كِتَابُ الصَّلَاةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القليوبي
- الكتاب
- حاشيتا قليوبي وعميرة
- المؤلف
- أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة
- الناشر
- دار الفكر - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4
- الطبعة
- بدون طبعة، 1415هـ-1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]- بأعلى الصفحة: «شرح العلامة جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين للشيخ محيي الدين النووي»- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد البرلسي عميرة (957هـ.)
عَلَيْهِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
(أَوْ) مَوْضِعٍ (مُرْتَفِعٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْبَرٌ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ فِي بُلُوغِ صَوْتِ الْخَطِيبِ عَلَيْهِ النَّاسَ.
وَيُسَنُّ كَوْنُ الْمِنْبَرِ عَلَى يَمِينِ الْمِحْرَابِ لِأَنَّ مِنْبَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ كَذَلِكَ أَيْ عَلَى يَمِينِ الْمُسْتَقْبِلِ لِلْمِحْرَابِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ (وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ) إذَا انْتَهَى إلَيْهِ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ أَيْ يُسَنُّ ذَلِكَ.
(وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ إذَا صَعِدَ) الْمِنْبَرَ (وَيُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ وَيَجْلِسَ) بَعْدَ السَّلَامِ (ثُمَّ يُؤَذَّنَ) بِفَتْحِ الذَّالِ فِي حَالِ جُلُوسِهِ لِلِاتِّبَاعِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ رَوَى الْأَخِيرَ أَيْ التَّأْذِينَ حَالَ الْجُلُوسِ الْبُخَارِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَا قَبْلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ وَيَجْلِسُ وَيَشْتَغِلُ الْمُؤَذِّنُ بِالْأَذَانِ كَمَا جَلَسَ، وَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ وَالْمُرَادُ بِصُعُودِ الْمِنْبَرِ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَنْ يَبْلُغَ فِي صُعُودِهِ الدَّرَجَةَ الَّتِي تَلِي مَوْضِعَ الْجُلُوسِ الْمُسَمَّى بِالْمُسْتَرَاحِ.
وَفِي الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقِفُ عَلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِي الْمُسْتَرَاحَ» .
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ فِيهِ: وَيَلْزَمُ السَّامِعِينَ رَدُّ السَّلَامِ عَلَيْهِ فِي الْمَرَّتَيْنِ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَالسَّلَامِ فِي بَاقِي الْمَوَاضِعِ
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ تَكُونَ) الْخُطْبَةُ (بَلِيغَةً) لَا مُبْتَذَلَةً رَكِيكَةً فَإِنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي الْقُلُوبِ (مَفْهُومَةً) أَيْ قَرِيبَةً مِنْ الْأَفْهَامِ لَا غَرِيبَةً وَحْشِيَّةً فَإِنَّهَا لَا يَنْتَفِعُ بِهَا أَكْثَرُ النَّاسِ.
(قَصِيرَةً) لِأَنَّ الطَّوِيلَةَ تُمِلُّ.
وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «أَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ» . بِضَمِّ الصَّادِ وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ كَالْوَجِيزِ مَائِلَةٌ إلَى الْقِصَرِ أَيْ مُتَوَسِّطَةٌ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا.
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا» . أَيْ مُتَوَسِّطَةً (وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَ) لَا (شِمَالًا فِي شَيْءٍ مِنْهَا) بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلَى مَا
[حاشية قليوبي]
احْتَرَقَ أَبْدَلَهُ الْمُظَفَّرُ صَاحِبُ الْيَمَنِ بِغَيْرِهِ، ثُمَّ أَبْدَلَهُ الظَّاهِرُ بِغَيْرِهِ ثُمَّ أَبْدَلَهُ الْمُؤَيَّدُ شَيْخٌ بِغَيْرِهِ، ثُمَّ أَبْدَلَهُ الظَّاهِرُ خَوْش قَدِمَ بِغَيْرِهِ فَلَمَّا احْتَرَقَ أَبْدَلَهُ السُّلْطَانُ الْأَشْرَفُ قَايِتْبَايْ طَابَ ثَرَاهُ بِالْمِنْبَرِ الرُّخَامِ الْمَوْجُودِ الْآنَ عَلَى صِفَةِ مِنْبَرِ مُعَاوِيَةَ تَقْرِيبًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُرْتَفَعٍ إلَخْ) أَفَادَ الشَّارِحُ أَنَّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُرْتَفَعٌ أَسْنَدَ الْخَطِيبُ ظَهْرَهُ إلَى خَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا كَمَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَنِدُ إلَى الْجِذْعِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ سِوَارِي مَسْجِدِهِ.
وَيُقَالُ لَهُ الْعَذْقُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلنَّخْلَةِ وَبِكَسْرِهَا اسْمٌ لِلْغُصْنِ، وَذَلِكَ قَبْلَ عَمَلِهِ الْمِنْبَرَ الْمَذْكُورَ فَلَمَّا فَارَقَهُ الْمِنْبَرَ حَنَّ كَحَنِينِ الْعِشَارِ فَنَزَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْتَزَمَهُ وَخَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَغْرِسَهُ فَيَعُودَ أَخْضَرَ أَوْ يَكُونَ فِي الْجَنَّةِ مَعَهُ، فَاخْتَارَ الْجَنَّةَ فَوَعَدَهُ بِهَا فَسَكَنَ، ثُمَّ دُفِنَ تَحْتَ الْمِنْبَرِ الشَّرِيفِ، فَلَمَّا هُدِمَ الْمَسْجِدُ أَخَذَهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ فَاسْتَمَرَّ عِنْدَهُ حَتَّى أَكَلَتْهُ الْأَرْضُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى يَمِينِ الْمُسْتَقْبِلِ لِلْمِحْرَابِ) بَعِيدًا عَنْهُ بِنَحْوِ ذِرَاعَيْنِ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ) وَكَذَا كُلُّ صَفٍّ مَرَّ عَلَيْهِ قُبَالَتَهُ، وَلَا تُطْلَبُ لَهُ التَّحِيَّةُ إنْ حَضَرَ وَقْتَ الْخُطْبَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ إذَا صَعِدَ) مُسْتَدْبِرًا لِلْقِبْلَةِ وَلَوْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ لِأَنَّهُ الْمَطْلُوبُ فِي مَقَاصِدِ التَّحْدِيثِ، وَلِذَلِكَ طُلِبَ كَوْنُ الْمِنْبَرِ فِي صَدْرِ الْمَسْجِدِ لِئَلَّا يَلْزَمَ اسْتِدْبَارُ خَلْقٍ كَثِيرٍ، وَيُنْدَبُ لَهُ اسْتِقْبَالُهُمْ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَاعْتَمَدَهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (بِفَتْحِ الذَّالِ) دَفْعًا لِتَوَهُّمِ عَوْدِ ضَمِيرِهِ لِلْخَطِيبِ عِنْدَ كَسْرِهَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا.
وَيَعُودُ الضَّمِيرُ لِلْمُؤَذِّنِ الْمَعْلُومِ مِنْ الْمَقَامِ.
وَيُنْدَبُ كَوْنُ الْمُؤَذِّنِ وَاحِدًا كَالْمُقِيمِ، وَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ بَيْنَ يَدَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ: (وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ إلَخْ) هِيَ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ لِإِفَادَتِهَا مُقَارَنَةَ الْأَذَانِ لِلْجُلُوسِ لِأَنَّهُ الْوَارِدُ.
(فَرْعٌ) اتِّخَاذُ الْمَرْقَى الْمَعْرُوفِ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ الْحَثِّ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقِرَاءَةِ الْآيَةِ الْمُكَرَّمَةِ وَطَلَبِ الْإِنْصَاتِ بِقِرَاءَةِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَؤُهُ فِي خُطَبِهِ وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ وَلَا الْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ اتَّخَذُوا مَرْقِيًّا.
وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ لَهُ أَصْلًا فِي السُّنَّةِ وَهُوَ «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ خَطَبَ فِي عَرَفَةَ لِشَخْصٍ مِنْ الصَّحَابَةِ اسْتَنْصِتْ النَّاسَ» .
قَوْلُهُ: (بَلِيغَةً) أَيْ فَصَيْحَةً جَزْلَةً.
قَوْلُهُ: (أَيْ مُتَوَسِّطَةً) فَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْقِصَرِ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ لِمَا وَرَدَ «أَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصَرُوا الْخُطْبَةَ» . وَحِكْمَتُهُ لُحُوقِ الْمُتَأَخِّرِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَسْتَمِرُّ إلَخْ) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ طَلَبِ اسْتِدْبَارِهِ لَهُمْ أَوْ عَكْسَهُ، وَيُكْرَهُ مُخَالَفَةُ مَا ذُكِرَ كَالِاحْتِبَاءِ لِأَنَّهُ يَجْلِبُ النَّوْمَ.
[حاشية عميرة]
(فَائِدَةٌ) كَانَ مِنْبَرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَ دَرَجٍ مِنْهَا دَرَجَةُ الْمُسْتَرَاحِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ مُرْتَفَعٌ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُرْتَفَعٌ اسْتَنَدَ إلَى خَشَبَةٍ وَنَحْوِهَا لِحَدِيثِ الْجِذْعِ.
قَوْلُهُ: (إذَا انْتَهَى إلَيْهِ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لِأَنَّهُ يُرِيدُ فِرَاقَهُمْ.
قَوْلُهُ: (كَمَا جَلَسَ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ أَيْ عِنْدَ جُلُوسِهِ.
وَفِي نُكَتِ الْعِرَاقِيِّ أَنَّ النَّوَوِيَّ قَالَ فِي الدَّقَائِقِ: إنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَيْسَتْ عَرَبِيَّةً وَإِنَّ الْعَجَمَ تُطْلِقُهَا بِمَعْنَى عِنْدَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا شِمَالًا) زَادَ الشَّارِحُ لَفْظَةَ لَا لِدَفْعِ مَا قِيلَ لَوْ الْتَفَتَ يَمِينًا فَقَطْ أَوْ شِمَالًا فَقَطْ صَدَقَ أَنَّهُ لَمْ يَلْتَفِتْ يَمِينًا وَشِمَالًا فَيَرُدُّ عَلَى الْعِبَارَةِ.
تَقَدَّمَ مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ إلَى فَرَاغِهَا أَيْ يُسَنُّ ذَلِكَ، وَيُسَنُّ لَهُمْ أَنْ يُقْبِلُوا عَلَيْهِ مُسْتَمِعِينَ لَهُ (وَيَعْتَمِدُ عَلَى سَيْفٍ أَوْ عَصًا وَنَحْوِهِ) رَوَى أَبُو دَاوُد: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَامَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ» . وَرُوِيَ أَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى سَيْفٍ.
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْقَوْسِ.
وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ قَامَ بِالسِّلَاحِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي يَدِهِ الْيُسْرَى كَعَادَةِ مَنْ يُرِيدُ الضَّرْبَ بِالسَّيْفِ وَالرَّمْيَ بِالْقَوْسِ، وَيَشْغَلُ يَدَهُ الْيُمْنَى بِحَرْفِ الْمِنْبَرِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ جَعَلَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى أَوْ أَرْسَلَهُمَا وَلَا يَعْبَثُ بِهِمَا (وَيَكُونَ جُلُوسُهُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ فِي الْجُمُعَةِ.
(نَحْوَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ) أَيْ يُسَنُّ ذَلِكَ.
وَقِيلَ يَجِبُ فَلَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْهُ (وَإِذَا فَرَغَ) مِنْ الْخُطْبَةِ (شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ وَبَادَرَ الْإِمَامُ لِيَبْلُغَ الْمِحْرَابَ مَعَ فَرَاغِهِ) مِنْ الْإِقَامَةِ فَيَشْرَعُ فِي الصَّلَاةِ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ الْمُبَالَغَةُ فِي تَحْقِيقِ الْمُوَالَاةِ الَّتِي تَقَدَّمَ وُجُوبُهَا وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي النُّزُولِ مِنْ الْمِنْبَرِ عَقِبَ فَرَاغِهَا وَيَأْخُذَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْإِقَامَةِ، وَيَبْلُغَ الْمِحْرَابَ مَعَ فَرَاغِ الْإِقَامَةِ انْتَهَى.
فَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِاسْتِحْبَابِ مَا ذُكِرَ هُنَا
(وَيَقْرَأَ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ.
(فِي الْأُولَى الْجُمُعَةَ وَفِي الثَّانِيَةِ الْمُنَافِقِينَ جَهْرًا) لِلِاتِّبَاعِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: «كَانَ يَقْرَأُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْجَهْرِ» . وَرَوَى هُوَ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] ، وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1] قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: كَانَ يَقْرَأُ هَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَهَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ فَهُمَا سُنَّتَانِ وَفِيهَا كَأَصْلِهَا لَوْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ فِي الْأُولَى قَرَأَهَا مَعَ الْمُنَافِقِينَ فِي الثَّانِيَةِ وَلَوْ قَرَأَ الْمُنَافِقِينَ فِي الْأُولَى قَرَأَ الْجُمُعَةَ فِي الثَّانِيَةِ كَيْ لَا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ.
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي يَدِهِ الْيُسْرَى) مَنْ ابْتِدَاءِ طُلُوعِهِ بَعْدَ أَخْذِهِ مِنْ الْمَرْقَى بِالْيَمِينِ كَمَا يَدْفَعُهُ لَهُ بَعْدَ نُزُولِهِ بِهَا، وَيُكْرَهُ وُقُوفُهُ عَلَى كُلِّ دَرَجَةٍ فِي طُلُوعِهِ وَدَقُّهُ الدَّرَجَ بِرِجْلِهِ أَوْ غَيْرِهَا وَالْإِسْرَاعُ فِي صُعُودِهِ أَوْ هُبُوطِهِ أَوْ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْإِشَارَةُ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْهُ أَوْ مِنْ الْحَاضِرِينَ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بِلَا عَطَشٍ كَذَلِكَ.
(فَرْعٌ) يُكْرَهُ كَرَاهَةً قَوِيَّةً كِتَابَةُ الْحَفَائِظِ فِي رَمَضَانَ وَتَفْرِقَتُهَا عَلَى الْمُصَلِّينَ وَقَبُولُهُمْ لَهَا وَالْمَشْيُ بَيْنَ الصُّفُوفِ لِلسُّؤَالِ أَوْ غَيْرِهِ وَالتَّصَدُّقُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (نَحْوَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ) وَيُنْدَبُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا كَمَا فِي الْعُبَابِ وَابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (بِحَرْفِ الْمِنْبَرِ) أَيْ إنْ لَمْ يَمَسَّ نَجَاسَةً كَوُقُوفِهِ عَلَيْهَا، وَلَا يَقْبِضُ حَرْفَهُ إنْ كَانَ يَنْجَرُّ بِجَرِّهِ وَعَلَيْهِ أَوْ فِيهِ نَجَاسَةٌ.
قَوْلُهُ: (شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ) أَيْ نَدْبًا كَمُبَادَرَةِ الْإِمَامِ وَلَوْ غَيْرَ الْخَطِيبِ.
قَوْلُهُ: (وَيَقْرَأَ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْمَأْمُومُونَ بِهِمَا، وَقِرَاءَةُ بَعْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةٍ غَيْرِهِمَا.
قَوْلُهُ: (جَهْرًا) وَلَوْ مَسْبُوقًا فِي ثَانِيَتِهِ وَيَقْرَأُ فِيهَا الْمُنَافِقِينَ مُطْلَقًا.
وَقَالَ شَيْخُنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ يَقْرَأُ الْجُمُعَةَ فِيهَا إنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي قِيَامِ الثَّانِيَةِ لِعَدَمِ تَحَمُّلِهَا عَنْهُ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ بَعْضُهُمْ وَعَلَى هَذَا فَيَجْمَعُ مَعَهَا الْمُنَافِقُونَ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَهَلْ أَتَاك) وَإِنْ كَانَتْ أَطْوَلَ مِنْ سَبِّحْ لِوُرُودِهِ مَعَ حِكْمَةِ لُحُوقِ الْمُتَأَخِّرِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (قَرَأَهَا مَعَ الْمُنَافِقِينَ) أَيْ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَإِلَّا اقْتَصَرَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ أَوْ عَلَى بَعْضِهَا.
(فَرْعٌ) قَالُوا حِكْمَةُ قِرَاءَةِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ كَوْنُ الْأُولَى فِيهَا اسْمُ الْجُمُعَةِ الْمُوَافِقُ لِاسْمِ يَوْمِهَا وَالْمُنَافِقِينَ تَلِيهَا فِي الْمُصْحَف الشَّرِيف وَالتَّوَالِي مَطْلُوب وَاَللَّه أَعْلَم.
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ إلَخْ) فَلَوْ اسْتَدْبَرَهُمْ أَوْ اسْتَدْبَرُوهُ كُرِهَ.
(فَرْعٌ) يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَحْتَبِيَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ لِأَنَّهُ يَجْلِبُ النَّوْمَ.
قَوْلُهُ: (فِي يَدِهِ الْيُسْرَى) ظَاهِرُهُ حَتَّى مِنْ أَوَّلِ الصُّعُودِ، وَانْظُرْ إذَا انْتَهَى صُعُودُهُ وَأَخَذَ فِي التَّحَوُّلِ لِلْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ هَلْ يَكُونُ مَبْدَأُ التَّحَوُّلِ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَمْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ؟ .
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْمُنَافِقِينَ) اُنْظُرْ مَا حِكْمَتُهَا.
قَوْلُهُ: (مَعَ الْمُنَافِقِينَ) لَوْ كَانَ الْبَاقِي مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ إحْدَاهُمَا فَقَطْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقْرَأُ الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ وَسِعَهُمَا فَالظَّاهِرُ الْبُدَاءَةُ بِالْجُمُعَةِ.
(فَصْلٌ: يُسَنُّ الْغُسْلُ لِحَاضِرِهَا) أَيْ لِمَنْ يُرِيدُ حُضُورَ الْجُمُعَةَ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ (وَقِيلَ: لِكُلِّ أَحَدٍ) حَضَرَ أَوْ لَا وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» . أَيْ إذَا أَرَادَ مَجِيئَهَا وَحَدِيثُ ابْنِ حِبَّانَ وَأَبِي عَوَانَةَ: «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَلْيَغْتَسِلْ» . وَصَرَفَ الْأَمْرَ عَنْ الْوُجُوبِ إلَى النَّدْبِ حَدِيثُ «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ.
وَقَوْلُهُ: فَبِهَا أَيْ بِالسُّنَّةِ أَخَذَ أَيْ بِمَا جَوَّزَتْهُ مِنْ الْوُضُوءِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ.
وَنِعْمَتْ الْخَصْلَةُ أَوْ الْفِعْلَةُ وَالْغُسْلُ مَعَهَا أَفْضَلُ.
وَيَدُلُّ لِلثَّانِي حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» أَيْ بَالِغٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ثَابِتٌ طَلَبُهُ نَدْبًا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَوَقْتُهُ مِنْ الْفَجْرِ) لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» وَسَيَأْتِي تَمَامُهَا.
(وَتَقْرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ) إلَى الْجُمُعَةِ (أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ أَفْضَى إلَى الْغَرَضِ مِنْ انْتِفَاءِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ حَالَ الِاجْتِمَاعِ.
(فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الْغُسْلِ لِنَفَادِ الْمَاءِ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَوْ لِقُرُوحٍ فِي غَيْرِ أَعْضَائِهِ (تَيَمَّمَ) بِنِيَّةِ الْغُسْلِ (فِي الْأَصَحِّ) وَحَازَ الْفَضِيلَةَ وَالثَّانِي وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، وَرَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْغُسْلِ التَّنَظُّفُ وَقَطْعُ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ، وَالتَّيَمُّمُ لَا يُفِيدُ هَذَا الْغَرَضَ.
(وَمِنْ الْمَسْنُونِ غُسْلُ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ) لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لَهَا كَالْجُمُعَةِ وَسَيَأْتِي وَقْتُ غُسْلِ الْعِيدِ فِي بَابِهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَيَدْخُلُ وَقْتُ الْغُسْلِ لِلْكُسُوفِ بِأَوَّلِهِ (وَ) الْغُسْلُ (لِغَاسِلِ الْمَيِّتِ) مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِحَدِيثِ «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
[حاشية قليوبي]
فَصْلٌ) فِيمَا يُطْلَبُ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْآدَابِ وَمِنْهَا الْأَغْسَالُ الْمَسْنُونَةُ وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا مَا فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرُهُ تَبَعٌ.
قَوْلُهُ: (يُسَنُّ) وَقَدْ يَجِبُ بِالنَّذْرِ وَيُنْدَبُ الْوُضُوءُ لِذَلِكَ الْغُسْلِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعُبَابِ وَكَذَا سَائِرُ الْأَغْسَالِ وَلَوْ لِحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ أَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا وَالتَّيَمُّمُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (لِمَنْ يُرِيدُ حُضُورَهَا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ الْحُضُورُ كَذَاتِ حَلِيلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَإِنْ خَالَفَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِيهِ فَحَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ لِكُلِّ أَحَدٍ) فَهُوَ كَالْعِيدِ حَقٌّ لِلْيَوْمِ وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ غُسْلَ الْعِيدِ لِلزِّينَةِ.
قَوْلُهُ: (كُلِّ مُحْتَلِمٍ) وَشُمُولُهُ لِغَيْرِهِ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِالْحَاضِرِ.
قَوْلُهُ: (وَوَقْتُهُ مِنْ الْفَجْرِ) ظَاهِرُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَرَاجِعْهُ عَلَى الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (وَتَقْرِيبُهُ) أَصْلًا وَبَدَلًا مِنْ ذَهَابِهِ أَفْضَلُ وَإِنْ كَثُرَ رِيحُهُ الْكَرِيهُ وَيُقَدِّمُهُ عَلَى التَّبْكِيرِ إنْ عَارَضَهُ وَيَخْرُجُ وَقْتُهُ بِصُعُودِ الْخَطِيبِ إلَى الْمِنْبَرِ أَوْ بِفَرَاغِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَلَا يُبْطِلُهُ حَدَثٌ وَلَا جَنَابَةٌ وَتُنْدَبُ إعَادَتُهُ.
قَوْلُهُ: (تَيَمَّمَ) أَيْ عَنْ الْغُسْلِ أَيْ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ عَنْ الْوُضُوءِ وَلَوْ جَمَعَهُمَا فِي نِيَّتِهِ كَفَى قَالَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (بِنِيَّةِ الْغُسْلِ) قَالَ شَيْخُنَا فَيَقُولُ: نَوَيْت التَّيَمُّمَ بَدَلًا عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَلَا يَكْفِي نَوَيْت التَّيَمُّمَ عَنْ الْغُسْلِ لِعَدَمِ ذِكْرِ السَّبَبِ كَسَائِرِ الْأَغْسَالِ، وَيَكْفِي نَوَيْت التَّيَمُّمَ لِطُهْرِ الْجُمُعَةِ أَوْ لِلْجُمُعَةِ أَوْ لِلصَّلَاةِ أَوْ عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْ الْبَدَلِيَّةَ، وَيُكْرَهُ تَرْكُ التَّيَمُّمِ كَالْغُسْلِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْمَسْنُونِ) أَيْ مِنْ بَعْضِهِ لِأَنَّهَا كَثِيرَةٌ وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ جَرْيًا عَلَى الْقَاعِدَةِ أَنَّ كُلَّ ذِي سَبَبٍ مُسْتَقْبَلٍ مَنْدُوبٌ وَكُلَّ ذِي مَاضٍ وَاجِبٌ إلَّا مِنْ الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ وَالْإِسْلَامِ، وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ السَّبَبِ فِي جَمِيعِ الْأَغْسَالِ إلَّا فِي الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ فَيَنْوِي فِيهِمَا رَفْعَ الْجَنَابَةِ أَوْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ أَوْ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ لِاحْتِمَالِ إنْزَالِهِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قَلَّ مَنْ جُنَّ إلَّا وَأُنْزِلَ وَأُلْحِقَ بِهِ الْإِغْمَاءُ، قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَيَنْوِي بِهِ رَفْعَ الْجَنَابَةِ فِيهِمَا وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ جَنَابَةٌ كَصَبِيٍّ، وَخَالَفَهُ الْخَطِيبُ وَمَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ لِاسْتِحَالَةِ مَا يُضَافُ إلَيْهِ إنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ إقَامَةً لِلْمَظِنَّةِ مَقَامَ الْيَقِينِ كَمَا فِي النَّوْمِ مَعَ احْتِمَالِ الْخَارِجِ لِأَنَّ الْغُسْلَ هُنَا لَهُ عَلَامَةٌ وَشَأْنُهَا الظُّهُورُ وَهِيَ الْمَنِيُّ وَهَذَا مَرْدُودٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ.
وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الْغُسْلِ أَنَّهُ جُنُبٌ وَجَبَتْ إعَادَتُهُ كَوُضُوءِ الِاحْتِيَاطِ وَفِيهِ نَظَرٌ خُصُوصًا عَلَى مَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لَهَا) هُوَ عِلَّةٌ لِطَلَبِ الْغُسْلِ فِي أَصْلِهِ وَإِنْ طُلِبَ لِلْمُنْفَرِدِ.
قَوْلُهُ: (وَقْتُ غُسْلِ الْعِيدِ) وَيَدْخُلُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ وَفَارَقَ الْجُمُعَةَ نَظَرًا لِاتِّسَاعِ وَقْتِهِ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (لِلْكُسُوفِ بِأَوَّلِهِ) وَيَخْرُجُ بِالِانْجِلَاءِ
[حاشية عميرة]
[فَصْلٌ يُسَنُّ الْغُسْلُ لِمَنْ يُرِيدُ حُضُورَ الْجُمُعَةَ]
فَصْلٌ: يُسَنُّ الْغُسْلُ إلَخْ) قَوْلُ الْمَتْنِ: (لِكُلِّ أَحَدٍ) أَيْ فَيَكُونُ حَقًّا لِلْيَوْمِ.
قَوْلُهُ: (مَعَهَا، وَقَوْلُهُ: الْفِعْلَةُ) الضَّمِيرُ فِيهِمَا رَاجِعٌ لِلْخَصْلَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ أَعْضَائِهِ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (بِنِيَّةِ الْغُسْلِ) فَيَقُولُ: نَوَيْت التَّيَمُّمَ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ.
قَوْلُهُ: (كَالْجُمُعَةِ) أَيْ فَالدَّلِيلُ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْغُسْلُ لِغَاسِلِ الْمَيِّتِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ تَعَبُّدٌ أَمْ لِنَجَاسَتِهِ عِنْدَ
وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَالصَّارِفُ لِلْأَمْرِ عَنْ الْوُجُوبِ حَدِيثُ: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غُسْلِ مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إذَا غَسَّلْتُمُوهُ» صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ (وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا أَفَاقَا) رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُغْمَى عَلَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَإِذَا أَفَاقَ اغْتَسَلَ» . وَقِيسَ الْمَجْنُونُ بِالْمُغْمَى عَلَيْهِ (وَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ) «لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ بِالْغُسْلِ لَمَّا أَسْلَمَ» . وَكَذَلِكَ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ رَوَاهُمَا ابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا وَلَيْسَ أَمْرَ وُجُوبٍ لِأَنَّ جَمَاعَةً أَسْلَمُوا فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْغُسْلِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ فِي الْكُفْرِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ فَإِنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَلَا عِبْرَةَ بِغُسْلٍ مَضَى فِي الْكُفْرِ فِي الْأَصَحِّ (وَأَغْسَالِ الْحَجِّ) وَسَتَأْتِي فِي بَابِهِ (وَآكُدُهَا) أَيْ الْأَغْسَالُ الْمَسْنُونَةُ (غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ ثُمَّ) غُسْلُ (الْجُمُعَةِ وَعَكْسُهُ الْقَدِيمُ) فَقَالَ: آكُدُهَا غُسْلُ الْجُمُعَةِ ثُمَّ غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ (قُلْت: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ وَرَجَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَأَحَادِيثُهُ صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ) وَهِيَ أَحَادِيثُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْهَا حَدِيثَا الشَّيْخَيْنِ السَّابِقَيْنِ أَوَّلَ الْفَصْلِ.
(وَلَيْسَ لِلْجَدِيدِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) يَعْنِي مِنْ الْأَحَادِيثِ الطَّالِبَةِ لِغُسْلِ غَاسِلِ الْمَيِّتِ بَلْ اعْتَرَضَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَلَى التِّرْمِذِيِّ فِي تَحَسُّبٍ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ مِنْهَا فَعَلَى تَصْحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ لَهُ أَوْلَى، وَوَجَّهَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ الْجَدِيدَ بِأَنَّ لِلشَّافِعِيِّ قَدِيمًا بِوُجُوبِ غُسْلِ غَاسِلِ الْمَيِّتِ دُونَ غُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ لَهُ قَدِيمًا بِوُجُوبِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ هَذَا غَرِيبًا وَذَاكَ مَشْهُورًا.
وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي الْقَدِيمِ فِي وُجُوبِ غُسْلِ
[حاشية قليوبي]
لِغَاسِلِ الْمَيِّتِ) وَإِنْ كَانَ الْغَاسِلُ لَهُ حَائِضًا أَوْ حَرُمَ الْغُسْلُ كَالشَّهِيدِ أَوْ كُرِهَ كَالْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ وَأَصْلُ طَلَبِهِ إزَالَةُ ضَعْفِ بَدَنِ الْغَاسِلِ بِمُعَالَجَةِ جَسَدٍ خَاوٍ وَلِذَلِكَ يُنْدَبُ الْوُضُوءُ مِنْ تَيَمُّمِهِ لِأَنَّ فِيهِ مَسُّ جَسَدِهِ، وَمِثْلُهُ الْحَمْلُ لَكِنْ بَعْدَهُ وَقِيلَ قَبْلَهُ.
وَيُنْدَبُ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ أَيْضًا لِيَكُونَ حَمْلُهُ عَلَى طَهَارَةٍ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ حَدِيثَ: «مَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» بِقَوْلِهِ: مَنْ حَمَلَهُ أَيْ أَرَادَ حَمْلَهُ.
وَيَخْرُجُ وَقْتُهُ كَنَظِيرِهِ مِنْ غُسْلِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْإِسْلَامِ وَكُلِّ غَيْرِ مُوَقَّتٍ بِطُولِ الْفَصْلِ أَوْ الْإِعْرَاضِ وَلَا يُقْضَى إذَا فَاتَ.
كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَيَتَّجِهُ عَدَمُ فَوَاتِهِ بِذَلِكَ وَإِذَا وُجِدَ غُسْلٌ بَعْدَهُ دَخَلَ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْكَافِرِ إلَخْ) شَمِلَ الْأُنْثَى إذَا غَسَّلَهَا زَوْجُهَا، وَيُنْدَبُ لَهُ حَلْقُ رَأْسِهِ وَلَوْ أُنْثَى أَوْ صَغِيرًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبُرُلُّسِيُّ بَعْدَ غُسْلِهِ وَهُوَ الْوَجْهُ.
وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ قَبْلَهُ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: إنْ أَجْنَبَ فِي الْكُفْرِ فَبَعْدَهُ وَإِلَّا فَقَبْلَهُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْعِبَارَةُ كَالَّتِي قَبْلَهَا مَقْلُوبَةٌ وَالْأَصْلُ وَلِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ كُفْرِهِ وَلِمَنْ أَفَاقَ مِنْ جُنُونِهِ أَوْ إغْمَائِهِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّ إذَا لِلْوَقْتِ فَتُفِيدُ ذَلِكَ مَعَ طَلَبِ الْمُبَادَرَةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ) بِالْمُثَلَّثَةِ فِيهِمَا وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ الْأُولَى وَالْهَمْزَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا إلَخْ) أَيْ طَلَبُ الْغُسْلِ الْمَنْدُوبِ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ) أَيْ مَعَ الْمَنْدُوبِ وَلَعَلَّ أَمْرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَيْسٍ بِذَلِكَ كَانَ مَعَ أَمْرِهِ بِالْوَاجِبِ أَوْ مَعَ عِلْمِ قَيْسٍ بِهِ أَوْ هُوَ الْوَاجِبُ لَمَّا قِيلَ إنَّهُ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ فِي الْكُفْرِ وَمِنْ لَازِمِهَا الْجَنَابَةُ.
قَوْلُهُ: (وَأَغْسَالِ الْحَجِّ) زَمَانًا وَمَكَانًا وَمِثْلُهُ الْعُمْرَةُ كَالْإِحْرَامِ وَدُخُولُ الْحَرَمِ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَحَرَمِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْ الْمَسْنُونِ الْغُسْلُ لِلْبُلُوغِ بِالسِّنِّ وَلِلِاعْتِكَافِ وَلِلْأَذَانِ وَلِكُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَلِدُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكُلِّ مَسْجِدٍ وَمِنْ حَلْقِ الْعَانَةِ أَوْ الرَّأْسِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَنَحْوِ الْفَصْدِ وَتَغَيُّرِ الْبَدَنِ وَكُلِّ اجْتِمَاعٍ وَلَوْ لِصَلَاةٍ قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ إلَّا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ الْحَمَّامِ أَيْ عِنْدَ إرَادَةِ الْخُرُوجِ مِنْهُ بِمَاءٍ مُعْتَدِلٍ إلَى الْبَرْدِ وَفِي سَبِيلِ وَادٍ وَكُلِّ يَوْمٍ فِي أَيَّامِ زِيَادَةِ النِّيلِ فِيهِ بَلْ فِي كُلِّ وَقْتٍ فِيهَا وَغَيْرِ الْمَذْكُورَاتِ.
قَوْلُهُ: (صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَفْضَلَهَا مَا كَثُرَتْ أَحَادِيثُهُ وَصَحَّتْ ثُمَّ مَا اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ ثُمَّ مَا
[حاشية عميرة]
مَنْ قَالَ بِهَا وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا الْوُضُوءُ لِمَسِّهِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ اعْتِرَاضٌ إلَخْ) رُبَّمَا يُشِيرُ بِهَذَا إلَى الرَّدِّ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْلِهِ: عَبَّرَ الرَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ أَحَادِيثَهُ يَعْنِي الْقَدِيمَ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ وَهُوَ أَصْوَبُ مِنْ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَاعْتَرَضَ) الْمُعْتَرِضُ هُوَ الْجَمَّالُ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
قَوْلُهُ: (وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ) يَعْنِي قَوْلَهُ وَعَكْسُهُ الْقَدِيمُ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَوَجْهُ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعِبَارَتُهُ
غَاسِلِ الْمَيِّتِ وَنَدَبَهُ كَمَا نَسَبَهُ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَأَسْقَطَهُ مِنْ الرَّوْضَةِ وَذَكَرَ فِيهَا مِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ أَنَّ مَنْ مَعَهُ مَاءٌ يَدْفَعُهُ لِأَوْلَى النَّاسِ بِهِ وَوَجَدَ مَنْ يُرِيدُهُ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَمَنْ يُرِيدُهُ لِلْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ لِأَيِّهِمَا يَدْفَعُهُ
(وَيُسَنُّ التَّبْكِيرُ إلَيْهَا) لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ أَيْ كَغُسْلِهَا ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةَ أَيْ وَاحِدَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» . وَرَوَى النَّسَائِيّ «فِي الْخَامِسَةِ كَاَلَّذِي يُهْدِي عُصْفُورًا، وَفِي السَّادِسَةِ بَيْضَةً» وَالسَّاعَاتُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَقِيلَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَمَنْ جَاءَ فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ فِي آخِرِهَا مُشْتَرَكَانِ فِي تَحْصِيلِ أَصْلِ الْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَلَكِنَّ بَدَنَةَ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ مِنْ بَدَنَةِ الْآخَرِ، وَبَدَنَةُ الْمُتَوَسِّطِ مُتَوَسِّطَةٌ يَعْنِي وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ.
وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا الْمُرَادُ تَرْتِيبُ الدَّرَجَاتِ وَفَضْلُ السَّابِقِ عَلَى الَّذِي يَلِيهِ لِئَلَّا يَسْتَوِيَ فِي الْفَضِيلَةِ رَجُلَانِ جَاءَا فِي طَرَفَيْ سَاعَةٍ.
[حاشية قليوبي]
صَحَّتْ أَحَادِيثُهُ ثُمَّ مَا تَعَدَّى نَفْعُهُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ وَهَذَا شَيْءٌ يَتَوَقَّفُ عَلَى سَبْرِ أَحَادِيثَ وَقَدْ أَيِسَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لِلْجَدِيدِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ مُتَّفَقٍ عَلَى صِحَّتِهِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّبْكِيرُ إلَيْهَا) أَيْ مِمَّنْ يُرِيدُ حُضُورَهَا قَالَ شَيْخُنَا حَيْثُ طُلِبَ وَلَوْ مِنْ امْرَأَةٍ وَخُنْثَى.
وَفِي التَّقْيِيدِ بِالطَّلَبِ تَأَمُّلٌ وَالْوَجْهُ الْإِطْلَاقُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَاحَ) .
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبُرُلُّسِيُّ: مُقْتَضَاهُ خُصُوصُ هَذَا الثَّوَابِ بِمَنْ اغْتَسَلَ، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ وَأَصْلُ الرَّوَاحِ لُغَةً السَّيْرُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَسُمِّيَ بِهِ مَا هُنَا لِأَنَّهُ سَعَى لِمَا يَحْصُلُ بَعْدَهُ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ سَيَذْكُرُ الشَّارِحُ الْإِشَارَةَ إلَيْهِ وَهُوَ «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» فَقَوْلُهُ غَسَّلَ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى الْأَفْصَحِ بِمَعْنَى غَسَلَ بَدَنَهُ فَمَا بَعْدَهُ تَأْكِيدٌ أَوْ بِمَعْنَى غَسَّلَ حَلِيلَتَهُ أَيْ أَلْزَمَهَا الْغُسْلَ بِوَطْئِهِ لَهَا لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ غَضِّ الْبَصَرِ فِي السَّعْيِ الْآتِي، أَوْ بِمَعْنَى غَسَلَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ، أَوْ بِمَعْنَى غَسَلَ ثِيَابَهُ أَوْ بِمَعْنَى غَسَلَ رَأْسَهُ مِنْ دُهْنٍ اسْتَعْمَلَهُ فِيهِ كَمَا هُوَ عَادَتُهُمْ.
وَمَعْنَى بَكَّرَ مُخَفَّفًا عَجَّلَ الْحُضُورَ وَمُشَدَّدًا بَادَرَ بِالصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَمَعْنَى ابْتَكَرَ أَدْرَكَ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ.
وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ تَعْجِيلُ الْحُضُورِ كَمَا مَرَّ.
وَالْمُرَادُ بِالْخُطُوَاتِ مِنْ مَحَلِّ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ مَثَلًا إلَى مَحَلِّ جُلُوسِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يَنْتَهِي بِوُصُولِ الْمَسْجِدِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
(تَنْبِيهٌ) يَحْصُلُ التَّبْكِيرُ لِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ بِأَنْ يَتَهَيَّأَ لِلصَّلَاةِ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا وَمِنْ الرَّوَاحِ فِيمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْصِدَ مَنْ يُرِيدُ الْحُضُورَ أَنَّ حُضُوره لِلصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى التَّبْكِيرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَاحِدَةً مِنْ الْإِبِلِ) شَامِلٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَهَاؤُهُ لِلْوَحْدَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ) أَيْ لِصُعُودِ الْمِنْبَرِ مِنْ نَحْوِ خَلْوَةٍ.
قَوْلُهُ: (الذِّكْرَ) أَيْ الْخُطْبَةَ.
قَوْلُهُ: (كَاَلَّذِي يُهْدِي عُصْفُورًا) وَهَذِهِ السَّاعَةُ سَاقِطَةٌ مِنْ الرِّوَايَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (وَالسَّاعَاتُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ) عَلَى الصَّحِيحِ الْمُعْتَمَدِ.
وَقِيلَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَقِيلَ مِنْ الزَّوَالِ وَآخِرُهَا عَلَى كُلِّ قَوْلٍ إلَى صُعُودِ الْإِمَامِ لِلْمِنْبَرِ.
وَالْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ الزَّمَانَ يُقَسَّمُ سِتَّةَ أَقْسَامٍ مُتَسَاوِيَةٍ كُلُّ قِسْمٍ مِنْهَا يُسَمَّى سَاعَةً.
قَوْلُهُ: (قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ) فِي الْبَقَرَةِ وَالْكَبْشِ وَالدَّجَاجَةِ وَالْعُصْفُورِ وَالْبَيْضَةِ، وَمَحَلُّ حُصُولِ هَذَا الثَّوَابِ إنْ اسْتَمَرَّ فِي مَحَلِّ الصَّلَاةِ إلَى أَنْ صَلَّى أَوْ خَرَجَ بِعُذْرٍ وَعَادَ عَنْ قُرْبٍ وَإِلَّا فَاتَهُ وَيَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ سَاعَةِ عَوْدِهِ.
وَسُئِلَ شَيْخُنَا عَنْ أَسْنَانِ تِلْكَ الْحَيَوَانَاتِ فَأَجَابَ بِأَنَّهَا كَالْأُضْحِيَّةِ فَقِيلَ لَهُ فَالدَّجَاجَةُ وَالْعُصْفُورُ فَتَوَقَّفَ ثُمَّ مَالَ إلَى اعْتِبَارِ الْكَمَالِ عُرْفًا فِي الْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ: (لِئَلَّا يَسْتَوِيَ إلَخْ) تَقَدَّمَ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ جَوَابُهُ فِي كَلَامِ شَرْحِ الْمُهَذِّب
[حاشية عميرة]
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا نَقَلْنَاهُ يَقْتَضِي تَرَدُّدَ قَوْلِهِ فِي وُجُوبِ هَذَا الْغُسْلِ فِي الْقَدِيمِ لِأَنَّهُ لَوْ جَزَمَ فِيهِ بِوُجُوبِهِ لَمَا انْتَظَمَ مِنْهُ الْقَوْلُ بِأَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ آكَدُ مِنْهُ اهـ.
وَغَرَضُ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ هَذَا الْكَلَامِ دَفْعُ مَا يُقَالُ كَيْفَ صَحَّ الْحُكْمُ فِي الْقَدِيمِ بِأَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ آكَدُ مِنْهُ مَعَ أَنَّ الْجَزْمَ بِوُجُوبِهِ فِي الْقَدِيمِ.
كَمَا أَوْرَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
وَقَالَ إنَّ الرَّافِعِيَّ حَاوَلَ الْجَوَابَ يَعْنِي بِمَا سَلَفَ عَنْهُ.
قَالَ أَعْنِي الْإِسْنَوِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَسَبَبُ هَذِهِ الْمُحَاوَلَةِ مِنْهُ عَدَمُ إغْلَاطِهِ عَلَى أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا بِوُجُوبِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَخْ) هَذَا الْحَدِيثُ يُفِيدُ أَنَّ هَذَا الثَّوَابَ الْمَخْصُوصَ إنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ اغْتَسَلَ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّ أَهْلَ الْحِسَابِ مِنْهُ يَحْسِبُونَ الْيَوْمَ، وَيَعُدُّونَ السَّاعَاتِ وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ بِأَنَّهُ أَوَّلُ الْيَوْمِ شَرْعًا وَبِهِ يَدْخُلُ وَقْتُ
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْفَلَكِيَّةَ وَإِلَّا لَاخْتَلَفَ الْأَمْرُ بِالْيَوْمِ الشَّاتِي وَالصَّائِفِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ «يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَاعَةً» ، وَهُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَيَّامِهِ.
وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الْإِمَامَ يَخْتَارُ لَهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ اتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ (مَاشِيًا) لَا رَاكِبًا لِلْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِ فِي حَدِيثٍ.
رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
(بِسَكِينَةٍ) لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ: «إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» وَهُوَ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] أَيْ امْضُوا كَمَا قُرِئَ بِهِ.
وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا تَقْيِيدُ الْمَشْيِ إلَى الْجُمُعَةِ عَلَى سَكِينَةٍ بِمَا
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْفَلَكِيَّةَ) وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا خَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً دَائِمًا وَلَا الزَّمَانِيَّةَ أَيْضًا لِأَنَّهَا نِصْفُ سُدُسِ النَّهَارِ دَائِمًا وَأَوَّلُهَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ، وَلَا تَرْتِيبَ دَرَجَاتِ السَّابِقِينَ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَدَدَ السَّاعَاتِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ وَتَقَدَّمَ الْمُرَادُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ الْيَوْمَ الثَّانِيَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دَرَجَةً فِي أَقْصَرِ الْأَيَّامِ وَنِصْفُهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ دَرَجَةً فَلَا يَكُونُ فِيهِ سِتُّ سَاعَاتٍ إلَّا مَعَ حِصَّةِ الْفَجْرِ وَالْيَوْمُ الصَّائِفُ مِائَتَانِ وَنَحْوُ عَشْرِ دَرَجَاتٍ وَنِصْفُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُ دَرَجَاتٍ فَهُوَ نَحْوُ سَبْعِ سَاعَاتٍ بِغَيْرِ حِصَّةِ الْفَجْرِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْحَدِيثِ إلَخْ) هُوَ دَلِيلٌ لِلْمَنْفِيِّ بِقَوْلِهِ وَلَيْسَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (إنَّ الْإِمَامَ إلَخْ) وَهُوَ الصَّحِيحُ وَحِكْمَتُهُ قُوَّةُ الْهَيْئَةِ فِيهِ وَتَشَوُّفُ النَّاسِ لَهُ وَيَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ الْمُبَكِّرِ أَوْ أَكْثَرُ قَالَهُ شَيْخُنَا.
لَكِنْ يُنْظَرُ أَيُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُبَكِّرِينَ فَرَاجِعْهُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ ثَوَابُ السَّاعَةِ الَّتِي لَوْلَا طَلَبُ التَّأْخِيرِ لَجَاءَ فِيهَا فَرَاجِعْهُ.
فَإِنْ بَكَّرَ فَهُوَ كَغَيْرِهِ فِي الْبَدَنَةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (مَاشِيًا) أَيْ فِي ذَهَابِهِ إنْ لَاقَ بِهِ الْمَشْيُ وَلَمْ تَحْصُلْ لَهُ مَشَقَّةٌ تُذْهِبُ الْخُشُوعَ وَيُخَيَّرُ فِي رُجُوعِهِ لِانْتِهَاءِ الْعِبَادَةِ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ يُنْدَبُ الْمَشْيُ فِي عَوْدِهِ أَيْضًا لِمَا وَرَدَ «أَنَّ رَجُلًا قِيلَ لَهُ: هَلَّا اشْتَرَيْت لَك حِمَارًا تَرْكَبُهُ إذَا أَتَيْت إلَى الصَّلَاةِ فِي الرَّمْضَاءِ وَالظَّلْمَاءِ؟ فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّ أَنْ يُكْتَبَ لِي أَجْرُ مَمْشَايَ فِي ذَهَابِي وَعَوْدِي.
فَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ كَتَبَ اللَّهُ لَك ذَلِكَ» . وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ خُصُوصِيَّةٌ لِذَلِكَ الرَّجُلِ نَظَرًا لِاعْتِقَادِهِ أَوْ بِأَنَّ الْمُرَادَ كُتِبَ لَهُ مَجْمُوعُ ذَلِكَ أَيْ الذَّهَابِ وَحْدَهُ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبَ فِي عَوْدِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّ رُكُوبَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ لِأَنَّ بَيَانَ الْجَوَازِ فِيمَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ الْحُرْمَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ هُنَا، فَرُكُوبُهُ لِبَيَانِ عَدَمِ الْأَفْضَلِيَّةِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لَا رَاكِبًا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَشْيِ مُطْلَقُ الْمُضِيِّ لِيُلَائِمَ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ إلَخْ) هُوَ الْمُتَقَدِّمُ آنِفًا.
قَوْلُهُ: (بِسَكِينَةٍ) وَهِيَ التَّأَنِّي فِي الْمَشْيِ وَالْحَرَكَاتِ وَاجْتِنَابِ الْعَبَثِ وَالْوَقَارُ مُرَادِفٌ لَهَا أَوْ هُوَ حُسْنُ الْهَيْئَةِ كَغَضِّ الْبَصَرِ وَخَفْضِ الصَّوْتِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ يَمِينًا وَشِمَالًا.
وَيُطْلَبُ ذَلِكَ لِلرَّاكِبِ فِيهِ وَفِي دَابَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ) أَيْ وَقْتُهَا
[حاشية عميرة]
الْغُسْلِ، قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا إلَخْ) عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَيْسَ الْمُرَادُ عَلَى الْأَوْجُهِ كُلِّهَا الْأَرْبَعَ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي قُسِمَ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ عَلَيْهَا اهـ. فَإِنْ قُلْت: مَا الْمُرَادُ بِالسَّاعَاتِ بِاعْتِبَارِ مَا حَكَاهُ الشَّارِحُ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قُلْت: قِيلَ: جَعَلَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ شِتَاءً وَصَيْفًا مَقْسُومًا عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ لَا الْفَلَكِيَّةَ وَلَا تَرْتِيبَ السَّابِقِ فِي الْفَصْلِ، وَالسَّاعَاتُ بِهَذَا الْمَعْنَى تُعْرَفُ بِالزَّمَانِيَّةِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمِيقَاتِ.
وَهَذَا الْكَلَامُ لِي فِيهِ بَحْثٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الصَّحِيحَ اعْتِبَارُ السَّاعَاتِ مِنْ الْفَجْرِ، وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ الْحِصَّةَ مِنْ الْفَجْرِ إلَى الزَّوَالِ أَزْيَدُ مِنْ بَاقِي النَّهَارِ بِنَحْوِ ثَلَاثِينَ دَرَجَةً فَيَلْزَمُ زِيَادَاتُ السَّاعَاتِ فِيهَا، سَوَاءٌ اعْتَبَرْنَا الْفَلَكِيَّةَ أَمْ غَيْرَهَا فَلْيُتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا لَاخْتَلَفَ الْأَمْرُ بِالْيَوْمِ الشَّاتِي وَالصَّائِفِ) زَادَ الرَّافِعِيُّ وَلَفَاتَتْ الْجُمُعَةُ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي لِمَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ اهـ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الطَّوِيلَ مِنْهَا تَزِيدُ سَاعَاتُهُ وَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد إلَخْ دَلِيلٌ لِقَوْلِ الشَّيْخَيْنِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْفَلَكِيَّةَ وَإِلَّا لِاخْتِلَافِ إلَخْ وَفِي قِطْعَةِ السُّبْكِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالسَّاعَاتُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَقِيلَ: مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقِيلَ: مِنْ أَوَّلِ الزَّوَالِ وَيَكُونُ أَطْلَقَ السَّاعَاتِ عَلَى اللَّحَظَاتِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً إلَخْ وَاعْلَمْ أَنَّ السَّاعَاتِ الْفَلَكِيَّةَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً يَخُصُّ كُلَّ سَاعَةٍ سِتَّةَ عَشَرَ دَرَجَةً فَإِذَا اسْتَوَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِائَةً وَثَمَانِينَ دَرَجَةً فَإِذَا وَصَلَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى نِهَايَةِ طُولِهِ أَخَذَ مِنْ الْآخَرِ سَاعَتَيْنِ ثَلَاثِينَ دَرَجَةً فَتَكُونُ غَايَةُ الْقَصْرِ الِانْتِهَاءَ إلَى عَشْرِ سَاعَاتٍ هَذَا اصْطِلَاحُ أَهْلِ الْمِيقَاتِ، وَعِنْدَهُمْ ابْتِدَاءُ النَّهَارِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالرَّاجِحُ كَمَا عَلِمْت اعْتِبَارُ السَّاعَاتِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْحِصَّةَ مِنْ الْفَجْرِ إلَى الزَّوَالِ أَزْيَدُ مِنْ بَاقِي النَّهَارِ بِكَثِيرٍ فَمَتَى اعْتَبَرْنَا الْفَلَكِيَّةَ لَزِمَ زِيَادَةُ عَدَدِهَا عَلَى السِّتِّ وَاخْتِلَافُهَا فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الزَّمَانِيَّةِ بِالنَّظَرِ إلَى اخْتِلَافِ الْبَدَنَةِ مَثَلًا كَمَالًا وَنَقْصًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يُقَسَّمَ مِنْ الْفَجْرِ إلَى الزَّوَالِ سِتُّ سَاعَاتٍ مُتَسَاوِيَةِ الْأَجْزَاءِ، لَكِنْ يَلْزَمُهُ زِيَادَةُ أَجْزَاءِ كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ
لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ وَأَنَّهُ لَا يَسْعَى إلَى غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ أَيْضًا
(وَأَنْ يَشْتَغِلَ فِي طَرِيقِهِ وَحُضُورِهِ) قَبْلَ الْخُطْبَةِ (بِقِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ) أَوْ صَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالطَّرِيقُ مَزِيدٌ عَلَى الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَفِي التَّنْزِيلِ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ» . وَفِي مُسْلِمٍ: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا كَانَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» .
(وَلَا يَتَخَطَّى) رِقَابَ النَّاسِ لِلْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا إلَّا إذَا كَانَ إمَامًا أَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةٌ لَا يَصِلُهَا بِغَيْرِ تَخَطٍّ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ التَّخَطِّي، أَمَّا الْإِمَامُ وَفَرْضُهُ فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا إلَّا بِهِ فَلِلضَّرُورَةِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلِتَفْرِيطِ الْجَالِسِينَ وَرَاءَ الْفُرْجَةِ بِتَرْكِهَا سَوَاءٌ وَجَدَ غَيْرَهَا أَمْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَتْ قَرِيبَةً أَمْ بَعِيدَةً وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ إنْ كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُهَا أَنْ لَا يَتَخَطَّى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعٌ، وَكَانَتْ قَرِيبَةً بِحَيْثُ لَا يَتَخَطَّى أَكْثَرَ مِنْ رَجُلَيْنِ وَنَحْوِهِمَا دَخَلَهَا وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً
[حاشية قليوبي]
بِخُرُوجِهِ لَوْ لَمْ يُسْرِعْ أَوْ بِفَوَاتِهَا لَمَسْبُوقٌ كَذَلِكَ وَلَوْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَيَجِبُ الْإِسْرَاعُ فِي ذَلِكَ.
كَمَا قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا.
قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَلِقْ بِهِ الْإِسْرَاعُ وَلَا يَجِبُ السَّعْيُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهَا إلَّا بِهِ كَبَعِيدِ الدَّارِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَسْعَى إلَخْ) أَيْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَخْشَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ بِسَلَامِ الْإِمَامِ فَلَا يَسْعَى لِإِدْرَاكِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَلَا لِلرَّكَعَاتِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الصَّلَوَاتِ) وَمِثْلُهَا كُلُّ عِبَادَةٍ.
وَكَذَا يُنْدَبُ تَخَالُفُ الطَّرِيقِ وَأَنْ يَذْهَبَ فِي الْأَطْوَلِ.
قَوْلُهُ: (فِي طَرِيقِهِ) فَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِيهَا إلَّا لِشَغْلِ قَلْبٍ أَوْ لَهْوٍ وَيُؤْخَذُ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ كَرَاهَةُ الْعَبَثِ بِالْيَدَيْنِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُكْرَهُ التَّشْبِيكُ لِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ كَمَا فِيهَا لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَلَوْ عَقِبَهَا وَعَلَيْهِ حُمِلَ التَّشْبِيكُ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَخَطَّى) أَيْ سَوَاءٌ أَلِفَ مَوْضِعًا لَا يَصِلُهُ إلَّا بِالتَّخَطِّي أَوْ لَا فَيَحْرُمُ إنْ تَحَقَّقَ أَذًى لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً وَعَلَيْهِ حُمِلَ الْحَدِيثُ وَإِلَّا فَلَا يَحْرُمُ وَفِيهِ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (رِقَابَ النَّاسِ) أَيْ الْجَالِسِينَ كَمَا سَيَأْتِي فَلَا يُكْرَهُ خَرْقُ الصُّفُوفِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (إمَامًا) وَمِثْلُهُ كُلُّ مَنْ يُتَسَامَحُ بِتَخَطِّيهِ لِصَلَاحٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ كَانَ مِمَّنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ، وَلَا يَسْمَعُ إلَّا بِالتَّخَطِّي بَلْ يَجِبُ التَّخَطِّي فِي هَذِهِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فُرْجَةٌ) وَهِيَ خَلَاءٌ ظَاهِرٌ أَقَلُّهُ مَا يَسَعُ وَاقِفًا وَخَرَجَ بِهَا السَّعَةُ فَلَا يَتَخَطَّى لَهَا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (نُدِبَ أَنْ لَا يَتَخَطَّى) فَإِنْ تَخَطَّى فَخِلَافُ الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ إلَخْ) هُوَ بَيَانٌ لِلْقَرِيبَةِ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا تَخَطِّي أَكْثَرِ مِنْ صَفٍّ فَقَوْلُهُ: وَنَحْوِهِمَا أَيْ الرَّجُلَيْنِ كَالْمَرْأَتَيْنِ وَالصَّبِيَّيْنِ.
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ صَفٌّ آخَرُ وَحَمْلُهُ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (دَخَلَهَا) أَيْ نَدْبًا ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ رَجَا سَدَّهَا أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (بَعِيدَةً) بِأَنْ يَكُونَ فِيهَا تَخَطِّي صَفَّيْنِ فَأَكْثَرَ.
وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْمَنْهَجِ وَاحِدًا وَاثْنَيْنِ وَحَمْلُهُ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْ رَجُلَيْنِ مَرْدُودٌ لِأَنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ إنْ خَلَا جَانِبَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا وَمَرَّ مِنْ الْجِهَةِ الْخَالِيَةِ فَلَا يَتَخَطَّى أَصْلًا فِيهِمَا أَوْ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الْخَالِيَةِ فِي الثَّانِيَةِ فَهُوَ مِنْ تَخَطِّي صَفٍّ لَا مِنْ تَخَطِّي رَجُلٍ.
فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَخَطَّى) فَإِنْ تَخَطَّى فَخِلَافُ الْأَوْلَى وَفِي الْمَنْهَجِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَلْيَتَخَطَّ) أَيْ نَدْبًا.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ التَّخَطِّيَ يُوجَدُ فِيهِ سِتَّةُ أَحْكَامٍ فَيَجِبُ إنْ تَوَقَّفَتْ الصِّحَّةُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ مَعَ التَّأَذِّي، وَيُكْرَهُ مَعَ عَدَمِ الْفُرْجَةِ أَمَامَهُ، وَيُنْدَبُ فِي الْفُرْجَةِ الْقَرِيبَةِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا وَفِي الْبَعِيدَةِ لِمَنْ لَمْ يَرْجُ سَدَّهَا وَلَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا وَخِلَافُ الْأَوْلَى فِي الْقَرِيبَةِ لِمَنْ وَجَدَ مَوْضِعًا، وَفِي الْبَعِيدَةِ إنْ رَجَا سَدَّهَا وَوَجَدَ مَوْضِعًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيُبَاحُ فِي هَذِهِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَوْضِعًا.
(فَرْعٌ) يُكْرَهُ التَّخَطِّي فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ مِنْ مَجَامِعِ النَّاسِ بِلَا أَذًى وَيَحْرُمُ إقَامَةُ شَخْصٍ وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لِيَجْلِسَ مَكَانَهُ فَإِنْ قَامَ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا بَأْسَ لَكِنْ يُكْرَهُ انْتِقَالُهُ إلَى دُونِ مَحَلِّهِ ثَوَابًا إلَّا لِمَصْلَحَةٍ كَنَحْوِ عَالِمٍ وَقَارِئٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَجْلِسُ فِي مَكَان لِيَقُومَ لَهُ مِنْهُ إذَا قَدِمَ، وَيُكْرَهُ بَعْثُ سَجَّادَةٍ وَنَحْوِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّحْجِيرِ مَعَ عَدَمِ إحْيَاءِ الْبُقْعَةِ خُصُوصًا فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَة
[حاشية عميرة]
هَذِهِ الْحِصَّةِ عَلَى أَجْزَاءِ كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ بَعْدِ الزَّوَالِ لِطُولِ الْحِصَّةِ الْأُولَى كَمَا عَلِمْت فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَفَاتَتْ الْجُمُعَةُ إلَخْ لَمْ أَدْرِ مَعْنَاهُ خُصُوصًا مَعَ تَصْحِيحِهِ اعْتِبَارَهَا مِنْ الْفَجْرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَتَخَطَّى) أَيْ وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ رَجُلًا لِيَجْلِسَ مَكَانَهُ، فَإِنْ قَامَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ لَمْ يُكْرَهْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَجْلِسَ مَكَانَهُ ثُمَّ إنْ تَقَرَّبَ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ انْتَقَلَ إلَى مِثْلِ الْأَوَّلِ لَمْ يُكْرَهْ وَإِلَّا كُرِهَ لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ لِأَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرْبِ مَكْرُوهٌ.
قَوْلُهُ: (فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد إلَخْ) هُوَ «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ
وَرَجَا أَنْ يَتَقَدَّمُوا إلَيْهَا إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقْعُدَ مَوْضِعَهُ، وَلَا يَتَخَطَّى وَإِلَّا فَلْيَتَخَطَّ.
(وَأَنْ يَتَزَيَّنَ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَطِيبٍ) لِذِكْرِهِمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي التَّخَطِّي، وَأَوْلَى الثِّيَابِ الْبِيضُ فَإِنْ لَبِسَ مَصْبُوغًا فَمَا صُبِغَ غَزْلُهُ.
ثُمَّ نُسِجَ كَالْبُرُودِ لَا مَا صُبِغَ مَنْسُوجًا (وَإِزَالَةِ الظُّفْرِ) وَالشَّعْرِ لِلِاتِّبَاعِ.
وَرَوَى الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الصَّلَاةِ» (وَالرِّيحِ) الْكَرِيهَةِ كَالصُّنَانِ لِأَنَّهُ يَتَأَذَّى بِهِ غَيْرُهُ فَيُزَالُ بِالْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ.
(قُلْت:) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (وَأَنْ يَقْرَأَ الْكَهْفَ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا) أَيْ لِحَدِيثِ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
وَحَدِيثِ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ
[حاشية قليوبي]
وَلِغَيْرِهِ تَنْحِيَتُهَا وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ بِغَيْرِ حَمْلٍ لِئَلَّا يَضْمَنَهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَتَزَيَّنَ) أَيْ مَنْ حَضَرَ غَيْرَ الْعَجُوزِ وَنَحْوِهَا.
قَوْلُهُ: (وَطِيبٍ) أَيْ لِغَيْرِ مُحْرِمٍ وَصَائِمٍ وَامْرَأَةٍ تُرِيدُ الْحُضُورَ وَلَوْ عَجُوزًا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (الْبِيضُ) وَأَوْلَاهَا الْجَدِيدُ إنْ لَمْ يَخْشَ تَلْوِيثَهُ.
قَوْلُهُ: (كَالْبُرُودِ) مِنْهَا الْمَعْرُوفُ بِالطُّرَحِ وَالْقَلِيعَةِ عِنْدَ الْعَوَامّ.
قَوْلُهُ: (لَا مَا صُبِغَ مَنْسُوجًا) فَهُوَ بَعْدَ الْبُرُودِ وَهِيَ أَوْلَى مِنْ السَّاذَجِ وَغَيْرُ الْأَسْوَدِ أَوْلَى مِنْهُ، وَلَا يُكْرَهُ لَهُ لُبْسُ غَيْرِ الْأَبْيَضِ.
نَعَمْ إدَامَةُ لُبْسِ الْأَسْوَدِ وَلَوْ فِي النِّعَالِ خِلَافُ الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَإِزَالَةُ الظُّفْرِ) عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَتَقْيِيدُ بَعْضِهِمْ لَهُ بِعَشْرَةِ أَيَّامٍ لِلْغَالِبِ، وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِأَيِّ كَيْفِيَّةٍ وُجِدَتْ، لَكِنَّ الْأَوْلَى فِي كَيْفِيَّتِهِ فِي الرِّجْلَيْنِ بِمَا فِي التَّخْلِيلِ فِي الْوُضُوءِ، وَفِي الْيَدَيْنِ بِمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ.
وَقِيلَ: إنَّهُ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِسَبَّابَةِ الْيُمْنَى عَلَى التَّوَالِي وَيَخْتِمُهَا بِإِبْهَامِهَا، ثُمَّ يَبْدَأَ بِإِبْهَامِ الْيُسْرَى وَيَخْتِمَهَا بِسَبَّابَتِهَا.
وَنَقَلَ فِي التَّجَارِبِ عَنْ السُّبْكِيّ وَالْبِرْمَاوِيِّ سَوَاءٌ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ أَنَّ إزَالَتَهَا عَلَى خِلَافِ التَّوَالِي أَمَانٌ مِنْ الرَّمَدِ بِأَنْ يَبْدَأَ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْإِبْهَامِ ثُمَّ الْبِنْصِرِ ثُمَّ السَّبَّابَةِ، عَلَى تَوَالِي حُرُوفِ خوابس يُجْعَلُ كُلُّ حَرْفٍ مِنْ أَوَّلِ اسْمِ أُصْبُعٍ ثُمَّ يَبْدَأُ بِإِبْهَامِ الْيُسْرَى ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْخِنْصَرِ ثُمَّ السَّبَّابَةِ ثُمَّ الْبِنْصِرِ عَلَى تَوَالِي حُرُوفِ أَوْ حُسِبَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَيُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى إزَالَةِ ظُفْرِ يَدٍ أَوْ بَعْضِهَا كَالِانْتِعَالِ فِي رِجْلٍ وَاحِدَةٍ.
وَيَنْبَغِي غَسْلُ مَوْضِعِ قَلْمِ الظُّفْرِ لِمَا قِيلَ إنَّ الْحَكَّ بِهِ قَبْلَ الْغَسْلِ يُورِثُ الْبَرَصَ.
وَلَا يُكْرَهُ الْقَصُّ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَمَا نُسِبَ لِسَيِّدِنَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ كَرَاهَتِهِ لَمْ يَثْبُتْ وَإِنْ كَانَ مَنْظُومًا.
قَوْلُهُ: (وَالشَّعْرِ) مِنْ الْإِبْطِ وَالْعَانَةِ وَالشَّارِبِ وَغَيْرِهَا عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَتَقْيِيدُ بَعْضِهِمْ الْعَانَةَ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا لِلْغَالِبِ.
(تَنْبِيهٌ) حَلْقُ الرَّأْسِ فِي غَيْرِ الْمَوْلُودِ وَإِسْلَامِ الْكَافِرِ وَالنُّسُكِ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِدْعَةٌ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ إلَّا فِي نُسُكٍ مَرَّتَيْنِ وَقِيلَ ثَلَاثًا.
(فَرْعٌ) يُكْرَهُ الْقَزَعُ بِقَافٍ فَزَايٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ فَمُهْمَلَةٍ وَهُوَ حَلْقُ، بَعْضِ الرَّأْسِ وَلَوْ مُتَعَدِّدًا.
قَوْلُهُ: (كَالصُّنَانِ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ رِيحِ الْفَمِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ مِنْ الْفَرْجِ أَوْ الثِّيَابِ.
قَوْلُهُ: (فَيُزَالُ) أَيْ نَدْبًا بَلْ وُجُوبًا فِيمَا أَكَلَهُ بِقَصْدِ إسْقَاطِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا.
وَتَقَدَّمَ فِي أَعْذَارِ الْجَمَاعَةِ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذَا وَنَحْوِهِ فَلْيُرَاجَعْ مِنْهُ.
(تَنْبِيهٌ) هَذِهِ الْمَنْدُوبَاتُ الْمَذْكُورَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْجُمُعَةِ بَلْ فِيهَا مَا لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى بَعْضِهِ.
قَوْلُهُ: (سُورَةَ الْكَهْفِ) لِمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ الْوَارِدِ أَنَّ قِيَامَهَا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ.
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ مَنْ دَاوَمَ عَلَى الْعَشْرِ آيَاتِ أَوَّلِهَا أَمِنَ مِنْ الدَّجَّالِ.
قَوْلُهُ: (يَوْمَهَا) وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ اللَّيْلِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ آكَدُ وَالْإِكْثَارُ مِنْ قِرَاءَتِهَا وَأَقَلُّهُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ أَفْضَلُ.
قَوْلُهُ: (أَضَاءَ لَهُ) أَيْ غُفِرَ لَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ أَوْ أَكْثَرَ لَهُ الثَّوَابَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَهُ الْعَلَّامَةُ السَّنْبَاطِيُّ، لَكِنْ يَرُدُّهُ حَدِيثُ «وَغُفِرَ لَهُ إلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» . وَفَضَلَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
وَحَدِيثُ «غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» . وَغَيْرُ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةٍ: «لِمَنْ قَرَأَهَا لَيْلًا زِيَادَةٌ وَصَلَّى عَلَيْهِ أَلْفُ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ وَعُوفِيَ مِنْ الْبَلِيَّةِ وَذَاتِ الْجَنْبِ وَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ» . لَكِنَّ هَذَا رُبَّمَا يُفِيدُ أَنَّ قِرَاءَتَهَا لَيْلًا أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَتِهَا نَهَارًا إلَّا أَنْ يُرَادَ مُجَرَّدُ التَّرْغِيبِ.
وَالْمُرَادُ بِالْجُمُعَتَيْنِ الْمَاضِيَةُ وَالْمُسْتَقْبِلَةِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ قَرَأَهَا فِي إحْدَى الْجُمُعَتَيْنِ أَوْ فِيهِمَا ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ الْكَعْبَةَ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ عَلَى أَنَّ
[حاشية عميرة]
وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ» إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لَا مَا صُبِغَ) .
قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ يُكْرَهُ لُبْسُهُ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَقِرَاءَتُهَا نَهَارًا آكَدُ.
(فَائِدَةٌ) ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» . قَوْلُهُ: (أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ) ذَكَرَ ابْنُ الرِّفْعَةِ بَدَلَهُ غُفِرَ قَالَ:
لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ
(وَيُكْثِرَ الدُّعَاءَ) يَوْمَهَا رَجَاءَ أَنْ يُصَادِفَ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ فَفِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ بَعْدَ ذِكْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَلِّلُهَا» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيَّةٌ ". وَوَرَدَ تَعْيِينُهَا أَيْضًا فِي حَدِيثِ «يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً السَّابِقِ قَرِيبًا فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ» . وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ» أَيْ عَلَى الْمِنْبَرِ إلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ أَيْ يَفْرُغَ مِنْهَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: يُحْتَمَلُ أَنَّهَا مُنْتَقِلَةٌ تَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فِي وَقْتٍ وَفِي بَعْضِهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
وَقَالَ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ أَقْوَالِ التَّعْيِينِ بِمَا ذُكِرَ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَلَيْسَ مَعْنَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ وَقْتٌ لِهَذِهِ السَّاعَةِ بَلْ الْمَعْنَى أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي صَحِيحٌ.
وَذَكَرَ فِي الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَلَّغَهُ أَنَّهُ يُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَأَنَّهُ اسْتَحَبَّ الدُّعَاءَ فِيهَا.
(وَ) يُكْثِرَ (الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتَهَا لِحَدِيثِ: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلِيَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ فَمَنْ صَلَّى عَلِيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَصَحَّحَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ حَدِيثَ: «إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيَّ فِيهِ» .
(وَيَحْرُمُ
[حاشية قليوبي]
الْمُرَادَ بِالْإِضَاءَةِ مَا مَرَّ.
وَكَذَا إنْ أُرِيدَ بِالنُّورِ حَقِيقَتُهُ، وَبِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ مَا فِي السَّمَاءِ لِاسْتِوَاءِ النَّاسِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْكَعْبَةُ عَلَى هَذَا لَزِمَ كَثْرَةُ نُورِ الْبَعِيدِ عَنْهُ عَلَى نُورِ الْقَرِيبِ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِهِ بِالْكَيْفِيَّةِ كَمَا فِي دَرَجَاتِ الْجَمَاعَةِ أَوْ عَلَى مُجَرَّدِ التَّرْغِيبِ.
قَوْلُهُ: (سَاعَةَ الْإِجَابَةِ) أَيْ إنَّ الدُّعَاءَ فِيهَا مُسْتَجَابٌ وَيَقَعُ مَا دُعِيَ بِهِ حَالًا يَقِينًا فَلَا يُنَافِي أَنَّ كُلَّ دُعَاءٍ مُسْتَجَابٌ كَمَا يُرَاجَعُ مِنْ مَحَلِّهِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْعَصْرِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ آخِرِ سَاعَةٍ أَوْ مُضِرٌّ إلَّا أَنَّ جُعِلَ ظَرْفًا لِلْآخِرِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ سَاعَةٍ.
قَوْلُهُ: (هِيَ مَا بَيْنَ) أَيْ لَحْظَةٌ لَطِيفَةٌ فِيمَا بَيْنَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ إلَى فَرَاغِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ.
وَالْمُرَادُ كُلُّ خَطِيبٍ فَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْخُطَبَاءِ وَلَوْ فِي الْمَحَلِّ الْوَاحِدِ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَأَنَّهُ إذَا صَادَفَهَا أَهْلُ مَحَلٍّ كَانَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَلَا يُنَافِي طَلَبُ الدُّعَاءِ هُنَا وَقْتَ الْخُطْبَةِ مَا مَرَّ مِنْ طَلَبِ الْإِنْصَاتِ فِيهِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِالدُّعَاءِ اسْتِحْضَارُهُ بِالْقَلْبِ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ.
أَوْ فِيمَا عَدَا وَقْتَ ذِكْرِ الْأَرْكَانِ كَمَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ.
وَهُوَ أَظْهَرُ لِمَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ حُرْمَةِ الْكَلَامِ وَعَدَمِ كَرَاهَتِهِ اتِّفَاقًا فِي غَيْرِ وَقْتِ ذِكْرِهَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) هُوَ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ كَالْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (صَحِيحٌ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ فِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) هُوَ اعْتِذَارٌ عَنْ جَعْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ شَامِلًا لَهَا لِعَدَمِ ذِكْرِهَا هُنَا فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْثِرُ الصَّلَاةَ إلَخْ) أَيْ لِمَا قِيلَ «إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمَعُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِأُذُنَيْهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتِهَا» . لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ وَأَقَلُّ إكْثَارِهَا ثَلَاثُمِائَةِ مَرَّةٍ.
كَمَا قَالَهُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ، وَيُقَدِّمُهَا عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْكَهْفِ وَالدُّخَانِ، وَيُقَدِّمُ عَلَيْهَا تَكْبِيرَ الْعِيدِ وَلَوْ وَافَقَ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ لِأَنَّ الْأَقَلَّ أَوْلَى بِالْمُرَاعَاةِ كَمَا طُلِبَ تَرْكُ أَخْذِ الظَّفَرِ وَالشَّعْرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمُرِيدِ التَّضْحِيَةِ، وَتَرْكُ الطِّيبِ فِيهِ لِلصَّائِمِ وَالْمُحَدَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ كُلَّ مَحَلٍّ طُلِبَ فِيهِ ذِكْرٌ بِخُصُوصِهِ فَالِاشْتِغَالُ بِهِ فِيهَا أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ مَأْثُورٍ آخَرَ.
[حاشية عميرة]
وَالْمُرَادُ الْجُمُعَةُ الْمَاضِيَةُ وَقِيلَ: الْمُسْتَقْبِلَةُ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ ذِكْرِ أَقْوَالِ التَّعْيِينِ) أَيْ الْأَقْوَالِ الَّتِي سَاقَهَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرِهِ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ بِمَا ذُكِرَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (التَّشَاغُلُ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ) هَذَا يُفِيدُك أَنَّ الشَّخْصَ إذَا قَرُبَ مَنْزِلُهُ جِدًّا مِنْ الْجَامِعِ وَيَعْلَمُ الْإِدْرَاكَ وَلَوْ تَوَجَّهَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْكُثَ فِي بَيْتِهِ لِشَغْلٍ مَعَ عِيَالِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْجَامِعِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾ [الجمعة: 9] إلَخْ وَهُوَ أَمْرٌ مُهِمٌّ فَتَفَطَّنْ لَهُ.
(تَتِمَّةٌ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: كَرَاهَةُ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ فِي الْمَسْجِدِ خَاصٌّ بِمَنْ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ اهـ.
وَلِمُسْتَمِعِ الْخَطِيبِ إذَا ذَكَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَقَضِيَّةُ تَعْبِيرِهِمْ هَذَا أَنَّهُ مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ ثُمَّ حَاوَلَ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى مُحَافَظَةً عَلَى الِاسْتِمَاعِ، وَلَوْ احْتَاجَ الْوَلِيُّ إلَى بَيْعِ مَالِ الْيَتِيمِ وَقْتَ النِّدَاءِ لِضَرُورَةٍ فَدَفَعَ فِيهِ شَخْصٌ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ دِينَارًا أَوْ دَفَعَ فِيهِ شَخْصٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا نِصْفَ دِينَارٍ فَهَلْ يَجِبُ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي احْتِمَالَانِ لِلرُّويَانِيِّ.
عَلَى ذِي الْجُمُعَةِ) أَيْ مَنْ تَلْزَمُهُ (التَّشَاغُلُ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ) الْمَزِيدُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ الْعُقُودِ وَالصَّنَائِعِ وَغَيْرِهَا (بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] أَيْ اُتْرُكُوهُ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَهُوَ بِالتَّرْكِ فَيَحْرُمُ الْفِعْلُ وَقِيسَ عَلَى الْبَيْعِ غَيْرُهُ مِمَّا ذُكِرَ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ فِي تَفْوِيتِ الْجُمُعَةِ، وَتَقْيِيدُ الْأَذَانِ بِبَيْنِ يَدَيْ الْخَطِيبِ أَيْ بِوَقْتِ كَوْنِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا تَقَدَّمَ، فَانْصَرَفَ النِّدَاءُ فِي الْآيَةِ إلَيْهِ فَلَوْ أُذِّنَ قَبْلَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ لَمْ يَحْرُمْ الْبَيْعُ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
وَكَذَا مَا قِيسَ بِهِ قَالَ فِيهَا وَحُرْمَتُهُ فِي حَقِّ مَنْ جَلَسَ لَهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَمَّا إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ فَقَامَ لَهُ بِقَصْدِ الْجُمُعَةِ فَبَاعَ فِي طَرِيقِهِ أَوْ وَقَعَ فِي الْجَامِعِ، وَبَاعَ فَلَا يَحْرُمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّتِمَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَكِنَّ الْبَيْعَ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ انْتَهَى.
وَلَوْ تَبَايَعَ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ دُونَ الْآخَرِ أَثِمَ الْآخَرُ أَيْضًا لِإِعَانَتِهِ عَلَى الْحَرَامِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَصَاحِبِ الْعُدَّةِ كُرِهَ لَهُ وَهُوَ شَاذٌّ وَفِيهِ إذَا تَبَايَعَا وَلَيْسَا مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجُمُعَةِ لَمْ يَحْرُمْ بِحَالٍ وَلَمْ يُكْرَهْ (فَإِنْ بَاعَ) مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ (صَحَّ) بَيْعُهُ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لِمَعْنًى خَارِجٍ عَنْهُ وَيُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الْعُقُودِ (وَيُكْرَهُ) التَّشَاغُلُ الْمَذْكُورُ (قَبْلَ الْأَذَانِ) الْمَذْكُورِ (بَعْدَ الزَّوَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) بِخِلَافِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَا يُكْرَهُ وَاقْتَصَرَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَلَى الْبَيْعِ فِي الْكَرَاهَةِ وَعَدَمِهَا.
(فَصْلٌ: مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ) مِنْ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ وَاسْتَمَرَّ مَعَهُ إلَى أَنْ سَلَّمَ (أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ) أَيْ لَمْ تَفُتْهُ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (فِي تَفْوِيتِ الْجُمُعَةِ) قَالَ شَيْخُنَا: فَإِنْ لَمْ تُفَوَّتْ لَمْ يَحْرُمْ، وَلَوْ حَالَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى لِدَوَرَانِ الْحُكْمِ مَعَ الْعِلَّةِ.
وَفِي كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا يَدُلُّ لَهُ، وَمَا فِي كَلَامِ شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ مِمَّا يُخَالِفُ بَعْضَ ذَلِكَ لَمْ يَعْتَمِدْهُ.
قَوْلُهُ: (لِإِعَانَتِهِ) فَهُوَ إثْمُ إعَانَتِهِ وَهُوَ دُونَ إثْمِ التَّشَاغُلِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْمَالِكِ الْإِعَانَةُ فِي بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي بِأَنَّ فِي الْإِعَانَةِ هُنَا تَفْوِيتَ وَاجِبٍ عَلَى الْغَيْرِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ، وَثَمَّ تَفْوِيتُ اتِّسَاعٍ عَلَى النَّاسِ وَلَيْسَ الْمَالِكُ مَمْنُوعًا مِنْهُ لِجَوَازِ إرَادَتِهِ لَهُ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الشَّافِعِيِّ الْكَلَامُ مَعَ الْمَالِكِيِّ وَقْتَ الْخُطْبَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اثْنَيْنِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْبَيْعِ، وَشَمِلَ كَلَامُهُمْ حُرْمَةَ التَّشَاغُلِ وَلَوْ لِمَصْلَحَةٍ كَشِرَاءِ مَاءِ طَهَارَةٍ وَسَاتِرِ عَوْرَةٍ وَدَوَاءِ مَرِيضٍ وَطَعَامِهِ، وَنَفَقَةِ نَحْوِ طِفْلٍ قَالَ شَيْخُنَا وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَخَرَجَ بِالْمَصْلَحَةِ الضَّرُورَةُ كَاضْطِرَارٍ وَكَفَنِ مَيِّتٍ خِيفَ تَغَيُّرُهُ فَلَا حُرْمَةَ حِينَئِذٍ وَيُقَدِّمُ الْوَلِيُّ الْعَقْدَ بِلَا إثْمٍ عَلَى الرِّبْحِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الزَّوَالِ) أَيْ فِي بَلَدٍ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالتَّأْخِيرِ نَحْوِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ مَا لَمْ يَفْحُشُ التَّأْخِيرُ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَا يُكْرَهُ) نَعَمْ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ مِنْ الْفَجْرِ حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يُفَوِّتُ كَغَيْرَةِ كَبَعِيدِ الدَّارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) فِيمَا يُدْرَكُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَحُكْمُ الِاسْتِخْلَافِ وَالزَّحْمَةِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (رُكُوعَ الثَّانِيَةِ) أَيْ مَعَ سَجْدَتَيْهَا وَمَعَ اسْتِمْرَارِ الْقَوْمِ فِيهِمَا، وَإِنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ فِي التَّشَهُّدِ بَعْدَهُمَا وَتَقْيِيدُهُ بِالِاسْتِمْرَارِ لِأَجْلِ مَا بَعْدَهُ وَلَيْسَ شَرْطًا وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْمُفَارَقَةُ كَغَيْرِهِ وَلَوْ مِنْ الْأَرْبَعِينَ إنْ عَلِمَ أَنَّ بَقَاءَهُ مَعَهُ يُخْرِجُهُ عَنْ الْوَقْتِ وَلَوْ شَكَّ وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فِي سَجْدَةٍ فَعَلَهَا فَإِنْ فَرَغَ مِنْهَا قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ تَمَّتْ جُمُعَتُهُ، وَإِلَّا أَتَمَّهَا ظُهْرًا، وَلَوْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ مَعَ نَفْسِهِ حُسِبَتْ لَهُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ فَاسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ فِيهِ وَلَا تُدْرَكُ بِإِدْرَاكِهِ فِي رَكْعَةٍ قَامَ الْإِمَامُ لَهَا سَهْوًا، بَلْ لَا تَجُوزُ لَهُ مُتَابَعَتُهُ فِيهَا فَإِنْ تَابَعَهُ عَالِمًا عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا تَبْطُلُ وَلَا تَحْصُلُ لَهُ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ انْتَظَرَهُ الْقَوْمُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ وَابْنُ حَجَرٍ: تَحْصُلُ لَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ نَعَمْ إنْ عَلِمَ أَنَّ قِيَامَهُ لَهَا لِجَبْرِ رُكْنٍ تَرَكَهُ مَثَلًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ مَعَهُ وَيُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ إنْ انْتَظَرَ الْقَوْمُ الْإِمَامَ وَإِلَّا فَلَا.
وَعَلَى هَذَا لَوْ عَلِمَ الْقَوْمُ بِتَرْكِ الرُّكْنِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقِيَامُ مَعَهُ أَيْضًا ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَلَوْ كَانَ الرُّكْنُ مِمَّا يَلْزَمُهُمْ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهِ كَالْفَاتِحَةِ أَوْ بَعْضِهَا فَالْقِيَاسُ وُجُوبُ الِاسْتِئْنَافِ عَلَيْهِمْ مَعَهُ لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ بَاطِلَةٌ فَرَاجِعْ ذَلِكَ وَحَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَفُتْهُ) دَفَعَ بِهِ إيهَامَ كَلَامِ
[حاشية عميرة]
[فَصْلٌ أَدْرَكَ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ مِنْ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ وَاسْتَمَرَّ مَعَهُ إلَى أَنْ سَلَّمَ]
فَصْلٌ: مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ إلَخْ) قَوْلُهُ: (وَاسْتَمَرَّ مَعَهُ إلَى أَنْ سَلَّمَ) هَذَا تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِ الْمَتْنِ فَيُصَلِّي بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ رَكْعَةً وَلَيْسَ بِشَرْطٍ إذْ لَوْ فَارَقَهُ فِي التَّشَهُّدِ صَحَّتْ الْجُمُعَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْجَمَّالُ الْإِسْنَوِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ نَعَمْ لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي
(فَيُصَلِّي بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ رَكْعَةً) لِإِتْمَامِهَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» . وَقَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُصَلِّ إلَيْهَا أُخْرَى» . رَوَاهُمَا الْحَاكِمُ وَقَالَ: فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَوْلُهُ: فَلْيُصَلِّ هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ.
وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ أَنَّ مَنْ لَحِقَ الْإِمَامَ الْمُحْدِثَ رَاكِعًا تُحْسَبُ رَكْعَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ فَاسْتُغْنِيَ بِهِ عَنْ التَّقْيِيدِ هُنَا بِغَيْرِ الْمُحْدِثِ
(وَإِنْ أَدْرَكَهُ) أَيْ الْإِمَامَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ (فَاتَتْهُ) الْجُمُعَةُ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ (فَيُتِمُّ بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ الْإِمَامَ (ظُهْرًا أَرْبَعًا) وَفِيهِ حَدِيثُ: «مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ الرُّكُوعَ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَلْيُصَلِّ الظُّهْرَ أَرْبَعًا» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْوِي فِي اقْتِدَائِهِ الْجُمُعَةَ) مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ وَالثَّانِي الظُّهْرَ لِأَنَّهَا الَّتِي يَفْعَلُهَا.
(تَتِمَّةٌ) مَنْ صَلَّى الرَّكْعَةَ الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ فَارَقَهُ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ.
وَقُلْنَا بِالرَّاجِحِ أَنَّهُ لَا تَضُرُّ الْمُفَارَقَةُ أَتَمَّهَا جُمُعَةً كَمَا لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ
(وَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا) مِنْ الصَّلَوَاتِ (بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَرُعَافٍ (جَازَ) لَهُ
[حاشية قليوبي]
الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الْجُمُعَةَ تَحْصُلُ لَهُ بِتَرْكِ الْفَاتِحَةِ الْمَعْلُومِ انْتِفَاؤُهُ مِمَّا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (لِإِتْمَامِهَا) وَيَجْهَرُ فِيهَا وَلَوْ اقْتَدَى بِهَذَا الْمَسْبُوقِ فِي هَذِهِ الرَّكْعَةِ أَرْبَعُونَ نَاوِينَ الْجُمُعَةَ حَصَلَتْ لَهُمْ الْجُمُعَةُ.
كَذَا أَفْتَى بِهِ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فَأَفْتَى بِانْقِلَابِ صَلَاتِهِمْ ظُهْرًا وَيُتِمُّونَهَا أَرْبَعًا إنْ كَانُوا جَاهِلِينَ وَإِلَّا لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُمْ مِنْ أَصْلِهِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْوَجِيهُ بَلْ وَأَوْجُهُ مِنْهُ عَدَمُ انْعِقَادِ إحْرَامِهِمْ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَتُهُ) أَيْ إلَّا إنْ كَانَ أَدْرَكَ مَعَهُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فَتُحْسَبُ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَمَّلْ عَنْهُ شَيْئًا وَمِثْلُهُ الْمُتَبَاطِئُ بِأَنْ حَضَرَ إحْرَامَ الْإِمَامِ أَوْ أَوَّلَ قِيَامِ الثَّانِيَةِ وَلَمْ يُحْرِمْ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ فَإِنَّهُ إنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ، وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَالْجُمُعَةَ وَإِلَّا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَحْدَهُ إنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْقَوْمِ أَيْضًا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعًا) تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ الْجُمُعَةَ تُسَمَّى ظُهْرًا مَقْصُورَةً، وَلَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ جُمُعَةً صَحِيحَةً وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا، وَتَنْقَلِبُ ظُهْرُهُ الْمَذْكُورَةُ نَفْلًا مُطْلَقًا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ) أَيْ بِحَسَبِ مَا هُوَ شَأْنُهُ الْأَصْلِيُّ فَلَا يُرَدُّ مَا لَوْ كَانَ مُحْرِمًا بِالظُّهْرِ بِنَحْوِ سَفَرٍ وَنِيَّةُ الْجُمُعَةِ جَائِزٌ لِمَنْ لَا تَلْزَمُهُ وَوَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ.
كَذَا قَالُوهُ وَهُوَ شَامِلٌ لِمَنْ عَلِمَ ضِيقَ الْوَقْتِ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَفِيهِ نَظَرٌ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَالْوَجْهُ فِي هَذِهِ وُجُوبُ نِيَّةِ الظُّهْرِ، وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الْجُمُعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَدُلُّ لَهُ تَعْلِيلُهُمْ بِأَنَّ الْيَأْسَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالسَّلَامِ إذْ قَدْ يَتَذَكَّرُ الْإِمَامُ تَرْكَ رُكْنٍ فَيَأْتِيَ بِرَكْعَةِ فَيُدْرِكَ ذَلِكَ الْمَسْبُوقُ الْجُمُعَةَ أَيْ إذَا صَلَّاهَا الْمَسْبُوقُ مَعَهُ وَالْقَوْمُ يَنْتَظِرُونَهُ كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، إذْ لَا تُدْرَكُ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ فَتَأَمَّلْ وَقَدْ أَشَارُوا بِهَذَا التَّعْلِيلِ بَعْدَ الْأَوَّلِ إلَى وُجُوبِ نِيَّةِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمَسْبُوقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ نَاوِيًا لَهَا كَمَا مَرَّ.
وَقَدْ عَلِمْت جَوَابَهُ وَأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَيَخْرُجُ عَنْ التَّعْلِيلَيْنِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مَا لَوْ كَانَ الْمَسْبُوقُ وَالْإِمَامُ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ وَقَدْ نَوَى الْإِمَامُ الظُّهْرَ فَلَا يَلْزَمُ الْمَسْبُوقَ نِيَّةُ الْجُمُعَةِ فِي هَذِهِ بِالْأَوْلَى مِمَّا مَرَّ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يُخَالِفُهُ إذَا قَامَ الْإِمَامُ الَّذِي نَوَى الظُّهْرَ لِإِتْمَامِ صَلَاتِهِ فَلِلْمَسْبُوقِ الْعَالِمِ بِحَالِهِ أَنْ يَقُومَ مَعَهُ وَيُدْرِكُ الْجُمُعَةَ إنْ أَتَمَّ رَكْعَةً قَبْلَ سَلَامِ الْقَوْمِ، وَتَوَقَّفَ الْيَأْسُ هُنَا عَلَى سَلَامِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ فِيمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَهُوَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِحْرَامُ بِغَيْرِهَا مَعَ إمْكَانِ إدْرَاكِهَا كَمَا مَرَّ.
فَلَا تُخَالِفُ مَا مَرَّ مِنْ حُصُولِ الْيَأْسِ بِرَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ فِيمَنْ لَا تَلْزَمُهُ مِنْ الْمَعْذُورِينَ فَلَا يَفُوتُ عَلَيْهِ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ بِانْتِظَارِهِ إلَى فَرَاغِهَا.
قَوْلُهُ: (تَتِمَّةٌ) هِيَ مَفْهُومُ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ وَاسْتَمَرَّ مَعَهُ لِمُنَاسَبَةِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (كَرُعَافٍ) وَنَجَاسَةٍ وَقَعَتْ عَلَيْهِ وَتَعَذَّرَ دَفْعُهَا حَالًا.
وَكَذَا الْإِغْمَاءُ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَدَثِ بِخِلَافِهِ فِي الْخُطْبَةِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (جَازَ لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَلَا عَلَى الْقَوْمِ فَيُنْدَبُ لَهُمْ إلَّا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ
[حاشية عميرة]
التَّشَهُّدِ فَيُحْتَمَلُ عَدَمُ صِحَّةِ جُمُعَةِ الْمَسْبُوقِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ التَّبَعِيَّةِ لِجُمُعَةِ الْإِمَامِ وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْحَاشِيَةِ الْمَسْطُورَةِ بِذَيْلِ الصَّفْحَةِ أَيْ عَلَى قَوْلِ الشَّارِحِ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ وَهِيَ فِي الصَّفْحَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَوَّلُ كَلَامِ الْمُحَشِّي زَادَ السُّبْكِيُّ فِي قِطْعَتِهِ إنَّ السُّبْكِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَاوَلَ ذَلِكَ حَتَّى فِي حَقِّ مَنْ أَدْرَكَ أَوَّلَ الثَّانِيَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ مُشْكِلٌ فَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: إنَّ مَنْ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ فِي الثَّانِيَةِ ثُمَّ اسْتَخْلَفَهُ فَاقْتَدَى بِهِ شَخْصٌ فِيهَا أَتَمَّ الْخَلِيفَةُ الظُّهْرَ وَالْمُقْتَدِي بِهِ الْجُمُعَةَ وَظَاهِرُهُ كَمَا تَرَى أَنَّ الْمُقْتَدَى بِهِ يُتِمُّ الْجُمُعَةَ حَيْثُمَا أَدْرَكَ مَعَهُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، سَوَاءٌ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْخَلِيفَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا.
وَذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى حُصُولِ الْجُمُعَةِ لِلْمَأْمُومِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَلَا يَضُرُّهُ حَدَثُ الْإِمَامِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَيُتِمُّ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى اسْتِئْنَافِ نِيَّةٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (جَازَ لَهُ
(الِاسْتِخْلَافُ فِي الْأَظْهَرِ) فَيُتِمُّ الْقَوْمُ الصَّلَاةَ مُقْتَدِينَ بِالْخَلِيفَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْنَافِ نِيَّةِ الْقُدْوَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَالثَّانِي يَقُولُ يُتِمُّونَهَا وُحْدَانًا فَفِي الْجُمُعَةِ إنْ كَانَ الْحَدَثُ فِي الْأُولَى يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا أَوْ فِي الثَّانِيَةِ فَيُتِمُّونَهَا ظُهْرًا مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً وَعَلَى الْأَوَّلِ قَالَ الْإِمَامُ: يُشْتَرَطُ حُصُولُ الِاسْتِخْلَافِ عَلَى قُرْبٍ فَلَوْ فَعَلُوا عَلَى الِانْفِرَادِ رُكْنًا امْتَنَعَ الِاسْتِخْلَافُ بَعْدَهُ
(وَلَا يَسْتَخْلِفُ لِلْجُمُعَةِ إلَّا مُقْتَدِيًا بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ) لِأَنَّ فِي اسْتِخْلَافِ غَيْرِ الْمُقْتَدِي ابْتِدَاءَ جُمُعَةٍ بَعْدَ انْعِقَادِ جُمُعَةٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ (وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ (كَوْنُهُ) أَيْ الْمُقْتَدِي (حَضَرَ الْخُطْبَةَ وَلَا الرَّكْعَةَ الْأُولَى فِي الْأَصَحِّ) فِيهِمَا (وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ الْخُطْبَةَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهَا.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ إدْرَاكُهُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْخُطْبَةَ ثُمَّ) عَلَى
[حاشية قليوبي]
الْجُمُعَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الِاسْتِخْلَافُ فِيهَا، وَيَجِبُ امْتِثَالُ مَنْ أُرِيدَ تَقْدِيمُهُ فِي هَذِهِ لِتَوَقُّفِ صِحَّتِهِ عَلَى الْإِمَامِ.
وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ اسْتِخْلَافُ أَكْثَرِ مِنْ وَاحِدٍ لِيُصَلِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ بِجَمَاعَةٍ إلَّا إنْ سَبَقَ خَلِيفَةٌ لَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ فَيَمْتَنِعُ عَلَى غَيْرِهِ مَا لَمْ يَنْوِ قَطْعَ الْقُدْوَةِ بِهِ وَلَوْ تَعَدَّدَ الْخَلِيفَةُ فِي غَيْرِ السَّبْقِ الْمَذْكُورِ قُدِّمَ خَلِيفَةُ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ ثُمَّ خَلِيفَةُ الْقَوْمِ ثُمَّ خَلِيفَةُ الْإِمَامِ غَيْرِ الرَّاتِبِ ثُمَّ مَنْ اسْتَخْلَفَ نَفْسُهُ.
نَعَمْ إنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ هُوَ الرَّاتِبُ قُدِّمَ مُطْلَقًا.
كَذَا قَالُوا وَفِيهِ نَظَرٌ فَتَأَمَّلْهُ وَحَرِّرْهُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُصَوَّرَ بِمَا إذَا وَقَعَ خَلِيفَتَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ مَعًا، وَلَوْ تَعَدَّدَ الْخَلِيفَةُ مِنْ نَوْعٍ كَأَنْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ اثْنَيْنِ مَثَلًا تَسَاقَطَا إنْ وَقَعَا مَعًا وَإِلَّا قُدِّمَ الْأَوَّلُ.
(تَنْبِيهٌ) خُرُوجُ الْإِمَامِ بِالْحَدَثِ عَمْدًا يُبْطِلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قَوْلُهُ (يُتِمُّونَهَا وُحْدَانًا) فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِخْلَافُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَرْجُوحِ.
وَفِي اسْتِخْلَافِ الْمُقْتَدِي فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ طَرِيقٌ قَاطِعٌ بِصِحَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا) أَيْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَرْجُوحِ أَيْضًا وَيَكُونُ مَا وَقَعَ عُذْرًا فِي جَوَازِ فَوَاتِهَا وَإِنْ أَمْكَنَ فِعْلُهَا.
قَوْلُهُ: (يُشْتَرَطُ حُصُولُ الِاسْتِخْلَافِ) أَيْ الَّذِي لَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ فَعَلُوا) رُكْنًا وَلَوْ قَوْلِيًّا أَوْ قَصِيرًا.
وَكَذَا لَوْ طَالَ الْفَصْلُ عُرْفًا وَقَدَّرَهُ شَيْخُنَا بِمَا يَسَعُ الرُّكْنَ الْمَذْكُورَ، وَخَرَجَ بِالرُّكْنِ فِعْلُ مَا دُونَهُ فَلَا يُمْنَعُ وَلَا يَلْزَمُهُمْ إعَادَتُهُ.
قَوْلُهُ: (امْتَنَعَ الِاسْتِخْلَافُ) أَيْ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ بِلَا تَجْدِيدِ نِيَّةٍ وَفِيهَا مُطْلَقًا، وَتَبْطُلُ إنْ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَلَا تَنْقَلِبُ ظُهْرًا لِأَنَّهُ كَاسْتِخْلَافِ غَيْرِ الْمُقْتَدِي.
قَوْلُهُ: (مُقْتَدِيًا بِهِ) وَلَوْ صُورَةً فَقَوْلُهُ قَبْلَ حَدَثِهِ أَيْ قَبْلَ ظُهُورِهِ وَإِنْ كَانَ حَالَةَ الِاقْتِدَاءِ مُحْدِثًا كَمَا أَفْتَى بِهِ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ.
(فَرْعٌ) الِاسْتِخْلَافُ فِي الْخُطْبَةِ كَالصَّلَاةِ فَلَا يَسْتَخْلِفُ فِي أَثْنَائِهَا إلَّا مَنْ حَضَرَ مَا مَضَى مِنْهَا وَلَا بَعْدَ فَرَاغِهَا لِلصَّلَاةِ إلَّا مَنْ حَضَرَهَا مِنْ أَوَّلِهَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
وَفِي الثَّانِيَةِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ: (ابْتِدَاءَ جُمُعَةٍ إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَالِابْتِدَاءُ الْمَذْكُورُ مُمْتَنِعٌ وَإِنْ كَانَ حُكْمِيًّا كَاسْتِخْلَافِ الْمَسْبُوقِينَ مَنْ يُتِمُّ أَوْ جَازَ التَّعَدُّدُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ هُنَا.
وَهَذَا إنْ نَوَى الْخَلِيفَةُ الْجُمُعَةَ وَإِنْ لَمْ تَلْزَمْ فَإِنْ نَوَى الظُّهْرَ لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ كَمَا مَرَّ، وَإِلَّا صَحَّتْ، وَتَسْتَمِرُّ الْجُمُعَةُ فِيهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ:
[حاشية عميرة]
الِاسْتِخْلَافُ فِي الْأَظْهَرِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ غَايَةَ أَمْرِهِ الِاقْتِدَاءُ بِإِمَامَيْنِ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي اسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرَّتَيْنِ الْأُولَى حِينَ ذَهَبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصْلِحَ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَالثَّانِيَةُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَدَلَّ لِلثَّانِي «بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ لَمْ يَسْتَخْلِفْ وَقَالَ: مَكَانَكُمْ حَتَّى رَجَعَ» وَأَمَّا قَضِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ فَذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ لَا يَلِيقُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ عَلَيْهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْجَنَابَةَ كَانَتْ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْبَعْدِيَّةِ فَذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَأَيْضًا فَقِصَّةُ الْمَرَضِ وَآخِرُ الْأَمْرَيْنِ فَتَكُونُ نَاسِخَةً وَأَمَّا دَعْوَى الْخُصُوصِيَّةِ فَيَمْنَعُهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشَارَ إلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ فَتَرَكَ ذَلِكَ أَدَبًا.
نَعَمْ يَطْرُقُ دَلِيلُ الْأَوَّلِ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يُخْرِجْ نَفْسَهُ مِنْ الصَّلَاةِ، فَلَا يَنْهَضُ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ عِنْدَ بُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَالَ فَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال بِاسْتِخْلَافِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ طُعِنَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اهـ.
وَخَالَفَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فَجَعَلَ اسْتِخْلَافَ مَنْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ مُسْتَفَادًا بِالْأَوْلَى مِنْ قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(فَائِدَةٌ) خَرَجَ الْإِمَامُ بِحَدَثٍ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا) أَيْ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ لِلْعُذْرِ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِمْ فِيمَا يَظْهَرُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (حَضَرَ الْخُطْبَةَ) أَمَّا السَّمَاعُ فَلَا يُشْتَرَطُ قَطْعًا.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يُشْتَرَطُ) أَيْ كَمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ابْتِدَاءُ إمَامَةِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْخُطْبَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يُشْتَرَطُ إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ إلَخْ) أَيْ لِيَكُونَ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ وَعَبَّرَ الشَّارِحُ بِالْإِدْرَاكِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ حُضُورِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى لَيْسَ كَافِيًا.
وَلِذَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ وَلَا إدْرَاكُ
الْأَصَحِّ (إنْ كَانَ أَدْرَكَ) الرَّكْعَةَ (الْأُولَى تَمَّتْ جُمُعَتُهُمْ) أَيْ الْقَوْمِ الشَّامِلِ لَهُ سَوَاءٌ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي الْأُولَى أَمْ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ (وَإِلَّا) كَأَنْ اقْتَدَى فِي الثَّانِيَةِ (فَتَتِمُّ) الْجُمُعَةُ (لَهُمْ دُونَهُ) أَيْ غَيْرَهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فَيُتِمُّهَا ظُهْرًا.
وَالثَّانِي تَتِمُّ لِأَنَّهُ صَلَّى رَكْعَةً فِي جَمَاعَةٍ
(وَيُرَاعِي الْمَسْبُوقُ) الْخَلِيفَةُ (نَظْمَ) صَلَاةِ (الْمُسْتَخْلِفِ فَإِذَا صَلَّى) بِهِمْ (رَكْعَةً تَشَهَّدَ) جَالِسًا (وَأَشَارَ إلَيْهِمْ) بَعْدَ التَّشَهُّدِ عِنْدَ الْقِيَامِ (لِيُفَارِقُوهُ) بِالنِّيَّةِ وَيُسَلِّمُوا (أَوْ يَنْتَظِرُوا) سَلَامَهُ بِهِمْ وَهُوَ الْأَفْضَلُ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَيَأْتِي بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَوْ رَكْعَةٍ عَلَى الْخِلَافِ.
وَلَوْ اقْتَدَى بِهِ
[حاشية قليوبي]
وَلَا يُشْتَرَطُ إلَخْ) وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ تَوَافُقُ نَظْمِ صَلَاتِهِ لِصَلَاةِ الْإِمَامِ أَوْ الْقَوْمِ لِوُجُودِ رَبْطِ الِاقْتِدَاءِ قَبْلَهُ فَلَا يُخَالِفُ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى) أَيْ أَدْرَكَ رُكُوعَهَا مَعَ الْإِمَامِ وَإِنْ أَحْرَمَ فِيهِ أَوْ لَمْ يَقْرَأْ شَيْئًا مِنْ الْفَاتِحَةِ قَبْلَهُ وَلَوْ أَحْرَمَ مَعَهُ فِي الْقِيَامِ لَمْ يُشْتَرَطْ رُكُوعُهُ مَعَهُ لَكِنْ لَا يَرْكَعُ الْخَلِيفَةُ إلَّا بَعْدَ إتْمَامِ فَاتِحَتِهِ.
وَإِنْ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ إتْمَامِ فَاتِحَةِ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأُولَى) كَاعْتِدَالِهَا أَوْ سُجُودِهَا.
قَوْلُهُ: (فَيُتِمُّهَا ظُهْرًا) وَيَكُونُ الِاسْتِخْلَافُ وَلَوْ مِنْ نَفْسِهِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ عُذْرًا لَهُ فِي فَوَاتِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ جُمُعَتُهُمْ وَعُلِمَ مِنْ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَوْ لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ الْأُولَى وَأَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا مَعَ الْإِمَامِ بِأَنْ اسْتَخْلَفَهُ بَعْدَهَا أَنَّهُ يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ، كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَقَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: وَقَضِيَّتُهُ إلَخْ مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّعْلِيلِ بِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ الْأُولَى وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ فَتَأَمَّلْ.
وَإِنَّمَا اشْتَرَطُوا هُنَا إدْرَاكَ جَمِيعِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الْإِمَامِ وَاكْتَفُوا فِي الْأُولَى بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ لِتَوَقُّفِ صَلَاةِ الْقَوْمِ عَلَى إمَامٍ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ.
قَوْله: (وَيُرَاعِي الْمَسْبُوقُ إلَخْ) عَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ الْتَزَمَ ذَلِكَ بِالِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ وَلِذَلِكَ لَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُرَاعِي إلَّا نَظْمَ صَلَاةِ نَفْسِهِ وَيَجِبُ عَلَى الْقَوْمِ مُوَافَقَتُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَإِنْ كَانُوا فِي غَيْرِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي اقْتِدَاءِ الْمُصَلِّي فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ بِغَيْرِهِ.
وَهُوَ كَذَلِكَ وَالْمُرَاعَاةُ مَنْدُوبَةٌ فِي الْمَنْدُوبِ لِلْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ.
وَمِنْهَا سُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ حَصَلَ السَّهْوُ قَبْلَ اقْتِدَائِهِ وَإِذَا سَجَدَ بِهِمْ وَانْتَظَرُوهُ بَعْدَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعِيدُوهُ مَعَهُ أَيْضًا لَوْ فَعَلَهُ فِي آخِرِ صَلَاةِ نَفْسِهِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ مُوَافَقَتُهُ فِيهِ عَلَى الْأَوْجُهِ.
وَكَذَا مُرَاعَاتُهُ مَنْدُوبَةٌ فِي الْوَاجِبِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَإِنَّمَا تَجِبُ فِي الْوَاجِبِ مِنْ الْأَفْعَالِ فَقَطْ قَالَهُ شَيْخُنَا وَاعْتَمَدَهُ مِنْ تَنَاقُضٍ فِي كَلَامِهِمْ كَثِيرٌ فَقَوْلُهُ: تَشَهَّدَ أَيْ نَدْبًا وَجَالِسًا وُجُوبًا بِقَدْرِ الْوَاجِبِ.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ تَنَاقُضٌ يَعْرِفُهُ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَشَارَ إلَيْهِمْ) أَيْ نَدْبًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَنْتَظِرُوا) وَجَازَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ الِانْتِظَارُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ جُلُوسِهِ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا
[حاشية عميرة]
الرَّكْعَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ اقْتَدَى فِي الثَّانِيَةِ) عَبَّرَ بِالْكَافِ إشَارَةً إلَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا لَوْ اقْتَدَى فِي الْأُولَى بَعْدَ فَوَاتِ الرُّكُوعِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (دُونَهُ) اُنْظُرْ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ إلَخْ) زَادَ السُّبْكِيُّ فِي قِطْعَتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَمَرَّ مَأْمُومًا إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً جُعِلَ تَبَعًا لِلْإِمَامِ فِي إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ.
وَالْخَلِيفَةُ إمَامٌ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَبَعًا لِلْمَأْمُومَيْنِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَدْرَكَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَأَحْدَثَ الْإِمَامُ فِيهَا لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ فِي الْأُولَى آكَدُ وَأَقْوَى، فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَمَامِ الْإِمَامِ.
قَالَ: وَمِنْ هَذَا الْفَرْقِ تَسْتَفِيدُ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ أَوَّلِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَيْ بَعْدَ السُّجُودِ وَأَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي التَّشَهُّدِ لَا يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ، وَإِنْ شُرِطَ إدْرَاكُهَا بِرُكُوعِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَسْتَمِرَّ مَعَ الْإِمَامِ إلَى السَّلَامِ اهـ. أَقُولُ: فَلَعَلَّ الشَّارِحَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَظَرَ إلَى ذَلِكَ فَقَالَ فِيمَا سَلَفَ وَاسْتَمَرَّ مَعَهُ إلَى أَنْ سَلَّمَ، لَكِنَّ السُّبْكِيَّ كَمَا تَرَى إنَّمَا شَرَطَ بَقَاءَ الْإِمَامِ إلَى السَّلَامِ لَا بَقَاءَ الْمَأْمُومِ مَعَهُ.
وَهَذَا يَصْدُقُ بِأَنْ يُفَارِقَهُ فِي التَّشَهُّدِ وَيَسْتَمِرَّ مَعَهُ إلَى أَنْ يُسَلِّمَ فَتَأَمَّلْ.
بَقِيَ شَيْءٌ شَخْصٌ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فِي الْأُولَى فَأَحْرَمَ خَلْفَهُ، وَاسْتَمَرَّ مَعَهُ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ عَقِبَ الْفَرَاغِ مِنْ سُجُودِ الْأُولَى لَا أَحْسَبُ أَحَدًا يَتَوَقَّفُ فِي حُصُولِ الْجُمُعَةِ لِهَذَا الْمَسْبُوقِ كَبَقِيَّةِ الْقَوْمِ.
وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ جُمُعَتَهُ إنَّمَا صَحَّتْ تَبَعًا لِإِمَامِهِ وَقَدْ خَرَجَ إمَامُهُ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَضُرَّهُ.
وَهَذَا عِنْدَ التَّأَمُّلِ رُبَّمَا يُنَازَعُ فِيمَا حَاوَلَهُ السُّبْكِيُّ إلَّا أَنْ يُجِيبَ بِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ فِي الْأُولَى آكَدُ كَمَا سَلَفَ، ثُمَّ قَضِيَّةُ كَلَامِ السُّبْكِيّ أَنَّ الْمَسْبُوقَ لَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ وَسُجُودَهَا ثُمَّ اسْتَخْلَفَهُ يُتِمُّ ظُهْرًا وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُتِمَّ جُمُعَةً كَمَا مَشَى عَلَيْهِ شَيْخُنَا فِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَنَقَلَهُ عَنْ الْبَغَوِيّ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي تَتِمُّ لَهُ لِأَنَّهُ صَلَّى رَكْعَةً فِي جَمَاعَةٍ) أَيْ كَالْمَسْبُوقِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (نَظْمَ صَلَاةِ الْمُسْتَخْلِفِ) أَيْ لَا نَظْمَ صَلَاةِ نَفْسِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (تَشَهَّدْ جَالِسًا) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الظَّاهِرُ عَدَمُ وُجُوبِ التَّشَهُّدِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ تَفْسِيرِ الْمُؤَلِّفِ بِالنَّظْمِ لِأَنَّ لَا يَزِيدُ عَلَى بَقَاءِ إمَامِهِ حَقِيقَةً.
قَالَ: بَلْ الْمُتَّجِهُ أَيْضًا أَنَّ الْقُعُودَ غَيْرُ وَاجِبٍ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ يَجُوزُ لَهُ
مَسْبُوقٌ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي صَلَّاهَا بِهِمْ صَحَّتْ لَهُ الْجُمُعَةُ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْجُمُعَةِ خَلْفَ الظُّهْرِ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
وَتَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ لَهُمْ الِانْفِرَادَ بِالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَلَا يَضُرُّ اقْتِدَاؤُهُمْ فِيهَا بِمُصَلِّي الظُّهْرِ.
وَقَوْلُهُ لِيُفَارِقُوهُ إلَى آخِرِهِ عِلَّةٌ غَائِبَةٌ لِلْإِشَارَةِ أَيْ فَيَكُونُ بَعْدَهَا وَلَيْسَ نَاشِئًا عَنْهَا كَمَا قِيلَ: أَمَّا غَيْرُ الْجُمُعَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِيهَا غَيْرَ مُقْتَدٍ بِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ فِي تَرْتِيبِ صَلَاتِهِ كَأَنْ يَسْتَخْلِفُهُ فِي الْأُولَى أَوْ الثَّالِثَةِ مِنْ الرَّبَاعِيَةِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ أَوْ الْأَخِيرَةِ لِاحْتِيَاجِهِ بَعْدَهُمَا إلَى الْقِيَامِ وَهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى الْقُعُودِ.
وَلَوْ اسْتَخْلَفَ مُقْتَدِيًا بِهِ فِي غَيْرِ الْأُولَى جَازَ اتِّفَاقًا كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَيُرَاعِي الْخَلِيفَةُ نَظْمَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَفِي اسْتِخْلَافِهِ فِي ثَانِيَةِ الصُّبْحِ يَقْنُتُ فِيهَا وَيَقْعُدُ لِلتَّشَهُّدِ وَيَأْتِي بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ثُمَّ يَقْنُتُ فِي ثَانِيَتِهِ لِنَفْسِهِ وَعِنْدَ قِيَامِهِ إلَيْهَا يُفَارِقُونَهُ بِالنِّيَّةِ، وَيُسَلِّمُونَ أَوْ يَنْتَظِرُونَ سَلَامَهُ بِهِمْ وَهُوَ الْأَفْضَلُ كَمَا قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمَسْبُوقُ نَظْمَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَفِي اسْتِخْلَافِهِ قَوْلَانِ: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ أَرْجَحُهُمَا دَلِيلًا وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَقْيَسُهُمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ.
وَفِي التَّحْقِيقِ أَظْهَرُهُمَا صِحَّتُهُ، وَيُرَاقِبُ الْمَأْمُومِينَ إذَا أَتَمَّ الرَّكْعَةَ فَإِنْ هَمُّوا بِالْقِيَامِ قَامَ وَإِلَّا قَعَدَ (وَلَا يَلْزَمُهُمْ اسْتِئْنَافُ نِيَّةِ الْقُدْوَةِ) أَيْ أَنْ يَنْوُوهَا بِالْخَلِيفَةِ (فِي الْأَصَحِّ) فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا لِتَنْزِيلِ الْخَلِيفَةِ مَنْزِلَةَ الْأَوَّلِ فِي دَوَامِ الْجَمَاعَةِ، وَالثَّانِي يَقُولُ بِخُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ صَارُوا مُنْفَرِدِينَ
(وَمَنْ زُوحِمَ عَنْ السُّجُودِ) عَلَى الْأَرْضِ مَعَ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ (فَأَمْكَنَهُ عَلَى إنْسَانٍ) مَثَلًا كَظَهْرِهِ أَوْ رِجْلِهِ (فَعَلَ) ذَلِكَ لُزُومًا لِتَمَكُّنِهِ مِنْ سُجُودٍ يُجْزِئُهُ، وَقَدْ رَوَى
[حاشية قليوبي]
مُرَاعَاةً لِلْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ عَلَى أَنَّ جُلُوسَهُ مَطْلُوبٌ مِنْهُ، إمَّا وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا فَهُمْ قَدْ وَافَقُوهُ فِي جُلُوسٍ مَطْلُوبٍ لَهُ فَلَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ فِي سُجُودِ السَّهْوِ كَذَا قِيلَ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ) عَلَى الْأَصَحِّ السَّابِقِ مِنْ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَتِمُّ لَهُ أَوْ رَكْعَةٍ عَلَى مُقَابِلِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الرَّكْعَةِ إلَخْ) وَكَذَا فِي الَّتِي بَعْدَهَا مِنْ بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ حَيْثُ انْتَظَرَ الْقَوْمُ سَلَامَهُ حَتَّى لَوْ اقْتَدَى بِهِ فِي ثَانِيَتِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقِيَامُ مَعَهُ فِي رَابِعَتِهِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ عَيْنًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ جُلُوسِ الْخَلِيفَةِ وَلَا الْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ وَيُسَلِّمُ لِنَفْسِهِ لِتَمَامِ جُمُعَتِهِ.
وَهَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ عَلَيْهِ كَالرَّيْمِيِّ وَغَيْرِهِ زَاعِمِينَ بِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ الْحُكْمِيَّ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا إنْ سَبَقَهُ اقْتِدَاءٌ حَقِيقِيٌّ، وَلَوْ جَاءَ مَسْبُوقٌ فَرَأَى الْإِمَامَ قَدْ سَلَّمَ وَالْقَوْمُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَتَتِمُّ لَهُ الْجُمُعَةُ.
كَذَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ حَجَرٍ كَمَا مَرَّ فَرَاجِعْهُ، فَإِنَّ فِيهِ نَظَرًا ظَاهِرًا وَلَعَلَّهُ سَهْوٌ أَوْ غَفْلَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ لِيُفَارِقُوهُ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ التَّخْيِيرُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ نَاشِئًا عَنْ الْإِشَارَةِ لِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهَا خُصُوصًا مَعَ الْبُعْدِ وَعَدَمِ الِاسْتِقْبَالِ فَكَيْفَ جَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ نَاشِئًا عَنْهَا انْتَهَى.
قَوْلُهُ: (فِيهَا) أَيْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَهُوَ قَيْدٌ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ مُقْتَدٍ بِهِ) أَيْ وَهُوَ يُصَلِّي أَيْضًا وَهَذَا يُرَاعِي نَظْمَ صَلَاةِ نَفْسِهِ كَمَا مَرَّ.
فَلَا حَاجَةَ لِمَا تَرَدَّدَ فِيهِ بَعْضُهُمْ هُنَا وَمُوَافَقَةُ النَّظْمِ وَالْفَوْرِيَّةُ هُنَا شَرْطٌ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِمْ لِنِيَّةِ اقْتِدَاءٍ فَيَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ وَبُعْدِ طُولِ الْفَصْلِ لَكِنْ، يَحْتَاجُونَ فِي جَوَازِ الْمُتَابَعَةِ إلَى نِيَّةِ اقْتِدَاءٍ كَمَا مَرَّ.
وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ نَظْمِ الْمَأْمُومِينَ حَيْثُ تَوَافَقَ نَظْمُ الْإِمَامِ وَالْخَلِيفَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ اسْتَخْلَفَ) أَيْ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ الْمُقَسَّمُ وَالظَّرْفُ بِقَوْلِهِ فِي غَيْرِ الْأُولَى مُتَعَلِّقٌ بِاسْتَخْلَفَ.
قَوْلُهُ: (جَازَ اتِّفَاقًا) أَيْ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ وَافَقَ فِي نَظْمِ الصَّلَاةِ أَمْ لَا فَلَيْسَ كَغَيْرِ الْمُقْتَدِي الْمُتَقَدِّمِ.
قَوْلُهُ: (وَيُرَاعِي الْخَلِيفَةُ) أَيْ الْمَذْكُورُ أَنَّهُ كَانَ مُقْتَدِيًا بِهِ قَبْلَ اسْتِخْلَافِهِ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ مَا بَعْدَهُ وَيُصَرِّحُ بِهِ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (يَقْنُتُ فِيهَا) وَلَوْ تَرَكَ هَذَا الْقُنُوتَ لَمْ يُطْلَبْ مِنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ.
قَوْلُهُ: (وَيَقْعُدُ لِلتَّشَهُّدِ) أَيْ وُجُوبًا لِأَنَّهُ مِنْ الْأَفْعَالِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَيَأْتِي بِهِ) أَيْ نَدْبًا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَظْهَرُهُمَا صِحَّتُهُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَيُرَاقِبُ الْمَأْمُومِينَ إلَخْ) أَيْ لِيَرْجِعَ إلَيْهِمْ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَبْلَهُ، فَلَيْسَ هَذَا مِمَّا مَرَّ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي صَلَاتِهِ إلَى فِعْلِ غَيْرِهِ فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْهُ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ) قَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَجْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ زُحِمَ) أَيْ مُنِعَ
[حاشية عميرة]
الْمُفَارَقَةُ بَعْدَ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْ الْجُمُعَةِ فَهَذَا أَوْلَى وَنَبَّهَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ أَيْضًا أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ.
قَوْلُهُ: (بِكُلِّ حَالٍ) أَيْ سَوَاءٌ قُلْنَا تَحْصُلُ لِلْخَلِيفَةِ الْجُمُعَةُ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (كَمَا قِيلَ) يُرِيدُ الْإِمَامَ الْإِسْنَوِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَيْثُ اعْتَرَضَ بِأَنَّ التَّخْيِيرَ لَا يُفْهَمُ مِنْ الْإِشَارَةِ لَا سِيَّمَا مَعَ الِاسْتِدْبَارِ وَكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ.
قَوْلُهُ: (اتِّفَاقًا) أَيْ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ كَمَا سَلَفَ الْخِلَافُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَيَقْعُدُ وَيَأْتِي بِهِ) ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى مَا سَلَفَ نَقَلْنَا لَهُ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ فِي بَحْثِهِ عَدَمَ الْوُجُوبِ فِي خَلِيفَةِ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (مُنْفَرِدِينَ) أَيْ بِدَلِيلِ تَحَمُّلِهِ سَهْوَهُمْ الْعَارِضَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَبْلَ اسْتِخْلَافِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَنْ زُحِمَ) قَالَ الْإِمَامُ لَيْسَ فِي الزَّمَانِ مَنْ يُحِيطُ بِأَطْرَافِ مَسْأَلَةِ الزِّحَامِ.
قَوْلُهُ: (فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى) حَمَلَهُ عَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْآتِي أَمَّا إذَا كَانَ فِي الثَّانِيَةِ فَيَسْجُدُ
الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: إذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَلْيَسْجُدْ أَحَدُكُمْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ، وَلَا بُدَّ فِي إمْكَانِهِ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى رِعَايَةِ هَيْئَةِ السَّاجِدِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى مُرْتَفَعٍ، وَالْمَسْجُودُ عَلَيْهِ فِي مُنْخَفَضٍ، وَقِيلَ: لَا يَضُرُّ الْخُرُوجُ عَنْ هَيْئَةِ السَّاجِدِ لِلْعُذْرِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ عَلَى شَيْءٍ مَعَ الْإِمَامِ (فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ) التَّمَكُّنَ مِنْهُ (وَلَا يُومِئُ بِهِ) لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي يُومِئُ بِهِ أَقْصَى مَا يُمْكِنُهُ كَالْمَرِيضِ لِلْعُذْرِ وَالثَّالِثُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا (ثُمَّ) عَلَى الصَّحِيحِ (إنْ تَمَكَّنَ) مِنْهُ (قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ) فِي الثَّانِيَةِ (سَجَدَ فَإِنْ رَفَعَ) مِنْ السُّجُودِ (وَالْإِمَامُ قَائِمٌ قَرَأَ) فَإِنْ رَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ إتْمَامِهِ الْفَاتِحَةَ رَكَعَ مَعَهُ عَلَى الْأَصَحِّ الْآتِي فِي قَوْلِهِ (أَوْ رَاكِعٌ فَالْأَصَحُّ يَرْكَعُ) مَعَهُ (وَهُوَ كَمَسْبُوقٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَحَلَّ الْقِرَاءَةِ، وَالثَّانِي لَا يَرْكَعُ مَعَهُ لِأَنَّهُ مُؤْتَمٌّ بِهِ فِي حَالِ قِرَاءَتِهِ بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ فَيَتَخَلَّفُ وَيَقْرَأُ وَيَسْعَى خَلْفَهُ وَهُوَ مُتَخَلِّفٌ بِعُذْرٍ (فَإِنْ كَانَ إمَامُهُ فَرَغَ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَمْ يُسَلِّمْ وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ) كَالْمَسْبُوقِ (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَةً بَعْدَهُ) وَبِهَذَا قَطَعَ الْإِمَامُ وَحَكَى غَيْرُهُ مَعَهُ الْوَجْهَ السَّابِقَ أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِتَرْتِيبِ صَلَاةِ نَفْسِهِ (وَإِنْ كَانَ سَلَّمَ فَاتَتْ الْجُمُعَةُ) لِأَنَّهُ لَمْ تَتِمَّ لَهُ رَكْعَةٌ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ مَا إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ فَسَلَّمَ الْإِمَامُ فِي الْحَالِ فَيُتِمُّ فِي هَذَا الْجُمُعَةَ وَفِيمَا قَبْلَهُ الظُّهْرَ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنُهُ السُّجُودُ حَتَّى رَكَعَ
[حاشية قليوبي]
مِنْ السُّجُودِ مَعَ الْإِمَامِ لِأَجْلِ الزَّحْمَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى إنْسَانٍ) وَلَوْ رَقِيقًا وَلَمْ يَأْذَنْ وَشَقَّ عَلَيْهِ وَلَا يَضْمَنُهُ إنْ لَمْ يَتْلَفْ بِسَبَبِ سُجُودِهِ كَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (لُزُومًا) أَيْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ وَنَدْبًا فِي غَيْرِهَا إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِالسُّجُودِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَخْشَ مِنْهُ فِتْنَةً.
قَوْلُهُ: (أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنُهُ السُّجُودُ) أَيْ بِهَيْئَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَأَطْلَقَهُ الشَّارِحُ لِيَجْرِيَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ أَيْ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي زُحِمَ فِيهِ سَوَاءٌ الِاعْتِدَالُ أَوْ غَيْرُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْلِسَ وَيَنْتَظِرَ وَالِانْتِظَارُ وَاجِبٌ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ وَفِي الْجَمَاعَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا وَمَنْدُوبٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَيُنْدَبُ لِلْإِمَامِ تَطْوِيلُ الْقِيَامِ لِيُدْرِكَهُ الْمَعْذُورُ وَإِنْ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ) أَيْ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ سَجَدَ عَلَى نَظْمِ نَفْسِهِ.
كَذَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْوَجْهُ اعْتِبَارُ انْتِصَابِهِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَمَتَى انْتَصَبَ الْإِمَامُ فِيهَا وَافَقَهُ الْمَأْمُومُ وُجُوبًا فِيهِ وَلَا يَجْرِي عَلَى نَظْمِ نَفْسِهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ كَمَسْبُوقٍ) فَيُدْرِكُ الرَّكْعَةَ إنْ اطْمَأَنَّ يَقِينًا قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ مَعَ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ وَإِلَّا أَتَى بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ قَوْلُهُ: (فِيمَا هُوَ فِيهِ) مِنْ الِاعْتِدَالِ وَالسُّجُودِ أَوْ جُلُوسِ التَّشَهُّدِ فَإِنْ تَبِعَهُ فِي الِاعْتِدَالِ نَزَلَ مَعَهُ سَاجِدًا وَحُسِبَ لَهُ أَوْ تَبِعَهُ سَاجِدًا سَجَدَ مَعَهُ بِالْأُولَى، سَوَاءٌ أَدْرَكَهُ فِي السَّجْدَتَيْنِ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا فَيَسْجُدُ هُوَ الثَّانِيَةَ، وَإِنْ تَبِعَهُ فِي التَّشَهُّدِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ سَجْدَتَيْهِ فَلَهُ سُجُودُهُمَا كَمَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا وَقَدْ مَرَّ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَفِي فَرَاغِهِ مِنْهُمَا مَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (مَعَهُ) أَيْ الْإِمَامِ فِيهِ طَرِيقَانِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ) أَيْ إمَامُهُ سَلَّمَ أَيْ شَرَعَ فِي السَّلَامِ قَبْلَ رَفْعِهِ مِنْ السُّجُودِ وَلَوْ احْتِمَالًا وَلَمْ يَعُدْ الْإِمَامُ لِسُجُودِ سَهْوٍ مَثَلًا كَمَا يَأْتِي فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَارَنَهُ فَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا أَنَّهَا لَا تَفُوتُهُ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ
[حاشية عميرة]
مَتَى تَمَكَّنَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ، نَعَمْ إنْ كَانَ مَسْبُوقًا لَحِقَهُ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنْ تَمَكَّنَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ سَجَدَ وَأَدْرَكَ الْجُمُعَةَ وَإِلَّا فَاتَتْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِلَّا إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ نَفْسِهِ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي لِأَنَّهُ يَتَوَقَّعُ الْمُضِيَّ فِيهَا فَكَيْفَ يَخْرُجُ عَنْهَا عَمْدًا.
كَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخَانِ وَأَقَرَّاهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمُهَذَّبِ وَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ إبْطَالُ الصَّلَاةِ وَيَنْتَظِرُ الْجُمُعَةَ إنْ زَالَ الزِّحَامُ اهـ. أَقُولُ الْوَجْهُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ لَوْ اسْتَمَرَّ فِي الِاعْتِدَالِ فَلَمْ تَزُلْ الزَّحْمَةُ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الرُّكُوعِ تَابَعَهُ فِي السُّجُودِ وَأَدْرَكَ الْجُمُعَةَ، وَلَوْ فُرِضَ إخْرَاجُ نَفْسِهِ فَزَالَ الزِّحَامُ كَمَا ذَكَرْنَا فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَكَيْفَ يُفْسَحُ لَهُ فِي تَفْوِيتِهَا مَعَ احْتِمَالِ تَحْصِيلِهَا بِمَا ذَكَرْنَا وَتَصْرِيحُهُمْ بِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الْجُمُعَةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَذَكَّرَ الْإِمَامُ تَرْكَ رُكْنٍ فَيَعُودَ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ) وَنُدُورِ هَذَا الْعُذْرِ وَعَدَمِ دَوَامِهِ.
قَوْلُهُ: (لِلْعُذْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يُومِئُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ رَفَعَ إلَخْ) ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحْوَالٍ تُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي لَا يَرْكَعُ مَعَهُ) هُوَ مُقَابِلُ الْأَصَحِّ فِي الْمَتْنِ، وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ ثُمَّ عَلَى هَذَا الثَّانِي يَجِبُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْأَرْكَانِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَأْتِيَ بِالسُّنَنِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْوَسَطِ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (فِي حَالِ قِرَاءَتِهِ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْإِمَامِ مِنْ قَوْلِ الْمَتْنِ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَاتَتْ الْجُمُعَةُ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ عَادَ الْإِمَامُ لِسُجُودِ السَّهْوِ كَانَ الْمَأْمُومُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ:
الْإِمَامُ) فِي الثَّانِيَةِ (فَفِي قَوْلٍ يُرَاعِي نَظْمَ) صَلَاةِ (نَفْسِهِ) فَيَسْجُدُ الْآنَ.
(وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ وَيَحْسِبُ رُكُوعَهُ الْأَوَّلَ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ وَقْتَ الِاعْتِدَادِ بِالرُّكُوعِ، وَالثَّانِيَ لِلْمُتَابَعَةِ (فَرَكْعَتُهُ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رُكُوعِ الْأُولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ) الَّذِي أَتَى بِهِ (وَتُدْرَكُ بِهَا الْجُمُعَةُ فِي الْأَصَحِّ) لِصِدْقِ الرَّكْعَةِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ بِهَا وَالثَّانِي يَقُولُ لَا لِنَقْصِهَا.
وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ السَّابِقِ يَحْسِبُ رُكُوعَهُ الثَّانِيَ دُونَ الْأَوَّلِ لِطُولِ الْمُدَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّجُودِ.
وَعَلَى هَذَا تُدْرَكُ الْجُمُعَةُ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ جَزْمًا (فَلَوْ سَجَدَ عَلَى تَرْتِيبِ) صَلَاةِ (نَفْسِهِ عَالِمًا بِأَنَّ وَاجِبَهُ الْمُتَابَعَةُ) فِي الرُّكُوعِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَظْهَرِ ذَاكِرًا لِذَلِكَ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ نَسِيَ) ذَلِكَ الْمَعْلُومَ عِنْدَهُ (أَوْ جَهِلَ) ذَلِكَ (لَمْ يَحْسِبْ سُجُودَهُ الْأَوَّلَ) لِمُخَالَفَتِهِ بِهِ الْإِمَامَ وَلَا تَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ لِعُذْرِهِ (فَإِذَا سَجَدَ ثَانِيًا حَسَبَ) هَذَا السُّجُودَ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ كَالْإِمَامِ وَالصَّيْدَلَانِيُّ.
وَهُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِ الْمُحَرَّرِ فَالْمَنْقُولُ أَنَّهُ يَحْسِبُ بِهِ أَيْ فَتَكْمُلُ بِهِ الرَّكْعَةُ (وَالْأَصَحُّ إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ) الْمُلَفَّقَةِ مِنْ رُكُوعِ الْأُولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (إذَا كَمُلَتْ السَّجْدَتَانِ) فِيهَا (قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ) بِخِلَافِ مَا إذَا كَمُلَتَا بَعْدَ سَلَامِهِ.
وَبَحَثَ الرَّافِعِيُّ فِيمَا ذُكِرَ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْسِبْ سُجُودَهُ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ لِكَوْنِ فَرْضِهِ الْمُتَابَعَةَ وَجَبَ أَنْ لَا يَحْسِبَ وَالْإِمَامُ فِي رُكْنٍ بَعْدَ الرُّكُوعِ قَالَ: وَالْمَفْهُومُ مِنْ
[حاشية قليوبي]
بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ بِمُجَرَّدِ هَوِيِّهِ لِلسُّجُودِ لِأَنَّهُ شُرُوعٌ فِي الْمُبْطِلِ وَيَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِالْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ لِعَدَمِ الْيَأْسِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ نَسِيَ) أَيْ اسْتَمَرَّ نِسْيَانُهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ سُجُودِ رَكْعَتِهِ الثَّانِيَةِ أَوْ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ فَإِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ ذَلِكَ لَزِمَهُ مُوَافَقَةُ الْإِمَامِ فِيمَا هُوَ فِيهِ سَوَاءٌ حُسِبَ لَهُ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (ذَلِكَ الْمَعْلُومَ عِنْدَهُ) وَهُوَ وُجُوبُ الْمُتَابَعَةِ وَقَيَّدَ بِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ نَسِيَ الصَّلَاةَ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ جَهِلَ) أَيْ وَإِنْ كَانَ مُخَالِطًا لَنَا لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى عَلَى الْعَوَامّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ سَجَدَ ثَانِيًا) قَالَ فِي الْمَنْهَجِ وَلَوْ مُنْفَرِدًا أَيْ عَنْ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ فِي حَالِ الْقُدْوَةِ.
قَوْلُهُ: (حُسِبَ هَذَا السُّجُودُ) أَيْ الثَّانِي وَإِنْ فَعَلَهُ حَالَ جُلُوسِ الْإِمَامِ لِلتَّشَهُّدِ أَوْ حَالَ رُكُوعِهِ أَوْ اعْتِدَالِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا حُسِبَ هَذَا السُّجُودُ لِلِاعْتِدَادِ بِالْهَوِيِّ لَهُ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْإِمَامِ بِخِلَافِ هَوِيِّهِ الْأَوَّلِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْإِمَامِ الْقَائِمِ فِي الثَّانِيَةِ فَأَلْغَى السُّجُودَ الْمُرَتَّبَ عَلَيْهِ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ بَعْدَهُ لِأَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ سَجَدَ أَوَّلًا ثُمَّ قَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَسَجَدَ ثَانِيًا فَإِنْ تَذَكَّرَ أَوْ عَلِمَ حَالَ قِيَامِهِ فِي الثَّانِيَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَوِيُّ لِلْمُتَابَعَةِ بِلَا رُكُوعٍ.
وَإِنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ السَّجْدَتَيْنِ أَوْ الثَّانِيَةَ سَجَدَ هُوَ ثَانِيَتَهُ حَالَ جُلُوسِ الْإِمَامِ لِعَدَمِ الْفُحْشِ وَتَمَّتْ رَكْعَتُهُ وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي جُلُوسِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ سَجْدَتَيْهِ فَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا أَنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْهِ أَيْضًا لِمَا ذُكِرَ، وَتَتِمُّ لَهُ الْجُمُعَةُ بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ آنِفًا وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا فَقَالَ لَا يَسْجُدُ إلَّا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَتَفُوتُهُ الْجُمُعَةُ.
قَوْلُهُ: (لِمَا تَقَدَّمَ) يُفِيدُ هَذَا أَنَّ الْأَصَحَّ هُوَ السَّابِقُ وَتَقَدَّمَ مُقَابِلُهُ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ) أَيْ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِيهِ وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَعُدْ الْإِمَامُ لِسُجُودِ سَهْوٍ وَإِلَّا تَمَّتْ لَهُ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ كَانَ سَجَدَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ لَتَبَيَّنَ بَقَاءُ الْقُدْوَةِ وَلَوْ لَمْ يَسْجُدْ إلَّا
[حاشية عميرة]
فَفِي قَوْلٍ إلَخْ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» وَقَدْ سَجَدَ إمَامُهُ وَلِقَوْلِهِ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» . أَوْ فَاقْضُوا وَدَلِيلُ الْأَظْهَرِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» . وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ الْآنَ فَوَجَبَ أَنْ يَرْكَعَ مَعَهُ.
وَأَمَّا إذَا سَجَدَ فَسَجَدُوا فَلَا يُعَارِضُ هَذَا نَظَرًا إلَى الْفَاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ، وَالسُّجُودُ قَدْ فَاتَ.
وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ فِيهِ «وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا» . وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» إلَخْ فَلَوْ قُلْنَا بِهِ هُنَا لَعَطَّلَنَا أَوَّلَ الْخَبَرِ بِخِلَافِ أَمْرِهِ بِالْمُتَابَعَةِ فَإِنَّ فِيهِ عَمَلًا بِأَوَّلِ الْخَبَرِ وَآخِرِهِ لِأَنَّهُ يَأْمُرُ بِالْمُتَابَعَةِ حَالًا وَيَتَدَارَكُ الْفَائِتَ مَا لَا إذَا سَلَّمَ وَهَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي الْأَصَحِّ) هَذَا الْأَصَحُّ وَمُقَابِلُهُ الْآتِي قَالَ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ذَكَرُوا أَنَّ مَنْشَأَ هَذَا الْخِلَافِ التَّرَدُّدُ فِي تَفْسِيرِ لَفْظِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ قَالَ: فَيَرْكَعُ فِي الثَّانِيَةِ وَتَسْقُطُ الْأُخْرَى فَمِنْ قَائِلٍ أَرَادَ بِالْأُخْرَى الْأَخِيرَةَ، وَمِنْ قَائِلٍ أَرَادَ الْأُولَى قَالُوا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَالثَّانِي أَشْبَهُ بِكَلَامِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَقُولُ لَا لِنَقْصِهَا) رُدَّ بِأَنَّ التَّلْفِيقَ لَيْسَ بِنَقْصٍ فِي حَقِّ الْمَعْذُورِ وَإِنْ كَانَ نَقْصًا فَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ، أَلَا تَرَى أَنَّا إذَا احْتَسَبْنَا بِالرُّكُوعِ الثَّانِي فِي مَسْأَلَتِنَا حَكَمْنَا بِإِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِلَا خِلَافٍ مَعَ حُصُولِ التَّلْفِيقِ بَيْنَ هَذَا الرُّكُوعِ وَذَلِكَ التَّحَرُّمِ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ السَّابِقُ إلَخْ) أَخَّرَهُ إلَى هُنَا لِأَنَّ قَوْلَ الْمَتْنِ وَتُدْرَكُ بِهَا الْجُمُعَةُ فِي الْأَصَحِّ مُفَرَّعٌ عَلَى الْأَصَحِّ الْأَوَّلِ خَاصَّةً دُونَ مُقَابِلِهِ.
قَوْلُهُ: (ذَاكِرًا لِذَلِكَ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مُرَادُ الْمَاتِنِ بِقَوْلِهِ الْآتِي: وَإِنْ نَسِيَ.
قَوْلُهُ: (ذَلِكَ الْمَعْلُومَ) وَهُوَ وُجُوبُ الْمُتَابَعَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ جَهِلَ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ عَالِمًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَصَحُّ إدْرَاكُ
كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ أَنْ لَا يُحْسَبَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا يَأْتِي بِهِ عَلَى غَيْرِ سَبِيلِ الْمُتَابَعَةِ وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ لِتَمَامِ الرَّكْعَةِ وَلَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ.
وَسَكَتَ عَلَى ذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ.
وَلَوْ فَرَغَ مِنْ سُجُودِ الْأَوَّلِ فَوَجَدَ الْإِمَامَ سَاجِدًا فَتَابَعَهُ فِي سَجْدَتَيْهِ حُسِبَتَا لَهُ وَتَكُونُ رَكْعَتُهُ مُلَفَّقَةً
(وَلَوْ تَخَلَّفَ بِالسُّجُودِ) فِي الْأُولَى (نَاسِيًا) لَهُ (حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ لِلثَّانِيَةِ) فَذَكَرَهُ (رَكَعَ مَعَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) أَيْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَظْهَرِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَالْقَوْلُ الثَّانِي يُرَاعِي نَظْمَ صَلَاةِ نَفْسِهِ كَالْمَزْحُومِ وَفَرَّقَ الْقَاطِعُ بِالْأَوَّلِ بِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِالنِّسْيَانِ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَطَرِيقُ الْقَطْعِ أَظْهَرُ.
(تَتِمَّةٌ) لَوْ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ.
وَقِيلَ: يَرْكَعُ مَعَهُ قَطْعًا وَقِيلَ: يُرَاعِي نَظْمَ صَلَاةِ نَفْسِهِ قَطْعًا وَإِنَّمَا ذَكَرُوا الزِّحَامَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ فِيهَا أَكْثَرُ.
بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ أَيْ كَيْفِيَّتِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي الْفَرَائِضِ فِيهِ فِي الْجَمَاعَةِ وَغَيْرِهَا مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي غَيْرِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
(هِيَ أَنْوَاعٌ) أَرْبَعَةٌ كَمَا سَيَأْتِي (الْأَوَّلُ) مَا يُذْكَرُ فِي قَوْلِهِ (يَكُونُ الْعَدُوُّ فِي) جِهَةِ (الْقِبْلَةِ فَيُرَتِّبُ الْإِمَامُ الْقَوْمَ صَفَّيْنِ
[حاشية قليوبي]
مَعَ الْإِمَامِ لِلسَّهْوِ حُسِبَ لَهُ عَنْ سُجُودِ رَكْعَتِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْوَجِيهِ، وَيَطْلُبُ لَهُ سُجُودَ السَّهْوِ فِي آخِرِ صَلَاةِ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (وَبَحَثَ الرَّافِعِيُّ إلَخْ) تَقَدَّمَ جَوَابُهُ وَجَوَابُ بَعْضِهِمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ الْأَوَّلُ لِإِمْكَانِ إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ بِالْمُتَابَعَةِ بَعْدَ خِلَافِ الثَّانِي فِيهِ نَظَرٌ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّ هَوِيَّهُ انْقَلَبَ مِنْ اللَّغْوِ إلَى الِاعْتِدَادِ بِهِ لِفِعْلِ الْإِمَامِ لَهُ بَعْدَهُ كَمَا لَوْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ، وَرَكَعَ الْإِمَامُ بَعْدَهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَنْقَلِبْ سُجُودُهُ مَعَ ذَلِكَ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ بَعْدُ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ بِخِلَافِ الْهَوِيِّ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (نَاسِيًا) وَسَائِرُ الْأَعْذَارِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (رَكَعَ مَعَهُ) أَيْ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا عَلَى مَا مَرَّ وَقَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ يَجْرِي عَلَى نَظْمِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ.
قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ) وَلَوْ فِي رَكْعَةٍ ثَالِثَةٍ أَوْ رَابِعَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا ذَكَرُوا إلَخْ) وَكَذَا ذِكْرُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى.
بَابٌ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
أَيْ الْخَائِفِ أَوْ حَالَةَ الْخَوْفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأَمْنِ وَلَعَلَّهَا مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَمَا يَتْبَعُهَا.
قَوْلُهُ: (فِي الْفَرَائِضِ) أَيْ الْمُؤَدَّاةِ أَوْ الْفَائِتَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَكَذَا النَّفَلُ الْمُؤَقَّتُ كَالْعِيدِ وَالضُّحَى.
وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ إطْلَاقُ الْمَنْهَجِ.
[حاشية عميرة]
الْجُمُعَةِ) لَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ مُقَابِلَهُ لِعِلْمِهِ مِنْ نَظِيرِهِ السَّابِقِ وَلِذَا عَلَّلَ الْأَصَحَّ هُنَا بِقَوْلِهِ الْآتِي لِمَا تَقَدَّمَ.
وَعِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالثَّانِي لَا وَإِنْ قُلْنَا تُدْرَكُ بِالْمُلَفَّقَةِ لِأَنَّ الْمُلَفَّقَةَ فِيهَا نَقْصُ وَاحِدٍ وَهُنَا اثْنَانِ كَمَا سَبَقَ اهـ.
وَأَحَدُ النَّقْصَيْنِ هُوَ التَّلْفِيقُ وَالْآخَرُ الْقُدْوَةُ الْحُكْمِيَّةُ فَإِنَّهُ لَمْ يُتَابِعْ إمَامَهُ هُنَا فِي مُعْظَمِ رَكْعَتِهِ مُتَابَعَةً حِسِّيَّةً بَلْ سَجَدَ مُتَخَلِّفًا وَأَلْحَقْنَاهُ حُكْمًا لِكَوْنِهِ مَعْذُورًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (إذَا كَمُلَتْ السَّجْدَتَانِ) وَظَاهِرٌ أَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِرَفْعِ رَأْسِهِ قَبْلَ السَّلَامِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ فَرَغَ إلَخْ) يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَأْتِي هُنَا بَحْثُ الرَّافِعِيِّ السَّابِقُ.
قَوْلُهُ: (فَتَابَعَهُ فِي سَجْدَتَيْهِ إلَخْ) لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ إلَّا فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ سَجَدَهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسْجُدُ الْأُخْرَى خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ حَيْثُ بَحَثَ الِانْتِظَارَ فِي السَّجْدَةِ الَّتِي سَجَدَهَا مَعَ الْإِمَامِ وَأَجْرَى احْتِمَالًا كَمَا يَنْتَظِرُ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْقَوْلِ الْأَظْهَرِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَيْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (كَالْمَزْحُومِ) أَيْ يَجْرِي هَذَا الْقَوْلُ هُنَا كَمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الْمَزْحُومِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يَرْكَعُ مَعَهُ قَطْعًا) لَعَلَّ وَجْهَ هَذَا كَثْرَةُ الزِّحَامِ فِي الْجُمُعَةِ كَمَا أَنَّ وَجْهَ الَّذِي بَعْدَهُ فِيمَا يَظْهَرُ كَوْنُ الْجَمَاعَةِ شَرْطًا فِي الْجُمُعَةِ أَوْ نَقُولُ وَجْهُ الْأَوَّلِ التَّرَدُّدُ فِي حُصُولِ الْجُمُعَةِ بِالرَّكْعَةِ الْمُلَفَّقَةِ، وَوَجْهُ الثَّانِي التَّرَدُّدُ فِي حُصُولِ الْجُمُعَةِ بِالْقُدْوَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَالرَّافِعِيُّ ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ تَعْلِيلًا.
[بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ]
ِ قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةٌ كَمَا سَيَأْتِي) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ ثَلَاثَةٌ وَكَأَنَّهُ جَعَلَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَاحِدًا.
قَوْلُهُ: (وَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ
وَيُصَلِّي بِهِمْ فَإِذَا سَجَدَ سَجَدَ مَعَهُ صَفٌّ سَجْدَتَيْهِ وَحَرَسَ صَفٌّ فَإِذَا قَامُوا سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَلَحِقُوهُ وَسَجَدَ مَعَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَنْ حَرَسَ أَوَّلًا وَحَرَسَ الْآخَرُونَ فَإِذَا جَلَسَ سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَتَشَهَّدَ بِالصَّفَّيْنِ وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعُسْفَانَ) رَوَاهَا مُسْلِمٌ ذَاكِرًا فِيهَا سُجُودَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَالثَّانِيَ فِي الثَّانِيَةِ وَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ كَالْمُحَرَّرِ صَادِقَةٌ بِذَلِكَ وَبِعَكْسِهِ.
وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا وَيَجُوزُ فِيهِ أَيْضًا أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ الصَّفُّ الثَّانِي وَيَتَأَخَّرَ الْأَوَّلُ إذَا لَمْ تَكْثُرْ أَفْعَالُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ بِخُطْوَتَيْنِ يَنْفُذُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي التَّقَدُّمِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَهَلْ هَذَا التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ أَفْضَلُ أَوْ مُلَازَمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مَكَانَهُ أَفْضَلُ؟ وَجْهَانِ: وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِلْوَارِدِ فِي الْعَكْسِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عَلَى صَفَّيْنِ وَيَحْرُسَ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (هِيَ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ) اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الثَّلَاثَةَ الْأُولَى مِنْهَا مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا وَرَدَتْ فِي الْأَحَادِيثِ، وَاخْتَارَ الرَّابِعَ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَمْ تَرِدْ بِهِ السُّنَّةُ خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا وَشُرِعَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فِيمَا بَيْنَ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسٍ وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا قِتَالٌ بَلْ خَوْفٌ وَغَنِيمَةٌ، وَكَانَتْ قَبْلَ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَلَمْ تُفْعَلْ فِيهِ لِفَقْدِ شَرْطِهَا.
قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ مُوَزَّعَةٌ عَلَى أَحْوَالِ الْعَدُوِّ فَلَا يَجُوزُ فِعْلُ نَوْعٍ مِنْهَا فِي غَيْرِ حَالَتِهِ إلَّا إنْ جَازَ فِي الْأَمْنِ.
قَوْلُهُ: (مَا يُذْكَرُ فِي قَوْلِهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ مَحَلُّ النَّوْعِ لَا نَفْسُهُ وَالنَّوْعُ مَذْكُورٌ فِي ضِمْنِهِ.
وَكَذَا مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (يَكُونُ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ) أَيْ وَلَا سَاتِرَ وَفِي الْمُسْلِمِينَ كَثْرَةٌ عَلَى مَا يَأْتِي.
قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ لِصِحَّتِهِ وَجَوَازِهِ فَلَا يَصِحُّ مَعَ فَقْدِ شَرْطٍ مِنْهَا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ضِيقِ الْوَقْتِ كَالْأَنْوَاعِ الْآتِيَةِ.
قَوْلُهُ: (ذَاكِرًا فِيهَا) أَيْ الرِّوَايَةُ سُجُودُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ إلَخْ وَكُلٌّ فِي مَكَانِهِ.
قَوْلُهُ: (وَبِعَكْسِهِ) أَيْ عَكْسِ ذَلِكَ الْمَذْكُورِ فِي الرِّوَايَةِ، وَهُوَ سُجُودُ الصَّفِّ الثَّانِي فِي الْأُولَى وَالْأَوَّلِ فِي الثَّانِيَةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي مَكَانِهِ.
وَالْعِبَارَةُ صَادِقَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا) أَيْ كَمَا جَازَ الْأَصْلُ الَّذِي فِي الرِّوَايَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ الْوَارِدِ فِي الرِّوَايَةِ، وَلَا يَجُوزُ رُجُوعُ ضَمِيرِهِ لِلْعَكْسِ لِمُنَافَاتِهِ لِقَوْلِهِ أَيْضًا، وَلِمَا يَأْتِي بَعْدَ أَيْ إذَا سَجَدَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ فِي الْأُولَى، وَأَرَادَ الصَّفُّ الثَّانِي أَنْ يَسْجُدَ فِي الثَّانِيَةِ، فَلَهُ أَنْ يَسْجُدَ مَكَانَهُ كَمَا مَرَّ وَلَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ مَكَانَ الْأَوَّلِ لِيَسْجُدَ، وَيَتَأَخَّرَ الْأَوَّلُ مَكَانَهُ لِيَحْرُسَ، لِأَنَّ الْحِرَاسَةَ لِلْمُتَأَخِّرِ أَنْسَبُ، وَمَحَلُّ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ الْقِيَامُ وَمِنْهُ الِاعْتِدَالُ.
قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ تَكْثُرْ أَفْعَالُهُمْ) وَلَمْ تُغْتَفَرْ كَثْرَةُ الْأَفْعَالِ هُنَا لِعَدَمِ وُرُودِهَا.
قَوْلُهُ: (وَهَلْ هَذَا التَّقَدُّمُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ عَدَمُ وُرُودِ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ فِي الرِّوَايَةِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ أَنَّهُ وَارِدٌ فِيهَا، وَسَيَأْتِي مَا يُفِيدُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ حَمْلُهُ الْوَجْهَ الْآخَرَ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ لَا الْأَفْضَلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَجْهَانِ) أَرْجَحُهُمَا أَفْضَلِيَّةُ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ) هُوَ مُبْتَدَأٌ رَاجِعٌ لِلتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَمُوَافِقٌ خَبَرُهُ، وَلِلْوَارِدِ مُتَعَلِّقٌ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَفِي الْعَكْسِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُبْتَدَأِ وَفِي الْحَدِيثِ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَارِدِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ صُورَةَ الْعَكْسِ فِيهَا سُجُودُ الصَّفِّ الثَّانِي فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَهُوَ فِي مَكَانِهِ، فَإِذَا تَقَدَّمَ فِيهَا لِلسُّجُودِ مَكَانَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ فِيهَا لِلْحِرَاسَةِ، كَانَ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.
فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ لَيْسَ مِنْ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَيَظْهَرُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فِي صُورَةِ الْعَكْسِ يَعُودُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ إلَى مَكَانِهِ وَيَسْجُدُ، وَيَتَأَخَّرُ الصَّفُّ الثَّانِي إلَى مَكَانِهِ لِيَحْرُسَ فَرَاجِعْهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ
[حاشية عميرة]
عِبَارَتَهُمَا كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيُّ صَادِقَةٌ بِأَرْبَعِ كَيْفِيَّاتٍ سُجُودُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فِي الْأُولَى وَالثَّانِي فِي الثَّانِيَةِ، وَالْعَكْسُ مَعَ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَعَدَمُهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي.
وَيَجُوزُ فِيهِ أَيْضًا رُبَّمَا يُوهِمُ اقْتِصَارَ الصِّدْقِ عَلَى ثَلَاثَةٍ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ السُّبْكِيُّ: أَفْضَلُ الْكَيْفِيَّاتِ مَا جَاءَ فِي مُسْلِمٍ اهـ. وَهُوَ لَا يُنَافِي التَّخْيِيرَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَاشِيَةِ الْآتِيَةِ عَلَى قَوْلِهِ وَبِعَكْسِهِ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ اعْتِدَالُ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ مَحَلَّهُ قِيَامُ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَبِعَكْسِهِ) هُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمُخْتَصَرِ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا نَحْوُ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعُسْفَانَ اهـ. فَأَخَذَ كَثِيرُونَ بِهِ وَقَالُوا إنَّهُ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ أَقْرَبُ إلَى الْعَدُوِّ، فَإِذَا حَرَسُوا كَانُوا جُنَّةً لِمَنْ خَلْفَهُمْ وَمَنَعُوا مِنْ مَعْرِفَةِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَرَدَّهُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ بِأَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ فَقَدَّمَهُمْ بِالسُّجُودِ وَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا جَمَاعَةٌ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَرَجَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَتَبِعَهُ فِي الْمِنْهَاجِ وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا فَقَالَ: هُوَ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْحَدِيثَ ثُمَّ ذَكَرَ الْكَيْفِيَّةَ الْأُخْرَى إعْلَامًا بِجَوَازِهَا أَيْضًا اهـ. قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ فِيهِ) الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَبِعَكْسِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْعَكْسِ) أَيْ وَهُوَ سُجُودُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فِي الْأُولَى وَالثَّانِي فِي الثَّانِيَةِ، فَالْمُرَادُ بِالْعَكْسِ هُنَا عَكْسُ الْعَكْسِ السَّابِقِ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَوْلُهُ:
صَفَّانِ.
(وَلَوْ حَرَسَ فِيهِمَا) أَيْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ (فِرْقَتَا صَفٍّ) عَلَى الْمُنَاوَبَةِ وَدَامَ غَيْرُهُمَا عَلَى الْمُتَابَعَةِ.
(جَازَ وَكَذَا فِرْقَةٌ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي لَا تَصِحُّ صَلَاةُ هَذِهِ الْفِرْقَةِ لِزِيَادَةِ التَّخَلُّفِ فِيهَا عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ، وَدُفِعَ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ لِتَعَدُّدِ الرَّكْعَةِ لَا تَضُرُّ.
وَعُسْفَانُ قَرْيَةٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ بِقُرْبِ خَلِيصٍ.
(الثَّانِي) مِنْ الْأَنْوَاعِ مَا يُذْكَرُ فِي قَوْلِهِ (يَكُونُ) الْعَدُوُّ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْقِبْلَةِ (فَيُصَلِّي) الْإِمَامُ بَعْدَ جَعْلِهِ الْقَوْمَ فِرْقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ (مَرَّتَيْنِ كُلَّ مَرَّةٍ بِفِرْقَةٍ) تَذْهَبُ الْمُصَلِّيَةُ أَوَّلًا إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهَا تِلْكَ الصَّلَاةَ، وَتَكُونُ لَهُ نَافِلَةً.
(وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَطْنِ نَخْلٍ) رَوَاهَا الشَّيْخَانِ.
وَهُوَ وَإِنْ جَازَتْ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ نُدِبَ إلَيْهَا فِيهِ عِنْدَ كَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقِلَّةِ عَدُوِّهِمْ وَخَوْفِ هُجُومِهِمْ عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ أَمْ ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ: (أَوْ تَقِفُ فِرْقَةٌ فِي وَجْهِهِ) أَيْ الْعَدُوِّ.
(وَيُصَلِّي) الْإِمَامُ (بِفِرْقَةٍ رَكْعَةً فَإِذَا قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَارَقَتْهُ) بِالنِّيَّةِ (وَأَتَمَّتْ وَذَهَبَتْ إلَى وَجْهِهِ) أَيْ الْعَدُوِّ (وَجَاءَ الْوَاقِفُونَ) وَالْإِمَامُ مُنْتَظِرٌ لَهُمْ (فَاقْتَدُوا بِهِ فَصَلَّى بِهِمْ الثَّانِيَةَ فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُوا فَأَتَمُّوا ثَانِيَتَهُمْ) وَهُوَ مُنْتَظِرُ لَهُمْ (وَلَحِقُوهُ وَسَلَّمَ بِهِمْ.
وَهَذِهِ صَلَاةُ
[حاشية قليوبي]
كَالْمُحَرَّرِ صَادِقَةٌ بِسُجُودِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فِي الْأُولَى فِي مَكَانِهِ، وَبِسُجُودِ الصَّفِّ الثَّانِي فِي الثَّانِيَةِ وَهُوَ فِي مَكَانِهِ، أَوْ بَعْدَ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَهُمَا وَارِدَانِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَصَادِقَةٌ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وَهُوَ سُجُودُ الصَّفِّ الثَّانِي فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَهُوَ فِي مَكَانِهِ أَوْ بَعْدَ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَهُمَا غَيْرُ وَارِدَيْنِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ بِمِثْلِ هَذَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْ وَافْهَمْ، وَاَللَّهُ أَوْلَى مَنْ وَفَّقَ وَأَلْهَمَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَرَسَ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: بِشَرْطِ الْمُقَاوَمَةِ فِي كُلِّ حَارِسٍ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَيُكْرَهُ كَوْنُ الْحَارِسِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَعُسْفَانُ) أَيْ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعَسْفِ السُّيُولِ فِيهَا، أَوْ لِكَوْنِ السُّيُولِ عَسَفَتْهَا فَأَذْهَبَتْ أَثَرَهَا، وَتُعْرَفُ الْآنَ بِبِئْرٍ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِهَا) أَوْ فِيهَا مَعَ سَائِرٍ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ وَإِنْ جَازَتْ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ إلَخْ) صَرِيحُهُ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ فِي الْأَصْلِيَّةِ خَلْفَ الْمُعَادَةِ فِي الْخَوْفِ سُنَّةٌ وَفِي الْأَمْنِ مُبَاحٌ، وَكَرَاهَةُ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمُعَادَةِ، وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: بِسَنِّهَا فِي الْأَمْنِ أَيْضًا كَالْخَوْفِ وَكَلَامُ الشَّارِحِ هُنَا، وَفِيمَا يَأْتِي يُخَالِفُهُ، وَعَلَى كَلَامِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ يُقَالُ: إنَّ الْأَمْنَ يُفَارِقُ الْخَوْفَ مِنْ حَيْثُ شَرْطِيَّةُ كَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْخَوْفِ دُونَ الْأَمْنِ، وَفِيهِ بَحْثٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهَا فِي الْأَمْنِ مَكْرُوهَةٌ كَغَيْرِهَا، إنَّمَا سُنَّتْ فِي الْخَوْفِ لِلْعُذْرِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ أَخَذَهَا الشَّارِحُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالرَّابِعِ فِيمَا سَيَأْتِي، وَاسْتَغْنَى الْمُصَنِّفُ عَنْ التَّرْجَمَةِ بِتَعْبِيرِهِ بِأَوْ الَّتِي هِيَ لِلتَّنْوِيعِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَارَقَتْهُ) أَيْ وُجُوبًا وَجَوَازًا عِنْدَ الرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ، وَنَدْبًا فِي الْقِيَامِ وَوُجُوبًا عِنْدَ رُكُوعِهِمْ وَلَوْ لَمْ تُفَارِقْهُ، وَذَهَبَتْ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ سَاكِتَةً، ثُمَّ جَاءَتْ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ فَصَلَّى بِهَا رَكْعَتَهُ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ ذَهَبَتْ سَاكِتَةً إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَثُمَّ عَادَتْ الْأُولَى بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ إلَى مَحَلِّهَا وَأَتَمَّتْ صَلَاتَهَا وَذَهَبَتْ إلَى الْعَدُوِّ، وَثُمَّ عَادَتْ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ إلَى مَحَلِّهَا أَيْضًا وَأَتَمَّتْ صَلَاتَهَا، جَازَ كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَيُغْتَفَرُ لَهَا
[حاشية عميرة]
وَدَفَعَ إلَخْ) هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ غَيْرِهِ الْقَدْرُ الْمُحْتَمَلُ فِي رَكْعَةٍ لِلْعُذْرِ لَا يَضُرُّ انْضِمَامُ مِثْلِهِ إلَيْهِ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى كَمَا لَوْ تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ فِي رَكْعَةٍ، وَبِرُكْنٍ فِي أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (مَا يُذْكَرُ فِي قَوْلِهِ) هَذَا وَكَذَا مَا سَلَفَ وَمَا يَأْتِي دَفْعٌ لِمَا يُقَالُ الْأَنْوَاعُ هِيَ الصَّلَوَاتُ الْمَفْعُولَةُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ لَا نَفْسُ الْأَحْوَالِ.
قَوْلُهُ: (وَتَكُونُ لَهُ نَافِلَةً) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ هَذَا بِتَعَدُّدِ الْإِمَامِ نَعَمْ الصَّحَابَةُ لَا تُؤَثِّرُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلِذَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ اهـ. أَقُولُ: فِي حَالَةِ الْخَوْفِ قَطَعُوا النَّظَرَ عَنْ تَكْلِيفِ مِثْلِ هَذَا، وَاغْتُفِرَ اقْتِدَاءً بِمَا وَرَدَ كَمَا أَنَّ كُلًّا مِنْ صَلَاةِ عُسْفَانَ وَذَاتِ الرِّقَاعِ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَا يُفْسِدُ عِنْدَ الْأَمْنِ، وَلَكِنْ جَازَ ذَلِكَ فِي الْخَوْفِ لِوُرُودِهِ وَمِنْ هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ رُبَّمَا يَذْهَبُ الْفَهْمُ إلَى اسْتِشْكَالِ تَفْضِيلِ غَيْرِهَا عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ) ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ بِمَعْنَى عِبَارَتِهِ السَّابِقَةِ لِأَنَّ وُقُوفَ فِرْقَةٍ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِذَا قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَارَقَتْهُ) يُرِيدُ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ هَذَا وَإِنْ جَازَتْ الْمُفَارَقَةُ عَقِبَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَتَمَّتْ خَرَجَ بِهِ كَيْفِيَّةٌ أُخْرَى، رَوَاهَا ابْنُ عُمَرَ هِيَ ذَهَابُهَا إلَى الْعَدُوِّ مُصَلِّيَةً سَاكِتَةً وَتَجِيءُ الْأُخْرَى فَتُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَةً وَيُسَلِّمُ، ثُمَّ تَقْضِي كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، وَهِيَ مَفْضُولَةٌ، وَقِيلَ مُمْتَنِعَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِمَامُ مُنْتَظِرٌ) لَوْ تَرَكَ الِانْتِظَارَ وَرَكَعَ فَأَدْرَكُوهُ فِيهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ كَمَا فِي الْأَمْنِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَأَتَمُّوا ثَانِيَتَهُمْ) وَيَقْرَءُونَ
رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَاتِ الرِّقَاعِ)
رَوَاهَا الشَّيْخَانِ أَيْضًا (وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ) صَلَاةِ (بَطْنِ نَخْلٍ) لِسَلَامَتِهَا عَمَّا فِي تِلْكَ مِنْ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَالثَّانِي عَكْسُهُ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي بَعْضِهَا.
وَبَطْنُ نَخْلٍ، وَذَاتُ الرِّقَاعِ مَوْضِعَانِ مِنْ نَجْدٍ.
(وَيَقْرَأُ الْإِمَامُ فِي انْتِظَارِهِ) الْفِرْقَةَ (الثَّانِيَةَ) فِي الْقِيَامِ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ.
(وَيَتَشَهَّدُ) فِي انْتِظَارِهَا فِي الْجُلُوسِ وَبَعْدَ لُحُوقِهَا فِي الْقِيَامِ يَقْرَأُ مِنْ السُّورَةِ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ قَصِيرَةٍ ثُمَّ يَرْكَعُ.
(وَفِي قَوْلٍ يُؤَخِّرُ) الْقِرَاءَةَ وَالتَّشَهُّدَ (لِتَلْحَقَهُ) فَتُدْرِكَهُمَا مَعَهُ وَيَشْتَغِلَ هُوَ بِمَا شَاءَ مِنْ الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ إلَى لُحُوقِهَا، وَقَطَعَ بَعْضُهُمْ بِالْأَوَّلِ، وَالْقَطْعُ بِهِ فِي التَّشَهُّدِ هُوَ الرَّاجِحُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي أُخِّرَتْ الْقِرَاءَةُ لَهُ فِي قَوْلٍ التَّسْوِيَةُ فِي الْفِرْقَتَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ بِهِمَا، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَجِيءُ فِي الصَّلَاةِ الثُّنَائِيَّةِ.
(فَإِنْ صَلَّى مَغْرِبًا فَبِفِرْقَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَكْسِهِ) الْجَائِزِ أَيْضًا (فِي الْأَظْهَرِ) لِسَلَامَتِهِ مِنْ التَّطْوِيلِ فِي عَكْسِهِ بِزِيَادَةِ تَشَهُّدٍ فِي أُولَى الثَّانِيَةِ، وَالثَّانِي عَكْسُهُ أَفْضَلُ لِتَنْجَبِرَ بِهِ الثَّانِيَةُ عَمَّا فَاتَهَا مِنْ فَضِيلَةِ التَّحَرُّمِ.
(وَيَنْتَظِرُ) الْإِمَامُ فِي صَلَاتِهِ بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ الثَّانِيَةَ (فِي) جُلُوسِ (تَشَهُّدِهِ أَوْ قِيَامِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ) أَيْ انْتِظَارُهُ فِي الْقِيَامِ (أَفْضَلُ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلتَّطْوِيلِ بِخِلَافِ جُلُوسِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي انْتِظَارُهُ فِي الْجُلُوسِ أَفْضَلُ لِيُدْرِكُوا مَعَهُ الرَّكْعَةَ مِنْ أَوَّلِهَا كَالْفِرْقَةِ الْأُولَى، وَتَبِعَ الشَّيْخَ هُنَا الْمُحَرَّرَ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ وَجْهَيْنِ، وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي حِكَايَتِهِ قَوْلَيْنِ وَهَلْ يَقْرَأُ الْإِمَامُ فِي انْتِظَارِهِ فِي الْقِيَامِ أَوْ يَشْتَغِلُ بِالذِّكْرِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَكَذَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ يَتَشَهَّدُ فِي انْتِظَارِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ إنَّ الْفِرْقَةَ الْأُولَى إنَّمَا تُفَارِقُهُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ
[حاشية قليوبي]
الْأَفْعَالُ الْكَثِيرَةُ بِلَا ضَرُورَةٍ لِقِيَامِ الْخَوْفِ.
قَوْلُهُ: (قَامُوا) وَلَوْ فَوْرًا وَيُنْدَبُ لَهُمْ كَالْفِرْقَةِ الْأُولَى التَّخْفِيفُ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُنْتَظِرٌ لَهُمْ) أَيْ فِي الْقِيَامِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ مِنْ بَطْنِ نَخْلٍ) أَيْ وَمِنْ عُسْفَانَ أَيْضًا، وَقَوْلُ الْمَنْهَجِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّتِهَا فِي الْجُمْلَةِ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْفِرْقَةَ الْأُولَى فِيهَا نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ وَقَدْ مَنَعَهَا فِي الْأَمْنِ أَبُو حَنِيفَةَ مُطْلَقًا وَأَحْمَدُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ مَمْنُوعَةٌ إجْمَاعًا، فَإِنْ أَرَادَ بِالْجُمْلَةِ الرَّكْعَةَ الْأُولَى لِكُلٍّ مِنْ الْفِرْقَتَيْنِ، وَرُدَّ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مَوْجُودٌ فِي الْفِرْقَةِ الْأُولَى بِرَكْعَتَيْهَا فِي صَلَاةِ بَطْنِ نَخْلٍ، وَفِيمَنْ سَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ عُسْفَانَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِسَلَامَتِهَا إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَلْقَمِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ الْفَرْقِ تَفْضِيلُ عُسْفَانَ عَلَى بَطْنِ نَخْلٍ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا قَالُوهُ.
وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَشَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَمُحَصَّلُ مَا قَالَاهُ أَنَّ ذَاتَ الرِّقَاعِ أَفْضَلُ الْجَمِيعِ، وَأَنَّ بَطْنَ نَخْلٍ أَفْضَلُ مِنْ عُسْفَانَ لِعَدَمِ اشْتِمَالِهَا عَلَى مُبْطِلٍ فِي الْأَمْنِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ اقْتِدَاءَ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فِي الْمُعَادَةِ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ عَنْ، شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَقَدْ عَلِمْته.
قَوْلُهُ: (وَذَاتُ الرِّقَاعِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَفُّوا أَقْدَامَهُمْ فِيهَا بِالْخِرَقِ لَمَّا تَقَطَّعَتْ جُلُودُهَا، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لِوُرُودِ الْحَدِيثِ بِهِ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَ السَّفَرِ إلَيْهَا.
وَقِيلَ لِتَرَقُّعِ رَايَاتِهِمْ فِيهَا، وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِاسْمِ شَجَرَةٍ فِيهَا وَقِيلَ بِاسْمِ جَبَلٍ فِيهِ بَيَاضٌ وَحُمْرَةٌ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَوْضِعَانِ مِنْ نَجْدٍ) أَيْ مِنْ أَرْضِ غَطَفَانَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ الْمُعْجَمِ وَثَانِيهِ الْمُهْمَلِ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَطْعُ بِهِ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ ذَاتُ طَرِيقَتَيْنِ قَاطِعَةٌ، وَهِيَ فِي التَّشَهُّدِ أَرْجَحُ وَحَاكِيَةٌ وَهِيَ فِي الْقِرَاءَةِ أَرْجَحُ.
قَوْلُهُ: (وَمَا ذُكِرَ فِي الصَّلَاةِ الثُّنَائِيَّةِ) وَمِنْهَا الْجُمُعَةُ فَتَصِحُّ كَصَلَاةِ عُسْفَانَ بِسَمَاعِ أَرْبَعِينَ لِلْخُطْبَةِ، وَكَصَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ بِشَرْطِ سَمَاعِ ثَمَانِينَ فَأَكْثَرَ، وَإِحْرَامِ أَرْبَعِينَ مِنْهُمْ فِي كُلٍّ مِنْ الْفِرْقَتَيْنِ، وَيَضُرُّ نَقْصُهُمْ فِي الْفِرْقَةِ الْأُولَى فِي رَكْعَتَيْهَا إلَّا فِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ كَمَا قَالَهُ الْجَوْجَرِيُّ، وَمَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ لِيَكُونَ لِاشْتِرَاطِ سَمَاعِ ثَمَانِينَ فَائِدَةٌ.
وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ النَّقْصُ حَالَ إحْرَامِهِمْ أَيْضًا وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (الْجَائِزِ) أَيْ لَا الْفَاضِلِ الَّذِي يُفْهِمُهُ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لِأَنَّهُ قِيلَ بِكَرَاهَتِهِ.
قَوْلُهُ: (قَوْلَيْنِ) قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الصَّوَابُ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ قَوْلِهِ إلَخْ) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ إرَادَةِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ
[حاشية عميرة]
سِرًّا لِأَنَّهُمْ مُقْتَدُونَ حُكْمًا.
قَوْلُهُ: (بِزِيَادَةِ تَشَهُّدٍ) هَذِهِ الزِّيَادَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ دُونَ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي انْتِظَارُهُ فِي الْجُلُوسِ أَفْضَلُ) أَيْ فَعَلَيْهِ يَسْتَمِرُّ جَالِسًا فَإِذَا أَحْرَمُوا نَهَضَ إلَيْهِمْ مُكَبِّرًا وَيُكَبِّرُونَ مُتَابَعَةً لَهُ قَالَهُ السُّبْكِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَمِنْهُ تَسْتَفِيدُ أَنَّ الشَّخْصَ فِي حَالَةِ الْأَمْنِ إذَا كَبَّرَ وَالْإِمَامُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَقَامَ عَقِبَ إحْرَامِ الْمَأْمُومِ يُطْلَبُ مِنْ الْمَأْمُومِ أَنْ يُكَبِّرَ أَيْضًا مُتَابَعَةً لَهُ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الِانْتِظَارَ إنَّمَا هُوَ بِإِطَالَةِ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ
تَشَهُّدِهِمْ.
(أَوْ) صَلَّى (رُبَاعِيَّةً) بِأَنْ كَانُوا فِي الْحَضَرِ، أَوْ أَرَادُوا الْإِتْمَامَ فِي السَّفَرِ (فَبِكُلٍّ) مِنْ الْفِرْقَتَيْنِ.
(رَكْعَتَيْنِ) وَيَتَشَهَّدُ بِهِمَا وَيَنْتَظِرُ الثَّانِيَةَ فِي جُلُوسِ التَّشَهُّدِ أَوْ قِيَامِ الثَّالِثَةِ، وَهُوَ أَفْضَلُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَلَوْ صَلَّى) بَعْدَ جَعْلِهِمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ (بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً) وَفَارَقَتْهُ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ وَأَتَمَّتْ، وَهُوَ مُنْتَظِرٌ فَرَاغَ الْأُولَى فِي قِيَامِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَفَرَاغَ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ فِي تَشَهُّدِهِ، أَوْ قِيَامَ الثَّالِثَةِ وَفَرَاغَ الثَّالِثَةِ فِي قِيَامِ الرَّابِعَةِ وَفَرَاغَ الرَّابِعَةِ فِي تَشَهُّدِهِ الْآخِرِ فَيُسَلِّمُ بِهَا.
(صَحَّتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ فِي الْأَظْهَرِ) وَالثَّانِي تَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ لِزِيَادَتِهِ عَلَى الِانْتِظَارَيْنِ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ كَمَا سَبَقَ، وَصَلَاةُ الْفِرْقَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ إنْ عَلِمُوا بُطْلَانَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَالثَّالِثُ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ لِمُفَارَقَتِهَا قَبْلَ انْتِصَافِ صَلَاتِهَا عَلَى خِلَافِ الْمُفَارَقَةِ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهَا بَعْدَ الِانْتِصَافِ، وَالرَّابِعُ ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْجَمِيعِ وَأَسْقَطَ قَوْلَ الْمُحَرَّرِ فِي جَوَازِ مَا ذُكِرَ إذَا مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ الَّذِي نَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ عَنْ الْإِمَامِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ فِي الرَّوْضَةِ لَمَّا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُونَ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ، وَبَقِيَّةُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّهُ إنْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ فَهُوَ كَفِعْلِهِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ وَيُقَاسُ بِمَا ذَكَرَ الْمُغْرِبُ إذَا صَلَّى بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً.
(وَسَهْوُ كُلِّ فِرْقَةٍ) مِنْ الْفِرْقَتَيْنِ فِي الثُّنَائِيَّةِ (مَحْمُولٌ فِي أُولَاهُمْ) لِاقْتِدَائِهِمْ فِيهَا وَالْمُقْتَدِي يَحْمِلُ سَهْوَهُ الْإِمَامُ.
(وَكَذَا ثَانِيَةُ الثَّانِيَةِ) سَهْوُهُمْ فِيهَا مَحْمُولٌ (فِي الْأَصَحِّ) لِاسْتِمْرَارِ اقْتِدَائِهِمْ بِانْتِظَارِ الْإِمَامِ لَهُمْ، وَالثَّانِي يَقُولُ انْفَرَدُوا بِهَا حِسًّا.
(لَا ثَانِيَةُ الْأُولَى) لِمُفَارِقَتِهِمْ الْإِمَامَ أَوَّلَهَا.
(وَسَهْوُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (فِي الْأُولَى يَلْحَقُ الْجَمِيعَ) فَتَسْجُدُ الْأُولَى آخِرَ صَلَاتِهَا وَكَذَا الثَّانِيَةُ وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ (وَ) سَهْوُهُ (فِي الثَّانِيَةِ لَا يَلْحَقُ الْأَوَّلِينَ) لِمُفَارِقَتِهِمْ
[حاشية قليوبي]
أَوْ مَعَ الْأَخِيرِ، كَمَا فِي عِبَارَةِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ هُنَا فِيهَا تَشَهُّدُ الْإِمَامِ أَوْ مَعَ الْأَخِيرِ، لِأَنَّهُ مَحَلُّ الِانْتِظَارِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَشَهَّدُ بِهِمَا) أَيْ الْفِرْقَتَيْنِ أَيْ يَكُونَ تَشَهُّدُهُ حَالَةَ اقْتِدَائِهِمَا ثُمَّ تُفَارِقُهُ الْأُولَى وَهُوَ جَالِسٌ يَنْتَظِرُ الثَّانِيَةَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَوْ حَالَ قِيَامِهِ فِي انْتِظَارِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُنْتَظِرٌ فَرَاغَ إلَخْ) الْأَوْلَى وَهُوَ مُنْتَظِرٌ حُضُورَ إلَخْ إلَّا أَنْ يَكُونَ آثَرَ الْفِرْقَةَ الرَّابِعَةَ فَغَلَّبَهَا عَلَى مَنْ قَبْلَهَا وَإِنْ كَانَ مُوَهِّمًا غَيْرَ الْمُرَادِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (صَحَّتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ) وَيُنْدَبُ سُجُودُ السَّهْوِ فِي كُلِّ مَا خَالَفَ الْوَارِدَ مِنْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ لِأَنَّهُ قِيلَ فِيهَا بِالْبُطْلَانِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّحِيحُ إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَسَهْوُ كُلِّ فِرْقَةٍ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ سَهْوَ الْإِمَامِ يَلْحَقُ مَنْ حَضَرَهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ، لَا مَنْ فَارَقَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ سَهْوَ الْقَوْمِ مَحْمُولٌ حَالَ اقْتِدَائِهِمْ وَلَوْ حُكْمًا
[حاشية عميرة]
وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ، بَلْ لَوْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ جَازَ ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي تَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ) قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: تَبْطُلُ بِالِانْتِظَارِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ فَإِنَّ الْأُولَى لَا انْتِظَارَ فِيهَا، وَقَالَ الْجُمْهُورُ بِالِانْتِظَارِ الثَّانِي وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي الثَّالِثَةِ لِمُخَالَفَتِهِ الْوَارِدَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُنْتَظِرِينَ فِيمَا وَرَدَهُمْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ بِخِلَافِ الْمُنْتَظِرِينَ هُنَا، وَأَيْضًا مِنْ جِهَةِ طُولِهِ كَمَا بَيَّنَهُ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ بَطَلَتْ صَلَاةُ الرَّابِعَةِ فَقَطْ إنْ عَلِمَتْ، وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ بَطَلَتْ صَلَاةُ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ إنْ عَلِمَتَا.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي وَصَلَاةُ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ الْمَذْكُورِ فِي الْأُمِّ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ لِزِيَادَتِهِ عَلَى الِانْتِظَارَيْنِ إلَخْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الزِّيَادَةَ بِانْتِظَارٍ ثَالِثٍ لِأَنَّ الْبُطْلَانَ بِالِانْتِظَارِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي الرَّابِعَةِ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ كَمَا عَلِمْت وَإِنَّمَا تَبْطُلُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الرَّابِعَةِ فَقَطْ، وَكَذَا الْإِمَامُ فِيهِمَا بَلْ الْمُرَادُ زِيَادَتُهُ مِنْ حَيْثُ الطُّولِ الْمُخَالِفِ لِمَا وَرَدَ فِي انْتِظَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْوَارِدَ انْتِظَارُهُ فِي قِيَامٍ وَفِي تَشَهُّدٍ، وَهَذَا زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ لَا يَكَادُ يَبِينُ مِنْ كَلَامِهِ إلَّا بِمُرَاجَعَةِ أُصُولِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (لِمُفَارَقَتِهَا إلَخْ) أَرْشَدَك بِهِ إلَى أَنَّ مُرَادَهُ الْأَوَّلُ بِخِلَافِ الرَّابِعَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تُفَارِقْ وَذَلِكَ عِلَّةُ الصِّحَّةِ.
قَوْلُهُ: (تَبْطُلُ صَلَاةُ الْجَمْعِ) الظَّاهِرُ أَنَّ عِلَّةَ هَذَا عَدَمُ الْوُرُودِ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّحِيحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُونَ.
قَوْلُهُ: (كَفِعْلِهِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ) أَيْ فَتَبْطُلُ صَلَاةُ الرَّابِعَةِ فَقَطْ إنْ لَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْفِرْقَتَيْنِ فِي الثُّنَائِيَّةِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ، أَمَّا لَوْ فَرَّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ فَالْحُكْمُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مُسْتَمِرٌّ فِي الْأَرْبَعِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَلَك أَنْ تُدْرِجَهُ فِي كَلَامِهِ، وَثَانِيَةُ الرَّابِعَةِ كَثَانِيَةِ الثَّانِيَةِ، وَثَانِيَةُ الْبَوَاقِي كَثَانِيَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (لِمُفَارَقَتِهِمْ الْإِمَامَ إلَخْ) هَلْ مَبْدَؤُهَا انْتِصَابُ الْإِمَامِ قَائِمًا لِأَنَّ الْجَمِيعَ صَائِرُونَ إلَيْهِ أَمْ رَفْعُ رَأْسِهِ مِنْ السُّجُودِ وَجْهَانِ، قَالَ السُّبْكِيُّ وَمَبْدَؤُهَا نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ اهـ.
وَقَدْ سَلَفَ لَك عَلَى قَوْلِ الْمَتْنِ، فَإِذَا قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَارَقَتْهُ أَنَّ
لَهُ قَبْلَ سَهْوِهِ وَيَلْحَقُ الْآخِرِينَ.
(وَيُسَنُّ حَمْلُ السِّلَاحِ) كَالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَالْقَوْسِ وَالنُّشَّابِ بِخِلَافِ التُّرْسِ وَالدِّرْعِ.
(فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ) الثَّلَاثَةِ مِنْ الصَّلَاةِ احْتِيَاطًا (وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وَقَطَعَ بَعْضُهُمْ بِالْأَوَّلِ وَبَعْضُهُمْ بِالثَّانِي، وَهُمَا فِي الطَّاهِرِ فَالنَّجَسُ كَسَيْفٍ عَلَيْهِ دَمٌ أَوْ سُقِيَ سُمًّا نَجِسًا وَنَبْلٍ بِرِيشِ مَيْتَةٍ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ، وَكَذَا الْبَيْضَةُ الْمَانِعَةُ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْجَبْهَةِ، وَيُكْرَهُ حَمْلُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ أَحَدٌ كَالرُّمْحِ فِي وَسَطِ الْقَوْمِ، وَلَوْ كَانَ فِي تَرْكِ الْحَمْلِ تَعَرُّضٌ لِلْهَلَاكِ ظَاهِرًا وَجَبَ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا، وَيَجُوزُ تَرْكُ الْحَمْلِ لِلْعُذْرِ كَمَرَضٍ أَوْ مَطَرٍ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَوَضْعُ السَّيْفِ مَثَلًا بَيْنَ يَدَيْهِ كَحَمْلِهِ إذَا كَانَ مَدُّ الْيَدِ إلَيْهِ فِي السُّهُولَةِ كَمَدِّهَا إلَيْهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ.
(الرَّابِعُ:) مِنْ الْأَنْوَاعِ بِمَحَلِّهِ (أَنْ يَلْتَحِمَ الْقِتَالُ) فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ تَرْكِهِ بِحَالٍ (أَوْ يَشْتَدَّ الْخَوْفُ) وَإِنْ لَمْ يَلْتَحِمْ الْقِتَالُ فَلَمْ يَأْمَنُوا الْعَدُوَّ لَوْ وَلَّوْا عَنْهُ أَوْ انْقَسَمُوا (فَيُصَلِّي) كُلٌّ مِنْهُمْ (كَيْفَ أَمْكَنَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا) وَلَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ الْوَقْتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] (وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ) اسْتِقْبَالِ (الْقِبْلَةِ) بِسَبَبِ الْعَدُوِّ لِلضَّرُورَةِ، فَلَوْ انْحَرَفَ عَنْهَا بِجِمَاحِ الدَّابَّةِ وَطَالَ الزَّمَانُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ مَعَ اخْتِلَافِ الْجِهَةِ كَالْمُصَلِّينَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَصَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ كَحَالَةِ الْأَمْنِ (وَكَذَا الْأَعْمَالُ الْكَثِيرَةُ) كَالطَّعَنَاتِ وَالضَّرَبَاتِ الْمُتَوَالِيَةِ يُعْذَرُ فِيهَا (لِحَاجَةٍ) إلَيْهَا (فِي الْأَصَحِّ) قِيَاسًا عَلَى مَا فِي الْآيَةِ مِنْ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ وَالثَّانِي لَا لِعَدَمِ وُرُودِ الْعُذْرِ بِهَا، وَالثَّالِثُ يُعْذَرُ فِيهَا بِدَفْعِ أَشْخَاصٍ دُونَ شَخْصٍ وَاحِدٍ لِنُدْرَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي دَفْعِهِ.
(لَا صِيَاحٍ) أَيْ لَا يُعْذَرُ فِيهِ لِعَدَمِ
[حاشية قليوبي]
لَا بَعْدَ مُفَارَقَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ التُّرْسِ وَالدِّرْعِ) فَيُكْرَهُ حَمْلُهُ كَالْجَعْبَةِ، وَكَلَامُهُ مُحْتَمِلٌ لَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ السِّلَاحِ، وَهُوَ مُسْتَثْنًى أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، وَيُرَادُ بِالسِّلَاحِ مَا يَقْتُلُ الْغَيْرَ لَا مَا يَدْفَعُ مُطْلَقًا.
وَالْأَوَّلُ مَا فِي غَيْرِ الْمَجْمُوعِ، وَالثَّانِي مَا فِيهِ كَمَا قَالَهُ الْخَطِيبُ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ حَمْلُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ إلَخْ) بَلْ يَحْرُمُ، إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يُؤْذِي كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ إلَخْ) أَيْ وَلَوْ مُؤْذِيًا أَوْ نَجِسًا وَإِنْ وَجَبَ الْقَضَاءُ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (كَحَمْلِهِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الِاكْتِفَاءُ بِهِ عَنْهُ لَا فِي حُكْمِهِ إذْ قَدْ يَجِبُ الْوَضْعُ حَيْثُ يَحْرُمُ الْحَمْلُ كَالنَّجِسِ.
قَوْلُهُ: (الرَّابِعُ) أَيْ النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ الْأَنْوَاعِ السَّابِقَةِ.
قَوْلُهُ: (بِمَحَلِّهِ) أَيْ مَعَ مَحَلِّهِ بِدَلِيلِ عَدَمِ التَّأْوِيلِ بِمَا يُذْكَرُ كَالْأَنْوَاعِ قَبْلَهُ أَوْ الْبَاءُ ظَرْفِيَّةٌ، أَيْ فِي مَحَلِّهِ رَدًّا عَلَى الْإِسْنَوِيِّ الْقَائِلِ: " بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ "، وَالصَّوَابُ التَّعْبِيرُ بِالثَّالِثِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا مَانِعَ مِنْ إرَادَتِهِمَا مَعًا.
قَوْلُهُ (لَوْ وَلَّوْا إلَخْ) عِلَّةٌ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ أَحَدِ الْأَنْوَاعِ السَّابِقَةِ.
قَوْلُهُ: (فَيُصَلِّي) أَيْ وَلَوْ أَوَّلَ الْوَقْتِ، حَيْثُ وُجِدَ أَيْ بَعْدَ الشُّرُوعِ وَكَذَا قَبْلَهُ، حَيْثُ لَمْ يَرْجُ إلَّا مَنْ فِيهِ كَمَا مَرَّ فَإِنْ رَجَاهُ وَلَوْ بِقَدْرِ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ وَجَبَ التَّأْخِيرُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ) أَيْ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا أَوَّلَ الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ انْحَرَفَ) هُوَ مُحْتَرَزٌ سَبَبَ الْعَدُوِّ.
قَوْلُهُ: (وَطَالَ الزَّمَنُ) أَيْ عُرْفًا فَإِنْ لَمْ يَطُلْ لَمْ يَبْطُلْ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (كَالْمُصَلِّينَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ) . نَعَمْ يُغْتَفَرُ هُنَا التَّقَدُّمُ عَلَى الْإِمَامِ فِي جِهَتِهِ، وَزِيَادَةُ الْمَسَافَةِ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ.
قَوْلُهُ: (وَصَلَاةُ الْجَمَاعَةِ إلَخْ) وَتَقَعُ لَهُمْ سُنَّةً لَا فَرْضًا، كِفَايَةً لِلْعُذْرِ.
كَذَا قَالُوهُ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَرَاجِعْهُ.
نَعَمْ إنْ كَانُوا فِي مَحَلٍّ غَيْرِ مُحْتَاجٍ لِشِعَارٍ فَظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْأَعْمَالُ) وَمِنْهَا النُّزُولُ وَالرُّكُوبُ.
قَوْلُهُ: (لِحَاجَةٍ إلَيْهَا) بِخِلَافِ مَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَلَا يُغْتَفَرُ إنْ كَانَ يَضُرُّ فِي الْأَمْنِ، وَلَوْ انْضَمَّ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ كَمَا لَوْ احْتَاجَ إلَى ضَرْبَةٍ فَقَصَدَ الْأَرْبَعَةَ فَيَضُرُّ شُرُوعُهُ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ إلَى اثْنَيْنِ لَمْ تَضُرَّ الْأَرْبَعَةُ، وَلَوْ احْتَاجَ إلَى ثَلَاثَةٍ فَقَصَدَ سِتَّةً ضَرَّ شُرُوعُهُ فِي الرَّابِعَةِ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى أَرْبَعَةٍ مِنْهَا لَمْ تَضُرَّ كُلُّهَا، لِعَدَمِ قَصْدِ الْمُبْطِلِ.
كَذَا قَالُوا هُنَا وَقِيَاسُ الْأَمْنِ فِيمَا لَوْ قَصَدَ ثَلَاثَ خُطُوَاتٍ حَيْثُ، قَالُوا يَضُرُّ شُرُوعُهُ فِي الْأُولَى أَنَّهُ يَضُرُّ هُنَا كَذَلِكَ، لِأَنَّ غَيْرَ الْمُبْطِلِ مَعَ الْمُبْطِلِ مُبْطِلٌ، فَإِنْ قَالُوا اُغْتُفِرَ هُنَا لِلضَّرُورَةِ، قُلْنَا فَالْوَاجِبُ بِقَدْرِهَا فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (لَا صِيَاحٌ) أَيْ نُطْقٌ بِمُبْطِلِ وَلَوْ بِلَا رَفْعِ
[حاشية عميرة]
الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُ الْمُفَارَقَةِ إلَى الْقِيَامِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ تَرْكُ الْحَمْلِ لِلْعُذْرِ إلَخْ) أَيْ عَلَى قَوْلِ الْوُجُوبِ، وَكَذَا يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ عَلَى قَوْلِ السُّنَّةِ أَيْضًا، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْجَوَازُ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بِمَحَلِّهِ) يَعْنِي أَنَّهُ ذَكَرَ النَّوْعَ وَمَحَلَّهُ، وَقَالَ هُنَا بِمَحَلِّهِ، وَقَالَ فِيمَا سَلَفَ مَا يُذْكَرُ كَأَنَّهُ مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَنْ يَلْتَحِمَ الْقِتَالُ) مَأْخُوذٌ مِنْ الْتِصَاقِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُؤَخَّرُ الصَّلَاةُ عَنْ الْوَقْتِ) فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ إنَّمَا يُرْتَكَبُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَهُوَ حَاصِلُ مَا يُفْهَمُ مِنْ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ، وَأَمَّا بَاقِي الْأَنْوَاعِ فَالظَّاهِرُ فِيهَا عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَكَذَا الْأَعْمَالُ الْكَثِيرَةُ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّلَاثُ الْمُتَوَالِيَةُ وَيُحْتَمَلُ الْكَثْرَةُ عُرْفًا.
الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(وَيُلْقِي السِّلَاحَ إذَا دَمِيَ) حَذِرًا مِنْ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا أَوْ يَجْعَلُهُ فِي قِرَابِهِ تَحْتَ رِكَابِهِ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ إنْ احْتَمَلَ الْحَالُ ذَلِكَ (فَإِنْ عَجَزَ) عَمَّا ذُكِرَ شَرْعًا بِأَنْ احْتَاجَ إلَى إمْسَاكِهِ (أَمْسَكَهُ وَلَا قَضَاءَ) لِلصَّلَاةِ حِينَئِذٍ (فِي الْأَظْهَرِ) .
وَنَقَلَ الْإِمَامُ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَقْضِي لِنَدُورَ عُذْرِهِ أَيْ دَمِيَ السِّلَاحُ، وَمَنَعَ لَهُمْ نَدُورُهُ، وَقَالَ: هُوَ عَامٌّ، وَخَرَّجَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ، وَقَالَ: هَذِهِ أَوْلَى بِنَفْيِ الْقَضَاءِ لِلْقِتَالِ الَّذِي احْتَمَلَ لَهُ الِاسْتِدْبَارَ وَغَيْرَهُ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَجَعَلَ الْأَقْيَسَ نَفْيَ الْقَضَاءِ وَالْأَشْهَرَ وُجُوبَهُ، وَاقْتَصَرَ فِي الْمُحَرَّرِ عَلَى الْأَقْيَسِ، وَلَمْ يَزِدْ فِي الرَّوْضَةِ عَلَى كَلَامِ الْإِمَامِ شَيْئًا وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَبْلَهُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ الْقَطْعُ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ.
(وَإِنْ عَجَزَ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْمَأَ) بِهِمَا (وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ) مِنْ الرُّكُوعِ فِي الْإِيمَاءِ بِهِمَا (وَلَهُ ذَا النَّوْعُ) أَيْ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ (فِي كُلِّ قِتَالٍ وَهَزِيمَةٍ مُبَاحَيْنِ) أَيْ لَا إثْمَ فِيهِمَا كَقِتَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ لِأَهْلِ الْبَغْيِ وَقِتَالِ الرُّفْقَةِ لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ بِخِلَافِ عَكْسِهِمَا وَكَهَرَبِ الْمُسْلِمِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ مِنْ الثَّلَاثَةِ بِخِلَافِ مَا دُونَهَا.
(وَهَرَبٍ مِنْ حَرِيقٍ وَسَيْلٍ وَسَبُعٍ) إذَا لَمْ يَجِدْ مَعْدِلًا عَنْهُ.
(وَغَرِيمٍ عِنْدَ الْإِعْسَارِ وَخَوْفِ حَبْسِهِ) بِأَنْ لَا يُصَدِّقَهُ الْمُسْتَحِقُّ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ.
(وَالْأَصَحُّ مَنْعُهُ لِمُحْرِمٍ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ) بِفَوْتِ وُقُوفِ عَرَفَةَ لَوْ صَلَّى مُتَمَكِّنًا لِأَنَّهُ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ مَا هُوَ حَاصِلٌ كَفَوْتِ النَّفْسِ، وَالثَّانِي يَقُولُ الْحَجُّ بِالْإِحْرَامِ
[حاشية قليوبي]
صَوْتٍ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ) أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ فَتَبْطُلُ بِهِ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ كَرَدِّ خَيْلٍ أَوْ لِيَعْرِفَ أَنَّهُ فُلَانٌ، بَلْ وَإِنْ وَجَبَ كَتَنْبِيهِ مَنْ يُرَادُ قَتْلُهُ أَوْ خَوْفِ وُقُوعِهِ فِي مُهْلِكٍ.
وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ عَدَمُ الْبُطْلَانِ مَعَ الْحَاجَةِ، وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ كَإِمْسَاكِ السِّلَاحِ النَّجِسِ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ، وَصِيَاحٌ مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلَى الْأَعْمَالِ.
وَكَلَامُ الشَّارِحِ يُصَرِّحُ بِهِ، وَقِيلَ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى تَرْكِ وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ لِإِفَادَتِهِ الشَّأْنَ الْمَذْكُورَ سَابِقًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَجْعَلُهُ) أَيْ فَوْرًا وَيُغْتَفَرُ حَمْلُهُ زَمَنَ جَعْلِهِ لِلضَّرُورَةِ وَإِنْ زَادَ عَلَى زَمَنِ الْإِلْقَاءِ، وَالْبَيْضَةُ الْمَانِعَةُ مِنْ السُّجُودِ كَالسِّلَاحِ الْمُتَنَجِّسِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ يَقْضِي) هُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَنَقْلُ الْأَصْحَابِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُعْتَرِضٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْلَى بِنَفْيِ الْقَضَاءِ) أَيْ عَلَى الْمَرْجُوحِ هُنَاكَ كَمَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَشْهَرَ) هُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فَلَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ عَنْ الْأَصْحَابِ.
قَوْلُهُ: (وَالسُّجُودُ) يَصِحُّ نَصْبُهُ وَرَفْعُهُ، وَكَوْنُهُ أَحَفْضَ وُجُوبًا.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ إلَخْ) إنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعُهَا، وَلَوْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَكَذَا إنْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَلَمْ يَرْجُ الْأَمْنَ فِي بَقِيَّةِ الْوَقْتِ، وَإِلَّا فَعِنْدَ ضِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا إثْمَ فِيهِمَا) فَالْمُرَادُ بِالْمُبَاحِ غَيْرُ الْحَرَامِ، وَكَلَامُهُ يُفِيدُ أَنَّ الْبَاغِيَ آثِمٌ بِقِتَالِهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الثَّلَاثَةِ) لَيْسَ قَيْدًا فِي غَيْرِ الصِّنْفِ، وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ نَوْعٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ السَّابِقَةِ قَدَّمَهُ عَلَى هَذَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ حَرِيقٍ) لَا شِدَّةِ حَرٍّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَسَبُعٍ) وَمِثْلُهُ خَوْفُ لُحُوقِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، يَرْجُو الْعَفْوَ عَنْهُ، وَخَوْفُ انْقِطَاعٍ عَنْ رُفْقَةٍ وَخُرُوجٌ مِنْ أَرْضِ مَغْصُوبَةٍ، وَلُحُوقُ دَابَّةٍ شَرَدَتْ أَوْ عَبْدٍ آبِقٍ أَوْ خَاطِفٍ، نَحْوِ نَعْلِهِ إنْ خَافَ ضَيَاعَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا وَلَا يَضُرُّ وَطْءُ نَجَاسَةٍ جَافَّةٍ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ فَارَقَهَا حَالًا، وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، وَإِذَا زَالَ عُذْرُهُ أَتَمَّ صَلَاتَهُ مَكَانَهُ مُسْتَقْبَلًا، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ رُكُوعُهُ وَسُجُودُهُ بِالْإِيمَاءِ كَمَا مَرَّ.
نَعَمْ إنْ تَبَيَّنَ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ نَحْوِ السَّبُعِ إلَيْهِ، لَزِمَهُ الْقَضَاءُ كَمَا يَأْتِي فِي الْعَدُوِّ وَيُؤْخَذُ مِنْ الْإِلْحَاقِ فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمَأْمُومَ قَطْعُ قُدْوَتِهِ عَنْ الْإِمَامِ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بُعْدُ مَسَافَتِهِ عَنْهُ، وَلَا تَأَخُّرُهُ عَنْهُ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ وَالْخَطِيبُ وَابْنُ قَاسِمٍ وَغَيْرُهُمْ، وَخَالَفَهُمْ شَيْخُنَا فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ مَنْعُهُ لِمُحْرِمٍ بِالْحَجِّ) خَرَجَ بِهِ مَرِيدُ الْإِحْرَامِ.
قَوْلُهُ: (فَوْتَ الْحَجِّ) خَرَجَ بِهِ الْعُمْرَةُ لِتَيَسُّرِ قَضَائِهَا بَلْ لِعَدَمِ فَوَاتِهَا،
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ) لَوْ احْتَاجَ إلَى إنْذَارِ أَحَدٍ مِمَّنْ يُرِيدُ الْكَافِرُ الْفَتْكَ بِهِ فَيَحْتَمِلُ اغْتِفَارُهُ عَدَمَ الْقَضَاءِ، وَيَحْتَمِلُ وُجُوبَ الْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ: (شَرْعًا) رَدٌّ لِمَا يُقَالُ التَّعْبِيرُ بِالْعَجْزِ غَيْرُ صَوَابٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي الْأَظْهَرِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هَذَا تَخْرِيجُ الْإِمَامِ وَمُقَابِلُهُ هُوَ الْمَنْصُوصُ وَالْمَنْقُولُ عَنْ الْأَصْحَابِ، فَعَلَى الْمُصَنِّفِ اعْتِرَاضَانِ حِكَايَةُ الْقَوْلَيْنِ وَمُخَالَفَةُ الْمَنْصُوصِ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ.
قَوْلُهُ: (أَيْ دَمِيَ السِّلَاحُ) جَعَلَ الْإِسْنَوِيُّ دَمِيَ السِّلَاحُ مِنْ الْعَامِّ، وَعَلَّلَ الْقَضَاءَ بِنُدْرَةِ الْقِتَالِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (أَيْ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ) أَيْ بِلَا إعَادَةٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي كُلِّ قِتَالٍ إلَخْ) يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا إذَا كَانَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ يَرْجُو الْعَفْوَ عَنْهُ لَوْ سَكَنَ غَلِيلُ الْوَلِيِّ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَيْ لَا إثْمَ فِيهِمَا أَيْ لِيَشْمَلَ الْمُبَاحَ الْوَاجِبَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْجَائِزِ.
قَوْلُهُ: (أَحَدُهُمَا
كَالْحَاصِلِ وَالْفَوَاتُ طَارٍّ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ وَيُحَصِّلُ الْوُقُوفَ لِأَنَّ قَضَاءَ الْحَجِّ صَعْبٌ وَقَضَاءُ الصَّلَاةِ هَيِّنٌ وَالثَّانِي يُصَلِّي مُتَمَكِّنًا وَيُفَوِّتُ الْحَجَّ لِعِظَمِ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا أَشْبَهُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ وَأَقْرَبُ فِي الصَّغِيرِ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ الصَّوَابُ الْأَوَّلُ (وَلَوْ صَلَّوْا) هَذَا النَّوْعَ (لِسَوَادٍ ظَنُّوهُ عَدُوًّا فَبَانَ) بِخِلَافِ ظَنِّهِمْ كَإِبِلٍ أَوْ شَجَرٍ (قَضَوْا فِي الْأَظْهَرِ) لِتَرْكِهِمْ فُرُوضًا مِنْ الصَّلَاةِ بِظَنِّهِمْ الَّذِي تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ وَالثَّانِي لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ لِوُجُودِ الْخَوْفِ عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] وَسَوَاءٌ فِي جَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ كَانُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَمْ دَارِ الْإِسْلَامِ اسْتَنَدَ ظَنُّهُمْ إلَى إخْبَارٍ أَمْ لَا، وَقِيلَ إنْ كَانُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَمْ يَسْتَنِدْ ظَنُّهُمْ إلَى إخْبَارٍ وَجَبَ الْقَضَاءُ قَطْعًا.
(فَصْلٌ: يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ بِفَرْشٍ وَغَيْرِهِ) كَلُبْسِهِ وَالتَّدَثُّرِ بِهِ وَاتِّخَاذِهِ سِتْرًا.
رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ حُذَيْفَةَ حَدِيثَ «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْهُ أَيْضًا: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ
[حاشية قليوبي]
كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا تَبَعًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ أَنَّ الْعُمْرَةَ الْمَنْذُورَةَ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ كَالْحَجِّ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (فَوْتَ مَا هُوَ حَاصِلٌ) أَيْ لَهُ فَلَا يُرَدُّ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا بِالْحَجِّ فِي جَوَازِ التَّرْكِ إنْقَاذَ غَرِيقٍ، أَيْ لَيْسَ عَبْدَهُ وَلَا دَابَّتَهُ وَنَحْوَهُمَا، وَخَوْفَ صَائِلٍ أَيْ عَلَى غَيْرِ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، وَخَوْفَ انْفِجَارِ مَيِّتٍ، وَأَمَّا نَحْوُ عَبْدِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ فَهِيَ كَخَطْفِ نَعْلِهِ فِيمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَحَدُهُمَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلَوْ أَعْوَامًا.
قَوْلُهُ: (هَذَا النَّوْعَ) وَكَذَا مَا قَبْلَهُ مِمَّا يَمْتَنِعُ فِي الْأَمْنِ قَوْلُهُ: (ظَنُّوهُ عَدُوًّا) وَلَوْ بِخَيَرِ عَدْلٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ، الشَّامِلِ لِلشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ ظَنِّهِمْ إلَخْ) وَكَذَا يَجِبُ الْقَضَاءُ لَوْ بَانَ كَمَا ظَنُّوا أَنَّهُ عَدُوٌّ لَكِنْ ظَهَرَ بَيْنَهُمْ مَانِعٌ كَخَنْدَقٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ حِصْنٍ أَوْ بَانَ الْعَدُوُّ، قَدْرَ ضِعْفِهِمْ فَأَقَلَّ.
نَعَمْ لَوْ بَانَ أَنَّ قَصْدَ الْعَدُوِّ الصُّلْحُ فَلَا قَضَاءَ لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى النِّيَّةِ، فَقَوْلُهُ الَّذِي تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ يَعْنِي بِمَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ مَا يَحِلُّ وَمَا لَا يَحِلُّ مِنْ الْمَلْبُوسِ، الَّذِي مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُقَاتِلُ وَمَا يُذْكَرُ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الرِّجَالِ) جَمْعُ رَجُلٍ، وَهُوَ الذَّكَرُ وَلَوْ احْتِمَالًا، فَيَشْمَلُ الْخُنْثَى الْبَالِغَ الْعَاقِلَ، وَلَوْ كَافِرًا وَإِنْ لَمْ نَمْنَعْهُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ) الشَّامِلِ لِلْقَزِّ، كَمَا يَأْتِي بِمَا يُتَعَارَفُ فِيهِ فِي الْبَدَنِ بِلَا حَائِلٍ بِغِطَاءٍ، أَوْ فَرْشٍ أَوْ لُبْسٍ.
فَشَمِلَ الْجُلُوسَ تَحْتَ نَامُوسِيَّةٍ وَإِنْ بَعُدَتْ أَوْ بُشْخَانَةٍ وَالْغِطَاءَ بِلِحَافٍ، وَلَوْ مَعَ حَائِلٍ تَحْتَهُ، وَخَرَجَ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ عَلَى حَائِلٍ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ رَقِيقًا وَاتِّخَاذُهُ لَا بِقَصْدِ اسْتِعْمَالِ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَالْمَشْيُ عَلَيْهِ وَلَوْ بِغَيْرِ حَائِلٍ وَسَتْرُ حَيَوَانٍ بِهِ، وَيَحْرُمُ سَتْرُ جُدْرَانٍ وَنَحْوِهَا، بِهِ كَسَتْرِ ضَرَائِحِ الْأَوْلِيَاءِ إلَّا الْكَعْبَةَ وَقُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ، نَعَمْ لَا يَحْرُمُ سَتْرُ الْجُدْرَانِ بِهِ فِي أَيَّامِ الزِّينَةِ، بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ الضَّرَرَ وَيَحْرُمُ الْمُرُورُ وَالْفُرْجَةُ عَلَيْهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ.
(تَنْبِيهٌ) يُعْلَمُ مِمَّا هُنَا وَمِمَّا يَأْتِي فِي زَكَاةِ النَّقْدِ أَنَّ الْمَحْمَلَ الْمَشْهُورَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَا تَحِلُّ الْفُرْجَةُ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ كِسْوَةُ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَكَذَا الذَّهَبُ الَّذِي عَلَى الْكِسْوَةِ وَالْبُرْقُعُ.
فَرَاجِعْ ذَلِكَ وَحَرِّرْهُ وَيَحِلُّ لُبْسُ خُلَعِ الْمُلُوكِ، لِمَنْ خَافَ مِنْ تَرْكِهَا ضَرَرًا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَلَا يَحِلُّ غِطَاءُ عِمَامَةٍ.
قَالَ شَيْخُنَا: لِلرَّجُلِ وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ.
وَلَا يَحِلُّ كِتَابَةٌ عَلَيْهِ وَلَوْ لِصَدَاقِ امْرَأَةٍ أَوْ اسْمِهَا وَلَا يَحِلُّ الرَّسْمُ عَلَيْهِ وَتَحِلُّ خِيَاطَتُهُ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ اسْتِعْمَالًا.
[حاشية عميرة]
يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ) أَيْ وُجُوبًا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ قَضَاءَ الْحَجِّ إلَخْ) أَيْ وَلِأَنَّهُ عُهِدَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِمَا هُوَ الْيَسِيرُ مِنْ هَذَا كَمَا فِي الْجُمَعِ، وَلَوْ أَمْكَنَهُ مَعَ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إدْرَاكُ رَكْعَةٍ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَالْمُتَّجِهُ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: (هَذَا النَّوْعَ) مِثْلُهُ كَمَا نَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْبَغَوِيّ صَلَاةُ عُسْفَانَ وَذَاتِ الرِّقَاعِ اهـ. لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ الْبُطْلَانُ فِي صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ بِالْفِرْقَةِ الْأَخِيرَةِ، وَفِي صَلَاة عُسْفَانَ بِغَيْرِ الْإِمَامِ.
[فَصْلٌ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ بِفَرْشٍ وَغَيْرِهِ]
(فَصْلٌ: يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ إلَخْ) قَوْلُهُ: (وَلَا الدِّيبَاجَ) وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْحَرِيرِ، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَيَجُوزُ فِيهِ الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ،
عَلَيْهِ» ، (وَيَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُهُ) لِحَدِيثِ «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْخُنْثَى كَالرَّجُلِ (وَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُ افْتِرَاشِهَا) إيَّاهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْفَرْشِ مَا فِي اللُّبْسِ مِنْ التَّزَيُّنِ لِلزَّوْجِ الْمَطْلُوبِ (وَأَنَّ لِلْوَلِيِّ إلْبَاسُهُ الصَّبِيَّ) إذْ لَيْسَ لَهُ شَهَامَةٌ تُنَافِي خُنُوثَةَ الْحَرِيرِ بِخِلَافِ الرَّجُلِ.
(قُلْت: الْأَصَحُّ حِلٌّ افْتِرَاشِهَا) إيَّاهُ وَبِهِ.
(قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي فِي الصَّبِيِّ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إلْبَاسُهُ الْحَرِيرَ، بَلْ يَمْنَعُهُ مِنْهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَالثَّالِثُ الْأَصَحُّ فِي الشَّرْحِ لَهُ إلْبَاسُهُ قَبْلَ سَبْعِ سِنِينَ دُونَ مَا بَعْدِهَا كَيْ لَا يَعْتَادَهُ، وَتَعَقَّبَهُ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ الْأَصَحَّ الْجَوَازُ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ، قَالَ: وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْأَصْحَابُ عَلَى تَزْيِينِ الصِّبْيَانِ يَوْمَ الْعِيدِ بِحُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْمُصَبَّغِ وَيَلْحَقُ بِهِ الْحَرِيرُ.
(وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ لُبْسُهُ لِلضَّرُورَةِ كَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُهْلِكَيْنِ أَوْ فُجَاءَةِ حَرْبٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَلِلْحَاجَةِ كَجَرَبٍ وَحَكَّةٍ وَدَفْعِ قُمَّلٍ) رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا» ، وَأَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمَا لَمَّا شَكَوَا إلَيْهِ الْقُمَّلَ فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ، وَسَوَاءٌ فِيمَا ذُكِرَ السَّفَرُ
[حاشية قليوبي]
فُرُوعٌ) يَحِلُّ مِنْهُ الْأَزْرَارُ بِالْعَادَةِ، كَالتَّطْرِيفِ الْآتِي وَخَيْطِ خِيَاطَةٍ وَخَيْطِ سُبْحَةٍ لَا شَرَارِيبِهَا، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ جَوَازُ الشَّرَارِيبِ تَبَعًا لِلْخَيْطِ.
وَيَحِلُّ خَيْطُ مُصْحَفٍ وَكِيسِهِ لَا كِيسِ دَرَاهِمَ، وَيَحِلُّ خَيْطُ غِطَاءِ كُوزٍ وَغِطَاؤُهُ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَخَيْطُ مِيزَانٍ وَخَيْطُ مِنْطَقَةٍ وَقِنْدِيلٍ وَلِيقَةِ دَوَاةٍ وَنَحْوِ تِكَّةِ لِبَاسٍ، وَخَيْطُ مِفْتَاحٍ وَيَحِلُّ اتِّخَاذُ وَرَقِ الْكِتَابَةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ اسْتِحَالَةٌ.
وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ حِلُّ مِنْدِيلِ فِرَاشِ الزَّوْجَةِ لِلرَّجُلِ.
قَالَ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ اسْتِعْمَالًا كَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَرِيرِ الْمُتَقَدِّمِ حِلُّهُ لَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (الْحَرِيرِ) وَمِنْهُ الْقَزُّ وَمِثْلُهُ الْمُزَعْفَرُ إنْ صُبِغَ أَكْثَرُهُ وَيُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّدَثُّرِ بِهِ) وَلَوْ مَعَ حَائِلٍ كَمَا مَرَّ إلَّا إنْ كَانَ حَشْوًا وَلَوْ لِمِخَدَّةٍ أَوْ لِحَافٍ، وَمِنْهُ مَا لَوْ خَاطَ ثَوْبًا عَلَى وَجْهِ اللِّحَافِ، أَوْ خَاطَ ثَوْبَ حَرِيرٍ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ حَرُمَ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَاتِّخَاذِهِ سِتْرًا) وَمِنْهُ النَّامُوسِيَّةُ وَنَحْوُهَا كَمَا مَرَّ حَيْثُ عُدَّ مُسْتَعْمِلًا عُرْفًا وَلَوْ مَعَ حَائِلٍ.
(فَائِدَةٌ) اسْتِعْمَالُ الذَّهَبِ كَالْحَرِيرِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعُرْفُ، فَيَحْرُمُ الْجُلُوسُ تَحْتَ السُّقُوفِ الْمُذَهَّبَةِ إنْ حَصَلَ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ شَيْءٌ مِنْهَا، وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي الْأَوَانِي الْمُمَوَّهَةِ، وَأَمَّا النَّعْلُ فَحَرَامٌ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ فِيهَا أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُهُ) وَلَوْ مُزَرْكَشًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَلَوْ فِي الْمَدَارِسِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ النَّوْمُ مَعَهَا وَلَا عُلُوُّهَا وَلَا مُعَانَقَتُهَا مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الثَّوْبِ مَعَهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ لِلْوَلِيِّ) وَلَوْ غَيْرَ أَبٍ وَجَدٍّ إلْبَاسُهُ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ وَالنَّعْلُ مِنْ الْمَلْبُوسِ.
قَوْلُهُ: (حِلُّ افْتِرَاشِهَا) وَمِثْلُهُ تَدَثُّرُهَا.
نَعَمْ يَحْرُمُ فِيهِمَا الْمُزَرْكَشُ بِمَا مَرَّ آنِفًا.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ الْأَصَحَّ الْجَوَازُ مُطْلَقًا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (يَوْمَ الْعِيدِ) أَيْ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَالْمُصَبَّغِ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ الْمَصْبُوغُ.
قَوْلُهُ: (لُبْسُهُ) وَفَرْشُهُ وَالتَّدَثُّرُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (مُهْلِكَيْنِ) الْمُرَادُ ضَرَرٌ لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً وَإِنْ لَمْ يُبَحْ التَّيَمُّمُ.
قَوْلُهُ: (لِلْحَاجَةِ) وَلَوْ بِتَعَمُّمٍ أَوْ تَقَمُّصٍ حَيْثُ لَا إزَارَ، وَمِنْهَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعُ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَحَكَّةٍ) مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ لِأَنَّهَا جَرَبٌ يَابِسٌ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ أَنَّ آذَاهُ غَيْرُهُ، وَلَا يَضُرُّ قُدْرَتُهُ عَلَى إزَالَتِهَا بِدَوَاءٍ مَثَلًا.
قَوْلُهُ:
[حاشية عميرة]
وَأَصْلُهُ دِيبَاهْ بِالْهَاءِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (افْتِرَاشِهَا) مِثْلُهُ التَّدَثُّرُ بِالْأَوْلَى، وَقَوْلُ الشَّارِحِ: لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْفُرُشِ إلَخْ أَيْ كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الْأَكْلُ فِي الْأَوَانِي مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَجْهُ الثَّانِي إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْأَوْجُهُ فِي الصَّبِيِّ جَارِيَةٌ فِي اسْتِعْمَالِ الْحُلِيِّ أَيْضًا، وَنُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الصَّبِيِّ فِي غَيْرِ يَوْمَيْ الْعِيدِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ) اسْتَثْنَى ثَلَاثَ صُوَرٍ حَالَةَ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ وَالْقِتَالِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لُبْسُهُ) أَفْهَمَ جَوَازَ غَيْرِ اللُّبْسِ بِالْأَوْلَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مُهْلِكَيْنِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ مِثْلُ ذَلِكَ الْخَوْفُ عَلَى الْعُضْوِ وَالْمَنْفَعَةُ قَالَ: بَلْ الْمُتَّجِهُ إلْحَاقُ الْأَلَمِ الشَّدِيدِ بِذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَيْدًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَهُ.
(تَنْبِيهٌ) خَطَرَ بِذِهْنِي أَنْ يُقَالَ هَلَّا جُوِّزَ التَّزَيُّنُ بِالْحَرِيرِ فِي الْحُرُوبِ غَيْظًا لِلْكُفَّارِ وَلَوْ وُجِدَ غَيْرُهُ كَتَحْلِيَةِ الْآلَةِ لِأَنَّ بَابَ الْحَرِيرِ أَوْسَعُ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّحْلِيَةَ مُسْتَهْلَكَةٌ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ، وَفِي الْآلَةِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْ الْبَدَنِ بِخِلَافِ التَّزَيُّنِ بِالْحَرِيرِ فِيهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، عَلَى أَنَّ ابْنَ كَجٍّ جَوَّزَ اتِّخَاذَ الْقَبَاءِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَصْلُحُ لِلْقِتَالِ مِنْ الْحَرِيرِ وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ لِلْمَعْنَى السَّابِقِ، وَقَدْ عَلِمْت جَوَابَهُ.
وَالْحَضَرُ.
وَفُجَاءَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمَدِّ وَبِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ.
(وَلِلْقِتَالِ كَدِيبَاجٍ لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ) فِي دَفْعِ السِّلَاحِ قِيَاسًا عَلَى دَفْعِ الْقُمَّلِ
(وَيَحْرُمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ إبْرَيْسَمٍ) أَيْ حَرِيرٍ (وَغَيْرِهِ إنْ زَادَ وَزْنُ الْإِبْرَيْسَمِ وَيَحِلُّ عَكْسُهُ) تَغْلِيبًا لِلْأَكْثَرِ فِيهِمَا.
(وَكَذَا) يَحِلُّ (إنْ اسْتَوَيَا) وَزْنًا (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي يَغْلِبُ الْحَرَامُ وَإِبْرَيْسَمٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَبِكَسْرِهِمَا وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ.
(وَيَحِلُّ مَا طُرِّزَ أَوْ طُرِّفَ بِحَرِيرٍ قَدْرَ الْعَادَةِ) فِي التَّطْرِيفِ وَقَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ فِي الطِّرَازِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ حَرُمَ، رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ» ، وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ لَهُ جُبَّةٌ يَلْبَسُهَا لَهَا لِبْنَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ وَفَرْجَاهَا مَكْفُوفَانِ بِالدِّيبَاجِ» ، وَاللِّبْنَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا نُونٌ رُقْعَةٌ فِي جَيْبِ الْقَمِيصِ أَيْ طَوْقِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد «مَكْفُوفَةُ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ» ، وَالْمَكْفُوفُ الَّذِي جُعِلَ لَهُ كُفَّةٌ بِضَمِّ الْكَافِ، أَيْ سِجَافٌ.
(وَ) يَحِلُّ (لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا) كَالطَّوَافِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ لُبْسِهِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ فَرْضٌ فَيَحْرُمُ لِقَطْعِهِ الْفَرْضَ بِخِلَافِ النَّفْلِ
[حاشية قليوبي]
وَلِلْقِتَالِ) وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْفَجْأَةِ فَهُوَ أَعَمُّ، وَمَا فِي ابْنِ حَجَرٍ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ.
قَوْلُهُ: (كَدِيبَاجٍ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَجِيمُهُ بَدَلٌ مِنْ هَاءٍ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّدْبِيجِ، وَهُوَ النَّقْشُ وَالتَّحْسِينُ وَجَمْعُهُ دَيَابِيجُ أَوْ دَبَابِيجُ.
قَوْلُهُ: (إنْ زَادَ وَزْنُ الْإِبْرَيْسَمِ) وَلَوْ احْتِمَالًا لِأَنَّهُ لَيْسَ طَارِئًا عَلَى الثَّوْبِ، وَلِذَلِكَ لَوْ شَكَّ فِي زِيَادَةِ وَزْنِ الْمُطَرَّزِ لَمْ يَحْرُمْ كَمَا فِي الضَّبَّةِ وَلَفْظُ الْإِبْرَيْسَمِ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَهُوَ مَا تَمُوتُ دُودَتُهُ فِيهِ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْهُ حَيَّةً فَهُوَ الْقَزُّ، وَاسْمُ الْحَرِيرِ يَعُمُّهُمَا.
قَوْلُهُ: (يَحِلُّ إنْ اسْتَوَيَا وَزْنًا فِي الْأَصَحِّ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ مَعَ التَّفْسِيرِ نَظَرًا لِأَصْلِهِ مَعَ التَّعْظِيمِ.
قَوْلُهُ: (مَا طُرِّزَ أَوْ طُرِّفَ بِحَرِيرٍ) خَرَجَ مَا طُرِّزَ أَوْ طُرِّفَ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فَحَرَامٌ مُطْلَقًا، كَالْمَنْسُوجِ بِهِمَا نَعَمْ لَا يَحْرُمُ لُبْسُ نَحْوِ شَاشٍ فِي طَرَفِهِ: نَحْوِ قَصَبٍ لَمْ يَحْصُلْ بِوَضْعِهِ عَلَى النَّارِ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ مَنْسُوجًا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فِي التَّطْرِيفِ) وَهُوَ التَّسْجِيفُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ وَزْنٌ بَلْ عَادَةُ أَمْثَالِهِ، فَلَوْ فَعَلَهُ زَائِدًا لَزِمَهُ قَطْعُهُ، وَلَا يَسْقُطُ الْقَطْعُ بِبَيْعِهِ لِمَنْ هُوَ عَادَتُهُ كَمَا لَوْ بَاعَ كَافِرٌ دَارًا بَنَاهَا عَالِيَةً لِمُسْلِمٍ، وَلَوْ اشْتَرَى زَائِدًا عَلَى عَادَةِ أَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَطْعُ لِأَنَّهُ دَوَامٌ كَمَا لَوْ اشْتَرَى كَافِرٌ دَارًا عَالِيَةً مِنْ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْرُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ) أَيْ عَرْضًا وَلَوْ احْتِمَالًا وَإِنْ زَادَ طُولًا.
قَوْلُهُ: (فِي الطِّرَازِ) وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْوَزْنُ وَأَصْلُهُ مَا عَلَى الْكَتِفِ.
وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَعَمُّ الشَّامِلُ لِمَا فِي دَاخِلِ الثَّوْبِ وَخَارِجِهِ وَلَوْ بِالْإِبْرَةِ وَسَوَاءٌ فِي الْمَنْسُوجِ مَا لَحْمَتُهُ الْحَرِيرُ أَوْ سُدَاهُ أَوْ بَعْضُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَخَرَجَ بِالْحَرِيرِ الْكَتَّانُ وَالْقُطْنُ وَالصُّوفُ وَنَحْوُهَا وَإِنْ غَلَّتْ أَثْمَانُهَا عَنْهُ.
(فُرُوعٌ) تُسَنُّ الْعَذَبَةُ بِطَرَفِ الْعِمَامَةِ وَكَوْنُهَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ وَلَا يُكْرَهُ تَرْكُهَا وَيَحْرُمُ إطَالَتُهَا فَاحِشًا، وَيُسَنُّ فِي كُمِّ الرَّجُلِ إلَى رُسْغِهِ وَفِي ذَيْلِهِ إلَى نِصْفِ سَاقِهِ وَيُكْرَهُ زِيَادَتُهُ عَلَى الْكَعْبِ وَيَحْرُمُ مَعَ الْخُيَلَاءِ وَفِي كُمِّ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى مَا يَحْصُلُ بِهِ احْتِيَاطُ السَّتْرِ، وَفِي ذَيْلِهَا زِيَادَةٌ نَحْوُ رُبْعِ ذِرَاعٍ عَنْ الْكَعْبِ وَيُنْدَبُ التَّقَنُّعُ وَالتَّسَرْوُلُ وَالْإِزَارُ وَلَوْ لِلرِّجَالِ، وَيَحْرُمُ إفْرَاطُ سَعَةِ الْأَكْمَامِ أَوْ الثِّيَابِ أَوْ طُولِهَا مَعَ الْخُيَلَاءِ، وَيُكْرَهُ بِغَيْرِهَا إلَّا لِمَنْ صَارَتْ شِعَارًا لَهُ لِنَحْوِ عِلْمٍ، بَلْ يُنْدَبُ إنْ كَانَ سَبَبًا لِامْتِثَالِ أَمْرٍ أَوْ اجْتِنَابِ نَهْيٍ وَيُنْدَبُ التَّعَمُّمُ قَائِمًا وَالتَّسَرْوُلُ جَالِسًا لِأَنَّ عَكْسَهُمَا يُورِثُ الْفَقْرَ وَالنِّسْيَانَ، وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ أَوْ خُفٍّ وَاحِدٍ وَالِانْتِعَالُ قَائِمًا لِغَيْرِ نَحْوَ مَدَاسٍ خَشْيَةَ السُّقُوطِ.
وَيُنْدَبُ خَلْعُ النَّعْلِ أَوْ الْخُفِّ لِلْجُلُوسِ وَجَعْلُهُ فِي غَيْرِ أَمَامِهِ إلَّا لِخَوْفٍ عَلَيْهِ.
(فَائِدَةٌ) لَمْ يَتَحَرَّرُ فِي طُولِ عِمَامَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ إزَارُهُ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَنِصْفًا تَقْرِيبًا فِي عَرْضِ ذِرَاعَيْنِ تَقْرِيبًا.
وَكَذَا رِدَاؤُهُ وَقِيلَ كَانَ سِتَّةَ أَذْرُعٍ فِي عَرْضِ ثَلَاثَةٍ وَكُلُّهَا مِنْ صُوفٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ) أَيْ الْمُتَنَجِّسِ لِمَا يَأْتِي، وَكَاللُّبْسِ
[حاشية عميرة]
فَائِدَةٌ) تَجُوزُ كِتَابَةُ الصَّدَاقِ فِي الْحَرِيرِ كَنَسْجِهِ وَخِيَاطَتِهِ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ عَسَاكِرَ مُفْتِي الشَّامِ، وَتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْبَارِزِيُّ، لَكِنْ أَفْتَى النَّوَوِيُّ بِالتَّحْرِيمِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْكِتَابَةَ اسْتِعْمَالٌ مِنْ الْكُتَّابِ لِلْحَرِيرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ إبْرَيْسَمٍ) قَالَ فِي الْكِفَايَةِ هُوَ الَّذِي حَلَّ مِنْ عَلَى الدُّودَةِ بَعْدَ مَوْتِهَا فِيهِ، وَالْقَزُّ مَا قَطَعَتْهُ وَخَرَجَتْ مِنْهُ حَيَّةً فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَلُّهُ، وَيُغْزَلُ كَالْكَتَّانِ، قَالَ: كَذَا رَأَيْته فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْإِبْرَيْسَمُ) فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَكَذَا إنْ اسْتَوَيَا فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْإِبَاحَةُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ طُرِّفَ إلَخْ) الْمُطَرَّفُ هُوَ الَّذِي جُعِلَ فِي طَرَفِهِ حَرِيرٌ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: سَوَاءٌ كَانَ مِنْ خَارِجٍ أَمْ مِنْ دَاخِلٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (النَّجِسِ) أَيْ الْمُتَنَجِّسِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الطَّهَارَةِ تَشُقُّ خُصُوصًا
(لَا جِلْدُ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ) أَيْ لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ (إلَّا لِضَرُورَةٍ كَفَجْأَةِ قِتَالٍ) وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي حَيَاتِهِ بِحَالٍ، وَكَذَا الْكَلْبُ إلَّا لِأَغْرَاضٍ مَخْصُوصَةٍ فَبَعْدَ مَوْتِهِمَا أَوْلَى.
(وَكَذَا جِلْدُ الْمَيْتَةِ) لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ.
(فِي الْأَصَحِّ) كَجِلْدِ الْكَلْبِ وَالثَّانِي يَحِلُّ مُطْلَقًا بِخِلَافِ جِلْدِ الْكَلْبِ لِغِلَظِ نَجَاسَتِهِ.
(وَيَحِلُّ الِاسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ عَلَى الْمَشْهُورِ) سَوَاءٌ عَرَضَتْ لَهُ النَّجَاسَةُ كَالزَّيْتِ أَمْ لَا كَوَدَكِ الْمَيْتَةِ، وَالثَّانِي لَا لِمَا يُصِيبُ بَدَنَ الْإِنْسَانِ وَثِيَابَهُ مِنْ الدُّخَانِ عِنْدَ الْقُرْبِ مِنْ السِّرَاجِ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ قَلِيلٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي بَيَانِ الْمُشْكِلِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ: إنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَأَلْقُوهُ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ، أَوْ فَانْتَفِعُوا بِهِ» وَقَالَ: إنَّ رِجَالَهُ ثِقَاتٌ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ " اسْتَصْبِحُوا بِهِ وَلَا تَأْكُلُوهُ " وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
[حاشية قليوبي]
الِافْتِرَاشُ وَالتَّدَثُّرُ بِهِ وَتَوَسُّدُهُ وَلَوْ فِي مَسْجِدٍ كَمَا يَأْتِي وَلِغَيْرِ آدَمِيٍّ، نَعَمْ يَحْرُمُ إنْ لَزِمَ تَنَجُّسٌ بِغَيْرِ عَرَقٍ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) هُوَ تَعْمِيمٌ لِيَشْمَلَ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا كَمَا يَدُلُّ لَهُ تَعْلِيلُ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ: لِقَطْعِهِ إلَخْ، وَقِيلَ هُوَ تَعْمِيمٌ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (كَالطَّوَافِ) هُوَ مِثَالٌ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا لَا لِنَحْوِهَا كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ وَلَوْ فَرْضًا وَمِثْلُهُ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ الصَّلَاةِ أَوْ نَحْوِهَا، وَلَوْ أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ لَكَانَ صَوَابًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَنْهَجِ إذْ اللُّبْسُ مِنْ حَيْثُ هُوَ جَائِزٌ، وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ وَالْمَسْجِدِ وَحُرْمَتُهُ فِيهِمَا لِقَطْعِ الْفَرْضِ وَصَوْنِ الْمَسْجِدِ عَنْ النَّجَاسَةِ.
وَالْمُرَادُ بِنَحْوِهَا نَفْلُ صَلَاةِ نَذْرِهِ لِحُرْمَةِ قَطْعِهِ حِينَئِذٍ، وَلَمْ يُمَثِّلْ لَهُ الشَّارِحُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِهِ كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: (لِقَطْعِهِ الْفَرْضَ) مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا عُلِمَ وَبِخِلَافِ النَّفْلِ مُطْلَقًا إلَّا إنْ اسْتَمَرَّ فِيهِ لِتَلَبُّسِهِ بِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ) أَيْ جِلْدِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ لِغَيْرِهِمَا وَلَوْ غَيْرَ آدَمِيٍّ، وَيَحِلُّ لَهُمَا وَخَرَجَ بِلُبْسِهِ افْتِرَاشُهُ وَالتَّدَثُّرُ بِهِ فَهُمَا حَلَالٌ مُطْلَقًا.
وَكَالْجِلْدِ بَقِيَّةُ الْأَجْزَاءِ، فَيَحْرُمُ تَسْمِيدُ الْأَرْضِ وَدَبْغُ الْجِلْدِ بِدُهْنِهِمَا نَعَمْ يَحِلُّ اسْتِعْمَالُ الشِّيتَةِ الْمَعْرُوفَةِ لِمُشْطِ الْكَتَّانِ مَا لَمْ تَكُنْ رُطُوبَةٌ.
قَوْلُهُ: (إلَّا لِضَرُورَةٍ) أَوْ حَاجَةٍ كَمَا مَرَّ فِي الْحَرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا جِلْدُ الْمَيْتَةِ لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ) وَكَذَا لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُ بَقِيَّةِ أَجْزَائِهَا نَعَمْ يَحِلُّ الِامْتِشَاطُ بِمُشْطٍ مِنْ نَحْوَ الْعَاجِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ حَيْثُ لَا رُطُوبَةً، وَمَحَلُّ حُرْمَةُ لُبْسِهِ لِلْآدَمِيِّ وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَوْ فَوْقَ الثِّيَابِ كَفِرَاءِ الذِّئَابِ، وَيَحِلُّ لِغَيْرِ آدَمِيٍّ افْتِرَاشُهُ مُطْلَقًا وَالتَّدَثُّرُ بِهِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ) إلَّا فِي مَسْجِدٍ مُطْلَقًا وَفِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَمَوْقُوفٍ إنْ لَوَّثَ فِيهِمَا وَيَحِلُّ طِلَاءُ السُّفُنِ بِهِ وَإِطْعَامُهُ لِبَهِيمَةٍ وَجَعْلِهِ صَابُونًا مَثَلًا.
(تَنْبِيهٌ) يَجُوزُ تَنْجِيسُ الْبَدَنِ لِغَرَضِ كَعَجْنِ سِرْجِينٍ وَوَطْءِ مُسْتَحَاضَةِ وَإِصْلَاحِ فَتِيلَةٍ فِي زَيْتٍ نَجِسٍ بِنَحْوِ أُصْبُعٍ وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ وَالتَّدَاوِي بِهِ وَيَحِلُّ تَنْجِيسُ مِلْكِهِ كَوَضْعِ زَيْتٍ نَجِسٍ فِي إنَاءٍ طَاهِرٍ مَا لَمْ يُضَيِّعْ بِهِ مَالًا وَتَنْجِيسُ مِلْكِ غَيْرِهِ وَمَوْقُوفٍ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَالْوُقُودِ بِالسِّرْجِينِ فِي الْبُيُوتِ، وَتَرْبِيَةُ نَحْوَ الدَّجَاجِ فِيهَا وَتَسْمِيدُ الْأَرْضِ وَدَبْغُ الْجِلْدِ بِغَيْرِ مُغَلَّظٍ كَمَا مَرَّ.
(فَرْعٌ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: يَحْرُمُ إلْقَاءُ الْقُمَّلَ وَنَحْوَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ حَيًّا لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِمَوْتِهِ فِيهِ وَيَحْرُمُ إلْقَاءُ الْحَيِّ فِي غَيْرِهِ إنْ تَأَذَّى أَوْ آذَى، وَخَالَفَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَجَوَّزَ إلْقَاءَهُ حَيًّا بِلَا أَذًى وَلَوْ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (كَوَدَكِ الْمَيْتَةِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ مُغَلَّظٍ كَمَا مَرَّ.
[حاشية عميرة]
عَلَى الْفَقِيرِ وَفِي اللَّيْلِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَا جِلْدُ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ) لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِمَا.
بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ عِيدِ الْفِطْرِ وَعِيدِ الْأَضْحَى (هِيَ سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ (وَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) نَظَرًا إلَى أَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ تَرَكَهَا أَهْلُ بَلَدٍ قُوتِلُوا عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
(وَتُشْرَعُ جَمَاعَةً) كَمَا فَعَلَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلِلْمُنْفَرِدِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ) وَلَا يَخْطُبُ الْمُنْفَرِدُ وَيَخْطُبُ إمَامُ الْمُسَافِرِينَ.
(وَوَقْتُهَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ) الشَّمْسُ (كَرُمْحٍ) كَمَا فَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ إنَّمَا يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِالِارْتِفَاعِ لِيَنْفَصِلَ عَنْ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، وَدُفِعَ بِأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ أَيْ وَقْتٍ كَمَا تَقَدَّمَ
(وَهِيَ رَكْعَتَانِ يُحْرِمُ بِهِمَا) بِنِيَّةِ عِيدِ الْفِطْرِ أَوْ الْأَضْحَى (ثُمَّ يَأْتِي بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ ثُمَّ سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ) وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» . (يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ ثِنْتَيْنِ كَآيَةٍ مُعْتَدِلَةٍ يُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيُمَجِّدُ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ بِنَحْوِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، (وَيَحْسُنُ) فِي ذَلِكَ (سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
[حاشية قليوبي]
[بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]
ِ الْمُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ وَفِي التَّكْبِيرَاتِ وَإِنْ تَوَالَى وَالْمَطْلُوبُ فِيهَا مَا لَمْ يُطْلَبْ فِي غَيْرِهَا، وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْعِيدُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعَوْدِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعُودُ عَلَى عِبَادِهِ فِيهِ بِالسُّرُورِ كُلَّ عَامٍ، وَلِذَلِكَ طُلِبَ عَقِبَ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ الْمُوجِبَيْنِ لِلْمَغْفِرَةِ مِنْ الذُّنُوبِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ السُّرُورِ.
وَقِيلَ لِعَوْدِهِ فِي كُلِّ عَامٍ.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيُرْسَمُ بِالْيَاءِ فِي مُفْرَدٍ وَجَمْعِهِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ أَعْوَادِ الْخَشَبِ.
قَوْلُهُ: (لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) هَذِهِ عِلَّةُ التَّأْكِيدِ اللَّازِمِ لَهَا السُّنِّيَّةُ، فَهِيَ دَلِيلٌ لَهُمَا وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى السُّنِّيَّةِ بِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَا أَذَانَ لَهَا كَمَا فِي الْأُصُولِ، وَمَشْرُوعِيَّتُهَا كَانَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ كَالْأُضْحِيَّةِ وَأَوَّلُ عِيدٍ صَلَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِيدُ الْفِطْرِ فِيهَا، وَفُرِضَ رَمَضَانُهَا فِي شَعْبَانِهَا وَزَكَاةُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانِهَا الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (جَمَاعَةً) وَلَوْ لِلنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ.
وَكَذَا لِلْحَاجِّ إلَّا فِي مِنًى فَتُنْدَبُ لَهُ فُرَادَى.
قَوْلُهُ (وَيَخْطُبُ إمَامُ الْمُسَافِرِينَ) وَكَذَا غَيْرُهُمْ كَالْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ.
وَكَذَا النِّسَاءُ إنْ أَمَّهُنَّ ذَكَرٌ، وَلَا تَخْطُبُ إمَامَتُهُنَّ فَإِنْ وَعَظَتْهُنَّ وَاحِدَةٌ بِغَيْرِ خُطْبَةٍ فَلَا بَأْسَ.
قَوْلُهُ: (طُلُوعِ الشَّمْسِ) أَيْ ابْتِدَاؤُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ يَوْمٍ يُعَيِّدُ فِيهِ النَّاسُ وَلَوْ فِي ثَانِي شَوَّالٍ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ) فَلَوْ فَعَلَهَا قَبْلَهُ لَمْ تُكْرَهْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافٌ لِابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ) وَلَا يَفُوتُ بِالتَّكْبِيرَاتِ لِنُدْرَتِهَا وَيَفُوتُ بِالتَّعَوُّذِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
قَوْلُهُ: (سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ) وَلَوْ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيُكْرَهُ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْهَا وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ فِي الرَّكْعَةُ الْأُولَى سِتٌّ وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثٌ فِي كُلٍّ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، وَهِيَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَبْلَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ.
وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، فَلَا يُوَافِقُهُ فِي فِعْلِهَا وَلَا يَلْزَمُهُ مُفَارَقَتُهُ، وَلَا تَبْطُلُ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَعَلَى كُلٍّ لَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ شَافِعِيًّا وَتَرَكَهَا إمَامُهُ أَوْ نَقَصَ عَنْهَا وَلَوْ بِغَيْرِ اعْتِقَادِ تَابَعَهُ فِيهِمَا، وَلَوْ زَادَ عَلَيْهَا لَمْ يُتَابِعْهُ فِي الزِّيَادَةِ نَدْبًا وَإِنْ تَابَعَهُ فِي التَّكْبِيرِ لَمْ يَضُرَّ، أَوْ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَعَهُ وَتَوَالَى بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
نَعَمْ لَوْ صَلَّى الْعِيدَ خَلْفَ الصُّبْحِ لَمْ يَتْرُكْهَا الْمَأْمُومُ بِخِلَافِ عَكْسِهِ وَيَأْخُذُ الشَّاكُّ فِي عَدَدِهِ بِالْيَقِينِ.
قَوْلُهُ: (يَقِفُ) أَيْ يَفْصِلُ نَدْبًا وَإِنْ صَلَّى جَالِسًا أَوْ مُضْطَجِعًا فَيُكْرَهُ تَوَالِيهَا وَلَوْ مَعَ الرَّفْعِ، وَلَا
[حاشية عميرة]
بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
قَوْلُهُ: (نَظَرًا إلَى أَنَّهَا إلَخْ) أَيْ فَيُعَدُّ تَرْكُهَا تَهَاوُنًا بِالدِّينِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلِلْمُنْفَرِدِ إلَخْ) لِأَنَّهَا صَلَاةُ نَفْلٍ كَالِاسْتِسْقَاءِ، وَنُقِلَ عَنْ الْقَدِيمِ أَنَّهُ كَالْجُمُعَةِ فِي الشَّرَائِطِ حَتَّى لَا تَصِحُّ لِلْمُنْفَرِدِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْقَوْمِ.
نَعَمْ يُسْتَثْنَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إقَامَتُهَا فِي الْخُطْبَةِ، وَتَقْدِيمُ الْخُطْبَتَيْنِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْعَدَدُ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَوْ تَرَكَهُمَا لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ.
قَوْلُهُ: (وَيَخْطُبُ إمَامُ الْمُسَافِرِينَ) سَكَتَ عَنْ جَمَاعَةِ الْعَبِيدِ وَالْمُتَّجِهُ الْخُطْبَةُ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَالْمُتَّجِهُ فِيهِنَّ أَنْ لَا خُطْبَةَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِهِنَّ.
نَعَمْ إنْ وَعَظَتْهُنَّ وَاحِدَةٌ فَلَا بَأْسَ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته فِي أَمْرِ النِّسْوَةِ قَدْ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِيهِنَّ فِي خُطْبَةِ الْكُسُوفِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (كَمَا فَعَلَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَلِيَزُولَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثُمَّ سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ) لَوْ اقْتَدَى بِمَنْ يَرَى دُونَ ذَلِكَ تَابَعَهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُمَجِّدُ) أَيْ يُعَظِّمُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ) قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَلَا يَقُولُ ذَلِكَ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ اهـ.
وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) وَهِيَ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ (ثُمَّ يَتَعَوَّذُ وَيَقْرَأُ) الْفَاتِحَةَ وَمَا سَيَأْتِي.
(وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ) بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ (خَمْسًا) بِالصِّفَةِ السَّابِقَةِ (قَبْلَ الْقِرَاءَةِ) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.
(وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْجَمِيعِ) السَّبْعِ وَالْخَمْسِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رَوَيْنَاهُ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ، وَيَضَعُ يُمْنَاهُ عَلَى يُسْرَاهُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ (وَلَسْنَ فَرْضًا وَلَا بَعْضًا) فَلَا يُجْبَرُ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْهَا بِالسُّجُودِ (وَلَوْ نَسِيَهَا وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ فَاتَتْ) لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا.
(وَفِي الْقَدِيمِ يُكَبِّرُ مَا لَمْ يَرْكَعْ) فَإِنْ تَذَكَّرَ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ قَطَعَهَا وَكَبَّرَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَهَا، أَوْ بَعْدَهَا كَبَّرَ وَاسْتُحِبَّ اسْتِئْنَافُهَا، فَإِنْ رَكَعَ لَا يَعُودُ إلَى الْقِيَامِ لِيُكَبِّرَ.
(وَيَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى ق وَفِي الثَّانِيَةِ اقْتَرَبَتْ بِكَمَالِهِمَا جَهْرًا) رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ بِ قِ وَاقْتَرَبَتْ» ، وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» . قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فَهُوَ سُنَّةٌ أَيْضًا.
(وَيُسَنُّ بَعْدَهَا خُطْبَتَانِ) رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» ، وَتَكْرِيرُهَا مَقِيسٌ عَلَى الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حَدِيثٌ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ قُدِّمَتْ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا كَالسُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ إذْ قُدِّمَتْ.
(أَرْكَانُهَا كَهِيَ) أَيْ كَأَرْكَانِ الْخُطْبَتَيْنِ (فِي الْجُمُعَةِ) وَهِيَ حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى فِيهِمَا وَقِرَاءَةُ آيَةٍ فِي إحْدَاهُمَا، وَالدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْقِيَامُ، فَإِنْ قَامَ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يُسَنُّ الْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا.
أَمَّا الْجُلُوسُ قَبْلَهُمَا عَلَى الْمِنْبَرِ فَقِيلَ لَا يُسْتَحَبُّ، وَالْأَصَحُّ يُسْتَحَبُّ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَقَبْلَهُ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْجُمُعَةِ.
(وَيُعَلِّمُهُمْ) اسْتِحْبَابًا (فِي) عِيدِ (الْفِطْرِ الْفِطْرَةَ وَ) فِي عِيدِ (الْأَضْحَى الْأُضْحِيَّةَ) أَيْ أَحْكَامَهَا وَالْفِطْرَةُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَهِيَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ بِكَسْرِ الْفَاءِ مُوَلَّدَةٌ وَابْنُ الرِّفْعَةِ كَابْنِ أَبِي الدَّمِ بِضَمِّهَا.
[حاشية قليوبي]
تَبْطُلُ صَلَاتُهُ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ) فِي إضَافَةِ بَيْنَ إلَى كُلِّ تَسَامُحٌ وَخَرَجَ بِهَا مَا قَبْلَ التَّكْبِيرَاتِ وَمَا بَعْدَهَا فَلَا فَصْلَ.
قَوْلُهُ: (كَآيَةِ مُعْتَدِلَةٍ) ضَبَطَهَا بَعْضُهُمْ بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ.
قَوْلُهُ: (وَيُمَجِّدُ) أَيْ يُعَظِّمُ بِتَسْبِيحٍ وَتَحْمِيدٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْسُنُ) فَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَذْكَارِ أَوْلَى مِنْ السُّكُوتِ، وَزَادَ عَلَيْهِ فِي الْعُبَابِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَسِيَهَا) فَالْعَمْدُ أَوْلَى بِالْفَوَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ) بِخِلَافِ التَّعَوُّذِ فَلَا تَفُوتُ بِهِ كَمَا لَا يَفُوتُ الِافْتِتَاحُ بِهَا وَإِنْ فَاتَ بِالتَّعَوُّذِ.
قَوْلُهُ: (فَاتَتْ) وَلَا يَتَدَارَكُهَا فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأُولَى ق إلَخْ) وَفِي تَرْكِهَا مَا فِي الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ (بِكَمَالِهِمَا) وَلَوْ إمَامَ غَيْرِ مَحْصُورِينَ وَفِي بَدَلِهِمَا مَا فِي الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (جَهْرًا) وَلَوْ مُنْفَرِدًا.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ بَعْدَهَا خُطْبَتَانِ) إلَّا بِنَذْرٍ فَيَجِبَانِ، وَيُشْتَرَطُ لَهُمَا حِينَئِذٍ مَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ إلَّا الْعَدَدَ، وَنَحْوَهُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا فَرَاجِعْهُ.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا وُجُوبُ الْقِيَامِ وَحْدَهُ فِي نَذْرِهِمَا وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ قَدَّمَهَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا) بَلْ يَحْرُمُ إنْ قَصَدَهَا لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَاسِدَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْقِيَامُ وَلَا غَيْرُهُ) إلَّا الْإِسْمَاعَ وَالسَّمَاعَ وَكَوْنَهَا عَرَبِيَّةً، وَذُكُورَةَ الْخَطِيبِ، فَتَصِحُّ خُطْبَةُ الْجُنُبِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْآيَةِ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ يُسْتَحَبُّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ بِقَدْرِ جُلُوسِ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ:
[حاشية عميرة]
وَلِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرٍ فِي الصَّلَاةِ يَعْقُبُهُ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ، فَكَذَا هَذَا، فَلَوْ وَالَى كُرِهَ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هِيَ أَعْمَالُ الْخَيْرِ الَّتِي يَبْقَى لِلشَّخْصِ ثَمَرَتُهَا أَبَدًا، وَيَنْدَرِجُ فِيهَا مَا فُسِّرَتْ بِهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَأَعْمَالِ الْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَالْكَلَامِ الطَّيِّبِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَسْنَ فَرْضًا وَلَا بَعْضًا) نُقِلَ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَرْكُهَا وَمُوَالَاتُهَا وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا.
زَادَ السُّبْكِيُّ: وَيُكْرَهُ تَرْكُ وَاحِدَةٍ مِنْهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي الْقَدِيمِ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ مَحَلَّهَا بَاقٍ وَهُوَ الْقِيَامُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي الثَّانِيَةِ اقْتَرَبَتْ) أَيْ يَجْهَرُ وَلَوْ مُنْفَرِدًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ بَعْدَهَا خُطْبَتَانِ) أَيْ وَلَوْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، قَالَهُ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِ الْإِسْنَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْقِيَامُ) أَيْ لِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ كَصَلَاةِ الْعِيدِ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ الْوَقْتُ وَلَا الْأَرْبَعُونَ، قَالَ: وَمُقْتَضَى التَّعْبِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْمِنْهَاجِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْعَرَبِيَّةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالطَّهَارَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ اهـ. قَوْلُهُ:
(يَفْتَتِحُ) اسْتِحْبَابًا (الْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ) وَلَاءٍ (وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعِ وَلَاءً) قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ التَّابِعِينَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَوْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِالْحَمْدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالثَّنَاءِ جَازَ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَثِيرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْخُطْبَةِ وَإِنَّمَا هِيَ مُقَدِّمَةٌ لَهَا، وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ يَفْتَتِحُ الْخُطْبَةَ بِهَا يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ افْتِتَاحَ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بِبَعْضِ مُقَدِّمَاتِهِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ نَفْسِهِ.
(وَيُنْدَبُ الْغُسْلُ) لِلْعِيدِ، رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ لِلْعِيدَيْنِ» ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
(وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ وَفِي قَوْلٍ بِالْفَجْرِ) كَالْجُمُعَةِ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ أَهْلَ الْقُرَى الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ يُبَكِّرُونَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ مِنْ قُرَاهُمْ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ الْغُسْلُ قَبْلَ الْفَجْرِ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ تَأْخِيرُ صَلَاتِهَا وَتَقَدُّمُ صَلَاتِهِ فَعُلِّقَ غُسْلُهُ بِالنِّصْفِ الثَّانِي، وَقِيلَ بِجَمِيعِ اللَّيْلِ (وَ) يُنْدَبُ (التَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنُ كَالْجُمُعَةِ) بِأَنْ يَتَزَيَّنَ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَإِزَالَةِ الظُّفْرِ وَالرِّيحِ الْكَرِيهَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، سَوَاءٌ فِي الْغُسْلِ وَمَا بَعْدَهُ الْقَاعِدُ فِي بَيْتِهِ وَالْخَارِجُ لِلصَّلَاةِ، هَذَا حُكْمُ الرِّجَالِ.
وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيُكْرَهُ لِذَوَاتِ الْجَمَالِ وَالْهَيْئَةِ الْحُضُورُ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْعَجَائِزِ وَيَتَنَظَّفْنَ بِالْمَاءِ وَلَا يَتَطَيَّبْنَ وَيَخْرُجْنَ فِي ثِيَابٍ بِذَاتِهِنَّ.
(وَفِعْلُهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ (بِالْمَسْجِدِ أَفْضَلُ) لِشَرَفِهِ (وَقِيلَ بِالصَّحْرَاءِ) أَفْضَلُ لِأَنَّهَا أَرْفَقُ بِالرَّاكِبِ وَغَيْرِهِ.
(إلَّا لِعُذْرٍ) كَضِيقِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْأَوَّلِ، فَتُكْرَهُ فِيهِ التَّشْوِيشُ بِالزِّحَامِ وَوُجُودِ الْمَطَرِ أَوْ الثَّلْجِ عَلَى الثَّانِي فَتُكْرَهُ فِي الصَّحْرَاءِ عَلَى قِيَاسِ كَرَاهَتِهَا فِي الْمَسْجِدِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْأَصْحَابِ إذَا وَجَدَ مَطَرًا أَوْ غَيْرَهُ وَضَاقَ الْمَسْجِدُ الْأَعْظَمُ صَلَّى الْإِمَامُ فِيهِ وَاسْتَخْلَفَ مَنْ يُصَلِّي بِبَاقِي النَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا: إنَّ
[حاشية قليوبي]
مُوَلَّدَةٌ) أَيْ لَا عَرَبِيَّةٌ وَلَا مُعَرَّبَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَفْصِلُ إلَخْ) وَيُسَنُّ إفْرَادُ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ بِنَفَسٍ وَتَفُوتُ التَّكْبِيرَاتُ بِالشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ وَلَا تُتَدَارَكُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (يَفْتَتِحُ إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّ التَّكْبِيرَاتِ لَيْسَتْ مِنْ الْخُطْبَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ لَهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ السُّنَّةِ إلَخْ) هُوَ قَوْلُ تَابِعِيٍّ وَاحْتُجَّ بِهِ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ فَمَا فِي الْمَنْهَجِ مَرْجُوحٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ (جَازَ) بَلْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّهُ حَسَنٌ وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِالْوَلَاءِ عَدَمُ طُولِ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا عُرْفًا.
(تَنْبِيهٌ) يُطْلَبُ فِي الْقَضَاءِ مَا فِي الْأَدَاءِ مِنْ تَكْبِيرَاتِ الصَّلَاةِ وَطَلَبِ الْخُطْبَةِ إنْ صَلَّوْهَا جَمَاعَةً، وَإِنْ لَمْ تُطْلَبْ وَتَكْبِيرَاتِهَا وَالْجَهْرَ وَالسُّورَتَيْنِ، وَتَعْلِيمُ أَحْكَامِ الْفِطْرَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَيُنْدَبُ الْغُسْلُ) وَلَوْ لِنَحْوِ حَائِضٍ وَذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْدُوبَاتِ الْعِيدِ كَالتَّكْبِيرِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَسَيَأْتِي مَا يُخَالِفُهُ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَأَتْبَاعِهِ وَتَخْرُجُ كُلُّهَا بِالْغُرُوبِ.
قَوْلُهُ: (بِنِصْفِ اللَّيْلِ) وَبَعْدَ الْفَجْرِ أَفْضَلُ وَتَقْرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ أَفْضَلُ وَلَيْسَ هُنَا دَرَجَاتٌ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ لِعَدَمِ النَّصِّ هُنَا.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ أَهْلَ الْقُرَى) وَالْأَوْلَى لَهُمْ إقَامَتُهَا فِي قُرَاهُمْ وَيُكْرَهُ ذَهَابُهُمْ لِغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالتَّطَيُّبُ) بِفَوْقِيَّةٍ أَوَّلِهِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَهِيَ أَوْلَى لِأَنَّهُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ النَّدْبُ وَلِمُنَاسَبَةِ مَا بَعْدَهُ وَمَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّزَيُّنُ كَالْجُمُعَةِ) إلَّا فِي عَشَرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمُرِيدِ التَّضْحِيَةِ نَعَمْ يُنْدَبُ هُنَا أَغْلَى الْمَلْبُوسِ، وَلَوْ غَيْرَ أَبْيَضَ لِإِظْهَارِ النِّعْمَةِ.
وَيُقَدَّمُ عَلَى الْأَبْيَضِ لَوْ وَقَعَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَالْخَارِجُ إلَخْ) نَعَمْ يُرَاعَى الِاسْتِسْقَاءُ لَوْ وَقَعَ يَوْمَ الْعِيدِ.
قَوْلُهُ: (لِذَوَاتِ الْجَمَالِ وَالْهَيْئَةِ) قَالَ شَيْخُنَا الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَفِعْلُهَا بِالْمَسْجِدِ أَفْضَلُ إلَخْ) وَيُنْدَبُ عَدَمُ تَعَدُّدِهَا وَلِلْإِمَامِ الْمَنْعُ مِنْهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ كَمَا فِي الْأَنْوَارِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) ذَكَرَهُ لِتَعَارُضِ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ يُصَلِّي) وَيُكْرَهُ أَنْ يَخْطُبَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْإِمَامِ وَلَا عِلْمِ رِضَاهُ وَيَحْرُمُ مَعَ النَّهْيِ، وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ بِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ وَاسْتَخْلَفَ بِمَنْ يُصَلِّي بِغَيْرِهِمْ خَارِجَهُ فَفِيهِ مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (مَوْضِعٍ آخَرَ)
[حاشية عميرة]
مُوَلَّدَةٌ) أَيْ لَا عَرَبِيَّةٌ وَلَا مُعَرَّبَةٌ وَكَأَنَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ الْخِلْقَةُ أَيْ زَكَاةُ الْخِلْقَةِ وَهِيَ اسْمٌ لِلْمُخْرَجِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ التَّابِعِينَ) نَبَّهَ عَلَى هَذَا لِأَنَّ قَوْلَ التَّابِعِيِّ مِنْ السُّنَّةِ كَذَا لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ عَلَى الصَّحِيحِ بِخِلَافِ الصَّحَابِيِّ وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ مَرْفُوعٌ مُرْسَلٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ أَيْضًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالتَّطَيُّبُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ هُوَ بِالتَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ فِي أَوَّلِهِ لِيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْإِضْمَارِ وَيُوَافِقَ مَا بَعْدَهُ وَمَا قَبْلَهُ مِنْ الْمَصَادِرِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَتَزَيَّنَ إلَخْ) هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ التَّشْبِيهِ فِي الْمَتْنِ نَعَمْ مِنْ التَّزَيُّنِ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ.
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَفْضَلُ قَطْعًا وَأَلْحَقَ بِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ الصَّيْدَلَانِيُّ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَسَكَتَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ اهـ. أَمَّا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ «أَصَابَنَا مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ» إلَى آخِرِهِ أَيْ يَخْرُجُ إلَى الْمُصَلَّى لِذِكْرِهَا فِيهِ وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَى الْخُرُوجِ إلَيْهَا لِضِيقِ مَسْجِدِهِ عَمَّنْ يَحْضُرُ صَلَاةَ الْعِيدِ بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
(وَيَسْتَخْلِفُ) الْإِمَامُ عِنْدَ خُرُوجِهِ لِلصَّحْرَاءِ.
(مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ) كَالشُّيُوخِ وَالْمَرْضَى كَمَا اسْتَخْلَفَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَبَا مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيَّ فِي ذَلِكَ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَاقْتِصَارُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ يُفْهِمُ أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَا يَخْطُبُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْجِيلِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ
(وَيَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ فِي آخَرَ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ» . وَالْأَرْجَحُ فِي سَبَبِ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ فِي أَطْوَلِ الطَّرِيقَيْنِ تَكْثِيرًا لِلْأَجْرِ، وَيَرْجِعُ فِي أَقْصَرِهِمَا وَقِيلَ: إنَّهُ كَانَ يَتَصَدَّقُ عَلَى فُقَرَائِهِمَا، وَقِيلَ: لِيَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ، وَيُسْتَحَبُّ الذَّهَابُ فِي طَرِيقٍ وَالرُّجُوعُ فِي آخَرَ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي رِيَاضِهِ.
(وَيُبَكِّرُ النَّاسُ) لِيَأْخُذُوا مَجَالِسَهُمْ وَيَنْتَظِرُوا الصَّلَاةَ.
(وَيَحْضُرُ الْإِمَامُ وَقْتَ صَلَاتِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ السَّابِقِ.
(وَيُعَجِّلُ) الْحُضُورَ (فِي الْأَضْحَى) وَيُؤَخِّرُهُ فِي الْفِطْرِ قَلِيلًا.
«كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ وَلَّاهُ الْبَحْرَيْنِ أَنْ عَجِّلْ الْأَضْحَى وَأَخِّرْ الْفِطْرَ» ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: هُوَ مُرْسَلٌ.
وَحِكْمَتُهُ اتِّسَاعُ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ وَوَقْتُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ.
(قُلْت:) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ.
(وَيَأْكُلُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَيُمْسِكُ فِي الْأَضْحَى) عَنْ الْأَكْل حَتَّى يُصَلِّيَ.
قَالَ بُرَيْدَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
[حاشية قليوبي]
أَيْ كُنْ.
قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ قَطْعًا) ثُمَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ ثُمَّ الْأَقْصَى ثُمَّ غَيْرَهَا خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَخْطُبُ) عَلَى مَا مَرَّ وَمَا فِي الْمَنْهَجِ مُؤَوَّلٌ وَلَا يَتَنَاوَلُ الْإِذْنَ غَيْرَ مَرَّةٍ هُنَا وَكُلَّ مَا لَا يَتَكَرَّرُ كَالْكُسُوفِ.
(تَنْبِيهٌ) يَدْخُلُ وَاحِدٌ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ مِنْهَا وَيَدْخُلُ فِي إمَامَةِ الْعِشَاءِ وَلَوْ مَعَ الْخَمْسِ إمَامَةُ الْوِتْرِ فِي رَمَضَانَ وَالتَّرَاوِيحِ.
قَوْلُهُ: (تَكْثِيرًا لِلْأَجْرِ) أَيْ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْجُمُعَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ الْأَجْرِ فِي الرُّجُوعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِبَادَةً وَلَا وَسِيلَةً لَهَا، وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ نَعَمْ يُنْدَبُ الرُّكُوبُ لِلْغُزَاةِ إرْهَابًا لِلْعَدُوِّ.
قَوْلُهُ: (وَيُبَكِّرُ النَّاسُ) مِنْ الْفَجْرِ لِغَيْرِ بَعِيدِ الدَّارِ وَهُوَ لِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ بِالتَّهَيُّؤِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ اعْتِبَارُ قَصْدِ الصَّلَاةِ لِمُرِيدِ التَّبْكِيرِ كَمَا مَرَّ فِي الْجُمُعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: التَّبْكِيرُ هُنَا مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ فَلْيُرَاجَعْ فَإِنَّهُ الْمُنَاسِبُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَقْتَ صَلَاتِهِ) وَأَفْضَلُهُ فِي الْفِطْرِ بَعْدَ رُبْعِ النَّهَارِ وَفِي الْأَضْحَى بَعْدَ سُدُسِهِ قَالَهُ الْإِمَامُ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، فَالْوَجْهُ خِلَافُهُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَمَشَى عَلَيْهِ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ مِنْ مُوَافَقَةِ كَلَامِ الْإِمَامِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (وَيُعَجِّلُ) أَيْ الْإِمَامُ الْحُضُورَ لِلْخُطْبَةِ وَيَخْطُبُ وَحِكْمَتُهُ اتِّسَاعُ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ وَعَكْسُ ذَلِكَ فِي عِيدِ الْفِطْرِ لِاتِّسَاعِ وَقْتِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَالتَّعْجِيلِ عَقِبَ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (الْبَحْرَيْنِ) هُوَ إقْلِيمٌ بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وَالْبَصْرَةِ وَمِنْهُ مَدِينَةُ هَجَرَ.
قَوْلُهُ: (وَيَأْكُلُ) وَلَوْ فِي الطَّرِيقِ وَلَوْ
[حاشية عميرة]
فَرْعٌ) لَوْ اتَّفَقَ الْخُرُوجُ لِلِاسْتِسْقَاءِ وَالْعِيدِ تُرِكَ التَّزَيُّنُ فِيمَا يَظْهَرُ.
قَوْلُهُ: (وَأُلْحِقَ بِهِ بَيْتُ الْمَقْدِسِ إلَخْ) اسْتَظْهَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ الْبَغَوِيّ وَغَيْرِهِ قَالَ: وَلَيْسَ بِظَاهِرِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بُقْعَةٌ فِي سَعَةِ مَسْجِدِهَا بَلْ جِبَالٌ وَأَوْعَارٌ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَلَمْ يُلْحِقُوا مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ يَعْنِي بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي نَفْيِ الْخِلَافِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الشَّرَفُ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ يَعْنِي مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ) أَيْ أَطْوَلَ.
قَوْلُهُ: (تَكْثِيرًا لِلْأَجْرِ) قَضِيَّةُ هَذِهِ الْعِلَّةِ عَدَمُ الْأَجْرِ فِي الرُّجُوعِ وَيُخَالِفُهُ مَا ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي سَأَلَ فِي شِرَاءِ حِمَارٍ يَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ وَالرَّمْضَاءِ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ، هَذَا مَعْنَى مَا فِي الْإِسْنَوِيِّ، وَلَك أَنْ تَقُولَ: الذَّهَابُ أَفْضَلُ مِنْ الرُّجُوعِ، فَلَا تَكُونُ الْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ مَانِعَةً مِنْ الْأَجْرِ فِي الرُّجُوعِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَقَوْلُ الْإِمَامِ إنَّ الرُّجُوعَ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ غَلَطٌ، بَلْ يُثَابُ فِي رُجُوعِهِ اهـ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت وَيَأْكُلُ إلَخْ) وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ النَّصِّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ حُكْمُ الْإِمْسَاكِ فِي النَّحْرِ
وَالْحَاكِمُ، وَحِكْمَتُهُ امْتِيَازُ يَوْمِ الْعِيدِ عَمَّا قَبْلَهُ بِالْمُبَادَرَةِ بِالْأَكْلِ أَوْ تَأْخِيرِهِ.
(وَيَذْهَبُ مَاشِيًا) كَالْجُمُعَةِ.
(بِسَكِينَةٍ) لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» (وَلَا يُكْرَهُ الْفِعْلُ قَبْلَهَا) بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ وَلَا بَعْدَهَا (لِغَيْرِ الْإِمَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) بِخِلَافِ الْإِمَامِ فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ صَلَّى عَقِبَ الْحُضُورِ وَخَطَبَ عَقِبَ الصَّلَاةِ كَمَا عُلِمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَغَيْرِهَا.
(فَصْلٌ: يُنْدَبُ التَّكْبِيرُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَتَيْ الْعِيدِ) اللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ الصَّادِقِ بَعِيدِ الْفِطْرِ وَعِيدِ الْأَضْحَى وَدَلِيلُهُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: 185] أَيْ عِدَّةَ صَوْمِ رَمَضَانَ ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 185] أَيْ عِنْدَ إكْمَالِهَا.
وَفِي عِيدِ الْأَضْحَى الْقِيَاسُ عَلَى عِيدِ الْفِطْرِ (فِي الْمَنَازِلِ وَالطُّرُقِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ) لَيْلًا وَنَهَارًا.
(بِرَفْعِ الصَّوْتِ) إظْهَارًا لِشِعَارِ الْعِيدِ (وَالْأَظْهَرُ إدَامَتُهُ حَتَّى يُحْرِمَ الْإِمَامُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ) وَالثَّانِي حَتَّى يَخْرُجَ لَهَا.
وَالثَّالِثُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا.
قِيلَ وَمِنْ الْخُطْبَتَيْنِ وَهُوَ فِيمَنْ لَا يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ (وَلَا يُكَبِّرُ الْحَاجُّ لَيْلَةَ الْأَضْحَى بَلْ يُلَبِّي) لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ شِعَارُهُ (وَلَا يُسَنُّ لَيْلَةَ الْفِطْرِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ فِي الْأَصَحِّ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ، وَالثَّانِي يَقِيسُهُ عَلَى التَّكْبِيرِ لَيْلَةَ الْأَضْحَى عَلَى مَا سَيَأْتِي فَيُكَبِّرُ خَلْفَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ
(وَيُكَبِّرُ
[حاشية قليوبي]
الْإِمَامَ، وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ كَالْإِمْسَاكِ فِي الْأَضْحَى.
قَوْلُهُ: (وَيَطْعَمُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْعَيْنِ أَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَأْكُولِ الْمَطْعُومُ وَلَوْ مَشْرُوبًا، وَأَفْضَلُهُ عَلَى مَا فِي الْفِطْرِ لِلصَّائِمِ وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ نَسْخُ تَحْرِيمِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (وَحِكْمَتُهُ) أَيْ الْأَصْلِيَّةُ فَلَا يَرِدُ مُفْطِرُ رَمَضَانَ أَوْ صَائِمُ عَرَفَةَ.
قَوْلُهُ: (بِالْمُبَادَرَةِ إلَخْ) أَيْ تُطْلَبُ الْمُبَادَرَةُ وَالتَّأْخِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ كَافٍ فِي تَمْيِيزِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا الَّذِي لَمْ يُطْلَبْ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ فِي الْحِكْمَةِ إنَّ فِيهِ مُوَافَقَةُ الْمَسَاكِينِ فِي طَلَبِ الصَّدَقَةِ فِي الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَفِي الْأَضْحَى بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ وَلَا يُعْتَدُّ بِهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ.
نَعَمْ يُكْرَهُ لِمَنْ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ.
كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقَيَّدَ بِمَنْ يَسْمَعُ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْإِمَامِ) إنْ حَضَرَ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ لَهُ.
(فَصْلٌ فِي طَلَبِ التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدِ) وَكَيْفِيَّتِهِ وَوَقْتِهِ.
قَوْلُهُ: (لَيْلَتَيْ الْعِيدِ) وَلَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ (وَدَلِيلُهُ) أَيْ التَّكْبِيرُ الْمُرْسَلُ وَهُوَ فِي الْفِطْرِ أَفْضَلُ وَالْمُقَيَّدُ فِي الْأَضْحَى أَفْضَلُ مِنْهُ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَنَازِلِ إلَخْ) دَخَلَ فِيهِ خَلْفُ الصَّلَاةِ وَيُزَادُ عَلَى مَا فِي كَلَامِهِ نَحْوُ التَّرَاوِيحِ.
قَوْلُهُ: (بِرَفْعِ الصَّوْتِ) إلَّا لِغَيْرِ ذِكْرٍ بِحَضْرَةِ غَيْرِ مَحْرَمٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يُحْرِمَ الْإِمَامُ) أَيْ حَتَّى يَدْخُلُ وَقْتُ إحْرَامِهِ الْمَطْلُوبُ سَوَاءٌ صَلَّى مَعَهُ أَوْ مُنْفَرِدًا أَوْ لَمْ يُصَلِّ أَوْ أَخَّرَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ، وَهَذَا مَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُسَنُّ التَّكْبِيرُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ، وَيُسَنُّ مِنْ حَيْثُ دُخُولُهُ فِي عُمُومِ الْوَقْتِ فِيمَا مَرَّ.
[حاشية عميرة]
فَرْعٌ) الشُّرْبُ كَالْأَكْلِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بَعْدَهَا) يُسْتَثْنَى مَنْ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ.
[فَصْلٌ يُنْدَبُ التَّكْبِيرُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَتَيْ الْعِيدِ]
(فَصْلٌ يُنْدَبُ التَّكْبِيرُ إلَخْ) قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 185] قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْوَاوُ وَإِنْ كَانَتْ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لَكِنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى التَّرْتِيبِ أَرْجَحُ، كَمَا قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ وَلِأَنَّ الْأَدِلَّةَ تُثْبِتُ الْمُرَادَ اهـ.
وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ جَمْعُ مُقَارَنَةٍ، وَجَمْعُ مُعَاقَبَةٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَمْلُ الْوَاوِ هُنَا عَلَى الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُهَا عَلَى التَّرْتِيبِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي حَتَّى يَخْرُجَ) أَيْ لِأَنَّ بِخُرُوجِهِ تَشْتَغِلُ النَّاسُ بِالتَّهَيُّؤِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّالِثُ إلَخْ) تَوْجِيهُهُ أَنَّ الْإِمَامَ وَمَنْ مَعَهُ يُقِيمُونَ الشِّعَارَ بِالصَّلَاةِ فَمَنْ لَا يُصَلِّي يُقِيمُهُ بِالتَّكْبِيرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يُسَنُّ) أَيْ التَّكْبِيرُ إلَخْ، شُرُوعٌ فِي بَيَانِ التَّكْبِيرِ الْمُقَيَّدِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَقِيسُهُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ، وَالثَّانِي يَقُولُ: هُوَ عِيدٌ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْمُطْلَقُ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْمُقَيَّدُ وَهُوَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ مُوَافِقٌ لِتَعْلِيلِ الشَّارِحِ.
الْحَاجُّ مِنْ ظُهْرِ) يَوْمِ (النَّحْرِ) لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاتِهِ بَعْدَ انْتِهَاءِ وَقْتِ التَّلْبِيَةِ.
(وَيَخْتِمُ بِصُبْحِ آخِرِ) أَيَّامِ (التَّشْرِيقِ) لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهِ بِمِنًى (وَغَيْرُهُ كَهُوَ) أَيْ غَيْرُ الْحَاجِّ كَالْحَاجِّ فِي ذَلِكَ (فِي الْأَظْهَرِ) تَبَعًا لَهُ (وَفِي قَوْلٍ) يُكَبِّرُ غَيْرُهُ (مِنْ مَغْرِبِ لَيْلَةِ النَّحْرِ) وَيَخْتِمُ بِصُبْحِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَفِي قَوْلٍ مِنْ صُبْحِ) يَوْمِ (عَرَفَةَ وَيَخْتِمُ بِعَصْرِ آخِرِ) أَيَّامِ (التَّشْرِيقِ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا) فِي الْأَمْصَارِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لِلْحَدِيثِ أَيْ الَّذِي رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ، وَقَالَ فِيهِ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ (وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لِلْفَائِتَةِ) فِيهَا أَوْ فِي غَيْرِهَا (وَالرَّاتِبَةِ) وَمِنْهَا صَلَاةُ الْعِيدِ.
(وَالنَّافِلَةِ) الْمُطْلَقَةِ لِأَنَّهُ شِعَارُ الْوَقْتِ، وَالثَّانِي لَا وَإِنَّمَا هُوَ شِعَارٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرَائِضِ الْمُؤَدَّاةِ.
(وَصِيغَتُهُ الْمَحْبُوبَةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ) بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ.
(كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا قَبْلَ كَبِيرًا اللَّهُ أَكْبَرُ وَبَعْدَ أَصِيلًا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ.
(وَلَوْ شَهِدُوا يَوْمَ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ) سَوَاءٌ كَانَ بِمِنًى أَوْ غَيْرِهَا وَالتَّعْلِيلُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ أَوْ لِمَا مِنْ شَأْنِهِ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَخَرَجَ بِهِ الْمُعْتَمِرُ فَيُكَبِّرُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ طَوَافٍ وَسَعْيٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ظُهْرِ إلَخْ) أَيْ إنْ تَحَلَّلَ فِيهِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالتَّحَلُّلِ سَوَاءٌ قَدَّمَهُ أَوْ أَخَّرَهُ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُ شَيْخِنَا، فَغَايَةُ مَا يَقَعُ فِيهِ التَّكْبِيرُ لِلْحَاجِّ مِنْ الْفَرَائِضِ خَمْسَ عَشْرَةَ صَلَاةً مِنْ ظُهْرِ النَّحْرِ إلَى صُبْحِ آخِرِ التَّشْرِيقِ.
قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ مُبْتَدِئًا تَكْبِيرَهُ، فَالضَّمَائِرُ بَعْدَهُ رَاجِعَةٌ لِلْقَوْلَيْنِ، وَآخِرُ الْوَقْتِ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا صُبْحُ آخِرِ التَّشْرِيقِ كَمَا ذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا تَقَدَّمَ) فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَاجِّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَخْ) وَالْمُعْتَبَرُ الْوَقْتُ، وَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَغُرُوبُ الشَّمْسِ آخِرَ الْأَيَّامِ سَوَاءٌ وُجِدَ فِيهِ صَلَاةٌ أَوْ لَا، نَعَمْ مُسْتَثْنًى مِنْ ذَلِكَ لَيْلَةُ الْعِيدِ لِمَا مَرَّ مِنْ دَلِيلِهَا الْخَاصِّ الْمُقَدَّمِ عَلَى الْعُمُومِ هُنَا، بَلْ يَلْزَمُ عَلَى دُخُولِهَا أَنْ يُسَمَّى تَكْبِيرُهَا مُقَيَّدًا وَمُرْسَلًا، وَلَا قَائِلَ بِهِ وَغَايَةُ مَا يَقَعُ فِيهِ التَّكْبِيرُ مِنْ صَلَوَاتِ الْفَرَائِضِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الصَّحِيحِ عِشْرُونَ صَلَاةً، وَعَلَى إدْخَالِ اللَّيْلِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ.
وَقَالَ شَيْخُنَا يُكَبِّرُ عَقِبَ الْمَغْرِبِ الَّتِي عَقِبَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَيْضًا فَيُزَادُ عَلَى مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا) أَيْ عَمَلُ النَّاسِ فِي الْأَمْصَارِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ أَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ وَهِيَ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ وَالْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْهَا.
وَلَا يَقْضِي هَذَا التَّكْبِيرَ إذَا فَاتَ وَفَوَاتُهُ بِطُولِ الْفَصْلِ عَقِبَ الصَّلَاةِ أَوْ بِإِعْرَاضٍ عَنْهُ.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا أَنَّهُ يَتَدَارَكُهُ، وَإِنْ كَانَ تَرَكَهُ عَمْدًا وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ إذْ يَلْزَمُ تَدَارُكُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ فَإِنْ قَيَّدَهُ بِدَوَامِ وَقْتِهِ وَرُدَّ عَلَيْهِ مَا لَا وَقْتَ لَهُ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ رَجَعَ شَيْخُنَا عَنْهُ وَعَمَّا فِي حَاشِيَتِهِ تَبَعًا لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالرَّاتِبَةِ) أَيْ مَعَ الْفَرَائِضِ بِقَرِينَةِ الْعَطْفِ أَوْ الْأَعَمِّ.
وَعَلَيْهِ الشَّارِحُ وَشَمِلَتْ الْفَرِيضَةَ الْمَقْضِيَّةَ وَالْمَنْذُورَةَ وَالْجِنَازَةَ.
قَوْله: (وَالنَّافِلَةِ) الْمُطْلَقَةِ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ أَوْ مَا يَعُمُّهَا وَالْمُؤَقَّتَةَ وَذَاتَ السَّبَبِ لَا سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ أَوْ شُكْرٍ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ) أَيْ وَمَا بَعْدَهَا إلَى بَعْدِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَيَزِيدُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَبْلَ كَبِيرًا وَيُقَدِّمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ يَنْتَظِمُ التَّكْبِيرَ الْمَعْرُوفَ.
قَوْلُهُ: (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) وَبَعْدَهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ
[حاشية عميرة]
فَرْعٌ) هَلْ يُكَبِّرُ خَلْفَ الْفَوَائِتِ، عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَحَلُّ نَظَرٍ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاتِهِ) هُوَ تَعْلِيلٌ لِابْتِدَائِهِ، وَأَمَّا أَصْلُ مَشْرُوعِيَّتِهِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: 200] الْآيَةَ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203] وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ مَغْرِبِ لَيْلَةِ النَّحْرِ) أَيْ قِيَاسًا عَلَى تَكْبِيرِ عِيدِ الْفِطْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ، هَذَا كَلَامُ الْإِسْنَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ مَعَ التَّعْلِيلِ السَّابِقِ لِمُقَابِلِ الْأَصَحِّ فِي عِيدِ الْفِطْرِ، عَنْ الْإِسْنَوِيِّ وَالشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا تَقَدَّمَ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَيَخْتِمُ إلَخْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي قَوْلٍ مِنْ صُبْحِ عَرَفَةَ إلَخْ) أَيْ فَيَكُونُ جَامِعًا بَيْنَ الذِّكْرِ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ وَالْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَلَوْ قَبْلَ فِعْلِ الصُّبْحِ وَبَعْدَ فِعْلِ الْعَصْرِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا هُوَ شِعَارٌ إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْإِسْنَوِيُّ، بَلْ قَالَ: وَالثَّانِي عَقِبَ الْفَرَائِضِ خَاصَّةً مُؤَدَّاةً، أَوْ فَائِتَةً مُطْلَقًا كَالْأَذَانِ يُطْلَبُ فِي هَذَا دُونَ غَيْرِهِ، وَالثَّالِثُ
الثَّلَاثِينَ قَبْلَ الزَّوَالِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ أَفْطَرْنَا وَصَلَّيْنَا الْعِيدَ) حَيْثُ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ جَمْعَ النَّاسِ وَالصَّلَاةَ وَإِلَّا فَكَمَا لَوْ شَهِدُوا بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ، وَسَيَأْتِي.
(وَإِنْ شَهِدُوا بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ) فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَصَلَّى فِي الْغَدِ أَدَاءً وَتُقْبَلُ فِي غَيْرِهَا كَوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَلَّقَيْنِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ.
(أَوْ) شَهِدُوا (بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ أَفْطَرْنَا وَفَاتَتْ الصَّلَاةُ) أَدَاءً (وَيُشْرَعُ قَضَاؤُهَا مَتَى شَاءَ فِي الْأَظْهَرِ) كَغَيْرِهَا.
وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ شَهْرِ الْعِيدِ.
(وَقِيلَ فِي قَوْلٍ) لَا يَفُوتُ أَدَاؤُهَا، بَلْ (تُصَلَّى مِنْ الْغَدِ أَدَاءً) لِعِظَمِ حُرْمَتِهَا.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ الْفَوَاتُ كَطَرِيقِ الْقَطْعِ بِهِ الرَّاجِحَةِ، وَلَوْ شَهِدُوا قَبْلَ الْغُرُوبِ وَعَدَلُوا بَعْدَهُ فَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ التَّعْدِيلِ، وَفِي قَوْلٍ بِوَقْتِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُمَا.
[حاشية قليوبي]
أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَهَذِهِ عَلَى التَّأْوِيلِ السَّابِقِ مَذْكُورَةٌ فِي مَحَلِّهَا.
وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُقَدَّمَةٌ مِنْ تَأْخِيرٍ لِمُوَافَقَةِ مَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْأَمْصَارِ.
فَقَدْ قَالَ فِي الْأَذْكَارِ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَمْ يَرِدْ: وَأَعَزَّ جُنْدَهُ وَيُنْدَبُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَحْبِهِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ كَمَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (أَفْطَرْنَا) أَيْ وُجُوبًا.
قَوْلُهُ: (جَمْعَ النَّاسِ) أَيْ مَنْ يَتَيَسَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّلَاةَ) وَلَوْ رَكْعَةً، وَلَوْ صَلَّاهَا وَحْدَهُ ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً صَلَّاهَا مَعَهُمْ.
وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَعَلَيْهِ فَهَذِهِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ شَرْطِ الْوَقْتِ عِنْدَهُ فِي الْمُعَادَةِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَتُصَلَّى مِنْ الْغَدِ أَدَاءً) فَتَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عَلَى طُلُوعِ شَمْسِهِ، وَلَا يَضُرُّ فِي ذَلِكَ قَبُولُ الْبَيِّنَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ عَلَى نَظِيرِ مَا لَوْ وَقَفُوا الْعَاشِرَ غَلَطًا فِي الْحَجِّ وَبِهَذَا سَقَطَ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا.
وَمِنْ ذَلِكَ يُعْلَمُ عَدَمُ صِحَّةِ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا وَالْقِيَاسُ خِلَافُهُ كَمَا فِي حُلُولِ الدُّيُونِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَفَاتَتْ الصَّلَاةُ أَدَاءً) أَيْ قَطْعًا فَحَقُّهُ التَّعْبِيرُ بِالْمَذْهَبِ.
قَوْلُهُ: (بِوَقْتِ التَّعْدِيلِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(تَتِمَّةٌ) يُنْدَبُ إحْيَاءُ لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ بِذِكْرٍ أَوْ صَلَاةٍ وَأَوْلَاهَا صَلَاةُ التَّسْبِيحِ.
وَيَكْفِي مُعْظَمُهَا وَأَقَلُّهُ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ، وَالْعَزْمُ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ كَذَلِكَ.
وَمِثْلُهُمَا لَيْلَةُ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَأَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ وَلَيْلَةُ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهَا مَحَالُّ إجَابَةِ الدُّعَاءِ.
(فَائِدَةٌ) التَّهْنِئَةُ بِالْأَعْيَادِ وَالشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَنْدُوبَةٌ وَيُسْتَأْنَسُ لَهَا بِطَلَبِ سُجُودِ الشُّكْرِ عِنْدَ النِّعْمَةِ وَبِقِصَّةِ كَعْبٍ وَصَاحِبِيهِ وَتَهْنِئَةِ أَبِي طَلْحَةَ لَهُ.
[حاشية عميرة]
عَقِبَ فَرَائِضِ هَذِهِ الْأَيَّامِ، أَدَاءً أَوْ قَضَاءً، لِأَنَّهُ قَضَاءُ مَا كَانَ التَّكْبِيرُ مَأْمُورًا بِهِ فِيهِ، وَالرَّابِعُ عَقِبَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ، وَعَقِبَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، وَنَبَّهَ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ قَاصِرَةٌ عَنْ إفَادَةِ مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ، عَقِبَ الِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ وَنَحْوِهِمَا، وَعَنْ تَنَاوُلِ الْعِيدِ وَالضُّحَى، وَنَحْوِهِمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الرَّاتِبَةَ هِيَ التَّابِعَةُ لِلْفَرَائِضِ اهـ بِمَعْنَاهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ) وَجْهُ اخْتِيَارِ، هَذِهِ الزِّيَادَةِ الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ قَالَهَا عَلَى الصَّفَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ) اقْتَضَى هَذَا الصَّنِيعُ مِنْ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ أَنَّهُ يَزِيدُ هَذَا ثُمَّ يَخْتِمُ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ.
وَاَلَّذِي فِي الْمُحَرَّرِ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، بَعْدَ ذِكْرِ التَّكْبِيرَاتِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ، أَمَّا الْمَذْكُورُ أَوَّلًا وَهُوَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَأَمَّا كَبِيرًا إلَى أَصِيلًا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا اهـ.
ثُمَّ رَاجَعْت الرَّوْضَةَ فَرَأَيْت فِيهَا بَعْدَ الَّذِي حَكَاهُ الشَّارِحُ عَنْهَا، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَكَأَنَّ وَجْهَ إسْقَاطِ الشَّارِحِ لِذَلِكَ دُخُولُهُ فِي قَوْلِ الْمِنْهَاجِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ، يُرْشِدُ لِهَذَا النَّظَرُ لِلْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (جَمْعَ النَّاسِ وَالصَّلَاةَ) أَيْ وَلَوْ رَكْعَةً.
قَوْلُهُ: (وَالْعِتْقِ الْمُعَلَّقَيْنِ إلَخْ) وَكَذَا يَجُوزُ صَوْمُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ التَّشْرِيقِ فِيمَا يَظْهَرُ وَقَدْ يُمْنَعُ بِظَاهِرِ حَدِيثِ الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مَتَى شَاءَ إلَخْ) هُوَ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ أَوْلَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَإِنْ عَسُرَ جَمْعُ النَّاسِ فَالتَّأْخِيرُ أَوْلَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَقِيلَ فِي قَوْلٍ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ، وَفَاتَتْ الصَّلَاةُ.
قَوْلُهُ: (فَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ التَّعْدِيلِ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُ وَقْتُ جَوَازِ الْحُكْمِ، وَوَجْهُ الثَّانِي إسْنَادُ التَّعْدِيلِ إلَى الزِّيَادَةِ.
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ كُسُوفُ الشَّمْسِ وَكُسُوفُ الْقَمَرِ، وَيُقَالُ فِيهِمَا خُسُوفَانِ، وَفِي الْأَوَّلِ كُسُوفٌ وَالثَّانِي خُسُوفٌ، وَهُوَ أَشْهَرُ، وَحُكِيَ عَكْسُهُ.
(هِيَ سُنَّةٌ) وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا مُؤَكَّدَةٌ
«لِأَنَّهُ أَمَرَ بِهَا وَصَلَّى لِكُسُوفِ الشَّمْسِ» ، رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.
(فَيُحْرِمُ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَيَرْكَعُ ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَعْتَدِلُ ثُمَّ يَسْجُدُ) السَّجْدَتَيْنِ وَيَأْتِي بِالطُّمَأْنِينَةِ فِي مَحَالِّهَا (فَهَذِهِ رَكْعَةٌ ثُمَّ يُصَلِّي ثَانِيَةً كَذَلِكَ) هَذَا أَقَلُّهَا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، فَهِيَ رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ كَمَا فَعَلَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَا يَجُوزُ زِيَادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ) فَأَكْثَرَ (لِتَمَادِي الْكُسُوفِ وَلَا نَقْصِهِ) أَيْ نَقْصُ رُكُوعٍ مِنْ الرُّكُوعَيْنِ
[حاشية قليوبي]
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهَا مَعَ عَدَمِ تَكْرَارِهَا، وَأَوَّلُ كُسُوفٍ وَقَعَ كَانَ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ أَوْ فِي الْعَاشِرَةِ كَمَا يَأْتِي، وَمَيْلُ الْجَلَالِ إلَى أَنَّهَا مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ مِنْ كَسَفَ كَضَرْبِ مُتَعَدِّيًا وَلَازِمًا.
يُقَالُ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ وَكَسَفَهَا اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَذَا يُقَالُ فِي خَسَفَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَشْهُرُ) لِأَنَّ الْكَسْفَ السِّتْرُ وَالْخَسْفَ الْمَحْوُ وَنُورُ الشَّمْسِ لَا يُفَارِقُ جِرْمَهَا وَإِنَّمَا يَسْتُرُهُ الْقَمَرُ عَنَّا بِحَيْلُولَتِهِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا.
وَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ الْكُسُوفُ إلَّا فِي أَوَاخِرِ الشُّهُورِ فَإِنْ وَقَعَ فِي غَيْرِهَا فَهُوَ مِنْ خَرْقِ الْعَادَةِ، وَنُورُ الْقَمَرِ مُمْتَدٌّ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ، وَلَيْسَ لَهُ نُورٌ فِي ذَاتِهِ فَإِذَا حَالَتْ الْأَرْضُ بَيْنَهُمَا مُحِيَ نُورُهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ مُقَابَلَتِهِمَا.
وَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ الْخُسُوفُ إلَّا فِي أَنْصَافِ الشُّهُورِ، وَمَا وَقَعَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ خَرْقِ الْعَادَةِ أَيْضًا وَمِنْ الْأَوَّلِ أَيْضًا كُسُوفُ الشَّمْسِ فِي عَاشِرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يَوْمَ مَوْتِ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فِي سَنَةِ ثَمَانٍ مِنْ الْهِجْرَةِ.
وَمَاتَ وَعُمْرُهُ سَبْعُونَ يَوْمًا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَمِنْهُ الْكُسُوفُ يَوْمَ عَاشِرِ الْمُحَرَّمِ حِينَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ فِي سَنَةِ إحْدَى وَسِتِّينَ.
(تَنْبِيهٌ) وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الْعَلَّامَةِ الْبُرُلُّسِيِّ هُنَا كَلَامٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ يَعْرِفُهُ مَنْ لَهُ الْخِبْرَةُ بِحَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ.
(فَائِدَةٌ) تُسَنُّ الصَّلَاةُ فُرَادَى لَا بِالْهَيْئَةِ الْآتِيَةِ لِبَقِيَّةِ الْكَوَاكِبِ وَالْآيَاتِ السَّمَاوِيَّةِ وَالزَّلَازِلِ وَالصَّوَاعِقِ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا خُطْبَةٌ وَلَا جَمَاعَةٌ وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِوُجُودِهَا، وَيَخْرُجُ بِزَوَالِهَا كَالْكُسُوفِ فَيَصِحُّ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ إلَخْ) كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا دَلِيلُ التَّأْكِيدِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فَيُحْرِمُ إلَخْ) أَيْ مَعَ تَعْيِينِ الشَّمْسِ أَوْ الْقَمَرِ وَتَعْيِينِ كَوْنِهَا بِرُكُوعَيْنِ أَوْ لَا وَلَا يَجُوزُ غَيْرُ مَا نَوَاهُ.
فَلَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ تَخَيَّرَ بَيْنَ الْكَيْفِيَّتَيْنِ وَفَارَقَ الْوِتْرَ بِعَدَمِ تَعَدُّدِ الرَّكَعَاتِ هُنَا إذْ لَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَإِذَا اخْتَارَ كَيْفِيَّةً تَعَيَّنَتْ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا قَبْلَ الْوُصُولِ لِمَا يُعَيِّنُهَا، كَالْقِيَامِ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الرُّكُوعَيْنِ أَوْ الْهَوِيِّ لِلسُّجُودِ فِي الْكَيْفِيَّةِ الْأُخْرَى.
نَعَمْ يَلْزَمُ الْمَأْمُومَ مُوَافَقَةُ الْإِمَامِ فَيَنْوِي مَا هُوَ فِيهِ، وَتَنْصَرِفُ نِيَّتُهُ الْمُطْلَقَةُ إلَيْهِ وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ عَلَى الْأَوْجَهِ.
وَقِيلَ فِي هَذِهِ يَتَخَيَّرُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ خِلَافَهُ يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ نَظْمِ الصَّلَاةِ وَقَدْ مَرَّ مَنْعُهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (هَذَا أَقَلُّهَا) أَيْ أَقَلُّ كَمَالِهَا، وَأَقَلُّهَا حَقِيقَةً كَسُنَّةِ الظُّهْرِ.
قَوْلُهُ: (فَأَكْثَرَ) وَإِنْ زَادَ عَلَى خَمْسَةٍ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ، وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا إلَّا
[حاشية عميرة]
[بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ]
ِ قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهَا) وَالصَّارِفُ عَنْ الْوُجُوبِ إلَى النَّدْبِ، حَدِيثُ «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا» . قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَيُحْرِمُ إلَخْ) مَسْأَلَةٌ مُكَرَّرَةٌ فِي الْكِتَابِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَعْتَدِلُ) فِيهِ مَيْلٌ إلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي الرَّفْعِ الْأَوَّلِ.
وَيَقُولُ فِي الثَّانِي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهَذَا الْمَاوَرْدِيُّ، وَنَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ وَكَذَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ كَجٍّ، وَلَكِنْ نَصَّ الْأُمُّ، وَمُخْتَصَرُ الْمُزَنِيّ وَالْبُوَيْطِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فِيهِمَا، وَاعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ كَمَا سَيَأْتِي، وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ، وَالرَّافِعِيِّ وَلَكِنْ بَعْضُهُمْ أَوَّلَهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثَالِثٍ) جَعَلَ الْإِسْنَوِيُّ الْخِلَافَ ثَابِتًا فِي زِيَادَةِ رَابِعٍ وَخَامِسٍ، لِوُرُودِهِمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَمَنَعَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الْخَامِسِ قَطْعًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ الرُّكُوعَيْنِ) أَيْ فَلَيْسَ الضَّمِيرُ عَائِدًا لِلرُّكُوعِ الثَّالِثِ لِفَسَادِهِ.
قَوْلُهُ:
(لِلِانْجِلَاءِ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي يُزَادُ وَيُنْقَصُ مَا ذَكَرَ لِمَا ذُكِرَ وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي إعَادَةِ الصَّلَاةِ إذَا بَقِيَ الْكُسُوفُ بَعْدَ السَّلَامِ.
وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ.
وَمَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثَةُ رُكُوعَاتٍ» ، وَفِي أُخْرَى لَهُ أَرْبَعَةُ رُكُوعَاتٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ خَمْسَةُ رُكُوعَاتٍ، أَجَابَ الْأَئِمَّةُ عَنْهَا بِأَنَّ رِوَايَاتِ الرُّكُوعَيْنِ أَشْهَرُ وَأَصَحُّ، فَقُدِّمَتْ.
وَمَا فِي حَدِيثَيْ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ» ، أَيْ مِنْ غَيْرِ تَكْرِيرِ رُكُوعٍ، كَمَا قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: أَجَابَ عَنْهُمَا أَصْحَابُنَا بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَحَادِيثَنَا أَشْهَرُ وَأَصَحُّ وَأَكْثَرُ رُوَاةً، وَالثَّانِي أَنَّا نَحْمِلُ أَحَادِيثَنَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْحَدِيثَيْنِ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، قَالَ: فَفِيهِ تَصْرِيحٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَنَحْوِهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِلْكُسُوفِ وَكَانَ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ اهـ. وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ امْتِنَاعِ نَقْصِ رُكُوعٍ مِنْهَا لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ قَصَدَ فِعْلَهَا بِالرُّكُوعَيْنِ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْأُمِّ أَنَّ مَنْ صَلَّى الْكُسُوفَ وَحْدَهُ ثُمَّ أَدْرَكَهَا مَعَ الْإِمَامِ صَلَّاهَا مَعَهُ
. (وَالْأَكْمَلُ) فِيهَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ (أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) وَمَا يَتَقَدَّمُهَا مِنْ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ.
(الْبَقَرَةَ) أَوْ قَدْرَهَا إنْ لَمْ يُحْسِنْهَا.
(وَفِي الثَّانِي كَمِائَتَيْ آيَةٍ مِنْهَا، وَفِي الثَّالِثِ مِائَةً وَخَمْسِينَ) مِنْهَا (وَالرَّابِعِ مِائَةً تَقْرِيبًا) وَفِي نَصٍّ آخَرَ لِلثَّانِي آلَ عِمْرَانَ أَوْ قَدْرَهَا، وَفِي الثَّالِثِ النِّسَاءَ أَوْ قَدْرَهَا، وَفِي الرَّابِعِ الْمَائِدَةَ أَوْ قَدْرَهَا وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَفِي اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ لِلْقِرَاءَةِ فِي الْقَوْمَةِ الثَّانِيَةِ وَجْهَانِ فِي الرَّوْضَةِ.
قَالَ: وَهُمَا الْوَجْهَانِ فِي التَّعَوُّذِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَيْ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الِاسْتِحْبَابُ.
(وَيُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ قَدْرَ مِائَةٍ مِنْ الْبَقَرَةِ وَفِي الثَّانِي ثَمَانِينَ وَالثَّالِثِ سَبْعِينَ وَالرَّابِعِ خَمْسِينَ تَقْرِيبًا) وَيَقُولُ فِي الرَّفْعِ مِنْ كُلِّ رُكُوعٍ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ
[حاشية قليوبي]
لِأَجْلِ مُقَابِلِ الْأَصَحِّ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ) أَيْ فُرَادَى لِمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَقُدِّمَتْ) لِأَنَّهَا الْمُتَيَقَّنَةُ وَغَيْرُهَا مُحْتَمَلٌ إذْ لَمْ يُرِدْ تَكَرُّرَ فِعْلِهَا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
بِعَدَدِ الرِّوَايَاتِ.
وَحِينَئِذٍ فَيَمْتَنِعُ غَيْرُهَا ابْتِدَاءً وَدَوَامًا وَالْجَوَابُ بِحَمْلِ الرِّوَايَاتِ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، بَلْ هُوَ سَبْقُ قَلَمٍ لِاقْتِضَائِهِ جَوَازَ فِعْلِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ رُكُوعَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (أَشْهُرُ وَأَصَحُّ) فَامْتَنَعَ غَيْرُهَا مِمَّا فِيهِ زِيَادَةٌ لَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ فَيَجُوزُ.
وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَعَ مَا بَعْدَهُ.
كَمَا مَشَى عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ.
قَوْلُهُ: (وَحْدَهُ) وَكَذَا جَمَاعَةً كَمَا مَرَّ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ جَوَازِ إعَادَتِهَا فِي جَمَاعَةٍ
. قَوْلُهُ: (وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَقْرَأَ) وَإِنْ عَلِمَ الِانْجِلَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ لَمْ يَرْضَ الْمَأْمُومُونَ أَوْ لَمْ يَنْحَصِرُوا، نَعَمْ يُخَفِّفُ لِنَحْوِ ضِيقِ وَقْتِ جُمُعَةٍ.
قَوْلُهُ: (قَدْرَهَا) أَيْ الْبَقَرَةِ وَهِيَ مِائَتَانِ وَثَمَانُونَ وَسِتُّ آيَاتٍ، وَآلُ عِمْرَانَ مِائَتَا آيَةٍ، وَالنِّسَاءُ مِائَةٌ وَسَبْعُونَ وَسِتُّ آيَاتٍ، وَالْمَائِدَةُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ آيَةً.
فَالْمُرَادُ مِنْ الْقَدْرِ فِي الْجَمِيعِ الْآيَاتُ الْمُعْتَدِلَةُ.
قَوْلُهُ: (وَهُمَا) أَيْ النَّصَّانِ الْمَذْكُورَانِ مُتَقَارِبَانِ، إذْ السُّورَةُ الثَّالِثَةُ تَزِيدُ عَلَى مُقَابِلِهَا بِنَحْوِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ آيَةً، وَالرَّابِعَةُ تَزِيدُ عَلَى مُقَابِلِهَا بِنَحْوِ عِشْرِينَ آيَةً.
قَوْلُهُ: (فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) قَيَّدَ بِهَا لِأَنَّهَا مَحَلُّ طَلَبِ الْقِرَاءَةِ كَمَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ قَوْلُهُ: (وَيُسَبِّحُ) وَإِنْ عَلِمَ الِانْجِلَاءَ
[حاشية عميرة]
وَالثَّانِي يُزَادُ) هُوَ مُمْكِنٌ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَعَلَّ وَجْهَهُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِامْتِدَادِهِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ رِوَايَاتِ الرُّكُوعَيْنِ إلَخْ) اُنْظُرْ لَوْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ وَأَحْرَمَ، وَأَطْلَقَ هَلْ يَنْصَرِفُ إلَى النَّوْعِ الَّذِي فِي الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَدِيثَيْنِ) الْمُرَادُ بِهِمَا حَدِيثُ أَبِي دَاوُد وَغَيْرُهُ الْمَأْخُوذَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ، وَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُنَافِي إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ اعْتِرَاضِ الْإِسْنَوِيِّ، بِأَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ النَّقْصُ بِسَبَبِ الِانْجِلَاءِ، لِتَعُودَ إلَى رَكْعَتَيْنِ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ، فَلَأَنْ يَمْتَنِعَ ذَلِكَ بِلَا سَبَبٍ أَوْلَى، وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ فِيمَا سَلَفَ هَذَا أَقَلُّهَا، كَمَا فِي الرَّوْضَةِ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى أَقَلِّ الْكَمَالِ، لِئَلَّا يُنَافِيَ مَا تَقَرَّرَ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(فَرْعٌ) لَوْ نَوَاهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ أَنْ يَزِيدَ رُكُوعًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ، وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ قُوَّةِ كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَقْرَأَ إلَخْ) ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّ التَّطْوِيلَ مَطْلُوبٌ وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُونَ غَيْرَ مَحْصُورِينَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (كَمِائَتَيْ آيَةٍ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُرِيدَ الْآيَاتِ الْمُتَوَسِّطَةَ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ.
قَوْلُهُ: (وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ) قَدْ يُقَالُ كَيْفَ التَّقَارُبُ فِي الْقِيَامِ الثَّالِثِ، إلَّا أَنْ يُعْتَذَرَ بِأَنَّ مِائَةً وَخَمْسِينَ مِنْ الْبَقَرَةِ، قَدْ تَكُونُ آيَاتُهَا مُقَارِبَةً لِلنِّسَاءِ، وَفِيهِ
إلَى آخِرِهِ رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى» . قَالَ مُسْلِمٌ: «وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ» .
وَرَوَيَا أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي قِرَاءَةً طَوِيلَةً، وَهِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، وَأَنَّهُ قَالَ فِي الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعَيْنِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» . (وَلَا يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ فِي الْأَصَحِّ) كَالْجُلُوسِ بَيْنَهَا وَالِاعْتِدَالِ وَالتَّشَهُّدِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ، وَحَكَى فِيهِ وَفِي الرَّوْضَةِ الْخِلَافَ قَوْلَيْنِ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ: فِيهِ قَوْلَانِ، وَيُقَالُ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَ فِي الْمُحَرَّرِ الْأَظْهَرَ وَقِيسَ مُقَابِلُهُ عَلَى الرُّكُوعِ.
(قُلْت: الصَّحِيحُ تَطْوِيلُهَا) كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ.
(ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ) فِي صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكُسُوفِ الشَّمْسِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَلَفْظُهُ: «فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ مَا رَأَيْته قَطُّ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاتِهِ» ، وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَلَفْظُهَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، فَسَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا، وَفِي الثَّانِيَةِ: ثُمَّ سَجَدَ وَهُوَ دُونَ السُّجُودِ الْأَوَّلِ» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «مَا رَكَعْت رُكُوعًا قَطُّ وَلَا سَجَدْت سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ» . وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ تَطْوِيلَ السُّجُودِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
(وَنَصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ يُطَوِّلُهَا نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) قَالَ الْبَغَوِيّ: فَالسُّجُودُ الْأَوَّلُ كَالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، وَالسُّجُودُ الثَّانِي كَالرُّكُوعِ الثَّانِي، وَاخْتَارَهُ فِي الرَّوْضَةِ
(وَتُسَنُّ جَمَاعَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَنْ نَائِبِ الْفَاعِلِ أَيْ تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا وَيُنَادَى لَهَا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ كَمَا «فَعَلَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ جَمَاعَةً، وَبَعَثَ لَهَا مُنَادِيًا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ» . رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ، وَتُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَتُسَنُّ فِي الْجَامِعِ.
(وَيَجْهَرُ بِقِرَاءَةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ لَا الشَّمْسِ) لِأَنَّ الْأُولَى فِي اللَّيْلِ، وَالثَّانِيَةَ فِي النَّهَارِ، وَمَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ
[حاشية قليوبي]
كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ) وَصَحَّ أَنَّهُ انْخَسَفَ الْقَمَرُ أَيْضًا وَصَلَّى لَهُ وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَالِاعْتِدَالِ) وَمَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ طَوِيلٌ شَاذٌّ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمُحَرَّرِ الْأَظْهَرَ إلَخْ) فَالْمُصَنِّفُ لَمْ يُوَافِقْ فِي تَعْبِيرِهِ الْوَاقِعِ وَلَا أَصْلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّحِيحُ) الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْأَصَحِّ كَمَا فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ، أَوْ بِالْأَظْهَرِ لِأَنَّ الْخِلَافَ أَقْوَالٌ كَمَا مَرَّ، إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ بِمَعْنَى الرَّاجِحِ أَوْ يُقَالَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى رَدِّ تَعْبِيرِ الرَّافِعِيِّ بِالْأَظْهَرِ الْمُشْعِرِ بِقُوَّةِ الْخِلَافِ.
وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ خِلَافُ اصْطِلَاحِهِ.
قَوْلُهُ: (ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ) فِي هَذَا أَوْ مَا سَيَأْتِي بِقَوْلِهِ: وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ إلَخْ رَدٌّ عَلَى الرَّافِعِيِّ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّ النَّصَّ مُقَدَّمٌ.
قَوْلُهُ: (فِي الْبُوَيْطِيِّ) نِسْبَةً إلَى بُوَيْطَ قَرْيَةٍ بِصَعِيدِ مِصْرَ الْأَدْنَى، وَهُوَ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى الْقُرَشِيُّ، كَانَ خَلِيفَةَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي حَلْقَتِهِ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَالسُّجُودُ الْأَوَّلُ كَالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ وَالسُّجُودُ الثَّانِي كَالرُّكُوعِ الثَّانِي) وَهَكَذَا فَيُسَبِّحُ قَدْرَ مِائَةِ آيَةٍ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ فِي الْأَوَّلِ، ثُمَّ ثَمَانِينَ فِي الثَّانِي، ثُمَّ سَبْعِينَ فِي الثَّالِثِ، ثُمَّ خَمْسِينَ فِي الرَّابِعِ أَوْ بِبَعْضٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُطِيلُ الِاعْتِدَالَ وَلَا الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: (وَاخْتَارَهُ) يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلَى كَلَامِ الْبَغَوِيّ، وَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلَى الْحُكْمِ كُلِّهِ
. قَوْلُهُ: (وَتُسَنُّ جَمَاعَةً) وَغَيْرَ جَمَاعَةٍ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْعِيدِ.
وَكَذَا فِي حُضُورِ النِّسَاءِ
[حاشية عميرة]
نَظَرٌ بِاعْتِبَارِ الْمِائَتَيْنِ فِي الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ قَرَأَ) صَرَّحَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي، بِخِلَافِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (وَالِاعْتِدَالُ) قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَطْوِيلُ الِاعْتِدَالِ، لَكِنْ أَجَابَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّهَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، مُخَالِفَةٌ لِرِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ.
قَوْلُهُ: (وَأَطْلَقَ فِي الْمُحَرَّرِ الْأَظْهَرَ) أَيْ لَمْ يَقُلْ أَظْهَرَ الْوَجْهَيْنِ، وَلَا أَظْهَرَ الْقَوْلَيْنِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَلَيْتَ الْمُؤَلِّفَ تَرَكَ مَا فِي الْمُحَرَّرِ عَلَى حَالِهِ، أَيْ لِيُفِيدَ أَنَّ الْخِلَافَ قَوْلَانِ: مُوَافَقَةٌ لِاصْطِلَاحِهِ، وَلِمَا فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ.
قَوْلُهُ: (وَاخْتَارَهُ فِي الرَّوْضَةِ) يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلَى مَقَالَةِ الْبَغَوِيّ، وَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلَى الْحُكْمِ كُلِّهِ.
قَوْلُهُ: (بِالنَّصْبِ إلَخْ) دَفْعٌ لِاعْتِرَاضِ الْإِسْنَوِيِّ عَلَى نَصْبِهَا حَالًا، أَوْ رَفْعِهَا الْمُحْوِجِ إلَى
«أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ» ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُسُوفٍ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا» ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْإِسْرَارَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَالْجَهْرَ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ الصَّلَاةِ (يَخْطُبُ الْإِمَامُ) كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
(خُطْبَتَيْنِ بِأَرْكَانِهِمَا فِي الْجُمُعَةِ) قِيَاسًا عَلَيْهَا (وَيَحُثُّ) النَّاسَ فِيهِمَا (عَلَى التَّوْبَةِ وَالْخَيْرِ) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْإِعْتَاقِ وَالصَّدَقَةِ وَيُحَذِّرُهُمْ الْغَفْلَةَ وَالِاغْتِرَارَ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ» ، وَيَخْطُبُ إمَامُ الْمُسَافِرِينَ، وَلَا تَخْطُبُ إمَامَةُ النِّسَاءِ، وَلَوْ قَامَتْ وَاحِدَةٌ وَعَظَتْهُنَّ فَلَا بَأْسَ.
(وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعٍ أَوَّلٍ) مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ.
(أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ (أَوْ فِي) رُكُوعٍ (ثَانٍ أَوْ قِيَامٍ ثَانٍ) مِنْ أَيِّ رَكْعَةٍ (فَلَا) يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ أَيْ شَيْئًا مِنْهَا (فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّ الرُّكُوعَ الثَّانِيَ وَقِيَامَهُ كَالتَّابِعِ لِلْأَوَّلِ وَقِيَامِهِ، وَالثَّانِي يُدْرِكُ مَا لَحِقَ بِهِ الْإِمَامُ وَيُدْرِكُ بِالرُّكُوعِ الْقَوْمَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَسَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ هُوَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ وَاعْتَدَلَ وَجَلَسَ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ، وَسَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ ثُمَّ أَتَى بِالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِرُكُوعِهَا، وَضَعُفَ هَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْإِتْيَانَ فِيهِ بِقِيَامٍ وَرُكُوعٍ مِنْ غَيْرِ سُجُودٍ مُخَالِفٌ لِنَظْمِ الصَّلَاةِ.
(وَتَفُوتُ صَلَاةُ) كُسُوفِ (الشَّمْسِ بِالِانْجِلَاءِ) لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِهَا، وَقَدْ حَصَلَ.
وَلَوْ انْجَلَى بَعْضُهَا فَلَهُ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ لِلْبَاقِي كَمَا لَوْ لَمْ يَنْكَشِفْ مِنْهَا إلَّا ذَلِكَ الْقَدْرُ، وَلَوْ حَالَ سَحَابٌ، وَشَكَّ فِي الِانْجِلَاءِ صَلَّى لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكُسُوفِ، وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَ غَمَامٍ فَظَنَّ الْكُسُوفَ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ.
(وَبِغُرُوبِهَا كَاسِفَةً) لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ.
(وَ) تَفُوتُ صَلَاةُ كُسُوفِ.
(الْقَمَرِ بِالِانْجِلَاءِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَطُلُوعِ الشَّمْسِ) لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ بَعْدَ طُلُوعِهَا (لَا) طُلُوعِ
[حاشية قليوبي]
فِيهَا
. قَوْلُهُ: (يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إلَخْ) هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى لِكُلٍّ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ يَخْطُبُ) فَلَوْ قَدَّمَهَا لَمْ تَصِحَّ وَيَحْرُمُ إنْ قَصَدَهَا كَمَا فِي الْعِيدِ، وَلَا يُنْدَبُ فِيهَا وَلَا فِي صَلَاتِهَا اسْتِغْفَارٌ، وَلَا تَكْبِيرٌ وَلَا تَكْفِي خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيُنْدَبُ هُنَا ثِيَابُ الْبِذْلَةِ وَالْمِهْنَةِ، وَعَدَمُ التَّزَيُّنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَمَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَيُحَرِّضُهُمْ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ أَوْ قَاضِي الْمَحَلِّ أَوْ غَيْرُهُ كَمَا يَأْتِي، وَيَجِبُ مَا ذَكَرَ بِالْأَمْرِ كَمَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَخْطُبُ إمَامُ الْمُسَافِرِينَ) وَكَذَا إمَامُ الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ.
وَكَذَا إمَامُ النِّسَاءِ كَمَا مَرَّ فِي الْعِيدِ
. قَوْلُهُ: (أَيْ شَيْئًا مِنْهَا) يُشِيرُ إلَى أَنَّ عَدَمَ إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ لَا خِلَافَ فِيهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَتَى إلَخْ) فَعَلَيْهِ يَتَوَالَى ثَلَاثُ قِيَامَاتٍ وَثَلَاثُ رُكُوعَاتٍ.
قَوْلُهُ: (وَتَفُوتُ صَلَاةُ إلَخْ) وَيَلْزَمُهُ فَوَاتُ الْخُطْبَةِ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ فَلَوْ انْجَلَتْ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ تَفُتْ الْخُطْبَةُ وَعَلَى هَذِهِ يُحْمَلُ مَا فِي الْمَنْهَجِ، وَشَرْحِ شَيْخِنَا وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهَا وَعْظٌ، وَقَوْلُ شَيْخِنَا بِعَدَمِ فَوَاتِ الْخُطْبَةِ فِي الْحَالِ الْأُولَى فِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (بِالِانْجِلَاءِ) أَيْ التَّامِّ يَقِينًا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا فَلَهُ الشُّرُوعُ مَعَ الشَّكِّ فِيهِ فَإِنْ تَبَيَّنَ الِانْجِلَاءُ قَبْلَ الشُّرُوعِ بَطَلَتْ إنْ كَانَ قَبْلَ الْفَرَاغِ وَإِلَّا وَقَعَتْ نَفْلًا إنْ فَعَلَهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَإِلَّا فَلَا وَلَا يَضُرُّ الِانْجِلَاءُ فِي أَثْنَائِهَا، قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَلَا تُوصَفُ بِأَدَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ، ثُمَّ قَالَ وَلَا مَانِعَ مِنْ وَصْفِهَا بِذَلِكَ كَغَيْرِهَا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ قَبْلَ الِانْجِلَاءِ أَوْ دُونَهَا.
قَوْلُهُ: (صَلَّى) وَإِنْ قَالَ الْمُنَجِّمُونَ إنَّهَا انْجَلَتْ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَسْتَيْقِنَ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ الْكُسُوفِ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي ظَنُّهُ أَيْضًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَخْبَارِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي خَبَرُ عَدْلَيْنِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ، وَلَا عَدَدُ التَّوَاتُرِ عَنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحْسُوسٍ.
وَمِنْهُ إخْبَارُ الْمُنَجِّمِينَ سَوَاءٌ أَخْبَرُوا بِوُجُودِهِ أَوْ دَوَامِهِ.
هَكَذَا عَنْ شَيْخِنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: وَلِيَ بِهِ أُسْوَةٌ أَنَّهُ يَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِخَبَرِ عَدْلٍ وَلَوْ عَنْ غَيْرِهِ مُشَاهَدَةً بَلْ وَبِخَبَرِ نَحْوِ صَبِيٍّ اعْتَقَدَ صِدْقَهُ،
[حاشية عميرة]
التَّقْدِيرِ
. قَوْلُهُ: (وَالْجَهْرُ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ) أَيْ فَيَكُونُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ صَلَّى لِكُسُوفِ الْقَمَرِ
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ فِي ثَانٍ أَوْ قِيَامٍ ثَانٍ إلَخْ) وَأَمَّا بَعْدَهُمَا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ سِوَى الْجَمَاعَةِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ شَيْئًا مِنْهَا) هِيَ عِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ وَهِيَ أَوْضَحُ.
قَوْلُهُ: (قَامَ هُوَ إلَخْ) أَيْ وَلَا يَسْجُدُ، لِأَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ بِالرُّكُوعِ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْقِيَامِ فَلَأَنْ يَحْصُلَ لَهُ السُّجُودُ الَّذِي فَعَلَهُ بِالْأَوْلَى
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتَفُوتُ صَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ إلَخْ) . بِمَعْنَى يَمْتَنِعُ فِعْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، لَا بِمَعْنَى فَوَاتِ الْأَدَاءِ.
(الْفَجْرِ فِي الْجَدِيدِ) لِبَقَاءِ الِانْتِفَاعِ بِضَوْئِهِ وَالْقَدِيمُ تَفُوتُ بِهِ لِذَهَابِ اللَّيْلِ.
(وَلَا بِغُرُوبِهِ) قَبْلَ الْفَجْرِ.
(خَاسِفًا) كَمَا لَوْ اسْتَتَرَ بِغَمَامٍ وَلَوْ خَسَفَ بَعْدَ الْفَجْرِ صَلَّى فِي الْجَدِيدِ غَابَ أَمْ لَا، وَقِيلَ إنْ لَمْ يَغِبْ صَلَّى قَطْعًا، وَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ وَطَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ تَبْطُلْ كَمَا لَوْ انْجَلَى الْكُسُوفُ فِي الْأَثْنَاءِ.
(وَلَوْ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ أَوْ فَرْضٌ آخَرُ قُدِّمَ الْفَرْضُ) الْجُمُعَةُ أَوْ غَيْرُهَا (إنْ خِيفَ فَوْتُهُ) لِضِيقِ وَقْتِهِ فَفِي الْجُمُعَةِ يَخْطُبُ لَهَا ثُمَّ يُصَلِّيهَا، ثُمَّ يُصَلِّي الْكُسُوفَ ثُمَّ يَخْطُبُ لَهَا.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْفَرْضِ (فَالْأَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْكُسُوفِ) لِتَعَرُّضِهَا لِلْفَوَاتِ بِالِانْجِلَاءِ (ثُمَّ يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ) فِي صُورَتِهَا (مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَهُ وَالْجُمُعَةَ بِالْخُطْبَتَيْنِ لِأَنَّهُ تَشْرِيكٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ.
(ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ) وَالثَّانِي يُقَدِّمُ الْجُمُعَةَ أَوْ الْفَرْضَ الْآخَرَ لِأَنَّهُمَا أَهَمُّ.
(وَلَوْ اجْتَمَعَ عِيدٌ أَوْ كُسُوفٌ وَجِنَازَةٌ قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ)
[حاشية قليوبي]
كَمَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ.
وَالتَّعْلِيلُ بِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ هُنَا لِلِاحْتِيَاطِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا نَظِيرَ لَهَا مَمْنُوعٌ بِمَا مَرَّ مِنْ جَوَازِ الشُّرُوعِ فِيهَا مَعَ الشَّكِّ فِي الِانْجِلَاءِ مَعَ أَنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْمَنْعِ فِيهَا إذَا فَعَلَهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِبَقَاءِ الِانْتِفَاعِ بِضَوْئِهِ) أَيْ لِبَقَاءِ وَقْتِ الِانْتِفَاعِ بِضَوْئِهِ فَلَهُ الشُّرُوعُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَإِنْ غَرَبَ كَاسِفًا قَبْلَهُ، وَيَجْهَرُ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ
. قَوْلُهُ: (أَوْ فَرْضٌ آخَرُ) وَلَوْ مَنْذُورًا لِأَنَّهُ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ.
قَوْلُهُ: (تَقْدِيمُ الْكُسُوفِ) أَيْ صَلَاتِهِ، وَيُنْدَبُ تَخْفِيفُهَا بِقِرَاءَةِ سُورَةٍ قَصِيرَةٍ، وَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ، وَالْأَوْلَى صَلَاتُهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَيُؤَخِّرُ خُطْبَتَهَا لِمَا بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ كَمَا فِي تَحْرِيرِ الْعِرَاقِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَهُ إلَخْ) بَلْ يَجِبُ قَصْدُ الْجُمُعَةِ هُنَا وَحْدَهَا لِوُجُودِ الصَّارِفِ، فَلَا تَصِحُّ مَعَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَالْمُرَادُ الْقَصْدُ فِي الْأَرْكَانِ فَلَا يَتَنَاقَضُ بِقَوْلِهِ: مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ لِأَنَّهُ فِيمَا بَيْنَ الْأَرْكَانِ.
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَسْقُطُ خُطْبَةُ الْكُسُوفِ اسْتِغْنَاءً بِالتَّعَرُّضِ الْمَذْكُورِ.
وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْكُسُوفِ لَا تَفُوتُ خُطْبَتُهُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (تَشْرِيكٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ) أَيْ نَفْلٍ مَقْصُودٍ فَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ اجْتَمَعَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ فَهُوَ كَاجْتِمَاعِ الْفَرْضِ مَعَ الْكُسُوفِ لَكِنْ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ الصَّلَاتَيْنِ وَيُؤَخِّرَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَحِينَئِذٍ فَلَهُ أَنْ يَقْصِدَهُمَا مَعًا بِالْخُطْبَةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ عَدَمَ صِحَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ سُنَّتَيْنِ مَقْصُودَتَيْنِ مِنْ الصَّلَوَاتِ، كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ، مَعَ مَنْعِهِ ذَلِكَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ كَمَا مَرَّ قَبْلَهُ
. قَوْلُهُ: (قُدِّمَتْ) أَيْ الْجِنَازَةُ وُجُوبًا إنْ خِيفَ تَغَيُّرُ الْمَيِّتِ وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَلَوْ فَرْضًا وَلَوْ جُمُعَةً، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ تَغَيُّرُهُ قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ وُجُوبًا أَيْضًا إنْ اتَّسَعَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَلَوْ فَرْضًا فَإِنْ خِيفَ خُرُوجُ وَقْتِ الْفَرْضِ قُدِّمَ عَلَيْهَا.
وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ صَلَوَاتٌ فَعِنْدَ أَمْنِ الْفَوَاتِ تُقَدَّمُ الْجِنَازَةُ ثُمَّ الْكُسُوفُ ثُمَّ الْفَرِيضَةُ أَوْ الْعِيدُ، وَعِنْدَ خَوْفِ الْفَوَاتِ تُقَدَّمُ الْفَرِيضَةُ ثُمَّ الْجِنَازَةُ إلَّا مَعَ خَوْفِ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ كَمَا مَرَّ.
ثُمَّ الْعِيدُ ثُمَّ الْكُسُوفُ تَقْدِيمًا لِلْأَخْوَفِ، فَالْآكَدُ أَيْ بَعْدَ تَقْدِيمِ الْأَهَمِّ الَّذِي هُوَ الْفَرْضُ وَلَوْ قَالَ قُدِّمَ مَا يُخَافُ فَوْتُهُ مُطْلَقًا ثُمَّ الْأَهَمُّ فَالْأَخْوَفُ.
فَالْآكَدُ لَكَانَ أَوْلَى وَلَا مَانِعَ مِنْ اجْتِمَاعِ الْكُسُوفِ مَعَ الْعِيدِ أَوْ بِفَرْضِ وُقُوعِهِ.
(تَنْبِيهٌ) إذَا قُدِّمَ الْكُسُوفُ عَلَى الْفَرْضِ صَلَّى الْفَرْضَ ثُمَّ خَطَبَ لِلْكُسُوفِ.
[حاشية عميرة]
(تَنْبِيهٌ) تَقْيِيدُهُ الْفَوَاتَ بِالصَّلَاةِ، يَقْتَضِي أَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَفُوتُ بِذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْفَجْرِ) لَا يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ مَا قِيلَ: إنَّ الْقَمَرَ لَا يَخْسِفُ إلَّا فِي لَيْلَةِ الثَّالِثَ عَشَرَ، أَوْ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَهُوَ فِيهِمَا لَا يَغِيبُ قَبْلَ الْفَجْرِ، لِأَنَّ هَذَا قَوْلُ الْمُنَجِّمِينَ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 39] ، وَلِأَنَّ الْفَقِيهَ يَفْرِضُ الْمَسَائِلَ لِلتَّدْرِيبِ، وَإِنْ لَمْ تَقَعْ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ خَسَفَ بَعْدَ الْفَجْرِ إلَخْ) لَوْ غَابَ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، قَالَ فِي الْكِفَايَةِ، فَيَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، فِيمَا لَوْ غَابَ بَعْدَ الْفَجْرِ خَاسِفًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (تَقْدِيمُ الْكُسُوفِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَعَلَى هَذَا يَقْرَأُ فِي كُلِّ قِيَامٍ بِالْفَاتِحَةِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَمَا أَشْبَهَهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ.
(تَنْبِيهٌ) إذَا قُدِّمَ الْكُسُوفُ عَلَى فَرْضٍ غَيْرِ الْجُمُعَةِ، فَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ تَقْدِيمُ الْخُطْبَةِ أَيْضًا، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ لِأَنَّهَا لَا تَفُوتُ بِالِانْجِلَاءِ، وَأَيْضًا فَقَوْلُهُمْ يَقْتَصِرُ عَلَى الْفَاتِحَةِ إلَخْ.
يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْت فِي تَحْرِيرِ الْعِرَاقِيِّ نَقْلًا عَنْ التَّنْبِيهِ، أَنَّهُ يُصَلِّي الْكُسُوفَ ثُمَّ الْفَرْضَ ثُمَّ يَخْطُبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُدِّمَتْ) أَيْ إنْ حَضَرَ وَلِيُّهَا؛ وَغَيْرُ الْجُمُعَةِ مِنْ الْفِرَاضِ كَالْجُمُعَةِ، وَمِنْ ثَمَّ تَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ مُخْطِئُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ الْآنَ، مِنْ تَأْخِيرِ الْجِنَازَةِ مَعَ اتِّسَاعِ وَقْتِ الْفَرْضِ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَهَذَا خَطَأٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ اهـ.
لِمَا يُخَافُ مِنْ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ بِتَأَخُّرِهَا، وَإِنْ اجْتَمَعَ جُمُعَةٌ وَجِنَازَةٌ وَلَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ، وَإِنْ ضَاقَ قُدِّمَتْ الْجُمُعَةُ، وَلَوْ اجْتَمَعَ خُسُوفٌ وَوِتْرٌ قُدِّمَ الْخُسُوفُ وَإِنْ خِيفَ فَوَاتُ الْوِتْرِ لِأَنَّهَا آكَدُ.
بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ أَيْ طَلَبُ السُّقْيَا، وَسَيَأْتِي أَنَّهَا رَكْعَتَانِ.
(هِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ) لِانْقِطَاعِ مَاءِ الزَّرْعِ أَوْ قِلَّتِهِ بِحَيْثُ لَا يَكْفِي بِخِلَافِ انْقِطَاعِ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَوْ انْقَطَعَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتَاجَتْ سُنَّ لِغَيْرِهِمْ أَيْضًا أَنْ يُصَلُّوا وَيَسْتَسْقُوا لَهُمْ وَيَسْأَلُوا الزِّيَادَةَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَسَوَاءٌ فِي سَنِّهَا أَهْلُ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَالْبَوَادِي وَالْمُسَافِرُونَ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَاجَةِ وَقَدْ فَعَلَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
(وَتُعَادُ ثَانِيًا وَثَالِثًا إنْ لَمْ يُسْقَوْا) حَتَّى يَسْقِيَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ تَأَهَّبُوا لِلصَّلَاةِ فَسُقُوا قَبْلَهَا اجْتَمَعُوا لِلشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَيُصَلُّونَ عَلَى الصَّحِيحِ) شُكْرًا.
وَالثَّانِي اسْتَنَدَ إلَى «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ إلَّا عِنْدَ
[حاشية قليوبي]
فَرْعٌ) قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: يُقَدِّمُ عَرَفَةَ إذَا خِيفَ فَوْتُهَا عَلَى انْفِجَارِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ بِلَا مَشَقَّةٍ بِخِلَافِ قَضَاءِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَشُقُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ الَّتِي وُقُوعُهَا نَادِرٌ عَنْ الْكُسُوفِ، يُقَالُ: سَقَاهُ وَأَسْقَاهُ بِمَعْنًى.
وَيُقَالُ: سَقَاهُ لِلْخَيْرِ ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: 21] . وَأَسْقَاهُ لِغَيْرِهِ ﴿لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: 16] وَشُرِعَتْ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ الْهِجْرَةِ.
وَيَظْهَرُ أَنَّهَا مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (طَلَبُ السُّقْيَا) أَيْ لُغَةً مِنْ اللَّهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَسِينُهَا لِلطَّلَبِ وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ، وَشَرْعًا طَلَبُ سُقْيَا الْعِبَادِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ حَاجَتِهِمْ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَدْنَاهَا مُطْلَقُ الدُّعَاءِ، وَيَلِيهِ الدُّعَاءُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَلَوْ نَفْلًا، وَأَعْلَاهَا الصَّلَاةُ بِالْكَيْفِيَّةِ الْآتِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَسَيَأْتِي إلَخْ) هُوَ بَيَانٌ لِمَرْجِعِ الضَّمِيرِ بِقَوْلِهِ هِيَ سُنَّةٌ أَيْ مُؤَكَّدَةٌ.
قَوْلُهُ: (لِانْقِطَاعِ مَاءٍ) وَكَذَا لِمُلُوحَتِهِ، وَنَحْوِهَا وَالزَّرْعُ لَيْسَ قَيْدًا فَالْوَجْهُ إسْقَاطُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ انْقَطَعَ إلَخْ) هُوَ مِمَّا دَخَلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَتَوَهَّمَ فِي الْمَنْهَجِ أَنَّ الشَّارِحَ أَوْرَدَهُ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَجَعَلَهُ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ لِأَنْفُسِهِمْ فِيهَا نَفْعٌ لَهُمْ فَلَا تَخْلُو عَنْ حَاجَةٍ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (عَنْ طَائِفَةٍ) أَيْ غَيْرِ أَهْلِ بِدْعَةٍ أَوْ بَغْيٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُسَافِرُونَ) وَكَذَا النِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ، وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِمْ هُنَا لِطَلَبِ خُرُوجِهِمْ فِيمَا يَأْتِي أَوْ لِأَنَّ الْكَامِلِينَ هُمْ الْمَقْصُودُونَ بِالْأَصَالَةِ، وَفِي صَلَاتِهِمْ وَالْخُطْبَةِ لَهُمْ مَا مَرَّ فِي الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ.
قَوْلُهُ: (وَتُعَادُ) وَلَوْ لِمُنْفَرِدٍ فَلَا تَتَقَيَّدُ إعَادَتُهَا بِجَمَاعَةٍ، وَلَا بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ بَلْ حَتَّى يَحْصُلَ الْمَقْصُودُ ثُمَّ إنْ اشْتَدَّتْ الْحَاجَةُ لَمْ تَتَوَقَّفْ إعَادَتُهَا عَلَى صَوْمٍ وَإِلَّا فَمَعَهُ كَمَا فِي الِابْتِدَاءِ.
قَوْلُهُ: (لِلصَّلَاةِ) بِلَا صَوْمٍ أَوْ مَعَهُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَيُصَلُّونَ) أَيْ بِالْهَيْئَةِ الْآتِيَةِ مَعَ الْخُطْبَةِ وَإِنَّمَا لَمْ تَمْتَنِعْ بِفَوَاتِ سَبَبِهَا كَمَا مَرَّ فِي الْكُسُوفِ لِأَنَّهُ لَا غِنَى لِلنَّاسِ عَنْ وُجُودِ الْغَيْثِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، إذْ لَا يَخْلُو عَمَّنْ
[حاشية عميرة]
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: قَضِيَّةُ تَعْلِيلِهِمْ تَخَوُّفَ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ، أَنَّ تَقْدِيمَ الْجِنَازَةِ عَلَى الْفَرْضِ عِنْدَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ وَاجِبٌ اهـ. وَإِذَا ذَهَبَ مَعَهَا الْوَلِيُّ فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْحَمَّالُونَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّدِيقَ وَالصِّهْرَ وَالزَّوْجَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا بَاقِي أَهْلِ الْبَلَدِ لَوْ أَرَادُوا التَّوَجُّهَ، وَتَرْكَ الْجُمُعَةِ فَالْوَجْهُ الِامْتِنَاعُ.
قَوْلُهُ: (لِمَا يَخَافُ مِنْ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ) أَقُولُ وَلِأَنَّ صَلَاتَهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ.
[بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتُعَادُ إلَخْ) رُوِيَ «أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَالْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ طَاهِرٍ.
نَعَمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ دَعَوْت فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي فَإِنْ قِيلَ لِمَ شُرِعَتْ الْإِعَادَةُ، هُنَا دُونَ الْكُسُوفِ كَمَا سَلَفَ، قُلْت: أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِشِدَّةِ الْحَاجَةِ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَثَالِثًا) أَيْ وَأَكْثَرَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالدُّعَاءِ) أَيْ لِطَلَبِ الزِّيَادَةِ.
قَوْلُهُ: (شُكْرًا) قَالَ صَاحِبُ الْمُذَاكَرَةِ، وَيَنْوُونَ بِصَلَاتِهِمْ الشُّكْرَ، وَيُبَدِّلُونَ الشِّكَايَةَ بِالشُّكْرِ اهـ.
وَقَوْلُ