ لِصَلَاةِ الصَّبِيِّ وَلِصَلَاةِ النِّسَاءِ، وَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّ النِّسَاءَ إذَا صَلَّيْنَ مَعَ الرِّجَالِ تَقَعُ لَهُنَّ نَافِلَةً.
قَوْلُهُ: (تَعَرُّضًا لِكَمَالِ وَصْفِهَا) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: بَدَّلَهُ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ فَرْضِ الْعَيْنِ، وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَلَك أَنْ تَقُولَ هَلْ يَجْرِي نَظِيرُ هَذَا الْوَجْهِ فِي فُرُوضِ الْأَعْيَانِ؟ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ) لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَعْرِفُهُ.
قَوْلُهُ: (كَزَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو) وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ الْغَائِبَ، وَعَلَيْهِ فَيُعَيِّنُهُ وَلَوْ بِإِضَافَتِهِ لِلْبَلَدِ وَنَحْوِهَا فِيمَا يَظْهَرُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (نَوَاهُمْ) لَوْ نَوَى بَعْضُهُمْ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ثُمَّ صَلَّى عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ كَذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ، وَلَوْ اعْتَقَدَهُمْ عَشَرَةً فَبَانُوا أَحَدَ
لِيُسَلِّمَ مَعَهُ) وَالثَّانِي يُتَابِعُهُ وَإِنْ قُلْنَا بِالْبُطْلَانِ فَارَقَهُ
(الثَّالِثُ: السَّلَامُ) وَهُوَ (كَغَيْرِهَا) أَيْ كَسَلَامِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي كَيْفِيَّتِهِ وَتَعَدُّدِهِ وَنِيَّةِ الْخُرُوجِ مَعَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ
(الرَّابِعُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ (بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الْأُولَى) قَبْلَ الثَّانِيَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلَى الْمَيِّتِ أَرْبَعًا وَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى» . (قُلْت تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ بَعْدَ غَيْرِ الْأُولَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَنْ النَّصِّ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ قِرَاءَتَهَا إلَى التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ جَازَ.
(الْخَامِسُ: الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الثَّانِيَةِ) أَيْ عَقِبَهَا، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ السَّرَخْسِيِّ وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعَيُّنِ الْفَاتِحَةِ قَبْلَهَا، رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثَ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً إلَّا بِطَهُورٍ وَالصَّلَاةَ عَلَيَّ» لَكِنْ ضَعَّفَاهُ.
(وَالصَّحِيحُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ لَا تَجِبُ) فِيهَا، بَلْ تُسَنُّ، وَقِيلَ تَجِبُ، وَهُوَ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي التَّشَهُّدِ الْآخِرِ، وَهَذِهِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ لِبِنَائِهَا عَلَى التَّخْفِيفِ.
(السَّادِسُ: الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: لَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِهَا بِلَا خِلَافٍ وَلَيْسَ لِتَخْصِيصِهِ بِهَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ انْتَهَى، وَأَقَلُّهُ
[حاشية قليوبي]
تَقَدَّمَ وَانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ سَاهِيًا أَوْ عَامِدًا.
نَعَمْ لِلْمَسْبُوقِ مُوَافَقَةُ الْإِمَامِ فِي الزَّائِدِ وَيَحْسُبُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ) مِنْهُ عَدَمُ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ مَنْ يُحْسِنُ الْقُرْآنَ بِمَنْ يُحْسِنُ الذِّكْرَ، وَلَا هُمَا بِمَنْ وَاجِبُهُ الْوُقُوفُ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ
. قَوْلُهُ: (بَعْدَ غَيْرِ الْأُولَى) وَلَوْ فِيمَا بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَلَوْ مِمَّا زَادَهُ عَلَيْهَا، وَفَارَقَتْ الْفَاتِحَةُ غَيْرَهَا مِنْ الْأَرْكَانِ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ أَكْمَلُ، وَقِيلَ: إنَّهَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ دَخِيلَةٌ أَيْ غَيْرُ أَصْلِيَّةٍ، إذْ الْمَطْلُوبُ فِيهَا أَصَالَةُ الدُّعَاءِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ خُلُوُّ الْأُولَى عَنْ ذِكْرٍ، وَجَمْعِ رُكْنَيْنِ فِي غَيْرِهَا قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَمَحَلُّ تَأْخِيرِهَا فِي غَيْرِ الْمَسْبُوقِ، وَمِثْلُهُ مَنْ شَرَعَ فِيهَا وَنَازَعَ بَعْضُهُمْ فِيهِمَا وَخُصُوصًا فِي الثَّانِيَةِ، وَلَا يُقَاسُ بِالشُّرُوعِ فِي نَحْوِ الْقُنُوتِ لِإِمْكَانِ التَّدَارُكِ هُنَا وَسَيَأْتِي
. قَوْلُهُ: (الصَّلَاةُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُنْدَبُ السَّلَامُ مَعَهَا وَلَا يُكْرَهُ هُنَا إفْرَادُ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الْوَارِدِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَهَلْ بَقِيَّةُ أَسْمَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَلِكَ كَالْحَاشِرِ وَالْعَاقِبِ؟ رَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ تَعَيُّنُهَا عَقِبَهَا، وَمَا بَحَثَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْبِنَاءِ مَرْجُوحٌ.
قَوْلُهُ: (بَلْ تُسَنُّ) وَيُنْدَبُ أَنْ يُقَدِّمَ قَبْلَهُمَا الْحَمْدَ لِلَّهِ، وَيُؤَخِّرَ عَنْهُمَا الدُّعَاءَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الثَّانِيَةِ) أَيْ -
[حاشية عميرة]
عَشَرَ وَجَبَ إعَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَمِيعِ، لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ بِخِلَافِ الْعَكْسِ ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَى حَيٍّ وَمَيِّتٍ صَحَّتْ مَعَ الْجَهْلِ دُونَ الْعِلْمِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَمْ يُتَابِعْهُ فِي الْأَصَحِّ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هَذَا الْخِلَافُ فِي الْوُجُوبِ لِأَجْلِ الْمُتَابَعَةِ.
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الِاسْتِحْبَابِ، انْتَهَى.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ فِي الِاسْتِحْبَابِ.
قَوْلُهُ: (فَارَقَهُ) لَوْ فَعَلَ الْإِمَامُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ وَنَحْوَهُ: فَالْمَأْمُومُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمُفَارَقَةِ وَالِانْتِظَارِ
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (الثَّالِثُ السَّلَامُ) لِحَدِيثِ «تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» .
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ قَرَأَ فِيهَا بِالْفَاتِحَةِ، وَقَالَ: فَعَلَتْهُ لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ.
قَالَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَوْلُهُ: إنَّهَا سُنَّةٌ كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ مِنْ السُّنَّةِ كَذَا فَيَكُونُ مَرْفُوعًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت: تُجْزِئُ إلَخْ) يُسْتَفَادُ مِنْهُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: إخْلَاءُ الْأُولَى عَنْ ذِكْرٍ يَكُونُ فِيهَا، وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ رُكْنِ الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ رُكْنَيْنِ فِي تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ
. قَوْلُهُ: (عَقِبَهَا) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالتَّخْصِيصُ بِالثَّانِيَةِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَأَنَّهُ) الضَّمِيرُ فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ: ذَكَرَهُ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ أَيْ عَقِبَهَا.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ ضَعَّفَاهُ) أَقُولُ: رَوَى الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ
مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ نَحْوَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَسَيَأْتِي أَكْمَلُهُ
. (السَّابِعُ: الْقِيَامُ عَلَى الْمَذْهَبِ إنْ قَدَرَ) عَلَيْهِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْفَرَائِضِ، وَقِيلَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَجِبُ لِشِبْهِهَا بِالنَّافِلَةِ فِي جَوَازِ التَّرْكِ، وَالثَّانِي يَجِبُ إنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ.
(وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَاتِ) فِيهَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَوَضْعُهُمَا عَلَى صَدْرِهِ كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ.
(وَإِسْرَارُ الْقِرَاءَةِ) فِيهَا فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ.
(وَقِيلَ يَجْهَرُ لَيْلًا) رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: «السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ مُخَافَتَةً، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَالتَّسْلِيمُ عِنْدَ الْأَخِيرَةِ» .
(وَالْأَصَحُّ نَدْبُ التَّعَوُّذِ دُونَ الِافْتِتَاحِ) لِطُولِهِ، وَالثَّانِي يُنْدَبَانِ كَمَا فِي غَيْرِهَا، وَالثَّالِثُ لَا يُنْدَبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا تَخْفِيفًا، وَلَا تُنْدَبُ السُّورَةُ فِي الْأَصَحِّ وَيُنْدَبُ التَّأْمِينُ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ (وَيَقُولُ فِي الثَّالِثَةِ: اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُك وَابْنُ عَبْدَيْك إلَخْ) وَبَقِيَّتُهُ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ خَرَجَ مِنْ رَوْحِ الدُّنْيَا وَسَعَتِهَا بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا، أَيْ نَسِيمِ رِيحِهَا وَاتِّسَاعِهَا وَمَحْبُوبِهِ وَأَحِبَّائِهِ فِيهَا، أَيْ مَا يُحِبُّهُ وَمَنْ يُحِبُّهُ إلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَمَا هُوَ لَاقِيهِ، أَيْ مِنْ الْأَهْوَالِ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، اللَّهُمَّ إنَّهُ نَزَلَ بِك وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، وَأَصْبَحَ فَقِيرًا إلَى رَحْمَتِك وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَقَدْ جِئْنَاك رَاغِبِينَ إلَيْك شُفَعَاءَ لَهُ، اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَاغْفِرْ لَهُ وَتَجَاوَزْ عَنْهُ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِك رِضَاك، وَقِه فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَهُ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَجَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِك الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِك حَتَّى تَبْعَثَهُ آمِنًا إلَى جَنَّتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، جَمَعَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَصْحَابُ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً قَالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ أَمَتُك وَبِنْتُ عَبْدَيْك، وَيُؤَنِّثُ الضَّمَائِرَ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَوْ ذَكَّرَهَا عَلَى إرَادَةِ الشَّخْصِ لَمْ يَضُرَّ.
(وَيُقَدِّمُ عَلَيْهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ) .
رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ
[حاشية قليوبي]
بِحَسَبِ إرَادَتِهِ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ
. قَوْلُهُ: (الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ) أَيْ بِخُصُوصِهِ وَلَوْ فِي عُمُومٍ بِقَصْدِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ بِأُخْرَوِيٍّ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ إلَخْ) وَلَوْ فِي صَغِيرٍ، وَمِنْهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرْطًا وَذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ إلَخْ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ لِتَخْصِيصِهِ إلَخْ نَفْيُ دَلِيلِ تَخْصِيصِ عَدَمِ الْخِلَافِ لَا نَفْيُ دَلِيلِ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، فَلَا يُنَافِي مَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ
. قَوْلُهُ: (الْقِيَامُ) وَلَوْ لِصَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ مَعَ الرِّجَالِ.
قَوْلُهُ: (فِي جَوَازِ التَّرْكِ) أَيْ لَا فِي جَوَازِ التَّنَفُّلِ بِصُورَتِهَا.
قَوْلُهُ: (فِي التَّكْبِيرَاتِ) أَيْ الْمَطْلُوبَةِ لَا فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا، لَكِنْ لَا يَضُرُّ لَوْ رَفَعَ إلَّا فِيمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ السُّنَّةُ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ قَالَ مِنْ السُّنَّةِ وَالْمُرَادُ الطَّرِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (دُونَ الِافْتِتَاحِ) وَإِنْ صَلَّى عَلَى غَائِبٍ أَوْ قَبْرٍ، وَيُنْدَبُ الْإِسْرَارُ بِالتَّعَوُّذِ وَغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ أَذْكَارِهَا إلَّا التَّكْبِيرَاتِ وَالسَّلَامَ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْمُصَنِّفُ الْقِرَاءَةَ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْخِلَافِ.
قَوْلُهُ: (وَيُنْدَبُ التَّأْمِينُ) وَبَعْدَهُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] كَمَا فِي الرَّوْضَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَحْبُوبِهِ وَأَحِبَّائِهِ) الْمَشْهُورُ فِيهِمَا الْجَرُّ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا جُمْلَةً حَالِيَّةً.
قَوْلُهُ: (مَا يُحِبُّهُ وَمَنْ يُحِبُّهُ) الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِيهِمَا لِلْمَيِّتِ، وَالْبَارِزُ لِمَحْبُوبِ الْمَيِّتِ مِنْ عَاقِلٍ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (نَزَلَ بِك) أَيْ صَارَ ضَيْفًا عِنْدَك.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا إلَخْ) وَلَا يَضُرُّ هَذَا التَّعْلِيقُ، وَإِنْ صَلَّى عَلَى نَبِيٍّ مَثَلًا عَلَى نَظِيرِ دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ إلَخْ، وَلَكِنْ الْأَوْلَى فِي نَحْوِ النَّبِيِّ تَرْكُهُ.
قَوْلُهُ: (جَنْبَيْهِ) بِنُونٍ فَمُوَحَّدَةٍ مُثَنَّى جَنْبٍ، وَبِمُثَلَّثَةٍ، فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وَهِيَ أَوْلَى لِعُمُومِهَا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ، كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَقِّهِ) أَيْ أَعْطِهِ تَكَرُّمًا وَآمِنْهُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَسُؤَالِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً إلَخْ) وَلَوْ كَانَ خُنْثَى أَوْ غَيْرَ مَعْرُوفٍ قَالَ: مَمْلُوكُك.
قَوْلُهُ: (وَيُؤَنِّثُ الضَّمَائِرَ) أَيْ إلَّا ضَمِيرَ مَنْزُولٍ بِهِ، فَيَجِبُ أَنْ يُذَكَّرَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَفْرَدَهُ كَمَا ذَكَرَهُ، أَوْ جَمَعَهُ كَمَنْزُولٍ بِهِمْ، لِأَنَّهُ عَائِدٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا أَنَّثَهُ عَامِدًا عَالِمًا خِيفَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى إرَادَةِ الشَّخْصِ) قَالَ شَيْخُنَا: وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ اعْتِبَارِ أَنَّهُ يُلَاحِظُ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَدِّمُ عَلَيْهِ) وَيُنْدَبُ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِمَا مَعًا مَا رَوَاهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ
[حاشية عميرة]
أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرُوهُ أَنَّ «السُّنَّةَ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ فِي التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ وَيُسَلِّمَ» . ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ
. قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّهُ) ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ كَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا الْأَقَلَّ حَتَّى فِي الطِّفْلِ، فَلَا يَكْفِي الدُّعَاءُ لِوَالِدَيْهِ، لَكِنْ قَدْ يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ السَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ، وَيُمْكِنُ دَفْعُ الْإِشْكَالِ
. قَوْلُهُ:
وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جِنَازَةٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا» إلَخْ، زَادَ التِّرْمِذِيُّ: " اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ " وَالْجَمْعُ بَيْنَ الدُّعَاءَيْنِ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكَبِيرِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الرَّوْضَةِ وَلَا شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَتَقْدِيمُ الثَّانِي مِنْهُمَا لِأَنَّهُ بَعْضُ الْأَوَّلِ بِالْمَعْنَى.
(وَيَقُولُ فِي الطِّفْلِ مَعَ هَذَا الثَّانِي اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطًا لِأَبَوَيْهِ) أَيْ سَابِقًا مُهَيِّئًا مَصَالِحَهُمَا فِي الْآخِرَةِ.
(وَسَلَفًا وَذُخْرًا) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (وَعِظَةً) أَيْ مَوْعِظَةً (وَاعْتِبَارًا وَشَفِيعًا وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا وَأَفْرِغْ الصَّبْرَ عَلَى قُلُوبِهِمَا) وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا: وَلَا تَفْتِنْهُمَا بَعْدَهُ وَلَا تَحْرِمْهُمَا أَجْرَهُ، وَيَشْهَدُ لِلدُّعَاءِ لَهُمَا مَا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ السَّابِقِ " وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ " (وَفِي الرَّابِعَةِ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّهَا (وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ) أَيْ بِالِابْتِلَاءِ بِالْمَعَاصِي وَفِي التَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِ: وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْأَوَّلَانِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(وَلَوْ تَخَلَّفَ الْمُقْتَدِي بِلَا عُذْرٍ فَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ إمَامُهُ أُخْرَى بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّ التَّخَلُّفَ بِالتَّكْبِيرِ هُنَا مُتَفَاحِشٌ شُبِّهَ بِالتَّخَلُّفِ بِرَكْعَةٍ، وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ احْتِمَالُ أَنَّهُ كَالتَّخَلُّفِ بِرُكْنٍ (وَيُكَبِّرُ الْمَسْبُوقُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ
[حاشية قليوبي]
لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَتِهِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ» ، انْتَهَى.
وَهَذَا أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ، وَالْمُرَادُ بِإِبْدَالِ الزَّوْجِ وَلَوْ تَقْدِيرًا أَوْ صِفَةً فَيَدْخُلُ مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَمِنْ الْحَوَرِ الْعَيْنِ، لِأَنَّ بَنَاتَ آدَمَ أَفْضَلُ مِنْهُنَّ، وَلِكُلِّ إنْسَانٍ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ ثِنْتَانِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَمَيِّتَنَا) وَلَا يَكْتَفِي بِهَذَا عَنْ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ إلَّا إنْ قَصَدَهُ فِيهِ بِخُصُوصِهِ وَلَوْ فِي عُمُومِهِ، وَحِينَئِذٍ يَكْفِي وَلَوْ فِي الصَّغِيرِ لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ لَا تَسْتَدْعِي سَبْقَ ذَنْبٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (فِي الطِّفْلِ) أَيْ مِنْ أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ يَقِينًا، وَفِي الْمَشْكُوكِ فِيهِ يُعَلِّقُ كَمَا يَأْتِي فِي الِاخْتِلَاطِ، وَفِي الطِّفْلَةِ يُؤَنِّثُ ضَمَائِرَهَا كَمَا مَرَّ، وَيُرَاعِي فِي الدُّعَاءِ مَا يُنَاسِبُ فَلَا يَقُولُ: فَرْطًا وَنَحْوَهُ إلَّا فِيمَنْ لَهُ أَصْلٌ مُسْلِمٌ، وَلَا عِظَةً وَنَحْوَهُ إلَّا فِيمَنْ لَهُ أَصْلٌ حَيٌّ وَهَكَذَا، وَفِي كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ حُرْمَةُ الدُّعَاءِ لِلْكَافِرِ بِأُخْرَوِيٍّ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالرَّاجِحُ خِلَافُهُ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ، وَمِنْهُ جَوَازُ الدُّعَاءِ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ خِلَافًا لِمَا فِي الْأَذْكَارِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّابِعَةِ) هُوَ عَطْفٌ عَلَى الْمَنْدُوبِ لِأَنَّ ذِكْرَهَا مَنْدُوبٌ، وَيُنْدَبُ تَطْوِيلُهَا بِقَدْرِ مَا يَأْتِي بِهِ فِي الثَّلَاثَةِ قَبْلَهَا، وَأَنْ يَقْرَأَ فِيهَا آيَاتِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ إلَى الْعَظِيمِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ تَقَدَّمَ الْأَوَّلَانِ) لَكِنْ بِلَفْظِ وَلَا تُضِلَّنَا
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَخَلَّفَ الْمُقْتَدِي) وَكَذَا لَوْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ إنْ أَحْرَمَ الْمُقْتَدِي عَقِبَ إحْرَامِ الْإِمَامِ وَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ إمَامُهُ، أَيْ شَرَعَ فِي التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
وَمِثْلُهَا الرَّابِعَةُ لِمَنْ أَحْرَمَ عَقِبَ الثَّانِيَةِ لِلْإِمَامِ، وَخَرَجَ بِالتَّكْبِيرِ الشُّرُوعُ فِي السَّلَامِ، فَلَا يَضُرُّ.
وَخَرَجَ بِالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ مَا زَادَهُ الْإِمَامُ فَلَا يَضُرُّ التَّخَلُّفُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُنْدَبُ مُتَابَعَتُهُ فِيهِ.
وَقَالُوا: لَهُ انْتِظَارُهُ فِيهِ أَيْضًا كَمَا مَرَّ، وَقِيلَ: إنَّهُ كَغَيْرِهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (بِلَا عُذْرٍ) أَمَّا لَوْ كَانَ لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ وَجَهْلٍ وَعَدَمِ سَمَاعِ إمَامٍ وَبُطْءِ قِرَاءَةٍ، فَلَا تَبْطُلُ بِتَخَلُّفِهِ بِتَكْبِيرَةٍ وَلَا بِتَكْبِيرَتَيْنِ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ وَمَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا عَدَمُ الْبُطْلَانِ وَلَوْ بِجَمِيعِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الْوَجْهُ فِي غَيْرِ عَدَمِ السَّمَاعِ بَلْ مَعَهُ أَوْلَى مِنْ الصَّلَاةِ الْأَصْلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (الْمَسْبُوقُ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَشَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ مَنْ تَأَخَّرَ إحْرَامُهُ عَنْ إحْرَامِ الْإِمَامِ فِي الْأُولَى، أَوْ عَنْ تَكْبِيرِهِ فِيمَا بَعْدَهَا، وَإِنْ أَدْرَكَ مِنْ الْقِيَامِ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ أَوْ أَكْثَرَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَقَوْلِهِمْ: فَلَوْ كَبَّرَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ إلَخْ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، جَوَازًا لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا لِمَا بَعْدَ الْأُولَى، وَذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ، ثُمَّ اعْتَمَدَ كَشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ الْوُجُوبَ قَالَ: وَهَذَا مُسْتَثْنَى مِمَّا تَقَدَّمَ آنِفًا نَظَرًا لِسُقُوطِهَا هُنَا، فَلَا
[حاشية عميرة]
نَسِيمِ رِيحِهَا) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيُرَادُ بِهِ الْفَضَاءُ أَيْضًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَفْرِغْ الصَّبْرَ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يَسْقُطُ هَذَا إذَا كَانَ أَبَوَاهُ مَيِّتَيْنِ؟ وَكَذَا قَوْلُهُ: وَعِظَةً وَاعْتِبَارًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي الرَّابِعَةِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ ذِكْرٍ فِيهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَلَمْ يُكَبِّرْ إلَخْ) لَوْ كَبَّرَ الْمَأْمُومُ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ الْأُخْرَى اُتُّجِهَ الصِّحَّةُ، وَلَوْ شَرَعَ مَعَ شُرُوعِهِ فِيهَا، وَلَكِنْ تَأَخَّرَ فَرَاغُ الْمَأْمُومِ هَلْ نَقُولُ بِالصِّحَّةِ أَمْ بِالْبُطْلَانِ؟ هُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ.
قَوْلُهُ: (مُتَفَاحِشٌ) وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَابَعَةَ هُنَا لَا تَظْهَرُ إلَّا بِالْمُوَافَقَةِ فِيهَا لِخُلُوِّهَا عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، ثُمَّ قَضِيَّةُ عِبَارَةِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ تَخَلَّفَ بِالرَّابِعَةِ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
قَوْلُهُ:
وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي غَيْرِهَا) كَالدُّعَاءِ رِعَايَةً لِتَرْتِيبِ صَلَاةِ نَفْسِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كَذَا ذَكَرُوهُ، وَهُوَ غَيْرُ صَافٍ عَنْ الْإِشْكَالِ، أَيْ لِمَا قَدَّمَهُ عَنْ النَّصِّ مِنْ جَوَازِ تَأْخِيرِ قِرَاءَتِهَا إلَى التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ.
(فَلَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ أُخْرَى قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْفَاتِحَةِ) بِأَنْ كَبَّرَ عَقِبَ تَكْبِيرِهِ (كَبَّرَ مَعَهُ وَسَقَطَتْ الْقِرَاءَةُ) عَنْهُ كَمَا لَوْ رَكَعَ الْإِمَامُ عَقِبَ تَكْبِيرِ الْمَسْبُوقِ فَإِنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ.
(وَإِنْ كَبَّرَهَا وَهُوَ فِي الْفَاتِحَةِ تَرَكَهَا وَتَابَعَهُ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي يَتَخَلَّفُ وَيُتِمُّهَا وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا رَكَعَ الْإِمَامُ فِي فَاتِحَةِ الْمَسْبُوقِ وَالْأَصَحُّ هُنَاكَ كَمَا تَقَدَّمَ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ اشْتَغَلَ بِافْتِتَاحٍ أَوْ تَعَوُّذٍ تَخَلَّفَ وَقَرَأَ بِقَدْرِهِ وَإِلَّا تَابَعَ الْإِمَامَ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخَانِ هَذَا التَّفْصِيلَ هُنَا، وَفِي الْكِفَايَةِ لَا شَكَّ فِي جَرَيَانِهِ هُنَا، وَبِهِ صَرَّحَ الْفُورَانِيُّ، أَيْ بِنَاءً عَلَى نَدْبِ التَّعَوُّذِ وَالِافْتِتَاحِ.
(وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ تَدَارَكَ الْمَسْبُوقُ بَاقِيَ التَّكْبِيرَاتِ بِأَذْكَارِهَا) كَمَا فِي تَدَارُكِ بَقِيَّةِ الرَّكَعَاتِ.
(وَفِي قَوْلٍ لَا تُشْتَرَطُ الْأَذْكَارُ) بَلْ يَأْتِي.
بِبَاقِي التَّكْبِيرَاتِ نَسَقًا لِأَنَّ الْجِنَازَةَ تُرْفَعُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَلَيْسَ الْوَقْتُ وَقْتَ تَطْوِيلٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُرْفَعَ حَتَّى يُتِمَّ الْمَسْبُوقُ وَلَا يَضُرُّ رَفْعُهَا قَبْلَ إتْمَامِهِ
. (وَتُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ) فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ كَالطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا تَقَدُّمُ غُسْلِ الْمَيِّتِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الزِّيَادَةِ (لَا الْجَمَاعَةُ) نَعَمْ تُسْتَحَبُّ فِيهَا كَعَادَةِ السَّلَفِ (وَيَسْقُطُ فَرْضُهَا بِوَاحِدٍ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ (وَقِيلَ: يَجِبُ) لِسُقُوطِ الْفَرْضِ (اثْنَانِ) أَيْ فِعْلُهُمَا (وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ) لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيّ «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ
[حاشية قليوبي]
يُكَبِّرُ حَتَّى يَقْرَأَهَا أَوْ يَقْرَأَ قَدْرَ مَا أَدْرَكَهُ مِنْهَا قَبْلَ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ، حَتَّى لَوْ قَصَدَ تَأْخِيرَهَا لَمْ يُعْتَبَرْ قَصْدُهُ، وَكَذَا لَا يُعْتَدُّ بِتَكْبِيرِهِ لَوْ كَبَّرَ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّمَا سَقَطَتْ هُنَا عَنْ الْمَسْبُوقِ نَظَرًا إلَى أَنَّ هَذَا مَحَلُّهَا الْأَصْلِيُّ، وَإِنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ فِيهِ فَلَا حَاجَةَ لِلِاسْتِثْنَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ) التَّكْبِيرَةَ الثَّانِيَةَ أَوْ غَيْرَهَا.
قَوْلُهُ: (كَبَّرَ مَعَهُ) أَيْ وُجُوبًا وَكَذَا لَوْ تَرَكَهَا، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: كَبَّرَ الْإِمَامُ لَوْ سَلَّمَ.
فَيُتِمُّ الْمَسْبُوقُ الْفَاتِحَةَ لِفَوَاتِ الْمُتَابَعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ هُنَاكَ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ هُنَا أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَضُرُّ رَفْعُهَا قَبْلَ إتْمَامِهِ) وَلَا خُرُوجُهَا عَنْ الْقِبْلَةِ، وَلَا بُعْدُ الْمَسَافَةِ، وَلَا وُجُودُ حَائِلٍ، وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ عَلَيْهَا تَارَةً لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ رُفِعَتْ، فَإِنْ أَحْرَمَ عَلَيْهَا سَائِرَةً مَعَ الشُّرُوطِ لَمْ يَضُرَّ غَيْرُ بُعْدِ الْمَسَافَةِ.
وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ أَنَّهُ يَضُرُّ خُرُوجُهَا عَنْ الْقِبْلَةِ أَيْضًا، وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ.
نَعَمْ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهَذَا الْمَسْبُوقِ فِي أَحْوَالِهِ الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
(فَرْعٌ) يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ كَغَيْرِهَا، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا سُجُودُ سَهْوٍ وَلَا تِلَاوَةٍ، وَتَبْطُلُ بِهِمَا مِنْ الْعَامِدِ الْعَالِمِ.
قَوْلُهُ: (كَالطَّهَارَةِ) أَيْ لِلْمَيِّتِ وَلِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِمَّا يَضُرُّ فِي الْحَيِّ كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا، وَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ وَالْوَجْهُ أَنَّ الْمُرَادَ طَهَارَةُ الْمُصَلِّي أَخْذًا مِنْ انْضِمَامِهَا لِبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالسِّتْرِ وَغَيْرِهِمَا.
نَعَمْ يُمْكِنُ شُمُولُهَا لِمَا قَالَهُ شَيْخُنَا بِتَجَوُّزٍ، وَعَلَيْهِ يَضُرُّ نَجَاسَةٌ عَلَى رِجْلِ تَابُوتٍ وَالْمَيِّتُ مَرْبُوطٌ عَلَيْهِ.
نَعَمْ لَا يَضُرُّ اتِّصَالُ نَجَاسَةٍ فِي الْقَبْرِ لِأَنَّهُ كَانْفِجَارِهِ، وَهُوَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لَا الْجَمَاعَةُ) أَيْ لَا تُشْتَرَطُ الْجَمَاعَةُ فِيهَا، وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ، فَالْجَمَاعَةُ وَالْعَدَدُ فِيهَا مَنْدُوبَانِ.
قَوْلُهُ: (بِوَاحِدٍ) وَلَوْ صَبِيًّا مَعَ وُجُودِ بَالِغٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَمُصَلِّيًا بِالذَّكَرِ أَوْ بِالْوُقُوفِ لِعَجْزٍ مَعَ وُجُودِ قَادِرٍ عَلَى الْفَاتِحَةِ
[حاشية عميرة]
يَتَخَلَّفُ وَيُتِمُّ) أَيْ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِتَكْبِيرَتَيْنِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ فِي كُلِّ مَنْ تَخَلَّفَ بِعُذْرٍ هُنَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ بِنَاءً عَلَى نَدْبِ التَّعَوُّذِ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ إذَا لَوْ فَرَّعْنَا عَلَى عَدَمِ النَّدْبِ فَخَالَفَ وَاشْتُغِلَ بِهِمَا لَا يَتَخَلَّفُ عَلَى هَذَا الثَّالِثِ وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالتَّخَلُّفِ فِيمَا يَظْهَرُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي قَوْلٍ) مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا رُفِعَتْ، أَمَّا إذَا بَقِيَتْ بِسَبَبٍ مَا فَيَقُولُ الْأَذْكَارَ قَطْعًا قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ.
أَقُولُ: فَلَوْ أَبْقَوْهَا مُرَاعَاةً لِلْأَمْرِ الْمَنْدُوبِ وَهُوَ اسْتِمْرَارُهَا حَتَّى يَفْرُغَ الْمَسْبُوقُ فَالْخِلَافُ ثَابِتٌ فِيمَا يَظْهَرُ، وَكَلَامُ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ هَذَا لَا يَفِي بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُرْفَعَ) فَلَوْ رُفِعَتْ لَمْ يَضُرَّ، وَلَوْ حُوِّلَتْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَا الْجَمَاعَةِ) كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَكَمَا فِي صَلَاةِ الصَّحَابَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الْمُرَادُ نَفْيُ الْجَمَاعَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِدَاءِ، وَأَمَّا نَفْيُ الْجَمَاعَةِ إفْرَادًا فَمُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي.
وَيَسْقُطُ فَرْضُهَا بِوَاحِدٍ، وَلَوْ حَمَلْنَا الْجَمَاعَةَ الْمَنْفِيَّةَ عَلَى الْعُمُومِ لَكَانَ قَوْلُهُ: وَيَسْقُطُ فَرْضُهَا بِوَاحِدٍ مُغْنِيًا عَنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ
إلَّا اللَّهُ» ، وَأَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ (وَقِيلَ:) يَجِبُ (أَرْبَعَةٌ) كَمَا يَجِبُ عِنْدَ قَائِلِهِ أَنْ يَحْمِلَ الْجِنَازَةَ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّ فِي أَقَلَّ مِنْهَا ازْدِرَاءً بِالْمَيِّتِ، قَالَ: وَسَوَاءٌ صَلُّوا جَمَاعَةً أَمْ أَفْرَادًا، كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ: وَمَنْ اعْتَبَرَ الْعَدَدَ قَالَ سَوَاءٌ إلَخْ، وَاقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى حِكَايَةِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ قَوْلَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ بَعْدَ تَعْبِيرِهِ بِالْوُجُوهِ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا مَا لَوْ بَانَ حَدَثُ الْإِمَامِ أَوْ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ إنْ بَقِيَ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ سَقَطَ الْفَرْضُ وَإِلَّا فَلَا وَهَلْ الصِّبْيَانُ الْمُمَيِّزُونَ كَالْبَالِغِينَ عَلَى اخْتِلَافِ الْوُجُوهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ عَدَدٌ زَائِدٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَقَعَتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ فَرْضَ كِفَايَةٍ.
(وَلَا يَسْقُطُ) فَرْضُهَا (بِالنِّسَاءِ وَهُنَاكَ رِجَالٌ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ، وَالثَّانِي اسْتَنَدَ إلَى صِحَّةِ صَلَاتِهِنَّ وَجَمَاعَتِهِنَّ كَالرِّجَالِ فَتَأْتِي عَلَيْهِ الْوُجُوهُ السَّابِقَةُ فِيهِمْ، وَعَلَى الْأَصَحِّ فِيهِنَّ إنْ لَمْ يَكُنْ رَجُلٌ صَلَّيْنَ لِلضَّرُورَةِ مُنْفَرِدَاتٍ وَسَقَطَ الْفَرْضُ بِهِنَّ، وَلَا تُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الْجَمَاعَةُ، وَقِيلَ تُسْتَحَبُّ فِي جِنَازَةِ الْمَرْأَةِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: إذَا لَمْ يَحْضُرْ إلَّا النِّسَاءُ تَوَجَّهَ الْفَرْضُ عَلَيْهِنَّ، وَإِذَا حَضَرْنَ مَعَ الرِّجَالِ لَمْ يَتَوَجَّهْ الْفَرْضُ عَلَيْهِنَّ فَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ إلَّا رَجُلٌ وَنِسَاءٌ، وَقُلْنَا لَا يَسْقُطُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ تَوَجَّهَ التَّتْمِيمُ عَلَيْهِنَّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخُنْثَى فِي هَذَا الْفَصْلِ كَالْمَرْأَةِ، وَجَزَمَ بِهَذَا التَّشْبِيهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَالَ فِيهِ فِي بَابِ الْأَحْدَاثِ إذَا صَلَّى الْخُنْثَى عَلَى الْمَيِّتِ فَلَهُ حُكْمُ الْمَرْأَةِ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ فِي الْأَصَحِّ
. (وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ عَنْ الْبَلَدِ) «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَهُمْ بِمَوْتِ النَّجَاشِيِّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى فَصَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَمْ لَا عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَمْ لَا، أَمَّا لِحَاضِرٍ فِي الْبَلَدِ فَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ إلَّا مَنْ حَضَرَهُ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ -
[حاشية قليوبي]
أَوْ غَيْرِهَا، وَاكْتَفَى بِالصَّبِيِّ لِأَنَّ دُعَاءَهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ الْمَقْصُودَةِ، فَلَا يُنَافِي عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِهِ فِي إحْيَاءِ الْكَعْبَةِ وَرَدِّ السَّلَامِ عَلَى الْبَالِغِ.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ إلَخْ) رَاجِعٌ لِلْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ بِدَلِيلِ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ.
قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا نَعَمْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَفْرَدَهُمْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِيهِمْ طُرُقٌ.
قَوْلُهُ: (عَدَدٌ زَائِدٌ) سَوَاءٌ صَلُّوا مَعَ غَيْرِهِمْ، أَوْ وَحْدَهُمْ، أَوْ فُرَادَى.
قَوْلُهُ: (وَهُنَاكَ) أَيْ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ السَّعْيُ فِيهِ لِلْجُمُعَةِ بِسَمَاعِ النِّدَاءِ، وَبَعْضُهُمْ ضَبَطَهُ بِمَا يَأْتِي فِي الْغَائِبِ وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (رِجَالٌ) أَيْ ذُكُورٌ وَلَوْ وَاحِدًا مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ، وَإِلَّا فَهُمْ كَالْعَدَمِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيَتَوَجَّهُ عَلَى النِّسَاءِ مَعَ الصَّبِيِّ أَمْرُهُ بِالصَّلَاةِ وَضَرْبُهُ عَلَيْهَا، فَإِنْ امْتَنَعَ صَلَّيْنَ وَإِنْ حَضَرَ بَعْدَ صَلَاتِهِنَّ أَوْ صَلَاةِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَجُلٌ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِنَّ، وَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ لِلنِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَتَقَعُ صَلَاتُهُنَّ مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِسَيْرِهِنَّ نَافِلَةً كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (إنَّ الْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِهِ مَعَ الذُّكُورِ، إذْ لَا يَكْتَفِي بِصَلَاةِ النِّسَاءِ مَعَهُ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَوْ تَعَدَّدَ لَمْ تَسْقُطْ إلَّا بِصَلَاةِ الْجَمِيعِ، وَيَسْقُطُ بِهِنَّ الْفَرْضُ عَنْ النِّسَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَوْ فِي جِنَازَةِ الرِّجَالِ خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ
. قَوْلُهُ: (عَلَى الْغَائِبِ) خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَحَلُّهُ إنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ طُهْرَهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْحُضُورُ مَشَقَّةً لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً وَلَوْ فِي الْبَلَدِ.
قَوْلُهُ: (فَصَلَّى عَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ النَّجَاشِيِّ هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا صَلَاةٌ عَلَى غَائِبٍ، وَمَا قِيلَ: إنَّهُ رُفِعَ وَهُوَ بِالْحَبَشَةِ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ الْحَاجِبِ
[حاشية عميرة]
شَرْطًا فِيهَا، فَكَذَلِكَ الْعَدَدُ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (اثْنَانِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ.
هَكَذَا اسْتَدَلَّ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَلَكَ غَيْرَ ذَلِكَ كَمَا تَعْرِفُهُ مِنْ بَقِيَّةِ كَلَامِهِ الْآتِي.
وَقَوْلُهُ: وَأَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ اثْنَانِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ ثَلَاثَةٌ يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ: وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ، وَقَوْلُهُ: قَالَ وَسَوَاءٌ يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ: عِنْدَ قَائِلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَاقْتَصَرَ فِيهَا إلَخْ) غَرَضُهُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ فِي الرَّوْضَةِ ذَكَرَ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَ قَوْلَيْنِ، وَذَكَرَ الثَّانِيَ وَالرَّابِعَ وَجْهَيْنِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى حِكَايَةِ الْأَوَّلِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا فِي قَوْلِ الْمَتْنِ، وَيَسْقُطُ فَرْضُهَا بِوَاحِدٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَهُنَاكَ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا إذَا غَابَ عَنْ الْمَجْلِسِ أَوْ الْبَلَدِ، فَإِنَّ الْمُتَّجَهَ إلْحَاقُهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ كَمَا سَتَعْرِفُهُ، فَإِنْ كَانَ فِي صَحْرَاءَ فَيُحْتَمَلُ إلْحَاقُهُ بِطَلَبِ الْمَاءِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: رِجَالٌ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مِثْلُهُمْ الْوَاحِدُ وَالصَّبِيُّ، وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِمُؤَلَّفِهِ مَا يُخَالِفُ كَلَامَهُ فِي مَسْأَلَةِ الصَّبِيِّ قُلْت: وَمَا أَدْرِي مَاذَا يَقُولُ الْإِسْنَوِيُّ فِيمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ بِالْبَلَدِ إلَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَإِنَّ الْفَرْضَ يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ بِلَا رَيْبٍ، وَأَمَّا صِحَّتُهَا مِنْهُنَّ فَلَا إشْكَالَ فِيهَا، فَإِنْ قَالَ بِصِحَّتِهَا وَتَعَلَّقَ الْفَرْضُ بِهِنَّ وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَسْقُطُ مِنْهُنَّ إلَّا بِفِعْلِ الصَّبِيِّ فَفِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَهَذَا الْفَرْعُ مِمَّا لَمْ يَسْبِقْ بِهِ فِي عَصْرٍ بَلْ قَالَهُ أَوَّلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَتَوَجَّهْ الْفَرْضُ عَلَيْهِنَّ) بَلْ تَقَعُ صَلَاتُهُنَّ مَعَهُمْ نَافِلَةً.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِثَلَاثَةٍ) كَذَا يُقَالُ لَوْ قُلْنَا بِاثْنَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعَةٍ.
[الصَّلَاة عَلَى الْغَائِب]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَنْ الْبَلَدِ) قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الشَّرْطَ غَيْبَتُهُ بِحَيْثُ
تَقْرِيبًا، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ
. (وَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا) أَيْ الصَّلَاةِ.
(عَلَى الدَّفْنِ) فَإِنْ دُفِنَ قَبْلَهَا أَتَمَّ الدَّافِنُونَ وَصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ كَمَا قَالَ.
(وَتَصِحُّ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الدَّفْنِ عَلَى الْقَبْرِ سَوَاءٌ دُفِنَ قَبْلَهَا أَمْ بَعْدَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْقَبْرِ.
(وَالْأَصَحُّ تَخْصِيصُ الصِّحَّةِ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا وَقْتَ الْمَوْتِ) وَالثَّانِي بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَقْتَ الْمَوْتِ، فَمَنْ كَانَ وَقْتُهُ غَيْرَ مُمَيِّزٍ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَطْعًا وَمَنْ كَانَ وَقْتُهُ مُمَيِّزًا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَتَصِحُّ عَلَى الثَّانِي، وَإِلَى مَتَى يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ قِيلَ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ إلَى شَهْرٍ، وَقِيلَ مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْمَيِّتِ، وَقِيلَ أَبَدًا
. (وَلَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَالٍ) وَكَذَا قَبْرُ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ -، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ أَوْ الْمَيِّتِ الْحَاضِرِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الزِّيَادَةِ
. (فَرْعٌ:) زَادَ التَّرْجَمَةَ بِهِ لِطُولِ الْفَصْلِ قَبْلَهُ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ كَمَا نَقَصَ تَرْجَمَةَ التَّعْزِيَةِ بِفَصْلٍ لِقِصَرِ الْفَصْلِ قَبْلَهُ.
(الْجَدِيدُ أَنَّ الْوَلِيَّ أَوْلَى بِإِمَامَتِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ (مِنْ الْوَالِي) لِأَنَّ دُعَاءَهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ، وَالْقَدِيمُ أَنَّ الْوَالِيَ أَوْلَى مِنْ الْوَلِيِّ كَمَا أَنَّهُ مِنْ الْمَالِكِ فِي إمَامَةِ الصَّلَوَاتِ، وَبَعْدَ الْوَالِي عَلَى الْقَدِيمِ إمَامُ الْمَسْجِدِ ثُمَّ الْوَلِيُّ (فَيُقَدَّمُ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ) أَبُوهُ (وَإِنْ عَلَا ثُمَّ الِابْنُ ثُمَّ ابْنُهُ) وَإِنْ سَفَلَ (ثُمَّ الْأَخُ) لِأَنَّ الْأُصُولَ أَشْفَقُ مِنْ الْفُرُوعِ، وَالْفُرُوعَ أَشْفَقُ مِنْ الْحَوَاشِي،
[حاشية قليوبي]
لِرُؤْيَتِهِ مَثَلًا.
وَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي هَذَا الْمَحَلِّ غَيْرُ صَحِيحٍ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ) وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ الْحَائِلِ بَيْنَهُمَا إلَّا سِحْلِيَّةً غَيْرَ مُسَمَّرَةٍ، وَقَبْرٍ وَبَيْتٍ مُغْلَقٍ غَيْرِ مُسَمَّرٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا) أَيْ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَتَسْقُطُ بِهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ، بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا مُسْلِمًا طَاهِرًا فَلَا تَصِحُّ عَلَى الْغَائِبِ وَالْقَبْرِ مِمَّنْ اتَّصَفَ بِضِدِّ ذَلِكَ الصَّبِيِّ بِلَا خِلَافٍ، وَغَيْرُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِلْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (وَقْتَ الْمَوْتِ) الْمُعْتَمَدُ وَقْتُ الدَّفْنِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ أَبَدًا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ
. قَوْلُهُ: (مِنْ الْأَنْبِيَاءِ) وَمِنْهُمْ سَيِّدُنَا عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ دَفْنِهِ، وَتَصِحُّ قَبْلَهُ مِمَّنْ حَضَرَ مَوْتَهُ قَالَ شَيْخُنَا: وَتَحْرُمُ الصَّلَاةُ عَلَى قُبُورِهِمْ وَالتَّوَجُّهُ بِهَا إلَيْهَا، وَلَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلَكِنْ لَا تَبْطُلُ.
(فَرْعٌ) تُنْدَبُ الصَّلَاةُ آخِرُ كُلِّ يَوْمٍ بَعْدَ الْغُرُوبِ عَلَى مَنْ مَاتَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَيَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ أَسْهَلُ النِّيَّاتِ وَأَوْلَاهَا
[فَرْعٌ الْوَلِيَّ أَوْلَى بِإِمَامَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ الْوَالِي]
. قَوْلُهُ: (فَرْعٌ زَادَ التَّرْجَمَةَ بِهِ إلَخْ) فِيهِ تَسْلِيمٌ أَنَّهُ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى مَا قَبْلَهُ فَذِكْرُهُ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، وَأَجَابَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِأَنَّ الصَّلَاةَ تَسْتَدْعِي مُصَلِّيًا وَهُوَ يَسْتَدْعِي مَعْرِفَةَ أَوْصَافِهِ الَّتِي يَتَقَدَّمُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (الْوَلِيَّ) أَيْ الْقَرِيبَ وَلَوْ غَيْرَ وَارِثٍ، وَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْلَى) أَيْ مِنْ الْأَجَانِبِ فَلَهُمْ وِلَايَةٌ وَالتَّرْتِيبُ مَنْدُوبٌ، فَلَوْ تَقَدَّمَ الْأَجْنَبِيُّ لَمْ يَأْثَمْ وَنَائِبُ مَنْ لَهُ الْحَقُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَبْعَدِ، فَإِنْ غَابَ وَلَا نَائِبَ لَهُ قُدِّمَ الْأَبْعَدُ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَدِيمُ) وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ.
نَعَمْ لَوْ خِيفَ
[حاشية عميرة]
يَجُوزُ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي مَكَانِهِ لِلْخَارِجِ مِنْ الْبَلَدِ بِخِلَافِ الَّذِي فِي الْبَلَدِ، وَإِنْ أَفْرَطَ اتِّسَاعُهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ الشَّخْصَ إذَا مَاتَ بِهَدْمٍ وَتَعَذَّرَ غُسْلُهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْغَائِبَ إذَا كَانَ بِبِلَادِ الْحَرْبِ وَنَحْوِهَا وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ تَغْسِيلِهِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، بَلْ لَوْ شَكَّ فِي غُسْلِهِ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ، ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ نَقَلَ عَنْ صَاحِبِ الْوَافِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ خَارِجَ السُّوَرِ قَرِيبًا مِنْهُ، فَهُوَ كَدَاخِلِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَصَحُّ تَخْصِيصُ الصِّحَّةِ) أَيْ فِي الْغَائِبِ وَالدَّفْنِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا) قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: لِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يُتَطَوَّعُ بِهَا، انْتَهَى.
وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فِي الْحَاضِرَةِ أَيْضًا إذَا لَمْ يَتَّصِفْ الشَّخْصُ بِالْأَهْلِيَّةِ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: لَا يُتَطَوَّعُ بِهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِصُورَتِهَا مِنْ غَيْرِ جِنَازَةٍ بِخِلَافِ صَلَاةِ الظُّهْرِ، فَإِنَّهُ يُؤْتَى بِصُورَتِهَا ابْتِدَاءً بِلَا سَبَبٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَكَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا تَقَعُ نَافِلَةً إذَا أُعِيدَتْ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِعَادَةُ غَيْرَ مَنْدُوبَةٍ.
وَتَقَعُ نَافِلَةً أَيْضًا لِلنِّسَاءِ إذَا فَعَلْنَهَا مَعَ الرِّجَالِ.
قَوْلُهُ (وَقِيلَ أَبَدًا) قَالَ السُّبْكِيُّ: هُوَ أَضْعَفُهَا
. قَوْلُهُ: (بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْفَرْعِ، وَقَوْلُهُ: بِفَصْلٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: تَرْجَمَةَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ دُعَاءَهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ) أَيْ لِانْكِسَارِ
وَدُعَاءُ الْأَشْفَقِ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ.
(وَالْأَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ عَلَى الْأَخِ لِأَبٍ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَشْفَقُ بِزِيَادَةِ قُرْبِهِ، وَالثَّانِي هُمَا سَوَاءٌ إذْ لَا مَدْخَلَ لِلْأُمُومَةِ فِي إمَامَةِ الرِّجَالِ، فَلَا يُرَجَّحُ بِهَا وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا تَصْحِيحُ طَرِيقِ الْقَطْعِ بِالْأَوَّلِ، وَعَبَّرَ فِي الْمُحَرَّرِ بِالْأَصَحِّ (ثُمَّ) بَعْدَهُمَا (ابْنُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ الْعَصَبَةُ) الْبَاقُونَ (عَلَى تَرْتِيبِ الْإِرْثِ) يُقَدَّمُ الْعَمُّ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأَبٍ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: لَوْ اجْتَمَعَ عَمَّانِ أَوْ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا لِأَبَوَيْنِ وَالْآخَرُ لِأَبٍ أَوْ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ فَفِيهِ الطَّرِيقَانِ، وَذَكَرَ فِي الرَّوْضَةِ الْأَخِيرَةِ، وَسَكَتَ عَنْ اجْتِمَاعِ ابْنِ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ وَابْنِ أَخٍ لِأَبٍ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا كَاجْتِمَاعِ أَبَوَيْهِمَا فَفِيهِ الطَّرِيقَانِ، ثُمَّ بَعْدَ عَصَبَةِ النَّسَبِ الْمُعْتَقُ، ثُمَّ عَصَبَتُهُ.
(ثُمَّ ذَوُو الْأَرْحَامِ) وَالْأَخُ لِلْأُمِّ يُقَدَّمُ مِنْهُمْ أَبُو الْأُمِّ ثُمَّ الْأَخُ لِلْأُمِّ ثُمَّ الْخَالُ ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأُمِّ، وَقَوْلُ الْوَجِيزِ بَعْدَ ذِكْرِ الْعَصَبَاتِ ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ فَذَوُو الْأَرْحَامِ حَمَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَلَى وَارِثٍ مِنْ الْعَصَبَاتِ حَتَّى لَا يُنَافِي مَا نَقَلَهُ عَنْ التَّهْذِيبِ مِنْ تَقْدِيمِ أَبِي الْأُمِّ عَلَى الْأَخِ لِلْأُمِّ، وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(وَلَوْ اجْتَمَعَا) أَيْ اثْنَانِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (فِي دَرَجَةٍ) كَابْنَيْنِ أَوْ أَخَوَيْنِ فَالْأَسَنُّ الْعَدْلُ أَوْلَى عَلَى (النَّصِّ) مِنْ الْأَفْقَهِ، وَنَصَّ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ عَلَى أَنَّ الْأَفْقَهَ أَوْلَى مِنْ الْأَسَنِّ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ خَرَّجَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلًا فِي الْأُخْرَى، وَالْجُمْهُورُ قَرَّرُوا النَّصَّيْنِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ وَالْأَسَنُّ أَشْفَقُ عَلَيْهِ فَدُعَاؤُهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَكْبَرُ سِنًّا فِي الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ شَابًّا وَإِنَّمَا يُقَدَّمُ إذَا حُمِدَتْ حَالُهُ، أَمَّا الْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ فَلَا، كَذَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ: فَالْأَسَنُّ أَوْلَى عَلَى الْأَصَحِّ إنْ كَانَ عَدْلًا، وَالْحُرُّ أَوْلَى مِنْ الرَّقِيقِ، أَوْ مِنْ الْمُجْتَمِعِينَ فِي دَرَجَةٍ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: بَدَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِوُضُوحِهَا.
(وَيُقَدَّمُ الْحُرُّ الْبَعِيدُ عَلَى الْعَبْدِ الْقَرِيبِ) أَيْ كَأَخٍ رَقِيقٍ وَعَمٍّ حُرٍّ نَظَرًا لِلْحُرِّيَّةِ، وَقِيلَ الْعَكْسُ نَظَرًا لِلْقُرْبِ، وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ لِتَعَارُضِ الْمَعْنَيَيْنِ وَلَوْ اجْتَمَعُوا فِي دَرَجَةٍ وَاسْتَوَتْ خِصَالُهُمْ فَإِنْ رَضُوا بِتَقْدِيمِ وَاحِدٍ فَذَاكَ وَإِلَّا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ.
«وَيَقِفُ الْمُصَلِّي إمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا.
[حاشية قليوبي]
الْفِتْنَةُ قُدِّمَ إجْمَاعًا وَبَعْدَ الْوَالِي عَلَى الْقَدِيمِ إمَامُ الْمَسْجِدِ أَيْ إنْ كَانَ هَذَا الْوَالِي هُوَ الَّذِي وَلَّى إمَامَ الْمَسْجِدِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ، وَإِلَّا قُدِّمَ إمَامُ الْمَسْجِدِ عَلَيْهِ، وَكَذَا يُقَالُ عَلَى الْجَدِيدِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ حَيْثُ لَمْ يُوَافِقْ اصْطِلَاحُهُ وَلَا أَصْلُهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى تَرْتِيبِ الْإِرْثِ) مِنْهُ يُعْلَمُ تَقْدِيمُ الْأَخِ لِلْأَبِ عَلَى ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ، وَابْنِ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ عَلَى ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ عَلَى الْأَظْهَرِ السَّابِقِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) اعْتِرَاضٌ أَيْضًا عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ فِي الْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ، وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الرَّوْضَةِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ عُصْبَتُهُ) ثُمَّ إمَامُ بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ نَائِبُهُ إنْ انْتَظَمَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ ذَوُو الْأَرْحَامِ) يُقَدَّمُ مِنْهُمْ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ، ثُمَّ أَبُو الْأُمِّ ثُمَّ الْأَخُ لِلْأُمِّ، ثُمَّ الْخَالُ ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأُمِّ، وَيُقَدَّمُ الزَّوْجُ عَلَى الْأَجَانِبِ، وَكَذَا الزَّوْجَةُ عِنْدَ فَقْدِ الذُّكُورِ، وَتُقَدَّمُ الْقَرَابَاتُ بِتَقْدِيمِ الذَّكَرِ وَيُقَدَّمُ السَّيِّدُ فِي عَبْدِهِ عَلَى أَقَارِبِ الْعَبْدِ وَلَوْ أَحْرَارًا، وَوَلِيُّ الْمَرْأَةِ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَى أَمَتِهَا.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ فَلَا) وَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْإِمَامَةِ أَصْلًا وَكَذَا الْقَاتِلُ قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْبُرُلُّسِيُّ كَمَا فِي الْغُسْلِ، وَيُمْكِنُ كَوْنُ الْفَاسِقِ شَامِلًا لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَدَّمُ الْحُرُّ الْبَعِيدُ عَلَى الْعَبْدِ الْقَرِيبِ) بِمَعْنَى الْأَقْرَبِ إذْ الْكَلَامُ فِيمَنْ لَهُمَا قَرَابَةٌ وَاسْتَوَيَا بُلُوغًا، وَإِلَّا فَيُقَدَّمُ الْعَبْدُ الْبَالِغُ عَلَى الْحُرِّ الصَّبِيِّ، وَالرَّقِيقُ الْقَرِيبُ عَلَى الْحُرِّ الْأَجْنَبِيِّ، وَتُقَدَّمُ الْأَجَانِبُ بِمَا فِي الصَّلَوَاتِ.
قَوْلُهُ: (قَطْعًا لِلنِّزَاعِ) يُفِيدُ أَنَّ الْقُرْعَةَ لِمَا
[حاشية عميرة]
قَلْبِهِ وَتَأَلُّمِهِ، وَأَيْضًا فَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِ فَكَانَتْ كَالتَّكْفِينِ، وَبِالْقَدِيمِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، وَلَنَا وَجْهٌ أَيْضًا مَرْجُوحٌ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالصَّلَاةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقَرِيبِ.
قَوْلُهُ: (أَبُوهُ) خَرَجَ أَبُو الْأُمِّ فَإِنَّهُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا مَدْخَلَ إلَخْ) أُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ اسْتِقْلَالِهَا عَدَمُ صَلَاحِيَّتِهَا لِلتَّرْجِيحِ.
قَوْلُهُ: (تَصْحِيحُ طَرِيقِ الْقَطْعِ) أَيْ إلْحَاقًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْإِرْثِ، وَالطَّرِيقُ الْأَوْلَى إلْحَاقًا بِوِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَتَحَمُّلُ الْعَقْلِ فَإِنَّ فِيهِمَا قَوْلَيْنِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَلَى تَرْتِيبِ الْإِرْثِ) مِنْهُ تَسْتَفِيدُ أَنَّ ابْنَ الْأَخِ لِأَبٍ مُقَدَّمٌ عَلَى ابْنِ ابْنِ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ.
(تَنْبِيهٌ) مَا سَلَفَ فِي الْغُسْلِ مِنْ اشْتِرَاطِ أَنْ لَا يَكُونَ قَاتِلًا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ هُنَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثُمَّ ذَوُو الْأَرْحَامِ) قَدْ اسْتَفَدْنَا مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الزَّوْجَ لَا مَدْخَلَ لَهُ هُنَا، وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ تَقْدِيمَهُ عَلَى الْأَجَانِبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مِنْ الْمُجْتَمِعِينَ فِي دَرَجَةٍ) إنَّمَا فَسَّرَ بِذَلِكَ كَلَامَ الْمُحَرَّرِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَالْحُرُّ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَالْأَسَنُّ وَكِلَاهُمَا مَسْبُوقٌ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ اُجْتُمِعَا فِي دَرَجَةٍ.
قَوْلُهُ:
عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَعَجُزِهَا أَيْ الْمَرْأَةِ، كَذَا فَعَلَ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَ هَكَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُومُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَعَجِيزَةِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ نَعَمْ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَمُرَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ فَقَامَ وَسَطَهَا» ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ فَيَقِفُ عِنْدَ عَجِيزَتِهِ.
(وَتَجُوزُ عَلَى الْجَنَائِزِ صَلَاةٌ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الدُّعَاءُ وَالْجَمْعُ فِيهِ مُمْكِنٌ، وَالْأَوْلَى إفْرَادُ كُلِّ جِنَازَةٍ بِصَلَاةٍ إنْ أَمْكَنَ، وَعَلَى الْجَمْعِ إنْ حَضَرَتْ دَفْعَةً قُدِّمَ إلَى الْإِمَامِ الرَّجُلُ ثُمَّ الصَّبِيُّ ثُمَّ الْخُنْثَى ثُمَّ الْمَرْأَةُ فَإِنْ كَانُوا رِجَالًا أَوْ نِسَاءً قُدِّمَ إلَيْهِ أَفْضَلُهُمْ بِالْوَرَعِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُرَغِّبُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَلَا يُقَدَّمُ بِالْحُرِّيَّةِ أَوْ مُتَعَاقِبَةً قُدِّمَ إلَيْهِ الْأَسْبَقُ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَأَخِّرُ أَفْضَلَ، فَلَوْ سَبَقَتْ امْرَأَةٌ ثُمَّ حَضَرَ رَجُلٌ أَوْ صَبِيٌّ أُخِّرَتْ عَنْهُ وَلَوْ سَبَقَ صَبِيٌّ رَجُلًا قُدِّمَ الصَّبِيُّ، وَقِيلَ الرَّجُلُ، وَلَا بُدَّ مِنْ رِضَا الْأَوْلِيَاءِ بِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ رَضْوَ أَوْ حَضَرَتْ الْجَنَائِزُ مُرَتَّبَةً فَوَلِيُّ السَّابِقَةِ أَوْلَى رَجُلًا كَانَ مَيِّتُهُ أَوْ امْرَأَةً، وَإِنْ حَضَرَتْ مَعًا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ.
(وَتَحْرُمُ) الصَّلَاةُ (عَلَى الْكَافِرِ) حَرْبِيًّا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 84] (وَلَا يَجِبُ غُسْلُهُ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ حَرْبِيًّا، لَكِنْ يَجُوزُ لَهُمْ وَقَدْ غَسَّلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَبَاهُ، رَوَاهُ، أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَضَمَّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إلَى الْمُسْلِمِينَ غَيْرَهُمْ فِي الشِّقَّيْنِ وَإِلَى الْغُسْلِ التَّكْفِينَ وَالدَّفْنَ فِي الْجَوَازِ لِلْمُسْلِمِ وَيُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ وَسَوَاءٌ فِي الْجَوَازِ الْقَرِيبُ وَالْأَجْنَبِيُّ، وَسَيَأْتِي فِي الزِّيَادَةِ أَنَّ الْقَرِيبَ الْكَافِرَ أَحَقُّ مِنْ الْمُسْلِمِ.
(وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ تَكْفِينِ الذِّمِّيِّ وَدَفْنِهِ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَفَاءً بِذِمَّتِهِ، وَالثَّانِي يَقُولُ: انْتَهَتْ ذِمَّتُهُ، أَيْ عَهْدُهُ بِالْمَوْتِ فَلَا يَجِبَانِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: بَلْ يُنْدَبَانِ، وَلَا يَجِبُ تَكْفِينُ الْحَرْبِيِّ وَلَا دَفْنُهُ قَطْعًا، وَقِيلَ: يَجِبُ دَفْنُهُ فِي وَجْهٍ وَفِي وَجْهٍ لَا بَلْ يَجُوزُ إغْرَاءُ الْكِلَابِ عَلَيْهِ، فَإِنْ دُفِنَ فَلِئَلَّا يَتَأَذَّى النَّاسُ بِرَائِحَتِهِ، وَالْمُرْتَدُّ كَالْحَرْبِيِّ.
(وَلَوْ وُجِدَ عُضْوُ مُسْلِمٍ عُلِمَ مَوْتُهُ صَلَّى عَلَيْهِ) بَعْدَ غُسْلِهِ وَمُوَارَاتِهِ بِخِرْقَةٍ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى جُمْلَةِ الْمَيِّتِ كَمَا صَلَّتْ الصَّحَابَةُ
[حاشية قليوبي]
ذَكَرَ وَلَوْ تَقَدَّمَ غَيْرُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ لَمْ يَأْثَمْ لِمَا مَرَّ أَنَّ التَّرْتِيبَ مَنْدُوبٌ.
نَعَمْ لَوْ اجْتَمَعَ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ قُدِّمَ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ) أَيْ الذُّكُورِ إنْ كَانَ مَعَهُ أُنْثَى فِي نَعْشٍ وَاحِدٍ، أَوْ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَعَجُزِهَا) وَلَوْ عَلَى الْقَبْرِ أَيْضًا وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ قَوْلُهُ: (وَتَجُوزُ عَلَى الْجَنَائِزِ صَلَاةٌ) بِأَنْ يَجْمَعَهُمْ فِي نِيَّتِهِ كَمَا مَرَّ فَذَاكَ فِي صِحَّةِ النِّيَّةِ، وَهَذَا فِي جَوَازِ ذَلِكَ فَلَا تَكْرَارَ.
قَوْلُهُ: (إنْ حَضَرَتْ) أَيْ فِي مَحَلٍّ يَحْرُمُ الْإِمَامُ عَلَيْهَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (رَجُلٌ أَوْ صَبِيٌّ) وَمِثْلُهُمَا الْخُنْثَى، وَهَلْ يُنَحَّى غَيْرُ النَّبِيِّ لَهُ؟ وَقِيَاسُ الْبَابِ عَدَمُ التَّنْحِيَةِ كَجَاهِلٍ سَبَقَ عَالِمًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانُوا رِجَالًا أَوْ نِسَاءً) زَادَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَنْهَجِ أَوْ خَنَاثَى، وَالصَّوَابُ إسْقَاطُهُ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيمَ فِيهِمْ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ، وَالتَّقْدِيمُ الْمَذْكُورُ هُوَ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ كَمَا قَالَهُ السَّنْبَاطِيُّ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا وَغَيْرِهِ أَنَّ التَّقْدِيمَ بِالْقُرْبِ مِنْ الْإِمَامِ بِدَلِيلِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى عَلَى تِسْعِ جَنَائِزَ فَجَعَلَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِيهِ، وَالنِّسَاءَ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ.
قَوْلُهُ: (رِضَا الْأَوْلِيَاءِ) سَوَاءٌ كَانَ أَوْلِيَاءُ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ، أَوْ خَنَاثَى أَوْ مُخْتَلِفِينَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ رَضُوا) أَيْ بِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يُنَافِي مَا بَعْدَهُ مِنْ وُقُوعِ النِّزَاعِ بَيْنَهُمْ، لِأَنَّهُ فِيمَنْ يُقَدَّمُ فَالْقُرْعَةُ وَاجِبَةٌ حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (وَتَحْرُمُ) أَيْ وَلَا تَصِحُّ عَلَى الْكَافِرِ وَلَوْ حُكْمًا كَالطِّفْلِ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ يُعَامَلُ فِي الدُّنْيَا مُعَامَلَةَ الْكُفَّارِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ فِي الْجَنَّةِ خَدَمًا لِأَهْلِهَا، وَمَحَلُّ الْحُرْمَةِ فِيمَنْ تَحَقَّقَ كُفْرُهُ، وَإِلَّا فَكَالْمُسْلِمِ.
وَفِي ابْنِ حَجَرٍ خِلَافُهُ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ يَنْبَغِي فِيهِ التَّعْلِيقُ كَالِاخْتِلَاطِ.
قَوْلُهُ: (فِي الشِّقَّيْنِ) وَهُمَا عَدَمُ الْوُجُوبِ وَالْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْجَوَازِ لِلْمُسْلِمِ) أَيْ قَطْعًا فَلَا يُنَافِي مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (تَكْفِينِ الذِّمِّيِّ وَدَفْنِهِ) وَمِثْلُهُ الْمُعَاهَدُ وَالْمُؤْمِنُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْمُسْلِمِينَ) أَيْ بَعْدَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ثُمَّ بَيْتُ الْمَالِ.
[حاشية عميرة]
وَالْأَوْلَى إفْرَادُ إلَخْ) لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ﴾ [التوبة: 84] إلَخْ) أَيْ وَلِأَنَّ غُفْرَانَ الشِّرْكِ مُحَالٌ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ قَوْلُهُ: (أَوْ حَرْبِيًّا) لِأَنَّ الْغُسْلَ كَرَامَةٌ، وَلَيْسَ الْكَافِرُ مِنْ أَهْلِهَا.
قَوْلُهُ: (فِي الشِّقَّيْنِ) الْمُرَادُ بِهِمَا مَا فِي قَوْلِ الْمَتْنِ وَلَا يَجِبُ غُسْلُهُ وَمَا فِي قَوْلِ الشَّارِحِ لَكِنْ يَجُوزُ لَهُمْ قَوْلُهُ: (وَيُقَاسُ بِهِ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْمُسْلِمِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْجَوَازِ لِلْمُسْلِمِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَدَفْنِهِ) أَيْ كَمَا يَجِبُ أَنْ يُطْعَمَ وَيُسْقَى إذَا عَجَزَ وَفَاءً بِذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ تَكْفِينُ الْحَرْبِيِّ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ ذَلِكَ تَكْرَارٌ مَعَ الَّذِي سَلَفَ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَلَك أَنْ تَقُولَ: لَيْسَ بِتَكْرَارٍ، لِأَنَّ هَذَا فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ، وَذَاكَ فِي الْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي وَجْهٍ لَا) كَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَحْكِيِّ بِقِيلِ.
قَوْلُهُ: (بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ إلَخْ) أَيْ وَلَوْ عُلِمَتْ
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابٍ بْن أَسِيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَلْقَاهَا طَائِرُ نَسْرٍ بِمَكَّةَ مِنْ وَقْعَةِ الْجَمَلِ، وَعَرَفُوا أَنَّهَا يَدُهُ بِخَاتَمِهِ، رَوَاهَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ فِي الْأَنْسَابِ، وَذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ بَلَاغًا، وَوَقْعَةُ الْجَمَلِ فِي جُمَادَى سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ مَوْتُ صَاحِبِ الْعُضْوِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ يُدْفَنُ كَالْأَوَّلِ.
(وَالسَّقْطُ) بِتَثْلِيثِ السِّينِ (إنْ اسْتَهَلَّ) أَيْ صَاحَ (أَوْ بَكَى) ثُمَّ مَاتَ (كَكَبِيرٍ) فَيُصَلَّى عَلَيْهِ لِتَيَقُّنِ حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ بَعْدَهَا وَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ أَوْ لَمْ يَبْكِ.
(فَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ كَاخْتِلَاجٍ) أَوْ تَحَرُّكٍ (صَلَّى عَلَيْهِ فِي الْأَظْهَرِ) وَقِيلَ قَطْعًا لِظُهُورِ حَيَاتِهِ بِالْأَمَارَةِ.
وَالثَّانِي لَا لِعَدَمِ تَيَقُّنِهَا وَيُغَسَّلُ قَطْعًا، وَقِيلَ فِيهِ الْقَوْلَانِ (وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ) أَمَارَةُ الْحَيَاةِ (وَلَمْ يَبْلُغْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) حَدُّ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ (لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ إمْكَانِ حَيَاتِهِ.
(وَكَذَا إنْ بَلَغَهَا) فَصَاعِدًا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
(فِي الْأَظْهَرِ) لِعَدَمِ ظُهُورِ حَيَاتِهِ، وَالثَّانِي يَنْظُرُ إلَى إمْكَانِهَا وَلَا يُغَسَّلُ فِي الْأُولَى، وَيُغَسَّلُ فِي الثَّانِيَةِ قَطْعًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْغُسْلِ أَنَّ الْغُسْلَ أَوْسَعُ فَإِنَّ الذِّمِّيَّ يُغَسَّلُ بِلَا صَلَاةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ فِي الْغُسْلِ فِيهِمَا قَوْلَانِ، وَحُكْمُ التَّكْفِينِ حُكْمُ الْغُسْلِ
(وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَقِيلَ يَجُوزُ غُسْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمُ الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ غُسْلُهُ وَتُتْرَكُ لِلِاشْتِغَالِ بِالْحَرْبِ.
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (عُضْوُ) وَلَوْ ظُفْرًا أَوْ شَعْرًا إلَّا الشَّعْرَةَ الْوَاحِدَةَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَالْمَشِيمَةُ الْمُسَمَّاةُ بِالْخَلَاصِ كَالْعُضْوِ لِأَنَّهَا تُقْطَعُ مِنْ الْوَلَدِ، فَهِيَ جُزْءٌ مِنْهُ، أَمَّا الْمَشِيمَةُ الَّتِي فِيهَا الْوَلَدُ فَلَيْسَتْ جُزْءًا مِنْ الْأُمِّ وَلَا مِنْ الْوَلَدِ انْتَهَى.
قَوْلُهُ: (مُسْلِمٍ) وَلَوْ بِالدَّارِ يَقِينًا لَا بِدَارِهِمْ، وَلَا مَنْ شَكَّ فِي إسْلَامِهِ.
قَوْلُهُ: (عُلِمَ مَوْتُهُ) أَوْ ظُنَّ قَبْلَ انْفِصَالِ الْعُضْوِ مِنْهُ يَقِينًا، فَإِنْ عَلِمَ انْفِصَالَهُ حَالَ حَيَاتِهِ وَلَوْ بَعْدَ جُرْحٍ مَثَلًا، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ بِهِ، أَوْ شَكَّ فِي وَقْتِ انْفِصَالِهِ نُدِبَ مُوَارَاتُهُ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا كَالدَّمِ وَالظُّفْرِ وَالشَّعْرِ مِنْ الْحَيِّ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ غُسْلِهِ) أَيْ وُجُوبًا وَمُوَارَاتُهُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى جُمْلَةِ الْمَيِّتِ) أَيْ وُجُوبًا إنْ كَانَ بَقِيَّتُهُ غُسِّلَتْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا وَنَدْبًا إنْ كَانَ قَدْ صُلِّيَ عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ تُغَسَّلْ الْبَقِيَّةُ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْعُضْوِ بِنِيَّتِهِ فَقَطْ، فَإِنْ نَوَى الْجُمْلَةَ لَمْ تَصِحَّ، فَإِنْ شَكَّ فِي غُسْلِ الْبَقِيَّةِ لَمْ تَجُزْ نِيَّتُهَا إلَّا إذَا عَلَّقَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) أَيْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) تَعْبِيرُهُمْ بِالْغُسْلِ فِي الْعُضْوِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَأْتِي فِيهِ التَّيَمُّمُ، وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، وَيُدْفَنُ بَعْدَ لَفِّهِ بِخِرْقَةٍ بِلَا طَهَارَةٍ وَلَا صَلَاةٍ، وَإِلَّا وَجَبَ تَيَمُّمُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ.
وَتَعْبِيرُهُمْ بِسَتْرِهِ بِخِرْقَةٍ يُفْهِمُ عَدَمَ اعْتِبَارِ اللَّفَائِفِ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ مَثَلًا.
قَالَ شَيْخُنَا: وَيَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ سَمَّى رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فَكَالْكَامِلِ، وَإِلَّا فَلَا اعْتِبَارَ بِمَا يَنْقُضُ لَمْسُهُ الْوُضُوءَ وَعَدَمُهُ، وَيَقِفُ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ عِنْدَ رَأْسِهِ إنْ كَانَ ذَكَرًا وَعَجُزِهِ إنْ كَانَ أُنْثَى، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ وَقَفَ حَيْثُ يَشَاءُ، وَيَجِبُ فِي دَفْنِ الْجُزْءِ مَا يَجِبُ فِي الْجُمْلَةِ، وَيُنْدَبُ دَفْنُ جُزْءِ الْحَيِّ كَمَا مَرَّ
. قَوْلُهُ: (وَالسِّقْطُ) هُوَ لُغَةً: مَأْخُوذٌ مِنْ السُّقُوطِ وَهُوَ النَّازِلُ قَبْلَ تَمَامِ أَشْهُرِهِ السِّتَّةِ.
قَوْلُهُ: (صَاحَ) أَيْ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ تَمَامِ انْفِصَالِهِ فَهُوَ كَكَبِيرٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَمْ يَبْكِ) صَوَابُهُ الْوَاوُ.
قَوْلُهُ: (فَصَاعِدًا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ بَلَغَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَهُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ وَشَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الْوَجْهُ الَّذِي لَا يُتَّجَهُ غَيْرُهُ، وَخَالَفَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فَجَعَلَ مَنْ بَلَغَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ كَكَبِيرٍ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ خَلْقُهُ، وَنَقَلَهُ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ وَلَمْ يَعْتَمِدْهُ.
قَوْلُهُ: (وَحُكْمُ التَّكْفِينِ حُكْمُ الْغُسْلِ) وَكَذَا حُكْمُ الدَّفْنِ أَيْضًا
. قَوْلُهُ: (وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِشَهَادَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَهُ بِالْجَنَّةِ، أَوْ لِأَنَّ دَمَهُ يَشْهَدُ لَهُ بِالْجَنَّةِ، أَوْ
[حاشية عميرة]
الصَّلَاةُ عَلَى بَاقِيهِ، لَكِنْ لَوْ عُلِمَتْ الصَّلَاةُ وَعُلِمَ فَصْلُ هَذَا الْعُضْوِ بَعْدَ الْغُسْلِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ، فَالظَّاهِرُ عَدَمُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَإِنْ وَجَبَ التَّكْفِينُ وَالدَّفْنُ، وَلَوْ عَلِمْنَا عَدَمَ تَغْسِيلِ الْبَاقِي، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى الْجُمْلَةِ.
قَوْلُهُ: (كَالْأَوَّلِ) قَضِيَّتُهُ الْوُجُوبُ لَكِنْ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فِي الْأَجْزَاءِ الْمُنْفَصِلَةِ مِنْ الْحَيِّ اسْتِحْبَابُ الدَّفْنِ، وَقَدْ لَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا لِلْجَهْلِ بِحَالِهِ فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (وَالسِّقْطُ) هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ السُّقُوطِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَمْ يَبْكِ) الْأَحْسَنُ وَلَمْ يَبْكِ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ تَيَقُّنِهَا) أَيْ وَلِمَفْهُومِ حَدِيثِ: «إذَا اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ وَرِثَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ» . وَكَانَ وَجْهُ كَوْنِ الْمُتَحَرِّكِ لَا يَحْصُلُ مَعَهُ الْيَقِينُ احْتِمَالَ أَنْ تَكُونَ الْحَرَكَةُ غَيْرَ اخْتِيَارِيَّةٍ بَلْ لِانْضِغَاطٍ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) صَرَّحَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْفَصْلِ الْآتِي بِأَنَّ دَفْنَهُ أَيْضًا غَيْرُ وَاجِبٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ.
وَيُوضَعُ فِي اللَّحْدِ عَلَى يَمِينِهِ.
قَوْلُهُ: (وَحُكْمُ التَّكْفِينِ حُكْمُ الْغُسْلِ) قَالَ السُّبْكِيُّ: لَكِنْ بَعْدَ
عَلَيْهِمْ» بِفَتْحِ اللَّامِ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ إبْقَاءُ أَثَرِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ وَالتَّعْظِيمُ لَهُمْ بِاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْ دُعَاءِ الْقَوْمِ (وَهُوَ) أَيْ الشَّهِيدُ الَّذِي لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ (مَنْ مَاتَ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِهِ) كَأَنْ قَتَلَهُ أَحَدُهُمْ أَوْ أَصَابَهُ سِلَاحُ مُسْلِمٍ خَطَأً أَوْ عَادَ إلَيْهِ سِلَاحُهُ أَوْ تَرَدَّى فِي حَمْلَتِهِ فِي وَهْدَةٍ أَوْ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ أَوْ رَمَحَتْهُ دَابَّةٌ فَمَاتَ أَوْ وُجِدَ قَتِيلًا عِنْدَ انْكِشَافِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ مَوْتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَثَرُ دَمٍ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ الْقِتَالِ.
(فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَائِهِ) وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ بِجِرَاحَةٍ فِي الْقِتَالِ يُقْطَعُ بِمَوْتِهِ مِنْهَا (أَوْ) مَاتَ (فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ فَغَيْرُ شَهِيدٍ فِي الْأَظْهَرِ) وَمُقَابِلُهُ يُلْحَقُ الْأَوَّلُ بِالْمَيِّتِ فِي الْقِتَالِ وَالثَّانِي بِالْمَيِّتِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ، وَلَوْ انْقَضَى الْقِتَالُ وَحَرَكَةُ الْمَجْرُوحِ حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ فَشَهِيدٌ بِلَا خِلَافٍ، أَوْ وَهُوَ مُتَوَقِّعُ الْبَقَاءِ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ بِلَا خِلَافٍ.
(وَكَذَا) لَوْ مَاتَ (فِي الْقِتَالِ لَا بِسَبَبِهِ) كَأَنْ مَاتَ بِمَرَضٍ أَوْ فَجْأَةً فَغَيْرُ شَهِيدٍ (عَلَى الْمَذْهَبِ) وَقِيلَ إنَّهُ شَهِيدٌ فِي وَجْهٍ لِمَوْتِهِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ، أَمَّا الشَّهِيدُ الْعَارِي عَنْ الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ كَالْغَرِيقِ وَالْمَبْطُونِ وَالْمَطْعُونِ وَالْمَيِّتِ عِشْقًا وَالْمَيِّتَةِ طَلْقًا وَالْمَقْتُولِ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ ظُلْمًا فَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ
. (وَلَوْ اُسْتُشْهِدَ جُنُبٌ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ)
[حاشية قليوبي]
لِشَهَادَةِ دَمِهِ بِقَتْلِهِ حَيْثُ يُبْعَثُ وَهُوَ يَسِيلُ، أَوْ لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ الْجَنَّةَ حِينَ مَوْتِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ تَشْهَدُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ قَبْضَ رُوحِهِ.
قَوْلُهُ: (إبْقَاءُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُ فَضِيلَةٌ مُكْتَسَبَةٌ تُعْلَمُ بِأَثَرِهَا، وَبِهَذَا فَارَقَ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (مَنْ مَاتَ) صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ رَقِيقًا، عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا، قَصَدَ الْحَرْبَ أَوْ لَا حَيْثُ قَاتَلَ.
قَوْلُهُ: (فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ) أَيْ فِي مُحَارَبَةِ كَافِرٍ وَلَوْ وَاحِدًا أَوْ مُرْتَدًّا، أَوْ فِي قَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ فِي صِيَالٍ، أَوْ قَتَلَهُ كَافِرٌ اسْتَعَانَ بِهِ الْبُغَاةُ، وَكَذَا عَكْسُهُ بِأَنْ قَتَلَهُ بَاغٍ اسْتَعَانَ بِهِ كَافِرٌ، وَتَوَقَّفَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي الْمَقْتُولِ مِنْ الْبُغَاةِ بِكَافِرٍ اسْتَعَنَّا بِهِ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَرَدَّى فِي حَمْلَتِهِ) أَوْ عَادُوا إلَيْهِ بَعْدَ انْهِزَامِهِمْ فَقَتَلُوهُ، وَالْحَمْلَةُ قُوَّةُ الْحَمِيَّةِ فِي شِدَّةِ الْقِتَالِ.
قَوْلُهُ: (فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ) وَلَمْ يَقْتُلْهُ كَافِرٌ اسْتَعَانُوا مَثَلًا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الشَّهِيدُ) أَيْ الَّذِي يُعْطَى مَنَازِلُ الشُّهَدَاءِ فِي الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: (الْعَارِي إلَخْ) أَيْ الْعَارِي عَنْ شَهَادَةِ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ عَدَمُ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ، فَعُلِمَ أَنَّ الشَّهِيدَ قِسْمَانِ: شَهِيدٌ فِي الْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا وَهُوَ الْعَارِي عَنْ الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ، وَشَهِيدٌ فِيهِمَا وَهُوَ مَنْ فِيهِ الضَّابِطُ الْمَذْكُورُ.
نَعَمْ إنْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ تَحْصِيلَ الْكَسْبِ أَوْ الْمُفَاخَرَةَ، أَوْ لِيُقَالَ: إنَّهُ شُجَاعٌ مَثَلًا فَهُوَ وَشَهِيدٌ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ فَهُوَ قِسْمٌ ثَالِثٌ.
وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَوْ عُلِمَ مِنْهُ ذَلِكَ وَجَبَ فِيهِ الْغُسْلُ، وَالصَّلَاةُ كَغَيْرِ الشَّهِيدِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (كَالْغَرِيقِ) أَيْ وَإِنْ عَصَى فِيهِ بِنَحْوِ شُرْبِ خَمْرٍ.
نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَنْ غَرَقَ بِسَيْرِ سَفِينَتِهِ وَفِي وَقْتِ هَيَجَانِ الْأَمْوَاجِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَطْعُونِ) أَيْ الْمَيِّتُ بِالطَّاعُونِ وَلَوْ فِي غَيْرِ زَمَنِهِ، أَوْ بِغَيْرِهِ فِي زَمَنِهِ، أَوْ بَعْدَ زَمَنِهِ حَيْثُ كَانَ فِيهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا.
(فَرْعٌ) يَحْرُمُ دُخُولُ بَلَدِ الطَّاعُونِ وَالْخُرُوجُ مِنْهَا بِلَا حَاجَةٍ لِوُجُودِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يُكْرَهُ الْفِرَارُ مِنْ غَيْرِ الطَّاعُونِ نَحْوَ حَائِطٍ مَائِلٍ إلَى السُّقُوطِ، وَهَدَفٍ وَحَجَرٍ وَحَرِيقٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَيِّتِ عِشْقًا) أَيْ وَلَمْ يَتَسَبَّبْ فِيهِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَلَمْ يَرْتَضِهِ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِمَنْ يَحْرُمُ عِشْقُهُ كَالْمُرْدِ أَوْ لَا، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكْتُمَ وَيَعِفَّ عَمَّا يَحْرُمُ وَلَوْ بِنَحْوِ نَظَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَيِّتَةِ طَلْقًا) وَلَوْ مِنْ زِنًى مَا لَمْ تَتَسَبَّبْ فِي الْإِجْهَاضِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَقْتُولُ ظُلْمًا) وَلَوْ بِحَسَبِ الْهَيْئَةِ كَمَا قِيلَ، وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَنْ مَاتَ فِي غُرْبَةٍ أَوْ بِهَدْمٍ أَوْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ.
وَالْحَاصِلُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: أَنَّهُ إنْ كَانَ سَبَبُ الْمَوْتِ مَعْصِيَةً كَشَرْقٍ بِشُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ رُكُوبِ بَحْرٍ لِشُرْبِهِ، أَوْ تَسْيِيرِ سَفِينَةٍ فِي وَقْتِ رِيحٍ عَاصِفٍ كَمَا مَرَّ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَغَيْرُ شَهِيدٍ، وَإِلَّا فَشَهِيدٌ وَلَا يَضُرُّ مُقَارَنَةُ مَعْصِيَةٍ لَيْسَتْ سَبَبًا كَزِنًى وَنُشُوزٍ، وَإِبَاقٍ وَشُرْبِ خَمْرٍ كَرَاكِبِ سَفِينَةٍ لِغَيْرِ شُرْبِهِ فَتَأَمَّلْ
قَوْلُهُ: (جُنُبٌ) أَوْ
[حاشية عميرة]
بُلُوغِهِ إمْكَانَ نَفْخِ الرُّوحِ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ السَّتْرِ بِخِرْقَةٍ سَوَاءٌ أَوْجَبْنَا الْغُسْلَ أَمْ لَا، وَذُكِرَ أَنَّ الرَّافِعِيَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِمَا يَكُونُ عَلَى غَيْرِ هَيْئَةِ التَّكْفِينِ، وَأَطَالَ السُّبْكِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِوَضْعِ خِرْقَةٍ مِنْ غَيْرِ إحَاطَةٍ بِهِ كَإِحَاطَةِ الْكَفَنِ لَاسْتَقَامَ الْكَلَامُ
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ مَاتَ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنَّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ فِي ضَابِطِ الشَّهِيدِ ثَلَاثَ قُيُودٍ: الْمَوْتُ حَالَ الْقِتَالِ، وَكَوْنُهُ قِتَالَ كُفَّارٍ، وَكَوْنُهُ بِسَبَبِ الْقِتَالِ فَذَكَرَ هُنَا ثَلَاثَ مَسَائِلَ لِبَيَانِ مَا خَرَجَ بِتِلْكَ الْقُيُودِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ) اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ أَسْمَاءَ غَسَّلَتْ ابْنَهَا ابْنَ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ مَاتَ بِمَرَضٍ إلَخْ) جَعَلَ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَغْتَالَهُ كَافِرٌ، وَعِبَارَتُهُ إذَا مَاتَ فِي مُعْتَرَكِ الْكُفَّارِ لَا بِسَبَبِ الْقِتَالِ، كَمَا إذَا مَاتَ بِمَرَضٍ أَوْ فَجْأَةً أَوْ اغْتَالَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ انْتَهَى، وَفِيهِ نَظَرٌ
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَالْأَصَحُّ إلَخْ) قَالَ السُّبْكِيُّ: الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ لَا فِي غُسْلِ الْمَوْتِ، انْتَهَى.
أَقُولُ: فَعَلَيْهِ
كَغَيْرِهِ، وَالثَّانِي يُغَسَّلُ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي غُسْلٍ وَجَبَ بِالْمَوْتِ وَهَذَا الْغُسْلُ كَانَ وَاجِبًا قَبْلَهُ، قُلْنَا: وَسَقَطَ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْوَجْهَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
(وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ) أَيْ الشَّهِيدَ (تُزَالُ نَجَاسَتُهُ غَيْرُ الدَّمِ) أَيْ دَمِ الشَّهَادَةِ بِأَنْ تُغْسَلَ، وَالثَّانِي لَا تُزَالُ سَدًّا لَبَابِ الْغُسْلِ عَنْهُ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَلَوْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ لَا بِسَبَبِ الشَّهَادَةِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تُغْسَلُ، وَالثَّانِي لَا، وَالثَّالِثُ إنْ أَدَّى غُسْلُهَا إلَى إزَالَةِ أَثَرِ الشَّهَادَةِ لَمْ تُغْسَلْ وَإِلَّا غُسِلَتْ، وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا اُسْتُشْهِدَ كَغَيْرِهِ، وَأَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي أَصَابَتْهُ لَا بِسَبَبِ الشَّهَادَةِ تُزَالُ وَهِيَ تَصْدُقُ بِمَا إذَا أَدَّتْ إزَالَتُهَا إلَى إزَالَةِ دَمِ الشَّهَادَةِ بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ.
(وَيُكَفَّنُ فِي ثِيَابِهِ الْمُلَطَّخَةِ بِالدَّمِ) نَدْبًا (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَوْبُهُ سَابِغًا تُمِّمَ) وَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ نَزْعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ وَتَكْفِينَهُ فِي غَيْرِهَا جَازَ، أَمَّا الدِّرْعُ وَالْجُلُودُ وَالْفِرَاءُ وَالْخِفَافُ فَتُنْزَعُ مِنْهُ.
(فَصْلٌ: أَقَلُّ الْقَبْرِ حُفْرَةٌ تَمْنَعُ) إذَا رُدِمَتْ (الرَّائِحَةَ) أَنْ تَظْهَرَ مِنْهُ فَتُؤْذِيَ الْحَيَّ (وَالسَّبُعَ) أَنْ يَنْبُشَ لِيَأْكُلَ الْمَيِّتَ فَتُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ، وَفِي ذِكْرِ الرَّائِحَةِ وَالسَّبْعِ وَإِنْ لَزِمَ مِنْ مَنْعِ أَحَدِهِمَا مَنْعُ الْآخَرِ بَيَانُ فَائِدَةِ الدَّفْنِ.
(وَيُنْدَبُ أَنْ يُوَسَّعَ وَيُعَمَّقَ قَامَةً وَبَسْطَةً) بِأَنْ يَقُومَ رَجُلٌ مُعْتَدِلٌ وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ مَرْفُوعَةً، «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتْلَى أُحُدٍ احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَوْصَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يُعَمَّقَ قَبْرُهُ قَامَةً وَبَسْطَةً
. (وَاللَّحْدُ أَفْضَلُ مِنْ الشَّقِّ) بِفَتْحِ الشِّينِ
[حاشية قليوبي]
نَحْوَ حَائِضٍ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يُغَسَّلُ) أَيْ عَنْ الْجَنَابَةِ، وَعَلَيْهِ هَلْ تَجِبُ نِيَّةُ الْجَنَابَةِ عَنْهُ أَوْ لَا؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَأَمَّا سُقُوطُ غُسْلِ الْمَوْتِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ.
قَوْلُهُ: (تُزَالُ نَجَاسَتُهُ) أَيْ وُجُوبًا.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ الدَّمِ) أَيْ دَمِ الشَّهَادَةِ، أَمَّا هُوَ فَيَحْرُمُ غَسْلُهُ وَلَوْ بِمَاءٍ نَحْوَ الْوَرْدِ، وَأَمَّا حَكُّهُ بِنَحْوِ عُودٍ فَمَكْرُوهٌ مُطْلَقًا.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: إنْ أَزَالَ الْأَثَرَ فَكَالْمَاءِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الشَّهِيدِ إزَالَةُ دَمِ شَهَادَتِهِ لِأَنَّهُ حَقُّهُ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ تُغْسَلَ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْهِيًّا عَنْ إزَالَتِهَا، وَلَيْسَتْ أَثَرَ عِبَادَةٍ بِخِلَافِ دَمِ الشَّهَادَةِ.
قَوْلُهُ: (فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تُغْسَلُ) أَيْ وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهِ إزَالَةُ دَمِ الشَّهَادَةِ أَخْذًا مِنْ التَّفْصِيلِ بَعْدَهُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ بَلْ هِيَ مُسَاوِيَةٌ لَهَا، بَلْ هِيَ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ وَالرَّوْضَةِ، وَأَصْلُهَا لِشُمُولِهَا إزَالَةَ غَيْرِ دَمِ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ حَصَلَ بِسَبَبِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (الْمُلَطَّخَةِ) لَيْسَ قَيْدًا بَلْ يُنْدَبُ تَكْفِينُهُ فِي ثِيَابِهِ مُطْلَقًا، لَكِنْ الْمُلَطَّخَةُ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (تُمِّمَ) أَيْ إلَى سَتْرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ وُجُوبًا وَمَا زَادَ نَدْبًا، وَيَجِبُ تَكْفِينُهُ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ كَمَا فِي غَيْرِهِ إنْ كَانَ لَهُ تَرِكَةٌ، وَدَخَلَ فِي ثِيَابِهِ مَا لَوْ كَانَتْ حَرِيرًا، وَقَدْ مَرَّ جَوَازُهُ عَنْ شَيْخِنَا كَشَيْخِهِ وَمَا فِي الْمَنْهَجِ مَبْنِيٌّ عَلَى رَأْيِهِ الْمَرْجُوحِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الدِّرْعُ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِثِيَابِهِ فِيمَا مَرَّ مَا اُعْتِيدَ التَّكْفِينُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (فَتُنْزَعُ) أَيْ نَدْبًا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَرَثَةِ مَحْجُورٌ مَثَلًا، وَإِلَّا فَوُجُوبًا.
(فَصْلٌ) فِي كَيْفِيَّةِ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَمَا يَتْبَعُهُ.
قَوْلُهُ: (أَقَلُّ الْقَبْرِ) وَمِثْلُ الْقَبْرِ أَنْ يُوضَعَ مَنْ مَاتَ فِي سَفِينَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْبَرِّ بَيْنَ لَوْحَيْنِ وَيُلْقَى فِيهِ، وَيُنْدَبُ أَنْ يُثَقَّلَ لِيَصِلَ إلَى الْقَرَارِ.
قَوْلُهُ: (حُفْرَةٌ) خَرَجَ بِهَا وَضْعُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فِي بِنَاءٍ كَالْفَسَاقِيِ الْمَعْهُودَةِ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا لِعُذْرٍ كَانْهِيَارِ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَزِمَ) الصَّوَابُ إسْقَاطُ الْوَاوِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بَيَانُ فَائِدَةِ الدَّفْنِ) أَيْ بَيَانُ مَا أَرَادَهُ الشَّارِعُ مِنْ الدَّفْنِ، وَقَدْ عُلِمَ عَدَمُ اللُّزُومِ بِنَحْوِ الْفَسَاقِيِ فَإِنَّهَا قَدْ لَا تَمْنَعُ الرَّائِحَةَ بِنَحْوِ رَدْمِ تُرَابٍ بِلَا بِنَاءٍ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَمْنَعُ السَّبْعَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَيُعَمَّقُ) هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِالْمُعْجَمَةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (قَامَةً وَبَسْطَةً) وَهُمَا ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ، وَنِصْفٌ بِالذِّرَاعِ
[حاشية عميرة]
يَنْوِي رَفْعَ الْجَنَابَةِ وَهَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ أَمْ لَا؟ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ هُوَ مُحْتَمَلٌ.
[فَصْلٌ أَقَلُّ الْقَبْرِ]
ِ إلَخْ قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَنْ يُوَسَّعَ) هُوَ الزِّيَادَةُ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ، وَالتَّعْمِيقُ الزِّيَادَةُ فِي النُّزُولِ وَهُوَ مِنْ مَادَّةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27] . وَحَكَى ابْنُ مَكِّيٍّ أَنَّهُ يُقَالُ بِالْغَيْنِ أَيْضًا، وَأَنَّهُ قُرِئَ بِهِ شَاذًّا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَاللَّحْدُ) يُقَالُ:
(إنْ صَلُبَتْ الْأَرْضُ) بِخِلَافِ الرَّخْوَةِ، فَالشَّقُّ فِيهَا أَفْضَلُ، وَهُوَ أَنْ يُحْفَرَ فِي وَسَطِهَا كَالنَّهْرِ وَيُبْنَى الْجَانِبَانِ بِاللَّبِنِ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُوضَعُ الْمَيِّتُ بَيْنَهُمَا، وَيُسَقَّفُ عَلَيْهِ بِاللَّبِنِ أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَيُرْفَعُ السَّقْفُ قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يَمَسُّ الْمَيِّتَ.
وَاللَّحْدُ أَنْ يُحْفَرَ فِي أَسْفَلِ حَائِطِ الْقَبْرِ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ الْمَيِّتَ، رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: أَلْحِدُوا لِي لَحَدًّا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَيُوضَعُ رَأْسُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ) أَيْ مُؤَخَّرِهِ الَّذِي سَيَكُونُ عِنْدَ أَسْفَلِهِ رِجْلُ الْمَيِّتِ.
(وَيُسَلُّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ بِرِفْقٍ) رَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْخِطْمِيَّ الصَّحَابِيَّ أَدْخَلَ الْحَارِثَ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ، وَقَالَ: هَذَا مِنْ السُّنَّةِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ» . (وَيُدْخِلُهُ الْقَبْرَ الرِّجَالُ) وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً بِخِلَافِ النِّسَاءِ لِضَعْفِهِنَّ عَنْ ذَلِكَ غَالِبًا (وَأَوْلَاهُمْ) بِذَلِكَ (الْأَحَقُّ بِالصَّلَاةِ) عَلَيْهِ (قُلْت:) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً مُزَوَّجَةً فَأَوْلَاهُمْ) بِهِ (الزَّوْجُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَلَا حَقَّ لَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَيَلِيهِ الْأَحَقُّ بِهَا مِنْ الْمَحَارِمِ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ ثُمَّ الِابْنُ ثُمَّ ابْنُ الِابْنِ ثُمَّ الْأَخُ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ ثُمَّ الْعَمُّ، وَفِي تَقْدِيمِ مَنْ يُدْلِي بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِأَبٍ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الصَّلَاةِ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَذَكَرَ فِيهِ بَعْدَ الْعَمِّ الْمَحْرَمَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ كَأَبِي الْأُمِّ وَالْخَالِ وَالْعَمِّ لِلْأُمِّ.
وَيُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ الْأَخَ لِلْأُمِّ يَلِي أَبَا الْأُمِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْمَحَارِمِ فَعَبِيدُهَا، وَهُمْ أَحَقُّ مِنْ بَنِي الْعَمِّ لِأَنَّهُمْ كَالْمَحَارِمِ فِي جَوَازِ النَّظَرِ وَنَحْوِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَبِيدٌ فَالْخُصْيَانُ الْأَجَانِبُ، لِضَعْفِ شَهْوَتِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَذَوُو الْأَرْحَامِ الَّذِينَ لَا مَحْرَمِيَّةَ لَهُمْ كَبَنِي الْعَمِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَأَهْلُ الصَّلَاحِ مِنْ الْأَجَانِبِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَلَوْ اسْتَوَى اثْنَانِ فِي دَرَجَةٍ قُدِّمَ أَفْقَهُهُمَا وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَسَنَّ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَالْمُرَادُ بِالْأَفْقَهِ الْأَعْلَمُ بِإِدْخَالِ الْمَيِّتِ الْقَبْرَ وَبِقَوْلِهِمْ الْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ الْأَوْلَى فِي الدَّرَجَاتِ لَا فِي الصِّفَاتِ أَيْضًا، أَيْ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْأَفْقَهِ عَلَى الْأَسَنِّ.
[حاشية قليوبي]
الْمَعْرُوفِ، أَوْ أَرْبَعٌ وَنِصْفٌ بِذِرَاعِ الْيَدِ.
قَوْلُهُ: (احْفِرُوا) أَيْ وُجُوبًا وَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ، وَأَوْسَعُوا نَدْبًا، وَأَعْمِقُوا كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَوْصَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) أَيْ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ فَهُوَ إجْمَاعٌ، وَذَكَرَهُ بَعْدَ الْحَدِيثِ لِبَيَانِ قَدْرِ التَّعْمِيقِ.
قَوْلُهُ: (وَيَبْنِي) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ عَلَى أَنَّهَا مَانِعَةُ خُلُوٍّ قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ مِمَّا لَمْ تَمَسُّهُ النَّارُ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ قَوْلُهُ: (وَيَرْفَعُ) أَيْ وُجُوبًا بِحَيْثُ لَا يَمَسُّ الْمَيِّتُ.
قَوْلُهُ: (الرِّجَالُ) أَيْ هُمْ أَوْلَى مِنْ النِّسَاءِ «لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا طَلْحَةَ بِإِدْخَالِ ابْنَتِهِ أُمِّ كُلْثُومٍ» عَلَى الْأَصَحِّ مَعَ وُجُودِ مَحَارِمِهَا كَفَاطِمَةَ.
نَعَمْ يَنْدُبُ أَنْ يَلِيَ النِّسَاءُ حَمْلَهَا مِنْ مَحَلِّ مَوْتِهَا إلَى الْمُغْتَسَلِ، وَمِنْهُ إلَى النَّعْشِ، وَمِنْهُ إلَى مَنْ فِي الْقَبْرِ وَحَلُّ الشِّدَادِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ فِيهِ إلَخْ) أَيْ فَمَا شَمِلَهُ عُمُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَوْلَادِ الْعَمِّ لَيْسَ مُرَادًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْمَحَارِمِ) أَيْ وَيُقَدَّمُ مَحَارِمُ النَّسَبِ، ثُمَّ مَحَارِمُ الرَّضَاعِ، ثُمَّ مَحَارِمُ الْمُصَاهَرَةِ.
قَوْلُهُ: (فَالْخُصْيَانُ) وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ الْمَمْسُوحُ، ثُمَّ الْمَجْبُوبُ، ثُمَّ الْعِنِّينُ.
قَوْلُهُ: (فَأَهْلُ الصَّلَاحِ إلَخْ) وَبَعْدَهُمْ الْخَنَاثَى ثُمَّ النِّسَاءُ، وَقِيلَ: بِاسْتِوَائِهِمَا.
وَيُقَدَّمْنَ بِتَرْتِيبِ الْغُسْلِ، وَالسَّيِّدُ فِي أَمَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ كَالزَّوْجِ، وَفِي غَيْرِهَا يُقَدَّمُ عَلَى الْأَجَانِبِ كَعَبْدِهِ، وَلَا حَقَّ لِلْوَالِي مَعَ الْقَرِيبِ جَزْمًا.
وَجَمِيعُ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ مُسْتَحَبٌّ.
قَوْلُهُ: (الْأَفْقَهُ عَلَى الْأَسَنِّ) أَيًّ مَا اتِّحَادُ الدَّرَجَةِ لِأَنَّهُ مَعَ اخْتِلَافِ الدَّرَجَاتِ لَا تُعْتَبَرُ الصِّفَاتُ، وَمَعَ اتِّحَادِهَا تُعْتَبَرُ فَهُوَ بِعَكْسِ صِفَاتِ الصَّلَاةِ كَمَا مَرَّ، وَعَلَى هَذَا تُنَزَّلُ عِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ فَتَأَمَّلْ.
وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ بَعْضِهِمْ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَفْقَهِ عَلَى الْأَقْرَبِ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ،
[حاشية عميرة]
الْحَدَثُ وَفِي اللُّغَةِ: الْحَدَثُ وَأَصْلُهُ الْمَيْلُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ (الْأَحَقُّ بِالصَّلَاةِ) نَبَّهَ الْإِسْنَوِيُّ عَلَى أَنَّ الْأَفْقَهَ هُنَا مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَسَنِّ وَالْأَقْرَبِ.
قَالَ: فَأَمَّا تَقْدِيمُهُ عَلَى الْأَسَنِّ فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَأَمَّا تَقْدِيمُهُ عَلَى الْأَقْرَبِ فَقَدْ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ النَّصِّ وَاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ.
قَالَ: وَرَأَيْته أَيْضًا فِي نَصِّ الْأُمِّ وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا حَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَى تَقْدِيمِ الْبَعِيدِ الْفَقِيهِ عَلَى الْأَقْرَبِ الَّذِي لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَنَبَّهَ الْإِسْنَوِيُّ عَلَى أَنَّ الْوَالِيَ لَا يُقَدَّمُ هُنَا قَطْعًا، وَإِنْ قَدَّمْنَاهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى قَوْلٍ.
قَوْلُهُ: (فَعَبِيدُهَا) بَحَثَ بَعْضُهُمْ تَقْدِيمَ مَحَارِمِ الرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ عَلَى الْعَبِيدِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لِلْقِبْلَةِ) لَوْ جُعِلَ الْقَبْرُ مُبْتَدَأً مِنْ
(وَيَكُونُونَ وِتْرًا) ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، رَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَفَنَهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ.
(وَيُوضَعُ فِي اللَّحْدِ عَلَى يَمِينِهِ) نَدْبًا (لِلْقِبْلَةِ) وُجُوبًا، فَلَوْ دُفِنَ مُسْتَدْبِرًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا نُبِشَ وَوُجِّهَ لِلْقِبْلَةِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَإِنْ تَغَيَّرَ لَمْ يُنْبَشْ، وَلَوْ وُضِعَ عَلَى الْيَسَارِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ كُرِهَ وَلَمْ يُنْبَشْ وَيُقَاسُ بِاللَّحْدِ فِيمَا ذُكِرَ جَمِيعُهُ الشَّقُّ، وَيَشْمَلُهُمَا قَوْلُهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَيَجِبُ أَنْ يُوضَعَ الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ لِلْقِبْلَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوضَعَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ.
(وَيُسْنَدُ وَجْهُهُ إلَى جِدَارِهِ) أَيْ الْقَبْرِ (وَظَهْرُهُ بِلَبِنَةٍ وَنَحْوِهَا) حَتَّى لَا يَنْكَبَّ وَلَا يَسْتَلْقِيَ، وَيُجْعَلُ تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةٌ أَوْ حَجَرٌ وَيُفْضِي بِخَدِّهِ الْأَيْمَنِ إلَيْهِ أَوْ إلَى التُّرَابِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: بِأَنْ يُنَحَّى الْكَفَنُ عَنْ خَدِّهِ وَيُوضَعَ عَلَى التُّرَابِ.
(وَيُسَدُّ فَتْحُ اللَّحْدِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ (بِلَبِنٍ) وَطِينٍ مَثَلًا حَتَّى لَا يَدْخُلَهُ تُرَابٌ (وَيَحْثُو مَنْ دَنَا ثَلَاثَ حَثَيَاتِ تُرَابٍ) بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَثَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِ الْمَيِّتِ ثَلَاثًا» ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَعَ الْأُولَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: 55] ، وَمَعَ الثَّانِيَةِ: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: 55] ، وَمَعَ الثَّالِثَةِ: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55] . وَقَوْلُهُ حَثَيَاتٍ مِنْ يَحْثِي لُغَةٌ فِي يَحْثُو (ثُمَّ يُهَالُ) أَيْ يُرْدَمُ التُّرَابُ (بِالْمَسَاحِي) إسْرَاعًا بِتَكْمِيلِ الدَّفْنِ
(وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ شِبْرًا فَقَطْ) لِيُعْرَفَ فَيُزَارَ وَيُحْتَرَمَ.
وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ قَبْرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رُفِعَ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ.
وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ فَلَا يُرْفَعُ قَبْرُهُ بَلْ يُخْفَى لِئَلَّا يَتَعَرَّضُوا لَهُ إذَا رَجَعَ الْمُسْلِمُونَ (وَالصَّحِيحُ أَنَّ تَسْطِيحَهُ أَوْلَى مِنْ تَسْنِيمِهِ) كَمَا فُعِلَ بِقَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ، رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ
[حاشية قليوبي]
كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ وَغَيْرِهِمَا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةً) أَيْ أَوْ أَقَلَّ وَاقْتِصَارُ الشَّارِحِ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَمَا فَوْقَهَا لِضَرُورَةِ الْجَمْعِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (دَفَنَهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ) وَفِي رِوَايَةٍ عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَمَعَهُمْ خَامِسٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ وَقُثَمُ وَشُقْرَانُ مَوْلَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُمْ خَامِسٌ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَعَلَّ الْخَامِسَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ هُوَ الْعَبَّاسُ الْمَذْكُورُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (لِلْقِبْلَةِ وُجُوبًا) أَيْ فِي الْمُسْلِمِ، وَيُوَجَّهُ الْكَافِرُ لِأَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ.
نَعَمْ يَجِبُ اسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ بِكَافِرَةٍ حَامِلَةٍ بِمُسْلِمٍ إذَا بَلَغَ أَوَانُ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، كَمَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ لِأَنَّ وَجْهَهُ إلَى ظَهْرِهَا وَتُدْفَنُ بَيْنَ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُسْتَلْقِيًا نُبِشَ) وُجُوبًا وَإِنْ كَانَ رَأْسُهُ مَرْفُوعًا وَرِجْلَاهُ لِلْقِبْلَةِ.
قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ) أَيْ وَلَوْ بِالرَّائِحَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسْنَدُ) أَيْ نَدْبًا.
قَوْلُهُ: (وَجْهُهُ) وَرِجْلَاهُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى لَا يَنْكَبَّ إلَخْ) وَلَا يَجِبُ نَبْشُهُ لَوْ انْكَبَّ أَوْ اسْتَلْقَى بَعْدَ الدَّفْنِ، وَكَذَا لَوْ انْهَالَ الْقَبْرُ أَوْ التُّرَابُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَيَجُوزُ نَبْشُهُ وَإِصْلَاحُهُ، أَوْ نَقْلُهُ لِمَحَلٍّ آخَرَ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
نَعَمْ لَوْ انْهَالَ عَلَيْهِ قَبْلَ تَسْوِيَةِ الْقَبْرِ وَقَبْلَ طَمِّهِ وَجَبَ إصْلَاحُهُ
. قَوْلُهُ: (وَيُسَدُّ فَتْحُ اللَّحْدِ) أَيْ نَدْبًا إنْ لَمْ يَصِلْ التُّرَابُ الْمُهَالُ إلَى الْمَيِّتِ وَإِلَّا وَجَبَ وَلَوْ بِمِلْكٍ غَائِبٍ، وَلَا يُنْدَبُ الْأَذَانُ عِنْدَ الدَّفْنِ كَمَا قِيلَ.
قَوْلُهُ: (بِلَبِنٍ) أَيْ نَدْبًا، وَكَانَ عَدَدُ لَبِنَاتِ لَحْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسْعَ لَبِنَاتٍ كَمَا فِي مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْثُو مَنْ دَنَا) فَالدُّنُوُّ لَازِمٌ لَهُ وَهُوَ مَنْدُوبٌ أَيْضًا.
نَعَمْ لَا يُنْدَبُ الدُّنُوُّ إنْ حَصَلَ فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَلَا الْحَثْوُ فِي التُّرَابِ إنْ لَزِمَ مِنْهُ نَجَاسَةٌ لِرُطُوبَتِهِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (لُغَةً فِي يَحْثُو) أَيْ وَالْمُصَنِّفُ جَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، وَالْيَاءُ أَفْصَحُ مِنْ الْوَاوِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ الشَّارِحِ.
وَالْحَثْوُ الْأَخْذُ بِالْكَفَّيْنِ مَعًا قِيلَ أَوْ بِأَحَدِهِمَا.
قَوْلُهُ: (تُرَابٍ) وَكَوْنُهُ مِنْ تُرَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ جِهَةِ رَأْسِ الْقَبْرِ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَعَ الْأُولَى إلَخْ) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ مَعَ ذَلِكَ فِي الْأُولَى: اللَّهُمَّ لَقِّنْهُ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ حُجَّتَهُ، وَفِي الثَّانِيَةِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ أَبْوَابَ السَّمَاءِ لِرُوحِهِ، وَفِي الثَّالِثَةِ: اللَّهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جُثَّتِهِ.
(فَائِدَةٌ) قِرَاءَةُ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر: 1] عَلَى شَيْءٍ مِنْ تُرَابٍ مِنْ دَاخِلِ الْقَبْرِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَوَضْعُهُ عَلَى صَدْرِهِ تَحْتَ الْكَفَنِ أَمَانٌ مِنْ الْفِتَانِ.
قَوْلُهُ: (بِالْمَسَاحِي) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَمْسَحُ الْأَرْضَ، وَهِيَ جَمْعُ مِسْحَاةٍ مِنْ الْحَسْوِ أَيْ الْكَشْفِ فَمِيمُهَا زَائِدَةٌ، وَلَا تَكُونُ إلَّا مِنْ حَدِيدٍ بِخِلَافِ الْمِجْرَفَةِ فَهِيَ مِنْ خَشَبٍ
. قَوْلُهُ: (شِبْرًا) أَيْ قَدْرَهُ تَقْرِيبًا، وَرَفْعُ الْقَبْرِ فَوْقَ شِبْرٍ مَكْرُوهٌ.
قَوْلُهُ: (فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ) وَكَذَا لَوْ خِيفَ نَبْشُهُ لِعَدَاوَةٍ أَوْ أَخْذِ كَفَنٍ
. قَوْلُهُ: (فِي قَبْرٍ) أَيْ شَقٍّ أَوْ لَحْدٍ، أَمَّا لَوْ فِي لَحْدَيْنِ وَلَوْ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَجَائِزٌ اتِّفَاقًا.
[حاشية عميرة]
قَبْلِي إلَى بَحَرِي، وَأُضْجَعَ عَلَى ظَهْرِهِ وَأَخْمَصَاهُ لِلْقِبْلَةِ، وَرُفِعَتْ رَأْسُهُ قَلِيلًا كَمَا يُفْعَلُ فِي الْمُحْتَضَرِ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَوْ يَحْرُمُ؟ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ وَالظَّاهِرُ التَّحْرِيمُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَحْثُو مَنْ دَنَا إلَخْ) عِبَارَةُ الْكِفَايَةِ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ الدَّفْنَ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ.
وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ لِمَنْ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ يَحْثِي إلَخْ) أَيْ فَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى
صَحِيحٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ رَآهَا كَذَلِكَ، وَالثَّانِي تَسْنِيمُهُ أَوْلَى لِأَنَّ التَّسْطِيحَ صَارَ شِعَارًا لِلرَّوَافِضِ فَيُتْرَكُ مُخَالَفَةً لَهُمْ وَصِيَانَةً لِلْمَيِّتِ وَأَهْلِهِ عَنْ الِاتِّهَامِ بِالْبِدْعَةِ، وَدُفِعَ بِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تُتْرَكُ لِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ فِيهَا
(وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: هِيَ عِبَارَةُ الْأَكْثَرِينَ، وَصَرَّحَ السَّرَخْسِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُدْفَنَ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ، وَهَذَا يَصْدُقُ بِقَوْلِهِ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا: يُسْتَحَبُّ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ أَنْ يُدْفَنَ كُلُّ مَيِّتٍ فِي قَبْرٍ.
أَيْ فَيَكُونُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فِيهِ مَكْرُوهًا (إلَّا لِضَرُورَةٍ) كَأَنْ كَثُرَ الْمَوْتَى لِوَبَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ وَعَسُرَ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَبْرٍ.
(فَيُقَدَّمُ) فِي دَفْنِ اثْنَيْنِ (أَفْضَلُهُمَا) إلَى جِدَارِ اللَّحْدِ.
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِيرَ إلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ» ، وَيُقَدَّمُ الْأَبُ عَلَى الِابْنِ وَإِنْ كَانَ الِابْنُ أَفْضَلَ مِنْهُ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ، وَكَذَا تُقَدَّمُ الْأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ، وَيُقَدَّمُ الرَّجُلُ عَلَى الصَّبِيِّ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إلَّا عِنْدَ تَأَكُّدِ الضَّرُورَةِ، وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ.
وَكَذَا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الرَّوْضَةِ.
وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ إشَارَةٌ إلَيْهِ (وَلَا يُجْلَسُ عَلَى الْقَبْرِ) وَلَا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ (وَلَا يُوطَأُ) أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ إلَّا لِحَاجَةٍ بِأَنْ لَا يَصِلَ إلَى قَبْرِ مَيِّتِهِ إلَّا بِوَطْئِهِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَكَذَا يُكْرَهُ الِاسْتِنَادُ إلَيْهِ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُوطَأَ الْقَبْرُ» ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَيَأْتِي بِطُولِهِ فِي التَّجْصِيصِ.
(وَيَقْرُبُ زَائِرُهُ) مِنْهُ (كَقُرْبِهِ مِنْهُ) فِي زِيَارَتِهِ (حَيًّا) أَيْ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَسَيَأْتِي نَدْبُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ.
(وَالتَّعْزِيَةُ سُنَّةٌ قَبْلَ دَفْنِهِ وَبَعْدَهُ) أَيْ هُمَا سَوَاءٌ فِي أَصْلِ السُّنِّيَّةِ، وَتَأْخِيرُهَا أَحْسَنُ لِاشْتِغَالِ أَهْلِ الْمَيِّتِ بِتَجْهِيزِهِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: إلَّا أَنْ يَرَى مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ جَزَعًا شَدِيدًا فَيُخْتَارُ تَقْدِيمُهَا لِيُصَبِّرَهُمْ.
(ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) تَقْرِيبًا فَلَا تَعْزِيَةَ بَعْدَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَزِّي أَوْ الْمُعَزَّى غَائِبًا، وَفِي
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (لَا يَجُوزُ) أَيْ لَا يُبَاحُ.
قَوْلُهُ: (فَيَكُونُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فِيهِ مَكْرُوهًا) وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ، وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا.
وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَشَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ أَنَّهُ حَرَامٌ وَلَوْ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، أَوْ الْمَحْرَمِيَّةِ، أَوْ الصِّغَرِ، فَلَوْ دُفِنَ لَمْ يُنْبَشْ.
قَوْلُهُ: (جِدَارِ اللَّحْدِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ فِي طَرَفٍ مِنْهُ لِكَوْنِهِ لَوْ قُطِّعَ لَمْ يَسَعْهُمَا، وَذَلِكَ لِفَقْدِ الثِّيَابِ الْفَاضِلَةِ عَنْ الْكِفَايَةِ، فَهُوَ عُذْرٌ فِي الْجَمْعِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْبِنْتِ) فَالْخُنْثَى يُقَدَّمُ عَلَى أُمِّهِ كَابْنِهَا الذَّكَرِ، وَالْوَجْهُ إلْحَاقُ الْخُنْثَى بِالْأُنْثَى، لِتَحَقُّقِ الْأَصْلِيَّةِ دُونَ الذُّكُورَةِ، وَيُقَدَّمُ الصَّبِيُّ عَلَى الْخُنْثَى وَالْخُنْثَى وَالذَّكَرُ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَهَذَا قَبْلَ وَضْعِ الْمَفْضُولِ فِي اللَّحْدِ وَلَوْ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، وَإِلَّا فَلَا يُنَحَّى عَنْ مَكَانِهِ لِأَنَّهُ إزْرَاءٌ، وَيُقَدَّمُ فِي الْكَافِرِينَ أَخَفُّهُمَا كُفْرًا أَوْ عِصْيَانًا.
قَوْلُهُ: (وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ) نَدْبًا إنْ لَمْ يَكُنْ مَسٌّ وَإِلَّا وَجَبَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُجْلَسُ عَلَى الْقَبْرِ) أَيْ عَلَى مَا حَاذَى الْمَيِّتَ مِنْهُ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.
وَكُلُّ ذَلِكَ فَيُقْبَرُ الْمُسْلِمُ وَلَوْ مُهْدَرًا أَوْ بَعْدَ انْدِرَاسِهِ، وَإِنْ جَازَ الدَّفْنُ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ لِلْحَاجَةِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ وَلَوْ مُرْتَدًّا لِعَدَمِ احْتِرَامِهِ، فَلَا يُكْرَهُ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَ.
نَعَمْ يَنْبَغِي تَرْكُهُ فِي الذِّمِّيِّ دَفْعًا لِأَذَى الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ، لَكِنْ يُكْرَهُ الْمُكْثُ فِي مَقَابِرِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُوطَأُ) خَرَجَ بِهِ الْمَشْيُ بَيْنَ الْقُبُورِ وَلَوْ بِالنَّعْلِ وَبِلَا حَاجَةٍ، فَلَا يُكْرَهُ.
نَعَمْ يَحْرُمُ إنْ حَصَلَ تَنْجِيسٌ كَمَنْبُوشَةٍ مَعَ الْمَشْيِ حَافِيًا مَعَ رُطُوبَةِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَيَحْرُمُ الْبَوْلُ وَالتَّغَوُّطُ عَلَى الْقَبْرِ، وَيُكْرَهُ الزَّرْعُ فِي الْمَقْبَرَةِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَا يَصِلَ إلَخْ) تَخْصِيصُ الْحَاجَةِ بِالْوَطْءِ لَيْسَ قَيْدًا.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ) أَيْ يُنْدَبُ.
نَعَمْ إنْ كَانَ بُعْدُهُ عَنْهُ فِي الْحَيَاةِ لِخَوْفٍ كَالظُّلْمَةِ لَمْ يُعْتَبَرْ، وَلَوْ أَوْصَى بِقُرْبِهِ لِمَنْ كَانَ بَعِيدًا طُلِبَ قُرْبُهُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّعْزِيَةُ سُنَّةٌ) وَلَوْ فِي الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ أَوْ فِي مَالٍ مِنْ كُلِّ مَا يَعِزُّ عَلَى الْمُصَابِ وَيَدْعُو بِمَا يُنَاسِبُ.
وَتَعْزِيَةُ الشَّابَّةِ لَأَجْنَبِيٍّ حَرَامٌ ابْتِدَاءً وَرَدًّا، وَيُكْرَهُ لَهُ ابْتِدَاءً وَرَدًّا كَالسَّلَامِ، وَيُكْرَهُ تَعْزِيَةُ تَارِكِ صَلَاةٍ وَمُحَارِبٍ وَمُبْتَدِعٍ وَمُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ وَلَوْ بِمُسْلِمٍ وَعَكْسُهُ، لَا تَعْزِيَةُ مُسْلِمٍ بِذِمِّيٍّ وَعَكْسُهُ، فَلَا يُكْرَهُ بَلْ مَنْدُوبَةٌ إنْ رُجِيَ إسْلَامُهُ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةُ
[حاشية عميرة]
اللُّغَتَيْنِ حَيْثُ قَالَ: يَحْثُو وَقَالَ: حَثَيَاتٍ.
قَوْلُهُ: (بِالْمَسَاحِي) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَمْسَحُ الْأَرْضَ.
قَوْلُهُ: (فَيَكُونُ دَفْنُ اثْنَيْنِ إلَخْ) اُنْظُرْ مَا وَجْهُ تَرَتُّبِ الْكَرَاهَةِ عَلَى مَا سَلَفَ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَجْمَعُ إلَخْ) الْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ لَكَانَ كَافِيًا فِي نَفْيِ الْكَرَاهَةِ كَثْرَةُ الْمَوْتَى، وَالْحَاجَةُ إلَى تَكْفِينِ اثْنَيْنِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لِفَقْدِ الثِّيَابِ الْفَاضِلَةِ عَنْ الْكِفَايَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قَبْلَ دَفْنِهِ وَبَعْدَهُ) الْمَعْنَى إمَّا قَبْلَهُ وَإِمَّا بَعْدَهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) أَخْذًا مِنْ مُدَّةِ الْإِحْدَادِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ.
قَوْلُهُ: (وَمَعْنَاهَا) أَيْ اصْطِلَاحًا،
شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَقْتُ التَّعْزِيَةِ مِنْ حِينَ الْمَوْتِ إلَى الدَّفْنِ وَبَعْدَ الدَّفْنِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَتُكْرَهُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ أَيْ لِتَجْدِيدِ الْحُزْنِ بِهَا لِلْمُصَابِ بَعْدَ سُكُونِ قَلْبِهِ بِالثَّلَاثَةِ غَالِبًا، وَمَعْنَاهَا الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ الْوِزْرِ بِالْجَزَعِ، وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بِالْمَغْفِرَةِ وَلِلْمُصَابِ بِجَبْرِ الْمُصِيبَةِ، رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «أَرْسَلَتْ إحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنًا لَهَا فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ الرَّسُولُ: ارْجِعْ إلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» (وَيُعْزَى الْمُسْلِمُ بِالْمُسْلِمِ) أَيْ يُقَالُ فِي تَعْزِيَتِهِ بِهِ: (أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك) أَيْ جَعَلَهُ عَظِيمًا (وَأَحْسَنَ عَزَاءَك) بِالْمَدِّ أَيْ جَعَلَهُ حَسَنًا (وَغَفَرَ لِمَيِّتِك وَ) الْمُسْلِمُ (بِالْكَافِرِ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك وَصَبَّرَك) وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَأَخْلَفَ عَلَيْك (وَالْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ غَفَرَ اللَّهُ لِمَيِّتِك وَأَحْسَنَ عَزَاءَك) وَيَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُعَزِّيَ الذِّمِّيَّ بِقَرِيبِهِ الذِّمِّيِّ فَيَقُولُ: أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْك وَلَا نَقَصَ عَدَدُك، وَهَذَا الثَّانِي لِتَكْثُرَ الْجِزْيَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ بِبَقَاءِ الْكَافِرِ وَدَوَامِ كُفْرِهِ، فَالْمُخْتَارُ تَرْكُهُ
. (وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ) وَهُوَ قَبْلَهُ أَوْلَى، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَبَعْدَهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَقِيلَ مَكْرُوهٌ، رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِبْرَاهِيمُ وَلَدُهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ أَيْ يَسِيلُ دَمْعُهُمَا» ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ «عَنْ أَنَسٍ قَالَ: شَهِدْنَا دَفْنَ بِنْتٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَيْت عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ» ، وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - زَارَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى
[حاشية قليوبي]
أَيَّامٍ) أَيْ مِنْ الْمَوْتِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِعَالِمٍ حَاضِرٍ بِلَا عُذْرٍ يُرَخِّصُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، وَإِلَّا فَابْتِدَاؤُهَا مِنْ عِلْمِهِ أَوْ قُدُومِهِ مِنْ غِيبَتِهِ أَوْ زَوَالِ عُذْرِهِ، وَتَحْصُلُ التَّعْزِيَةُ بِكِتَابٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (تَقْرِيبًا) فَيُغْتَفَرُ لَهُ زِيَادَةُ نَحْوِ نِصْفِ يَوْمٍ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا.
قَوْلُهُ: (وَبَعْدَ الدَّفْنِ إلَخْ) مَرْجُوحٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِ لِيُوَافِقَ الْمُعْتَمَدَ عَلَى جَعْلِ الْجَارِّ فِي قَوْلِهِ: بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: وَقْتَ التَّعْزِيَةِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَمَعْنَاهَا) أَيْ شَرْعًا، أَمَّا لُغَةً: فَهِيَ التَّصَبُّرُ وَالتَّسْلِيَةُ.
وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ وَيُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (إحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا زَيْنَبُ.
قَوْلُهُ: (أَعْظَمَ) هُوَ أَفْصَحُ مِنْ عَظَّمَ خِلَافًا لِثَعْلَبٍ.
قَوْلُهُ: (جَعَلَهُ حَسَنًا) أَيْ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَصَبَّرَك) وَفِي مَعْنَاهُ أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَك.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ) بَلْ يُنْدَبُ لِنَحْوِ جَارٍ وَقَرِيبٍ.
قَوْلُهُ: (أَخْلَفَ إلَخْ) هَذَا فِيمَنْ يُوجَدُ بَدَلُهُ كَالْوَلَدِ، وَإِلَّا كَالْأَبِ.
فَيُقَالُ: خَلَفَ بِلَا هَمْزٍ أَيْ صَارَ اللَّهُ تَعَالَى خَلِيفَةً عَلَيْك.
قَوْلُهُ: (نَقَصَ) هُوَ مُخَفَّفٌ، وَيَجُوزُ فِي عَدَدِك رَفْعُهُ فَاعِلًا وَنَصْبُهُ مَفْعُولًا.
قَوْلُهُ: (فَالْمُخْتَارُ تَرْكُهُ) مَرْجُوحٌ وَجَوَابُهُ عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ.
(فَرْعٌ) قَدْ عَزَّى الْخَضِرُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَوْتِهِ بِقَوْلِهِ: إنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءٌ مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلْفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَدَرَكًا مِنْ كُلِّ فَائِتٍ فَبِاَللَّهِ فَثِقُوا وَإِيَّاهُ فَارْجُوَا، فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ.
(فَائِدَةٌ) الْخَضِرِ نَبِيٌّ حَيٌّ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَاسْمُهُ بَرَّانُ بْنُ مَلْكَانِ بْنِ قَالِعِ بْنِ ارْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَقِيلَ إلْيَاسُ حَيٌّ أَيْضًا وَاقِفٌ بِخُرَاسَانَ عِنْدَ سَدِّ يَأْجُوجَ.
قَوْلُهُ: (اُلْبُكَا) هُوَ بِالْقَصْرِ مَا كَانَ بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ، وَلَوْ مَعَ دَمْعِ عَيْنٍ وَحُزْنِ قَلْبٍ، وَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ.
وَبِالْمَدِّ مَا كَانَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وَهُوَ مَحَلُّ الْكَرَاهَةِ وَغَيْرِهَا.
وَلَا يَحْرُمُ مُطْلَقًا عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ بِحُرْمَتِهِ كَمَا فِي أَذْكَارِ النَّوَوِيِّ.
(تَنْبِيهٌ) إنْ كَانَ الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ لِخَوْفٍ عَلَيْهِ مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَنَحْوِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، أَوْ لِمَحَبَّةٍ وَرِقَّةٍ كَطِفْلٍ فَكَذَلِكَ، لَكِنْ الصَّبْرَ أَجْمَلُ، أَوْ لِصَلَاحٍ وَبَرَكَةٍ وَشَجَاعَةٍ وَفَقْدِ نَحْوِ عِلْمٍ فَمَنْدُوبٌ، أَوْ لِفَقْدِ صِلَةٍ وَبِرٍّ وَقِيَامٍ بِمَصْلَحَةٍ فَمَكْرُوهٌ، أَوْ لِعَدَمِ تَسْلِيمٍ لِلْقَضَاءِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِهِ فَحَرَامٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْلَى) أَيْ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْمُحْتَضَرِ.
قَوْلُهُ: (تَذْرِفَانِ) هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ
[حاشية عميرة]
وَأَمَّا مَعْنَاهَا لُغَةً: فَهُوَ التَّسْلِيَةُ.
وَقَوْلُهُ: الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ أَيْ عَلَى الْعَزِيزِ الْمَفْقُودِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هُوَ أَفْصَحُ مِنْ عَظَّمَ خِلَافًا لِثَعْلَبٍ حَيْثُ عَكَسَ.
قَالَ: وَالْعَزَاءُ يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ: وَأَحْسَنَ عَزَاءَك التَّسْلِيَةُ، وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ تَقْدِيمُ الدُّعَاءِ لِلْحَيِّ، انْتَهَى.
أَقُولُ: قَدْ اشْتَمَلَ هَذَا عَلَى الْأَمْرِ بِالصَّبْرِ، وَالْحَمْلِ عَلَيْهِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ، وَالدُّعَاءِ لِلْحَيِّ بِجَبْرِ الْمُصِيبَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَحْسَنَ عَزَاءَك) فِي ذِكْرِ هَذَا هُنَا دُونَ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا إشْعَارٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَيِّتِ أَيْضًا، فَلْيُتَأَمَّلْ.
[الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ]
قَوْلُهُ: (تَذْرِفَانِ) مِنْ ذَرَفَ يَذْرِفُ
وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ» ، وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ حَدِيثُ «فَإِذَا وَجَبَتْ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ.
قَالُوا وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمَوْتُ» اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْمُرَادُ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ
. (وَيَحْرُمُ النَّدْبُ بِتَعْدِيدِ شَمَائِلِهِ) نَحْوَ وَا كَهْفَاهُ وَاجَبَلَاهُ (وَالنَّوْحُ) وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ (وَالْجَزَعُ بِضَرْبِ الصَّدْرِ وَنَحْوِهِ) كَشَقِّ الثَّوْبِ وَنَشْرِ الشَّعْرِ وَضَرْبِ الْخَدِّ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ بِلَفْظِ " أَوْ " بَدَلَ الْوَاوِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «النَّائِحَةُ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالسِّرْبَالُ الْقَمِيصُ كَالدِّرْعِ، وَالْقَطِرَانُ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَسُكُونِهَا دُهْنُ شَجَرٍ يُطْلَى بِهِ الْإِبِلُ الْجُرْبُ وَيُسْرَجُ بِهِ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي اشْتِعَالِ النَّارِ فِي النَّائِحَةِ.
(قُلْت: هَذِهِ مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالْبَابِ (يُبَادَرُ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ وَ) تَنْفِيذِ (وَصِيَّتِهِ) كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ تَعْجِيلًا لِلْخَيْرِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَحَسَّنَهُ حَدِيثَ: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» قَالَ الْمُصَنِّفُ: الْمُرَادُ بِالنَّفْسِ الرُّوحُ، وَمُعَلَّقَةٌ مَحْبُوسَةٌ عَنْ مَقَامِهَا الْكَرِيمِ.
(وَيُكْرَهُ طَلَبُ الْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ)
[حاشية قليوبي]
إرْسَالُ الدُّمُوعِ بِلَا بُكَاءٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ النَّدْبُ) وَلَوْ بِغَيْرِ بُكَاءٍ وَهُوَ صَغِيرَةٌ كَبَقِيَّةِ الْمُحَرَّمَاتِ الْآتِيَةِ، وَلَيْسَ مِنْهُ مَا نُقِلَ عَنْ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ أَنَّهَا قَالَتْ يَوْمَ مَوْتِ أَبِيهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أَبَتَاهُ إلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ.
قَوْلُهُ: (بِتَعْدِيدٍ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِأَنَّ التَّعْدِيدَ هُوَ النَّدْبُ مَعَ قَرِينَةِ تَأَسُّفٍ، وَيَحْرُمُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ وَلَوْ بِغَيْرِ بُكَاءٍ.
قَوْلُهُ: (وَضَرْبِ الْخَدِّ) الْمَعْرُوفُ بِاللَّطْمِ، وَكَذَا التَّضَمُّخُ بِنَحْوِ رَمَادٍ وَطِينٍ وَصَبْغٍ بِسَوَادٍ فِي مَلْبُوسٍ وَفِعْلُ كُلِّ مَا يُنَافِي الِانْقِيَادَ، وَالِاسْتِسْلَامُ لِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ.
(فَرْعٌ) لَا بَأْسَ بِالرِّثَاءِ بِالْقَصَائِدِ كَقَوْلِ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
مَاذَا عَلَى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدَ ... أَنْ لَا يَشُمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا
صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبُ لَوْ أَنَّهَا ... صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ عُدْنَ لَيَالِيَا
وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ تَشْتَمِلْ عَلَى تَجْدِيدِ حُزْنٍ أَوْ تَأَسُّفٍ، أَوْ مُجَاوَزَةِ حَدٍّ أَوْ تَبَرُّمٍ أَوْ كَثْرَةٍ مِنْهَا، وَلَا يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ إلَّا بِمَا أَوْصَى بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
. قَوْلُهُ: (قُلْت هَذِهِ مَسَائِلُ مَنْشُورَةٌ) أَيْ مُتَفَرِّقَةٌ تَشْبِيهًا بِنَثْرِ الدُّرَرِ أَوْ الْجَوَاهِرِ.
قَوْلُهُ: (يُبَادَرُ) أَيْ نَدْبًا فِي الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ إنْ لَمْ يَكُنْ طَلَبَ، وَإِلَّا فَوُجُوبًا.
وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا بَعْدَهُ اهْتِمَامًا بِقَضَائِهِ.
قَوْلُهُ: (مَحْبُوسَةٌ) أَيْ إنَّ قَصَّرَ
[حاشية عميرة]
ذَرْفًا كَضَرَبَ يَضْرِبُ ضَرْبًا.
قَوْلُهُ: (مَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مَحَلُّ الْخِلَافِ الْبُكَاءُ الِاخْتِيَارِيُّ.
قَالَ: وَالْبُكَاءُ بِالْقَصْرِ الدَّمْعُ، وَبِالْمَدِّ رَفْعُ الصَّوْتِ.
قَالَ: وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، انْتَهَى.
قُلْت: لَكِنْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ بِتَحْرِيمِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِتَعْدِيدٍ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَا مَعْنَى لِلْبَاءِ لِأَنَّهُ نَفْسُ التَّعْدِيدِ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّعْدَادُ مَعَ الْبُكَاءِ كَمَا قَيَّدَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لِئَلَّا يَدْخُلَ الْمَادِحُ وَالْمُؤَرِّخُ قَالَ: وَيَحْرُمُ أَيْضًا الْبُكَاءُ إذَا انْضَمَّ إلَى النَّدْبِ كَعَكْسِهِ، وَالشَّمَائِلُ: جَمْعُ شِمَالٍ بِكَسْرِ الشِّينِ وَهُوَ مَا اتَّصَفَ بِهِ الشَّخْصُ مِنْ الطِّبَاعِ كَالْكَرَمِ وَنَحْوِهِ، انْتَهَى.
وَمَا حَاوَلَهُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْبُكَاءِ بَعِيدٌ، وَقَوْلُهُ: يَدْخُلُ إلَخْ عَلَيْهِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْمَادِحَ وَالْمُؤَرِّخَ لَا نُدْبَةَ فِي وَصْفِهِمَا، وَالْمُحَرَّمُ هُنَا هُوَ النُّدْبَةُ وَلَهَا صِيَغٌ مَخْصُوصَةٌ، وَالْوَجْهُ فِيهَا التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِضَرْبِ الصَّدْرِ إلَخْ) أَلْحَقَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ الْمُبَالَغَةَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ مَعَ الْبُكَاءِ، فَقَالَ: إنَّهُ حَرَامٌ، انْتَهَى.
وَسَبَبُ تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَحِكْمَتُهُ أَنَّهُ يُشْبِهُ مِنْ الْمَظَالِمِ وَاَلَّذِي وَقَعَ عَدْلٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا إذَا أَوْصَى بِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (يُبَادَرُ إلَخْ) قَالَ الْأَصْحَابُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُ الدَّيْنِ سَأَلَ وَلِيَّهُ الْغُرَمَاءُ أَنْ يُحَلِّلُوهُ وَيَحْتَالُوا بِهِ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ مُبَرِّئَةٌ لِلذِّمَّةِ لِلضَّرُورَةِ.
وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ الْكَلَامَ عَلَى مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ مَرْهُونَةً بِدَيْنِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ تَرِكَةٌ.
قَوْلُهُ: (تَعْجِيلًا لِلْخَيْرِ) أَيْ لِلْمَيِّتِ وَلِلْمُوصَى لَهُ.
[طَلَبُ الْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ]
قَوْلُهُ: (بِهِ) الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: لَا يُكْرَهُ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ ظَاهِرٌ
كَذَا فِي الرَّوْضَةِ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: لِضُرٍّ فِي بَدَنِهِ أَوْ ضِيقٍ فِي دُنْيَاهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ أَصَابَهُ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
(إلَّا لِفِتْنَةِ دِينٍ) أَيْ لَا يُكْرَهُ لِخَوْفِ فِتْنَةٍ فِي دِينِهِ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَقَالَ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مَفْهُومٌ مِنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ الرَّوْضَةِ لَا بَأْسَ.
(وَيُسَنُّ التَّدَاوِي) كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَصَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ «أَنَّ الْأَعْرَابَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ الْهَرَمِ» قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فَإِنْ تَرَكَ التَّدَاوِيَ تَوَكُّلًا فَهُوَ فَضِيلَةٌ.
(وَيُكْرَهُ إكْرَاهُهُ) أَيْ الْمَرِيضِ (عَلَيْهِ) أَيْ التَّدَاوِي، وَفِي الرَّوْضَةِ عَلَى تَنَاوُلِ الدَّوَاءِ أَيْ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّشْوِيشِ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: حَدِيثُ «لَا تُكْرِهُوا مَرَضَاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ» ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، وَادَّعَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ حَسَنٌ
. (وَيَجُوزُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِمْ) وَفِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَأَصْدِقَائِهِ بَدَلَ وَنَحْوِهِمْ.
(تَقْبِيلُ وَجْهِهِ) رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ بَعْدَ مَوْتِهِ» ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَبَّلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَوْتِهِ
. (وَلَا بَأْسَ بِالْإِعْلَامِ بِمَوْتِهِ لِلصَّلَاةِ) عَلَيْهِ (وَغَيْرِهَا) ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَصَحَّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
(بِخِلَافِ نَعْيِ الْجَاهِلِيَّةِ) فَإِنَّهُ يُكْرَهُ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَهُوَ النِّدَاءُ بِمَوْتِ الشَّخْصِ وَذِكْرُ مَآثِرِهِ وَمَفَاخِرِهِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي إنْسَانٍ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ
[حاشية قليوبي]
فِي وَفَاتِهِ حَالَ حَيَاتِهِ وَلَمْ يَخْلُفْ وَفَاءً وَلَيْسَ نَبِيًّا وَمِنْهُ رَهْنُ دِرْعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ افْتَكَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ كَمَا يَأْتِي، وَيَنْبَغِي لِوَلِيِّهِ إذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ وَفَاؤُهُ حَالًا أَنْ يَسْأَلَ غُرَمَاءَهُ قَبْلَ غُسْلِهِ أَنْ يَحْتَالُوا بِهِ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُمْ إجَابَتُهُ وَبِهَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ، وَيُنْدَبُ أَنْ يُحَلِّلُوهُ لِيَبْرَأَ حَقِيقَةً لِأَنَّهَا حَوَالَةٌ مَجَازِيَّةٌ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْأَجْنَبِيُّ كَالْوَلِيِّ فِيمَا ذَكَرَ.
قَالَ شَيْخُنَا: إلَّا فِي لُزُومِ الْإِجَابَةِ
. قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ تَمَنِّي الْمَوْتِ إلَخْ) وَلَا يُكْرَهُ تَمَنِّيهِ لِغَيْرِ ضُرٍّ، وَلَا تَمَنِّيهِ لِغَرَضٍ أُخْرَوِيٍّ كَتَمَنِّي الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا بِمَكَانٍ شَرِيفٍ نَحْوِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ.
بَلْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: بِالنَّدْبِ فِي الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْمُرَادِ مِنْ الضَّرَرِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (فَلْيَقُلْ) أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ الْخَفِيفَةِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا، وَذَكَرَ مَا لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْمُدَّةِ بِخِلَافِ إذَا.
قَوْلُهُ: (لَا يُكْرَهُ) بَلْ نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ نَدْبُهُ
. قَوْلُهُ: (إلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً) زَادَ فِي رِوَايَةٍ «جَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، وَعَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ» ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ لِعَدَمِ الْقَطْعِ بِنَفْعِهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ لِقَوِيِّ التَّوَكُّلِ تُكْرَهُ كَعَكْسِهِ، بَلْ يُكْرَهُ تَرْكُهُ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يَحْرُمُ تَرْكُهُ فِي نَحْوِ جُرْحٍ يُظَنُّ فِيهِ التَّلَفُ كَالْقَصْدِ، وَيَجُوزُ اعْتِمَادُ قَوْلِ الْكَافِرِ فِي الطِّبِّ مَا لَمْ يُخَالِفْ الشَّرْعَ.
قَوْلُهُ: (لَا تُكْرِهُوا إلَخْ) لَيْسَ فِي الدَّلِيلِ مُطَابَقَةٌ لِلْمَدْلُولِ لِأَنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فِي غَيْرِ التَّدَاوِي، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُمَا يَعُمَّانِ مَا فِيهِ الدَّوَاءُ، أَوْ أَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَ التَّدَاوِي وَغَيْرِهِ فِي طَلَبِ التَّرْكِ.
قَوْلُهُ: (ضَعِيفٌ) أَيْ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْحُرْمَةِ بَلْ وَلَا عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَإِنَّمَا دَلِيلُهَا التَّشْوِيشُ
. قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ) أَيْ وَيُنْدَبُ فِي نَحْوِ صَالِحٍ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ تَكُنْ تُهْمَةٌ كَمُرُودَةٍ.
وَتَقْبِيلُ مَحَلِّ السُّجُودِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ وَكَوْنُهُ بِلَا حَائِلٍ
. قَوْلُهُ: (وَغَيْرِهَا) كَاسْتِغْفَارِهِمْ لَهُ، وَبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مُسْتَحَبٌّ) أَيْ إنْ كَانَ لِكَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يُكْرَهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى النَّدْبِ كَمَا مَرَّ، وَتَقَدَّمَ مَا فِي الْمُرَائِي.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ النِّدَاءُ بِمَوْتِ الشَّخْصِ وَذِكْرُ مَآثِرِهِ وَمَفَاخِرِهِ) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ النَّعْيَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرَ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبُرُلُّسِيُّ: إنَّهُ اسْمٌ لِلْأَوَّلِ فَقَطْ وَضَمُّ
[حاشية عميرة]
إلَخْ) وَقَعَ لِلنَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَجْوِبَةِ مَسَائِلَ سُئِلَ عَنْهَا التَّصْرِيحُ بِالِاسْتِحْبَابِ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ النَّصِّ.
قَوْلُهُ: (تَدَاوَوْا) هَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي الطَّلَبِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ فَضِيلَةٌ) زَادَ الْإِسْنَوِيُّ عَقِبَ هَذَا، وَقِيلَ: إذَا كَانَ بِهِ جُرْحٌ يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ وَجَبَ، حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي انْتَهَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَجُوزُ) صَرَّحَ الرُّويَانِيُّ بِالِاسْتِحْبَابِ، وَقَالَ السُّبْكِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُنْدَبَ لَهُمْ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَغَيْرِهَا) أَيْ كَالِاسْتِغْفَارِ لَهُ وَبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ) عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ بَلْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ بِالنِّدَاءِ وَنَحْوِهِ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الصَّلَاةِ اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَيْضًا وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذِكْرُ الْمَفَاخِرِ وَالْمَآثِرِ وَهِيَ نَعْيُ الْجَاهِلِيَّةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (نَعْيِ الْجَاهِلِيَّةِ) اعْلَمْ أَنَّ النَّعْيَ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالْمَوْتِ، وَكَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ إذَا مَاتَ فِيهِمْ كَبِيرٌ بَعَثُوا رَاكِبًا
يَكْنُسُهُ فَمَاتَ فَدُفِنَ لَيْلًا أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ وَفِي رِوَايَةٍ مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي» وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ» ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَمُرَادُهُ نَعْيُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا مُجَرَّدُ الْإِعْلَامِ بِالْمَوْتِ، وَهُوَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَبِكَسْرِهَا مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ مَصْدَرُ نَعَاهُ يَنْعِيهِ.
(وَلَا يَنْظُرُ الْغَاسِلُ مِنْ بَدَنِهِ إلَّا قَدْرَ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ الْعَوْرَةِ) بِأَنْ يُرِيدَ مَعْرِفَةَ الْمَغْسُولِ مِنْ غَيْرِهِ أَيْ يُكْرَهُ نَظَرُ الزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ، وَيَحْرُمُ نَظَرُ الْعَوْرَةِ أَيْ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، كَذَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْأَوَّلَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَقِيلَ مَكْرُوهٌ، وَأَنَّ الْمَسَّ فِيهِ كَالنَّظَرِ، وَأَنَّ نَظَرَ الْمُعِينِ فِيهِ مَكْرُوهٌ، وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا: لَا يَنْظُرُ الْمُعِينُ إلَّا لِضَرُورَةٍ.
(وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ) كَأَنْ احْتَرَقَ وَلَوْ غُسِّلَ لَتَهَرَّى (يُمِّمَ) وَلَا يُغَسَّلُ مُحَافَظَةً عَلَى جُثَّتِهِ لِتُدْفَنَ بِحَالِهَا، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ قَالَ: وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ قُرُوحٌ وَخِيفَ مِنْ غُسْلِهِ تَسَارُعُ الْبِلَى إلَيْهِ بَعْدَ الدَّفْنِ غُسِّلَ وَلَا مُبَالَاةَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ، فَالْكُلُّ صَائِرُونَ إلَى الْبِلَى.
(وَيُغَسِّلُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ الْمَيِّتَ بِلَا كَرَاهَةٍ) ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَكَرِهَهُمَا الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ، دَلِيلُنَا أَنَّهُمَا طَاهِرَانِ كَغَيْرِهِمَا.
(وَإِذَا مَاتَا غُسِّلَا غُسْلًا وَاحِدًا فَقَطْ) ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَالْغُسْلُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمَا سَقَطَ بِالْمَوْتِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَقَالَ الْحَسَنُ وَحْدَهُ: يُغَسَّلَانِ غُسْلَيْنِ
(وَلْيَكُنْ الْغَاسِلُ أَمِينًا) أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَمِينًا كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَالرَّوْضَةِ، وَقَالَ فِيهِ: فَإِنْ غَسَّلَهُ فَاسِقٌ وَقَعَ الْمَوْقِعَ.
(فَإِنْ رَأَى خَيْرًا ذَكَرَهُ) اسْتِحْبَابًا كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
(أَوْ غَيْرَهُ حَرُمَ ذِكْرُهُ إلَّا لَمَصْلَحَةٍ) كَذَا فِي الرَّوْضَةِ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْجُمْهُورَ أَطْلَقُوا وَأَنَّ صَاحِبَ الْبَيَانِ قَالَ: لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ مُبْتَدِعًا مُظْهِرًا لِبِدْعَتِهِ وَرَأَى الْغَاسِلُ فِيهِ مَا يَكْرَهُ، فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ فِي النَّاسِ زَجْرًا عَنْ بِدْعَتِهِ، وَإِنَّ مَا قَالَهُ مُتَعَيِّنٌ لَا عُدُولَ عَنْهُ، وَأَنَّ كَلَامَ الْأَصْحَابِ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ انْتَهَى.
وَهَذَا الْبَحْثُ هُوَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: إلَّا لِمَصْلَحَةٍ.
(وَلَوْ تَنَازَعَ أَخَوَانِ أَوْ زَوْجَتَانِ) فِي الْغُسْلِ وَلَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا قَطْعًا لِلنِّزَاعِ، وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الرَّوْضَةِ.
(وَالْكَافِرُ أَحَقُّ بِقَرِيبِهِ الْكَافِرِ) مِنْ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ فِي غُسْلِهِ، كَذَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَمِثْلُهُ التَّكْفِينُ وَالدَّفْنُ.
(وَيُكْرَهُ الْكَفَنُ الْمُعَصْفَرُ) وَالْمُزَعْفَرُ لِمَنْ لَا يُكْرَهُ لَهُ فِي الْحَيَاةِ وَهُوَ الْمَرْأَةُ لِمَا فِيهِ مِنْ
[حاشية قليوبي]
مَا بَعْدَهُ إلَيْهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، وَلَعَلَّ الشَّارِحَ إنَّمَا فَسَّرَهُ بِمَا ذَكَرَهُ لِأَجْلِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، إذْ الْأَوَّلُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (آذَنْتُمُونِي) بِالْمَدِّ أَيْ أَعْلَمْتُمُونِي
. قَوْلُهُ: (يُكْرَهُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ) أَيْ فِي غَيْرِ صَغِيرٍ لَا يُشْتَهَى وَغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَا يَحْرُمُ فِيهِمَا وَلَا فِي غَيْرِهِمَا لِضَرُورَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ الْمَسَّ كَالنَّظَرِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَلَا يَحْرُمُ فِي الزَّوْجَيْنِ بَلْ يُكْرَهُ وَلَوْ مَعَ الشَّهْوَةِ.
وَقَالَ السَّنْبَاطِيُّ: يَحْرُمُ مَعَ الشَّهْوَةِ فِيهِمَا، وَكَلَامُ الْخَطِيبِ يُوَافِقُهُ.
قَوْلُهُ: (يُمِّمَ) وَلَا تَجِبُ نِيَّتُهُ كَالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ
قَوْلُهُ: (وَكَرِهَهُمَا الْحَسَنُ) وَالْمُرَادُ بِهِ فِي هَذَا وَمَا بَعْدَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ
. قَوْلُهُ: (وَلِيَكُنْ الْغَاسِلُ أَمِينًا) وَكَذَا فَمُعِينُهُ، وَمَعْنَى يَنْبَغِي يُسْتَحَبُّ.
وَيَحْرُمُ عَلَى الْإِمَامِ نَصْبُ غَيْرِ أَمِينٍ وَتَفْوِيضُهُ لَهُ، وَيُكْرَهُ لِلْقَرِيبِ تَفْوِيضُهُ لِفَاسِقٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ غَسَّلَهُ فَاسِقٌ أَجْزَأَ) وَلَوْ أَخْبَرَ أَنَّهُ غَسَّلَهُ كَفَى، وَلَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ غَسَلَ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إخْبَارٌ عَنْ فِعْلٍ لِنَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ) أَيْ نَدْبًا إنْ لَمْ يَخَفْ وُقُوعَ النَّاسِ فِي بِدْعَتِهِ، وَإِلَّا وَجَبَ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا الْبَحْثُ إلَخْ) صَرِيحُ كَلَامِهِ كَالْمَنْهَجِ رُجُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ لِلثَّانِي.
قَالَ
[حاشية عميرة]
إلَى الْقَبَائِلِ يُنَادِي بِمَوْتِهِ ذَاكِرًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنَاقِبِ وَالْمَفَاخِرِ.
قَوْلُهُ: (وَمُرَادُهُ نَعْيُ الْجَاهِلِيَّةِ) فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى فَصَلَّى عَلَيْهِ» . قَوْلُهُ: (مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَبِكَسْرِهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ إلَخْ) لَوْ يُمِّمَ لِفَقْدِ الْمَاءِ، ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَبْلَ دَفْنِهِ، وَجَبَ غُسْلُهُ دُونَ إعَادَةِ الصَّلَاةِ قَالَهُ السَّرَخْسِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَقَعَ الْمَوْقِعَ) نَعَمْ الْمُتَّجِهُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِإِخْبَارِهِ فِي أَنَّهُ غَسَّلَهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (حَرُمَ إلَخْ) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» . وَوَرَدَ «كُفُّوا عَنْ مُسَاوِيهِمْ يَعْنِي الْمَوْتَى» ، وَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمَرْأَةُ) أَمَّا الرَّجُلُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي حَقِّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا.
وَقِيلَ: حَرَامٌ فِيهِمَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُعَمِّمْ الشَّارِحُ الْمُعَصْفَرَ
الزِّينَةِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِالْمَرْأَةِ، وَالْمُزَعْفَرُ أَيْضًا (وَ) تُكْرَهُ (الْمُغَالَاةُ فِيهِ) أَيْ فِي الْكَفَنِ بِارْتِفَاعِهِ فِي الثَّمَنِ، وَيُسْتَحَبُّ تَحْسِينُهُ فِي الْبَيَاضِ وَالنَّظَافَةِ وَسُبُوغُهُ وَكَثَافَتُهُ ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَغَالَوْا فِي الْكَفَنِ فَإِنَّهُ يُسْلَبُهُ سَلْبًا سَرِيعًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَالْمَغْسُولُ) بِأَنْ لُبِسَ (أَوْلَى مِنْ الْجَدِيدِ) كَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِأَنَّهُ لِلصَّدِيدِ، وَالْحَيُّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ كَمَا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
. (وَالصَّبِيُّ كَبَالِغٍ فِي تَكْفِينِهِ بِأَثْوَابٍ) فَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُهُ بِثَلَاثَةٍ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(وَالْحَنُوطُ) أَيْ ذَرُّهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ وَاجِبٌ) كَالْكَفَنِ، وَعَبَّرَ الرَّافِعِيُّ بِالتَّحْنِيطِ
(وَلَا يَحْمِلُ الْجِنَازَةَ إلَّا الرِّجَالُ وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى) لِضَعْفِ النِّسَاءِ عَنْ حَمْلِهَا (وَيَحْرُمُ حَمْلُهَا عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ) كَحَمْلِهَا فِي غِرَارَةٍ (وَهَيْئَةٍ يُخَافُ مِنْهَا سُقُوطُهَا) ذَكَرَ الْمَسْأَلَتَيْنِ الرَّافِعِيُّ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَيُحْمَلُ الْمَيِّتُ عَلَى سَرِيرٍ أَوْ لَوْحٍ أَوْ مَحْمَلٍ وَأَيُّ شَيْءٍ حُمِلَ عَلَيْهِ أَجْزَأَ، فَإِنْ خِيفَ تَغَيُّرُهُ وَانْفِجَارُهُ قَبْلَ أَنْ يُهَيَّأَ لَهُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَيْدِي وَالرِّقَابِ حَتَّى يُوصَلَ إلَى الْقَبْرِ.
(وَيُنْدَبُ لِلْمَرْأَةِ مَا يَسْتُرُهَا كَتَابُوتٍ) وَفِي الرَّوْضَةِ كَالْخَيْمَةِ وَالْقُبَّةِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: عَلَى سَرِيرٍ، وَفِيهِ عِزٌّ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْخَيْمَةِ لِصَاحِبِ الْبَيَانِ، وَبِالْقُبَّةِ لِصَاحِبِ الْحَاوِي، وَبِالْمُكِبَّةِ وَأَنَّهَا تُغَطَّى بِثَوْبٍ لِلشَّيْخِ نَصْرِ الْمَقْدِسِيَّ، وَأَنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا بِقِصَّةِ جِنَازَةِ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَأَنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَوَى أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَتْ أَنْ يُتَّخَذَ لَهَا ذَلِكَ فَفَعَلُوهُ، وَهِيَ قَبْلَ زَيْنَبَ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ، فَقَوْلُهُ: كَتَابُوتٍ، أَيْ لَهَا فَإِنَّهُ مُشْتَمِلٌ فِي الْعَادَةِ عَلَى مَا هُوَ كَالْقُبَّةِ وَعَلَى تَغْطِيَتِهِ بِسِتَارَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(وَلَا يُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِي الرُّجُوعِ مِنْهَا) هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَا بَأْسَ بِهِ، رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ، وَحِينَ انْصَرَفَ أُتِيَ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرًى فَرَكِبَهُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ بِفَرَسٍ عُرْيٍ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ الثَّانِيَةِ مَنُونَةً
[حاشية قليوبي]
شَيْخُنَا: وَالْوَجْهُ رُجُوعُهُ لِلْأَوَّلِ أَيْضًا لِيَخْرُجَ مَا لَوْ كَانَ مَوْصُوفًا بِالْخَيْرِ، وَرَأَى عَلَيْهِ بَعْضَ عَلَامَاتِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ فَيُسَنُّ عَدَمُ ذِكْرِهِ.
قَوْلُهُ: (أَقْرَعَ) قَالَ شَيْخُنَا وُجُوبًا وَلَوْ عَلَى يَدِ قَاضٍ رُفِعَ إلَيْهِ الْأَمْرُ
[الْأَحَقّ بِتَغْسِيلِ الْكَافِر]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْكَافِرُ أَحَقُّ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 73] .
. قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمَرْأَةُ) وَمِثْلُهَا الرَّجُلُ وَالْخُنْثَى فِي الْمُعَصْفَرِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا الْمُزَعْفَرُ كَمَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَقَدْ مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَتُكْرَهُ الْمُغَالَاةُ فِي الْكَفَنِ) بَلْ تَحْرُمُ مِنْ التَّرِكَةِ، وَفِي الْوَرَثَةِ مَحْجُورٌ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَكَثَافَتُهُ) أَيْ صَفَاقَتُهُ وَالْقُطْنُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ) وَفِي رِوَايَةٍ «حَسِّنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ فَإِنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ بِهَا فِي قُبُورِهِمْ»
. قَوْلُهُ: (بِثَلَاثَةٍ) يَقْتَضِي أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الذَّكَرِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: كَبَالِغِ وَالصَّبِيَّةُ وَالْخُنْثَى فِي خَمْسَةٍ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (بِالتَّحْنِيطِ) وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ مُسْتَحَبٌّ
. قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْمِلُ إلَخْ) أَيْ نَدْبًا فَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِمْ مَعَ وُجُودِهِمْ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِنَّ وَتَقَدَّمَ مَا يَنْدُبُ لَهُنَّ.
قَوْلُهُ: (كَتَابُوتٍ) وَهُوَ فِي اللُّغَةِ سَرِيرُ الْمَيِّتِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْقُبَّةُ وَالْخَيْمَةُ وَالْمُكِبَّةُ الْمَذْكُورَاتُ، وَالْمُكِبَّةُ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ الْآنَ.
قَوْلُهُ: (زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ لِابْنَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا تَوَهَّمَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَفَعَلُوهُ) وَهُوَ أَوَّلُ نَعْشٍ غُطِّيَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَوَّلُ مَنْ فُعِلَ لَهُ ذَلِكَ بِنْتُهُ فَاطِمَةُ بِأَمْرِ زَيْنَبَ زَوْجَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهَا رَأَتْهُ بِالْحَبَشَةِ، ثُمَّ فُعِلَ بِزَوْجَتِهِ الْمَذْكُورَةِ
[حاشية عميرة]
لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ جَعَلَ مُرَادَ الْمَتْنِ بَيَانَ الْكَرَاهَةِ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لُبِسَ) قِصَّةُ أَبِي بَكْرٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ أَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبِهِ الْخَلِقِ، وَزِيَادَةُ ثَوْبَيْنِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا قَالَهُ) مَرْجِعُ الضَّمِيرِ قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لِلصَّدِيدِ إلَخْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مُسْتَحَبٌّ) أَيْ كَمَا أَنَّ الْمُفْلِسَ تَجِبُ لَهُ الْكِسْوَةُ دُونَ الطِّيبِ
. قَوْلُهُ: (كَحَمْلِهَا فِي غِرَارَةٍ) وَكَذَا حَمْلُ الْكَبِيرِ عَلَى الْأَيْدِي وَالْكَتِفِ مِنْ غَيْرِ نَعْشٍ، وَوَضْعُ النَّعْشِ بِالْأَرْضِ وَجَرُّهُ بِالْحِبَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (كَتَابُوتٍ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هُوَ سَرِيرٌ فَوْقَهُ قُبَّةٌ أَوْ خَيْمَةٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ زَيْنَبُ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ قَدْ رَأَتْهُ فِي الْحَبَشَةِ لَمَّا هَاجَرَتْ، وَأَوْصَتْ بِهِ يَعْنِي إلَى أُخْتِهَا أُمِّ حَبِيبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، انْتَهَى.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي: وَهِيَ قَبْلَ زَيْنَبَ فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ فِي قَوْلِهِ: وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ زَيْنَبُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى السَّرِيرِ) مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ كَالْخَيْمَةِ وَالْقُبَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَهَا) أَيْ لِلْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرِ ذَلِكَ) كَانَ الْمُرَادُ بِهِ نَفْسَ السَّرِيرِ،