كِتَابُ الصَّلَاةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القليوبي
- الكتاب
- حاشيتا قليوبي وعميرة
- المؤلف
- أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة
- الناشر
- دار الفكر - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4
- الطبعة
- بدون طبعة، 1415هـ-1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]- بأعلى الصفحة: «شرح العلامة جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين للشيخ محيي الدين النووي»- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد البرلسي عميرة (957هـ.)
بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَهِيَ تُطْلَقُ لُغَةً بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ وَبِمَعْنَى التَّعَبُّدِ وَبِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا مَرَّ أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنَّهَا مِنْ اللَّهِ رَحْمَةً إلَخْ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ مَعْنًى شَرْعِيٌّ أَيْضًا، فَهُوَ مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ الشَّرْعُ وَاللُّغَةُ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ مِنْ صَلَيْت الْعَوْدَ بِالنَّارِ لِيَنْتَهِ لِأَنَّهَا تُلِينُ الْقَلْبَ، وَلَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ اشْتِقَاقًا إذْ يَجُوزُ اشْتِقَاقُ الْوَاوِيِّ مِنْ الْيَائِيِّ وَعَكْسُهُ، كَالْبَيْعِ مُشْتَقٌّ مِنْ الْبَاعِ، وَالْعِيدُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَوْدِ، أَوْ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الصَّلَوَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ عِنْدَ خَاطِرَةِ الْمُصَلِّي مِنْ الْجَانِبَيْنِ يَنْحَنِيَانِ بِانْحِنَائِهِ عِنْدَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَشَرْعًا أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ غَالِبًا أَوْ وَضْعًا فَلَا تُرَدُّ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ وَالْمَرِيضِ لِعُرُوضِ الْمَانِعِ وَدَخَلَ فِي التَّعْرِيفِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ لِأَنَّ قِيَامَاتِهَا أَفْعَالٌ وَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ بِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي نَظَرًا لِلْعُرْفِ، وَخَرَجَ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَنَحْوُهَا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الْوَاجِبَةُ فَقَطْ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَتِهَا بَلْ هُوَ تَابِعٌ عَارِضٌ فِيهَا، وَفُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ لِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَنِصْفٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهِيَ أَفْضَلُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْإِيمَانِ ثُمَّ الصَّوْمُ ثُمَّ الْحَجُّ ثُمَّ الزَّكَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْمَفْرُوضَاتُ) هُوَ تَفْسِيرٌ بِالْمُرَادِفِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الشَّارِحِ فِي الْأَذَانِ كَمَا يَأْتِي، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَكْتُوبَ أَعَمُّ فَيَشْمَلُ الْمَنْدُوبَ.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) أَيْ وَلَوْ تَقْدِيرًا فِيهِمَا كَأَيَّامِ الدَّجَّالِ وَلَيْلَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهَا قَدْرُ ثَلَاثِ لَيَالٍ خِلَافًا لِمَنْ نَازَعَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (خَمْسٌ) أَمَّا خُصُوصُ كَوْنِهَا خَمْسًا فَتَعَبُّدِيٌّ وَكَذَا خُصُوصُ عَدَدِ كُلِّ صَلَاةٍ وَكَذَا مَجْمُوعُ عَدَدِ الْخَمْسِ مِنْ كَوْنِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَ لِهَذَا حِكْمَةً بِأَنَّ سَاعَاتِ الْيَقِظَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَاعَةً مِنْهَا النَّهَارُ اثْنَا عَشَرَ وَنَحْوُ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ أَوَّلُ اللَّيْلِ وَسَاعَتَيْنِ آخِرُهُ، فَكُلُّ رَكْعَةٍ تُكَفِّرُ ذُنُوبَ سَاعَةٍ فَتَأَمَّلْهُ.
وَدَخَلَ فِي الْخَمْسِ الْجُمُعَةُ لِأَنَّهَا خَامِسَةُ يَوْمِهَا وَإِيرَادُ بَعْضِهِمْ لَهَا مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ كُلُّ يَوْمٍ مَعَ أَنَّ الْإِخْبَارَ بِوُجُوبِ الْخَمْسِ وَقَعَ قَبْلَ فَرْضِ الْجُمُعَةِ، وَحِينَ فُرِضَتْ لَمْ تَجْتَمِعْ مَعَ الظُّهْرِ فَتَأَمَّلْ، وَجَمْعُ الْخَمْسِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الصُّبْحَ كَانَتْ لِآدَمَ وَالظُّهْرَ لِدَاوُدَ وَالْعَصْرَ لِسُلَيْمَانَ وَالْمَغْرِبَ لِيَعْقُوبَ وَالْعِشَاءَ لِيُونُسَ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَأَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ الْجُمُعَةُ ثُمَّ عَصْرُهَا ثُمَّ عَصْرُ غَيْرِهَا ثُمَّ صُبْحُهَا ثُمَّ صُبْحُ غَيْرِهَا ثُمَّ الْعِشَاءُ ثُمَّ الظُّهْرُ ثُمَّ الْمَغْرِبُ، وَفَضْلُ الْجَمَاعَاتِ تَابِعٌ لِفَضْلِ الصَّلَاةِ كَمَا قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ، لَكِنَّ الَّذِي نَقَلَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ جَمَاعَةَ عَصْرِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ، وَأَنَّهَا مُؤَخَّرَةٌ عَنْ جَمَاعَةِ الْعِشَاءِ وَسَتَأْتِي.
قَوْلُهُ: (كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ) أَيْ كَوْنُهَا خَمْسًا مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَيْ عِلْمُ ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ يَشْتَرِكُ فِيهِ كُلُّ أَحَدٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ بَعْدَ ثُبُوتِ أَصْلِهِ بِمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (خَمْسِينَ صَلَاةً) لَكِنْ غَيْرَ هَذِهِ الْخَمْسِ لَمْ تُعْلَمْ كَيْفِيَّتُهُ وَلَا كَمِّيَّتُهُ، وَفِي كَلَامِ الْجَلَالِ السُّيُوطِيّ مَا يُرْشِدُ إلَى أَنَّهَا عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ فَكَانَتْ الظُّهْرُ مَثَلًا عَشْرَةً وَالْعَصْرُ كَذَلِكَ وَهَكَذَا، وَقَالَ أَيْضًا إنَّ النَّسْخَ لَمْ يَقَعْ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَقَاؤُهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ، وَنَازَعَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ فَعَلَهَا كَذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَلَا فِي وَقْتٍ مَعَ تَوَفُّرِ
[حاشية عميرة]
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَيْ الْمَفْرُوضَاتُ) أَيْ عَلَى الْعَيْنِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (خَمْسٌ) الصُّبْحُ لِآدَمَ وَالظُّهْرُ لِدَاوُدَ وَالْعَصْرُ لِسُلَيْمَانَ وَالْمَغْرِبُ لِيَعْقُوبَ وَالْعِشَاءُ لِيُونُسَ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحٍ وَأَوْرَدَ فِيهِ خَبَرًا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ) هِيَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَقِيلَ بِسِتَّةَ
«وَقَوْلُهُ لِلْأَعْرَابِيِّ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» «وَلِمُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ أَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» .
(الظُّهْرُ وَأَوَّلُ وَقْتِهِ زَوَالُ الشَّمْسِ) أَيْ وَقْتِ زَوَالِهَا، وَعِبَارَةُ الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالزَّوَالِ، (وَآخِرُهُ مَصِيرُ) أَيْ وَقْتُ مَصِيرِ (ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ سِوَى ظِلِّ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ) أَيْ الظِّلِّ الْمَوْجُودِ عِنْدَهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّمْسَ إذَا طَلَعَتْ وَقَعَ لِكُلِّ شَاخِصٍ ظِلٌّ طَوِيلٌ فِي جِهَةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ يَنْقُصُ بِارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى وَسَطِ السَّمَاءِ، وَهِيَ حَالَةُ الِاسْتِوَاءِ، وَيَبْقَى حِينَئِذٍ ظِلٌّ فِي غَالِبِ الْبِلَادِ، ثُمَّ تَمِيلُ إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ فَيَتَحَوَّلُ الظِّلُّ إلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَذَلِكَ الْمَيْلُ هُوَ الزَّوَالُ، وَالْأَصْلُ فِي الْمَوَاقِيتِ حَدِيثُ «أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى بِي الظُّهْرَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ أَيْ الشَّيْءِ
[حاشية قليوبي]
الدَّوَاعِي عَلَى الْحِرْصِ عَلَيْهِ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ: مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (جَعَلَهَا خَمْسًا) أَيْ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِدَلِيلِ خَبَرِ الْأَعْرَابِيِّ مَفْرُوضَةٌ بِدَلِيلِ خَبَرِ مُعَاذٍ وَوُجُوبُهَا عَيْنًا لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهِ، وَهُوَ مُوَسَّعٌ فِي جَمِيعِ وَقْتِهَا لَكِنْ يَجِبُ فِي أَوَّلِهِ الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ الشُّرُوعُ فِيهِ، وَلَا يُغْنِي عَنْ هَذَا الْعَزْمِ ظُهُورُ حَالِ الشَّخْصِ أَنَّهُ لَا يُخْرِجُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا وَلَا الْعَزْمَ الْعَامَّ عِنْدَ أَوَّلِ التَّكْلِيفِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِكُلِّ وَاجِبٍ فِي وَقْتِهِ وَإِذَا مَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ لَمْ يَأْثَمْ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ الْمَوْتُ لِأَنَّ تَأْثِيمَهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ مُحَقَّقٌ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمَوْتُ قَبْلَ الْحَجِّ مِمَّنْ اسْتَطَاعَ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ مِنْ آخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ عِنْدَ شَيْخِنَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: مِنْ أَوَّلِهَا.
قَوْلُهُ: (الظُّهْرُ) بَدَأَ بِهَا لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ فِي الْوُجُودِ، بَلْ وَأَوَّلُ صَلَاةٍ فُرِضَتْ إمَّا بِإِخْبَارِ اللَّهِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بِتَوَقُّفِ الْوُجُوبِ عَلَى التَّعْلِيمِ بِالْفِعْلِ لَا بِالْقَوْلِ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَهُ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَا مَرَّ، وَلِفِعْلِهَا فِي وَقْتِ الظَّهِيرَةِ، وَلِأَنَّ وَقْتَهَا أَظْهَرُ الْأَوْقَاتِ وَصَرِيحُ هَذَا وَمَا يَأْتِي أَنَّهُ صَلَّاهَا بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ، فَمَا قِيلَ إنَّهُ صَلَّاهَا بِغَيْرِ رُكُوعٍ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالزَّوَالِ) أَيْ فَوَقْتُ الزَّوَالِ لَيْسَ مِنْ الْوَقْتِ وَإِنْ أَوْهَمَتْهُ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ مَعَ أَنَّ فِيهَا إيهَامَ الْإِخْبَارِ بِالْمَعْنَى عَنْ الزَّمَانِ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ وَالزَّوَالُ الْمُرَادُ هُوَ مَيْلُ الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ، وَيُعْرَفُ بِحُدُوثِ الظِّلِّ بَعْدَ عَدَمِهِ أَوْ بِزِيَادَتِهِ فَهُوَ تَنَاهِي قِصَرِهِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَنَا وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ جِبْرِيلُ إنَّ حَرَكَةَ الْفَلَكِ بِقَدْرِ النُّطْقِ بِالْحَرْفِ الْمُحَرَّكِ قَدْرَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرُونَ فَرْسَخًا.
قَوْلُهُ: (ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ) لَا يَخْفَى أَنَّ الظِّلَّ يُوجَدُ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ، وَيُقَالُ لَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ الْفَيْءُ أَيْضًا، وَهُوَ لُغَةً السَّتْرُ، وَاصْطِلَاحًا أَمْرٌ وُجُودِيٌّ خَلَقَهُ اللَّهُ لِنَفْعِ الْبَدَنِ وَغَيْرِهِ لَا عَدَمِ الشَّمْسِ، بَلْ هِيَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَالْمِثْلُ الْقَدْرُ، وَيُقَالُ لَهُ الْقَامَةُ، وَهُوَ طُولُ كُلِّ شَاخِصٍ عَلَى بَسْطِ الْأَرْضِ، وَطُولُ كُلِّ إنْسَانٍ بِقَدَمِهِ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَنِصْفُ قَدَمٍ تَقْرِيبًا، وَهَذَا جُمْلَةُ الْوَقْتِ وَيَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَوْقَاتٍ، وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ بِقَدْرِ الِاشْتِغَالِ بِهَا وَبِأَسْبَابِهَا وَسُنَنِهَا وَشُرُوطِهَا وَأَكْلِ لُقَمٍ يُكْسَرُ بِهَا حِدَةُ الْجُوعِ وَتَحْفَظُ مِنْ حَدَثٍ دَائِمٍ، وَنَحْوِ تَعَمُّمٍ وَتَقَمُّصٍ وَكُلُّ ذَلِكَ بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ، وَقَوْلُ الْقَاضِي إنَّهُ إلَى رُبْعِ الْوَقْتِ ضَعِيفٌ، ثُمَّ وَقْتُ اخْتِيَارٍ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ إلَى نِصْفِ الْوَقْتِ، ثُمَّ وَقْتُ جَوَازٍ إلَى أَنْ يَبْقَى مَا يَسَعُ وَاجِبَاتِهَا، وَإِذَا أَحْرَمَ بِهَا فِيهِ فَلَهُ الْإِتْيَانُ بِسُنَنِهَا لِأَنَّ تَأَخُّرَ بَعْضِهَا الْآنَ مِنْ الْمَدِّ الْجَائِزِ، ثُمَّ وَقْتُ حُرْمَةٍ أَيْ يَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا إلَيْهِ لِأَنَّ إيقَاعَهَا فِيهِ وَاجِبٌ، وَيَحْرُمُ الْإِتْيَانُ بِمَنْدُوبَاتِهَا إذَا أَحْرَمَ بِهَا فِيهِ ثُمَّ وَقْتُ ضَرُورَةٍ بِإِدْرَاكِ قَدْرِ تَكْبِيرَةِ آخِرِهِ، ثُمَّ وَقْتُ عُذْرٍ وَهُوَ وَقْتُ الْعَصْرِ لِمَنْ يَجْمَعُ.
قَوْلُهُ: (أَمَّنِي جِبْرِيلُ) أَيْ صَلَّى إمَامًا بِي.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْبَيْتِ) فِيمَا بَيْنَ الْحِجْرِ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَالْمَحَلِّ الْمَعْرُوفِ بِالْمُعْجَمَةِ، كَذَا قَالُوا، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَقْبِلِينَ الْكَعْبَةَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِأَمْرِ اللَّهِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ، لَا يُقَالُ إنَّهُمْ صَلَّوْا فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ مُسْتَقْبِلِينَ الشَّامَ لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ يَجْعَلُ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي
[حاشية عميرة]
عَشَرَ شَهْرًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الظُّهْرُ) بَدَأَ بِهَا لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فَإِنْ قِيلَ إيجَابُ الْخَمْسِ كَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَلِمَ بَدَأَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالظُّهْرِ دُونَ الصُّبْحِ؟ فَالْجَوَابُ مَحْمُولٌ عَلَى حُصُولِ إعْلَامِهِ
بِأَنَّ أَوَّلَ وُجُوبِ الْخَمْسِ مِنْ الظُّهْرِ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيَانِهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ إلَّا عِنْدَ الظُّهْرِ.
(فَائِدَةٌ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الظُّهْرُ بِالضَّمِّ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَمِنْهُ صَلَاةُ الظُّهْرِ انْتَهَى.
وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ أَوْ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ) الظِّلُّ فِي اللُّغَةِ السِّتْرُ، ثُمَّ الظِّلُّ يَكُونُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى آخِرِهِ، وَالْفَيْءُ مُخْتَصٌّ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (إلَى وَسَطِ السَّمَاءِ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَذَلِكَ الْمَيْلُ هُوَ الزَّوَالُ) هَذَا الْمَيْلُ
مِثْلَهُ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَالْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَالْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِي الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ أَيْ الشَّيْءِ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَالْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَالْفَجْرَ فَأَسْفَرَ وَقَالَ: الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ.
وَقَوْلُهُ: «صَلَّى بِي الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ» أَيْ فَرَغَ مِنْهَا حِينَئِذٍ كَمَا شَرَعَ فِي الْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَئِذٍ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَافِيًا بِهِ اشْتِرَاكَهُمَا فِي وَقْتٍ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ مَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَصْرُ» . وَقَوْلُهُ: " حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ " أَيْ حِينَ دَخَلَ وَقْتُ إفْطَارِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ «إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» .
(وَهُوَ) أَيْ مَصِيرُ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ (أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ) وَعِبَارَةُ الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ: وَبِهِ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ (وَيَبْقَى) وَقْتُهُ (حَتَّى تَغْرُبَ) الشَّمْسُ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ «وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ» وَإِسْنَادُهُ فِي مُسْلِمٍ.
(وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا نُؤَخِّرَ) بِالْفَوْقَانِيَّةِ (عَنْ) وَقْتِ (مَصِيرِ الظِّلِّ
[حاشية قليوبي]
ذَلِكَ الْمَحَلِّ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَرَاجِعْهُ مِنْ أَمَاكِنِهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ «لَمَّا أَتَى جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَجْلِ تَعْلِيمِهِ نَادَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّحَابَةَ فَاجْتَمَعُوا فَقَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ يُعَلِّمُكُمْ الصَّلَاةَ فَأَحْرَمَ جِبْرِيلُ وَأَحْرَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَهُ، وَأَحْرَمَتْ الصَّحَابَةُ كَذَلِكَ مُقْتَدِينَ بِجِبْرِيلَ، لَكِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَهُ، فَصَارُوا يُتَابِعُونَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالرَّابِطَةِ» .
قَالَ بَعْضُهُمْ.
وَفِي هَذَا نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ، وَاحْتِيَاجُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى التَّعْلِيمِ هُنَا تَفْصِيلًا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ أَعُطِيَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إجْمَالًا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ أَلْفَ مُعْجِزَةٍ سِوَى الْقُرْآنِ وَفِيهِ سِتُّونَ أَلْفَ مُعْجِزَةٍ.
قَوْلُهُ: (حِينَ حُرِّمَ إلَخْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ صَوْمٌ وَاجِبٌ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَنْدُوبِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ حِينَ امْتَنَعَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ وَلَوْ نَفْلًا.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ) هُوَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ نَظَرًا إلَى حَقِيقَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، فَالصُّبْحُ مِنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ) أَيْ مَا بَيْنَ مُلَاصِقِ أَوَّلِ الْأُولَى مِمَّا قَبْلَهَا وَمُلَاصِقِ آخِرِ الثَّانِي مِمَّا بَعْدَهُ، وَهَذَا مِنْ التَّقْدِيرِ الَّذِي تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ خُصُوصًا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ فَيَجِبُ تَقْدِيرُهُ، وَالتَّأْوِيلُ بِخِلَافِ ذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ مَعَ عَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْمُرَادِ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) فِيهِ خِرَازَةٌ بِاتِّحَادِ وَقْتِ الْفَرَاغِ وَالشُّرُوعِ فَالْمُرَادُ عَقِبَهُ، وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ صَلَّى بِي مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَعَمِّ مِنْ الشُّرُوعِ وَالْفَرَاغِ.
قَوْلُهُ: (نَافِيًا بِهِ اشْتِرَاكَهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ) رَدًّا لِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي قَدْرِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وَوَافَقَهُ الْمُزَنِيّ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَلِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ وَقْتُ الظُّهْرِ إلَّا بِمَصِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيّ فِي ثَانِي قَوْلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) ضَمِيرُهُ عَائِدٌ إلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ فَقُدِّمَ عَلَى عَكْسِهِ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِلْأَصْلِ مِنْ حَمْلِ الْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ مَثَلًا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (دَخَلَ وَقْتُ إفْطَارِهِ) أَيْ وَقَدْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ فَلَا يُنَافِي أَنَّ رَمَضَانَ كَانَ لَمْ يُفْرَضْ بَعْدُ إذًا الْمُرَادُ وَقْتُ الْإِفْطَارِ مِنْ مُطْلَقِ الصَّوْمِ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ (وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ وَالتَّسَمُّحُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَنْهَجُ فِي كَلَامِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنْ شُمُولِ وَقْتِ الْجَوَازِ فِي كَلَامِهِمْ لِوَقْتِ الضَّرُورَةِ وَالْحُرْمَةِ.
قَوْلُهُ: (الْعَصْرِ) وَهُوَ لُغَةً الْعَشِيُّ وَهِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى فِي أَرْجَحِ الْأَقْوَالِ.
قَوْلُهُ: (وَبِهِ يَدْخُلُ) أَيْ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بَلْ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَغْرُبَ) أَيْ يَتِمَّ غُرُوبُهَا فَحَتَّى بِمَعْنَى إلَى فَمَا بَعْدَهَا خَارِجٌ وَشَمَلَ الْغُرُوبَ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا كَمَا مَرَّ، وَلَوْ عَادَتْ بَعْدَ غُرُوبِهَا عَادَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَصَلَاتُهُ الْآنَ أَدَاءٌ كَمَا فِي قِصَّةِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَتَجِبُ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ عَلَى مَنْ صَلَّاهَا وَقَضَاءُ الصَّوْمِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ وَلَوْ حُبِسَتْ اسْتَمَرَّ الْوَقْتُ.
قَوْلُهُ: (وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ إلَخْ) دَفَعَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ
[حاشية عميرة]
طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ حُدُوثَ الظِّلِّ بَعْدَ فَقْدِهِ حَالَةَ الِاسْتِوَاءِ أَوْ زِيَادَتِهِ عَلَى الْمَوْجُودِ فِيهَا، وَعِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ ثُمَّ إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ إلَى جَانِبِ الْمَغْرِبِ حَدَثَ ظِلٌّ فِي جَانِبِ الْمَشْرِقِ إنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَقِيَ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ ظِلٌّ وَيَزْدَادُ إنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ وَالتَّحَوُّلُ إلَى الْمَشْرِقِ بِحُدُوثِهِ أَوْ زِيَادَتِهِ هُوَ الزَّوَالُ الَّذِي بِهِ يَدْخُلُ وَقْتُ الظُّهْرِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالْعِشَاءُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) أَيْ مُنْتَهَاهُ إلَى الثُّلُثِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (فَأَسْفَرَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ فَدَخَلَ عَقِبَ الْفَرَاغِ فِي الْإِسْفَارِ وَإِلَّا فَظَاهِرُهُ كَمَا تَرَى أَنَّهُ أَوْقَعَهَا فِي الْإِسْفَارِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَيْ مَصِيرُ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: غَيْرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُدُوثِ زِيَادَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ، وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ لِأَنَّ خُرُوجَ وَقْتِ الظُّهْرِ لَا يَكَادُ يُعْرَفُ بِدُونِهَا، وَقِيلَ: إنَّهَا مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَقِيلَ: فَاصِلَةٌ بَيْنَهُمَا.
(فَائِدَةٌ) الْعَصْرُ لُغَةً الْعَشِيُّ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَمِنْهُ سُمِّيَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ اهـ.
وَالْعَصْرَانِ الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَرَوَى مِثْلَيْنِ) بَعْدَ ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ السَّابِقِ، وَقَوْلِهِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا: «الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ» مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، وَبَعْدَهُ وَقْتُ جَوَازٍ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، ثُمَّ وَقْتُ كَرَاهَةٍ أَيْ يُكْرَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَيْهِ.
(وَالْمَغْرِبُ) يَدْخُلُ وَقْتُهَا (بِالْغُرُوبِ وَيَبْقَى حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ الْأَحْمَرُ فِي الْقَدِيمِ) كَمَا سَيَأْتِي.
وَاحْتَرَزَ بِالْأَحْمَرِ عَمَّا بَعْدَهُ مِنْ الْأَصْفَرِ ثُمَّ الْأَبْيَضِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُحَرَّرِ لِانْصِرَافِ الِاسْمِ إلَيْهِ لُغَةً.
(وَفِي الْجَدِيدِ يَنْقَضِي بِمُضِيِّ قَدْرِ) زَمَنِ (وُضُوءٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ) لِأَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّاهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ غَيْرِهَا.
وَلِلْحَاجَةِ إلَى فِعْلِ مَا ذَكَرَ مَعَهَا اعْتَبَرَ مُضِيَّ قَدْرِ زَمَنِهِ، وَالِاعْتِبَارُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ، وَسَيَأْتِي سَنُّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فِي وَجْهٍ صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فَقِيَاسُهُ كَمَا قَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ اعْتِبَارُ سَبْعِ رَكَعَاتٍ: (وَلَوْ شَرَعَ) فِيهَا (فِي الْوَقْتِ) عَلَى الْجَدِيدِ (وَمَدَّ) بِالتَّطْوِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا (حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ الْأَحْمَرُ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ) مِنْ الْخِلَافِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَعْضِهَا عَنْ وَقْتِهَا مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا أَدَاءٌ كَمَا سَيَأْتِي وَالثَّانِي الْمَنْعُ كَمَا فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ، وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا» ، صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ
[حاشية قليوبي]
مَا دُونَ الرَّكْعَةِ لَيْسَ مِنْ الْوَقْتِ وَلِأَنَّهُ أَصْرَحُ فِي الْمُرَادِ.
قَوْلُهُ: (وَالِاخْتِيَارُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ جِبْرِيلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتَارَ الصَّلَاةَ فِيهِ، أَوْ لِاخْتِيَارِ وُقُوعِهَا فِيهِ، أَوْ لِاخْتِيَارِ أَنْ لَا تُؤَخَّرَ عَنْهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ.
قَوْلُهُ: (بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا) ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ وَفِي الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَنْ اخْتِلَافِ صَلَاةِ جِبْرِيلَ فِيهَا فِي الْيَوْمَيْنِ مَعَ قَوْلِ جِبْرِيلَ: الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، بِخِلَافِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ.
قَوْلُهُ: (وَبَعْدَهُ وَقْتُ جَوَازٍ) أَيْ زِيَادَةً عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ وَالِاخْتِيَارِ، وَمَعْنَى الْجَوَازِ فِيهِ جَوَازُ أَنْ تُؤَخَّرَ إلَيْهِ فَرَائِضُهَا وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَدُّ قَطْعًا، بَلْ يَحْرُمُ الْإِتْيَانُ بِالْمَنْدُوبِ فِيهَا كَمَا مَرَّ، أَوْ فِي وَقْتٍ يَسَعُ فَرَائِضَهَا، فَفِي جَوَازِ مَدِّهِ وَجْهَانِ أَرْجَحُهُمَا جَوَازُهُ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ، وَقُلْنَا إنَّهَا قَضَاءٌ، وَالثَّانِي عَدَمُ جَوَازِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ وَقْتُ كَرَاهَةٍ) أَيْ حَتَّى يَبْقَى مَا يَسَعُهَا فَوَقْتُ حُرْمَةٍ ثُمَّ وَقْتُ ضَرُورَةٍ وَلَهَا وَقْتُ عُذْرٍ كَمَا مَرَّ فَلَهَا سَبْعَةُ أَوْقَاتٍ
قَوْلُهُ: (وَالْمَغْرِبُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِفِعْلِهَا وَقْتَ الْغُرُوبِ إذْ الْغُرُوبُ لُغَةً الْبُعْدُ أَوْ وَقْتُهُ أَوْ مَكَانُهُ.
قَوْلُهُ: (وُضُوءٍ) الْأَوْلَى طُهْرٌ لِيَشْمَلَ التَّيَمُّمَ وَالْغُسْلَ وَإِزَالَةَ النَّجَسِ عَنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ وَمَكَانٍ وَيُقَدَّرُ مُغَلَّظًا.
قَوْلُهُ: (عَوْرَةٍ) لَوْ أَسْقَطَهُ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (إلَى فِعْلِ إلَخْ) خَرَجَ بِهِ الْقَوْلُ وَسَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ) أَيْ لِغَالِبِ النَّاسِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، أَوْ لِفِعْلِ نَفْسِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ طُولُهُ تَارَةً وَقِصَرُهُ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَرَعَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ فِي وَقْتٍ لَا يَسَعُ الصَّلَاةَ وَإِنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ قُلْنَا إنَّهَا أَدَاءٌ، وَإِذَا شَرَعَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ فَعَلَى الْجَوَازِ فِي غَيْرِهَا يَجُوزُ فِيهَا قَطْعًا،
[حاشية عميرة]
ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) إنَّمَا احْتَاجَ إلَى هَذَا مَعَ حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ السَّابِقِ لِصَرَاحَةِ هَذَا دُونَ ذَاكَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ فَقَدَّرَ أَدْرَكَهَا لِمَعْنَى (وَجَبَتْ) . قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالِاخْتِيَارُ إلَخْ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مِنْ هَذَا التَّعْبِيرِ يُعْلَمُ أَنَّ تَسْمِيَتَهُ بِالْمُخْتَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ الرُّجْحَانِ أَيْ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ بَاقِي الْوَقْتِ.
وَقَالَ فِي الْإِقْلِيدِ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاخْتِيَارِ جِبْرِيلَ إيَّاهُ، ثُمَّ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ وَصَنِيعُهُ يُفِيدُك أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الظُّهْرِ اخْتِيَارٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي الْجَدِيدِ إلَخْ) قَالُوا وَذَلِكَ يَسَعُ الْعِشَاءَ لَوْ جَمَعْت مَعَهَا، فَإِنْ لَمْ يَسَعْ بِسَبَبِ الِاشْتِغَالِ بِالْأَسْبَابِ فَلَا جَمْعَ.
وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ: الْمَجْمُوعَتَانِ فِي مَعْنَى صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَالْمَغْرِبُ يَجُوزُ مَدُّهَا، وَسَلَفَ لَك مَا فِي مَعْنَاهَا وَنَقْضُهُ بِأَنَّ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ يَجُوزُ مَدُّهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَسَتْرِ عَوْرَةٍ) اُنْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ سَتْرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَأَفَادَ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْحُرَّةَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَقَطْ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: السُّورَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْفَرْضِ تَكُونُ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَدَّ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ) عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ: وَمَدَّ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ يَقْتَضِي الِاتِّسَاعَ فِيمَا بَعْدَ الشَّفَقِ بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْكِتَابِ، قُلْت: عِبَارَةُ الْكِتَابِ أَحْسَنُ خِلَافًا لِابْنِ عَقِيبٍ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (عَلَى الْأَصَحِّ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ) هَذَا الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ صُورَتُهُ مَا لَوْ أَخَّرَ غَيْرَ الْمَغْرِبِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ حَتَّى خَرَجَ بَعْضُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ كَمَا سَيَأْتِي، وَهَذَا هُوَ الْآتِي وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْأَصَحِّ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ لِمَا سَتَعْرِفُهُ مِنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ، وَأَيْضًا فَكَلَامُ الرَّوْضَةِ صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ، قُلْت: فَمَا حُكْمُ تَأْخِيرِ غَيْرِ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ إذَا شَرَعَ فِي وَقْتٍ يَسَعُهَا؟ قُلْت: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ لَمْ يَأْثَمْ قَطْعًا، وَلَا يُكْرَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَنَقَلَ مِنْ زَوَائِدِهِ عَنْ تَعْلِيقِ الْقَاضِي وَجْهًا قَائِلًا بِالْإِثْمِ،
الشَّيْخَيْنِ، وَفِي الْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ
، وَقِرَاءَتُهُ لَهَا تَقْرُبُ مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ لِتَدَبُّرِهِ وَمَدِّهِ فِي الصَّلَاةِ إلَى ذَلِكَ يَجُوزُ بِنَاؤُهُ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِهَا إلَيْهِ، وَعَلَى عَدَمِ امْتِدَادِهِ إلَيْهِ.
وَبَنَاهُ قَائِلُ الثَّانِي عَلَى الِامْتِدَادِ فَقَطْ (قُلْت: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَرَجَّحَهُ طَائِفَةٌ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: بَلْ هُوَ جَدِيدٌ أَيْضًا لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ عَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ فِي الْإِمْلَاءِ، وَهُوَ مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ ثَبَتَتْ فِيهَا أَحَادِيثُ مِنْهَا حَدِيثُ مُسْلِمٍ وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ.
(وَالْعِشَاءُ) يَدْخُلُ وَقْتُهَا (بِمَغِيبِ الشَّفَقِ) أَيْ الْأَحْمَرِ الْمُنْصَرِفِ إلَيْهِ الِاسْمُ لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ السَّابِقِ.
(وَيَبْقَى إلَى الْفَجْرِ) أَيْ الصَّادِقِ وَسَيَأْتِي لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ وَإِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى» ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي امْتِدَادَ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الْأُخْرَى مِنْ الْخَمْسِ، أَيْ غَيْرِ الصُّبْحِ لِمَا سَيَأْتِي فِي وَقْتِهَا (وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا تُؤَخَّرَ عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ) لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ السَّابِقِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مَحْمُولٌ
[حاشية قليوبي]
وَعَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ فِيهِ يَجْرِي فِيهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ كَغَيْرِهَا، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ كَمَا يَدُلُّ لَهُ الْحَدِيثُ، فَقَوْلُهُ وَمَدَّ أَيْ طَوَّلَ حَتَّى اسْتَغْرَقَ وَقْتَ الشَّفَقِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ كَلَامُ الشَّارِحِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَدَّ الْمَخْصُوصَ لِأَنَّهُ جَائِزٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ قَرُبَ مَغِيبُهُ، فَالْغَايَةُ خَارِجَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ بَعْدُ نَظَرًا لِلْمُرَادِ هُنَا، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَبَنَاهُ قَائِلُ الثَّانِي إلَخْ أَنَّهُ خَصَّ التَّطْوِيلَ بِالْمَدِّ الْمَخْصُوصِ، أَيْ وَهُوَ مَمْنُوعٌ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِهِ هَذَا صَرِيحُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَلَا يَتَّجِهُ فَهْمُ خِلَافِهِ وَمَا فِي غَالِبِ الشُّرُوحِ وَالْحَوَاشِي مِنْ مُخَالَفَتِهِ يَنْبَغِي، عَدَمُ الْمَيْلِ إلَيْهِ وَعَدَمُ التَّعْوِيلِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
قَوْلُهُ: (قُلْت الْقَدِيمُ أَظْهَرُ) وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْخَطَّابِيُّ وَالسُّهَيْلِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالْعِجْلِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَالطَّبَرِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ، وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ عَمَّا اعْتَرَضَ بِهِ الْجَدِيدُ مِنْ حَدِيثِ جِبْرِيلَ بِأَنَّ جِبْرِيلَ إنَّمَا يُبَيِّنُ الْأَوْقَاتَ الْمُخْتَارَةَ، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ فِي الْمَغْرِبِ مُسَاوٍ لِوَقْتِ الْفَضِيلَةِ.
نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ الظُّهْرُ لِمَا مَرَّ فِيهَا وَلَوْ لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ عِنْدَ قَوْمٍ، كَأَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ مَعَ غُرُوبِهِ اُعْتُبِرَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ زَمَنٌ يَغِيبُ فِيهِ شَفَقُ أَقْرَبِ بَلَدٍ إلَيْهِمْ، أَيْ قَدْرُ ذَلِكَ، وَبِمُضِيِّ ذَلِكَ يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ، وَيَخْرُجُ وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَعَ بَقَاءِ شَفَقِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِقَدْرِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ الْجُزْئِيَّةِ إلَى لَيْلِ الْبَلَدِ الْأَقْرَبِ، مِثَالُهُ لَوْ كَانَ الْبَلَدُ الْأَقْرَبُ مَا بَيْنَ غُرُوبِ شَمْسِهِ وَطُلُوعِهَا مِائَةَ دَرَجَةٍ وَشَفَقُهُمْ عِشْرُونَ مِنْهَا فَهُوَ خُمُسُ لَيْلِهِمْ فَخُمُسُ لَيْلِ الْآخَرِينَ هُوَ حِصَّةُ شَفَقِهِمْ، وَهَكَذَا طُلُوعُ فَجْرِهِمْ وَعَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ لِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الِاسْتِدْرَاكِ عَلَى عِبَارَتِهِ وَغَيْرِهِ كَمَا يُعْلَمُ بِمُرَاجَعَتِهِ وَتَحْرِيرِهِ، وَعَلَى هَذَا الْقَدِيمُ فَلَهَا خَمْسَةُ أَوْقَاتٍ حَقِيقَةً وَسَبْعَةُ أَوْقَاتٍ اعْتِبَارًا، وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَاخْتِيَارٍ وَجَوَازٍ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَهُوَ أَوَّلُهُ بِقَدْرِ وَقْتِ الْجَدِيدِ، وَوَقْتُ جَوَازِ بِكَرَاهَةٍ إلَى أَنْ يَبْقَى مَا يَسَعُهَا عَلَى مَا مَرَّ، وَوَقْتُ حُرْمَةٍ بَعْدَهُ، وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ، وَلَهَا وَقْتُ عُذْرٍ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ وَقْتًا آخَرَ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى وَقْتِ الْفَضِيلَةِ مِنْ وَقْتِ الْجَدِيدِ، وَسَمَّاهُ وَقْتَ جَوَازِ بِلَا كَرَاهَةٍ وَفِيهِ نَظَرٌ كَمَا عُلِمَ.
قَوْلُهُ: (ظَاهِرُهُ) أَيْ فَلَيْسَ صَرِيحًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ صَرِيحٌ لِأَنَّ نَفْيَ التَّفْرِيطِ يَلْزَمُهُ كَوْنُهَا فِي وَقْتِهَا وَهُوَ مَا قَبْلَ الْأُخْرَى إلَّا أَنْ يُقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ فِي الْحَدِيثِ صَلَاةٌ مَعْهُودَةٌ فَلَا يَكُونُ فِيهِ لِعُمُومِ الْمُرَادِ مِنْ الدَّلِيلِ قَوْلُهُ (وَالْعِشَاءُ) وَهِيَ لُغَةً أَوَّلُ اللَّيْلِ، وَلَيْسَتْ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ خِلَافًا لِمَنْ قَالَهُ.
قَوْلُهُ: (الْمُنْصَرِفِ إلَيْهِ الِاسْمُ) فَأَلْ فِيهِ لِلْعَهْدِ إمَّا الذِّهْنِيُّ كَمَا مَرَّ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ، أَوْ الذِّكْرِيُّ هُنَا لِتَقَدُّمِهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ) وَالْمَشَقَّةُ تُنَافِي الْوُجُوبَ لَا النَّدْبَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ) أَيْ الْأَوَّلِ، وَلِلْعِشَاءِ سَبْعَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ فَضِيلَةِ أَوَّلِهِ وَاخْتِيَارٍ إلَى آخِرِ
[حاشية عميرة]
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَقِيَاسُ هَذَا الْجَزْمِ بِالْجَوَازِ فِي الْمَغْرِبِ؛ انْتَهَى.
قُلْت: لَعَلَّهَا فَارَقَتْ غَيْرَهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا فِي عَدَمِ جَوَازِ إخْرَاجِ بَعْضِهَا عَنْ الْوَقْتِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ مُقِرُّ الْأَصَحِّ وَمِنْ ثَمَّ اتَّضَحَ لَك كَوْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ هُوَ تَأْخِيرُهُ غَيْرَ الْمَغْرِبِ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ أَيْ إذَا قُلْنَا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ قُلْنَا فِي الْمَغْرِبِ إذَا خَرَجَ بَعْضُهَا بِالْمَدِّ خِلَافًا لِاخْتِصَاصِهَا عَنْ غَيْرِهَا بِكَوْنِهَا فُعِلَتْ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَلَا يُرَدُّ مَا عَسَاهُ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْمَدَّ فِي الْمَغْرِبِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ غَيْرِهَا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَمَدُّهُ) هُوَ بِضَمِّ الدَّالِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ (وَالْعِشَاءُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هُوَ اسْمٌ لِأَوَّلِ الظَّلَامِ سُمِّيَتْ الصَّلَاةُ بِهِ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِيهِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (الْمُنْصَرِفِ إلَيْهِ الِاسْمُ) يُغْنِي هَذَا أَنْ يَقُولَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثُلُثِ اللَّيْلِ) يَجُوزُ فِيهِ ضَمُّ اللَّامِ وَإِسْكَانُهَا وَالنِّصْفُ مُثَلَّثُ النُّونِ
عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ.
(وَفِي قَوْلٍ نِصْفُهُ) لِحَدِيثِ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْت صَلَاةَ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ» صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَرَجَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَذَا الْقَوْلَ، وَكَلَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَيْهِ.
(وَالصُّبْحُ) يَدْخُلُ وَقْتُهَا (بِالْفَجْرِ الصَّادِقِ، وَهُوَ الْمُنْتَشِرُ ضَوْءُهُ مُعْتَرِضًا بِالْأُفُقِ) أَيْ نَوَاحِي السَّمَاءِ بِخِلَافِ الْكَاذِبِ، وَهُوَ يَطْلُعُ قَبْلَ الصَّادِقِ مُسْتَطِيلًا، ثُمَّ يَذْهَبُ وَيَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ (وَيَبْقَى) الْوَقْتُ (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ» وَفِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» . (وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا تُؤَخِّرَ عَنْ الْإِسْفَارِ) لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ السَّابِقِ وَقَوْلِهِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا «الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ» مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ.
(قُلْت: يُكْرَهُ) تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ عِشَاءً وَالْعِشَاءِ عَتَمَةً لِلنَّهْيِ عَنْ الْأَوَّلِ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ الْمَغْرِبِ» وَتَقُولُ الْأَعْرَابُ هِيَ الْعِشَاءُ، وَعَنْ الثَّانِي فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ أَلَا إنَّهَا الْعِشَاءُ» وَهُمْ يَعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ وَفِي رِوَايَةٍ بِحِلَابِ الْإِبِلِ.
قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا الْعَتَمَةَ لِكَوْنِهِمْ يَعْتِمُونَ بِحِلَابِ الْإِبِلِ أَيْ يُؤَخِّرُونَهُ إلَى شِدَّةِ الظَّلَامِ.
(وَالنَّوْمُ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ
[حاشية قليوبي]
ثُلُثِهِ، وَجَوَازٍ بِلَا كَرَاهِيَةٍ لِلْفَجْرِ الْأَوَّلِ وَبِكَرَاهَةٍ إلَى الْفَجْرِ الثَّانِي، وَوَقْتُ حُرْمَةٍ وَضَرُورَةٍ وَعُذْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَالصُّبْحُ) بِالضَّمِّ وَيَجُوزُ فِيهِ الْكَسْرُ، وَهُوَ لُغَةً أَوَّلُ النَّهَارِ، وَيُقَالُ لَهُ الْفَجْرُ، وَتَسْمِيَتُهُ غَدَاةً خِلَافُ الْأَوْلَى لَا مَكْرُوهٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (مُعْتَرِضًا) أَيْ فِي عُرْضِ الْأُفُقِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ فِيمَا بَيْنَ شِمَالِهِ وَجَنُوبِهِ، وَالْمُسْتَطِيلُ الصَّاعِدُ إلَى الْأَعْلَى إلَى وَسَطِ السَّمَاءِ، وَالْعَرَبُ تُشَبِّهُهُ بِذَنَبِ السِّرْحَانِ بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ الذِّئْبِ، وَكَوْنُهُ تَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ غَالِبٌ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) وَطُلُوعُهَا بِطُلُوعِ جُزْءٍ مِنْهَا بِخِلَافِ غُرُوبِهَا إلْحَاقًا لِلْخَفِيِّ بِالظَّاهِرِ بِخِلَافِهِ فِي الْكُسُوفِ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَدَمُ صَلَاتِهِ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا تُؤَخَّرَ عَنْ الْإِسْفَارِ) أَيْ إلَيْهِ، فَعَنْ بِمَعْنَى إلَى، فَوَقْتُ الْإِسْفَارِ لَيْسَ مِنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ " فَأَسْفَرَ " أَيْ فَدَخَلَ بَعْدَ الْفَرَاغِ فِي وَقْتِ الْإِسْفَارِ الَّذِي هُوَ وَقْتُ الْجَوَازِ بِلَا كَرَاهَةٍ إلَى الِاحْمِرَارِ، ثُمَّ بِكَرَاهَةٍ حَتَّى يَبْقَى مَا يَسَعُهَا، ثُمَّ حُرْمَةٍ، ثُمَّ ضَرُورَةٍ، فَلَهَا سِتَّةُ أَوْقَاتٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَمَا وَرَدَ مِنْ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ بَيَانٌ لِلْجَوَازِ أَوْ خِطَابٌ لِمَنْ لَا يَعْرِفُهَا إلَّا بِهِ.
قَوْلُهُ: (تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ عِشَاءً) وَلَوْ مَعَ التَّغْلِيبِ أَوْ مَعَ وَصْفِهَا بِالْأَوْلَى كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فِي التَّغْلِيبِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْخَطِيبُ.
قَوْلُهُ: (وَالْعِشَاءِ عَتَمَةً) أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَقِيلَ خِلَافُ الْأَوْلَى، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَأَصْلُ الْعَتَمَةِ الظُّلْمَةُ قَوْلُهُ: (وَالنَّوْمُ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ فِعْلِهَا وَبَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا إلَّا لِغَلَبَةِ نَوْمٍ فَلَا يُكْرَهُ وَإِلَّا لَظَنَّ اسْتِغْرَاقَ الْوَقْتِ بِالنَّوْمِ، فَيَحْرُمُ وَيَجِبُ إيقَاظُهُ عَلَى مَنْ عَلِمَ
[حاشية عميرة]
وَيُقَالُ فِيهِ نَصِيفٌ عَلَى وَزْنِ رَغِيفٍ، وَقَالُوا أَيْضًا فِي الْخُمْسِ خَمِيسٌ، وَكَذَا فِي الثُّمْنِ وَالتُّسْعِ وَالْعُشْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الرُّبْعِ وَالسُّدْسِ وَالسُّبْعِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ فِي الثُّلْثِ شَيْئًا، انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدَّمَ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى الْقَوْلِ بَعْدَهُ مَعَ أَنَّ حَدِيثَهُ ثَابِتٌ.
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: لِأَنَّهُ تَضَافَرَ عَلَيْهِ خَبَرُ جِبْرِيلَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَخَبَرِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَلَهَا وَقْتُ كَرَاهَةٍ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْفَجْرَيْنِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالصُّبْحُ بِالْفَجْرِ الصَّادِقِ) أَيْ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا هَذَا الْعَارِضُ لِعَمُودِ الصُّبْحِ حَتَّى يَسْتَطِيرَ» وَالصُّبْحُ بِالضَّمِّ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَفِيهِ لُغَةٌ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ أَوَّلُ النَّهَارِ سُمِّيَتْ بِهِ هَذِهِ الصَّلَاةُ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (مُسْتَطِيلًا) هَذَا تُشَبِّهُهُ الْعَرَبُ بِذَنَبِ الذِّئْبِ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِطَالَةُ، وَكَوْنُ النُّورِ فِي أَعْلَاهُ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ) قَدَّمَ هَذَا عَلَى حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ لِأَنَّهُ أَصْرَحُ مِنْهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَنْ الْإِسْفَارِ) أَيْ الْإِضَاءَةِ، يُقَالُ: سَفَرَ الصُّبْحُ وَأَسْفَرَ، وَيَجِبُ حَمْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ عَنْ بِمَعْنَى إلَى لِتَوَافُقِ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا، أَوْ يُرَادُ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ الْإِسْفَارِ فَإِنَّهَا إذَا وَقَعَتْ فِيهِ صَدَقَ أَنَّهَا أُخِّرَتْ عَنْ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ لَكِنَّ هَذَا الْخَبَرَ يَقْتَضِي أَنَّ مُقَارَنَةَ آخِرِهَا لِلْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ الِاخْتِيَارِ، فَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بَلْ مُتَعَيِّنٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت يُكْرَهُ إلَخْ) أَيْ وَمَا وَرَدَ مِنْ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ وَهُوَ خِطَابٌ مَعَ مَنْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْحَالُ قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَتَمَةٌ) هِيَ فِي اللُّغَةِ شِدَّةُ الظُّلْمَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالنَّوْمُ قَبْلَهَا) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: سِيَاقُ كَلَامِهِمْ يُشْعِرُ بِتَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا يَعْرِضُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَقَبْلَ الْفِعْلِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يَنْبَغِي الْكَرَاهَةُ أَيْضًا قَبْلَهُ لِلْمَعْنَى السَّابِقِ يَعْنِي
الْعِشَاءِ (وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَكْرَهُهُمَا، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ.
(إلَّا فِي خَيْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَمُذَاكَرَةِ الْفِقْهِ وَإِينَاسِ الضَّيْفِ، وَلَا يُكْرَهُ الْحَدِيثُ لِحَاجَةٍ.
(وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ) لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَأَلْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ الْحَاكِمُ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَفْظُ الصَّحِيحَيْنِ لِوَقْتِهَا، فَيَشْتَغِلُ أَوَّلَ الْوَقْتِ بِأَسْبَابِهَا كَالطَّهَارَةِ وَالسَّتْرِ وَنَحْوِهِمَا إلَى أَنْ يَفْعَلَهَا، وَسَوَاءٌ الْعِشَاءُ وَغَيْرُهَا (وَفِي قَوْلٍ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ أَفْضَلُ) أَيْ مَا لَمْ يُجَاوِزْ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ، وَجَوَابُهُ مَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّ تَقْدِيمَهَا هُوَ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَيُسَنُّ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ) إلَى أَنْ يَصِيرَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يَمْشِي فِيهِ طَالِبُ الْجَمَاعَةِ لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ
[حاشية قليوبي]
بِهِ فِي هَذِهِ وَيُنْدَبُ فِي غَيْرِهَا، أَمَّا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا فَخِلَافُ الْأُولَى وَإِنْ عُلِمَ اسْتِغْرَاقُ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِهِ بِالنَّوْمِ وَالْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُكْرَهُ وَيَجْرِي مَا ذَكَرَ فِي غَيْرِ الْعِشَاءِ مِنْ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ وَلَوْ جُمُعَةً، فَلَا يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَإِنْ لَزِمَ فَوَاتُهَا بِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ فِعْلِهَا فِي وَقْتِهَا الْأَصْلِيِّ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الصُّبْحِ بِالنَّوْمِ بَعْدَ الْحَدِيثِ، وَلَا يُكْرَهُ بَعْدَ فِعْلِهَا مَجْمُوعَةً مَعَ الْمَغْرِبِ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ مَا يَسَعُهَا مِنْ وَقْتِهَا الْأَصْلِيِّ بِخِلَافِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ بَعْدَ فِعْلِ الْعَصْرِ مَجْمُوعَةً مَعَ الظُّهْرِ لِتَعَلُّقِ الْكَرَاهَةِ فِيهِ بِالْفِعْلِ وَالْكَلَامِ فِي حَدِيثٍ مُبَاحٍ، فَغَيْرُهُ أَشَدُّ كَرَاهَةً أَوْ حُرْمَةً هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَإِينَاسِ الضَّيْفِ) غَيْرِ نَحْوِ الْفَاسِقِ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَ مِنْ كَرَاهَةِ النَّوْمِ وَالْحَدِيثِ يَجْرِي فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ الْعِشَاءُ بِذِكْرِهِمَا لِأَنَّهَا مَحَلُّ النَّوْمِ أَصَالَةً، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ الْحَدِيثُ قَبْلَ الْفِعْلِ لِأَنَّ الْوَقْتَ بَاعِثٌ عَلَى تَرْكِهِ بِطَلَبِ الْفِعْلِ فِيهِ.
(فُرُوعٌ) يُنْدَبُ إيقَاظُ مَنْ نَامَ أَمَامَ الْمُصَلِّينَ أَوْ فِي الْمِحْرَابِ أَوْ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ أَوْ عَلَى سَطْحٍ لَا حَاجِزَ لَهُ أَوْ فِي عَرَفَةَ وَقْتَ الْوُقُوفِ أَوْ وَفِي يَدِهِ رِيحٌ غَمِرَ بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ زَفَرٌ كَنَحْوِ لَحْمٍ، أَوْ نَامَ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَإِنْ صَلَّاهَا لِأَنَّ الْأَرْضَ تَعِجُّ أَيْ تَصِيحُ مُشْتَكِيَةً إلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ نَامَ مُسْتَلْقِيًا وَهُوَ أُنْثَى أَوْ مُنْكَبًّا وَهُوَ ذَكَرٌ، لِأَنَّهَا نَوْمَةٌ يَبْغُضُهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَلِصَلَاةِ لَيْلٍ، وَنَحْوِ تَسَحُّرٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ) بِإِيقَاعِ جَمِيعِهَا فِي وَقْتِ الْفَضِيلَةِ، وَلَا يَكْفِي الْإِحْرَامُ فِيهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْهُ بِشَرْطِ الْعَزْمِ كَمَا مَرَّ، وَقَدْ يُطْلَبُ التَّأْخِيرُ كَمَا يَأْتِي.
(فَرْعٌ) يُنْدَبُ التَّعْجِيلُ فِي النَّفْلِ ذِي الْوَقْتِ أَوْ السَّبَبِ أَيْضًا، وَرُبَّمَا شَمَلَهُمَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهِمَا) كَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَكَلَامٍ قَصِيرٍ وَشُغْلٍ كَذَلِكَ وَطَلَبِ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ وَتَفْرِيغِ حَدَثٍ وَفِعْلٍ رَاتِبٍ وَأَكْلِ لُقَمٍ لِسَدِّ رَمَقٍ وَتَحَقُّقِ وَقْتٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ لِغَالِبِ النَّاسِ، وَهَذَا مِقْدَارُ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ سَوَاءٌ احْتَاجَ فِيهِ لِمَا ذُكِرَ أَوْ لَا، لَكِنَّ الْمُبَادَرَةَ فِيهِ أَفْضَلُ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَهَا إلَخْ) لَيْسَ هَذَا مِنْ إخْبَارِهِ
إنَّمَا هُوَ مِنْ إخْبَارِ الرَّاوِي بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ مِنْ تَأْخِيرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفِعْلِهَا أَحْيَانًا بَيَانًا لِلْجَوَازِ الَّذِي رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ عِظَمِهَا مَنْعُهُ، وَلِذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى التَّعْجِيلِ، وَبِهِ يَرُدُّ أَيْضًا دَعْوَى قُوَّةِ دَلِيلِ التَّأْخِيرِ الْمُسْتَنِدِ إلَى أَنْ كَانَ مَعَ الْمُضَارِعِ تُفِيدُ الدَّوَامَ وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ يَنْزِلُ مَا فِي الْمَنْهَجِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ) أَيْ تَأْخِيرُهُ لِوَقْتِ الْبَرْدِ طَلَبًا لِلْخُشُوعِ أَوْ كَمَالِهِ الْفَائِتَ بِشِدَّةِ الْحَرِّ، وَهَذَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ مَا طُلِبَ فِيهِ التَّأْخِيرُ نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَقَدْ أَوْصَلَهَا بَعْضُهُمْ إلَى نَحْوِ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، وَضَابِطُهَا اشْتِمَالُ التَّأْخِيرِ عَلَى كَمَالٍ خَلَا عَنْهُ التَّقْدِيمُ، كَقُدْرَةٍ عَلَى قِيَامٍ
[حاشية عميرة]
خَوْفَ اسْتِغْرَاقِ الْوَقْتِ بِالنَّوْمِ، وَقَوْلُهُ: وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إطْلَاقُهُ يَشْمَلُ مَا لَوْ جَمَعَهَا مَعَ الْمَغْرِبِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ وَالْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ، قَالَ: فَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ فَهَلْ تَكُونُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ أَمْ بِمُضِيِّ قَدْرِ زَمَنِ الْفِعْلِ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ، قَالَ: وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ سَوَاءٌ أَصَلَّى السُّنَّةَ أَمْ لَا.
[وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ) قَالَ الْقَاضِي: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَوْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَطَوَّلَ حَتَّى بَلَغَ آخِرَ الْوَقْتِ ثُمَّ سَلَّمَ فِي الْوَقْتِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحْسَنًا، وَخَالَفَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ، فَقَالَ: إنَّ الْمَدَّ إلَى خُرُوجِ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ خِلَافَ الْأَفْضَلِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ الْإِبْرَادُ إلَخْ) الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْحَرَكَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ الْمَشَقَّةِ السَّالِبَةِ لِلْخُشُوعِ.
«أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» أَيْ هَيَجَانِهَا.
وَفِي اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِالْجُمُعَةِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُبْرِدُ بِالْجُمُعَةِ، وَأَصَحُّهُمَا لَا لِشِدَّةِ الْخَطَرِ فِي فَوَاتِهَا الْمُؤَدِّي إلَى تَأْخِيرِهَا بِالتَّكَاسُلِ، وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهُ بِبَلَدٍ حَارٍّ وَجَمَاعَةِ مَسْجِدٍ يَقْصِدُونَهُ مِنْ بُعْدٍ) وَلَا ظِلَّ فِي طَرِيقِهِمْ إلَيْهِ، فَلَا يُسَنُّ فِي بَلَدٍ مُعْتَدِلٍ، وَلَا لِمَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا، وَلَا لِجَمَاعَةِ مَسْجِدٍ لَا يَأْتِيهِمْ غَيْرُهُمْ، وَلَا لِمَنْ كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ قَرِيبَةً مِنْ الْمَسْجِدِ، وَلَا لِمَنْ يَمْشُونَ إلَيْهِ مِنْ بُعْدٍ فِي ظِلٍّ.
وَالثَّانِي لَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ فَيُسَنُّ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ.
وَذِكْرُ الْمَسْجِدِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَمِثْلُهُ الرِّبَاطُ وَنَحْوُهُ مِنْ أَمْكِنَةِ الْجَمَاعَةِ.
(وَمَنْ وَقَعَ بَعْضُ صَلَاتِهِ فِي الْوَقْتِ) وَبَعْضُهَا خَارِجَهُ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ) فِي الْوَقْتِ (رَكْعَةٌ) فَأَكْثَرَ (فَالْجَمِيعُ أَدَاءٌ إلَّا) بِأَنْ وَقَعَ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ رَكْعَةٍ (فَقَضَاءٌ) لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» أَيْ مُؤَدَّاةً، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً لَا يُدْرِكُ الصَّلَاةَ مُؤَدَّاةً.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الرَّكْعَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى مُعْظَمِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ إذْ مُعْظَمُ الْبَاقِي كَالتَّكْرِيرِ لَهَا، فَجَعَلَ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ تَابِعًا لَهَا بِخِلَافِ مَا دُونَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْجَمِيعَ أَدَاءٌ مُطْلَقًا تَبَعًا لِمَا فِي الْوَقْتِ.
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ قَضَاءٌ مُطْلَقًا تَبَعًا لِمَا بَعْدَ الْوَقْتِ.
وَالرَّابِعُ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي الْوَقْتِ أَدَاءٌ وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ وَهُوَ التَّحْقِيقُ وَعَلَى الْقَضَاءِ
[حاشية قليوبي]
أَوْ سُتْرَةٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ جَمَاعَةٍ أَوْ بُلُوغِ صَبِيٍّ، أَوْ انْقِطَاعِ حَدَثٍ، أَوْ نُزُولِ مُسَافِرٍ، أَوْ إيقَاعِهَا فِي مَسْجِدٍ وَلَوْ فُرَادَى، أَوْ وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ، أَوْ رَمْيِ جِمَارٍ، أَوْ إنْقَاذِ غَرِيقٍ، وَخَرَجَ بِالظُّهْرِ أَذَانُهَا فَلَا يُسَنُّ الْإِبْرَادُ بِهِ إلَّا لِقَوْمٍ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ سَمَاعِهِ، وَخَرَجَ بِهَا أَيْضًا الْجُمُعَةُ كَمَا مَرَّ، وَسَائِرُ الصَّلَوَاتِ.
قَوْلُهُ: (فِي شِدَّةِ الْحَرِّ) خَرَجَ بِهِ الِاعْتِدَالُ وَشِدَّةُ الْبَرْدِ لِمَا سَيَأْتِي، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَسْتَغْرِقُ الْوَقْتَ.
قَوْلُهُ: (إلَى أَنْ يَصِيرَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ إلَخْ) وَغَايَتُهُ إلَى نِصْفِ الْوَقْتِ، وَبِمَا ذُكِرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ الْإِبْرَادُ فِي أَيَّامِ الدَّجَّالِ قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا لَا) أَيْ لَا يُطْلَبُ الْإِبْرَادُ فِي الْجُمُعَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (بِبَلَدٍ حَارٍّ) مُعْتَدِلٍ كَمِصْرِ وَلَا بَارِدٍ كَالشَّامِ، وَمَحَلُّ اعْتِبَارِ الْبُلْدَانِ خَالَفَتْ وَضْعَ الْقُطْرِ وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِالْقُطْرِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَقَدْ مَرَّ مِثْلُهُ فِي الْمَاءِ الْمُشْمِسِ وَيُعْتَبَرُ أَيْضًا حَرَارَةُ الزَّمَنِ.
قَوْلُهُ: (وَجَمَاعَةِ مَسْجِدٍ) سَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ عَدَمُ اعْتِبَارِهَا.
قَوْلُهُ: (يَقْصِدُونَهُ) أَيْ يَأْتُونَ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ بُعْدٍ) أَيْ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُمْ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً لِغَالِبِ النَّاسِ وَقِيلَ لِلشَّخْصِ نَفْسِهِ، وَالْمَشَقَّةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا مَا تُذْهِبُ الْخُشُوعَ أَوْ كَمَالَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا لِمَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا) وَكَذَا جَمَاعَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا لِجَمَاعَةِ مَسْجِدٍ لَا يَأْتِيهِمْ غَيْرُهُمْ) فَإِنْ كَانَ يَأْتِيهِمْ غَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُسَنُّ لَهُ الْإِبْرَادُ سُنَّ لِهَؤُلَاءِ الْإِبْرَادُ لِأَجْلِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ وَقَعَ بَعْضُ صَلَاتِهِ فِي الْوَقْتِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْإِحْرَامَ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ يَسَعُ جَمِيعَ فَرَائِضِهَا لَيْسَ حَرَامًا بِلَا خِلَافٍ، وَلَهُ الْمَدُّ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَنْدُوبَاتِهَا كَتَطْوِيلِ قِرَاءَتِهَا وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهَا أَوْ كُلُّهَا عَنْ الْوَقْتِ، وَفَارَقَ تَرْكَ تَثْلِيثِ الْوُضُوءِ مَثَلًا لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ، وَتَأْخِيرَ النَّفْلِ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَهَمُّ، ثُمَّ إنْ وَقَعَ مِنْهَا رَكْعَةٌ فَأَكْثَرُ فِي الْوَقْتِ فَالْجَمِيعُ أَدَاءٌ وَإِلَّا فَقَضَاءٌ، وَأَنَّ الْإِحْرَامَ بِهَا فِي وَقْتٍ لَا يَسَعُ مَا ذُكِرَ لَيْسَ حَرَامًا أَيْضًا إنْ كَانَ تَأْخِيرُهَا لِعُذْرٍ وَيَجْرِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ وَإِلَّا فَحَرَامٌ قَطْعًا، وَلَيْسَ لَهُ الْإِتْيَانُ بِشَيْءٍ مِنْ مَنْدُوبَاتِهَا، ثُمَّ إنْ وَقَعَ مِنْهَا رَكْعَةٌ فَأَكْثَرُ فِي الْوَقْتِ فَأَدَاءٌ أَيْضًا، وَإِلَّا فَقَضَاءٌ مَعَ الْإِثْمِ فِيهِمَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ تَخْصِيصُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِهَذِهِ مَعَ شُمُولِهَا لِغَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ، وَلَعَلَّهُ لِتَرَتُّبِ الْحُرْمَةِ عَلَى الْخِلَافِ وَشَمَلَتْ الصَّلَاةُ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ وَدَخَلَ فِيهَا الْجُمُعَةُ، وَهُوَ كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ تَسْمِيَتُهَا أَدَاءً وَقَضَاءً وَإِنْ فَاتَ كَوْنُهَا جُمُعَةً، وَإِنْ حَرُمَ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَالْجَمِيعُ أَدَاءٌ) أَيْ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَوْ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ.
[حاشية عميرة]
تَنْبِيهٌ) لَا تَجُوزُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ فِي ذَلِكَ مَعَ ظَنِّ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ، وَلَا نِيَّةُ الْأَدَاءِ مَعَ ظَنِّ عَدَمِ ذَلِكَ، وَلَا يَضُرُّ فِي صَلَاتِهِ تَبَيُّنُ خِلَافِ مَا نَوَاهُ.
قَوْلُهُ: (إنَّ الرَّكْعَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى مُعْظَمِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ) أَيْ وَأَقْوَالِهَا، أَوْ أَرَادَ بِالْأَفْعَالِ مَا يَشْمَلُهَا تَغْلِيبًا، أَوْ لِأَنَّهَا فِعْلُ اللِّسَانِ.
قَوْلُهُ: (كَالتَّكْرِيرِ لَهَا) أَشَارَ بِالْكَافِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ تَكْرَارًا حَقِيقَةً لِاعْتِبَارِهِ فِي نَفْسِهِ وَلِزِيَادَتِهِ بِالتَّشَهُّدِ وَمَا مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْقَضَاءِ)
يَأْثَمُ الْمُصَلِّي بِالتَّأْخِيرِ إلَى ذَلِكَ وَكَذَا عَلَى الْأَدَاءِ نَظَرًا لِلتَّحْقِيقِ، وَقِيلَ لَا نَظَرًا إلَى الظَّاهِرِ لِمُسْتَنِدٍ إلَى الْحَدِيثِ.
(وَمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ) لِغَيْمٍ أَوْ حَبْسٍ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (اجْتَهَدَ بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ) كَخِيَاطَةٍ وَقِيلَ إنْ قَدَرَ عَلَى الصَّبْرِ إلَى الْيَقِينِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ، فَقَوْلُهُ: اجْتَهَدَ، أَيْ جَوَازًا إنْ قَدَرَ وَوُجُوبًا إنْ لَمْ يَقْدِرْ، وَسَوَاءٌ الْبَصِيرُ وَالْأَعْمَى (فَإِنْ تَيَقَّنَ صَلَاتَهُ) بِالِاجْتِهَادِ (قَبْلَ الْوَقْتِ) وَعَلِمَ بَعْدَهُ (قَضَى فِي الْأَظْهَرِ) وَالثَّانِي لَا اعْتِبَارًا بِظَنِّهِ، فَإِنْ عَلِمَ فِي الْوَقْتِ أَعَادَ أَيْ
[حاشية قليوبي]
إلَخْ قِيلَ إنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ.
قَوْلُهُ: (نَظَرًا إلَى الظَّاهِرِ الْمُسْتَنِدِ إلَى الْحَدِيثِ) لِأَنَّ لَفْظَ الْإِدْرَاكِ فِيهِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ كَمَنْ أَدْرَكَ جَمِيعَهَا فِي الْوَقْتِ وَهُوَ لَا إثْمَ فِيهِ، وَهَذَا مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ) أَيْ جَهِلَ دُخُولَهُ لِعَدَمِ ظَنِّهِ، فَخَرَجَ مِنْ أَخْبَرَهُ بِهِ عَدْلُ رِوَايَةٍ عَنْ عِلْمٍ، أَوْ سَمِعَ أَذَانَهُ فِي الصَّحْرَاءِ، أَوْ أَذَّنَ مَأْذُونُهُ وَلَوْ صَبِيًّا مَأْمُونًا فِي ذَلِكَ، أَوْ رَأَى مِزْوَلَةً وَضَعَهَا عَارِفٌ ثِقَةٌ أَوْ أَقَرَّهَا لِأَنَّهَا كَالْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ وَمِثْلُهَا مِنْكَابٌ مُجَرَّبٌ، وَأَقْوَى مِنْهُمَا بَيْتُ الْإِبْرَةِ الْمَعْرُوفُ لِعَارِفٍ بِهِ.
قَوْلُهُ: (بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ) لَفْظُ نَحْوِهِ قِيلَ مُسْتَدْرَكٌ لِأَنَّ مَا دَخَلَ تَحْتَهُ مِنْ الْوَرْدِ وَكَلَامُ الشَّارِحِ يُشِيرُ إلَى رَدِّهِ لِأَنَّ الْوِرْدَ مَا كَانَ بِنَحْوِ ذِكْرٍ أَوْ قِرَاءَةٍ وَنَحْوُهُ مَا كَانَ بِنَحْوِ صِنَاعَةٍ، وَمِنْهُ سَمَاعُ صَوْتِ دِيكٍ مُجَرَّبٍ، وَسَمَاعُ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ عَدَالَتُهُ أَوْ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أَذَانَهُ أَوْ أَخْبَرَهُ عَنْ عِلْمٍ وَسَمَاعِ أَذَانِ ثِقَةٍ عَارِفٍ فِي الْغَيْمِ لَكِنَّ لَهُ فِي هَذِهِ تَقْلِيدَهُ، وَخَرَجَ بِالثِّقَةِ الْمَذْكُورِ الْفَاسِقُ وَمَجْهُولُ الْعَدَالَةِ وَلَوْ مَسْتُورَهَا، وَالصَّبِيُّ وَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا عَارِفًا وَفِي صَحْوٍ، وَمَا نُقِلَ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَالْهَرَوِيِّ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ الصَّبِيِّ فِيمَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ كَرُؤْيَةِ النَّجَاسَةِ وَدَلَالَةِ الْأَعْمَى عَلَى الْقِبْلَةِ وَخُلُوِّ الْمَوْضِعِ عَنْ الْمَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ وَغُرُوبِهِمَا لَا فِيمَا طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ كَالْإِفْتَاءِ لَمْ يَعْتَمِدْهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (جَوَازًا إلَخْ) هُوَ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْمِيَاهِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الِاجْتِهَادِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ مَعَ الْعَجْزِ، وَمَتَى وَقَعَ كَانَ وَاجِبًا، وَالْقُدْرَةُ تَعُمُّ مَا كَانَ بِالصَّبْرِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَمَا كَانَ بِغَيْرِهِ كَوُجُودِ مُخْبِرٍ عَنْ عِلْمٍ عِنْدَهُ، أَوْ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ طَلَبُ الْمَاءِ مِنْهُ، وَتَمَكَّنَ مِنْ سُؤَالِهِ بِلَا مَشَقَّةٍ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ، وَفَارَقَ مَنْعَ الِاجْتِهَادِ وَوُجُوبَ السُّؤَالِ فِي مِثْلِهِ فِي الْقِبْلَةِ بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ، وَقَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْهَجِ بِجَوَازِ التَّقْلِيدِ لَهُ وَلَوْ لِأَعْمَى أَقْوَى إدْرَاكًا مِنْهُ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِاجْتِهَادِ كَالْبَصِيرِ الْعَاجِزِ لِعَجْزِ الْبَصِيرِ حَقِيقَةً، وَالْأَعْمَى فِي الْجُمْلَةِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّقْلِيدَ لَا يَجِبُ عَلَى الْأَعْمَى الْعَاجِزِ، وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ الْبَصِيرِ الْقَادِرِ لِمُجْتَهِدٍ آخَرَ، وَمُقْتَضَى مَا بَعْدُ عَنْ النَّوَوِيِّ جَوَازُهُ لَهُ كَمَا مَرَّ، وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ أَنَّهُمَا إنْ كَانَا عَاجِزَيْنِ وَجَبَ التَّقْلِيدُ أَوْ قَادِرَيْنِ تَخَيَّرَا بَيْنَ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ وَالِاجْتِهَادِ، وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ مَنْعِ تَقْلِيدِ الْقَادِرِ عَلَى الِاجْتِهَادِ لِمُجْتَهِدٍ لِلْمَشَقَّةِ هُنَا، وَبِذَلِكَ فَارَقَ مَنْعَ تَقْلِيدِ الْأَعْمَى لِغَيْرِهِ فِي الْأَوَانِي مَا لَمْ يَتَحَيَّرْ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ شَيْخُنَا: مَعْنَى الِاجْتِهَادِ بِالْوِرْدِ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ الْوَرْدِ يُصَلِّي مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ لِأَنَّ الْوِرْدَ سَبَبٌ لِلِاجْتِهَادِ تَأَمَّلْ، وَلِلْمُنَجِّمِ الْعَمَلُ بِحِسَابِهِ وُجُوبًا كَمَا فِي الصَّوْمِ وَقِيَاسُهُ أَنَّ مَنْ صَدَّقَهُ مِثْلُهُ، وَقَوْلُ الْمَنْهَجِ إنَّهُ كَالْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ أَيْ بَعْدَ إخْبَارِهِ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ الِاجْتِهَادُ حِينَئِذٍ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَيَقَّنَ) أَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ أَنَّ صَلَاتَهُ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ سَوَاءٌ عَلِمَ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ، وَتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: وَعَلِمَ بَعْدَهُ بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ كَمَا ذَكَرَهُ وَلِتَسْمِيَتِهَا قَضَاءً.
(فَرْعٌ) يَجِبُ قَضَاءٌ عَلَى مَنْ جَهِلَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ أَوْ الصَّوْمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عُذْرًا فَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَيْضًا.
[حاشية عميرة]
تَنْبِيهٌ) مُحَصِّلُ مَا فِي الْإِسْنَوِيِّ أَنَّ أَذَانَ الظُّهْرِ كَصَلَاتِهِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالرَّابِعُ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي الْوَقْتِ أَدَاءٌ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى هَذَا يَنْوِي الْأَدَاءَ فَقَطْ نَظَرًا إلَى الِافْتِتَاحِ، قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَعَلَى الْقَضَاءِ يَأْثَمُ إلَخْ) عِبَارَتُهُ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: وَعَلَى هَذَا الْقَضَاءُ وَمَرْجِعُ الْإِشَارَةِ التَّحْقِيقُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (اجْتَهَدَ بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ) لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ عَنْ عِيَانٍ كَرُؤْيَةِ الْفَجْرِ طَالِعًا امْتَنَعَ الِاجْتِهَادُ، وَمِنْهُ أَذَانُ الْمُؤَذِّنِ فِي الصَّحْوِ إذَا كَانَ ثِقَةً عَارِفًا، وَأَمَّا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ فَقَدْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ اعْتِمَادَهُ خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لِأَنَّهُ لَا يَتَقَاعَدُ عَنْ الدِّيكِ، انْتَهَى.
قُلْت ظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ.
(فَرْعٌ) لَوْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ أَعَادَ، وَلَوْ ظَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ وَتَبَيَّنَ وُقُوعَهَا فِيهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قَضَى فِي الْأَظْهَرِ) اعْلَمْ أَنَّ لَنَا خِلَافًا فِيمَا لَوْ تَبَيَّنَ وُقُوعَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ أَهِيَ تَقَعُ قَضَاءً أَمْ أَدَاءً؟ . وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَالْأَظْهَرُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَضَاءِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ
بِلَا خِلَافٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْوَقْتِ بِأَنْ تَيَقَّنَهَا فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالَ (فَلَا) يَقْضِي (وَيُبَادِرُ بِالْفَائِتِ) وُجُوبًا إنْ فَاتَ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَنَدْبًا إنْ فَاتَ بِعُذْرٍ كَالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ مُسَارَعَةً إلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
(وَيُسَنُّ تَرْتِيبُهُ) كَأَنْ يَقْضِيَ الصُّبْحَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَالظُّهْرَ قَبْلَ الْعَصْرِ.
(وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْحَاضِرَةِ الَّتِي لَا يَخَافُ فَوْتَهَا) مُحَاكَاةً لِلْأَدَاءِ فَإِنْ خَافَ فَوْتَهَا بَدَأَ بِهَا وُجُوبًا لِئَلَّا تَصِيرَ فَائِتَةً.
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالَ) بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ أَيْ ظَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَوْ شَكَّ فِيهِ.
نَعَمْ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا قَبْلَ الْوَقْتِ وَجَبَ قَضَاؤُهَا كَمَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، كَمَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْوَقْتِ هَلْ صَلَّى، أَوْ لَا بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ بَعْدَهُ هَلْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوْ لَا، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ التَّنَاقُضِ، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ شَكَّ فِي الْفِعْلِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَالثَّانِي شَكَّ فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهَا، وَعَلَى هَذَا يُنْظَرُ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي أَيِّ الصُّورَتَيْنِ هُمَا فَتَأَمَّلْ، وَلَوْ قَضَى صَلَاةً شَكَّ فِيهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ مَا قَبْلَهُ وَيَجِبُ قَضَاؤُهَا وَفِيهِ بَحْثٌ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ الْحَالُ لَمْ يُعَاقَبْ فِي الْآخِرَةِ، وَإِذَا شَكَّ فِي مِقْدَارِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ قَضَى مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ فِعْلَهُ قَالَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ كَشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَأَتْبَاعِهِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَقْضِي مَا تَيَقَّنَ تَرْكَهُ فَقَطْ عَلَى الْأَصَحِّ، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْتَارَ وَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ يُصَلِّي تَارَةً وَيَتْرُكُ أُخْرَى وَلَا يُعِيدُ فَهُوَ كَقَوْلِ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ نَادِرًا فَهُوَ كَمُقَابِلِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَقْضِي) وَإِنْ وَصَلَ بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاتِهِ إلَى بَلَدٍ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا فِي كَمُخَالَفَةِ مَطْلَعِهِ كَمَنْ أَقَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ مَجْمُوعَةٍ مَقْصُورَةٍ، قَالَهُ شَيْخُنَا وَفِيهِ نَظَرٌ بِمَا قَالُوهُ فِي الصَّوْمِ إنَّ لَهُ حُكْمَ الْبَلَدِ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا وُجُوبُ الْإِعَادَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَالْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ مَا يَشْمَلُ الْإِعَادَةَ لِيَدْخُلَ مَا لَوْ تَيَقَّنَ فِي الْوَقْتِ أَنَّهَا وَقَعَتْ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (كَالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ) هُمَا مِثَالَانِ لِلْعُذْرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا لِغَيْرِهِ بِأَنْ حَصَلَا عَنْ نَحْوِ لَهْوٍ كَلَعِبِ شِطْرَنْجٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ تَرْتِيبُهُ) أَيْ وَالْبُدَاءَةُ بِأَوَّلِ مَا فَاتَهُ، وَشَمَلَ ذَلِكَ مَا لَوْ سَبَقَ مَا فَاتَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ أَوْلَى، بَلْ.
قَالَ شَيْخُنَا إنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ إذَا شَرَعَ فِي الْقَضَاءِ، وَلَوْ أَفْسَدَ صَلَاةً عَمْدًا لَمْ يَجِبْ فِعْلُهَا فَوْرًا عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: يَجِبُ فِعْلُهَا فَوْرًا، وَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ بِالْفَوْرِيَّةِ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَلَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ التَّنَاقُضُ الْمَذْكُورُ، وَاللَّامُ فِي حَدِيثِ فَلْيُصَلِّهَا لِلْأَمْرِ، وَصَرَفَهُ عَنْ وُجُوبِ الْفَوْرِيَّةِ حَدِيثُ الْوَادِي، وَقَدْ يُنَازَعُ فِيهِ بِأَنَّ التَّأْخِيرَ فِي حَدِيثِ الْوَادِي لِكَوْنِهِ كَانَ بِهِ شَيْطَانٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ، فَتَأْخِيرُهُ لِيُفَارِقَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْفَوْرِيَّةِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِئَلَّا تَصِيرَ فَائِتَةً) يُفِيدُ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْفَائِتَ حَيْثُ كَانَ يُدْرِكُ مِنْ الْحَاضِرَةِ رَكْعَةً فِي وَقْتِهَا، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْكِفَايَةِ،
[حاشية عميرة]
الْقَضَاءَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْوَقْتِ، وَمُقَابِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَدَاءِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ وَلَا تَضُرُّ نِيَّةُ الْأَدَاءِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (إنْ فَاتَ بِعُذْرٍ) حَكَى ابْنُ كَجٍّ عَنْ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ غَيْرَ الْمَعْذُورِ لَا يَقْضِي عَمَلًا بِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا» إلَخْ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَحِكْمَتُهُ التَّغْلِيظُ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ، وَقَوَّاهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ فِي الْإِقْلِيدِ، وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ تَارِكَ الْأَبْعَاضِ عَمْدًا لَا يَسْجُدُ عَلَى وَجْهٍ مَعَ أَنَّهُ أَحْوَجُ إلَى الْجَبْرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ وَالْمُتَوَلِّيَ وَالرُّويَانِيَّ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ صَارَتْ قَضَاءً وَإِنْ أَوْقَعَهَا فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْهَا لَا يَجُوزُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَحِينَئِذٍ فَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ أَوْجَبْنَا الْفَوْرَ لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ فَفِي جَوَازِ إخْرَاجِهَا عَنْ الْوَقْتِ الْأَصْلِيِّ نَظَرٌ، وَيُتَّجَهُ الْمَنْعُ، انْتَهَى.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ تَرْتِيبُهُ) أَيْ وَلَا يَجِبُ وَإِنْ كَانَ الْوَارِدُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ هُوَ التَّرْتِيبُ فِي قَضَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلِأَنَّ الْعَمَلَ الْمُجَرَّدَ لَا يَدُلُّ عِنْدَنَا عَلَى سِوَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلَوْ فَاتَهُ الظُّهْرُ بِعُذْرٍ وَالْعَصْرُ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَالظَّاهِرُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ أَيْضًا وَيَحْتَمِلُ خِلَافُهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الَّتِي لَا يَخَافُ فَوْتَهَا) صَادِقٌ بِمَا لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْهَا فِي الْوَقْتِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَعَبَّرَ فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ بِالِاتِّسَاعِ وَالضِّيقِ لَا بِالْفَوَاتِ وَعَدَمِهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يُرَاعَى التَّرْتِيبُ، وَلَوْ فَاتَتْ الْجَمَاعَةُ قَالَ فَيُصَلِّي أَوَّلًا الْفَائِتَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ إنْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ فِي الْحَاضِرَةِ صَلَّاهَا وَإِلَّا صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا، وَمِثْلُهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي آخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَنَقَلَ عَنْ الْبَغَوِيّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْحَاضِرَةِ.
(فَرْعٌ) لَوْ شَرَعَ فِي الْفَائِتَةِ ثُمَّ خَافَ ضِيقَ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَطْعُهَا، وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ الْوَقْتِ هَلْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لَمْ
(وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) لِلنَّهْيِ عَنْهَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ.
(وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ كَرُمْحٍ وَ) بَعْدَ (الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ) لِلنَّهْيِ عَنْهَا فِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الرُّمْحِ وَهُوَ تَقْرِيبٌ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ: وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ، وَعِنْدَ الِاصْفِرَارِ حَتَّى تَغْرُبَ، أَيْ لِلنَّهْيِ عَنْهَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الرُّمْحِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ مَعَ قَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إنَّ ذِكْرَهُ أَجْوَدُ رِعَايَةً لِلِاخْتِصَارِ، فَإِنَّهُ يَنْدَرِجُ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ أَيْ لِمَنْ صَلَّى مِنْ حِينِ صَلَاتِهِ، وَلِمَنْ لَمْ يُصَلِّ مِنْ الطُّلُوعِ وَالِاصْفِرَارِ، وَأَشَارَ الرَّافِعِيُّ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: رُبَّمَا انْقَسَمَ الْوَقْتُ الْوَاحِدُ إلَى مُتَعَلِّقٍ بِالْفِعْلِ وَإِلَى مُتَعَلِّقٍ بِالزَّمَانِ (إلَّا) صَلَاةً (لِسَبَبٍ كَفَائِتَةٍ) فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ أَوْ صَلَاةِ جِنَازَةٍ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ (وَ) صَلَاةِ (كُسُوفٍ وَتَحِيَّةٍ) لِلْمَسْجِدِ (وَسَجْدَةِ شُكْرٍ) أَوْ تِلَاوَةٍ، فَلَا تُكْرَهُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَهُ رَكْعَتَا سُنَّةِ الظُّهْرِ الَّتِي بَعْدَهُ فَقَضَاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَقِيسَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ عَلَيْهِ فِي الْفِعْلِ وَالْوَقْتِ، وَحُمِلَ النَّهْيُ عَلَى صَلَاةٍ لَا سَبَبَ لَهَا، وَهِيَ النَّافِلَةُ الْمُطْلَقَةُ، وَكَرَاهَتُهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي النَّهْيِ، وَقِيلَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا لَمْ تَنْعَقِدْ كَصَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَقِيلَ تَنْعَقِدُ كَالصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ وَأُدْرِجَتْ السَّجْدَةُ فِي الصَّلَاةِ لِشَبَهِهَا بِهَا فِي الشُّرُوطِ وَالْأَحْكَامِ،
[حاشية قليوبي]
وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَمُقْتَضَى مَا فِي الرَّوْضَةِ وَالشَّرْحَيْنِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إدْرَاكِ جَمِيعِهَا فِيهِ، وَاعْتَمَدَهُ الطَّبَلَاوِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ، وَخَرَجَ بِفَوْتِهَا فَوْتُ جَمَاعَتِهَا وَلَوْ جُمُعَةً لَمْ يُدْرِكْ غَيْرَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِذَا رَأَى إمَامًا فِي حَاضِرَةٍ وَعَلَيْهِ فَائِتَةٌ فَالْأَفْضَلُ فِعْلُ الْفَائِتَةِ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ إنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْحَاضِرَةِ شَيْئًا فَعَلَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا خَلْفَ الْحَاضِرَةِ أَوْ يُحْرِمَ بِالْحَاضِرَةِ مَعَ الْإِمَامِ، لَكِنْ فِي الْأَوَّلِ اقْتَدَى فِي مَقْضِيَّةٍ خَلْفَ مُؤَدَّاةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ عَدَمُ التَّرْتِيبِ، وَفِيهِمَا خِلَافٌ، وَلَوْ شَرَعَ فِي حَاضِرَةٍ فَتَذَكَّرَ فِيهِمَا فَائِتَةً أَتَمَّهَا وُجُوبًا، وَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَكَانَتْ الْفَائِتَةُ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَوْ شَرَعَ فِي حَاضِرَةٍ مُنْفَرِدًا فَرَأَى جَمَاعَةً فَلَهُ قَلْبُهَا نَفْلًا، وَيَقْتَصِرُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ جَاوَزَهُمَا وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ شَرَعَ فِي فَائِتَةٍ مُعْتَقِدًا سَعَةَ الْوَقْتِ فَبَانَ ضِيقُهُ عَنْ جَمِيعِ الْحَاضِرَةِ وَجَبَ قَطْعُهَا، وَلَا يَجُوزُ قَلْبُهَا نَفْلًا وَإِنْ أَتَمَّ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ فِي التَّشَهُّدِ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ وَلَوْ بِالسَّلَامِ يُفَوِّتُ جُزْءًا مِنْ الْوَقْتِ وَهُوَ حَرَامٌ.
قَالَهُ شَيْخُنَا، وَاعْتَمَدَهُ وَهُوَ الْوَجْهُ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ جَوَازُ قَلْبِهَا نَفْلًا، وَلَمْ يَرْتَضِهِ شَيْخُنَا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ) وَلَوْ تَقْدِيرًا كَمَا فِي أَيَّامِ الدَّجَّالِ، أَيْ لَوْ صَادَفَهُ التَّحَرُّمَ لَمْ تَنْعَقِدْ لِأَنَّهُ وَقْتٌ ضَيِّقٌ.
قَوْلُهُ: (وَبَعْدَ الصُّبْحِ) أَيْ الْمُؤَدَّاةِ الْمُغْنِيَةِ عَنْ الْقَضَاءِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْعَصْرِ.
قَوْلُهُ: (كَرُمْحٍ) وَهُوَ قَدْرُ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ تَقْرِيبًا وَإِلَّا فَالْمَسَافَةُ طَوِيلَةٌ لِأَنَّ الْفَلَكَ الْأَعْظَمَ يَتَحَرَّكُ فِي قَدْرِ النُّطْقِ بِحَرْفٍ مُحَرَّكٍ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا كَمَا مَرَّ قَوْلُهُ: (وَبَعْدَ الْعَصْرِ) وَلَوْ مَجْمُوعَةً تَقْدِيمًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (كَغَيْرِهِ) أَيْ كَمَا لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ فَهُوَ تَابِعٌ لَهُ، وَهَذَا مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَإِنْ خَالَفَهُ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (إنَّ ذِكْرَهُ أَجْوَدُ) لِأَنَّ مِنْ الطُّلُوعِ إلَى الِارْتِفَاعِ وَمِنْ الِاصْفِرَارِ إلَى الْغُرُوبِ مُتَعَلِّقٌ بِالزَّمَنِ سَوَاءٌ صَلَّى الصُّبْحَ وَالْعَصْرَ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (فَقَضَاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ) أَيْ وَدَاوَمَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا قَالُوا لِأَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ إذَا فَعَلَ شَيْئًا دَاوَمَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَجْمَعُوا عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ حَضَرَتْ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ الْعَصْرِ أَوْ قَبْلَهُمَا وَلَمْ يَتَحَرَّ فَاعِلُهَا تَأْخِيرَهَا لِأَجْلِ صَلَاتِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَمَّا الْوَاقِعُ الْآنَ مِنْ قَصْدِ تَأْخِيرِهَا لِأَجْلِ كَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ فَلَا يَضُرُّ.
قَوْلُهُ: (وَقِيسَ غَيْرُ ذَلِكَ إلَخْ) أَيْ وَقِيسَ عَلَى سُنَّةِ الظُّهْرِ الْمَقْضِيَّةِ الثَّابِتَةِ بِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ الثَّابِتَةِ بِالْإِجْمَاعِ غَيْرُهُمَا مِنْ نَحْوِ التَّحِيَّةِ وَمَا مَعَهَا.
قَوْلُهُ: (لَا سَبَبَ لَهَا) أَيْ أَصْلًا كَالنَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَحَرِّيهَا، وَإِنْ نَسِيَ الْوَقْتَ وَأَلْحَقَ بِهَا مَا لَهَا سَبَبٌ مُتَأَخِّرٌ، وَسَيَذْكُرُهُ كَرَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ وَالِاسْتِخَارَةِ.
قَوْلُهُ: (كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا) أَيْ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ التَّنْزِيهِ أَخْذًا مِمَّا
[حاشية عميرة]
يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا، فَلَوْ قَضَاهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ بِلَا خِلَافٍ، أَقُولُ: فَلَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ حَتَّى مَاتَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ كَالْوُضُوءِ احْتِيَاطًا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالِاسْتِثْنَاءِ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد) فِيهِ أَيْضًا أَنَّ جَهَنَّمَ لَا تُسْجَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (رِعَايَةً لِلِاخْتِصَارِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (فَإِنَّهُ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لَمْ تَنْعَقِدْ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ لَا يَتَنَاوَلُ جُزْئِيَّاتِهِ الْمَكْرُوهَةَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (كَالصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ) الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ تَعَلُّقَ الصَّلَاةِ بِالْوَقْتِ أَشَدُّ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالْمَكَانِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ دُونَ أَمْكِنَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَأَيْضًا فَالنَّهْيُ فِي الْوَقْتِ رَاجِعٌ
وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا: لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ لِيُصَلِّيَ التَّحِيَّةَ فَوَجْهَانِ أَقْيَسُهُمَا الْكَرَاهَةُ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْفَائِتَةَ لِيَقْضِيَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ.
وَلَا تُكْرَهُ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالثَّانِي يَنْظُرُ إلَى أَنَّهَا لَا تَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ، وَتُكْرَهُ رَكْعَتَا الْإِحْرَامِ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ السَّبَبُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَقَدْ لَا يُوجَدُ.
وَالثَّانِي يَقُولُ: السَّبَبُ إرَادَتُهُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَهُوَ قَوِيٌّ، وَسَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْعِيدِ أَنَّ وَقْتَهَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَذَكَرَهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ ذَوَاتِ السَّبَبِ، أَيْ وَهُوَ فِي حَقِّهَا دُخُولُ وَقْتِهَا، وَمِثْلُهَا صَلَاةُ الضُّحَى عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَنَّ وَقْتَهَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا تُكْرَهَانِ قَبْلَ ارْتِفَاعِهَا، وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهُمَا إلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَإِلَّا) صَلَاةً (فِي حَرَمِ مَكَّةَ) الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ لَا سَبَبَ لَهَا فَلَا تُكْرَهُ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِحَدِيثِ «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالثَّانِي تُكْرَهُ فِيهِ كَغَيْرِهِ.
قَالَ: وَالصَّلَاةُ فِي الْحَدِيثِ رَكْعَتَا الطَّوَافِ وَلَهَا سَبَبٌ.
[حاشية قليوبي]
بَعْدَهُ لَمْ تَنْعَقِدْ، وَالْحُرْمَةُ عَلَى التَّحْرِيمِ ذَاتِيَّةٌ، وَعَلَى الْآخَرِ لِلتَّلَبُّسِ بِالْعِبَادَةِ الْفَاسِدَةِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ وَغَيْرُهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ تَنْعَقِدُ) أَيْ عَلَى التَّنْزِيهِ أَخْذًا مِنْ التَّشْبِيهِ بِقَوْلِهِ: كَالصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ تَعَلُّقَ الصَّلَاةِ بِالْوَقْتِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَيْهِ أَشَدُّ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالْمَكَانِ لِعَدَمِ ذَلِكَ، وَبِأَنَّ النَّهْيَ فِي الْوَقْتِ رَاجِعٌ لِلذَّاتِ، وَبِالْمَكَانِ لِمَعْنًى خَارِجٍ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ مَا لَهُ سَبَبٌ غَيْرُ مُتَأَخِّرٍ إذَا تَحَرَّاهُ لَا يَنْعَقِدُ أَيْ مَا دَامَ قَاصِدًا لِلتَّحَرِّي وَإِنْ خَافَ الْمَوْتَ فَإِنْ نَسِيَ التَّحَرِّيَ أَوْ تَذَكَّرَهُ لَكِنْ قَصَدَ إيقَاعَهَا لَا لِأَجْلِهِ، أَوْ أَعْرَضَ عَنْهُ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ فِي ذَلِكَ كَمَا اعْتَمَدَهُ الطَّبَلَاوِيُّ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَإِنْ تَرَدَّدَ فِيهِ شَيْخُنَا، وَلَوْ قَصَدَ التَّأْخِيرَ جَاهِلًا بِأَنَّهُ تَحَرٍّ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِوُجُودِ التَّحَرِّي أَوْ لَا لِجَهْلِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَظَاهِرُ مَا ذُكِرَ فِي النِّسْيَانِ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (لِيُصَلِّيَ التَّحِيَّةَ) فَإِنْ قَصَدَهَا فَقَطْ فَلَا تَنْعَقِدُ.
قَالَ شَيْخُنَا: أَوْ مَعَ غَيْرِهَا لَا تَنْعَقِدُ أَيْضًا، وَكَذَا يُقَالُ فِي الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَسَجْدَةِ شُكْرٍ) خَرَجَ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَإِنْ قَرَأَ بِقَصْدِ السُّجُودِ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ حَرُمَتْ الْقِرَاءَةُ وَالسُّجُودُ، وَلَا تَنْعَقِدُ أَوَّلًا بِقَصْدِهِ فَلَا يَسُنُّ وَتَنْعَقِدُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُكْرَهُ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ) وَكَذَا صَلَاةُ الْكُسُوفِ، وَإِنْ تَحَرَّى فِعْلَهَا لِأَنَّهَا صَاحِبَةُ الْوَقْتِ كَسُنَّةِ الْعَصْرِ، لَوْ تَحَرَّى تَأْخِيرَهَا عَنْهَا وَسَبَبَهَا، وَهُوَ أَوَّلُ التَّغَيُّرِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى صَلَاتِهَا أَوْ مُقَارِنٌ لَهَا، إنْ عَلِمَ بِهِ وَأَوْقَعَ إحْرَامَهُ مَعَ أَوَّلِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مُقَارِنًا لِوَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَالتَّحِيَّةُ كَذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّبَبَ إنْ اُعْتُبِرَ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فَهُوَ إمَّا مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا أَوْ مُتَأَخِّرٌ عَنْهَا، أَوْ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَقْتِ فَقَدْ يَكُونُ مُقَارِنًا أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ السَّبَبَ إرَادَتُهُ إلَخْ) وَرَدَّ بِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْإِحْرَامُ، وَالْإِرَادَةُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِ لَا سَبَبُهُ إذْ لَوْ كَانَتْ الْإِرَادَةُ سَبَبًا لَمَا امْتَنَعَ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ مُطْلَقًا لِسَبَبِ إرَادَتِهِ عَلَى الْإِحْرَامِ بِهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُكْرَهَانِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْعِيدِ وَالْمَرْجُوحُ فِي الضُّحَى، لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا مِنْ الِارْتِفَاعِ، وَعَدَمُ الْكَرَاهَةِ هُنَا فِي الْعِيدِ، مِنْ حَيْثُ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ لَا يُنَافِي كَرَاهَتَهَا مِنْ حَيْثُ طَلَبُ تَأْخِيرِهَا كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ.
(تَنْبِيهٌ) خَرَجَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ أَوْ الْخَمْسَةِ غَيْرُهَا، كَوَقْتِ إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَبَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَوَقْتِ صُعُودِ الْخَطِيبِ إلَى الْمِنْبَرِ، فَالصَّلَاةُ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَمُنْعَقِدَةٌ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ حَالَ الْخُطْبَةِ فَحَرَامٌ، وَلَا تَنْعَقِدُ إجْمَاعًا وَلَوْ فَرْضًا إلَّا رَكْعَتَيْ التَّحِيَّةِ، وَلَوْ مَعَ غَيْرِهَا حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْجُمُعَةُ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، امْتَنَعَتْ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا لِعَدَمِ طَلَبِ التَّحِيَّةِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي سَبْعِ أَمَاكِنَ: عَلَى الْكَعْبَةِ وَعَلَى صَخْرَةِ الْمَقْدِسِ وَعَلَى طُورِ سَيْنَاءَ وَطُورِ زَيْتَا وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَعَلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَعَلَى جَبَلِ عَرَفَاتٍ فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي تُكْرَهُ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا أَنَّهَا خِلَافُ الْأَوْلَى لَا مَكْرُوهَةٌ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِهِمَا.
قَالَ الْمَحَامِلِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ وَتَعْمِيمُ الشَّارِحِ فِي الْحَرَمِ لِغَيْرِ الْمَسْجِدِ، دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ إرَادَةِ الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ.
نَعَمْ يَتَّجِهُ أَنَّ الصَّلَاةَ وَقْتَ الْخُطْبَةِ لَا تَنْعَقِدُ فِي الْحَرَمِ كَغَيْرِهِ فَرَاجِعْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حاشية عميرة]
لِلذَّاتِ، وَفِي الْمَكَانِ لِمَعْنًى خَارِجٍ كَمَا بَيَّنَ فِي الْأُصُولِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالثَّانِي يَنْظُرُ إلَى أَنَّهَا لَا تَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ) وَنَظَرَ أَيْضًا إلَى أَنَّ سَبَبَهَا مُتَأَخِّرٌ وَهُوَ الدُّعَاءُ، فَكَانَتْ كَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلِصَاحِبِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنْ يَمْنَعَ الْكَرَاهَةَ فِي صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (فَلَا تُكْرَهُ) .
قَالَ الْمَحَامِلِيُّ: لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالثَّانِي تُكْرَهُ فِيهِ كَغَيْرِهِ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلِأَنَّ الْحَدِيثَيْنِ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَعَمَّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ لَا يُقَدَّمُ خُصُوصُ أَحَدِهِمَا عَلَى عُمُومِ الْآخَرِ إلَّا بِمُرَجِّحٍ انْتَهَى، وَلَك أَنْ تَقُولَ: الْمُرَجِّحُ أَنْ أَحَادِيثَ النَّهْيِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ بِخِلَافِ هَذَا.
(فَصْلٌ) إنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (طَاهِرٍ) بِخِلَافِ الْكَافِرِ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ بِهَا فِي الدُّنْيَا لِعَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْهُ، لَكِنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وُجُوبَ عِقَابٍ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِهَا بِالْإِسْلَامِ، وَبِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا وَبِخِلَافِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِعَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْهُمَا.
(وَلَا قَضَاءَ عَلَى كَافِرٍ) إذَا أَسْلَمَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ (إلَّا الْمُرْتَدِّ) بِالْجَرِّ فَإِنَّهُ إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِي زَمَنِ الرِّدَّةِ حَتَّى زَمَنِ الْجُنُونِ فِيهَا تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ زَمَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فِيهَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ إسْقَاطَ الصَّلَاةِ فِيهَا عَنْ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ عَزِيمَةٌ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ رُخْصَةٌ، وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا.
(وَلَا) قَضَاءَ عَلَى (الصَّبِيِّ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى إذَا
[حاشية قليوبي]
فَصْلٌ فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ) وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَمَا يَتْبَعُهُمَا.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا تَجِبُ) أَيْ يُطْلَبُ فِعْلُهَا وُجُوبًا.
قَوْلُهُ: (كُلِّ مُسْلِمٍ) أَيْ يَقِينًا فَلَوْ اشْتَبَهَ صَبِيَّانِ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ، وَبَلَغَا مَعَ بَقَاءِ الِاشْتِبَاهِ لَمْ يُطَالَبْ أَحَدُهُمَا بِهَا، وَيُقَالُ عَلَى هَذَا لَنَا شَخْصٌ مُسْلِمٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ، لَا يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ إذَا تَرَكَهَا وَمِنْ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ، أَنَّ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ إسْلَامٌ كَصِغَارِ الْمَمَالِيكِ الَّذِينَ يَصِفُونَ الْإِسْلَامَ بِدَارِنَا، لَا يُؤْمَرُ بِهَا لِاحْتِمَالِ كُفْرِهِ وَلَا بِتَرْكِهَا لِاحْتِمَالِ إسْلَامِهِ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ الْوَجْهُ أَمْرُهُ بِهَا، قَبْلَ بُلُوغِهِ وَوُجُوبُهَا عَلَيْهِ بَعْدَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (بَالِغٍ عَاقِلٍ) أَيْ سَالِمِ الْحَوَاسِّ وَبَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ فَلَا يُطَالَبُ بِهَا مَنْ خُلِقَ أَعْمَى وَأَصَمَّ وَأَبْكَمَ، وَلَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ الْقَضَاءُ إذَا صَحَّتْ حَوَاسُّهُ بِخِلَافِ الثَّانِي، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَوْرًا كَمَا مَرَّ إذَا بَلَغَتْهُ لِنِسْبَتِهِ إلَى تَقْصِيرٍ فِيمَا حَقُّهُ أَنْ يَعْلَمَ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْخِطَابِ لِيَخْرُجَ النَّائِمُ وَالسَّاهِي وَالْجَاهِلُ بِوُجُوبِهَا، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ وُجُوبِ انْعِقَادِ سَبَبٍ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْهُ) أَيْ مَعَ تَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ الْإِسْلَامِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (وُجُوبُ عِقَابٍ إلَخْ) لِأَنَّ الْكَافِرَ وَلَوْ حَرْبِيًّا مُطَالَبٌ مِنْ الشَّارِعِ بِجَمِيعِ الشَّرْعِيَّاتِ وُجُوبًا فِي الْوَاجِبِ، وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ، وَقِيلَ: إنَّ خِطَابَ الْحَرْبِيِّ إذًا لِعَدَمِ ذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ) وَإِنْ تَسَبَّبَتْ فِي الْحَيْضِ بِدَوَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَتُثَابُ عَلَى التَّرْكِ امْتِثَالًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا قَضَاءَ عَلَى كَافِرٍ) .
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ أَيْ مَطْلُوبٌ فَلَوْ قَضَى لَمْ يَنْعَقِدْ وَقَالَ الْخَطِيبُ يُنْدَبُ لَهُ الْقَضَاءُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِي قَضَائِهِ، مَا يَأْتِي فِي قَضَاءِ الصَّبِيِّ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ) إذْ فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ تَنْفِيرٌ لَهُ عَنْهُ وَمَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ أُثِيبَ عَلَى مَا فَعَلَهُ فِي الْكُفْرِ مِمَّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ كَصَدَقَةٍ وَعِتْقٍ.
قَوْلُهُ: (إلَّا الْمُرْتَدِّ) بِالْجَرِّ عَلَى التَّبَعِيَّةِ أَيْ فَهُوَ أَوْلَى وَخَرَجَ بِالْمُرْتَدِّ الْمُنْتَقِلُ مِنْ دِينٍ إلَى آخَرَ قَبْلَ إسْلَامِهِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَالزِّيَادِيِّ وَفِي قَضَائِهِ مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى زَمَنِ الْجُنُونِ فِيهَا) أَيْ فِي الرِّدَّةِ إنْ اسْتَمَرَّتْ فَلَوْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ، فَلَا قَضَاءَ لِمَا بَعْدَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ زَمَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فِيهَا) وَلَوْ مَعَ الْجُنُونِ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَحَمَلَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ مَا فِيهِ عَلَى جُنُونٍ، سَبَقَ الْحَيْضَ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ، وَيُرَادُ فِيهِ بِذِي الْحَيْضِ مَنْ بَلَغَتْ سِنَّ الْحَيْضِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ فِيهِ خُرُوجٌ عَنْ السَّهْوِ إلَى التَّكْرَارِ وَهُوَ أَسْهَلُ.
قَوْلُهُ: (رُخْصَةٌ) أَيْ لُغَةً وَهِيَ السُّهُولَةُ وَالْخِفَّةُ لَا اصْطِلَاحًا لِأَنَّهَا الْمُعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا قَضَاءَ عَلَى الصَّبِيِّ) أَيْ وَاجِبٌ فَيُنْدَبُ لَهُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِي زَمَنِ التَّمْيِيزِ، وَلَوْ قَبْلَ سَبْعِ سِنِينَ، وَحُكْمُ قَضَائِهِ كَأَدَائِهِ مِنْ تَعَيُّنِ الْقِيَامِ فِيهِ، وَعَدَمِ جَمْعِهِ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ
[حاشية عميرة]
[فَصْلٌ عَلَى مَنْ تَجِبُ الصَّلَاةُ]
فَصْلٌ قَوْلُهُ: (إنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ يَرُدُّ عَلَى مَفْهُومِهَا سُؤَالٌ تَقْدِيرُهُ أَنَّ عَدَمَ الْوُجُوبِ إنْ أُرِيدَ بِهِ عَدَمُ وُجُوبِ الْمُطَالَبَةِ وَالْعِقَابِ مَعًا وَرَدِّ الْكَافِرِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ لَمْ يُعْلَمْ حُكْمُ الْآخَرِ مَعَ وُرُودِ الْكَافِرِ أَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ إرَادَةِ الثَّانِي ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (إذَا أَسْلَمَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ) وَيُثَابُ عَلَى الْقُرَبِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَالْعِتْقِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (إلَّا الْمُرْتَدَّ) (فَرْعٌ) لَوْ انْتَقَلَ النَّصْرَانِيُّ إلَى التَّهَوُّدِ مَثَلًا ثُمَّ أَسْلَمَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ فِي مُدَّةِ التَّهَوُّدِ أَيْضًا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (تَغْلِيظًا عَلَيْهِ) أَيْ وَلِأَنَّهُ الْتَزَمَ الصَّلَاةَ بِالْإِسْلَامِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
(فَرْعٌ) لَوْ أَسْلَمَ أَبُوهُ فِي حَالِ جُنُونِ الْوَلَدِ زَمَنَ الرِّدَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي مِنْ الْآنَ لِأَنَّهُ جُنُونٌ فِي زَمَنِ الْإِسْلَامِ الْمَحْكُومِ بِهِ تَبَعًا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى) ظَاهِرُهُ إطْلَاقُ الصَّبِيِّ عَلَى الْأُنْثَى، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِسْنَوِيُّ نَقْلًا عَنْ اللُّغَةِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ:
بَلَغَ (وَيُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَالَ: وَالْأَمْرُ وَالضَّرْبُ وَاجِبٌ عَلَى الْوَلِيِّ أَبًا كَانَ أَوْ جِدًّا أَوْ وَصِيًّا أَوْ قَيِّمًا مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي، وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا: يَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ تَعْلِيمُ أَوْلَادِهِمْ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، وَضَرْبُهُمْ عَلَى تَرْكِهَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ.
(وَلَا) قَضَاءَ عَلَى شَخْصٍ (ذِي حَيْضٍ) أَوْ نِفَاسٍ إذَا طَهُرَ (أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ) إذَا أَفَاقَ (بِخِلَافِ) ذِي (السُّكْرِ) إذَا أَفَاقَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَاةِ زَمَنَهُ لِتَعَدِّيهِ بِشُرْبِ
[حاشية قليوبي]
وَعَدَمِ وُجُوبِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَلَا يَقْضِي مَا قَبْلَ زَمَنِ التَّمْيِيزِ وَلَا يَنْعَقِدُ لَوْ فَعَلَهُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَفِي كَلَامِهِ إطْلَاقُ الصَّبِيِّ عَلَى الْأُنْثَى، وَهُوَ مِنْ أَسْرَارِ اللُّغَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُؤْمَرُ بِهَا) مَعَ التَّهْدِيدِ لِسَبْعٍ أَيْ بَعْدَ تَمَامِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ إنْ مَيَّزَ لَا قَبْلَ السَّبْعِ، وَإِنْ مَيَّزَ أَيْضًا وَالتَّمْيِيزُ هُنَا أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ وَيَشْرَبَ وَحْدَهُ، وَيَسْتَنْجِيَ وَحْدَهُ وَكَالصَّلَاةِ فِي الْأَمْرِ وَالضَّرْبِ سَائِرُ الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ، وَلَوْ مَنْدُوبَةً كَالسِّوَاكِ أَيْ مِمَّا يَعْتَقِدُهُ الْوَلِيُّ وَيَدْخُلُ فِيهَا مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ وَيَدْخُلُ فِيهَا أَيْضًا، مَا طُلِبَ مِنْهُ قَضَاؤُهُ مِمَّا بَعْدَ السَّبْعِ كَالْأَدَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ) أَيْ مِنْ ابْتِدَائِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ تَبَعًا لِلصَّيْمَرِيِّ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الْأَفْصَحِ، خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْبُلُوغِ.
قَوْلُهُ: (وَالضَّرْبُ وَاجِبٌ عَلَى الْوَلِيِّ) أَيْ لِأَجْلِ التَّأْدِيبِ لَا لِكَوْنِهِ عُقُوبَةً فَيَتَقَيَّدُ بِالْمُكَلَّفِ، أَيْ فَهُوَ بِوِلَايَةٍ الْمَقْصُودِ مِنْهَا التَّأْدِيبُ فَلَا يُشْكِلُ بِمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَلِيِّ فِيمَا قَبْلَهُ الْجِنْسُ، وَأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا وِلَايَةٌ خَاصَّةٌ لِشُمُولِهَا لِلْأُمَّهَاتِ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْآبَاءِ وَإِنْ أَوْفَى الْأَوَّلُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَيُفِيدُ طَلَبَهُ مِنْ الْأُمَّهَاتِ، وَإِنْ عَلَوْنَ مَعَ وُجُودِ الْآبَاءِ، وَإِنْ قَرُبُوا وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ، وَبَعْدَهُمْ الزَّوْجُ لَكِنْ فِي الْأَمْرِ، لَا فِي الضَّرْبِ، لِأَنَّ لَهُ الضَّرْبَ لِحَقِّ نَفْسِهِ، لَا لِحَقِّ اللَّهِ، ثُمَّ الْوَصِيُّ أَوْ الْقَيِّمُ ثُمَّ الْمُلْتَقِطُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْوَدِيعُ، ثُمَّ الْمُسْلِمُونَ وَلِغَيْرِ الزَّوْجِ الضَّرْبُ وَالْفَقِيهُ فِي الْمُتَعَلِّمِ، كَالزَّوْجِ فَلَهُ الْأَمْرُ، لَا الضَّرْبُ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ لَهُ التَّأْدِيبَ، فَإِنْ وَكَّلَهُ الْوَلِيُّ قَامَ مَقَامَهُ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَجَبَ عَلَيْهِ النَّهْيُ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَوْ صَغَائِرَ وَمِنْهَا تَرْكُ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَوْ مَقْضِيَّةً أَوْ مُعَادَةً كَمَا مَرَّ.
(فَرْعٌ) إذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ رَشِيدًا سَقَطَ الطَّلَبُ عَنْ الْأَوْلِيَاءِ وَإِلَّا اسْتَمَرَّ، وَأُجْرَةُ تَعْلِيمِهِ وَلَوْ لِمَنْدُوبٍ فِي مَالِهِ، ثُمَّ عَلَى الْأَبِ ثُمَّ عَلَى الْأُمِّ، وَيَجِبُ تَعْلِيمُهُمْ مَا يُضْطَرُّونَ إلَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَكْفُرُ جَاحِدُهَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبْيَضُ مُشَرَّبٌ بِحُمْرَةٍ وُلِدَ بِمَكَّةَ، وَبُعِثَ فِيهَا وَهَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَاتَ بِهَا وَدُفِنَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا قَضَاءَ عَلَى شَخْصٍ ذِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ) أَيْ لَا قَضَاءَ مَطْلُوبٌ مِنْهُمَا اتِّفَاقًا، فَيُكْرَهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْقَضَاءُ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَيَنْعَقِدُ لَوْ فَعَلَتْهُ وَيَقَعُ نَفْلًا مُطْلَقًا فَلَهَا جَمْعُ صَلَوَاتٍ مِنْهُ بِتَيَمُّمٍ كَمَا مَرَّ.
وَهَلْ تَجِبُ فِيهِ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ رَاجِعْهُ، وَأَجَابَ عَنْ اسْتِشْكَالِهِ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ بِفَسَادِ الْوَقْتِ هُنَاكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ قَوِيٌّ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ كَالْخَطِيبِ بِالْكَرَاهَةِ، وَعَدَمِ الِانْعِقَادِ كَمَا مَرَّ عَنْهُ فِي الْحَيْضِ وَقَدَّرَ الشَّارِحُ لَفْظَ شَخْصٍ لِيَصِحَّ عَطْفُ الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ) أَيْ لَا قَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا، فَيُنْدَبُ لَهُمَا الْقَضَاءُ، وَيَجِبُ فِيهِ مَا فِي الْأَدَاءِ مِنْ قِيَامٍ وَغَيْرِهِ كَمَا مَرَّ، فِي الصَّبِيِّ وَإِنَّمَا وَجَبَ قَضَاءُ صَوْمِ يَوْمٍ اسْتَغْرَقَهُ الْإِغْمَاءُ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ، فَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ، وَاسْتَشْكَلَ طَلَبُ الْقَضَاءِ هُنَا مَعَ عَدَمِ طَلَبِهِ مِنْ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِيمَنْ وَصَلَ إلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ كَسَبْعِ سِنِينَ، فَأَكْثَرَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقِيلَ الْكَلَامُ هُنَا فِيمَنْ سَبَقَ لَهُ تَمْيِيزٌ، وَقِيلَ فِيمَنْ سَبَقَ لَهُ تَكْلِيفٌ، وَقِيلَ فِيمَنْ وَصَلَ إلَى سِنِّ التَّكْلِيفِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْوَجِيهُ، وَمَحَلُّ عَدَمِ الْقَضَاءِ فِي الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ فِي غَيْرِ الْمُتَعَدِّي بِهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَلَمْ تَقَعْ فِيمَا
[حاشية عميرة]
وَيُؤْمَرُ بِهَا إلَخْ) يُؤْمَرُ أَيْضًا بِقَضَاءِ مَا فَاتَ بَعْدَ السَّبْعِ إلَى الْبُلُوغِ، فَإِنْ بَلَغَ يُؤْمَرُ.
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، ثُمَّ إنَّهُ لَا بُدَّ فِي بُلُوغِ السِّنِّ الْمَذْكُورِ مِنْ التَّمْيِيزِ فَلَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالتَّعْلِيمُ وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ يُشْرَعَانِ بِمُجَرَّدِ التَّمْيِيزِ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ الْآنَ مِنْ الْمُعَلِّمِينَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا ذِي حَيْضٍ) أَيْ وَلَوْ تَسَبَّبَتْ بِخِلَافِ الْجُنُونِ إذَا تَسَبَّبَتْ فِي حُصُولِهِ وَمِثْلُهُ الْإِغْمَاءُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ جُنُونٍ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَرَدَ النَّصُّ فِي الْجُنُونِ، أَعْنِي حَدِيثَ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ " وَقِيسَ عَلَى الْمَجْنُونِ مَنْ فِي مَعْنَاهُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْعِبَادَةُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا، خَرَجَ النَّائِمُ وَالنَّاسِي لِحَدِيثِ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» فَيَبْقَى مَنْ عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ.
(فَرْعٌ) ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ فِي طَبَقَاتِهِمَا عَنْ الْبَيْضَاوِيِّ فِي شَرْحِ التَّبْصِرَةِ أَنَّ الْحَائِضَ لَا يَجُوزُ لَهَا الْقَضَاءُ، وَفِي شَرْحِ الْوَسِيطِ لِلْعِجْلِيِّ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَكَذَا فِي الْبَحْرِ، قَالَ: يُكْرَهُ لِلْحَائِضِ وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِخِلَافِ
الْمُسْكِرِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ مُسْكِرًا فَلَا قَضَاءَ.
(وَلَوْ زَالَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ) أَيْ الْكُفْرُ وَالصِّبَا وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ (وَبَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ تَكْبِيرَةٌ) أَيْ قَدْرُهَا (وَجَبَتْ الصَّلَاةُ) لِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ الْإِتْمَامُ بِاقْتِدَائِهِ بِمُقِيمٍ فِي جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ (وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ رَكْعَةٌ) أَخَفُّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ كَمَا أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُدْرَكُ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ (وَالْأَظْهَرُ) عَلَى الْأَوَّلِ (وُجُوبُ الظُّهْرِ بِإِدْرَاكِ تَكْبِيرَةِ آخِرِ) وَقْتِ (الْعَصْرِ وَ) وُجُوبُ (الْمَغْرِبِ) بِإِدْرَاكِ تَكْبِيرَةِ (آخِرِ) وَقْتِ (الْعِشَاءِ) لِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلْأُولَى فِي جَوَازِ الْجَمْعِ فَكَذَا فِي الْوُجُوبِ.
وَالثَّانِي لَا تَجِبُ الظُّهْرُ وَالْمَغْرِبُ بِمَا ذُكِرَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لِلظُّهْرِ فِي الْمُقِيمِ وَرَكْعَتَيْنِ فِي الْمُسَافِرِ، وَثَلَاثٍ لِلْمَغْرِبِ، لِأَنَّ جَمْعَ الصَّلَاتَيْنِ الْمُلْحَقَ، بِهِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا تَمَّتْ الْأُولَى وَشَرَعَ فِي الثَّانِيَةِ فِي الْوَقْتِ، وَلَا تَجِبُ وَاحِدَةٌ مِنْ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِمَّا بَعْدَهَا لِانْتِفَاءِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْوُجُوبِ إدْرَاكُ زَمَنِ الطَّهَارَةِ.
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ امْتِدَادُ السَّلَامَةِ مِنْ الْمَوَانِعِ
[حاشية قليوبي]
تَعَدَّى بِهِ وَإِلَّا وَجَبَ الْقَضَاءُ فِيهَا، وَمِنْهَا الْوَاقِعُ فِي نَحْوِ جُنُونٍ بِلَا تَعَدٍّ فِي رِدَّةٍ أَوْ فِي سُكْرٍ بِتَعَدٍّ، فَيَقْضِي مَا انْتَهَى إلَيْهِ زَمَنُ الرِّدَّةِ أَوْ السُّكْرِ لَا مَا بَعْدَهُ فَقَوْلُهُمْ لَوْ سَكِرَ مَثَلًا بِتَعَدٍّ ثُمَّ جُنَّ بِلَا تَعَدٍّ قَضَى زَمَنَ السُّكْرِ لَا زَمَنَ جُنُونِهِ بَعْدَهُ، بِخِلَافِ زَمَنِ جُنُونِ الْمُرْتَدِّ لِأَنَّ مَنْ جُنَّ فِي رِدَّتِهِ مُرْتَدٌّ فِي جُنُونِهِ حُكْمًا، وَمَنْ جُنَّ فِي سُكْرِهِ لَيْسَ بِسَكْرَانَ فِي دَوَامِ جُنُونِهِ قَطْعًا انْتَهَى.
كَلَامٌ سَاقِطٌ مُتَهَافِتٌ وَالْفَرْقُ الْمَذْكُورُ فَاسِدٌ، لِأَنَّ زَمَنَ الْجُنُونِ الَّذِي لَا يَقْضِي هُوَ مَا اتَّصَلَ بِالسُّكْرِ لَا مَا وَقَعَ فِيهِ، كَمَا أَنَّ الْمَجْنُونَ فِي الرِّدَّةِ إنَّمَا يَقْضِي مَا انْتَهَى إلَيْهِ زَمَنَ الرِّدَّةِ فَقَطْ، لَا مَا بَعْدَهُ.
كَمَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ أُصُولِهِ فِي زَمَنِ جُنُونِهِ لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا كَمَا مَرَّ.
فَهُمَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ مُسْلِمٌ قَبْلَ جُنُونِهِ، لَمْ يَقْضِ مِنْ زَمَنِ الْجُنُونِ شَيْئًا فَتَأَمَّلْ وَافْهَمْ.
(تَنْبِيهٌ) مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ مِنْ دُخُولِ كُلٍّ مِنْ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ عَلَى مِثْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْهَا يُرَاجَعُ فِيهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، وَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ مِنْهَا صُوَرٌ كَثِيرَةٌ تَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ صُورَةً، لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الثَّلَاثَةِ إمَّا بِتَعَدٍّ أَوْ لَا، وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا فِي رِدَّةٍ أَوْ لَا، فَهَذِهِ اثْنَا عَشَرَ صُورَةً وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا مَعَ مِثْلِهِ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ، فَهِيَ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ صُورَةً بِحَسَبِ الضَّرْبِ، وَالْمُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ مِنْهَا سِتَّةٌ وَسِتُّونَ صُورَةً بِحَسَبِ الْعَقْلِ، وَالْوَاقِعُ مِنْهَا مَا يَقُولُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِهِ وَحَاصِلُ الْحُكْمِ فِيهَا أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهَا فِي رِدَّةٍ، وَانْفَرَدَ بِالتَّعَدِّي أَوْ اجْتَمَعَ مَعَ مُتَعَدٍّ بِهِ أَيْضًا مِنْ مِثْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ، مِنْهَا وَجَبَ فِيهِ الْقَضَاءُ وَإِنَّ مَا كَانَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ سَوَاءٌ انْفَرَدَ بِعَدَمِ التَّعَدِّي أَوْ اجْتَمَعَ مَعَ غَيْرِ مُتَعَدٍّ بِهِ مِنْ مِثْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَجِبْ فِيهِ الْقَضَاءُ وَإِنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ مَا تَعَدَّى بِهِ وَغَيْرُهُ، وَجَبَ قَضَاءُ زَمَنِ الْمُتَعَدِّي بِهِ، سَوَاءٌ أَسَبَقَ أَوْ تَأَخَّرَ وَاَللَّهُ الْمُعِينُ وَالْمُلْهِمُ.
قَوْلُهُ: (الْأَسْبَابُ) كَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْمَوَانِعِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مَوَانِعُ الْوُجُوبِ كَالصِّبَا لَا مَوَانِعُ الصِّحَّةِ، إلَّا أَنْ يُرَادَ أَسْبَابُ الْمَنْعِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
قَوْلُهُ: (قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ) أَيْ فَأَكْثَرَ إلَى قَدْرِ زَمَنٍ لَا يَسَعُهَا فَهُوَ مُسَاوٍ لِوَقْتِ الْحُرْمَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَّصِلَ ذَلِكَ بِالْخُلُوِّ مِنْ وَقْتِ الَّتِي بَعْدَهَا، فَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ لَمْ يُعْتَبَرْ إلَّا إنْ كَانَ قَدْرًا يَسَعُ الصَّلَاةَ، وَطُهْرَهَا فَإِنْ وَسِعَ الَّتِي قَبْلَهَا أَيْضًا، وَجَبَتْ إنْ كَانَتْ تُجْمَعُ مَعَهَا.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ إلَخْ) مُقْتَضَى هَذَا التَّشْبِيهِ الْوُجُوبُ بِدُونِ قَدْرِ تَكْبِيرَةٍ، وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَقَلُّ مِنْ التَّكْبِيرَةِ غَيْرُ مَحْسُوسٍ، يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ أُنِيطَ الْحُكْمُ بِقَدْرٍ مَحْسُوسٍ بِخِلَافِ الرَّبْطِ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ فَإِنَّهُ يُوجَدُ بِأَيِّ جُزْءٍ مِنْهَا وَفِيهِ بَحْثٌ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (أَخَفُّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْوَسَطُ الْمُعْتَدِلُ، وَلَا فِعْلُ الشَّخْصِ نَفْسِهِ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا أَنَّ الْجُمُعَةَ إلَخْ) وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَا هُنَا فَوَاتُ أَصْلٍ وَمَا فِي الْجُمُعَةِ فَوَاتُ وَقْتٍ، أَوْ بِأَنَّ مَا هُنَا إدْرَاكُ إسْقَاطٍ، وَمَا فِي الْجُمُعَةِ إدْرَاكُ إثْبَاتٍ، فَاحْتِيطَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ يُقَالُ مَا هُنَا فَوَاتٌ بِغَيْرِ بَدَلٍ فَاكْتَفَى الْوُجُوبُ فِيهِ بِالْقَدْرِ الْيَسِيرِ، بِخِلَافِهِ فِي الْجُمُعَةِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بَلْ لَا بُدَّ إلَخْ) مُقْتَضَى تَعْلِيلِ هَذَا الْقَوْلِ اشْتِرَاطُ إدْرَاكِ قَدْرِ زَمَنِ طَهَارَةِ الْأُولَى فِي وَقْتِهَا أَيْضًا وَظَاهِرُ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْوُجُوبِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، إدْرَاكُ ذَلِكَ يُخَالِفُهُ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (رَكْعَتَيْنِ لِلْمُسَافِرِ) قَالَ شَيْخُنَا: إنْ لَمْ يَرِدْ الْإِتْمَامُ وَإِلَّا اُعْتُبِرَ قَدْرُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: الْوَجْهُ اعْتِبَارُ رَكْعَتَيْنِ فِي حَقِّهِ مُطْلَقًا بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا أَخَفَّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ كَمَا مَرَّ.
وَأَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا فِي الْفَرْضِ قَدْرَ وَاجِبَاتِهِ فَقَطْ لَا مَعَ سُنَنِهِ كَالسُّورَةِ وَالْقُنُوتِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ فِي الْوُجُوبِ وَالِاسْتِقْرَارِ أَيْضًا امْتِدَادُ زَمَنِ السَّلَامَةِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ أَيْ
[حاشية عميرة]
السُّكْرِ) أَيْ وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَسْكَرُ لِقِلَّتِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ جَهِلَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَخَفُّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ) ظَاهِرَةٌ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِعْلُ الشَّخْصِ نَفْسِهِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (كَمَا أَنَّ الْجُمُعَةَ إلَخْ) أَيْ وَلِمَفْهُومِ حَدِيثِ " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ " وَرَدَّهُ
زَمَنَ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ.
(وَلَوْ بَلَغَ فِيهَا) بِالسِّنِّ (أَتَمَّهَا) وُجُوبًا (وَأَجْزَأَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ) وَالثَّانِي لَا يَجِبُ إتْمَامُهَا، بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَلَا تُجْزِئُهُ لِابْتِدَائِهَا فِي حَالِ النُّقْصَانِ (أَوْ) بَلَغَ (بَعْدَهَا) فِي الْوَقْتِ بِالسِّنِّ أَوْ الِاحْتِلَامِ أَوْ الْحَيْضِ (فَلَا إعَادَةَ عَلَى الصَّحِيحِ) وَالثَّانِي تَجِبُ لِوُقُوعِهَا حَالَ النُّقْصَانِ (وَلَوْ حَاضَتْ) أَوْ نَفِسَتْ (أَوْ جُنَّ) أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ (أَوَّلَ الْوَقْتِ) وَاسْتَغْرَقَهُ مَا
[حاشية قليوبي]
امْتِدَادًا مُتَّصِلًا، كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ لَفْظُ الِامْتِدَادِ فَيَخْرُجُ مَا لَوْ خَلَا قَدْرُ الطُّهْرِ وَعَادَ الْمَانِعُ ثُمَّ خَلَا قَدْرُ الصَّلَاةِ، وَعَادَ الْمَانِعُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا وُجُوبَ وَإِلَيْهِ مَالَ شَيْخُنَا، وَاعْتَمَدَهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (زَمَنَ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ) أَيْ قَدْرَ زَمَنِ الْوَاجِبِ مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ وَمِنْ طَهَارَةِ الْخَبَثِ وَإِنْ كَثُرَ وَمِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالِهَا الْوَاجِبَةِ، وَلَا نَظَرَ لِإِمْكَانِ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ مِنْ نَحْوِ الصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا، وَهَذَا يَقْتَضِي اعْتِبَارَ كُلِّ شَخْصٍ بِحَالِهِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إنَّ اعْتِبَارَهُمْ هُنَا زَمَنَ الطَّهَارَةِ الْمُمْكِنِ تَقْدِيمُهَا مِنْ نَحْوِ الصَّبِيِّ، وَعَدَمَ اعْتِبَارِهِ مِنْهُ فِيمَا يَأْتِي مُشْكِلٌ انْتَهَى.
مَرْدُودٌ بِأَنَّ زَمَنَ تِلْكَ الطَّهَارَةِ لَمْ يُعْتَبَرْ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ الَّتِي وَجَبَتْ فِي الْمَحَلَّيْنِ، وَإِنَّمَا زَمَنُ الطَّهَارَةِ الْمُعْتَبَرُ هُنَا مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ، لِأَجْلِهَا لَا لِأَجْلِ الْأُولَى الْمُدْرِكِ مِنْهَا قَدْرَ التَّكْبِيرَةِ تَأَمَّلْ.
فَإِنَّ الْمَحَلَّيْنِ سَوَاءٌ وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْخُلُوِّ مِنْ الْمَوَانِعِ قَدْرَ الْمُؤَدَّاةِ وَطُهْرِهَا فَلَوْ أَدْرَكَ مِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ مَعَ زَمَنِ الطَّهَارَةِ، قَدْرَ مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ لَمْ تَجِبْ وَاحِدَةٌ مِنْ الثَّلَاثِ، أَوْ قَدْرَ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَجَبَتْ الْمَغْرِبُ فَقَطْ، أَوْ قَدْرَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ وَجَبَتْ الْعَصْرُ أَيْضًا عَلَى الْمُسَافِرِ دُونَ الْمُقِيمِ، أَوْ قَدْرَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ وَجَبَتْ الظُّهْرُ أَيْضًا عَلَى الْمُسَافِرِ، أَوْ قَدْرَ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَأَكْثَرَ وَجَبَتْ الثَّلَاثَةُ أَيْضًا عَلَى الْمُقِيمِ أَيْضًا وَلَوْ أَدْرَكَ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ قَدْرَ رَكْعَةٍ وَمِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، قَدْرَ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَجَبَتْ الْمَغْرِبُ فَقَطْ فَلَوْ كَانَ قَدْ شَرَعَ فِي الْعَصْرِ، وَقَعَتْ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا وَبَقِيَتْ الْمَغْرِبُ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَوْ أَدْرَكَ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَمِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، كَذَلِكَ لَمْ تَجِبْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فَإِنْ كَانَ قَدْ شَرَعَ فِي الْعَصْرِ، وَقَعَتْ نَفْلًا أَيْضًا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
وَأَتْبَاعُهُ فَرَاجِعْهُ وَيُقَاسُ بِهَذَا إدْرَاكُ الزَّمَنِ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ، بَعْدَ إدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ وَقْتِ الْعِشَاءِ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ اعْتَبَرُوا وَقْتَ الطَّهَارَةِ وَسَكَتُوا عَنْ وَقْتِ السَّتْرِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلَعَلَّهُ لِشِدَّةِ احْتِيَاجِ الصَّلَاةِ إلَى الطَّهَارَةِ دُونَ غَيْرِهَا بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ فِيهَا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (بِالسِّنِّ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ الْمُمْكِنُ فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ يَتَصَوَّرُ بِالْمَنِيِّ فِيمَا إذَا أَحَسَّ بِهِ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ، وَلَمْ يَخْرُجْ إلَى الظَّاهِرِ فَمَنَعَهُ مِنْ الْخُرُوجِ، بِإِمْسَاكِهِ بِحَائِلٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ، وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ وَيَجْرِي فِيهَا مَا فِي الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غُسْلٌ حَتَّى لَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ، وَفِيهِ الْمَنِيُّ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ أَيْضًا، مَا لَمْ يَبْرُزْ مِنْ الْمُتَّصِلِ بِالْبَدَنِ شَيْءٌ وَلَوْ يَسِيرًا كَمَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَأَجْزَأَتْهُ) وَلَوْ مَجْمُوعَةً مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا أَوْ كَانَتْ بِالتَّيَمُّمِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فِيهَا الْفَرْضِيَّةَ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَلَوْ أَدْرَكَهَا.
نَعَمْ يُنْدَبُ لَهُ فِعْلُ الْجُمُعَةِ حِينَئِذٍ وَيَنْبَغِي انْعِقَادُهَا بِهِ لَوْ كَانَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُجْزِئُهُ) أَيْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَالْحَجِّ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْحَجَّ وَظِيفَةُ الْعُمْرِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْكَمَالُ وَكَالصَّبِيِّ الْعَبْدُ إذْ أُعْتِقَ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي الظُّهْرِ، وَلَوْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ فِعْلِهَا فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ فِعْلُهَا.
نَعَمْ يُنْدَبُ لَهُ فِعْلُهَا حِينَئِذٍ كَمَا مَرَّ قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي تَجِبُ) فِيهِ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (لِوُقُوعِهَا حَالَ النُّقْصَانِ) أَيْ وَطُرُوُّ الْكَمَالِ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ مِثْلُهُ فِي أَوَّلِهِ، وَعُلِمَ مِنْ ذِكْرِهِ الْحَيْضَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِعَادَةِ فِي هَذِهِ، وَاَلَّتِي قَبْلَهَا عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ الْمَرْجُوحِ، وَعَلَى النَّدْبِ الْمُعْتَمَدِ مَا يَعُمُّ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ مِنْ الْمُعَادَةِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، فَشَرْطُهَا الْوَقْتُ أَوْ مِمَّا طُلِبَ قَضَاؤُهَا مِنْهُ، فَهَذِهِ لَيْسَتْ مَقْضِيَّةً لِأَنَّهُ فَعَلَهَا قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَرَاجِعْهُ وَخَرَجَ بِالصَّبِيِّ الْخُنَثِي إذَا اتَّضَحَ بِالذُّكُورَةِ، وَلَوْ بَعْدَ فِعْلِ الظُّهْرِ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ إنْ أَدْرَكَهَا لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الظُّهْرِ إنْ لَمْ يُدْرِكْ الْجُمُعَةَ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلَ الْوَقْتِ) هُوَ قَيْدٌ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ بِكَوْنِ الطُّهْرِ يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ وَلِخُرُوجِ الْخُلُوِّ فِي أَثْنَائِهِ زَمَنًا لَا يَسَعُ الْفَرْضَ، وَطُهْرُهُ مُتَّصِلًا كَمَا مَرَّ فَهُوَ أَوْلَى
[حاشية عميرة]
الْقُونَوِيُّ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ لَا يُفِيدُ عَدَمَ اللُّزُومِ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ مُؤَدَّاةً.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَثَلَاثٍ لِلْمَغْرِبِ) أَيْ ثَلَاثَةٍ لِلْمَغْرِبِ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ زِيَادَةً عَلَى التَّكْبِيرِ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (زَمَنَ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ) لَوْ زَالَ الصِّبَا آخِرَ الْوَقْتِ ثُمَّ اعْتَرَاهُ جُنُونٌ مَثَلًا بَعْدَ زَمَنٍ يَسَعُ الْفَرْضَ فَقَطْ فَيَنْبَغِي لُزُومُهُ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ يُمْكِنُ تَقْدِيمُهَا عَلَى زَوَالِ الْمَانِعِ، بَلْ يَنْبَغِي جَرَيَانُ مِثْلِ ذَلِكَ فِي زَوَالِ الْكُفْرِ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُمْكِنَةٌ بِأَنْ يُسَلِّمَ هَذَا، وَلَكِنَّ قَضِيَّةَ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ خِلَافُ ذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَجْزَأَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ) أَيْ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا مَضْرُوبٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ شَرَعَ فِيهَا بِشَرَائِطِهَا فَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ حَالِهِ إلَى الْكَمَالِ كَالْعَبْدِ إذَا شَرَعَ فِي الظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ عَتَقَ قَبْلَ إتْمَامِهَا وَقَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَلَا إعَادَةَ عَلَى الصَّحِيحِ) لَا يُقَالُ هَذَا نَفْلٌ فَكَيْفَ يَسْقُطُ الْفَرْضُ لِأَنَّا نَقُولُ:
ذَكَرَ (وَجَبَتْ تِلْكَ) الصَّلَاةُ (إنْ أَدْرَكَ) مَنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ مَا عَرَضَ (قَدْرَ الْفَرْضِ) أَخَفُّ مَا يُمْكِنُهُ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِهِ بِأَنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا، فَإِنْ لَمْ تُجْزِئْ طَهَارَتُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ كَالْمُتَيَمِّمِ اُشْتُرِطَ إدْرَاكُ زَمَنِ الطَّهَارَةِ أَيْضًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ قَدْرَ الْفَرْضِ (فَلَا) تَجِبُ تِلْكَ الصَّلَاةُ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِهَا.
(فَصْلُ الْأَذَانِ) بِالْمُعْجَمَةِ (وَالْإِقَامَةِ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ لِمُوَاظَبَةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَيْهِمَا (وَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ فَإِنْ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا قُوتِلُوا عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
(وَإِنَّمَا يُشْرَعَانِ لِلْمَكْتُوبَةِ) دُونَ النَّافِلَةِ (وَيُقَالُ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهِ) مِمَّا تُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ كَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالتَّرَاوِيحِ (الصَّلَاةَ جَامِعَةً)
[حاشية قليوبي]
مِنْ عُدُولِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَنْهُ إلَى الْأَثْنَاءِ لِشُمُولِهِ لِمَا لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ الْقَدْرُ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَأَنْ أَفَاقَ قَدْرَ الطَّهَارَةِ ثُمَّ جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ قَدْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ قَدْرَ رَكْعَتَيْنِ أَيْضًا ثُمَّ جُنَّ وَلَا يَنْبَغِي الْوُجُوبُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِمَا مَرَّ.
مِنْ شَرْطِ اتِّصَالِ الْخُلُوِّ وَلِمَا لَوْ خَلَا فِي نَحْوِ وَسَطِ الْوَقْتِ قَدْرَ الْفَرْضِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ إنْ كَانَ الظُّهْرُ مِمَّا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ اسْتِدْرَاكُ مَا زَادَهُ بِقَوْلِهِ، وَطُهْرٌ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَخَفُّ مَا يُمْكِنُهُ) كَذَا عَبَّرَ هُنَا وَهُوَ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ فِعْلِ نَفْسِهِ، وَقَالَ فِيمَا مَرَّ أَخَفُّ مَا يُمْكِنُهُ أَحَدٌ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَقَدْ يُوَجَّهُ بِقَوْلِهِمْ هُنَا إنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ لَأَمْكَنَهُ إتْمَامُهَا قَبْلَ طُرُوُّ الْمَانِعِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي اعْتِبَارِ فِعْلِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ ذَاكَ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: يَنْبَغِي اعْتِبَارُ الْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ مِنْ فِعْلِ غَالِبِ النَّاسِ فِي ظَنِّهِ حَتَّى لَوْ شَكَّ فِي إدْرَاكِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ تُجْزِئْ طَهَارَتُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ إلَخْ) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَكَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ الصِّحَّةِ فَانْظُرْهُ مَعَ مَا مَرَّ.
(فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) وَحُكْمُهُمَا وَمَا يُطْلَبُ فِيهِمَا، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالْبَابِ، وَهُوَ أَنْسَبُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ وَالْآذَانُ مِنْ آذَنَ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ، أَوْ أَذَّنَ بِتَشْدِيدِ الذَّالِ بِمَعْنَى أَعْلَمَ، وَيُقَالُ لَهُ التَّأْذِينُ وَالْأَذِينُ لُغَةً الْإِعْلَامُ وَاصْطِلَاحًا أَلْفَاظٌ مَخْصُوصَةٌ، يُعْلَمُ بِهَا دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَالْإِقَامَةُ لُغَةً كَالْأَذَانِ وَشَرْعًا أَلْفَاظٌ مَخْصُوصَةٌ، تُقَالُ لِاسْتِنْهَاضِ الْحَاضِرِينَ لِفِعْلِ الصَّلَاةِ، وَهُمَا حَقٌّ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْقَدِيمِ الْمُعْتَمَدِ غَالِبًا، وَقِيلَ لِلْوَقْتِ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَافِرَ الْمُؤَخِّرَ، هَلْ يُؤَذِّنُ لِلْأُولَى فِي وَقْتِهَا
قَوْلُهُ: (أَيْ كُلٍّ مِنْهُمَا) هُوَ تَأْوِيلٌ لِصِحَّةِ الْأَخْبَارِ.
قَوْلُهُ: (سُنَّةٌ) أَيْ عَلَى الْكِفَايَةِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُنْفَرِدِ، وَكَذَا فِي حَقِّهِ وَتَعَيُّنُهُمَا عَلَيْهِ عَارِضٌ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَقِيلَ سُنَّةُ عَيْنٍ فِي حَقِّهِ وَبِهِ.
قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ وَلَا بُدَّ فِي الْبَلَدِ مِنْ ظُهُورِ الشِّعَارِ وَلَوْ مَعَ تَعَدُّدٍ اُحْتِيجَ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لِمُوَاظَبَةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَيْهِمَا) هُوَ دَلِيلٌ لِلتَّأْكِيدِ اللَّازِمِ لَهُ السُّنِّيَّةُ، وَقِيلَ دَلِيلٌ لِلسُّنِّيَّةِ فَقَطْ، وَالتَّأْكِيدُ مِنْ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ بَعْدَهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) أَيْ لِلْجَمَاعَةِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يُشْرَعَانِ) أَيْ نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا فَهُوَ جَارٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَأَوَّلُ ظُهُورِ مَشْرُوعِيَّتِهِمَا فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ فِي الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ، فَلَا يُنَافِي مَا قِيلَ إنَّ جِبْرِيلَ أَذَّنَ وَأَقَامَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِصَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
بِمَنْ فِيهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَلَا مَا قِيلَ إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَآهُمَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فِي السَّمَاءِ عَلَى أَنَّ رُؤْيَتَهُ لَهُمَا لَا تَقْتَضِي مَشْرُوعِيَّتَهُمَا قِيلَ، وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (لِلْمَكْتُوبَةِ) أَيْ مِنْ الْخَمْسِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا
[حاشية عميرة]
أُجِيبُ بِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ تَعَلُّقِ الْفَرْضِ لَا مُسْقِطٌ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِهَا) أَيْ وَكَمَا لَوْ هَلَكَ النِّصَابُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهِ.
(فَصْلُ الْأَذَانِ إلَخْ)
[فَصْلُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَة]
الْأَذَانُ فِي اللُّغَةِ الْإِعْلَامُ، يُقَالُ: أَذِنَ بِشَيْءٍ إذْنًا وَتَأْذِينًا وَأَذِينًا أَعْلَمَ بِهِ، وَمِنْهُ ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ [التوبة: 3] أَيْ إعْلَامٌ وَالْأَذَانُ بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالذَّالِ الِاسْتِمَاعُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْإِقَامَةِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُقِيمُ إلَى الصَّلَاةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (سُنَّةٌ) أَيْ وَلَيْسَا بِفَرْضٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ بِهِمَا فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ مَعَ ذِكْرِهِ الْوُضُوءَ وَالِاسْتِقْبَالَ، وَالْقَائِلُ بِالْفَرْضِيَّةِ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ " فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ " قَوْلُ الْمَتْنِ: (لِلْمَكْتُوبَةِ) أَيْ مِنْ الْخَمْسِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (مِمَّا تَشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ) أَيْ إلَّا الْجِنَازَةَ لِأَنَّ الْمُشَيِّعِينَ حَاضِرُونَ وَلَا تَرُدُّ عَلَى الْمِنْهَاجِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ نَحْوَ الْعِيدِ ثُمَّ
لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ فِي الْكُسُوفِ وَيُقَاسُ بِهِ نَحْوُهُ، وَنَصْبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَجَامِعَةً عَلَى الْحَالِ كَمَا قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ.
(وَالْجَدِيدُ نَدْبُهُ) أَيْ الْأَذَانِ (لِلْمُنْفَرِدِ) بِالصَّلَاةِ فِي صَحْرَاءَ أَوْ بَلَدٍ إنْ لَمْ يَبْلُغْهُ أَذَانُ الْمُؤَذِّنِينَ، وَكَذَا إنْ بَلَغَهُ كَمَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّحْقِيقِ وَالتَّنْقِيحِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَدِيثُ الْآتِي، وَالْقَدِيمُ لَا يُنْدَبُ لَهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَذَانِ الْإِعْلَامُ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْمُنْفَرِدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ كَالْوَجِيزِ وَالْجُمْهُورُ اقْتَصَرُوا عَلَى أَنَّهُ يُؤَذِّنُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْخِلَافِ، وَأَفْصَحَ فِي الرَّوْضَةِ بِتَرْجِيحِ طَرِيقِهِمْ وَاكْتَفَى عَنْهَا هُنَا بِذِكْرِ الْجَدِيدِ كَالْمُحَرَّرِ.
وَيَكْفِي فِي أَذَانِهِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ بِخِلَافِ أَذَانِ الْإِعْلَامِ.
(وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ) نَدْبًا، رَوَى الْبُخَارِيُّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَهُ: إنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْت فِي غَنَمِك أَوْ بَادِيَتِك فَأَذَّنْت لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، أَيْ سَمِعْت مَا قُلْته لَك بِخِطَابٍ لِي كَمَا فَهِمَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، وَأَوْرَدَهُ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى ذَلِكَ لِيَظْهَرَ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى أَذَانِ الْمُنْفَرِدِ وَرَفْعِ صَوْتِهِ بِهِ، وَقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ سَمِعْته لِقَوْلِهِ: " لَا يَسْمَعُ " إلَى آخِرِهِ فَقَطْ.
(لَا بِمَسْجِدٍ وَقَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ) .
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا:
[حاشية قليوبي]
يَأْتِي لِأَنَّ اسْمَ الْمَكْتُوبَةِ خَاصٌّ بِهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَوْ لِأَنَّهَا الْمُرَادَةُ فِي الْإِطْلَاقِ فَهُمَا حَقٌّ لَهَا أَصَالَةٌ كَمَا مَرَّ.
فَلَا يُرَدُّ طَلَبُ الْأَذَانِ فِي أُذُنِ مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ، وَلَوْ بَهِيمَةً أَوْ الْمَغْمُومَ أَوْ الْمَصْرُوعَ أَوْ الْغَضْبَانَ أَوْ عِنْدَ مُزْدَحَمِ الْجَيْشِ، أَوْ عَلَى الْحَرِيقِ أَوْ وَقْتَ تَغَوُّلِ الْغِيلَانُ، وَطَلَبُهُمَا مَعًا خَلْفَ الْمُسَافِرِ وَفِي أُذُنَيْ الْمَوْلُودِ.
قَوْلُهُ: (دُونَ النَّافِلَةِ) وَمِنْهَا الْمُعَادَةُ وَكَذَا الْمَنْذُورَةُ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَيُكْرَهَانِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ) أَيْ بَدَلًا عَنْ الْإِقَامَةِ أَصَالَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَهُوَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَ إرَادَةِ الْجَمَاعَةِ الْفِعْلَ، فَلَا يُرَدُّ عَدَمُ طَلَبِ ذَلِكَ لِلْمُنْفَرِدِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْعِيدِ) أَيْ إذَا فَعَلَ جَمَاعَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهِ) أَيْ الْعِيدِ مِنْ كُلِّ نَفْلٍ تُطْلَبُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، إذَا أُرِيدَ فِعْلَهُ جَمَاعَةٌ فَخَرَجَ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَيُنْدَبُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ، لِأَنَّهُمَا كَصَلَاةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَكَذَا مِنْ الْوَتْرِ وَنَحْوِهِ إذَا فُعِلَ كَذَلِكَ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (الصَّلَاةُ جَامِعَةً) وَمِثْلُهُ هَلُمُّوا إلَى الصَّلَاةِ أَوْ إلَى الْفَلَاحِ، أَوْ الصَّلَاةُ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَلَهُ: (وَنَصْبُ إلَخْ) أَيْ فِي غَيْرِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ لِتَعَيُّنِ الرَّفْعِ فِيهَا نِيَابَةً عَنْ الْفَاعِلِ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا عَلَى الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، وَرَفْعُ الْأَوَّلِ وَنَصْبُ الثَّانِي وَعَكْسُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْأَذَانِ) دَفَعَ بِذَلِكَ عَوْدَ الضَّمِيرِ لِكُلِّ الْمُوهِمِ، لِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي الْإِقَامَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ: قَوْلُهُ: (لِلْمُنْفَرِدِ) أَيْ الذَّكَرِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا إنْ بَلَغَهُ) أَيْ يُطْلَبُ لَهُ الْأَذَانُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ بَلَغَهُ أَذَانٌ غَيْرُهُ، إلَّا إنْ سَمِعَ الْأَذَانَ مِنْ مَحَلٍّ وَقَصَدَ الصَّلَاةَ فِيهِ، وَصَلَّى فِيهِ فَلَا يُطْلَبُ لَهُ الْأَذَانُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَاكْتَفَى عَنْهَا) أَيْ طَرِيقُ الْجُمْهُورِ بِذِكْرِ الْجَدِيدِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْقَائِلَ بِالْجَدِيدِ قَدْ يَكُونُ نَافِيًا لِلْقَدِيمِ، فَهُوَ قَاطِعٌ وَقَدْ لَا يَنْفِيهِ فَهُوَ حَاكٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ) أَيْ الْمُؤَذِّنُ الْمُنْفَرِدُ زِيَادَةً عَلَى مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ، الْمَذْكُورُ قَبْلَهُ تَوْطِئَةً لَهُ وَقِيلَ الْمُؤَذِّنُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ لَهُ) أَيْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقِيلَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قَوْلُهُ: (سَمِعْت مَا قُلْته لَك وَهُوَ أَنِّي أَرَاك تُحِبُّ إلَخْ) بِخِطَابٍ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَأَوْرَدُوهُ) أَيْ الذِّكْرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ، بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كُلَّهُ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حَسَبِ فَهْمِهِمْ، وَلَفْظُ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
«قَالَ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ إنَّك رَجُلٌ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَأَذِّنْ وَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ، جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . قَوْلُهُ: (وَقِيلَ إنَّ ضَمِيرَ إلَخْ) وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى نَدْبِهِ لِلْمُنْفَرِدِ، فَإِنَّ طَلَبَ رَفْعِ صَوْتِهِ بِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِطَلَبِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا بِمَسْجِدٍ إلَخْ) أَيْ لَا يَرْفَعُ الْمُنْفَرِدُ صَوْتَهُ بِالْأَذَانِ لِنَفْسِهِ فِي مَسْجِدٍ،
[حاشية عميرة]
الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ فِي هَذَيْنِ مَكْرُوهَانِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَيْ الْأَذَانُ) احْتَرَزَ عَنْ الْإِقَامَةِ فَإِنَّهَا مَنْدُوبَةٌ لَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَيُقِيمُ لِلْفَائِتَةِ قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَأَفْصَحَ إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُفْصِحْ قَدْ أَشَارَ إلَيْهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ لِلْمُنْفَرِدِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْجَدِيدُ نَدَبَهُ لِلْمُنْفَرِدِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِيَظْهَرَ الِاسْتِدْلَال) الْأَحْسَنُ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا عِلَّةً لَأَوْرَدُوهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ عِلَّةً لِقَوْلِهِ أَيْ سَمِعْت.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَا بِمَسْجِدٍ وَقَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: التَّقْيِيدُ بِالْمَسْجِدِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَرْفَعُ فِي غَيْرِهِ، وَكَأَنَّ سَبَبَهُ شِدَّةُ الِاعْتِنَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ بِأَمْرِ الْأَذَانِ فَيَكُونُ الْإِيهَامُ فِيهَا أَكْثَرَ، وَفِي مَعْنَاهَا الرَّبْطُ.
وَأَمَّا وُقُوعُ الْجَمَاعَةِ فَلِأَنَّ الْأَذَانَ قَبْلَهَا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ لِأَنَّهُ مَدْعُوٌّ بِالْأَوَّلِ، انْتَهَى.
وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي الْمُنْفَرِدِ يُؤَذِّنُ وَإِنْ بَلَغَهُ أَذَانُ غَيْرِهِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مُنْفَرِدٍ يُرِيدُ الصَّلَاةَ بَعْدَ إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ أَوْ يُصَلِّي فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَفِيهِ نَظَرٌ
وَانْصَرَفُوا أَيْ فَلَا يَرْفَعُ فِي ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ السَّامِعُونَ دُخُولَ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى سِيَّمَا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ، وَذِكْرُ الْمَسْجِدِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَمِثْلُهُ الرِّبَاطُ وَنَحْوُهُ مِنْ أَمْكِنَةِ الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ أُقِيمَتْ جَمَاعَةٌ ثَانِيَةٌ فِي الْمَسْجِدِ سُنَّ لَهُمْ الْأَذَانُ فِي الْأَظْهَرِ.
وَلَا يَرْفَعُ فِيهِ الصَّوْتَ خَوْفَ اللَّبْسِ عَلَى السَّامِعِينَ وَتُسَنُّ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيهِمَا.
(وَيُقِيمُ لِلْفَائِتَةِ) مَنْ يُرِيدُ فِعْلَهَا (وَلَا يُؤَذِّنُ) لَهَا (فِي الْجَدِيدِ) وَالْقَدِيمُ يُؤَذِّنُ لَهَا، أَيْ حَيْثُ تَفْعَلُ جَمَاعَةٌ لِيُجَامِعَ الْقَدِيمَ السَّابِقَ فِي الْمُؤَدَّاةِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُؤَذِّنْ الْمُنْفَرِدُ لَهَا فَالْفَائِتَةُ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ مِنْ اقْتِصَارِ الْجُمْهُورِ فِي الْمُؤَدَّاةِ عَلَى أَنَّهُ يُؤَذِّنُ، يَجْرِي الْقَدِيمُ هُنَا عَلَى إطْلَاقِهِ، وَيَدُلُّ لِلْجَدِيدِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ، فَدَعَا بِلَالًا فَأَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ فَصَلَّاهَا ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا ثُمَّ أَقَامَ الْمَغْرِبَ فَصَلَّاهَا ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا» ؛ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَاسْتَدَلَّ فِي الْمُهَذَّبِ لِلْقَدِيمِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَفِيهِ: «فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ إلَى آخِرِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
فَفِيهِ زِيَادَةُ عِلْمٌ بِالْأَذَانِ عَلَى الْأَوَّلِ، فَقُدِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، فَإِنَّ الرَّاوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ ابْنُهُ أَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ لِصِغَرِ
[حاشية قليوبي]
صَلَّتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ وَانْصَرَفُوا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَسَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ، وَالْمَسْجِدَ وَالْجَمَاعَةَ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَكَذَا الِانْصِرَافُ وَوُقُوعُ الصَّلَاةِ أَخْذًا مِنْ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ السَّامِعُونَ، وَلَوْ غَيْرَ الْمُصَلِّينَ أَوْ غَيْرَ الْمُنْصَرِفِينَ.
قَوْلُهُ: (دُخُولَ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى) إنْ كَانَ هَذَا الْأَذَانُ قَرِيبًا مِنْ آخِرِ الْوَقْتِ، أَوْ عَدَمَ دُخُولِ وَقْتِ تِلْكَ الصَّلَاةِ قَبْلَهُ إنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ أَوَّلِهِ.
قَوْلُهُ: (سُنَّ لَهُمْ) أَيْ لِلْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ وَإِنْ لَمْ تَنْصَرِفْ الْجَمَاعَةُ الْأُولَى أَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ مَكْرُوهَةً.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَرْفَعُ فِيهِ) أَيْ الْأَذَانِ لِلْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ الصَّوْتَ فَوْقَ مَا يَسْمَعُونَ.
قَوْلُهُ: (خَوْفَ اللَّبْسِ عَلَى السَّامِعِينَ) مِنْ تَوَهُّمِ مَا مَرَّ وَالْمُرَادُ أَنَّ شَأْنَ ذَلِكَ اللَّبْسُ، فَلَا يُرَدُّ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إلَّا عَارِفٌ.
قَوْلُهُ: (وَتُسَنُّ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ) وَهُمَا مَسْأَلَةُ الْمُنْفَرِدِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَمَسْأَلَةُ الْجَمَاعَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ يُرِيدُ فِعْلَهَا) أَيْ عِنْدَ إرَادَةِ فِعْلِهَا سَوَاءٌ الذَّكَرُ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُؤَذِّنُ) أَيْ الذَّكَرُ لَهَا لِأَنَّ الْأُنْثَى لَا يُطْلَبُ مِنْهَا الْأَذَانُ مُطْلَقًا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لِيُجَامِعَ الْقَدِيمَ السَّابِقَ) فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْقَدِيمَ هُنَا غَيْرُ الْقَدِيمِ الْأَوَّلِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ لِيُجَامِعَ إلَخْ.
لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْقَدِيمَ هُنَا يَقُولُ بِنَدْبِهِ لِلْمُنْفَرِدِ فِي الْمُؤَدَّاةِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْأَوَّلُ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِنَدْبِهِ لِلْمُنْفَرِدِ فِي الْمُؤَدَّاةِ فَالْفَائِتَةِ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ وَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الرَّافِعِيِّ الْمُوَافِقِ لِمَا فِي الْوَجِيزِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ اقْتِصَارِ الْجُمْهُورِ) وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الْقَاطِعَةُ النَّافِيَةُ لِلْقَدِيمِ هُنَاكَ الْمُوَافِقَةُ لِلْجَدِيدِ مِنْ الْحَاكِيَةِ
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ إلَخْ) وَلَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الْخَوْفِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ شُرِعَتْ حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ إلَخْ) لَا يُقَالُ هَذَا الْأَذَانُ لِلْحَاضِرَةِ لِأَنَّهُ لَا يُنْدَبُ لَهَا أَذَانٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ) أَيْ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَلَوْ أُقِيمَتْ إلَخْ) لَا يُقَالُ يُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُ الْمِنْهَاجِ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ لَا بِمَسْجِدٍ إلَخْ، لِأَنَّا نَقُولُ ذَاكَ فِي الْمُنْفَرِدِ، وَقَوْلُهُ: وَلَا يَرْفَعُ فِيهِ صَوْتَهُ، يُسْتَثْنَى الرَّفْعُ بِقَدْرِ مَا يَسْمَعُ الْحَاضِرُونَ فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي الْأَذَانِ لِلْجَمَاعَةِ كَمَا سَتَعْرِفُهُ.
. قَوْلُ الشَّارِحِ: (فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ) أَيْ هَذِهِ وَمَسْأَلَةُ الْجَدِيدِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي الْأَظْهَرِ تَوْجِيهٌ مُقَابِلُهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ مَدْعُوٌّ بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ حَضَرُوا فَكَمَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ الْأُولَى إذَا حَضَرُوا لَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ إعَادَتُهُ كَذَلِكَ الثَّانِيَةُ لِاشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي الدُّعَاءِ بِالْأَوَّلِ، وَوَجْهُ الْأَظْهَرِ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ اسْتَفَدْنَا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ آحَادَ الْجَمَاعَةِ بِالْأُولَى قَبْلَ إقَامَتِهَا لَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ أَذَانٌ لِأَنَّهُمْ مَدْعُوُّونَ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ قَالُوا: إنَّ الْمُنْفَرِدَ يُؤَذِّنُ وَإِنْ بَلَغَهُ أَذَانُ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ مَا لَوْ حَضَرَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا، وَقَدْ سَلَفَ أَنَّ الْإِسْنَوِيَّ قَالَ فِي قَوْلِ الْمِنْهَاجِ: وَقَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ إنَّ قَيْدَ الْوُقُوعِ مُخْرِجٌ مَا قَبْلَهُ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْأَذَانُ لِأَنَّهُ مَدْعُوٌّ بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ.
انْتَهَى.
وَقَدْ يُحْمَلُ هَذَا عَلَى مُرِيدِ الصَّلَاةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، لَكِنْ يَمْنَعُ مِنْهُ أَنَّ كَلَامَ الْمِنْهَاجِ فِي الْمُنْفَرِدِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُقِيمُ لِلْفَائِتَةِ) أَيْ اتِّفَاقًا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَيْ حَيْثُ تَفْعَلُ جَمَاعَةٌ) يَقْتَضِي أَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ لَا فِي الْجَدِيدِ وَلَا فِي الْقَدِيمِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: قُلْت: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ خَاصًّا بِالْجَمَاعَةِ.
نَعَمْ عَلَى طَرِيقِ الْجُمْهُورِ لَا إشْكَالَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (عَلَى إطْلَاقِهِ) أَيْ فَلَا يُقَيِّدُ بِالْفِعْلِ جَمَاعَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا عَلَّلَ بِهِ التَّقْيِيدَ مِنْ قَوْلِهِ لِيُجَامِعَ الْقَدِيمَ إلَى آخِرِهِ لَا يَأْتِي عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ.
قَوْلُ
سِنِّهِ، فَقَدَّمَ الْأَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ (قُلْت: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَنْ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَسَارُوا حَتَّى ارْتَفَعَتْ، ثُمَّ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ» . (فَإِنْ كَانَتْ فَوَائِتَ لَمْ يُؤَذِّنْ لِغَيْرِ الْأُولَى) قَطْعًا، وَفِي الْأُولَى الْخِلَافُ.
(وَيُنْدَبُ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ الْإِقَامَةُ) بِأَنْ تَأْتِيَ بِهَا إحْدَاهُنَّ (لَا الْآذَانُ عَلَى الْمَشْهُورِ) فِيهِمَا لِأَنَّ الْأَذَانَ يُخَافُ مِنْ رَفْعِ الْمَرْأَةِ الصَّوْتَ بِهِ الْفِتْنَةُ وَالْإِقَامَةُ لِاسْتِنْهَاضِ الْحَاضِرِينَ وَلَيْسَ فِيهَا رَفْعُ الْأَذَانِ.
وَالثَّانِي يُنْدَبَانِ بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِمَا وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَكِنْ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا فَوْقَ مَا تُسْمِعُ صَوَاحِبَهَا.
وَالثَّالِثُ لَا يُنْدَبَانِ الْأَذَانُ لِمَا تَقَدَّمَ وَالْإِقَامَةُ تَبَعٌ لَهُ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْمُنْفَرِدَةِ بِنَاءً عَلَى نَدْبِ الْأَذَانِ لِلْمُنْفَرِدِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَالْمَرْأَةِ.
(وَالْأَذَانُ مُثَنًّى وَالْإِقَامَةُ فُرَادَى إلَّا لَفْظَ الْإِقَامَةِ) فَإِنَّهُ مُثَنًّى لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ؛ إلَّا الْإِقَامَةَ أَيْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي النَّسَائِيّ، ثُمَّ الْمُرَادُ مُعْظَمُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، فَإِنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ فِي آخِرِ الْأَذَانِ مُفْرَدَةٌ.
[حاشية قليوبي]
طَلَبِ هَذَا الْأَذَانِ.
قَوْلُهُ: (قُلْت الْقَدِيمُ) هُنَا الْقَائِلُ بِالْأَذَانِ لِلْفَائِتَةِ أَظْهَرُ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ) أَيْ وَخَرَجُوا مِنْ الْوَادِي الَّذِي أَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ بِهِ شَيْطَانًا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ فِي تَعْدِيَتِهِ بِالْبَاءِ دُونَ اللَّامِ، إشْعَارٌ بِأَنَّ مَعْنَى أَذَّنَ أَعْلَمَ النَّاسَ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِيَحْضُرُوهَا لَا بِمَعْنَى الْأَذَانِ الْمَشْهُورِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةَ الْغَدَاةِ) أَيْ صَلَاةَ الصُّبْحِ الَّتِي فَاتَتْ بِالنَّوْمِ، وَنَوْمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَيْنَيْهِ اللَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا رُؤْيَةُ الشَّمْسِ لَا يُنَافِي أَنَّهُ لَا يَنَامُ قَلْبُهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَتْ فَوَائِتَ) أَيْ وَصَلَّاهَا مُتَوَالِيَةً وَإِنْ تَذَكَّرَ كُلَّ وَاحِدَةٍ، بَعْدَ فَرَاغِ مَا قَبْلَهَا، وَكَذَا لَوْ وَالَى بَيْنَ حَاضِرَةٍ وَفَائِتَةٍ، وَإِنْ قَدَّمَ الْفَائِتَةَ أَوْ وَالَى بَيْنَ حَاضِرَتَيْنِ، كَمَا فِي صَلَاةِ الْجُمَعِ وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ بِالْفَوَائِتِ، لِأَنَّ عَدَمَ الْأَذَانِ لِلْفَائِتَةِ مَعَ الْحَاضِرَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ لَا مَقْطُوعٌ بِهِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ قَطْعًا نَعَمْ إنْ دَخَلَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ بَعْدَ فَرَاغِ مَا قَبْلَهَا أَذَّنَ لَهَا لِدُخُولِ وَقْتِهَا الْحَقِيقِيِّ فَلَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ
وَكَذَا لَوْ أَذَّنَ لِصَلَاةٍ ثُمَّ أَرَادَ تَقْدِيمَ غَيْرِهَا عَلَيْهَا فَالْوَجْهُ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لَهُ أَيْضًا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُؤَذِّنْ لِغَيْرِ الْأُولَى) فَيَحْرُمُ بِقَصْدِهِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَاسِدَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُنْدَبُ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ الْإِقَامَةُ) لَا الْأَذَانُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
اعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِقَامَةِ وَالْأَذَانِ لِلنِّسَاءِ حَرَامٌ مَعَ رَفْعِ الصَّوْتِ قَطْعًا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْأَذَانِ فَقَطْ.
وَكَذَا لَوْ قَصَدَتْ فِيهِ التَّشْبِيهَ بِالرِّجَالِ، وَإِلَّا فَيُكْرَهُ وَلَيْسَ أَذَانًا مُطْلَقًا بَلْ عَلَى صُورَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْمُنْفَرِدَةِ) بِجَمِيعِ أَحْكَامِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ بِنَاءً عَلَى نَدْبِ الْأَذَانِ لِلْمُنْفَرِدِ إلَى أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ لَهَا قَطْعًا إذَا لَمْ يُنْدَبْ لَهُ، وَأَنَّهُ يُنْدَبُ لَهَا الْإِقَامَةُ قَطْعًا، وَمَا فِي كَلَامِ شَيْخِ شَيْخِنَا عَمِيرَةَ هُنَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَالْمَرْأَةِ) فِي الْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا وَفِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ أَيْضًا، وَخَرَجَ بِالْأَذَانِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالْغِنَاءُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَعَ الْمَدِّ مِمَّنْ ذُكِرَ فَلَا يَحْرُمَانِ وَلَوْ بِرَفْعِ الصَّوْتِ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ وَظَائِفِ الرِّجَالِ وَأَلْحَقَ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ الْقِرَاءَةَ بِالْأَذَانِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَحْرُمُ سَمَاعُ الْأَجْنَبِيِّ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَعَ الشَّهْوَةِ أَوْ خَوْفِ الْفِتْنَةِ.
قَوْلُهُ: (إنْ يَشْفَعُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ شَفْعًا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ الْمُرَادُ مُعْظَمُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) وَالْمُصَنِّفُ رَاعَى لَفْظَ الرِّوَايَةِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ إلَخْ.
إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُعْظَمُ مِنْ حَيْثُ الْكَلِمَاتُ، لِأَنَّهُ أَخْرَجَ بِهِ التَّكْبِيرَ أَوَّلَ الْأَذَانِ وَالتَّوْحِيدَ آخِرَهُ، وَهُمَا خَمْسُ كَلِمَاتٍ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَأَخْرَجَ بِهِ التَّكْبِيرَ أَوَّلَ الْإِقَامَةِ مَعَ لَفْظِ الْإِقَامَةِ، وَهُمَا أَرْبَعُ كَلِمَاتٍ مِنْ إحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّكْبِيرَ آخِرَ الْإِقَامَةِ مُثَنًّى أَيْضًا فَهُوَ مَعَ ذَلِكَ سِتُّ كَلِمَاتٍ مِنْ الْإِحْدَى عَشْرَةَ الْمَذْكُورَةِ، وَدَعْوَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْهُ لِتَكْرَارِهِ أَوْ لِتَسَاوِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِيهِ لَا تَسْتَقِيمُ مَعَ عَدِّهِ الْمَذْكُورَ، وَلَوْ أَرَادَ الْمُعْظَمَ مِنْ حَيْثُ النَّوْعُ لَكَانَ
[حاشية عميرة]
الشَّارِحِ: (عَلَى الْأَوَّلِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَفِيهِ زِيَادَةٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت الْقَدِيمُ أَظْهَرُ) بِهَذَا.
قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَمْ يُؤَذِّنْ لِغَيْرِ الْأُولَى) أَيْ إذَا وَالَى بَيْنَهُمَا، وَلَوْ وَالَى بَيْنَ مُؤَدَّاةٍ وَفَائِتَةٍ وَقُلْنَا لَا يُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ لَمْ يُؤَذِّنْ لِلْمُؤَدَّاةِ أَيْضًا، أَيْ إذَا قَدَّمَ الْفَائِتَةَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْمُنْفَرِدَةِ) أَيْ خِلَافًا لِمَا تُشْعِرُ بِهِ عِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ، وَقَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى نَدْبِ الْأَذَانِ لِلْمُنْفَرِدِ اقْتَضَى صَنِيعُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّا إذَا قُلْنَا: لَا يُنْدَبُ الْأَذَانُ لِلْمُنْفَرِدِ، يَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِي الْمُنْفَرِدَةِ، وَذَلِكَ يُفِيدُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا عَدَمُ أَذَانِهَا جَزْمًا، عَلَى هَذَا التَّفْرِيعِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
الْأَمْرُ الثَّانِي عَدَمُ إقَامَتِهَا جَزْمًا، وَعَلَيْهِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ وَإِنْ قُلْنَا لَا يُؤَذِّنُ يُقِيمُ جَزْمًا كَمَا
وَالتَّكْبِيرُ فِي أَوَّلِهِ أَرْبَعٌ وَفِي الْإِقَامَةِ مُثَنًّى فَهُوَ إحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً.
وَالْأَذَانُ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً بِالتَّرْجِيحِ وَسَيَأْتِي (وَيُسَنُّ إدْرَاجُهَا وَتَرْتِيلُهُ) لِلْأَمْرِ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْحَاكِمِ، وَالْإِدْرَاجُ الْإِسْرَاعُ، وَالتَّرْتِيلُ التَّأَنِّي.
(وَالتَّرْجِيعُ فِيهِ) وَهُوَ كَمَا فِي الدَّقَائِقِ أَنْ يَأْتِيَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ سِرًّا قَبْلَ قَوْلِهِمَا جَهْرًا لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ.
وَالْمُرَادُ بِالسِّرِّ وَالْجَهْرِ خَفْضُ الصَّوْتِ وَرَفْعُهُ كَمَا عَبَّرَ بِهِمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ (وَالتَّثْوِيبُ) بِالْمُثَلَّثَةِ (فِي الصُّبْحِ) وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ: " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ " مَرَّتَيْنِ لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، قَالَ: وَسَوَاءٌ مَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَمَا بَعْدَهُ انْتَهَى.
وَقِيلَ: إنْ ثَوَّبَ فِي الْأَوَّلِ لَمْ يُثَوِّبْ فِي الثَّانِي.
وَاحْتَرَزَ بِالصُّبْحِ عَمَّا عَدَاهَا فَيُكْرَهُ فِيهِ التَّثْوِيبُ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا) لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ " يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ " وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ (لِلْقِبْلَةِ) لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ سَلَفًا وَخَلَفًا.
وَالْإِقَامَةُ كَالْأَذَانِ فِيمَا ذُكِرَ، وَيُسَنُّ الِالْتِفَاتُ فِيهِمَا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ يَمِينًا فِي الْأُولَى وَشِمَالًا فِي الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْوِيلِ صَدْرِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ وَقَدَمَيْهِ عَنْ
[حاشية قليوبي]
أَوْلَى، لِأَنَّ أَنْوَاعَ الْأَذَانِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ إنْ عَدَّ التَّكْبِيرَ مَرَّتَيْنِ، وَهِيَ تَكْبِيرٌ ثُمَّ شَهَادَةُ اللَّهِ ثُمَّ شَهَادَةٌ لِرَسُولِهِ، ثُمَّ حَيْعَلَةُ صَلَاةٍ ثُمَّ حَيْعَلَةُ فَلَاحٍ ثُمَّ تَكْبِيرٌ ثُمَّ تَوْحِيدٌ، وَمِنْهَا خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ مُثَنًّى وَأَنْوَاعُ الْإِقَامَةِ، كَذَلِكَ مَعَ زِيَادَةِ لَفْظِ الْإِقَامَةِ فَهِيَ سَبْعَةٌ أَوْ ثَمَانِيَةٌ، وَمِنْهَا خَمْسَةٌ فُرَادَى فَتَأَمَّلْ وَافْهَمْ، وَكَانَتْ الْإِقَامَةُ أَقَلَّ مِنْ الْأَذَانِ لِأَنَّهَا كَثَانٍ لَهُ كَمَا فِي خُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ، وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَقِرَاءَةِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَذَانُ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً بِالتَّرْجِيعِ) لَا يَخْفَى أَنَّ الصَّوَابَ عَدَمُ اعْتِبَارِ التَّرْجِيعِ، هُنَا لِأَنَّ بِهِ يَصِيرُ كُلٌّ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ أَرْبَعًا فَيَأْتِي الْمُعْظَمُ السَّابِقُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِدْرَاجُ الْإِسْرَاعُ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي اسْتِنْهَاضِ الْحَاضِرِينَ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّرْتِيلُ التَّأَنِّي) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إعْلَامِ الْغَائِبِينَ، وَالْمُرَادُ بِهِ كَمَا قِيلَ أَنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ كَلِمَةٍ فِي نَفَسٍ إلَّا التَّكْبِيرَ، وَالْوَجْهُ أَنْ يُرَادَ مَعَ ذَلِكَ امْتِدَادُ الْحُرُوفِ وَتَطْوِيلُهَا.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَأْتِيَ إلَخْ) فَهُوَ اسْمٌ لِلْأَوَّلِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقِيلَ لِلثَّانِي، وَقِيلَ لَهُمَا وَضُعِّفَا بِأَنَّ إسْقَاطَهُ لَا يُخِلُّ بِالْأَذَانِ وَفِيهِ نَظَرٌ قَوْلُهُ: (سِرًّا) بِأَنْ يُسْمِعَ الْمُنْفَرِدُ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ أَهْلَ الْمَسْجِدِ أَوْ نَحْوَهُمْ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ قَوْلِهِمَا جَهْرًا) فَإِنْ جَهَرَ فِي الْأَوَّلَيْنِ أَعَادَهُمَا سِرًّا.
(فَائِدَةٌ) قَوْلُ الْمُؤَذِّنِ اللَّهُ أَكْبَرُ أَيْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَشْهَدُ أَعْلَمُ وَأُذْعِنُ، وَالْفَلَاحُ الْفَوْزُ بِالْمَطْلُوبِ، وَالْقِيَاسُ ضَمُّ رَاءِ أَكْبَرَ الْأُولَى، وَالْقَوْلُ بِفَتْحِهَا غَيْرُ صَحِيحٍ خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ تَبَعًا لِلْمُبَرِّدِ.
وَمَا عَلَّلَ بِهِ مَمْنُوعٌ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّثْوِيبُ) مِنْ ثَابَ إذَا رَجَعَ لِأَنَّهُ طَلَبٌ ثَانٍ بِالْحُضُورِ إلَى الصَّلَاةِ، وَأَصْلُهُ أَنَّ مَنْ دَعَا شَخْصًا مِنْ بُعْدٍ يُلَوِّحُ إلَيْهِ بِثَوْبِهِ لِيَرَاهُ، وَخُصَّ بِالصُّبْحِ وَلَوْ مَقْضِيَّةً لِمَا يَعْرِضُ فِي وَقْتِهَا مِنْ التَّكَاسُلِ بِالنَّوْمِ، وَالْقَضَاءُ يُحَاكِي الْأَدَاءَ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ الْأَذَانِ عَلَى الْأَوْلَى أَوْ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ لَا بَدَلَهُمَا، لِأَنَّهُ يَبْطُلُ الْأَذَانُ فِي اللَّيْلَةِ ذَاتِ الْمَطَرِ أَوْ الرِّيحِ أَوْ الظُّلْمَةِ، أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ مُطْلَقًا قَوْلُهُ: (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ) أَيْ الْيَقَظَةُ لَهَا خَيْرٌ مِنْ رَاحَتِهِ.
قَوْلُهُ: (قَائِمًا) فَيُكْرَهُ قَاعِدًا وَمُضْطَجِعًا أَشَدُّ إلَّا لِعُذْرٍ كَرَاكِبٍ.
قَوْلُهُ: (لِلْقِبْلَةِ) فَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا فِي الْمُنْفَرِدِ مُطْلَقًا، وَفِي غَيْرِهِ إلَّا إنْ تَوَقَّفَ الْإِعْلَامُ عَلَى تَرْكِهَا كَالدَّوَرَانِ حَوْلَ الْمَنَارِ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَسْمَعَ آخِرَ أَذَانِهِ مَنْ سَمِعَ أَوَّلَهُ، وَلَوْ فِي الْمُسَافِرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالْإِقَامَةُ كَالْأَذَانِ وَيُنْدَبُ فِيهِ كَوْنُهُ عَلَى عَالٍ كَمَنَارَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ سَطْحِهِ، وَأَنْ يَضَعَ أُصْبُعَيْهِ أَوْ إحْدَاهُمَا فِي أُذُنَيْهِ، وَالْمُسَبِّحَةُ أَوْلَى لِيَعْلَمَ الْبَعِيدُ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ فَيُجِيبُ.
(تَنْبِيهٌ) الدَّوَرَانُ حَوْلَ الْمَنَارَةِ لِجِهَةِ يَمِينِ الْمُؤَذِّنِ حَالَ اسْتِقْبَالِهِ الْقِبْلَةَ، كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَكْسَ مَا هُنَا فِي الصُّورَةِ، وَكَذَا دَوَرَانُ دَابَّةِ الرَّحَى، وَالسَّانِيَةِ وَالدَّرَّاسَةِ، لِأَنَّهُ عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبِلِهَا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ الِالْتِفَاتُ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ الْخُطْبَةَ.
قَوْلُهُ: (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ، أَيْ نَوْعَيْهِمَا فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِأَنَّهُمَا خِطَابٌ آدَمِيٌّ،
[حاشية عميرة]
سَلَفَ، وَقَدْ يَعْتَذِرُ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ بِنَاءً إلَى آخِرِهِ رَاجِعٌ لِلْخِلَافِ فِي الْأَذَانِ فَقَطْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتَرْتِيلُهُ) يُسْتَثْنَى التَّكْبِيرُ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ كُلَّ تَكْبِيرَتَيْنِ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ لِخِفَّةِ لَفْظِهِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (كَمَا فِي الدَّقَائِقِ) بِخِلَافِ مَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ أَنَّهُ اسْمٌ لِلْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ثَانِيًا وَبِخِلَافِ تَعْبِيرِ الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّهُ اسْمٌ لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا.
وَقِيلَ: التَّرْجِيعُ رُكْنٌ لِوُرُودِهِ كَبَاقِي أَلْفَاظِ الْأَذَانِ، وَرَدَ بِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي أَصْلِ الْأَذَانِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الرَّائِيِّ.
قُلْت: وَفِي الرَّدِّ بِذَلِكَ نَظَرٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالتَّثْوِيبُ فِي الصُّبْحِ) شَامِلٌ لِلْمَقْضِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ، وَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا) وَيُكْرَهُ مِنْ جُلُوسٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ إلَّا فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ الرَّاكِبِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (يَمِينًا فِي الْأُولَى) أَيْ يَقُولُ الْأُولَى مَرَّتَيْنِ فِي مَرَّتَيْ الِالْتِفَاتِ، وَالثَّانِيَةُ كَذَلِكَ.
مَكَانِهِمَا.
(وَيُشْتَرَطُ تَرْتِيبُهُ وَمُوَالَاتُهُ) لِأَنَّ تَرْكَهُمَا يُخِلُّ بِالْإِعْلَامِ.
(وَفِي قَوْلٍ لَا يَضُرُّ كَلَامٌ وَسُكُوتٌ طَوِيلَانِ) بَيْنَ كَلِمَاتِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: الْمُرَادُ مَا لَمْ يَفْحُشْ الطُّولُ بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ مَعَ الْأَوَّلِ أَذَانًا، وَلَا يَضُرُّ الْيَسِيرُ جَزْمًا، وَفِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْكَلَامِ الْيَسِيرِ تَرَدُّدٌ لِلْجُوَيْنِيِّ، وَيَبْنِي فِي تَرْكِ التَّرْتِيبِ فِيهِ عَلَى الْمُنْتَظِمِ مِنْهُ، وَلَوْ تَرَكَ كَلِمَةً مِنْهُ أَتَى بِهَا وَأَعَادَ مَا بَعْدَهَا.
(وَشَرْطُ الْمُؤَذِّنِ الْإِسْلَامُ وَالتَّمْيِيزُ) فَلَا يَصِحُّ أَذَانُ الْكَافِرِ وَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَسَكْرَانَ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا.
(وَالذُّكُورَةُ) فَلَا يَصِحُّ أَذَانُ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ لِلرِّجَالِ كَإِمَامَتِهِمَا لَهُمْ، وَسَبَقَ أَذَانُهُمَا لِنَفْسِهِمَا
[حاشية قليوبي]
كَالسَّلَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا، وَمِنْهُ التَّثْوِيبُ لِأَنَّهُ ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (يَمِينًا) فِي مَرَّتَيْ الْحَيْعَلَةِ الْأُولَى فَيَبْدَأُ مُسْتَقْبِلًا وَيُتِمُّهُمَا مَعًا مُلْتَفِتًا، وَكَذَا يَسَارًا فِي مَرَّتَيْ الْحَيْعَلَةِ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ تَرْتِيبُهُ وَمُوَالَاتُهُ) فَلَا يُعْتَدُّ بِغَيْرِ مَا رَتَّبَ وَيُعِيدُهُ فِي مَحَلِّهِ، وَيُكْرَهُ عَدَمُ تَرْتِيبِهِ إنْ لَمْ يُغَيِّرْ الْمَعْنَى وَإِلَّا فَيَحْرُمُ، وَلَا يَصِحُّ وَلَا يُعْتَدُّ بِغَيْرِ الْمُتَوَالِي عَلَى مَا يَأْتِي وَالْإِقَامَةُ كَالْأَذَانِ، وَلَمْ يَجْعَلْ الضَّمِيرَ عَائِدًا إلَى كُلِّ كَمَا فَعَلَ أَوَّلَ الْبَابِ نَظَرًا لِلظَّاهِرِ، وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَيْهِ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ إلَّا فِي أَعْجَمِيٍّ لِنَفْسِهِ أَوْ لِأَعْجَامٍ، وَيُشْتَرَطُ سَمَاعُ نَفْسِهِ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ، وَسَمَاعُ جَمَاعَةٍ أَذَّنَ لَهُمْ وَلَوْ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَلَوْ بِالْقُوَّةِ وَسَمَاعُ أَهْلِ بَلَدٍ بِحَيْثُ يَظْهَرُ الشِّعَارُ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَضُرُّ الْيَسِيرُ) مِنْ الْكَلَامِ وَالسُّكُوتِ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِمَا الْقَطْعَ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْإِعْلَامِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ الْفَاتِحَةَ، وَلَا يُنْدَبُ الِاسْتِئْنَافُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَضُرُّ فِي كُلٍّ مِنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَحْنٌ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِلْقَادِرِ.
وَقِيلَ: يَحْرُمُ إنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى، وَمَشَى عَلَيْهِ الْعَبَّادِيُّ، وَلَا يَضُرُّ فِيهِمَا يَسِيرُ نَوْمٍ أَوْ إغْمَاءٌ أَوْ جُنُونٌ، لَكِنْ يُسَنُّ الِاسْتِئْنَافُ وَلَوْ عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ، وَيُسَنُّ تَأْخِيرُ رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُمَا كَالْمُصَلِّي وَلَا يُكْرَهُ لَوِرْدٍ.
نَعَمْ قَدْ يَجِبُ الْكَلَامُ لِنَحْوِ رُؤْيَةِ أَعْمَى يَقَعُ فِي بِئْرٍ، أَوْ عَقْرَبٍ تَدِبُّ إلَى إنْسَانٍ مَثَلًا وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُمَا نِيَّةٌ، بَلْ عَدَمُ الصَّارِفِ عَمْدًا فَلَا يَضُرُّ الْغَلَطُ فِيمَا أَذَّنَ لَهُ، وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ بِنَاءِ غَيْرِهِ، وَإِنْ اشْتَبَهَا صَوْتًا وَالْعِلَّةُ لِلْأَغْلَبِ، أَوْ الْمُرَادُ الشَّأْنُ.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطُ الْمُؤَذِّنِ) وَمِثْلُهُ الْمُقِيمُ كَمَا مَرَّ.
وَإِنَّمَا خَصَّهُ لِمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ أَذَانُ الْكَافِرِ) أَيْ وَلَوْ مُرْتَدًّا لَكِنْ لِلْمُرْتَدِّ فِيهِ أَنْ يَبْنِيَ إنْ قَصُرَ زَمَنُ الرِّدَّةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ غَيْرُهُ لِلرِّيبَةِ، وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْكَافِرِ إذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَيَسْتَأْنِفُ مَا مَضَى.
نَعَمْ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ عِيسَوِيٍّ وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِهِ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْيَهُودِ مَنْسُوبَةٌ إلَى أَبِي عِيسَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصْفَهَانِيُّ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولٌ لِلْعَرَبِ خَاصَّةً، قَالَ بَعْضُهُمْ وَهَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ حَيْثُ اعْتَقَدَ رِسَالَتَهُ وَنُبُوَّتَهُ، لَزِمَهُ تَصْدِيقُهُ وَقَدْ قَالَ مِمَّا صَحَّ عَنْهُ، أُرْسِلْت إلَى النَّاسِ كَافَّةً الْعَجَمِ وَالْعَرَبِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَسَكْرَانَ) أَيْ إلَّا فِي أَوَائِلِ نَشْأَةِ السُّكْرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا) يُفِيدُ عَدَمَ صِحَّةِ نَصْبِ الْإِمَامِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَمِثْلُهُ بَالِغٌ غَيْرُ أَمِينٍ أَوْ غَيْرُ عَارِفٍ بِالْأَوْقَاتِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِخَبَرِ ثِقَةٍ عَنْ عِلْمٍ وَإِنْ صَحَّ أَذَانُهُمْ، وَلَا يَسْتَحِقُّونَ الْمَعْلُومَ.
قَالَهُ شَيْخُنَا وَقَوْلُ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ مَتَى صَحَّ أَذَانُهُ صَحَّ نَصْبُهُ، وَإِنْ حَرُمَ عَلَى الْإِمَامِ، وَيَسْتَحِقُّ الْمَعْلُومَ فِيهِ نَظَرٌ بِمَا سَيَأْتِي عَنْهُ فِي نَصْبِ مَنْ يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، حَيْثُ قَالَ: لَا يَسْتَحِقُّ نَصْبَهُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمَعْلُومَ، فَالْوَجْهُ أَنَّ مَا هُنَا مِثْلُهُ، بَلْ أَوْلَى لِمَا لَا يَخْفَى، وَلَعَلَّهُ عِنْدَ ذِكْرِ هَذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحْضِرًا هُنَا مَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ فَتَأَمَّلْ.
وَرَاجِعْ وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ الِاسْتِئْجَارُ لِلْأَذَانِ بِشَرْطِ ذِكْرِ مُدَّةٍ وَأُجْرَةٍ مَعْلُومَتَيْنِ، نَعَمْ لَوْ قَالَ الْإِمَامُ: اسْتَأْجَرْتُك كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ صَحَّ، وَكَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرْزُقَ مُؤَذِّنًا أَوْ يَقِفَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَهُنَاكَ مُتَبَرِّعٌ وَتَدْخُلُ الْإِقَامَةُ فِي الْإِجَارَةِ لِلْأَذَانِ وَلَا يَصِحُّ إفْرَادُهَا بِالْإِجَارَةِ لِعَدَمِ الْكُلْفَةِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَالذُّكُورَةُ) وَلَوْ مِنْ نَحْوِ أَمْرٍ وَإِنْ حَرُمَ سَمَاعُهُ لِمَنْ خَشِيَ مِنْهُ فِتْنَةً.
قَوْلُهُ: (لِلرِّجَالِ إلَخْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى دَفْعِ التَّكْرَارِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، أَيْ عَدَمُ صِحَّةِ أَذَانِ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى لِلرِّجَالِ مَذْكُورٌ هُنَا، وَعَدَمُ صِحَّتِهِ مِنْهُمَا لَهُمَا وَلِلنِّسَاءِ مَذْكُورٌ فِيمَا مَرَّ.
فَهُوَ مِنْهُمَا لَيْسَ أَذَانًا مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ عَلَى صُورَتِهِ وَلِذَلِكَ حَرُمَ مِنْهُمَا لِلتَّشْبِيهِ بِالرِّجَالِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
فَلَيْسَ التَّقْيِيدُ بِالرِّجَالِ لِأَجْلِ الصِّحَّةِ مِنْهُمَا لِغَيْرِهِمْ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ خِلَافًا لِمَا فَهِمَهُ بَعْضُهُمْ فَرَتَّبَ عَلَيْهِ صِحَّةَ أَذَانِهِمَا لَهُمَا، وَلِلنِّسَاءِ اللَّازِمُ عَلَيْهِ مُنَاقَضَتُهُ لِمَا سَبَقَ.
بَلْ قَالَ شَيْخُنَا: إنَّ الذُّكُورَةَ شَرْطٌ فِي أَذَانِ
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الشَّارِحِ: (كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ لِقَوْلِ الْمَتْنِ: تَرْتِيبُهُ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَلَا يَضُرُّ الْيَسِيرُ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَكِنْ يُسْتَحَبُّ تَرْكُ ذَلِكَ بَلْ يُكْرَهُ، فَلَوْ عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ لَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَحَيْثُ قُلْنَا فِي شَيْءٍ لَا يَكُونُ قَاطِعًا اُسْتُحِبَّ الِاسْتِئْنَافُ إلَّا فِي السُّكُوتِ وَالْكَلَامِ الْيَسِيرَيْنِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِلرِّجَالِ) عُمُومُهُ يَشْمَلُ الْمَحَارِمَ، وَقَوْلُهُ:
وَلِلنِّسَاءِ.
(وَيُكْرَهُ لِلْمُحْدِثِ) حَدَثًا أَصْغَرَ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ» . (وَلِلْجُنُبِ أَشَدُّ) كَرَاهَةً لِغِلَظِ الْجَنَابَةِ (وَالْإِقَامَةُ أَغْلَظُ) مِنْ الْأَذَانِ فِي الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ لِقُرْبِهَا مِنْ الصَّلَاةِ.
(وَيُسَنُّ صَيِّتٌ) أَيْ عَلِيُّ الصَّوْتِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ (حَسَنُ الصَّوْتِ) لِأَنَّهُ أَبْعَثُ عَلَى الْإِجَابَةِ بِالْحُضُورِ (عَدْلٌ) لِأَنَّهُ بِخَيْرٍ بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ (وَالْإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْأَذَانِ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهَا لِلْقِيَامِ بِحُقُوقِهَا أَشَقُّ مِنْهُ (قُلْت: الْأَصَحُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّهُ لِإِعْلَامِهِ بِالْوَقْتِ أَكْثَرُ نَفْعًا مِنْهَا وَالثَّالِثُ هُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ.
(وَشَرْطُهُ) أَيْ الْأَذَانِ (الْوَقْتُ) لِأَنَّهُ لِلْإِعْلَامِ بِهِ فَلَا يَصِحُّ قَبْلَهُ (إلَّا الصُّبْحَ فَمِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ) يَصِحُّ الْأَذَانُ لَهَا كَمَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَقِيلَ: مِنْ سُبُعٍ يَبْقَى مِنْ اللَّيْلِ فِي الشِّتَاءِ، وَنِصْفِ سُبُعٍ فِي الصَّيْفِ تَقْرِيبًا لِحَدِيثٍ فِيهِ، وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَكَأَنَّهُ أَرَادَهُ بِقَوْلِهِ فِي الْمُحَرَّرِ آخِرِ اللَّيْلِ.
قَالَ فِي الدَّقَائِقِ: قَوْلُ الْمِنْهَاجِ نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْضَحُ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ آخِرِ اللَّيْلِ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» .
(وَيُسَنُّ
[حاشية قليوبي]
نَحْوِ الْمَوْلُودِ مِمَّا مَرَّ.
وَنَظَرَ فِيهِ بَعْضُهُمْ وَوَجْهُ النَّظَرِ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَحَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ لِلْمُحْدِثِ) أَيْ يُكْرَهُ الْأَذَانُ لِلصَّلَاةِ مِنْ الْمُحْدِثِ غَيْرِ الْمُتَيَمِّمِ، وَغَيْرِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَلَوْ لِنَفْسِهِ وَفِي اسْتِثْنَاءِ الْمُتَيَمِّمِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْدِثٍ فَتَأَمَّلْ.
فَلَا يُكْرَهُ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ كَنَحْوِ الْمَوْلُودِ وَلَا لِلْمُتَيَمِّمِ لِنَفْسِهِ، وَلِغَيْرِهِ وَلَا لِفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، لِنَفْسِهِ فَقَطْ، وَيُكْرَهُ أَذَانُ الْإِعْلَامِ أَيْضًا مِنْ الْفَاسِقِ وَالْأَعْمَى وَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، وَيَحْصُلُ بِأَذَانِهِمْ طَلَبُ الشِّعَارِ وَبِأَذَانِ الصَّبِيِّ فَرْضُ الْكِفَايَةِ إذَا قُلْنَا بِهِ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْجُنُبِ أَشَدُّ) وَمِنْهُ الْجُنُبُ الْمُحْدِثُ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِقَامَةُ أَغْلَظُ) وَالْحَائِضُ أَغْلَظُ أَيْ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمُحْدِثُ كَأَذَانِ جُنُبٍ مَعَ إقَامَةِ مُحْدِثٍ خِلَافًا لِقَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ بِاسْتِوَائِهِمَا فِي هَذِهِ.
نَعَمْ لَوْ طَرَأَ الْحَدَثُ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ أَوْ الْإِقَامَةِ فَإِتْمَامُهُمَا أَفْضَلُ، وَلَا كَرَاهَةَ لِأَنَّهُ دَوَامٌ.
قَوْلُهُ: (عَدْلٍ) أَيْ فِي الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ الْمُنْصَرِفُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إنْ أُرِيدَ نَصْبُهُ لَهُمَا، وَإِلَّا كَفَى عَدْلُ الرِّوَايَةِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهَا) أَيْ الْإِمَامَةِ وَلَوْ لِلْجُمُعَةِ، وَمِنْ خُطْبَتِهَا وَإِنْ ضُمَّ إلَيْهِمَا الْإِقَامَةُ، وَالْإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِقَامَةِ وَإِمَامَةُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ مِنْ خُطْبَتِهَا، إذْ مَأْخَذُ الْأَفْضَلِيَّةِ عُمُومُ النَّفْعِ، ثُمَّ الْوُجُوبُ، وَبِهَذَا عُلِمَ سُقُوطُ تَبَرِّي شَيْخِ الْإِسْلَامِ نَظَرًا إلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْأَذَانِ فِي الْخَبَرِ فِي نَفْسِهِ، لَا عَلَى غَيْرِهِ وَإِلَى أَنَّ السَّلَفَ وَالْخَلَفَ وَاظَبُوا عَلَى الْإِمَامَةِ دُونَهُ، وَإِلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ دُونَهُ وَقَدْ يُجَابُ بِشَغْلِهِمْ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَبِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَفْضِيلِ السُّنَّةِ عَلَى الْفَرْضِ، كَابْتِدَاءِ السَّلَامِ وَرَدِّهِ وَجَوَابُ الزَّرْكَشِيّ فِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطُهُ الْوَقْتُ) أَيْ وَلَوْ فِي الْوَاقِعِ كَمَا عُلِمَ مِنْ عَدَمِ احْتِيَاجِهِ إلَى نِيَّةٍ كَمَا مَرَّ.
وَيَحْرُمُ قَبْلَهُ مَعَ الْعِلْمِ أَنَّ قَصْدَ الْأَذَانِ وَإِلَّا فَلَا إلَّا لِشَيْءٍ مِمَّا مَرَّ.
وَهُوَ صَغِيرَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَيَحْرُمُ تَكْرِيرُ الْأَذَانِ، وَلَيْسَ مِنْهُ أَذَانُ الْمُؤَذِّنِينَ الْمَعْرُوفُ وَبَحَثَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ عَدَمَ الْحُرْمَةِ فِي التَّكْرِيرِ إنْ حَصَلَتْ بِهِ فَائِدَةٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَوَقْتُ الْإِقَامَةِ عِنْدَ إرَادَةِ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَطُولَ الْفَصْلُ إلَّا بِمَنْدُوبٍ كَأَمْرِ الْإِمَامِ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ إذَا كَبُرَ الْمَسْجِدُ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ، وَيُنَادِيهِمْ بِذَلِكَ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (فَمِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ شِتَاءً وَصَيْفًا لَكِنَّ الْأَوْلَى كَوْنُ الْأَذَانِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ عَلَى عَكْسِ مَا فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ وَهُوَ سُبُعُ اللَّيْلِ صَيْفًا وَنِصْفُ سُبُعِهِ شِتَاءً، لِتَسَاوِي الزَّمَنِ فِي ذَلِكَ تَقْرِيبًا.
(فَائِدَةٌ) السَّحَرُ اسْمٌ لِلسُّدُسِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ اسْمٌ لِلنِّصْفِ الثَّانِي مِنْ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) وَكَانَ اسْمُهُ عَمْرًا وَقِيلَ: الْحُصَيْنُ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ، وَعَمِيَ بَعْدَ بَدْرٍ بِسَنَتَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ وَاسْمُ أَبِيهِ، قَيْسُ بْنُ زَائِدَةَ وَاسْمُ أُمِّهِ
[حاشية عميرة]
كَإِمَامَتِهِمَا لَك أَنْ تَتَوَقَّفَ فِي هَذَا الْقِيَاسِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (فِي الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيَتَّجِهُ اسْتِوَاءُ أَذَانِ الْجُنُبِ وَإِقَامَةِ الْمُحْدِثِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِأَنَّهُ أَبْعَثُ عَلَى الْإِجَابَةِ) عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ: لِأَنَّ الدُّعَاءَ مِنْ الْعَادَاتِ إلَى الْعِبَادَاتِ جَذْبٌ إلَى خِلَافِ مَا تَقْتَضِيهِ الطِّبَاعُ قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَدْلٌ) خَرَجَ بِهِ الْفَاسِقُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَذَانُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَصَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِاسْتِحْبَابِ الْحُرِّيَّةِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِأَنَّهُ لِإِعْلَامِهِ بِالْوَقْتِ إلَخْ) أَيْ: وَأَمَّا عَدَمُ مُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلِاحْتِيَاجِهِ إلَى فَرَاغٍ لِمُرَاعَاةِ الْأَوْقَاتِ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَشْغُولًا بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ إذَا عَمِلَ عَمَلًا دَاوَمَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ هَذَا الْحُكْمَ اسْتَشْكَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَذَانَ سُنَّةٌ وَالْإِمَامَةَ فَرْضُ كِفَايَةٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا إقَامَةٌ لِلْجَمَاعَةِ الَّتِي هِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (فَلَا يَصِحُّ قَبْلَهُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَا يَجُوزُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي نِصْفِ اللَّيْلِ)
مُؤَذِّنَانِ لِلْمَسْجِدِ يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ) لِلصُّبْحِ (قَبْلَ الْفَجْرِ وَآخَرُ بَعْدَهُ) لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدٌ أَذَّنَ لَهَا الْمَرَّتَيْنِ اسْتِحْبَابًا أَيْضًا، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَجْرِ.
(وَيُسَنُّ لِسَامِعِهِ) أَيْ الْمُؤَذِّنِ (مِثْلُ قَوْلِهِ) لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «إذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» (إلَّا فِي حَيْعَلَتَيْهِ فَيَقُولُ) بَدَلَ كُلٍّ مِنْهُمَا (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «وَإِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ أَيْ سَامِعُهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، وَإِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» وَالْإِقَامَةُ كَالْأَذَانِ فِي ذَلِكَ وَيَأْتِي لِتَكْرِيرِ الْحَيْعَلَتَيْنِ فِيهِ بِحَوْقَلَتَيْنِ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَيَقُولُ بَدَلَ كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد.
(قُلْت: وَإِلَّا فِي التَّثْوِيبِ فَيَقُولُ) أَيْ بَدَلَ كُلٍّ مِنْ كَلِمَتَيْهِ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(صَدَقْت وَبَرَرْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) قَالَ فِي الْكِفَايَةِ لِخَبَرٍ وَرَدَ فِيهِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجِيبَ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ عَقِبَهَا.
[حاشية قليوبي]
عَاتِكَةُ وَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ بِلَالٍ فَمَقْلُوبٌ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ مُؤَذِّنَانِ) أَيْ فَأَكْثَرَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ يُؤَذِّنُ كُلٌّ وَحْدَهُ سَوَاءٌ فِي الصُّبْحِ وَغَيْرِهِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ لِلْأَغْلَبِ لَا لِلتَّقْيِيدِ وَلَفْظُ الْمَسْجِدِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ لِلصُّبْحِ) وَكَذَا أَذَانَيْ الْجُمُعَةِ مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ وَإِلَّا اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ، فَإِنْ تَنَازَعَا أَقْرَعَ لِاسْتِوَاءِ الْأَذَانَيْنِ فِي الْفَضِيلَةِ، وَالْأَذَانُ الْأَوَّلُ فِي الْجُمُعَةِ حَدَثَ فِي زَمَنِ الْإِمَامِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَيُنْدَبُ كَوْنُ الْأَذَانِ فِي الْمَسْجِدِ، وَيُكْرَهُ خُرُوجُ الْمُؤَذِّنِ عَنْهُ إلَّا لِمَحَلٍّ قَرِيبٍ مِنْهُ، وَلَا يَكْفِي أَذَانُ مَكَان عَنْ آخَرَ وَيُكْرَهُ خُرُوجُ الْمُؤَذِّنِ، قَبْلَ الصَّلَاةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ لِسَامِعِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا أَوْ السَّامِعَ نَحْوَ الْحَائِضِ، أَوْ لَمْ يَفْهَمْ كَلَامَهُ أَوْ قَارِئًا أَوْ ذَاكِرًا أَوْ طَائِفًا أَوْ مُدَرِّسًا أَوْ مُصَلِّيًا وَالْأَوْلَى لَهُ تَأْخِيرُهُ لِفَرَاغِهَا، وَتَبْطُلُ بِالْحَيْعَلَاتِ لَا جَوَابِهَا وَبِالتَّثْوِيبِ وَجَوَابِهِ، إلَّا نَحْوَ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَسَوَاءٌ سَمِعَ الْكُلُّ أَوْ الْبَعْضُ وَيُجِيبُ فِي الْكُلِّ مُرَتَّبًا، وَيَفُوتُ بِطُولِ الْفَصْلِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: بِخِلَافِ الذِّكْرِ عَقِبَ الْعِيدِ فَرَاجِعْهُ مِنْ مَحَلِّهِ، وَدَخَلَ فِي الْأَذَانِ مَا كَانَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ كَأَذَانِ الْمَوْلُودِ وَخَالَفَهُ فِي الْعُبَابِ، وَخَرَجَ أَذَانُ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَذَانًا، وَدَخَلَ فِي الذِّكْرِ مَا كَانَ عَقِبَ الْوُضُوءِ، لَكِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: يُقَدِّمُ ذِكْرَ الْوُضُوءِ إذَا عَارَضَهُ الْإِجَابَةُ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِمَا تَعَارُضٌ فَرَاجِعْهُ نَعَمْ لَا تُسَنُّ الْإِجَابَةُ لِقَاضِي الْحَاجَةِ وَلَا مُجَامِعٍ وَنَحْوِهِمَا، إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ وَقَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ وَخَرَجَ بِسَامِعِهِ نَفْسُهُ، وَالْأَصَمُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيَشْمَلُ مَا ذُكِرَ مَا لَوْ تَعَدَّدَ الْمُؤَذِّنُونَ، وَاخْتَلَطَتْ أَصْوَاتُهُمْ فَيُجِيبُ الْكُلُّ وَإِذَا تَرَتَّبُوا فَإِجَابَةُ الْأَوَّلِ أَفْضَلُ إلَّا فِي أَذَانَيْ صُبْحٍ، وَجُمُعَةٍ فَلَا أَوْلَوِيَّةَ.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ كَلِمَةٍ عَقِبَهَا) أَيْ كَمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ سَامِعِهِ فَهُوَ الْأَفْضَلُ، وَلَا تَضُرُّ مُقَارَنَتُهُ وَلَا سَبْقُهُ بِفَرَاغِ الْكَلِمَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَا بِبَقِيَّةِ الْإِجَابَةِ قَبْلَ فَرَاغِ الْأَذَانِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ مِثْلَ مَا يَقُولُ، دُونَ مِثْلِ مَا يَسْمَعُ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَإِذَا أَجَابَ بَعْدَ فَرَاغِهِ كَالْمُصَلِّي مَثَلًا فَيُعِيدُ الْأَذَانَ إلَّا الْحَيْعَلَاتِ فَيَقُولُ جَوَابَهَا وَلَا يُعِيدُهَا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ إلَخْ) وَلَا يُنْدَبُ أَنْ يَقُولَ مَعَهَا حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ كَمَا مَرَّ وَلَا يَكْفِي عَنْهُمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَلْ إنَّهُ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِقَامَةُ كَالْأَذَانِ) أَوْرَدَهَا بِجَعْلِ ضَمِيرِ سَامِعِهِ لِلْأَذَانِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ.
وَلَوْ جَعَلَهُ رَاجِعًا لِكُلِّ الْمُتَرْجَمِ بِهِ أَوَّلُ الْبَابِ لَمْ تُرَدَّ وَيُكَرِّرُ أَلْفَاظَهُ الْإِجَابَةُ فِي إقَامَةِ الْحَنَفِيِّ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْمَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: (وَيَأْتِي إلَخْ) أَيْ فَالتَّثْنِيَةُ فِي كَلَامِ
[حاشية عميرة]
(فَائِدَةٌ) السَّحَرُ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لِسَامِعِهِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْتَمِعْ أَيْ يَقْصِدْ السَّمَاعَ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَلَوْ عَلِمَ الْأَذَانَ وَلَكِنْ لَمْ يَسْمَعْ لِبُعْدٍ أَوْ صَمَمٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تُشْرَعُ لَهُ الْإِجَابَةُ، وَإِذَا تَرَكَ الْإِجَابَةَ حَتَّى فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتَدَارَكُ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ لَا بَعْدَهُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَك أَنْ تَقُولَ تَكْبِيرَ الْعِيدِ أَيْ الَّذِي يُقَالُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ يَتَدَارَكُهُ النَّاسِي وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ، فَمَا الْفَرْقُ؟ انْتَهَى.
وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ التَّرْجِيعَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجِيبُ فِيهِ لِقَوْلِهِ مِثْلَ مَا يَقُولُ، وَإِذَا سَمِعَ مُؤَذِّنَيْنِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ يُجِيبُ الْكُلَّ.
وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ مُتَأَكِّدٌ يُكْرَهُ تَرْكُهُ، ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِالْحَوْقَلَةِ وَبِالْحَوْلَقَةِ، أَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ مَأْخَذُهُ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَالْحَاءُ مِنْ حَوْلَ وَالْقَافُ مِنْ قُوَّةٍ وَاللَّامُ مِنْ اللَّهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ جَمِيعَ الْأَلْفَاظِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَيَأْتِي لِتَكْرِيرِ الْحَيْعَلَتَيْنِ) مِنْ هُنَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَوْ جَمَعَ فَقَالَ إلَّا فِي حَيْعَلَاتِهِ لِيَشْمَلَ الْأَلْفَاظَ الْأَرْبَعَ لَكَانَ أَوْضَحَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِخَبَرٍ وَرَدَ فِيهِ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْوُرُودِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، قَالَ:
(وَ) يُسَنُّ (لِكُلٍّ) مِنْ الْمُؤَذِّنِ وَسَامِعِهِ (أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَرَاغِهِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ» وَيُقَاسُ الْمُؤَذِّنُ عَلَى السَّامِعِ فِي الصَّلَاةِ (ثُمَّ) يَقُولُ: (اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْته) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ ذَلِكَ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَيْ حَصَلَتْ.
وَالْمُؤَذِّنُ يَسْمَعُ نَفْسَهُ وَالدَّعْوَةُ الْأَذَانُ، وَالْوَسِيلَةُ مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ رَجَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَكُونَ لَهُ، وَالْمَقَامُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79] وَهُوَ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمَدُهُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ.
وَقَوْلُهُ: " الَّذِي وَعَدْته " بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ، لَا نَعْتٌ.
[حاشية قليوبي]
الْمُصَنِّفِ بِاعْتِبَارِ النَّوْعِ.
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ صَدَقْت إلَخْ) وَتَقَدَّمَ مَا يَزِيدُهُ فِي نَحْوِ اللَّيْلَةِ ذَاتِ الْمَطَرِ وَنَحْوِهَا.
وَيَقُولُ الْمُجِيبُ لَهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ كَالْحَيْعَلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ لِكُلٍّ مِنْ الْمُؤَذِّنِ وَسَامِعِهِ) أَيْ وَالْمُقِيمِ وَسَامِعِهِ وَلَوْ أَدْخَلَهُ فِي كَلَامِهِ كَمَا مَرَّ.
لَكَانَ أَوْلَى وَإِنْ خَالَفَ الظَّاهِرَ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُصَلِّيَ) وَيُسَلِّمَ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ.
(فَائِدَةٌ) أَوَّلُ حُدُوثِ السَّلَامِ الْمَشْهُورِ كَانَ فِي مِصْرَ فِي عَامِ أَحَدٍ وَثَمَانِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ عَقِبَ عِشَاءِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِالْخُصُوصِ ثُمَّ حَدَثَ فِي بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ إلَّا الْمَغْرِبَ لِقِصَرِ وَقْتِهَا فِي عَامِ أَحَدٍ وَتِسْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، أَحْدَثَهُ الْمُحْتَسِبُ نُورُ الدِّينِ الطُّنْبُذِيُّ وَاسْتَمَرَّ إلَى الْآنَ.
وَيُنْدَبُ أَنْ يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ وَالْمُقِيمُ وَمَنْ يَسْمَعُهُمَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ: اللَّهُمَّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِك وَإِدْبَارُ نَهَارِك وَأَصْوَاتُ دُعَاتِك، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَيَعْكِسُ أَوَّلَهُ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَيُطْلَبُ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الدُّعَاءَ بَيْنَهُمَا لَا يُرَدُّ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، الْإِسْلَامُ وَالتَّمْيِيزُ، وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ، وَعَدَمُ بِنَاءِ الْغَيْرِ، وَدُخُولُ الْوَقْتِ وَالْعَرَبِيَّةُ لِمَنْ فِيهِمْ عَرَبِيٌّ، وَإِسْمَاعُ نَفْسِهِ لِلْمُنْفَرِدِ، وَإِسْمَاعُ غَيْرِهِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَيَنْفَرِدُ الْأَذَانُ بِاشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ، وَأَنَّهُ يُنْدَبُ فِيهِمَا الطَّهَارَةُ وَالْعَدَالَةُ، وَالْقِيَامُ وَالِاسْتِقْبَالُ، وَالِالْتِفَاتُ فِي الْحَيْعَلَاتِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَالْإِجَابَةُ لَهُمَا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقِبَهُمَا، وَانْفِرَادُ الْإِقَامَةِ بِالْإِدْرَاجِ، وَانْفِرَادُ الْأَذَانِ بِالتَّرْجِيعِ وَالتَّرْتِيلِ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ وَكَوْنُهُ عَلَى عَالٍ، وَوَضْعُ الْأُصْبُعِ فِي الْأُذُنِ وَالْإِدَارَةُ حَوْلَ الْمَنَارَةِ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ.
نَعَمْ إنْ اُحْتِيجَ فِي الْإِقَامَةِ إلَى رَفْعِ صَوْتٍ أَوْ عُلُوٍّ نُدِبَ فِيهَا أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ) لَمْ يَقُلْ كَأَصْلِهِ وَالدَّرَجَةَ الْعَالِيَةَ الرَّفِيعَةَ، لَمَّا قَالُوا إنَّهَا لَمْ تَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَعَطْفُ الْفَضِيلَةِ عَلَى الْوَسِيلَةِ، مُرَادِفٌ أَوْ مُغَايِرٌ، لِمَا قِيلَ إنَّهُمَا قُبَّتَانِ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إحْدَاهُمَا لِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَالْأُخْرَى لِإِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ، وَالْأُولَى مِنْ يَاقُوتَةٍ بَيْضَاءَ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَفَائِدَةُ سُؤَالِهِمَا مَعَ تَحَقُّقِ أَنَّهُمَا لَهُمَا، إظْهَارُ شَرَفِهِمَا، وَحُصُولُ الثَّوَابِ لِلدَّاعِي بِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَالْمُؤَذِّنُ يَسْمَعُ نَفْسَهُ) أَيْ فَيَدْخُلُ فِي حَدِيثِ الصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ لَا مُطْلَقًا فَلَا يُجِيبُ نَفْسَهُ كَمَا مَرَّ.
وَلِذَلِكَ أَدْخَلَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِالْقِيَاسِ، وَلَوْ فَعَلَ الشَّارِحُ مِثْلَهُ لَكَانَ أَوْلَى، إذْ دُخُولُهُ فِي هَذَا دُونَ مَا قَبْلَهُ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ فَتَأَمَّلْهُ.
(فَرْعٌ) يُنْدَبُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، بِقَدْرِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ، وَفِعْلُ الرَّاتِبَةِ الْقَبْلِيَّةَ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فِيمَا إذَا تَعَدَّدَ الْمُؤَذِّنُونَ، إنَّ الْإِمَامَ لَا يُبْطِئُ بِالْخُرُوجِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ بَعْدِ الْأَوَّلِ، بَلْ يَخْرُجُ وَيَقْطَعُ عَلَيْهِ الْأَذَانَ عَلَى مَا إذَا خِيفَ فَوَاتُ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَالدَّعْوَةُ) الْأَذَانُ التَّامَّةِ السَّالِمَةِ مِنْ النَّقْصِ.
قَوْلُهُ: (لَا نَعْتٌ) لِفَقْدِ شَرْطِهِ مِنْ التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ، وَيَجُوزُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لَا لِمَحْذُوفٍ أَوْ خَبَرًا كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حاشية عميرة]
وَفِي وَجْهٍ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ» قَالَ: أَعْنِي الْإِسْنَوِيَّ: وَهُوَ وَجْهٌ مُنْقَاسٌ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجِيبَ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ عَقِبَهَا) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَيْ لَا يُقَارِنُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَمُقْتَضَاهُ الِامْتِنَاعُ عِنْدَ التَّقَدُّمِ، وَلَوْ كَانَ السَّامِعُ فِي صَلَاةٍ أَوْ جِمَاعٍ وَنَحْوِهِ أَجَابَ بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَلَوْ كَانَ فِي قِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ اُسْتُحِبَّ قَطْعُهُ لِيُجِيبَ وَفِي الْمُهِمَّاتِ لَوْ قَارَنَهُ كَفَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَنْ يُصَلِّيَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إفْرَادُهَا عَنْ السَّلَامِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الَّذِي وَعَدْته) وَالْحِكْمَةُ فِي سُؤَالِهِ مَعَ وُقُوعِهِ لَا مَحَالَةَ إظْهَارُ شَرَفِهِ وَعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ لَا نَعْتٌ) وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ مُنَكَّرٌ، وَقَدْ وَقَعَ هَذَا مُنَكَّرًا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَجَمِيعِ كُتُبِ الْحَدِيثِ حِكَايَةً لِمَا فِي الْقُرْآنِ.
(تَتِمَّةٌ) يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
(فَصْلُ: اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ) أَيْ الْكَعْبَةِ (شَرْطٌ لِصَلَاةِ الْقَادِرِ) عَلَيْهِ، فَلَا تَصِحُّ صَلَاةٌ بِدُونِهِ إجْمَاعًا بِخِلَافِ الْعَاجِزِ عَنْهُ كَمَرِيضٍ لَا يَجِدُ مَنْ يُوَجِّهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَمَرْبُوطٍ عَلَى خَشَبَةٍ فَيُصَلِّي عَلَى حَالِهِ وَيُعِيدُ، وَيُعْتَبَرُ الِاسْتِقْبَالُ بِالصَّدْرِ لَا بِالْوَجْهِ أَيْضًا لِأَنَّ الِالْتِفَاتَ بِهِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا سَيَأْتِي مِنْ كَرَاهَتِهِ (إلَّا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ الِاسْتِقْبَالُ فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ لِضَرُورَةٍ وَسَوَاءٌ فِيهِ الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ.
(وَ) إلَّا فِي (نَفْلِ السَّفَرِ فَلِلْمُسَافِرِ التَّنَفُّلُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا) أَيْ
[حاشية قليوبي]
(فَصْلٌ) فِي حُكْمِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي الصَّلَاةِ.
وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالْبَابِ وَهُوَ أَنْسَبُ لَمَّا مَرَّ فِي الْأَذَانِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْكَعْبَةِ) أَيْ عَيْنِهَا يَقِينًا مَعَ الْقُرْبِ وَظَنًّا مَعَ الْبُعْدِ عِنْدَ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَدَلِيلُهُ الشَّطْرُ فِي الْآيَةِ لِأَنَّهُ الْعَيْنُ لُغَةً، وَتَفْسِيرُهُ بِالْجِهَةِ اصْطِلَاحٌ لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ، بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ أَصْلَ الْجِهَةِ لُغَةً الْعَيْنُ، لِأَنَّ مَنْ انْحَرَفَ عَنْ مُقَابَلَةِ شَيْءٍ لَا يُقَالُ إنَّهُ مُتَوَجِّهٌ نَحْوَهُ، فَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَصْلًا، وَمَنْ جَعَلَ الْجِهَةَ أَعَمَّ مِنْ الْعَيْنِ أَرَادَ الْمَجَازَ وَالْحَقِيقَةَ مَعًا مَعَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَاعْتَبَرَ الْإِمَامُ مَالِكٌ الْجِهَةَ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ اعْتَبَرَ الْعَيْنَ مَعَ الْقُرْبِ وَالْجِهَةَ مَعَ الْبُعْدِ، وَاعْتَبَرَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ جُزْءًا مِنْ قَاعِدَةِ، مُثَلَّثٍ زَاوِيَتُهُ الْعُظْمَى عِنْدَ مُلْتَقَى بَصَرِهِ، وَكَانَتْ الْكَعْبَةُ قِبْلَةَ آبَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فَكَانَ يَسْتَقْبِلُهَا، ثُمَّ لَمَّا أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، كَانَ يَجْعَلُ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَلَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَحُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ إلَيْهَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ، بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا فِي رَجَبٍ، فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ بَعْدَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا، فَاسْتَدَارَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إلَيْهَا، وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ إنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا لِلْكَعْبَةِ الْعَصْرُ، مَحْمُولٌ عَلَى الْكَامِلَةِ وَسُمِّيَتْ كَعْبَةً لِتَرَبُّعِهَا وَقِبْلَةً لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَابِلُهَا بِوَجْهِهِ وَصَدْرِهِ.
قَوْلُهُ: (شَرْطٌ) فَلَا يَسْقُطُ بِجَهْلٍ وَلَا غَفْلَةٍ، وَلَا إكْرَاهٍ وَلَا نِسْيَانٍ.
نَعَمْ لَوْ اسْتَدْبَرَ نَاسِيًا وَعَادَ عَنْ قُرْبٍ لَمْ يَضُرَّ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (الْقَادِرِ) أَيْ حِسًّا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ مِنْ التَّمْثِيلِ.
وَالِاسْتِثْنَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ صَلَاةٌ بِدُونِهِ) أَيْ الِاسْتِقْبَالِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ لِلْعَيْنِ بِدَلِيلِ تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ، فَالْإِجْمَاعُ فِي مَحَلِّهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (كَمَرِيضٍ) وَمِثْلُهُ مَنْ يَخَافُ نَحْوَ غَرَقٍ بِنَفْسِهِ مَثَلًا، وَكَذَا مَنْ يَخَافُ ضَيَاعَ مَالِهِ أَوْ تَخَلُّفًا عَنْ رُفْقَتِهِ، وَتَلْزَمُهُمْ الْإِعَادَةُ بِخِلَافِ مَا سَيَأْتِي فِيمَنْ خُطِفَ نَعْلُهُ، بِالْفِعْلِ قَالَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَيُعِيدُ) أَيْ لِعَدَمِ اسْتِقْبَالِهِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الِاسْتِقْبَالَ شَرْطٌ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لِلْقَادِرِ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ، وَلِلْعَاجِزِ شَرْطٌ لِلْإِجْزَاءِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِالصَّدْرِ) أَيْ بِجَمِيعِهِ يَقِينًا مَعَ الْقُرْبِ وَظَنًّا مَعَ الْبُعْدِ، فَلَوْ خَرَجَ جُزْءٌ مِنْهُ عَنْ مُحَاذَاةِ الْعَيْنِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِقْبَالِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، الْعُرْفُ لَا الصَّدْرُ، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَبَّادِيُّ وَمَتَى كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَكْثَرُ مِنْ سَمْتِ الْقِبْلَةِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُمَا.
كَمَا قَالَهُ الْفَارِقِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ، وَلَا يَأْتِي فِيهِ قَوْلُهُمْ الْخَطَأُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، لِأَنَّهُ مَعَ عَدَمِ الرَّابِطَةِ انْتَهَى مَعْنًى، وَهُوَ وَجِيهٌ وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ وَاَللَّهُ الْمُعِينُ.
نَعَمْ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ نَظَرٌ إذَا ظَنَّ أَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلْعَيْنِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لَا بِالْوَجْهِ أَيْضًا) أَيْ فِي الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ، أَمَّا الْمُضْطَجِعُ وَالْمُسْتَلْقِي، فَيَجِبُ بِالْوَجْهِ مَعَ تَقَدُّمِ الْبَدَنِ فِيهِمَا وَمَعَ رَفْعِ الرَّأْسِ فِي الْمُسْتَلْقِي إنْ تَيَسَّرَ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا سَيَأْتِي) أَيْ فِي انْحِرَافِ الدَّابَّةِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ) أَيْ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ قِتَالٍ، وَغَيْرِهِ مِمَّا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ.
(فَرْعٌ) لَوْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ قَاعِدًا لَا قَائِمًا صَلَّى قَاعِدًا مُسْتَقْبِلًا، لِأَنَّهُ قَدْ عَهِدَ تَرْكَ الْقِيَامِ، كَمَا فِي النَّفْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ دُونَ الِاسْتِقْبَالِ.
قَوْلُهُ: (نَفْلِ السَّفَرِ) أَيُّ نَفْلٍ يَفْعَلُ فِيهِ وَإِنْ فَاتَ حَضَرًا.
قَوْلُهُ: (فَلِلْمُسَافِرِ) يُفِيدُ أَنَّهُ مُبَاحٌ، وَإِنَّ الِاسْتِقْبَالَ مُسْتَحَبٌّ، وَالْمُرَادُ مَا دَامَ السَّفَرُ، فَلَوْ تَرَكَهُ أَتَمَّهَا لِلْقِبْلَةِ وُجُوبًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَطَلَتْ إلَّا إنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (رَاكِبًا وَمَاشِيًا) وَلَا يَضُرُّهُمَا
[حاشية عميرة]
[فَصْلُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ]
فَصْلُ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْقِبْلَةِ) هِيَ فِي اللُّغَةِ الْجِهَةُ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (إجْمَاعًا) هُوَ يَدُلُّك عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْقِبْلَةِ أَعَمَّ مِنْ الْعَيْنِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِلضَّرُورَةِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، قَالَ نَافِعٌ: لَا أَرَى عَبْدَ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَكَرَ ذَلِكَ إلَّا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِلَّا فِي نَفْلِ السَّفَرِ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْهُ الِاسْتِقْبَالُ وَإِتْمَامُ الْأَرْكَانِ فِي هَوْدَجٍ وَنَحْوِهِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَخَرَجَ بِالنَّفْلِ الْجِنَازَةُ فَإِنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالْفَرَائِضِ لِأَنَّ تَجْوِيزَهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ يُؤَدِّي إلَى مَحْوِ صُورَتِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَقَضِيَّةُ الْعِلَّةِ جَوَازُهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ قَائِمًا، إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ، يَعْنِي فِي حَالِ مَشْيِهَا، وَاسْتَظْهَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَقَالَ: قِيَاسُهُ صِحَّتُهَا مَاشِيًا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ وَغَيْرِهِ، لَكِنَّهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَدْ صَرَّحَ بِامْتِنَاعِ الْمَشْيِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَجَوَّزَ الْإِصْطَخْرِيُّ فِعْلَ النَّافِلَةِ لِلْحَاضِرِ الْمُتَرَدِّدِ فِي حَوَائِجِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لِلْمُسَافِرِ) ظَاهِرُهُ
صَوْبَ مَقْصِدِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا سَيَأْتِي لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ أَيْ فِي جِهَةِ مَقْصِدِهِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَأُلْحِقَ الْمَاشِي بِالرَّاكِبِ وَسَوَاءٌ الرَّاتِبَةُ وَغَيْرُهَا.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْعِيدُ وَالْكُسُوفُ وَالِاسْتِسْقَاءُ لِلرَّاكِبِ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالْمَاشِي لِنُدْرَتِهَا (وَلَا يُشْتَرَطُ طُولُ سَفَرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ) وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ كَالْقَصْرِ، وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ النَّفَلَ يَتَوَسَّعُ فِيهِ كَجَوَازِهِ قَاعِدًا لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ.
وَيُشْتَرَطُ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ أَنْ لَا يَكُونَ السَّفَرُ مَعْصِيَةً، وَأَنْ يُقْصَدَ بِهِ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ، فَلَيْسَ لِلْعَاصِي بِسَفَرِهِ وَالْهَائِمِ التَّنَفُّلُ رَاكِبًا وَلَا مَاشِيًا كَمَا أَفْصَحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِقْبَالُ الرَّاكِبِ فِي مَرْقَدٍ) فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ (وَإِتْمَامُ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ لَزِمَهُ) ذَلِكَ لِتَيَسُّرِهِ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الرَّاكِبَ ذَلِكَ.
(فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ سَهُلَ الِاسْتِقْبَالُ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا) يَجِبُ وَالسَّهْلُ بِأَنْ تَكُونَ الدَّابَّةُ وَاقِفَةً وَأَمْكَنَ انْحِرَافُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَحْرِيفُهَا أَوْ سَائِرَةً وَبِيَدِهِ زِمَامُهَا وَهِيَ سَهْلَةٌ وَغَيْرُ السَّهْلِ أَنْ تَكُونَ مَقْطُورَةً وَصَعْبَةً وَالثَّانِي لَا يَجِبُ مُطْلَقًا لِأَنَّ وُجُوبَهُ يُشَوِّشُ عَلَيْهِ السَّيْرَ وَالثَّالِثُ يَجِبُ مُطْلَقًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ.
(وَيَخْتَصُّ) وُجُوبُ الِاسْتِقْبَالِ (بِالتَّحَرُّمِ، وَقِيلَ: يَغُطُّ فِي
[حاشية قليوبي]
التَّحَوُّلُ عَنْهَا لِمُنْعَطَفَاتِ الطَّرِيقِ، وَلَوْ لِنَحْوِ زَحْمَةٍ أَوْ غُبَارٍ أَوْ سُهُولَةٍ، وَلَا يُكَلَّفَانِ التَّحَفُّظَ وَلَا الِاحْتِيَاطَ، وَلَا عَدَمَ الْعَدْوِ وَلِلرَّاكِبِ الرَّكْضُ لِحَاجَةٍ وَلَوْ لِلُحُوقِ بَعِيدٍ، وَلَوْ وَطِئَتْ الدَّابَّةُ نَجَاسَةً رَطْبَةً مُطْلَقًا أَوْ يَابِسَةً، وَلَمْ يُفَارِقْهَا حَالًا أَوْ أَوْطَأَهَا نَجَاسَةً، وَلَوْ يَابِسَةً أَوْ اتَّصَلَ بِهَا نَجَاسَةٌ، وَلَوْ فِي عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا أَوْ بَالَتْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ زِمَامُهَا بِيَدِهِ، فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ وَطِئَ الْمَاشِي نَجَاسَةً عَمْدًا وَلَوْ يَابِسَةً أَوْ رَطْبَةً سَهْوًا، أَوْ يَابِسَةً سَهْوًا وَلَمْ يُفَارِقْهَا حَالًا، أَوْ عَدَلَ عَنْ طَرِيقِهِ لَا لِمَا مَرَّ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
نَعَمْ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى لَا يَضُرُّ بِشَرْطِهِ كَذَرْقِ الطُّيُورِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمُرَادُ بِالْمَاشِي غَيْرُ الرَّاكِبِ فَيَشْمَلُ نَحْوَ الزَّاحِفِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ) دَفَعَ بِهَا تَوَهُّمَ تَرْكِهَا أَوْ صَلَاتِهَا عَلَى الْأَرْضِ لِمَقْصِدِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ طُولُ سَفَرِهِ) وَأَقَلُّهُ نَحْوُ مِيلٍ وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَحَلٌّ لَا يُسْمَعُ فِيهِ النِّدَاءُ فِي الْجُمُعَةِ، وَشَرَطَ شَيْخُنَا مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُعَدَّ مُسَافِرًا عُرْفًا وَنُوزِعَ فِيهِ، وَلَهُ التَّنَفُّلُ بِمُجَرَّدِ مُجَاوَزَةِ السُّورِ أَوْ الْعُمْرَانِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى تَقْيِيدِ السَّفَرِ هُنَا بِمَا سَيَأْتِي، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فِي مَرْقَدٍ) وَمِثْلُهُ كَمَا فِي الْبَهْجَةِ، وَغَيْرِهَا الْمِحَفَّةُ الْمَعْرُوفَةُ وَالسَّفِينَةُ لِغَيْرِ مَلَّاحٍ، وَهُوَ مَنْ لَهُ دَخْلٌ فِي سَيْرِ السَّفِينَةِ وَمِثْلُهُ مَسِيرُ الدَّابَّةِ، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا فَهُمَا كَغَيْرِهِمَا، وَمَعْنَى الْإِمْكَانِ السُّهُولَةُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الرَّاكِبُ) أَيْ الْمَذْكُورُ وَهُوَ مَنْ فِي الْمَرْقَدِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَوْ الْأَعَمُّ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (ذَلِكَ) أَيْ إتْمَامُ جَمِيعِ الْأَرْكَانِ وَالِاسْتِقْبَالِ فِي الصَّلَاةِ جَمِيعِهَا، وَهَذَا صَادِقٌ بِمَا إذَا لَمْ يَسْهُلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُمَا، أَوْ سَهُلَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا أَوْ بَعْضُ أَحَدِهِمَا أَوْ بَعْضُ كُلٍّ مِنْهُمَا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ سَهُلَ عَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ) أَيْ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَوْجُهِ الْآتِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ) أَيْ الِاسْتِقْبَالُ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْأَوْجُهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْهُلْ عَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ وَإِنْ سَهُلَ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) هُوَ تَعْمِيمٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي مُقَابَلَةِ الْأَصَحِّ أَيْ سَوَاءٌ سَهُلَ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَعَذَّرَ) أَيْ الِاسْتِقْبَالُ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ عَلَى الْوَجْهِ، الثَّالِثِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ سَهُلَ فِي بَعْضِهَا.
قَوْلُهُ: (وَيَخْتَصُّ الِاسْتِقْبَالُ) الَّذِي سَهُلَ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ بِالتَّحَرُّمِ، فَلَا يَلْزَمُهُ فِي غَيْرِهِ مَعَ سُهُولَتِهِ بِدَلِيلِ مَا
[حاشية عميرة]
كَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الِاسْتِقْبَالُ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ) إنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ عَلَى الْأَرْضِ لِجِهَةِ مَقْصِدِهِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (كَالْقَصْرِ) أَيْ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَغْيِيرٌ فِي الصَّلَاةِ نَفْسِهَا وَرَدَ بِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَ هَذَا لِأَجْلِهِ وَهُوَ الْخَوْفُ مِنْ الِانْقِطَاعِ وَاحْتِيَاجُهُ إلَى كَثْرَةِ النَّوَافِلِ وَمُلَازَمَةِ الْأَوْرَادِ مَوْجُودٌ فِي الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ بِخِلَافِ الْقَصْرِ وَالسَّفَرِ الْقَصِيرِ.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ: كَالْمِيلِ وَالْقَاضِي وَالْبَغَوِيُّ أَنْ يَخْرُجَ إلَى حَدٍّ لَا يَلْزَمُهُ فِيهِ الْجُمُعَةُ لِعَدَمِ سَمَاعِهِ النِّدَاءَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَخْتَصُّ بِالتَّحَرُّمِ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: لَوْ وَقَفَ لِاسْتِرَاحَةٍ، أَوْ انْتِظَارِ رَفِيقٍ أَوْ نَحْوِهِ لَزِمَهُ الِاسْتِقْبَالُ.
قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: وَيُومِئُ الْمُتَوَجِّهُ إلَى الْقِبْلَةِ، فَإِنْ سَارَ سَيْرَ الْقَافِلَةِ جَازَ أَنْ يُتِمَّهَا إلَى جِهَةِ مَسِيرِهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرِيدُ لِلسَّيْرِ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّهَا لِلْقِبْلَةِ بَلْ إنْ كَانَ نَزَلَ فِي أَثْنَائِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ قَبْلَ رُكُوبِهِ لِأَنَّهُ بِالْوُقُوفِ لَزِمَهُ التَّوَجُّهُ اهـ.
وَقَوْلُهُ: قَبْلَ رُكُوبِهِ، أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ الْمُرِيدُ لِلسَّفَرِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ، وَالْحِكْمَةُ فِي الِاخْتِصَاصِ بِالتَّحَرُّمِ أَنْ يَقَعَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ بِالشُّرُوطِ، ثُمَّ يُجْعَلُ مَا بَعْدَهُ تَابِعًا لَهُ كَالنِّيَّةِ.
قَوْلُ
السَّلَامِ أَيْضًا) وَلَا يُشْتَرَطُ فِيمَا بَيْنَهُمَا جَزْمًا.
وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: الْقِيَاسُ أَنَّهُ مَا دَامَ وَاقِفًا لَا يُصَلِّي إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ، وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وُجْهَةُ رِكَابِهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(وَيَحْرُمُ انْحِرَافُهُ عَنْ طَرِيقِهِ) لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْقِبْلَةِ (إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ) لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، فَإِنْ انْحَرَفَ إلَى غَيْرِهَا عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، أَوْ نَاسِيًا وَعَادَ عَنْ قُرْبٍ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ فِي الْأَصَحِّ.
(وَيُومِئُ بِرُكُوعِهِ وَسُجُودُهُ أَخْفَضُ) مِنْ رُكُوعِهِ أَيْ يَكْفِيهِ الْإِيمَاءُ بِهِمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ السُّجُودِ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ تَمْيِيزًا بَيْنَهُمَا، رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إيمَاءً إلَّا الْفَرَائِضَ، وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ فِي صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الرَّاحِلَةِ بِالْإِيمَاءِ يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ.
(وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَاشِيَ يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَيَسْتَقْبِلُ فِيهِمَا وَفِي إحْرَامِهِ) أَيْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِسُهُولَتِهِ عَلَيْهِ بِاللِّبْسِ (وَلَا يَمْشِي) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَشْيُ (إلَّا فِي قِيَامِهِ وَتَشَهُّدِهِ) لِطُولِهِمَا وَالثَّانِي
[حاشية قليوبي]
بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ) اُنْظُرْ هَذَا الدَّلِيلَ فَإِنَّهُ لَا يُطَابِقُ الْمَدْلُولَ إلَّا إنْ كَانَتْ رَاحِلَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْهُلُ اسْتِقْبَالُهُ عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ فَتَأَمَّلْ.
(تَنْبِيهٌ) مَا قَرَّرْنَاهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِمَا، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الشُّرَّاحِ وَالْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّاكِبَ إمَّا خَاصٌّ بِمَنْ فِي نَحْوِ الْمَرْقَدِ أَوْ شَامِلٌ لَهُ وَحَاصِلُ مَا فِي كَلَامِهِمْ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ أَنَّ ذَلِكَ الرَّاكِبَ إنْ سَهُلَ عَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، وَإِتْمَامُ جَمِيعِ الْأَرْكَانِ لَزِمَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْهُلْ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْهُ، وَإِنْ سَهُلَ إلَّا الِاسْتِقْبَالَ فِي التَّحَرُّمِ لِمَنْ سَهُلَ عَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ.
وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَشَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ أَنَّ مَنْ فِي نَحْوِ الْمَرْقَدِ إذَا لَمْ يَسْتَقْبِلْ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، وَلَمْ يُتِمَّ جَمِيعَ الْأَرْكَانِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فَيَتْرُكُهَا، وَأَنَّ غَيْرَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا سَهُلَ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ أَوْ بَعْضِهَا، وَمِنْ إتْمَامِ الْأَرْكَانِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، وَهُوَ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ كَلَامَ الْإِسْنَوِيِّ فِي الدَّابَّةِ الْوَاقِفَةِ، كَمَا فَعَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ.
وَلَيْسَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَلَا غَيْرِهِ مَا يُفِيدُ تَقْيِيدَهُ بِذَلِكَ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ، وَاَللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ انْحِرَافُهُ) أَيْ بِنَفْسِهِ أَوْ دَابَّتِهِ فَإِنْ أَحْرَفَهُ غَيْرُهُ وَلَوْ قَهْرًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ مُطْلَقًا.
وَلَوْ قَالَ وَلَا يَنْحَرِفُ لَكَانَ أَوْلَى، لِأَنَّ النَّهْيَ يُفِيدُ الْفَسَادَ بِخِلَافِ الْحُرْمَةِ، وَلَوْ قَصَدَ بِالِانْحِرَافِ قَطْعَ الصَّلَاةِ لَمْ يَحْرُمْ، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِجَوَازِ قَطْعِ النَّفْلِ وَيَجُوزُ رُكُوبُ الدَّابَّةِ مَقْلُوبًا لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَلَكِنْ لَا يُكَلِّفُهُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ) أَيْ فَلَا يَحْرُمُ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِانْحِرَافِهِ إلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ خَلْفَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا) وَكَذَا لِجِمَاحِ الدَّابَّةِ أَوْ غَفْلَتِهِ عَنْهَا، أَوْ إضْلَالِ طَرِيقٍ، فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ إنْ عَادَ عَنْ قُرْبٍ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِذَا نَوَى الرُّجُوعَ لِمَقْصِدٍ آخَرَ فَلْيَنْحَرِفْ فَوْرًا وَلَهُ سُلُوكُ طَرِيقٍ لَا يَسْتَقْبِلُ فِيهِ وَإِنْ سَهُلَ مَا يَسْتَقْبِلُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (يُومِئُ) أَيْ الرَّاكِبُ الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ إتْمَامُ الْأَرْكَانِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَكْفِيهِ الْإِيمَاءُ) دَفَعَ بِذَلِكَ إيهَامَ كَلَامِهِ وُجُوبَ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ، فَلَهُ الْإِتْمَامُ إنْ سَهُلَ، وَلَا يُكَلَّفُ بَذْلَ وُسْعِهِ فِي الْإِيمَاءِ وَلَا السُّجُودِ عَلَى نَحْوِ عُرْفِ الدَّابَّةِ وَإِنْ سَهُلَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ السُّجُودِ أَخْفَضَ) دَفَعَ بِهِ إيهَامَ كَلَامِهِ عَدَمَ وُجُوبِهِ، وَمَحَلُّهُ إنْ سَهُلَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (إنَّ الْمَاشِيَ يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ) أَيْ وُجُوبًا وَكَذَا اسْتِقْبَالُهُ فِيهِمَا، وَفِي إحْرَامِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، نَعَمْ إنْ شَقَّ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ لِنَحْوِ وَحْلٍ أَوْ خَوْضٍ فِي مَاءٍ كَفَاهُ الْإِيمَاءُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَفِي إحْرَامِهِ) وَمِثْلُهُ الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَمْشِي) مَعْطُوفٌ عَلَى يُتِمُّ فَفِيهِ الْأَظْهَرُ وَيُقَابِلُهُ تَخْصِيصُ الْمَشْيِ بِالْقِيَامِ وَانْظُرْ لِمَ سَكَتَ عَنْهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي قِيَامِهِ) وَمِثْلُهُ الِاعْتِدَالُ وَتَشَهُّدُهُ، وَمِثْلُهُ السَّلَامُ وَالْعِلَّةُ لِلْأَغْلَبِ، وَبِذَلِكَ انْتَظَمَ مَا يُقَالُ إنَّ الْمَاشِيَ يَمْشِي فِي أَرْبَعٍ، وَلَا يَمْشِي فِي أَرْبَعٍ فَيَسْتَقْبِلُ فِيهَا، وَيُتِمُّهَا وَإِفْرَادُ السَّلَامِ بِالذِّكْرِ لِإِجْرَاءِ الْخِلَافِ فِيهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ لِعَدَمِ
[حاشية عميرة]
الشَّارِحِ: (لَا يُصَلِّي إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ) أَيْ فَإِذَا سَارَ وَلَوْ بِإِرَادَتِهِ تَمَّمَ لِجِهَةِ مَقْصِدِهِ، وَصَحَّحَهُ الشَّاسِيُّ، وَخَالَفَ الْمَاوَرْدِيُّ، فَكَانَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُرِيدُ ضَعْفَ مَقَالَتِهِ، لَكِنَّهُ اعْتَمَدَهَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (عَامِدًا) مِثْلُهُ الْمُكْرَهُ، وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ لِنُدُورِهِ وَمِثْلُ النَّاسِي مَا إذَا انْحَرَفَ خَطَأً أَوْ لِجِمَاحِ الدَّابَّةِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ السُّجُودُ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ) أَيْ: وَلَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ وُسْعِهِ فِي خَفْضِهِ بَعْدَ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَسْتَقْبِلُ فِيهِمَا إلَخْ) ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ سَوَاءٌ سَهُلَ ذَلِكَ أَمْ لَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَمْشِي إلَخْ) هَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ الْمَشْيَ فِي الِاعْتِدَالِ دُونَ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَالْفَرْقُ بَيِّنٌ.
يَكْفِيهِ أَنْ يُومِئَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَالرَّاكِبِ وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ فِيهِمَا وَيَلْزَمُهُ فِي الْإِحْرَامِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَلْزَمُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي السَّلَامِ عَلَى الْأَصَحِّ.
(وَلَوْ صَلَّى فَرْضًا عَلَى دَابَّةٍ، وَاسْتَقْبَلَ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَهِيَ وَاقِفَةٌ جَازَ) وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً لِاسْتِقْرَارِهِ فِي نَفْسِهِ (أَوْ سَائِرَةٌ فَلَا) يَجُوزُ لِأَنَّ سَيْرَهَا مَنْسُوبٌ إلَيْهِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الطَّوَافِ عَلَيْهَا فَلَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا فِي نَفْسِهِ.
(وَمَنْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَاسْتَقْبَلَ جِدَارَهَا أَوْ بَابَهَا مَرْدُودًا أَوْ مَفْتُوحًا مَعَ ارْتِفَاعِ عَتَبَتِهَا ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ أَوْ عَلَى سَطْحِهَا مُسْتَقْبِلًا مِنْ بِنَائِهَا مَا سَبَقَ) أَيْ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ (جَازَ) أَيْ مَا صَلَّاهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الشَّاخِصُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ، فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَيْهِ لِأَنَّ الشَّاخِصَ سُتْرَةُ الْمُصَلِّي فَاعْتُبِرَ فِيهِ قَدْرُهَا، وَقَدْ سُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا فَقَالَ: " كَمُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهِيَ ثُلُثَا ذِرَاعٍ إلَى ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ، وَلَا فَرْقَ فِي الْجَوَازِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِيهَا رَكْعَتَيْنِ.
[حاشية قليوبي]
طُولِهِ، فَاعْتُبِرَ سُهُولَةُ الْمَشْيِ فِيهِ كَالِاعْتِدَالِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ صَلَّى فَرْضًا) وَلَوْ كِفَايَةً أَوْ بِحَسَبِ أَصْلِهِ أَوْ عَارِضًا فَشَمَلَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَصَلَاةَ الصَّبِيِّ وَالْمُعَادَةَ وَلَوْ نَدْبًا وَالْمَنْدُورَةَ، وَخَرَجَ النَّفَلُ وَإِنْ نَذَرَ إتْمَامَهُ لِجَوَازِهِ قَاعِدًا وَعَدَمِ وُجُوبِ قَضَائِهِ لَوْ فَسَدَ، وَقَوْلُ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ إنَّهُ كَالْفَرْضِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، كَقَوْلِهِ عَنْ وَالِدِهِ إنَّهُ لَوْ نَذَرَ رَكْعَتَيْنِ عَلَى الدَّابَّةِ صَحَّ فِعْلُهُمَا عَلَيْهَا، لِأَنَّ الْوَصْفَ يُنَافِي النَّذْرَ وَلَا حَاجَةَ، لِجَعْلِ هَذِهِ مُسْتَثْنَاةً فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى دَابَّةٍ) وَمِنْهَا الْآدَمِيُّ وَمِثْلُهَا الْأُرْجُوحَةُ، وَالسَّفِينَةُ وَالسَّرِيرُ عَلَى الْأَعْنَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ وَاقِفَةٌ جَازَ) وَكَالْوَاقِفَةِ مَا لَوْ كَانَ زِمَامُهَا بِيَدِ مُمَيِّزٍ، وَكَذَا حَامِلُ السَّرِيرِ وَلَوْ وَاحِدًا مِنْ حَامِلِيهِ حَيْثُ ضُبِطَ بَاقِيهمْ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَسِيرُ السَّفِينَةِ غَيَّرَهُ لِعَدَمِ نِسْبَةِ سَيْرِ مَا ذُكِرَ إلَيْهِ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ طَوَافُهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ سَائِرَةً) وَلَوْ فِي أَثْنَائِهَا وَمِنْهَا الْمَقْطُورَةُ فَلَا يَصِحُّ نَعَمْ إنْ خَافَ مِنْ نُزُولِهِ عَنْهَا نَحْوَ انْقِطَاعٍ عَنْ رُفْقَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ صَلَّى عَلَيْهَا وَأَعَادَ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ بِلَا إعَادَةٍ وَقَوْلُ الْمَنْهَجِ لِمَا مَرَّ قِيلَ أَرَادَ بِهِ الْعَجْزَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَإِنْ كَانَ ذَاكَ حِسِّيًّا وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ مَا فِي التَّيَمُّمِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَإِنْ كَانَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ مَشَتْ الدَّابَّةُ الْوَاقِفَةُ ثَلَاثَ خُطُوَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ، أَوْ وَثَبَتَ وَثْبَةً فَاحِشَةً، وَلَوْ سَهْوًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَذَا قَالُوا، وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ وَفِي كَلَامِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ إنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَلَا يَضُرُّ تَحْرِيكُ ذَنَبِهَا وَرَأْسِهَا وَرِجْلِهَا.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ) وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَأَفْضَلُهَا جِهَةُ الْبَابِ، وَالصَّلَاةُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهَا خَارِجَهَا، إلَّا لِنَحْوِ جَمَاعَةٍ خَارِجَهَا إنْ كَانَتْ أَكْثَرَ.
نَعَمْ نَفْلٌ السَّبَبُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَاسْتَقْبَلَ جِدَارَهَا إلَخْ) وَإِنْ بَعُدَ عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَلَا يَكْفِي اسْتِقْبَالُ هَوَائِهَا لَهُ، بِخِلَافِهِ مِنْ خَارِجِهَا فَيَكْفِيهِ هَوَاؤُهَا، وَلَوْ أَعْلَى مِنْهَا أَوْ مَحَلُّ هَدْمِهَا، أَوْ مَحَلُّ جُزْءٍ هُدِمَ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ جُزْءٌ مِنْ بَدَنِهِ عَنْهُ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ جِدَارُ الْحِجْرِ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَهَوَاؤُهُ فَلَا يَكْتَفِي بِهِمَا، قَالُوا: لِأَنَّ ثُبُوتَهُ مِنْ الْبَيْتِ ظَنِّيٌّ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (مَعَ ارْتِفَاعِ عَتَبَتِهَا ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ) تَقْرِيبًا وَمِثْلُهَا تُرَابُهَا غَيْرُ الْمُخْتَلِطِ بِغَيْرِهِ، وَمِثْلُهَا شَجَرَةٌ نَابِتَةٌ فِيهَا، وَخَشَبَةٌ مُسَمَّرَةٌ فِيهَا، أَوْ مَبْنِيَّةٌ أَوْ مَدْقُوقَةٌ، كَالْوَتَدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَرْضٌ لَا مَغْرُوزَةٌ وَلَا مَرْبُوطَةٌ، وَلَا حَشِيشٌ نَابِتٌ فِيهَا، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ إنَّهُ يَكْفِي هُنَا مَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، لَا يَسْتَقِيمُ مَنْطُوقًا وَلَا مَفْهُومًا فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَلَوْ أُزِيلَ الشَّاخِصُ فِي الْأَثْنَاءِ لَمْ يَضُرَّ كَالرَّابِطَةِ، قَالَهُ شَيْخُنَا وَالْخَطِيبُ، وَخَالَفَهُمَا شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَفَرَّقَ بِأَنَّ أَمْرَ الِاسْتِقْبَالِ أَشَدُّ، وَلَوْ خَرَجَ عَنْ مُحَاذَاتِهِ فِي الْأَثْنَاءِ كَخَشَبَةٍ مُعَرَّضَةٍ فِي هَوَاءِ الْبَابِ، أَوْ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ بَطَلَتْ عِنْدَ رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ، لَا إنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ لِدَوَامِ الْمُحَاذَاةِ فِيهَا.
(فَرْعٌ) لَوْ كَانَ يُسَمِّرُ الشَّاخِصَ إذَا صَلَّى وَيُزِيلُهُ إذَا فَرَغَ كَفَى عِنْدَ غَيْرِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ.
قَوْلُهُ: (كَمُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ) بِمِيمٍ
[حاشية عميرة]
فَرْعٌ) لَوْ خَافَ انْقِطَاعًا عَنْ الرُّفْقَةِ بِسَبَبِ الِاسْتِقْبَالِ وَإِتْمَامِ الْأَرْكَانِ فَهَلْ يُغْتَفَرُ ذَلِكَ وَيُومِئُ؟ هُوَ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَيَلْزَمُهُ فِي الْإِحْرَامِ فِي الْأَصَحِّ) تَفْرِيعٌ عَلَى الثَّانِي وَقَضِيَّتُهُ اللُّزُومُ وَإِنْ لَمْ يَسْهُلْ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (بِدَلِيلِ جَوَازِ الطَّوَافِ) أَيْ بِخِلَافِ السَّفِينَةِ فَإِنَّهَا كَالدَّارِ، وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا بِأَنَّهُ لَوْ عَمَّ السَّيْلُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ فَطَافَ فِي زَوْرَقٍ، فَالظَّاهِرُ الصِّحَّةُ.
قُلْت: بَلْ الظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَأَيْضًا الْعُدُولُ إلَى السَّيْرِ فِي السَّفِينَةِ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ فِي حَالِ السَّيْرِ بِخِلَافِ الدَّابَّةِ.
صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَاسْتَقْبَلَ جِدَارَهَا أَوْ بَابَهَا مَرْدُودًا أَوْ مَفْتُوحًا مَعَ ارْتِفَاعِ عَتَبَتِهَا ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ أَوْ عَلَى سَطْحِهَا مُسْتَقْبِلًا مِنْ بِنَائِهَا مَا سَبَقَ قَوْلُ الشَّارِحِ: (فِي الصَّحِيحَيْنِ إلَخْ) رَوَى الشَّيْخَانِ أَيْضًا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الدُّخُولَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ فِي الْأُولَى وَصَلَّى فِي
(وَمَنْ أَمْكَنَهُ عِلْمُ الْقِبْلَةِ) وَلَا حَائِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى جَبَلِ أَبِي قَيْسٍ أَوْ سَطْحٍ وَشَكَّ فِيهَا الظُّلْمَةَ أَوْ غَيْرَهَا (حَرُمَ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ) أَيْ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ بِأَنْ يَعْمَلَ بِهِ فِيهَا (وَالِاجْتِهَادُ) أَيْ الْعَمَلُ بِهِ فِيهَا لِسُهُولَةِ عِلْمِهَا فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا: لَا يَجُوزُ لَهُ اعْتِمَادُ قَوْلِ غَيْرِهِ يَعُمُّ الْمُجْتَهِدَ وَالْمُخْبِرَ عَنْ عِلْمٍ، وَلَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا جَبَلٌ أَوْ بِنَاءٌ، فَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا لَهُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ لِلْمَشَقَّةِ فِي تَكْلِيفِ الْمُعَايَنَةِ بِالصُّعُودِ أَوْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَيُؤْخَذُ مِمَّا سَيَأْتِي أَنَّهُ يَعْمَلُ بِقَوْلِ الْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ مُقَدَّمًا عَلَى الِاجْتِهَادِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ عِلْمُ الْقِبْلَةِ (أَخَذَ بِقَوْلِ ثِقَةٍ يُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ) سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَمْ عَبْدًا ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، بِخِلَافِ الْفَاسِقِ وَالْمُمَيِّزِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ مَعَ وُجُودِهِ (فَإِنْ فُقِدَ وَأَمْكَنَ الِاجْتِهَادُ) بِأَنْ كَانَ عَارِفًا بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهَا عَلَيْهَا (حَرُمَ التَّقْلِيدُ) وَوَجَبَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ،
[حاشية قليوبي]
مَضْمُومَةٍ فَهَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ، وَقَدْ تُبْدَلُ وَاوًا كَذَلِكَ فَخَاءٌ مُعْجَمَةٌ فَرَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَتَيْنِ، ثُمَّ رَاءٌ وَحَاءٌ مُهْمَلَتَيْنِ، وَهِيَ الْحَقِيبَةُ الْمَحْشُوَّةُ الَّتِي يَسْتَنِدُ إلَيْهَا الرَّاكِبُ خَلْفَهُ مِنْ كُورِ الْبَعِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَمْكَنَهُ) أَيْ سَهُلَ عَلَيْهِ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ بِلَا مَشَقَّةٍ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٍّ، أَوْ رَقِيقٍ بَالِغٍ أَوْ غَيْرِهِ بَصِيرٍ أَوْ أَعْمَى.
قَوْلُهُ: (عَلِمَ الْقِبْلَةَ) أَيْ عَلِمَ مُقَابَلَةَ عَيْنِهَا بِرُؤْيَةٍ فِي بَصِيرٍ أَوْ بِلَمْسِ الْأَعْمَى وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ كَأَخْبَارِ مَعْصُومٍ أَوْ عَدَدٍ تَوَاتَرَ مُطْلَقًا، أَوْ فِعْلِهِمْ فِي حَقٍّ بِصَبْرٍ وَكَمَوْضِعٍ نَشَأَ فِيهِ بِنَحْوِ مَكَّةَ، وَعَلِمَ فِيهِ إصَابَةَ عَيْنِهَا وَكَرُؤْيَةٍ أَوْ لَمْسِ مِحْرَابٍ أُجْمِعَ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى إلَيْهِ، وَمَالَ شَيْخُنَا إلَى أَنَّهُ يَلْحَقُ بِذَلِكَ الْقَرِينَةُ الْقَطْعِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا حَائِلَ إلَخْ) هُوَ قَيْدٌ لِوُجُودِ الْمُشَاهَدَةِ الْمُمْكِنَةِ، وَالْمَسُّ كَذَلِكَ بَعْدَ زَوَالِ مَانِعِهِمَا الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَشَكَّ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لِسُهُولَةِ عِلْمِهَا) بِالْمُشَاهَدَةِ أَوْ بِاللَّمْسِ فِي نَحْوِ الْأَعْمَى كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ الرَّوْضَةِ إلَخْ) هُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلْمَ مُقَدَّمٌ عَلَى خَبَرِ الثِّقَةِ، وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا أَخَذَ إلَخْ، وَرُبَّمَا أَدْخَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّقْلِيدِ وَيُرْشِدُ إلَيْهِ تَقْدِيمُهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَالَ إلَخْ) هَذَا مَفْهُومُ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مِمَّا يَمْنَعُ الْعِلْمَ بِالْقِبْلَةِ، فَيَنْتَفِلُ لِمَا بَعْدَهُ وَشَرْطُ الْبِنَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَعَدِّيًا بِهِ، وَإِلَّا كُلِّفَ إزَالَتَهُ أَوْ صُعُودَهُ أَوْ دُخُولَ الْمَسْجِدِ.
قَوْلُهُ: (لِلْمَشَقَّةِ فِي تَكْلِيفِ الْمُعَايَنَةِ) قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَمِنْ الْمَشَقَّةِ تَكْلِيفُ الْأَعْمَى الذَّهَابَ إلَى حَائِطِ الْمِحْرَابِ مَعَ وُجُودِ الصُّفُوفِ، أَوْ تَعَثُّرُهُ بِالْجَالِسِينَ أَوْ بِالسَّوَارِي وَنَحْوِهَا، أَوْ صَلَاتُهُ خَلْفَ إمَامٍ بَعِيدٍ عَنْ حَائِطِ الْمِحْرَابِ.
قَوْلُهُ: (وَيُؤْخَذُ إلَخْ) هُوَ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ، مِنْ تَقْدِيمِ الِاجْتِهَادِ عَلَى الْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَيْهِ بِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ شَرْطَ الِاجْتِهَادِ فَقْدُ الْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ.
قَوْلُهُ: (أَخَذَ بِقَوْلِ ثِقَةٍ) هُوَ عَدْلُ الرِّوَايَةِ كَمَا يَأْتِي قَوْلُهُ: (يُخْبِرُ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ، أَخْبَرَ وَعَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ مَعَ إخْبَارِهِ، لِيُفِيدَ أَنَّ وُجُودَهُ مَانِعٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَلَوْ قَبْلَ إخْبَارِهِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ فَيَجِبُ سُؤَالُهُ حَيْثُ لَا مَشَقَّةَ، وَكَانَ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ طَلَبُ الْمَاءِ مِنْهُ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (عَنْ عِلْمٍ) كَرُؤْيَتِهِ لِلْكَعْبَةِ أَوْ لِنَحْوِ الْمِحْرَابِ السَّابِقِ، وَلَيْسَ مِنْهُ الْإِخْبَارُ بِرُؤْيَةِ الْقُطْبِ وَنَحْوِهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَدِلَّةِ الِاجْتِهَادِ كَمَا يَأْتِي وَأَمَّا الْمُخْبِرُ عَنْ الْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ فَهُوَ فِي مَرْتَبَتِهِ وَإِنْ قُدِّمَ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْفَاسِقِ) .
قَالَ شَيْخُنَا: مَا لَمْ يُصَدِّقْهُ، وَمِنْهُ الْكَافِرُ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُمَيِّزِ) مَا لَمْ يُصَدِّقْهُ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ يَقُولَ، وَغَيْرِ الْبَالِغِ لِأَنَّ الْخَارِجَ بِالْقَيْدِ مَا لَا يُجَامِعُهُ، وَلَعَلَّهُ نَظَرَ إلَى مَا يُمْكِنُ مِنْهُ الْإِخْبَارُ.
(تَنْبِيهٌ) يُقَدَّمُ بَعْدَ الْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ رُؤْيَةُ مِحْرَابٍ ثَبَتَ بِالْآحَادِ، أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى إلَيْهِ أَوْ الْإِخْبَارُ بِهِ، وَبَعْدَهُ مِحْرَابٌ مُعْتَمَدٌ بِأَنْ كَثُرَ طَارِقُوهُ الْعَارِفُونَ، وَلَمْ يَطْعَنُوا فِيهِ، وَلَوْ بِبَلَدٍ صَغِيرٍ وَفِي مَرْتَبَتِهِ بَيْتُ الْإِبْرَةِ الْمَعْرُوفُ، فَلَا يَجْتَهِدُ مَعَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
نَعَمْ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِي هَذَيْنِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، فَخِلَافُ مَا قَبْلَهُمَا مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ.
(فَائِدَةٌ) أَصْلُ الْمِحْرَابِ صَدْرُ الْمَجْلِسِ لُغَةً، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُحَارِبُ فِيهِ الشَّيْطَانَ، وَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ وَلَا بِمَنْ فِيهِ خِلَافًا لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ فُقِدَ) أَيْ الثِّقَةُ الْمُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ وَكَذَا مَا أُلْحِقَ بِهِ مِمَّا ذُكِرَ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ طَلَبُ الْمَاءِ مِنْهُ، أَوْ لَحِقَ بِهِ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً قَوْلُهُ: (بِأَنْ كَانَ عَارِفًا بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ) هُوَ تَصْوِيرٌ لِإِمْكَانِ الِاجْتِهَادِ، وَلَا بُدَّ
[حاشية عميرة]
الثَّانِيَةِ، كَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (عِلْمُ الْقِبْلَةِ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَمِحْرَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ وَكُلُّ مَوْضِعٍ ثَبَتَتْ صَلَاتُهُ فِيهِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْكَعْبَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ فِيهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (حَرُمَ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ) لَوْ قَالَ بَدَلَهُ.
الرُّجُوعُ إلَى غَيْرِهِ، لَكَانَ أَوْلَى لِيُوَافِقَ عِبَارَةَ الرَّوْضَةِ الْآتِيَةَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَخَذَ بِقَوْلِ ثِقَةٍ) مِثْلُ ذَلِكَ الْمَحَارِيبُ الْمَوْجُودَةُ
فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُ صَلَّى كَيْفَ كَانَ، وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ (وَإِنْ تَحَيَّرَ) الْمُجْتَهِدُ لِغَيْمٍ أَوْ ظُلْمَةٍ أَوْ تَعَارُضِ أَدِلَّةٍ (لَمْ يُقَلِّدْ فِي الْأَظْهَرِ) لِجَوَازِ زَوَالِ التَّحَيُّرِ عَنْ قُرْبٍ (وَصَلَّى كَيْفَ كَانَ) لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ (وَيَقْضِي) وُجُوبًا.
وَالثَّانِي يُقَلِّدُ وَلَا يَقْضِي.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالْخِلَافُ جَارٍ سَوَاءٌ ضَاقَ الْوَقْتُ أَمْ لَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْإِمَامُ: مَحَلُّهُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ قَبْلَ ضِيقِهِ قَطْعًا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، انْتَهَى.
وَسَكَتَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَلَى مَقَالَةِ الْإِمَامِ وَأَنَّهُ قَالَ بَعْدَهَا: وَفِيهِ أَيْ التَّقْلِيدِ احْتِمَالٌ مِنْ التَّيَمُّمِ أَوَّلَ الْوَقْتِ.
(وَيَجِبُ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَحْضُرُ) مِنْ الْخَمْسِ أَدَاءً كَانَتْ أَوْ قَضَاءً (عَلَى الصَّحِيحِ) إذْ
[حاشية قليوبي]
أَنْ يَكُونَ مَعْرِفَةُ الْأَدِلَّةِ مِنْ مُعَلِّمٍ مُسْلِمٍ أَوْ مِنْ كَافِرٍ بَلَغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ، أَوْ أَقَرَّ عَلَيْهَا مُسْلِمٌ عَارِفٌ وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِهَا، وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا وَإِنْ صَدَقَ الْمُعَلِّمُ عَلَيْهِ.
قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَاعْتَمَدَهُ وَتَقَدَّمَ عَنْ شَيْخِنَا اعْتِبَارُ التَّصْدِيقِ.
قَوْلُهُ: (وَالنُّجُومِ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَمِنْهَا قَلْبُ الْعَقْرَبِ الَّذِي هُوَ نَصٌّ فِي قِبْلَةِ مِصْرَ عِنْدَ طُلُوعِهِ مِنْ الْأُفُقِ، وَمِنْهَا الْكَوْكَبُ الْمُسَمَّى بِالْجَدْيِ بِالتَّصْغِيرِ وَبِالْقُطْبِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ، وَبِالْوَتَدِ وَبِفَاسِ الرَّحَى، وَهُوَ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ وَأَعَمُّهَا لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ لِمُلَازَمَتِهِ مَكَانَهُ، فَيُجْعَلُ فِي الْيَمَنِ قُبَالَةَ الْوَجْهِ، وَفِي نَحْوِ الشَّامِ خَلْفَ الظَّهْرِ، وَفِي نَحْوِ الْعِرَاقِ خَلْفَ الْأُذُنِ الْيُمْنَى، وَفِي نَحْوِ مِصْرَ خَلْفَ الْأُذُنِ الْيُسْرَى، وَقَدْ قِيلَ فِي ذَلِكَ نَظْمًا:
مَنْ وَاجَهَ الْقُطْبَ بِأَرْضِ الْيَمَنْ ... وَعَكْسُهُ الشَّامُ بِخَلْفِ الْأُذُنْ
عِرَاقُ الْيُمْنَى وَيُسْرَى مِصْر ... قَدْ صَحَّحَ اسْتِقْبَالَهُ فِي الْعُمُرْ
قَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ إلَخْ) هُوَ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا ذُكِرَ لِيَخْرُجَ بِهِ مَعْرِفَةُ ذَوَاتِهَا، وَأَسْمَائِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ) مِنْ الْأَدِلَّةِ الْجِبَالُ وَالرِّيَاحُ، وَهِيَ أَضْعَفُهَا وَأُصُولُهَا أَرْبَعٌ: الشَّمَالُ وَيُقَالُ لَهَا الْبَحْرِيَّةُ، وَمَبْدَؤُهَا مِنْ الْقُطْبِ الْمُتَقَدِّمِ، فَلَهَا حُكْمُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَيُقَاسَ عَلَيْهَا غَيْرُهَا مِمَّا يُنَاسِبُهَا، وَيُقَابِلُهَا الْجَنُوبُ، وَيُقَالُ لَهَا الْقِبْلِيَّةُ لِكَوْنِهَا إلَى جِهَةِ قِبْلَةِ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ، وَمَبْدَؤُهَا مِنْ نُقْطَةِ الْجَنُوبِ وَالصَّبَا، وَيُقَالُ لَهَا الشَّرْقِيَّةُ، وَمَبْدَؤُهَا مِنْ نُقْطَةِ الْمَشْرِقِ، وَيُقَابِلُهَا الدَّبُورُ، وَيُقَالُ لَهَا الْغَرْبِيَّةُ، وَمَبْدَؤُهَا مِنْ نُقْطَةِ الْمَغْرِبِ.
قَوْلُهُ: (حَرُمَ التَّقْلِيدُ) أَيْ الْعَمَلُ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ وَلَوْ أَعْلَى مِنْهُ مَعْرِفَةً.
قَوْلُهُ: (وَوَجَبَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ) وَلَوْ عَلَى الْأَعْمَى.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَحَيَّرَ لَمْ يُقَلِّدْ) أَيْ إنْ كَانَ بَصِيرًا وَإِلَّا فَلَهُ التَّقْلِيدُ وَلَوْ لِأَعْمَى أَقْوَى إدْرَاكًا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُ) أَيْ الِاجْتِهَادُ صَلَّى فَلَا يُصَلِّي قَبْلَ ضِيقِهِ لِأَنَّهُ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ.
قَالَ شَيْخُنَا إلَّا إنْ أَيِسَ مِنْ زَوَالِ التَّحَيُّرِ، فَيُصَلِّي وَقْتَ يَأْسِهِ وَلَوْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ وَفَارَقَ مَنْ عَلِمَ مَاءً فِي حَدِّ الْغَوْثِ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ طَلَبُهُ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ لِتَيَقُّنِ الْمَاءِ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْخِلَافُ) أَيْ الْأَظْهَرُ فِي أَنَّهُ لَا يُقَلِّدُ، وَمُقَابِلُهُ جَازَ سَوَاءٌ ضَاقَ الْوَقْتُ أَمْ لَا.
فَالتَّعْلِيلُ بِحُرْمَةِ الْوَقْتِ يُرَادُ بِهِ عَدَمُ خُلُوِّ الْوَقْتِ عَنْ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْإِمَامُ مَحَلُّهُ) أَيْ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (وَسَكَتَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَلَى مَقَالَةِ الْإِمَامِ) أَيْ ارْتَضَاهَا وَحِينَئِذٍ فَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ طُرُقٍ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ قَالَ) أَيْ وَسَكَتَ فِي الرَّوْضَةِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ قَالَ إلَخْ.
وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْخِلَافَ قَبْلَ آخِرِ الْوَقْتِ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَحْثِ الْإِمَامِ، وَهُوَ مُعَارِضٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ جَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ، فَسُكُوتُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَفِيهِ) أَيْ التَّقْلِيدِ احْتِمَالٌ بِجَوَازِهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ) وَلَوْ عَلَى الصَّبِيِّ، وَمِثْلُهُ تَجْدِيدُ الْأَعْمَى، وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِمَنْ تَحَيَّرَ فِي وَقْتِ السَّابِقَةِ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ لِإِمْكَانِ زَوَالِ التَّحَيُّرِ فِي هَذِهِ.
قَوْلُهُ: (لِكُلِّ صَلَاةٍ تَحْضُرُ) أَيْ يَدْخُلُ وَقْتُ فِعْلِهَا بِدَلِيلِ شُمُولِهِ لِلْمَقْضِيَّةِ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ قَوْلُهُ: (مِنْ الْخَمْسِ) وَمِنْهَا الْمُعَادَةُ وُجُوبًا وَخَرَجَ بِهَا غَيْرُهَا مِمَّا يَحْضُرُ وَقْتُ فِعْلِهِ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ
[حاشية عميرة]
فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ السَّالِمَةُ مِنْ الطَّعْنِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (بِأَنْ كَانَ عَارِفًا بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ) أَيْ أَوْ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ مُطْلَقًا عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ، أَوْ بِشَرْطِ السَّفَرِ عَلَى الْمُخْتَارِ فِي الرَّوْضَةِ كَمَا سَيَأْتِي كُلُّ ذَلِكَ آخِرَ الصَّفْحَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَيْ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ: فَيَحْرُمُ التَّقْلِيدُ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَسَكَتَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَلَى مَقَالَةِ الْإِمَامِ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: نَقَلَ الرَّافِعِيُّ كَلَامَ الْإِمَامِ وَأَقَرَّهُ ثُمَّ جَزَمَ فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى لَفْظِ الْوَجِيزِ بِأَنَّ الْإِطْلَاقَ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ، وَغَفَلَ عَنْهُ فِي الرَّوْضَةِ، فَنَقَلَ كَلَامَ الْإِمَامِ سَاكِتًا عَلَيْهِ، انْتَهَى.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَفِيهِ أَيْ التَّقْلِيدِ احْتِمَالٌ مِنْ التَّيَمُّمِ أَوَّلَ الْوَقْتِ) أَيْ إذَا عَلِمَ وُصُولَهُ إلَى الْمَاءِ آخِرَهُ.
لَائِقَةٌ بِبَقَاءِ الظَّنِّ بِالْأَوَّلِ، وَالثَّانِي لَا يَجِبُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الظَّنِّ، وَلَا يَجِبُ لِلنَّافِلَةِ جَزْمًا، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ بِمَا إذَا لَمْ يُفَارِقْ مَوْضِعَهُ كَمَا فِي طَلَبِ الْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ حَتَّى إذَا فَارَقَهُ يَجِبُ التَّجْدِيدُ جَزْمًا.
وَفَرَّقَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الطَّلَبَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ الْعَدَمِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَأَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ أَكْثَرُهَا سَمَاوِيَّةٌ لَا تَخْتَلِفُ دَلَالَتُهَا بِالْمَسَافَاتِ الْقَرِيبَةِ.
نَعَمْ الْخِلَافُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَاكِرَ دَلِيلِ الِاجْتِهَادِ، فَالذَّاكِرُ دَلِيلَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَجْدِيدُهُ قَطْعًا كَمَا.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ فِي مَسْأَلَةِ وُقُوعِ الْحَادِثَةِ مَرَّةً أُخْرَى لِلْمُجْتَهِدِ الْمَقِيسَةِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْقِبْلَةِ إنَّهُ إنْ كَانَ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّجْدِيدُ قَطْعًا.
(وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الِاجْتِهَادِ وَتَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ كَأَعْمَى) لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ لَهَا وَبَصِيرٍ لَهُ أَهْلِيَّةُ مَعْرِفَتِهَا.
(قَلَّدَ ثِقَةً عَارِفًا) بِهَا وَلَوْ كَانَ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً بِخِلَافِ الْفَاسِقِ وَالْمُمَيِّزِ وَلَا يَقْضِي مَا يُصَلِّيهِ بِالتَّقْلِيدِ، وَيُعِيدُ فِيهِ السُّؤَالَ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَحْضُرُ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ فِي تَجْدِيدِ الِاجْتِهَادِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِفَايَةِ.
(وَإِنْ قَدَرَ) الشَّخْصُ عَلَى تَعَلُّمِهَا (فَالْأَصَحُّ وُجُوبُ التَّعَلُّمِ) عَلَيْهِ (فَيَحْرُمُ التَّقْلِيدُ) فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ التَّعَلُّمِ صَلَّى كَيْفَ كَانَ وَأَعَادَ وُجُوبًا.
وَالثَّانِي لَا يَجِبُ التَّعَلُّمُ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ، بَلْ هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ، وَلَا يَقْضِي مَا يُصَلِّيهِ بِهِ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ.
وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: الْمُخْتَارُ مَا قَالَهُ غَيْرُهُ إنَّهُ إنْ أَرَادَ سَفَرًا
[حاشية قليوبي]
وَالنَّافِلَةِ، وَلَوْ مُؤَقَّتَةً وَمِنْهَا الْمُعَادَةُ نَدْبًا خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَأَلْحَقَ الْإِسْنَوِيُّ الْمَنْذُورَةَ بِالْخَمْسِ وَضَعَّفَ.
قَوْلُهُ: (وَفَرَّقَ الرَّافِعِيُّ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْخِلَافُ لَا الْحُكْمُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْمُرَادُ بِالْمَسَافَةِ أَيْ الْقَرِيبَةِ مَا وَافَقَتْ فِي الْإِقْلِيمِ الْوَاحِدِ، وَبِالْبَعِيدَةِ مَا خَالَفَتْ فِيهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ فَرَاجِعْهُ.
. قَوْلُهُ: (لِذَاكِرٍ لِدَلِيلِهِ) أَيْ الِاجْتِهَادُ عِنْدَ حُضُورِ الْفَرْضِ الثَّانِي لَمْ يَحْتَجْ إلَى اجْتِهَادٍ، وَظَاهِرُ هَذَا جَوَازُ الْفَرْضِ الْأَوَّلِ وَإِنْ نَسِيَ فِيهِ الدَّلِيلَ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِيهِ، كَأَنْ أَخَّرَهُ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ وَهُوَ الَّذِي مَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا آخِرًا، وَاعْتَمَدَهُ وَفَارَقَ الْمُعَادَةَ لِفَسَادِ الْأُولَى، بِأَنَّهَا فَرْضٌ ثَانٍ صُورَةً، وَمَعْنًى، تَذَكُّرُ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ أَنْ لَا يَنْسَى مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ فِي الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ، كَالشَّمْسِ أَوْ الْقُطْبِ، وَقِيلَ أَنْ لَا يَنْسَى الْجِهَةَ الَّتِي صَلَّى إلَيْهَا أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الِاجْتِهَادِ وَتَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ) فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْأَدِلَّةِ عَدَمُ مَعْرِفَتِهَا، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهَا، لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، تَفْسِيرٌ لِلْعَجْزِ فِي ذَاتِهِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَيَجُوزُ تَعَلُّمُهَا مِنْ كَافِرٍ، كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِحُرْمَتِهِ، وَعَلَى كُلٍّ لَا يَعْتَمِدُهَا إلَّا إنْ أَقَرَّ عَلَيْهَا مُسْلِمٌ عَارِفٌ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (قَلَّدَ ثِقَةً عَارِفًا) أَيْ بِالْأَدِلَّةِ يَجْتَهِدُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُمَيِّزِ) .
قَالَ شَيْخُنَا مَا لَمْ يُصَدِّقْهُ، وَمِثْلُهُ الْفَاسِقُ، وَمِنْهُ الْكَافِرُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْضِي مَا يُصَلِّيهِ بِالتَّقْلِيدِ) أَيْ إنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْخَطَأُ، فَلَوْ أَبْصَرَ الْأَعْمَى أَوْ زَالَتْ الظُّلْمَةُ، فَرَأَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الصَّوَابِ أَعَادَهَا إنْ كَانَ بَعْدَهَا، وَاسْتَأْنَفَهَا إنْ كَانَ فِيهَا لِبُطْلَانِهَا، وَلَوْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ عَارِفَانِ، فَلَهُ تَقْلِيدُ أَيِّهِمَا شَاءَ، لَكِنْ يُنْدَبُ تَقْدِيمُ الْأَوْثَقِ وَالْأَعْلَمِ، وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ فَيَتَحَوَّلُ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ، نَعَمْ إنْ قَالَ لَهُ الثَّانِي أَنْتَ عَلَى الْخَطَأِ قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَعْلَمَ أَوْ قَالَ لَهُ أَخْطَأَ بِك الْأَوَّلُ، وَكَانَ هُوَ أَعْلَمُ وَجَبَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ مُطْلَقًا، وَلَوْ فِيهَا فَيَتَحَوَّلُ وُجُوبًا إنْ ظَهَرَ لَهُ الصَّوَابُ مُقَارِنًا لِلْخَطَّاءِ، كَأَنْ أَخْبَرَهُ بِهِ أَيْضًا وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ الصَّوَابُ حَالًا، وَفَارَقَ هَذَا مَا قَبْلَهُ بِدَعْوَى الْخَطَّاءِ فِي هَذَا دُونَ ذَاكَ.
قَوْلُهُ: (وَيُعِيدُ فِيهِ السُّؤَالَ) أَيْ وُجُوبًا وَيَلْزَمُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْمَسْئُولِ، لِأَنَّهُ يَجْتَهِدُ لَهُ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ السُّؤَالِ إنْ لَمْ تَكُنْ مَشَقَّةٌ بِمَا يُسْقِطُ الْجُمُعَةَ، وَالْأَصْلِيَّ وَأَعَادَ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ قَدَرَ بِمَا يَصْرِفُهُ فِي الْحَجِّ) وَلَوْ بِالسَّفَرِ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَتُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ فِي الْمُسْلِمِ مِنْ بُلُوغِهِ وَفِي الْكَافِرِ مِنْ إسْلَامِهِ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (الشَّخْصُ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لَيْسَ عَائِدًا لِمَنْ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ فَقَطْ، كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَإِلَى شُمُولِهِ لِغَيْرِ الذَّكَرِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) أَفَادَ كَلَامُهَا وُجُوبَ التَّعَلُّمِ عَيْنًا عَلَى الْمُنْفَرِدِ سَفَرًا، وَحَضَرًا وَكِفَايَةً عَلَى غَيْرِهِ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إنْ وُجِدَ مِحْرَابٌ مُعْتَمَدٌ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ، فِي طَرِيقِهِ أَوْ مَقْصِدِهِ أَوْ وُجِدَ عَارِفٌ، وَلَوْ وَاحِدًا فِي بَلَدٍ كَبِيرٍ أَوْ رَكْبٍ، وَإِنْ كَبَّرَ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ، وَإِلَّا فَفَرْضُ عَيْنٍ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهَا عَلَيْهِ بِأَنْ يُرَادَ بِالسَّفَرِ فِيهَا عَدَمُ الْعَارِفِ، وَبِالْحَضَرِ وُجُودُهُ وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ تَعَلُّمُ أَدِلَّتِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَرْجُوحِ الْمَفْهُومِ مِنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ مَنْ يُوثَقُ بِهِ أَنَّهُ سَاقِطٌ مِنْ نُسْخَةِ الْمُؤَلِّفِ، وَأَنَّ وَلَدَهُ أَلْحَقَهُ بِهَامِشِهَا مُصَحِّحًا عَلَيْهِ، وَالْوَجْهُ إسْقَاطُهُ كَمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ لِلْمُتَمَكِّنِ مِنْ التَّعْلِيمِ أَنْ يُقَلِّدَ عَارِفًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ عَارِفًا فَلَا يُنَافِي مَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَلَى الصَّحِيحِ) هَذَا الْخِلَافُ يَجْرِي فِي الْمُفْتِي فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَفِي الْمُقَلِّدِ هُنَا أَيْ فِي الْقِبْلَةِ، وَهُنَاكَ، وَفِي الشَّاهِدِ إذَا زَكَّى ثُمَّ شَهِدَ ثَانِيًا بَعْدَ طُولِ الزَّمَنِ، وَفِي طَلَبِ الْمُتَيَمِّمِ الْمَاءَ إذَا لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ مَوْضِعِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قَلَّدَ ثِقَةً) لَوْ اخْتَلَفَ مُجْتَهِدَانِ فَالْأَحَبُّ تَقْلِيدُ الْأَعْلَمِ، قِيلَ: يَجِبُ فَإِنْ اسْتَوَيَا تَخَيَّرَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَالْأَصَحُّ وُجُوبُ التَّعَلُّمِ) كَالْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ مِنْ
فَفَرْضُ عَيْنٍ وَإِلَّا فَفَرْضُ كِفَايَةٍ، وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ.
(وَمَنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ فَتَيَقَّنَ الْخَطَأَ) فِي الْجِهَةِ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ (قَضَى فِي الْأَظْهَرِ) وَالثَّانِي لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ لِعُذْرِهِ بِالِاجْتِهَادِ.
(فَلَوْ تَيَقَّنَهُ فِيهَا وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا) بِنَاءً عَلَى الْقَضَاءِ، وَيَنْحَرِفُ عَلَى مُقَابِلِهِ إلَى جِهَةِ الصَّوَابِ وَيُتِمُّهَا.
(وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ) فَظَهَرَ لَهُ الصَّوَابُ فِي جِهَةٍ غَيْرِ جِهَةِ الْأَوَّلِ (عَمِلَ بِالثَّانِي وَلَا قَضَاءَ) لِمَا فَعَلَهُ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ وَسَوَاءٌ تَغَيَّرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَمْ فِيهَا (حَتَّى لَوْ صَلَّى) صَلَاةً (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ بِالِاجْتِهَادِ) أَرْبَعَ مَرَّاتٍ (فَلَا قَضَاءَ) لَهَا لِمَا ذُكِرَ وَيَنْدَرِجُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ الْخَطَأُ فِي
[حاشية قليوبي]
لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يُقَلِّدَ مُجْتَهِدًا آخَرَ، لِأَنَّهُ فِي الْعَارِفِينَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِالِاجْتِهَادِ) أَيْ بِسَبَبِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ مُقَلِّدِهِ، وَكَذَا بِخَبَرِ ثِقَةٍ عَنْ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، مِمَّا مَرَّ كَالْمِحْرَابِ.
قَوْلُهُ: (فَتَيَقَّنَ الْخَطَأَ) وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الصَّوَابُ، وَالْمُرَادُ بِالْيَقِينِ مَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ الِاجْتِهَادُ فَيَشْمَلُ خَبَرَ الثِّقَةِ، الْمُعَايِنِ لِلْكَعْبَةِ أَوْ الْقُطْبِ أَوْ الْمِحْرَابِ الْمُعْتَمَدِ، وَخَرَجَ بِهِ الظَّنُّ وَلَوْ بِخَبَرِ الثِّقَةِ كَمَا مَرَّ.
نَعَمْ لَا عِبْرَةَ بِتَرَدُّدٍ يَحْصُلُ فِي حَالِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (قَضَى) أَيْ لَزِمَهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ ثَانِيًا لِاسْتِقْرَارِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَلَوْ فِي الْوَقْتِ وَلَا يَفْعَلُ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ الصَّوَابُ، وَلَوْ بَعْدَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْيَقِينِ بِالصَّبْرِ أَوْ بِالِانْتِقَالِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ عَدَمَ لُزُومِ الْقَضَاءِ بِالْأَكْلِ نَاسِيًا فِي الصَّوْمِ، وَبِالْخَطَإِ فِي وُقُوفِ عَرَفَةَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ وُقُوعَ الْخَطَإِ فِي الْقَضَاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا) بِمَعْنَى أَنَّ فِعْلَهَا يَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا إذَا ظَهَرَ لَهُ الصَّوَابُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (يَظْهَرُ لَهُ الصَّوَابُ) أَيْ مُقَارِنًا لِظُهُورِ الْخَطَأِ أَوْ عَقِبَهُ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ زَمَنٍ، وَإِلَّا بَطَلَتْ كَمَا مَرَّ، لِتَأَذِّي جُزْءٍ مِنْهَا لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ بِغَيْرِ ظَنِّهَا.
قَوْلُهُ: (عَمِلَ بِالثَّانِي) وُجُوبًا مُطْلَقًا إنْ كَانَ أَرْجَحَ، فَإِنْ تَسَاوَيَا امْتَنَعَ الْعَمَلُ بِالثَّانِي فِيهَا، وَتَخَيَّرَ قَبْلَهَا وَيُعِيدُ مَا فَعَلَهُ، كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ لِتَرَدُّدِهِ حَالَ الشُّرُوعِ.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ إلَخْ) هَذَا التَّعْمِيمُ صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ الْقَضَاءِ، لَا لِلْعَمَلِ بِالثَّانِي كَمَا عَلِمْت، وَفَائِدَةُ الْعَمَلِ بِالثَّانِي بَعْدَهَا، بِالنِّسْبَةِ لِصَلَاةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ) وَكَذَا أَكْثَرُ فِي أَكْثَرَ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَطَأٌ فِيهَا، أَوْ بَعْدَهَا فِي جِهَةٍ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَيَنْدَرِجُ فِيهَا إلَخْ) أَيْ وَالتَّخْصِيصُ بِالْجِهَةِ أَوْلَى مُرَاعَاةً لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ فِيهَا انْحِرَافٌ) أَيْ إنْ كَانَ الثَّانِي أَرْجَحَ كَمَا مَرَّ.
[حاشية عميرة]
شُرُوطِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (بَلْ هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) أَيْ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ نَادِرَةٌ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (إنْ أَرَادَ سَفَرًا فَفَرْضُ عَيْنٍ) أَيْ لِكَثْرَةِ الِاشْتِبَاهِ فِيهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَتَيَقَّنَ الْخَطَأَ) أَيْ وَلَوْ بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ وَمِثْلُهُ مَحَارِيبُ الْمُسْلِمِينَ السَّالِمَةُ مِنْ الطَّعْنِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قَضَى) يُوهِمُ اخْتِصَاصَ الْخِلَافِ بِمَا بَعْدَ الْوَقْتِ كَمَا فِي نَظِيرِ ذَلِكَ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي الْوَقْتِ، لَكِنْ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ الْقِبْلَةِ لِابْنِ الْقَاصِّ جَرَيَانُ الْقَوْلَيْنِ مُطْلَقًا كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ، ثُمَّ مَا ذُكِرَ هُنَا فِي الْمُجْتَهِدِ إذَا تَيَقَّنَ الْخَطَأَ أَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ يَجْرِي فِي الْمُقَلِّدِ إذَا أَخْبَرَ مَنْ قَلَّدَهُ بِتَيَقُّنِ الْخَطَأِ أَوْ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ ثَالِثٌ هُوَ أَعْلَمُ مِنْ الَّذِي قَلَّدَهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي الْأَظْهَرِ) أَيْ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِيمَا يَأْمَنُ مِثْلَهُ فِي الْقَضَاءِ بِخِلَافِ الْخَطَأِ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَبِخِلَافِ الْأَكْلِ نَاسِيًا فِي الصَّوْمِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَالثَّانِي لَا يَجِبُ) هُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ لِعُذْرٍ فَكَانَ كَالتَّرْكِ لِلْقِتَالِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَضِيَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ فِي تَحَوُّلِهِمْ لَمَّا بَلَغَهُمْ النَّسْخُ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ النَّسْخَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِمْ إلَّا بَعْدَ الْخَبَرِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ ثَبَتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُمْ كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِنَصٍّ فَلَا يُنْسَبُونَ إلَى تَقْصِيرٍ بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِ فَقَدْ يَكُونُ قَصَّرَ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (بِنَاءٌ عَلَى الْقَضَاءِ) قَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْمَتْنُ بِقَوْلِهِ: فَلَوْ بِالْفَاءِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَيَنْحَرِفُ إلَخْ) اسْتَدَلَّ لَهُ بِقِصَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ) أَيْ وَلَوْ قُلْنَا بِعَدَمِ وُجُوبِ إعَادَةِ الِاجْتِهَادِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (فَظَهَرَ لَهُ الصَّوَابُ) يُرِيدُ أَنَّ مَحَلَّ الْعَمَلِ بِالثَّانِي إذَا اقْتَرَنَ ظُهُورُ الصَّوَابِ بِظُهُورِ الْخَطَأِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَهُوَ مُتَحَيِّرٌ، أَيْ فَلَا يُقَلِّدُ وَيُصَلِّي كَيْفَ كَانَ وَيَقْضِي، وَإِنْ كَانَ فِيهَا وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الصَّوَابِ عَنْ قُرْبٍ لِمُضِيِّ جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ إلَى غَيْرِ قِبْلَةٍ مَحْسُوبَةٍ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَالْمُرَادُ بِالْمُقَارَنَةِ أَنْ يَظْهَرَا مَعًا أَوْ يَظْهَرَ الصَّوَابُ عَقِبَ ظُهُورِ الْخَطَأِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ، انْتَهَى.
فَلَا إشْكَالَ فِي قَوْلِنَا، يُرِيدُ أَنَّ مَحَلَّ الْعَمَلِ إلَخْ، وَاعْلَمْ أَنَّ الِاجْتِهَادَ الثَّانِيَ إذَا كَانَ مُسَاوِيًا لِلْأَوَّلِ، فَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَصَوَّبَهُ الطَّبَرِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ وُجُوبُ الْبَقَاءِ عَلَى الْجِهَةِ الْأُولَى، فَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ وُجُوبِ التَّحَوُّلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْضًا أَخْذًا بِإِطْلَاقِ الْجُمْهُورِ مَرْدُودٌ، بَلْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّهُ بَاطِلٌ وَمُخَالِفٌ لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ مِنْ وُجُوبِ الِاسْتِئْنَافِ، وَعِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ
التَّيَامُنِ أَوْ التَّيَاسُرِ، فَإِنْ تَيَقَّنَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَعَادَهَا، أَوْ فِيهَا اسْتَأْنَفَهَا عَلَى الْأَظْهَرِ فِيهِمَا، وَإِنْ ظَنَّهُ بِالِاجْتِهَادِ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ يُؤَثِّرْ أَوْ فِيهَا انْحَرَفَ وَأَتَمَّهَا.
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ أَيْ كَيْفِيَّتِهَا، وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى فُرُوضٍ تُسَمَّى أَرْكَانًا، وَعَلَى سُنَنٍ تَأْتِي مَعَهَا
(أَرْكَانُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ) وَفِي الرَّوْضَةِ سَبْعَةَ عَشَرَ عُدَّ مِنْهَا الطُّمَأْنِينَةُ فِي مَحَالِّهَا الْأَرْبَعَةِ مِنْ الرُّكُوعِ وَمَا بَعْدَهُ أَرْكَانًا وَجَعَلَهَا هُنَا كَالْجُزْءِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ اخْتِلَافٌ فِي اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى.
(النِّيَّةُ) وَهِيَ الْقَصْدُ (فَإِنْ صَلَّى فَرْضًا) أَيْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ مَا هُوَ فَرْضٌ (وَجَبَ قَصْدُ فِعْلِهِ) بِأَنْ يَقْصِدَ فِعْلَ الصَّلَاةِ
[حاشية قليوبي]
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ السُّبْكِيُّ: مَحَلُّ جَوَازِ تَقْلِيدِ مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِيهَا خَطَأٌ بِاجْتِهَادِهِ فِيهَا، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهَا اهـ.
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ.
أَيْ بَيَانِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ ذَاتُهَا، وَلَمَّا كَانَتْ الصِّفَةُ أَصَالَةً لِلْأَمْرِ الْحَالِّ عِنْدَ الذَّاتِ الْقَائِمِ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَ لَازِمًا لَهَا أَوْ لَا، وَهَذَا لَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ هُنَا لِأَنَّهُ يُخْرِجُ الْأَرْكَانَ الْمَقْصُودَةَ بِالذَّاتِ، احْتَاجَ إلَى تَفْسِيرِ الصِّفَةِ بِالْكَيْفِيَّةِ الَّتِي هِيَ اسْمٌ لِلْأَرْكَانِ وَالسُّنَنِ، وَالشُّرُوطِ لِأَنَّهَا مِنْ كَيْفِيَّاتِ الْفِعْلِ أَيْ كَوْنِ أَفْعَالِهَا مُقَارِنَةً لِلْوُضُوءِ مَثَلًا، وَبِذَلِكَ صَحَّ اشْتِمَالُهَا عَلَى الشُّرُوطِ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيْ الْكَيْفِيَّةُ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِلصَّلَاةِ، لِأَنَّهَا اسْمٌ حَقِيقَةً لِلْأَرْكَانِ خَاصَّةً، وَلِهَذَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا كَفَاهُ، وَكَانَتْ صَلَاةً حَقِيقَةً، وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّهُ سُمِّيَ مَا يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ بَعْضًا لِشَبَهِهِ لِلْبَعْضِ الْحَقِيقِيِّ، لَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ مَا يُجْزِئُ مِنْ الْأَرْكَانِ، لَيْسَ مِنْهَا لِأَنَّا نَقُولُ مَفْهُومُ الرُّكْنِ يَشْمَلُهُ مُطْلَقًا، كَمَا أَنَّ مَفْهُومَهَا يَشْمَلُ غَيْرَ الْأَرْكَانِ، مِمَّا هُوَ مِنْهَا لِدُخُولِهِ فِي نِيَّتِهَا.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى سُنَنٍ) وَيُسَمَّى مَا يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ مِنْهَا بَعْضًا وَمَا لَا يُجْبَرُ هَيْئَةً، وَسَكَتَ عَنْ الشُّرُوطِ، لِعَدَمِ ذِكْرِهَا فِي الْبَابِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْكَيْفِيَّةِ كَمَا مَرَّ.
وَقَوْلُهُمْ شُبِّهَتْ الصَّلَاةُ بِالْإِنْسَانِ، فَرُكْنُهَا كَرَأْسِهِ وَشَرْطُهَا كَحَيَاتِهِ، وَبَعْضُهَا كَعُضْوِهِ وَهَيْئَتُهَا كَشَعْرِهِ، أَرَادُوا بِهَا الصَّلَاةَ بِاعْتِبَارِ كَيْفِيَّتِهَا الْمَفْعُولَةِ، لَا بِحَسَبِ مَفْهُومِهَا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (كَالْجُزْءِ) أَيْ بِدَلِيلِ عَدَمِ اعْتِبَارِهَا رُكْنًا فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ.
قَوْلُهُ: (دُونَ الْمَعْنَى) لِأَنَّهَا لَا بُدَّ مِنْهَا مُطْلَقًا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَدَارُكِهَا إذَا شَكَّ فِي فِعْلِهَا مَثَلًا، وَلَمْ يَعْدُو الْمُصَلِّي رُكْنًا هُنَا، لِتَحَقُّقِ صُورَةِ الصَّلَاةِ عَقْلًا وَحِسًّا فِي الْخَارِجِ بِدُونِهِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَتْ الصَّوْمَ بِمَعْنَى الْإِمْسَاكِ وَالْبَيْعَ بِمَعْنَى التَّمَلُّكِ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ الْقَصْدُ) أَيْ هِيَ لُغَةً ذَلِكَ، وَمَفْهُومُ الْقَصْدِ يَعُمُّ مَا كَانَ فِيهِ مُلَاحَظَةٌ لِلْفِعْلِ أَوْ لَا، وَمَا كَانَ مُقَارِنًا لِلشُّرُوعِ فِي الْفِعْلِ أَوْ لَا فَإِنْ لُوحِظَ الْفِعْلُ، وَاقْتَرَنَتْ بِأَوَّلِهِ فَهِيَ النِّيَّةُ شَرْعًا، وَلِذَلِكَ يُقَالُ النِّيَّةُ شَرْعًا قَصْدُ الشَّيْءِ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ، فَقَوْلُهُ أَرَادَ أَيْ شَرَعَ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ النِّيَّةَ لُغَةً وَشَرْعًا قَصْدُ الْفِعْلِ مُطْلَقًا وَاعْتِبَارُ الِاقْتِرَانِ مُصَحِّحٌ لَهُ لِيَعْتَدَّ بِهِ مَرْدُودٌ، وَكَذَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ، اعْتِبَارُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْآنِيَةِ فِي النِّيَّةِ، مُخَالِفٌ لِتَعْرِيفِهَا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَرْضًا) أَيْ وَلَوْ مَنْذُورًا أَوْ جِنَازَةً وَتَكْفِي نِيَّةُ النَّذْرِ فِي الْمَنْذُورِ، عَنْ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ وَأَمَّا مَنْذُورُ
[حاشية عميرة]
فِي الْقِطْعَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عَمِلَ بِالثَّانِي مَا نَصُّهُ التَّنْبِيهُ الثَّانِي مَحَلُّ مَا سَبَقَ إذَا رَجَحَ الثَّانِي فَإِنْ اسْتَوَيَا وَكَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إدْرَاكِ الصَّوَابِ عَنْ قُرْبٍ بَطَلَتْ، وَإِنْ قَدَرَ فَهُوَ يَنْحَرِفُ وَيَبْنِي أَوْ يَسْتَأْنِفُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَأَوْلَى بِالِاسْتِئْنَافِ، كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَزَادَ فِي الرَّوْضَةِ الصَّوَابُ الِاسْتِئْنَافُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَمَا ذَكَرَاهُ هُنَا لَا يَسْتَقِيمُ فَرَاجِعْهُ مِنْ الْمُهِمَّاتِ، انْتَهَى.
وَمُرَادُهُ مَا سَلَفَ نَقْلُهُ عَنْهُ كَالْبَغَوِيِّ مِنْ الْبَقَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَوْ فِيهَا انْحَرَفَ وَأَتَمَّهَا) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَا يَعُودُ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْجِهَةِ لِأَنَّ التَّيَامُنَ وَالتَّيَاسُرَ أَسْهَلُ مِنْ الْجِهَةِ، انْتَهَى.
وَالْخِلَافُ السَّابِقُ هُوَ وَجْهٌ مَرْجُوحٌ قَائِلٌ بِأَنَّ تَغَيُّرَ الِاجْتِهَادِ فِي الْجِهَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ مُوجِبٌ لِلِاسْتِئْنَافِ، وَهَذَا الْوَجْهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الشَّارِحُ.
[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ] قَوْلُ الشَّارِحِ: (أَيْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ مَا هُوَ فَرْضٌ) كَأَنَّهُ دَفْعٌ لِمَا اعْتَرَضَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ أَنَّ ضَمِيرَ فِعْلِهِ الْآتِي لَا يَصِحُّ عَوْدُهُ
وَهِيَ هُنَا مَا عَدَا النِّيَّةَ لِأَنَّهَا لَا تُنْوَى وَلِذَلِكَ قِيلَ إنَّهَا شَرْطٌ (وَتَعْيِينُهُ) بِالرَّفْعِ مِنْ ظَهَرَ أَوْ غَيْرِهِ (وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ) مَعَ مَا ذَكَرَ الصَّادِقُ بِالصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ لِتَتَعَيَّنَ بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ لِلصَّلَاةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالثَّانِي يَقُولُ هُوَ مُنْصَرِفٌ إلَيْهَا بِدُونِ هَذِهِ النِّيَّةِ، فَلَا يَجِبُ بِخِلَافِ الْمُعَادَةِ، فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهَا إلَّا بِقَصْدِ الْإِعَادَةِ (دُونَ الْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى) فَلَا تَجِبُ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لَهُ تَعَالَى، وَقِيلَ: تَجِبُ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْإِخْلَاصِ.
(وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ يَصِحُّ الْأَدَاءُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَعَكْسِهِ) هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ
[حاشية قليوبي]
الْإِتْمَامِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى النَّفْلِيَّةِ، وَمِثْلُهُ نَذْرُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الرَّوَاتِبِ مَثَلًا.
وَلَا تَكْفِي نِيَّةُ الْكِفَايَةِ عَنْ نِيَّةِ فَرْضِهَا، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي الْمَنْدُوبِ.
قَوْلُهُ: (مَا هُوَ فَرْضٌ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْضِ مَا يُوصَفُ بِالْفَرْضِيَّةِ، وَلَوْ عَلَى غَيْرِ الْفَاعِلِ فَلَا يُنَافِي مَا بَعْدَهُ، وَيَشْمَلُ صَلَاةَ الصَّبِيِّ، وَالْمُعَادَةَ وَالضَّمِيرُ فِي فِعْلِهِ عَائِدٌ إلَى مَا بِهَذَا الْمَعْنَى فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ هُنَا إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، لِأَنَّ النِّيَّةَ مِنْ الصَّلَاةِ لَا مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّهَا كَالشَّاةِ فِي الزَّكَاةِ تُزَكِّي نَفْسَهَا وَغَيْرَهَا، وَلَا لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ أَيْضًا لِمَا سَيَأْتِي عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ إخْرَاجُ التَّكْبِيرَةِ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا، لِأَنَّهَا يُقْصَدُ بِهَا التَّحَرُّمُ، وَفِعْلُ غَيْرِهَا، وَلَا يَصِحُّ قَصْدُ فِعْلِهَا فِيهَا لِمَا سَتَعْرِفُهُ، وَاخْتَلَفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهَا لَا تُنْوَى، فَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَتَصَوَّرُ نِيَّتَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُرَادِ هُنَا، وَقَدْ عَلِمْت بُطْلَانَهُ، وَقِيلَ إنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ نِيَّتُهَا وَإِنْ أَمْكَنَ مُلَاحَظَتُهَا مُنْفَرِدَةً، كَأَنْ يَنْوِي أَنَّهُ يَنْوِي الصَّلَاةَ مَثَلًا، وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا لِأَنَّ انْفِرَادَهَا بِمَعْنَى سَبْقِهَا الْفِعْلَ، كَمَا مَثَّلَ لَيْسَ مُرَادًا هُنَا، وَمُقْتَضَى عَدَمِ وُجُوبِهَا تَصَوُّرُهَا مَعَ الْمُقَارَنَةِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ إنْ نَوَى مَعَ التَّكْبِيرِ، أَنَّهُ يَنْوِي الْفِعْلَ لَمْ يَصِحَّ تَكْبِيرُهُ، وَلَا صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَوَى نَفْسَ الْفِعْلِ، فَلَيْسَ هَذَا نِيَّةَ النِّيَّةِ، وَسَيَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي نِيَّةِ التَّكْبِيرَةِ فِيهَا فَتَأَمَّلْ.
وَقَوْلُ الْمَنْهَجِ وَلَوْ نَفْلًا هُوَ غَايَةٌ لِلصَّلَاةِ لَا لِلنِّيَّةِ، أَيْ الصَّلَاةِ وَلَوْ نَفْلًا لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ فِعْلِهَا، فَلَا يَكْفِي قَصْدُ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْفِعْلِ، كَمَا قَالَهُ.
وَقَدْ يُقَالُ هُوَ غَايَةٌ لِلِاكْتِفَاءِ بِنِيَّةِ الْفِعْلِ فِي النَّفْلِ، فَلَا يَحْتَاجُ لِلتَّعَرُّضِ لِلنَّفْلِيَّةِ عَلَى الْمُرَجَّحِ الْآتِي، فَهُوَ إشَارَةٌ لِرَدِّ الْخِلَافِ الَّذِي جَرَيَا عَلَى طَرِيقَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَفْعَالِ، أَيْ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، أَوْ لِنِيَّةِ غَيْرِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَلِذَلِكَ قِيلَ إنَّهَا شَرْطٌ) قِيلَ فَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ افْتَتَحَهَا مَعَ مُقَارَنَةِ مُفْسِدٍ، كَخَبَثٍ وَزَالَ قَبْلَ إتْمَامِهَا فَعَلَى الرُّكْنِيَّةِ لَا تَصِحُّ، وَعَلَى الشَّرْطِيَّةِ تَصِحُّ.
وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مُفَادَ الشَّرْطِ وَالرُّكْنِ فِي اعْتِبَارِ الصِّحَّةِ وَاحِدٌ، وَلِأَنَّهُ بِتَمَامِ التَّكْبِيرَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا فَيَلْزَمُ مُقَارَنَةُ جُزْئِيَّتِهَا لِعَدَمِ الشَّرْطِ وَهُوَ مُفْسِدٌ، وَقَدْ صَرَّحُوا فِيمَا يَأْتِي أَنَّ الْكَلَامَ الْكَثِيرَ وَلَوْ سَهْوًا فِي أَثْنَائِهَا مُبْطِلٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ فَافْهَمْ وَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِالرَّفْعِ) أَيْ عَطْفًا عَلَى قَصْدٍ لَا بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى فِعْلِهِ، لِأَنَّ قَصْدَ التَّعْيِينِ لَا يَكْفِي فِي النِّيَّةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ظُهْرٍ أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ كُلِّ مَا يُفِيدُ التَّعْيِينَ فَفِي الظُّهْرِ، نَحْوُ صَلَاةٍ يُسَنُّ الْإِبْرَادُ لَهَا، وَفِي الصُّبْحِ نَحْوُ صَلَاةٍ يُثَوَّبُ لَهَا أَوْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، أَوْ صَلَاةِ الْفَجْرِ أَوْ صَلَاةٍ يَقْنُتُ لَهَا أَبَدًا وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَذَا قَالُوا وَفِيهِ نَظَرٌ وَسَيَأْتِي قَوْلُهُ فِي الْمَنْهَجِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ النَّفْلِ أَيْ لِأَنَّ قَصْدَ الْفِعْلِ وَالتَّعْيِينِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْجُودَانِ فِي النَّفْلِ فَلَا يَتَمَيَّزُ الْفَرْضُ عَنْهُ، إلَّا بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّعْيِينِ تَعْيِينًا مَخْصُوصًا، كَالظُّهْرِ مَثَلًا وَمُرَادٌ بِالنَّفْلِ الْأَصْلِيُّ فَسَقَطَ، مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ إرَادَةَ تَعْيِينِ مَخْصُوصٍ، فَأَوْجَبَ إسْقَاطَ هَذَا التَّعْلِيلِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَالْمُرَادُ بِالْفَرْضِ مَا مَرَّ.
فَتَجِبُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ، وَالتَّعْيِينِ فِي الْمُعَادَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ مَا ذَكَرَ) هُوَ قَصْدُ الْفِعْلِ وَالتَّعْيِينِ، وَضَمِيرُ الصَّادِقِ، وَيَتَعَيَّنُ عَائِدٌ إلَى مَا ذَكَرَ، وَهَذَا بِنَاءٌ مِنْهُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْمُعَادَةِ، وَقَدْ عَلِمْت ضَعْفَهُ، وَأَمَّا صَلَاةُ الصَّبِيِّ، فَيَجِبُ فِيهَا نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ أَيْضًا عِنْدَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ، كَوَالِدِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَضَعَّفَهُ شَيْخُنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَاعْتَمَدَا مَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَفَارَقَتْ الْمُعَادَةُ بِأَنَّ صَلَاتَهُ تَقَعُ نَفْلًا اتِّفَاقًا، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ قَضَى مَا فَاتَهُ فِي زَمَنِ التَّمْيِيزِ كَمَا مَرَّ.
لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْآنَ مُكَلَّفًا بِهِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِقَصْدِ الْإِعَادَةِ) مُقْتَضَى ذَلِكَ، وُجُوبُ قَصْدِ الْإِعَادَةِ فِيهَا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (دُونَ الْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ لَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهَا بِمَعْنَى مُلَاحَظَتِهَا، لِتَحَقُّقِ مَعْنَى الْإِخْلَاصِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِي عِبَادَةِ الْمُوَحِّدِ أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِثْلُهَا الْيَوْمُ وَالشَّهْرُ
[حاشية عميرة]
عَلَى الْفَرْضِ لِأَنَّ ذَلِكَ سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ.
قَالَ الْقَايَاتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ أَوَّلًا فِي ذَاتِ الْفَرْضِ لَا فِي صِفَتِهِ، وَثَانِيًا عَلَى الْعَكْسِ، فَلَا يُرَدُّ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَوْلُ الشَّارِحِ: (الصَّادِقُ إلَخْ) يَرْجِعُ لِكُلٍّ مِنْ قَوْلِ الْمَتْنِ قَصْدُ فِعْلِهِ وَتَعْيِينِهِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى) مِثْلُهُ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي تَوْجِيهِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ: اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قَلْبِ الْمُؤْمِنِ سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْإِخْلَاصِ) اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: 19]
الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْأَدَاءِ نِيَّةُ الْأَدَاءِ، وَلَا فِي الْقَضَاءِ نِيَّةُ الْقَضَاءِ، وَعَدَمُ الصِّحَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، وَمُرَادُهُمْ كَمَا.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: الصِّحَّةُ لِمَنْ نَوَى جَاهِلَ الْوَقْتِ لِغَيْمٍ أَوْ نَحْوِهِ أَيْ ظَانًّا خُرُوجَ الْوَقْتِ أَوْ بَقَاءَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ الْأَمْرَ بِخِلَافِ ظَنِّهِ، أَمَّا الْعَالِمُ بِالْحَالِ فَلَا تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ قَطْعًا لِتَلَاعُبِهِ، نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ تَصْرِيحِهِمْ (وَالنَّفَلُ ذُو الْوَقْتِ أَوْ السَّبَبِ كَالْفَرْضِ فِيمَا سَبَقَ) مِنْ اشْتِرَاطِ قَصْدِ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَتَعْيِينِهَا، كَصَلَاةِ عِيدِ الْفِطْرِ أَوْ النَّحْرِ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَرَاتِبَةِ الْعِشَاءِ، وَالْوَتْرِ، وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ.
(وَفِي) اشْتِرَاطِ (نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ وَجْهَانِ) كَمَا فِي نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ (قُلْت: الصَّحِيحُ لَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِعَدَمِ الْمَعْنَى الْمُعَلَّلِ بِهِ فِي الْفَرْضِيَّةِ، وَفِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ، وَالْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْخِلَافُ السَّابِقُ.
(وَيَكْفِي فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ) وَهُوَ مَا لَا يَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ (نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ) لِحُصُولِهِ بِهَا، وَلَمْ يَذْكُرُوا هُنَا خِلَافًا فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ، وَيُمْكِنُ مَجِيئُهُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَمَجِيءُ الْخِلَافِ فِي الْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
[حاشية قليوبي]
وَالسَّنَةُ، وَعَدَدُ الرَّكَعَاتِ وَالْقِبْلَةُ، لَكِنْ يُسَنُّ التَّعَرُّضُ لِمَا ذَكَرَ، وَلَا يَضُرُّ الْخَطَأُ فِيهِ، وَلَوْ بِالتَّأْخِيرِ إلَّا فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْخَطَأَ بِالْقَلْبِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِمَنْ نَوَى جَاهِلَ الْوَقْتِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَصَدَ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ وَتَبَيَّنَ خِلَافَهُ.
وَبِهِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا.
وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَقْيِيدِ مَسْأَلَةِ الْبَارِزِيِّ، وَهِيَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ، كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَتَرَاءَى لَهُ الْفَجْرُ فَيُصَلِّي ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَنَّهُ خَطَأٌ سَابِقٌ عَلَى الْوَقْتِ، فَمَاذَا يَقْضِي، فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ صَلَاةَ كُلِّ يَوْمٍ تَقَعُ قَضَاءً عَنْ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ، وَالْأَدَاءِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ: وَالْوَجْهُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَقْصِدْ فَرْضَ ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي ظَنَّهُ بِخُصُوصِهِ، وَإِلَّا فَلَا تَقَعُ عَنْ الْفَائِتَةِ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْخَاهُ ابْنُ حَجَرٍ وَالرَّمْلِيُّ، وَذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الرَّوْضَةِ الْمَذْكُورَةِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَائِتَةٌ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْعَالِمُ فَلَا تَنْعَقِدُ) أَيْ إنْ قَصَدَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ وَإِلَّا بِأَنْ قَصَدَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ، وَهُوَ أَنَّ الْأَدَاءَ بِمَعْنَى الْقَضَاءِ وَعَكْسِهِ أَوْ أَطْلَقَ لَمْ يَضُرَّ، وَتَوَقَّفَ شَيْخُنَا فِي الْإِطْلَاقِ، وَلَا تَكْفِي نِيَّةُ صَلَاةِ الْوَقْتِ، قَالُوا لِأَنَّهُ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَتَذَكَّرَ فَائِتَةً، وَهَذَا وَقْتُهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِنَحْوِ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ، أَوْ بِنَحْوِ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ صَلَاةٍ يُثَوَّبُ لَهَا مَعَ وُجُودِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الِاشْتِبَاهَ فِي هَذَا بِمَا هُوَ مِنْ النَّوْعِ فَقَطْ فَيَرْجِعُ إلَى نِيَّةِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ، وَقَدْ مَرَّ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ، وَفِي الْأَوَّلِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَكْتَفُوا بِهِ لِعُمُومِهِ مَعَ أَنَّ نَحْوَ الصُّبْحِ عُلِمَ وَالِاشْتِرَاكُ فِيهِ لَفْظِيٌّ قَوْله: (وَتَعْيِينِهَا كَصَلَاةِ عِيدِ) أَيْ وَإِنْ نَذَرَهَا مَعَ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَتْرِ) وَلَا يَكْفِي رَاتِبَةُ الْعِشَاءِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الرَّوَاتِبِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَجْهَانِ) ذَكَرَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ بِالتَّعْرِيفِ فَاقْتَضَى أَنَّهُمَا الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ، وَأَنَّ الْأَصَحَّ وُجُوبُ نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ هُنَا، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا ثُمَّ كَشَطَ أَدَاةَ التَّعْرِيفِ وَصَحَّحَ عَلَيْهِ لِيُفِيدَ أَنَّهُمَا وَجْهَانِ غَيْرُ الْأَوَّلَيْنِ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ هُنَا بِالصَّحِيحِ وَالِاسْتِدْرَاكِ حِينَئِذٍ عَلَى مُقْتَضَى إطْلَاقِهِمَا، وَفِي قَوْلِ الشَّارِحِ كَمَا فِي نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ دُونَ أَنْ يَقُولَ هُمَا السَّابِقَانِ فِي نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى هَذَا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَفِي اشْتِرَاطِ إلَخْ) أَوْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَعَ إمْكَانِ إدْخَالِهِ فِي التَّشْبِيهِ السَّابِقِ جَرْيًا عَلَى تَرْتِيبِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ ذِكْرِهِ نِيَّةَ الْأَدَاءِ وَمَا بَعْدَهُ بَعْدَ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِيمَا قَبْلَهُ، وَحَيْثُ لَمْ تَجِبْ نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ فَهِيَ مَنْدُوبَةٌ كَمَا ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا لَا يَتَقَيَّدُ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى وَجْهِ تَسْمِيَتِهِ بِالْمُطْلَقِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَذْكُرُوا إلَخْ) فَهِيَ إشَارَةٌ إلَى نَدْبِ ذَلِكَ هُنَا وَقَوْلُ الْمَنْهَجِ بِخِلَافِ الْفَرْضِيَّةِ وَلَمْ يَقُلْ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ لِيُفِيدَ أَنَّ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْمُعَادَةِ لَا نَجْعَلُهَا فَرْضًا فِي الْوَاقِعِ الَّذِي هُوَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ فِي الْفَرْقِ فَتَأَمَّلْ، وَإِلْحَاقُ الْمَنْهَجِ سُنَّةَ الْوُضُوءِ وَالتَّحِيَّةَ وَالْإِحْرَامَ وَالِاسْتِخَارَةَ بِالنَّفْلِ الْمُطْلَقِ هُوَ مِنْ حَيْثُ الِاكْتِفَاءُ فِي ذَلِكَ بِنِيَّةِ فِعْلِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ إلَى سَبَبِهِ فِي نِيَّتِهِ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ وُجُوبِ نِيَّةِ السَّبَبِ فِيمَا لَهُ سَبَبٌ، وَهَذَا كَمَا تَرَى يُفِيدُ أَنَّهُ مِنْ النَّفْلِ الْمُقَيَّدِ، لَكِنَّ إطْلَاقَهُ لَهُ صَادِقٌ بِوُقُوعِهِ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ فِيمَا وَجَدَ سَبَبَهُ كَالتَّحِيَّةِ وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ لِحُصُولِهِ قَهْرًا عَلَيْهِ لَا فِيمَا لَمْ يَقَعْ كَالِاسْتِخَارَةِ، لِأَنَّهُ مَعَ مُلَاحَظَةِ سَبَبِهِ لَا يَصِحُّ فَمَعَ عَدَمِهَا لَا يَصِحُّ بِالْأُولَى، فَلْيُخَصَّصْ الِاسْتِثْنَاءُ بِغَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، أَوْ بِمَا وَقَعَ
[حاشية عميرة]
وَجْهُ الدَّلَالَةِ كَوْنُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الْمُجَازَاةَ لَا تَقَعُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ حَتَّى يَبْتَغِيَ بِهَا وَجْهَ رَبِّهِ الْأَعْلَى.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَتَعْيِينِهَا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ قَصْدِ فِعْلِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (كَمَا فِي نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ) مِنْ هُنَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَوْ قَالَ الْوَجْهَانِ كَانَ أَوْلَى.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَفِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمَتْنِ
(وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ) فَلَا يَكْفِي النُّطْقُ مَعَ غَفْلَتِهِ، وَلَا يَضُرُّ النُّطْقُ بِخِلَافِ مَا فِيهِ كَانَ قَصْدُ الظُّهْرِ وَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى الْعَصْرِ.
(وَيُنْدَبُ النُّطْقُ) بِالْمَنْوِيِّ (قُبَيْلَ التَّكْبِيرِ) لِيُسَاعِدَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ.
(الثَّانِي تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَيَتَعَيَّنُ) فِيهَا (عَلَى الْقَادِرِ اللَّهُ أَكْبَرُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِهِ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَلَا يَكْفِي: اللَّهُ الْكَبِيرُ، وَلَا الرَّحْمَنُ أَكْبَرُ.
(وَلَا تَضُرُّ زِيَادَةٌ لَا تَمْنَعُ الِاسْمَ
[حاشية قليوبي]
سَبَبُهُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا كَمَا يَأْتِي، وَبِهَذَا عُلِمَ عَدَمُ صِحَّةِ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّهُ نَفْلٌ مُطْلَقٌ حَصَلَ بِهِ ذَلِكَ الْمُقَيَّدُ خُصُوصًا مَعَ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّ مَا لَهُ سَبَبٌ مُتَأَخِّرٌ لَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَتِهِ حَالَ الشُّرُوعِ، وَشَمَلَتْ سُنَّةَ الْوُضُوءِ وَنَحْوَهَا مَا لَوْ وَقَعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَالتَّعْبِيرُ بِهَا أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِرَكْعَتَيْ الْوُضُوءِ وَنَحْوِهَا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ مُرَاجَعَةِ صَلَاةِ النَّفْلِ، وَمِمَّا أُلْحِقَ بِذَلِكَ أَيْضًا صَلَاةُ الطَّوَافِ وَالْحَاجَةِ وَالزَّوَالِ وَإِرَادَةِ السَّفَرِ وَالْعَوْدِ مِنْهُ وَنُزُولِ الْمُسَافِرِ وَمُفَارَقَةِ الْمَنْزِلِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَسَبَقَ لِسَانُهُ) وَكَذَا لَوْ تَعَمَّدَهُ.
قَوْلُهُ: (بِالْمَنْوِيِّ) أَيْ مِمَّا تُطْلَبُ نِيَّتُهُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا وَلَوْ غَيْرَ الْمَذْكُورِ هُنَا كَالْفَرْضِيَّةِ وَالِاقْتِدَاءِ وَالْجَمَاعَةِ وَالنَّفْلِيَّةِ وَالْأَدَاءِ وَالْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَجْلِ إيهَامِ اقْتِصَارِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذِهِ حَوَّلَهُ الشَّارِحُ، وَمَا قِيلَ غَيْرُ هَذَا مَرْدُودٌ، وَخَرَجَ بِالْمَنْوِيِّ التَّكْبِيرَةُ وَالنِّيَّةُ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، لَكِنْ لَا يَضُرُّ النُّطْقُ بِالنِّيَّةِ كَقَوْلِهِ: نَوَيْت كَذَا، بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ بِنَدْبِهِ، وَلَمْ يُخَالِفُوهُ فَرَاجِعْهُ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ التَّعْلِيقُ بِالْمَشِيئَةِ، بَلْ هُوَ مُبْطِلٌ لِلنِّيَّةِ إلَّا مَعَ قَصْدِ التَّبَرُّكِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَيَضُرُّ الْإِطْلَاقُ هُنَا لِأَنَّ مَبْنَى النِّيَّاتِ عَلَى الْجَزْمِ بِخِلَافِهِ فِي نَحْوِ الْعُقُودِ، وَيَضُرُّ هُنَا التَّعْلِيقُ بِغَيْرِ الْمَشِيئَةِ أَيْضًا كَحُصُولِ شَيْءٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَقَّعًا إلَّا إنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ شَرْطُهُ فِي الِاعْتِكَافِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ.
قَوْلُهُ: (تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْآتِي بِهَا مَا كَانَ حَلَالًا لَهُ قَبْلَهَا فِي الْفَرْضِ مُطْلَقًا، وَفِي النَّفْلِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْخُرُوجَ مِنْهُ، وَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُهَا خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، فَإِنْ كَرَّرَهَا لَا بِقَصْدِ شَيْءٍ أَوْ بِقَصْدِ الذِّكْرِ لَمْ يَضُرَّ، أَوْ بِقَصْدِ الِافْتِتَاحِ خَرَجَ بِكُلِّ شَفْعٍ وَدَخَلَ بِكُلِّ وَتْرٍ، وَيَدْخُلُ بِكُلِّ إنْ قَصَدَ الْخُرُوجَ قَبْلَهُ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ فَأَحْرَمَ لَمْ تَنْعَقِدْ، وَلَوْ كَبَّرَ بِنِيَّةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ كَبَّرَ بِنِيَّةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لَمْ تَنْعَقِدْ أَيْضًا.
وَلَوْ كَبَّرَ إمَامُهُ مَرَّتَيْنِ لَمْ يُفَارِقْهُ حَمْلًا عَلَى الْكَمَالِ، وَيُنْدَبُ النَّظَرُ قَبْلَهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَإِطْرَاقُ رَأْسِهِ قَلِيلًا.
قَوْلُهُ: (اللَّهُ أَكْبَرُ) خَصَّ هَذَا اللَّفْظَ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْقِدَمِ وَالْعِظَمِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَجْهَرَ بِهِ الْإِمَامُ، وَأَنْ لَا يُقَصِّرَ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ، وَأَنْ لَا يُطَوِّلَ بِالتَّمْطِيطِ، فَالْإِسْرَاعُ بِهِ أَوْلَى مِنْ تَمْطِيطِهِ لِئَلَّا تَزُولَ النِّيَّةُ بِخِلَافِ تَكْبِيرِ الِانْتِقَالَاتِ لِئَلَّا يَخْلُوَ بَاقِيهَا عَنْ الذِّكْرِ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ مَدَّهُ وَإِنْ طَالَ لَا يَضُرُّ، وَهُوَ مَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَفِي شَرْحِهِ خِلَافُهُ حَيْثُ كَانَ عَالِمًا وَطَوَّلَ إلَى حَدٍّ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْقُرَّاءِ، وَقَدْرُ الطُّولِ سِتُّ أَلِفَاتٍ، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ، وَوَصْلُ هَمْزَةِ اللَّهِ خِلَافُ الْأَوْلَى نَحْوُ مَأْمُومًا اللَّهُ أَكْبَرُ، وَقَطْعُهَا أَفْضَلُ، وَإِبْدَالُهَا وَاوًا مُبْطَلٌ كَمَدِّهَا، وَكَإِبْدَالِ هَمْزَةِ أَكْبَرَ وَاوًا لِلْعَالِمِ دُونَ الْجَاهِلِ، وَقِيلَ: لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا لُغَةٌ، كَذَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا وَكَإِدْخَالِ وَاوٍ سَاكِنَةٍ أَوْ مُتَحَرِّكَةٍ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ، وَكَإِبْدَالِ كَافِ أَكْبَرَ هَمْزَةً إلَّا لِعَجْزٍ أَوْ جَهْلٍ عُذِرَ بِهِ، أَوْ لِمَنْ هِيَ لُغَتُهُ، وَكَزِيَادَةِ أَلِفٍ بَعْدَ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ أَوْ تَشْدِيدِهَا، وَلَا يَضُرُّ اللَّحْنُ فِيهَا وَلَا تَشْدِيدُ الرَّاءِ وَلَا تَكْرِيرُهَا وَلَا رَفْعُهَا، وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ التَّكْبِيرَ جَزْمٌ فَلَيْسَ حَدِيثًا، وَبِفَرْضِهِ فَمَعْنَاهُ الْجَزْمُ بِالنِّيَّةِ بِعَدَمِ التَّرَدُّدِ فِيهَا لِأَنَّهُ مُبْطَلٌ كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَتَرَدَّدَ أَنَّهُ فِي غَيْرِهَا، وَكَأَنْ تَرَدَّدَ مُصَلِّي الظُّهْرِ أَنَّهُ فِي ظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ فِي عَصْرٍ فَأَتَى بِبَعْضِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ، أَوْ مُصَلِّي سُنَّةِ الصُّبْحِ أَنَّهُ فِي الصُّبْحِ فَقَنَتَ ثُمَّ تَذَكَّرَ، أَوْ نَحْوُ
[حاشية عميرة]
تُفِيدُ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ أَيْ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ كَالْفَرْضِ فِيمَا سَبَقَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) يُقَالُ: أَحْرَمَ الرَّجُلُ إذَا دَخَلَ فِي حُرْمَةٍ لَا تُهْتَكُ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَلَمَّا دَخَلَ بِهَذِهِ التَّكْبِيرَةِ فِي عِبَادَةٍ تَحْرُمُ فِيهَا أُمُورٌ قِيلَ لَهَا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، انْتَهَى.
وَذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهَا شَرْطٌ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ عَقِبَهَا، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي النَّجَاسَةِ إذَا كَانَتْ حَالَ التَّكْبِيرَةِ وَزَالَتْ مَعَ تَمَامِهَا.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَالْحِكْمَةُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِهَا اسْتِحْضَارُ الْمُصَلِّي عَظَمَةَ مَنْ تَهَيَّأَ لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَتَمَثَّلَ هَيْبَتَهُ فَيَخْشَعُ وَلَا يَغِيبُ قَلْبُهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (اللَّهُ أَكْبَرُ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هِيَ مَوْصُولَةٌ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ لِأَنَّ قَطْعَهَا عَلَى الْحِكَايَةِ يُوهِمُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي قَطْعُهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ مَأْمُومٌ: اللَّهُ أَكْبَرُ بِوَصْلِهَا، جَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا تَضُرُّ زِيَادَةٌ لَا تَمْنَعُ) جَعَلَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَمْثِلَةِ عَدَمِ الضَّرَرِ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَكْبَرُ، وَمَثَّلَ فِي الرَّوْضَةِ لِمَا يَضُرُّ تَطْوِيلُهُ اللَّهُ لَا
كَاللَّهُ الْأَكْبَرُ) بِزِيَادَةِ اللَّامِ (وَكَذَا اللَّهُ الْجَلِيلُ أَكْبَرُ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي تَضُرُّ الزِّيَادَةُ فِيهِ لِاسْتِقْلَالِهَا بِخِلَافِ الْأَوْلَى (لَا أَكْبَرُ اللَّهُ) أَيْ لَا يَكْفِي (عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى تَكْبِيرًا، وَالثَّانِي يُمْنَعُ ذَلِكَ.
(وَمَنْ عَجَزَ) وَهُوَ نَاطِقٌ عَنْ التَّكْبِيرِ (تَرْجَمَ) عَنْهُ بِأَيِّ لُغَةٍ شَاءَ، وَلَا يَعْدِلُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ (وَوَجَبَ التَّعَلُّمُ إنْ قَدَرَ) عَلَيْهِ وَلَوْ بِالسَّفَرِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَبَعْدَ التَّعَلُّمِ لَا يَجِبُ قَضَاءُ مَا صَلَّاهُ بِالتَّرْجَمَةِ قَبْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهُ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ صَلَاتِهِ بِالتَّرْجَمَةِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ لِحُرْمَتِهِ، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لِتَفْرِيطِهِ بِالتَّأْخِيرِ، وَيَجِبُ عَلَى الْأَخْرَسِ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ وَشَفَتَيْهِ وَلَهَاتِهِ بِالتَّكْبِيرِ قَدْرَ إمْكَانِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَهَكَذَا حُكْمُ تَشَهُّدِهِ وَسَلَامِهِ وَسَائِرِ أَذْكَارِهِ.
(وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرِهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مَعْنَى حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ أَنْ يُحَاذِيَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ أَعْلَى أُذُنَيْهِ، وَإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ، وَرَاحَتَيْهِ مَنْكِبَيْهِ.
وَذَالُ حَذْوَ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ مُعْجَمَةٌ (وَالْأَصَحُّ) فِي وَقْتِ الرَّفْعِ (رَفْعُهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ) أَيْ التَّكْبِيرِ.
وَالثَّانِي يُرْفَعُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَيُكَبِّرُ مَعَ حَطِّ يَدَيْهِ، وَسَوَاءٌ عَلَى الْأَوَّلِ انْتَهَى التَّكْبِيرُ مَعَ
[حاشية قليوبي]
ذَلِكَ، فَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ إنْ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ فَعَلَ رُكْنًا وَلَوْ قَوْلِيًّا مَعَ التَّرَدُّدِ بَطَلَتْ وَإِلَّا فَلَا، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ قَبْلَ الشُّرُوعِ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُ الْجَلِيلُ) وَمِثْلُهُ كُلُّ وَصْفٍ لَمْ يُطِلْ بِزِيَادَتِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ نَحْوُ: عَزَّ وَجَلَّ، وَنَحْوُهُ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، بِخِلَافِ الضَّمِيرِ وَنَحْوِهِ وَالنِّدَاءُ وَالطَّوِيلُ نَحْوُ: اللَّهُ هُوَ أَكْبَرُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْبَرُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَكْبَرُ، وَاَللَّهُ يَا رَحْمَنُ أَكْبَرُ، وَاَللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَكْبَرُ، خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي هَذِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا أَكْبَرُ اللَّهُ) فَلَوْ أَتَى بِلَفْظِ أَكْبَرَ بَعْدَهُ لَمْ يَصِحَّ إلَّا إنْ قَصَدَ الِاسْتِئْنَافَ بِلَفْظِ اللَّهِ، وَيَجِبُ فِي التَّكْبِيرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ أَوْ بِحَيْثُ يَسْمَعُ إنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحَ السَّمْعِ، أَوْ كَانَ نَحْوُ لَغَطٍ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى تَكْبِيرًا) وَبِذَلِكَ فَارَقَ صِحَّةَ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ يُسَمَّى سَلَامًا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (عَنْ التَّكْبِيرِ) أَيْ بِالْعَرَبِيَّةِ وَقُدِّرَ بِغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَعْدِلُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْأَذْكَارِ لَيْسَ فِيهِ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ كَمَا مَرَّ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْفَاتِحَةَ وَنَحْوَهَا.
قَوْلُهُ: (وَوَجَبَ التَّعَلُّمُ) وَوَقْتُهُ مِنْ الْبُلُوغِ فِي الْمُسْلِمِ وَلَوْ تَبَعًا، وَمِنْ الْإِسْلَامِ فِي الْبَالِغِ، وَاعْتَبَرَ ابْنُ حَجَرٍ التَّمْيِيزَ فِي الْمُسْلِمِ، وَلَا تَصِحُّ التَّرْجَمَةُ مِنْ الصَّبِيِّ الْقَادِرِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَبِالسَّفَرِ) أَيْ وَلَوْ سَفَرَ الْقَصْرِ وَإِنْ طَالَ إنْ أَطَاقَهُ وَوَجَدَ مُؤْنَتَهُ بِمَا فِي وُجُوبِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ) أَيْ إنْ رُجِيَ التَّعَلُّمُ فِيهِ وَإِلَّا فَلَهُ الصَّلَاةُ وَلَوْ مِنْ أَوَّلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ عَلَى الْأَخْرَسِ) أَيْ الطَّارِئِ خَرَسُهُ، وَمِنْهُ مَرَضٌ يَمْنَعُ مِنْ النُّطْقِ بِخِلَافِ الْأَصْلِيِّ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (تَحْرِيكُ لِسَانِهِ إلَخْ) أَيْ إنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ بِمُحَاوَلَةِ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ السَّابِقَةِ لَهُ وَاللَّهَاةُ الْجِلْدَةُ الْمُلْصَقَةُ فِي سَقْفِ الْحَنَكِ.
قَوْلُهُ: (وَهَكَذَا حُكْمُ إلَخْ) أَيْ وُجُوبًا فِي الْوَاجِبِ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ، وَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ كَالْمَرِيضِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ) أَيْ كَفَّيْهِ إنْ وُجِدَا وَإِلَّا فَرَأْسُ سَاعِدَيْهِ وَإِلَّا فَرَأْسُ عَضُدَيْهِ سَوَاءٌ الرَّجُلُ وَغَيْرُهُ وَيُنْدَبُ فِي الْكَفَّيْنِ لِمَنْ ذُكِرَ كَشْفُهُمَا وَإِمَالَةُ رُءُوسِ أَصَابِعِهِمَا لِلْقِبْلَةِ وَتَفْرِيقُهَا وَسَطًا لِيَكُونَ لِكُلِّ عُضْوٍ اسْتِقْلَالٌ بِالْعِبَادَةِ، وَلَا يُكْرَهُ سَتْرُهَا وَيَفُوتُ سَنُّ الرَّفْعِ بِفَرَاغِ التَّكْبِيرِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُحَاذِيَ إلَخْ) أَيْ إنْ كَانَ مُعْتَدِلًا سَلِيمًا وَإِلَّا رَاعَى ذَلِكَ الْقَدْرَ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَعَلَ الْمُمْكِنَ مِنْ الزِّيَادَةِ أَوْ النَّقْصِ، فَإِنْ تَعَارَضَا فَعَلَ الزِّيَادَةَ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ فِي وَقْتِ الرَّفْعِ) أَيْ الْأَفْضَلُ فِيهِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ فِيهِمَا اهـ. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ: يُسَنُّ
[حاشية عميرة]
إلَهَ إلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ أَكْبَرُ انْتَهَى، وَعَلَّلَ الرَّافِعِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ تُخْرِجُهُ عَنْ التَّكْبِيرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (كَاَللَّهِ الْأَكْبَرُ) عَلَّلَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى التَّكْبِيرِ مَعَ زِيَادَةِ مُبَالَغَةٍ فِي التَّعْظِيمِ، وَهُوَ الْإِشْعَارُ بِالتَّخْصِيصِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَا أَكْبَرُ اللَّهُ) أَيْ بِخِلَافِ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ يُسَمَّى سَلَامًا، وَهَذَا لَا يُسَمَّى تَكْبِيرًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَنْ عَجَزَ تَرْجَمَ) أَيْ فَهِيَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَاجِبَةٌ، وَدَلِيلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهَا وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَقَوْلُهُ تَرْجَمَ أَيْ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ رُكْنٌ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ بَدَلٍ، وَالتَّرْجَمَةُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهَا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (بِأَيِّ لُغَةٍ شَاءَ) وَقِيلَ: تَتَعَيَّنُ السُّرْيَانِيَّةُ أَوْ الْعِبْرَانِيَّةُ لِأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ بِهِمَا كِتَابًا فَإِنْ عَجَزَ فَبِالْفَارِسِيَّةِ، فَإِنْ عَجَزَ فَبِأَيِّهَا شَاءَ، وَقِيلَ الْفَارِسِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْجَمِيعِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْعَرَبِيَّةِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَلَوْ بِالسَّفَرِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بَلَغَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَيَجِبُ عَلَى الْأَخْرَسِ إلَخْ) فَإِنْ عَجَزَ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ.
قَوْلُهُ: (تَشَهُّدِهِ) الْأَحْسَنُ جَعْلُ الضَّمِيرِ عَائِدًا عَلَى الْمُصَلِّي لَا عَلَى الْأَخْرَسِ فَقَطْ.
[سُنَن الصَّلَاة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ وَاجِبِ التَّكْبِيرِ شَرَعَ فِي بَيَانِ سُنَّتِهِ.
الْحَطِّ أَمْ لَا وَقِيلَ يُسَنُّ انْتِهَاؤُهُمَا مَعًا.
(وَيَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ) يَعْنِي يَجِبُ قَرْنُهَا بِأَوَّلِهِ وَاسْتِصْحَابُهَا إلَى آخِرِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ.
(وَقِيلَ يَكْفِي) قَرْنُهَا (بِأَوَّلِهِ) وَلَا يَجِبُ اسْتِصْحَابُهَا إلَى آخِرِهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ بَسْطُهَا عَلَيْهِ، وَيُتَصَوَّرُ قَرْنُهَا بِأَوَّلِهِ بِأَنْ يَسْتَحْضِرَ مَا يَنْوِي قُبَيْلَهُ.
(الثَّالِثُ الْقِيَامُ فِي فَرْضِ الْقَادِرِ) عَلَيْهِ فَيَجِبُ حَالَةَ الْإِحْرَامِ بِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا: يَجِبُ أَنْ يُكَبِّرَ
[حاشية قليوبي]
انْتِهَاؤُهُمَا مَعًا) ضَمِيرُ الْمُثَنَّى عَائِدٌ إلَى الْحَطِّ وَالتَّكْبِيرِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ وَهُوَ انْتِهَاءُ الرَّفْعِ وَالتَّكْبِيرِ مَعًا وَبَعْضُهُمْ قَالَ: إنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ يُجْعَلُ الضَّمِيرُ عَائِدًا إلَى الرَّفْعِ وَالتَّكْبِيرِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ، وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ تَحْتَ صَدْرِهِ وَإِنْ صَلَّى مُضْطَجِعًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا وَهَذَا فِي الْقِيَامِ أَوْ بَدَلِهِ وَنَظَرَ مَا مَحَلُّهُمَا فِي نَحْوِ الِاعْتِدَالِ وَفِي الْقِيَامِ بَدَلَ الْقُعُودِ.
قَوْلُهُ: (يَعْنِي يَجِبُ قَرْنُهَا إلَخْ) بِأَنْ يَتَصَوَّرَ فِي ذِهْنِهِ كُلَّ مَا يَجِبُ فِي النِّيَّةِ أَوْ يُنْدَبُ مِنْ قَصْدِ الْفِعْلِ وَغَيْرِهِ قُبَيْلَ التَّكْبِيرِ، وَيَسْتَمِرُّ مُسْتَحْضِرًا لِذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ التَّكْبِيرِ إلَى آخِرِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ اسْتِحْضَارُهَا ذِكْرًا لَا حُكْمًا، أَوْ إنَّهُ يَسْتَحْضِرُ ذَلِكَ مَعَ النُّطْقِ بِأَوَّلِهِ وَإِنْ غَفَلَ عَنْهُ فِي بَقِيَّةِ التَّكْبِيرِ، وَهَذَا مَعْنَى الِاسْتِحْضَارِ حُكْمًا، وَهُوَ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِمَا يُنَافِيهَا، فَقَوْلُهُ: وَيَتَصَوَّرُ إلَخْ جَارٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَقِيلَ: مَعْنَى قَرْنِهَا أَنْ يُجَدِّدَ ذَلِكَ الْقَصْدَ عِنْدَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ التَّكْبِيرِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَأَشَارَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّ هَذَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ الْقُوَّةُ الْبَشَرِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يَجِبُ بَسْطُهَا عَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ أَنْ يَقْصِدَ فِعْلَ الصَّلَاةِ فِي جُزْءٍ مِنْ التَّكْبِيرِ، وَالتَّعْيِينَ فِي جُزْءٍ آخَرَ، وَالْفَرْضِيَّةَ فِي آخَرَ وَهَكَذَا، وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ الِاكْتِفَاءَ بِالْمُقَارَنَةِ الْعُرْفِيَّةِ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَحْضِرًا لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَالزِّيَادِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَدَمُ الْغَفْلَةِ بِذِكْرِ النِّيَّةِ حَالَ التَّكْبِيرِ مَعَ بَذْلِ الْمَجْهُودِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ الِاكْتِفَاءُ بِاسْتِحْضَارِ مَا مَرَّ فِي جُزْءٍ مِنْ التَّكْبِيرِ أَوَّلَهُ أَوْ وَسَطَهُ أَوْ آخِرَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْتِحْضَارُ ذَلِكَ قُبَيْلَ التَّكْبِيرِ وَإِنْ غَفَلَ عَنْهُ فِيهِ وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ هُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُسْتَحْضِرًا لِلصَّلَاةِ أَيْ لِمَا يُطْلَبُ اسْتِحْضَارُهُ لَهَا، وَأَمَّا اسْتِحْضَارُ ذَاتِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَكْفِي قَطْعًا.
(تَنْبِيهٌ) هَلْ يَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِمَا يُزَادُ بَيْنَ لَفْظِ اللَّهِ وَأَكْبَرَ اعْتَمَدَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ عَدَمَ الْوُجُوبِ، قَالَ: لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ يُخَالِفُهُ.
وَنَقَلَهُ الْعَبَّادِيُّ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ كَالْبُلْقِينِيِّ، كَذَا قَالُوا وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: هَلْ يَكْفِي اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِذَلِكَ أَوْ لَا لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ كَمَا مَرَّ.
الِاكْتِفَاءُ بِالْمُقَارَنَةِ فِي جُزْءٍ مِنْ التَّكْبِيرِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (الثَّالِثُ الْقِيَامُ) وَالْوَاجِبُ مِنْهُ الَّذِي يُؤَدِّي بِهِ
[حاشية عميرة]
فُرُوعٌ) لَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ الْكُوعِ رَفَعَ السَّاعِدَ أَوْ مِنْ الْمَرْفِقِ رَفَعَ الْعَضُدَ وَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرَّفْعِ الْمَسْنُونِ، بَلْ كَانَ إذَا رَفَعَ يَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ يَأْتِي بِالْمُمْكِنِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِمَا فَالزِّيَادَةُ أَوْلَى، وَيُسْتَحَبُّ كَشْفُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرَّفْعِ وَأَنْ يُفَرِّقَ الْأَصَابِعَ تَفْرِيقًا وَسَطًا وَأَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرِ أَيْ تَكْبِيرِ التَّحَرُّمِ مُبَيَّنًا بِلَا مَدٍّ وَالْحِكْمَةُ فِي تَفْرِيقِ الْأَصَابِعِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ عُضْوٍ اسْتِقْلَالٌ فِي الْعِبَادَةِ بِصُورَتِهِ قَوْلُ الْمَتْنِ: (حَذْوَ) .
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مَعْنَاهُ مُقَابِلُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَصَحُّ رَفْعُهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ) لَوْ تَرَكَ حَتَّى أَتَى بِبَعْضِ التَّكْبِيرِ سُنَّ الرَّفْعُ أَيْضًا بِخِلَافِ مَا لَوْ فَرَغَ مِنْهُ قَبْلَ الرَّفْعِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَيُكَبِّرُ مَعَ حَطِّ يَدَيْهِ) أَيْ وَيَكُونُ انْتِهَاؤُهُمَا مَعًا لِئَلَّا يَخْلُوَ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ بِلَا ذِكْرٍ، كَذَا سَاقَ الْإِسْنَوِيُّ هَذَا الْوَجْهَ، لَكِنْ هُنَا وَجْهٌ ثَانٍ، وَفِي الْإِسْنَوِيِّ ثَالِثٌ، وَجَعَلَ الْإِسْنَوِيُّ الثَّانِيَ أَنْ يَرْفَعَ غَيْرَ مُكَبِّرٍ ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَدَاهُ قَارَّتَانِ فَإِذَا فَرَغَ أَرْسَلَهُمَا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَاسْتِصْحَابُهَا) قَالَ السُّبْكِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الِاسْتِصْحَابِ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنْ يَسْتَمِرَّ اسْتِحْضَارُهَا إلَى آخِرِهِ.
قَالَ: وَلَكِنَّ اسْتِحْضَارَ النِّيَّةِ لَيْسَ بِنِيَّةٍ وَإِيجَابُ مَا لَيْسَ بِنِيَّةٍ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُوَالِي أَمْثَالَهَا، فَإِذَا وَجَدَ الْقَصْدَ الْمُعْتَبَرَ أَوَّلًا جَدَّدَ مِثْلَهُ، وَهَكَذَا مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ زَمَنٍ، وَلَيْسَ تَكْرِيرُ النِّيَّةِ كَتَكْرِيرِ التَّكْبِيرِ كَيْ يَضُرَّ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِالْفَرَاغِ مِنْ التَّكْبِيرِ، قَالَ: وَهَذَا الْوَجْهُ فِيهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ لَا يَتَفَطَّنُ لَهَا كُلُّ أَحَدٍ وَلَا يَغْفُلُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَقِيلَ يَكْفِي) عَلَّلَ هَذَا الْوَجْهَ بِأَنَّ اسْتِصْحَابَ النِّيَّةِ ذِكْرًا فِي دَوَامِ الصَّلَاةِ غَيْرُ وَاجِبٍ وَرَدَ مِنْ طَرَفِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الِانْعِقَادِ، وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَمَامِ التَّكْبِيرِ، وَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ إلَى الِاكْتِفَاءِ بِوُجُودِ النِّيَّةِ قُبَيْلَ التَّكْبِيرِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَقِيلَ يَجِبُ بَسْطُهَا عَلَيْهِ) هَذَا يَتَخَلَّفُ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّهُ فِيهِ مَقْصُودٌ وَاحِدٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الثَّالِثُ الْقِيَامُ) يُكْرَهُ أَنْ يُقَدِّمَ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَأَنْ يُلْصِقَ قَدَمَيْهِ،
قَائِمًا حَيْثُ يَجِبُ الْقِيَامُ.
(وَشَرْطُهُ نَصْبُ فَقَارِهِ) وَهُوَ عِظَامُ الظَّهْرِ (فَإِنْ وَقَفَ مُنْحَنِيًا) إلَى أَمَامِهِ أَوْ خَلْفِهِ (أَوْ مَائِلًا) إلَى الْيَمِينِ أَوْ الْيَسَارِ (بِحَيْثُ لَا يُسَمَّى قَائِمًا لَمْ يَصِحَّ) قِيَامُهُ (فَإِنْ لَمْ يُطِقْ انْتِصَابًا وَصَارَ كَرَاكِعٍ) لِكِبَرٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقِفُ كَذَلِكَ) لِقُرْبِهِ مِنْ الِانْتِصَابِ (وَيَزِيدُ انْحِنَاءَهُ لِرُكُوعِهِ إنْ قَدَرَ) عَلَى الزِّيَادَةِ، وَقَالَ الْإِمَامُ: يَقْعُدُ، فَإِذَا وَصَلَ إلَى الرُّكُوعِ ارْتَفَعَ إلَيْهِ لِأَنَّ حَدَّهُ يُفَارِقُ حَدَّ الْقِيَامِ فَلَا يَتَأَدَّى الْقِيَامُ بِهِ.
(وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) لِعِلَّةٍ بِظَهْرِهِ (قَامَ وَفَعَلَهُمَا بِقَدْرِ إمْكَانِهِ) فِي الِانْحِنَاءِ لَهُمَا بِالصُّلْبِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِالرَّقَبَةِ وَالرَّأْسِ، فَإِنْ عَجَزَ أَوْمَأَ إلَيْهِمَا.
(وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ) بِأَنْ يَلْحَقَهُ بِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ أَوْ زِيَادَةُ مَرَضٍ أَوْ خَوْفُ الْغَرَقِ أَوْ دَوَرَانُ الرَّأْسِ فِي السَّفِينَةِ (قَعَدَ كَيْفَ شَاءَ وَافْتِرَاشُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَرَبُّعِهِ فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهُ قُعُودُ عِبَادَةٍ بِخِلَافِ التَّرَبُّعِ، وَعَكْسُهُ وُجِّهَ بِأَنَّ الِافْتِرَاشَ لَا يَتَمَيَّزُ عَنْ قُعُودِ التَّشَهُّدِ بِخِلَافِ التَّرَبُّعِ.
وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي قُعُودِ النَّفْلِ (وَيُكْرَهُ الْإِقْعَاءُ) فِي هَذَا الْقُعُودِ وَسَائِرِ قَعَدَاتِ الصَّلَاةِ (بِأَنْ يَجْلِسَ) الشَّخْصُ (عَلَى وَرِكَيْهِ)
[حاشية قليوبي]
الرُّكْنَ قَدْرَ الطُّمَأْنِينَةِ كَبَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ، وَتَطْوِيلُهُ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ لِضَرُورَةِ الْإِتْيَانِ بِهَا، وَكَذَا لِلسُّورَةِ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْأَرْكَانِ ثُمَّ السُّجُودُ ثُمَّ الرُّكُوعُ، وَلَا يَضُرُّ وُقُوفُهُ عَلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ وَلَا اسْتِنَادُهُ لِنَحْوِ جِدَارٍ وَلَوْ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ لَسَقَطَ مَا لَمْ يَكُنْ مُعَلَّقًا، وَإِذَا طَوَّلَ الْأَرْكَانَ وَقَعَ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْهَا نَفْلًا كَمَسْحِ الرَّأْسِ لِإِمْكَانِ تَجَزِّي ذَلِكَ خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَشَمَلَ وُجُوبَ الْقِيَامِ مَا لَوْ كَانَ مَعَ الْإِعَانَةِ بِشَيْءٍ كَعَصَا سَوَاءٌ احْتَاجَ إلَيْهِ لِنُهُوضِهِ فَقَطْ أَوْ لِدَوَامِ قِيَامِهِ أَوْ لَهُمَا مَعًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَتَجِبُ الْأُجْرَةُ إنْ تَوَقَّفَ عَلَيْهَا وَقَدَرَ عَلَيْهَا بِمَا فِي التَّيَمُّمِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا بِمَا فِي الْفِطْرَةِ وَأَخَّرَ الْقِيَامَ عَنْ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرَةِ لِأَنَّ رُكْنِيَّتَهُ مَعَهُمَا وَبَعْدَهُمَا وَهُوَ قَبْلَهُمَا شَرْطٌ لِصِحَّتِهِمَا، فَلَوْ فَرَضَ مُقَارَنَتَهُمَا لِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ كَفَى، وَلِأَنَّهُمَا مُعْتَبَرَانِ فِي الْفَرْضِ، وَالنَّفَلُ بِخِلَافِهِ قَوْلُهُ: (فِي فَرْضٍ) وَلَوْ كِفَايَةً أَوْ بِالْأَصَالَةِ فَشَمَلَ صَلَاةَ الصَّبِيِّ وَالْجِنَازَةِ وَالْمُعَادَةِ وَالْمَنْذُورَةِ.
قَوْلُهُ: (فَيَجِبُ حَالَةَ الْإِحْرَامِ بِهِ) أَيْ عَلَى سَبِيلِ الرُّكْنِيَّةِ كَمَا عُلِمَ، وَتَفْسِيرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَا ذَكَرَهُ فِيهِ قُصُورٌ لِخُرُوجِ الْقِيَامِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ عَنْهُ مَعَ شُمُولِهِ لَهُ وَحَمْلُ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِتَصْرِيحِهِمَا بِوُجُوبِ الْقِيَامِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَقَارِهِ) هُوَ جَمْعٌ مُضَافٌ مُفْرَدُهُ فَقَارَةٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِتَذْكِيرِ ضَمِيرِهِ نَظَرًا لِلْجَمْعِ وَجَمْعُ الْعِظَامِ نَظَرًا لِمَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ لَا يُسَمَّى قَائِمًا) بِأَنْ صَارَ إلَى أَقَلِّ الرُّكُوعِ أَقْرَبَ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ فِي حَالَةِ الِاسْتِوَاءِ قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يُطِقْ) بِلُحُوقِ مَشَقَّةٍ تُذْهِبُ خُشُوعَهُ أَوْ كَمَالَهُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (يَقِفُ كَذَلِكَ) أَيْ وُجُوبًا، وَكَذَا يَزِيدُ وَيَكْفِيهِ ذَلِكَ وَلَوْ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ، وَلَا يُكَلَّفُ تَأْخِيرَهَا إلَى الْقُدْرَةِ.
قَوْلُهُ: (إنْ قَدَرَ) فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الزِّيَادَةِ وَجَبَ قَصْدُ الرُّكُوعِ بِقَلْبِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْإِمَامُ يَقْعُدُ) أَيْ حَالَةَ الْإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ) وَمِثْلُهُ الْجُلُوسُ أَوْ الِاضْطِجَاعُ قَوْلُهُ: (قَامَ) أَيْ وُجُوبًا وَلَوْ بِمُعِينٍ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَوْمَأَ إلَيْهِمَا) أَيْ بِأَجْفَانِهِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِقَلْبِهِ، وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ) أَيْ بِمَا مَرَّ وَقَالَ شَيْخُنَا بِأَنْ لَا تُحْتَمَلَ عَادَةً وَلَوْ تَسَبَّبَ فِي عَجْزِهِ فَإِنَّهُ الثَّوَابُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ زِيَادَةُ مَرَضٍ) وَكَذَا حُدُوثُهُ بِالْأُولَى وَلَوْ اسْتَمْسَكَ نَحْوَ بَوْلٍ حَالَةَ الْجُلُوسِ وَجَبَ الْجُلُوسُ، قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَلَوْ كَانَ لَوْ صَلَّى جَمَاعَةً جَلَسَ، وَلَوْ صَلَّى فُرَادَى قَامَ جَازَ الْأَمْرَانِ.
قَالَهُ شَيْخُنَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ قَاسِمٍ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْوَجْهُ مُرَاعَاةُ الْقِيَامِ وَقَصْدُ عَدُوٍّ مُجَوِّزٍ لِلْجُلُوسِ لَا رُؤْيَتُهُ وَلَا فَسَادُ تَدْبِيرٍ.
قَوْلُهُ: (وَافْتِرَاشُهُ أَفْضَلُ) ثُمَّ بَعْدَهُ الْإِقْعَاءُ الْمَنْدُوبُ ثُمَّ التَّرَبُّعُ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُخَالَفَةٌ لِذَلِكَ كَمَا زُعِمَ.
قَوْلُهُ: (وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي قُعُودِ النَّفْلِ) أَيْ فَالْقَادِرُ كَالْعَاجِزِ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ الْإِقْعَاءُ) وَكَذَا مَدُّ الرِّجْلَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا أَوْ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْأُخْرَى مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا كَالْمُتَرَوِّحِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَجْلِسَ إلَخْ) خَرَجَ بِذَلِكَ جُلُوسُهُ عَلَى عَقِبَيْهِ نَاصِبًا
[حاشية عميرة]
وَيُسْتَحَبُّ إطْرَاقُ الرَّأْسِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَقَارِهِ) جَمْعٌ مُفْرَدُهُ فَقَارَةٌ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَقَالَ الْإِمَامُ) : اعْتَرَضَ بِأَنَّ الْإِمَامَ وَافَقَ عَلَى إيجَابِ الْقِيَامِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ صُورَةَ قِيَامٍ، وَقَدْ يُفَرَّقُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ إلَخْ) لَوْ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ دُونَ السُّجُودِ نَظَرَ إنْ قَدَرَ عَلَى أَقَلِّهِ أَتَى بِهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةٌ لِلرُّكُوعِ وَمَرَّةٌ لِلسُّجُودِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَكْمَلِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُهُ فِي الرُّكُوعِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَقَلِّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ سُنَّةٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِقَدْرِ إمْكَانِهِ) لَوْ احْتَاجَ فِي ذَلِكَ إلَى اعْتِمَادٍ عَلَى شَيْءٍ لَزِمَهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قَعَدَ كَيْفَ شَاءَ) لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ قَائِمًا فَعَجَزَ فَهَلْ يُجْزِئُهُ الْجُلُوسُ؟ وَجْهَانِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ تَرَبُّعِهِ) وَكَذَا بَاقِي