كِتَابُ الصَّلَاةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القليوبي
- الكتاب
- حاشيتا قليوبي وعميرة
- المؤلف
- أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة
- الناشر
- دار الفكر - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4
- الطبعة
- بدون طبعة، 1415هـ-1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]- بأعلى الصفحة: «شرح العلامة جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين للشيخ محيي الدين النووي»- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد البرلسي عميرة (957هـ.)
وَهُمَا أَصْلُ الْفَخِذَيْنِ (نَاصِبًا رُكْبَتَيْهِ) وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْإِقْعَاءِ فِي الصَّلَاةِ، صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (ثُمَّ يَنْحَنِي) هَذَا الْمُصَلِّي قَاعِدًا (لِرُكُوعِهِ بِحَيْثُ تُحَاذِي جَبْهَتُهُ مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ) وَهَذَا أَقَلُّ رُكُوعِهِ (وَالْأَكْمَلُ أَنْ تُحَاذِيَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ) وَرُكُوعُ الْقَاعِدِ فِي النَّفْلِ كَذَلِكَ، وَهُمَا عَلَى وِزَانِ رُكُوعِ الْقَائِمِ فِي الْمُحَاذَاةِ، وَسَيَأْتِي.
(فَإِنْ عَجَزَ) الْمُصَلِّي (عَنْ الْقُعُودِ) بِالْمَعْنَى السَّابِقِ (صَلَّى لِجَنْبِهِ الْأَيْمَنِ) اسْتِحْبَابًا وَيَجُوزُ عَلَى الْأَيْسَرِ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الْجَنْبِ (فَمُسْتَلْقِيًا) عَلَى ظَهْرِهِ وَرِجْلَاهُ لِلْقِبْلَةِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَكَانَتْ بِهِ بَوَاسِيرُ صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» زَادَ النَّسَائِيّ «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا» ثُمَّ إذَا صَلَّى عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَذِهِ الْهَيْئَاتِ، وَقَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَتَى بِهَا وَإِلَّا أَوْمَأَ بِهِمَا مُنْحَنِيًا، وَقَرَّبَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ.
(وَلِلْقَادِرِ) عَلَى الْقِيَامِ (التَّنَفُّلُ قَاعِدًا وَكَذَا مُضْطَجِعًا فِي الْأَصَحِّ) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ
[حاشية قليوبي]
قَدَمَيْهِ فَإِنَّهُ إقْعَاءٌ مَنْدُوبٌ فِي كُلِّ جُلُوسٍ يَعْقُبُهُ حَرَكَةٌ، وَيُكْرَهُ فِيهِ فَرْشُ قَدَمَيْهِ.
قَوْلُهُ: (نَاصِبًا رُكْبَتَيْهِ) وَإِنْ لَمْ يَضَعْ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَوْلُهُ: (وَهُمَا عَلَى وِزَانِ إلَخْ) أَيْ تَقْرِيبًا فِي الْآتِي وَتَحْقِيقًا هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى.
قَوْلُهُ: (بِالْمَعْنَى السَّابِقِ) وَهُوَ الْمَشَقَّةُ، أَيْ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ فِي أَنْوَاعِ الْقُعُودِ.
قَوْلُهُ: (صَلَّى لِجَنْبِهِ) أَيْ عَلَيْهِ وُجُوبًا قَوْلُهُ: (اسْتِحْبَابًا) مُتَعَلِّقٌ بِالْأَيْمَنِ إنْ قَدَرَ عَلَى الْأَيْسَرِ وَإِلَّا فَوُجُوبًا.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ عَلَى الْأَيْسَرِ) وَإِنْ كَرِهَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَيْمَنِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ وَجَبَ الْأَيْسَرُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْجَنْبِ) أَيْ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْجَنْبَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَمُسْتَلْقِيًا عَلَى ظَهْرِهِ) وَلَا يَجُوزُ مُنْكَبًّا عَلَى وَجْهِهِ إلَّا فِي الْكَعْبَةِ، وَيَظْهَرُ مَنْعُ الِاسْتِلْقَاءِ فِيهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُسَقَّفَةً فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَرِجْلَاهُ لِلْقِبْلَةِ) نَدْبًا إنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا أَوْ كَانَ فِي الْكَعْبَةِ وَهِيَ مُسَقَّفَةٌ وَإِلَّا فَوُجُوبًا.
قَوْلُهُ: (أَتَى بِهِمَا) أَيْ تَامَّيْنِ بِالْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: (أَوْمَأَ بِهِمَا) أَيْ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فَإِنْ عَجَزَ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ وُجُوبًا، فَإِنْ عَجَزَ أَوْمَأَ بِأَجْفَانِهِ كَذَلِكَ، فَإِنْ عَجَزَ فَبِقَلْبِهِ، وَيَجِبُ كَوْنُ الْإِيمَاءِ لِلسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنْهُ إلَى الرُّكُوعِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ فِي بَعْضِهِ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ طَرَأَ الْعَجْزُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَكَمَا مَرَّ مِنْ فِعْلِ الْمُمْكِنِ، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فِي هَوِيِّهِ مِنْ الْقِيَامِ قَبْلَ فَرَاغِ الْفَاتِحَةِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ خِلَافًا لِمَا فِي الْعُبَابِ، وَلَوْ طَرَأَتْ الْقُدْرَةُ فِي أَثْنَائِهَا وَجَبَ النُّهُوضُ فَوْرًا لِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ اضْطِجَاعٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ قِيَامٍ، وَيَجِبُ تَأْخِيرُ الْقِرَاءَةِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا لِمَا انْتَقَلَ إلَيْهِ إنْ كَانَ قَبْلَ فَرَاغِهَا، وَلَا يَقْرَأُ فِي نُهُوضِهِ، وَلَا يُنْدَبُ إعَادَتُهَا، وَلَوْ قَدَرَ فِي الرُّكُوعِ مَثَلًا عَلَى الْقِيَامِ قَامَ رَاكِعًا وُجُوبًا، وَلَوْ بَعْدَ الطُّمَأْنِينَةِ، فَإِنْ انْتَصَبَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَفِيهِ نَظَرٌ بَعْدَ الطُّمَأْنِينَةِ أَوْ فِي الِاعْتِدَالِ عَلَى الْقِيَامِ مَثَلًا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقِيَامُ إنْ كَانَ بَعْدَ الطُّمَأْنِينَةِ إلَّا لِنَحْوِ قُنُوتٍ، فَإِنْ قَامَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَيَجِبُ الْقِيَامُ إنْ كَانَ قَبْلَهَا لِيَطْمَئِنَّ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ التَّنَفُّلُ قَاعِدًا) أَيْ مَعَ إتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلَهُ الْقِيَامُ فِي أَثْنَائِهِ أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلِّ وُجُوبِ الْجُلُوسِ كَالتَّشَهُّدِ الْآخِرِ وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ قُعُودُ الْقَائِمِ وَفِي الْقِرَاءَةِ مَا مَرَّ فِي طُرُوُّ الْعَجْزِ أَوْ الْقُدْرَةِ فِي الْفَرْضِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا مُضْطَجِعًا) أَيْ لَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ أَنْ يُصَلِّيَ النَّفَلَ مُضْطَجِعًا عَلَى أَحَدِ جَنْبَيْهِ ابْتِدَاءً أَوْ فِي الْأَثْنَاءِ مَعَ إتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَيْضًا بِأَنْ يَقْعُدَ لَهُمَا وُجُوبًا، وَلَهُ الْقُعُودُ أَوْ الْقِيَامُ فِي الْأَثْنَاءِ وَفِي الْقِرَاءَةِ مَا مَرَّ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُصَلِّي قَائِمًا أَنْ يَقْرَأَ فِي الْهَوِيِّ لِلرُّكُوعِ، وَلَا فِي النُّهُوضِ لِلْقِيَامِ خِلَافًا لِلْخَطِيبِ.
[حاشية عميرة]
الْجَلَسَاتِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (بِالْمَعْنَى السَّابِقِ) يَعْنِي كَيْفَ شَاءَ، وَالْأَوْجَهُ أَنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لِلْعَجْزِ السَّابِقِ أَوْ لَهُ وَلِلْقُعُودِ مَعًا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَيَجُوزُ عَلَى الْأَيْسَرِ) لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مُسْتَلْقِيًا) أَيْ وَيَجِبُ رَفْعُ رَأْسِهِ بِوِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا لِيَكُونَ وَجْهُهُ لِلْقِبْلَةِ قِيلَ: يَرُدُّ عَلَى الْمِنْهَاجِ جَوَازُ الصَّلَاةِ مُسْتَلْقِيًا لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لِمُدَاوَاةِ بَصَرِهِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ) فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ وَكَذَا بِحَاجِبِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْحَضْرَمِيُّ شَارِحُ الْمُهَذَّبِ، فَإِنْ عَجَزَ أَجْرَى الْأَفْعَالَ عَلَى قَلْبِهِ.
(فَرْعٌ) لَوْ شَرَعَ فِي السُّورَةِ فَعَجَزَ كَمَّلَهَا قَاعِدًا، وَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعُهَا لِيَرْكَعَ.
«مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ» وَالْمُرَادُ بِالنَّائِمِ الْمُضْطَجِعُ وَالْيَمِينُ أَفْضَلُ مِنْ الْيَسَارِ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَيَقْعُدُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقِيلَ: يُومِئُ بِهِمَا وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يَقُولُ لِمَنْ يَقِيسُ الِاضْطِجَاعَ عَلَى الْقُعُودِ: الِاضْطِجَاعُ يَمْحُو صُورَةَ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْقُعُودِ.
قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فَإِنْ اسْتَلْقَى مَعَ إمْكَانِ الِاضْطِجَاعِ لَمْ يَصِحَّ.
(الرَّابِعُ الْقِرَاءَةُ) أَيْ لِلْفَاتِحَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَيُسَنُّ بَعْدَ التَّحَرُّمِ) لِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ (دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ) نَحْوُ " وَجَّهْت وَجْهِي
[حاشية قليوبي]
تَنْبِيهٌ) يُقَدَّمُ الْقِيَامُ الْوَاجِبُ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَيَجُوزُ تَرْكُهُ لَهَا فِي الْمَنْدُوبِ وَانْفِرَادُهُ فِيهِ أَفْضَلُ، وَلَوْ أَمْكَنَهُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الْقِيَامِ دُونَ السُّورَةِ جَازَ لَهُ فِعْلُهَا مِنْ قُعُودٍ وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ.
(فَرْعٌ) الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ وَشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ تَفْضِيلُ عَشْرِ رَكَعَاتٍ مِنْ قِيَامٍ عَلَى عِشْرِينَ رَكْعَةً مِنْ قُعُودٍ لِأَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَلُ وَأَشَقُّ، وَاعْتَمَدَ ابْنُ حَجَرٍ تَفْضِيلَ الْعِشْرِينَ مِنْ حَيْثُ كَثْرَةُ الْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ، وَتَفْضِيلَ الْعَشْرِ مِنْ حَيْثُ الْقِيَامُ، وَتَوَقَّفَ شَيْخُنَا الْبُلْقِينِيُّ فِي ذَلِكَ لِوُجُوهٍ، مِنْهَا أَنَّهُ لَا تَكَادُ أَنْ تَتَّفِقَ الصَّلَاةُ فِي الْخُشُوعِ وَالتَّدَبُّرِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَعَدَمِ حَدِيثِ النَّفْسِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ.
قَالَ: وَالْوَجْهُ أَنْ يُحْمَلَ التَّفْصِيلُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى خُصُوصِ الْقِيَامِ مُجَرَّدًا عَنْ غَيْرِ مُوَلًّى بِهِ أُسْوَةٌ، فَإِنَّهُ وَاضِحٌ جَلِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِالنَّائِمِ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ الْمُضْطَجِعُ لَا حَقِيقَةُ النَّائِمِ لِلْعِلْمِ بِانْتِفَائِهِ بِنَقْضِ وُضُوئِهِ بِالنَّوْمِ، وَتَسْمِيَتُهُ نَائِمًا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ عَلَى صُورَتِهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَالْيَمِينُ) أَيْ الْجَنْبُ الْيَمِينُ أَفْضَلُ مِنْ الْجَنْبِ الْيَسَارِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِمَا مَعًا وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْمَقْدُورُ مِنْهُمَا، وَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِمَا فَهَلْ يُكْرَهُ الْيَسَارُ عَلَى نَظِيرِ مَا مَرَّ فِي الْعَاجِزِ فِي الْفَرْضِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يُومِئُ بِهِمَا) أَيْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى جَنْبِهِ، وَالْإِيمَاءُ عَلَى هَذَا بِالْأَجْفَانِ أَوْ بِالْقَلْبِ، وَظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِالثَّانِي مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَوَّلِ فَرَاجِعْ ذَلِكَ وَحَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ: (الْقِرَاءَةُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرُّكْنَ هُوَ مُطْلَقُ الْقِرَاءَةِ، وَكَوْنُهَا لِلْفَاتِحَةِ شَرْطٌ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِتَعْيِينِهَا، وَلِذَلِكَ كَفَى بِغَيْرِهَا عِنْدَ مَنْ لَا يُعَيِّنُهَا، وَكَوْنُهَا فِي الْقِيَامِ مَعْلُومٌ مِنْ التَّرْتِيبِ الْآتِي، وَمِنْ ذِكْرِهَا عَقِبَهُ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ) أَيْ لِكُلِّ مُصَلٍّ وَلَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى أَوْ عَاجِزًا عَنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ مَأْمُومًا سَمِعَ قِرَاءَةَ إمَامِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ التَّحَرُّمِ) أَيْ لَا قَبْلَهُ خِلَافًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ، وَشَمَلَ مَا بَعْدَ التَّحَرُّمِ وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي التَّعَوُّذِ أَوْ الْقِرَاءَةِ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِذَلِكَ وَلَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا، وَمُرَادُ مَنْ عَبَّرَ بِعَقِبِ الِافْتِتَاحِ كَالْمَنْهَجِ تَقْدِيمُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ لَا حَقِيقَةُ الْعَقِبِيَّةِ، وَيَفُوتُ أَيْضًا بِالسُّجُودِ مَعَ الْإِمَامِ وَلَوْ لِتِلَاوَةٍ لَا بِتَأْمِينِهِ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ.
قَوْلُهُ: (لِفَرْضٍ) أَيْ غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلَوْ عَلَى الْقَبْرِ وَغَيْرِ مَا أَحْرَمَ بِهَا فِي وَقْتِ الْحُرْمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَفْلٍ) أَيْ مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا هُوَ الْمُرَادُ لَا سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ وَيَظْهَرُ عَدَمُ نَدْبِهِ فِي نَفْلٍ يَخْرُجُ بِهِ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ عَنْ وَقْتِهِ لِأَنَّ وُقُوعَهُ كُلِّهِ فِي وَقْتِهِ أَوْلَى وَفِي ذِي سَبَبٍ يَخْرُجُ بِهِ سَبَبُهُ قَبْلَ فَرَاغِهِ.
قَوْلُهُ: (دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ فِي مُفْتَتَحِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (نَحْوُ وَجَّهْت) فَلَا يَتَقَيَّدُ بِمَا ذُكِرَ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْمَأْثُورِ، لَكِنَّ الْمَأْثُورَ أَفْضَلُ، وَمِنْهُ هَذَا الْمَذْكُورُ، وَمَعْنَى وَجَّهْت وَجْهِي أَقْبَلْت بِذَاتِي أَوْ بِعِبَادَتِي، وَفَطَرَ أَوْجَدَ الشَّيْءَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، وَالسَّمَوَاتُ جَمْعُ سَمَاءٍ وَهِيَ لُغَةً اسْمٌ لِمَا عَلَا وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْأَجْرَامُ الْمَخْصُوصَةُ الْمُسَمَّاةُ بِالْأَفْلَاكِ الْعُلْوِيَّةِ الدَّائِمَةِ الْحَرَكَةِ لِنَفْعِ الْعَالَمِ، وَجَمَعَهَا لِانْتِفَاعِنَا بِجَمِيعِ الْأَجْرَامِ الَّتِي فِيهَا مِنْ الْكَوَاكِبِ السَّيَّارَةِ
[حاشية عميرة]
فَرْعٌ) لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا لَصَلَّى قَائِمًا، وَلَوْ صَلَّى مَعَ جَمَاعَةٍ قَعَدَ فِي بَعْضِهَا الْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا، كَذَا قَالُوهُ، وَغَرَضُهُمْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ قَائِمًا مَعَ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ إذَا عَرَضَ لَهُ الْعَجْزُ جَلَسَ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هُوَ وَارِدٌ وَإِلَّا لَمْ يَنْقُصْ الْأَجْرُ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ إلَخْ) عِبَارَةُ السُّبْكِيّ: وَصَاحِبُ هَذَا الْوَجْهِ يَحْمِلُ الْحَدِيثَ عَلَى الْفَرْضِ، وَيَقُولُ الْمُرَادُ بِهِ الْمَرِيضُ الَّذِي يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ أَوْ الْقُعُودُ مَعَ شِدَّةِ مَشَقَّةٍ فَيَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى الْقُعُودِ أَوْ الِاضْطِجَاعِ، وَالْأَجْرُ عَلَى النِّصْفِ، وَإِنْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ وَأَتَى بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ تَمَّ أَجْرُهُ، وَذَكَرَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ مِنْ شَرْحِهِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِمَنْ يَقِيسُ الِاضْطِجَاعَ إلَخْ) لَك أَنْ تَقُولَ: هَذَا ثَابِتٌ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَشَرْطُ الْمَقِيسِ أَنْ لَا يَكُونَ ثَابِتًا بِالنَّصِّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ بَعْدَ التَّحَرُّمِ) خِلَافًا لِمَالِكٍ فِي اسْتِحْبَابِهِ قَبْلَهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ) لَوْ تَعَوَّذَ قَبْلَهُ وَلَوْ سَهْوًا لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ وَلَا يَفْعَلُهُ الْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ وَقَعَدَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ قَامَ بَعْدَ سَلَامِهِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (نَحْوُ وَجَّهْت) أَقْبَلْت بِوَجْهِي وَقِيلَ قَصَدْت بِعِبَادَتِي، وَفَطَرَ ابْتَدَأَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ، وَجَمَعَ السَّمَوَاتِ فَقَطْ دُونَ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: لِأَنَّهُ لَا
لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْت، وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ " لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِكَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ إلَّا كَلِمَةَ مُسْلِمًا فَابْنُ حِبَّانَ (ثُمَّ التَّعَوُّذُ) لِلْقِرَاءَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] أَيْ إذَا أَرَدْت قِرَاءَتَهُ فَقُلْ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (وَيُسِرُّهُمَا) أَيْ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذَ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ: يُسْتَحَبُّ فِي الْجَهْرِيَّةِ الْجَهْرُ بِالتَّعَوُّذِ (وَيَتَعَوَّذُ كُلَّ رَكْعَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ) لِأَنَّهُ لَا يَبْتَدِئُ فِيهِ قِرَاءَةً (وَالْأُولَى آكَدُ) مِمَّا بَعْدَهَا.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي: يَتَعَوَّذُ فِي الْأُولَى فَقَطْ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ وَاحِدَةٌ.
(وَتَتَعَيَّنُ الْفَاتِحَةُ كُلَّ رَكْعَةٍ) لِحَدِيثِ
[حاشية قليوبي]
وَغَيْرِهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا لِأَنَّ السَّبْعَةَ السَّيَّارَةَ وَهِيَ زُحَلُ وَالْمُشْتَرِي وَالْمِرِّيخُ وَالشَّمْسُ وَالزُّهْرَةُ وَعُطَارِدُ وَالْقَمَرُ مَثْبُوتَةٌ فِي السَّمَوَاتِ السَّبْعِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَمَا عَدَاهَا فِي الْفَلَكِ الثَّامِنِ الْمُسَمَّى بِالْكُرْسِيِّ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالسَّمَوَاتِ مَا يَشْمَلُهُ، وَأَفْرَدَ الْأَرْضَ لِانْتِفَاعِنَا بِالْعُلْيَا مِنْهَا فَقَطْ، وَحَنِيفًا مَائِلًا عَمَّا يُخَالِفُ الدِّينَ الْحَقَّ، أَوْ مُسْتَقِيمًا لِإِطْلَاقِهِ عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ، مُسْلِمًا مُنْقَادًا، وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَقُولُهُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى عَلَى أَنَّهُ لِلتَّغْلِيبِ أَوْ مُنَزَّلًا عَلَى إرَادَةِ الشَّخْصِ.
إنَّ صَلَاتِي الْمَعْرُوفَةَ، وَنُسُكِي عِبَادَتِي، فَهُوَ عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ، وَمَحْيَايَ أَيْ إحْيَائِي، وَمَمَاتِي أَيْ إمَاتَتِي لِلَّهِ لَا لِغَيْرِهِ، رَبِّ أَيْ مَالِكِ الْعَالَمِينَ الْمَخْلُوقَاتِ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، وَبِذَلِكَ الْمَذْكُورِ أُمِرْت مِنْ اللَّهِ، وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ مَا مَرَّ، وَيَجُوزُ الْإِتْيَانُ بِنَظْمِ الْآيَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إرَادَةِ مَعْنَى مَا قَبْلَهُ أَوْ مُطْلَقًا فَإِنْ أَرَادَ مَعْنَاهُ لَمْ يَجُزْ، بَلْ يَكْفُرُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ التَّعَوُّذُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَفْتَتِحْ وَيَفُوتُ بِهِ الِافْتِتَاحُ وَلَوْ سَهْوًا عَلَى مَا مَرَّ وَيَأْتِي بِهِ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ حَيْثُ كَانَ مِنْ الْمَدِّ الْجَائِزِ وَإِلَّا فَلَا.
نَعَمْ لَوْ أَحْرَمَ وَالْإِمَامُ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ تَابَعَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ إلَّا إنْ أَحْرَمَ فِي الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ وَلَمْ يَجْلِسْ مَعَهُ فَلَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي هَذِهِ، وَيَحْصُلُ التَّعَوُّذُ بِغَيْرِ الصِّيغَةِ الْمَشْهُورَةِ مِمَّا فِيهِ دَفْعُ الشَّيْطَانِ.
قَوْلُهُ: (لِلْقِرَاءَةِ) وَلَوْ بَدَلًا وَكَذَا لِبَدَلِهَا مِنْ ذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ، وَشَمَلَتْ الْقِرَاءَةَ غَيْرَ الْمَطْلُوبَةِ كَقِرَاءَةِ السُّورَةِ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ، وَيَتَعَوَّذُ لِلْفَاتِحَةِ لَا لِلسُّورَةِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (إذَا أَرَدْت قِرَاءَتَهُ) أَيْ وَلَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَلَوْ فِي نَحْوِ مُدَارَسَةٍ لِغَيْرِ الْأَوَّلِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (الشَّيْطَانِ) هُوَ اسْمٌ لِكُلِّ مُتَمَرِّدٍ وَهُوَ مِنْ شَاطَ بِمَعْنَى احْتَرَقَ، أَوْ مِنْ شَطَنَ بِمَعْنَى بَعُدَ، لِبُعْدِهِ عَنْ الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ، أَوْ عَمَّنْ تَعَوَّذَ وَالرَّجِيمِ بِمَعْنَى الْمَرْجُومِ بِاللَّعْنِ أَوْ الطَّرْدِ أَوْ بِمَعْنَى الرَّاجِمِ بِالْوَسْوَسَةِ.
قَوْلُهُ: (كُلَّ رَكْعَةٍ) أَيْ فِي قِيَامِهَا وَلَوْ فِي النَّفْلِ حَيْثُ قَامَ فِيهِ أَوْ فِي بَدَلِهِ، وَلَا تُجْزِيهِ فِي النَّفْلِ الْقِرَاءَةُ فِي نُهُوضِهِ إلَى قِيَامِهِ وَلَا فِي هَوِيِّهِ مِنْهُ خِلَافًا لِلْخَطِيبِ فِيهِمَا، وَلِغَيْرِهِ كَابْنِ حَجَرٍ فِي الثَّانِي، وَتَعْلِيلُهُمْ بِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ الْجُلُوسِ الْجَائِزِ فِيهِ ذَلِكَ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ حَيْثُ الْتَزَمَ الْقِيَامَ فِيهِ اُعْتُبِرَ حُكْمُهُ بِإِلْزَامِهَا فِيهِ، وَلَوْ قَالَ: كُلُّ قِرَاءَةٍ فِي صَلَاةٍ لَكَانَ أَوْلَى، لِيُدْخِلَ صَلَاةُ الْكُسُوفِ فِي كُلٍّ مِنْ الْقِيَامَيْنِ، وَيَدُلُّ لَهُ التَّعْلِيلُ الْمَشْهُورُ، وَيُسَنُّ التَّعَوُّذُ وَالتَّسْمِيَةُ لِكُلِّ قِرَاءَةٍ خَارِجَ الصَّلَاةِ إلَّا التَّسْمِيَةَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي، وَيَجْهَرُ بِهَا إنْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ وَلَوْ مِنْ أَثْنَاءِ السُّورَةِ، وَلَا يَتَعَوَّذُ بَعْدَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا خَارِجَهَا.
قَوْلُهُ: (مِمَّا بَعْدَهَا) وَهُوَ مَرْتَبَةٌ وَاحِدَةٌ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأُولَى فَقَطْ) قَالَ شَيْخُنَا: فَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فِيهَا فَاتَ فِي الْبَقِيَّةِ، وَلَا يَتَعَوَّذُ لِلسُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: (كُلَّ رَكْعَةٍ) أَيْ مَرَّةً فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَفِيهَا مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقَدْ تَتَعَدَّدُ لِعَارِضٍ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ كُلَّمَا عَطَسَ وَقُلْنَا بِصِحَّةِ النَّذْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُ مَرْغُوبٌ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ رَاحَةِ الْبَدَنِ فَإِذَا عَطَسَ فِي الْقِيَامِ قَرَأَهَا فِيهِ كَذَا قَالُوا وَفِيهِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ، وَالْوَجْهُ عَدَمُ شُمُولِ النَّذْرِ لِهَذَا لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ، ثُمَّ عَلَى صِحَّتِهِ إنْ
[حاشية عميرة]
يُنْتَفَعُ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا بِالطَّبَقَةِ الْأُولَى بِخِلَافِ السَّمَوَاتِ، فَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُوَزَّعَةٌ عَلَيْهَا، وَالْحَنِيفُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَائِلِ الْمُسْتَقِيمِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُرَادُ الْمَائِلُ إلَى الْحَقِّ، وَالْحَنِيفُ أَيْضًا عِنْدَ الْعَرَبِ مَنْ كَانَ عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَالنُّسُكُ الْعِبَادَةُ فَهُوَ مِنْ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، يَقُولُ هَكَذَا وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً، وَمِثْلُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِلْقِرَاءَةِ) فَمَنْ لَا يُحْسِنُهَا يَنْبَغِي عَدَمُ الِاسْتِحْبَابِ فِي حَقِّهِ وَقَوْلُهُ: مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، الشَّيْطَانُ: اسْمٌ لِكُلِّ مُتَمَرِّدٍ مِنْ شَطَنَ إذَا بَعُدَ، أَوْ شَاطَ إذَا احْتَرَقَ، وَالرَّجِيمُ الْمَطْرُودُ وَقِيلَ الْمَرْجُومُ، وَفِي الْإِقْلِيدِ هُوَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ لِأَنَّهُ يَرْجُمُ بِالْوَسْوَسَةِ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) هُوَ بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَيْ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذَ إلَخْ) قِيَاسًا عَلَى الْأَذْكَارِ الْمُسْتَحَبَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي قَوْلٍ يُسْتَحَبُّ فِي الْجَهْرِيَّةِ الْجَهْرُ) أَيْ تَبَعًا لِلْقِرَاءَةِ وَكَمَا فِي خَارِجِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَتَعَوَّذُ فِي الْأُولَى فَقَطْ) لَوْ تَرَكَهُ عَلَى هَذَا فِي الْأُولَى أَتَى بِهِ فِيمَا بَعْدُ، ثُمَّ هَذَا الْخِلَافُ يَجْرِي فِي الْقِيَامِ الثَّانِي مِنْ صَلَاةِ الْمَسْبُوقِ.
قَوْلُ
الشَّيْخَيْنِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» أَيْ كُلَّ رَكْعَةٍ لِمَا فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ «ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ» (إلَّا رَكْعَةَ مَسْبُوقٍ) فَإِنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ الْآتِي فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
(وَالْبَسْمَلَةُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْفَاتِحَةِ عَمَلًا لِأَنَّهُ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَدَّهَا آيَةً سَنَّهَا.
صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَيَكْفِي فِي ثُبُوتِهَا مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ الظَّنُّ (وَتَشْدِيدَاتُهَا) مِنْهَا لِأَنَّهَا هُيِّئَتْ لِحُرُوفِهَا الْمُشَدَّدَةِ وَوُجُوبُهَا شَامِلٌ لِهَيْئَتِهَا.
(وَلَوْ أَبْدَلَ ضَادًا) مِنْهَا أَيْ أَتَى بَدَلَهَا (بِظَاءٍ لَمْ تَصِحَّ) قِرَاءَتُهُ لِتِلْكَ الْكَلِمَةِ (فِي الْأَصَحِّ) لِتَغْيِيرِهِ النَّظْمَ.
وَالثَّانِي تَصِحُّ لِعُسْرِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَرْفَيْنِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ.
(وَيَجِبُ تَرْتِيبُهَا) بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى نَظْمِهَا الْمَعْرُوفِ، فَلَوْ بَدَأَ بِنِصْفِهَا الثَّانِي لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَيَبْنِي عَلَى الْأَوَّلِ إنْ سَهَا بِتَأْخِيرِهِ وَلَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ.
وَيَسْتَأْنِفُ إنْ تَعَمَّدَ أَوْ طَالَ الْفَصْلُ (وَمُوَالَاتُهَا) بِأَنْ يَأْتِيَ بِأَجْزَائِهَا عَلَى الْوَلَاءِ (فَإِنْ تَخَلَّلَ
[حاشية قليوبي]
عَطَسَ فِيهَا كَرَّرَهَا أَوْ بَعْدَهَا أَعَادَهَا أَوْ قَبْلَهَا فَقَدْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ وَاجِبَانِ، فَيَحْتَاجُ إلَى تَمْيِيزٍ فَرَاجِعْهُ، وَإِنْ عَطَسَ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ أَخَّرَهَا لِمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ وَمَرَّ فِي الْعَاجِزِ تَعَدُّدُهَا فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ عِنْدَ انْتِقَالِهِ إلَى أَكْمَلَ.
قَوْلُهُ: (الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ) مِنْ الْإِسَاءَةِ بِمَعْنَى النَّقْصِ فِي أَفْعَالِهَا الْمُخِلَّةِ بِهَا، وَاسْمُهُ خَلَّادُ بْنُ رَافِعٍ الزُّرَقِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ لِقُوَّتِهِ وَدَلَالَتِهِ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ.
قَوْلُهُ: (مَسْبُوقٍ) وَهُوَ هُنَا مَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ زَمَنًا يَسَعُ قِرَاءَتَهَا لِلْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ سَوَاءٌ أَدْرَكَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا وَلَوْ فِي الرَّكَعَاتِ الْأَرْبَعِ كَبُطْءِ الْحَرَكَةِ أَوْ الِاقْتِدَاءِ بِأَئِمَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّهُ فِي غَيْرِ الْأُولَى كَمَسْبُوقٍ حُكْمًا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ، وَقَوْلُهُمْ مَعَ الْإِمَامِ يَشْمَلُ مَا لَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا أَوْ سَكَتَ مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ اقْتَدَى بِمَنْ فِي الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ، وَلَا يَبْعُدُ الْتِزَامُهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ) ظَاهِرُهُ رُجُوعُ الضَّمِيرَيْنِ لِلْفَاتِحَةِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا يَسْتَقِرُّ تَعَيُّنُهَا عَلَيْهِ لِتَحَمُّلِ الْإِمَامِ لَهَا عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُمَا لِلْقِرَاءَةِ، وَيُرْشِدُ إلَيْهِ مَا بَعْدَهُ مِنْ التَّأْوِيلِ بِقَوْلِهِ أَيْ الْفَاتِحَةِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّأْوِيلِ السَّابِقِ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَسْمَلَةُ مِنْهَا) وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ إلَّا سُورَةَ بَرَاءَةٍ لِنُزُولِهَا فِي وَقْتِ الْحَرْبِ وَالسَّيْفِ وَالْبَسْمَلَةُ لِلْأَمَانِ فَتُكْرَهُ فِي أَوَّلِهَا، وَتُنْدَبُ فِي أَثْنَائِهَا عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَالْخَطِيبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ: تَحْرُمُ فِي أَوَّلِهَا وَتُكْرَهُ فِي أَثْنَائِهَا، وَتُنْدَبُ فِي أَثْنَاءِ غَيْرِهَا اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: (عَمَلًا) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ فَلَا يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ أَيْ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا بَلْ وَلَا يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّهَا قُرْآنٌ فَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُ قُرْآنِيَّتِهَا وَلَا مُثْبِتُهَا لِعَدَمِ تَوَاتُرِهَا، وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ الْبَسْمَلَةِ الَّتِي فِي أَثْنَاءِ سُورَةِ النَّمْلِ.
قَوْلُهُ: (وَتَشْدِيدَاتُهَا) أَيْ شَدَّاتُهَا الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ شَدَّةً، فَلَوْ خَفَّفَ مُشَدَّدًا فَفِيهِ تَفْصِيلُ الْإِبْدَالِ الْآتِي أَوْ شَدَّدَ مُخَفَّفًا أَوْ زَادَ حَرْفًا حَرُمَ عَلَيْهِ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إلَّا إنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى وَتَعَمَّدَ.
قَوْلُهُ: (وَوُجُوبُهَا) أَيْ الْحُرُوفِ شَامِلٌ لِهَيْئَاتِهَا وَمِنْ الْهَيْئَاتِ الْحَرَكَاتُ وَالسَّكَنَاتُ وَالْمَدُّ وَالْقَصْرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَبْدَلَ ضَادًا بِظَاءٍ) قَيَّدَ بِهَا لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْخِلَافِ فَغَيْرُهَا مِثْلُهَا قَوْلُهُ: (أَتَى بَدَلَهَا) أَشَارَ إلَى دَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ الْبَاءَ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَتْرُوكِ كَمَا مَرَّ عَنْهُ، وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ أَوَّلَ الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ: (لِتِلْكَ الْكَلِمَةِ) وَفِي غَيْرِهَا التَّفْصِيلُ الْآتِي فِي الْقَطْعِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ وَفِيهِ مَا يَأْتِي وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى خَالَفَ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَجِبُ فِي الْفَاتِحَةِ سَهْوًا لَمْ يَحْرُمْ مُطْلَقًا وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَا قِرَاءَتُهُ، لَكِنْ يَجِبُ إعَادَةُ مَا فِيهِ إبْدَالٌ أَوْ تَغْيِيرُ مَعْنًى عِنْدَ تَذَكُّرِهِ، وَيَكْفِي مَا فَعَلَهُ قَبْلَ إعَادَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ حَتَّى طَالَ الْفَصْلُ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ أَوْ عَمْدًا حَرُمَ مُطْلَقًا، وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ حَالًا إنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى، فَإِنْ عَانَدَ وَاعْتَقَدَ مَعْنَاهُ كَفَرَ، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ وَجَبَ إعَادَتُهُ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ إنْ قَطَعَ الْقِرَاءَةَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، فَإِنْ رَكَعَ قَبْلَ إعَادَتِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَالْحُرْمَةُ فِيمَا ذَكَرَ صَغِيرَةٌ، وَمِنْ الْمُغَيِّرِ لِلْمَعْنَى إبْدَالُ الضَّادِ بِالظَّاءِ وَالْحَاءِ بِالْهَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بِالْمُهْمَلَةِ أَوْ بِالزَّايِ وَتَخْفِيفِ إيَّاكَ وَكَسْرِ كَافِهَا وَكَسْرِ تَاءِ أَنْعَمْت أَوْ ضَمِّهَا وَالْكَلَامِ فِي الْقَادِرِ أَوْ مَنْ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ، وَلَيْسَ مِنْ الْمُغَيِّرِ ضَمُّ رَاءِ الرَّحْمَنِ وَلَا فَتْحُ الْمُوَحَّدَةِ فِي نَعْبُدُ وَلَا كَسْرُ نُونِهِ وَنُونِ نَسْتَعِينُ وَلَا ضَمُّ صَادِ الصِّرَاطِ وَلَا النُّطْقُ بِقَافِ الْعَرَبِ الْمُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ الْقَافِ وَالْكَافِ لِأَنَّهُ لَيْسَ إبْدَالًا، بَلْ حَرْفٌ غَيْرُ صَافٍ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَمِثْلُ الْفَاتِحَةِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ بَدَلُهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَكَذَا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ الْبُطْلَانُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْحُرْمَةُ أَيْضًا فَرَاجِعْهُ، وَالْقِرَاءَةُ بِالشَّاذِّ فِيهَا التَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ، وَهِيَ مَا وَرَاءَ السَّبْعَةِ، وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، أَوْ مَا وَرَاءَ الْعَشَرَةِ وَاعْتَمَدَهُ الطَّبَلَاوِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ كَمَا نُقِلَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ بَدَأَ بِنِصْفِهَا الثَّانِي لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ) أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ بَدَأَ بِهِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا.
قَوْلُهُ: (وَيَبْنِي) أَيْ يُكْمِلُ الْفَاتِحَةَ بِقِرَاءَةِ النِّصْفِ الثَّانِي عَلَى النِّصْفِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَرَأَهُ بَعْدَ النِّصْفِ الثَّانِي الَّذِي بَدَأَ بِهِ إنْ سَهَا بِتَأْخِيرِهِ كَالْأَوَّلِ، أَيْ لَمْ يَقْصِدْ عِنْدَ شُرُوعِهِ فِيهِ التَّكْمِيلَ بِهِ عَلَى الثَّانِي الَّذِي بَدَأَ بِهِ أَوَّلًا وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بَيْنَ فَرَاغِهِ مِنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَبَيْنَ شُرُوعِهِ فِي الثَّانِي الَّذِي يُعِيدُهُ بَعْدَ الْأَوَّلِ، وَيَسْتَأْنِفُ إنْ تَعَمَّدَ تَأْخِيرَ الْأَوَّلِ إنْ قَصَدَ عِنْدَ شُرُوعِهِ فِيهِ التَّكْمِيلَ بِهِ عَلَى الثَّانِي الَّذِي بَدَأَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ طَالَ الْفَصْلُ) أَيْ عَمْدًا بَيْنَ مَا ذُكِرَ
[حاشية عميرة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذِكْرٌ) كَتَسْبِيحٍ لِدَاخِلٍ (قَطَعَ الْمُوَالَاةَ) وَإِنْ قَلَّ (فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلَاةِ كَتَأْمِينِهِ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ وَفَتْحِهِ عَلَيْهِ) إذَا تَوَقَّفَ فِيهَا (فَلَا) يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ (فِي الْأَصَحِّ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ فَيَقْطَعُهَا (وَيَقْطَعُ السُّكُوتَ) الْعَمْدَ (الطَّوِيلَ) لِإِشْعَارِهِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الْقِرَاءَةِ.
(وَكَذَا يَسِيرٌ قَصَدَ بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي: لَا يَقْطَعُ لِأَنَّ قَصْدَ الْقَطْعِ لَا يُؤَثِّرُ وَحْدَهُ، وَالسُّكُوتُ الْيَسِيرُ لَا يُؤَثِّرُ وَحْدَهُ، فَكَذَا إذَا اجْتَمَعَا، وَجَوَابُهُ الْمَنْعُ.
(فَإِنْ جَهِلَ الْفَاتِحَةَ) أَيْ لَمْ يَعْرِفْهَا وَقْتَ الصَّلَاةِ
[حاشية قليوبي]
فَالْمُضِرُّ قَصْدُ التَّكْمِيلِ وَعَمْدُهُ، وَإِنَّمَا عَبَّرُوا بِالسَّهْوِ وَعَدَمِهِ نَظَرًا لِلْغَالِبِ مِنْ أَنَّ السَّاهِيَ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ وَالْعَامِدَ يَقْصِدُهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَخَلَّلَ ذِكْرٌ) أَيْ مِنْ عَامِدٍ عَالِمٍ، وَمِنْهُ الْحَمْدُ عَقِبَ الْعُطَاسِ مَثَلًا فَيَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ مَنْدُوبٌ حَالَةَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مَعَ أَنَّ الْوَجْهَ عَدَمُ نَدْبِهِ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ، وَبِمَا ذَكَرَ عُلِمَ أَنَّ الذِّكْرَ الْكَثِيرَ سَاهِيًا كَالسُّكُوتِ الْكَثِيرِ سَاهِيًا فَلَا يَضُرُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَدَخَلَ فِي الذِّكْرِ الْقُرْآنُ غَيْرُ الْفَاتِحَةِ مُطْلَقًا، وَلَوْ قَرَأَ بَعْضَهَا مَعَ الشَّكِّ فِيمَا قَبْلَهُ كَأَنْ شَكَّ هَلْ قَرَأَ مَا قَبْلَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَرَأَ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا كُلِّهَا عَلَى الْأَوْجَهِ، وَقِيلَ: يُعِيدُ مَا قَرَأَهُ مَعَ الشَّكِّ وَحْدَهُ، وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً أَوْ كَلِمَةً مِنْهَا فَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ صِحَّتِهَا لَمْ يَضُرَّ وَإِلَّا فَقَالَ الْمُتَوَلِّي إنْ كَرَّرَ مَا هُوَ فِيهِ أَوْ مَا قَبْلَهُ وَاسْتَصْحَبَ بَنَى وَإِلَّا فَلَا.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَسْتَأْنِفُ مُطْلَقًا، وَقَالَ الْإِمَامُ وَالْبَغَوِيُّ: يَبْنِي مُطْلَقًا، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ عِنْدَ السَّنْبَاطِيِّ وَشَيْخِنَا.
(فَائِدَةٌ) الذِّكْرُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ضِدُّ السُّكُوتِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُقَابِلُ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَبِضَمِّهِ ضِدُّ النِّسْيَانِ، وَقِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (قَطَعَ الْمُوَالَاةَ) وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ فِيهِ الْقَطْعَ بِخِلَافِ السُّكُوتِ، أَيْ لِمُنَافَاتِهِ لِلْإِعْجَازِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ نَحْوَ الْأَذَانِ وَالْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (كَتَأْمِينِهِ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ) وَإِنْ لَمْ يُؤَمِّنْ الْإِمَامُ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ وَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ مَنْدُوبٍ تَعَلَّقَ بِإِمَامِهِ كَسُؤَالِ رَحْمَةٍ عِنْدَ قِرَاءَةِ آيَتِهَا، أَوْ اسْتِغْفَارٍ كَذَلِكَ، أَوْ اسْتِعَاذَةٍ مِنْ عَذَابٍ كَذَلِكَ، أَوْ سُجُودِ تِلَاوَةٍ كَذَلِكَ، أَوْ صَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَلِكَ، كَمَا قَالَهُ الْعِجْلِيّ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ بِعَدَمِ سَنِّهَا، وَحَمَلَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ عَلَى مَا لَوْ أَتَى بِالظَّاهِرِ نَحْوُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الرُّكْنَ، وَحَمَلَ الْأَوَّلَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالضَّمِيرِ، وَشَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ قَالَ بِعَدَمِ الْقَطْعِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِحَيْثُ تَعَلَّقَ بِإِمَامِهِ، وَبِالْقَطْعِ إنْ تَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْدُوبًا، بَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَقْصِدْ الذِّكْرَ كَمَا يَأْتِي، وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَدَمُ الْقَطْعِ بِقِرَاءَةِ غَيْرِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَعْتَمِدُوهُ.
قَوْلُهُ: (إذَا تَوَقَّفَ) أَيْ فِي الْقِرَاءَةِ وَلَوْ مَنْدُوبَةً، فَلَا يَفْتَحُ عَلَيْهِ مَا دَامَ يُرَدِّدُهَا، فَإِنْ فَتَحَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ قَطْعُ الْمُوَالَاةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ الذِّكْرِ فِي الْفَتْحِ وَلَوْ مَعَ الْفَتْحِ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْفَتْحَ مَنْدُوبٌ وَلَوْ فِي الْوَاجِبِ وَفِيهِ نَظَرٌ فِي الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ وَقِيَاسُ النَّظَائِرِ وُجُوبُهُ فِي هَذِهِ وَأَنَّهُ لَا يَقْطَعُ وَإِنْ طَالَ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (مَنْدُوبٌ) أَيْ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَالتَّسْبِيحُ لِلدَّاخِلِ وَالْحَمْدُ لِلْعَاطِسِ مَنْدُوبٌ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّهُ يَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَيَقْطَعُ السُّكُوتَ الطَّوِيلَ) الْعَمْدَ بِالْفِعْلِ وَلَوْ لِتَدَبُّرٍ أَوْ تَأَمُّلٍ أَوْ غَيْرِهِمَا إلَّا لِعُذْرٍ كَإِعْيَاءٍ أَوْ جَهْلٍ أَوْ غَلَبَهُ نَحْوُ سُعَالٍ أَوْ تَذَكُّرِ آيَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ أَوْ نِسْيَانٍ لِلْمُوَالَاةِ أَوْ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِلْقِرَاءَةِ، وَلَا يُغْتَفَرُ نِسْيَانُ التَّرْتِيبِ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ الْأَرْكَانِ لِأَنَّهُ أَقْوَى وَآكَدُ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا يَسِيرٌ) أَيْ بِالْفِعْلِ حَالَةَ الْعَمْدِ مَعَ قَصْدِ الْقَطْعِ.
قَوْلُهُ: (لَوْ شَكَّ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ) أَيْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا قَبْلَ فَرَاغِهَا اسْتَأْنَفَهَا أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَرْكَانِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ قَصْدَ الْقَطْعِ لَا يُؤَثِّرُ وَحْدَهُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ سُكُوتٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقَاطِعِ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ قَصْدُ قَطْعِ بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ كَقَطْعِ الرُّكُوعِ وَهُوَ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُنَافٍ لِلنِّيَّةِ بِخِلَافِ قَصْدِ قَطْعِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ لَوْ سَكَتَ فِي الْفَاتِحَةِ مَعَ قَصْدِ الْإِتْيَانِ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ انْقَطَعَتْ قِرَاءَتُهُ لِشُرُوعِهِ فِي الْقَاطِعِ وَأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ الْإِتْيَانَ بِثَلَاثَةِ أَفْعَالٍ وَشَرَعَ فِيهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْفِعْلَ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ يُرَدُّ بِأَنَّ السُّكُوتَ مُنَافٍ لِلْقِرَاءَةِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ
[حاشية عميرة]
الْمَتْنِ: (لَمْ تَصِحَّ قِرَاءَتُهُ) هَذَا إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ وَإِلَّا فَالْوَجْهُ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ لِتَغْيِيرِ الْمَعْنَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ تَخَلَّلَ ذِكْرٌ) أَيْ وَلَوْ قُرْآنًا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَوْ أَتَى بِذَلِكَ نَاسِيًا لِلصَّلَاةِ فَمُقْتَضَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَالسُّكُوتِ الْكَثِيرِ نَاسِيًا وَهُوَ لَا يَضُرُّ.
(فَائِدَةٌ) الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ ضِدُّ الْإِنْصَاتِ وَذَالُهُ مَكْسُورَةٌ وَبِالْقَلْبِ ضِدُّ النِّسْيَانِ، وَذَالُهُ مَضْمُومَةٌ، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَلَا فِي الْأَصَحِّ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ عَدَمُ الْقَطْعِ وَلَوْ طَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ) هُوَ شَامِلٌ لِمَا إذَا تَرَكَ الْإِمَامُ التَّأْمِينَ فَأَمَّنَ الْمَأْمُومُ.
قَوْلُهُ: (الْعَمْدَ) .
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سَوَاءٌ كَانَ مُخْتَارًا أَمْ لِعَارِضٍ
بِطَرِيقٍ، أَيْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْمُعَلِّمِ أَوْ الْمُصْحَفِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (فَسَبْعُ آيَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ) يَأْتِي بِهَا بَدَلَ الْفَاتِحَةِ الَّتِي هِيَ سَبْعُ آيَاتٍ بِالْبَسْمَلَةِ.
(فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الْمُتَوَالِيَةِ فَمُتَفَرِّقَةٌ.
قُلْت: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ جَوَازُ الْمُتَفَرِّقَةِ مَعَ حِفْظِهِ مُتَوَالِيَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الْقُرْآنِ (أَتَى بِذِكْرٍ) غَيْرِهِ كَتَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلٍ.
قَالَ الْبَغَوِيّ: يَجِبُ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ مِنْ الذِّكْرِ، وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا: وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ.
(وَلَا يَجُوزُ نَقْصُ حُرُوفِ الْبَدَلِ) مِنْ قُرْآنٍ أَوْ ذِكْرٍ (عَنْ الْفَاتِحَةِ فِي الْأَصَحِّ) وَحُرُوفُهَا
[حاشية قليوبي]
يَعْرِفْهَا وَقْتَ الصَّلَاةِ) أَيْ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا مِنْهَا حَالَ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَإِلَّا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لَوْ عَرَفَهَا بَعْدَهُ وَلَوْ فِي الْوَقْتِ مَا لَمْ يَقْصُرْ، وَسَيَأْتِي مَا لَوْ عَرَفَ بَعْضَهَا، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ تَعَذَّرَتْ إلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ بِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ وَفَسَّرَ الْجَهْلَ بِعَدَمِهَا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا لَا يَأْتِي فِيهِ قَصْدُ الْإِتْيَانِ بِبَدَلٍ عَنْهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ الْمُعَلِّمِ أَوْ الْمُصْحَفِ) دَخَلَ فِي الْعَدَمِ الْحِسِّيُّ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ فِي مَحَلٍّ يَلْزَمُهُ طَلَبُ الْمَاءِ مِنْهُ، وَالشَّرْعِيُّ بِأَنْ تَوَقَّفَ عَلَى أُجْرَةٍ عَجَزَ عَنْهَا كَمَا فِي شِرَاءِ الْمَاءِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَالِكَ الْمُصْحَفِ إعَارَتُهُ وَلَا إجَارَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُعَلِّمَ إعَارَةُ نَفْسِهِ وَإِنْ انْفَرَدَ، وَيَلْزَمُهُ إجَارَتُهَا، وَفَارَقَ الْمُصْحَفَ بِدَوَامِ نَفْعِ الْمُتَعَلِّمِ، وَبِأَنَّهُ قَدْ عُهِدَتْ الِاسْتِعَانَةُ بِالْأَبْدَانِ بِلَا بَدَلٍ، وَلَمْ يُعْهَدْ بَذْلُ الْمَالِ بِالْبَدَلِ إلَّا فِي الْمُضْطَرِّ، كَذَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَفِي شَرْحِهِ مَا يُفِيدُ عَدَمَ اللُّزُومِ كَالْمُصْحَفِ فَرَاجِعْهُ، وَفَارَقَ مَا هُنَا وُجُوبُ إعَارَةِ فَحْلٍ تَعَيَّنَ لِلضِّرَابِ بِوُجُوبِ الْبَدَلِ هُنَا فَتَأَمَّلْهُ.
(فُرُوعٌ) لَوْ قَدَرَ عَلَى مُصْحَفٍ لِغَائِبٍ لَزِمَهُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ مَعَ بَذْلِ الْأُجْرَةِ لَهُ، وَلَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ مَعَ الْقِيَامِ كَأَنْ كَانَتْ الْفَاتِحَةُ مَنْقُوشَةً فِي أَسْفَلِ جِدَارٍ أَمَامَهُ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا مِنْ الْقِيَامِ أَوْ مَعَ الِاسْتِقْبَالِ كَأَنْ كَانَتْ مَنْقُوشَةً خَلْفَهُ أَوْ مَعَهُمَا كَأَنْ كَانَتْ مَنْقُوشَةً فِي أَسْفَلِ جِدَارٍ خَلْفَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا قَاعِدًا، وَلِغَيْرِ الْقِرَاءَةِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ وَالِاسْتِقْبَالُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَبْلَ قِرَاءَتِهِ وَبَعْدَهَا لِلرُّكُوعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ قِرَاءَتُهَا فِي غَيْرِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَبْلَ أَنْ يَقُومَ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) كَبَلَادَةٍ وَضِيقِ وَقْتٍ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِنْهُ نِسْيَانُهَا كُلَّمَا حَفِظَهَا فَحَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ: (فَسَبْعُ آيَاتٍ) اُنْظُرْ هَلْ يَجِبُ مُوَالَاتُهَا وَمُوَالَاةُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ كَالْفَاتِحَةِ رَاجِعْهُ، وَيُتَّجَهُ اعْتِبَارُهُ فِي ذَلِكَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ وُجُوبِ تَوَالِي الْآيَاتِ الْمُتَوَالِيَةِ مِنْ حَيْثُ الِاكْتِفَاءُ بِهَا هُنَا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (جَوَازُ الْمُتَفَرِّقَةِ) وَإِنْ لَمْ تُفِدْ مَعْنًى مَنْظُومًا كَثُمَّ نَظَرَ، وَمِنْهَا فَوَاتِحُ السُّوَرِ مِنْ الْحُرُوفِ الْمُتَفَرِّقَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْقِرَاءَةَ بِهَا لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَدَمُ الصَّارِفِ، وَكَذَا فِي الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (يَجِبُ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ مِنْ الذِّكْرِ) الشَّامِلِ لِلدُّعَاءِ، وَلَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الذِّكْرِ عَلَى الدُّعَاءِ، لَكِنْ، يَجِبُ تَقْدِيمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ وَلَوْ بِالْعَجَمِيَّةِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا وَلَوْ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَشَمَلَ مَا ذَكَرَ مَا لَوْ كَانَتْ السَّبْعَةُ أَنْوَاعٍ مِنْ التَّسْبِيحِ وَحْدَهُ مَثَلًا، قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَعَلَّ صُورَتَهُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ آمَنْت بِاَللَّهِ وَهَكَذَا إلَّا نَحْوَ سُبْحَانَ اللَّهِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَفِيهِ بَحْثٌ، وَشَمَلَ مَا ذَكَرَ أَلْفَاظَ التَّعَوُّذِ وَدُعَاءَ الِافْتِتَاحِ، لَكِنْ يَتَّجِهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الْبَدَلِيَّةَ لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ أَصَالَةً كَمَا مَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَهُوَ الْوَجْهُ، وَفِي كَلَامِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ قَاسِمٍ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ خِلَافُهُ.
وَقَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ طَلَبَ فِي الْبَدَلِ الْإِتْيَانَ بِالتَّعَوُّذِ وَالِافْتِتَاحِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِهِمَا كَرَّرَهُمَا عَنْ الْمَنْدُوبِ وَالْوَاجِبِ، وَالْمُتَّجَهُ اعْتِبَارُ قَصْدِ الْبَدَلِيَّةِ وَإِلَّا فَلَا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ كَالْآيَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ نَقْصُ حُرُوفِ الْبَدَلِ) وَلَا يَجِبُ أَنْ تُسَاوِيَ حُرُوفُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الذِّكْرِ أَوْ آيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ لِكُلِّ آيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ.
قَوْلُهُ: (وَحُرُوفُهَا) بِالْبَسْمَلَةِ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ حَرْفًا وَيَقُومُ الْمُشَدَّدُ عَنْ الْمُشَدَّدِ وَالْمُنْفَكَّانِ مِنْ الْبَدَلِ عَنْ الْمُشَدَّدِ لَا عَكْسُهُ كَمَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَمَالَ شَيْخُنَا إلَى خِلَافِهِ.
[حاشية عميرة]
كَالسُّعَالِ، وَالتَّوَقُّفِ فِي الْقِرَاءَةِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنْ كَانَ نَاسِيًا لَمْ يَضُرَّ.
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَالْإِعْيَاءُ كَالنِّسْيَانِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَسَبْعُ آيَاتٍ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ تَشْتَمِلَ عَلَى الشَّدَّاتِ أَوْ عَلَى حَرْفَيْنِ بَدَلَ الْحَرْفِ الْمُشَدَّدِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (جَوَازُ الْمُتَفَرِّقَةِ) نَازَعَ الْإِسْنَوِيُّ فِي ذَلِكَ وَقَالَ: إنَّ الَّذِي اسْتَنَدَ إلَيْهِمْ الْمُصَنِّفُ فِي الْجَوَازِ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ، بَلْ أَطْلَقُوا الْكَلَامَ إطْلَاقًا يَصِحُّ مَعَهُ الْحَمْلُ عَلَى مَا قَيَّدَ غَيْرُهُمْ.
قَوْلُهُ: (سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ) تَشْبِيهًا لِمُقَاطَعَةِ الْأَنْوَاعِ بِغَايَاتِ الْآيَاتِ نَحْوُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، كَذَا وَرَدَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَجُوزُ نَقْصُ حُرُوفِ الْبَدَلِ) يُشْتَرَطُ
مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ حَرْفًا بِقِرَاءَةِ مَالِكٍ بِالْأَلِفِ وَالثَّانِي يَجُوزُ سَبْعُ آيَاتٍ أَوْ سَبْعَةُ أَذْكَارٍ أَقَلُّ مِنْ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ، كَمَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمٍ قَصِيرٍ قَضَاءً عَنْ يَوْمٍ طَوِيلٍ، وَدَفَعَ بِأَنَّ الصَّوْمَ يَخْتَلِفُ زَمَانُهُ طُولًا وَقِصَرًا فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي قَضَائِهِ مُسَاوَاةً، بِخِلَافِ الْفَاتِحَةِ لَا تَخْتَلِفُ فَاعْتُبِرَ فِي بَدَلِهَا الْمُسَاوَاةُ.
(فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا) مِنْ قُرْآنٍ وَلَا ذِكْرٍ (وَقَفَ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ) فِي (ظَنِّهِ) وَلَا يُتَرْجِمُ عَنْهَا بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ لِفَوَاتِ الْإِعْجَازِ فِيهَا دُونَهُ.
(وَيُسَنُّ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ) لِقَارِئِهَا (آمِينَ) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ (خَفِيفَةُ الْمِيمِ بِالْمَدِّ، وَيَجُوزُ الْقَصْرُ) وَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى اسْتَجِبْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(وَيُؤَمِّنُ) الْمَأْمُومُ فِي الْجَهْرِيَّةِ (مَعَ تَأْمِينِ إمَامِهِ) فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ ذَلِكَ أَمَّنَ عَقِبَ تَأْمِينِهِ (وَيَجْهَرُ بِهِ فِي الْأَظْهَرِ) تَبَعًا لَهُ.
وَالثَّانِي يُسِرُّهُ كَالتَّكْبِيرِ، وَالْمُنْفَرِدُ يَجْهَرُ
[حاشية قليوبي]
تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُمْ: لَوْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْفَاتِحَةِ أَيْ وَهُوَ آيَةٌ فَأَكْثَرَ، قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَاسْتَدَلَّ بَعْدَهُمْ الْحَمْدُ لِلَّهِ مِنْ الذِّكْرِ، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ مِنْ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ حَيْثُ قَالُوا: أَنْوَاعُ الذِّكْرِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَمِثْلُ الْفَاتِحَةِ فِي ذَلِكَ غَيْرُهَا مِنْ الْقُرْآنِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: بِدَلِيلِ عَدِّهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الذِّكْرِ مَعَ أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ أَيْضًا، وَالْمَقْدُورُ عَلَيْهِ مِنْ آيَاتِ الْفَاتِحَةِ أَوْ بَعْضِ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَبْلُغْ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ يُكَرِّرُهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى بَدَلٍ مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْفَاتِحَةِ وَبَعْضِ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَبْلُغْ مَجْمُوعُهُمَا قَدْرَ الْفَاتِحَةِ كَمَّلَ عَلَيْهِمَا مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِمَا، وَإِلَّا كَرَّرَ بِقَدْرِ الْبَاقِي.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُقَدِّمُ تَكْرِيرَ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ عَلَى تَكْرِيرِ الْقُرْآنِ، وَلَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ التَّرْتِيبِ فِيمَا يَحْفَظُهُ مِنْ الْفَاتِحَةِ مَعَ غَيْرِهَا، فَإِذَا كَانَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ آيَةً فَأَكْثَرَ أَوْ آخِرَهَا قَدَّمَ مَا يَحْفَظُهُ مِنْهَا وَأَخَّرَ الْبَدَلَ أَوْ وَسَطَهَا وَسَّطَهُ كَذَلِكَ أَوْ طَرَفَيْهَا قَدَّمَهُ وَأَخَّرَهُ كَذَلِكَ، وَيُقَدِّمُ الْبَدَلَ وَلَوْ بِتَرْجَمَةِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ عَلَى التَّكْرِيرِ كَمَا يُقَدِّمُهُ عَلَى الْوُقُوفِ، وَلَا تَكْرِيرَ فِي الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ بَلْ يَأْتِي بِمَا يَحْفَظُهُ مِنْهُ وَيُتَمِّمُ عَلَيْهِ مِنْ الْوُقُوفِ بَعْدَهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: يُكَرِّرُهُ كَالْقُرْآنِ، وَرَدَّهُ شَيْخُنَا، وَفَرَّقَ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ بَدَلًا فَلَا يَقُومُ عَنْ بَدَلَيْنِ وَاجِبَيْنِ أَصْلِيَّيْنِ، وَلَا يُرَدُّ الْقُرْآنُ لِشَرَفِهِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّ فِيهِ بَحْثًا دَقِيقًا.
قَوْلُهُ: (وَقَفَ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ) وَمِثْلُهَا السُّورَةُ وَالتَّشَهُّدُ، وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَذْكَارِ وُجُوبًا فِي الْوَاجِبِ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ.
قَوْلُهُ: (فِي ظَنِّهِ) اقْتَضَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْيَقِينُ وَهُوَ يُخَالِفُ إدْرَاكَ الرَّكْعَةِ بِالرُّكُوعِ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْإِتْيَانِ بِالشَّيْءِ بِخِلَافِ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ ذَاكَ رُخْصَةٌ بِخِلَافِ هَذَا، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى مَرْتَبَةٍ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِمَّا بَعْدَهَا عَادَ إلَيْهَا وُجُوبًا، أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ نُدِبَ الْعَوْدُ إلَيْهَا، وَلَا يَجِبُ وَلَوْ بِالْوُقُوفِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ) أَيْ بَعْدَ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ، وَكَذَا بَدَلُهَا إنْ اشْتَمَلَ عَلَى دُعَاءٍ وَلَوْ مِنْ أَوَّلِهِ، وَفَارَقَ نَدْبَ التَّعَوُّذِ فِي الْبَدَلِ.
مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لِدَفْعِ الشَّيْطَانِ وَشَمَلَ قَارِئَهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَخَرَجَ بِعَقِبَ نَحْوُ سُجُودِهِ وَلَوْ سَهْوًا فَيَفُوتُ بِهِ، وَيَحْسُنُ بَعْدَ آمِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَا يُسَنُّ الدُّعَاءُ قَبْلَهُ مِنْ أَحَدٍ، وَاسْتَثْنَى ابْنُ حَجَرٍ (رَبِّ اغْفِرْ لِي) لِوُرُودِهِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُمْ إنَّهُ مِنْ أَمَاكِنِ إجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَلَمْ يُوَافِقُوهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بِالْمَدِّ) قَالُوا وَهُوَ أَفْصَحُ وَنَظَرُوا فِيهِ بِأَنَّهُ بِهَذَا الْوَزْنِ لَيْسَ عَرَبِيًّا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ مِنْ أَبْنِيَةِ الْعَجَمِ كَقَابِيلٍ، وَاعْتِذَارُ بَعْضِهِمْ بِأَنَّ الْأَلِفَ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ إشْبَاعِ الْفَتْحَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ تَأَمَّلْ، وَيُسَنُّ بَعْدَ آمِينَ سَكْتَةٌ أَيْضًا وَهِيَ مِنْ الْإِمَامِ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ، وَيُسَنُّ سَكْتَةٌ ثَالِثَةٌ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ بِسَكْتَةٍ بَعْدَ التَّحَرُّمِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَتَعَوَّذُ فِيهَا وَيَفْتَتِحُ سِرًّا كَمَا مَرَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ سُكُوتٌ عَنْ الْجَهْرِ أَوْ مَجَازًا وَالْمُرَادُ سَكْتَةٌ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالِافْتِتَاحِ، كَمَا زَادَ ابْنُ حَجَرٍ سَكْتَةٌ بَيْنَ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ وَسَكْتَةٌ بَيْنَ التَّعَوُّذِ وَالْقِرَاءَةِ، فَتَكُونُ سَكَتَاتٍ سِتَّةً.
قَوْلُهُ: (مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ) أَيْ لِلتَّخْفِيفِ، وَلَوْ شَدَّدَ الْمِيمَ لَمْ يَضُرَّ إلَّا إنْ قَصَدَ غَيْرَ الدُّعَاءِ وَحْدَهُ فَلَا يَضُرُّ الْإِطْلَاقُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَكَذَا لَوْ شَرِكَ عَلَى قِيَاسِ نَظَائِرِهِ، وَتَجُوزُ فِيهِ الْإِمَالَةُ مَعَ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْجَهْرِيَّةِ) أَيْ بِالْفِعْلِ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَصْلِ سِرِّيَّةً، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ مَا يَقْتَضِي خِلَافَهُ.
قَوْلُهُ: (مَعَ تَأْمِينِ إمَامِهِ) أَيْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُطْلَبُ مِنْهُ فِيهِ سَوَاءٌ أَمَّنَ الْإِمَامُ فِيهِ أَوْ قَدَّمَهُ عَنْهُ أَوْ أَخَّرَهُ أَوْ تَرَكَهُ، وَيُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ لِنَفْسِهِ أَيْضًا، فَإِنْ فَرَغَا مَعًا كَفَاهُ تَأْمِينُ وَاحِدٍ وَيُسِرُّ الْمَأْمُومُ فِي تَأْمِينِ نَفْسِهِ.
وَأَمَاكِنُ طَلَبِ الْجَهْرِ
[حاشية عميرة]
أَيْضًا أَنْ لَا يَقْصِدَ غَيْرَ الْبَدَلِيَّةِ وَلَوْ افْتِتَاحًا أَوْ تَعَوُّذًا، وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ اشْتِرَاطَ قَصْدِ الْبَدَلِيَّةِ فِيهِمَا لِمَكَانِ الْقَرِينَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِخِلَافِ غَيْرِ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَقَفَ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ) مِثْلُهَا التَّشَهُّدُ وَالْقُنُوتُ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالسُّورَةُ فِيمَا يَظْهَرُ اهـ. ثُمَّ اُنْظُرْ هَلْ يَجِبُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ كَمَا فِي الْأَخْرَسِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ) أَيْ لَكِنْ بَعْدَ الْفَصْلِ بِسَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ لِيَتَمَيَّزَ الْقُرْآنُ مِنْ غَيْرِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (خَفِيفَةُ الْمِيمِ) لَوْ شَدَّدَ مَعَ الْمَدِّ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إذْ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ قَاصِدِينَ إلَيْك
بِهِ أَيْضًا.
(وَتُسَنُّ سُورَةٌ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فِي الْأَظْهَرِ) لِلِاتِّبَاعِ فِي الشِّقَّيْنِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ دَلِيلُهُ الِاتِّبَاعُ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ، وَالِاتِّبَاعَانِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُمَا، وَالسُّورَةُ عَلَى الثَّانِي أَقْصَرُ كَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَسَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ سَنُّ تَطْوِيلِ قِرَاءَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا الثَّالِثَةُ عَلَى الرَّابِعَةِ عَلَى الثَّانِي، ثُمَّ فِي تَرْجِيحِهِمْ الْأَوَّلَ تَقْدِيمٌ لِدَلِيلِهِ النَّافِي عَلَى دَلِيلِ الثَّانِي الْمُثْبِتِ عَكْسُ الرَّاجِحِ فِي الْأُصُولِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَالْعِبَارَةُ تَصْدُقُ بِالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ بِالْمَأْمُومِ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي.
(قُلْت: فَإِنْ سَبَقَ بِهِمَا) مِنْ صَلَاةِ نَفْسِهِ (قَرَأَهَا فِيهِمَا) حِينَ
[حاشية قليوبي]
مِنْ الْمَأْمُومِ خَمْسَةٌ: هَذَا، وَالْفَتْحُ عَلَى الْإِمَامِ، وَدُعَاءُ الْقُنُوتِ فِي مَحَالِّهِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا يُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ أَوْ لَمْ يُمَيِّزْ أَلْفَاظَهُ، وَفِي الْعُبَابِ وَالدَّمِيرِيِّ أَنَّهُ يُؤَمِّنُ إذَا سَمِعَ تَأْمِينَ الْمَأْمُومِينَ وَضُعِّفَ.
قَوْلُهُ: (الْمَلَائِكَةُ) وَهُمْ مِنْ شَهِدَ تِلْكَ الصَّلَاةَ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ، وَقِيلَ الْحَفَظَةُ، وَقِيلَ جَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ تَأْمِينِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ
قَوْلُهُ: (وَتُسَنُّ سُورَةٌ) لِغَيْرِ الْجُنُبِ الْفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَإِلَّا الْفَاتِحَةَ لِمَنْ يَعْرِفُهَا، وَتُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ لَا فِيهِ وَلَوْ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ، وَلَا تَحْصُلُ بِهَا السُّنَّةُ قَبْلَهَا وَهِيَ اسْمٌ لِقِطْعَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَقَلُّهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ بِالْبَسْمَلَةِ أَوْ بَعْضِ آيَةٍ، وَنَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّهَا تَحْصُلُ وَلَوْ غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ إنْ خَرَجَتْ بِذَلِكَ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ، وَإِلَّا فَيُتَّجَهُ الْحُصُولُ وَإِنْ كُرِهَ أَوْ حَرُمَ مِنْ حَيْثُ الْإِعْجَازُ فَرَاجِعْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَمْ تَجِبْ السُّورَةُ كَالْفَاتِحَةِ لِحَدِيثِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» أُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا، وَلِحَدِيثِ «أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا عَنْهَا» وَأَقَلُّ كَمَالِ السُّورَةِ ثَلَاثُ آيَاتٍ، وَسُورَةٌ كَامِلَةٌ أَكْمَلُ مِنْ قَدْرِهَا، وَأَكْثَرُ مِنْهَا أَكْمَلُ مِنْهَا، وَتَحْصُلُ السُّورَةُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ الْقُرْآنِ، وَلَا يُكَرِّرُ الْفَاتِحَةَ إنْ حَفِظَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ كَرَّرَهَا عَنْ السُّورَةِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَفِي هَذِهِ لَوْ ظَهَرَ لَهُ خَلَلٌ فِي قِرَاءَتِهِ الْأُولَى كَفَتْهُ الثَّانِيَةُ كَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ كَوُضُوءِ الِاحْتِيَاطِ رَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ) أَيْ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَإِنْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، أَمَّا غَيْرُهَا فَيَقْرَأُ السُّورَةَ مَا لَمْ يَتَشَهَّدْ.
قَوْلُهُ: (وَالسُّورَةُ عَلَى الثَّانِي أَقْصَرُ) أَيْ مَجْمُوعُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ أَقْصَرُ مِنْ مَجْمُوعِهَا فِي الْأَوِّلَتَيْنِ، وَيُسَنُّ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الْأُولَى بِأَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْأُولَى أَوْ قَرِيبَةً مِنْهُ كَمَا فِي الْخَادِمِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ) قَالُوا: وَهُوَ اتِّفَاقُ الشَّيْخَيْنِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَلَى النَّفْيِ، وَانْفِرَادُ مُسْلِمٍ بِالْإِثْبَاتِ أَوْ التَّخْفِيفِ عَلَى الْمُصَلِّي.
قَوْلُهُ: (وَفِيهِ تَفْصِيلٌ) أَيْ فِي الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ فَلَا تَفْصِيلَ فِيهِمَا، بَلْ يَقْرَآنِ فِي الْأُولَتَيْنِ مُطْلَقًا وَلَا يَقْرَآنِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ مُطْلَقًا، وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ أَحَدُهُمَا فِي الْأَوِّلَتَيْنِ لَمْ يَتَدَارَكْ الْقِرَاءَةَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ قِيَاسًا عَلَى مَا سَيَأْتِي وَلِأَنَّ هَيْئَاتِهِمَا عَدَمُ الْقِرَاءَةِ كَمَا فِي الْجَهْرِ وَعَدَمِهِ وَلَوْ لِسَهْوٍ أَوْ نِسْيَانٍ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ يَتَدَارَكُ فِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ سَبَقَ بِهِمَا) أَيْ بِالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ مِنْ صَلَاةِ نَفْسِهِ قَرَأَهَا فِيهِمَا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَنْ لَا يَقْرَأَهَا فِي الْأُولَتَيْنِ، وَأَنْ لَا يَتَمَكَّنَ مِنْ قِرَاءَتِهَا فِيهِمَا وَأَنْ لَا تَسْقُطَ عَنْهُ تَبَعًا لِلْفَاتِحَةِ فِيهِمَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي هَذَا السُّقُوطِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ السُّورَةُ فِيهِمَا فَكَيْفَ يَحْتَمِلُهَا إلَّا أَنْ يُرَادَ بِسُقُوطِهَا عَدَمُ طَلَبِهَا مِنْ الْمَأْمُومِ لِعَدَمِ إدْرَاكِهِ زَمَنَهَا فَلْيُرَاجَعْ وَلْيُتَأَمَّلْ.
وَكَلَامُهُمْ فِي الرُّبَاعِيَّةِ وَمِثْلُهَا الثُّلَاثِيَّةُ وَيَقْرَأُ فِي الثَّالِثَةِ سُورَتَيْ الْأُولَيَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ، وَلَعَلَّهُ فِيمَا لَوْ فَاتَتْهُ فِيهِمَا وَطُلِبَتْ فِي الثَّالِثَةِ، فَإِنْ فَاتَتْهُ فِي إحْدَاهُمَا طُلِبَتْ صُورَتُهَا فَقَطْ، وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ، وَمَا يَقْرَأُ فِي قِيَامِ الرَّكْعَةِ يُسَمَّى سُورَةً وَإِنْ
[حاشية عميرة]
وَأَنْتَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ تُخَيِّبَ مَنْ قَصَدَك.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتُسَنُّ سُورَةٌ) أَيْ غَيْرُ الْفَاتِحَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي الْأَظْهَرِ) هَذَا الْقَوْلُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ، وَكَذَا فِي الْجَدِيدِ مِنْ الْمُزَنِيّ وَالْبُوَيْطِيِّ، وَأَفْتَى بِهِ الْأَكْثَرُونَ، وَالثَّانِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ.
قَوْلُهُ: (لِلِاتِّبَاعِ) فَإِنْ قُلْت قَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَهَلَّا وَجَبَتْ السُّورَةُ فِي الْأَوَّلَيْنِ؟ قُلْت: لِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أُمِّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِهِمَا وَلَيْسَ غَيْرُهَا مِنْهَا عِوَضًا.
قَوْلُهُ: (وَالسُّورَةُ عَلَى الثَّانِي) اقْتَصَرَ فِي الْخَادِمِ عَلَى النِّصْفِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ سَبَقَ بِهِمَا) لَوْ تَرَكَهَا الْمُصَلِّي عَمْدًا فِي الْأُولَيَيْنِ فَالظَّاهِرُ تَدَارُكُهَا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ كَنَظِيرِهِ مِنْ سُجُودِ السَّهْوِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: مِنْ صَلَاةِ نَفْسِهِ، إنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ نَفْسِهِ لَمْ يُدْرِكْهُمَا مَعَ الْإِمَامِ، وَهَذَا مَعْنَى سَبَقَهُ بِهِمَا، وَقَوْلُهُ: قَرَأَهَا فِيهِمَا، أَيْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ نَفْسِهِ عِنْدَ تَدَارُكِهِمَا، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ صَارَ الضَّمِيرَانِ مِنْ قَوْلِهِ بِهِمَا وَفِيهِمَا رَاجِعَيْنِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ خِلَافًا لِمَا شَرَحَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قَرَأَهَا فِيهِمَا) الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَعَدَمِ تَدَارُكِ الْجَهْرِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَالْجَهْرُ صِفَةٌ فَكَانَتْ أَخَفَّ عَلَى أَنَّ مُقَابِلَ النَّصِّ قَائِلٌ بِعَدَمِ التَّدَارُكِ قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ الْجَهْرِ، وَفَرَّقَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّ السُّنَّةَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ
تَدَارَكَهُمَا (عَلَى النَّصِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِئَلَّا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ مِنْ السُّورَةِ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ فِي آخِرِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيهِمَا، وَقِيلَ: عَلَى الثَّانِي فَقَطْ.
(وَلَا سُورَةَ لِلْمَأْمُومِ) فِي الْجَهْرِيَّةِ لِلنَّهْيِ عَنْ قِرَاءَتِهَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ (بَلْ يَسْتَمِعُ) لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: 204] (فَإِنْ بَعُدَ) فَلَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَتَهُ (أَوْ كَانَتْ) الصَّلَاةُ (سِرِّيَّةً قَرَأَ) السُّورَةَ (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي لَا لِإِطْلَاقِ النَّهْيِ وَإِنْ وَرَدَ فِي الْفَجْرِ.
(وَيُسَنُّ لِلصُّبْحِ وَالظُّهْرِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ، وَلِلْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَوْسَاطُهُ وَلِلْمَغْرِبِ قِصَارُهُ) لِحَدِيثِ النَّسَائِيّ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ، وَأَوَّلُ الْمُفَصَّلِ الْحُجُرَاتُ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الدَّقَائِقِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَطِوَالُهُ إلَى عَمَّ، وَمِنْهَا إلَى الضُّحَى أَوْسَاطُهُ، وَمِنْهَا إلَى آخِرِ الْقُرْآنِ قِصَارُهُ (وَلِصُبْحِ الْجُمُعَةِ فِي الْأُولَى الم تَنْزِيلُ، وَفِي الثَّانِيَةِ هَلْ أَتَى) بِكَمَالِهِمَا لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَهَذَا تَفْصِيلٌ
[حاشية قليوبي]
كَثُرَ، وَلَيْسَ هُنَا طَلَبُ سُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِكُلِّ رَكْعَةٍ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى النَّصِّ) وَمُقَابِلُهُ قَاسَهُ عَلَى الْجَهْرِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: تَبَعًا لِشَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَالْأَوَّلُ، قَالَ السُّنَّةُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ عَدَمُ الْجَهْرِ وَالسُّورَةُ لَا يُسَنُّ فِعْلُهَا وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ مُفَادَ الْعِبَارَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى وَاحِدٌ لِرَفْضِ الْإِبَاحَةِ مَعَ أَنَّ الثَّانِيَةَ أَبْلَغُ لِإِفَادَتِهَا الْكَرَاهَةَ نَصًّا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُفَرَّعٌ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي لِأَنَّهَا عَلَيْهِ مَطْلُوبَةٌ أَصَالَةً فَلَا حَاجَةَ لِاسْتِدْرَاكٍ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى السَّبْقِ أَيْضًا، وَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ شَيْخِنَا عَمِيرَةَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا سُورَةَ لِلْمَأْمُومِ) أَيْ لَا يُنْدَبُ لَهُ فِي الْجَهْرِيَّةِ لِفِعْلِ الْإِمَامِ وَلَوْ فِي السَّرِيَّةِ، وَيُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ تَأْخِيرُ فَاتِحَتِهِ عَنْ فَاتِحَةِ الْإِمَامِ فِي الْأُولَتَيْنِ وَلَوْ فِي السَّرِيَّةِ بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ، وَيَشْتَغِلُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ بِغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَتَهُ) أَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبُعْدِ عَدَمُ السَّمَاعِ فَيَشْمَلُ الْأَصَمَّ، وَكَذَا لَوْ سَمِعَهَا وَلَمْ يُمَيِّزْ أَلْفَاظَهَا، وَفَارَقَ مَا هُنَا إجَابَةَ الْمُؤَذِّنِ بِطَلَبِ الْبَدَلِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (قَرَأَ السُّورَةَ) .
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَلَوْ سُورَةَ السَّجْدَةِ أَوْ آيَةً فِيهَا سَجْدَةٌ، وَخَالَفَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْ الْمَأْمُومِ خُصُوصَ عَدَمِ قِرَاءَةِ آيَةٍ فِيهَا سَجْدَةٌ خَلْفَ الْإِمَامِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ السُّجُودِ فَيُخَصَّصُ بِهِ الْعُمُومُ هُنَا فَتَأَمَّلْهُ، وَأَفْتَى شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ بِقَصْدِ السُّجُودِ إلَّا فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ بِخُصُوصِ سَجْدَةِ سُورَةِ ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: 1 - 2] وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا فِي غَيْرِ السُّورَةِ قَالَ: لِأَنَّهُ مَحَلُّ السُّجُودِ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يَضُرُّ قَصْدُ السُّجُودِ فِي غَيْرِهَا، وَظَاهِرُ ذَلِكَ الْبُطْلَانُ بِمُجَرَّدِ الْقِرَاءَةِ، وَالْوَجْهُ عَدَمُهُ حَتَّى يَشْرَعَ فِي السُّجُودِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ) أَيْ لِمُنْفَرِدٍ وَإِمَامٍ مَحْصُورَيْنِ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَا نَوْعُ الْقِرَاءَةِ لَا خُصُوصُ سُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
نَعَمْ يُسَنُّ فِي صُبْحِ الْمُسَافِرِ سُورَتَا الْإِخْلَاصِ.
قَوْلُهُ: (طِوَالُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ جَمْعُ طَوِيلَةٍ، وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَالْمَنْهَجِ جَوَازُ ضَمِّهَا أَيْضًا وَهِيَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، وَفِي ابْنِ حَجَرٍ جَوَازُ تَشْدِيدِ الْوَاوِ مُبَالَغَةً فِي الطُّولِ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ وَقَوْلُ التَّتَّائِيِّ الْمَالِكِيِّ طِوَالٌ بِكَسْرِ الطَّاءِ لَا غَيْرُهُ جَمْعُ طَوِيلٍ وَبِضَمِّهَا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ وَبِفَتْحِهَا الْمُدَّةُ لَا يُنَافِي ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ طُوَالَاتُ الْمُفَصَّلِ جَمْعُ طَوِيلَةٍ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلسُّوَرِ مَرْدُودٌ لِعَدَمِ التَّأْنِيثِ الْحَقِيقِيِّ مَعَ أَنَّ نَقْلَ الثِّقَاتِ لَا مَطْعَنَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (الْمُفَصَّلِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ فَوَاصِلِ سُوَرِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الظُّهْرَ يُسَنُّ فِيهَا الْقَرِيبُ مِنْ الطِّوَالِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ.
قَوْلُهُ: (وَطِوَالُهُ إلَخْ) الْغَايَةُ فِي ذَلِكَ دَاخِلَةٌ فِيمَا بَعْدَهَا عَلَى الْأَصْلِ فِيهَا، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَالزِّيَادِيُّ كَالْمَنْهَجِ إسْقَاطَ هَذَا التَّحْدِيدِ لِوُرُودِ نَحْوِ (لَمْ يَكُنْ) مَعَ (الطَّارِقِ) .
قَوْلُهُ: (الْحُجُرَاتُ إلَخْ) هَذَا هُوَ الْمُرَجَّحُ، وَقِيلَ: أَوَّلُهُ (الْقِتَالُ) ، وَقِيلَ: أَوَّلُهُ الْجَاثِيَةُ.
قَوْلُهُ: (وَلِصُبْحِ الْجُمُعَةِ) عَطْفٌ عَلَى لِلصُّبْحِ قَبْلَهُ فَيُفِيدُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ الْمَأْمُومِ، وَهُوَ دَلِيلٌ لِمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ، وَالْمُرَادُ بِالْإِمَامِ هُنَا مَا يَعُمُّ غَيْرَ الْمَحْصُورِينَ، وَيُسَنُّ دَوَامُ ذَلِكَ، وَلَا نَظَرَ لِتَوَهُّمِ اعْتِقَادِ الْعَوَامّ وُجُوبَهَا.
[حاشية عميرة]
الْإِسْرَارُ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ، لَا نَقُولُ يُسَنُّ تَرْكُهَا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، بَلْ نَقُولُ: لَا يُسَنُّ فِعْلُهَا، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ) أَمَّا تَفْرِيعُهُ عَلَى الْأَوَّلِ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَوَجْهُ تَفْرِيعِ مُقَابِلِ النَّصِّ عَلَيْهِ مَا يَلْزَمُ هُنَا مِنْ تَطْوِيلِ الْأَخِيرَتَيْنِ عَلَى الْأَوِّلَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَتَهُ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: أَوْ سَمِعَ صَوْتًا لَا يُمَيِّزُهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ كَانَتْ سِرِّيَّةً) مِثْلُ ذَلِكَ الْإِسْرَارُ بِالْجَهْرِيَّةِ، وَأَمَّا عَكْسُهُ فَمَحَلُّ نَظَرٍ، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ أَنَّ لِلْعَكْسِ الْمَذْكُورِ حُكْمَ الْجَهْرِيَّةِ، وَعَزَاهُ لِلرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي الشِّقَّيْنِ، وَاقْتَصَرَ الْإِسْنَوِيُّ عَلَى نَقْلِ الشِّقِّ الْأَوَّلِ، وَعَزَاهُ لِشَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (طِوَالُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ، جَمْعٌ مُفْرَدُهُ طَوِيلٌ وَطُوَالٌ بِضَمِّ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، وَسُمِّيَ الْمُفَصَّلَ لِكَثْرَةِ الْفَصْلِ فِيهِ بَيْنَ السُّوَرِ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا تَفْصِيلٌ) الْإِشَارَةُ
لِلسُّورَةِ فِيمَا سَبَقَ، وَيَتَأَدَّى أَصْلُ الِاسْتِحْبَابِ بِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ لَكِنَّ السُّورَةَ أَحَبُّ، حَتَّى أَنَّ السُّورَةَ الْقَصِيرَةَ أَوْلَى مِنْ بَعْضِ سُورَةٍ طَوِيلَةٍ أَيْ وَإِنْ كَانَ أَطْوَلَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَوْلَى مِنْ قَدْرِهَا مِنْ طَوِيلَةٍ.
(الْخَامِسُ الرُّكُوعُ) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ انْحِنَاءٌ (وَأَقَلُّهُ) لِلْقَائِمِ (أَنْ يَنْحَنِيَ قَدْرَ بُلُوغِ رَاحَتَيْهِ رُكْبَتَيْهِ) إذَا أَرَادَ وَضْعَهُمَا عَلَيْهِمَا وَهُوَ مُعْتَدِلُ الْخِلْقَةِ سَالِمُ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَلَوْ كَانَ التَّمَاسُّ مِنْ وَضْعِ الرَّاحَتَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ بِالِانْحِنَاءِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الِانْحِنَاءِ لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّاحَةُ مَا عَدَا الْأَصَابِعَ مِنْ الْكَفِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي السُّجُودِ وَتَقَدَّمَ رُكُوعُ الْقَاعِدِ (بِطُمَأْنِينَةٍ بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ رَفْعُهُ عَنْ هَوِيِّهِ) بِأَنْ تَسْتَقِرَّ أَعْضَاؤُهُ قَبْلَ رَفْعِهِ، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ " ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[حاشية قليوبي]
فَائِدَةٌ) قَالَ السُّبْكِيُّ يُسَنُّ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي عِشَاءِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ أَبَدًا وَسُورَتَيْ الْإِخْلَاصِ فِي مَغْرِبِهَا كَذَلِكَ لِوُرُودِهِ.
قَوْلُهُ: (الم تَنْزِيلُ إلَخْ) وَكَذَا غَيْرُهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (بِكَمَالِهِمَا) عَلَى الْأَكْمَلِ وَلَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ كُلٍّ وَلَوْ آيَةَ السَّجْدَةِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَقِرَاءَةُ سُورَتَيْنِ قَصِيرَتَيْنِ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا) الْإِشَارَةُ لِقَوْلِهِ: وَلِلصُّبْحِ إلَخْ.
تَفْصِيلٌ لِلسُّورَةِ فِيمَا سَبَقَ بِقَوْلِهِ: وَتُسَنُّ سُورَةٌ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ.
قَوْلُهُ: (بِقِرَاءَةِ شَيْءٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَلِمَةً وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَهُ، وَتَقَدَّمَ كَمَالُهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ أَطْوَلَ) مَرْجُوحٌ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَوْنُ السُّورَةِ أَحَبَّ هُوَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مُطْلَقًا، وَكَذَا فِي الثَّانِيَةِ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِمَّا قَرَأَهُ فِي الْأُولَى، وَإِلَّا اقْتَصَرَ مِنْهَا عَلَى مَا دُونَ الْأُولَى، وَتُسَنُّ الْقِرَاءَةُ عَلَى تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ وَمُوَالَاتِهِ حَتَّى لَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَى سُورَةَ النَّاسِ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ الْبَقَرَةِ أَقَلَّ مِنْهَا.
نَعَمْ لَوْ قَرَأَ ﴿هَلْ أَتَى﴾ فِي الْأُولَى مِنْ صُبْحِ الْجُمُعَةِ قَرَأَ سُورَةَ ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: 1 - 2] فِي الثَّانِيَةِ وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا فِي الْأُولَى، وَإِنْ قَرَأَ غَيْرَهُمَا جَمَعَهُمَا فِي الثَّانِيَةِ، وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْهُمَا فِيهِمَا قَرَأَ بَدَلَهُمَا ﴿سَبِّحْ﴾ وَ ﴿هَلْ أَتَاك﴾ وَإِلَّا قَرَأَ سُورَتَيْ الْإِخْلَاصِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ أَفْضَلِيَّةِ السُّورَةِ مَا وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ بِبَعْضِهَا كَآيَتَيْ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَكَالتَّرَاوِيحِ الْمَطْلُوبِ فِيهَا الْقِيَامُ بِجَمِيعِ الْقُرْآنِ فِي الشَّهْرِ.
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: فَإِنْ لَمْ يُرِدْ فِيهَا الْقِيَامَ بِجَمِيعِ الْقُرْآنِ فَالسُّورَةُ أَفْضَلُ.
(تَنْبِيهٌ) يُسَنُّ الْجَهْرُ لِغَيْرِ مَأْمُومٍ فِي صُبْحٍ وَأُولَتَيْ الْمَغْرِبَيْنِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَخُسُوفِ الْقَمَرِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَكَذَا التَّرَاوِيحُ وَوَتْرُ رَمَضَانَ، وَإِنْ وَصَلَهُ وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ لَيْلًا أَوْ وَقْتَ صُبْحٍ وَالْمَقْضِيَّةُ لَيْلًا أَوْ وَقْتَ صُبْحٍ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِيهَا بِوَقْتِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيُسِرُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَلَوْ رَاتِبَةَ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ وَالْمَغْرِبِ، وَيُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى الْإِسْرَارُ مُطْلَقًا حَيْثُ يَسْمَعُ أَجْنَبِيٌّ، وَإِلَّا فَالتَّوَسُّطُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ كَنَوَافِلِ اللَّيْلِ الْمُطْلَقَةِ وَلَوْ لِلرَّجُلِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ تَشْوِيشٌ عَلَى نَائِمٍ أَوْ مُصَلٍّ وَإِلَّا كُرِهَ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَالْإِسْرَارُ بِقَدْرِ إسْمَاعِ نَفْسِهِ، وَالْجَهْرُ مَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُسْمِعْ مَنْ بِقُرْبِهِ، وَعَلَى هَذَا نَتَصَوَّرُ الْوَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَيُرَادُ بِهَا عَلَيْهِ الْإِسْرَارُ فِي بَعْضٍ وَالْجَهْرُ فِي بَعْضٍ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (الرُّكُوعُ) وَهُوَ لُغَةً الِانْحِنَاءُ مُطْلَقًا، وَشَرْعًا انْحِنَاءٌ مَخْصُوصٌ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَنَظَرَ فِيهِ بِأَنَّهُ شَارَكَهُمْ فِيهِ سُجُودُ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ وَسُجُودُ إخْوَةِ يُوسُفَ وَأَبَوَيْهِ لَهُ فَإِنَّهُ كَانَ بِصُورَةِ الرُّكُوعِ، وَبِمَا يُصَرِّحُ بِهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ كَانَتْ لِخَمْسَةٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَكُلُّ مَا ثَبَتَ لِنَبِيٍّ فَهُوَ لِأُمَّتِهِ إلَّا مَا ثَبَتَ اخْتِصَاصُهُ بِهِ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ رَدُّ مَا قِيلَ إنَّ صَلَاةَ جِبْرِيلَ الظُّهْرَ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ كَانَتْ بِغَيْرِ رُكُوعٍ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَنْحَنِيَ) وَلَوْ بِمُعِينٍ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ قَدَرَ عَلَيْهَا كَمَا مَرَّ أَوْ مَعَ مَيْلٍ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ، فَإِنْ عَجَزَ فَبِرَقَبَتِهِ، فَإِنْ عَجَزَ فَبِقَصْدِهِ، وَيُغْنِي عَنْ قَصْدِهِ الْإِتْيَانُ بِذِكْرِهِ وَيُشْتَرَطُ فِي الِانْحِنَاءِ أَنْ يَكُونَ خَالِصًا يَقِينًا وَإِلَّا فَلَا يَكْفِيهِ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ تَعَمَّدَ، فَقَوْلُهُ: وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ انْحِنَاءٌ مُسْتَدْرَكٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَنْحَنِيَ سَاقِطًا مِنْ النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِلشَّارِحِ فَرَاجِعْهُ، ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ ذَكَرَ أَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ بِهَامِشِ نُسْخَةِ الْمُؤَلِّفِ بِغَيْرِ خَطِّهِ.
قَوْلُهُ: (إذَا أَرَادَ إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ التَّعْبِيرِ قَبْلَهُ بِقَدْرِ بُلُوغِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ إلَخْ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِلطُّمَأْنِينَةِ لِأَنَّهَا سُكُونٌ بَيْنَ حَرَكَتَيْنِ وَلَا يَكْفِي عَنْهَا زِيَادَةُ خَفْضِ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هَوِيِّهِ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا، وَقِيلَ بِالضَّمِّ الصُّعُودُ وَبِالْفَتْحِ السُّقُوطُ مِنْ هَوَى يَهْوِي كَرَمَى يَرْمِي، وَأَمَّا هَوِيَ يَهْوَى كَبَقِيَ يَبْقَى، فَهُوَ بِمَعْنَى أَحَبَّ.
[حاشية عميرة]
فِيهِ رَاجِعَةٌ لِقَوْلِ الْمَتْنِ: وَيُسَنُّ لِلصُّبْحِ وَالظُّهْرِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَأَدَّى أَصْلُ الِاسْتِحْبَابِ بِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَلِمَةً وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُ الْفَائِدَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (رَاحَتَيْهِ) جَمْعُ الرَّاحَةِ رَاحٌ بِغَيْرِ تَاءٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ رَفْعُهُ عَنْ هَوِيِّهِ) هَذَا وَكَذَا تَفْسِيرُ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْآتِي يُفِيدُك أَنَّ زِيَادَةَ الْهَوِيِّ عَلَى أَقَلِّ الرُّكُوعِ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْرَارٍ لَا يُغْنِي عَنْ الطُّمَأْنِينَةِ شَيْئًا وَهُوَ كَذَلِكَ، ثُمَّ الْهَوِيُّ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ السُّقُوطُ وَبِالضَّمِّ الصُّعُودُ، وَالْفِعْلُ هَوَى يَهْوِي كَضَرَبَ يَضْرِبُ بِخِلَافِ هَوِيَ يَهْوَى كَعَلِمَ يَعْلَمُ
(وَلَا يَقْصِدُ بِهِ غَيْرَهُ) أَيْ بِالْهَوِيِّ غَيْرَ الرُّكُوعِ (فَلَوْ هَوَى لِتِلَاوَةٍ فَجَعَلَهُ) عِنْدَ بُلُوغِ حَدِّ الرُّكُوعِ (رُكُوعًا لَمْ يَكْفِ) عَنْهُ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إلَى الْقِيَامِ ثُمَّ يَرْكَعَ (وَأَكْمَلُهُ تَسْوِيَةُ ظَهْرِهِ وَعُنُقِهِ) كَالصَّفِيحَةِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَنَصْبُ سَاقَيْهِ) لِأَنَّهُ أَعْوَنُ (وَأَخْذُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ وَتَفْرِقَةُ أَصَابِعِهِ) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ فِي الْأَوَّلِ الْبُخَارِيُّ، وَفِي الثَّانِي ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ (لِلْقِبْلَةِ) أَيْ لِجِهَتِهَا لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ.
(وَيُكَبِّرُ فِي ابْتِدَاءِ هَوِيِّهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَإِحْرَامِهِ) أَيْ يَرْفَعُهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
(وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ فِي التَّكْبِيرِ وَالرَّفْعِ الشَّيْخَانِ وَفِي التَّسْبِيحِ مُسْلِمٌ، وَفِي تَثْلِيثِهِ أَبُو دَاوُد.
(وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ) عَلَى التَّسْبِيحَاتِ الثَّلَاثِ تَخْفِيفًا عَلَى الْمَأْمُومِينَ (وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: «اللَّهُمَّ لَك رَكَعْت وَبِك آمَنْت وَلَك أَسْلَمْت، خَشَعَ لَك سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي» ) لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
لِلِاتِّبَاعِ،
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَلَا يُقْصَدُ بِهِ غَيْرُهُ) أَيْ يَجِبُ أَنْ لَا يُقْصَدَ بِالْهُوِيِّ غَيْرُهُ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَلَا يَضُرُّ قَصْدُ غَيْرِهِ مَعَهُ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَلَا قَصْدُ غَيْرِهِ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، فَلَوْ شَكَّ بَعْدَ رُكُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَعَادَ بِقَصْدِ قِيَامِهَا لِقِرَاءَتِهَا فَتَذَكَّرَ فِيهَا أَوْ بَعْدَهَا أَنَّهُ قَرَأَهَا كَفَاهُ هَذَا الْقِيَامُ عَنْ الِاعْتِدَالِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ هَوَى لِتِلَاوَةٍ) أَيْ بِقَصْدِهَا فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَكْفِ) أَيْ لَمْ يَكْفِهِ هَوِيُّهُ لِتِلَاوَةٍ عَنْ هَوِيِّهِ لِلرُّكُوعِ لِأَنَّ التِّلَاوَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ.
نَعَمْ إنْ كَانَ تَابِعًا لِإِمَامٍ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ لِتِلَاوَةٍ ثُمَّ هَوَى فَهَوَى مَعَهُ بِقَصْدِ التِّلَاوَةِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يَسْجُدُ لَهَا فَتَبَيَّنَ أَنَّ إمَامَهُ هَوَى لِلرُّكُوعِ كَفَاهُ هُوِيُّهُ مَعَهُ لِلرُّكُوعِ لِوُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ عَلَيْهِ، فَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ سُجُودِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ فَرُكُوعٌ فَقَطْ، فَإِنْ عَادَ لِلْقِيَامِ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ هَوَى لِلسُّجُودِ سَاهِيًا عَنْ الرُّكُوعِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ لَمْ يَكْفِهِ هَوِيُّهُ عَنْهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِصَابُ لِيَرْكَعَ مِنْهُ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ لِإِلْغَاءِ فِعْلِ السَّاهِي كَذَا قِيلَ، وَالْوَجْهُ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ كَمَا مَرَّ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَنَصْبُ سَاقَيْهِ) لَوْ قَالَ نَصْبُ رُكْبَتَيْهِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ نَصْبُ السَّاقَيْنِ دُونَ عَكْسِهِ.
قَوْلُهُ: (لِجِهَتِهَا) دَخَلَ فِيهِ يَمِينُ الْعَيْنِ وَيَسَارُهَا، وَخَرَجَ عَنْهُ يَمِينُ الْجِهَةِ وَيَسَارُهَا، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُكَبِّرُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى تَسْوِيَةٍ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ مُقَارَنَةُ ابْتِدَاءِ الرَّفْعِ ابْتِدَاءَ التَّكْبِيرِ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ فَيَمُدُّ التَّكْبِيرَ هُنَا بَعْدَ حَطِّ يَدَيْهِ إلَى الرُّكُوعِ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثًا) هَذَا لِكُلِّ مُصَلٍّ وَأَكْمَلُ مِنْهُ لِلْمُنْفَرِدِ وَنَحْوُهُ خَمْسٌ فَسَبْعٌ فَتِسْعٌ فَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِدُونِ الثَّلَاثِ وَلَوْ بِغَيْرِ هَذِهِ الصِّيغَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ إلَخْ) وَالتَّسْبِيحُ السَّابِقُ أَفْضَلُ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَانْضِمَامُ التَّسْبِيحِ الثَّلَاثِ إلَيْهَا أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ التَّسْبِيحِ.
قَوْلُهُ: (خَشَعَ إلَخْ) هُوَ دَعَاهُ أَوْ الْمُرَادُ عَلَى صُورَةِ الْخَاشِعِ، وَفِي الْمُحَرَّرِ بَعْدَ عَصَبِي شَعْرِي وَبَشَرِي.
قَوْلُهُ: (قَدَمِي) هُوَ مُفْرَدٌ مُضَافٌ وَإِلَّا لَقَالَ قَدَمَايَ وَالْمُرَادُ جَمِيعُ بَدَنِهِ.
وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَلْبُوسُ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ كَفُّهُ لِكَوْنِهِ يَسْجُدُ عَلَيْهِ.
[حاشية عميرة]
بِمَعْنَى أَحَبَّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَقْصِدُ بِهِ غَيْرَهُ) أَيْ: وَأَمَّا أَنْ يَقْصِدَ بِالرُّكُوعِ الرُّكُوعَ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَرْكَانِ اكْتِفَاءً بِانْسِحَابِ النِّيَّةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (لِلِاتِّبَاعِ) هُوَ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَكَعَ يَشْخَصُ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَمَعْنَى يَشْخَصُ يَرْفَعُ، وَيُصَوِّبُ يَخْفِضُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ) أَيْ وَقِيَاسًا عَلَى السُّجُودِ فَإِنَّ ذَلِكَ وَارِدٌ فِيهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُكَبِّرُ إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: اعْلَمْ أَنَّ أَكْمَلَ الرُّكُوعِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا فِي الْهَيْئَةِ، وَقَدْ فَرَغَ الْمُصَنِّفُ مِنْهُ، وَالثَّانِي فِي الذِّكْرِ، وَقَدْ شَرَعَ الْآنَ فِيهِ اهـ. قُلْت: وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ قِرَاءَةُ يُكَبِّرُ بِنَصْبِ الرَّاءِ عَطْفًا عَلَى تَسْوِيَةٍ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أَكْمَلَهُ، وَقَدْ يُسَوِّي، وَأَنْ يُكَبِّرَ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَكَيْفِيَّةُ الرَّفْعِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِهِ قَائِمًا وَهُوَ قَائِمٌ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ فَإِذَا حَاذَى كَفَّاهُ مَنْكِبَيْهِ انْحَنَى، نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَتَعْبِيرُ الْمِنْهَاجِ بِخَالَفَهُ.
قَوْلُهُ: (مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَا يَعُودُ هُنَا الْخِلَافُ هُنَاكَ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ الِانْتِهَاءِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ إلَخْ) الْعُمْدَةُ فِي عَدَمِ وُجُوبِ هَذِهِ الْأَذْكَارِ وَنَحْوِهَا مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» عَدَمُ ذِكْرِهَا لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَلَك أَنْ تَقُولَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَرَكَهَا لِلْعِلْمِ بِهِ كَمَا اعْتَذَرَ بِهِ أَئِمَّتُنَا عَنْ تَرْكِ التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بِوُجُوبِهَا.
قَوْلُهُ: (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
رَوَاهُ مُسْلِمٌ إلَى " عَصَبِي " وَابْنُ حِبَّانَ إلَخْ جَعَلَ لِطُولِهِ زِيَادَةً لِلْمُنْفَرِدِ وَأُلْحِقَ بِهِ إمَامُ قَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَضُوا بِالتَّطْوِيلِ.
(السَّادِسُ الِاعْتِدَالُ قَائِمًا) لِحَدِيثِ «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْمُصَلِّي قَاعِدًا يَعُودُ بَعْدَ الرُّكُوعِ إلَى الْقُعُودِ (مُطْمَئِنًّا) لِمَا فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ «فَإِذَا رَفَعْت رَأْسَك أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ فَأَقِمْ صُلْبَك حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ إلَى مَفَاصِلِهَا» . (وَلَا يَقْصِدُ بِهِ غَيْرَهُ، فَلَوْ رَفَعَ فَزَعًا) أَيْ خَوْفًا (مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَكْفِ) رَفْعُهُ لِذَلِكَ عَنْ رَفْعِ الصَّلَاةِ.
(وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ «رَفْعِ رَأْسِهِ قَائِلًا: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَإِذَا انْتَصَبَ قَالَ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت، وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعْت، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ» ) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ إلَى لَك الْحَمْدُ وَمُسْلِمٌ إلَى آخِرِهِ، جَعَلَ عَجْزَهُ لِطُولِهِ زِيَادَةً لِلْمُنْفَرِدِ، وَأَلْحَقَ بِهِ إمَامَ قَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَضُوا بِالتَّطْوِيلِ، وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيُسِرُّ بِمَا بَعْدَهُ الْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ بِالْجَمِيعِ.
وَالْمُبَلِّغُ كَالْإِمَامِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَمَعْنَى
[حاشية قليوبي]
فَرْعٌ) تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ إنْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهَا وَإِلَّا فَلَا لِلصَّارِفِ كَمَا فِي الْجَنَابَةِ.
قَوْلُهُ: (لِلَّهِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ كَافِ لَك وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ شَرْطَ إبْدَالِ الظَّاهِرِ مِنْ الْمُضْمَرِ أَحَدُ أُمُورِ الْإِحَاطَةِ أَوْ الشُّمُولِ أَوْ كَوْنُهُ بَعْضًا أَوْ كَالْبَعْضِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (الِاعْتِدَالُ) وَلَوْ فِي نَفْلٍ وَفِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالْعَجْزِ عَنْهُ مَا مَرَّ، وَهُوَ لُغَةً الِاسْتِقَامَةُ وَالْمُسَاوَاةُ وَنَحْوُهُمَا قَوْلُهُ: (قَائِمًا) لَوْ أَسْقَطَهُ أَوْ عَبَّرَ بِمَا يَأْتِي لَكَانَ أَوْلَى، وَنَصْبُهُ قِيلَ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ الِاعْتِدَالِ، وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَتَحَمَّلُ ضَمِيرًا.
قَوْلُهُ: (وَالْمُصَلِّي قَاعِدًا) لَوْ قَالَ: وَغَيْرُ الْقَائِمِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَكَانَ أَوْلَى، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالِاعْتِدَالُ بِعَوْدٍ لِبَدْءٍ كَمَا قَالَ فِي الْمَنْهَجِ لَكَانَ أَوْلَى وَأَعَمَّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُصَلِّي مُضْطَجِعًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا الْقُعُودُ لِيَرْكَعَ مِنْهُ فَيَعُودُ إلَى بَدْئِهِ وَهُوَ الْقُعُودُ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ تَقْتَضِي عَوْدَ الْمُضْطَجِعِ إلَى الِاضْطِجَاعِ وَالْمُسْتَلْقِي إلَى الِاسْتِلْقَاءِ لَمْ يُصِبْ وَهُوَ إمَّا سَاهٍ أَوْ مُتَلَاهٍ أَوْ رُكْنُ فَهْمِهِ عَنْ الصَّوَابِ وَاهٍ.
نَعَمْ مَنْ قَدَرَ فِي الْفَرْضِ عَلَى الْقِيَامِ بَعْدَ رُكُوعِهِ قَاعِدَ الْعَجُزِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ إلَى الْقِيَامِ عَكْسُهُ وَبِعَكْسِهِ، وَلَا يُرَدُّ لِلْعُذْرِ.
قَوْلُهُ: (مُطْمَئِنًّا) مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَأَصْلُهُ بِطُمَأْنِينَةٍ وَعَدْلٍ عَنْهُ لِمُنَاسَبَةِ قَائِمًا، وَقِيلَ فِي إعْرَابِهِ مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ خَوْفًا) أَشَارَ إلَى أَنَّ فَزَعًا بِفَتْحِ الزَّايِ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ لِيَكُونَ فِيهِ مَحْضُ الْقَصْدِ لِغَيْرِ الِاعْتِدَالِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ كَوْنِهِ حَالًا بِكَسْرِ الزَّايِ، أَيْ فَازِعًا بِمَعْنَى خَائِفًا، لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي قَصْدَ الِاعْتِدَالِ مَعَهُ وَهُوَ لَا يَضُرُّ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَكْفِ) وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي وَجَدَ فِيهِ الْخَوْفَ وَيُنْدَبُ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ حَيْثُ أَتَى بِمَا يُبْطِلُ عَمْدَهُ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ) أَيْ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَيْ وَلَوْ مَأْمُومًا أَوْ امْرَأَةً رَفْعُ يَدَيْهِ أَيْ كَفَّيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ تَكْبِيرِهِ ثُمَّ يُرْسِلُهُمَا وَيَمُدُّ التَّكْبِيرَ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (قَائِلًا) إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا وَخَصَّ الْإِمَامُ مَالِكٌ التَّسْمِيعَ بِالْإِمَامِ وَالتَّحْمِيدَ بِالْمَأْمُومِ.
قَوْلُهُ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وَمِثْلُهُ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَهُ أَوْ سَمِعَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ) .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهِيَ أَوْ لِوُرُودِهَا، وَيَجُوزُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، قَالَ شَيْخُنَا: وَهِيَ أَوْلَى لِزِيَادَتِهَا، وَيَجُوزُ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، أَوْ وَلَك أَوْ لَك الْحَمْدُ رَبَّنَا، أَوْ الْحَمْدُ لِرَبِّنَا، أَوْ لِرَبِّنَا الْحَمْدُ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَزِيدَ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ يَتَسَابَقُ إلَيْهَا ثَلَاثُونَ مَلَكًا يَكْتُبُونَ ثَوَابَهَا لِقَائِلِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَحِكْمَةُ الثَّلَاثِينَ كَوْنُهَا عَدَدَ حُرُوفِهَا.
قَوْلُهُ: (مِلْءَ السَّمَوَاتِ إلَخْ) ذَكَرَ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِإِمَامِ غَيْرِ الْمَحْصُورِينَ، وَكَلَامُهُ هُنَا يُخَالِفُهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُبَلِّغُ كَالْإِمَامِ) أَيْ فِي نَدْبِ الْجَهْرِ وَعَدَمِهِ، وَفِي نَدْبِ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ
[حاشية عميرة]
الظَّاهِرُ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الْكَافِ فِي لَك.
قَوْلُهُ: (إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَهُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ الَّتِي زَادَهَا الشَّارِحُ.
(فَرْعٌ) يُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَزَعًا) يَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِالْكَسْرِ أَيْضًا اسْمُ فَاعِلٍ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) لَوْ قَالَ: مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَهُ كَفَى ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ نَقْلًا عَنْ الرَّوْضَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ) رُوِيَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ بِالْوَاوِ وَهِيَ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ أَطَعْنَاك؛ وَلَك الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بَعْدُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمِلْءَ دُونَ شِئْت لِمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ وَيَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِهِ عَلَى مَعْنَى مَا شِئْت مِلْأَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَيُسِرُّ بِمَا بَعْدَهُ) أَيْ
سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ تَقَبَّلَهُ مِنْهُ.
وَمِلْءَ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ وَبِالنَّصْبِ أَيْ مَالِئًا، بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا.
وَقَوْلُهُ: مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَيْ كَالْكُرْسِيِّ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: 255] وَأَهْلَ بِالنَّصْبِ مُنَادَى، وَالثَّنَاءُ الْمَدْحُ، وَالْمَجْدُ الْعَظَمَةُ، وَأَحَقُّ مُبْتَدَأٌ، وَلَا مَانِعَ إلَخْ خَبَرُهُ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ، وَالْجَدُّ الْغِنَى، وَمِنْك بِمَعْنَى عِنْدَك؛ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ.
(وَيُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي اعْتِدَالِ ثَانِيَةِ الصُّبْحِ، وَهُوَ: " اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت " إلَخْ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَتَتِمَّتُهُ كَمَا فِي الشَّرْحِ: " وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْت، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْت، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْت، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْت، إنَّك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك، إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت، تَبَارَكْت رَبَّنَا وَتَعَالَيْت " لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ فَيَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي» إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ " رَبَّنَا " وَقَالَ: صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ فِي الْقُنُوتِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَفِي وَتْرِ اللَّيْلِ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَزَادَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ قَبْلَ " تَبَارَكْت " " وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت " قَالَ فِي الرَّوْضَةِ.
وَقَدْ جَاءَتْ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ (وَالْإِمَامُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ) لِأَنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، فَحُمِلَ عَلَى الْإِمَامِ.
(وَالصَّحِيحُ سَنُّ الصَّلَاةِ عَلَى
[حاشية قليوبي]
جِسْمًا) أَيْ مِنْ نُورٍ كَمَا أَنَّ السَّيِّئَاتِ تُقَدَّرُ جِسْمًا مِنْ ظُلْمَةٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ عَلَى كَوْنِهِ صِفَةً أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (بَعْدُ) هُوَ صِفَةٌ لِشَيْءٍ أَيْ شَيْءٍ كَائِنٍ بَعْدُ أَوْ حَالٌ مِنْهُ وَيَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِمِلْءَ وَشِئْت أَيْضًا، وَمَنْ قَالَ لَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِشِئْتَ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَأَخُّرَ خَلْقِ الْكُرْسِيِّ غَيْرُهُ مُسْتَقِيمٌ تَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ) أَيْ فَهِيَ فِيهِ كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ وَكَذَا كُلُّ سَمَاءٍ مَعَ مَا فِي جَوْفِهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَذَا الْعَنَاصِرُ وَالْكُرْسِيُّ وَمَا حَوَى بِالنِّسْبَةِ لِلْفَلَكِ الْأَعْظَمِ الْمُسَمَّى بِالْعَرْشِ، وَبِالْفَلَكِ الْأَطْلَسِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مُنَادَى) وَيَجُوزُ رَفْعُهُ خَبَرًا لِأَنْتَ أَيْ أَنْتَ الْمُتَأَهِّلُ.
قَوْلُهُ: (وَأَحَقُّ مُبْتَدَأٌ) وَيَجُوزُ كَوْنُهُ خَبَرًا عَنْ الْجُمْلَةِ قَبْلَهُ أَيْ هَذَا الْقَوْلُ أَحَقُّ نَحْوُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَنْزٌ أَوْ خَبَرًا عَنْ الْحَمْدِ، فَلَكَ خَبَرٌ أَوَّلٌ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِالْحَمْدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا مَانِعَ إلَخْ خَبَرُهُ) أَيْ لَفْظًا وَهُوَ مَقُولُ الْقَوْلِ مَعْنًى وَعَدَمُ نَصْبِ مَانِعٌ بِلَا إمَّا أَنَّهُ لُغَةٌ أَوْ أَنَّهُ مِنْ بَابِ وَصْفِ الْمُنَادَى لَا نِدَاءِ الْمَوْصُوفِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ) أَيْ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَخَبَرِهِ وَأُفْرِدَ عَبْدٌ بِاعْتِبَارِ كُلٍّ مِنْ جِهَةِ لَفْظِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْجَدُّ) أَيْ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِمَّا بِكَسْرِهَا فَالِاجْتِهَادُ، وَيُطْلَقُ الْأَوَّلُ عَلَى أَبِ الْأَبِ مَثَلًا وَعَلَى الْقَطْعِ، وَيَجُوزُ إرَادَةُ الثَّانِي فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ) أَيْ بَعْدَ مَا يُطْلَبُ الْإِتْيَانُ بِهِ لِلْمُنْفَرِدِ أَوْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (الْقُنُوتُ) وَهُوَ لُغَةً الْعِبَادَةُ أَوْ الدُّعَاءُ مُطْلَقًا، وَشَرْعًا مَا اشْتَمَلَ عَلَى دُعَاءٍ وَثَنَاءٍ وَلَوْ آيَةً قَصَدَهُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (فِي الِاعْتِدَالِ إلَخْ) فَلَوْ قَنَتَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ خِلَافًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي إلَخْ) وَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ قُنُوتِ عُمَرَ الْآتِي فِي سُجُودِ السَّهْوِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَجَمْعُهُمَا أَفْضَلُ مُطْلَقًا وَيُقَدَّمُ هَذَا عَلَى ذَاكَ.
قَوْلُهُ: (فِيمَنْ) أَيْ مَعَهُمْ أَوْ أَكُنْ فِيهِمْ.
قَوْلُهُ: (لَا يَذِلُّ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ لَا يَحْصُلُ لَهُ ذِلَّةٌ فِي نَفْسِهِ أَوْ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، أَيْ لَا يُذِلُّهُ أَحَدٌ، وَمِثْلُهُ يَعِزُّ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (قَالَ فِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا: وَيُسَنُّ لَك الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْت أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك لِأَنَّهَا وَرَدَتْ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَالْإِمَامُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ) أَيْ وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْتِيَ فِي الْقُنُوتِ وَلَوْ بِغَيْرِ مَا وَرَدَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِأَنَّ الْمَأْمُومِينَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ، وَبِهَذَا فَارَقَ بَقِيَّةَ أَدْعِيَةِ الصَّلَاةِ، فَالْأَوْلَى فِيهَا اتِّبَاعُ الْوَارِدِ فَتُكْرَهُ مُخَالَفَتُهُ فِيهَا بِخِلَافِ الْقُنُوتِ.
قَوْلُهُ: (سَنُّ الصَّلَاةِ) وَكَذَا السَّلَامُ عَلَيْهِ وَكَذَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى
[حاشية عميرة]
لِأَنَّ ذِكْرَ الِاعْتِدَالِ كَأَذْكَارِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
قَوْلُهُ: (كَالْكُرْسِيِّ إلَخْ) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدُ مُتَعَلِّقٌ بِمِلْءَ دُونَ شِئْت لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ خَلْقُ الْكُرْسِيِّ مُتَأَخِّرًا عَنْ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ، وَيَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِشِئْتَ عَلَى مَعْنَى مَا شِئْت مِلْأَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَحَقُّ مُبْتَدَأٌ) جَوَّزَ ابْنُ الصَّلَاحِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمَا قَبْلَهُ، أَيْ هَذَا الْقَوْلُ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَالْجَدُّ الْغِنَى) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَرُوِيَ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الِاجْتِهَادُ فِي الْهَرَبِ.
[الْقُنُوت فِي صَلَاة الصُّبْح]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ الْقُنُوتُ) لَوْ قَنَتَ قَبْلَ الِاعْتِدَالِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِفِعْلِهِ مَطْلُوبًا قَوْلِيًّا لَمْ يَبْطُلْ فِعْلُهُ.
(فَائِدَةٌ) الْقُنُوتُ لَهُ مَعَانٍ مِنْهُ الدُّعَاءُ كَمَا هُنَا سَوَاءٌ كَانَ بِخَيْرٍ أَمْ بِشَرٍّ، يُقَالُ: قَنَتَ لَهُ وَقَنَتَ عَلَيْهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِيمَنْ هَدَيْت) أَيْ مَعَهُمْ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: 29] . قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْإِمَامُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ) عَلَّلَهُ
رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِهِ) رَوَاهَا النَّسَائِيّ فِي قُنُوتِ الْوَتْرِ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مَعَ زِيَادَةِ فَاءٍ فِي أَنَّك وَوَاوٍ فِي إنَّهُ بِلَفْظِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ فَأُلْحِقَ بِهِ قُنُوتُ الصُّبْحِ وَالثَّانِي يَقُولُ لَمْ تَرِدْ فِي قُنُوتِهِ.
(وَ) الصَّحِيحُ سَنُّ (رَفْعِ يَدَيْهِ) فِيهِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْحَاكِمِ، وَالثَّانِي قَاسَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَدْعِيَةِ الصَّلَاةِ.
كَمَا قِيسَ الرَّفْعُ فِيهِ عَلَى رَفْعِ النَّبِيِّ يَدَيْهِ كُلَّمَا صَلَّى الْغَدَاةَ يَدْعُو عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَهُ الْقُرَّاءَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
(وَ) الصَّحِيحُ أَنَّهُ (لَا يَمْسَحُ وَجْهَهُ) أَيْ لَا يُسَنُّ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُرُودِهِ، وَالثَّانِي يُدْخِلُهُ فِي حَدِيثِ «سَلُوا اللَّهَ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا، فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ» لَكِنْ.
قَالَ أَبُو دَاوُد: رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ كُلُّهَا وَاهِيَةٌ، وَالْخِلَافُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ إذَا قُلْنَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فَإِنْ قُلْنَا لَا فَلَا يَمْسَحُ جَزْمًا، وَسَكَتَ عَنْ ذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ لِلْعِلْمِ بِهِ.
(وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ بِهِ) لِلِاتِّبَاعِ فِي ظَاهِرِ حَدِيثِ الْحَاكِمِ الْمُتَقَدِّمِ، وَالثَّانِي لَا كَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيُسِرُّ بِهِ جَزْمًا.
(وَ) الصَّحِيحُ بِنَاءً عَلَى جَهْرِ الْإِمَامِ بِهِ (أَنَّهُ يُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ لِلدُّعَاءِ وَيَقُولُ الثَّنَاءَ) وَأَوَّلُهُ أَنَّك تَقْضِي، وَالثَّانِي يُؤَمِّنُ فِيهِ أَيْضًا وَأَلْحَقَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالدُّعَاءِ، فَيُؤَمِّنُ
[حاشية قليوبي]
آلِهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي سُجُودِ السَّهْوِ.
قَوْلُهُ: (فَحُمِلَ عَلَى الْإِمَامِ) وَحَدِيثُ «مَا مِنْ إمَامٍ يَؤُمُّ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ إلَّا خَانَهُمْ» مَحْمُولٌ عَلَى الْقُنُوتِ فَقَطْ وَلَوْ بِغَيْرِ مَا وَرَدَ لِمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (رَفْعُ يَدَيْهِ فِيهِ) أَيْ فِي الْقُنُوتِ، وَكَذَا فِي سَائِرِ الْأَدْعِيَةِ وَلَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ رَفْعًا مُقْتَصَدًا بِتَفْرِيقٍ أَوْ جَمْعٍ، وَهُوَ أَوْلَى، وَكَشْفُهُمَا وَرَفْعُ أَصَابِعِهِمَا وَجَعْلُ بُطُونِهِمَا إلَى السَّمَاءِ فِي الثَّنَاءِ مُطْلَقًا وَكَذَا فِي الدُّعَاءِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِدَفْعِ شَيْءٍ وَإِلَّا فَعَكْسُهُ، وَيُكْرَهُ بِيَدٍ نَجِسَةٍ وَرَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً، وَيُكْرَهُ لِلْخَطِيبِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (كَمَا قِيسَ) هَذَا مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ الثَّانِي أَيْ فَهُوَ مُعَارَضَةُ قِيَاسٍ بِقِيَاسٍ أَيْ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ قَاسَ الرَّفْعَ فِي الْقُنُوتِ عَلَى الرَّفْعِ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، وَالثَّانِي قَاسَ عَدَمَ الرَّفْعِ فِيهِ عَلَى عَدَمِ الرَّفْعِ فِي غَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ أَدْعِيَةِ الصَّلَاةِ، وَاعْتَضَدَ الْأَوَّلُ بِحَدِيثِ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ وَبِمُنَاسَبَةِ الْقُنُوتِ وَالدُّعَاءِ فِي مَحَلِّهِ.
قَوْلُهُ: (الْغَدَاةَ) هِيَ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَذَلِكَ مُدَّةَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا كَمَا سَيَأْتِي.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَعَلَّ الْحَامِلَ عَلَى ذَلِكَ دَفْعُ تَمَرُّدِ الْقَاتِلِينَ، وَمِنْ دُعَائِهِ فِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَثَ قَدْرَ تِلْكَ الْمُدَّةِ يَدْعُو عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ الْعَامِرِيِّ حَتَّى مَاتَ كَافِرًا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ بِمَا شِئْت، وَابْعَثْ عَلَيْهِ دَاءً يَقْتُلُهُ» فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ طَاعُونًا، فَمَاتَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا يُسَنُّ) أَيْ بَلْ يُسَنُّ تَرْكُهُ فَفِعْلُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يُدْخِلُهُ فِي حَدِيثِ إلَخْ) وَأَخْرَجَهُ الْأَوَّلُ مِنْهُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ يُطْلَبُ الْكَفُّ فِيهَا فَيُسَنُّ خَارِجَهَا، وَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ يَرِدْ الْمَسْحَ فِي الصَّلَاةِ فِي حَدِيثٍ وَلَا أَثَرٍ وَلَا قِيَاسٍ، وَوَرَدَ خَارِجَهَا مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ فَيُسَنُّ، وَيُكْرَهُ مَسْحُ الصَّدْرِ وَغَيْرِهِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ بِهِ) أَيْ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَالسِّرِّيَّةِ وَلَوْ قَضَاءً كَصُبْحٍ أَوْ وَتْرٍ نَهَارًا بِأَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ فِيهِ أَوْ قَبْلَهُ، وَشَمَلَ الْقُنُوتُ الدُّعَاءَ وَالثَّنَاءَ وَلِلنَّازِلَةِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَكَذَا يُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْهَرَ بِكُلِّ دُعَاءٍ دَعَا بِهِ فِي الصَّلَاةِ كَسُؤَالِ رَحْمَةٍ وَاسْتِعَاذَةٍ مِنْ عَذَابٍ، وَأَنْ يُوَافِقَهُ الْمَأْمُومُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيُسِرُّ بِهِ) وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ تَبَعًا لِإِفْتَاءِ وَالِدِهِ وَأَنَّهُ يَجْهَرُ بِهِ فِي النَّازِلَةِ، وَلَمْ يَرْتَضِهِ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ.
قَوْلُهُ: (يُؤَمِّنُ) أَيْ جَهْرًا.
قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ الثَّنَاءَ) أَيْ سِرًّا أَوْ يَقُولُ فِيهِ جَهْرًا أَشْهَدُ أَوْ بَلَى أَوْ وَأَنَا مِنْ الشَّاهِدِينَ، أَوْ يَقُولُ فِيهِ صَدَقْت،
[حاشية عميرة]
فِي الْأَذْكَارِ بِأَنَّ الْإِمَامَ يُكْرَهُ لَهُ تَخْصِيصُ نَفْسِهِ بِالدُّعَاءِ لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ وَمُقْتَضَاهُ اطِّرَادُهُ فِي سَائِرِ أَدْعِيَةِ الْإِمَامِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَكَذَا الْجِيلِيُّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ إلَخْ اللَّهُمَّ نَقِّنِي اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي» وَبِهَذَا يَقُولُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَعَلَى هَذَا فَالْفَرْقُ أَنَّ الْكُلَّ مَأْمُورُونَ بِهِ هُنَاكَ بِخِلَافِ الْقُنُوتِ اهـ. قُلْت: وَكَلَامُ الشَّارِحِ هُنَا إذَا تَأَمَّلْته تَجِدُهُ ظَاهِرًا فِي اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالْقُنُوتِ.
قَوْلُهُ: (بِلَفْظِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ) أَيْ هَكَذَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَمَا قِيسَ الرَّفْعُ فِيهِ إلَخْ) فِيهِ بَحْثٌ إذْ كَيْفَ يُسَوَّغُ الْقِيَامُ مَعَ كَوْنِ الْحُكْمِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ الْحَاكِمِ.
فَقَوْلُهُ: (أَيْ لَا يُسَنُّ ذَلِكَ) مِنْ هُنَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَوْ قَالَ لَا مَسَحَ وَجْهَهُ كَانَ أَوْلَى اهـ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ يَرِدْ فِي الْمَسْحِ فِي الصَّلَاةِ حَدِيثٌ، وَلَا أَثَرٌ وَلَا قِيَاسٌ، وَإِنَّمَا وَرَدَ خَارِجَ الصَّلَاةِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ خَارِجَهَا فَقَطْ.
قَوْلُهُ: «فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ» قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَرَدَ فِي حَدِيثٍ حِكْمَةُ ذَلِكَ وَهِيَ الْإِفَاضَةُ عَلَيْهِ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى اهـ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ بِهِ) أَيْ حَتَّى بِالثَّنَاءِ، وَلَوْ قُلْنَا إنَّ الْمَأْمُومَ يُوَافِقُهُ فِيهِ هَذَا قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُسِرَّ بِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْهَرَ بِهِ كَمَا لَوْ سَأَلَ الْإِمَامَ الرَّحْمَةَ أَوْ اسْتَعَاذَ مِنْ النَّارِ، فَإِنَّهُ يَجْهَرُ وَيُوَافِقُهُ فِيهِ الْمَأْمُومُ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ اهـ.
وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ بِالدُّعَاءِ مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ لَا يَفْعَلُهَا أَئِمَّةُ هَذَا الزَّمَانِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَنَّهُ يُؤَمِّنُ)
فِيهَا، هَذَا إنْ سَمِعَ الْإِمَامَ (فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ) لِبُعْدٍ أَوْ غَيْرِهِ (قَنَتَ) كَمَا يَقْنُتُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُسِرُّ.
(وَيُشْرَعُ الْقُنُوتُ) أَوْ يُسْتَحَبُّ (فِي سَائِرِ الْمَكْتُوبَاتِ) أَيْ بَاقِيهَا (لِلنَّازِلَةِ) كَالْوَبَاءِ وَالْقَحْطِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالْعَدُوِّ لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى قَاتِلِي أَصْحَابِهِ الْقُرَّاءِ بِبِئْرِ مَعُونَةَ» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَيُقَاسُ غَيْرُ الْعَدُوِّ عَلَيْهِ (لَا مُطْلَقًا عَلَى الْمَشْهُورِ) لِعَدَمِ وُرُودِ ذَلِكَ فِي النَّازِلَةِ وَالثَّانِي يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْقُنُوتِ وَعَدَمِهِ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِهِ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ، وَمَحَلُّهُ اعْتِدَالُ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ.
(السَّابِعُ: السُّجُودُ وَأَقَلُّهُ مُبَاشَرَةُ بَعْضِ جَبْهَتِهِ مُصَلَّاهُ) بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهَا حَائِلٌ كَعِصَابَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ لِجِرَاحَةٍ
[حاشية قليوبي]
وَمُوَافَقَتُهُ الْإِمَامَ أَوْلَى كَبَقِيَّةِ أَدْعِيَةِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَبْطُلْ بِصَدَقْتَ وَبَرَرْت مَعَ أَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ لِمَا بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مِنْ الرَّابِطَةِ، وَلَوْ رَوَّدَهُ أَيْضًا، وَبِذَلِكَ فَارَقَ إجَابَةَ الْمُؤَذِّنِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ مِنْ الْمُصَلِّي كَمَا مَرَّ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ بِالْبُطْلَانِ فِيهِمَا وَكَالثَّنَاءِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ النَّارِ وَسُؤَالُ الْجَنَّةِ وَنَحْوُهُمَا مِمَّا يُطْلَبُ مِنْ الْمَأْمُومِ فِعْلُهُ فَيُوَافِقُ الْإِمَامَ فِيهِ إنْ جَهَرَ بِهِ وَإِلَّا أَسَرَّهُ.
قَوْلُهُ: (فَيُؤَمِّنُ فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي أَنْ يُؤَمِّنْ إنْ أَتَى فِيهَا بِلَفْظِ الْأَمْرِ نَحْوُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَيُوَافِقُ فِيهَا إنْ أَتَى بِغَيْرِ لَفْظِهِ نَحْوُ: وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: لَا يَأْتِي بِهَذِهِ الصِّيغَةِ لِأَنَّهَا رُكْنٌ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ مَرْدُودٌ، وَإِنْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُصَنَّفَاتِ وَلَوْ أَتَى الْإِمَامُ بِقُنُوتِ الْإِمَامِ عُمَرَ، فَقَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ نَقْلًا عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إنَّهُ يُشَارِكُ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى: اللَّهُمَّ عَذِّبْ الْكَفَرَةَ فَيُؤَمِّنُ إلَخْ، وَيَتَوَقَّفُ فِي أَوَّلِهِ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ) وَكَذَا لَوْ سَمِعَ صَوْتَهُ وَلَمْ يُمَيِّزْ حُرُوفَهُ.
قَوْلُهُ: (قَنَتَ) أَيْ سِرًّا كَمَا يَقْنُتُ الْمَأْمُومُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِمَامَ يُسِرُّ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَيُشْرَعُ الْقُنُوتُ) أَيْ الْمُتَقَدِّمُ فِي الصُّبْحِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَنْبَغِي أَنْ يُؤْتَى فِي كُلِّ نَازِلَةٍ بِمَا يُنَاسِبُهَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ بَاقِيهَا) لِأَنَّ الصُّبْحَ فِيهَا الْقُنُوتُ مُطْلَقًا، وَخَرَجَ بِالْمَكْتُوبَاتِ غَيْرُهَا فَيُكْرَهُ فِي الْجِنَازَةِ وَفِي نَفْلٍ لَمْ تُطْلَبْ فِيهِ الْجَمَاعَةُ.
وَيُبَاحُ فِيمَا طُلِبَتْ فِيهِ الْجَمَاعَةُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ (لِلنَّازِلَةِ) أَيْ الْعَامَّةِ أَوْ الْخَاصَّةِ بِمَنْ يَقْنُتُ أَوْ بِغَيْرِهِ وَتَعَدَّى نَفْعُهُ كَعَالِمٍ وَشُجَاعٍ كَمَا قَيَّدَ بِهِ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْإِسْنَوِيِّ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ شَيْخُنَا: الزِّيَادِيُّ كَالْأَذْرَعِيِّ.
قَوْلُهُ: (كَالْوَبَاءِ وَالْقَحْطِ) وَكَذَا الْجَرَادُ وَالطَّاعُونُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَتَخَيَّرُ) أَيْ يُبَاحُ فِي النَّازِلَةِ وَغَيْرِهَا، وَالثَّالِثُ ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِهِ) أَيْ لَا الْمُنْفَرِدُ وَفِيهِ مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (السُّجُودُ) وَهُوَ لُغَةً التَّطَامُنُ وَالذِّلَّةُ وَالْخُضُوعُ وَشَرْعًا مَا سَيَأْتِي، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الرُّكُوعِ، وَمِنْهُ ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: 100] كَمَا مَرَّ، وَمِنْهُ ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [البقرة: 34] وَحِكْمَةُ تَكْرَارِهِ مَرَّتَيْنِ كَوْنُهُ مَحَلَّ إجَابَةِ الدُّعَاءِ أَوْ لِأَنَّ آدَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
سَجَدَ لَمَّا أُخْبِرَ بِأَنَّ اللَّهَ تَابَ عَلَيْهِ، فَحِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ رَأَى قَبُولَ تَوْبَتِهِ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَسَجَدَ ثَانِيًا، أَوْ لِأَنَّ النَّفْسَ عَاتَبَتْ صَاحِبَهَا بِوَضْعِ أَشْرَفِ أَعْضَائِهِ عَلَى مَحَلِّ مَوَاطِئِ الْأَقْدَامِ وَقَرْعِ النِّعَالِ فَأَعَادَهُ إرْغَامًا لَهَا، أَوْ لِأَنَّ إبْلِيسَ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْهُ حِينَ أُمِرَ بِهِ لِآدَمَ فَكَرَّرَ رَغْمًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (جَبْهَتِهِ) وَهِيَ طُولًا مَا بَيْنَ صُدْغَيْهِ وَعَرْضًا مَا بَيْنَ مَنَابِتِ شَعْرِ رَأْسِهِ وَحَاجِبَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهَا حَائِلٌ) نَعَمْ لَا يَضُرُّ شَعْرٌ نَبَتَ عَلَيْهَا أَوْ بَعْضُهَا فَيَكْفِيهِ السُّجُودُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْهَا، وَإِنْ سَهُلَ عَلَى الْخَالِي مِنْهُ لِأَنَّهُ مِثْلُ بَشَرَتِهَا وَخُصَّتْ بِالْكَشْفِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ لِسُهُولَتِهِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ غَايَةِ
[حاشية عميرة]
أَيْ يَجْهَرُ كَتَأْمِينِهِ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ، وَأَمَّا إذَا قَالَ الثَّنَاءَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُسِرُّهُ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يُؤَمِّنُ فِيهِ أَيْضًا) أَيْ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّأْمِينَ وَإِنْ قَارَنَ الثَّنَاءَ يَرْجِعُ إلَى الدُّعَاءِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الثَّنَاءَ الْمَذْكُورَ لَهُ ارْتِبَاطٌ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ السَّابِقِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ قَنَتَ) لَوْ سَمِعَ صَوْتًا لَمْ يَفْهَمْهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَعَدَمِ السَّمَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَقْنُتُ بِنَاءً) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ كَمَا يَقْنُتُ وَقَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ يُسِرُّ الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ لِلْإِمَامِ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا إنْ سَمِعَ الْإِمَامَ.
[الْقُنُوتُ فِي سَائِرِ الْمَكْتُوبَاتِ]
قَوْلُهُ: (أَيْ بَاقِيهَا) أَيْ، وَأَمَّا الصُّبْحُ فَقَدْ سَلَفَ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ كَانَتْ النَّازِلَةُ خَاصَّةً فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ نَزَلَتْ بِهِ وَلِغَيْرِهِ الْقُنُوتُ مَحَلُّ نَظَرٍ.
قَوْلُهُ: (قَنَتَ شَهْرًا) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ: كَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى الْقُنُوتِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَفْعَ تَمَرُّدِ الْقَاتِلِينَ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَتَخَيَّرُ) أَيْ عِنْدَ عَدَمِ النَّازِلَةِ كَمَا شَرَحَهُ كَذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ قُلْت: الْكَلَامُ حِينَئِذٍ يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَالثَّانِي يَتَخَيَّرُ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ: أَوَّلًا أَنْ يُشْرَعَ بِمَعْنَى يُسْتَحَبُّ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْفِيَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمُ الِاسْتِحْبَابِ لَا عَدَمُ الْجَوَازِ فَلْيُتَأَمَّلْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مُقَابِلًا لِأَوَّلِ الْكَلَامِ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَيُشْرَعُ الْقُنُوتُ إلَخْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (السُّجُودُ) هُوَ لُغَةً التَّطَامُنُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَقَلُّهُ مُبَاشَرَةُ) سَيَأْتِي دَلِيلُهُ فِي
أَجْزَأَ السُّجُودُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ، ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَالْمُرَادُ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّ شَرْطَ جَوَازِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ فِي إزَالَةِ الْعِصَابَةِ، وَمَشَى عَلَيْهِ فِي التَّحْقِيقِ فَقَالَ: وَشَقَّ إزَالَتُهَا (فَإِنْ سَجَدَ عَلَى مُتَّصِلٍ بِهِ) كَطَرَفِ عِمَامَتِهِ (جَازَ إنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ) فِي قِيَامِهِ وَقُعُودِهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ السُّجُودُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْهُ، فَإِنْ سَجَدَ عَلَيْهِ عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، أَوْ جَاهِلًا أَوْ سَاهِيًا لَمْ تَبْطُلْ، وَيَجِبُ إعَادَةُ السُّجُودِ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(وَلَا يَجِبُ وَضْعُ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ) فِي السُّجُودِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ وَضْعُهَا لَوَجَبَ الْإِيمَاءُ بِهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ وَضْعِهَا وَالْإِيمَاءِ بِهَا لَا يَجِبُ فَلَا يَجِبُ وَضْعُهَا (قُلْت: الْأَظْهَرُ وُجُوبُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» وَالْأَوَّلُ يَقُولُ الْأَمْرُ فِيهِ أَمْرُ نَدْبٍ فِي غَيْرِ الْجَبْهَةِ، وَيَكْفِي عَلَى الْوُجُوبِ وَضْعُ جُزْءٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَالِاعْتِبَارُ فِي الْيَدِ بِبَاطِنِ الْكَفِّ سَوَاءٌ الْأَصَابِعُ وَالرَّاحَةُ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَفِي الرِّجْلِ بِبُطُونِ الْأَصَابِعِ وَلَا يَجِبُ كَشْفُ شَيْءٍ مِنْهَا وَعَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ يُتَصَوَّرُ رَفْعُ جَمِيعِهَا بِأَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَجَرَيْنِ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ قَصِيرٌ يَنْبَطِحُ عَلَيْهِ عِنْدَ السُّجُودِ وَيَرْفَعُهَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا (وَيَنَالَ مَسْجَدُهُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ بِضَبْطِ الْمُصَنَّفِ أَيْ مَوْضِعُ سُجُودِهِ (ثِقَلَ رَأْسِهِ) فَإِنْ سَجَدَ عَلَى قُطْنٍ أَوْ نَحْوِهِ وَجَبَ أَنْ يَتَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْكَبِسَ وَيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي يَدٍ لَوْ فُرِضَتْ تَحْتَ
[حاشية قليوبي]
التَّوَاضُعِ بِمُبَاشَرَةِ الْإِنْسَانِ بِأَشْرَفِ أَعْضَائِهِ مَوَاطِئَ الْأَقْدَامِ وَقَرْعَ النِّعَالِ كَمَا مَرَّ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَوْرَةً فِي الصَّلَاةِ لِكُلِّ أَحَدٍ أَصَالَةً.
قَوْلُهُ: (مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ) أَيْ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً وَإِنْ لَمْ تُبِحْ التَّيَمُّمَ وَلَا إعَادَةَ إلَّا إنْ كَانَ تَحْتَهَا نَجَسٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مُتَّصِلٍ بِهِ) أَيْ وَلَيْسَ جُزْءًا مِنْ بَدَنِهِ كَشَرْعٍ وَسِلْعَةٍ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ السُّجُودُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (كَطَرَفِ عِمَامَتِهِ) أَيْ وَهِيَ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ كَتِفِهِ مَثَلًا فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ لَمْ يَضُرَّ كَمِنْدِيلٍ وَعُودٍ فِيهَا وَلَوْ الْتَصَقَ بِجَبْهَتِهِ شَيْءٌ فِي سَجْدَتِهِ، فَإِنْ نَحَّاهُ قَبْلَ سُجُودِهِ ثَانِيًا لَمْ يَضُرَّ وَإِلَّا لَمْ يُحْسَبْ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ) أَيْ فِي قِيَامِهِ إنْ صَلَّى قَائِمًا أَوْ فِي قُعُودِهِ إنْ صَلَّى قَاعِدًا، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، وَمَشَى عَلَيْهِ شَيْخُنَا، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ أَنَّ مَا يَتَحَرَّكُ فِي قِيَامِهِ يَضُرُّ وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِدْرَاكُ قَوْلِهِمْ أَوْ قُعُودُهُ فَتَأَمَّلْ وَالْحَرَكَةُ خَاصَّةٌ بِالْجَبْهَةِ.
قَوْلُهُ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ إنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ زَوَالِهِ وَسُجُودِهِ الشَّرْعِيِّ وَإِلَّا لَمْ تَبْطُلْ، نَعَمْ إنْ قَصَدَ ابْتِدَاءَ الِاقْتِصَارِ عَلَى ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ شُرُوعِهِ فِيهِ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْمُبْطَلَ وَشَرَعَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ وَضْعُ جُزْءٍ إلَخْ) أَيْ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ، وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ وُجُوبَ وَضْعِ ذَلِكَ الْجُزْءِ، وَهُوَ يَشْمَلُ بَعْضَ بَاطِنِ أُصْبُعٍ فَيَكْفِي وَإِنْ كُرِهَ الِاقْتِصَارُ عَلَى جُزْءٍ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ الْأَصَابِعُ وَالرَّاحَةُ) أَيْ غَيْرُ الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (بِبُطُونِ الْأَصَابِعِ) أَيْ الْأَصْلِيَّةِ وَلَوْ قُطِعَتْ الْكَفُّ أَوْ الْأَصَابِعُ مِنْ الرِّجْلِ سَقَطَ الْوَاجِبُ كَمَا قَالُوهُ، وَظَاهِرُهُ السُّقُوطُ، وَإِنْ جَعَلَ لَهَا بَدَلًا مِنْ نَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقِيَاسُ نَظَائِرِهَا وُجُوبُ وَضْعِ الْبَدَلِ إنْ سَهُلَ فَرَاجِعْهُ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِمَشَقَّةٍ وَضْعُ الْبَاطِنِ هُنَا فِي الْجُمْلَةِ أَوْ يُقَالُ إنْ وَجَبَ غَسْلُهُ وَجَبَ وَضْعُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَلَوْ تَعَدَّدَتْ الْأَعْضَاءُ فَإِنْ عُلِمَ الزَّائِدَةُ مِنْهَا لَمْ يَكْفِ وَضْعُهُ أَوْ الْأَصْلِيُّ كَفَى وَضْعُ جُزْءٍ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُ كَمَا مَرَّ أَوْ اشْتَبَهَ وَجَبَ وَضْعُ جُزْءٍ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْمُشْتَبَهَيْنِ، وَلَا يَكْفِي الْمُشْتَبَهُ مَعَ عَدَمِ وَضْعِ أَصْلِيٍّ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ كَشْفُ شَيْءٍ مِنْهَا) بَلْ يُكْرَهُ كَشْفُ الرُّكْبَتَيْنِ مُطْلَقًا وَالْقَدَمَيْنِ وَالْيَدَيْنِ مِنْ غَيْرِ الذَّكَرِ بَلْ يَحْرُمُ كَشْفُهَا إنْ لَزِمَ عَلَيْهِ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ) أَيْ حَالَ وَضْعِ جَمِيعِ مَا يَجِبُ وَضْعُهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَهُوَ حَالَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ.
قَوْلُهُ: (بِفَتْحِ الْجِيمِ) أَيْ عَلَى الْأَفْصَحِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا لَكِنْ فِيهِ إيهَامُ الْمَوْضِعِ الْمُتَّخَذِ مَسْجِدًا لِأَنَّهُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ.
قَوْلُهُ: (وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ) أَيْ أَنْ يُحِسَّ بِهِ حَيْثُ أَمْكَنَ عُرْفًا لَا نَحْوُ قِنْطَارِ قُطْنٍ مَثَلًا، وَمِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى التِّبْنِ،
[حاشية عميرة]
حَدِيثِ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ لِلشَّارِحِ مِثْلُ هَذَا بِتَرْكِ الدَّلِيلِ أَوْ لِعُمُومِ دَلِيلٍ يَأْتِي بَعْدَ مُحَافَظَةٍ عَلَى الِاخْتِصَارِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ كَشْفُ شَيْءٍ مِنْهَا) فِي الْحَدِيثِ «شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا» وَهُوَ دَالٌّ عَلَى وُجُوبِ كَشْفِ الْأَكُفِّ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعَلَّلَ عَدَمَ الْوُجُوبِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ إظْهَارُ الْخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعِ وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ قَدْ حَصَلَ بِهِ غَايَةُ التَّوَاضُعِ وَأَيْضًا هِيَ بَارِزَةٌ لَا تَشُقُّ مُبَاشَرَةُ الْأَرْضِ بِهَا بِخِلَافِ الْكَفَّيْنِ، فَقَدْ
ذَلِكَ (وَأَنْ لَا يَهْوِيَ لِغَيْرِهِ) بِأَنْ يَهْوِيَ لَهُ أَوْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ (فَلَوْ سَقَطَ لِوَجْهِهِ) أَيْ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ السُّجُودِ (وَجَبَ الْعَوْدُ إلَى الِاعْتِدَالِ) لِيَهْوِيَ مِنْهُ لِانْتِفَاءِ الْهَوِيِّ فِي السُّقُوطِ وَلَوْ هَوَى لِيَسْجُدَ فَسَقَطَ عَلَى جَبْهَتِهِ إنْ نَوَى الِاعْتِمَادَ عَلَيْهَا لَمْ يُحْسَبْ عَنْ السُّجُودِ وَإِلَّا حُسِبَ.
(وَأَنْ تَرْتَفِعَ أَسَافِلُهُ عَلَى أَعَالِيهِ فِي الْأَصَحِّ) بِأَنْ يَرْفَعَ أَسَافِلَهُ فِيمَا إذَا كَانَ مَوْضِعُ الْجَبْهَةِ مُرْتَفِعًا قَلِيلًا.
وَالثَّانِي يَجُوزُ تَسَاوِي الْأَسَافِلِ وَالْأَعَالِي، فَلَا حَاجَةَ إلَى رَفْعِ الْأَسَافِلِ فِيمَا ذُكِرَ، وَمَهْمَا كَانَ الْمَكَانُ مُسْتَوِيًا فَالْأَسَافِلُ أَعْلَى، وَلَوْ كَانَتْ الْأَعَالِي أَعْلَى مِنْ الْأَسَافِلِ لِارْتِفَاعِ مَوْضِعِ الْجَبْهَةِ كَثِيرًا لَمْ يُجْزِئْهُ جَزْمًا لِعَدَمِ اسْمِ السُّجُودِ، كَمَا لَوْ أَكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ وَمَدَّ رِجْلَيْهِ.
نَعَمْ إنْ كَانَ بِهِ عِلَّةٌ لَا يُمْكِنُهُ السُّجُودُ إلَّا مَمْدُودَ الرِّجْلَيْنِ أَجْزَأَهُ، ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(وَأَكْمَلُهُ: يُكَبِّرُ لِهَوِيِّهِ بِلَا رَفْعٍ) لِيَدَيْهِ (وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ) أَيْ كَفَّيْهِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ فِي التَّكْبِيرِ الشَّيْخَانِ، وَفِي عَدَمِ الرَّفْعِ
[حاشية قليوبي]
وَلَا يَجِبُ التَّحَامُلُ فِي غَيْرِ الْجَبْهَةِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَهْوَى إلَخْ) دَفَعَ بِذَلِكَ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مِنْ وُجُوبِ قَصْدِ نَفْيِ الْغَيْرِ فَلَا يَصِحُّ التَّفْرِيغُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَلَوْ سَقَطَ إلَخْ، لَكِنْ فِي كَلَامِهِ إيهَامُ أَنَّ الْهَوِيَّ بِقَصْدِ غَيْرِ السُّجُودِ مَعَهُ مُضِرٌّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا ضَرَّ مَعَ الْإِطْلَاقِ لِسَبْقِ قَصْدِ الصَّارِفِ عَلَيْهِ فَاسْتَصْحَبَ وَلَوْ لَمْ يَسْبِقْ قَصْدُ الصَّارِفِ لَمْ يَضُرَّ الْإِطْلَاقُ.
قَوْلُهُ: (إنْ نَوَى الِاعْتِمَادَ عَلَيْهَا) أَيْ فَقَطْ لَمْ تُحْسَبْ عَنْ السُّجُودِ لِوُجُودِ الصَّارِفِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي نَوَى الِاعْتِمَادَ فِيهِ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي لَا يَتَّجِهُ غَيْرُهُ، فَقَوْلُ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ أَدْنَى رَفْعٍ وَإِذَا زَادَ عَلَيْهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ هُوِيَّهُ قَبْلَ نِيَّةِ الِاعْتِمَادِ مُعْتَدٌّ بِهِ وَبَعْدَهَا لَاغٍ فَرَفَعَهُ إنْ كَانَ لِمَا قَبْلَهَا فَهُوَ زِيَادَةُ فِعْلٍ بِلَا مُوجِبٍ فَيَضُرُّ أَوْ لِمَا بَعْدَهَا فَهُوَ نَقْصٌ عَمَّا عَلَيْهِ فَلَا يَكْفِي وَبِهَذَا عُلِمَ مَا فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْعَوْدِ إلَى الِاعْتِدَالِ، وَمَا فِي قَوْلِ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الطَّنْدَتَائِيِّ مِنْ وُجُوبِ عَوْدِهِ لِمَحَلِّ السُّقُوطِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَنْوِ الِاعْتِمَادَ عَلَى جَبْهَتِهِ فَقَطْ سَوَاءٌ نَوَى السُّجُودَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الِاعْتِمَادِ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (حُسِبَ) أَيْ اسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ قَبْلَ الصَّارِفِ لِأَنَّ السُّقُوطَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَا يُعَدُّ فِعْلًا، وَلَوْ سَقَطَ لِجَنْبِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِمِثْلِ مَا مَرَّ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ غَيْرَ الْهَوِيِّ فَلَهُ السُّجُودُ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ إنْ لَمْ يَنْوِ بِرَفْعِهِ مِنْهُ الِاسْتِقَامَةَ فَقَطْ وَإِلَّا وَجَبَ الْجُلُوسُ لِيَسْجُدَ مِنْهُ وَلَا يَقُومُ، فَإِنْ قَامَ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
قَوْلُهُ: (أَسَافِلُهُ) وَهِيَ عَجِيزَتُهُ وَمَا حَوْلَهَا، وَأَعَالِيهِ رَأْسُهُ وَمَنْكِبَاهُ، وَكَذَا يَدَاهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَهْمَا إلَخْ) أَيْ مَتَى سَجَدَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَطْلُوبَةِ فِي السُّجُودِ، مِنْ رَفْعِ بَطْنِهِ عَنْ فَخِذَيْهِ وَكَانَ الْمَكَانُ مُسْتَوِيًا، لَزِمَ أَنْ تُرْفَعَ الْأَسَافِلُ، وَهَذَا وَاضِحٌ، وَلَا يَجُوزُ فَهْمُ غَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (أَجْزَأَهُ) أَيْ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ إلَّا بِوَضْعِ نَحْوِ مِخَدَّةٍ تَحْتَ رِجْلَيْهِ أَوْ رَأْسِهِ، فَيَجِبُ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ قَدَرَ عَلَيْهَا إنْ حَصَلَ حَقِيقَةُ السُّجُودِ بِتَنْكِيسٍ وَغَيْرِهِ، وَإِلَّا فَيُنْدَبُ.
فَلَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ لَوْ يُمْكِنُهُ التَّنْكِيسُ لِمَيْلِهَا، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، وَتَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ بَعْضُ الِاسْتِقْبَالِ أَوْ إتْمَامُ بَعْضِ الْأَرْكَانِ، وَلَيْسَ لَهُ صَلَاةُ النَّفْلِ مَعَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَأَكْمَلَهُ يُكَبِّرُ لِهُوِيِّهِ) أَيْ يَبْتَدِئُ بِالتَّكْبِيرِ مَعَ ابْتِدَاءِ
[حاشية عميرة]
تَشُقُّ مُبَاشَرَةُ الْأَرْضِ بِهِمَا لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، كَذَا قَالُوهُ، وَالرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي مُسْلِمٍ وَدَلَالَتُهَا بَيِّنَةٌ تَحْتَاجُ إلَى قُوَّةٍ فِي الْجَوَابِ، ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ أَجَابَ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي مَسْجِدِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَعَلَيْهِ كِسَاءٌ مُلْتَفٌّ بِهِ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيْهِ يَقِيهِ بَرْدَ الْحَصَى، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
قَوْلُهُ: (بِضَبْطِ الْمُصَنِّفِ) إنَّمَا ضَبَطَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْكَسْرَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا يُوهِمُ هُنَا إرَادَةَ الْمَوْضِعِ الْمُتَّخَذِ مَسْجِدًا قَوْلُهُ: (فَإِنْ سَجَدَ عَلَى قُطْنٍ إلَخْ) الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَجَدْت فَمَكِّنْ جَبْهَتَك مِنْ الْأَرْضِ وَلَا تَنْقُرْ نَقْرًا» وَذَهَبَ الْإِمَامُ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّحَامُلِ، قَالَ: وَيَكْفِي مُجَرَّدُ الْإِمْسَاسِ، بَلْ الشَّرْطُ أَنْ لَا يُقِلَّ رَأْسَهُ اهـ.
(فَرْعٌ) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْأَعْضَاءَ السِّتَّةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّحَامُلُ وَقَدْ يُوَجَّهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ هَوَى لِيَسْجُدَ إلَخْ) مِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ قَصَدَ الْهَوِيَّ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ السُّقُوطُ قَبْلَ فِعْلِ الْهَوِيِّ، كَذَا رَأَيْته فِي ابْنِ شُهْبَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا حَسَبَ) اسْتِصْحَابًا لِلْقَصْدِ الْأَوَّلِ، أَيْ: وَلَا يَقْدَحُ كَوْنُ السُّقُوطِ لَيْسَ فِعْلًا بِالِاخْتِيَارِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَسَافِلُهُ عَلَى أَعَالِيهِ) الْمُرَادُ بِالْأَسَافِلِ الْعَجِيزَةُ وَبِالْأَعَالِي الرَّأْسُ وَالْمَنْكِبَانِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ «أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَضَعَ يَدَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَرَفَعَ عَجِيزَتَهُ، وَقَالَ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْجُدُ» . قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَجُوزُ تَسَاوِي الْأَسَافِلِ وَالْأَعَالِي) عَلَّلَ بِحُصُولِ اسْمِ السُّجُودِ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَمَهْمَا كَانَ الْمَكَانُ مُسْتَوِيًا إلَخْ) إذَا نَظَرْت إلَى مَا سَلَفَ مِنْ اعْتِبَارِ وَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ اتَّضَحَ لَك مَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ:
الْبُخَارِيُّ، وَفِي الْبَاقِي الْأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، (ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ) لِلِاتِّبَاعِ فِي ضَمِّ الْأَنْفِ إلَى الْجَبْهَةِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَيَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مِنْ غَيْرِ تَثْلِيثٍ مُسْلِمٌ وَبِهِ أَبُو دَاوُد.
(وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ) عَلَى ذَلِكَ تَخْفِيفًا عَلَى الْمَأْمُومِينَ (وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ اللَّهُمَّ لَك سَجَدْت وَبِك آمَنْت وَلَك أَسْلَمْت، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ جَعَلَ لِطُولِهِ زِيَادَةً لِلْمُنْفَرِدِ وَأَلْحَقَ بِهِ إمَامَ قَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَضُوا بِالتَّطْوِيلِ.
(وَيَضَعُ يَدَيْهِ) فِي سُجُودِهِ (حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً لِلْقِبْلَةِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ فِي النَّشْرِ وَالضَّمِّ الْبُخَارِيُّ وَفِي الْبَاقِي الْبَيْهَقِيُّ (وَيُفَرِّقُ رُكْبَتَيْهِ وَيَرْفَعُ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ وَمَرْفِقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ) لِلِاتِّبَاعِ فِي الثَّلَاثَةِ فِي السُّجُودِ وَفِي الثَّالِثِ فِي الرُّكُوعِ، رَوَاهُ فِي الْأَوَّلَيْنِ فِي السُّجُودِ أَبُو دَاوُد، وَفِي الثَّالِثِ فِيهِ الشَّيْخَانِ، وَفِي الثَّالِثِ فِي الرُّكُوعِ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَيُقَاسُ الْأَوَّلَانِ فِيهِ الْمَزِيدَانِ عَلَى الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ بِالْأَوَّلَيْنِ فِي السُّجُودِ، وَفِي الرَّوْضَةِ يُسْتَحَبُّ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ بِشِبْرٍ وَيُقَاسُ بِهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الرُّكْبَتَيْنِ.
(وَتَضُمُّ الْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى) بَعْضَهُمَا إلَى بَعْضٍ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَمَا اقْتَضَاهُ السِّيَاقُ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَأَحْوَطُ لَهُ، وَضَمُّ الْخُنْثَى الْمَزِيدُ عَلَى الْمُحَرَّرِ مَذْكُورٌ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي الرُّكُوعِ وَفِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي السُّجُودِ أَيْضًا، وَفِيهِ هُنَا عَنْ نَصِّ الْأُمِّ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَضُمُّ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ أَيْ الْمَرْفِقَيْنِ إلَى الْجَنْبَيْنِ.
(الثَّامِنُ الْجُلُوسُ بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ مُطْمَئِنًّا) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «ثُمَّ
[حاشية قليوبي]
الْهَوِيِّ، وَيُمِدُّ التَّكْبِيرَ إلَى السُّجُودِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْفَهُ) أَفَادَ بِالْوَاوِ نَدْبَ وَضْعِهِمَا مَعًا، وَيُنْدَبُ كَشْفُهُ وَبِثُمَّ فِيمَا قَبْلَهُ التَّرْتِيبُ وَمُخَالَفَةُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَكْرُوهَةٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (لِلِاتِّبَاعِ) أَيْ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَفِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ وَضْعِ الْأَنْفِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ لَهُ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ السَّبْعَةِ الْمَذْكُورُ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ ثِقَةٍ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلنَّدْبِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْجَبْهَةِ.
قَوْلُهُ: (سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى) خَصَّ هَذَا بِالسُّجُودِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الْبُعْدِ عَنْ اللَّهِ بِانْخِفَاضِهِ، وَأَقَلُّهُ مَرَّةٌ وَأَدْنَى كَمَالِهِ ثَلَاثٌ كَمَا ذَكَرَهُ، وَأَكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ وَالْأَوْلَى زِيَادَةُ (وَبِحَمْدِهِ) وَتَقَدَّمَ فِي الرُّكُوعِ بَيَانُ الْأَفْضَلِ مِنْهُ، وَيَأْتِي الْمَأْمُومُ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ.
قَوْلُهُ: (وَصَوَّرَهُ) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ إرَادَةِ خَلْقِ الْمَادَّةِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ) أَيْ مَنْفَذَهُمَا قَوْلُهُ: (تَبَارَكَ اللَّهُ) أَيْ تَعَالَى شَأْنُهُ فِي خَلْقِهِ وَحِكْمَتِهِ وَالْخَالِقِينَ الْمُقَدَّرِينَ تَقْدِيرًا.
قَوْلُهُ: (وَيَضَعُ) أَيْ الْمُصَلِّي مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَيُفَرِّقُ) أَيْ الذَّكَرُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِ كَابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (رُكْبَتَيْهِ) سَوَاءٌ صَلَّى قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا.
قَوْلُهُ: (وَيَرْفَعُ مَرْفِقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) أَيْ الذَّكَرُ، وَيُنْدَبُ رَفْعُ السَّاعِدَيْنِ، عَنْ الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ وَلَوْ امْرَأَةً وَخُنْثَى إلَّا لِنَحْوِ طُولِ السُّجُودِ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ) أَيْ فِي الْقِيَامِ وَالسُّجُودِ.
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَيُسَنُّ تَفْرِيقُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ أَيْ إنْ أَمْكَنَ.
قَوْلُهُ: (فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) لَوْ أَسْقَطَهُ لَكَانَ أَوْلَى، لِيَشْمَلَ ضَمَّ الْقَدَمَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ فِي الرُّكُوعِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَضَمَّ الْبَطْنِ إلَى الْفَخِذَيْنِ، وَالْمَرْفِقَيْنِ إلَى الْجَنْبَيْنِ فِي السُّجُودِ، وَالْعَارِي كَالْمَرْأَةِ وَلَوْ فِي خَلْوَةٍ.
وَيَجِبُ الضَّمُّ عَلَى سَلَسٍ يَسْتَمْسِكُ بَوْلُهُ بِهِ، وَيُسَنُّ كَشْفُ قَدَمَيْ الذَّكَرِ كَمَا مَرَّ، وَلَا يَكْفِي سَتْرُهُمَا كَالْكَفَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْمَرْفِقَيْنِ إلَخْ) لَوْ سَكَتَ عَنْهُ كَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ.
(فَرْعٌ) يُنْدَبُ فِي السُّجُودِ أَيْضًا سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِعَفْوِك مِنْ عُقُوبَتِك، وَأَعُوذُ بِك مِنْك، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى
[حاشية عميرة]
وَأَنْفَهُ) وُجُوبُ وَضْعِ الْأَنْفِ قَوِيٌّ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ، وَلَا يَرُدُّهُ حَدِيثُ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» حَيْثُ أَسْقَطَ الْأَنْفَ لِأَنَّ ذِكْرَهُ زِيَادَةُ ثِقَةٍ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي أَبِي دَاوُد.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَهُوَ صَحِيحٌ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَا يَدُلُّ لَهُ اهـ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَضَعُ يَدَيْهِ) لَوْ قَدَّمَهُ عَلَى التَّسْبِيحِ فِي السُّجُودِ كَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (يُسْتَحَبُّ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ بِشِبْرٍ) قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا تَفْرِيقُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَاسُ بِهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الرُّكْبَتَيْنِ) أَيْ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى فَخِذَيْهِ)
ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا» (وَيَجِبُ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِرَفْعِهِ غَيْرَهُ) فَلَوْ رَفَعَ لِلَدْغَةِ عَقْرَبٍ أَوْ دُخُولِ شَوْكَةٍ فِي جَبِينِهِ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ لِلسُّجُودِ، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ (وَأَنْ لَا يُطَوِّلَهُ وَلَا الِاعْتِدَالَ) لِأَنَّهُمَا لِلْفَصْلِ وَسَيَأْتِي حُكْمُ تَطْوِيلِهِمَا فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ (وَأَكْمَلُهُ يُكَبِّرُ) مَعَ رَفْعِ رَأْسِهِ.
(وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ فِي الْأَوَّلِ الشَّيْخَانِ، وَفِي الثَّانِي التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَيَأْتِي مَعْنَى الِافْتِرَاشِ.
(وَاضِعًا يَدَيْهِ) عَلَى فَخِذَيْهِ (قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ) مَضْمُومَةً لِلْقِبْلَةِ كَمَا فِي السُّجُودِ أَخْذًا مِنْ الرَّوْضَةِ (قَائِلًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي) لِلِاتِّبَاعِ رَوَى بَعْضَهُ أَبُو دَاوُد وَبَاقِيَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى) فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْمَلِ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ.
(وَالْمَشْهُورُ سَنُّ جِلْسَةٍ خَفِيفَةٍ) لِلِاسْتِرَاحَةِ (بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يَقُومُ عَنْهَا) بِأَنْ لَا يَعْقُبَهَا تَشَهُّدٌ لِحَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وَتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالثَّانِي لَا تُسَنُّ لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ اسْتَوَى قَائِمًا» ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرُهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: " وَهُوَ غَرِيبٌ وَلَوْ صَحَّ وَجَبَ حَمْلُهُ لِيُوَافِقَ غَيْرَهُ عَلَى تَبْيِينِ الْجَوَازِ فِي وَقْتٍ أَوْ أَوْقَاتٍ " ثُمَّ السُّنَّةُ فِي هَذِهِ الْجِلْسَةِ الِافْتِرَاشُ لِلِاتِّبَاعِ،
[حاشية قليوبي]
نَفْسِك.
وَيُنْدَبُ كَثْرَةُ الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ مُطْلَقًا لِوُرُودِ الْإِجَابَةِ فِيهِ كَحَدِيثِ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ فِي سُجُودِكُمْ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» وَقَمِنٌ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَوْ فَتْحِهَا بِمَعْنَى حَقِيقٌ.
(فَرْعٌ) لَوْ قَالَ: سَجَدْت لَك فِي طَاعَةِ اللَّهِ، أَوْ تُبْت إلَى اللَّهِ لَمْ يَضُرَّ مُطْلَقًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: اسْتَعَنَّا بِاَللَّهِ بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ الدُّعَاءِ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الشُّرُوطِ أَنَّ التَّشْرِيكَ مُضِرٌّ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (لِلَدْغَةِ عَقْرَبٍ) اللَّدْغُ بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ لِذَوَاتِ السُّمُومِ وَبِعَكْسِهَا لِغَيْرِهَا كَنَارٍ، وَلَمْ يَرِدْ فِي اللُّغَةِ إهْمَالُهُمَا وَلَا إعْجَامُهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يُطَوِّلَهُ إلَخْ) أَيْ مَا لَمْ يُطْلَبُ تَطْوِيلُهُمَا.
نَعَمْ لَا يَضُرُّ تَطْوِيلُ اعْتِدَالِ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، لِأَنَّهُ طُلِبَ تَطْوِيلُهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَسَيَأْتِي فِي سُجُودِ السَّهْوِ أَنَّ تَطْوِيلَ الِاعْتِدَالِ الْمُبْطَلِ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ لِلْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ فَأَكْثَرَ، زِيَادَةٌ عَلَى مَا يُطْلَبُ لِذَلِكَ الْمُصَلِّي عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ وَشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَعَلَى مَا يُطْلَبُ لِلْمُنْفَرِدِ مُطْلَقًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ.
وَتَطْوِيلُ الْجُلُوسِ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ التَّشَهُّدَ الْوَاجِبَ عَلَى مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (يُكَبِّرُ مَعَ رَفْعِ رَأْسِهِ) وَيُمِدُّهُ إلَى جُلُوسِهِ.
قَوْلُهُ: (وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) وَإِنْ تَسَامَتْ رُءُوسُهُمَا آخِرَ الرُّكْبَتَيْنِ، فَلَوْ أَرْسَلَهُمَا فِي جَانِبَيْهِ فَلَا بَأْسَ.
قَوْلُهُ: (وَاجْبُرْنِي) أَيْ فِي كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَى جَبْرٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَغْنِنِي فَعَطْفُ اُرْزُقْنِي بَعْدَهُ عَامٌّ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اُرْزُقْنِي فَعَطْفُهُ مُرَادِفٌ فَمَا بَعْدَهُ تَأْكِيدٌ لَهُ، وَطَلَبُ الرِّزْقِ يَنْصَرِفُ لِلْحَلَالِ مِنْهُ، وَكَوْنُ الرِّزْقِ مَا يَنْفَعُ وَلَوْ حَرَامًا مَا هُوَ فِيمَا إذَا اُسْتُعْمِلَ بِالْفِعْلِ فَالطَّلَبُ الْمُطْلَقُ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ اتِّفَاقًا، فَمَا اعْتَرَضَ بِهِ بَعْضُهُمْ هُنَا نَاشِئٌ عَنْ الْغَفْلَةِ وَعَدَمِ التَّأَمُّلِ.
قَوْلُهُ: (وَعَافِنِي) أَيْ مِنْ بَلَاءِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاعْفُ عَنِّي.
رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ إنَّك أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ، رَبِّ هَبْ لِي قَلْبًا تَقِيًّا نَقِيًّا مِنْ الشِّرْكِ بَرِيًّا لَا كَافِرًا وَلَا شَقِيًّا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَكْمَلُ) وَمِنْهُ التَّكْبِيرُ مَعَ رَفْعِ رَأْسِهِ، وَيَمُدُّهُ إلَى الْقِيَامِ، وَلَا يُكَبِّرُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ.
قَوْلُهُ: (كَالْأُولَى) فَهُمَا رُكْنٌ وَاحِدٌ فِي الْعَدْوِ، رُكْنَانِ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (خَفِيفَةٍ) أَيْ بِقَدْرِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ كَمَا قَالُوهُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَنْدُوبُ وَلَوْ ضُبِطَتْ بِقَدْرِ الْمَطْلُوبِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ كَانَ أَوْلَى فَرَاجِعْهُ وَلِلْمَأْمُومِ وَلَوْ بَطِيءَ الْحَرَكَةِ فِعْلُهَا لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَإِنْ تَرَكَهَا الْإِمَامُ بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَيَجِبُ تَرْكُهُ لِطُولِهِ، وَيُكْرَهُ تَطْوِيلُهَا عَلَى مَا ذُكِرَ، وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِ وَهِيَ فَاصِلَةٌ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) خَرَجَ بِهَا سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَنَحْوُهُ، فَلَا تُسَنُّ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (يَقُومُ عَنْهَا) وَلَوْ بِإِرَادَتِهِ فَشَمَلَ مَنْ قَصَدَ تَرْكَ
[حاشية عميرة]
وَلَوْ أَرْسَلَهُمَا مِنْ جَانِبَيْ فَخِذَيْهِ كَانَ كَإِرْسَالِهِمَا فِي الْقِيَامِ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَلَوْ انْعَطَفَتْ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِمَا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ فَلَا بَأْسَ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى) إنَّمَا شُرِعَ تَكْرَارُ السُّجُودِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّوَاضُعِ، ثُمَّ إنَّ صَنِيعَ الْمُصَنِّفِ كَمَا تَرَى يَقْتَضِي أَنَّ السَّجْدَتَيْنِ مَعًا رُكْنٌ وَاحِدٌ، وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَ أَعْنِي الْغَزَالِيَّ أَنَّهُمَا رُكْنَانِ.
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: فَائِدَةُ ذَلِكَ تَظْهَرُ فِي التَّقَدُّمِ عَلَى الْإِمَامِ وَالتَّأَخُّرِ عَنْهُ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(التَّاسِعُ، وَالْعَاشِرُ، وَالْحَادِي عَشَرَ: التَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ (فَالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ إنْ عَقِبَهُمَا) مَعَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (سَلَامٌ رُكْنَانِ وَإِلَّا فَسُنَّتَانِ) أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَلَمْ يَجْلِسْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ، ثُمَّ سَلَّمَ؛ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، دَلَّ عَدَمُ تَدَارُكِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَالتَّشَهُّدُ مِنْهُ دَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَا: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَخْ " وَالْمُرَادُ فَرْضُهُ فِي الْجُلُوسِ آخِرَ الصَّلَاةِ لِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مَحَلُّهُ فَيَتْبَعُهُ فِي الْوُجُوبِ (وَكَيْفَ قَعَدَ) فِي التَّشَهُّدَيْنِ (جَازَ وَيُسَنُّ فِي الْأَوَّلِ الِافْتِرَاشُ فَيَجْلِسُ عَلَى كَعْبِ يُسْرَاهُ) بِحَيْثُ يَلِي
[حاشية قليوبي]
التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، فَتُسَنُّ لَهُ، وَخَرَجَ مَنْ يُصَلِّي قَاعِدًا.
قَوْلُهُ: (التَّشَهُّدُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ) أَيْ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِمَا رُكْنَيْنِ، فَلَيْسَ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ أَوَّلُهُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَيْدِهِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ الصَّلَاةِ) نَصَّ عَلَيْهَا لِأَجْلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إنْ عَقِبَهَا سَلَامٌ لَا لِسُكُوتِهِ عَنْهَا لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ جَعْلَ التَّشَهُّدِ شَامِلًا لَهَا لِتَدْخُلَ فِيهِ مَعَ قُعُودِهَا، وَيَكُونُ ذِكْرُهَا بَعْدُ لِبَيَانِ وُجُوبِهَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّهَا كَبَعْضِ أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ الْمَنْدُوبَةِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (إنْ عَقِبَهُمَا) الْمُرَادُ بِالْعَقِبِ الْبَعْدِيَّةُ، وَغُلِّبَ فِي ذَلِكَ التَّشَهُّدُ عَلَى الْقُعُودِ لِأَنَّ السَّلَامَ فِيهِ لَا عَقِبَهُ، كَمَا تَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَنْهَجِ أَنَّ عَقِبَهُمَا بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ الرَّاجِعِ لِلتَّشَهُّدِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَنْسَبُ مِمَّا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ ضَمِيرِ غَيْرِ التَّثْنِيَةِ الرَّاجِعِ إلَى الثَّلَاثَةِ: التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ وَالْقُعُودِ، لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ قُعُودُهُمَا خَرَجَ قُعُودُ السَّلَامِ أَوْ الْقُعُودُ مُطْلَقًا، لَزِمَ كَوْنُ السَّلَامِ عَقِبَ قُعُودِهِ، وَكُلُّ بَاطِلٍ وَفِيهِ تَسَمُّحٌ أَوْ الرَّاجِعُ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فَقَطْ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ وُجُوبَ التَّشَهُّدِ فِي غَيْرِ الْآخِرِ وَفِيهِ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (رُكْنَانِ) وَالرُّكْنُ مِنْ التَّشَهُّدِ أَلْفَاظُهُ الْوَاجِبَةُ، وَمِنْ الْقُعُودِ مَا قَارَنَهَا مَعَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَإِنْ لَمْ تَشْمَلْهُ الْعِبَارَةُ.
قِيلَ: وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: الرُّكْنُ مِنْ الْقُعُودِ جُزْءٌ بِطُمَأْنِينَةٍ وَلَوْ قَبْلَ التَّشَهُّدِ، كَمَا قِيلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي قِيَامِ الْقِرَاءَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
يَرُدُّهُ قَوْلُهُمْ: هُنَا وَالْقُعُودُ لَهُمَا أَيْ التَّشَهُّدُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْوَجْهُ مُسَاوَاةُ مَا هُنَا لِمَا هُنَاكَ وَلَا مُعَارَضَةَ فَتَأَمَّلْ.
نَعَمْ لَا يَجِبُ الْقُعُودُ فِي نَفْلِ الْمُسَافِرِ الْمَاشِي، وَيَكْفِي الِاضْطِجَاعُ فِي نَفْلِ غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي) قَدَّمَهُ لِسُهُولَتِهِ مَعَ دَلِيلِهِ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا نَقُولُ) أَيْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ فِي الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ أَوْ الْمُتَعَيَّنُ، فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ: وَالْمُرَادُ فَرْضُهُ إلَخْ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرَهُ لِقَوْلِهِ: وَهُوَ مَحَلُّهُ إلَخْ، وَضَمِيرُ نَقُولُ عَائِدٌ إلَى الصَّحَابَةِ وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا تَابِعِينَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِجِبْرِيلَ فِيهِ فَكَانَا يَقُولَانِهِ، إذْ يَبْعُدُ اخْتِرَاعُ الصَّحَابَةِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَوْلَ السَّابِقَ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا أَصْلًا أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا بِفَرْضِيَّتِهِ، وَيَحْتَمِلُ تَوَجُّهَ الْفَرْضِيَّةِ إلَى أَلْفَاظِهِ الْمَخْصُوصَةِ، فَلَا يُنَافِي كَوْنُ الْأَوَّلِ كَانَ مَفْرُوضًا مَعَ فَرْضِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ بُدِّلَتْ أَلْفَاظُهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مُلَازَمَتِهِمْ عَلَيْهِ، إذْ لَمْ يُنْقَلْ تَرْكُهُ.
وَقَوْلُ الْمَنْهَجِ قَبْلَ عِبَادِهِ هُوَ بَيَانٌ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقَدِّمُونَ ذِكْرَ اللَّهِ عَلَى ذِكْرِ عِبَادِهِ، لَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَفَّظُونَ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عَلَى فُلَانٍ) بَيَانٌ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى ذِكْرِ جِبْرِيلَ مَثَلًا، بَلْ يَذْكُرُونَ غَيْرَهُ نَحْوُ مِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ لَكِنْ لَمْ يَرِدْ مِقْدَارٌ مُعَيَّنٌ فِيمَا يَقُولُونَهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (لِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي حَدِيثِ أَنَّهُ قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ إلَخْ، وَهَذَا دَلِيلٌ لِكَوْنِهِ فِي الْآخِرِ، وَأَمَّا دَلِيلُ كَوْنِهَا فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ صَرِيحُ خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ وَلَفْظُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَغَيْرِهِ، أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْك فِي صَلَاتِنَا؟ ، اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ: وَأُولَى أَحْوَالِ وُجُوبِهَا الصَّلَاةُ، لِأَنَّ مَا ذُكِرَ نَصٌّ فِي ذَلِكَ وَإِرَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، وَلَعَلَّ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَسْتَدِلَّ بِهِ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوْلَى) بِمَعْنَى الْأَنْسَبِ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهَا خَاصًّا بِالصَّلَاةِ وَالتَّبَرِّي بِقَوْلِهِ: قَالُوا لِمَا ذَكَرَهُ الْكَشَّافُ مِنْ أَنَّ وُجُوبَهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَحَلِّ الْخِتَامِ.
قَوْلُهُ: (جَازَ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ بِمَعْنَى لَمْ يَحْرُمْ، فَلَا يُنَافِي كَرَاهَةَ الْإِقْعَاءِ كَمَا مَرَّ وَصَرَّحَ بِهِ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْأَخِيرِ الِافْتِرَاشُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ رِجْلَهُ
[حاشية عميرة]
فَرْعٌ) جَزَمَ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَلُ، ثُمَّ السُّجُودَ، ثُمَّ الرُّكُوعَ.
[جلسة الِاسْتِرَاحَة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الصَّلَاةُ إلَخْ) اخْتَارَ الْحَلِيمِيُّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ) هَذَا وَكَذَا قَوْلُهُ الْآتِي قُولُوا إلَخْ مَوْضِعُ الِاسْتِدْلَالِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا تَقَدَّمَ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ إلَخْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (جَازَ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِمَعْنَاهُ) أَيْ قَدَّمَهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالسَّاهِي)
ظَهْرُهَا الْأَرْضَ (وَيَنْصِبُ يُمْنَاهُ وَيَضَعُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ) مِنْهَا (لِلْقِبْلَةِ وَفِي الْآخِرِ التَّوَرُّكُ وَهُوَ كَالِافْتِرَاشِ، لَكِنْ يُخْرِجُ يُسْرَاهُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ وَيُلْصِقُ وَرِكَهُ بِالْأَرْضِ) لِلْإِتْبَاعِ فِيهِمَا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ مُسْتَوْفِزٌ فِي الْأَوَّلِ لِلْقِيَامِ بِخِلَافِهِ فِي الْآخِرِ، وَالْقِيَامُ عَنْ الِافْتِرَاشِ أَهْوَنُ (وَالْأَصَحُّ يَفْتَرِشُ الْمَسْبُوقُ) فِي التَّشَهُّدِ الْآخِرِ لِإِمَامِهِ لِاسْتِيفَازِهِ لِلْقِيَامِ.
(وَالسَّاهِي) فِي تَشَهُّدِهِ الْآخِرِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى السُّجُودِ بَعْدَهُ، وَالثَّانِي يَتَوَرَّكَانِ الْأَوَّلُ مُتَابَعَةً لِإِمَامِهِ وَالثَّانِي نَظَرًا إلَى أَنَّهُ قُعُودٌ آخِرَ الصَّلَاةِ، وَالثَّالِثُ فِي الْأَوَّلِ إنْ كَانَ جُلُوسُهُ مَحَلَّ تَشَهُّدِهِ افْتَرَشَ وَإِلَّا تَوَرَّكَ لِلْمُتَابَعَةِ.
(وَيَضَعُ فِيهِمَا) أَيْ فِي التَّشَهُّدَيْنِ (يُسْرَاهُ عَلَى طَرَفِ رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى مَنْشُورَةَ الْأَصَابِعِ) لِلْإِتْبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (بِلَا ضَمٍّ) بِأَنْ يُفَرِّجَ بَيْنَهَا تَفْرِيجًا مُقْتَصِدًا (قُلْت: الْأَصَحُّ الضَّمُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِيَتَوَجَّهَ جَمِيعُهَا إلَى الْقِبْلَةِ (وَيَقْبِضُ مِنْ يُمْنَاهُ) وَيَضَعُهَا عَلَى طَرَفِ رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى (الْخِنْصِرَ وَالْبِنْصِرَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا وَثَالِثِهِمَا (وَكَذَا الْوُسْطَى فِي الْأَظْهَرِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالثَّانِي يُحَلِّقُ بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى لِلْإِتْبَاعِ أَيْضًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَالْأَصَحُّ فِي كَيْفِيَّةِ التَّعْلِيقِ أَنْ يُحَلِّقَ بِرَأْسَيْهِمَا، وَالثَّانِي يَضَعُ رَأْسَ الْوُسْطَى بَيْنَ عُقْدَتَيْ الْإِبْهَامِ (وَيُرْسِلَ الْمُسَبِّحَةَ) وَهِيَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ (وَيَرْفَعَهَا عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ) لِلْإِتْبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلَا يُحَرِّكُهَا) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقِيلَ
[حاشية قليوبي]
كَالْفَرْشِ لَهُ، كَمَا سُمِّيَ التَّوَرُّكُ بِذَلِكَ لِجُلُوسِهِ عَلَى الْوَرِكِ.
وَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يُسَنُّ التَّوَرُّكُ مُطْلَقًا.
وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ: يُسَنُّ الِافْتِرَاشُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَيَضَعُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ) أَيْ بُطُونَهَا وَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ كَمَا فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (لِلْقِيَامِ) أَيْ أَصَالَةً فَيُنْدَبُ كَالتَّوَرُّكِ لِمَنْ يُصَلِّي مِنْ جُلُوسٍ، وَفِيهِ إعْلَامُ غَيْرِهِ بِالتَّشَهُّدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَدَفْعُ اشْتِبَاهِ مَا فَعَلَهُ مِنْ الرَّكَعَاتِ.
قَوْلُهُ: (يَفْتَرِشُ الْمَسْبُوقُ) أَيْ وَلَوْ خَلِيفَةً عَنْ الْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ وَلَوْ فِي الْجُمُعَةِ، وَيُقَدَّمُ عَلَى مُرَاعَاةِ الْمُسْتَخْلِفِ لِلِاتِّفَاقِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَالسَّاهِي) أَيْ مَنْ طُلِبَ مِنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَلَوْ لِعَمْدٍ وَلَمْ يُرِدْ تَرْكَهُ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا وَعُلِمَ مِنْ إمَامِهِ تَرْكُهُ، وَلَوْ أَرَادَ السُّجُودَ بَعْدَ التَّوَرُّكِ فَلَهُ الِافْتِرَاشُ كَعَكْسِهِ وَيُنْدَبُ الِافْتِرَاشُ وَالتَّوَرُّكُ، وَلَوْ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ التَّشَهُّدَ، وَلِمَنْ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا إنْ أَمْكَنَ، وَطَلَبُ الِافْتِرَاشِ هُنَا لِمَنْ أَطْلَقَ لِكَوْنِ الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ مَحَلَّ سُجُودِ السَّهْوِ أَصَالَةً لَا يُنَافِي طَلَبَ تَرْكِ الرَّمَلِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ لِمَنْ لَمْ يُرِدْ السَّعْيَ عَقِبَهُ، لِأَنَّ مَحَلَّهُ أَصَالَةً طَوَافُ الْإِفَاضَةِ.
قَوْلُهُ: (الْأَصَحُّ الضَّمُّ) وَلَوْ لِلْإِبْهَامِ.
قَوْلُهُ: (إلَى الْقِبْلَةِ) أَيْ لِعَيْنِهَا غَالِبًا فَلَا يُرَدُّ ضَمُّ مَنْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا.
قَوْلُهُ: (وَيَقْبِضُ مِنْ يُمْنَاهُ) أَيْ بَعْدَ وَضْعِهَا مَنْشُورَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ كَالْخَطِيبِ وَشَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِمْ أَنَّ الْقَبْضَ مُقَارِنٌ لِلْوَضْعِ، فَالْوَاوُ فِي وَيَضَعُ فِي عِبَارَةِ الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْأَوَّلِ لِلْبَعْدِيَّةِ، وَعَلَى الثَّانِي لِلْمَعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَثَالِثُهُمَا) الْأَفْصَحُ الْفَتْحُ فِي ثَالِثِ الْخِنْصَرِ قَالَهُ الْفَارِسِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَيُرْسِلُ الْمُسَبِّحَةَ) بِكَسْرِ الْبَاءِ سُمِّيَتْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا إلَى التَّسْبِيحِ، وَتُسَمَّى السَّبَّابَةُ لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ السَّبِّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَيَرْفَعُهَا) أَيْ مُمَايَلَةُ الرَّأْسِ إنْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهَا وَإِلَّا فَلَا يَرْفَعُ سَبَّابَةَ الْيُسْرَى عَنْهَا، بَلْ يُكْرَهُ لِأَنَّ هَيْئَتَهَا عَدَمُ الرَّفْعِ فَلَا نُغَيِّرُ.
بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُسَمَّى مُسَبِّحَةً، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّنْزِيهِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ قَوْلِهِ) أَيْ مَعَهُ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَوَقْتَهُ كَمَا يَرْفَعُ الْعَاجِزُ عَنْ الْقُنُوتِ يَدَيْهِ فِي الْوَقْتِ لَهُ، وَيَقْصِدُ أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ فَيَجْمَعُ فِي التَّوْحِيدِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ، وَخُصَّتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ لَهَا عِرْقًا مُتَّصِلًا
[حاشية عميرة]
الْمُرَادُ بِهِ مَنْ عَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ سَوَاءٌ حَصَلَ سَبَبُهُ لِسَهْوٍ أَوْ عَمْدٍ، ثُمَّ إنَّ هَذَا وَاضِحٌ إنْ أَرَادَ السُّجُودَ أَوْ أَطْلَقَ وَإِلَّا فَالْمُتَّجَهُ التَّوَرُّكُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِلَا ضَمٍّ) أَيْ قِيَاسًا عَلَى وَضْعِهَا عَلَى الرُّكْبَةِ فِي الرُّكُوعِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت: الْأَصَحُّ الضَّمُّ) حَتَّى الْإِبْهَامِ.
قَوْلُهُ: (وَثَالِثُهُمَا) قَالَ الْفَارِسِيُّ: الْفَصِيحُ فَتْحُ صَادِ الْخِنْصَرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُرْسِلُ الْمُسَبِّحَةَ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا إلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ، وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ التَّسْبِيحَ هُوَ التَّنْزِيهُ، وَتُسَمَّى أَيْضًا السَّبَّابَةُ لِأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا عِنْدَ الْمُخَاصَمَةِ وَالسَّبِّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَرْفَعُهَا) حِكْمَةُ الرَّفْعِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ فَيَكُونُ جَامِعًا فِي تَوْحِيدِهِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالِاعْتِقَادِ، وَيُكْرَهُ
يُحَرِّكُهَا لِلِاتِّبَاعِ أَيْضًا، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ اهـ. وَتَقْدِيمُ الْأَوَّلِ النَّافِي عَلَى الثَّانِي الْمُثْبِتِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ (وَالْأَظْهَرُ ضَمُّ الْإِبْهَامِ إلَيْهَا كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ) لِلِاتِّبَاعِ، وَالثَّانِي يَضَعُ الْإِبْهَامَ عَلَى الْوُسْطَى الْمَقْبُوضَةِ كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ لِلِاتِّبَاعِ أَيْضًا، رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
(وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرْضٌ فِي التَّشَهُّدِ الْآخِرِ وَفِي مَعْنَاهُ تَشَهُّدُ الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ وَالصَّلَاةِ الْمَقْصُورَةِ لِأَنَّهَا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَاجِبَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 56] وَأُولَى أَحْوَالِ وُجُوبِهَا الصَّلَاةُ وَالْمُنَاسِبُ لَهَا مِنْهَا التَّشَهُّدُ آخِرَهَا، فَتَجِبُ فِيهِ أَيْ مَعَهُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْغَزَالِيُّ، وَمَعِيَّةُ لَفْظٍ لِآخَرَ مِنْ مُتَكَلِّمٍ بِمَعْنَى الْبَعْدِيَّةِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهَا بَعْدَهُ، وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ وُجُوبِ تَرْتِيبِ الْأَرْكَانِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَقَالَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّشَهُّدِ.
(وَالْأَظْهَرُ سَنُّهَا فِي الْأَوَّلِ) أَيْ الْإِتْيَانُ بِهَا فِيهِ قِيَاسًا عَلَى الْآخِرِ، وَتَكُونُ فِيهِ سُنَّةً لِكَوْنِهِ سُنَّةً، وَالثَّانِي لَا تُسَنُّ فِيهِ لِبِنَائِهِ عَلَى التَّخْفِيفِ.
(وَلَا
[حاشية قليوبي]
بِنِيَاطِ الْقَلْبِ، فَرَفْعُهَا يُحَرِّكُهُ لِيَنْتَبِهَ لِلتَّوْحِيدِ، وَيُدِيمُ رَفْعَهَا إلَى الْقِيَامِ أَوْ السَّلَامِ بِخِلَافِ الْوُسْطَى، فَإِنَّ لَهَا عِرْقًا مُتَّصِلًا بِالذَّكَرِ، وَلِذَلِكَ يُسْتَقْبَحُ الْإِشَارَةُ بِهَا.
وَلَوْ جَعَلَ لِلسَّبَّابَةِ بَدَلًا وَأَمْكَنَ رَفْعُهُ نُدِبَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُحَرِّكُهَا) لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ خِلَافًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. قَوْلُهُ: (لِمَا قَامَ إلَخْ) وَهُوَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الصَّلَاةِ عَدَمُ الْحَرَكَةِ، أَوْ لِأَنَّ التَّحْرِيكَ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ، وَتَحْرِيكُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ.
بَلْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيكِ فِي حَدِيثِهِ الرَّفْعُ فَلَا مُعَارَضَةَ.
قَوْلُهُ: (ضَمُّ الْإِبْهَامِ إلَيْهَا) بِحَيْثُ تَكُونُ رَأْسُ الْإِبْهَامِ عَلَى طَرَفِ الرَّاحَةِ عِنْدَ أَسْفَلِ السَّبَّابَةِ.
قَوْلُهُ: (كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ) هَذَا قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَشَرَطَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ وَضْعَ الْخِنْصَرِ فَوْقَ الْبِنْصِرِ، وَإِلَّا فَهُوَ تِسْعَةٌ وَخَمْسُونَ، وَالْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِالْجَمِيعِ، وَمِنْهَا التَّحْلِيقُ بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى، وَوَضْعُ رَأْسِ الْوُسْطَى بَيْنَ عُقْدَتَيْ الْإِبْهَامِ، وَإِرْسَالُ الْإِبْهَامِ بِجَانِبِ السَّبَّابَةِ فَهِيَ كَيْفِيَّاتٌ خَمْسٌ، وَيُلْصِقُ ظُهُورَ أَصَابِعِهِ بِرُكْبَتِهِ.
(فَرْعٌ) لَوْ عَجَزَ عَنْ هَيْئَةِ الِافْتِرَاشِ أَوْ التَّوَرُّكِ الْمَعْرُوفَةِ وَقَدَرَ عَلَى عَكْسِهَا فَعَلَهُ، لِأَنَّهُ الْمَيْسُورُ.
وَلَوْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِهِ كَنَصْبِ يُمْنَاهُ فَقَطْ أَتَى بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ هَيْئَتُهَا فَلَا تُغَيَّرُ كَمَا فِي الْمُسَبِّحَةِ فِيمَا مَرَّ.
(فَائِدَةٌ) : فِي كَيْفِيَّةِ الْعَدَدِ بِالْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ الْمُشَارِ إلَى بَعْضِهِ بِقَوْلِهِمْ: كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ، قَالُوا: إنَّ الْوَاحِدَ يُكْنَى عَنْهُ بِضَمِّ الْخِنْصَرِ لَا قُرْبِ بَاطِنِ الْكَفِّ مِنْهُ، وَالِاثْنَيْنِ بِضَمِّ الْبِنْصِرِ مَعَهَا كَذَلِكَ، وَالثَّلَاثَةَ بِضَمِّ الْوُسْطَى مَعَهُمَا كَذَلِكَ، وَالْأَرْبَعَةَ بِرَفْعِ الْخِنْصَرِ عَنْهُمَا، وَالْخَمْسَةَ بِرَفْعِ الْبِنْصِرِ مَعَهُ مَعَ بَقَاءِ الْوُسْطَى، وَالسِّتَّةَ بِضَمِّ الْبِنْصِرِ وَحْدَهُ، وَالسَّبْعَةَ بِضَمِّ الْخِنْصَرِ وَحْدَهُ عَلَى لَحْمَةِ أَصْلِ الْإِبْهَامِ، وَالثَّمَانِيَةَ بِضَمِّ الْبِنْصِرِ مَعَهُ كَذَلِكَ، وَالتِّسْعَةَ بِضَمِّ الْوُسْطَى مَعَهُمَا كَذَلِكَ، وَالْعَشَرَةَ بِجَعْلِ السَّبَّابَةِ عَلَى نِصْفِ الْإِبْهَامِ، وَالْعِشْرِينَ بِمَدِّهِمَا مَعًا، وَالثَّلَاثِينَ بِلُصُوقِ طَرَفَيْ السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ، وَالْأَرْبَعِينَ بِمَدِّ الْإِبْهَامِ بِجَانِبِ السَّبَّابَةِ، وَالْخَمْسِينَ بِعَطْفِ الْإِبْهَامِ كَأَنَّهَا رَاكِعَةٌ، وَالسِّتِّينَ بِتَحْلِيقِ السَّبَّابَةِ فَوْقَ الْإِبْهَامِ، وَالسَّبْعِينَ بِوَضْعِ طَرَفِ الْإِبْهَامِ عَلَى الْأُنْمُلَةِ الْوُسْطَى مِنْ السَّبَّابَةِ مَعَ عَطْفِ السَّبَّابَةِ عَلَيْهَا قَلِيلًا، وَالثَّمَانِينَ بِوَضْعِ طَرَفِ السَّبَّابَةِ عَلَى ظُفْرِ الْإِبْهَامِ، وَالتِّسْعِينَ بِعَطْفِ السَّبَّابَةِ حَتَّى تَلْتَقِيَ عَلَى الْكَفِّ وَضَمِّ الْإِبْهَامِ إلَيْهَا، وَالْمِائَةَ بِفَتْحِ الْيَدِ كُلِّهَا.
قَوْلُهُ: (وَفِي مَعْنَاهُ إلَخْ) أَوْرَدَ هَذَا نَظَرًا إلَى أَنَّ لَفْظَ آخِرٍ يَسْتَدْعِي سَبْقَ أَوَّلٍ، وَلَوْ حُمِلَ الْآخِرُ عَلَى مَعْنَى آخِرِ الصَّلَاةِ لَشَمَلَ ذَلِكَ اهـ. قَوْلُهُ: (وَأَوْلَى أَحْوَالِهَا إلَخْ) أَيْ لِانْضِمَامِهَا إلَى السَّلَامِ الَّذِي فِي التَّشَهُّدِ لِلْخُرُوجِ مِنْ كَرَاهَةِ إفْرَادِهِمَا، وَقَوْلُ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِوُجُوبِهَا قَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فَمِنْ الصَّحَابَةِ عُمَرُ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمِنْ التَّابِعِينَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ وَالشَّعْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ إِسْحَاقُ وَمَالِكُ بْنُ الْمَوَّازِ بِوَاوٍ مُشَدَّدَةٍ وَآخِرُهُ زَايٌ مُعْجَمَةٌ، وَابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَأَحْمَدُ فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ إمَامَنَا الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَذَّ فِي ذَلِكَ وَلَا سَلَفَ لَهُ فِيهِ فَقَدْ غَلِطَ، مَعَ أَنَّ إيجَابَهَا لَمْ يُخَالَفْ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا وَلَا مَصْلَحَةً رَاجِحَةً، وَوُجُوبَهَا كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ كَمَا مَرَّ، وَقِيلَ: لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى أَنَّهَا بَعْدَهُ) أَيْ أَخْذًا مِنْ إضَافَةِ الْمَعِيَّةِ إلَيْهَا، وَإِلَّا فَالْمَعِيَّةُ صَادِقَةٌ بِعَكْسِهِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْإِتْيَانُ إلَخْ) أَشَارَ
[حاشية عميرة]
رَفْعُ سَبَّابَةِ الْيُسْرَى وَلَوْ مِنْ فَاقِدِهَا مِنْ الْيُمْنَى.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يُحَرِّكُهَا) .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّحْرِيكِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هُوَ الرَّفْعُ.
قَوْلُهُ: (لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ) مِنْهُ أَنَّ التَّحْرِيكَ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَظْهَرُ إلَخْ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ:
تُسَنُّ) الصَّلَاةُ (عَلَى الْآلِ فِي الْأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ) وَقِيلَ: تُسَنُّ فِيهِ، وَالْخِلَافُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْآخِرِ فَإِنْ لَمْ تَجِبْ فِيهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا سَيَأْتِي لَمْ تُسَنَّ فِي الْأَوَّلِ جَزْمًا (وَتُسَنُّ فِي الْآخِرِ وَقِيلَ تَجِبُ) فِيهِ لِحَدِيثِ «أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك قَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» إلَخْ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ إلَّا صَدْرَهُ فَمُسْلِمٌ، فَالصَّلَاةُ فِيهِ عَلَى الْآلِ الْمَزِيدَةُ فِي الْجَوَابِ مَطْلُوبَةٌ قَالَ الثَّانِي عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ كَالْجَوَابِ، وَقَالَ الْأَوَّلُ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ كَاَلَّذِي بَعْدَهَا وَهُوَ أَظْهَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى هَذَا الْخِلَافَ قَوْلَيْنِ وَمَشَى فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَلَى تَرْجِيحِهِ، وَرَجَّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ وَجْهَانِ، وَلَوْ صَلَّى فِي الْأَوَّلِ عَلَى النَّبِيِّ وَلَمْ نَسُنَّهَا فِيهِ أَوْ صَلَّى فِيهِ عَلَى الْآلِ وَلَمْ نَسُنَّهَا فِيهِ مَعَ قَوْلِنَا بِوُجُوبِهَا فِي الثَّانِي، فَقَدْ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا مِنْ مَحَلِّهِ إلَى غَيْرِهِ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ فِي وَجْهٍ يَأْتِي فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ وَآلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَارِبُهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ.
(وَأَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ) وَرَدَ فِيهِ أَحَادِيثُ اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْهَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ فَكَانَ يَقُولُ: «التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ
[حاشية قليوبي]
إلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي سَنِّهَا خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْإِتْيَانِ بِهَا وَعَدَمِهِ الْمُسْتَنِدِ لِلْقِيَاسِ وَعَدَمِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْخِلَافُ) الَّذِي هُوَ الْأَظْهَرُ، وَمُقَابِلُهُ الْمَذْكُورَانِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ يَجْرِيَانِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ فِيهِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فِي الْأَخِيرِ، وَإِنْ قِيلَ بِنَدْبِهِمَا فِي الْأَخِيرِ وَهُوَ الرَّاجِحُ لَمْ تُنْدَبْ فِي الْأَوَّلِ قَطْعًا، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الْقَاطِعَةُ هِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ اصْطِلَاحِهِ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ بِذِكْرِ الْبِنَاءِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (كَاَلَّذِي بَعْدَهَا) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، خِلَافًا لِزَعْمِ بَعْضِهِمْ جَرَيَانَ الْخِلَافِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (هَذَا الْخِلَافُ) الْمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ: تُسَنُّ فِي الْأَخِيرِ، وَقِيلَ: تَجِبُ.
وَصَوَّبَ الْإِسْنَوِيُّ مَا فِي الْمَنْهَجِ كَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَوْلُهُ: (فِي وَجْهٍ) أَيْ مَرْجُوحٍ، وَلَا يُسَنُّ سُجُودُ السَّهْوِ فِي هَذَا أَيْضًا عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا سَيَأْتِي قَوْلُهُ: (أَقَارِبُهُ الْمُؤْمِنُونَ) أَيْ وَالْمُؤْمِنَاتُ، فَهُوَ تَغْلِيبٌ.
وَقِيلَ: كُلُّ مُسْلِمٍ، وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ.
قَوْلُهُ: (اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ مِنْهَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ) مَعَ أَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَوَائِدِ كَذِكْرِ الْمُبَارَكَاتِ الْمُوَافِقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً﴾ [النور: 61] وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (التَّحِيَّاتُ) جَمْعُ تَحِيَّةٍ بِمَعْنَى الْبَقَاءِ الدَّائِمِ، أَوْ السَّلَامَةِ مِنْ الْآفَاتِ.
وَهِيَ مُبْتَدَأٌ
[حاشية عميرة]
وَالثَّانِي يُرْسِلُهُ أَيْضًا مَعَ طُولِ الْمُسَبِّحَةِ، وَقِيلَ: يَقْبِضُهُ وَيَجْعَلُهُ فَوْقَ الْوُسْطَى.
قَالَ: فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَيْهَا يَعْنِي إلَى الْمُسَبِّحَةِ خَرَجَ بِهِ الْقَوْلُ بِقَبْضِهَا وَجَعْلِهَا فَوْقَ الْوُسْطَى، وَقَوْلُهُ: كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ، أَشَارَ بِهِ إلَى جَعْلِ الْإِبْهَامِ مَقْبُوضَةً تَحْتَ الْمُسَبِّحَةِ، فَخَرَجَ بِهِ قَوْلُ إرْسَالِهَا مَعَهَا، وَهَذَا التَّقْدِيرُ هُوَ الصَّوَابُ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ عَقْدَ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ شَرْطُهَا عِنْدَ الْحِسَابِ أَنْ يَضَعَ طَرَفَ الْخِنْصَرِ عَلَى الْبِنْصِرِ، وَأَمَّا الصُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ فَهِيَ تِسْعٌ وَخَمْسُونَ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ الْفُقَهَاءُ بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي إتْبَاعًا لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ نَقَلَ أَعْنِي الْإِسْنَوِيَّ عَنْ صَاحِبِ الْإِقْلِيدِ أَنَّهُ أَجَابَ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ وَضْعِ الْخِنْصَرِ عَلَى الْبِنْصِرِ فِي عَقْدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ طَرِيقَةُ أَقْبَاطِ مِصْرَ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَا يَشْتَرِطُونَ فِيهَا ذَلِكَ اهـ.
(فَائِدَةٌ) : كَيْفَمَا فَعَلَ الْمُصَلِّي مِنْ الْهَيْئَاتِ الْمَذْكُورَةِ حَصَلَ السُّنَّةُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُنَاسِبُ لَهَا مِنْهَا التَّشَهُّدُ آخِرُهَا) كَانَ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ لِلتَّشَهُّدِ اشْتِمَالَهُ عَلَى السَّلَامِ، وَأَمَّا الِاخْتِصَاصُ بِالْآخِرِ فَلِأَنَّهُ خَاتِمَةُ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (فَتَجِبُ فِيهِ أَيْ مَعَهُ) إنَّمَا صَنَعَ هَكَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ فَتَجِبُ فِيهِ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فَرْضٌ فِي التَّشَهُّدِ فَهُوَ الْمُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ أَيْ مَعَهُ لِيَكُونَ هَذَا التَّفْسِيرُ تَفْسِيرًا لِلْمَتْنِ، وَقَوْلُهُ فَالْمَعْنَى أَنَّهَا بَعْدَهُ أَيْ الْمُرَادُ مِنْ الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (قِيَاسًا عَلَى الْآخِرِ) أَيْ وَلِأَنَّ السَّلَامَ سُنَّةٌ مَشْرُوعٌ فِيهِ، فَلْتَكُنْ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ لِأَنَّ جَمْعَهُمَا مُسْتَحَبٌّ.
قَوْلُهُ: (لِبِنَائِهِ عَلَى التَّخْفِيفِ) فِي أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْلِسُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَأَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى الرَّضْفِ» ، وَالرَّضْفُ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ
قَوْلُهُ: (وَالْخِلَافُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا) وَالْإِسْنَوِيُّ أَنَّا إذَا قُلْنَا بِالْوُجُوبِ فِي الثَّانِي فَفِيهَا فِي الْأَوَّلِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَوَّلِ اهـ.
وَهَذَا الْبِنَاءُ كَمَا نَرَى قَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ السُّنِّيَّةِ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الشَّارِحِ، وَقَدْ يُعْتَذَرُ عَنْهُ بِأَنَّ مُرَادَهُ الْخِلَافُ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا هَذَا الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْمِنْهَاجِ بِتَرْجِيحِهِ.
قَوْلُهُ: (اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ إلَخْ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ لِأُمُورٍ مِنْهَا زِيَادَةُ الْمُبَارَكَاتِ عَلَى وَفْقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: 61] وَمِنْهَا أَنَّ صِغَرَ سِنِّ الرَّاوِي يَقْوَى مَعَهُ رُجْحَانُ الْمُتَأَخِّرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُسْلِمٍ، وَحَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَهُوَ أَصَحُّ.
قَوْلُهُ: (فَكَانَ يَقُولُ التَّحِيَّاتُ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: جَمْعُ تَحِيَّةٍ، فَقِيلَ هِيَ الْبَقَاءُ الدَّائِمُ، وَقِيلَ الْعَظَمَةُ، وَقِيلَ
الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَأَقَلُّهُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ سَلَامٌ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) إذْ مَا بَعْدَ التَّحِيَّاتِ مِنْ الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثِ تَوَابِعُ لَهُ وَقَدْ سَقَطَ أُولَاهَا فِي حَدِيثِ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَاءَ فِي حَدِيثِهِ سَلَامٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالتَّنْوِينِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ فِيهِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَقِيلَ يُحْذَفُ وَبَرَكَاتُهُ) لِلْغِنَى عَنْهُ يَرْحَمُهُ اللَّهُ (وَ) قِيلَ يُحْذَفُ (الصَّالِحِينَ) لِلْغِنَى عَنْهُ بِإِضَافَةِ الْعِبَادِ إلَى اللَّهِ لِانْصِرَافِهِ إلَى الصَّالِحِينَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 6] (وَ) قِيلَ: (يَقُولُ: وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ) بَدَلَ وَأَشْهَدُ إلَخْ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ.
(قُلْت: الْأَصَحُّ) يَقُولُ: (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لَكِنْ بِلَفْظِ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَالْمُرَادُ إسْقَاطُ لَفْظِ أَشْهَدُ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ إلَخْ حِكَايَةُ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا لَوْ أَخَلَّ بِتَرْتِيبِ التَّشَهُّدِ نُظِرَ إنْ غَيَّرَ تَغْيِيرًا مُبْطِلًا لِلْمَعْنَى لَمْ يُحْسَبْ
[حاشية قليوبي]
وَلِلَّهِ خَبَرٌ عَنْهَا، وَمَا بَعْدَهَا نَعْتٌ إنْ لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ الْخَبَرُ، وَإِلَّا فَهِيَ جَمَلٌ.
وَقَدْ وَرَدَ فِيهَا الْعَطْفُ أَيْضًا، وَالسَّلَامَةُ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ أَوْ السَّلَامَةِ مِنْ النَّقَائِصِ أَوْ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَضَمِيرُ عَلَيْنَا لِلْجَمَاعَةِ الْحَاضِرِينَ مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلَائِكَةٍ وَلَوْ غَيْرَ الْمُصَلِّينَ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَقِيلَ: لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
وَالصَّالِحِينَ، جَمْعُ صَالِحٍ وَهُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، فَعَطْفُهُ خَاصٌّ.
قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّهُ) أَيْ التَّشَهُّدِ، فَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُ كَلِمَةٍ أَوْ حَرْفٍ مِنْهُ، وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ إنْ لَمْ يُعِدْهُ.
نَعَمْ لَا يَتَعَيَّنُ الْجَمْعُ بَيْنَ لَفْظِ أَشْهَدُ الثَّانِيَةِ وَالْوَاوِ، فَجَمْعُهُمَا مِنْ الْأَكْمَلِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ نَقْلًا عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَلَا يَضُرُّ إسْقَاطُ شَدَّةِ الرَّاءِ مِنْ رَسُولٍ، وَلَا إسْقَاطُ شَدَّةِ اللَّامِ مِنْ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ فِي الثَّانِيَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا أَنَّهُ يَضُرُّ فِي الْعَالِمِ دُونَ الْجَاهِلِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ التَّنْوِينَ فِي مُحَمَّدٍ كَذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ إبْدَالُ كَلِمَةٍ مِنْهُ كَالنَّبِيِّ وَاَللَّهِ وَمُحَمَّدٍ وَالرَّسُولِ، وَالرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ بِغَيْرِهَا، وَلَا أَشْهَدُ بِأَعْلَمُ، وَلَا ضَمِيرُ عَلَيْنَا بِظَاهِرٍ، وَلَا إبْدَالُ حَرْفٍ مِنْهُ كَكَافِ عَلَيْك بِاسْمٍ ظَاهِرٍ، وَلَا أَلِفُ أَشْهَدُ بِالنُّونِ، وَلَا هَاءُ بَرَكَاتِهِ بِظَاهِرٍ، وَجَوَّزَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي الثَّانِي، وَيَجُوزُ إبْدَالُ يَاءِ النَّبِيِّ بِالْهَمْزِ، وَيَضُرُّ إسْقَاطُهُمَا مَعًا.
قَالَ مَشَايِخُنَا: إلَّا فِي الْوَقْفِ، وَيَضُرُّ إسْقَاطُ تَنْوِينِ سَلَامٍ الْمُنَكَّرِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَلَا يَضُرُّ تَنْوِينُ الْمُعَرَّفِ وَلَا زِيَادَةُ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَ التَّشَهُّدِ، بَلْ يُكْرَهُ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ سَقَطَ أُولَاهَا) قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي ثَانِيَتِهَا وَثَالِثِهَا.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يَقُولُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ) وَهَذَا الْوَجْهُ قَدْ اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَشَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَوْ أَخَلَّ إلَخْ) هَذَا الْإِخْلَالُ حَرَامٌ وَإِنْ أَجْزَأَ، وَمُفَارَقَتُهُ لِلْفَاتِحَةِ ظَاهِرٌ، وَعَنْ الْعَلَّامَةِ الْعَبَّادِيِّ أَنَّهُ إنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى وَتَعَمَّدَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لَمْ يُجْزِئْهُ فَرَاجِعْهُ.
وَتُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ فِيهِ أَيْضًا، وَتُعْتَبَرُ بِمَا مَرَّ فِي الْفَاتِحَةِ.
[حاشية عميرة]
السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ، وَقِيلَ الْمُلْكُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُلُوكَ كَانَتْ تُحَيَّا بِتَحِيَّةٍ مَعْرُوفَةٍ كَعَمٍّ صَبَاحًا وَأَبَيْت اللَّعْنَ، وَإِنَّمَا جُمِعَتْ لِأَنَّ كُلَّ مَلِكٍ كَانَتْ لَهُ تَحِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (الْمُبَارَكَاتُ إلَخْ) تَقْدِيرُهُ وَالْمُبَارَكَاتُ، وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ بِدَلِيلِ التَّصْرِيحِ بِالْعَاطِفِ فِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ، فَأَمَّا الْمُبَارَكَاتُ فَمَعْنَاهَا النَّامِيَاتُ.
وَالصَّلَوَاتُ هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَقِيلَ كُلُّ صَلَاةٍ، وَقِيلَ الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ الدُّعَاءُ.
وَالطَّيِّبُ ضِدُّ الْخَبِيثِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْكَلِمَاتِ الطَّيِّبَةَ الصَّالِحَةَ لِلثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا الْبَارِئُ دُونَ غَيْرِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ.
وَقَوْلُهُ: سَلَامٌ عَلَيْك فِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْأَزْهَرِيُّ أَحَدُهُمَا اسْمُ السَّلَامِ أَيْ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْك فَإِنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ الْمُسْلَمُ مِنْ الْآفَاتِ، وَالثَّانِي سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْك تَسْلِيمًا وَسَلَامًا.
وَقَوْلُهُ: عَلَيْنَا أَيْ عَلَى الْحَاضِرِينَ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمَلَائِكَةِ اهـ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَشْهَدُ) إنَّمَا وَجَبَتْ الْوَاوُ هُنَا دُونَ الْأَذَانِ لِأَنَّ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ يُطْلَبُ فِيهَا السُّكُوتُ عَلَى كُلِّ كَلِمَةٍ ثُمَّ أُلْحِقَتْ بِهِ الْإِقَامَةُ هَذَا حِكْمَتُهُ فِيمَا يَظْهَرُ وَالْعُمْدَةُ الْإِتْبَاعُ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ سَقَطَ أَوَّلُهَا إلَخْ) قَدْ جَعَلَ الرَّافِعِيُّ الضَّابِطَ فِي جَوَازِ الْإِسْقَاطِ كَوْنَ اللَّفْظِ تَابِعًا لِغَيْرِهِ أَوْ سَاقِطًا مِنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.
قَوْلُهُ: (يَقُولُ) أَيْ فِي الْإِتْيَانِ أَقَلُّ التَّشَهُّدِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
قَوْلُهُ: (فَالْمُرَادُ إسْقَاطُ لَفْظِ أَشْهَدُ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَكِنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ يُعْرَكُ عَلَيْهِ تَعَيُّنُ لَفْظِ الْجَلَالَةِ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ الْإِتْيَانُ بِالضَّمِيرِ بَدَلَهَا اهـ.
وَمُرَادُهُ ثُبُوتُ ذَلِكَ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لَوْ أَخَلَّ بِتَرْتِيبِ التَّشَهُّدِ
مَا جَاءَ بِهِ، وَإِنْ تَعَمَّدَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ الْمَعْنَى أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ فِيهِ قَوْلَانِ وَالتَّحِيَّةُ مَا يُحَيَّا بِهِ مِنْ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُ الصَّلَاةُ أَيْ الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ وَالْقَصْدُ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ بِأَنَّهُ مَالِكٌ لِجَمِيعِ التَّحِيَّاتِ مِنْ الْخَلْقِ وَالْمُبَارَكَاتُ النَّامِيَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ الصَّالِحَاتُ.
(وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ - اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ) كَذَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الصَّلَاةَ الْوَاجِبَةَ وَالْمَنْدُوبَةَ فِي التَّشَهُّدَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَأَكْمَلُ مِنْ قَوْلِهِ وَآلِهِ أَنْ يُقَالَ: وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ.
(وَالزِّيَادَةُ إلَى حَمِيدٍ مَجِيدٍ) الْوَارِدَةُ فِيهِ وَهِيَ: كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
(سُنَّةٌ فِي) التَّشَهُّدِ (الْآخِرِ) بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَلَا تُسَنُّ فِيهِ، كَمَا لَا تُسَنُّ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ لِبِنَائِهِ عَلَى التَّخْفِيفِ وَفِيمَا قَالَهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا فِي الْحَدِيثِ أَكْمَلُ الصَّلَاةِ.
وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فِي بَيَانِ الْأَكْمَلِ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَفِي بَعْضِهَا أَيْضًا بَعْدَ آلِ
[حاشية قليوبي]
نَعَمْ لَا يَضُرُّ زِيَادَةُ مِيمٍ فِي عَلَيْك، وَلَا يَاءِ نِدَاءٍ قَبْلَ أَيُّهَا، وَلَا وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ بَعْدَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لِوُرُودِهَا فِي رِوَايَةٍ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا، وَلَا زِيَادَةُ عَبْدِهِ مَعَ رَسُولِهِ، وَلَا زِيَادَةُ سَيِّدِنَا قَبْلَ مُحَمَّدٍ هُنَا وَفِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ الْآتِيَةِ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ لِأَنَّ فِيهِ مَعَ سُلُوكِ الْأَدَبِ امْتِثَالَ الْأَمْرِ، وَأَمَّا حَدِيثُ: «لَا تُسَيِّدُونِي فِي الصَّلَاةِ» فَبَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ.
(تَنْبِيهٌ) : اللَّحْنُ فِي إعْرَابِ التَّشَهُّدِ كَالتَّرْتِيبِ.
قَوْلُهُ: (مَالِكٌ لِجَمِيعِ التَّحِيَّاتِ) فَلِذَلِكَ جُمِعَتْ، لِأَنَّهُ كَانَ لِكُلِّ مَلِكٍ تَحِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِهِ: كَأَنْعِمْ صَبَاحًا أَوْ مَسَاءً، وَأَبَيْت اللَّعْنَ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَيَجْرِي فِيهَا مَا مَرَّ فِي التَّشَهُّدِ مِنْ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ وَاللَّحْنِ، وَيَجُوزُ فِيهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَالصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا إذَا قَصَدَ الْإِنْشَاءَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ وَلَعَلَّهُ لَا يَشْتَرِطُهُ، وَيَجُوزُ إبْدَالُ الصَّلَاةِ بِالرَّحْمَةِ وَفِي زِيَادَةِ سَيِّدِنَا مَا تَقَدَّمَ، وَيَجُوزُ إبْدَالُ لَفْظِ مُحَمَّدٍ بِالنَّبِيِّ وَالرَّسُولِ لَا بِغَيْرِهِمَا، كَأَحْمَدَ وَالْعَاقِبِ وَالْحَاشِرِ، وَعَلَيْهِ فَارَقَ الْخُطْبَةَ بِعَدَمِ الْوُرُودِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَأَكْمَلُ إلَخْ) أَيْ إنَّ لَفْظَ مُحَمَّدٍ أَكْثَرُ حُرُوفًا مِنْ الضَّمِيرِ الَّذِي حُذِفَ فَهُوَ مِنْ الْأَكْمَلِ.
قَوْلُهُ: (الْوَارِدَةُ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (إبْرَاهِيمَ) خُصَّ بِالذِّكْرِ لِاخْتِصَاصِهِ بِجَمْعِ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ لَهُ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: 73] وَالتَّشْبِيهُ فِي كَمَا صَلَّيْت عَائِدٌ لِآلِ مُحَمَّدٍ لَا لَهُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِنْ حَيْثُ طَلَبُ الدُّعَاءِ أَوْ الْكَيْفِيَّةُ، وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ التَّشْبِيهَ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ بِأَصْلِ الصَّلَاةِ، أَوْ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ وَقِيلَ: لِإِفَادَةِ الْمُضَاعَفَةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ إبْرَاهِيمَ.
قَوْلُهُ: (سُنَّةٌ) وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ فِي وَقْتٍ يَسَعُ جَمِيعَهَا.
قَوْلُهُ: (فِي التَّشَهُّدِ الْآخِرِ) أَيْ لِإِمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَلَوْ مَسْبُوقًا تَبَعًا لِإِمَامِهِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْأَوَّلِ) فَلَا تُسَنُّ فِيهِ بَلْ تُكْرَهُ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَلَوْ فَرَغَ الْمَأْمُومُ مِنْهُ قَبْلَ إمَامِهِ وَهُمَا فِي غَيْرِ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ، فَلِلْمَأْمُومِ أَنْ يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ وَلَوْ بِالْمَأْثُورِ، وَلَا يَأْتِي بِهَا وَلَا بِمَا بَعْدَهَا مِنْ تَمَامِ التَّشَهُّدِ، وَلَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرَّحْمَةِ فَيُكْرَهُ.
وَقِيلَ: يَحْرُمُ لِعَدَمِ وُرُودِهِ وَمَا قِيلَ مِنْ وُرُودِهِ وَهْمٌ.
(فَرْعٌ) لَوْ عَجَزَ عَنْ التَّشَهُّدِ جَالِسًا لِكَوْنِهِ مَكْتُوبًا عَلَى رَأْسِ جِدَارٍ مَثَلًا: قَامَ لَهُ كَمَا فِي الْفَاتِحَةِ فِي عَكْسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ لِلسَّلَامِ.
[حاشية عميرة]
إلَخْ) أَمَّا التَّرْتِيبُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ فَهُوَ رُكْنٌ كَمَا سَلَفَ.
قَوْلُهُ: (وَأَكْمَلُ مِنْ قَوْلِهِ وَآلِهِ إلَخْ) إنَّمَا نَبَّهَ عَلَى هَذَا هُنَا لِأَنَّ قَوْلَ الْمَتْنِ الْآتِي وَالزِّيَادَةُ إلَخْ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْأَقَلِّ الْمَذْكُورِ لَا يُقَالُ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَقَلِّ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ فَوَاتَ الضَّمِيرِ مِنْ آلِهِ مَانِعٌ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَيْهِ.
نَعَمْ هُوَ زِيَادَةٌ عَلَى بَعْضِ الْأَقَلِّ الْمَذْكُورِ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَنَفَعَنَا بِهِ مَا أَدْرَاهُ بِأَسَالِيبِ الْكَلَامِ.
قَوْلُهُ: (الْوَارِدَةُ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ يُرِيدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ أَلْ فِي الزِّيَادَةِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ وَهُوَ الْوَارِدُ فِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (سُنَّةٌ فِي الْآخِرِ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: دَلِيلُ عَدَمِ وُجُوبِهَا فِيهِ وَعَدَمِ اسْتِحْبَابِهَا فِي الْأَوَّلِ الْإِجْمَاعُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تُسَنُّ فِيهِ) لَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ تَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ كَامِلًا تَبَعًا لِلْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (وَفِيمَا قَالَهُ إشَارَةٌ) يُرِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ وَالزِّيَادَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّ مَا فِي الْحَدِيثِ هُوَ أَكْمَلُ الصَّلَاةِ، يَعْنِي بِمَعُونَةِ أَنَّ أَلْ فِي لَفْظِ الزِّيَادَةِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَهُوَ الْوَارِدُ فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا إلَخْ) .
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ مَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِك وَرَسُولِك النَّبِيِّ وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى
إبْرَاهِيمَ الثَّانِي فِي الْعَالَمِينَ وَآلُ إبْرَاهِيمَ إسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَأَوْلَادُهُمَا.
(وَكَذَا الدُّعَاءُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ بِمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ سُنَّةٌ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ بِدِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ لِحَدِيثِ «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَى آخِرِهَا، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ أَوْ مَا أَحَبَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ: «ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُو بِهِ» أَمَّا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ فَلَا يُسَنُّ بَعْدَهُ الدُّعَاءُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَمَأْثُورُهُ) عَنْ النَّبِيِّ (أَفْضَلُ) مِنْ غَيْرِ الْمَأْثُورِ وَمِنْهُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت إلَخْ أَيْ وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت وَمَا أَسْرَفْت وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إلَه إلَّا أَنْتَ» لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ: (وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَزِيدَ) الدُّعَاءُ (عَلَى قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُمَا، فَإِنْ زَادَ لَمْ يَضُرَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا فَيُكْرَهُ لَهُ التَّطْوِيلُ.
اهـ.
(وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ نَاطِقٌ وَالْكَلَامُ فِي الْوَاجِبَيْنِ لِمَا سَيَأْتِي.
(تَرْجَمَ) عَنْهُمَا وَتَقَدَّمَ فِي تَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ أَنَّهُ يُتَرْجِمُ عَنْهُ بِأَيِّ لُغَةٍ شَاءَ، وَأَنَّهُ يَجِبُ التَّعَلُّمُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَوْ بِالسَّفَرِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَيَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ هُنَا، أَمَّا الْقَادِرُ عَلَيْهِمَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْجَمَتُهُمَا (وَيُتَرْجِمُ بِالدُّعَاءِ) الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَسْنُونٌ (وَالذِّكْرِ الْمَنْدُوبِ) كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ فِيهِ
[حاشية قليوبي]
تَنْبِيهٌ) كَانَ تَشَهُّدُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَشَهُّدِنَا بِلَفْظِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَوْلُ الْمَنْهَجِ نَقْلًا عَنْ الرَّافِعِيِّ: إنَّهُ كَانَ يَقُولُ: وَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ مَرْدُودٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ فِي الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى تَرَدُّدِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي أَذَانٍ فَعَلَهُ مَرَّةً فِي سَفَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَآلُ إبْرَاهِيمَ إسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَأَوْلَادُهُمَا) وَكُلُّ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُمَا مِنْ أَوْلَادِ إِسْحَاقَ، وَلَيْسَ مِنْ أَوْلَادِ إسْمَاعِيلَ نَبِيٌّ غَيْرُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي ذَلِكَ حِكْمَةُ امْتِيَازِهِ وَانْفِرَادِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْكَمَالَاتِ وَالْفَضَائِلِ، وَفِيمَا ذُكِرَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِأَوْلَادِهِمَا مَا يَعُمُّ الْأَنْبِيَاءَ وَغَيْرَهُمْ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الدُّعَاءُ) أَيْ بِغَيْرِ مُحَرَّمٍ.
وَلَا تَعْلِيقٍ، وَإِلَّا فَتَبْطُلُ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (فَلْيَقُلْ إلَخْ) وَصَرَفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ الْإِجْمَاعُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُسَنُّ بَعْدَهُ الدُّعَاءُ) وَلَوْ لِمُنْفَرِدٍ وَإِمَامِ مَحْصُورِينَ، بَلْ يُكْرَهُ فِيهِ لِمَا مَرَّ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت) الْمَعْنَى مَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِي كُلِّهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا عَلَى غَيْرِهِ وَمَا تَأَخَّرَ عَنْهُ، أَوْ الْمَعْنَى مَا سَلَفَ مِنْهَا وَمَا سَيَقَعُ، وَمَعْنَى غُفْرَانِهِ عَلَى هَذَا عَدَمُ مُؤَاخَذَتِهِ بِهِ إذَا وَقَعَ.
وَمِنْ الْمَأْثُورِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
وَالْمَسِيحُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَوْ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمَأْثَمُ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ أَوْ الْمُثَلَّثَةِ الْإِثْمُ، وَالْمَغْرَمُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ مَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهُ بِلَا حَقٍّ، وَرُبَّمَا يُوجَدُ فِيهِ خُلْفُ وَعْدٍ أَوْ خُلْفُ كَذِبٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَفِتْنَةُ الْمَحْيَا بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ وَنَحْوِهِمَا كَتَرْكِ الْعِبَادَاتِ، وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ بِنَحْوِ مَا عِنْدَ الِاحْتِضَارِ أَوْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّوْضَةِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْمُرَادُ أَقَلُّ مِمَّا أَتَى بِهِ مِنْهُمَا، سَوَاءٌ الْأَقَلُّ أَوْ الْأَكْمَلُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا) أَيْ لِغَيْرِ مَحْصُورِينَ فَيُكْرَهُ لَهُ وَلَا يُكْرَهُ، وَلَا يُنْدَبُ لِإِمَامِهِمْ فَلَهُ أَنْ يُطِيلَ مَا شَاءَ مَا لَمْ يَقَعْ فِي سَهْوٍ كَالْمُنْفَرِدِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الْأُمِّ: فَإِنْ لَمْ يَزِدْ أَيْ الْمُصَلِّي مُطْلَقًا عَلَى ذَلِكَ أَيْ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ كَرِهْته.
قَوْلُهُ: (وَالْكَلَامُ فِي الْوَاجِبَيْنِ)
[حاشية عميرة]
آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ اهـ.
(فَائِدَةٌ) إنَّمَا خَصَّ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّهِ هِيَ الرَّحْمَةُ، وَلَمْ تُجْمَعْ الرَّحْمَةُ وَالْبَرَكَةُ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: 73] فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إعْطَاءَ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ مِمَّا سَبَقَ إعْطَاؤُهُ لِإِبْرَاهِيمَ، وَيَدُلُّ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ عَلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ بِهَذِهِ الْآيَةِ اتِّفَاقُ آخِرِهَا مَعَ آخِرِ التَّشَهُّدِ فِي قَوْلِهِ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَالْحَمِيدُ الْمَحْمُودُ.
وَالْمَجِيدُ بِمَعْنَى الْمَاجِدِ، وَهُوَ الْكَامِلُ فِي الشَّرَفِ وَالْكَرَمِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ دُنْيَوِيٍّ) لَنَا وَجْهٌ بِأَنَّهُ إذَا قَالَ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ صِفَتُهَا كَذَا وَنَحْوُهُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
قَوْلُهُ: (لِحَدِيثِ إلَخْ) الصَّارِفُ عَنْ الْوُجُوبِ الْإِجْمَاعُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَا أَخَّرْت) قِيلَ مَعْنَى هَذَا طَلَبُ غُفْرَانِ مَا سَيَقَعُ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُقُوعِ، وَقِيلَ: أَرَادَ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ الذُّنُوبِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْهُ، وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي بَعْضِ شَرْحِ الرِّسَالَةِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ، وَالْأَوَّلُ بَحْثٌ لَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَلَى قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ) . قَالَ
وَالْقُنُوتِ وَتَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ وَالتَّسْبِيحَاتِ.
(الْعَاجِزُ لَا الْقَادِرُ فِي الْأَصَحِّ) فِيهِمَا لِعُذْرِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، فَلَوْ تَرْجَمَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَالثَّانِي يُتَرْجِمَانِ أَيْ يَجُوزُ لَهُمَا التَّرْجَمَةُ لِقِيَامِ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَقَامَهَا فِي أَدَاءِ الْمَعْنَى، وَالثَّالِثُ لَا يُتَرْجِمَانِ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَى الْمَنْدُوبِ حَتَّى يُتَرْجِمَ عَنْهُ، ثُمَّ الْمُرَادُ الدُّعَاءُ وَالذِّكْرُ الْمَأْثُورَانِ، فَلَا يَجُوزُ اخْتِرَاعُ دَعْوَةٍ أَوْ ذِكْرٍ بِالْعَجَمِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ قَطْعًا، نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ تَصْرِيحًا فِي الْأُولَى، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا فِي الرَّوْضَةِ وَإِشْعَارًا فِي الثَّانِيَةِ (الثَّانِي عَشَرَ: السَّلَامُ وَأَقَلُّهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَالْأَصَحُّ جَوَازُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) بِالتَّنْوِينِ كَمَا فِي التَّشَهُّدِ فَيَكُونُ صُورَةً ثَانِيَةً لِلْأَقَلِّ (قُلْت: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ لَا يُجْزِئُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) .
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: ثَبَتَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ.
(وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ) مِنْ الصَّلَاةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَالثَّانِي تَجِبُ مَعَ السَّلَامِ لِيَكُونَ الْخُرُوجُ كَالدُّخُولِ بِنِيَّةٍ لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ الصَّلَاةِ (وَأَكْمَلُهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ يَمِينًا
[حاشية قليوبي]
إنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ، نَظَرًا لِلْخِلَافِ بَعْدَهُ فِي الْمَنْدُوبِ.
قَوْلُهُ: (إنْ قَدَرَ) وَقَبْلَ الْقُدْرَةِ يَأْتِي بِذِكْرِ غَيْرِهِمَا وَلَا يُتَرْجِمُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَجُوزُ) أَيْ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
قَوْلُهُ: (الْعَاجِزُ) وَإِنْ قَصَّرَ فِي التَّعَلُّمِ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ تَرْجَمَ) أَيْ الْقَادِرُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَجُوزُ اخْتِرَاعُ إلَخْ) أَيْ وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ مِنْ الْعَاجِزِ كَالْقَادِرِ.
قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وَكَذَا عَكْسُهُ وَإِنْ كُرِهَ لِتَأْدِيَتِهِ مَعْنَاهُ، وَحِكْمَةُ السَّلَامِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ كَانَ مَشْغُولًا عَنْ النَّاسِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، وَشَرْطُهُ إسْمَاعُ نَفْسِهِ وَمُوَالَاتُهُ وَعَدَمُ زِيَادَةٍ فِيهِ وَتَعْرِيفُهُ وَالْخِطَابُ فِيهِ وَمِيمُ الْجَمْعِ، وَلَا يَضُرُّ تَنْوِينُهُ مَعَ التَّعْرِيفِ وَلَا زِيَادَةُ وَاوٍ قَبْلَهُ، وَفَارَقَ التَّكْبِيرَ بِالِاحْتِيَاطِ لِلِانْعِقَادِ وَلَا زِيَادَةُ التَّامِّ بَعْدَ السَّلَامِ، وَلَا سُكُوتٌ لَا يَقْطَعُ الْفَاتِحَةَ.
وَلَوْ قَالَ: السِّلْمُ عَلَيْكُمْ بِكَسْرٍ فَسُكُونٌ أَوْ فَتْحٍ فَسُكُونٌ أَوْ فَتْحٍ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ السَّلَامَ كَفَى وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنَى الصُّلْحِ وَالِانْقِيَادِ وَنَحْوِ أَصَالَةٍ.
قَوْلُهُ: (بِالتَّنْوِينِ) فَبِغَيْرِ تَنْوِينٍ لَا يُجْزِئُ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: (لَا يُجْزِئُهُ) بَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ تَعَمَّدَ وَخَاطَبَ، أَوْ قَصَدَ الْخُرُوجَ.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ الصَّلَاةِ) أَيْ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، فَلَوْ عَيَّنَ غَيْرَ مَا هُوَ فِيهِ عَمْدًا بَطَلَتْ عَلَيْهِمَا، أَوْ خَطَأً بَطَلَتْ عَلَى الثَّانِي الْمَرْجُوحِ دُونَ الْأَوَّلِ الرَّاجِحِ.
نَعَمْ مَنْ صَلَّى نَفْلًا مُطْلَقًا وَسَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ مَا عَيَّنَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ اقْتِصَارٍ وَلَا قَصْدِ خُرُوجٍ؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَرَحْمَةُ اللَّهِ) وَلَا يُسَنُّ زِيَادَةُ وَبَرَكَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (مَرَّتَيْنِ) وَالثَّانِيَةُ مِنْ مُلْحَقَاتِ الصَّلَاةِ لَا مِنْهَا، فَتَحْرُمُ لِعُرُوضِ مَانِعٍ كَحَدَثٍ وَخُرُوجِ وَقْتِ جُمُعَةٍ، وَتَخَرُّقِ خُفٍّ، وَكَشْفِ عَوْرَةٍ، وَطُرُوِّ نَجَاسَةٍ لَا يُعْفَى عَنْهَا، وَلَوْ سَلَّمَهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ سَلَّمَ الْأُولَى فَبَانَ عَدَمُهَا أَعَادَهُمَا مَعًا لِوُجُودِ الصَّارِفِ لِمَا لَيْسَ مِنْهَا، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ سَلَامِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ سَلَّمَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ، وَلَا يَسْجُدُ لِأَنَّهُ سُكُوتٌ فِي رُكْنٍ طَوِيلٍ.
قَوْلُهُ: (يَمِينًا) أَيْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَشِمَالًا أَيْ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، وَلَوْ سَلَّمَ الْأُولَى عَنْ يَسَارِهِ سَلَّمَ الثَّانِيَةَ كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
[حاشية عميرة]
الدَّمِيرِيِّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَقَلُّهُمَا اهـ. وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: أَكْمَلُهُمَا وَإِلَّا فَكَانَتْ سُنَّةً عِنْدَ إسْقَاطِ سُنَّةٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْعَاجِزُ) أَيْ قِيَاسًا عَلَى الْوَاجِبِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (السَّلَامُ) .
قَالَ الْقَفَّالُ فِي الْمَحَاسِنِ: فِي السَّلَامِ مَعْنًى وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا عَنْ النَّاسِ وَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ اهـ. ثُمَّ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ يُفْهِمُ أَنَّ الْوَاجِبَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بِالتَّنْوِينِ) أَمَّا بِغَيْرِهِ فَلَا يُجْزِئُ قَوْلًا وَاحِدًا.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ كَانَ الْإِتْيَانُ بِهِ مُبْطِلًا لِلصَّلَاةِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَلِأَنَّهَا أَعْنِي النِّيَّةَ تَلِيقُ بِالْأَفْعَالِ دُونَ التُّرُوكِ، كَذَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ مَا قَالَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْأُولَى شَامِلَةٌ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَعَ السَّلَامِ) أَيْ الْأَوَّلِ وَانْظُرْ هَلْ يَجِبُ الْأَمْرُ إنْ بِأَوَّلِهِ أَوْ بِجَمِيعِهِ.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ الصَّلَاةِ) لَكِنْ لَوْ عَيَّنَ عَمْدًا غَيْرَ مَا هُوَ فِيهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِتَلَاعُبِهِ.
(فَرْعٌ) الْمُتَنَفِّلُ إذَا نَوَى عَدَدًا ثُمَّ سَلَّمَ قَبْلَ تَمَامِهِ إنْ لَمْ يَنْوِ التَّحَلُّلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا قَالَهُ فِي الْخَادِمِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَرَحْمَةُ اللَّهِ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ وَبَرَكَاتُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَالثَّانِي يُسْتَحَبُّ وَالثَّالِثُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، حَكَاهَا السُّبْكِيُّ وَاخْتَارَ الثَّانِيَ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ فَعَلَهَا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ كَانَ حِكْمَةُ هَذِهِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْعَدْلِ فِي حَقِّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ يَبْدَأُ بِهَا يَمِينًا وَيُكْمِلُهَا شِمَالًا.
وَشِمَالًا مُلْتَفِتًا فِي الْأُولَى حَتَّى يَرَى خَدَّهُ الْأَيْمَنَ وَفِي الثَّانِيَةِ الْأَيْسَرَ) لِلْإِتْبَاعِ فِي ذَلِكَ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا، وَيَبْتَدِئُ السَّلَامَ فِي الْمَرَّتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَيُنْهِيهِ مَعَ تَمَامِ الِالْتِفَاتِ.
(نَاوِيًا السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ مِنْ مَلَائِكَةٍ وَإِنْسٍ وَجِنٍّ) مُؤْمِنِينَ أَيْ يَنْوِيهِ بِمَرَّةِ الْيَمِينِ عَلَى مَنْ عَلَى الْيَمِينِ وَبِمَرَّةِ الْيَسَارِ عَلَى مَنْ عَلَى الْيَسَارِ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، وَالْمُنْفَرِدُ يَنْوِيهِ بِالْمَرَّتَيْنِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، كَذَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهِ (وَيَنْوِي الْإِمَامُ السَّلَامَ عَلَى الْمُقْتَدِينَ) هَذَا يَزِيدُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بِالْمُقْتَدِينَ خَلْفَهُ وَلَيْسَ فِي الرَّوْضَةِ وَلَا أَصْلِهَا وَيَلْحَقُ بِالْإِمَامِ فِي ذَلِكَ الْمَأْمُومُ (وَهُمْ الرَّدُّ عَلَيْهِ) فَيَنْوِيهِ مِنْهُمْ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ بِالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ وَمَنْ عَلَى يَسَارِهِ بِالْأُولَى وَمَنْ خَلْفَهُ بِأَيَّتِهِمَا شَاءَ، وَبِالْأُولَى أَفْضَلُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ الرَّدَّ عَلَى بَعْضٍ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَحَدِيثُ سَمُرَةَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنْ نَتَحَابَّ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَنْوِيَ بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ أَيْضًا إنْ لَمْ نُوجِبْهَا.
(الثَّالِثَ عَشَرَ: تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ) السَّابِقَةِ (كَمَا ذَكَرْنَا) فِي عَدِّهَا
[حاشية قليوبي]
يُسَلِّمُ الثَّانِيَةَ عَنْ يَمِينِهِ عَلَى نَظِيرِ مَا فِي قِرَاءَةِ سُورَتَيْ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي الْجُمُعَةِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) أَيْ بِوَجْهِهِ فِي ابْتِدَائِهَا، وَيُنْهِيهَا مَعَ انْتِهَاءِ الِالْتِفَاتِ وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِسَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَتَمَامُهَا إلَى الْقِبْلَةِ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (نَاوِيًا السَّلَامَ إلَخْ) وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ وَضْعَ السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ لِلتَّحَلُّلِ مِنْهَا، وَلَوْ مَحَضَهُ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِمْ أَوْ لِإِعْلَامِهِمْ بِفَرَاغِ صَلَاتِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
قَوْلُهُ: (إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا) هَذَا تَعْمِيمٌ فِي فَاعِلِ نَاوِيًا وَمَجْرُورِ عَلَى، وَبِذَلِكَ تَكَرَّرَ مَعَ مَا يَأْتِي بِقَوْلِهِ: وَيَنْوِي الْإِمَامُ إلَخْ، وَأَجَابَ عَنْهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: هَذَا يَزِيدُ إلَخْ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (مُؤْمِنِينَ) هُوَ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ فِي الْمَلَائِكَةِ، وَقَيَّدَ فِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَدَخَلَ فِيهِمْ غَيْرُ الْمُصَلِّينَ، وَلَوْ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ إلَى مُنْقَطِعِ الْأَرْضِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (كَذَا فِي الرَّوْضَةِ) تَبَرَّأَ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ لَا يَنْوِيَانِ عَلَى مَنْ خَلْفَهُمَا أَوْ أَمَامِهِمَا، وَأَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يَنْوِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُصَلِّينَ مَعَ بَعْضِهِمْ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ مَأْمُومٌ فِي طَرَفِ صَفٍّ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا.
قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِيمَنْ خَلْفَهُ وَكَذَا أَمَامَهُ، وَالْمُنْفَرِدُ كَالْمَأْمُومِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فَيَنْوِيهِ مِنْهُمْ إلَخْ) وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْ تَأَخُّرِ تَسْلِيمَتَيْ الْمَأْمُومِ عَنْ تَسْلِيمَتَيْ الْإِمَامِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مُصَلٍّ يَنْوِي السَّلَامَ عَلَى مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَيَنْوِي الرَّدَّ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ مِمَّنْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَوْ خَلْفَهُ أَوْ أَمَامَهُ.
قَوْلُهُ: (حَدِيثُ عَلِيٍّ إلَخْ) هُوَ فِي السَّلَامِ وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمُقْتَدِينَ، وَشَامِلٌ لِلْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ.
وَعَطْفُ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ مُرَادِفٌ أَوْ خَاصٌّ لِشُمُولِ مَا قَبْلَهُ لِلْمُنَافِقِينَ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ ظَاهِرًا.
قَوْلُهُ: (وَحَدِيثُ سَمُرَةَ) هُوَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَكَانَ الْأَنْسَبُ لِلشَّارِحِ ذِكْرَهُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ نَتَحَابَّ وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) هُوَ مِنْ عَطْفِ السَّبَبِ أَوْ الْمُرَادِفِ أَوْ الْمُغَايِرِ بِحَمْلِ الْمَحَبَّةِ عَلَى نَحْوِ عَدَمِ الْمُشَاحَنَةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمُصَافَحَةُ الْمُصَلِّينَ خِلَافُ الْأَوْلَى مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا خَلْفَ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَنْوِيَ إلَى آخِرِهِ) أَيْ مُقَارِئًا لِلسَّلَامِ أَوْ لِبَعْضِهِ، فَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ قَبْلَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
وَصَرِيحُ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ صَارِفٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْأَرْكَانِ مَعَهُ، فَلِذَلِكَ مَالَ بَعْضُهُمْ إلَى الِاشْتِرَاطِ، وَإِنَّمَا سَكَتُوا عَنْهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْوَجْهُ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ هُنَا وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ مَوْضُوعَ السَّلَامِ لِلتَّحَلُّلِ مِنْ الصَّلَاةِ فَنِيَّةُ غَيْرِهِ لَا تُخْرِجُهُ عَنْهُ إلَّا إنْ تَمَحَّضَتْ لِغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ بِوُجُوبِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ مَعَهُ وَإِلَى هَذَا مَالَ شَيْخُنَا.
[حاشية عميرة]
(فَائِدَةٌ) : يُسَنُّ أَنْ يَفْصِلَ إحْدَى التَّسْلِيمَتَيْنِ عَنْ الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ: (وَالْمُنْفَرِدُ إلَخْ) هَذَا قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ سُنَّةِ الْعَصْرِ الْآتِي، وَلَعَلَّ الشَّارِحَ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَذَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الثَّالِثَ عَشَرَ تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ إلَى آخِرِهِ) لِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَلِأَنَّهُ الْوَارِدُ مَعَ قَوْلِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَجَعْلُ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ شَرْطَيْنِ أَظْهَرُ مِنْ جَعْلِهِمَا رُكْنَيْنِ وَصُوَرُ تَرْكِ الْمُوَالَاةِ بِتَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْأَرْكَانِ) أَمَّا السُّنَنُ فَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهَا رُكْنٌ
الْمُشْتَمِلِ عَلَى وُجُوبِ قَرْنِ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَلَّهُ الْقِيَامُ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَنَّ قُعُودَ التَّشَهُّدِ مُقَارِنٌ لَهُ، فَالتَّرْتِيبُ الْمُرَادُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ وَعَدُّهُ مِنْ الْأَرْكَانِ بِمَعْنَى الْفُرُوضِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ صَحِيحٌ، وَبِمَعْنَى الْإِجْزَاءِ فِيهِ تَغْلِيبٌ.
(فَإِنْ تَرَكَهُ) أَيْ التَّرْتِيبَ (عَمْدًا) بِتَقْدِيمِ رُكْنٍ فِعْلِيٍّ (بِأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِتَلَاعُبِهِ بِخِلَافِ تَقْدِيمِ الْقَوْلِيِّ كَأَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ التَّشَهُّدِ فَيُعِيدُهَا بَعْدَهُ.
(وَإِنْ سَهَا) فِي التَّرْتِيبِ بِتَرْكِ بَعْضِ الْأَرْكَانِ (فَمَا) فَعَلَهُ (بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لَغْوٌ) لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ.
(فَإِنْ تَذَكَّرَ) الْمَتْرُوكَ (قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ.
فَعَلَهُ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ حَتَّى فَعَلَ مِثْلَهُ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى (تَمَّتْ بِهِ) أَيْ بِمِثْلِهِ الْمَفْعُولِ (رَكْعَتُهُ) الْمَتْرُوكُ آخِرُهَا لِوُقُوعِهِ فِي مَحَلِّهِ (وَتَدَارَكَ الْبَاقِي) مِنْ الصَّلَاةِ وَيَسْجُدُ فِي آخِرِهَا لِلسَّهْوِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ.
(فَلَوْ تَيَقَّنَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ) الرَّكْعَةِ (الْأَخِيرَةِ سَجَدَهَا وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ) لِوُقُوعِهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ
[حاشية قليوبي]
(تَنْبِيهٌ) : هَلْ يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمُصَلِّي الرَّدُّ لِسَلَامِ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ الْوَجْهُ.
نَعَمْ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَصَدَهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ) خَرَجَ بِهَا السُّنَنُ مَعَ بَعْضِهَا أَوْ مَعَ الْأَرْكَانِ، فَتَرْتِيبُهَا شَرْطٌ لِلِاعْتِدَادِ بِهَا مِنْ حَيْثُ حُصُولُ ثَوَابِهَا وَسَكَتَ عَنْ مُوَالَاةِ الصَّلَاةِ، وَالْوَجْهُ فِيهَا أَنْ يُقَالَ: إنْ فُسِّرَتْ بِعَدَمِ تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ، أَوْ بِطُولِ الْفَصْلِ بَعْدَ السَّلَامِ نَاسِيًا فَهُوَ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَمَعْلُومٌ) أَيْ فَلَا يَضُرُّ عَدَمُ تَقَدُّمِهِ فِي الْأَرْكَانِ السَّابِقَةِ.
قَوْلُهُ: (التَّشَهُّدِ) الْمُشْتَمِلِ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ: (فِيمَا عَدَا ذَلِكَ) فِيهِ نَظَرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِيَامِ مَعَ الْقِرَاءَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الشَّارِحَ يَرَى أَنَّ الْقِيَامَ يَحْصُلُ بِجُزْءٍ مِمَّا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَعَدُّهُ إلَخْ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ بِمَعْنَى الْمُتَرَتِّبِ الَّذِي هُوَ الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ لِلشَّيْءِ الْمُرَتَّبِ، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ الْأَفْعَالِ لِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَرْتَبَتِهِ.
قَوْلُهُ: (صَحِيحٌ) أَيْ حَقِيقَةٌ، وَإِلَّا فَهُوَ صَحِيحٌ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (رُكْنٍ فِعْلِيٍّ) أَيْ عَلَى فِعْلِيٍّ آخَرَ وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِمْ: أَوْ عَلَى قَوْلِيٍّ لِيَدْخُلَ تَقْدِيمُ الرُّكُوعِ عَلَى الْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ، لِأَنَّ الْبُطْلَانَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْقِيَامِ الَّذِي هُوَ فِعْلِيٌّ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيمُ فِعْلِيٍّ عَلَى قَوْلِيٍّ مَحْضٍ وَلَا عَكْسُهُ، وَلَا فِعْلِيٍّ عَلَى مِثْلِهِ كَذَلِكَ، وَلَا قَوْلِيٍّ عَلَى قَوْلِيٍّ كَذَلِكَ، وَالْجَوَابُ بِمَا قِيلَ: إنَّ الرُّكْنَ الْفِعْلِيَّ فِي الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ هُوَ مَا سَبَقَ عَلَى الْقَوْلِيِّ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مَحَلَّ الْقَوْلِ مِنْهُ اتِّفَاقًا، وَلِذَلِكَ عَدُّوهُ رُكْنًا طَوِيلًا، وَيَلْزَمُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ لَيْسَتْ فِي الْقِيَامِ أَوْ أَنَّهَا فِي قِيَامٍ آخَرَ وَكُلٌّ بَاطِلٌ، أَوْ بِمَا قِيلَ: إنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ فِي مَحَلِّ الْقَوْلِيَّةِ هُوَ الْأَقْوَالُ وَالْفِعْلُ تَابِعٌ لَهَا لِعَدَمِ تَصَوُّرِ وُجُودِهَا بِدُونِهِ مَرْدُودٌ أَيْضًا بِعَدَمِ سُقُوطِ الْفِعْلِ بِسُقُوطِ الْأَقْوَالِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا، وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْفِعْلَ الْمُقَدَّمَ عَلَى مَحَلِّهِ يَخْرُجُ عَنْ الرُّكْنِيَّةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِمْ: فَمَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لَغْوٌ، وَلِذَلِكَ تَجِبُ إعَادَتُهُ وَلَا نَظَرَ إلَى قَصْدِهِ وَلَا إلَى صُورَتِهِ الَّتِي سَمَّوْهُ رُكْنًا لِأَجْلِهَا، وَلَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيمُ رُكْنٍ عَلَى مَحَلِّهِ مَعَ بَقَاءِ رُكْنِيَّتِهِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا جَاءَ الْبُطْلَانُ مِنْ جِهَةِ الْخَلَلِ بِتَرْكِ الرُّكْنِ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَانَ حَقُّهُ الْبُطْلَانَ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا اخْتَصَّ الْبُطْلَانُ بِالْفِعْلَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ لِوُجُودِ انْخِرَامِ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ فِيهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا، فَتَأَمَّلْ هَذَا وَارْجِعْ إلَيْهِ وَعُضَّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ فَإِنَّك لَا تَعْثِرُ عَلَى مِثْلِهِ فِي مُؤَلَّفٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُلْهِمُ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ تَقْدِيمِ الْقَوْلِيِّ) عَلَى مِثْلِهِ أَوْ عَلَى فِعْلِيٍّ كَالتَّشَهُّدِ قَبْلَ السُّجُودِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِحَسَبِ الصُّورَةِ لِخُرُوجِهَا عَنْ الرُّكْنِيَّةِ كَمَا مَرَّ، وَالْبُطْلَانُ بِتَقْدِيمِ السَّلَامِ عَلَى مَحَلِّهِ لِلْخُرُوجِ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ لَا مِنْ جِهَةِ الرُّكْنِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَيُعِيدُهَا بَعْدَهُ) أَيْ وُجُوبًا وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهَا لِخُرُوجِهَا عَنْ الرُّكْنِيَّةِ كَالْقُعُودِ لَهَا، لِأَنَّ الِاعْتِدَادَ بِهِ تَابِعٌ لِلِاعْتِدَادِ بِهَا، فَلَيْسَ فِيهَا تَرْكُ فِعْلٍ مُخْلٍ بَلْ، وَلَا تَقْدِيمُ فِعْلٍ عَلَى مِثْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَذَكَّرَ الْمَتْرُوكَ) أَيْ عَلِمَ بِتَرْكِهِ أَوْ شَكَّ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَهُ) أَيْ وُجُوبًا فَوْرًا فَلَوْ مَكَثَ لِيَتَذَكَّرَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَيُعْذَرُ الْمَأْمُومُ تَبَعًا لِإِمَامِهِ فَيَتَدَارَكُ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (الْمَتْرُوكُ آخِرُهَا) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لَغْوٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ فَالْآخِرُ مَتْرُوكٌ أَبَدًا، وَخَرَجَ بِرَكْعَةٍ أُخْرَى فِعْلُ مِثْلِهِ فِي رَكْعَةٍ، كَقِرَاءَةٍ فِي نَحْوِ سُجُودٍ لِمَنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْقِيَامِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا، وَلَا يَقُومُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ مَقَامَ سُجُودِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا، وَبِذَلِكَ فَارَقَ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ حَيْثُ تَقُومُ مَقَامَ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فِي آخِرِ صَلَاتِهِ) أَوْ بَعْدَهَا، وَقَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ وَإِنْ مَشَى قَلِيلًا عُرْفًا أَوْ تَكَلَّمَ كَذَلِكَ أَوْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ، وَكَذَا لَوْ وَطِئَ
[حاشية عميرة]
أَوْ شَرْطٌ فِي الِاعْتِدَادِ بِهَا لَا فِي الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَعْلُومٌ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي عِدَّةِ السَّابِقِ بِخِلَافِ قَرْنِ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (تَمَّتْ بِهِ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى الْمِثْلِ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: أَيْ بِمِثْلِهِ الْمَفْعُولُ.
قَوْلُهُ: (الْمَتْرُوكُ آخِرُهَا) إنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْ أَثْنَائِهَا قَامَ الْمَأْتِيُّ بِهِ مَقَامَ ذَلِكَ
(أَوْ مِنْ غَيْرِهَا لَزِمَهُ رَكْعَةٌ) لِأَنَّ النَّاقِصَةَ كَمُلَتْ بِسَجْدَةٍ مِنْ الَّتِي بَعْدَهَا وَلَغَا بَاقِيهَا.
(وَكَذَا إنْ شَكَّ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْأَخِيرَةِ وَغَيْرِهَا أَيْ فِي أَيَّتِهِمَا الْمَتْرُوكُ مِنْهَا السَّجْدَةُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ رَكْعَةٌ أَخْذًا بِالْأَحْوَطِ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي الصُّورَتَيْنِ.
(وَإِنْ عَلِمَ فِي قِيَامِ ثَانِيَةٍ تَرْكَ سَجْدَةٍ) مِنْ الْأُولَى (فَإِنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ) الَّتِي فَعَلَهَا (سَجَدَ) مِنْ قِيَامِهِ اكْتِفَاءً بِجُلُوسِهِ، سَوَاءٌ نَوَى بِهِ الِاسْتِرَاحَةَ أَمْ لَا.
(وَقِيلَ إنْ جَلَسَ بِنِيَّةِ الِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يَكْفِهِ) لِقَصْدِهِ سُنَّةً (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ (فَلْيَجْلِسْ مُطْمَئِنًّا ثُمَّ يَسْجُدْ، وَقِيلَ يَسْجُدْ فَقَطْ) اكْتِفَاءً بِالْقِيَامِ عَنْ الْجُلُوسِ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ الْفَصْلُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْقِيَامِ، وَيَسْجُدُ فِي الصُّورَتَيْنِ لِلسَّهْوِ.
(وَإِنْ عَلِمَ فِي آخِرِ رُبَاعِيَّةٍ تَرْكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ جَهِلَ مَوْضِعَهَا) أَيْ الْخَمْسِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
(وَجَبَ رَكْعَتَانِ) أَخْذًا بِالْأَسْوَأِ، وَهُوَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى تَرْكُ سَجْدَةٍ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَسَجْدَةٍ مِنْ الثَّالِثَةِ فَيَنْجَبِرَانِ بِالثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ، وَيَلْغُو بَاقِيهِمَا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مَا ذُكِرَ وَتَرْكَ سَجْدَةٍ مِنْ رَكْعَةٍ أُخْرَى (أَوْ أَرْبَعٍ) جَهِلَ مَوْضِعَهَا (فَسَجْدَةٌ
[حاشية قليوبي]
نَجَاسَةً غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا عِنْدَ شَيْخِنَا وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ) أَيْ وَيُحْسَبُ جُلُوسُهُ عَنْ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَلَوْ بِقَصْدِ التَّشَهُّدِ، لِأَنَّهُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَمِثْلُهُ جُلُوسُ مَنْ يُصَلِّي مِنْ قُعُودٍ بِقَصْدِ الْقِيَامِ، وَكَذَا هَوَى مَنْ نَسِيَ الرُّكُوعَ فَيَقُومُ عِنْدَ تَذَكُّرِهِ رَاكِعًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِانْتِصَابِهِ فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَإِنْ تَبِعَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُ بِوُجُوبِ انْتِصَابِهِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، إلَّا أَنْ حُمِلَ عَلَى هَوَى لَيْسَ فِي صُورَةِ هُوِيِّ الرُّكُوعِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (إنْ شَكَّ) أَيْ تَرَدَّدَ رَاجِحِيَّةٌ أَوْ مَرْجُوحِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (أَيْ فِي أَيَّتِهِمَا إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ تَرْكَ السَّجْدَةِ مُتَيَقَّنٌ، وَإِنَّمَا التَّرَدُّدُ فِي مَحَلِّهَا وَهَذَا لِمُرَاعَاةِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا يَتَقَيَّدُ الْحُكْمُ بِهِ بَلْ الشَّكُّ فِي فِعْلِهَا كَذَلِكَ، وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَرْكَانِ نَعَمْ الشَّكُّ فِي النِّيَّةِ أَوْ التَّكْبِيرَةِ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ خِلَافًا لِجُمَعٍ.
قَوْلُهُ: (لِقَصْدِهِ سُنَّةً) تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ
قَوْلُهُ: (وَإِنْ عَلِمَ) وَالشَّكُّ مِثْلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (سَجَدَ مِنْ قِيَامِهِ) أَيْ نَزَلَ سَاجِدًا، فَإِنْ نَزَلَ جَالِسًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
قَوْلُهُ: (اكْتِفَاءً بِالْقِيَامِ) وَرَدَّ بِأَنَّهُ لَاغٍ وَلَيْسَ عَلَى صُورَةِ مَا طُلِبَ فِي مَوْضِعِهِ.
قَوْلُهُ: (رُبَاعِيَّةٍ) نِسْبَةٌ إلَى رُبَاعَ الْمَعْدُولِ عَنْ أَرْبَعٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَلْغُو بَاقِيهِمَا) مِمَّا بَيْنَ الْمَتْرُوكِ وَالْمَحْسُوبِ.
قَوْلُهُ: (أَخْذًا بِالْأَسْوَاءِ) أَيْ بِمَا فِيهِ اللُّزُومُ أَكْثَرُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَمُقَابِلُهُ فِي الْأُولَى لُزُومُ رَكْعَةٍ فَقَطْ بِكَوْنِ السَّجْدَتَيْنِ مِنْ رَكْعَةٍ فَقَطْ أَوْ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ) عَلَى الْأَخْذِ بِالْأَسْوَأِ، وَمُقَابِلُهُ لُزُومُ رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ فَقَطْ بِجَعْلِ الْمَتْرُوكِ سَجْدَتَيْنِ مِنْ رَكْعَةٍ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ، وَسَجْدَةً عَنْ الْأَخِيرَةِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ: وَالصَّوَابُ فِي هَذِهِ لُزُومُ سَجْدَةٍ وَرَكْعَتَيْنِ، لِأَنَّ الْأَسْوَأَ فِيهَا تَرْكُ أُولَى الْأُولَى، وَثَانِيَةِ الثَّانِيَةِ، وَوَاحِدَةٍ مِنْ الرَّابِعَةِ، وَفِي الْأَرْبَعِ لُزُومُ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ بِجَعْلِ الْمَتْرُوكِ مِثْلَ مَا ذَكَرَ فِي أُولَى الصُّورَةِ السَّابِقَةِ مَعَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الثَّالِثَةِ، وَفِي السِّتِّ لُزُومُ سَجْدَتَيْنِ وَثَلَاثِ رَكَعَاتٍ بِجَعْلِ الْمَتْرُوكِ مَا ذُكِرَ مَعَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّابِعَةِ وَهَذَا التَّقْدِيرُ لَا مَحِيصَ عَنْهُ، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فِيهِ تَرْكُ شَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ
[حاشية عميرة]
الْمَتْرُوكِ، ثُمَّ يُكْمِلُهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ سَوَاءٌ عَلِمَ عَيْنَهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ
قَوْلُ الْمَتْنِ: (رُبَاعِيَّةٍ) هُوَ نِسْبَةٌ إلَى (رُبَاعَ) الْمَعْدُولِ عَنْ (أَرْبَعٍ) . قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَجَبَ رَكْعَتَانِ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَكْعَتَانِ وَسَجْدَةٌ لِأَنَّ الْأَسْوَأَ تَرْكُ السَّجْدَةِ الْأُولَى مِنْ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةِ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَوَاحِدَةٍ مِنْ الرَّابِعَةِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ إذَا قَدَّرْنَا تَرْكَ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَبُطْلَانَ السُّجُودِ الَّذِي بَعْدَهَا فَلَا يَكُونُ الْمَتْرُوكُ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ فَقَطْ، قُلْنَا: هَذَا خَيَالٌ فَاسِدٌ فَإِنَّ الْمَعْدُودَ تَرْكُهُ إنَّمَا هُوَ الْمَتْرُوكُ حِسًّا لَا الْمَأْتِيُّ بِهِ حِسًّا الْبَاطِلُ شَرْعًا لِسُلُوكِ أَسْوَأِ التَّقَادِيرِ، إذْ لَوْ قُلْنَا بِهَذَا اللُّزُومِ فِي كُلِّ صُورَةٍ، وَحِينَئِذٍ فَيَسْتَحِيلُ قَوْلُهُمْ لَوْ تَرَكَ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ أَوْ أَرْبَعًا لِأَنَّا إذَا جَعَلْنَا الْمَتْرُوكَ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى هُوَ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ كَمَا سَلَكَ الْأَصْحَابُ، فَيَكُونُ قِيَامُ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَرُكُوعُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا عَدَا السُّجُودَ بَاطِلًا، وَهَكَذَا فِي غَيْرِهَا، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ الْمَتْرُوكُ هُوَ السُّجُودُ فَقَطْ بَلْ أَنْوَاعًا مِنْ الْأَرْكَانِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا تَرَكْت هَذَا الْخَيَالَ وَإِنْ كَانَ وَاضِحَ الْبُطْلَانِ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِ مَنْ لَا حَاصِلَ لَهُ وَإِلَّا فَمِنْ حَقِّ هَذَا السُّؤَالِ السَّخِيفِ أَنْ لَا يُدَوَّنَ فِي تَصْنِيفٍ، وَمُقْتَضَى إشْكَالِهِ هَذَا أَنْ يَلْزَمَ فِي الْأَرْبَعِ كَالْخَمْسِ ثَلَاثٌ وَفِي السَّبْعِ كَالسِّتِّ ثَلَاثٌ بَعْدَ سَجْدَةٍ بِأَنْ يُقَدَّرَ فِي الْأَرْبَعِ تَرْكُ أُولَى الْأُولَى وَثَانِيَةِ الثَّانِيَةِ وَثِنْتَيْنِ مِنْ الثَّالِثَةِ، وَفِي السِّتِّ يُقَدَّرُ الْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ مِنْ الرَّابِعَةِ فَيَأْتِي بِسَجْدَةٍ ثُمَّ ثَلَاثٍ، وَأَصْلُ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ لِابْنِ الْخُطَبَاءِ فِي كِتَابٍ لَهُ عَلَى التَّنْبِيهِ ذَكَرَهُ فِي
ثُمَّ رَكْعَتَانِ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَسَجْدَةً مِنْ الثَّانِيَةِ وَسَجْدَةً مِنْ الرَّابِعَةِ فَتَلْغُو الْأُولَى وَتَكْمُلُ الثَّانِيَةُ بِالثَّالِثَةِ: (أَوْ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ) جَهِلَ مَوْضِعَهَا.
(فَثَلَاثٌ) أَيْ فَيَجِبُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ فِي الْخَمْسِ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الْأُولَى وَسَجْدَتَيْنِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَسَجْدَةً مِنْ الثَّالِثَةِ فَتَكْمُلُ بِالرَّابِعَةِ، وَأَنَّهُ فِي السِّتِّ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ كُلٍّ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ.
(أَوْ سَبْعٌ) جَهِلَ مَوْضِعَهَا (فَسَجْدَةٌ ثُمَّ ثَلَاثٌ) أَيْ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لِأَنَّ الْحَاصِلَ لَهُ رَكْعَةٌ إلَّا سَجْدَةً وَفِي ثَمَانِ سَجَدَاتٍ يَلْزَمُهُ سَجْدَتَانِ وَثَلَاثُ رَكَعَاتٍ وَيُتَصَوَّرُ بِتَرْكِ طُمَأْنِينَةٍ أَوْ سُجُودٍ عَلَى عِمَامَةٍ وَفِي الصُّوَرِ السَّبْعِ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
(قُلْت: يُسَنُّ إدَامَةُ نَظَرِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ (وَقِيلَ يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ) لِفِعْلِ الْيَهُودِ لَهُ (وَعِنْدِي لَا
[حاشية قليوبي]
الْجُلُوسُ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي تَرْكِ السَّجَدَاتِ فَقَطْ قُلْنَا: هَذَا خَيَالٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ شَرْعًا كَالْمَتْرُوكِ حِسًّا لِسُلُوكِ أَسْوَأِ التَّقَادِيرِ انْتَهَى كَلَامُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُحْسَبَ الْجُلُوسُ مَعَ عَدَمِ سُجُودٍ قَبْلَهُ، وَقَدْ عَلِمْت بِهَذَا رَدَّ مَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا يَأْتِي، وَإِنْ تَبِعَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِ وَمَا قِيلَ فِي رَدِّ ذَلِكَ الِاعْتِرَاضِ بِتَصْوِيرِ الْأَصْحَابِ الْمَسْأَلَةَ بِمَا لَوْ سَجَدَ عَلَى كُورِ عِمَامَتِهِ لَا يُجْدِي نَفْعًا، وَمَا قِيلَ إنَّ الْإِسْنَوِيَّ ذَكَرَ الِاعْتِرَاضَ وَرَدَّهُ فَغَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَلَعَلَّهُ مُتَقَوَّلٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ التَّاجِ السُّبْكِيُّ فِي التَّوْشِيحِ مَا يُوَافِقُ كَلَامَ الْإِسْنَوِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ نَظْمًا هَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
وَتَارِكُ ثَلَاثِ سَجَدَاتٍ ذُكِرْ ... وَسَطَ الصَّلَاةِ تَرَكَهَا فَقَدْ أُمِرْ
بِحَمْلِهَا عَلَى خِلَافِ الثَّانِي ... عَلَيْهِ سَجْدَةٌ وَرَكْعَتَانِ
وَأَهْمَلَ الْأَصْحَابُ ذِكْرَ السَّجْدَهْ ... وَأَنْتَ فَانْظُرْ تَلْقَ ذَاكَ عُدَّهْ
وَلَمَّا رَآهُ وَالِدُهُ السُّبْكِيُّ كَتَبَ عَلَيْهِ جَوَابًا مِنْ رَأْسِ الْقَلَمِ بِقَوْلِهِ:
لَكِنَّهُ مَعَ حُسْنِهِ لَا يُرَدّْ ... إذْ الْكَلَامُ فِي الَّذِي لَا يُعْقَدْ
إلَّا السُّجُودَ فَإِذَا مَا انْضَمَّ لَهْ ... تَرْكُ الْجُلُوسِ فَلْيُعَامَلْ عَمَلَهْ
وَإِنَّمَا السَّجْدَةُ لِلْجُلُوسْ ... وَذَاكَ مِثْلُ الْوَاضِحِ الْمَحْسُوسْ
وَقَدْ عَلِمْت رَدَّهُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِيمَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْهَادِي.
قَوْلُهُ: (مِنْ رَكْعَةٍ أُخْرَى) يَعْنِي الثَّانِيَةَ أَوْ الرَّابِعَةَ.
قَوْلُهُ: (جَهِلَ مَوْضِعَهَا) فِي الْجَمِيعِ، فَإِنْ عَلِمَ مَحَلَّهَا فَهُوَ وَاضِحٌ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فَتَلْغُو الْأُولَى) فِيهِ تَسَامُحٌ وَالْمُرَادُ مَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ مِنْهَا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي، وَلَوْ قَالَ: فَتَكْمُلُ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لَكَانَ أَوْلَى، وَمُقَابِلُ الْأَسْوَأِ فِي هَذِهِ لُزُومُ رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ بِجَعْلِ الْمَتْرُوكِ سَجْدَتَيْنِ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَتَكْمُلُ) أَيْ الثَّالِثَةُ لَوْ قَالَ: فَتَكْمُلُ الْأُولَى بِالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ لَكَانَ أَوْلَى، بَلْ كَانَ صَوَابًا وَمُقَابِلُ الْأَسْوَأِ فِي هَذِهِ لُزُومُ سَجْدَةٍ وَرَكْعَتَيْنِ، بِجَعْلِ السَّجْدَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّهُ فِي السِّتِّ إلَخْ) وَمُقَابِلُ هَذَا لُزُومُ سَجْدَتَيْنِ وَرَكْعَتَيْنِ بِجَعْلِ الْمَتْرُوكِ سَجْدَتَيْنِ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ غَيْرِ الثَّالِثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الصُّوَرِ السَّبْعِ) وَهِيَ تَرْكُ سَجْدَتَيْنِ وَمَا بَعْدَهَا، وَلَا لِحَاجَةٍ لِجَهْلِ الْمَحَلِّ فِي السَّبْعِ وَلَا فِي الثَّمَانِ وَتَصْوِيرُ بَعْضِهِمْ لَهُ بِمَنْ أَدْرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ آخِرِ صَلَاةِ الْإِمَامِ صَحِيحٌ لَكِنْ لَا مَفْهُومَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُتَصَوَّرُ) أَيْ التَّرْكُ لَا بِقَيْدِ الْجَهْلِ كَمَا عُلِمَ.
قَوْلُهُ: (إدَامَةُ نَظَرِهِ) وَلَوْ بِالْقُوَّةِ كَالْأَعْمَى وَالْعَاجِزِ وَمَنْ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ عَلَى جِنَازَةٍ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ نَبِيٍّ أَوْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ أَوْ فِيهَا.
نَعَمْ يُنْدَبُ النَّظَرُ إلَى جِهَةِ الْعَدُوِّ فِي الْخَوْفِ وَإِلَى مُسَبِّحَتِهِ وَلَوْ مَسْتُورَةً عِنْدَ رَفْعِهَا فِي التَّشَهُّدِ إلَى قِيَامِهِ أَوْ سَلَامِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي مَحَلِّ سُجُودٍ مَا يُلْهِي كَتَزْوِيقٍ أَوْ صُوَرٍ لَمْ يُسَنَّ النَّظَرُ إلَيْهِ، وَيُسَنُّ النَّظَرُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّحَرُّمِ وَإِزَالَةِ مَا فِيهِ وَكَنْسِهِ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ، وَرُبَّمَا يُشْعِرُ بِهِ التَّعْبِيرُ بِالْإِدَامَةِ.
قَوْلُهُ: (لِفِعْلِ الْيَهُودِ) أَيْ لِأَنَّهُ شِعَارُهُمْ كَمَا قَالَهُ الْعَبْدَرِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. قَوْلُهُ: (وَعِنْدِي
[حاشية عميرة]
مَسْأَلَةِ الثَّلَاثِ فَتَبِعَهُ غَيْرُهُ كَابْنِ الْمُقْرِي.
قَوْلُهُ: (فَتَلْغُو الْأُولَى) يَنْبَغِي أَنْ تُكْمِلَ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَيَلْغُو بَاقِيهِمَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (يُسَنُّ إدَامَةُ نَظَرِهِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ أَيْ مِنْ حَيْثُ جَمْعُ النَّظَرِ فِي مَكَان وَاحِدٍ، وَمَوْضِعُ السُّجُودِ أَشْرَفُ وَأَسْهَلُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ قَضِيَّةُ الْإِطْلَاقِ جَرَيَانُ ذَلِكَ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ.
نَعَمْ اسْتَثْنَوْا حَالَةَ التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ لِلْمُسَبِّحَةِ وَقَوْلُ الْمَتْنِ نَظَرِهِ أَيْ وَلَوْ فِي ظُلْمَةٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قِيلَ يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ) قَائِلُهُ
يُكْرَهُ إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا) إذْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ.
(وَ) يُسَنُّ (الْخُشُوعُ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] (وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ) أَيْ تَأَمُّلُهَا قَالَ تَعَالَى ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29] (وَالذِّكْرِ) قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاءَةِ (وَدُخُولُ الصَّلَاةِ بِنَشَاطٍ) لِلذَّمِّ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: 142] (وَفَرَاغِ قَلْبٍ) مِنْ الشَّوَاغِلِ لِأَنَّهَا تُشَوِّشُ الصَّلَاةَ (وَجَعْلُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ آخِذًا بِيَمِينِهِ يَسَارَهُ) مُخَيَّرًا بَيْنَ بَسْطِ أَصَابِعِ الْيَمِينِ فِي عَرْضِ الْمَفْصِلِ وَبَيْنَ نَشْرِهَا فِي صَوْبِ السَّاعِدِ.
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى» زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَلَى صَدْرِهِ أَيْ آخِرِهِ فَيَكُونُ آخِرُ إلَيْهِ تَحْتَهُ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ وَالسِّينُ فِي الرُّسْغِ أَفْصَحُ، وَهُوَ الْمَفْصِلُ بَيْنَ الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ (وَالدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا
[حاشية قليوبي]
لَا يُكْرَهُ) أَيْ فَيُبَاحُ.
نَعَمْ يُنْدَبُ إنْ حَصَلَ بِهِ خُشُوعٌ أَوْ نَحْوُهُ مِمَّا يُطْلَبُ، وَيُكْرَهُ إنْ خَافَ بِهِ ضَرَرًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، بَلْ يَحْرُمُ إنْ ظَنَّ بِهِ الضَّرَرَ وَيُنْدَبُ فَتْحُ الْعَيْنَيْنِ فِي السُّجُودِ لِيَسْجُدَا مَعَهُ وَكَذَا فِي الرُّكُوعِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ الْخُشُوعُ) أَيْ فِي دَوَامِ صَلَاتِهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ فَيَكْتَفِي بِوُجُودِهِ فِي جُزْءٍ مِنْهَا وَهُوَ سُكُونُ الْجَوَارِحِ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ، فَلَوْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ مَثَلًا كُرِهَ تَسْوِيَتُهُ إلَّا لِحَاجَةٍ كَمَا فِي الْأَحْيَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ مَنْ خَشَعَ فِي صَلَاتِهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَخَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ تَأَمُّلُهَا) أَيْ بِمَعْرِفَةِ مَعَانِيهَا وَلَوْ إجْمَالًا، وَيُنْدَبُ لِلْمُصَلِّي وَغَيْرِهِ تَرْتِيلُهَا، لِمَا وَرَدَ أَنَّ حَرْفًا بِتَرْتِيلٍ كَحَرْفَيْنِ بِغَيْرِهِ ثَوَابًا، وَيُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَيْضًا سُؤَالُ الرَّحْمَةِ عِنْدَ آيَتِهَا، وَسُؤَالُ الْجَنَّةِ عِنْدَ آيَتِهَا، وَالِاسْتِعَاذَةُ مِنْ النَّارِ عِنْدَ آيَتِهَا، وَالتَّسْبِيحُ عِنْدَ آيَتِهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ آيَتِهِ، وَالتَّفَكُّرُ عِنْدَ آيَةٍ فِيهَا مَثَلٌ وَأَنْ يَقُولَ: بَلَى، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ عِنْدَ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] وَ ﴿اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ عِنْدَ آخِرِ تَبَارَكَ وَآمَنْت بِاَللَّهِ عِنْدَ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ [المرسلات: 50] وَلَا نَكْذِبُ بِآلَائِك يَا رَبِّ عِنْدَ ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 13] وَغَيْرُهَا وَلَا يَقْصِدُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ الْقُرْآنِ أَوْ الذِّكْرِ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالذِّكْرِ) أَيْ تَدَبُّرُهُ بِمَعْرِفَةِ مَعَانِيهِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ إلَّا إنْ عَرَفَ مَعْنَاهُ وَلَوْ إجْمَالًا بِخِلَافِ الْقُرْآنِ لِلتَّعَبُّدِ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ: يُثَابُ مُطْلَقًا كَالْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الشَّوَاغِلِ) أَيْ وَلَوْ أُخْرَوِيَّةً أَوْ فِي مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ، وَهَذَا زِيَادَةٌ عَلَى حُضُورِ الْقَلْبِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْخُشُوعِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَجَعْلُ يَدَيْهِ) أَيْ بَعْدَ حَطِّهِمَا مِنْ التَّكْبِيرِ وَقَبْلَ إرْسَالِهِمَا، بَلْ قِيلَ بِكَرَاهَتِهِ وَيُنْدَبُ ذَلِكَ الْجَعْلُ فِي كُلِّ قِيَامٍ أَوْ بَدَلُهُ، وَلَوْ اضْطِجَاعًا إنْ تَيَسَّرَ.
قَوْلُهُ: (تَحْتَ صَدْرِهِ) أَيْ بِحِذَاءِ قَلْبِهِ إشَارَةً إلَى حِفْظِ الْإِيمَانِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (بِيَمِينِهِ) أَيْ بِكَفِّهَا أَوْ زَنْدِهَا لَوْ قُطِعَتْ.
قَوْلُهُ: (مُخَيَّرٌ إلَخْ) أَيْ أَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَسَيَأْتِي الْأَفْضَلُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ) أَيْ قَابِضًا بَعْضَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَهَذَا أَفْضَلُ الْكَيْفِيَّاتِ أَوْ بِلَا قَبْضٍ وَهِيَ بَعْدَهَا فِي الْفَضِيلَةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا وَمَا قَبْلَهُ أَعَمُّ مِنْهُمَا، وَلَوْ أَرْسَلَ يَدَيْهِ مِنْ غَيْرِ عَبَثٍ فَلَا بَأْسَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقَبْضِ الْمَذْكُورِ عَدَمُ الْعَبَثِ بِهِمَا وَقَدْ وُجِدَ، وَالْمُرَادُ بِظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى بَعْضُ كُوعِهَا وَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي يَلِي إبْهَامَ الْيَدِ لَا رَأْسَ الزَّنْدِ كَمَا قِيلَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمَفْصِلُ إلَخْ) أَيْ لَا رَأْسُ عَظْمِ الْكُوعِ.
قَوْلُهُ: (وَالدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ) أَيْ بِدِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ
[حاشية عميرة]
الْعَبْدَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا.
قَوْلُهُ: (لِفِعْلِ الْيَهُودِ لَهُ) وَلِأَنَّهُ خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ الطَّبِيعَةُ مِنْ اسْتِرْسَالِ الْأَعْضَاءِ فَيَكُونُ مُتَكَلَّفًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا) أَيْ مِنْ نَحْوِ عَدُوٍّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْخُشُوعُ) هُوَ السُّكُونُ، وَفَسَّرَهُ الْإِمَامُ بِلِينِ الْقَلْبِ وَكَفِّ الْجَوَارِحِ، وَالْحَدِيثُ فِي شَخْصٍ عَبِثَ فِي صَلَاتِهِ بِلِحْيَتِهِ لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ، وَفِي الرَّافِعِيِّ وَجْهُ أَنَّهُ شَرْطٌ لَكِنْ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ كَمَا قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَالْعَبَثُ مَكْرُوهٌ حَتَّى لَوْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ أَوْ طَرَفُ عِمَامَتِهِ كُرِهَ لَهُ تَسْوِيَتُهُ قَالَهُ فِي الْإِحْيَاءِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَلِّي مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ سُؤَالُ الرَّحْمَةِ وَالتَّعَوُّذُ مِنْ الْعَذَابِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفَرَاغُ قَلْبٍ) قِيلَ: إذَا كَثُرَ حَدِيثُ النَّفْسِ أَبْطَلَ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَلَوْ تَفَكَّرَ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ فَلَا بَأْسَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَجَعْلُ يَدَيْهِ) أَيْ فِي الْقِيَامِ وَبَدَلِهِ، وَكَذَا فِي الِاضْطِجَاعِ إنْ لَمْ يَشُقَّ.
قَوْلُهُ: (مُخَيَّرًا إلَخْ) هُوَ مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ
الدُّعَاءِ أَيْ فِي سُجُودِكُمْ» .
(وَأَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ مِنْ السُّجُودِ وَالْقُعُودِ عَلَى يَدَيْهِ) أَيْ بَطْنِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ لَهُ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فِي صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ قَامَ.
(وَتَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْأَصَحِّ) لِلْإِتْبَاعِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَفِي الصُّبْحِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيُقَاسُ غَيْرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَالثَّانِي لَا يُسَنُّ تَطْوِيلُهَا لِلْإِتْبَاعِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيُقَاسُ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُمَا وَفِي تَطْوِيلِ الثَّالِثَةِ عَلَى الرَّابِعَةِ إذْ قُلْنَا يَقْرَأُ السُّورَةَ فِيهِمَا الْوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ قِيَاسًا عَلَى تَطْوِيلِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ، وَالثَّانِي لَا بَلْ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا لِلْإِتْبَاعِ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِمَا الْعِشَاءُ وَصَحَّحَ فِي الرَّوْضَةِ الْأَوَّلَ وَتَقْدِيمَ الْقِيَاسِ فِيهِ عَلَى النَّصِّ لِأَنَّ دَلِيلَ أَصْلِهِ وَهُوَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ النَّافِي لِقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَدِيثِ إثْبَاتِهَا الْمَذْكُورِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَالذِّكْرُ بَعْدَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعْت وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، ثُمَّ قَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيُسَنُّ بَعْدَ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ أَيْضًا.
(وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ مِنْ مَوْضِعِ فَرْضِهِ) تَكْثِيرًا
[حاشية قليوبي]
إمَامًا لِمَحْصُورِينَ، أَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ طُولٌ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَتَطْوِيلُ إلَخْ) أَيْ فِيمَا لَمْ يُطْلَبْ عَكْسُهُ فِيهِ، كَصَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَكَسَبِّحْ وَهَلْ أَتَاك.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ الشَّيْخَانِ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُثْبِتُ لِلْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ دَلِيلَ أَصْلِهِ إلَخْ) أَيْ دَلِيلَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ الثَّابِتُ فِيهِ تَطْوِيلُ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ مُقَدَّمٌ، فَالْقَائِلُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ يَقُولُ بِتَطْوِيلِ الْأُولَى مِنْهُمَا عَلَى الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا قِيَاسًا عَلَى الْأَوِّلَتَيْنِ فَسَقَطَ بِذَلِكَ اعْتِرَاضُ بَعْضِهِمْ هُنَا.
قَوْلُهُ: (كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ عِنْدَ قَوْلِهِمْ فِيمَا مَرَّ، وَتُسَنُّ سُورَةٌ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَالذِّكْرُ بَعْدَهَا) أَيْ عَقِبَهَا فَيَفُوتُ بِطُولِ الْفَصْلِ عُرْفًا وَبِالرَّاتِبَةِ إلَّا الْمَغْرِبَ لِرَفْعِهَا مَعَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَلَا يَفُوتُ ذِكْرٌ بِذِكْرٍ آخَرَ.
وَقَالَ شَيْخُنَا إنَّ مَا وَرَدَ بِهِ أَمْرٌ مَخْصُوصٌ يَفُوتُ بِمُخَالَفَتِهِ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَالْإِخْلَاصِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، قَبْلَ أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَهُ وَيَفُوتُ بِانْثِنَاءِ رِجْلِهِ وَلَوْ بِجَعْلِ يَمِينِهِ لِلْقَوْمِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا يَفُوتُ الذِّكْرُ بِطُولِ الْفَصْلِ وَلَا بِالرَّاتِبَةِ، وَإِنَّمَا الْفَائِتُ كَمَالُهُ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ طُولٌ عُرْفًا بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ الْحَمْدُ) وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ يُحْيِي وَيُمِيتُ.
قَوْلُهُ: (لَا مَانِعَ إلَخْ) تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي رُكْنِ الِاعْتِدَالِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ سَبَّحَ إلَخْ) أَيْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُرَتِّبَهَا كَمَا ذُكِرَ أَوَّلًا وَلَا بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِعَدَدِ كُلِّ نَوْعٍ وَحْدَهُ أَوْ لَا، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ لَا تَضُرُّ خِلَافًا لِلصُّوفِيَّةِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: الذِّكْرُ كَأَسْنَانِ الْمِفْتَاحِ إذَا دَارَ لَمْ يَفْتَحْ، وَيُنْدَبُ أَنْ يُقَدِّمَ الْقُرْآنَ إنْ طُلِبَ كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ، ثُمَّ الِاسْتِغْفَارَ ثَلَاثًا، ثُمَّ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ إلَخْ.
ثُمَّ التَّسْبِيحَ وَمَا مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ) أَيْ مِنْ الْخَمْسِ قَالَ شَيْخُنَا: وَلَوْ أَصَالَةً فَتَدْخُلُ الْمُعَادَةُ، وَفِيهِ نَظَرٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُعَادَةِ، وُجُوبًا وَظَاهِرُ التَّعْبِيرِ، بِكُلِّ فَوَاتُ الثَّوَابِ الْمَذْكُورِ بِتَرْكِ ذَلِكَ الذِّكْرِ أَوْ بَعْضِهِ، وَلَوْ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ سَهْوًا وَتَوَافُقُهُ عَلَى مُدَاوَمَةِ، ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ عُمْرِهِ وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (غُفِرَتْ خَطَايَاهُ) هُوَ بِظَاهِرِهِ يَشْمَلُ الْكَبَائِرَ.
وَخَصَّصَهُ غَالِبُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ بِالصَّغَائِرِ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يُقَلِّلُ مِنْ الْكَبَائِرِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ صَغَائِرُ حَتَّى يَمْحُوَهَا.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ) أَيْ بِمَا شَاءَ دِينًا وَدُنْيَا، وَيُكْرَهُ لِإِمَامِ غَيْرِ مَحْصُورِينَ تَطْوِيلُهُ إنْ انْتَظَرُوهُ، وَمِثْلُهُ الذِّكْرُ الْمُتَقَدِّمُ وَيُسَنُّ الْإِسْرَارُ بِهِمَا إلَّا لِنَحْوِ مُعَلِّمٍ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ مِنْ مَوْضِعِ فَرْضِهِ) وَكَذَا عَكْسُهُ، وَكَذَا مِنْ مَحَلِّ فَرْضٍ لِفَرْضٍ
[حاشية عميرة]
وَأَقَرَّهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْقُعُودِ عَلَى يَدَيْهِ) أَيْ نَحْوُ قُعُودِ التَّشَهُّدِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ دَلِيلَ أَصْلِهِ إلَى آخِرِهِ) لَك أَنْ تَقُولَ دَلِيلُ أَصْلِهِ الْمَذْكُورُ نَافٍ لِلْقِرَاءَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ وَقَضِيَّةُ اعْتِبَارِهِ رَفْعُ هَذَا الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ وَأَيْضًا فَتَطْوِيلُ الثَّالِثَةِ عَلَى الرَّابِعَةِ فَرْعٌ عَنْ ثُبُوتِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا وَهُوَ فَرْعٌ عَنْ اعْتِبَارِ الدَّلِيلِ وَهُوَ مَانِعٌ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَوَّلِ فَلَا يَكُونُ عَاضِدًا لِلْقِيَاسِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالذِّكْرُ بَعْدَهَا) قَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إذَا انْصَرَفَ مِنْ الصَّلَاةِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ بَعْدَ سَوْقِ الْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ ذَلِكَ بِالِاسْتِغْفَارِ الْمُتَقَدِّمِ كَمَا قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ.
قَوْلُهُ: (الدُّعَاءُ أَيْضًا) مِنْ الْوَارِدِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك الْحَدِيثَ وَمِنْهُ مَا سَلَفَ اسْتِحْبَابُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَمِنْهُ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِك أَنْ أَرُدَّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ فِتْنَةِ
لِمَوَاضِعِ السُّجُودِ فَإِنَّهَا تَشْهَدُ لَهُ.
قَالَ الْبَغَوِيّ (وَأَفْضَلُهُ إلَى بَيْتِهِ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» .
(وَإِذَا صَلَّى وَرَاءَهُمْ نِسَاءٌ مَكَثُوا حَتَّى يَنْصَرِفْنَ) لِلْإِتْبَاعِ فِي مُكْثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالرِّجَالِ مَعَهُ لِذَلِكَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَأَنْ يَنْصَرِفَ فِي جِهَةِ حَاجَتِهِ) أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ (وَإِلَّا فَيَمِينُهُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ فَيَنْصَرِفُ فِي جِهَةِ يَمِينِهِ لِأَنَّهَا مَحْبُوبَةٌ.
(وَتَنْقَضِي الْقُدْوَةُ بِسَلَامِ الْإِمَامِ) التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى (فَلِلْمَأْمُومِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِدُعَاءٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ يُسَلِّمَ) وَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ فِي الْحَالِ.
(وَلَوْ اقْتَصَرَ إمَامُهُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ سَلَّمَ) هُوَ (ثِنْتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) إحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الثَّانِيَةِ.
[حاشية قليوبي]
آخَرَ، وَمِنْ نَفْلٍ لِنَفْلٍ آخَرَ، وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ لِأَجْلِ مَا بَعْدَهُ لَا لِإِخْرَاجِ غَيْرِهِ، وَلَوْ قَالَ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَحَلِّ صَلَاةٍ لِأُخْرَى لَشَمَلَ الْجَمِيعَ، وَيُنْدَبُ الِانْتِقَالُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِفِعْلٍ خَفِيفٍ لِمَنْ لَمْ يَنْتَقِلْ قَبْلَهُ: خِلَافًا لِلْخَطِيبِ، وَيُسَنُّ لِمَنْ لَمْ يَنْتَقِلْ الْفَصْلُ بِكَلَامِ إنْسَانٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَلَا يَسُنُّ لِكُلِّ رَكْعَةٍ مَثَلًا بِغَيْرِ إحْرَامٍ.
قَوْلُهُ: (وَأَفْضَلُهُ إلَى بَيْتِهِ) أَيْ وَفِعْلُ النَّفْلِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَوْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَلِمَنْ بَيْتُهُ خَارِجَ الْحَرَمِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صُوَرٌ كَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَالْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتٍ بِهِ مَسْجِدٌ، وَالِاسْتِخَارَةِ وَالضُّحَى وَإِنْشَاءِ سَفَرٍ وَقُدُومٍ مِنْهُ، وَمَا شَرَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ وَسُنَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، دَخَلَ وَقْتُهَا وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ خَوْفِ فَوْتِ وَقْتٍ أَوْ تَبْكِيرٍ فِي جُمُعَةٍ، أَوْ تَعَلُّمٍ أَوْ تَعْلِيمٍ أَوْ خَوْفِ تَكَاسُلٍ، أَوْ فِي اعْتِكَافٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَكَثُوا) أَيْ الرِّجَالُ وَلَوْ احْتِمَالًا فَيَشْمَلُ الْخَنَاثَى، وَيَنْصَرِفُ الْخَنَاثَى فُرَادَى قَبْلَ الرِّجَالِ وَبَعْدَ النِّسَاءِ، وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ فِي الْمُهِمَّاتِ وَالْقِيَاسُ اسْتِحْبَابُ انْصِرَافِهِمْ فُرَادَى، إمَّا قَبْلَ النِّسَاءِ أَوْ بَعْدَهُنَّ لَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِكَوْنِهِمْ فُرَادَى وَهُوَ مَطْلُوبٌ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْ.
وَيُسَنُّ لِلنِّسَاءِ الْمُشَاوَرَةُ فِي الِانْصِرَافِ وَيُنْدَبُ انْصِرَافُ الْمُرْدِ كَالْخَنَاثَى بَعْدَهُمْ.
قَوْلُهُ: (فَيَمِينِهِ) هُوَ مَجْرُورٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ، وَالْمُرَادُ بِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَحَلِّ الصَّلَاةِ، كَبَابِ الْمَسْجِدِ مَثَلًا، وَقِيلَ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ مَكَانِ مُصَلَّاهُ.
نَعَمْ إنْ كَانَ جِهَةُ يَمِينِهِ طَرِيقَهُ الَّتِي جَاءَ مِنْهَا انْصَرَفَ جِهَةَ يَسَارِهِ تَقْدِيمًا لِمُخَالَفَةِ الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ: (وَتَنْقَضِي الْقُدْوَةُ بِسَلَامِ الْإِمَامِ) أَيْ بِفَرَاغِهِ مِنْ الْمِيمِ مِنْ عَلَيْكُمْ فِي التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى.
وَلَا تَضُرُّ مُقَارَنَةُ الْمَأْمُومِ لَهُ فِيهَا، لِأَنَّ الْقُدْوَةَ تَخْتَلُّ بِشُرُوعِهِ فِيهَا، وَلِذَلِكَ لَوْ أَحْرَمَ شَخْصٌ خَلْفَ الْإِمَامِ حِينَئِذٍ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَأَتْبَاعِهِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَالْخَطِيبِ كَمَا سَيَأْتِي وَلَوْ سَلَّمَ الْمَأْمُومُ قَبْلَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى مُفَارَقَتَهُ وَيُنْدَبُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ لَا يَشْرَعَ فِي التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى، حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَيُنْدَبُ لِلْإِمَامِ بَعْدَ فَرَاغِهِ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ الْقِبْلَةِ، بِحَيْثُ يَعْلَمُ الدَّاخِلُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا مُرَادُ مَنْ عَبَّرَ بِالْقِيَامِ، وَيُنْدَبُ جَعْلُ يَمِينِهِ لِلْقَوْمِ وَلَوْ حَالَ دُعَائِهِ إلَّا فِي مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ فِي مُقَابَلَةِ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ فَيَجْعَلُ يَسَارَهُ إلَيْهِمْ لِئَلَّا يَسْتَدْبِرَ الْقَبْرَ الشَّرِيفَ، وَيُنْدَبُ لِمَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي ذَلِكَ، أَنْ يَجْعَلَ رَأْسَهُ لِجِهَةِ الْقَبْرِ أَيْضًا، وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ مَا زِيدَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَمَامِ الْحُجْرَةِ، وَخَلْفِهَا فَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ، وَنَظَرَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً لِلْأَدَبِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَلِلْمَأْمُومِ) أَيْ الَّذِي فَرَغَتْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ جُلُوسُهُ مَعَ الْإِمَامِ فِي مَحَلِّ جُلُوسِهِ، لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَلَهُ التَّطْوِيلُ، وَإِنْ كُرِهَ إلَّا فَلْيَقُمْ فَوْرًا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ تَسْلِيمَتَيْهِ، فَإِنْ مَكَثَ بَعْدَهُمَا زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَوْ بِقَدْرِ أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ الْوَاجِبِ كَمَا مَرَّ.
بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حاشية عميرة]
الدُّنْيَا وَأَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْرَارُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ إلَّا عِنْدَ إرَادَةِ التَّعَلُّمِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ فَلْيَفْصِلْ بِكَلَامِ إنْسَانٍ فَفِي مُسْلِمٍ النَّهْيُ عَنْ وَصْلِ صَلَاةٍ بِصَلَاةٍ إلَّا بَعْدَ كَلَامٍ أَوْ خُرُوجٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا تَشْهَدُ لَهُ) قَدْ وَرَدَ فِي تَفْسِيرٍ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان: 29] إنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ مُصَلَّاهُ مِنْ الْأَرْضِ وَمِصْعَدُ عَمَلِهِ مِنْ السَّمَاءِ ثُمَّ هَذِهِ الْعِلَّةُ تَقْتَضِي أَنْ يَنْتَقِلَ لِلْفَرْضِ مِنْ مَوْضِعِ نَفْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ يَفْتَتِحُهَا مِنْ أَفْرَادِ النَّوَافِلِ كَالضُّحَى وَالتَّرَاوِيحِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِلَّا فَيَمِينُهُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ قَدْ أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَالْعِيَادَةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ أَنْ يَذْهَبَ فِي طَرِيقٍ وَأَنْ يَرْجِعَ فِي غَيْرِهَا وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يُخَالِفُ مَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (التَّسْلِيمَةُ الْأُولَى) لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ لَا يُسَلِّمَ الْأُولَى حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَلِلْمَأْمُومِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إنْ سَهَا.
بَابٌ بِالتَّنْوِينِ (شُرُوطُ الصَّلَاةِ) وَهِيَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا صِحَّةُ الصَّلَاةِ وَلَيْسَتْ مِنْهَا (خَمْسَةٌ) أَوَّلُهَا (مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ) يَقِينًا أَوْ ظَنًّا كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، أَيْ الْعِلْمُ بِدُخُولِهِ أَوْ ظَنُّهُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، فَمَنْ صَلَّى بِدُونِ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْوَقْتِ (وَ) ثَانِيهَا (الِاسْتِقْبَالُ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي فَصْلِهِ
(وَ) ثَالِثُهَا (سَتْرُ الْعَوْرَةِ) صَلَّى فِي الْخَلْوَةِ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنْ تَرَكَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ (وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا (مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ) لِحَدِيثِ الْبَيْهَقِيّ، وَإِذَا
[حاشية قليوبي]
بَابٌ بِالتَّنْوِينِ لِقَطْعِهِ عَمَّا بَعْدَهُ وَيَجُوزُ تَرْكُهُ عَلَى نِيَّةِ الْإِضَافَةِ لِلْجُمْلَةِ بَعْدَهُ، وَعَلَى كُلٍّ هُوَ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أَوْ عَكْسُهُ، وَالْمَذْكُورُ فِيهِ شُرُوطُ الصَّلَاةِ وَمَوَانِعُهَا وَآخِرُهُ عَمَّا قَبْلَهُ، مَعَ أَنَّ الشُّرُوطَ تَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَشْرُوطِ أَمَّا لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهَا مُقَارَنَتُهَا لَهُ، أَوْ لِضَمِّهِ الْمَوَانِعَ إلَيْهَا، وَهِيَ لَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيمُهَا.
قَوْلُهُ: (شُرُوطُ الصَّلَاةِ) هِيَ جَمْعُ شَرْطٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، وَيُجْمَعُ الْمَفْتُوحُ أَيْضًا عَلَى شَرَائِطَ وَأَشْرَاطٍ، وَيُقَالُ لَهُ شَرِيطَةٌ وَالشَّرْطُ لُغَةً: الْعَلَامَةُ، وَشَرْعًا: مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمَ لِذَاتِهِ، وَالْوَجْهُ أَنْ يُرَادَ بِالْعَدَمِ فِي أَوَّلِهِ مَا يَعُمُّ عَدَمَ الصِّحَّةِ، كَالْقَادِرِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَعَمْدُ الْإِجْزَاءِ، كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَخَرَجَ بِهِ السَّبَبُ، فَإِنَّهُ مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ، وَخَرَجَ بِآخِرِهِ الْمَانِعُ فَإِنَّهُ مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ، وَإِخْرَاجُهُ بِهَذَا أَنْسَبُ مِنْ إخْرَاجِهِ بِأَوَّلِهِ، وَقَيْدٌ لِذَاتِهِ.
زَادَهُ ابْنُ السُّبْكِيّ، لَيَدْخُلَ الشَّرْطُ الْمُقَارِنُ لِلسَّبَبِ أَوْ الْمَانِعُ، فَإِنَّ لُزُومَ الْوُجُودِ لِلْأَوَّلِ وَالْعَدَمَ لِلثَّانِي لِمُقَارَنَةِ مَا ذُكِرَ، لَا لِذَاتِ الشَّرْطِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَذِكْرُهُ إيضَاحٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا يَلْزَمُ مِنْ كَذَا كَذَا، يُفِيدُ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ، وَصُدُورُهُ عَنْهُ وَخَصَّ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ ذَلِكَ الْقَيْدَ، بِشَطْرِ التَّعْرِيفِ الثَّانِي، وَالْوَجْهُ رُجُوعُهُ لِأَوَّلِهِ أَيْضًا لِيَدْخُلَ، فَقْدُ الشَّرْطِ الْمُقَارِنِ لِمُوجِبٍ، كَصَلَاةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، فَإِنَّ صِحَّتَهُمَا لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ لَا لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا فَتَأَمَّلْ.
وَعَدُّ الْمَوَانِعِ مِنْ الشُّرُوطِ مَجَازٌ أَوْ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ، وَهُوَ مَا مَالَ إلَيْهِ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ أَوْلَى لِصِدْقِ تَعْرِيفِ الشَّرْطِ السَّابِقِ، عَلَيْهِ، لِأَنَّ عَدَمَ الْعَدَمِ وُجُودٌ وَقَوْلُهُمْ مَفْهُومُ الشَّرْطِ وُجُودِيٌّ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَمَا وُجِّهَ بِهِ الْأَوَّلُ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِ الْمَوَانِعِ شُرُوطًا، بُطْلَانُ الصَّلَاةِ بِالْكَلَامِ الْقَلِيلِ نَاسِيًا لِأَنَّ الشُّرُوطَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا النِّسْيَانُ، مَرْدُودٌ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا دَخَلَ فِي الشَّرْطِ، كَمَا لَمْ يَدْخُلْ النَّجِسُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ فِي طَهَارَةِ الْخَبَثِ فَتَأَمَّلَ.
قَوْلُهُ: (خَمْسَةٌ) أَيْ بِعَدَمِ عَدِّ الْمَوَانِعِ شُرُوطًا وَإِلَّا فَهِيَ تِسْعَةٌ، كَمَا عَدَّهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ كَذَلِكَ وَلَمْ يَعُدُّوا الْإِسْلَامَ، وَالتَّمْيِيزَ اكْتِفَاءً عَنْهُمَا بِطُهْرِ الْحَدَثِ، وَلَا يَرِدُ بَقَاءُ طَهَارَةِ الْمُرْتَدِّ، لِأَنَّهُ قَطْعٌ فِي الدَّوَامِ وَلَا طَهَارَةُ نَحْوِ الْوَلِيِّ لِغَيْرِ الْمُمَيِّزِ كَالصَّبِيِّ لِطَوَافِهِ لِوُجُودِ الشَّرْطَيْنِ فِي النِّيَّةِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ مِنْ غَيْرِ الْفَاعِلِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا نِيَّةُ الْكَافِرِ فِي نَحْوِ الْكَفَّارَةِ، وَنِيَّةُ الْكَافِرَةِ فِي الطُّهْرِ مِنْ نَحْوِ الْحَيْضِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي نِيَّةِ التَّقَرُّبِ، لَا نِيَّةِ التَّمْيِيزِ، وَلَمْ يَعُدُّوا الْعِلْمَ بِالْكَيْفِيَّةِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ مُطْلَقًا، فَإِنَّ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَأَقْوَالِهَا فَرْضٌ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مُطْلَقًا، أَوْ أَنَّ جَمِيعَهَا نَفْلٌ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ مُطْلَقًا، أَوْ أَنَّ بَعْضَهَا فَرْضٌ وَبَعْضَهَا نَفْلٌ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، إنْ لَمْ يَقْصِدْ بِفَرْضٍ نَفْلًا، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْعَامِّيُّ وَالْمُتَفَقِّهُ، وَخَصَّهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِالْعَامِّيِّ لِيَخْرُجَ الْمُتَفَقِّهُ، وَهُوَ مَنْ عَرَفَ مِنْ الْعِلْمِ طَرَفًا يَهْتَدِي بِهِ إلَى بَاقِيه، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْفَرْضِ مِنْ السُّنَّةِ حَقِيقَةً، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْعِلْمُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْرِفَةِ مَا يَعُمُّ الْعِلْمَ وَالظَّنَّ، وَأَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُضَافًا مَحْذُوفًا هُوَ الْمَقْصُودُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَصِحَّ) وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْوَقْتِ، وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ مَا لَهُ نِيَّةٌ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى الْجَزْمِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، كَالْأَذَانِ وَفِطْرِ رَمَضَانَ.
قَوْلُهُ: (وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ) وَهِيَ لُغَةً النَّقْصُ وَالْمُسْتَقْبَحُ عَنْ الْأَعْيُنِ، وَلَوْ مِنْ الْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَرَكَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ)
[حاشية عميرة]
[بَاب شُرُوطُ الصَّلَاةِ]
ِ إلَخْ قَوْلُ الْمَتْنِ: (شُرُوطُ الصَّلَاةِ) الشَّرْطُ فِي اللُّغَةِ الْإِلْزَامُ كَمَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ لَا الْعَلَامَةُ كَمَا فِي الْإِسْنَوِيِّ وَالشَّرَطُ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْعَلَامَةُ وَجَمْعُهُ أَشْرَاطٌ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْعِلْمُ بِدُخُولِهِ إلَخْ) أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ مَا تَصْدُقُ بِهِ الْعِبَارَةُ الْأُولَى مِنْ تَصَوُّرِ حَقِيقَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ) هِيَ فِي اللُّغَةِ النُّقْصَانُ وَالْمُسْتَقْبَحُ وَسُمِّيَ بِهَا الْمِقْدَارُ الْآتِي لِقُبْحِ ظُهُورِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ)
زَوَّجَ أَحَدُكُمْ أَمَتَهُ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلَا تَنْظُرُ إلَى عَوْرَتِهِ، وَالْعَوْرَةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، (وَكَذَا الْأَمَةُ) عَوْرَتُهَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ (فِي الْأَصَحِّ) إلْحَاقًا لَهَا بِالرَّجُلِ، وَالثَّانِي عَوْرَتُهَا كَالْحُرَّةِ إلَّا رَأْسَهَا، أَيْ عَوْرَتُهَا مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ وَالرَّأْسَ، وَالثَّالِثُ عَوْرَتُهَا مَا لَا يَبْدُو مِنْهَا فِي حَالِ خِدْمَتِهَا، بِخِلَافِ مَا يَبْدُو كَالرَّأْسِ وَالرَّقَبَةِ وَالسَّاعِدِ وَطَرَفِ السَّاقِ، وَسَوَاءٌ الْقِنَّةُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمُكَاتِبَةُ وَالْمُسْتَوْلَدَةُ وَكَذَا الْمُبَعَّضَةُ
(وَ) عَوْرَةُ (الْحُرَّةِ مَا سِوَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) ظَهْرِهِمَا وَبَطْنِهِمَا إلَى الْكُوعَيْنِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] وَهُوَ مُفَسَّرٌ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ (وَشَرْطُهُ) أَيْ السَّاتِرُ
[حاشية قليوبي]
بِخِلَافِ الْعَاجِزِ عَنْهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُ جَمِيعِ أَرْكَانِ صَلَاتِهِ، كَرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَمِنْهُ احْتِيَاجُهُ لِفَرْشِ سُتْرَتِهِ عَلَى نَجَسٍ مَحْبُوسٍ عَلَيْهِ، أَوْ تَنَجُّسُهَا مَعَ عَجْزِهِ عَنْ مَاءٍ يَغْسِلُهَا بِهِ، أَوْ مَنْ يَغْسِلُهَا لَهُ، أَوْ عَنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَيَجِبُ قَطْعُ ثَوْبِهِ إنْ لَمْ يَنْقُصْ بِقَطْعِهِ قَدْرًا زَائِدًا عَنْ أُجْرَةِ ثَوْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، وَلَا نَظَرَ لِثَمَنِ مَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَا يُبَاعُ فِيهَا مَسْكَنٌ وَلَا خَادِمٌ.
قَوْلُهُ: (وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ) أَيْ الذَّكَرِ، يَقِينًا وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ يَطُوفُ الْوَلِيُّ بِهِ.
قَوْلُهُ: (مَا بَيْنَ.
. . إلَخْ) شَمِلَ الْبَشَرَةَ وَالشَّعْرَ وَإِنْ خَرَجَ بِالْمَدِّ عَنْ الْعَوْرَةِ، وَقِيلَ عَوْرَةُ الرَّجُلِ سَوْأَتَاهُ فَقَطْ، وَخَرَجَ السُّرَّةُ وَالرُّكْبَةُ فَلَيْسَتَا مِنْ الْعَوْرَةِ، لَكِنْ يَجِبُ سَتْرُ الْجُزْءِ الْمُلَاصِقِ مِنْهُمَا لَهَا، لِتَمَامِ سَتْرِهَا الْوَاجِبِ، وَكَذَا عَوْرَتُهُ مَعَ النِّسَاءِ الْمَحَارِمِ أَوْ مَعَ الرِّجَالِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا مَعَ النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ فَجَمِيعُ بَدَنِهِ، وَأَمَّا فِي الْخَلْوَةِ فَسَوْأَتَاهُ.
(فَائِدَةٌ) السُّرَّةُ مَحَلُّ الْقَطْعِ وَالسِّرُّ مُثَلَّثُ الْأَوَّلِ هُوَ مَا يُقْطَعُ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (عَوْرَتُهَا) أَيْ الْأَمَةُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَذَا مَعَ الرِّجَالِ الْمَحَارِمِ، أَوْ النِّسَاءِ وَأَمَّا مَعَ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ، فَجَمِيعُ بَدَنِهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ، وَفِي الْخَلْوَةِ كَالرَّجُلِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: كَالْحُرَّةِ وَسَيَأْتِي وَلَوْ عَتَقَتْ فِي صَلَاتِهَا مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ مَثَلًا، لَمْ تَبْطُلْ إنْ كَانَتْ عَاجِزَةً عَنْ سُتْرَتِهَا أَوْ سَتَرَتْهَا فَوْرًا بِلَا فِعْلٍ كَثِيرٍ، وَبِلَا اسْتِدْبَارِ قِبْلَةٍ وَإِلَّا بَطَلَتْ وَإِنْ جَهِلَتْ الْعِتْقَ، وَلَوْ قَالَ لَهَا سَيِّدُهَا إنْ صَلَّيْت صَلَاةً صَحِيحَةً فَأَنْت حُرَّةٌ، قَبْلَهَا فَصَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، صَحَّتْ صَلَاتُهَا مُطْلَقًا، وَعَتَقَتْ إنْ عَجَزَتْ عَنْ السِّتْرِ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْمُبَعَّضَةُ) فَصَّلَهَا لِأَنَّ فِيهَا وَجْهًا أَنَّهَا كَالْحُرَّةِ مُطْلَقًا، كَمَا فِي الْإِسْنَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَعَوْرَةُ الْحُرَّةِ) أَيْ فِي الصَّلَاةِ وَقِيلَ لَيْسَ بَاطِنُ قَدَمَيْهَا مِنْ الْعَوْرَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ النِّسَاءِ الْكَافِرَاتِ، فَمَا لَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ وَأَمَّا عِنْدَ النِّسَاءِ الْمُسْلِمَاتِ وَالرِّجَالِ الْمَحَارِمِ فَكَالرَّجُلِ وَأَمَّا عِنْدَ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ فَجَمِيعُ الْبَدَنِ، وَأَمَّا فِي الْخَلْوَةِ فَكَالْمَحَارِمِ وَقِيلَ كَالرَّجُلِ.
(تَنْبِيهٌ) عَوْرَةُ الْخُنْثَى الرَّقِيقِ لَا تَخْتَلِفُ، وَالْخُنْثَى الْحُرُّ كَالْأُنْثَى الْحُرَّةِ، ابْتِدَاءً وَكَذَا دَوَامًا، عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَخَالَفَهُ الْخَطِيبُ، وَشَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ، وَاعْتَمَدُوا أَنَّهُ لَوْ انْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْهُ، مِنْ غَيْرِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ بَعْدَ إحْرَامِهِ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لِلشَّكِّ بَعْدَ تَحَقُّقِ الِانْعِقَادِ، كَمَا فِي الْجُمُعَةِ لَوْ كَانَ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ، ثُمَّ بَطَلَتْ صَلَاةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَفَرَّقَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، بِأَنَّ الشَّكَّ هُنَا فِي شَرْطٍ رَاجِعٌ لِذَاتِهِ، وَذَاكَ فِي شَرْطٍ رَاجِعٌ لِغَيْرِهِ، لَا يُجْدِي نَفْعًا لِمَنْ تَأَمَّلَهُ فَرَاجِعْهُ.
(فَرْعٌ) يَجُوزُ التَّكَشُّفُ فِي الْخَلْوَةِ لِأَدْنَى غَرَضٍ كَتَبَرُّدٍ وَكَنْسِ تُرَابٍ وَتَنَظُّفٍ وَخَوْفِ غُبَارٍ سَوَاءً الْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ وَلَا يَجِبُ سِتْرُ عَوْرَةِ الشَّخْصِ عَنْ نَفْسِهِ مُطْلَقًا، إلَّا فِي الصَّلَاةِ لِأَجْلِهَا.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْقَفَّالُ: لَمَّا كَانَ لِلتَّمَثُّلِ بَيْنَ يَدَيْ كَبِيرٍ مِنْ الْعِبَادِ، يُتَجَمَّلُ بِطَهَارَةِ الثِّيَابِ وَالْبَدَنِ، فَبَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعِبَادِ أَوْلَى
[حاشية عميرة]
الْمُرَادُ بِهِ مُقَابِلُ الْمَرْأَةِ فَيَدْخُلُ الصَّبِيُّ وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَى عَوْرَةِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لَكِنْ فَائِدَةُ ذَلِكَ إذَا أَحْرَمَ الْوَلِيُّ عَنْهُ فَيَجِبُ السَّتْرُ فِي الطَّوَافِ.
(فَائِدَةٌ) السُّرَّةُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُقْطَعُ مِنْهُ السِّرُّ وَهُوَ الَّذِي تَقْطَعُهُ الْقَابِلَةُ وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ سِرٌّ عَلَى وَزْنِ فِعْلٍ وَسِرَرٌ بِكَسْرِ السِّينِ وَسَرَرٌ بِفَتْحِهَا يُقَالُ عَرَفْتُك قَبْلَ أَنْ يُقْطَعَ سِرُّك وَلَا يُقَالُ سُرَّتُك لِأَنَّهَا لَا تُقْطَعُ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (إلْحَاقًا لَهَا بِالرَّجُلِ) بِجَامِعِ أَنَّ رَأْسَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ نَعَمْ يَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ لَنَا وَجْهًا بِأَنَّ عَوْرَةَ الرَّجُلِ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ خَاصَّةً وَهَذَا لَا يَجْرِي فِي الْأَمَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي حَالِ خِدْمَتِهَا) أَيْ قِيَاسًا عَلَى الْحُرَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُفَسَّرٌ إلَى آخِرِهِ) وَلِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا مِنْ الْعَوْرَةِ مَا وَجَبَ كَشْفُهُمَا فِي الْإِحْرَامِ.
(فَائِدَةٌ) صَوْتُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا يَحْرُمُ سَمَاعُهُ وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ لَوْ جَهَرَتْ وَالْخُنْثَى كَالْأُنْثَى رِقًّا
(مَا مَنَعَ إدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ وَلَوْ) هُوَ (طِينٌ وَمَاءٌ كَدِرٌ) كَأَنْ صَلَّى فِيهِ عَلَى جِنَازَةٍ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي السِّتْرِ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاتِرًا (وَالْأَصَحُّ) عَلَى الْأَوَّلِ (وُجُوبُ التَّطَيُّنِ عَلَى فَاقِدِ الثَّوْبِ) وَنَحْوِهِ، وَالثَّانِي لَا يَجِبُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالتَّلْوِيثِ، وَلَا يَكْفِي مَا يُدْرَكُ مِنْهُ لَوْنُ الْبَشَرَةِ كَالثَّوْبِ الرَّقِيقِ وَالْغَلِيظِ الْمُهَلْهَلِ النَّسْجِ وَالْمَاءِ الصَّافِي لِلْعَوْرَةِ (لَا أَسْفَلَهُ) لَهَا فَسَتْرٌ مُضَافٌ إلَى فَاعِلِهِ.
(فَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (مِنْ جَيْبِهِ) أَيْ طَوْقِ قَمِيصِهِ لَسِعَتِهِ (فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكْفِ) السِّتْرُ بِهَا الْقَمِيصَ (فَلْيَزُرَّهُ أَوْ يَشُدَّ وَسَطَهُ) بِضَمِّ الزَّاي وَفَتْحِ الدَّالِ وَالسِّينِ فِي الْأَحْسَنِ حَتَّى لَا تُرَى عَوْرَتُهُ مِنْهُ وَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ ذَيْلِهِ بِأَنْ كَانَ فِي عُلُوٍّ وَالرَّائِي فِي سُفْلٍ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَمَعْنَى رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ فِي الْقِسْمَيْنِ كَانَتْ بِحَيْثُ تُرَى وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَأَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ هَلْ تَنْعَقِدُ ثُمَّ تَبْطُلُ عِنْدَ الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِهِ
[حاشية قليوبي]
وَأَحْرَى.
قَوْلُهُ: (مَا مَنَعَ) أَيْ جُرْمٌ مَنَعَ كَمَا سَيَأْتِي، وَجَعْلُ مَا مَصْدَرِيَّةً، لِأَجْلِ صِحَّةِ الْحَمْلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، لِئَلَّا يَرِدَ عَلَيْهِ نَحْوَ الظُّلْمَةِ، وَدَخَلَ فِي الْجُرْمِ الْحَرِيرُ لِلرَّجُلِ، وَإِنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ، بِأَنْ وَجَدَ غَيْرَهُ وَلَوْ طِينًا وَحَشِيشًا، وَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعُ مَا زَادَ عَلَى الْعَوْرَةِ مِنْهُ، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ النَّجِسُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَيُقَدَّمُ غَيْرُ الْحَرِيرِ فِيهَا، وَلَوْ نَحْوُ طِينٍ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ.
وَيُقَدَّمُ الْحَرِيرُ عَلَى الْمَغْصُوبِ، وَمِنْ الْجُرْمِ خَيْمَةٌ خَرَقَهَا فِي عُنُقِهِ، وَجَبَ ضِيقُ الرَّأْسِ وَحُفْرَةٌ كَذَلِكَ، وَكَذَا أَرْضٌ لِمُضْطَجِعٍ، أُسْبِلَ فَوْقَهُ ثَوْبٌ، قَالَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا، وَنُوزِعَ فِيهِ لَكِنْ يَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِهَا قَطْعًا فِي بَاطِنِ قَدَمَيْ الْمَرْأَةِ الْوَاقِفَةِ، وَيَكْفِي إرْخَاءُ ذَيْلِهَا عَلَى الْأَرْضِ، فَإِنْ تَقَلَّصَ حَالَةَ رُكُوعِهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهَا، وَيَجِبُ قَبُولُ عَارِيَّةِ السُّتْرَةِ وَاسْتِئْجَارُهَا، وَسُؤَالُهَا إنْ جَوَّزَ الْإِعْطَاءَ، وَلَوْ بِأُجْرَةٍ قَدَرَ عَلَيْهَا، وَلَا يَجِبُ قَبُولُ هِبَتِهَا وَلَا قَرْضِهَا، وَلَوْ مِنْ نَحْوِ طِينٍ فِيهِمَا وَلَا ثَمَنِهَا مُطْلَقًا، وَيَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَلَا يَصِحُّ لَوْ وَقَعَ وَلَا صَلَاتِهِ عَارِيًّا، وَيَحْرُمُ غَصْبُهَا مِنْ مَالِكِهَا إلَّا لِنَحْوِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ مُضِرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ هُوَ طِينٌ) فَطِينٌ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٍ لِ (كَانَ) فَلَا اعْتِرَاضَ، بِأَنَّ لَوْ تَخْتَصُّ بِالْأَفْعَالِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ نَصْبُ طِينًا خَبَرًا لَكَانَ.
قَوْلُهُ: (عَلَى جِنَازَةٍ) أَيْ أَوْ غَيْرِهَا وَأَمْكَنَهُ إتْمَامُ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ فِي الْمَاءِ، بِلَا مَشَقَّةٍ.
قَالَ الْخَطِيبُ وَابْنُ حَجَرٍ، وَلَهُ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ عَلَى الْبَرِّ عَارِيًّا بِلَا إعَادَةٍ فَإِنْ كَانَ مَشَقَّةً فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا بِالْأُولَى، وَيُخَيَّرُ فِي هَذِهِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ بَيْنَ مَا ذُكِرَ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَاءِ بِالْإِيمَاءِ، أَوْ بِالْخُرُوجِ لِيَسْجُدَ عَلَى الْبَرِّ وَيَعُودَ إلَى الْمَاءِ وَلَا إعَادَةَ فِيهِمَا أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى فَاقِدِ الثَّوْبِ) أَيْ فَاقِدِ السُّتْرَةِ وَلَوْ بِغَيْرِ الثَّوْبِ، وَهِيَ الْمُرَادُ بِهِ وَيَظْهَرُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي مَحِلِّ فَقْدِهَا مَا قِيلَ فِي فَقْدِ الْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَكْفِي إلَخْ) لَكِنْ يَجِبُ السِّتْرُ بِالثَّوْبِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ، وَلَوْ مِنْ الطِّينِ وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِدُونِهِ مَعَ وُجُودِهِ، لِأَنَّهُ الْمَيْسُورُ، وَخَرَجَ بِلَوْنِ الْبَشَرَةِ مَا يَحْكِي حَجْمَهَا كَالسَّرَاوِيلِ، فَلَا يَضُرُّ بَلْ يَجِبُ السَّتْرُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا وَحْدَهُ فِي الْمَرْأَةِ، وَخِلَافُ الْأُولَى فِي الرَّجُلِ وَالْبَشَرَةُ ظَاهِرُ الْجِلْدَةِ، وَيُقَالُ لِبَاطِنِهِ أَدَمَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَاءُ الصَّافِي وَالزُّجَاجُ) لَا يَكْفِي.
وَكَذَا لَوْنُ الْحِبْرِ وَالْحِنَّاءِ وَنَحْوِهِمَا.
قَوْلُهُ: (فَسَتْرُ) مُضَافٌ إلَى فَاعِلِهِ، فَالْمَعْنَى يَجِبُ أَنْ يَسْتُرَ أَعْلَى السَّاتِرِ وَجَوَانِبِهِ وَالْعَوْرَةَ، وَيَجُوزُ كَوْنُهُ مُضَافًا إلَى مَفْعُولِهِ أَيْ يَجِبُ أَنْ يَسْتُرَ الْمُصَلِّي أَعْلَاهُ، وَجَوَانِبَهُ أَيْ أَعْلَى عَوْرَتِهِ وَجَوَانِبِهَا، وَهَذَا وَإِنْ احْتَاجَ إلَى مُضَافٍ أَوْلَى مِمَّا قَبْلَهُ، لِمَا لَا يَخْفَى وَيَجِبُ سَتْرُهَا حَتَّى عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرَهَا هُوَ كَالْأَعْمَى أَوْ لَمْ يَرَهَا غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ جَيْبِهِ) وَكَذَا مِنْ كُمِّهِ الْوَاسِعِ، فَيَجِبُ إرْخَاؤُهُ وَلَوْ رُئِيَتْ مِنْهُ بَعْدَ الْإِرْخَاءِ، لَمْ يَضُرَّ كَمَا فِي كُمِّ الْمَرْأَةِ الْوَاصِلِ إلَى ذَيْلِهَا، بِخِلَافِ الْقَصِيرِ لِنَحْوِ الرُّسْغِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَحْسَنِ) أَيْ فِي الثَّلَاثَةِ أَمَّا الثَّالِثُ فَلِعَدَمِ صَلَاحِيَّةٍ بَيِّنٍ فِيهِ بِعَدَمِ تَعَدُّدٍ، فَالْأَصَحُّ مَعَ صَلَاحِيَّتِهَا السُّكُونُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِخِفَّتِهِ وَمُقَابِلُ الْأَحْسَنِ فِيهِ الضَّمُّ، وَلَا يَجُوزُ الْكَسْرُ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمُنَاسَبَةِ الْوَاوِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ إشْبَاعِ ضَمَّةِ الْهَاءِ، وَالْأَصَحُّ فِي هَذَا الْوُجُوبُ، خِلَافًا لِثَعْلَبٍ فِي تَجْوِيزِهِ الْكَسْرَ وَالْفَتْحَ أَيْضًا.
نَظَرًا إلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الْوَاوِ مَا لَا يُنَاسِبُهَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ ذَيْلِهِ) أَيْ فِي قِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ، سَوَاءً رَآهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، لَا لِنَقْصِ ثَوْبِهِ بَلْ لِنَحْوِ جَمْعِ ذَيْلِهِ عَلَى عَقِبَيْهِ.
فَلَوْ قَالَ كَانَ إلَخْ.
كَانَ أَوْلَى وَلَعَلَّهُ قَصَرَهُ لِكَوْنِهِ فِي الْمُحَرَّرِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْقِسْمَيْنِ) هُمَا الْجَيْبُ وَالذَّيْلُ.
[حاشية عميرة]
وَحُرِّيَّةً.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مَا مَنَعَ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَوْنُ الْبَشَرَةِ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَهُ جُرْمٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَأَمَّا مَا يَصِفُ الْحَجْمَ دُونَ اللَّوْنِ كَالسَّرَاوِيلِ الضَّيِّقَةِ فَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى لِلرَّجُلِ وَفِيهِ وَجْهٌ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْبَشَرَةُ) هِيَ ظَاهِرُ الْجِلْدِ وَالْبَاطِنُ يُسَمَّى أَدَمَةً.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ طِينٌ) أَيْ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الثَّوْبِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ السَّاتِرُ) أَيْ وَلَيْسَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الشَّخْصِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ جَيْبِهِ) يُقَالُ: جُبْت الْقَمِيصَ أُجِيبُهُ وَأَجُوبُهُ إذَا قَوَّرْته.
قَوْلُهُ: (بِضَمِّ الرَّاءِ)
أَوْ لَا تَنْعَقِدُ أَصْلًا فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ وَعَلَيْهِ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَيَكْفِي سَتْرُ مَوْضِعِ الْجَيْبِ قَبْلَهُ (وَلَهُ سَتْرُ بَعْضِهَا بِيَدِهِ فِي الْأَصَحِّ) لِحُصُولِ مَقْصُودِ السَّتْرِ وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ السَّوْأَةِ وَالثَّانِي يَقُولُ بَعْضٌ لَا يُعَدُّ سَاتِرًا لَهُ وَيَكْفِي بِيَدِ غَيْرِهِ قَطْعًا وَإِنْ ارْتَكَبَ بِهِ مُحَرَّمًا قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ.
(فَإِنْ وَجَدَ كَافِي سَوْأَتَيْهِ) أَيْ قُبُلِهِ وَدُبُرِهِ (تَعَيَّنَ لَهُمَا) لِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ مِنْ غَيْرِهِمَا وَسُمِّيَا سَوْأَتَيْنِ لِأَنَّ انْكِشَافَهُمَا يَسُوءُ صَاحِبُهُمَا (أَوْ) كَافِي (إحْدَاهُمَا فَقُبُلُهُ) يُسْتَرُ لِأَنَّهُ لِلْقِبْلَةِ (وَقِيلَ) يُسْتَرُ (دُبُرَهُ) لِأَنَّهُ أَفْحَشُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ) بَيْنَهُمَا لِتَعَارُضِ الْمَعْنَيَيْنِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَسْتُرَ بِهِ قُبُلَهُ وَقِيلَ دُبُرَهُ وَقِيلَ أَيَّهمَا شَاءَ وَسَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى يَدُلُّ الْوُجُوبُ فِيهِمَا الِاسْتِحْبَابَ فَعَلَى الْوُجُوبِ لَوْ عَدَلَ فِيهِمَا إلَى غَيْرِ السَّوْأَتَيْنِ وَفِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ إلَى الدُّبُرِ وَعَلَى الثَّانِي إلَى الْقُبُلِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَعَلَى الِاسْتِحْبَابِ تَصِحُّ.
(وَ) رَابِعُ الشُّرُوطِ (طَهَارَةُ الْحَدَثِ) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا عِنْدَ إحْرَامِهِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ وَإِنْ أَحْرَمَ مُتَطَهِّرًا (فَإِنْ سَبَقَهُ) الْحَدَثُ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ (وَفِي الْقَدِيمِ) لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بَلْ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ تُرَى) أَيْ بِحَيْثُ لَوْ وَجَّهَ النَّاظِرُ نَظَرَهُ إلَيْهَا لَرَآهَا عَلَى حَالَتِهَا الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، سَوَاءً رُئِيَتْ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَنْبَغِي أَنَّهُ إنْ قَصَدَ حَالَ إحْرَامِهِ، أَنَّهُ لَا يَزُرْهُ مَثَلًا فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، لَمْ تَنْعَقِدْ نِيَّتُهُ فَلْيُحَرَّرْ.
قَوْلُهُ (وَلَهُ) أَيْ يَكْفِيه أَخْذًا مِنْ مُقَابِلِهِ.
فَهُوَ وَاجِبٌ بِيَدِهِ وَيَكْفِيه بِيَدِ غَيْرِهِ، وَإِنْ حَرُمَ وَلَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهَا مَعَ الْحُرْمَةِ، وَظَاهِرُهُ يَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَ الْبَعْضُ الْمَكْشُوفُ، قَدْرَ يَدِهِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَوْ جَمِيعَ الْعَوْرَةِ، وَخَصَّ شَيْخُنَا الْوُجُوبَ بِالْأَوَّلِ، وَفِي الْعُبَابِ يَجِبُ عَلَى الْعَارِي، وَضْعُ ظَهْرِ إحْدَى يَدَيْهِ عَلَى قُبُلِهِ، وَالْأُخْرَى عَلَى دُبُرِهِ، وَلَمْ يَرْتَضِيه شَيْخُنَا وَإِذَا سَتَرَ بِيَدِهِ سَقَطَ عَنْهُ، وُجُوبُ وَضْعِهَا عَلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ، بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ مُرَاعَاةً لِلسَّتْرِ، لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَتَبِعَهُ الْخَطِيبُ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِوُجُوبِ الْوَضْعِ تَبَعًا لِلرُّويَانِيِّ، لِأَنَّهُ الْآنَ عَاجِزٌ عَنْ السَّتْرِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ يُتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا لِتَعَارُضِ الْوَاجِبَيْنِ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَعَارَضَ الْقِيَامُ أَوْ الْفَاتِحَةُ مَعَ السَّتْرِ لِنَحْوِ قِصَرِ السَّاتِرِ، فَعَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْخِلَافِ.
قَالَ شَيْخُنَا وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ بِالْيَدِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، كَهُوَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ السَّوْأَةِ) وَهِيَ مَا يَنْقُضُ مَسُّهَا الْوُضُوءَ، وَهِيَ الْمُرَادُ بِالْقُبُلِ وَالدُّبُرِ فِيمَا بَعْدَهُ، كَذَا قَالُوهُ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ مَا يَنْقُضُ فِي الدُّبْرِ مَسْتُورٌ بِذَاتِهِ، وَالْوَجْهُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا يَسْتَتِرُ بِالْأَلْيَيْنِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لِلْقِبْلَةِ) أَيْ أَوْ بَدَلُهَا كَمَقْصِدِ الْمُسَافِرِ الْمُتَنَفِّلِ، وَمُقْتَضَى هَذَا تَخْصِيصُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ بِالصَّلَاةِ، إلَّا أَنْ تَجْعَلَ مُسْتَنِدَاتٍ لِلْأَقْوَالِ.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ) وَكَذَا الْخُنْثَى وَالْمُرَادُ بِقُبُلِهِ آلَتَا الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَإِنْ كَفَى أَحَدُهُمَا قُدِّمَ آلَةُ الرِّجَالِ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ، وَعَكْسُهُ وَإِلَّا تُخُيِّرَ وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ التَّخَيُّرِ فِي الْوَاضِحِ فَرَاجِعْهُ، وَلَوْ تَعَارَضَ جَمْعٌ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْحُرَّةِ ثُمَّ الرَّقِيقَةِ ثُمَّ الْخُنْثَى الْحُرِّ ثُمَّ الرَّقِيقِ، ثُمَّ الْأَمْرَدِ ثُمَّ الرَّجُلِ، وَيُقَدَّمُ مَنْ سَتَرَ جَمِيعَ عَوْرَتِهِ وَلَوْ رَجُلًا عَلَى مَنْ يَسْتُرُ بَعْضَهَا، وَيُقَدَّمُ الْمُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ يُكَفَّنُ بِهِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ.
قَوْلُهُ: (مُتَطَهِّرًا) لَيْسَ قَيْدًا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ فَفَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ، وَدَائِمُ الْحَدَثِ فِي غَيْرِ حَدَثِهِ الدَّائِمِ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِهِ لِعِلَّةِ الْقَوْلِ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ سَبَقَهُ) وَكَذَا لَوْ
[حاشية عميرة]
لِمَكَانِ الضَّمِيرِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ) أَيْ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِرُؤْيَتِهِ مِنْ أَسْفَلَ.
قَوْلُهُ: (فِي الْقِسْمَيْنِ) هُمَا قَوْلُ الْمَتْنِ مِنْ جَيْبِهِ وَقَوْلُهُ فِي الشَّرْحِ مِنْ ذَيْلِهِ.
قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ) وَجْهُ الثَّانِي أَنَّ السَّاتِرَ إمَّا شَعْرُ لِحْيَتِهِ أَوْ رَأْسُهُ أَوْ الْتِصَاقُ صَدْرِهِ بِمَوْضِعِ إزَارِهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالسَّتْرُ بِبَعْضِ الْإِنْسَانِ لَا يَصِحُّ عَلَى وَجْهٍ يَأْتِي، وَمَدْرِكُ الْأَوَّلِ صِحَّةُ السَّتْرِ بِبَعْضِهِ كَذَا فِي الْإِسْنَوِيِّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (تَعَيَّنَ لَهُمَا) وَلَا يَأْتِي الْوَجْهُ الْقَائِلُ بِعَدَمِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْغَيْرِ الْكَافِي لِلطَّهَارَةِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ.
نَعَمْ لَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ لِلسَّوْأَتَيْنِ لَاشْتَرَاك الْجَمِيعِ فِي وُجُوبِ السَّتْرِ صَرَّحَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ، وَسَيُصَرِّحُ بِهِ الشَّارِحُ فِي قَوْلِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى بَدَلَ الْوُجُوبِ إلَى آخِرِهِ.
(فَائِدَةٌ) لَيْسَ لِلْعَارِي أَخْذُ الثَّوْبِ مِنْ مَالِكِهِ قَهْرًا وَيَلْزَمُهُ قَبُولُ الْعَارِيَّةِ لَا الْهِبَةِ.
نَعَمْ يَتَّجِهُ الْوُجُوبُ فِي الْمَاءِ الْكَدِرِ وَالطِّينِ وَالثَّوْبِ النَّجِسِ كَالْعَدَمِ بِخِلَافِ الْحَرِيرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ لِبْسُهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ إلَى آخِرِهِ) أَيْ فَالْخِلَافُ فِي الْوُجُوبِ بَلْ فِي الصِّحَّةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ) هُمَا وُجُوبُ مَا يَكْفِي السَّوْأَتَيْنِ، وَوُجُوبُ مَا يَكْفِي إحْدَاهُمَا، وَقَوْلُهُ فِيهِمَا الضَّمِيرُ فِيهِ، وَفِي قَوْلِهِ قَبْلَهُ فِيهِمَا رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ سَبَقَهُ) هَذَا قَدْ يَخْرُجُ بِهِ تَعَمُّدُ إخْرَاجِ بَاقِيه، لَكِنْ حَكَى الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ النَّصِّ أَنَّهُ
(يَبْنِي) بَعْدَ الطَّهَارَةِ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْهَا لِعُذْرِهِ بِالسَّبْقِ بِخِلَافِ الْمُعْتَمَدِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَسْعَى فِي تَقْرِيبِ الزَّمَانِ وَتَقْلِيلِ الْأَفْعَالِ مَا أَمْكَنَهُ وَمَا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ مِنْ الذَّهَابِ إلَى الْمَاءِ وَاسْتِقَائِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ إلَّا إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ فِي تَحْصِيلِ الْمَاءِ وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ تَطْهِيرِهِ أَنْ يَعُودَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ إنْ قَدَرَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَقْرَبِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا لَمْ يَسْتَخْلِفْ أَوْ مَأْمُومًا يَقْصِدُ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ فَلَهُمَا الْعَوْدُ إلَيْهِ كَذَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَالْمُرَادُ فِي الْإِمَامِ إذَا انْتَظَرَهُ الْمَأْمُومُونَ وَفِي الْمَأْمُومِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ بِأَنْ يَكُونَ فِي الصَّفِّ الْأَخِيرِ لِمَا سَيَأْتِي فِي كَرَاهَةِ وُقُوفِ الْمَأْمُومِ فَرْدًا (وَيَجْرِيَانِ) أَيْ الْقَوْلَانِ (فِي كُلِّ مُنَاقِضٍ) أَيْ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ (عَرَضَ) فِيهَا (بِلَا تَقْصِيرٍ) مِنْ الْمُصَلِّي (وَتَعَذَّرَ دَفْعُهُ فِي الْحَالِ) كَأَنْ تَنَجَّسَ ثَوْبُهُ أَوْ بَدَنُهُ وَاحْتَاجَ إلَى غَسْلِهِ لِعَدَمِ الْعَفْوِ عَمَّا تَنَجَّسَ بِهِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ فِي الْجَدِيدِ وَيَبْنِي فِي الْقَدِيمِ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْهَا (فَإِنْ أَمْكَنَ) الدَّفْعُ فِي الْحَالِ (بِأَنْ كَشَفَتْهُ رِيحٌ فَسَتَرَ فِي الْحَالِ) أَوْ تَنَجَّسَ رِدَاؤُهُ فَأَلْقَاهُ فِي الْحَالِ (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ وَيُغْتَفَرُ هَذَا الْعَارِضُ.
(وَإِنْ قَصَّرَ بِأَنْ فَرَغَتْ مُدَّةٌ خَفَّ فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ فَاحْتَاجَ إلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ أَوْ الْوُضُوءِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ.
(بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ قَطْعًا لِتَقْصِيرِهِ حَيْثُ افْتَتَحَهَا، وَبَقِيَّةُ الْمُدَّةِ لَا
[حاشية قليوبي]
أُكْرِهَ عَلَيْهِ، أَمَّا لَوْ نَسَبَهُ فَتَبْطُلُ اتِّفَاقًا كَمَا لَوْ تَعَمَّدَهُ قَالَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ كَشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَيُثَابُ النَّاسِي وَغَيْرُهُ.
عَلَى مَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ كَالْأَذْكَارِ وَالْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الْجُنُبِ، وَعَلَى قَصْدِ الْعِبَادَةِ، وَيُنْدَبُ لِمَنْ أَحْدَثَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَأْخُذَ بِأَنْفِهِ لِيُوهِمَ النَّاسَ، أَنَّهُ رَعَفَ لِئَلَّا يَأْثَمَ النَّاسُ، بِالْوَقِيعَةِ فِيهِ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ ارْتَكَبَ مَا يُوهِمُ الْوَقِيعَةَ فِيهِ لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (يَقْصِدُ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فَالْجَمَاعَةُ عُذْرٌ مُطْلَقًا وَالْمُنْفَرِدُ وَالْإِمَامُ الْمُسْتَخْلَفُ كَذَلِكَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَتَعَذَّرَ دَفْعُهُ) أَيْ فِيهِمَا وَإِلْقَاؤُهُ فِي الثَّوْبِ أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي.
وَخَرَجَ بِذَلِكَ نَجَاسَةٌ جَافَّةٌ، أَلْقَاهَا حَالًا أَوْ رَطْبَةٌ، وَأَلْقَى ثَوْبَهُ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَسٍّ وَلَا حَمْلَ فِيهَا، فَلَا تَبْطُلُ.
نَعَمْ إنْ لَزِمَ تَنَجُّسُ مَسْجِدٍ فِي إلْقَاءِ الرَّطْبَةِ، وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ حَرُمَ إلْقَاؤُهَا، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
(فَرْعٌ) يَحْرُمُ تَنْجِيسُ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَيُعْفَى عَنْ ذَرْقِ طَيْرٍ فِي فِرَاشٍ أَوْ أَرْضٍ، إنْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِهِ بِشَرْطِ عَدَمِ رُطُوبَتِهِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَعَدَمِ مَكَان خَالٍ مِنْهُ، وَعَدَمِ تَعَمُّدِ وَطْئِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّحَفُّظُ فِي مَشْيه، وَلَا جُلُوسِهِ وَلَا سُجُودِهِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَاقِفٌ مَثَلًا عَلَيْهَا، وَجَبَ التَّحَوُّلُ حَالَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا خَالِيًا مِنْهَا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
قَالَهُ شَيْخُنَا فَرَاجِعْهُ.
فَإِنَّ الْوَجْهَ خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَالِ) قَالَ شَيْخُنَا وَمِنْهُ الْغُسْلُ كَنُقْطَةِ بَوْلٍ وَهُوَ بِجَانِبِ نَهْرٍ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
قَوْلُهُ: (رِيحٌ) لَيْسَ قَيْدًا بَلْ الْحَيَوَانُ، وَلَوْ آدَمِيًّا كَذَلِكَ وَتَبْطُلُ بِكَشْفِهِ عَوْرَةَ نَفْسِهِ مُطْلَقًا، وَلَوْ سَهْوًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ بِإِكْرَاهِ غَيْرِهِ لَهُ عَلَى كَشْفِهَا وَكَذَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى الِانْحِرَافِ عَنْ الْقِبْلَةِ، لِنُدْرَةِ الْإِكْرَاهِ فِيهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ دَفَعَهُ فَأَحْرَفَهُ عَنْهَا، أَوْ ضَايَقَهُ كَذَلِكَ إنْ عَادَ حَالًا فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (فَأَلْقَاهُ فِي الْحَالِ) أَيْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهُ خُرُوجُ الدَّمِ بِنَحْوِ قَصْدٍ حَيْثُ لَمْ يُلَوِّثْ مَا لَا يُعْفَى عَنْهُ فِيهِ.
[حاشية عميرة]
لَا يَضُرُّ، أَيْ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَدِيمِ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ قَدْ بَطَلَتْ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: فَعَلَيْهِ لَوْ أَحْدَثَ حَدَثًا آخَرَ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَكَذَا صَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَدِيمِ، لَكِنْ صَحَّحَ فِي التَّحْقِيقِ الْبُطْلَانَ تَفْرِيعًا عَلَيْهِ أَيْضًا، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ) أَيْ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ قَطْعًا وَلَوْ كَانَ نَاسِيًا لِلصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَفِي الْبَيَانِ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْمُتَّجَهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْدُثْ مِنْهُ فِعْلٌ كَأَنْ أُلْقِيَ عَلَى امْرَأَةٍ أَنْ يَكُونَ كَالسَّبْقِ وَإِنْ حَدَثَ مِنْهُ فِعْلٌ نُقِضَ قَطْعًا كَالسَّاهِي.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي الْقَدِيمِ يَبْنِي) أَيْ وَلَوْ كَانَ أَكْبَرَ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ سَبَقَهُ فِي الرُّكُوعِ وَفَرَّعْنَا عَلَى الْقَدِيمِ، قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: يَعُودُ إلَيْهِ، وَفَصَّلَ الْإِمَامُ فَقَالَ: إنْ سَبَقَهُ قَبْلَ الطُّمَأْنِينَةِ عَادَ إلَيْهِ، أَوْ بَعْدَهَا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْعَوْدِ إلَيْهِ لِأَنَّ رُكُوعَهُ قَدْ تَمَّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ بَعْدَ حِكَايَةِ ذَلِكَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَجْرِيَ كَلَامُ الصَّيْدَلَانِيُّ عَلَى إطْلَاقِهِ كَيْ يَنْتَقِلَ مِنْ الرُّكُوعِ إلَى الرُّكْنِ الَّذِي بَعْدَهُ، فَإِنَّ الِانْتِقَالَ وَاجِبٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (كَذَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا) يُشِيرُ بِهَذَا إلَى شَيْءٍ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي التَّحْقِيقِ يُخَالِفُ هَذَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الصَّوَابُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي التَّحْقِيقِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ عُذْرٌ مُطْلَقًا فَيَدْخُلُ الْمُنْفَرِدُ وَالْإِمَامُ الْمُسْتَخْلَفُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَمْ تَبْطُلْ) أَيْ بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالْقِيَاسُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، انْتَهَى.
وَمُدْرَكُهُ النَّظَرُ إلَى أَنْ تِلْكَ اللَّحْظَةَ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْعِرَاقِيُّ شَارِحُ الْمُهَذَّبِ مُعَلِّلًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بَطَلَتْ)
تَسَعُهَا.
(وَ) خَامِسُ الشُّرُوطِ (طَهَارَةُ النَّجَسِ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ) فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ النَّجَسِ الَّذِي لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا.
(وَلَوْ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ وَنَجِسٌ) مِنْ ثَوْبَيْنِ أَوْ بَيْتَيْنِ (اجْتَهَدَ) فِيهِمَا لِلصَّلَاةِ.
قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ كَمَا فِي الْأَوَانِي، أَيْ جَوَازًا إنْ قَدَرَ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ وَوُجُوبًا إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَمِنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى مَاءٍ يَغْسِلُ بِهِ أَحَدُهُمَا، وَلَوْ صَلَّى فِيمَا ظَنَّهُ الطَّاهِرَ مِنْ الثَّوْبَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى لَمْ يَجِبْ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالتَّحْقِيقِ فَلَوْ اجْتَهَدَ فَتَغَيَّرَ ظَنَّهُ عَمِلَ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي فِي الْأَصَحِّ، ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فَيُصَلِّي فِي الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ كَمَا لَا تَجِبُ إعَادَةُ الْأُولَى، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يُصَلِّي عُرْيَانًا وَتَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَيُقَاسُ بِالثَّوْبَيْنِ فِيمَا ذُكِرَ الْبَيْتَانِ، وَيُقَالُ فِيهِمَا فِي مُقَابِلِ الْأَصَحِّ يُصَلِّي فِي أَحَدِهِمَا وَيُعِيدُ، وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي الثَّوْبَيْنِ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ صَلَّى عُرْيَانَا، وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ (وَلَوْ نَجُسَ بَعْضُ ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ وَجَهِلَ) ذَلِكَ الْبَعْضَ فِي
[حاشية قليوبي]
فَرْعٌ) لَا تَبْطُلُ بِلَدْغِ الْعَقْرَبِ بِخِلَافِ الْحَيَّةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْقَوْلَيْنِ) أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ.
قَوْلُهُ: (لِتَقْصِيرِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ افْتَتَحَهَا عَالِمًا بِقِصَرِ الْمُدَّةِ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَشَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ إذَا عَلِمَ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ قَبْلَ فَرَاغِهَا، لَمْ تَنْعَقِدْ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَشَمِلَ مَا ذُكِرَ.
مَا لَوْ كَانَ وَاقِفًا فِي مَاءٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِضَرُورَةِ الْحُكْمِ بِالْحَدَثِ، قَبْلَ الْغُسْلِ وَفَارَقَ دَفْعَ التَّنَجُّسِ حَالًا فِيمَا مَرَّ، بِأَنَّهُ لَمْ تُعْهَدْ صَلَاةٌ مَعَ حَدَثٍ، بِلَا إعَادَةٍ.
نَعَمْ لَوْ أَحْرَمَ مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ، بِقَدْرٍ لَا تَسَعُهُ الْمُدَّةُ صَحَّ إحْرَامُهُ عَلَى الْأَوْجَهِ، لِإِمْكَانِ اقْتِصَارِهِ عَلَى قَدْرِ مَا تَسَعُهُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ (وَالْبَدَنُ) أَيْ لَوْ دَاخِلَ عَيْنِهِ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ فَمِهِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ النَّجِسِ) أَيْ وَإِنْ جَهِلَهُ وَيَجِبُ عَلَى مَنْ رَآهُ إعْلَامُهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ثَوْبَيْنِ أَوْ بَيْتَيْنِ) وَكَذَا مِنْ بَدَنَيْنِ، كَأَنْ تَنَجَّسَ بَدَنٌ وَاحِدٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَاشْتَبَهَ فَفِي كُلِّ اثْنَيْنِ مَعَ الثَّالِثِ، مَا فِي الْبَيْتَيْنِ أَوْ الثَّوْبَيْنِ مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَاءٍ يَغْسِلُ بِهِ أَحَدَهُمَا) وَإِذَا غَسَلَهُ بِالِاجْتِهَادِ فَلَهُ الصَّلَاةُ فِيهِمَا، وَلَوْ مَجْمُوعَيْنِ وَلَوْ خَفِيَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَكَان، كَبَيْتٍ وَجَبَ غَسْلُ كُلِّهِ إنْ ضَاقَ عُرْفًا، وَإِلَّا فَلَا، وَلَهُ الصَّلَاةُ فِي كُلِّهِ، وَلَوْ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ إلَّا قَدْرَ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الشَّكَّ فِي النَّجَاسَةِ لَا يَضُرُّ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، ابْتِدَاءً وَدَوَامًا وَمِنْهُ مَا لَوْ وَضَعَ يَدَهُ الْمُبْتَلَّةَ عَلَى مَحِلٍّ مَشْكُوكٍ، فِي نَجَاسَتِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ يَدِهِ، وَلَا يَلْزَمُ غَسْلُهَا وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِحَالِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، لَمْ تَبْطُلْ بِالْأَوْلَى لِلشَّكِّ بَعْدَ تَحَقُّقِ الِانْعِقَادِ، وَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ مِنْ الْبُطْلَانِ فِي هَذِهِ، وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْبُطْلَانِ، فِيمَا لَوْ نَقَلَ رِجْلَهُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ إلَى مَحِلٍّ مَشْكُوكٍ فِي نَجَاسَتِهِ، مَبْنِيٌّ عَلَى الْبُطْلَانِ بِالشَّكِّ، وَتَقَدَّمَ ضَعْفُهُ وَاعْتِمَادُ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ لَهُ فِيهِمَا فِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ وَافَقَهُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ.
نَعَمْ إنْ كَانَ الْبُطْلَانُ لِتَرَدُّدِهِ فِي بُطْلَانِ نِيَّتِهِ أَوْ فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ فَهُوَ مُمْكِنٌ مَعَ النَّظَرِ فِيهِ، لِإِلْغَاءِ هَذَا التَّرَدُّدِ كَمَا فِي الشَّكِّ فِي التَّقَدُّمِ عَلَى الْإِمَامِ، وَكَمَا فِي الشَّكِّ فِي حَدَثِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَرَاجِعْ ذَلِكَ وَحَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجِبْ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَصَحِّ) أَيْ لِأَنَّ الدَّلِيلَ هُنَا غَيْرُ مُحَقَّقِ التَّغَيُّرِ، وَبِهَذَا فَارَقَ وُجُوبَ تَجْدِيدِهِ فِي الْقِبْلَةِ وَالْأَوَانِي.
قَوْلُهُ: (عُمِلَ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي) أَيْ كَمَا فِي الْقِبْلَةِ، وَكَمَا فِي الْأَوَانِي، إذَا غَسَلَ أَعْضَاءً بَيْنَ الِاجْتِهَادَيْنِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ نَقْضُ اجْتِهَادٍ بِآخَرَ، لِأَنَّهُ بِغَسْلِ أَعْضَائِهِ مِنْ مَاءِ الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ فِي الْمِيَاهِ، وَبِنَزْعِ الثَّوْبِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ، هُنَا لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ مُقْتَضَى الِاجْتِهَادَيْنِ، لِانْفِصَالِ الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ مِنْ الثَّانِي، وَلَوْ لَمْ يَغْسِلْ أَعْضَاءَهُ بَيْنَ الِاجْتِهَادَيْنِ، أَوْ صَلَّى هُنَا بِالثَّوْبَيْنِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، لِاجْتِمَاعِ مُقْتَضَى الِاجْتِهَادَيْنِ عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ مَا هُنَا مُسَاوٍ لِمَا فِي الْمِيَاهِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ غَيْرُ
[حاشية عميرة]
حَمَلَهُ السُّبْكِيُّ عَلَى مَا لَوْ دَخَلَ ظَانًّا سَعَةَ الْوَقْتِ، فَإِنْ قَطَعَ بِانْقِضَائِهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ، فَالْمُتَّجَهُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ، انْتَهَى، وَفِيهِ نَظَرٌ، حَيْثُ أَمْكَنَ الْغُسْلُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَطَهَارَةُ النَّجَسِ) .
قَالَ الرَّافِعِيُّ: النَّجَاسَةُ قِسْمَانِ: قِسْمٌ لَا يَقَعُ فِي مَظِنَّةِ الْعُذْرِ وَالْعَفْوِ، وَقِسْمٌ يَقَعُ فِيهِمَا.
أَمَّا الْأَوَّلُ ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُنَا إلَخْ وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالطَّهَارَةِ فِي اللِّبَاسِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَلَوْ صَلَّى بِنَجَسٍ لَمْ يَعْلَمْهُ بَطَلَتْ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ بِدَلِيلِ تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ الدَّمِ، وَقِيلَ: يُعْذَرُ الْجَاهِلُ بِالنَّجَسِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَنَاهِي بِدَلِيلِ «تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ» وَنَحْوِهِ، وَالْجَاهِلُ يَعْذُرُ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ، وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ قُبَيْلَ الْفَصْلِ الْآتِي.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي الثَّوْبِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْحَيْضِ «وَإِذَا أَدْبَرَتْ اغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي» وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ «صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ لِلثَّوْبِ، وَالثَّانِي لِلْبَدَنِ، وَالثَّالِثُ لِلْمَكَانِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ثَوْبَيْنِ) زَادَ الْإِسْنَوِيُّ أَوْ بَدَنَيْنِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى ذَلِكَ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ