كِتَابُ الِاعْتِكَافِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القليوبي
- الكتاب
- حاشيتا قليوبي وعميرة
- المؤلف
- أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة
- الناشر
- دار الفكر - بيروت
- عدد الأجزاء
- 4
- الطبعة
- بدون طبعة، 1415هـ-1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]- بأعلى الصفحة: «شرح العلامة جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين للشيخ محيي الدين النووي»- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد البرلسي عميرة (957هـ.)
هُوَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ كَذَا قَالُوا: وَلَعَلَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ بِدَلِيلِ آيَةِ ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ﴾ [طه: 91] أَيْ عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ عَاكِفِينَ، وَأَمَّا كَوْنُهُ بِالْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ فَلَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَرَاجِعْهُ وَمَعْنَاهُ لُغَةً الْإِقَامَةُ عَلَى الْأَمْرِ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ وَشَرْعًا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (كُلَّ وَقْتٍ) مِنْ النَّهَارِ وَلَوْ بِلَا صَوْمٍ أَوْ اللَّيْلِ وَحْدَهُ كَمَا سَيَأْتِي خِلَافًا لِلْإِمَامَيْنِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَوَّالٍ وَفِيهِ يَوْمُ الْعِيدِ قَطْعًا وَهُوَ لَا يَقْبَلُ الصَّوْمَ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: (كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي بَابِ الصَّوْمِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالُوا) أَيْ الْأَصْحَابُ فَلَيْسَ مُرَادُهُ التَّبَرِّي مِنْهُ بَلْ بَيَانَ هَذِهِ الْحِكْمَةِ.
وَقِيلَ مُرَادُهُ التَّبَرِّي وَإِلَيْهِ مَالَ شَيْخُنَا لِعَدَمِ تَعَيُّنِ هَذِهِ الْحِكْمَةِ.
قَوْلُهُ: (لَيْلَةِ الْقَدْرِ) هِيَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَبَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعُلُوِّ قَدْرِهَا أَوْ لِشَرَفِهَا أَوْ لِفَصْلِ الْأَقْدَارِ فِيهَا كَمَا قِيلَ بِهِ.
وَتُرَى حَقِيقَةً وَيُنْدَبُ لِمَنْ رَآهَا كَتْمُهَا وَيُنْدَبُ إحْيَاؤُهَا كَمَا فِي الْعِيدِ وَيَتَأَكَّدُ هُنَا قَوْلُ «اللَّهُمَّ إنَّك عَفْوٌ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا» وَيَحْصُلُ فَضْلُهَا لِمَنْ أَحْيَاهَا وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهَا وَنَفْيُهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ كَمَا حُمِلَ رَفْعُهَا عَلَى رَفْعِ عَيْنِهَا وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا وَعَلَامَتُهَا عَدَمُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ فِيهَا.
وَيُنْدَبُ صَوْمُ يَوْمِهَا وَكَثْرَةُ الْعِبَادَةِ فِيهِ وَعَلَامَتُهَا طُلُوعُ شَمْسِهِ بَيْضَاءَ مُنْكَسِرَةَ الشُّعَاعِ لِمَا قِيلَ مِنْ كَثْرَةِ تَرَدُّدِ الْمَلَائِكَةِ فِيهَا.
وَيُسْتَفَادُ بِعَلَامَتِهَا مَعْرِفَتُهَا فِي بَاقِي الْأَعْوَامِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ الَّذِي هُوَ الْأَصَحُّ.
قَوْلُهُ: (كُلَّ سَنَةٍ إلَخْ) لَوْ تُرِكَ هَذَا الْقَيْدُ لَكَانَ أَوْلَى لِيَدْخُلَ تَوَافُقُ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي لَيْلَةٍ مَعَ أَنَّ التَّوَافُقَ فِيهَا مُحَقَّقٌ بِكَثْرَةِ الْأَعْوَامِ إمَّا مَعَ التَّوَالِي أَوْ التَّفَرُّقِ.
قَوْلُهُ: (إلَى لَيْلَةٍ) أَيْ مِنْ الْعَشْرِ الْمَذْكُورِ مُطْلَقًا أَوْ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ كَمَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالُوا: إنَّهَا تُعْلَمُ فِيهِ بِالْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ
[حاشية عميرة]
[كِتَابُ الِاعْتِكَافِ]
إلَخْ هُوَ لُغَةً الْإِقَامَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَلَوْ سِرًّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: 138] وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: 125] وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَمِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ قَوْلُ الْمَتْنِ: (هُوَ مُسْتَحَبٌّ كُلَّ وَقْتٍ) رَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ» قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَهُوَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ إلَخْ) هَذَا قَدْ ذَكَرَهُ فِي الصَّوْمِ، وَلَكِنْ أَعَادَهُ هُنَا لِبَيَانِ حِكْمَتِهِ أَعْنِي طَلَبَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَوْلُ الْمَتْنِ: (لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أَيْ فَيُحْيِيهَا بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَكَثْرَةِ الدُّعَاءِ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ لَيَالِي السَّنَةِ، وَالْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَوْ شَهِدَ الْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا، كَذَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي يَوْمِهَا كَمَا يَجْتَهِدُ فِي لَيْلَتِهَا، قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْقَدِيمِ.
فَائِدَةٌ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْعَمَلُ فِيهَا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ قَلَّ قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ إلَخْ) مُحَصَّلُ مَا فِي الرَّافِعِيِّ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قَوْلُهُ: (حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ) مِنْهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنِّي رَأَيْتهَا لَيْلَةً وَأَرَانِي أَسْجُدُ
الْأَخْبَارِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهُوَ قَوِيٌّ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تَلْزَمُ لَيْلَةً بِعَيْنِهَا
(وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ) كَمَا فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَالْجَامِعُ أَوْلَى) لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى الْخُرُوجِ لِلْجُمُعَةِ.
(وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَهُوَ الْمُعْتَزِلُ الْمُهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ) وَالْقَدِيمُ يَصِحُّ اعْتِكَافُهَا فِيهِ وَعَلَى هَذَا فَفِي صِحَّتِهِ لِلرَّجُلِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَا يَصِحُّ وَعَلَى الْجَدِيدِ كُلُّ امْرَأَةٍ يُكْرَهُ لَهَا الْخُرُوجُ لِلْجَمَاعَةِ يُكْرَهُ لَهَا الْخُرُوجُ لِلِاعْتِكَافِ وَمَنْ لَا فَلَا.
(وَلَوْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي نَذْرِهِ الِاعْتِكَافَ تَعَيَّنَ وَكَذَا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَ) الْمَسْجِدُ (الْأَقْصَى) إذَا عَيَّنَهُمَا فِي نَذْرِهِ تَعَيَّنَا (فِي الْأَظْهَرِ) فَلَا يَقُومُ غَيْرُ الثَّلَاثَةِ مَقَامَهَا لِمَزِيدِ فَضْلِهَا.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ أَنَّهُمَا لَا يَتَعَيَّنَانِ بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
[حاشية قليوبي]
الشَّهْرِ فَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ يَوْمَ الْأَحَدِ أَوْ الْأَرْبِعَاءِ فَهِيَ لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، أَوْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَهِيَ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ أَوْ الْجُمُعَةِ فَهِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، أَوْ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَهِيَ لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ فَهِيَ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَمُنْذُ مَا بَلَغْت سِنَّ الرِّجَالِ مَا فَاتَتْنِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ نَظَمْتهَا بِقَوْلِي:
يَا سَائِلِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي ... فِي عَشْرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ حَلَّتْ
فَإِنَّهَا فِي مُفْرَدَاتِ الْعَشْرِ ... تُعْرَفُ مِنْ يَوْمِ ابْتِدَاءِ الشَّهْرِ
فَبِالْأَحَدْ وَالْأَرْبِعَا فِي التَّاسِعَهْ ... وَجُمُعَةٍ مَعَ الثَّلَاثَا السَّابِعَهْ
وَإِنْ بَدَا الْخَمِيسَ فَالْخَامِسَةُ ... وَإِنْ بَدَا بِالسَّبْتِ فَالثَّالِثَةُ
وَإِنْ بَدَا الِاثْنَيْنِ فَهْيَ الْحَادِي ... هَذَا عَنْ الصُّوفِيَّةِ الزَّهَّادِيَّ
قَوْلُهُ: (تَلْزَمُ لَيْلَةً بِعَيْنِهَا) فَمَنْ عَرَفَهَا فِي سَنَةٍ عَرَفَهَا فِيمَا بَعْدَهَا كَمَا مَرَّ.
. قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْجِدِ) وَمِنْهُ رَوْشَنُهُ وَرَحْبَتُهُ الْقَدِيمَةُ وَمِنْهُ مَا يُنْسَبُ إلَيْهِ عُرْفًا مِنْ نَحْوِ سَابَاطٍ أَحَدُ جَانِبَيْهِ عَلَى غَيْرِ الْمَسْجِدِ.
وَفِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا الصِّحَّةُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ.
وَفِي ابْنِ حَجَرٍ عَدَمُ الصِّحَّةِ كَذَلِكَ، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَرَاجِعْهُ، وَيَصِحُّ عَلَى غُصْنِ شَجَرَةٍ خَارِجَهُ وَأَصْلُهَا فِيهِ كَعَكْسِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْكَامِلُ فَلَا يَصِحُّ فِي الْمَشَاعِ.
وَإِنْ طُلِبَتْ لَهُ التَّحِيَّةُ.
وَلَوْ شَكَّ فِي الْمَسْجِدِيَّةِ اجْتَهَدَ وَلَيْسَ مِنْهُ مَا أَرْضُهُ مَمْلُوكَةٌ أَوْ مُحْتَكَرَةٌ نَعَمْ إنْ بُنِيَ فِيهَا دَكَّةٌ وَوُقِفَتْ مَسْجِدًا صَحَّ فِيهَا.
وَكَذَا مَنْقُولٌ أَثْبَتَهُ وَوَقَفَهُ مَسْجِدًا ثُمَّ نَزَعَهُ وَلَا يَصِحُّ فِيمَا بُنِيَ فِي حَرِيمِ النَّهْرِ.
قَوْلُهُ: (لِئَلَّا يَحْتَاجَ) هَذِهِ الْعِلَّةُ لِلْغَالِبِ فَالْجَامِعُ أَوْلَى مُطْلَقًا خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَى مَنْ نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً فِيهَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَهُوَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ الْخُرُوجُ لَهَا لِأَنَّ خُرُوجَهُ لَهَا يَقْطَعُ تَتَابُعَهُ نَعَمْ لَوْ أُقِيمَتْ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ لَمْ يَنْقَلِعْ تَتَابُعُهُ لِعُذْرِهِ.
وَكَذَا لَوْ حَدَثَ الْجَامِعُ بَعْدَ نَذْرِهِ.
وَلَوْ شَرَطَ الْخُرُوجَ لَمَا وَعَرَ عَلَى أَحَدٍ جَاءَ مِنْ بَلَدٍ إلَى آخَرَ فَإِنْ كَانَ الثَّانِي يُصَلِّي قَبْلَ الْأَوَّلِ لَمْ يَضُرَّ وَإِلَّا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ.
فَرْعٌ: قَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ لَنَا عِبَادَةٌ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَسْجِدِ إلَّا ثَلَاثَةً الطَّوَافَ وَالِاعْتِكَافَ وَالتَّحِيَّةَ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَدِيمُ يَصِحُّ) وَرُدَّ بِأَنَّهَا عِبَادَةٌ شَرَطَ فِيهَا بِالْمَسْجِدِيَّةِ لِلرَّجُلِ فَشَرَطَ لِلْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى كَالرَّجُلِ.
قَوْلُهُ: (الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَصِحُّ فِيهِ الطَّوَافُ وَمَا حَوْلَهُ وَإِنْ وَسِعَ.
وَكَذَا جَوْفُ الْكَعْبَةِ لَا غَيْرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَرَمِ وَلَوْ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ: (مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ) وَالْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ مَا زِيدَ فِيهِ أَخْذًا مِنْ الْإِشَارَةِ الْآتِيَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَوْ مِمَّا صَلَّى فِيهِ وَلَوْ فِي الْمَدِينَةِ نَحْوُ مَسْجِدِ قُبَاءَ.
[حاشية عميرة]
فِي صَبِيحَتِهَا فِي الطِّينِ وَالْمَاءِ» فَأَصْبَحُوا مِنْ لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَدْ قَامَ النَّبِيُّ إلَى الصُّبْحِ فَمَطَرَتْ السَّمَاءُ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَخَرَجَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَجَبِينُهُ وَأَرْنَبَةُ أَنْفِهِ فِيهِمَا أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِثْلَ هَذَا عَنْ لَيْلَةِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) اسْتَدَلَّ أَيْضًا بِآيَةِ: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] مِنْ حَيْثُ إنَّ ذِكْرَ الْمَسَاجِدِ لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ أَنَّهَا شَرْطٌ فِي مَنْعِ مُبَاشَرَةِ الْمُعْتَكِفِ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَيْضًا إذَا خَرَجَ لِنَحْوِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَكِفِ مَمْنُوعٌ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ فِي الْمَسَاجِدِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَهَا لِاشْتِرَاطِ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ، وَلَك أَنْ تَعْتَرِضَهُ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْقَيْدَ لِمُوَافَقَةِ الْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَا يَصِحُّ) لِأَنَّهُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ السَّتْرُ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ
لِاخْتِصَاصِهِ بِتَعَلُّقِ النُّسُكِ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَلَوْ عَيَّنَ فِي نَذْرِهِ غَيْرَ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ لِلصَّلَاةِ، وَفِي وَجْهٍ وَقِيلَ: قَوْلُ يَتَعَيَّنُ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ مُخْتَصٌّ بِالْمَسْجِدِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.
(وَيَقُومُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ مَقَامَهُمَا وَلَا عَكْسُ) لِمَزِيدِ فَضْلِهِ عَلَيْهِمَا.
(وَيَقُومُ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ مَقَامَ الْأَقْصَى وَلَا عَكْسُ) لِأَنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَوْ عَيَّنَ زَمَنَ الِاعْتِكَافِ فِي نَذْرِهِ تَعَيَّنَ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا يَجُوزُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَأَخَّرَ كَانَ قَضَاءً.
(وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الِاعْتِكَافِ لُبْثُ قَدْرِ مَا يُسَمَّى عُكُوفًا) أَيْ إقَامَةً يُقَالُ عَكَفَ وَاعْتَكَفَ أَيْ أَقَامَ فَلَا يَكْفِي فِيهِ أَقَلُّ مَا يَكْفِي فِي الطُّمَأْنِينَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ السُّكُونُ بَلْ يَكْفِي التَّرَدُّدُ (وَقِيلَ يَكْفِي الْمُرُورُ بِلَا لُبْثٍ) كَأَنْ دَخَلَ مِنْ بَابٍ وَخَرَجَ مِنْ آخَرَ.
(وَقِيلَ) لَا يَكْفِي لُبْثُ الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ أَيْ أَقَلُّ مَا يَصْدُقُ بِهِ بَلْ (يُشْتَرَطُ مُكْثُ نَحْوِ يَوْمٍ) أَيْ قَرِيبٍ مِنْهُ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ مُعْتَادٌ فِي الْحَاجَاتِ الَّتِي تَعِنُّ فِي الْمَسَاجِدِ، فَلَا يَصِحُّ لِلْقُرْبَةِ وَعَلَى الْأَصَحِّ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ سَاعَةٍ صَحَّ نَذْرُهُ، وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا مُطْلَقًا خَرَجَ مِنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ بِأَنْ يَعْتَكِفَ لَحْظَةً.
(وَيَبْطُلُ بِالْجِمَاعِ) إذَا كَانَ ذَاكِرًا لَهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ الْجِمَاعِ فِيهِ سَوَاءٌ جَامَعَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ لِانْسِحَابِ حُكْمِ الِاعْتِكَافِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ.
(وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ بِشَهْوَةٍ) فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ (كَلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ تُبْطِلُهُ إنْ أَنْزَلَ وَإِلَّا فَلَا) كَالصَّوْمِ وَالثَّانِي تُبْطِلُهُ مُطْلَقًا لِحُرْمَتِهَا وَالثَّالِثُ لَا تُبْطِلُهُ مُطْلَقًا
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةٌ إلَخْ) الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ مِائَتَيْنِ فِي الْأَقْصَى وَمِنْ مِائَةِ أَلْفٍ فِي غَيْرِهِمَا، وَأَنَّهَا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتَيْنِ فِي الْأَقْصَى وَمِنْ أَلْفٍ فِي غَيْرِهَا، وَأَنَّهَا فِي الْأَقْصَى أَفْضَلُ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ فِي غَيْرِهَا.
رَدٌّ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ مَا يُخَالِفُ هَذَا أَخْذًا مِنْ الْأَحَادِيثِ غَيْرِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: (أَقَلُّ مَا يَكْفِي إلَخْ) أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ وَيُنْدَبُ يَوْمٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ اعْتَكَفَ دُونَهُ وَضَمَّ إلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَيْلَةً أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (صَحَّ نَذْرُهُ) وَيَخْرُجُ مِنْ عُهْدَتِهِ بِلَحْظَةٍ وَاعْتَبَرَ شَيْخُنَا سَاعَةً فَلَكِيَّةً.
قَوْلُهُ: (لَحْظَةً) فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا وَقَعَ الْجَمِيعُ فَرْضًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى بَقَاءِ الِاعْتِكَافِ بَعْدَ فَرَاغِ تِلْكَ اللَّحْظَةِ وَلَا قَائِلَ بِهِ لِأَنَّ اللَّحْظَةَ الْمَحْمُولَ عَلَيْهَا النَّذْرُ كَالْمُعَيَّنَةِ بِالنَّذْرِ وَالنَّذْرُ الْمُقَيَّدُ بِمُدَّةٍ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا لَا يَدُومُ بَعْدَ فَرَاغِهَا لِمَنْ دَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَافْهَمْ وَلَا تَغْفُلُ.
وَبِهَذَا سَقَطَ مَا هُنَا مِنْ الِاعْتِرَاضِ وَلَا يُقَالُ إنَّ النِّيَّةَ تَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ كَمَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ مَثَلًا لِلْفَرْقِ الْوَاضِحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَوْلُهُ: (بِالْجِمَاعِ) أَيْ الْمُوجِبِ لِلْغُسْلِ بِخِلَافِ الْخُنْثَى فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْخُرُوجِ) أَيْ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (لِانْسِحَابِ إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهُ مُعْتَكِفٌ حَالَةَ خُرُوجِهِ أَمْ لَا، إذْ الْكَلَامُ فِي اعْتِكَافٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَالْجِمَاعُ حَرَامٌ فِي الْوَاجِبِ مُطْلَقًا وَفِي الْمَنْدُوبِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَيْثُ الْمَسْجِدِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (كَالصَّوْمِ) يُفِيدُ أَنَّ ذَلِكَ فِي
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي نَذْرِهِ الِاعْتِكَافَ) مِثْلُهُ الصَّلَاةُ.
قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي إلَخْ) إذَا تَأَمَّلْت فِيهِ عَلِمْت مِنْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، فَإِنْ قُلْت: فَهَلْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى؟ قُلْت: الْوَجْهُ أَنْ تَعْدِلَ مِائَتَيْ صَلَاةٍ فِيهِ فَقَطْ، لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، يَجِبُ حَمْلُ مَا سِوَاهُ عَلَى غَيْرِ الْأَقْصَى، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنَّ الْوَاحِدَةَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ تَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ فِي غَيْرِ الْأَقْصَى، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْوَاحِدَةَ فِي الْأَقْصَى أَفْضَلُ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ فِي غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ إلَخْ) هُوَ يُفِيدُك أَنَّ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ فِيمَا سِوَاهُ لَا يَشْمَلُ الْأَقْصَى لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْأَلْفِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْأَقْصَى.
قَوْلُهُ: (قَدْ يَكْفِي فِيهِ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ لِلِاعْتِكَافِ قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَقِيلَ يَكْفِي إلَخْ) أَيْ قِيَاسًا عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَهَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ لَبِثَ وَالْوَجْهُ الَّذِي بَعْدَهُ مُقَابِلُ قَوْلِهِ يُسَمَّى عُكُوفًا
[مُبْطِلَات الِاعْتِكَاف]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَبْطُلُ بِالْجِمَاعِ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ: بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ أَمَّا الْمَاضِي فَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَنْذُورًا مُتَتَابِعًا فَيَسْتَأْنِفُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَتَابِعًا لَمْ يَبْطُلْ مَا مَضَى، سَوَاءٌ كَانَ مَنْذُورًا أَمْ نَفْلًا، وَإِنَّمَا بَطَلَ بِالْجِمَاعِ لِأَنَّهُ تَعَالَى نَهَى عَنْهُ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187] الْآيَةَ وَالنَّهْيُ فِي الْعِبَادَةِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ.
قَوْلُهُ: (لِحُرْمَتِهَا) اسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى:
كَالْحَجِّ، وَهِيَ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] وَلَا بَأْسَ بِاللَّمْسِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا بِالتَّقْبِيلِ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ وَالْإِكْرَامِ.
(وَلَوْ جَامَعَ نَاسِيًا) لِلِاعْتِكَافِ (فَكَجِمَاعِ الصَّائِمِ) نَاسِيًا فَلَا يَضُرُّ عَلَى الْمَذْهَبِ وَكَذَا جِمَاعُ الْجَاهِلِ بِتَحْرِيمِهِ.
(وَلَا يَضُرُّ التَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنُ) بِلُبْسِ الثِّيَابِ وَتَرْجِيلِ الشَّعْرِ (وَ) لَا (الْفِطْرُ بَلْ يَصِحُّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ وَحْدَهُ) وَحُكِيَ قَوْلٌ قَدِيمٌ إنَّهُ لَا يَصِحُّ وَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ الصَّوْمُ فِي الِاعْتِكَافِ.
(وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ هُوَ فِيهِ صَائِمٌ لَزِمَهُ) الِاعْتِكَافُ يَوْمَ صَوْمِهِ، وَلَيْسَ لَهُ إفْرَادُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، فَلَوْ اعْتَكَفَ فِي رَمَضَانَ أَجْزَاهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ بِالنَّذْرِ صَوْمًا.
(وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا أَوْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا لَزِمَاهُ) أَيْ الِاعْتِكَافُ وَالصَّوْمُ (وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ جَمْعِهِمَا) وَالثَّانِي لَا يَجِبُ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا أَوْ يُصَلِّيَ مُعْتَكِفًا لَا يَجِبُ جَمْعُهُمَا.
وَقِيلَ بِطَرْدِ الْوَجْهَيْنِ وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الصَّوْمَ يُنَاسِبُ الِاعْتِكَافَ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْكَفِّ وَالصَّلَاةُ أَفْعَالٌ مُبَاشِرَةٌ، لَا تُنَاسِبُ الِاعْتِكَافَ، وَالثَّالِثُ يَجِبُ الْجَمْعُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصْلُحُ وَصْفًا لِلصَّوْمِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ مِنْ مَنْدُوبَاتِ الِاعْتِكَافِ.
(وَيُشْتَرَطُ نِيَّةُ الِاعْتِكَافِ) فِي ابْتِدَائِهِ وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ فِي الِاعْتِكَافِ وَعَبَّرَ فِيهَا فِي الرَّوْضَةِ كَالْوَجِيزِ بِالرُّكْنِ.
(وَيَنْوِي فِي النَّذْرِ الْفَرْضِيَّةَ) وُجُوبًا.
(وَإِذَا أَطْلَقَ) نِيَّةَ الِاعْتِكَافِ.
(كَفَتْهُ نِيَّتُهُ) هَذِهِ (وَإِنْ
[حاشية قليوبي]
لَمْسٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِلَا حَائِلٍ كَمَا مَرَّ عَنْ شَيْخِنَا وَإِنَّ الِاسْتِمْنَاءَ يُبْطِلُهُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (لِحُرْمَتِهَا) أَيْ فِي الْوَاجِبِ لِمَا مَرَّ
. قَوْلُهُ: (وَلَا يَضُرُّ التَّطَيُّبُ إلَخْ) وَلَا الْأَكْلُ وَلَا الشُّرْبُ وَلَا الْأَمْرُ بِإِصْلَاحِ مَعَاشِهِ وَلَا كِتَابَةُ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَثُرَتْ وَلَا الصَّنْعَةُ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ وَلَا تُكْرَهُ الصَّنْعَةُ فِيهِ مَا لَمْ تَكْثُرْ وَلَا غَسْلُ يَدِهِ فِي نَحْوِ إنَاءٍ مَا لَمْ يَكُنْ إزَارًا وَلَا الْوُضُوءُ فِيهِ أَوْ عَلَى حُصُرِهِ.
وَالْأَوْلَى لِلْمُعْتَكِفِ الِاشْتِغَالُ بِالْعِبَادَةِ وَمُجَالَسَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ وَقِرَاءَةُ الْوَثَائِقِ وَالْمَغَازِي غَيْرِ الْمَوْضُوعَةِ وَإِلَّا فَتَحْرُمُ كَفُتُوحِ الشَّامِ وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَحِكَايَتِهِمْ الْمَنْسُوبَةِ لِلْوَاقِدِيِّ.
فَائِدَةٌ: ذَكَرَ الْإِمَامُ الشَّعْرَاوِيُّ فِي الْمَتْنِ مَا نَصُّهُ وَيُحَذَّرُ مِنْ مُطَالَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ إحْيَاءِ الْعُلُومِ لِلْغَزَالِيِّ، وَمِنْ كِتَابِ قُوتِ الْقُلُوبِ لِأَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ، وَمِنْ تَفْسِيرِ مَكِّيٍّ، وَمِنْ كَلَامِ ابْنِ مَيْسَرَةَ الْحَنْبَلِيِّ، وَمِنْ كَلَامِ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيِّ، وَمِنْ مُطَالَعَةِ كُتُبِ ابْنِ حِبَّانَ أَوْ كُتُبِ إخْوَانِ الصَّفَاءِ أَوْ كَلَامِ إبْرَاهِيمَ النَّجَّامِ، أَوْ كِتَابِ خَلْعُ النَّعْلَيْنِ لِابْنِ قُسَيٍّ، أَوْ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيِّ، أَوْ كَلَامِ الْمُفِيدِ بْنِ رَشِيدِيٍّ، أَوْ كُتُبِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الْعَرَبِيِّ، أَوْ تَائِيَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ وَفَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ انْتَهَى.
قَوْلُهُ: (وَلَا الْفِطْرُ) وَإِنْ وَجَبَ كَالْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ كَمَا مَرَّ
. قَوْلُهُ: (يَوْمَ صَوْمِهِ) وَلَوْ نَفْلًا وَيَلْزَمُهُ اعْتِكَافُ يَوْمٍ كَامِلٍ وَهُوَ صَائِمٌ مِنْ أَوَّلِهِ، فَلَوْ اعْتَكَفَ مِنْ أَوَّلِهِ وَنَوَى الصَّوْمَ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يَكْفِهِ.
قَوْلُهُ: (صَائِمًا أَوْ يَصُومُ مُعْتَكِفًا) أَوْ بِاعْتِكَافٍ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الِاعْتِكَافُ وَالصَّوْمُ) وَيَكْفِيهِ لَحْظَةٌ عَنْ الِاعْتِكَافِ وَلَا يُجْزِئُهُ صَوْمُ غَيْرِ مَا نَذَرَهُ وَلَوْ وَاجِبًا وَلَا أَقَلَّ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ لِأَنَّهُ أَقَلُّهُ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّلَاةُ أَفْعَالٌ) وَمِثْلُهَا الْإِحْرَامُ فَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا أَوْ عَكْسَهُ لَزِمَاهُ لَا جَمَعُهُمَا وَلَوْ نَذَرَ الْقِرَانَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ جَازَ لَهُ مُقْتَضَيَانِ وَهُوَ أَفْضَلُ.
قَوْلُهُ: (وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ) أَيْ الْقَاطِعُ الْمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ وَالثَّانِي لَا يَجِبُ وَحَيْثُ لَزِمَاهُ فَيَكْفِيهِ لِلِاعْتِكَافِ لَحْظَةً، وَمِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ وَلَوْ قَيَّدَ بِزَمَنٍ وَجَبَ فَلَوْ كَانَ أَيَّامًا لَزِمَهُ لِكُلِّ يَوْمٍ رَكْعَتَانِ فِيهِ، وَلَا يَكْفِيهِ جَمْعُهَا فِي يَوْمٍ.
وَلَوْ عَيَّنَ زَمَنًا لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ مَعَهُ لَزِمَهُ الِاعْتِكَافُ فَقَطْ.
وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا مُتَتَابِعًا فَجَامَعَ لَيْلًا بَطَلَ وَلَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ.
قَوْلُهُ: (الْفَرْضِيَّةُ) أَوْ النَّذْرُ وَلَمْ يَجْرِ هُنَا الْخِلَافُ فِي نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ لَفْظَ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ مَثَلًا يُرْشِدُ إلَى الْفَرْضِيَّةِ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ، وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ سَبَبِهِ
[حاشية عميرة]
﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ [البقرة: 187] . قَوْلُهُ: (وَهِيَ حَرَامٌ إلَخْ) حَاوَلَ فِي الْمُهِمَّاتِ مَنْعَ التَّحْرِيمِ فِيهَا إذَا كَانَ الِاعْتِكَافُ تَطَوُّعًا، وَقَضِيَّةُ الشَّرْحِ كَالرَّوْضَةِ خِلَافُهُ
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَضُرُّ التَّطَيُّبُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ تَرْكُهُ، وَلَا الْأَمْرُ بِتَرْكِهِ
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَزِمَهُ) أَيْ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ بِالصَّوْمِ أَفْضَلُ فَصَحَّ الْتِزَامُهُ لِحَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا) مِثْلُهُ مَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ بِصَوْمٍ، لِأَنَّهُ حَالٌ أَيْضًا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيَنْبَغِي فِيهِمَا أَنْ يَكْتَفِيَ بِاعْتِكَافِ لَحْظَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ بِطَرْدِ الْوَجْهَيْنِ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ لَا يَجِبُ جَمْعُهُمَا
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَنْوِي فِي النَّذْرِ الْفَرْضِيَّةَ) لَمْ يَحْكُوا هُنَا خِلَافَ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ تَقْيِيدَ
طَالَ مُكْثُهُ لَكِنْ لَوْ خَرَجَ) مِنْ الْمَسْجِدِ (وَعَادَ) إلَيْهِ (احْتَاجَ إلَى الِاسْتِئْنَافِ) لِلنِّيَّةِ سَوَاءٌ خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ مَا مَضَى عِبَادَةٌ تَامَّةٌ وَالثَّانِيَ اعْتِكَافٌ جَدِيدٌ.
(وَلَوْ نَوَى مُدَّةً) كَيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ.
(فَخَرَجَ فِيهَا وَعَادَ فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ) لِلنِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ الزَّمَانُ لِقَطْعِهِ الِاعْتِكَافَ.
(أَوْ لَهَا فَلَا) يَلْزَمُهُ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ مِنْهَا فَهِيَ كَالْمُسْتَثْنَى عِنْدَ النِّيَّةِ (وَقِيلَ إنْ طَالَتْ مُدَّةُ خُرُوجِهِ اسْتَأْنَفَ) النِّيَّةَ لِتَعَذُّرِ الْبِنَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَطُلْ وَسَوَاءٌ خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَمْ لِغَيْرِهِ.
(وَقِيلَ لَا يَسْتَأْنِفُ مُطْلَقًا) لِأَنَّ النِّيَّةَ شَمَلَتْ جَمِيعَ الْمُدَّةِ بِالتَّعْيِينِ.
(وَلَوْ نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً فَخَرَجَ لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ) وَعَادَ (لَمْ يَجِبْ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ وَقِيلَ إنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْحَاجَةِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ) يَعْنِي مِمَّا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ كَالْأَكْلِ، فَإِنَّهُ مَعَ إمْكَانِهِ فِي الْمَسْجِدِ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَحْيِ مِنْهُ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ فِيهِ بِخِلَافِ الشُّرْبِ فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ لَهُ مَعَ إمْكَانِهِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ.
(وَجَبَ) اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْعِبَادَةِ بِمَا عَرَضَ وَالْأَصَحُّ لَا يَجِبُ لِشُمُولِ النِّيَّةِ جَمِيعَ الْمُدَّةِ أَمَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ كَالْحَيْضِ فَهُوَ كَالْحَاجَةِ قَطْعًا، وَلَوْ خَرَجَ لِعُذْرٍ
[حاشية قليوبي]
لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِغَيْرِ النَّذْرِ.
قَوْلُهُ: (أَطْلَقَ نِيَّةَ الِاعْتِكَافِ) أَيْ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ بِأَنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِمُدَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ) وَلَا يَضُرُّ فِي النِّيَّةِ قَصْدُ قَطْعِهَا، وَلَا قَصْدُ قَطْعِ الِاعْتِكَافِ، وَلَا قَصْدُ الْخُرُوجِ مِنْهُ كَمَا فِي الْحَجِّ نَعَمْ يَضُرُّ رَفْضُهَا.
قَوْلُهُ: (احْتَاجَ إلَى الِاسْتِئْنَافِ) أَيْ إنْ لَمْ يَعْزِمْ حَالَ خُرُوجِهِ عَلَى الْعَوْدِ لِلِاعْتِكَافِ وَإِلَّا كَفَاهُ ذَلِكَ الْعَزْمُ مِنْ النِّيَّةِ عِنْدَ دُخُولِهِ مَسْجِدًا سَوَاءٌ الْأَوَّلُ أَوْ غَيْرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ اعْتِكَافٌ وَلَا يَضُرُّ فِي نِيَّتِهِ جِمَاعُهُ حَالَ خُرُوجِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اعْتِكَافٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ) أَيْ مَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْعَوْدِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا بِالْأَوْلَى إذْ هُنَا قَوْلٌ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ مُطْلَقًا وَشَيْخُنَا لَمْ يُوَافِقْ فِي هَذِهِ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِي كَلَامِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ مَا يُوَافِقُهُ إذَا عَادَ إلَى مَسْجِدٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَسَافَةً مِنْهُ وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا عَادَ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ الَّتِي عَيَّنَهَا، وَإِلَّا فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الِاعْتِكَافِ مُطْلَقًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (بِالتَّعْيِينِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمِقْدَارُ كَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا فِي التَّقْدِيرِ لَا مِنْ حَيْثُ الزَّمَنُ كَيَوْمِ كَذَا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَذَرَ إلَخْ) وَمِثْلُهُ مَا لَوْ نَوَى مُدَّةً مُعَيَّنَةً نَفْلًا كَمَا يَدُلُّ لَهُ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَعَادَ) أَيْ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ حَالًا وُجُوبًا فِي النَّذْرِ وَإِلَّا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ.
قَوْلُهُ: (بُدَّ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ
[حاشية عميرة]
الْبَالِغِ الصَّلَاةَ بِكَوْنِهَا ظُهْرًا مَثَلًا يُرْشِدُ إلَى الْفَرْضِيَّةِ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا هُنَا تَعْيِينَ سَبَبِ وُجُوبِهِ وَهُوَ النَّذْرُ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِهِ قَالَ فِي الذَّخَائِرِ: وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى نِيَّةِ الْمَنْذُورِ كَفَتْهُ عَنْ الْفَرْضِيَّةِ قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ) قَدْ سَلَفَ فِي الصَّلَاةِ وَجْهٌ فِي مِثْلِ هَذِهِ النِّيَّةِ، لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَةٍ، وَقِيَاسُهُ هُنَا الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يُسَمَّى عُكُوفًا وَوُجِّهَ، لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَقِيَاسُهُ هُنَا الِاقْتِصَارُ عَلَى يَوْمٍ قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ نَوَى مُدَّةً) مِثْلُهُ لَوْ نَذَرَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ) أَيْ لِيَصِحَّ اعْتِكَافُهُ الثَّانِي، وَأَمَّا أَصْلُ الْعَوْدِ فَلَا يَجِبُ فِي النَّفْلِ لِجَوَازِ الْخُرُوجِ مِنْهُ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا الْخِلَافُ الَّذِي فِي التَّطَوُّعِ جَارٍ فِيمَا إذَا نَذَرَ مُدَّةً، وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهَا التَّتَابُعَ، وَكَذَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هُوَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً) يَحْتَمِلُ أَنَّ نِيَّتَهَا كَنَذْرِهَا كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ الْإِرْشَادِ لَكِنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ كَالشَّيْخَيْنِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا خِلَافُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ ثُمَّ رَأَيْت عِبَارَةَ الرَّوْضَةِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ قَوْلُ الْمَتْنِ: (لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: كَالْأَكْلِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْحَيْضِ وَالْمَرَضِ وَالْخُرُوجِ نَاسِيًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي إيضَاحُهُ قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَمْ يَجِبْ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ) وَلَكِنْ اشْتَرَطَ الْمُبَادَرَةَ إلَى الْعَوْدِ عِنْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ) أَيْ غَيْرُ الْمُفْطِرِ.
قَوْلُهُ: (يَعْنِي مِمَّا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ) حَاوَلَ بِهَذَا دَفْعَ مَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: تَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِهَذَيْنِ غَلَطٌ تَبِعَ فِيهِ الْمُحَرَّرَ، فَإِنَّ الرَّافِعِيَّ قَدْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ آخِرَ الْبَابِ، فَقَالَ: أَمَّا الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي مَعْنَاهُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَالِاغْتِسَالِ وَأَلْحَقَ بِهِ الْأَذَانَ إذَا جَوَّزْنَا الْخُرُوجَ لَهُ، وَأَمَّا الَّذِي مِنْهُ بُدٌّ أَيْ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَظْهَرُهُمَا لَا يَجِبُ وَذَكَرَ فِي الرَّوْضَةِ مِثْلَهُ.
قَالَ: أَعْنِي الْإِسْنَوِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَتَلَخَّصَ أَنَّ جَمِيعَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَذَلِكَ كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْمَرَضِ وَقَضَاءِ الْعِدَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَيْفَ يُتَخَيَّلُ اغْتِفَارُ الِاغْتِسَالِ، وَالْآذَانِ دُونَ الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ اهـ.
ثُمَّ
يَقْطَعُ التَّتَابُعَ كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَجَبَ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ عِنْدَ الْعَوْدِ.
(وَشَرْطُ الْمُعْتَكِفِ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالنَّقَاءُ مِنْ الْحَيْضِ) وَالنِّفَاسِ (وَالْجَنَابَةِ) فَلَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْكَافِرِ وَالْمَجْنُونِ وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالسَّكْرَانُ إذْ لَا نِيَّةَ لَهُمْ وَلَا اعْتِكَافُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَالْجُنُبِ لِحُرْمَةِ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَيْهِمْ، (وَلَوْ ارْتَدَّ الْمُعْتَكِفُ أَوْ سَكِرَ بَطَلَ) اعْتِكَافُهُ زَمَنَ الرِّدَّةِ وَالسُّكْرِ.
(وَالْمَذْهَبُ بُطْلَانُ مَا مَضَى مِنْ اعْتِكَافِهِمَا الْمُتَتَابِعِ) مِنْ حَيْثُ التَّتَابُعُ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَشَدُّ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ بِلَا عُذْرٍ وَهُوَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ كَمَا سَيَأْتِي، وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ فِيهِمَا فَيُبْنَيَانِ بَعْدَ الْعَوْدِ وَالصَّحْوِ إمَّا فِي الرِّدَّةِ فَتَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ وَإِمَّا فِي السُّكْرِ فَإِلْحَاقًا لَهُ بِالنَّوْمِ وَقِيلَ: يَبْطُلُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي لِمَا تَقَدَّمَ فِيهِ.
وَهَذَا بِمَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِيهِمَا مِنْ الْبِنَاءِ فِي الْأَوَّلِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالِاسْتِئْنَافِ فِي الثَّانِي بَعْدَ الصَّحْوِ.
وَقِيلَ فِيهِمَا قَوْلَانِ هَذِهِ خَمْسَةُ طُرُقٍ، وَأَصْحَابُ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ حَمَلُوا نَصَّ الْمُرْتَدِّ عَلَى اعْتِكَافٍ غَيْرِ مُتَتَابِعٍ، وَأَصْحَابُ الطَّرِيقِ الثَّانِي حَمَلُوا نَصَّ السَّكْرَانِ عَلَى مَا إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ.
(وَلَوْ طَرَأَ جُنُونٌ أَوْ إغْمَاءٌ) عَلَى الْمُعْتَكِفِ (لَمْ يَبْطُلْ مَا مَضَى) مِنْ اعْتِكَافِهِ الْمُتَتَابِعِ.
(إنْ لَمْ يُخْرَجْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مِنْ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِمَا عَرَضَ لَهُ فَإِنْ أُخْرِجَ مِنْهُ وَكَانَ يُمْكِنُ حِفْظُهُ فِيهِ بِمَشَقَّةٍ بَطَلَ تَتَابُعُ اعْتِكَافِهِ فِي قَوْلٍ، وَالْأَظْهَرُ لَا
[حاشية قليوبي]
وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ غِنًى.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطُ الْمُعْتَكِفِ) أَيْ وَصْفُهُ شَرْطٌ.
وَأَمَّا هُوَ فَرُكْنٌ وَبِهِ تَتِمُّ أَرْكَانُ الِاعْتِكَافِ الْأَرْبَعَةُ وَهِيَ النِّيَّةُ وَالْمَسْجِدُ وَاللُّبْثُ فِيهِ وَالْمُعْتَكِفُ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ) أَلْحَقَهُ وَمَا بَعْدَهُ بِالْمَجْنُونِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْعَقْلِ التَّمْيِيزَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إسْقَاطُ لَفْظِ كَذَا عَلَى إرَادَةِ ذَاكَ، وَهِيَ أَوْلَى لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الِابْتِدَاءِ وَسَيَأْتِي الْأَثْنَاءُ.
قَوْلُهُ: (وَالْجُنُبِ وَلَوْ صَبِيًّا) وَالْعِلَّةُ لِلْأَصْلِ وَالْأَغْلَبِ.
قَوْلُهُ: (لِحُرْمَةِ الْمُكْثِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ فَيَصِحُّ اعْتِكَافُ مَنْ بِهِ جِرَاحَةٌ نَضَّاحَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ مَا يُخَالِفُهُ وَلَمْ يَرْتَضِهِ، وَاعْتِكَافُ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ وَعَبْدٍ وَوَلَدٍ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِ أَمْرِهِمْ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ خَارِجٌ، وَبِإِذْنِهِ لَا حُرْمَةَ وَلَهُ تَحْلِيلُهُمْ مِنْ نَفْلٍ أُذِنَ فِيهِ لَا مِنْ فَرْضٍ أُذِنَ فِيهِ وَلَوْ غَيْرَ مُتَتَابِعٍ وَنَذْرُ الْعَبْدِ صَحِيحٌ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ ثُمَّ بَاعَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي تَحْلِيلُهُ وَلَهُ الْخِيَارُ إنْ جَهِلَ وَالْمُكَاتَبُ فِي الْحُرْمَةِ كَالْقِنِّ إنْ فَاتَ عَلَيْهِ كَسْبٌ وَإِلَّا فَلَا وَالْمُبَعَّضُ فِي نَوْبَتِهِ كَالْحُرِّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ سَكِرَ) أَيْ مُتَعَدِّيًا وَإِلَّا فَكَالْإِغْمَاءِ إذَا لَمْ يَتَعَدَّ بِهِ أَيْضًا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (مِنْ اعْتِكَافِهِمَا) اعْتَرَضَ عَلَى التَّثْنِيَةِ لِأَنَّ الْعَطْفَ قَبْلَهُ بِأَوْ.
وَأَجَابَ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّ الْعَطْفَ لِلْفِعْلِ وَمَرْجِعُ الضَّمِيرِ لِلْمُرْتَدِّ وَالسَّكْرَانِ انْتَهَى.
وَفِيهِ نَظَرٌ وَلِذَلِكَ لَمْ يَرْتَضِهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ التَّتَابُعُ) وَكَذَا يَبْطُلُ الثَّوَابُ فِي الْمُرْتَدِّ مُطْلَقًا.
وَكَذَا الْعَمَلُ إنْ مَاتَ مُرْتَدًّا.
قَوْلُهُ: (حَمَلُوا نَصَّ الْمُرْتَدِّ إلَخْ) فِي هَذَا الْحَمْلِ نَظَرٌ مَعَ فَرْضِ أَنَّ النَّصَّيْنِ فِي الْمُتَتَابِعِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ طَرَأَ) أَيْ بِلَا تَعَدٍّ.
قَوْلُهُ: (بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ) لَعَلَّ ضَبْطَهُ لِذَلِكَ إمَّا لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ خُرُوجٌ أَوْ لِبُعْدِ خُرُوجِهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ لِإِدْخَالِ إخْرَاجِ غَيْرِهِ لَا لِإِخْرَاجِ خُرُوجِهِ بِنَفْسِهِ وَلِذَلِكَ اعْتَمَدَ شَيْخُنَا كَشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ تَتَابُعُ اعْتِكَافِهِمَا سَوَاءٌ أُخْرِجَا أَوْ خَرَجَا أَمْكَنَ حِفْظُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ بِلَا مَشَقَّةٍ أَوْ لَا حَرُمَ إبْقَاؤُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ لِنَحْوِ تَنَجُّسِ أَوَّلِهَا فَقَوْلُهُ: لِمَشَقَّةٍ إلَخْ قِيلَ لِلْخِلَافِ لَا لِلْحُكْمِ.
وَفِي ابْنِ حَجَرٍ بُطْلَانُ التَّتَابُعِ فِيمَا إذَا وَجَبَ إخْرَاجُهُمَا كَالْمُكْرَهِ بِحَقٍّ وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ بِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ.
[حاشية عميرة]
نَبَّهَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لِغَرَضٍ أَنْشَأَهُ ثُمَّ عَادَ فَفِي التَّجْدِيدِ الْخِلَافُ، فِيمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ
[وَشَرْطُ الْمُعْتَكِفِ]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَشَرْطُ الْمُعْتَكِفِ إلَخْ) دَخَلَ فِي ضَابِطِهِ الصَّبِيُّ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ، وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَى إذْنِ السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّ زَمَنَهُ يُحْسَبُ إذَا طَرَأَ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الشُّرُوطِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَا عَلَى الِابْتِدَاءِ فَقَطْ فَتَأَمَّلْهُ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الِابْتِدَاءَ، وَأَمَّا الدَّوَامُ فَذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ ارْتَدَّ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الرِّدَّةِ إلَخْ) أَيْ دُونَ الْمَاضِي مِنْ غَيْرِ الْمُتَتَابِعِ قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ اعْتِكَافِهِمَا) اعْتَرَضَ التَّثْنِيَةَ بِأَنَّ الْعَطْفَ السَّابِقَ بِأَوْ، وَأَجَابَ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّ الْعَطْفَ لِلْفِعْلِ، وَمَرْجِعُ الضَّمِيرِ لِلْمُرْتَدِّ وَالسَّكْرَانِ فَلَا إيرَادَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ التَّتَابُعُ) وَإِلَّا فَهُوَ مَحْسُوبٌ لَهُ، وَلَا نُحْبِطُهُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ فِي الرِّدَّةِ يُشْتَرَطُ الْعَوْدُ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يَبْطُلُ فِي الْأَوَّلِ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُنَافِي الْعِبَادَةَ وَالسُّكْرُ كَالنَّوْمِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا تَقَدَّمَ فِيهِ) عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُمْنَعُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَلِذَا تَجُوزُ اسْتِتَابَتُهُ فِيهِ، وَتَمَكُّنُهُ مِنْ الدُّخُولِ لِاسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ، وَالسَّكْرَانُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْمَسْجِدِ لِلْآيَةِ فَإِذَا شَرِبَ وَسَكِرَ فَقَدْ أَخْرَجَ نَفْسَهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ اللُّبَابِ.
قَوْلُهُ: (وَأَصْحَابُ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ) كَذَا أَصْحَابُ الطَّرِيقِ الثَّانِي حَمَلُوا النَّصَّيْنِ جَمِيعًا عَلَى مَا ذُكِرَ، وَكَانَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَرَكَ ذَلِكَ، لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا قَالَهُ فِي الْأَوِّلَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ وَرُبَّمَا عَرَضَ لَهُ) هُوَ يُفِيدُك أَنَّ
يَبْطُلُ كَمَا لَوْ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُهُ فِيهِ لِعُذْرِهِ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
(وَيُحْسَبُ زَمَنُ الْإِغْمَاءِ مِنْ الِاعْتِكَافِ) كَالنَّوْمِ (دُونَ) زَمَنِ (الْجُنُونِ) لِمُنَافَاتِهِ لِلِاعْتِكَافِ (أَوْ) طَرَأَ (الْحَيْضِ وَجَبَ الْخُرُوجُ وَكَذَا الْجَنَابَةُ إنْ تَعَذَّرَ الْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ) لِحُرْمَةِ الْمُكْثِ فِيهِ عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ.
(فَلَوْ أَمْكَنَ) الْغُسْلُ فِيهِ (جَازَ الْخُرُوجُ) لَهُ.
(وَلَا يَلْزَمُ) بَلْ يَجُوزُ الْغُسْلُ فِيهِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُبَادِرَ بِهِ كَيْ لَا يَبْطُلَ تَتَابُعُ اعْتِكَافِهِ.
(وَلَا يُحْسَبُ زَمَنُ الْحَيْضِ وَلَا الْجَنَابَةِ) فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الِاعْتِكَافِ لِمُنَافَاتِهِمَا لَهُ.
فَصْلُ إذَا نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً كَأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ أَوْ شَهْرٍ مُتَتَابِعٍ (لَزِمَهُ) التَّتَابُعُ فِيهَا، وَفِي مُدَّةِ الْأَيَّامِ يَلْزَمُ اعْتِكَافُ اللَّيَالِيِ الْمُتَخَلِّلَةِ بَيْنَهَا فِي الْأَرْجَحِ (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّتَابُعُ بِلَا شَرْطٍ) وَالثَّانِي أَنَّهُ يَجِبُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا شَهْرًا يَكُونُ مُتَتَابِعًا، وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ مَقْصُودَ الْيَمِينِ الْهِجْرَانُ وَلَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ التَّتَابُعِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ نَوَى التَّتَابُعَ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ لَا يَلْزَمُهُ فِي الْأَصَحِّ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَصْلِ الِاعْتِكَافِ بِقَلْبِهِ، وَلَا يَلْزَمُ فِي مُدَّةِ الْأَيَّامِ اعْتِكَافُ اللَّيَالِي الْمُتَخَلِّلَةِ بَيْنَهَا فِي الْأَرْجَحِ، وَلَوْ شُرِطَ
[حاشية قليوبي]
وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَيُحْسَبُ زَمَنُ الْإِغْمَاءِ) أَيْ إنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْجَنَابَةُ) أَيْ غَيْرُ الْمُفْطِرَةِ لِأَنَّ الْمُفْطِرَةَ تَقْطَعُ التَّتَابُعَ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَمْكَنَ الْغُسْلُ) أَيْ بِلَا مُكْثٍ وَمِثْلُهُ التَّيَمُّمُ.
قَوْلُهُ: (زَمَنُ الْحَيْضِ) أَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ فَلَا تَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ إنْ أَمِنَتْ التَّلْوِيثَ.
فَصْلٌ فِي الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ وَكَيْفِيَّةِ نَذْرِهِ قَوْلُهُ: (وَفِي مُدَّةِ الْأَيَّامِ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّهُ إذَا تَلَفَّظَ بِالتَّتَابُعِ دَخَلَتْ اللَّيَالِي فِي لَفْظِ الشَّهْرِ قَطْعًا سَوَاءٌ عَيَّنَهُ أَوْ لَا.
بَلْ وَإِنْ نَفَاهَا فِي نِيَّتِهِ وَمِثْلُهُ الْأُسْبُوعُ وَالْعَشْرُ الْفُلَانِيُّ مِنْ شَهْرِ كَذَا.
وَتَدْخُلُ فِي لَفْظِ الْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ عَلَى الْأَرْجَحِ وَمِثْلُهُ سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالتَّتَابُعِ دَخَلَتْ فِي نَحْوِ الشَّهْرِ قَطْعًا أَيْضًا وَلَا تَدْخُلُ فِي نَحْوِ الْعَشَرَةِ أَيَّامٍ عَلَى الرَّاجِحِ نَعَمْ إنْ نَوَاهَا دَخَلَتْ كَمَا لَوْ نَذَرَ يَوْمًا فَلَا تَدْخُلُ لَيْلَتُهُ إلَّا إنْ نَوَاهَا.
وَبِذَلِكَ عُلِمَ بِأَنَّ التَّتَابُعَ لَا يَلْزَمُ بِنِيَّتِهِ وَفَارَقَ لُزُومَ اللَّيَالِي بِهَا بِأَنَّهُ وَصْفٌ غَيْرُ لَازِمٍ وَاللَّيَالِي مِنْ الْجِنْسِ وَلَازِمَةٌ لِلْأَيَّامِ.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَيَلْزَمُ فِي مُدَّةِ الْأَيَّامِ اعْتِكَافُ اللَّيَالِي الْمُتَخَلِّلَةِ بِعَيْنِهَا فِي الْأَرْجَحِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَرْجُوحِ وَهُوَ لُزُومُ التَّتَابُعِ بِالنِّيَّةِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا نَوَاهَا فِي نُسْخَةٍ.
وَلَا يَلْزَمُ إلَخْ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الرَّاجِحِ
[حاشية عميرة]
الشَّخْصَ لَوْ تَسَبَّبَ فِي ذَلِكَ كَانَ قَاطِعًا، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْكِفَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُحْسَبُ زَمَنُ الْإِغْمَاءِ) نَظِيرُ مَا سَلَفَ فِي الصَّائِمِ إذَا زَالَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ لَكِنْ هُنَا لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ إنَّمَا الشَّرْطُ جِنَايَةٌ لَا تَقْطَعُ التَّتَابُعَ.
قَوْلُهُ: (زَمَنُ الْحَيْضِ وَلَا الْجَنَابَةِ) أَيْ سَوَاءٌ اتَّفَقَ الْمُكْثُ مَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ حَرَامٌ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ وَهَلْ يَبْطُلُ بِالْحَيْضِ مَا سَبَقَ مِنْ التَّتَابُعِ، أَمْ يَجُوزُ الْبِنَاءُ فِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ.
[فَصْلُ إذَا نَذَرَ الْمُعْتَكِف مُدَّةً مُتَتَابِعَةً]
فَصْلٌ إذَا نَذَرَ إلَخْ قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَزِمَهُ) أَيْ كَالصَّوْمِ وَلِأَنَّ التَّتَابُعَ وَصْفٌ مَقْصُودٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى الْبَاقِي عَقِبَ الْإِتْيَانِ بِبَعْضِهِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ عَدَمَ لُزُومِ نَذْرِ التَّفْرِيقِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِخِلَافِ الصَّوْمِ.
قَوْلُهُ: (يَلْزَمُ اعْتِكَافُ اللَّيَالِي إلَخْ) قَالَ الرُّويَانِيُّ: إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ اللَّيَالِيَ بِقَلْبِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالصَّحِيحُ إلَخْ) أَيْ قِيَاسًا عَلَى نَظِيرِهِ مِنْ الصَّوْمِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ نَذَرَ يَوْمًا وَنَوَى لَيْلَتَهُ مَعَهُ لَزِمَتْهُ بِاتِّفَاقٍ قَالَهُ السُّبْكِيُّ.
وَاسْتَشْكَلَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّ النِّيَّةَ وَحْدَهَا لَا تَعْمَلُ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْيَوْمَ
التَّفَرُّقُ خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالتَّتَابُعِ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ.
(وَ) الْأَصَحُّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ (أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ يَوْمًا لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُ سَاعَاتِهِ عَلَى الْأَيَّامِ) لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ الْيَوْمِ الْمُتَّصِلِ وَالثَّانِي يَجُوزُ تَنْزِيلًا لِلسَّاعَاتِ مِنْ الْيَوْمِ مَنْزِلَةَ الْأَيَّامِ مِنْ الشَّهْرِ.
(وَ) الْأَصَحُّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ.
(أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ مُدَّةً كَأُسْبُوعٍ) عَيَّنَهُ (وَتَعَرَّضَ لِلتَّتَابُعِ وَفَاتَهُ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ فِي الْقَضَاءِ) وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّ التَّتَابُعَ يَقَعُ ضَرُورَةً فَلَا أَثَرَ لِتَصْرِيحِهِ بِهِ، (وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْقَضَاءِ) قَطْعًا.
(وَإِذَا ذَكَرَ التَّتَابُعَ) فِي نَذْرِهِ (وَشَرَطَ الْخُرُوجَ لِعَارِضٍ صَحَّ الشَّرْطُ فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ إلَّا بِحَسَبِهِ، وَالثَّانِي يَلْغُو لِمُخَالَفَتِهِ لِمُقْتَضَى التَّتَابُعِ، وَعَلَى
[حاشية قليوبي]
إذَا لَمْ يَنْوِهَا.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ الْمُتَخَلِّلَةِ اللَّيْلَةُ السَّابِقَةُ فَفِيهَا مَا فِي لَيْلَةِ الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَلْيُحَرَّرْ.
قَوْلُهُ (وَلَوْ شُرِطَ التَّفَرُّقُ) وَلَوْ فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَهَذَا مَفْهُومُ شَرْطِ التَّتَابُعِ.
قَوْلُهُ: (خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالتَّتَابُعِ) وَفَارَقَ عَدَمَ إجْزَاءِ التَّتَابُعِ فِيمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَصَامَهَا مُتَوَالِيَةً حَيْثُ يُحْسَبُ لَهُ مِنْهَا خَمْسَةٌ فَقَطْ لِوُجُوبِ وُجُودِ الْفِطْرِ فِي تَخَلُّلِهَا بِخِلَافِهِ هُنَا وَفَارَقَ أَيْضًا عَدَمُ إجْزَاءِ التَّوَالِي فِي الْعَشَرَةِ أَيَّامٍ لِلْمُتَمَتِّعِ فِي الْحَجِّ بِالنَّصِّ عَلَى تَفْرِيقِهَا، وَبِأَنَّهُ فِي أَدَائِهَا تَخَلَّلَهَا فِطْرٌ وُجُوبًا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الرَّوْضَةِ) خِلَافٌ لِمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالصَّحِيحِ عَطْفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (يَوْمًا) وَهُوَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ كَمَا قَالَهُ الْخَلِيلُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَيَّامِ) رُبَّمَا يُرْشِدُ فِيمَا لَوْ دَخَلَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ وَاسْتَمَرَّ إلَى مِثْلِهِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي أَنَّهُ يَكْفِيهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَلَيْسَتْ مِنْ أَفْرَادِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ وَاسْتَمَرَّ إلَى مِثْلِهِ مَا لَوْ خَرَجَ مِنْهُ لَيْلًا فَلَا يَكْفِيهِ عِنْدَ شَيْخِنَا خِلَافًا لِلْخَطِيبِ، وَلَوْ نَذَرَ وَقْتَ الزَّوَالِ مَثَلًا اعْتِكَافَ يَوْمٍ أَوَّلُهُ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى مِثْلِهِ مِنْ الْغَدِ، وَدَخَلَتْ اللَّيْلَةُ لِضَرُورَةِ التَّعْيِينِ.
وَلَوْ اعْتَكَفَ لَيْلًا عِوَضًا عَنْ النَّهَارِ فَإِنْ كَانَ قَضَاءً صَحَّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ قَدْرِ الْيَوْمِ الْمُعَيَّنِ وَإِلَّا وَجَبَ التَّكْمِيلُ وَفَارَقَ إجْزَاءَ يَوْمٍ قَصِيرٍ عَنْ طَوِيلٍ فِي الصَّوْمِ بِاتِّحَادِ جِنْسِ الزَّمَانِ كَمَا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَبِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ، وَقَدْ يُقَالُ لَا حَاجَةَ لِهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَكَفَ يَوْمًا كَفَاهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الْمَنْذُورِ وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى التَّكْمِيلِ فِي اللَّيْلِ لِعَدَمِ اسْمِ الْيَوْمِ فِيهِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ مِثْلُ الزَّمَنِ الْمَنْذُورِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَجُوزُ) قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَكْفِيهِ عَلَى هَذَا قَدْرُ سَاعَاتِ أَقْصَرِ الْأَيَّامِ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَكَفَهُ عَنْهُ كَفَاهُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ وَاضِحٌ أَنَّهُ فَرَّقَهُ فِي سِنِينَ فَإِنْ فَرَّقَهُ فِي أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ فِي الطُّولِ أَوْ الْقِصَرِ فَيَنْبَغِي اعْتِبَارُ الْجُزْئِيَّةِ إلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَإِنْ كَانَ ثُلُثًا مَثَلًا خَرَجَ عَنْ ثُلُثِ مَا عَلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ حَسَنٌ وَسَكَتَ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا غَايَرَ بَيْنَ السَّاعَاتِ فَلَوْ أَتَى بِسَاعَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ يَوْمٍ ثُمَّ أَتَى بِهَا نَفْسَهَا مِنْ يَوْمٍ آخَرَ وَهَكَذَا إلَى أَنْ اسْتَكْمَلَ مَا عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ جَزْمًا.
قَوْلُهُ: (عَيَّنَهُ) قَيْدٌ لِتَصَوُّرِ الْقَضَاءِ.
وَلَوْ تَرَكَ يَوْمًا مِنْهُ قَضَى بَدَلَهُ فَقَطْ وَفَارَقَ اسْتِئْنَافَ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ بِعَدَمِ تَعَيُّنِ زَمَنِهَا، وَلَوْ نَذَرَ الْعَشَرَةَ الْأَخِيرَةَ مِنْ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَهُ مَا بَعْدَ الْعِشْرِينَ مِنْ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَإِنْ نَقَصَ، أَوْ نَذَرَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ آخِرِ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَهُ قَضَاءُ يَوْمٍ إذَا نَقَصَ.
وَالْأَحْوَطُ اعْتِكَافُ يَوْمِ الْعِشْرِينَ وَيُجْزِئُهُ إنْ نَقَصَ وَإِلَّا أَتَمَّهُ.
وَلَوْ نَذَرَ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ لَزِمَهُ مِنْ وَقْتِ قُدُومِهِ فَقَطْ إنْ قَدِمَ نَهَارًا حَيًّا مُخْتَارًا وَإِلَّا فَلَا، وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ نَذْرِهِ إذَا فَاتَ وَالْأَفْضَلُ يَوْمٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَا أَثَرَ لِتَصْرِيحِهِ بِهِ) فَهُوَ لَغْوٌ أَوْ مُؤَكَّدٌ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْقَضَاءِ) لِأَنَّ لُزُومَهُ فِي الْأَدَاءِ لِضَرُورَةِ الْوَقْتِ كَرَمَضَانَ.
قَوْلُهُ: (لِعَارِضٍ دِينِيٍّ) أَوْ دُنْيَوِيٍّ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بِشُرُوطٍ
[حاشية عميرة]
قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اهـ.
وَلَوْ نَوَى أَيَّامًا وَنَوَى لَيَالِيَهَا فَكَذَلِكَ، وَأَمَّا الشَّهْرُ فَإِنَّ لَيَالِيَهُ تَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي.
قَوْلُهُ: (لَوْ نَوَى التَّتَابُعَ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ لَا يَلْزَمُ) اخْتَارَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ اللُّزُومَ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ اللَّيَالِيَ فِي نَذْرِ الْأَيَّامِ تَلْزَمُ بِنِيَّتِهَا وَهِيَ زَمَنٌ فَالصِّفَةُ أَعْنِي التَّتَابُعَ أَوْلَى بِذَلِكَ وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ اللَّيَالِيَ مِنْ جِنْسِ الْمَنْذُورِ فَلَزِمَتْ بِالنِّيَّةِ بِخِلَافِ التَّتَابُعِ، فَإِنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَلْزَمُ إلَخْ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَوْ نَوَى وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْأَيَّامَ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ التَّتَابُعُ، وَلَا نَوَاهُ لَا تَلْزَمُهُ اللَّيَالِي، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا تَغْتَرَّ بِمَا كَتَبْنَاهُ فِي حَاشِيَةٍ أُخْرَى مِنْ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى لَا يَلْزَمُهُ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ مُدَّةَ الْأَيَّامِ احْتَرَزَ عَنْ الشَّهْرِ، فَإِنَّ اللَّيَالِيَ تَلْزَمُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّتَابُعِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الرَّوْضَةِ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ وَالْأَصَحُّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمَفْهُومَ إلَخْ) قَالَ الْخَلِيلُ: الْيَوْمُ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَجُوزُ) مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا غَايَرَ بَيْنَ السَّاعَاتِ، أَمَّا لَوْ أَتَى سَاعَةً مُعَيَّنَةً مِنْ يَوْمٍ ثُمَّ أَتَى بِهَا نَفْسَهَا مِنْ آخَرَ إلَى أَنْ اسْتَكْمَلَ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ جَزْمًا ثُمَّ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُشْعِرُ، بِأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ نِصْفَ يَوْمٍ جَازَ التَّفْرِيقُ وَالْمُتَّجِهُ الْمَنْعُ.
قَوْلُهُ: (عَيَّنَهُ) خَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ عَبَّرَ بِالْأُسْبُوعِ فَقَطْ، وَشُرِطَ التَّتَابُعُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْفَوَاتُ، فَإِنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي إسْنَوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ التَّتَابُعُ إلَخْ) لِالْتِزَامِهِ لَهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِذَا ذُكِرَ التَّتَابُعُ) أَيْ بِاللَّفْظِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَشُرِطَ
الْأَوَّلِ إنْ عَيَّنَ الْعَارِضَ فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ إلَّا لِعِيَادَةِ الْمَرْضَى أَوْ لِعِيَادَةِ زَيْدٍ، خَرَجَ لِمَا عَيَّنَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ أَهَمَّ مِنْهُ.
وَإِنْ أَطْلَقَ فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ إلَّا لِعَارِضٍ أَوْ شُغْلٍ خَرَجَ لِكُلِّ شُغْلٍ دِينِي كَالْعِيَادَةِ وَالْجَمَاعَةِ أَوْ دُنْيَوِيٍّ مُبَاحٍ كَلِقَاءِ السُّلْطَانِ، وَاقْتِضَاءِ الْغَرِيمِ وَلَيْسَتْ النُّزْهَةُ مِنْ الشَّغْلِ، وَيَلْزَمُهُ الْعَوْدُ بَعْدَ قَضَاءِ الشُّغْلِ.
(وَالزَّمَانُ الْمَصْرُوفُ إلَيْهِ) أَيْ الْعَارِضُ (لَا يَجِبُ تَدَارُكُهُ إنْ عَيَّنَ الْمُدَّةَ كَهَذَا الشَّهْرِ) لِأَنَّ النَّذْرَ فِي الْحَقِيقَةِ لِمَا عَدَاهُ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْمُدَّةَ كَشَهْرٍ، (فَيَجِبُ) تَدَارُكُهُ لِتَتِمَّ الْمُدَّةُ وَتَكُونُ فَائِدَةُ الشَّرْطِ تَنْزِيلَ ذَلِكَ الْعَارِضِ مَنْزِلَةَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي أَنَّ التَّتَابُعَ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ.
(وَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِالْخُرُوجِ) مِنْ الْمَسْجِدِ (بِلَا عُذْرٍ) وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي صُوَرٍ.
(وَلَا يَضُرُّ إخْرَاجُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ) كَرَأْسِهِ أَوْ يَدِهِ أَوْ إحْدَى رِجْلَيْهِ أَوْ كِلْتَيْهِمَا وَهُوَ قَاعِدٌ مَادٌّ لَهُمَا، فَإِنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا فَهُوَ خَارِجٌ وَإِنْ كَانَ رَأْسُهُ دَاخِلًا.
(وَلَا) يَضُرُّ (الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ) وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يَجِبُ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ دَارِهِ) كَسِقَايَةِ الْمَسْجِدِ وَدَارِ صَدِيقِهِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُ لِلْمَشَقَّةِ فِي الْأَوَّلِ، وَالْمِنَّةِ فِي الثَّانِي.
(وَلَا يَضُرُّ بُعْدُهَا) عَنْ الْمَسْجِدِ (إلَّا أَنْ يُفْحِشَ فَيَضُرَّ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ قَدْ يَأْتِيهِ الْبَوْلُ إلَى أَنْ يَرْجِعَ فَيَبْقَى طُولَ يَوْمِهِ فِي الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ، وَاسْتَثْنَى فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَجِدَ فِي طَرِيقِهِ مَوْضِعًا لِقَضَاءِ
[حاشية قليوبي]
أَرْبَعَةٍ كَوْنُهُ مُعَيَّنًا مُبَاحًا مَقْصُودًا غَيْرَ مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ، فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْهَا بَطَلَ النَّذْرُ كَمَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا وَدَخَلَ فِي الْمُعَيَّنِ مَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ قَالَ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي عَارِضٌ أَوْ أُرِيدَ الْخُرُوجَ مَثَلًا وَسَتَأْتِي الْبَقِيَّةُ فِي كَلَامِهِ.
قَوْلُهُ: (كَالْعِيَادَةِ) الْمَنْدُوبَةِ لِمَرِيضٍ.
قَوْلُهُ: (مُبَاحٌ) لَا نَحْوَ سَرِقَةٍ أَوْ زِنًى.
قَوْلُهُ: (كَلِقَاءِ سُلْطَانٍ) لَا لِنَحْوِ تَفَرُّجٍ بَلْ لِنَحْوِ سَلَامٍ أَوْ مَنْصِبٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ وَخَرَجَ بِهِ نَحْوُ جِمَاعٍ نَعَمْ لَا يَضُرُّ نَحْوُ حَيْضٍ غَيْرِ مُبْطِلٍ لِلتَّتَابُعِ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَتْ النُّزْهَةُ إلَخْ) وَكُلٌّ غَيْرُ مَقْصُودٍ كَذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: يَصِحُّ شَرْطُ هَذَا الْعَارِضِ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا نَحْوُ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ كَذَا إلَّا إنْ حَصَلَ شُغْلُ كَذَا أَوْ عَطَشٌ أَوْ جُوعٌ وَمِنْهُ نَذَرَ التَّصَدُّقِ بِمَالِهِ إلَّا إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ فِي عُمُرِهِ، وَإِذَا مَاتَ لَزِمَ الْوَارِثَ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَيَلْزَمُهُ الْعَوْدُ) إنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ فِي نَذْرِهِ قَطْعَ الِاعْتِكَافُ بِالْعَارِضِ كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ كَذَا إلَّا إنْ حَصَلَ لِي كَذَا كَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ عَلَى نَظِيرِ مَا فِي تَحَلُّلِ الْمُحْصَرِ الْآتِي كَذَا صَوَّرَهُ شَيْخُنَا فَانْظُرْهُ مَعَ التَّصْوِيرِ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَكُونُ إلَخْ) وَفَارَقَ نَظِيرَ ذَلِكَ فِي الْمُعَيَّنَةِ بِأَنَّ ضَرُورَةَ التَّعْيِينِ صَرَفَتْ الِاسْتِثْنَاءَ إلَى جُزْءٍ مِنْ الزَّمَانِ الْمُلْتَزَمِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُلْتَزَمُ نَحْوَ حَيْضٍ لَمْ يَلْزَمْ تَدَارُكُهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ إحْدَى رِجْلَيْهِ) أَيْ وَلَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهِمَا فَقَطْ وَإِلَّا فَيَضُرُّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا) أَيْ وَهُمَا خَارِجَتَانِ مَعًا وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّ وَهَذَا التَّفْصِيلُ يَجْرِي فِي كُلِّ جُزْءٍ أَخْرَجَهُ مِنْ بَدَنِهِ.
قَوْلُهُ: (لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ) أَيْ الْمَعْهُودَةِ هُنَا وَهِيَ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَكَذَا الرِّيحُ.
قَوْلُهُ: (لِلْمَشَقَّةِ فِي الْأَوَّلِ) بِعُسْرِهِ أَوْ الِاحْتِشَامِ مِنْهُ.
وَكَذَا كُلُّ مَا فِيهِ مِنَّةٌ عَلَيْهِ كَدَارِ صَدِيقِهِ، وَلَوْ لَمْ يَحْتَشِمْ مِنْ سِقَايَةِ الْمَسْجِدِ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا.
قَوْلُهُ: (يَفْحُشَ) ضَبَطَهُ الْبَغَوِيّ بِمَا يَذْهَبُ فِيهِ أَكْثَرُ الْوَقْتِ الْمَنْذُورِ انْتَهَى، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ
[حاشية عميرة]
الْخُرُوجُ) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ شُرِطَ قَطْعُ الِاعْتِكَافِ لِلْعَارِضِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ الْعَوْدُ.
وَقَوْلُهُ لِعَارِضٍ خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ قَالَ: إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي، فَإِنَّهُ شَرْطٌ بَاطِلٌ لِمُنَافَاتِهِ الِالْتِزَامَ كَذَا فِي الْإِسْنَوِيِّ، وَقَضِيَّةُ تَعْلِيلِهِ بُطْلَانُ الِالْتِزَامِ فِي الْأَخِيرَةِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِحَسَبِهِ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ لِلشَّرْطِ مِنْ قَوْلِ الْمَتْنِ صَحَّ الشَّرْطُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَيَجِبُ) أَيْ تَدَارُكُهُ وَيَكُونُ مُتَتَابِعًا.
قَوْلُهُ: (وَتَكُونُ فَائِدَةُ الشَّرْطِ إلَخْ) قَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَوْ كَانَ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ كَالْحَيْضِ لَا يَجِبُ تَدَارُكُهُ، وَقَدْ يُلْتَزَمُ ذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَكِفٍ إذَا خَرَجَ وَلَا عُذْرَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَضُرُّ إلَخْ) كَثِيرًا مَا يُسْتَدَلُّ لِهَذَا بِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُدْنِي رَأْسَهُ إلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - تُرَجِّلُهُ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ» وَاعْتُرِضَ الِاسْتِدْلَال مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: احْتِمَالُ أَنَّ عَائِشَةَ هِيَ الَّتِي تُدْخِلُ يَدَهَا الْمَسْجِدَ.
الثَّانِي أَنَّ اعْتِكَافَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ عَنْ نَذْرٍ.
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَخِيرِ بِأَنَّهُ كَانَ إذَا عَمِلَ شَيْئًا دَاوَمَ عَلَيْهِ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْذُورِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ إحْدَى رِجْلَيْهِ) لَوْ أَخْرَجَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَفِيهِ نَظَرٌ وَلَوْ اضْطَجَعَ وَأَخْرَجَ بَعْضَ بَدَنِهِ، فَهَلْ يُعْتَبَرُ بِالْمَسَّاحَةِ أَوْ بِالثِّقَلِ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ) أَيْ وَإِنْ كَثُرَ لِعَارِضٍ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَدَارِ صَدِيقِهِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ دَارَ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ وَزَوْجَتِهِ وَعُتَقَائِهِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ وَيُحْتَمَلُ التَّفْصِيلُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ عَدَلَ) عَلَّلَهُ
الْحَاجَةِ، أَوْ كَانَ لَا يَلِيقُ بِحَالِهِ أَنْ يَدْخُلَ لِقَضَائِهَا غَيْرَ دَارِهِ، وَالثَّانِي لَا يَضُرُّ لِمَا سَبَقَ مِنْ الْمَشَقَّةِ أَوْ الْمِنَّةِ مِنْ غَيْرِهَا، (وَلَوْ عَادَ مَرِيضًا فِي طَرِيقِهِ) لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ.
(لَمْ يَضُرَّ مَا لَمْ يَطُلْ وُقُوفُهُ أَوْ) لَمْ (يَعْدِلْ عَنْ طَرِيقِهِ) فَإِنْ طَالَ أَوْ عَدَلَ ضَرَّ، وَلَوْ كَثُرَ خُرُوجُهُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ لِعَارِضٍ يَقْتَضِيهِ، فَقِيلَ يَضُرُّ لِنُدُورِهِ وَالْأَصَحُّ لَا يَضُرُّ نَظَرًا إلَى جِنْسِهِ وَلَا يُكَلَّفُ فِي الْخُرُوجِ لَهُمَا الْإِسْرَاعَ بَلْ يَمْشِي عَلَى سَجِيَّتِهِ الْمَعْهُودَةِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا وَاسْتَنْجَى فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّهُ يَقَعُ تَابِعًا لَهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ خَرَجَ لَهُ مَعَ إمْكَانِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يَجُوزُ فِي الْأَصَحِّ.
(وَلَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ) بِالْخُرُوجِ (بِمَرَضٍ يُحْوِجُ إلَى الْخُرُوجِ) فِي أَظْهَرْ الْقَوْلَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ كَالْخُرُوجِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالثَّانِي يَنْقَطِعُ لِأَنَّ الْمَرَضَ لَا يَغْلِبُ عُرُوضُهُ بِخِلَافِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَقَوْلُهُ يُحْوِجُ إلَى الْخُرُوجِ صَادِقٌ بِمَا يَشُقُّ مَعَهُ الْمَقَامُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْفِرَاشِ وَالْخَادِمِ وَتَرَدُّدِ الطَّبِيبِ، وَبِمَا يُخَافُ مِنْهُ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ كَالْإِسْهَالِ وَإِدْرَارِ الْبَوْلِ وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا حِكَايَةُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْأَوَّلِ وَالْقَطْعُ فِي الثَّانِي بِالنَّفْيِ وَقِيلَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، أَمَّا الْمَرَضُ الَّذِي لَا يَشُقُّ مَعَهُ الْمُقَامُ فِي الْمَسْجِدِ كَالصُّدَاعِ وَالْحُمَّى الْخَفِيفَةِ، فَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِالْخُرُوجِ بِسَبَبِهِ.
(وَلَا) يَنْقَطِعُ (بِحَيْضٍ إنْ طَالَتْ مُدَّةُ الِاعْتِكَافِ) ، بِأَنْ كَانَتْ لَا تَخْلُو عَنْهُ غَالِبًا كَشَهْرٍ.
(فَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ تَخْلُو عَنْهُ انْقَطَعَ فِي الْأَظْهَرِ) وَقِيلَ: الْأَصَحُّ لِأَنَّهَا بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ تُشْرَعَ فِي الِاعْتِكَافِ عَقِبَ طُهْرِهَا فَتَأْتِي بِهِ فِي زَمَنِ الطُّهْرِ، وَالثَّانِي لَا يَنْقَطِعُ، لِأَنَّ جِنْسَ الْحَيْضِ يَتَكَرَّرُ بِالْجِبِلَّةِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي التَّتَابُعِ كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ.
[حاشية قليوبي]
يَلْزَمُ تَوَقُّفُ الْحُكْمِ بِبُطْلَانِهِ عَلَى تَمَامِهِ فَانْظُرْهُ.
قَوْلُهُ: (وَاسْتُثْنِيَ إلَخْ) أَيْ فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ ضَرَّ الْبُعْدُ قَطْعًا وَإِلَّا لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ فَحُشَ.
تَنْبِيهٌ: الْخُرُوجُ لِنَحْوِ الْأَكْلِ كَالْخُرُوجِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ طَالَ) ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى أَقَلِّ مَا يُجْزِئُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّ فِعْلَهَا مُغْتَفَرٌ.
وَتَرَدَّدَ فِيهِ شَيْخُنَا وَاعْتُبِرَ الْعُرْفُ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا مُوَافَقَتُهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ عَدَلَ) قَالَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَدْخُلَ مُنْعَطَفًا غَيْرَ نَافِذٍ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى الْعَوْدِ مِنْهُ إلَى طَرِيقِهِ فَإِنْ كَانَ نَافِذًا لَمْ يَضُرَّ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ تَعَدَّدَتْ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ بِتَعَدُّدِ الْمَرْضَى أَوْ تَعَدَّدَتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ بِتَعَدُّدِ الْجَنَائِزِ مَثَلًا فَهَلْ يُعْتَبَرُ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَى انْفِرَادِهَا أَوْ يُعْتَبَرُ الْمَجْمُوعُ؟ وَاَلَّذِي مَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا الثَّانِي نَظَرًا لِمَا مَرَّ عَنْهُ مِنْ اعْتِبَارِ الْعُرْفِ.
قَوْلُهُ: (لِعَارِضٍ يَقْتَضِيهِ) أَيْ كَإِسْهَالٍ وَإِدْرَارِ بَوْلٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا) أَيْ الْحَاجَةِ الْمَذْكُورَةِ سَابِقًا وَاسْتَنْجَى فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَلَهُ الْخُرُوجُ لِلِاسْتِنْجَاءِ وَحْدَهُ وَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَإِنْ كَانَ الْوُضُوءُ مَنْدُوبًا فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا لَوْ خَرَجَ لَهُ مَعَ إمْكَانِهِ فِي الْمَسْجِدِ) فَإِنْ لَمْ يُمَكَّنْ فِيهِ فَلَهُ الْخُرُوجُ لَهُ قَطْعًا، وَالْكَلَامُ فِي الْوُضُوءِ الْوَاجِبِ، وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ لِلْمَنْدُوبِ قَطْعًا وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ جَوَازُ الْخُرُوجِ لِوُضُوءِ غُسْلِ نَحْوَ الِاحْتِلَامِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِالْخُرُوجِ بِمَرَضٍ يُحْوِجُ إلَخْ) وَكَالْمَرَضِ نَحْوُ حَرِيقٍ وَخَوْفٍ مَعَ فَقْدِ مَسْجِدٍ يَأْمَنُ فِيهِ وَيَجِبُ الْعَوْدُ فَوْرًا بَعْدَ زَوَالِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بِالْخُرُوجِ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ فِي هَذَا وَمَا قَبْلَهُ لَمْ يَبْطُلْ تَتَابُعُهُ فَيَحْسِبُ زَمَنَهُ وَإِنْ حَرُمَ الْمُكْثُ كَمَا مَرَّ فِي ذِي جِرَاحَةٍ نَضَّاحَةٍ.
قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
وَيَحْرُمُ الْمُكْثُ مَعَ التَّلْوِيثِ مُطْلَقًا وَمَعَ عَدَمِهِ إلَّا فِي إخْرَاجِ الدَّمِ لِلْعَفْوِ عَنْ جِنْسِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا تَخْلُو عَنْهُ غَالِبًا كَشَهْرٍ) يُفِيدُ اعْتِبَارَ غَالِبِ عَادَةِ النِّسَاءِ وَيُوَافِقُهُ شَرْحُ شَيْخِنَا وَاعْتَبَرَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ غَالِبَ عَادَتِهَا.
قَوْلُهُ: (نَاسِيًا) أَيْ لِلِاعْتِكَافِ أَوْ لِلتَّتَابُعِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُكْرَهُ كَالنَّاسِي) إنْ كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ سَوَاءٌ الْإِكْرَاهُ الْحِسِّيُّ كَأَنْ أُخْرِجَ مَحْمُولًا عَاجِزًا عَنْ خَلَاصِ نَفْسِهِ أَوْ الشَّرْعِيُّ كَخُرُوجِهِ لِأَدَاءِ شَهَادَةٍ تَحَمَّلَهَا قَبْلَ الِاعْتِكَافِ.
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: أَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ وَالتَّحَمُّلُ مَعًا فِي حَالِ الِاعْتِكَافِ فَرَاجِعْهُ.
وَفِي كَوْنِ مَا ذُكِرَ إكْرَاهًا بِغَيْرِ حَقٍّ نَظَرٌ فَتَأَمَّلْهُ.
فَإِنْ كَانَ بِحَقٍّ بَطَلَ كَإِكْرَاهِ زَوْجٍ زَوْجَتَهُ وَسَيِّدٍ عَبْدَهُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ اعْتِكَافٍ مُتَتَابِعٍ لَمْ يَأْذَنَا فِيهِ أَوْ إكْرَاهِ حَاكِمٍ لِمَنْ لَزِمَهُ دَيْنٌ لِوَفَائِهِ، وَكَانَ مُقَصِّرًا فِيهِ وَإِلَّا لَمْ يَبْطُلْ وَلَوْ خَرَجَتْ لِوَفَاءِ عِدَّةٍ بَطَلَ إنْ لَزِمَتْهَا بِاخْتِيَارِهَا كَتَفْوِيضِ طَلَاقِهَا إلَيْهَا وَإِلَّا كَوَفَاةٍ أَوْ قَهْرًا
[حاشية عميرة]
الرَّافِعِيُّ لِمَا فِيهِ مِنْ إنْشَاءِ السَّيْرِ بَعْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ قَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، أَنَّ ابْتِدَاءَ الْخُرُوجِ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ قَاطِعٌ، وَمِثْلُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ زِيَارَةُ الْقَادِمِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ، فَلَوْ خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَصَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، وَلَمْ يَنْتَظِرْهَا وَلَمْ يَعْرُجْ جَازَ.
وَجَعَلَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ قَدْرَ صَلَاتِهَا حَدًّا لِلْوَقْفَةِ الْيَسِيرَةِ، وَاحْتِمَالُهَا لِسَائِرِ الْأَغْرَاضِ.
فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ لِغُسْلِ الْعِيدِ أَوْ الْجُمُعَةِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَمْشِي عَلَى سَجِيَّتِهِ) لَوْ تَبَاطَأَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ
(وَلَا) يَنْقَطِعُ (بِالْخُرُوجِ) مِنْ الْمَسْجِدِ (نَاسِيًا) لِلِاعْتِكَافِ (عَلَى الْمَذْهَبِ) وَقِيلَ فِيهِ قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَنْقَطِعُ، لِأَنَّ اللُّبْثَ مَأْمُورٌ بِهِ وَالنِّسْيَانُ لَيْسَ بِعُذْرٍ فِي تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ وَعَبَّرَ فِي الْمُحَرَّرِ، بِأَظْهَرَ الْقَوْلَيْنِ وَالْمُكْرَهُ كَالنَّاسِي فِيمَا ذُكِرَ وَعَلَى الرَّاجِحِ، لَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ النَّاسِي إلَّا بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ فَوَجْهَانِ كَمَا لَوْ أَكَلَ الصَّائِمُ كَثِيرًا نَاسِيًا.
(وَلَا) يَنْقَطِعُ (بِخُرُوجِ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ إلَى مَنَارَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ.
(مُنْفَصِلَةٍ عَنْ الْمَسْجِدِ لِلْأَذَانِ) بِخِلَافِ غَيْرِ الرَّاتِبِ، (فِي الْأَصَحِّ) فِيهِمَا وَالثَّانِي يَنْقَطِعُ فِيهِمَا لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى صُعُودِ الْمَنَارَةِ لِإِمْكَانِ الْأَذَانِ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ، وَالثَّالِثُ لَا يَنْقَطِعُ فِيهِمَا لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ لِلْمَسْجِدِ مَعْدُودَةٌ مِنْ تَوَابِعِهِ، وَالْأَوَّلُ يَضُمُّ إلَى هَذَا الِاعْتِيَادِ الرَّاتِبِ صُعُودَهَا وَاسْتِئْنَاسَ النَّاسِ بِصَوْتِهِ فَيُعْذَرُ، وَيُجْعَلُ زَمَانُ الْأَذَانِ وَالْخُرُوجِ لَهُ مُسْتَثْنًى مِنْ اعْتِكَافِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا لِغَيْرِ الْأَذَانِ وَسَوَاءٌ فِي الْخِلَافِ فِيهَا كَانَتْ مُلْتَصِقَةً بِحَرِيمِ الْمَسْجِدِ أَمْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ، أَمَّا الَّتِي بَابُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي رَحْبَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ فَلَا يَضُرُّ صُعُودُهَا لِلْأَذَانِ وَغَيْرِهِ، كَسَطْحِ الْمَسْجِدِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِي نَفْسِ الْمَسْجِدِ أَوْ الرَّحْبَةِ أَمْ خَارِجَةً عَنْ سَمْتِ الْبِنَاءِ وَتَرْبِيعِهِ، وَلِلْإِمَامِ احْتِمَالٌ فِي الْخَارِجَةِ عَنْ السَّمْتِ قَالَ: لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِيهَا قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يُنَازِعُهُ فِيمَا وُجِّهَ بِهِ، وَسَكَتَ عَلَى ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ صَحِيحٌ.
(وَيَجِبُ قَضَاءُ أَوْقَاتِ الْخُرُوجِ) مِنْ الْمَسْجِدِ فِي أَدَاءِ الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ الْمُتَتَابِعِ.
(بِالْأَعْذَارِ) الَّتِي لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِهَا كَأَوْقَاتِ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ وَغَيْرِهِمَا، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَكِفٍ فِيهَا، (إلَّا وَقْتَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ) فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، فَأَوْقَاتُهُ كَالْمُسْتَثْنَاةِ لَفْظًا مِنْ الْمُدَّةِ الْمَنْذُورَةِ وَكَذَا أَوْقَاتُ الْأَذَانِ لِلْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الزَّمَانَ الْمَصْرُوفَ إلَى الْعَارِضِ فِي الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ لَا يَجِبُ تَدَارُكُهُ لِذَلِكَ أَيْضًا.
[حاشية قليوبي]
فَلَا قَوْلُهُ: (لَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ النَّاسِي إلَّا بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ) فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَضُرُّ أَخْذًا مِنْ التَّشْبِيهِ.
قَوْلُهُ: (رَاتِبٍ) الْمُرَادُ مَنْ أَلِفَ النَّاسُ صَوْتَهُ وَلَوْ غَيْرَ رَاتِبٍ أَوْ غَيْرَ مَأْنُوسٍ وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِالْأَذَانِ التَّسْبِيحَ الْمَعْهُودَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَلَمْ يَرْتَضِهِ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ.
قَوْلُهُ: (لِإِمْكَانِ الْأَذَانِ إلَخْ) وَبِهَذَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إذَا حَصَلَ بِهِ الشِّعَارُ وَأَقَرَّهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (مُنْفَصِلَةٍ عَنْهُ) بِحَيْثُ تُنْسَبُ إلَيْهِ عُرْفًا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْإِمَامِ احْتِمَالٌ) هُوَ مَرْجُوحٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ) أَيْ عَلَى احْتِمَالِ الْإِمَامِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا وَقْتَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ) وَكَذَا كُلُّ مَا طُلِبَ الْخُرُوجُ لَهُ وَقَصُرَ زَمَنُهُ كَأَكْلٍ وَغُسْلِ جَنَابَةٍ، فَذِكْرُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ لِلتَّعْمِيمِ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَحُكْمُهُ بِعَدَمِ الِاعْتِكَافِ أَيْ حِسًّا لِأَنَّ حُكْمَهُ مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِ فَلَوْ ارْتَكَبَ مَا يُبْطِلُهُ بَطَلَ.
فَرْعٌ: يَقْطَعُ التَّتَابُعَ الْخُرُوجُ لِمُبَاشَرَةِ وَظِيفَةٍ أَوْ لِصَلَاةِ جُمُعَةٍ، وَإِنْ وَجَبَ إلَّا بِشَرْطِهِمَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ كَرَاهَةِ إفْرَادِ نَحْوِ يَوْمِ جُمُعَةٍ أَوْ تَخْصِيصِ لَيْلَتِهَا بِهِ.
[حاشية عميرة]
ضَرَّ.
قَوْلُهُ: (كَمَا ذَكَرَهُ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ لِلْأَظْهَرِ مِنْ قَوْلِهِ فِي أَظْهَرْ الْقَوْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ) سَبَبُ هَذَا أَنَّ الْخِلَافَ مُخَرَّجٌ فَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْقَوْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْوَجْهَيْنِ، وَكُلٌّ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْمَخْرَجَ يَسُوغُ فِيهِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَيُجْعَلُ زَمَانُ الْأَذَانِ إلَخْ) أَيْ فَلَا يَقْضِي أَيْضًا كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (إلَّا وَقْتَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. لِذَلِكَ مَأْخَذَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الِاعْتِكَافَ مُسْتَمِرٌّ فِي أَوْقَاتِ الْخُرُوجِ لَهَا، وَالثَّانِي أَنَّ زَمَانَ الْخُرُوجِ لَهَا كَالْمُسْتَثْنَى لَفْظًا عَنْ الْمُدَّةِ اهـ.
وَظَاهِرُ صَنِيعِ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْتِمَادُ الثَّانِي، وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ السُّبْكِيّ تَصْحِيحُ الْأَوَّلِ، وَنَقَلَهُ عَنْ قَطْعِ جَمَاعَةٍ، وَأَنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ لَوْ جَامَعَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ غَيْرِ مُكْثٍ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَفِي الْخَادِمِ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَكِفٍ زَمَنَ الْخُرُوجِ قَطْعًا فِي غَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَعْمِيمِ الْقَضَاءِ تَبِعَ فِيهِ الرَّافِعِيَّ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَالَ بِهِ، غَيْرَهُمَا بَعْدَ الْفَحْصِ الشَّدِيدِ بَلْ يُسْتَثْنَى أَيْضًا خُرُوجُ الْمُؤَذِّنِ وَالْجُنُبِ لِلِاغْتِسَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْمَرَضِ وَنَحْوِهَا، مِمَّا يَطُولُ زَمَنُهُ عَادَةً، قَالَ: وَالْمُوقِعُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ: فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأَوْقَاتِ الْمَصْرُوفَةِ إلَى هَذِهِ الْأَعْذَارِ، وَأَشَارَ بِالْأَعْذَارِ إلَى أُمُورٍ عَدَدُهَا لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا قُلْنَا يَجِبُ اسْتِثْنَاؤُهُ، فَحَمَلَ الرَّافِعِيُّ هَذَا اللَّفْظَ عَلَى الْعُمُومِ وَتَصَرَّفَ فِيهِ فَاعْلَمْهُ اهـ. نَقْلًا مِنْ شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَالْمُهِمَّاتِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْجُنُبُ لَا يُخَالِفُ كَلَامَ الشَّارِحِ، لِأَنَّ مُرَادَ الْإِسْنَوِيِّ زَمَنَ الْخُرُوجِ وَمُرَادَ الشَّارِحِ زَمَنَ الْجَنَابَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْقَضَاءِ مِنْ قَوْلِ الْمَتْنِ أَوْقَاتَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.
قَوْلُهُ: (لِذَلِكَ أَيْضًا) اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ كَالْمُسْتَثْنَاةِ لَفْظًا.
كِتَابُ الْحَجِّ (هُوَ فَرْضٌ) كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَأَصْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: 97] وَلَا يَجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فِي الْعُمْرِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَتَجِبُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا بِعَارِضٍ كَالنَّذْرِ وَالْقَضَاءِ، (وَكَذَا الْعُمْرَةُ) فَرْضٌ (فِي الْأَظْهَرِ) كَالْحَجِّ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] أَيْ ائْتُوا بِهِمَا عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ، وَالثَّانِي أَنَّهَا سُنَّةٌ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ عَنْ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ قَالَ لَا.
وَأَنْ تَعْتَمِرَ فَهُوَ أَفْضَلُ» . قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَلَا يُغْتَرُّ.
يَقُولُ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ: وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ مَوْجُودٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ السُّؤَالِ عَنْ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَتُتِمَّ الْوُضُوءَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ» . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ هَذَا اللَّفْظَ بِحُرُوفِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ.
(وَشَرْطُ صِحَّتِهِ) أَيْ الْحَجِّ (الْإِسْلَامُ) فَقَطْ فَلَا يَصِحُّ حَجُّ كَافِرٍ أَصْلِيٍّ أَوْ مُرْتَدٍّ، لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا
[حاشية قليوبي]
كِتَابُ الْحَجِّ هُوَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ لِمَا صَحَّ «أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِآدَمَ لَمَّا حَجَّ لَقَدْ طَافَتْ الْمَلَائِكَةُ بِهَذَا الْبَيْتِ سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ» . كَذَا قِيلَ.
وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الطَّوَافُ لَيْسَ حَجًّا وَبِفَرْضِهِ حَمْلًا عَلَى قَوْلِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ إلَخْ فَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ فَالْمَخْصُوصُ بِهَذِهِ الْأُمَّةُ مَا عَدَا الطَّوَافَ مِنْهُ أَوْ كَوْنَهُ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي الْعُمْرَةِ كَذَلِكَ.
وَنَزَلَتْ آيَتُهُ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ وَفُرِضَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ التَّنَاقُضُ.
وَمَعْنَاهُ كَالْعُمْرَةِ لُغَةً الزِّيَارَةُ أَوْ الْقَصْدُ أَوْ كَثْرَةُ الْقَصْدِ وَشَرْعًا قَصْدُ الْكَعْبَةِ لِلنُّسُكِ الْآتِي أَوْ أَعْمَالٌ مَخْصُوصَةٌ بِنِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (الْعُمْرَةُ) سُمِّيَتْ الْعُمْرَةُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا وَظِيفَةَ الْعُمُرِ مِنْ حَيْثُ الْوُجُوبُ كَالْحَجِّ خِلَافًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إنَّهُمَا عَلَى التَّرَاخِي.
وَقَالَ الْمُزَنِيّ مِنْ أَئِمَّتِنَا كَالْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي يُوسُفَ: إنَّهُمَا عَلَى الْفَوْرِ وَيَقَعَانِ تَطَوُّعًا فِيمَا بَعْدَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَلَا يَقَعَانِ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَبَدًا وَإِنَّمَا فَرْضُ الْكِفَايَةِ إحْيَاءُ الْكَعْبَةِ بِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطُ صِحَّتِهِ إلَخْ) جُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ وَبَقِيَ خَامِسَةٌ وَسَطُهَا وَهِيَ مَرْتَبَةُ النَّذْرِ وَشَرْطُهَا الْإِسْلَامُ
[حاشية عميرة]
[كِتَابُ الْحَجّ]
ِّ قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَرْضٌ) أَيْ مَفْرُوضٌ قِيلَ فُرِضَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا فِي الْخَامِسَةِ، وَقِيلَ فِي السَّادِسَةِ وَصَحَّحَاهُ فِي بَابِ السِّيَرِ، وَقِيلَ فِي الثَّامِنَةِ.
وَقِيلَ فِي التَّاسِعَةِ.
وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ.
فَائِدَةٌ: قِيلَ لَا يُتَصَوَّرُ حَجُّ تَطَوُّعٍ إلَّا مِنْ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ.
قَوْلُهُ: (كَالنَّذْرِ وَالْقَضَاءِ) وَكَاللُّزُومِ بِالشُّرُوعِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (لِلَّهِ) قِيلَ حِكْمَةُ ذِكْرِهَا فِيهِمَا مَا كَانَ فِيهِمَا مِنْ كَثْرَةِ الرِّيَاءِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: (وَأَنْ تَعْتَمِرَ) قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ.
فَرْعٌ: لَوْ فَعَلَ الْحَجَّ بَدَلَ الْعُمْرَةَ لَمْ يُجْزِئْهُ بِخِلَافِ الْغُسْلِ عَنْ الْوُضُوءِ، لِأَنَّ اسْمَ الطَّهَارَةِ يَشْمَلُهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَغْتَرَّ بِقَوْلِ التِّرْمِذِيِّ إلَخْ) أَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ جَوَابًا لِذَلِكَ السَّائِلِ.
[شَرْط صِحَّة الْحَجّ]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَشَرْطُ صِحَّتِهِ الْإِسْلَامُ) أَوْ رَدُّ الْوَقْتِ وَمَعْرِفَةُ الْأَعْمَالِ، وَاعْتَرَضَ الثَّانِي بِانْعِقَادِهِ مُطْلَقًا ثُمَّ يَصْرِفُهُ لِلْحَجِّ أَوْ لِلْعُمْرَةِ.
أَوْ لِكِلَيْهِمَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْحَجِّ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ الْأَوْلَى
التَّكْلِيفُ.
(فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ وَالْمَجْنُونِ) . وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ أَحْرَمَ عَنْهَا، وَالْمُمَيِّزُ يُحْرِمُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ.
وَقِيلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، وَالْأَصْلُ فِي حَجِّ الصَّبِيِّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ الصَّادِقُ بِالصَّبِيَّةِ أَيْضًا مَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ، فَفَزِعَتْ امْرَأَةٌ فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِيٍّ صَغِيرٍ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ مِحَفَّتِهَا فَقَالَتْ.
يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ.
نَعَمْ وَلَك أَجْرٌ» وَقِيسَ الْمَجْنُونُ عَلَى الصَّبِيِّ، وَالْوَلِيُّ الْأَبُ وَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ.
وَقِيلَ مَعَ وُجُودِهِ أَيْضًا وَكَذَا الْوَصِيُّ، وَقِيمَ الْحَاكِمُ دُونَ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْأُمِّ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ أَذِنَ الْأَبُ لِمَنْ يُحْرِمُ عَنْ الصَّبِيِّ فَالصَّحِيحُ فِي الرَّوْضَةِ صِحَّتُهُ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْأَصْحَابِ صِفَةُ إحْرَامِ الْوَلِيِّ عَنْ الصَّبِيِّ أَنْ يَنْوِيَ جَعْلَهُ مُحْرِمًا، فَيَصِيرَ الصَّبِيُّ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ وَمُوَاجَهَتُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَيَطُوفُ الْوَلِيُّ بِهِ وَيُصَلِّي عَنْهُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَيَسْعَى بِهِ، وَيُحْضِرُهُ عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةَ وَالْمَوَاقِفَ، وَيُنَاوِلُهُ الْأَحْجَارَ فَيَرْمِيهَا إنْ قَدَرَ وَإِلَّا رَمَى عَنْهُ مَنْ لَا رَمْيَ عَلَيْهِ، وَالْمُمَيِّزُ يَطُوفُ وَيُصَلِّي وَيَسْعَى بِنَفْسِهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمَجْنُونَ كَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ فِيمَا ذُكِرَ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يُحْرِمُ عَنْهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَائِلِ الْعَقْلِ وَبُرْؤُهُ مَرْجُوٌّ عَلَى الْقُرْبِ.
(وَإِنَّمَا تَصِحُّ مُبَاشَرَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِ الْمُمَيِّزِ) بَالِغًا كَانَ أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا فَلَا تَصِحُّ مُبَاشَرَةُ الْمَجْنُونِ،
[حاشية قليوبي]
وَالتَّكْلِيفُ.
وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْأَعْمَالِ فَلَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ لِإِمْكَانِ مَعْرِفَتِهَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْحَجُّ) لَمْ يَقُلْ كُلٌّ مِنْهُمَا وَيُسْتَغْنَى عَنْ التَّتِمَّةِ الْآتِيَةِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ إلَخْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبُرُلُّسِيُّ: وَلَا يَصِحُّ إقَامَةُ الْحَجِّ عَنْ الْعُمْرَةِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ عَنْ الْوُضُوءِ لِأَنَّ اسْمَ الطَّهَارَةِ يَشْمَلُهُمَا انْتَهَى.
وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الشُّمُولُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ هُنَاكَ وَهُنَا سَوَاءٌ.
وَلَا شُمُولَ فِيهِمَا بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَلِلْوَلِيِّ إلَخْ) فِي الْمَالِ بِنَفْسِهِ أَمْ مَأْذُونِهِ وَالسَّيِّدِ فِي عَبْدِهِ غَيْرِ الْبَالِغِ كَالْوَلِيِّ، وَفِي الْمُبَعَّضِ يُشْتَرَطُ إحْرَامُ الْوَلِيِّ وَالسَّيِّدِ عَنْهُ جَمِيعًا أَوْ أَحَدِهِمَا بِإِذْنِ الْآخَرِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْمُهَايَأَةِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (بِالرَّوْحَاءِ) بِالْمَدِّ اسْمُ وَادٍ مَشْهُورٍ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ عَلَى نَحْوِ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْهَا وَفَزِعَتْ أَسْرَعَتْ.
قَوْلُهُ: (صَبِيٌّ) أَيْ ذَكَرٌ لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ وَلَا يَتَقَيَّدُ الْحُكْمُ بِهِ إذْ مِثْلُهُ الصَّبِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (وَلَك أَجْرٌ) أَيْ عَنْ الْإِحْرَامِ عَنْهُ أَوْ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
عَلِمَ أَنَّ لَهَا عَلَيْهِ وِلَايَةً لِمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لَهُ أَنْ يَنْوِيَ) أَيْ يَقُولَ: نَوَيْت الْإِحْرَامَ عَنْ هَذَا أَوْ عَنْ فُلَانٍ أَوْ جَعَلْته مُحْرِمًا بِكَذَا.
وَلَا يَصِيرُ الْوَلِيُّ مُحْرِمًا بِذَلِكَ ثُمَّ إنْ جَعَلَهُ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا فَالدَّمُ عَلَى الْوَلِيِّ، وَإِذَا ارْتَكَبَ مَحْظُورًا بِنَفْسِهِ فَلَا ضَمَانَ مُطْلَقًا إنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا، وَإِلَّا فَعَلَى وَلِيِّهِ وَلَوْ إتْلَافًا أَوْ بِغَيْرِهِ فَعَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا وَيَفْسُدُ حَجُّهُ بِالْجِمَاعِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ عَامِدًا عَالِمًا مُخْتَارًا وَيَقْضِيهِ وَلَوْ فِي حَالِ الصِّبَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ إحْرَامُ الصَّبِيِّ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ) لِأَنَّ شَأْنَ النُّسُكِ الِاحْتِيَاجُ إلَى الْمَالِ وَبِذَلِكَ فَارَقَ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ.
قَوْلُهُ: (وَيَطُوفُ الْوَلِيُّ بِهِ) أَيْ بِغَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَلَا يَكْفِي فِعْلُ أَحَدِهِمَا حَتَّى إذَا أَرْكَبَهُ دَابَّةً اُعْتُبِرَ كَوْنُهُ قَائِدًا لَهُ أَوْ سَائِقًا بِهِ.
وَيُشْتَرَطُ طَهَارَتُهُمَا مِنْ حَدَثٍ وَنَجَسٍ وَسَتْرِ عَوْرَتِهِمَا نَعَمْ لَا يُشْتَرَطُ جَعْلُ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِ الْوَلَدِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَصَالَةً هُوَ الْوَلِيُّ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ عَنْ وَلَدِ الْكَافِرِ وَإِنْ اُعْتُقِدَ الْإِسْلَامُ وَلَا يَضُرُّ اعْتِقَادُ وَلَدِ الْمُسْلِمِ الْكُفْرَ فِي صِحَّةِ الْإِحْرَامِ عَنْهُ.
وَقَالَ شَيْخُنَا يَضُرُّ فِيهِ إذَا قَارَنَ النِّيَّةَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُنَاوِلُهُ) أَيْ يُنَاوِلُ الْوَلِيُّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ نَدْبًا بِالْأَحْجَارِ لِيَرْمِيَهَا إنْ قَدِرَ، فَمُنَاوَلَتُهُ لَهُ كَرَمْيِهِ عَنْهُ فَلَيْسَ مُسْتَثْنًى كَمَا قِيلَ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُمَيِّزُ يَطُوفُ بِنَفْسِهِ) وُجُوبًا وَكَذَا السَّعْيُ وَالرَّمْيُ وَتُشْتَرَطُ شُرُوطُ الطَّوَافِ فِيهِ لَا فِي
[حاشية عميرة]
أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلَى الْمَذْكُورِ مِنْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ.
قُلْت: عُذْرُ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلُ الْمَتْنِ وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ حَجُّ كَافِرٍ) أَيْ لَا مِنْهُ وَلَا عَنْهُ.
وَأَمَّا وَلَدُ الْمُسْلِمِ إذَا اعْتَقَدَ الْكُفْرَ فَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ: أَنَّهُ يَصِحُّ حَجُّهُ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ ثُمَّ خَالَفَهُ وَاخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَقَاسَهُ عَلَى الصَّلَاةِ وَقَضِيَّتُهُ عَدَمُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ مِنْهُ جَزْمًا.
قَوْلُهُ: (لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ إلَخْ) وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الصَّبِيَّ الَّذِي يُؤْخَذُ بِعَضُدِهِ لَا تَمْيِيزَ لَهُ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: وَلَك أَجْرٌ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا تَحُجُّ عَنْهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَجْرُ النَّفَقَةِ وَالْحَمْلِ، وَأَنَّهَا كَانَتْ وَصِيَّةً أَوْ مَأْذُونَةً.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْوَصِيُّ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا جَوَازُ سَفَرِهِمَا بِهِ لِذَلِكَ، وَإِنْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ.
وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ: صُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ، وَلَا يَجُوزُ السَّفَرُ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ.
قَوْلُهُ: (فَيَرْمِيهَا إلَخْ) عَلَى هَذَا يَكُونُ مِثْلُ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ شَرْطُ مُبَاشَرَتِهِ التَّمْيِيزُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ الْمُسْلِمِ) دَخَلَ فِيهِ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَإِنْ عَصَى وَلِلسَّيِّدِ تَحْلِيلُهُ إنْ شَاءَ.
قَالَ الْإِمَامُ: الْفَرْقُ بَيْنَ صِحَّةِ حَجِّ الصَّبِيِّ وَعَدَمِ صِحَّةِ إسْلَامِهِ غَامِضٌ اهـ.
وَفُرِّقَ بِأَنَّ الْحَجَّ قَدْ يَكُونُ نَفْلًا، وَبِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَمَّا كَانَ يَلْزَمُهُ الْتِزَامُ التَّكَالِيفِ كُلِّهَا اُعْتُبِرَ الْكَمَالُ فِيهِ،
وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَتَقَدَّمَ افْتِقَارُ الْمُمَيِّزِ إلَى إذْنِ الْوَلِيِّ.
(وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِالْمُبَاشَرَةِ، إذَا بَاشَرَهُ الْمُكَلَّفُ) أَيْ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ (الْحُرُّ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا (فَيُجْزِئُ حَجُّ الْفَقِيرِ) كَمَا لَوْ تَحَمَّلَ الْغَنِيُّ خَطَرَ الطَّرِيقِ، وَحَجٌّ (دُونَ) حَجِّ (الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ) إذَا كَمَّلَا بَعْدَهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(وَشَرْطُ وُجُوبِهِ الْإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: 97] أَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وُجُوبُ مُطَالَبَةٍ بِهِ فِي الدُّنْيَا، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ وُجُوبُ عِقَابٍ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، فَإِنْ أَسْلَمَ وَهُوَ مُعْسِرٌ بَعْدَ اسْتِطَاعَتِهِ فِي الْكُفْرِ لَا أَثَرَ لَهَا إلَّا فِي الْمُرْتَدِّ، فَإِنَّ الْحَجَّ يَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ، بِاسْتِطَاعَتِهِ فِي الرِّدَّةِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
تَتِمَّةٌ: الْعُمْرَةُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَظْهَرِ بِفَرْضِيَّتِهَا كَالْحَجِّ فِي شَرْطِ مُطْلَقِ الصِّحَّةِ، وَصِحَّةُ الْمُبَاشَرَةِ وَالْوُجُوبِ وَالْإِجْزَاءِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ وَالِاسْتِطَاعَةُ الْوَاحِدَةُ كَافِيَةٌ لَهُمَا جَمِيعًا.
(وَهِيَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا اسْتِطَاعَةُ مُبَاشَرَةٍ وَلَهَا شُرُوطٌ أَحَدُهَا وُجُودُ الزَّادِ وَأَوْعِيَتِهِ وَمُؤْنَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ) وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي السَّفَرِ مُدَّةَ الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ أَنْ يَجِدَ الزَّادَ وَأَوْعِيَتَهُ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي السَّفَرِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ أَوْ عَشِيرَةٌ اُشْتُرِطَ ذَلِكَ لِذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ.
(وَقِيلَ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِبَلَدِهِ) بِهَاءِ الضَّمِيرِ.
(أَهْلٌ) أَيْ مَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ.
(وَعَشِيرَةٌ) أَيْ أَقَارِبُ، أَيْ لَمْ يَكُنْ
[حاشية قليوبي]
الْوَلِيِّ.
قَوْلُهُ: (الْحُرُّ) وَلَوْ فِي الْوَاقِعِ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَمَّلَا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ حَجِّهِمَا أَيْ بَعْدَ فَوْتِ الْوُقُوفِ فِيهِ وَإِلَّا لَزِمَهُمَا فِعْلُهُ وَإِنْ تَحَلَّلَا أَوْ وَقَعَ مِنْهُمَا جِمَاعٌ بِلَا تَجْدِيدِ إحْرَامٍ لِبَقَاءِ أَثَرِهِ وَلَزِمَهُمَا إعَادَةُ الطَّوَافِ وَالسَّعْيُ إنْ كَانَا فَعَلَاهُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
تَنْبِيهٌ: الطَّوَافُ فِي الْعُمْرَةِ كَالْوُقُوفِ فِي الْحَجِّ فَيَلْزَمُهُمَا فَعَلَهُ وَمَا قَبْلَهُ إنْ كَمَّلَا قَبْلَ فَرَاغِهِ وَلَا يُعِيدَانِ مَا فَعَلَاهُ بَعْدَ كَمَالِهِمَا.
تَنْبِيهٌ: الْمَجْنُونُ كَالصَّبِيِّ فِيمَا مَرَّ وَإِفَاقَتُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ عَنْهُ كَبُلُوغِ الصَّبِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى) اعْتِبَارٌ لِوُقُوعِهِ حَالَةَ الْكَمَالِ لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْعُمُرِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ إجْزَاءَ صَلَاةِ صَبِيٍّ بَلَغَ بَعْدَهَا فِي الْوَقْتِ.
قَوْلُهُ: (بِاسْتِطَاعَتِهِ فِي الرِّدَّةِ) فَيَلْزَمُهُ فِعْلُهُ إذَا أَسْلَمَ وَيَقْضِي مِنْ تَرِكَتِهِ إنْ مَاتَ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَإِلَّا فَلَا يَقْضِي.
قَوْلُهُ: (وَلَهَا شُرُوطٌ) أَيْ سَبْعَةٌ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا أَرْبَعَةً وَبَاقِيهَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ مَعَ الشَّارِحِ، وَهِيَ وُجُودُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَكَوْنُ الزَّادِ وَنَحْوِهِ مَوْجُودًا فِي مَحَلِّهِ الْمُعْتَادَةِ، وَأَمْنُ الطَّرِيقِ وَالثُّبُوتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ وَإِمْكَانُ السَّيْرِ وَالْوَقْتُ.
تَنْبِيهٌ: يُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِطَاعَةِ امْتِدَادُهَا مِنْ وَقْتِ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ لِلْحَجِّ إلَى عَوْدِهِمْ إلَيْهِ فَمَنْ أَعْسَرَ فِي جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ حَجٌّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِيَسَارِهِ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ) وَكَذَا إقَامَةٌ بِمَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ) وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ الرَّجْعِيَّةَ وَإِنْ لَزِمَهُ نَفَقَتُهَا.
قَوْلُهُ: (وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ إلَخْ) هِيَ أَعَمُّ مِنْ عِبَارَةِ الْكِتَابِ وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ أَوْلَى مِنْهُمَا لِعَدَمِ احْتِيَاجِهَا إلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُهَا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهَذَا مُكَرَّرٌ لِتَقَدُّمِهِ فِي عِبَارَةِ
[حاشية عميرة]
وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّبِيَّ يُثَابُ عَلَى السَّاعَاتِ وَلَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَهُ السُّبْكِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ مُبَاشَرَةُ الْمَجْنُونِ) أَيْ وَلَوْ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ وَوَقَعَ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ نِسْبَةُ تَصْحِيحِ الصِّحَّةِ إلَى الرَّافِعِيِّ، وَهُوَ غَلَطٌ.
[شَرْطُ وُجُوب الْحَجّ]
قَوْلُهُ: (قَالَ اللَّهُ ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: 97] وَهُوَ إجْمَاعٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (بِاسْتِطَاعَتِهِ فِي الرِّدَّةِ) فَإِذَا أَسْلَمَ كُلِّفَ بِهِ حَتَّى لَوْ مَاتَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ فَعَلَ مِنْ التَّرِكَةِ، وَاسْتَشْكَلَ اعْتِبَارُ اسْتِطَاعَتِهِ عَلَى قَوْلِ زَوَالِ مِلْكِهِ، أَمَّا اسْتِطَاعَتُهُ قَبْلَهَا فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا إلَّا عَلَى مُسْلِمٍ، وَكَذَا لَا أَثَّرَ لِلْوُجُوبِ أَعْنِي غَيْرَ الْعِقَابِ، فِيمَا لَوْ اسْتَمَرَّ مُرْتَدًّا حَتَّى مَاتَ، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى الْحَجِّ عَنْهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَوْعِيَتِهِ) حَتَّى السُّفْرَةَ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمُؤْنَةِ ذَهَابِهِ) هَذَا يُغْنِي عَمَّا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ إلَخْ) هِيَ أَحْسَنُ لِإِيهَامِ الْأُولَى أُجْرَةَ السَّفَرِ خَاصَّةً.
قَوْلُهُ: (مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ) يَنْبَغِي أَنْ
لَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
(لَمْ تُشْتَرَطْ) فِي حَقِّهِ.
(نَفَقَةُ الْإِيَابِ) الْمَذْكُورَةُ مِنْ الزَّادِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ الْبِلَادَ فِي حَقِّ مِثْلِهِ مُتَقَارِبَةٌ، وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُهَا لِمَا فِي الْغُرْبَةِ مِنْ الْوَحْشَةِ، وَلِنَزْعِ النُّفُوسِ إلَى الْأَوْطَانِ وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي اشْتِرَاطِ الرَّاحِلَةِ لِلرُّجُوعِ، وَسَيَأْتِي وَلَيْسَ الْمَعَارِفُ وَالْأَصْدِقَاءُ كَالْعَشِيرَةِ، لِأَنَّ الِاسْتِبْدَالَ بِهِمْ مُتَيَسِّرٌ
(فَلَوْ) لَمْ يَجِد مَا ذُكِرَ لَكِنْ (كَانَ يَكْتَسِبُ) فِي سَفَرِهِ (مَا يَفِي بِزَادِهِ) وَمُؤْنَتِهِ.
(وَسَفَرُهُ طَوِيلٌ) أَيْ مَرْحَلَتَانِ فَأَكْثَرُ (لَمْ يُكَلَّفْ الْحَجُّ) ، لِأَنَّهُ قَدْ يَنْقَطِعُ عَنْ الْكَسْبِ لِعَارِضٍ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَنْقَطِعُ فَالْجَمْعُ بَيْنَ تَعَبِ السَّفَرِ، وَالْكَسْبِ تَعْظُمُ فِيهِ الْمَشَقَّةُ، (وَإِنْ قَصَرَ) أَيْ السَّفَرِ.
(وَهُوَ يَكْتَسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ كُلِّفَ) الْحَجَّ، بِأَنْ يَخْرُجَ لَهُ لِقِلَّةِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَا يَكْسِبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ إلَّا كِفَايَةَ يَوْمِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْقَطِعُ عَنْ كَسْبِهِ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ فَيَتَضَرَّرُ.
(الثَّانِي) مِنْ الشُّرُوطِ، (وُجُودُ الرَّاحِلَةِ لِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ) سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ أَمْ لَا لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ الْحَجُّ.
(فَإِنْ لَحِقَتْهُ بِالرَّاحِلَةِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ اُشْتُرِطَ وُجُودُ مَحْمِلٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ.
(وَاشْتُرِطَ شَرِيكٌ يَجْلِسُ فِي الشِّقِّ الْآخَرِ) فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الشَّرِيكَ فَلَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ، وَإِنْ وَجَدَ مُؤْنَةَ الْمَحْمِلِ بِتَمَامِهِ قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَوْ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي رُكُوبِ الْمَحْمِلِ اُعْتُبِرَ فِي حَقِّهِ الْكَنِيسَةُ، وَأَطْلَقَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهَا الْمَحْمِلُ، لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا (وَمِنْ بَيْنِهِ وَبَيْنِهَا) أَيْ
[حاشية قليوبي]
الرَّوْضَةِ وَشَمِلَ الْأَهْلُ أَقَارِبَ الْأُمِّ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبُرُلُّسِيُّ وَعَدَمُ تَيَسُّرِ حِرْفَةٍ لَهُ بِالْحِجَازِ كَالْأَهْلِ.
قَوْلُهُ: (وَلِنَزْعِ النُّفُوسِ) أَيْ شَوْقِهَا وَطَلَبِهَا لِلْوَطَنِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ يَكْتَسِبُ) أَيْ بِحَسَبِ عَادَتِهِ أَوْ ظَنِّهِ.
قَوْلُهُ: (فِي يَوْمٍ) أَيْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَيَّامِ سَفَرِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَا نَظَرَ لِمَا بَعْدَهُ وَلَا لِلْكَسْبِ فِي الْحَضَرِ.
قَوْلُهُ: (كِفَايَةَ أَيَّامٍ) هِيَ أَيَّامُ سَفَرِهِ وَهِيَ مَا بَيْنَ زَوَالِ سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ إلَى زَوَالِ ثَالِثَ عَشْرَةَ لِمَنْ لَمْ يَنْفِرْ النَّفَرَ الْأَوَّلَ فَهِيَ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ وَيُعْتَبَرُ فِي الْعُمْرَةِ قَدْرُ مَا يَسَعُ أَعْمَالَهَا وَهُوَ نَحْوُ ثُلُثَيْ يَوْمٍ.
قَوْلُهُ: (الرَّاحِلَةِ) أَيْ مَا يَلِيقُ بِهِ وَلَوْ آدَمِيًّا.
تَنْبِيهٌ: مِنْ وُجُودِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ مَا لِأَرْبَابِ وَظَائِفِ الرُّتَبِ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (مَكَّةَ) أَيْ لَا حَرَمَهَا.
قَوْلُهُ: (لِلْقَادِرِ) وَلَوْ أُنْثَى عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا كَشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ.
قَوْلُهُ: (مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ) هِيَ مَا لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً عِنْدَ شَيْخِنَا كَابْنِ حَجَرٍ وَاعْتَبَرَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ مَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَيُعْتَبَرُ فِي الشَّرِيكِ أَنْ يَلِيقَ بِهِ مُجَالَسَتُهُ وَلَيْسَ بِهِ مُشَوِّهٌ نَحْوُ بَرَصٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى مُؤْنَتِهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (الْكَنِيسَةُ) وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ الْآنَ بِالْمَحَارَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْكَنْسِ وَهُوَ السَّتْرُ، فَإِنْ عَجَزَ فَالْمِحَفَّةُ، فَإِنْ عَجَزَ فَسَرِيرٌ يَحْمِلُهُ الرِّجَالُ.
قَوْلُهُ: (وَأَطْلَقَ الْمَحَامِلِيُّ أَنَّ الْمَرْأَةَ) وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِمَا الْمَحْمِلُ وَإِنْ قَدَرَتَا عَلَى
[حاشية عميرة]
يُسْتَثْنَى مِنْهُ الرَّجْعِيَّةُ وَإِنْ لَزِمَتْ نَفَقَتُهَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ أَقَارِبُ) أَيْ وَلَوْ مِنْ الْأُمِّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا) دَفْعٌ لِمَا يُقَالُ قَضِيَّةُ الْعِبَارَةِ تَخْصِيصُ هَذَا الْوَجْهِ بِمَا إذَا انْتَفَيَا مَعًا.
فَرْعٌ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُ الْأَهْلِ وَالْعَشِيرَةِ عَدَمَ تَيَسُّرِ حِرْفَةٍ لَهُ بِالْحِجَازِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِي الْغُرْبَةِ مِنْ الْوَحْشَةِ) بِدَلِيلِ تَغْرِيبِ الزَّانِي.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (كَانَ يَكْسِبُ فِي سَفَرِهِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَوْ كَانَ يَقْدِرُ فِي الْحَضَرِ أَنْ يَكْتَسِبَ فِي يَوْمٍ مَا يَكْفِيهِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ وَلِلْحَجِّ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ؟ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ غَيْرَ أَنَّا نَقُولُ: إنْ كَانَ عَلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَجَبَ، لِأَنَّهُمْ إذَا كَلَّفُوهُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ فَفِي الْحَضَرِ أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ طَوِيلًا فَيَتَّجِهُ أَيْضًا الْوُجُوبُ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِهِمْ عِنْدَ الْكَسْبِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الرَّاحِلَةِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ النَّاقَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لَأَنْ تَرْحَلَ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: هِيَ الْبَعِيرُ النَّجِيبُ ثُمَّ الْحِمَارُ وَنَحْوُهُ كَالرَّاحِلَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: بِأَنْ تَكُونَ مُوَازِيَةً لِلضَّرَرِ بَيْنَ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ وَجَدَ مُؤْنَةَ الْمَحْمِلِ بِتَمَامِهِ) قَالَ فِي الْوَسِيطِ: لِأَنَّ بَذْلَ الزَّائِدِ خُسْرَانٌ لَا مُقَابِلَ لَهُ اهـ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الَّذِي يَحْتَاجُهُ مِنْ الزَّادِ يَقُومُ مَقَامَ الشَّرِيكِ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي تَعَيُّنَ الشَّرِيكِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ النَّصِّ وَكَلَامُ
مَكَّةَ، (دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى الْمَشْيِ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ) وَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ وُجُودُ الرَّاحِلَةِ
(فَإِنْ ضَعُفَ) عَنْ الْمَشْيِ (فَكَالْبَعِيدِ) عَنْ مَكَّةَ فَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ وُجُودُ الرَّاحِلَةِ، وَالْمَحْمِلُ أَيْضًا إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّكُوبُ بِدُونِهِ، وَبِحَيْثُ اُعْتُبِرَ وُجُودُهُمَا فَالْمُرَادُ التَّمَكُّنُ مِنْ تَحْصِيلِهِمَا بِشِرَاءٍ أَوْ اسْتِئْجَارٍ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، (وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ) بِمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا (فَاضِلَيْنِ عَنْ دِينِهِ وَمُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ) وَالْمُؤْنَةُ تَشْمَلُ النَّفَقَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهَا، كَالْكِسْوَةِ وَسَوَاءٌ فِي الدَّيْنِ الْحَالِّ، لِأَنَّهُ نَاجِزٌ وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي وَالْمُؤَجَّلِ لِأَنَّهُ إذَا صَرَفَ مَا مَعَهُ إلَى الْحَجِّ، فَقَدْ يَحِلُّ الْأَجَلُ وَلَا يَجِدُ مَا يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ، وَقَدْ تَخْتَرِمُهُ الْمَنِيَّةُ فَتَبْقَى ذِمَّتُهُ مَرْهُونَةً، وَلَوْ كَانَ مَالُهُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ إنْسَانٍ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُهُ فِي الْحَالِ فَكَالْحَاصِلِ، وَإِلَّا فَكَالْمَعْدُومِ، (وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ الْفَاضِلِ عَمَّا ذُكِرَ.
(فَاضِلًا) أَيْضًا (عَنْ مَسْكَنِهِ وَعَبْدٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِخِدْمَتِهِ) لِزَمَانَتِهِ أَوْ مَنْصِبِهِ، وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ بَلْ عَلَيْهِ بَيْعُهُمَا، وَيَكْتَفِي بِالِاكْتِرَاءِ، وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الدَّارُ مُسْتَغْرِقَةً لِحَاجَتِهِ، وَكَانَتْ سُكْنَى مِثْلِهِ وَالْعَبْدُ عَبْدَ مِثْلِهِ، فَأَمَّا إذَا أَمْكَنَ بَيْعُ بَعْضِ الدَّارِ وَوَفَّى ثَمَنُهُ بِمُؤْنَةِ الْحَجِّ، أَوْ كَانَا نَفِيسَيْنِ لَا يَلِيقَانِ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ أَبْدَلَهُمَا لَوَفَّى التَّفَاوُتُ بِمُؤْنَةِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ جَزْمًا وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَأْتِيَ فِي النَّفِيسَيْنِ الْمَأْلُوفَيْنِ الْخِلَافُ فِيهِمَا فِي الْكَفَّارَةِ لِأَنَّ لَهَا بَدَلًا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ مُعْتَرَضًا بِهِ قَوْلَ الرَّافِعِيِّ لَا بُدَّ مِنْ عَوْدِهِ هُنَا.
(وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ يَلْزَمُهُ صَرْفُ مَالِ تِجَارَتِهِ إلَيْهِمَا) أَيْ إلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ بِمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا وَفَارَقَ الْمَسْكَنَ وَالْعَبْدَ، لِأَنَّهُمَا مُحْتَاجٌ إلَيْهِمَا فِي الْحَالِ وَهُوَ إنَّمَا يُتَّخَذُ ذَخِيرَةً لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ لِئَلَّا يَلْتَحِقَ بِالْمَسَاكِينِ وَلَوْ كَانَ لَهُ مُسْتَغَلَّاتٌ يُحَصِّلُ مِنْهَا نَفَقَتَهُ لَزِمَهُ بَيْعُهَا وَصَرْفُهَا إلَى مَا ذُكِرَ فِي الْأَصَحِّ أَيْضًا وَلَا يَلْزَمُ الْفَقِيهَ بَيْعُ كُتُبِهِ لِلْحَجِّ فِي الْأَصَحِّ لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ نُسْخَتَانِ، فَيَلْزَمُهُ بَيْعُ إحْدَاهُمَا لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَيْهَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَلَوْ مَلَكَ مَا يُمْكِنُهُ بِهِ الْحَجُّ وَاحْتَاجَ إلَى النِّكَاحِ لِخَوْفِهِ الْعَنَتَ، فَصَرْفُ الْمَالِ إلَى النِّكَاحِ أَهَمُّ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ نَاجِزَةٌ وَالْحَجُّ
[حاشية قليوبي]
الْمَشْيِ بِلَا مَشَقَّةٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مَكَّةَ) فَلَا يُعْتَبَرُ عَرَفَةُ وَلَا الْحَرَمُ وَفَارَقَ اعْتِبَارَهَا فِي حَاضِرِي الْحَرَمِ مِنْهُ نَظَرًا لِلتَّخْفِيفِ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ ضَعُفَ عَنْ الْمَشْيِ) أَيْ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الزَّحْفِ أَوْ الْحَبْوِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَحْمِلُ) هُوَ الَّذِي يُعْرَفُ الْآنَ بِالشُّقْدُفِ وَلَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْمُعَادَلَةِ بِالْأَثْقَالِ لَمْ يَكْفِ عَنْ الشَّرِيكِ فِي الْوُجُوبِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا) كَالْمَحْمِلِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ دَيْنِهِ) وَلَوْ لِلَّهِ تَعَالَى كَنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ.
قَوْلُهُ: (مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ) مِنْهُمْ زَوْجَاتُهُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى نَفَقَتِهِمْ ذَهَابًا وَإِيَابًا بِحَسَبِ نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمِنْهَا إعْفَافُ الْأَبِ وَمِنْ الْمُؤْنَةِ أُجْرَةُ طَبِيبٍ وَثَمَنُ أَدْوِيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَأُجْرَةُ مَسْكَنِهِ ذَهَابًا وَإِيَابًا.
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَيَحْرُمُ الْحَجُّ عَلَى مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُهُمْ جَوَازَهُ.
قَوْلُهُ: (يَحْتَاجُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى مَا ذُكِرَ وَأَمَةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْخِدْمَةِ كَالْعَبْدِ وَخَرَجَ بِالْحَاجَةِ مَنْ اسْتَغْنَى بِسُكْنَى زَوْجٍ أَوْ نَحْوِ رِبَاطٍ فَيَلْزَمُهُ بَيْعُهُ وَصَرْفُهُ فِي الْحَجِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ بَيْعُهَا إلَخْ) وَسَوَاءٌ أَحْسَنَ الْكَسْبَ أَوْ لَا، وَلَوْ افْتَقَرَ بَعْدَ اسْتِطَاعَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْكَسْبُ وَلَا سُؤَالُ الصَّدَقَةِ أَوْ الزَّكَاةِ لِبَقَاءِ الْحَجِّ فِي ذِمَّتِهِ عَلَى التَّرَاخِي خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُ الْفَقِيهَ بَيْعُ كُتُبِهِ) وَمِثْلُهُ كُلُّ ذِي حِرْفَةٍ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُ آلَةِ
[حاشية عميرة]
الْجُمْهُورِ وَهُوَ الْوَجْهُ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ لَحِقَهُ إلَخْ) لَوْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوبِ فِي الْكَنِيسَةِ، وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ الْآنَ بِالْمَحَارَةِ وَلَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الرُّكُوبِ فِي الْمِحَفَّةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ جَمَلَيْنِ، وَتَمَكَّنَ مِنْ مُؤْنَتِهَا فَالظَّاهِرُ اللُّزُومُ، وَتَوَقَّفَ الْأَذْرَعِيُّ فِي ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ عِظَمِ الْمُؤْنَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ) أَيْ مِنْ مَكَّةَ نَفْسِهَا، لَا مِنْ الْحَرَمِ بِخِلَافِ الْمَسَافَةِ فِيمَنْ هُوَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَإِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ مِنْ الْحَرَمِ رِعَايَةً لِلتَّخْفِيفِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمُؤْنَةِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ الْكُلْفَةُ تَقُولُ مَأَنْته أَمْأَنُهُ كَسَأَلْتُهُ أَسْأَلُهُ، وَمُنْت أَمُونُ كَقُلْتُ أَقُولُ، وَيَدْخُلُ فِيهَا إعْفَافُ الْوَالِدِ وَأُجْرَةُ الطَّبِيبِ لَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، أَقُولُ كَذَا قَالُوا لَكِنْ قَالُوا أَيْضًا: إنَّ احْتِيَاجَ الشَّخْصِ إلَى النِّكَاحِ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، فَيَجِبُ أَنْ يُخَصَّ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَمْ يَبْلُغْ بِهِ الْحَالُ إلَى أَنْ يَجِبَ إعْفَافُ نَفْسِهِ، إنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ فَإِنَّ إعْفَافَ نَفْسِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى إعْفَافِ وَالِدِهِ.
قَوْلُهُ: (فَقَدْ يَحِلُّ الْأَجَلُ) أَيْ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَنْ مَسْكَنِهِ) لَوْ احْتَاجَ لِلسُّكْنَى بِأُجْرَةٍ، هَلْ تُعْتَبَرُ أُجْرَةُ الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ فَقَطْ أَمْ عَلَى
عَلَى التَّرَاخِي، وَصَرَّحَ الْإِمَامُ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ، وَصَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ بِوُجُوبِهِ وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
(الثَّالِثُ) مِنْ الشُّرُوطِ (أَمْنُ الطَّرِيقِ) ظَنًّا بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ.
(فَلَوْ خَافَ) فِي طَرِيقِهِ (عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ سَبُعًا أَوْ عَدُوًّا أَوْ رَصَدِيًّا وَلَا طَرِيقَ) لَهُ (سِوَاهُ لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ) عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الرَّصَدِيُّ يَرْضَى بِشَيْءٍ يَسِيرٍ وَيُكْرَهُ بَذْلُ الْمَالِ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى التَّعَرُّضِ لِلنَّاسِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الَّذِينَ يَخَافُهُمْ مُسْلِمِينَ أَمْ كُفَّارًا، لَكِنْ إنْ كَانُوا كُفَّارًا وَأَطَاقُوا مُقَاوَمَتَهُمْ اُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا لِلْحَجِّ وَيُقَاتِلُوهُمْ، لِيَنَالُوا ثَوَابَ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ، وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لَمْ يُسْتَحَبَّ الْخُرُوجُ وَالْقِتَالُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ آمِنٌ لَزِمَهُ سُلُوكُهُ، وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ الْأَوَّلِ إذَا وَجَدَ مَا يَقْطَعُهُ بِهِ
(وَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ رُكُوبِ الْبَحْرِ) لِمَنْ لَا طَرِيقَ لَهُ سِوَاهُ، (إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ) فِي رُكُوبِهِ كَسُلُوكِ طَرِيقِ الْبَرِّ عِنْدَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ، وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِأَنَّ عَوَارِضَ الْبَحْرِ عَسِرَةُ الدَّفْعِ، فَإِنْ غَلَبَ الْهَلَاكُ لِخُصُوصِ ذَلِكَ الْبَحْرِ أَوْ لِهَيَجَانِ الْأَمْوَاجِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، لَمْ يَجِبْ رُكُوبُهُ جَزْمًا وَإِنْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فَوَجْهَانِ: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ أَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ، وَإِذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ اُسْتُحِبَّ عَلَى الْأَصَحِّ إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ، وَإِنْ غَلَبَ الْهَلَاكُ حَرُمَ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فَفِي التَّحْرِيمِ وَجْهَانِ: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ أَصَحُّهُمَا التَّحْرِيمُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ فِي لُزُومِ رُكُوبِهِ مُطْلَقًا لِلُزُومِ الظَّوَاهِرِ الْمُطْلَقَةِ فِي الْحَجِّ، وَعَدَمُ اللُّزُومِ لِمَا فِي رُكُوبِهِ مِنْ الْخَوْفِ وَالْخَطَرِ هَذَا كُلُّهُ فِي الرَّجُلِ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَفِيهَا خِلَافٌ مُرَتَّبٌ وَأَوْلَى بِعَدَمِ الْوُجُوبِ لِضَعْفِهَا عَنْ احْتِمَالِ الْأَهْوَالِ، وَلِأَنَّهَا عَوْرَةٌ مُعَرَّضَةٌ لِلِانْكِشَافِ وَغَيْرِهِ لِضِيقِ الْمَكَانِ، فَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ عَلَيْهَا لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهَا، وَقِيلَ: يَطَّرِدُ الْخِلَافُ وَلَيْسَتْ الْأَنْهَارُ الْعَظِيمَةُ كَجَيْحُونَ وَنَحْوِهِ فِي حُكْمِ الْبَحْرِ لِأَنَّ
[حاشية قليوبي]
حِرْفَتِهِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا، وَمِثْلُهَا خَيْلُ الْجُنْدِيِّ (وَ) سِلَاحُهُ وَبَهَائِمُ الزُّرَّاعِ وَمِحْرَاثُهُ.
قَوْلُهُ: (أَهَمُّ) هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ حَاجَةَ النِّكَاحِ لَا تَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَجِّ لَكِنَّ تَقْدِيمَ النِّكَاحِ أَوْلَى وَعَلَيْهِ لَوْ مَاتَ بَعْدَ تَقْدِيمِ النِّكَاحِ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا وَيَقْضِي مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ فَالْأَفْضَلُ تَقْدِيمُ الْحَجِّ وَفِي هَذِهِ لَوْ مَاتَ قَبْلَهُ كَانَ عَاصِيًا.
كَذَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ خَافَ) أَيْ وَإِنْ اخْتَصَّ الْخَوْفُ بِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (مَالِهِ) أَيْ الَّذِي يَبْذُلُهُ لِلْحَجِّ لَا نَحْوُ مَالِ تِجَارَةٍ.
وَشَرَطَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ الْأَمْنَ عَلَى مَالِهِ فِي الْحَضَرِ لَوْ سَافَرَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ لَوْ كَانَ إذَا سَافَرَ لَهُ لَا يَأْمَنُ عَلَى مَا يَبْقَى مِنْ أَمْوَالِهِ فِي بَلَدِهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ رَصَدِيًّا) وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ وَإِسْكَانِهَا، مَنْ يَرْقُبُ الطَّرِيقَ لِيَأْخُذَ مِنْ الْمَارَّةِ شَيْئًا نَعَمْ لَوْ كَانَ الْبَاذِلُ لِلرَّصَدِيِّ الْإِمَامُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ عَنْ جَمِيعِ الرَّكْبِ لَا عَنْ وَاحِدٍ بِخُصُوصِهِ لَمْ يَسْقُطْ الْوُجُوبُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَخْرُجُوا) وَإِذَا خَرَجُوا وَالْتَقَتْ الصُّفُوفُ حَرُمَ الِانْصِرَافُ.
وَمَا فِي ابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وُجُوبُ رُكُوبِ الْبَحْرِ) أَيْ ابْتِدَاءً أَوْ دَوَامًا وَلَوْ قَطَعَ بَعْضَهُ فِي حَالَةِ عَدَمِ الْوُجُوبِ فَلَهُ الرُّجُوعُ إنْ لَمْ يَكُنْ الْبَاقِي أَقَلَّ خَوْفًا أَوْ مَشَقَّةً، سَوَاءٌ اسْتَوَتْ الْمَسَافَةُ أَمْ لَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (لِمَنْ لَا طَرِيقَ لَهُ سِوَاهُ) يَحْتَمِلُ أَنْ لَا طَرِيقَ لَهُ أَصْلًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا طَرِيقَ لَهُ يَأْمَنُ فِيهِ.
وَقَوْلُ الْمَنْهَجِ: تَعَيَّنَ يُشْعِرُ بِالثَّانِي وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ يَبْقَى بِالْبَحْرِ دُونَ الْبَرِّ فَهَلْ هُوَ مِنْ التَّعَيُّنِ أَوْ لَا.
حَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْبَرَّ كَالْبَحْرِ.
فَقَوْلُهُ فِيمَا مَرَّ: أَمْنُ الطَّرِيقِ أَيْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ) أَيْ عَلَى مُقَابِلِ الْأَظْهَرِ.
قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا التَّحْرِيمُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (فَفِيهَا خِلَافٌ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ فِيمَا ذُكِرَ فِيهِ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَتْ إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا فِي وَقْتِ هَيَجَانِهَا
[حاشية عميرة]
الدَّوَامِ؟ . قَوْلُهُ: (مَا يَلِيقُ بِهِ) الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ لِلطَّرِيقِ مِنْ قَوْلِ الْمَتْنِ أَمْنُ الطَّرِيقِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ رَصَدِيًّا) لَوْ كَانَ الْبَاذِلُ لَهُ الْإِمَامُ لَمْ يَمْنَعْ الْوُجُوبَ، وَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ فَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: الْقِيَاسُ عَدَمُ الْوُجُوبِ لِلْمِنَّةِ وَالرَّصَدِيِّ بِسُكُونِ الصَّادِ وَفَتْحِهَا الْمُتَرَتِّبُ لِلشَّيْءِ، وَالْمُرَادُ الْأَمْنُ الْعَامُّ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الْخَوْفِ فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، وَلَوْ كَانَ الْخَوْفُ بِسَبَبِ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ فَكَالْعَدِمِ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمَتْنِ: (وُجُوبُ رُكُوبِ الْبَحْرِ) بَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ تَحْرِيمَ السَّفَرِ بِالْوَلَدِ فِيهِ لِلْعُذْرِ، وَاعْتَرَضَهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ غَايَةَ ذَلِكَ التَّغْرِيرُ وَهُوَ جَائِزٌ مُحَافَظَةً عَلَى الْأَجْرِ لِلْوَلَدِ، كَمَا فِي إحْضَارِهِ فِي الْغَزْوِ وَالرَّضْخِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ) قَدْ يُقَالُ: هَذَا لَا يُلَائِمُ غَلَبَةَ الْهَلَاكِ.
قَوْلُهُ: (فَفِيهَا خِلَافٌ مُرَتَّبٌ) أَيْ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ
الْمُقَامَ فِيهَا لَا يَطُولُ وَالْخَطَرَ فِيهَا لَا يَعْظُمُ، (وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْبَذْرَقَةِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ الْخِفَارَةُ، لِأَنَّهَا مِنْ أُهُبِ الْحَجِّ فَيُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِهِ الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا، وَالثَّانِي يَقُولُ: هِيَ خُسْرَانٌ لِدَفْعِ الظُّلْمِ، فَلَا يَجِبُ الْحَجُّ مَعَ طَلَبِهَا، وَالْخِلَافُ وَجْهَانِ وَالتَّصْحِيحُ لِلْإِمَامِ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ جُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْخُرَاسَانِيِّي نَ أَنَّهُ إذَا احْتَاجَ إلَى خَفَارَةٍ لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ، وَحَمَلَهُ عَلَى إرَادَةِ مَا يَأْخُذُهُ الرَّصَدِيُّونَ فِي الْمَرَاصِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(وَيُشْتَرَطُ) فِي وُجُوبِ الْحَجِّ (وُجُودُ الْمَاءِ وَالزَّادِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُعْتَادِ حَمْلُهُ مِنْهَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَهُوَ الْقَدْرُ اللَّائِقُ بِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ) ، فَإِنْ كَانَ لَا يُوجَدُ بِهَا لِخُلُوِّهَا مِنْ أَهْلِهَا، وَانْقِطَاعِ الْمِيَاهِ أَوْ كَانَ يُوجَدُ بِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ، (وَعَلْفُ الدَّابَّةِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ) . لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ تَعْظُمُ بِحَمْلِهِ لِكَثْرَتِهِ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يَنْبَغِي اعْتِبَارُ الْعَادَةِ فِيهِ كَالْمَاءِ، (وَ) يُشْتَرَطُ (فِي الْمَرْأَةِ) لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا (أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا زَوْجٌ أَوْ مَحْرَمٌ) بِنَسَبٍ أَوْ غَيْرِ نَسَبٍ.
(أَوْ نِسْوَةٌ ثِقَاتٌ) لِتَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهَا (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَحْرَمٍ لِإِحْدَاهُنَّ) لِأَنَّ الْأَطْمَاعَ تَنْقَطِعُ بِجَمَاعَتِهِنَّ، وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ لِيُكَلِّمَ الرِّجَالُ عَنْهُنَّ، وَيُعِينَهُنَّ إذَا نَابَهُنَّ أَمْرٌ وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الزَّوْجُ، وَقَدْ عَطَفَهُ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَوْ، (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ يَلْزَمُهَا أُجْرَةُ الْمَحْرَمِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِهَا) لِأَنَّهُ مِنْ أُهْبَةِ سَفَرِهَا فَفِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ: «لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إلَّا مَعَ مَحْرَمٍ» ، فَيُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا قُدْرَتُهَا عَلَى أُجْرَتِهِ وَالثَّانِي يَقُولُ: مِنْ حَقِّهِ الْخُرُوجُ مَعَهَا فَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِأُجْرَةٍ، لَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَيْهَا وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أُجْرَةِ الْبَذْرَقَةِ وَأَوْلَى بِاللُّزُومِ وَيَظْهَرُ أَنَّ أُجْرَةَ الزَّوْجِ كَأُجْرَةِ الْمَحْرَمِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ مِنْ الْمَحْرَمِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَرْأَةِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ نِسْوَةٌ مِنْ مَحَارِمَ كَإِخْوَانِهِ، وَعَمَّاتِهِ جَازَ وَإِنْ كُنَّ أَجْنَبِيَّاتٍ فَلَا لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْخَلْوَةُ بِهِنَّ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ اهـ.
وَقَالَ قَبْلَ هَذَا بِيَسِيرٍ الْمَشْهُورُ جَوَازُ خَلْوَةِ رَجُلٍ
[حاشية قليوبي]
كَالْبَحْرِ.
قَوْلُهُ: (أُجْرَةُ الْبَذْرَقَةِ) وَهِيَ كَلِمَةٌ عَجَمِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ وَيَجُوزُ فِيهَا إهْمَالُ الذَّالِ وَوَزْنُهَا مِفْعَلَةٌ كَمِنْطَقَةٍ وَمَحَلُّهُ إنْ كَانَتْ أُجْرَةُ مِثْلِهَا فَأَقَلُّ.
قَوْلُهُ: (الْخِفَارَةُ) بِتَثْلِيثِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْخِلَافُ إلَخْ) فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ) هَذَا شَرْطٌ رَابِعٌ فِي ضِمْنِ الثَّالِثِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ فِي وُجُودِ مَا ذُكِرَ بِالْفِعْلِ مَعَهُ، وَهَذَا فِي وُجُودِهِ بِثَمَنِهِ فِي مَحَالِّهِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ) نَعَمْ تُغْتَفَرُ هُنَا الزِّيَادَةُ الْيَسِيرَةُ بِخِلَافِ مَا مَرَّ فِي التَّيَمُّمِ لِأَنَّ لَهُ بَدَلًا بِخِلَافِ مَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ اعْتِبَارُ الْعَادَةِ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَرْأَةِ) وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى.
قَوْلُهُ: (لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا) وَيَكْفِي فِي الْجَوَازِ لِلْوَاجِبِ مِنْ السَّفَرِ، وَلَوْ لِغَيْرِ الْحَجِّ امْرَأَةٌ وَأَمْنُهَا عَلَى نَفْسِهَا وَيَجُوزُ لَهَا النَّفَلُ مَعَ الزَّوْجِ أَوْ مَعَ مَحْرَمٍ لَا مَعَ نِسْوَةٍ، وَإِنْ كَثُرْنَ كَسَفَرِهَا، وَإِنْ قَصُرَ لِغَيْرِ وَاجِبٍ.
وَلَوْ مَاتَ الْمَحْرَمُ وَنَحْوُهُ بَعْدَ إحْرَامِهَا لَزِمَهَا الْإِتْمَامُ إنْ أَمِنَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَحَرُمَ عَلَيْهَا التَّحَلُّلُ حِينَئِذٍ وَإِلَّا جَازَ أَوْ قَبْلَ إحْرَامِهَا لَزِمَهَا الرُّجُوعُ إنْ أَمِنَتْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَحْرَمٌ) وَلَوْ مُرَاهِقًا وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ بَصِيرًا فَالْأَعْمَى كَالْمُعْدِمِ قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: إلَّا إنْ كَانَ فَطِنًا حَاذِقًا فَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِهِ لَكِنَّ اشْتِرَاطَهُمْ مُصَاحَبَةَ نَحْوِ الْمَحْرَمِ لَهَا لِيَمْنَعَ عَنْهَا أَعْيُنَ النَّاظِرِينَ إلَيْهَا يُنَافِي ذَلِكَ.
وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ ثِقَةً كَالزَّوْجِ وَكَالْمَحْرَمِ عَبْدُهَا الثِّقَةُ وَالْمَمْسُوحُ الثِّقَةُ وَالْأَمْرَدُ كَالْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (نِسْوَةٌ) أَقَلُّهُنَّ ثِنْتَانِ وَلَوْ إمَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَوْ غَيْرَ بَالِغَاتٍ حَيْثُ لَهُنَّ حِذْقٌ.
قَوْلُهُ: (ثِقَاتٌ) أَيْ إنْ كُنَّ غَيْرَ مَحَارِمَ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كُنَّ أَجْنَبِيَّاتٍ فَلَا إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ وَأَنَّ الْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ فِي الْخَلْوَةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (بِلَا مَشَقَّةٍ
[حاشية عميرة]
فَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ إلَخْ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إلَخْ) بَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ الْقَدْرَ الْيَسِيرَ الزَّائِدَ فِيهَا عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ يُغْتَفَرُ.
قَوْلُهُ: (بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ) زَادَ الْإِسْنَوِيُّ وَبِالْمُهْمَلَةِ أَيْضًا، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهَا أَعْجَمِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْخِلَافُ وَجْهَانِ) اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي عَطْفِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَلِذَا لَمْ يُقَدِّرْهُ الشَّارِحُ فِيمَا سَلَفَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِثَمَنِ الْمِثْلِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ غَالِيًا أَوْ رَخِيصًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ) اسْتَشْكَلَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، فَإِنْ أُرِيدَ الْمَرْعَى فَرُبَّمَا يَقْرُبُ.
قَوْلُهُ: (لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا) خَرَجَ الْجَوَازُ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ إذَا وُجِدَتْ وَاحِدَةٌ فَقَطْ، وَأَمَّا سَفَرُ النَّفْلِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهَا، وَإِنْ وَجَدَتْ عَدَدًا مِنْ النِّسْوَةِ هَذَا، وَلَكِنْ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ السَّفَرَ الْوَاجِبَ، يُكْتَفَى فِيهِ بِوَاحِدَةٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ مَحْرَمٌ) شَرَطَ الْعَبَّادِيُّ فِي الْمَحْرَمِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا وَيُقَاسُ بِهِ
بِنِسْوَةٍ لَا مَحْرَمَ لَهُ فِيهِنَّ، مُعْتَرِضًا بِهِ قَوْلَ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ فَاسْتُغْنِيَ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ عَنْ مِثْلِهِ فِي الْخُنْثَى الْمُلْحَقِ بِالرَّجُلِ احْتِيَاطًا.
(الرَّابِعُ) مِنْ الشُّرُوطِ (أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ) فِي مَحْمِلٍ فَمَنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهَا أَصْلًا أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهَا فِي مَحَلٍّ بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ مَنْ انْتَفَتْ عَنْهُ الْمَشَقَّةُ فِي الْمَحْمِلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ كَمَا تَقَدَّمَ، (وَعَلَى الْأَعْمَى الْحَجُّ إنْ وَجَدَ قَائِدًا) مَعَ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ يَقُودُهُ وَيَهْدِيهِ عِنْدَ النُّزُولِ، وَيُرْكِبُهُ وَيُنْزِلُهُ (وَهُوَ) فِي حَقِّهِ (كَالْمَحْرَمِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ) . قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فَيَكُونُ فِي وُجُوبِ اسْتِئْجَارِهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْوُجُوبُ.
(وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ كَغَيْرِهِ) فِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهِ، (لَكِنْ لَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِ) لِتَبْذِيرِهِ (بَلْ يَخْرُجُ مَعَهُ الْوَلِيُّ أَوْ يُنَصِّبُ شَخْصًا لَهُ) لِيُنْفِقَ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ أُجْرَتَهُ كَأُجْرَةِ الْمَحْرَمِ.
تَنْبِيهٌ: يَدْخُلُ فِي شَرْطِ أَمْنِ الطَّرِيقِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ مَا ذَكَرَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَجِدَ رُفْقَةً يَخْرُجُ مَعَهُمْ عَلَى الْعَادَةِ قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَإِنْ كَانَتْ الطَّرِيقُ بِحَيْثُ لَا يَخَافُ الْوَاحِدُ فِيهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى الرُّفْقَةِ، أَمَّا إمْكَانُ السَّيْرِ وَهُوَ أَنْ يَبْقَى زَمَنٌ يُمْكِنُ السَّيْرُ فِيهِ إلَى الْحَجِّ السَّيْرَ الْمَعْهُودَ، فَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِاسْتِقْرَارِهِ فِي ذِمَّتِهِ لَيَجِبَ قَضَاؤُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ، وَلَيْسَ شَرْطًا لِأَصْلِ الْوُجُوبِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ فِي الْحَالِ كَالصَّلَاةِ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَسَعُهَا وَتَسْتَقِرُّ فِي الذِّمَّةِ بِمُضِيِّ زَمَنِ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِهَا، وَصَوَّبَ فِي الرَّوْضَةِ الْأَوَّلَ وَأَجَابَ عَنْ الصَّلَاةِ بِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِإِمْكَانِ تَتْمِيمِهَا.
(النَّوْعُ الثَّانِي اسْتِطَاعَةُ تَحْصِيلِهِ بِغَيْرِهِ فَمَنْ مَاتَ وَفِي ذِمَّتِهِ حَجٌّ وَجَبَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ) كَمَا تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ اُسْتُحِبَّ لِوَارِثِهِ أَنْ
[حاشية قليوبي]
شَدِيدَةٍ) تَقَدَّمَ الْمُرَادُ بِهَا وَتَقَدَّمَ ضَبْطُ الْمَحْمِلِ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ أَوْ عَكْسُهُ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ وَالْعُبَابِ.
قَوْلُهُ: (إنْ وَجَدَ قَائِدًا) وَإِنْ أَحْسَنَ الْمَشْيَ وَلَوْ بِغَيْرِ الْعَصَا.
فَرْعٌ: لَوْ ظَنَّ مُسْقِطًا مِنْ عَدُوٍّ أَوْ غَيْرِهِ اسْتَصْحَبَ الْغَالِبَ فَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ شَيْءٌ وَجَبَ الْخُرُوجُ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ لِظَنِّهِ وُجُودُ الْمَانِعِ وَالْمُسْقِطِ فَبَانَ عَدَمُهُ تَبَيَّنَ الْوُجُوبُ كَعَكْسِهِ.
قَوْلُهُ: (إنَّهُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِابْنِ الصَّلَاحِ وَيَتَعَيَّنُ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ بِأَنْ يُقَالَ إنَّهُ اسْتَطَاعَ عِنْدَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ ثُمَّ أَعْسَرَ قَبْلَ عَوْدِهِمْ كَمَا مَرَّ.
إلَّا أَنَّهُ مَاتَ فَعِنْدَ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ وَجَبَ، وَلَكِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ وَعِنْدَ غَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ وَتَصْوِيرُ كَلَامِهِمْ بِغَيْرِ هَذَا فَاسِدٌ وَلَا يُغْتَرُّ بِقَائِلِهِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلَافِ الِاسْتِئْجَارُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ فَإِنْ قُلْنَا وَجَبَ صَحَّ الِاسْتِئْجَارُ قَطْعًا وَإِلَّا فَفِيهِ قَوْلَانِ.
وَأَمَّا لَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ وَقْتِ الِاسْتِطَاعَةِ فَهُوَ كَمَنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فِي زَمَنٍ لَا يَسَعُهَا وَبِهِ يَتَبَيَّنُ عَدَمُ الْوُجُوبِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فَمَنْ مَاتَ) أَيْ غَيْرَ مُرْتَدٍّ وَفَارَقَ الزَّكَاةَ بِأَنَّهُ
[حاشية عميرة]
غَيْرُهُ، ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اعْتِبَارُهُ حَتَّى فِي حَقِّ الْعَجُوزِ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَغْنَى إلَخْ) خَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا.
وَقَالَ: إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الْخَلْوَةُ بِهِنَّ أَيْ بِكُلٍّ مِنْهُنَّ، وَالسَّفَرُ مَظِنَّةُ ذَلِكَ، فَلَا يُنَافِي مَا سَلَفَ لَهُ مِنْ جَوَازِ خَلْوَةِ الرَّجُلِ بِنِسْوَةٍ فِي غَيْرِ السَّفَرِ.
قَوْلُهُ: (فِي مَحْمِلٍ) دَفْعٌ لِاعْتِرَاضِ الْإِسْنَوِيِّ، بِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ فِي الشَّرْطِ الثَّانِي فِي عِبَارَتِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، يَعْنِي الْخَالِيَةَ عَنْ الْمَحْمِلِ فَتَكُونُ هِيَ الْمُرَادَةُ هُنَا، فَيُشْكِلُ بِأَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدَرَ عَلَى الرُّكُوبِ فِي الْمَحْمِلِ وَجَبَتْ الْمُبَاشَرَةُ اهـ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ الرَّاحِلَةُ الشَّرْعِيَّةُ فَلَا إيرَادَ.
قَوْلُهُ: (لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ) بَلْ يَكُونُ مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ إلَخْ) دَفْعٌ لِمَا عَسَاهُ يُقَالُ الْمَذْكُورُ هُنَا هُوَ الَّذِي سَلَفَ، نَعَمْ الْمَذْكُورُ هُنَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ تَصْرِيحًا بِمَا فُهِمَ مِنْ هُنَاكَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ (فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ فِي الْحَالِ) اُنْظُرْ مَا فَائِدَةَ ذَلِكَ حَيْثُ لَا يَسْتَقِرُّ، وَلَا يَقْضِي مِنْ تَرِكَتِهِ إلَّا إنْ تَمَكَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (كَمَا تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ) أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْحَجَّ عَنْهُ يَكُونُ قَضَاءً لِفَوَاتِ الْوَقْتِ وَهُوَ الْعُمُرُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ نَعَمْ) وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ أَشْبَهَ الْحَجَّ بِالدَّيْنِ، وَأَذِنَ لَهُ فِي الْحَجِّ عَنْهُ، وَالدَّيْنُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ أَوْصَى بِهِ أَوْ لَا، فَكَذَا الْحَجُّ وَمِنْ ثَمَّ سَاغَ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ:
يَحُجَّ عَنْهُ، فَإِنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ بِاسْتِئْجَارٍ سَقَطَ الْحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ، وَلَوْ حَجَّ عَنْهُ أَجْنَبِيٍّ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْوَارِثُ كَمَا يَقْضِي دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَارِثِ وَيَبْرَأُ الْمَيِّتُ بِهِ، ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ بُرَيْدَةَ: «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا» .
وَرَوَى النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْحَجِّ عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ: أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ فَقَضَيْته عَنْهُ، أَكَانَ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَاحْجُجْ عَنْهُ» (وَالْمَعْضُوبُ الْعَاجِزُ عَنْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ) لِكِبَرٍ أَوْ غَيْرِهِ (إنْ وَجَدَ أُجْرَةَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ) الْحَجُّ بِهَا (وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا فَاضِلَةً عَنْ الْحَاجَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَنْ حَجَّ بِنَفْسِهِ، لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ نَفَقَةُ الْعِيَالِ ذَهَابًا وَإِيَابًا) ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُفَارِقْ أَهْلَهُ يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُ نَفَقَتِهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أُجْرَةَ مَاشٍ وَجَبَ اسْتِئْجَارُهُ فِي الْأَصَحِّ إذْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي مَشْيِ الْأَجِيرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَجَّ بِنَفْسِهِ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْمَشْيُ، وَقَوْلُهُ الْعَاجِزُ إلَخْ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ فِي مَعْنَى التَّفْسِيرِ لِلْمَعْضُوبِ، (وَلَوْ بَذَلَ) بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ أَعْطَى (وَلَدُهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ مَالًا لِلْأُجْرَةِ لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ لِمَا) فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ الثَّقِيلَةِ، وَالثَّانِي يَجِبُ لِحُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ بِهِ، وَالْوُجُوبُ فِي الْوَلَدِ أَوْلَى مِنْهُ فِي الْأَجْنَبِيِّ وَبَذْلُ الْأَبِ الْمَالَ كَبَذْلِ الِابْنِ أَوْ كَبَذْلِ الْأَجْنَبِيِّ فِيهِ احْتِمَالَانِ: ذَكَرَهُمَا الْإِمَامُ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
(وَلَوْ بَذَلَ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ) فِي الْحَجِّ (وَجَبَ قَبُولُهُ) بِالْإِذْنِ لَهُ فِيهِ، (وَكَذَا الْأَجْنَبِيُّ فِي الْأَصَحِّ) وَالْمِنَّةُ فِي ذَلِكَ لَيْسَتْ كَالْمِنَّةِ فِي الْمَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْتَنْكِفُ عَنْ
[حاشية قليوبي]
عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَجّ عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ) أَيْ فَرْضًا أَوْ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَتْ نَفْلًا بِأَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَبْلَ مَوْتِهِ جَازَ وَالْعِلَّةُ لِلْأَصْلِ وَالْأَغْلَبِ.
وَأَمَّا النَّفَلُ غَيْرُ هَذِهِ فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إذْنِهِ سَوَاءٌ مِنْ الْوَارِثِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا يَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَعْضُوبُ) مِنْ الْعَضَبِ بِمُعْجَمَةٍ وَهُوَ الْقَطْعُ لِقَطْعِهِ عَنْ كَمَالِ الْحَرَكَةِ وَبِمُهْمَلَةٍ كَأَنَّهُ قَطَعَ عَصَبَهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ كُلِّ مَشَقَّةٍ لَا تُحْتَمَلُ وَلَوْ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الْمَرْكُوبِ.
وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا قَالَهُ فِي الْمَنْهَجِ.
وَلَا يَصِحُّ اسْتِنَابَةٌ عَمَّنْ لَزِمَهُ الْحَجُّ ثُمَّ جُنَّ لِأَنَّهُ قَدْ يُفِيقُ فَلَوْ اسْتَنَابَ عَنْهُ وَلِيُّهُ فَمَاتَ قَبْلَ إفَاقَةٍ لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَكَذَا مَرِيضٌ يُرْجَى بُرْؤُهُ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ) أَيْ عَلَى الْفَوْرِ إنْ طَرَأَ الْعَجْزُ وَإِلَّا كَمَنْ بَلَغَ عَاجِزًا فَعَلَى التَّرَاخِي، وَعَلَى كُلٍّ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ إجْبَارُهُ عَلَى اسْتِنَابَةٍ إنْ امْتَنَعَ.
قَوْلُهُ: (فَاضِلًا عَنْ الْحَاجَاتِ إلَخْ) أَيْ لِيَوْمِ الِاسْتِئْجَارِ فَقَطْ، وَتُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْعَاقِدَيْنِ أَعْمَالَ الْحَجِّ فَرْضًا وَنَفْلًا حَتَّى لَوْ تَرَكَ مَنْدُوبًا سَقَطَ مِنْ الْأُجْرَةِ مَا يُقَابِلُهُ.
وَلَوْ أَفْسَدَ الْأَجِيرُ الْحَجَّ وَقَعَ لَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَحَجُّهُ بَعْدَهُ قَضَاءً عَنْ الْفَاسِدِ لَهُ وَيَلْزَمُهُ رَدُّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ لَهُ أَوْ يَبْقَى عَلَيْهِ الْحَجُّ إنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَجْنَبِيٌّ مَالًا) نَعَمْ يَجِبُ قَبُولُهُ إنْ كَانَ إمَامًا وَلَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ مَالٌ أَوْ مُطِيعٌ تَبَيَّنَ الْوُجُوبُ اعْتِبَارًا بِالْوَاقِعِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَذَلَ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ) وَلَوْ غَيْرَ وَارِثٍ أَوْ بَعِيدًا وَلَوْ بَذَلَ الطَّاعَةَ لِوَالِدَيْهِ تَخَيَّرَ وَالْأَبُ أَوْلَى وَيَجِبُ سُؤَالُ الْوَلَدِ بِهَا إنْ تَوَسَّمَ مِنْهُ الْإِجَابَةَ.
وَلَا تَلْزَمُهُ الْإِجَابَةُ وَمِثْلُهُ الْأَجْنَبِيُّ.
وَيُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ مَوْثُوقًا بِهِ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَهْلًا لِلْفَرْضِ وَلَيْسَ مَعْضُوبًا أَيْضًا.
كَذَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا وَغَيْرِهِ وَشَرَطَ شَيْخُنَا كَوْنَهُ ذَكَرًا أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُخَالِفُهُ بِقَوْلِهِ: «حُجِّي عَنْ أُمِّك» . فَرَاجِعْهُ وَمِثْلُ بَذْلِ الطَّاعَةِ فِيهِمَا مَا لَوْ طَلَبَا مِنْهُ أَنْ يَأْذَنَ
[حاشية عميرة]
لَزِمَهُ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنْ بَلَغَ مَعْضُوبًا كَانَ عَلَى التَّرَاخِي وَإِنْ عَضَبَ بَعْدَمَا أَيْسَرَ فَيَجِبُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَمَّا الْإِذْنُ لِبَاذِلِ الطَّاعَةِ فَعَلَى الْفَوْرِ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْكِفَايَةِ، وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَبُولُ الْمَالِ إذَا أَوْجَبْنَاهُ كَالْإِذْنِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَيْنِ وَبَيْنَ الْمُسْتَطِيعِ بِنَفْسِهِ أَنَّ وُجُوبَ الْمُبَاشَرَةِ عَلَى الشَّخْصِ يَدْعُوهُ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى الْفِعْلِ، فَوَكَّلَ إلَى دَاعِيَتِهِ وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي حَقِّ الْغَيْرِ فَوَجَبَتْ الْمُبَادَرَةُ اهـ. وَقُيِّدَ الْقَبُولُ بِكَوْنِ الْبَاذِلِ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَكِنْ لَا يَشْتَرِطُ إلَخْ) لَوْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ كَسْبِهَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ.
قَوْلُهُ: (فِي مَعْنَى التَّفْسِيرِ لِلْمَعْضُوبِ) مِنْ الْعَضْبِ وَهُوَ الْقَطْعُ لِأَنَّهُ قَطْعٌ عَنْ الْحَرَكَةِ وَيُقَالُ: الْمَغْصُوبُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ كَأَنَّهُ قَطَعَ عَصَبَهُ.
فَائِدَةٌ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَنْهُ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَنْوِ عَمَّنْ اُسْتُؤْجِرَ عَنْهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْوَلَدُ) أَيْ بَعُدَ أَوْ قَرُبَ وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ، وَفِي الْخَادِمِ عَنْ الشَّاشِيِّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُطَاعِ عَدَمُ الْمَالِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَجَبَ قَبُولُهُ) وَبَعْدَ الْقَبُولِ يَكُونُ
الِاسْتِعَانَةِ بِمَالِ الْغَيْرِ، وَلَا يَسْتَنْكِفُ عَنْ الِاسْتِعَانَةِ بِبَدَنِهِ فِي الْأَشْغَالِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْوَلَدَ بِضْعَةٌ مِنْهُ فَنَفْسُهُ كَنَفْسِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَالْأَخُ وَالْأَبُ كَالْأَجْنَبِيِّ، لِأَنَّ اسْتِخْدَامَهَا يَثْقُلُ وَلَوْ بَذَلَ الْوَلَدُ أَوْ الْوَالِدُ الطَّاعَةَ لِيَحُجَّ مَاشِيًا، فَفِي وُجُوبِ قَبُولِهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ لَا يَجِبُ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشْيُهُمَا بِخِلَافِ مَشْيِ الْأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ طَلَبَ الْوَالِدُ مِنْ الْوَلَدِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ اُسْتُحِبَّ لَهُ إجَابَتُهُ كَمَا ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَوْ بَذَلَ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ إحْرَامِهِ لَمْ يَجُزْ أَوْ قَبْلَهُ جَازَ فِي الْأَصَحِّ إذَا كَانَ رُجُوعُهُ الْجَائِزُ، قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ أَهْلُ بَلَدِهِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَبِ.
وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ» وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
بَابُ الْمَوَاقِيتِ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ زَمَانًا وَمَكَانًا (وَقْتُ إحْرَامِ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ لَيَالٍ) بِالْأَيَّامِ بَيْنَهَا (مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَفِي لَيْلَةِ النَّحْرِ) ، وَهِيَ الْعَاشِرَةُ (وَجْهٌ) أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ وَقْتِهِ (فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ انْعَقَدَ عُمْرَةً عَلَى الصَّحِيحِ)
[حاشية قليوبي]
لَهُمَا فِي أَنْ يَسْتَأْجِرَا مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ مَنْ اسْتَأْجَرَ عَنْهُ، وَيَنْوِي عَمَّنْ اُسْتُؤْجِرَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (بِالْإِذْنِ لَهُ) أَيْ عَلَى الْفَوْرِ فِيهِ وَفِي الْأَجْنَبِيِّ.
وَكَذَا قَبُولُ الْمَالِ لَوْ وَجَبَ، وَأَمَّا فِعْلُ الْبَاذِلِ فَعَلَى التَّرَاخِي.
قَوْلُهُ: (مَاشِيًا) وَمِثْلُهُ مُعَوَّلًا عَلَى الْكَسْبِ أَوْ السُّؤَالِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَشْيِ إلَخْ) اعْتَمَدَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ كَالْوَلَدِ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ فِي الْمَشْيِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَجِبُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ طَلَبَ الْوَالِدُ إلَخْ) تَقَدَّمَ وُجُوبُهُ فِي حَالَةٍ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ إلَخْ) الْمُرَادُ بِهِ الزَّمَنُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مُسْتَطِيعًا كَمَا مَرَّ فَرُجُوعُ الْوَلَدِ كَتَلَفِ الْمَالِ.
وَتَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي حَجِّ النَّفْلِ لِعَبْدٍ وَمُمَيِّزٍ، وَيَجُوزُ الْحَجُّ بِالنَّفَقَةِ أَيْ الْكِفَايَةِ.
وَلَوْلَا كَثُرَ مِنْ وَاحِدٍ كَالِاسْتِئْجَارِ وَيَقَعُ مَا زَادَ عَنْ الْوَاحِدِ نَفْلًا كَمَا فِي الْمَيِّتِ.
وَتَجُوزُ النِّيَابَةُ بِالْجَعَالَةِ نَحْوُ: مَنْ حَجَّ عَنِّي فَلَهُ كَذَا.
وَالْإِذْنُ فِيهَا لِوَاحِدٍ فَقَطْ.
فَإِنْ أَحْرَمَ عَنْهُ اثْنَانِ مُرَتِّبًا يَقِينًا وَقَعَ عَنْهُ الْأَوَّلُ وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ لَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَيَقَعُ لَهُمَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ نَسِيَ تَوَقَّفَ الْأَمْرُ.
وَلَوْ شُفِيَ الْمَعْضُوبُ تَبَيَّنَ بَقَاءُ الْحَجِّ عَلَيْهِ.
وَحَجُّ الْأَجِيرِ يَقَعُ لِنَفْسِهِ وَيَلْزَمُهُ رَدُّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ.
قَوْلُهُ: (خَثْعَمَ) هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ السَّاكِنَةِ وَالْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ اسْمُ قَبِيلَةٍ وَلَفْظُ الْحَجِّ فِي الْحَدِيثِ بَدَلٌ مِنْ فَرِيضَةٍ.
بَابُ الْمَوَاقِيتِ هِيَ لُغَةً الْحُدُودُ وَالْأَوْقَاتُ الْمَضْرُوبُ بِهَا.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ اسْمٌ لِلْمَكَانِ أَوْ لِلزَّمَانِ الْمَضْرُوبِ لِمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (ذِي الْحِجَّةِ) هِيَ بِكَسْرِ الْحَاءِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوُقُوعِ الْحَجِّ فِيهَا وَالْأَفْصَحُ فِي قَافِ الْقَعْدَةِ الْفَتْحُ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِلْقُعُودِ
[حاشية عميرة]
فِعْلُ الْبَاذِلِ عَلَى التَّرَاخِي.
قَوْلُهُ: (مَاشِيًا إلَخْ) بَحَثَ بَعْضُهُمْ وُجُوبَ الْقَبُولِ إذَا كَانَ السَّفَرُ قَصِيرًا.
فَرْعٌ: لَوْ بَذَلَ لِوَالِدَيْهِ مَعًا يَصْرِفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَالْأَبُ أَوْلَى.
[بَابُ الْمَوَاقِيتِ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ]
بَابُ الْمَوَاقِيتِ هُوَ فِي اللُّغَةِ الْحَدُّ وَأَصْلُهُ الزَّمَانُ كَذَا فِي الْإِسْنَوِيِّ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمِيقَاتُ الْوَقْتُ الْمَضْرُوبُ لِلْفِعْلِ وَالْمَوْضِعِ يُقَالُ: هَذَا مِيقَاتُ أَهْلِ الشَّامِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يُحْرِمُونَ مِنْهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَذُو الْقَعْدَةِ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَيَجُوزُ الْكَسْرُ وَالْحِجَّةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ سُمِّيَ الْأَوَّلُ بِذَلِكَ لِقُعُودِهِمْ فِيهِ عَلَى الْقِتَالِ، وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الثَّانِي فَظَاهِرَةٌ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] أَفْهَمَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إلَّا فِي أَشْهُرٍ، لِأَنَّ الْأَشْهُرَ لَا يَصِحُّ حَمْلُهَا عَلَى الْحَجِّ لِكَوْنِهِ فِعْلًا، فَلَا بُدَّ مِنْ إضْمَارٍ وَلَا يَجُوزُ فِعْلُ الْحَجِّ فِي أَشْهُرٍ، لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي أَيَّامٍ لَا فِي أَشْهُرٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ.
كَمَا قَالَ الزَّجَّاجُ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْفَائِدَةِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ، وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ لِظُهُورِ الْفَائِدَةِ حِينَئِذٍ
لِأَنَّ الْإِحْرَامَ شَدِيدُ التَّعَلُّقِ وَاللُّزُومِ، فَإِذَا لَمْ يُقْبِلْ الْوَقْتُ مَا أَحْرَمَ بِهِ انْصَرَفَ إلَى مَا يُقْبِلُهُ، وَهُوَ الْعُمْرَةُ وَالثَّانِي لَا يَنْعَقِدُ عُمْرَةً كَمَا لَا يَنْعَقِدُ حَجًّا وَلَكِنْ يَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ كَمَنْ فَاتَ حَجَّةً، فَعَلَى الْأَوْلَى إذَا أَتَى بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ سَقَطَتْ عَنْهُ عُمْرَةُ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ الثَّانِي وَسَوَاءٌ فِي الِانْعِقَادِ الْجَاهِلُ بِالْحَالِ وَالْعَالِمُ بِهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ أَصَحِّ الطُّرُقِ الْحَاكِيَةِ لِقَوْلَيْنِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِيَةُ قَاطِعَةٌ بِالثَّانِي، وَالثَّالِثَةُ نَقُولُ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ مُبْهَمًا، فَإِنْ صَرَفَهُ إلَى الْعُمْرَةِ كَانَ عُمْرَةً صَحِيحَةً، وَإِلَّا تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ فَهَذِهِ مِنْ مُقَابِلِ الصَّحِيحِ أَيْضًا، وَعَبَّرَ بِهِ دُونَ الْمَذْهَبِ إشَارَةً إلَى ضَعْفِ الْخِلَافِ
(وَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتٌ لِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ) وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْإِحْرَامُ بِهَا لِعَارِضٍ كَالْعَاكِفِ بِمِنًى، لِلْمَبِيتِ وَالرَّمْيُ لَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِهَا، لِعَجْزِهِ عَنْ التَّشَاغُلِ بِعَمَلِهَا.
(وَالْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ لِلْحَجِّ فِي حَقِّ مَنْ بِمَكَّةَ) مِنْ أَهْلِهَا وَغَيْرِهِمْ، (نَفْسُ مَكَّةَ) لِلْحَدِيثِ الْآتِي (وَقِيلَ كُلُّ الْحَرَمِ) لِاسْتِوَاءِ مَكَّةَ وَمَا وَرَاءَهَا مِنْ الْحَرَمِ فِي الْحُرْمَةِ، وَقَوْلُهُ لِلْحَجِّ يَشْمَلُ الْمُفْرِدَ وَالْقَارِنَ.
وَقِيلَ: يَجِبُ أَنْ يَخْرُجَ الْقَارِنُ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ، كَمَا لَوْ أَفْرَدَ الْعُمْرَةَ.
(وَأَمَّا غَيْرُهُ فَمِيقَاتُ الْمُتَوَجِّهِ مِنْ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ وَمِنْ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ الْجُحْفَةُ، وَمِنْ
[حاشية قليوبي]
عَنْ الْقِتَالِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَفِي لَيْلَةِ النَّحْرِ وَجْهٌ) أَيْ مَرْجُوحٌ فَهِيَ مِنْ وَقْتِهِ، فَيَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِهِ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْإِتْيَانِ بِأَعْمَالِهِ لَكِنْ يَنْعَقِدُ فِيهِ عُمْرَةٌ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ وَالْوَجْهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ لِلْمُتَأَمِّلِ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ يَتَحَلَّلُ إلَخْ) اُنْظُرْ كَيْفَ هَذَا التَّحَلُّلُ مَعَ عَدَمِ الِانْعِقَادِ.
قَوْلُهُ: (وَجَمِيعُ السَّنَةِ إلَخْ) وَصَرْفُ الزَّمَنِ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ صَرْفِ مِثْلِهِ فِي الطَّوَافِ وَقَدْ اعْتَمَرَ
أَرْبَعًا كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إلَّا الَّتِي فِي عَامِ حَجَّتِهِ إحْدَاهَا فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ وَهِيَ الَّتِي صُدَّ عَنْهَا مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ، وَثَانِيهَا عُمْرَةُ الْقَضَاءِ فِي الْعَامِ بَعْدَهُ، وَثَالِثُهَا عُمْرَةٌ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مَعَ حَجَّتِهِ، وَرَابِعُهَا عُمْرَةٌ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ أَيْضًا مِنْ الْجِعْرَانَةِ حِينَ قَسَمَ غَنَائِمَ الطَّائِفِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (لِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ) قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَلِدَوَامِهَا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّحَلُّلُ مِنْهَا وَتَوَقَّفَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ وَأَوْجَبَ التَّحَلُّلَ.
فَرْعٌ: مَنَعَ الْمُزَنِيّ مِنْ جَوَازِ أَكْثَرِ مِنْ عُمْرَةٍ فِي السَّنَةِ كَالْحَجِّ وَهُوَ مَرْجُوحٌ.
قَوْلُهُ: (كَالْعَاكِفِ بِمِنًى) الْمُرَادُ بِهِ مَنْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِمِنًى أَوْ سَقَطَ عَنْهُ الْمَبِيتُ بِهَا فَقَوْلُهُ لِعَجْزِهِ أَيْ شَرْعًا.
وَتَصِحُّ مِمَّنْ نَفَرَ النَّفْرَ الْأَوَّلِ وَمِنْ غَيْرِ الْمُتَلَبِّسِ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ.
قَوْلُهُ: (نَفْسُ مَكَّةَ) أَيْ جَمِيعُهَا نَعَمْ الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ يَذْهَبَ إلَى بَيْتِهِ فَيُحْرِمَ مِنْهُ ثُمَّ يَعُودُ لِلْمَسْجِدِ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ كُلُّ الْحَرَمِ) فَيَزِيدُ عَلَى مَا قَبْلَهُ بِمَنْ مَسْكَنُهُ خَارِجَ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (ذُو الْحُلَيْفَةِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوُجُودِ النَّبَاتِ الْمَعْرُوفِ بِذَلِكَ فِيهَا وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ الْآنَ بِأَبْيَارِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِزَعْمِ الْعَامَّةِ أَنَّهُ قَاتِلُ
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي لَيْلَةِ النَّحْرِ وَجْهٌ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَائِلُهُ هُوَ الْقَائِلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْوُقُوفِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ وَقْتِهِ) تَبَعًا لِيَوْمِهَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْإِحْرَامَ إلَخْ) عُلِّلَ أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا بَطَلَ قَصْدُ الْحَجِّ بَقِيَ مُطْلَقُ الْإِحْرَامِ وَالْعُمْرَةُ تَنْعَقِدُ بِذَلِكَ، كَمَا فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ وَلَوْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ قَبْلَ الْوَقْتِ عَمْدًا لَا يَنْعَقِدُ نَفْلًا، لِأَنَّ الْجَمْعَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّعْيِينِ.
قَوْلُهُ: (الْحَاكِيَةُ لِقَوْلَيْنِ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ مِنْ أَصَحِّ الطُّرُقِ.
قَوْلُهُ: (فَهَذِهِ مِنْ مُقَابِلِ الصَّحِيحِ) دَفْعٌ لِاعْتِرَاضِ الْإِسْنَوِيِّ، بِأَنَّ هُنَا طَرِيقَةً قَاطِعَةً بِعَدَمِ انْعِقَادِهِ عُمْرَةً فَالْخِلَافُ قَوِيٌّ فَتَعْبِيرُهُ بِالصَّحِيحِ مُعْتَرَضٌ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ، وَمِنْ جِهَةِ عَدَمِ التَّعْبِيرِ بِالْمَذْهَبِ أَيْضًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ) أَيْ وَلِأَدَائِهَا.
فَرْعٌ: ذَهَبَ الْمُزَنِيّ إلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَجُوزُ فِي الْعَامِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً.
فَرْعٌ: قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى إحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ أَبَدًا وَيُكْمِلَهَا مَتَى شَاءَ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ قَوْلُهُ: (كَالْعَاكِفِ بِمِنًى) أَيْ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّحَلُّلَيْنِ، وَمِنْ هُنَا أُخِذَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حِجَّتَانِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، بِأَنْ يَدْفَعَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَيَرْمِيَ وَيَحْلِقَ وَيَطُوفَ، ثُمَّ يُحْرِمُ مِنْ مَكَّةَ، وَيَعُودُ إلَى الْمَوْقِفِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَقَدْ حُكِيَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ لَكِنَّ التَّعْلِيلَ بِالِاشْتِغَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ قَدْ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ، وَلَا يَفْعَلُهَا إلَّا بَعْدَ النَّفْرِ مِنْ مِنًى، أَوْ فِي وَقْتٍ مِنْ تِلْكَ الْأَيَّامِ غَيْرَ مُشْتَغِلٍ فِيهِ بِمَبِيتٍ، وَلَا رَمْيٍ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ وَفِي الْخَادِمِ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّ مَنْ تَرَكَ مِنًى، وَالرَّمْيَ، وَخَرَجَ مِنْهَا يَجُوزُ لَهُ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ، وَبَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ عَدَمَ الْجَوَازِ بَعْدَ النَّفْرِ قَبْلَ الْوَدَاعِ إنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ.
[الْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ لِلْحَجِّ]
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (نَفْسُ مَكَّةَ) فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَحْرَمُوا بِالْأَبْطُحِ مُتَوَجِّهِينَ إلَى مِنًى» ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يُرَادَ بِمَكَّةَ جَمِيعُ الْحَرَمِ، وَاخْتَارَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ لِذَلِكَ
تِهَامَةَ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَمِنْ نَجْدِ الْيَمَنِ وَنَجْدِ الْحِجَازِ قَرْنٌ وَمِنْ الْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ تِهَامَةُ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ وَمِنْ نَجْدِ الْيَمَنِ وَنَجْدِ الْحِجَازِ قَرْنٌ وَمِنْ الْمَشْرِقِ) الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ (ذَاتُ عِرْقٍ) رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ.
وَقَالَ: هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» .
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ الْجُحْفَةَ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَكَذَا الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ عَائِشَةَ.
«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» .
(وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ) وَهُوَ الطَّرَفُ الْأَبْعَدُ مِنْ مَكَّةَ لِيَقْطَعَ
[حاشية قليوبي]
الْجِنِّ فِيهَا، وَهِيَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ عَنْ مَكَّةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ، وَعَلَى نَحْوِ عَشَرَةِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الشَّامِ) وَهُوَ طُولًا مِنْ الْعَرِيشِ إلَى الْفُرَاتِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ إلَى بَالِسَ وَعَرْضًا مِنْ جَبَلِ الطيئ إلَى بَحْرِ الرُّومِ وَلَفْظُهُ مُذَكَّرٌ.
وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا قِيلَ إنَّهُ كَالشَّامَةِ فِي الْأَرْضِ.
وَلِذَلِكَ فَضَّلَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى مِصْرَ.
وَعَكْسُهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ وَهُوَ الْمُرَجَّحُ وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى سَامِ بْنِ نُوحٍ لِمَا قِيلَ: إنَّهُ الَّذِي أَنْشَأَهُ، وَأُبْدِلَتْ فِيهِ الْمُهْمَلَةُ بِمُعْجَمَةٍ.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهَذَا كَانَ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (وَمِصْرُ) سُمِّيَتْ بِاسْمِ أَوَّلِ مَنْ سَكَنَهَا وَهُوَ مِصْرُ بْنُ بَيْصَرَ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ سُمِّيَتْ مِصْرَ لِأَنَّهَا حَدٌّ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَالْمِصْرُ لُغَةً الْحَدُّ وَبِهَا وَبِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَضْلٌ كَفَضْلِ الْمَشْرِقِ عَلَى الْمَغْرِبِ عَلَى الرَّاجِحِ.
وَلَفْظُهَا يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَيُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ وَهِيَ طُولًا مِنْ أَيْلَةَ إلَى بَرْقَةَ بِجَانِبِ الْبَحْرِ الرُّومِيِّ مِنْ جَنُوبِهِ، وَمَسَافَةٌ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَعَرْضًا مِنْ مَدِينَةِ أُسْوَانَ وَمَا حَاذَاهَا مِنْ الصَّعِيدِ الْأَعْلَى إلَى رَشِيدٍ وَمَا حَاذَاهُ مِنْ مَسَافَةِ النِّيلِ فِي الْبَحْرِ الرُّومِيِّ.
وَمَسَافَةُ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَيَكْتَنِفُهَا فِي الْعَرْضِ جَبَلَانِ الْمُقَطَّمُ مِنْ شَرْقِيِّهَا، وَجَبَلُ الْوَفَاءِ مِنْ غَرْبِيِّهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْمَغْرِبُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ وَأَعْظَمُهُ إقْلِيمُ الْأَنْدَلُسِ، وَدُورُهُ نَحْوُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَأَقْصَاهُ جَزَائِرُ الْخَالِدَاتِ السِّتَّةُ وَمَسِيرَتُهَا نَحْوُ مِائَتَيْ فَرْسَخٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْجُحْفَةُ) وَيُقَالُ لَهَا: مَهْيَعَةُ بِوَزْنِ مَرْثَمَةَ أَوْ مَعِيشَةَ وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ الْآنَ بِرَابِغٍ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَهَا أَيْ ذَهَبَ بِهَا.
وَكَانَتْ قَرْيَةً كَبِيرَةً وَهِيَ عَلَى سِتَّةِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْيَمَنِ) وَهُوَ مِنْ الْإِقْلِيمِ الثَّانِي وَمَسَافَتُهُ طُولًا فِيمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ نَحْوُ عَشَرَةِ آلَافِ مِيلٍ، وَعَرْضُهُ فِيمَا بَيْنَ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ أَرْبَعُمِائَةِ مِيلٍ وَمِنْهُ الصِّينُ وَالْهِنْدُ.
قَوْلُهُ: (يَلَمْلَمُ) أَصْلُهُ أَلَمْلَمُ وَيُقَالُ لَهُ: يَرَمْرَمُ بِرَاءَيْنِ بَدَلَ اللَّامَيْنِ فَقُلِبَتْ الْهَمْزَةُ يَاءً وَهُوَ اسْمُ جَبَلٍ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (قَرْنٌ) هُوَ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَغَلِطَ مَنْ حَرَّكَهَا، وَيُقَالُ لَهُ: قَرْنُ الثَّعَالِبِ، وَقَرْنُ الْمَنَازِلِ وَهُوَ اسْمُ جَبَلٍ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ أَيْضًا.
وَأَمَّا قَرَنٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ فَاسْمُ قَبِيلَةٍ يُنْسَبُ إلَيْهَا أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
قَوْلُهُ: (ذَاتُ عِرْقٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ قَرْيَةٌ مُشْرِقَةٌ عَلَى وَادِي الْعَقِيقِ، وَهِيَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ)
أَيْ فِي عَامِ حَجِّهِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي زِيَادَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ بِذِكْرِ مِصْرَ وَالْمَغْرِبِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: هُنَّ) أَيْ الْمَوَاقِيتُ لَهُنَّ أَيْ لِلنَّوَاحِي أَيْ لِأَهْلِهِنَّ وَلِمَنْ أَتَى أَيْ مَرَّ وَلَوْ مُنْفَرِدًا عَلَيْهِنَّ أَيْ الْمَوَاقِيتِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ أَيْ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ الْمَذْكُورِينَ مِمَّنْ أَرَادَ رَاجِعٌ لِمَنْ عَلَى الظَّاهِرِ.
وَالْأَوْلَى رُجُوعُهُ لِأَهْلٍ أَيْضًا لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ.
" الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ " أَيْ مَعًا أَوْ مُنْفَرِدَيْنِ: فَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ.
قَوْلُهُ: (لِأَهْلِ الْعِرَاقِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسُهُولَةِ أَرْضِهِ بِعَدَمِ الْجِبَالِ وَالْأَحْجَارِ وَلَفْظُهُ مُذَكَّرٌ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَسَيَأْتِي مِقْدَارُهُ فِي الْجِزْيَةِ وَيَدْخُلُ مَا انْضَمَّ إلَيْهِمْ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
[حاشية عميرة]
خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْمُتَوَجِّهِ) عَبَّرَ بِهِ لِيَشْمَلَ أَهْلَهَا وَغَيْرَهُمْ قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمِصْرَ) أَوْرَدَ الْبَارِزِيُّ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُحْرِمَ الْمِصْرِيُّ مِنْ بَدْرٍ، لِأَنَّهُ مِيقَاتُ أَهْلِهِ كَمَا أَنَّ الشَّامِيَّ يُحْرِمُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَلَا يَصْبِرُ لِلْجُحْفَةِ.
قُلْت فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْجُحْفَةَ وَنَحْوَهَا قَالَ الشَّارِعُ فِيهَا: إنَّهَا لِأَهْلِهَا وَالْمَارِّ بِهَا وَلَا كَذَلِكَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ كَبَدْرٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهَا ذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ السُّبْكِيّ مَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ مِنْ أَصْلِهِ حَيْثُ قَالَ: إنَّ أَهْلَ بَدْرٍ مِيقَاتُهُمْ الْجُحْفَةُ، وَقَدْ نَقَلْت كَلَامَهُ عَلَى هَامِشِ شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْمَغْرِبِ الْجُحْفَةُ) قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَقَالَهُ السُّبْكِيُّ أَيْضًا إحْرَامُ الْمِصْرِيِّ الْآنَ مِنْ رَابِغٍ سَابِقٌ عَلَى الْمِيقَاتِ، لِأَنَّ الْجُحْفَةَ بَعْدَهُ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الطَّرَفُ الْأَبْعَدُ إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مِثْلُهُ مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ مِنْ قَرْيَتِهِ الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ
الْبَاقِيَ مُحْرِمًا.
(وَيَجُوزُ مِنْ آخِرِهِ) لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِ (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا لَا يَنْتَهِي إلَى مِيقَاتٍ) مِمَّا ذُكِرَ (فَإِنْ حَاذَى) بِإِعْجَامِ الذَّالِ (مِيقَاتًا) مِنْهَا أَيْ سَامَتَهُ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً، (أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتِهِ) سَوَاءٌ كَانَ فِي الْبَرِّ أَمْ فِي الْبَحْرِ (أَوْ) حَاذَى (مِيقَاتَيْنِ) مِنْهَا بِأَنْ كَانَ طَرِيقُهُ بَيْنَهُمَا، (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مُحَاذَاةِ أَبْعَدِهِمَا) مِنْ مَكَّةَ.
وَالثَّانِي يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْمَسَافَةِ إلَى مَكَّةَ أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتِهِمَا سَوَاءٌ تَسَاوَيَا فِي الْمَسَافَةِ إلَى طَرِيقِهِ أَمْ تَفَاوَتَا، وَمَسْأَلَةُ الْخِلَافِ مَفْرُوضَةٌ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، فِيمَا إذَا تَسَاوَيَا فِي الْمَسَافَةِ إلَى طَرِيقِهِ، وَفِيهِمَا لَوْ تَفَاوَتَ الْمِيقَاتَانِ فِي الْمَسَافَةِ إلَى مَكَّةَ، وَإِلَى طَرِيقِهِ فَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِالْقُرْبِ إلَيْهِ أَوْ إلَى مَكَّةَ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
(وَإِنْ لَمْ يُحَاذِ) مِيقَاتًا (أَحْرَمَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ) إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْمَوَاقِيتِ أَقَلَّ مَسَافَةً مِنْ هَذَا الْقَدْرِ، (وَمَنْ مَسْكَنِهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مَسْكَنُهُ) مِنْ قَرْيَةٍ أَوْ حِلَّةٍ لِمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَوَاقِيتِ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ (وَمَنْ بَلَغَ مِيقَاتًا غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا ثُمَّ أَرَادَهُ فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُهُ) لِمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا.
(وَإِنْ بَلَغَهُ مُرِيدًا) نُسُكًا (لَمْ تَجُزْ مُجَاوَزَتُهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ) قَالَ فِي
[حاشية قليوبي]
فَائِدَةٌ: أَصْلُ نَجْدٍ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ وَتِهَامَةٌ.
اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْمُنْخَفِضِ وَيُقَالُ لَهُ: الْغَوْرُ أَيْضًا وَالْحِجَازُ وَالْيَمَنُ مُشْتَمِلَانِ عَلَى نَجْدٍ وَتِهَامَةَ.
وَحَيْثُ أُطْلِقَ نَجْدٌ فَهُوَ نَجْدُ الْحِجَازِ، وَسُمِّيَ بِالْحِجَازِ لِأَنَّهُ حَاجِزٌ بَيْنَ الْيَمَنِ وَالشَّامِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا يَأْتِي أَوْ بَيْنَ تِهَامَةٍ وَنَجْدٍ أَوْ لِاحْتِجَازِهِ بِالْجِبَالِ وَالصُّخُورِ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمُخَالِفِيهِمَا، وَهُوَ مِنْ الْيَمَنِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ.
وَقِيلَ: الْمَدِينَةُ نَجْدٌ وَقِيلَ: تِهَامَةُ وَقِيلَ: نِصْفُهَا نَجْدٌ وَنِصْفُهَا تِهَامَةُ وَهُوَ يُقَابِلُ أَرْضَ الْحَبَشَةِ مِنْ غَرْبِيِّهِ وَبَيْنَهُمَا عَرْضُ الْبَحْرِ فَقَطْ وَمَسِيرَتُهُ نَحْوُ شَهْرٍ وَأَوَّلُهُ مَدِينَةُ أَيْلَةَ الْمَعْرُوفَةُ بِالْعَقَبَةِ مِنْ مَنَازِلِ الْحَجِّ الْمِصْرِيِّ وَمُنْتَهَاهُ مِنْ شَامَةِ مَدِينَةِ سَدُومَ مِنْ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ وَمِنْ غَرْبِيِّهِ جَبَلُ السَّرَاةِ وَهُوَ قِطْعَةٌ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ الَّتِي هِيَ طُولًا مِنْ أَقْصَى عَدْنٍ إلَى رِيفِ الْعِرَاقِ وَعَرْضًا مِنْ جُدَّةَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ إلَى أَطْرَافِ الشَّامِ.
وَسُمِّيَتْ: جَزِيرَةً لِأَنَّهَا أَحَاطَ بِهَا أَرْبَعَةُ أَبْحُرٍ دِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ وَبَحْرُ الْحَبَشَةِ وَبَحْرُ فَارِسٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ) نَعَمْ إنْ كَانَ فِي الْمِيقَاتِ مَسْجِدٌ فَالْأَفْضَلُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتِهِ) وَلَوْ بِالِاجْتِهَادِ وَيُقَلِّدُ إنْ تَحَيَّرَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مُحَاذَاتِهِمَا) الْمُرَادُ مِنْ مُحَاذَاةِ أَوَّلِ مَنْ حَاذَاهُ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَقْرَبَ إلَيْهِ سَوَاءٌ حَاذَاهُ أَيْضًا أَمْ لَا خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ تَسَاوَيَا إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَمَسْأَلَةُ الْخِلَافِ إلَخْ) فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَلَوْ كَانَ الْأَقْرَبُ إلَيْهِ هُوَ الْأَبْعَدُ عَنْ مَكَّةَ أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتِهِ بِلَا خِلَافٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يُحَاذِ مِيقَاتًا) كَالْجَائِي مِنْ سَوَاكِنَ فِي الْبَحْرِ إلَى جُدَّةَ فَإِنَّهُ لَا يُحَاذِي مِيقَاتَ رَابِغٍ وَلَا يَلَمْلَمُ إلَّا فِي دُونِ مَرْحَلَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَمِيقَاتُهُ مَسْكَنُهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ أَمَامَهُ مِيقَاتٌ وَإِلَّا كَأَهْلِ بَدْرٍ وَالصَّفْرَاءِ فَمِيقَاتُهُمْ الْجُحْفَةُ لِأَنَّهَا أَمَامَهُمْ وَذُو الْحُلَيْفَةِ قَبْلَهُمْ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَرَادَهُ) وَتَنْصَرِفُ إرَادَتُهُ الْحَجَّ بِإِرَادَةِ زِيَارَةِ أَهْلٍ أَوْ تِجَارَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ بَلَغَهُ) أَيْ وَهُوَ مُكَلَّفٌ حُرٌّ وَلَوْ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ لَا مَجْنُونٌ وَعَبْدٌ وَصَبِيٌّ وَإِنْ كَمَّلُوا قَبْلَ الْوُقُوفِ.
قَوْلُهُ: (مُرِيدًا نُسُكًا) أَيْ فِي عَامِهِ فِي الْحَجِّ وَمُطْلَقًا فِي الْعُمْرَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَهُوَ الْمُرَادُ
[حاشية عميرة]
طَرَفِهَا الْأَبْعَدِ.
قَوْلُهُ: (يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً) أَيْ لَا بِجِهَةِ الْوَجْهِ وَلَا بِجِهَةِ الظَّهْرِ، وَكَذَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَوْلُهُ: (بِأَنْ كَانَ طَرِيقُهُ بَيْنَهُمَا) خَرَجَ مَا لَوْ كَانَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَكِنَّ عِبَارَةَ الْإِسْنَوِيِّ سَوَاءٌ كَانَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، أَوْ كَانَا مَعًا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَبْعَدِهِمَا مِنْ مَكَّةَ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ الَّذِي يُحَاذِيهِ قَبْلَ مُحَاذَاةِ الْآخَرِ.
قَالَ: أَمَّا لَوْ حَاذَاهُمَا مَعًا فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِ الْمُحَاذَاةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيُتَصَوَّرُ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَبْعَدَ إلَى مَكَّةَ لِانْحِرَافِ الطَّرِيقِ، لَكِنْ هَلْ يُنْسَبُ الْإِحْرَامُ حِينَئِذٍ إلَى الْأَبْعَدِ أَمْ إلَى الْأَقْرَبِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ قَالَ: وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُمَا فِيمَا إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَأَرَادَ الْعَوْدَ لِدَفْعِ الْإِسَاءَةِ وَلَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَ الْمُحَاذَاةِ، هَلْ يَرْجِعُ إلَى الْأَطْوَلِ أَوْ الْأَقْصَرِ؟ . قَوْلُهُ: (أَيْ إلَى مَكَّةَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ يَعْتَبِرُ الْقُرْبَ إلَى مَكَّةَ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَالظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ الْقُرْبُ وَالْبُعْدُ مِنْ مَكَّةَ أَيْ فَيَكُونُ الْمُعْتَبَرُ الْأَبْعَدُ مِنْ مَكَّةَ لِيُلَائِمَ مَا سَلَفَ نَظِيرَهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَحْرَمَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ) قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ، هَذَا الْحُكْمُ مِنْ تَخْرِيجِ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَوْلُهُ: (لِمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا) مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ.
قَوْلُهُ: (إلَيْهِ) أَوْ إلَى مِثْلِ مَسَافَتِهِ
شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: بِالْإِجْمَاعِ (فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ الْعَوْدُ) إلَيْهِ (لِيُحْرِمَ مِنْهُ إلَّا إذَا) كَانَ لَهُ عُذْرٌ، كَأَنْ (ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا) أَوْ خَافَ الِانْقِطَاعَ عَنْ الرُّفْقَةِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: أَوْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ شَاقٌّ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ.
(فَإِنْ لَمْ يَعُدْ) لِلْعُذْرِ أَوْ غَيْرِهِ (لَزِمَهُ دَمٌ) إذَا أَحْرَمَ لِإِسَاءَتِهِ بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَإِنْ عَادَ وَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ دَخَلَ مَكَّةَ أَمْ لَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: إنْ كَانَ دَخَلَهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَقِيلَ: إنْ عَادَ بَعْدَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ (وَإِنْ أَحْرَمَ ثُمَّ عَادَ) إلَى الْمِيقَاتِ.
(فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ عَادَ) إلَيْهِ (قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ سَقَطَ الدَّمُ) عَنْهُ لِقَطْعِهِ الْمَسَافَةَ مِنْ الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا، وَأَدَاءِ الْمَنَاسِكِ بَعْدَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ عَادَ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ (فَلَا) يَسْقُطُ الدَّمُ لِتَأَدِّي النُّسُكِ بِإِحْرَامٍ نَاقِصٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ النُّسُكُ رُكْنًا كَالْوُقُوفِ أَمْ سُنَّةً كَطَوَافِ الْقُدُومِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ إطْلَاقُ الْغَزَالِيِّ وَطَائِفَةٍ وَجْهَيْنِ فِي سُقُوطِ الدَّمِ.
وَجْهُ عَدَمِ السُّقُوطِ تَأَكُّدُ الْإِسَاءَةِ بِإِنْشَاءِ الْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَإِنْ طَالَتْ الْمَسَافَةُ فَأَوْلَى بِأَنْ لَا يَسْقُطَ، وَإِنْ دَخَلَ مَكَّةَ فَهُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ السُّقُوطِ وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ فِي التَّفْصِيلِ بِالْمَذْهَبِ، وَلَا فَرْقَ فِي لُزُومِ الدَّمِ لِلْمُجَاوِزِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْحُكْمِ ذَاكِرًا لَهُ أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِهِ، وَلَا إثْمَ عَلَى النَّاسِي وَالْجَاهِلِ.
(وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ) مَنْ هُوَ فَوْقَ الْمِيقَاتِ (مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ) لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا (وَفِي قَوْلٍ) الْأَفْضَلُ (مِنْ الْمِيقَاتِ قُلْت: الْمِيقَاتُ أَظْهَرُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَحْرَمَ بِحَجَّتِهِ وَبِعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» . رَوَى الْأَوَّلَ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالثَّانِي الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي.
(وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ لِمَنْ هُوَ خَارِجَ الْحَرَمِ مِيقَاتُ الْحَجِّ) لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ (وَمَنْ بِالْحَرَمِ يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَلَوْ بِخُطْوَةٍ) مِنْ أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ فَيُحْرِمُ بِهَا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَرْسَلَ عَائِشَةَ بَعْدَ قَضَاءِ الْحَجِّ إلَى
[حاشية قليوبي]
بِقَوْلِهِ الْآتِي: إذَا أَحْرَمَ إلَخْ.
وَالْمُرَادُ بِالْمُجَاوَزَةِ الْمُجَاوَزَةُ إلَى جِهَةِ مَكَّةَ فَلَوْ جَاوَزَهُ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً وَأَحْرَمَ مِنْ مِثْلِ مَسَافَتِهِ فَلَا دَمَ.
تَنْبِيهٌ: سَيَأْتِي أَنَّهُ يُكْرَهُ إحْرَامُ الْجُنُبِ وَنَحْوِ الْحَائِضِ فَهَلْ يُعْذَرُ فِي مُجَاوَزَتِهِ بِلَا إحْرَامٍ هُنَا رَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَحْرَمَ) لَيْسَ قَيْدًا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ بِسُقُوطِ الدَّمِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ وَلَوْ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَسَقَطَ الدَّمُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ بِالْحَرَمِ) أَيْ وَأَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ فَقَطْ فَإِنْ أَرَادَ الْقِرَانَ فَمِنْ مَسْكَنِهِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِخُطْوَةٍ) وَلَوْ بِرِجْلٍ اعْتَمَدَ عَلَيْهَا فَقَطْ.
[حاشية عميرة]
مِنْ مِيقَاتٍ آخَرَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لِيُحْرِمَ) يُوهِمُ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْعَوْدِ لَمْ يَجِبْ الْعَوْدُ وَلَيْسَ مُرَادًا.
قَوْلُهُ: (إذَا أَحْرَمَ) أَيْ بِالْحَجِّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ أَوْ بِالْعُمْرَةِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَأَدَاءُ الْمَنَاسِكِ بَعْدَهُ) هُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ.
قَوْلُهُ: (إطْلَاقُ الْغَزَالِيِّ) دَفْعٌ لِمَا اعْتَرَضَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ أَنَّ مُقَابِلَ الْأَصَحِّ فِيمَا لَوْ عَادَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِنُسُكٍ مَا قِيلَ: إنَّهُ لَا يَضُرُّ التَّلَبُّسُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ.
قَالَ: وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمُقَابِلُ هُنَا خَاصَّةً خِلَافًا لِظَاهِرِ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ اهـ.
وَكَأَنَّ الشَّارِحَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَرَكَ التَّوْجِيهَ لِعَدَمِ تَصْرِيحِ الْأَصْحَابِ بِحِكَايَةِ مَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الْغَزَالِيِّ.
قَوْلُهُ: (عَالِمًا بِالْحُكْمِ) لَمْ يَقُلْ أَيْضًا عَالِمًا بِالْمِيقَاتِ أَوْ جَاهِلًا بِهِ، لِأَنَّ الْمُقِيمَ يَأْبَى ذَلِكَ، إذْ هُوَ فِيمَنْ بَلَغَ الْمِيقَاتَ مُرِيدُ النُّسُكِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْجَهْلُ بِالْمِيقَاتِ، وَفِي هَذَا الِاعْتِذَارِ نَظَرٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَك أَنْ تَقُولَ كَيْفَ رَاعَى الرَّافِعِيُّ طُولَ الْإِحْرَامِ هُنَا، وَلَمْ يُرَاعِهِ فِيمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ حَيْثُ وَافَقَ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ إلَى التَّنْعِيمِ أَفْضَلُ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا) وَأَيْضًا فَقَدْ فَسَّرَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - الْإِتْمَامَ فِي الْآيَةِ بِذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت الْمِيقَاتُ أَظْهَرُ) قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: قَدْ عَلِمْت مِمَّا ذَكَرَاهُ أَنَّ تَقَدُّمَ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ سَائِغٌ، وَلَا كَذَلِكَ الزَّمَانِيُّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَكَانِيَّ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي حَقِّ النَّاسِ بِخِلَافِ الزَّمَانِيِّ اهـ. أَقُولُ: وَلِأَنَّ تَعَلُّقَ الْعِبَادَةِ بِالزَّمَانِ أَشَدُّ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالْمَكَانِ، بِدَلِيلِ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ دُونَ الْأَمَاكِنِ الْمَكْرُوهَةِ.
فَرْعٌ: لَوْ نَذَرَ الْإِحْرَامَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ انْعَقَدَ نَذْرُهُ كَمَا لَوْ نَذَرَ الْحَجَّ مَاشِيًا.
[وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ لِمَنْ هُوَ خَارِجَ الْحَرَمِ]
قَوْلُهُ: (إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بَدَلٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَنْ بِالْحَرَمِ) تَعْبِيرُهُ بِمَنْ فِي هَذَا، وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ بِخُطْوَةٍ) لَوْ أَرَادَ أَنْ
التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ مِنْهُ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتَّنْعِيمُ أَقْرَبُ أَطْرَافِ الْحِلِّ إلَى مَكَّةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْهَا وَقِيلَ أَرْبَعَةٌ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْخُرُوجُ وَاجِبًا لَمَا أَمَرَهَا بِهِ لِضِيقِ الْوَقْتِ بِرَحِيلِ الْحَاجِّ (فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَأَتَى بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ أَجْزَأَتْهُ) عَنْ عُمْرَتِهِ (فِي الْأَظْهَرِ وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِهِ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ.
وَالثَّانِي لَا تُجْزِئُهُ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَالْحَجِّ.
لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ (فَلَوْ خَرَجَ) عَلَى الْأَوَّلِ (إلَى الْحِلِّ بَعْدَ إحْرَامِهِ) فَقَطْ (سَقَطَ الدَّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ) وَالثَّانِي تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي عَوْدِ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ إلَيْهِ مُحْرِمًا.
وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمُجَاوِزَ مُسِيءٌ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ مِنْ مَكَّةَ فَإِنَّهُ شَبِيهٌ بِمَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ (وَأَفْضَلُ بِقَاعِ الْحِلِّ) لِلْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ (الْجِعْرَانَةُ ثُمَّ التَّنْعِيمُ ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَحْرَمَ بِهَا مِنْ الْجِعْرَانَةِ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَمَرَ عَائِشَةَ بِالِاعْتِمَارِ مِنْ التَّنْعِيمِ كَمَا تَقَدَّمَ وَبَعْدَ إحْرَامِهِ بِهَا بِذِي الْحُلَيْفَةِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ هَمَّ بِالدُّخُولِ إلَيْهَا مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْهَا فَقَدَّمَ الشَّافِعِيُّ مَا فَعَلَهُ ثُمَّ مَا أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ مَا هَمَّ بِهِ وَالْجِعْرَانَةُ وَالْحُدَيْبِيَةُ عَلَى سِتَّةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَكَّةَ وَالْأُولَى بِطَرَفِ الطَّائِفِ، وَالثَّانِيَةُ بَيْنَ طَرِيقِ جَدَّةَ وَطَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَالتَّنْعِيمُ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَفِيهِ مَسَاجِدُ عَائِشَةَ.
[حاشية قليوبي]
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْإِحْرَامِ عَلَى مِيقَاتِهِ الْمَكَانِيِّ جَائِزٌ بِخِلَافِهِ فِي الزَّمَانِيِّ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْعِبَادَةِ بِالزَّمَانِيِّ أَشَدُّ كَمَا فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ دُونَ الْأَمَاكِنِ الْمَكْرُوهَةِ.
وَأَيْضًا الْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ مُخْتَلِفٌ بِالنَّوَاحِي.
قَوْلُهُ: (الْجِعْرَانَةُ) بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ عَلَى الْأَفْصَحِ سُمِّيَتْ بِاسْمِ امْرَأَةٍ كَانَتْ تَسْكُنُهَا وَنِصْفُهَا مِنْ الْحِلِّ وَنِصْفُهَا مِنْ الْحَرَمِ.
قِيلَ اعْتَمَرَ مِنْهَا ثَلَاثُمِائَةِ نَبِيٍّ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَسَيُذْكَرُ مَسَافَتُهَا فِي حُدُودِ الْحَرَمِ أَنَّهَا تِسْعَةُ أَمْيَالٍ.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا وَغَيْرِهِ كَالشَّارِحِ فِيمَا يَأْتِي أَنَّهَا عَلَى سِتَّةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَكَّةَ.
وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ التَّنْعِيمُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَنْ يَمِينِهِ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ نَعِيمٌ وَعَنْ يَسَارِهِ جَبَلٌ يُقَال لَهُ: نَاعِمٌ وَمَحَلُّهُ فِي وَادٍ يُقَالُ لَهُ نُعْمَانُ وَسَيُذْكَرُ مَسَافَتُهُ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ.
قَوْلُهُ: (الْحُدَيْبِيَةُ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ اسْمُ مَحَلٍّ عِنْدَ الْبِئْرِ الْمَعْرُوفَةِ بِعَيْنِ شَمْسٍ وَسَيُذْكَرُ مَحَلُّهَا.
قَوْلُهُ: (هَمَّ بِالدُّخُولِ إلَيْهَا) لَمَّا صَدَّهُ الْكُفَّارُ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِالْعُمْرَةِ فَمَا قِيلَ إنَّهُ أَحْرَمَ مِنْهَا مَرْدُودٌ، وَهَمُّهُ بِذَلِكَ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِهِ الْمُسَاوِي لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ بِقَاعِ الْحَرَمِ دَلِيلٌ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (عَلَى سِتَّةِ فَرَاسِخَ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ رُجُوعُهُ لِلْجِعْرَانَةِ وَالْحُدَيْبِيَةِ وَهُوَ فِي الْأَوَّلِ مُخَالِفٌ لِمَا قَالُوهُ فِي تَحْدِيدِ الْحَرَمِ لِأَنَّهَا آخِرُهُ وَضَبَطُوهُ بِأَنَّهُ تِسْعَةُ أَمْيَالٍ.
وَفِي الثَّانِي مُخَالِفٌ لِلْمُشَاهِدِ فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فِيهِمَا.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ أَنَّ الْحُدَيْبِيَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَكَّةَ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ الْمُشَاهَدُ وَبَعْضُهَا مِنْ الْحِلِّ وَبَعْضُهَا مِنْ الْحَرَمِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ طَرِيقِ حِدَّةَ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ، وَقِيلَ بِالْجِيمِ فِي مُنْعَطَفٍ عَنْ الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ: (وَطَرِيقِ الْمَدِينَةِ) عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ مَكَّةَ وَهُوَ خَارِجُ الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: (وَفِيهِ مَسَاجِدُ عَائِشَةَ) زَوْجَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُسِبَ إلَيْهَا لِإِحْرَامِهَا بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ بِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[حاشية عميرة]
يُحْرِمُ قَارِنًا سَاغَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا سَلَفَ صَدْرَ الْبَابِ.
فَرْعٌ: لَوْ كَانَ لَهُ قَدَمٌ فِي الْحِلِّ وَقَدَمٌ فِي الْحَرَمِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى الْخَارِجَةِ وَحْدَهَا، جَازَ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِيمَا يَظْهَرُ قَوْلُ الْمَتْنِ: (سَقَطَ الدَّمُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ بِمَعْنَى لَمْ يَجِبْ قَالَ: وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا الدَّمَ لَمْ يَجُزْ فِعْلُ ذَلِكَ بَلْ يَجِبُ الْخُرُوجُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ جَازَ فِعْلُ ذَلِكَ بَلْ يُسْتَحَبُّ كَمَا رَأَيْته فِي الْمَجْمُوعِ لِلْمَحَامِلِيِّ وَالتَّحْرِيرِ لِلْجُرْجَانِيِّ، وَاَلَّذِي فَهِمْته مِنْ كَلَامِ أَكْثَرِهِمْ عَدَمُ الِاسْتِحْبَابِ اهـ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْجِعْرَانَةُ) قَالَ يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ: اعْتَمَرَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ ثَلَاثُمِائَةِ نَبِيٍّ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثُمَّ التَّنْعِيمُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ عَلَى يَمِينِهِ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ نَعِيمٌ، وَعَلَى يَسَارِهِ آخَرَ يُقَالُ لَهُ نَاعِمٌ، وَالْوَادِي نُعْمَانُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) اسْتَشْكَلَ بِأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ وَعُلِمَ الْمُتَأَخِّرُ كَانَ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ، فَكَيْفَ تُقَدَّمُ الْجِعْرَانَةُ عَلَى التَّنْعِيمِ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ بِالتَّنْعِيمِ، لِضِيقِ الْوَقْتِ، وَهُوَ أَقْرَبُ أَطْرَافِ الْحِلِّ، لَكِنَّ هَذَا الْجَوَابُ يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَفْضَلِيَّةُ التَّنْعِيمِ عَلَى الْحُدَيْبِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْحُدَيْبِيَةُ عَلَى سِتَّةِ فَرَاسِخَ إلَخْ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ التَّفْضِيلَ لَيْسَ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ وَقِصَرِهَا اهـ. أَقُولُ مِنْ ثَمَّ اشْتَكَلَ الْإِسْنَوِيُّ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى حُكْمُهُ، بِتَفْضِيلِ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ.
بَابُ الْإِحْرَامِ أَيْ الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ (يَنْعَقِدُ مُعَيَّنًا بِأَنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً أَوْ كِلَيْهِمَا وَمُطْلَقًا بِأَنْ لَا يَزِيدَ) فِي النِّيَّةِ (عَلَى نَفْسِ الْإِحْرَامِ) رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ» . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مُهِلِّينَ يَنْتَظِرُونَ الْقَضَاءَ أَيْ نُزُولَ الْوَحْيِ فَأَمَرَ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ أَنْ يَجْعَلَ إحْرَامَهُ عُمْرَةً، وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهُ حَجًّا» (وَالتَّعْيِينُ أَفْضَلُ) لِيَعْرِفَ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ (وَفِي قَوْلٍ الْإِطْلَاقُ) أَفْضَلُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ صَرْفِهِ إلَى مَا لَا يَخَافُ فَوْتَهُ (فَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ صَرَفَهُ بِالنِّيَّةِ إلَى مَا شَاءَ مِنْ النُّسُكَيْنِ أَوْ إلَيْهِمَا ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْأَعْمَالِ) وَلَا يُجْزِئُ الْعَمَلُ قَبْلَ النِّيَّةِ (وَإِنْ أَطْلَقَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ فَالْأَصَحُّ انْعِقَادُهُ عُمْرَةً فَلَا يَصْرِفُهُ إلَى الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ) وَالثَّانِي يَنْعَقِدُ مُبْهَمًا فَلَهُ صَرْفُهُ إلَى عُمْرَةٍ وَبَعْدَ دُخُولِ الْأَشْهُرِ إلَى حَجٍّ أَوْ قِرَانٍ فَإِنْ صَرَفَهُ إلَى الْحَجِّ قَبْلَ الْأَشْهُرِ كَانَ كَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ
[حاشية قليوبي]
بَابُ الْإِحْرَامِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لِدُخُولِ الْحَرَمِ أَوْ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ بِهِ مَا كَانَ حَلَالًا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (الدُّخُولُ فِي النُّسُكِ) أَيْ لَا بِمَعْنَى النِّيَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ الْأَرْكَانِ وَسَتَأْتِي وَلَا بُدَّ مِنْهَا لِهَذَا الدُّخُولِ فَلَا يُوجَدُ بِدُونِهَا.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَنْوِيَ حَجًّا) وَكَذَا نِصْفُ حَجٍّ أَوْ حَجَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ عُمْرَةً) وَكَذَا نِصْفُ عُمْرَةٍ أَوْ عُمْرَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ كِلَيْهِمَا) صَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِتَقْدِيمِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ لِأَنَّهُ إذَا قَدَّمَ نِيَّةَ الْحَجِّ امْتَنَعَتْ الْعُمْرَةُ لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِ.
وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ هَذِهِ صِيغَةٌ وَاحِدَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِبَعْضِهَا فَلَا يَتِمُّ الْمُرَادُ إلَّا بِتَمَامِهَا خُصُوصًا وَهُوَ قَاصِدٌ لَهُمَا فِيهَا.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَا يَزِيدَ) أَيْ مِمَّا ذُكِرَ فَلَوْ زَادَ كَوْنُهُ تَطَوُّعًا أَوْ نَذْرًا أَوْ قَيَّدَهُ بِزَمَنٍ كَيَوْمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَغَا وَانْصَرَفَ لِمَا عَلَيْهِ، وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةِ فَرْضٍ أَيْضًا وَفَارَقَ الصَّلَاةَ بِانْصِرَافِهِ هُنَا قَهْرًا لَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ غَيْرَهُ وَلَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا ثُمَّ أَفْسَدَهُ قَبْلَ التَّعْيِينِ فَأَيَّهُمَا عَيَّنَهُ كَانَ فَاسِدًا.
قَوْلُهُ: (وَرَوَى الشَّافِعِيُّ إلَخْ) هَذَا دَلِيلُ الْإِطْلَاقِ فَمَعْنَى مُهِلِّينَ مُحْرِمِينَ، وَأَنْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى يَصْرِفُ وَهَذَا مِنْ حَيْثُ الْأَكْمَلُ لِمَا سَيَأْتِي.
وَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ لِأَنَّهُ فِيهِ قَدْ خَيَّرَهُمْ قَبْلَ إحْرَامِهِمْ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ إذَا أَحْرَمُوا لَكِنَّهُمْ عِنْدَ إحْرَامِهِمْ أَطْلَقُوا فَتَأَمَّلْ.
وَالْوَاقِعُ مِمَّنْ أَحْرَمَ كَإِحْرَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إبْهَامٌ وَيُعْلَمُ مِنْهُ جَوَازُ الْإِطْلَاقِ.
قَوْلُهُ: (إلَى مَا شَاءَ مِنْ النُّسُكَيْنِ) أَيْ لِلْعُمْرَةِ مُطْلَقًا وَلِلْحَجِّ إنْ لَمْ يَفُتْ وَإِلَّا تَعَيَّنَ صَرْفُهُ لِلْعُمْرَةِ كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَشَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُجْزِئُ الْعَمَلُ) كَالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ فَلَهُ صَرْفُهُ بَعْدَهُ لِلْعُمْرَةِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ بِهِ الْحَجُّ نَعَمْ نَقَلَ فِي الْمُهِمَّاتِ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَالْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ لَوْ صَرَفَهُ لِلْحَجِّ بَعْدَ الطَّوَافِ انْصَرَفَ الطَّوَافُ لِلْقُدُومِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ صَرَفَهُ لَهُ بَعْدَ السَّعْيِ أَوْ الْوُقُوفِ انْصَرَفَ لَهُمَا وَصَرِيحُ كَلَامِهِمْ يُخَالِفُهُ وَالْوَجْهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَغَيْرِهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ النِّيَّةِ) أَيْ قَبْلَ الصَّرْفِ إذْ النِّيَّةُ تَقَدَّمَتْ.
قَوْلُهُ: (فَالْأَصَحُّ انْعِقَادُهُ عُمْرَةً) عَبَّرَ هُنَا بِالْأَصَحِّ لِأَنَّ الِانْعِقَادَ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَعَبَّرَ فِيمَا مَرَّ
[حاشية عميرة]
[بَابُ الْإِحْرَامِ]
ِ إلَخْ قَوْلُهُ: (أَيْ الدُّخُولُ فِي النُّسُكِ) كَذَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ الْأَزْهَرِيِّ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى نِيَّةِ الدُّخُولِ فِي ذَلِكَ، وَوَجْهُ التَّسْمِيَةِ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (وَرَوَى الشَّافِعِيُّ إلَخْ) هُوَ دَلِيلُ الْإِطْلَاقِ السَّابِقِ فِي الْمَتْنِ، وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِحَدِيثِ «أَبِي مُوسَى، وَعَلِيٍّ لَبَّيْت بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» قَالَ بَعْضُهُمْ: كَذَا اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ وَخَالَفَهُ الْعُلَمَاءُ، لِأَنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِهِمَا إبْهَامٌ لَا إطْلَاقٌ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: إذَا جَاءَ الْإِبْهَامُ جَازَ الْإِطْلَاقُ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ إلَخْ) اُنْظُرْ كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ يُنْتَظَرُ هَلْ يُؤْمَرُونَ بِالدَّوَامِ عَلَى مَا عَيَّنُوا أَوْ فَسْخِهِ أَوْ ضَمِّ شَيْءٍ إلَيْهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَلَا يَصْرِفُهُ إلَى الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ) قِيلَ يُشْكِلُ عَلَى تَعْلِيقِ الْعَبْدِ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ ثُمَّ يَعْتِقُ.
أَشْهُرِهِ فَيَنْعَقِدُ عُمْرَةً عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ) رَوَى الشَّيْخَانِ «عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: بِمَ أَهْلَلْت فَقُلْت لَبَّيْتُ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَقَدْ أَحْسَنْت طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَحِلَّ» (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُحْرِمًا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ مُطْلَقًا) وَلَغَتْ الْإِضَافَةُ إلَى زَيْدٍ (وَقِيلَ: إنْ عُلِمَ عَدَمُ إحْرَامِ زَيْدٍ لَمْ يَنْعَقِدْ) إحْرَامُهُ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ كَانَ مُحْرِمًا فَقَدْ أَحْرَمْت فَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا.
وَفُرِّقَ فِي الْأَصَحِّ بِأَنَّ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ تَعْلِيقُ أَصْلِ الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الْمَقِيسِ (وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ كَإِحْرَامِهِ) إنْ كَانَ حَجًّا فَحَجٌّ وَإِنْ كَانَ عُمْرَةً فَعُمْرَةٌ، وَإِنْ كَانَ قِرَانًا فَقِرَانٌ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَمُطْلَقٌ وَيَتَخَيَّرُ كَمَا يَتَخَيَّرُ زَيْدٌ وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّرْفُ إلَى مَا يَصْرِفُ إلَيْهِ زَيْدٌ، وَإِنْ عَيَّنَ زَيْدٌ قَبْلَ إحْرَامِهِ انْعَقَدَ وَإِنْ كَانَ إحْرَامُ زَيْدٍ فَاسِدًا انْعَقَدَ لِهَذَا مُطْلَقًا.
وَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ لَهُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ إحْرَامِهِ بِمَوْتِهِ) أَوْ جُنُونِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا (جَعَلَ) هَذَا (نَفْسَهُ قَارِنًا) بِأَنْ يَنْوِيَ الْقِرَانَ (وَعَمِلَ أَعْمَالَ النُّسُكَيْنِ) لِيَتَحَقَّقَ الْخُرُوجُ عَمَّا شَرَعَ فِيهِ.
[حاشية قليوبي]
بِالصَّحِيحِ لِأَنَّهُ فِي الِانْعِقَادِ وَعَدَمِهِ فَلَا مُخَالَفَةَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (كَإِحْرَامِ زَيْدٍ) فَلَوْ قَالَ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فَهُوَ مِثْلُهُمَا إنْ اتَّفَقَا، وَقَارَنَ إنْ اخْتَلَفَا وَصَحَّ إحْرَامُهُمَا وَتَابِعٌ لِلصَّحِيحِ مِنْهُمَا وَمُطْلَقٌ إنْ فَسَدَ إحْرَامُهُمَا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا) أَيْ إنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ أَحْرَمَ زَيْدٌ أَحْرَمْت لَمْ يَنْعَقِدْ، وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا.
كَمَا لَوْ قَالَ: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَحْرَمْت وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي انْعِقَادُهُ إذَا عَلِمَ بِإِحْرَامِ زَيْدٍ وَيَكُونُ إنْ بِمَعْنَى إذَا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِانْعِقَادِ إحْرَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ.
قَوْلُهُ: (كَإِحْرَامِهِ) وَيَجِبُ سُؤَالُهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَيُعْمَلُ بِإِخْبَارِهِ وَلَوْ فَاسِقًا.
وَيُعْمَلُ بِالثَّانِي مِنْ خَبَرَيْهِ إنْ تَعَدَّدَ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَعَنُّتٌ فَلَوْ أَخْبَرَ بِحَجٍّ بَعْدَ إخْبَارِهِ بِعُمْرَةٍ بَعْدَ الْفَوَاتِ وَجَبَ الْقَضَاءُ وَأَرَاقَ دَمًا وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى زَيْدٍ لِأَنَّ حَجَّهُ لَهُ، وَلَا نَظَرَ لِتَغْرِيرِهِ وَلَا يَأْتِي هُنَا الِاجْتِهَادُ لِأَنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِالْعِبَادَةِ كَالشَّكِّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ إلَّا مِنْ جِهَةِ النِّيَّةِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُهُ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ قَصَدَ التَّشْبِيهَ بِهِ الْآنَ أَوْ فِيمَا يَأْتِي أَوْ هُمَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ إنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّشْبِيهَ بِهِ الْآنَ وَإِلَّا لَزِمَهُ مَا فِيهِ زَيْدٌ) .
قَوْلُهُ: (فَاسِدًا) بِأَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَأَفْسَدَهَا بِالْجِمَاعِ ثُمَّ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يُدْخِلُ فَاسِدًا، وَلَا يُتَصَوَّرُ فَسَادُهُ حَالَ النِّيَّةِ بِغَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ حَالَةَ الْجِمَاعِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِيهِ وَيَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ حَالَةَ النَّزْعِ.
قَوْلُهُ: (جَعَلَ هَذَا نَفْسَهُ) قَالَ فِي الْمَنْهَجِ: كَمَا لَوْ شَكَّ فِي إحْرَامِ نَفْسِهِ أَيْ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ عَلَى الْجَدِيدِ لِمَا مَرَّ وَبِذَلِكَ فَارَقَ الصَّلَاةَ وَالْأَوَانِيَ وَالْقِبْلَةَ، وَلِأَنَّ عَدَمَ الِاجْتِهَادِ هُنَا لَا يُؤَدِّي إلَى فِعْلِ مَحْظُورٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ لِأَدَائِهِ إلَى الصَّلَاةِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ بِنَجَسٍ.
وَلَوْ شَكَّ فِي إحْرَامِ نَفْسِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يُعْلَمُ مِنْ مُرَاجَعَةِ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَنْوِيَ الْقِرَانَ) أَيْ أَوْ الْحَجَّ وَحْدَهُ وَلَا يَأْتِي الِاجْتِهَادُ هُنَا قَطْعًا لِعَدَمِ الْأَمَارَةِ عَلَى نِيَّةِ الْغَيْرِ، وَلَا يُجْزِئُهُ الْعَمَلُ قَبْلَ هَذِهِ النِّيَّةِ فَلَا يَبْرَأُ لَا مِنْ الْحَجِّ وَلَا مِنْ الْعُمْرَةِ وَيَحْصُلُ لَهُ التَّحَلُّلُ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ.
نَعَمْ لَوْ نَوَى الْقِرَانَ أَوْ الْحَجَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَدْرَكَ الْوُقُوفَ وَأَعَادَ الْعَمَلَ بَرِئَ مِنْ الْحَجِّ كَمَا يَأْتِي وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِأَنَّهُ إمَّا مُتَمَتِّعٌ أَوْ حَالِقٌ قَبْلَ وَقْتِهِ وَلَا يُعَيِّنُهُ عَنْ جِهَةٍ بَلْ يُوقِعُهُ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ أَعْمَالَ الْعُمْرَةِ وَنَوَى الْقِرَانَ أَوْ الْحَجَّ، وَأَتَى بِالْأَعْمَالِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْحَجِّ وَلَا مِنْ الْعُمْرَةِ لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَدْخُلُ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ الطَّوَافِ.
وَقَدْ يَكُونُ مُعْتَمِرًا كَذَا قِيلَ وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ بَلْ يَأْتِي فِيهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَعْمَالُ النُّسُكَيْنِ) وَهِيَ أَعْمَالُ الْحَجَّ وَحْدَهُ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لِيَتَحَقَّقَ إلَخْ) وَلَا يَبْرَأُ مِنْ الْعُمْرَةِ لِاحْتِمَالِ تَقَدُّمِ الْحَجِّ عَلَيْهَا أَيْ وَيَبْرَأُ مِنْ الْحَجِّ كَمَا قَالَهُ فِي الْعُبَابِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْقِرَانِ وَلَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ.
[حاشية عميرة]
فَرْعٌ: إذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ كَانَ الْإِحْرَامُ حَاصِلًا وَقْتَ الصَّرْفِ لِلْحَجِّ لَا فِي وَقْتِهِ.
قَوْلُهُ: (طُفْ بِالْبَيْتِ) قَدْ سَلَفَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ مُطْلَقًا وَخَرَجَ يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ» ، فَقَوْلُ أَبِي مُوسَى: إنَّهُ أَهَلَّ كَإِهْلَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْتَضِي الِانْعِقَادَ مُبْهَمًا، وَلَوْ صَرَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إحْرَامَهُ إلَى الْحَجِّ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَمْرَهُ، لِأَبِي مُوسَى بِأَعْمَالِ الْعُمْرَةِ، أَمَّا إنْ قُلْنَا إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ كَمَا هُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَنَا، فَيَكُونُ أَمْرُهُ لِأَبِي مُوسَى مِنْ بَابِ الْفَسْخِ إلَى الْعُمْرَةِ خُصُوصِيَّةً لَهُ، وَلَا مِثَالَهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ تَعَذَّرَ إلَخْ) قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَا يَحْسُنُ هُنَا الِاجْتِهَادُ لِأَنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِالْعِبَادَةِ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، ثُمَّ لَوْ قُلْنَا يَتَحَرَّى فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا.
قَوْلُهُ: (لِيَتَحَقَّقَ الْخُرُوجُ) يُرِيدُ أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ الْحَجِّ دُونَ الْعُمْرَةِ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِالْأَعْمَالِ مَثَلًا، فَإِنْ كَانَ
فَصْلُ الْمُحْرِمِ أَيْ مُرِيدُ الْإِحْرَامِ (يَنْوِي) أَيْ الدُّخُولَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوْ فِيهِمَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِمَا نَوَاهُ، (وَيُلَبِّي) فَيَقُولُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ نَوَيْت الْحَجَّ وَأَحْرَمْت بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ إلَخْ (فَإِنْ لَبَّى بِلَا نِيَّةٍ لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ وَإِنْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ انْعَقَدَ) إحْرَامُهُ (عَلَى الصَّحِيحِ) وَالثَّانِي لَا يَنْعَقِدُ لِإِطْبَاقِ النَّاسِ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَلَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لِلْفَرْضِيَّةِ جَزْمًا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَيُسَنُّ الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ) «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ لِإِحْرَامِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْإِحْرَامِ بِحَجٍّ أَمْ بِعُمْرَةٍ أَمْ بِهِمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (فَإِنْ) (عَجَزَ) عَنْ الْغُسْلِ لِعَدَمِ الْمَاءِ أَوْ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ (تَيَمَّمَ) لِأَنَّ الْمُتَيَمِّمَ يَنُوبُ عَنْ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ فَعَنْ الْمَنْدُوبِ أَوْلَى (وَ) الْغُسْلُ (لِدُخُولِ مَكَّةَ) «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ بِذِي طِوًى» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَسَيَأْتِي بِطُولِهِ أَوَّلَ الْبَابِ الْآتِي قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَهَذَا الْغُسْلُ مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ دَاخِلٍ مُحْرِمٍ سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَمْ عُمْرَةٍ أَمْ قِرَانٍ (وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) عَشِيَّةً (وَبِمُزْدَلِفَةَ غَدَاةَ
[حاشية قليوبي]
فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوْ بِهِمَا
قَوْلُهُ: (الْمُحْرِمُ) أَيْ مَنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ.
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ) أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ نَدْبًا بِقَلْبِهِ وُجُوبًا وَلِسَانِهِ نَدْبًا نَوَيْت الْحَجَّ مَثَلًا وَأَحْرَمْت بِهِ تَفْسِيرٌ لِنَوَيْتُ أَوْ تَأْكِيدٌ لَهُ.
لَبَّيْكَ إلَخْ أَيْ عَقِبَ النِّيَّةِ نَدْبًا كَمَا يُنْدَبُ التَّلَفُّظُ بِمَا نَوَاهُ فِي التَّلْبِيَةِ الْأُولَى فَقَطْ بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ بِحَيْثُ يَسْمَعُ نَفْسَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَيُنْدَبُ أَنْ يَقُولَ أَيْضًا: اللَّهُمَّ أُحْرِمُ لَك شَعْرِي وَبَشَرِي وَلَحْمِي وَدَمِي.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ الْغُسْلُ) وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَخْذًا بِقَاعِدَةِ كُلِّ مَنْدُوبٍ صَحَّ الْأَمْرُ بِهِ قَصْدًا كُرِهَ تَرْكُهُ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَجَزَ) أَيْ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ أَوْ بَعْضِهِ، وَيُقَدِّمُ الْمَاءَ، وَيُقَدِّمُ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ وَلَا يَكْفِيهِ نِيَّةُ الْغُسْلِ عَنْ التَّيَمُّمِ.
قَوْلُهُ: (دَاخِلٍ مُحْرِمٍ) وَيُنْدَبُ لِلْحَلَالِ أَيْضًا فَهُوَ لَيْسَ مِنْ الْأَغْسَالِ الْخَاصَّةِ بِالْحَجِّ.
وَلَوْ فَاتَ لَمْ يُنْدَبُ قَضَاؤُهُ كَبَقِيَّةِ الْأَغْسَالِ.
قَوْلُهُ: (عَشِيَّةً) ظَرْفٌ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إذْ الْغُسْلُ لَهَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالْفَجْرِ كَالْجُمُعَةِ وَتَأْخِيرُهُ لِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ أَفْضَلُ، وَيَخْرُجُ بِخُرُوجِ وَقْتِ
[حاشية عميرة]
مُحْرِمًا بِالْحَجِّ لَمْ يَضُرَّ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ، وَإِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَيْهِ لَا يَقْدَحُ، وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ فَإِدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا جَائِزٌ بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ لَا يَخْرُجُ عَنْهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَفَ وَلَمْ يَطُفْ، فَإِذَا نَوَى الْقِرَانَ ثُمَّ عَادَ وَوَقَفَ ثَانِيًا أَجْزَأَهُ الْحَجُّ دُونَ الْعُمْرَةِ، وَإِنْ طَافَ ثُمَّ شَكَّ فَأَتَمَّ عُمْرَةً ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَرِيءَ مِنْهُ فَقَطْ أَيْضًا، وَلَمْ يُتِمَّ أَعْمَالَ الْعُمْرَةِ، وَلَكِنْ نَوَى الْقِرَانَ أَوْ الْحَجَّ وَأَتَى بِالْأَعْمَالِ فَلَا يَبْرَأُ عَنْ شَيْءٍ، لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَدْخُلُ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ الطَّوَافِ وَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ مُعْتَمِرًا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ وَأَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ قِرَانٍ إنْ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ شَيْءٍ، فَإِنْ لَمْ يَحْرُمْ وَأَتَمَّ أَعْمَالَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَرِيءَ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِنْ أَتَمَّ أَعْمَالَ الْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ بَرِيءَ مِنْهُ وَلَا دَمَ.
[فَصْلُ الْمُحْرِمِ يَنْوِي الدُّخُولَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوْ فِيهِمَا]
فَصْلُ الْمُحْرِمِ يَنْوِي إلَخْ
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ لَبَّى بِلَا نِيَّةٍ لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ) وَقِيلَ فِي قَوْلٍ: يَنْعَقِدُ وَعَلَيْهِ إذَا أَطْلَقَ التَّلْبِيَةَ انْعَقَدَ مُطْلَقًا وَخَصَّ الْإِمَامُ الْخِلَافَ بِمَا لَوْ أَطْلَقَ التَّلْبِيَةَ، وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ قَصْدُ الْإِحْرَامِ أَمَّا مَنْ ذَكَرَهَا حَاكِيًا أَوْ مُعَلِّمًا أَوْ قَصَدَ مَا سِوَى الْإِحْرَامِ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِلَفْظِ التَّلْبِيَةِ؟ الظَّاهِرُ الِاشْتِرَاطُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لَفْظَ التَّلْبِيَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَلَفْظِ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ الْغُسْلُ إلَخْ) وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ يُعَكِّرُ عَلَى قَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ الْكَرَاهَةُ مَا فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ، فَإِنْ لَمْ يُرَدْ نَهْيٌ هُنَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ: قَالَ الْإِمَامُ كُلُّ مَنْدُوبٍ صَحَّ الْأَمْرُ بِهِ قَصْدًا كُرِهَ تَرْكُهُ اهـ.
وَاغْتَسَلَ الشَّافِعِيُّ لِلْإِحْرَامِ وَهُوَ مَرِيضٌ يَخَافُ الْمَاءَ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ الْغُسْلَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ نُدِبَ فِيهِ، فَإِنَّ لَهُ تَأْثِيرًا فِي جَلَاءِ الْقُلُوبِ وَإِذْهَابِ دَرَنِ الْغَفْلَةِ يُدْرِكُ ذَلِكَ أَرْبَابُ الْقُلُوبِ الصَّافِيَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ عَجَزَ إلَخْ) لَوْ أَخَّرَهُ إلَى بَعْدُ كَانَ أَوْلَى لِيَعُمَّ هَذَا سَائِرَ الْأَغْسَالِ.
قَوْلُهُ: (مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ دَاخِلٍ مُحْرِمٍ) وَكَذَا حَلَالٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (غَدَاةَ النَّحْرِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ وَقْتَهُ
النَّحْرِ وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) الثَّلَاثَةِ (لِلرَّمْيِ) لِأَنَّ هَذِهِ مَوَاطِنُ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ فَسُنَّ الْغُسْلُ لَهَا قَطْعًا لِلرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ وَسَوَاءٌ فِي هَذِهِ الْأَغْسَالِ كُلِّهَا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ الطَّاهِرُ وَغَيْرُهَا، وَرَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» . وَلِلْإِمَامِ نَظَرٌ فِي نِيَّةِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا يَنْوِيَانِ لِأَنَّهُمَا يُقِيمَانِ مَسْنُونًا.
وَلَا يُسَنُّ الْغُسْلُ لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ اكْتِفَاءً بِغُسْلِ الْعِيدِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْغُسْلِ لِغَيْرِ الْإِحْرَامِ تَيَمَّمَ أَيْضًا.
وَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ مِنْ حِكَايَةِ وَجْهِ أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ غُسْلِهَا لَا يَتَيَمَّمُ يَأْتِي هُنَا كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ لِمَا تَقَدَّمَ فِي وَجْهِهِ مِنْ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْغُسْلِ التَّنْظِيفُ وَقَطْعُ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ وَالتَّيَمُّمُ لَا يُفِيدُ هَذَا الْغَرَضَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَأَهَّبَ لِلْإِحْرَامِ بِحَلْقِ الْعَانَةِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَيَنْبَغِي تَقَدُّمُ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى الْغُسْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: أَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْحِلِّ وَاغْتَسَلَ لِلْإِحْرَامِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ إنْ كَانَ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ مِنْهَا كَالْجِعْرَانَةِ وَالْحُدَيْبِيَةِ، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْهَا كَالتَّنْعِيمِ أَوْ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ لَمْ يَغْتَسِلْ لِدُخُولِهَا، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْغُسْلِ النَّظَافَةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِالْغُسْلِ السَّابِقِ (وَأَنْ يُطَيِّبَ بَدَنَهُ لِلْإِحْرَامِ) لِلِاتِّبَاعِ.
رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» . وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَفِي قَوْلٍ لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا (وَكَذَا ثَوْبُهُ) أَيْ إزَارُ الْإِحْرَامِ وَرِدَاؤُهُ (فِي الْأَصَحِّ) قِيَاسًا عَلَى الْبَدَنِ.
وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ تَطْيِيبُهُ لِأَنَّهُ يُنْزَعُ وَيُلْبَسُ، وَإِذَا نَزَعَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ كَانَ كَمَا لَوْ اسْتَأْنَفَ لُبْسَ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ.
وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا التَّعْبِيرُ فِي الْأَوَّلِ بِالْجَوَازِ وَفِي التَّتِمَّةِ بِالِاسْتِحْبَابِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَهُوَ غَرِيبٌ.
وَلَوْ تَعَطَّرَ ثَوْبُهُ مِنْ بَدَنِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ قَطْعًا (وَلَا بَأْسَ بِاسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَلَا بِطِيبٍ لَهُ جُرْمٌ) لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُحْرِمٌ» . وَالْوَبِيصُ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ الْبَرِيقُ.
وَسَوَاءٌ فِي الِاسْتِدَامَةِ الْبَدَنُ وَالثَّوْبُ (لَكِنْ لَوْ نَزَعَ ثَوْبَهُ الْمُطَيَّبَ ثُمَّ لَبِسَهُ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ فِي الْأَصَحِّ) كَمَا أَخَذَ الطِّيبَ مِنْ بَدَنِهِ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ.
وَالثَّانِي لَا تَلْزَمُهُ لِأَنَّ
[حاشية قليوبي]
الْوُقُوفِ.
قَوْلُهُ: (غَدَاةً) ظَرْفٌ لِلْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَيَدْخُلُ وَقْتُ هَذَا الْغُسْلِ بِنِصْفِ اللَّيْلِ كَالْعِيدِ، وَلَا يُنْدَبُ الْغُسْلُ لِلْمَبِيتِ بِهَا لِقُرْبِهِ مِنْ عَرَفَةَ.
قَوْلُهُ: (وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) وَيَدْخُلُ وَقْتُ الْغُسْلِ لِكُلِّ يَوْمٍ بِفَجْرِهِ كَالْجُمُعَةِ وَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُهُ لِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَيَخْرُجُ غُسْلُ كُلِّ يَوْمٍ بِغُرُوبِهِ أَوْ بِرَمْيِهِ.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ الرَّجُلُ) وَكَذَا الصَّبِيُّ وَلَوْ غَيْرُ مُمَيِّزٍ وَيُغَسِّلُهُ وَلِيُّهُ.
وَكَذَا فِي الْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالظَّاهِرُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيُكْرَهُ إحْرَامُ الْجُنُبِ وَنَحْوِ الْحَائِضِ فَيُنْدَبُ لَهُمَا تَأْخِيرُهُ لِلطُّهْرِ إنْ تَيَسَّرَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُسَنُّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمِثْلُهُ كُلُّ غُسْلٍ قَرُبَ مِمَّا قَبْلَهُ كَالْقُدُومِ مَعَ الدُّخُولِ وَالْحَلْقِ وَالطَّوَافِ وَالْوَدَاعِ وَسَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بِحَلْقِ الْعَانَةِ) وَكَذَا يُحْلَقُ رَأْسٌ لِمَنْ يَتَزَيَّنُ بِهِ وَإِلَّا نُدِبَ أَنْ يُلَبِّدَهُ بِنَحْوِ صَمْغٍ دَفْعًا لِنَحْوِ الْقَمْلِ وَيُنْدَبُ السِّوَاكُ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي تَقَدُّمُ إلَخْ) أَيْ فِي حَقِّ غَيْرِ الْجُنُبِ.
وَيُنْدَبُ لَهُ التَّأْخِيرُ.
قَوْلُهُ: (تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ) . أَيْ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ الْمَرْجُوحِ وَالرَّاجِحُ هُنَاكَ الْقَدِيمُ وَهُوَ عَدَمُ طَلَبِهَا.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ حَاصِلَةٌ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: نَعَمْ إنْ تَغَيَّرَ رِيحُ بَدَنِهِ طُلِبَ فِعْلُهُ.
وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَغْسَالِ وَتَفُوتُ بِالْأَعْرَاضِ أَوْ بِطُولِ الْفَصْلِ وَلَا تُقْضَى.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُطَيِّبَ بَدَنَهُ) إجْمَاعًا إلَّا لِصَائِمٍ فَيُكْرَهُ وَلِمُحِدَّةٍ فَيَحْرُمُ.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ يُنْدَبُ النِّكَاحُ أَيْضًا لِأَنَّ الطِّيبَ مِنْ دَوَاعِيهِ وَلَمْ يُخَالِفُوهُ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا ثَوْبُهُ) مَرْجُوحٌ بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ وَمُبَاحٌ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَوَّلِ) أَيْ الْأَصَحُّ بِالْجَوَازِ أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكَإِزَارِ الْإِحْرَامِ وَرِدَائِهِ وَثِيَابِ الْمَرْأَةِ وَلَيْسَ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا وَلَا غَيْرِهِ ذَلِكَ الْكَرَاهَةُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي التَّتِمَّةِ بِالِاسْتِحْبَابِ) وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ) وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ رَائِحَةُ الطِّيبِ لَكِنْ بِحَيْثُ لَوْ مَسَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَتْ.
وَلَوْ مَسَّ ثَوْبَهُ عَمْدًا بِيَدِهِ لَزِمَتْهُ
[حاشية عميرة]
يَدْخُلُ بِالْفَجْرِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَأَهَّبَ إلَخْ) وَمِنْ السُّنَنِ السِّوَاكُ أَيْضًا قَالَهُ السُّبْكِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي تَقَدُّمُ هَذِهِ الْأُمُورِ) لَوْ كَانَ جُنُبًا طَلَبَ تَأْخِيرَهَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ إزَارُ الْإِحْرَامِ وَرِدَاؤُهُ) وَمِثْلُهُ ثِيَابُ الْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَوَّلِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِ الْمَتْنِ فِي الْأَصَحِّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَكِنْ لَوْ نَزَعَ ثِيَابَهُ إلَخْ) كَذَلِكَ لَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ عَمْدًا لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا إلَخْ) عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ
الْعَادَةَ فِي الثَّوْبِ أَنْ يُنْزَعَ وَيُعَادَ فَجُعِلَ عَفْوًا، وَلَوْ تَطَيَّبَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ لَزِمَهَا عِدَّةٌ يَلْزَمُهَا إزَالَةُ الطِّيبِ فِي وَجْهٍ لِأَنَّ فِي الْعِدَّةِ حَقَّ آدَمِيٍّ فَالْمُضَايَقَةُ فِيهِ أَكْثَرُ (وَأَنْ تُخَضِّبَ الْمَرْأَةُ لِلْإِحْرَامِ يَدَهَا) أَيْ كُلَّ يَدٍ مِنْهَا إلَى الْكُوعِ بِالْحِنَّاءِ لِأَنَّهُمَا قَدْ يَنْكَشِفَانِ وَأَنْ تَمْسَحَ وَجْهَهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْحِنَّاءِ لِأَنَّهَا تُؤْمَرُ بِكَشْفِهِ فَلْتَسْتُرْ لَوْنَ الْبَشَرَةِ بِلَوْنِ الْحِنَّاءِ.
وَيُكْرَهُ لَهَا الْخِضَابُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الشَّعَثِ وَلَا يُخَضِّبُ الرَّجُلُ وَالْخُنْثَى لِلْإِحْرَامِ (وَيَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ لِإِحْرَامِهِ عَنْ مِخْيَطِ الثِّيَابِ) لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ لُبْسُهُ فِي الْإِحْرَامِ الَّذِي هُوَ مُحْرِمٌ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَيَتَجَرَّدُ بِالرَّفْعِ بِضَبْطِ الْمُصَنِّفِ وَصَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَالرَّافِعِيِّ بِوُجُوبِ التَّجَرُّدِ لِمَا ذُكِرَ فَهُوَ وَاجِبٌ لِغَيْرِهِ (وَيَلْبَسُ إزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ) جَدِيدَيْنِ وَإِلَّا فَمَغْسُولَيْنِ (وَنَعْلَيْنِ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) لِلْإِحْرَامِ وَتُغْنِي عَنْهُمَا الْفَرِيضَةُ.
رَوَى الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَحْرَمَ» .
وَتَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ حَدِيثُ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ» .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لِيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ» اهـ.
وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ (ثُمَّ الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ إذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ) أَيْ اسْتَوَتْ قَائِمَةً إلَى طَرِيقِهِ (أَوْ تَوَجَّهَ لِطَرِيقِهِ مَاشِيًا) رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُهِلَّ حَتَّى انْبَعَثَتْ بِهِ دَابَّتُهُ» . وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَهْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إذَا تَوَجَّهْنَا» (وَفِي قَوْلٍ يُحْرِمُ عَقِبَ الصَّلَاةِ) جَالِسًا.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ» وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
(وَيُسْتَحَبُّ) (إكْثَارُ التَّلْبِيَةِ وَرَفْعُ صَوْتِهِ) أَيْ الرَّجُلِ (بِهَا) بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ بِنَفْسِهِ (فِي دَوَامِ إحْرَامِهِ) هُوَ مُتَعَلِّقٌ
[حاشية قليوبي]
الْفِدْيَةُ، وَلَا يَضُرُّ تَعَطُّرُ ثَوْبِهِ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ عَكْسُهُ وَلَا مَسُّهُ سَهْوًا وَلَا انْتِقَالُهُ بِنَحْوِ عَرَقٍ.
قَوْلُهُ: (فِي وَجْهٍ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ تُخَضِّبَ الْمَرْأَةُ) أَيْ غَيْرُ الْمُحِدَّةِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (بِالْحِنَّاءِ) خَرَجَ بِهَا التَّسْوِيدُ وَالتَّطْرِيفُ وَالنَّقْشُ فَحَرَامٌ.
قَوْلُهُ: (فَلْتَسْتُرْ) أَيْ تُغَيِّرْ وَهَذَا التَّغَيُّرُ لَا يَمْنَعُ مِنْ حُرْمَةِ رُؤْيَةِ الْأَجْنَبِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُخَضِّبُ الرَّجُلُ وَالْخُنْثَى) فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ إلَّا لِحَاجَةٍ وَلَا يَحْرُمُ فِي غَيْرِهِمَا وَلَوْ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ وَتَجُوزُ الْحِنَّاءُ لِلصَّبِيِّ كَالْحَرِيرِ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ) يُفِيدُ أَنَّهُ فِي دَوَامِ الْإِحْرَامِ لَا حَالَةَ الْإِحْرَامِ.
وَلَا يَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ فِيهِ إذَا نَزَعَهُ حَالًّا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَجَرَّدُ) بِالرَّفْعِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ جُمْلَةٌ ابْتِدَائِيَّةٌ تُفِيدُ الْوُجُوبَ لَا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ الْمُفِيدِ لِلنَّدْبِ.
قَوْلُهُ: (بِوُجُوبِ التَّجَرُّدِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْمَنْهَجِ، وَإِنْ كَانَ الْوَجْهُ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ مِنْ أَنَّهُ مَسْنُونٌ.
وَتَبِعَهُ السُّبْكِيُّ تَبَعًا لِلْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ قَائِلِينَ بِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْإِحْرَامُ لَمْ يَحْصُلْ وَلَا يَعْصِي بِالنَّزْعِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ حَالًّا وَجَوَابُ بَعْضِهِمْ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ عَنْ هَذَا بِأَنَّ التَّجَرُّدَ فِي الْإِحْرَامِ وَاجِبٌ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالتَّجَرُّدِ قَبْلَهُ فَوَجَبَ كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ مَمْنُوعٌ إذْ يَتِمُّ الْوَاجِبُ هُنَا بِالتَّجَرُّدِ حَالَ الْإِحْرَامِ لَا قَبْلَهُ وَلَا يُقَاسُ بِالسَّعْيِ الْمَذْكُورِ الْمُفْضِي عَدَمُهُ إلَى الْحُرْمَةِ بِالتَّفْوِيتِ بِخِلَافِهِ هُنَا.
وَجَوَابُهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَمَّا قَالَهُ السُّبْكِيُّ مِنْ التَّأْيِيدِ لِلْقَوْلِ بِالنَّدْبِ لَا يُجْدِي نَفْعًا فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَلْبَسُ) أَيْ نَدْبًا.
قَوْلُهُ: (أَبْيَضَيْنِ) أَيْ نَدْبًا وَيُكْرَهُ الْمَصْبُوغُ وَغَيْرُ الْبَيَاضِ وَلَوْ بَعْضًا وَإِنْ قَلَّ وَلَوْ قَبْلَ نَسْجِهِ.
قَوْلُهُ: (جَدِيدَيْنِ) وَيُنْدَبُ غَسْلُهُمَا مَعَ تَوَهُّمِ نَجَاسَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُصَلِّي) أَيْ مَنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ وَلَوْ امْرَأَةً وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ.
وَيُنْدَبُ كَوْنُهُمَا فِي مَسْجِدٍ كَمَا مَرَّ وَيُسِرُّهُمَا وَلَوْ لَيْلًا.
قَوْلُهُ: (وَيُغْنِي عَنْهُمَا الْفَرِيضَةُ) وَكَذَا نَافِلَةٌ وَلَوْ غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ وَيَقْرَأُ فِيهِمَا سُورَتَيْ الْإِخْلَاصِ قَوْلُهُ: (أَنْ يُحْرِمَ إلَخْ) نَعَمْ لِلْخَطِيبِ يَوْمَ السَّابِعِ أَنْ يَخْطُبَ مُحْرِمًا فَقَدْ تَقَدَّمَ إحْرَامُهُ عَلَى سَيْرِهِ بِيَوْمٍ لِأَنَّهُ فِي الثَّامِنِ.
قَوْلُهُ: (إكْثَارُ التَّلْبِيَةِ) وَلَوْ بِالْعَجَمِيَّةِ لِقَادِرٍ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ وَتُكْرَهُ فِي مَوَاضِعِ النَّجَاسَاتِ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ.
قَوْلُهُ: (وَرَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا) نَعَمْ يُنْدَبُ فِي التَّلْبِيَةِ الْأُولَى أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى إسْمَاعِ نَفْسِهِ، وَلَا يُنْدَبُ الرَّفْعُ كَمَا مَرَّ.
وَلَوْ حَصَلَ تَشْوِيشٌ عَلَى مُصَلٍّ أَوْ ذَاكِرٍ أَوْ قَارِئٍ أَوْ نَائِمٍ كُرِهَ الرَّفْعُ بَلْ يَحْرُمُ إنْ تَأَذَّى بِهِ أَذًى لَا يُحْتَمَلُ.
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى
[حاشية عميرة]
بِكَشْفِهِمَا اهـ. وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَجَرَّدُ بِالرَّفْعِ إلَخْ) أَيْ فَيَكُونُ التَّجَرُّدُ وَاجِبًا وَجَوَّزَ غَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى مَا سَلَفَ، فَيَكُونُ مُسْتَحَبًّا وَيُبَادِرُ بِالنَّزْعِ عَقِبَ الْإِحْرَامِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ طَوِيلٌ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَشَرْحِ الْأَذْرَعِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ اسْتَوَتْ قَائِمَةً) قَالَ السُّبْكِيُّ: هَذَا مَعْنَى الِانْبِعَاثِ وَلَكِنَّ الْأَصْحَابَ عَبَّرُوا عَنْهُ بِالْأَخْذِ فِي السَّيْرِ.
قَوْلُهُ: (رُفْقَةٌ) هُمْ الْجَمَاعَةُ
بِإِكْثَارِ وَرَفْعِ أَيْ مَا دَامَ مُحْرِمًا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ (وَخَاصَّةً) بِمَعْنَى خُصُوصًا (عِنْدَ تَغَايُرِ الْأَحْوَالِ كَرُكُوبٍ وَنُزُولٍ وَهُبُوطٍ وَصُعُودٍ وَاخْتِلَاطِ رُفْقَةٍ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَفَرَاغِ صَلَاةٍ وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَوَقْتِ السَّحَرِ، فَالِاسْتِحْبَابُ فِي ذَلِكَ مُتَأَكِّدٌ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهُ لَزِمَ تَلْبِيَتَهُ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ» : وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بَلْ تَقْتَصِرُ عَلَى إسْمَاعِ نَفْسِهَا فَإِنْ رَفَعَتْهُ كُرِهَ.
وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (وَلَا تُسْتَحَبُّ) التَّلْبِيَةُ (فِي طَوَافِ الْقُدُومِ) وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ لِأَنَّ فِيهِمَا أَذْكَارًا خَاصَّةً (وَفِي الْقَدِيمِ تُسْتَحَبُّ فِيهِ) وَفِي السَّعْيِ (بِلَا جَهْرٍ) وَلَا يُلَبِّي فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ جَزْمًا لِأَخْذِهِ فِي أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ.
وَتُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنًى وَمَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ بِعَرَفَةَ.
وَكَذَا سَائِرُ الْمَسَاجِدِ فِي الْجَدِيدِ وَيَرْفَعُ الصَّوْتَ فِيهَا (وَلَفْظُهَا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرَّيْك لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَيُسْتَحَبُّ تَكْرِيرُهَا ثَلَاثًا وَالْقَصْدُ بِلَبَّيْكَ وَهُوَ مَثْنًى مُضَافٌ الْإِجَابَةُ لِدَعْوَةِ الْحَجِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: 27] (وَإِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ قَالَ لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ) قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ وَرَأَى جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلًا وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيَاةَ الْمَطْلُوبَةَ الْهَنِيئَةَ الدَّائِمَةَ هِيَ حَيَاةُ الدَّارِ الْآخِرَةِ (وَإِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) .
[حاشية قليوبي]
خُصُوصًا) فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مَخْتُومٌ بِالتَّاءِ اُسْتُعْمِلَ اسْتِعْمَالَ الْمَصَادِرِ.
قَوْلُهُ: (وَهُبُوطٍ وَصُعُودٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا الْمَصْدَرُ وَبِفَتْحِهِمَا مَكَانُهُ وَكُلٌّ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: (وَفَرَاغُ صَلَاةٍ) وَلَا تَفُوتُ بِهَا الْأَذْكَارُ الْوَارِدَةُ عَقِبَ الصَّلَاةِ كَمَا فِي تَكْبِيرِ الْعِيدِ وَيُنْدَبُ لِلْمُلَبِّي وَضْعُ أُصْبُعِهِ فِي أُذُنِهِ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ رَفَعَتْهُ كُرِهَ) وَفَارَقَ حُرْمَةَ الرَّفْعِ فِي الْأَذَانِ مِنْهَا بِطَلَبِ الْإِصْغَاءِ إلَيْهِ وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فَرَّقَ بِهِ فِي الْمَنْهَجِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (طَوَافِ الْقُدُومِ) وَمِثْلُهُ الْمَنْذُورُ وَالْمَنْدُوبُ.
قَوْلُهُ: (وَمَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ) الْخَلِيلِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُثَنًّى مُضَافٌ) حُذِفَتْ نُونُهُ لِلْإِضَافَةِ مَنْصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ وَالْمُرَادُ مِنْهُ التَّكْثِيرُ وَهُوَ مِنْ لَبَّ لَبًّا، وَأَلَبَّ إلْبَابًا إذَا أَقَامَ بِالْمَكَانِ وَالْمَعْنَى أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِك إقَامَةً بَعْدَ إقَامَةٍ وَكَسْرُ هَمْزَةِ إنَّ اسْتِئْنَافًا أَفْصَحُ.
وَيَجُوزُ الْفَتْحُ تَعْلِيلًا أَيْ لِأَنَّ.
وَضَعَّفَهُ أَبُو الْبَقَاءِ بِوَجْهَيْنِ إيهَامُ تَخْصِيصِ التَّلْبِيَةِ بِاسْتِحْقَاقِ الْحَمْدِ وَإِيهَامُ قَصْرِ الْحَمْدِ عَلَى التَّلْبِيَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَتَأَمَّلْهُ.
وَيَجُوزُ نَصْبُ النِّعْمَةِ عَلَى الْعَطْفِ فَيَكُونُ لَك خَبَرَ إنْ وَرَفْعُهَا عَلَى الِابْتِدَاءِ فَيَكُونُ لَك خَبَرُهُ، وَيَكُونُ خَبَرُ إنَّ مَحْذُوفًا، وَيُنْدَبُ وَقْفَةٌ لَطِيفَةٌ عَلَى الْمُلْكِ دَفْعًا لِاتِّصَالِهِ بِالنَّفْيِ وَعَدَمُ نَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ فِيهَا.
فَلَوْ زَادَ لَمْ يُكْرَهْ نَحْوُ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْك وَالرَّغْبَاءُ وَالْعَمَلُ إلَيْك لِوُرُودِهِ.
وَيُكْرَهُ الْكَلَامُ فِي أَثْنَائِهَا وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ.
وَيُنْدَبُ لَهُ رَدُّهُ وَتَأْخِيرُهُ إلَى فَرَاغِهَا أَحَبُّ.
قَوْلُهُ: (مَا يُعْجِبُهُ) وَكَذَا مَا يَكْرَهُهُ فَقَدْ قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَشَدِّ أَحْوَالِهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ لَبَّيْكَ) أَيْ إنْ كَانَ مُحْرِمًا وَإِلَّا قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّ الْعَيْشَ إلَخْ.
وَهَلْ يُكْرَهُ لَهُ التَّلْبِيَةُ؟ رَاجِعْهُ وَلَا بَأْسَ بِالْجَوَابِ بِلَبَّيْكَ بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ وَقَدْ ضَمَّنَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ نَظْمًا بِقَوْلِهِ:
لَا تَرْغَبَنَّ إلَى الثِّيَابِ الْفَاخِرَهْ ... وَاذْكُرْ عِظَامَك حِينَ تُمْسِي نَاخِرَهْ
وَإِذَا رَأَيْت زَخَارِفَ الدُّنْيَا فَقُلْ ... لَا هَمَّ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَهْ
قَوْلُهُ: (وَإِذَا فَرَغَ) أَيْ بَعْدَ فَرَاغِ تَكْرِيرِهَا ثَلَاثًا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ مِنْ صَوْتِ
[حاشية عميرة]
يَرْتَفِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي طَوَافِ الْقُدُومِ) مِثْلُهُ غَيْرُهُ مِنْ الطَّوَافِ الْمَنْدُوبِ فِيمَا يَظْهَرُ، أَيْ فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ.
قَوْلُهُ: (وَيَرْفَعُ) اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مَا لَوْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى تَشْوِيشٍ عَلَى الْمُصَلِّينَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَفْظُهَا لَبَّيْكَ إلَخْ) أَصْلُهُ أُلَبِّي لَبَّيْنَ لَك، فَحُذِفَتْ النُّونُ مِنْ الْمُثَنَّى لِلْإِضَافَةِ وَالْفِعْلُ مُضْمَرٌ وُجُوبًا، وَالْمَعْنَى عَلَى كَثْرَةِ الْإِجَابَةِ لَا خُصُوصِ التَّثْنِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ تَكْرِيرُهَا ثَلَاثًا) وَأَنْ يَقِفَ وَقْفَةً لَطِيفَةً عَلَى قَوْلِهِ وَالْمُلْكَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُثَنًّى مُضَافٌ) سَقَطَتْ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ وُجُوبًا وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى التَّثْنِيَةِ فَقَطْ، بَلْ الْمُرَادُ كَثْرَةُ الْإِجَابَةِ وَأَصْلُ الْفِعْلِ مِنْهَا لَبَّبَ فَاسْتَثْقَلُوا ثَلَاثَ بَاءَاتٍ فَأَبْدَلُوا الثَّالِثَةَ يَاءً، كَمَا فِي تَطَبَّبْت فَقَلَبُوا الْبَاءَ يَاءً.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] أَيْ لَا أُذْكَرُ إلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي لِطَلَبِي ذَلِكَ (وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الْجَنَّةَ وَرِضْوَانَهُ وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْ النَّارِ) رَوَى الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سَأَلَ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنْ النَّارِ» . قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالْجُمْهُورُ ضَعَّفُوهُ.
(بَابُ دُخُولِهِ) أَيْ الْمُحْرِمِ (مَكَّةَ) زَادَهَا اللَّهُ شَرَفًا.
(الْأَفْضَلُ) لِلْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ (دُخُولُهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ مَشْهُورٌ (وَأَنْ يَغْتَسِلَ دَاخِلُهَا) الْجَائِي (مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ بِذِي طِوًى وَيَدْخُلُهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ) رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ نَافِعٍ
[حاشية قليوبي]
التَّلْبِيَةِ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزَانِ.
وَيُنْدَبُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَتَكْرِيرُهَا ثَلَاثًا وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ مِنْ دِينِيٍّ وَدُنْيَوِيٍّ.
وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لَك وَلِرَسُولِك، وَآمَنُوا بِك وَوَفَّوْا بِعَهْدِك وَوَثِقُوا بِوَعْدِك وَاتَّبَعُوا أَمْرَك: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ وَفْدِك الَّذِينَ رَضِيت وَارْتَضَيْت.
اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي أَدَاءَ مَا نَوَيْت وَتَقَبَّلْ مِنِّي يَا كَرِيمُ مَا أَدَّيْت.
وَالْمُرَادُ بِالرَّسُولِ الْمَذْكُورِ إبْرَاهِيمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. لِمَا وَرَدَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «لَمَّا فَرَغَ إبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ أَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ: يَا رَبُّ مَا يَبْلُغُ صَوْتِي قَالَ: أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ فَقَامَ إبْرَاهِيمُ عَلَى الْمَقَامِ وَنَادَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْعَتِيقِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «عِبَادَ اللَّهِ أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ فَسَمِعَهُ مَنْ كَانَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى مَنْ فِي الْأَصْلَابِ وَالْأَرْحَامِ» . قَوْلُهُ: (ضَعَّفُوهُ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ السُّؤَالُ.
وَلَيْسَ التَّضْعِيفُ رَاجِعًا لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِلَافًا لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ، فَرَاجِعْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ صِفَةِ النُّسُكِ أَيْ كَيْفِيَّةُ الْمَطْلُوبِ فِيهِ مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (مَكَّةَ) هِيَ بِالْمِيمِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ لُغَتَانِ اسْمٌ لِلْبَلَدِ.
وَقِيلَ بِالْمِيمِ اسْمٌ لِلْبَلَدِ وَبِالْبَاءِ لِلْبَيْتِ وَحْدَهُ أَوْ لِلْبَيْتِ وَالْمَطَافِ.
وَقِيلَ بِالْمِيمِ لِلْحَرَمِ وَبِالْبَاءِ لِلْمَسْجِدِ.
وَهِيَ مِنْ الْمَكِّ بِمَعْنَى الْمَصِّ يُقَلْ: امْتَكَّ الْبَعِيرُ مَا فِي ضَرْعِ أُمِّهِ إذَا امْتَصَّهُ لِقِلَّةِ مَائِهَا.
وَبِالْبَاءِ مِنْ الْبَكِّ أَيْ الْإِخْرَاجِ لِإِخْرَاجِهَا الْجَبَابِرَةَ أَوْ فِيهَا مِنْ الدَّفْعِ وَالزِّحَامِ وَهِيَ أَفْضَلُ بِلَادِ اللَّهِ إلَّا الْبُقْعَةَ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهِيَ أَفْضَلُ حَتَّى مِنْ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَذَا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ.
وَأَفْضَلُ بِقَاعِهَا الْكَعْبَةُ ثُمَّ الْمَسْجِدُ حَوْلَهَا ثُمَّ بَيْتُ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَتُنْدَبُ الْمُجَاوَرَةُ بِهَا إلَّا لِخَوْفِ انْحِطَاطِ رُتْبَةٍ أَوْ مَحْذُورٍ مِنْ نَحْوِ مَعْصِيَةٍ، وَأَوَّلُ مَنْ بَنَى الْبَيْتَ الْمَلَائِكَةُ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَطَافُوا بِهِ كَمَا مَرَّ، ثُمَّ آدَم ثُمَّ ابْنُهُ شِيثٌ ثُمَّ إبْرَاهِيمُ ثُمَّ الْعَمَالِقَةُ ثُمَّ جُرْهُمٌ، ثُمَّ قُصَيٌّ ثُمَّ قُرَيْشٌ ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ثُمَّ الْحَجَّاجُ لِجَانِبِ الْحِجْرِ بِكَسْرِ الْحَاءِ فَقَطْ، ثُمَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ.
وَسَيَأْتِي بِنَاءُ الْمَسْجِدِ فِي الطَّوَافِ.
وَكَذَا كِسْوَةُ الْبَيْتِ.
وَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ بِالْمُؤَلَّفِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (دَاخِلُهَا) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ يَغْتَسِلُ وَلَوْ حَلَالًا أَوْ أُنْثَى.
قَوْلُهُ: (مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ) وَكَذَا مِصْرُ وَالشَّامُ وَالْمَغْرِبُ.
قَوْلُهُ: (طِوًى) سَيَأْتِي ضَبْطُهَا.
قَوْلُهُ: (نَهَارًا) فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ اللَّيْلِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ أَفْضَلُ.
وَخُولِفَ بَيْنَ طَرِيقَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ كَالْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.
وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الدَّاخِلُ مُحْرِمًا وَغَيْرُهُ.
وَيُنْدَبُ كَوْنُ الدَّاخِلِ مَاشِيًا وَحَافِيًا إلَّا لِعُذْرٍ وَالْمَرْأَةُ فِي هَوْدَجِهَا وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى وَدَاعِيًا
[حاشية عميرة]
[بَابُ دُخُولِ الْمُحْرِمِ مَكَّةَ]
بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ إلَخْ
قَوْلُ الْمَتْنِ (دُخُولُهَا) الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ نَهَارًا وَمَاشِيًا وَحَافِيًا.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيُسْتَحَبُّ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي قَلْبِهِ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، وَيَتَذَكَّرَ جَلَالَةَ الْحَرَمِ وَمَزِيَّتَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ هَذَا حَرَمُك وَأَمْنُك فَحَرِّمْنِي عَلَى النَّارِ، وَآمِنِّي مِنْ عَذَابِك يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَوْلِيَائِك وَأَهْلِ طَاعَتِك.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَنْ يَغْتَسِلَ) قَدْ سَلَفَ سُنِّيَّةُ هَذَا الْغُسْلِ وَالْغَرَضُ هُنَا بَيَانُ مَوْضِعِهِ، وَطِوًى قَرْيَةٌ كَانَتْ بَيْنَ الثَّنِيَّتَيْنِ، وَهِيَ إلَى السُّفْلَى أَقْرَبُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى بِئْرٍ مَطْوِيَّةٍ بِالْحِجَارَةِ، أَيْ مَبْنِيَّةٍ والطيئ الْبِنَاءُ وَهُوَ مَقْصُورٌ وَيَجُوزُ تَنْوِينُهُ وَعَدَمُهُ بِاعْتِبَارِ إرَادَةِ الْمَكَانِ وَالْبُقْعَةِ، هَذَا إذَا جُعِلَ
قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنْ التَّلْبِيَةِ ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طِوًى ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ، وَيَغْتَسِلُ وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إلَّا بَاتَ بِذِي طِوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيُذْكَرُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ فَعَلَهُ.
وَرَوَيَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا وَيَخْرُجُ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى» . وَالْعُلْيَا تُسَمَّى ثَنِيَّةَ كَدَاءٍ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ وَالتَّنْوِينِ، وَالسُّفْلَى تُسَمَّى ثَنِيَّةَ كُدًى بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ وَالتَّنْوِينِ، وَهِيَ عِنْدَ جَبَلِ قُعَيْقِعَانَ وَالثَّنِيَّةُ الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ وَذُو طِوًى بَيْنَ الثَّنْيَتَيْنِ وَأَقْرَبُ إلَى السُّفْلَى.
وَهُوَ مُثَلَّثٌ الطَّاءِ أَمَّا الْجَائِي مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَلَا يُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ بِذِي طِوًى بَلْ بِنَحْوِ مَسَافَتِهِ مِنْ طَرِيقِهِ.
كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَلَا بِالدُّخُولِ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُسْتَحَبُّ لَهُ الدُّخُولُ مِنْهَا وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَمَّا قَالَهُ الشَّيْخُ مِنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ عَدَلَ النَّبِيُّ إلَيْهَا (وَيَقُولُ إذَا أَبْصَرَ الْبَيْتَ) أَيْ الْكَعْبَةَ بَعْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ: (اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مِنْ شَرَفِهِ وَعَظَمِهِ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوْ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: هَذَا مُنْقَطِعٌ وَلَفْظُهُمَا بَدَلُ وَعَظَمِهِ وَكَرَمِهِ (اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ) قَالَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، رَوَاهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَمَعْنَى السَّلَامِ الْأَوَّلُ ذُو السَّلَامَةِ مِنْ النَّقَائِصِ، وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ وَبِنَاءُ الْبَيْتِ رَفِيعٌ يُرَى قَبْلَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ إذَا دَخَلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ (ثُمَّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) سَوَاءٌ كَانَ فِي صَوْبِ طَرِيقِهِ أَمْ لَا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقِهِ.
قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ دُخُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَذَلِكَ
[حاشية قليوبي]
وَخَاشِعًا وَمُتَذَلِّلًا وَمُتَذَكِّرًا جَلَالَةَ الْحَرَمِ، وَمَزِيَّتَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَمُجْتَنِبًا لِلْمُزَاحَمَةِ وَالْإِيذَاءِ وَمُتَلَطِّفًا بِمَنْ يُزَاحِمُهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْعُلْيَا) هِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِبَابِ الْمُعَلَّاةِ وَخُصَّتْ بِالدُّخُولِ لِكَوْنِ الدَّاخِلِ يَطْلُبُ مَكَانًا رَفِيعًا وَمَرْتَبَةً عَالِيَةً.
وَلِأَنَّهَا مَحَلُّ دُعَاءِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: 37] وَلِأَنَّهَا مُوَاجِهَةٌ لَبَابِ الْكَعْبَةِ وَجِهَتُهُ أَفْضَلُ الْجِهَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَالسُّفْلَى تُسَمَّى ثَنِيَّةُ كَدَاءٍ إلَخْ) وَتُصْرَفُ وَلَا تُصْرَفُ عَلَى مَا يَأْتِي وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ الْآنَ بِبَابِ الشَّبِيكَةِ.
وَبِمَكَّةَ مَوْضِعٌ ثَالِثٌ يُقَالُ لَهُ: كَدِيٌّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى طَرِيقِ الْيَمَنِ.
قَوْلُهُ: (قُعَيْقِعَانَ) وَيُقَالُ لَهُ: قَيْنُقَاعُ.
قَوْلُهُ: (وَذُو طِوًى) اسْمُ وَادٍ وَطِوًى مُثَلَّثُ الطَّاءِ، وَالْفَتْحُ أَجْوَدُ وَبِالْقَصْرِ وَتُصْرَفُ وَلَا تُصْرَفُ عَلَى مَعْنَى الْمَكَانِ أَوْ الْبُقْعَةِ، وَهِيَ اسْمُ بِئْرٍ مَطْوِيَّةٍ بَيْنَ الْحَجُونَيْنِ أَيْ مَبْنِيَّةٌ بِالْحِجَارَةِ فَنُسِبَ الْوَادِي إلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (يُسْتَحَبُّ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (أَبْصَرَ الْبَيْتَ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فَدَخَلَ الْأَعْمَى وَمَنْ فِي ظُلْمَةٍ وَالْحَلَالُ وَالْمُحَرَّمُ وَذَلِكَ هُوَ بَابُ الْمَسْجِدِ الْآنَ.
وَأَمَّا أَوَّلُ الرَّدْمِ الَّذِي كَانَ يُرَى مِنْهُ الْبَيْتُ قَبْلَ وُجُودِ الْأَبْنِيَةِ الْحَائِلَةِ فَيُطْلَبُ فِيهِ الدُّعَاءُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَانَ مَحَلُّ الرُّؤْيَةِ وَدُعَاءُ الْأَخْيَارِ فِيهِ وَالتَّشْرِيفُ الْعُلُوُّ وَالتَّعْظِيمُ التَّبْجِيلُ، وَالتَّكْرِيمُ التَّفْضِيلُ وَالْمَهَابَةُ التَّوْقِيرُ وَالْبِرُّ الْإِحْسَانُ الْوَاسِعُ، وَقُدِّمَ التَّعْظِيمُ عَلَى التَّكْرِيمِ فِي الدُّعَاءِ لِلْبَيْتِ.
وَعَكْسُهُ فِي الدُّعَاءِ لِزَائِرِهِ لِأَنَّ فَضْلَ الْبَيْتِ مَعْلُومٌ فَلْيُرَاجَعْ ابْنُ حَجَرٍ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَبِنَاءُ الْبَيْتِ إلَخْ) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَمَنْ بَنَاهُ.
قَوْلُهُ: (يُرَى قَبْلَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ) أَيْ فِيمَا كَانَ
[حاشية عميرة]
طِوًى عَلَمًا أَمَّا إذَا جُعِلَ صِفَةً وَجُعِلَ مَعَ الْمُضَافِ وَهُوَ ذُو اسْمًا كَانَ بِالصَّرْفِ لَا غَيْرُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْكَعْبَةَ) بَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، وَحَجُّوا لَهَا.
ثُمَّ بَنَاهُ إبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. ثُمَّ بَنَتْهُ قُرَيْشٌ ثُمَّ بَنَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى الْقَوَاعِدِ، ثُمَّ بَنَاهُ الْحَجَّاجُ بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاَلَّذِي بَنَاهُ مِنْهُ حَائِطُ الْحِجْرِ وَهَدَمَ مِنْ بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ وَشِبْرًا، وَأَبْقَاهُ عَلَى الِارْتِفَاعِ الَّذِي صَنَعَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَكَانَ فِي بِنَاءِ قُرَيْشٍ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَهِيَ عِنْدَنَا أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَجَعَلَ ابْنُ حَزْمٍ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ ثَابِتًا لِلْحَرَمِ وَعَرَفَاتٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْحِلِّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَزَمْزَمَ قُبُورُ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ نَبِيًّا، مِنْهُمْ هُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَإِسْمَاعِيلُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. قَوْلُهُ: (بَعْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ) أَيْ وَهُوَ وَاقِفٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (تَشْرِيفًا) أَيْ رِفْعَةً وَعُلُوًّا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتَكْرِيمًا) أَيْ تَفْضِيلًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مَهَابَةً) أَيْ إجْلَالًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَبِرًّا) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ هُوَ الِاتِّسَاعُ بِالسَّلَامِ، فَقَدْ سَلِمَ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِسَلَامٍ أَيْ سَلِّمْنَا بِتَحِيَّتِك إيَّانَا مِنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَبِنَاءُ الْبَيْتِ إلَخْ) تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِ الْمَتْنِ يَدْخُلُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ) فِيهِ أَنَّ الَّذِي كَانَ عَلَى طَرِيقِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَابُ إبْرَاهِيمَ اهـ. قِيلَ الْمَعْنَى فِيهِ مُوَاجَهَةُ الْجِهَةِ
فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَلَمْ يُصَرِّحَا بِالْحَجِّ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ وَلَا بِغَيْرِهِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ (وَيَبْدَأَ بِطَوَافِ الْقُدُومِ) رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ» . وَأَوْرَدَهُ الرَّافِعِيُّ حَجَّ فَأَوَّلُ شَيْءٍ إلَخْ وَلَوْ دَخَلَ وَالنَّاسُ فِي مَكْتُوبَةٍ صَلَّاهَا مَعَهُمْ أَوَّلًا.
وَلَوْ أُقِيمَتْ الْجَمَاعَةُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ قَدَّمَ الصَّلَاةَ.
وَكَذَا لَوْ خَافَ فَوْتَ فَرِيضَةٍ أَوْ سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ وَلَوْ قَدِمَتْ الْمَرْأَةُ نَهَارًا وَهِيَ جَمِيلَةٌ أَوْ شَرِيفَةٌ لَا تَبْرُزُ لِلرِّجَالِ أَخَّرَتْ الطَّوَافَ إلَى اللَّيْلِ وَهُوَ تَحِيَّةُ الْبُقْعَةِ أَيْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَالَ وَفِي فَوَاتِهِ بِالتَّأْخِيرِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَيُؤَخَّرُ عَنْهُ اكْتِرَاءُ مَنْزِلِهِ وَتَغْيِيرُ ثِيَابِهِ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ تُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ الْمُحَرَّرِ.
وَأَنْ يَقْصِدَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ كُلَّمَا فَرَغَ مِنْ الدُّعَاءِ.
(وَيَخْتَصُّ طَوَافُ الْقُدُومِ) فِي الْمُحْرِمِ (بِحَاجٍّ دَخَلَ مَكَّةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ) فَلَا يُطْلَبُ مِنْ الدَّاخِلِ بَعْدَهُ وَلَا مِنْ الْمُعْتَمِرِ لِدُخُولِ وَقْتِ طَوَافِ الْفَرْضِ عَلَيْهِمَا أَمَّا الْحَلَالُ فَيُسْتَحَبُّ طَوَافُ الْقُدُومِ لَهُ أَيْضًا (وَمَنْ قَصْد مَكَّةَ لَا لِنُسُكٍ) كَأَنْ دَخَلَهَا لِتِجَارَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ (اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ لِدَاخِلِهِ (وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ) لِإِطْبَاقِ النَّاسِ عَلَيْهِ وَالسُّنَنُ يَنْدُرُ فِيهَا الِاتِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ (إلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ دُخُولُهُ كَحَطَّابٍ وَصَيَّادٍ) فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ جَزْمًا لِلْمَشَقَّةِ بِالتَّكَرُّرِ لِلْوُجُوبِ فِي غَيْرِهِ شُرُوطٌ أَنْ يَجِيءَ مِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ فَأَهْلُهُ لَا إحْرَامَ عَلَيْهِمْ قَطْعًا، وَأَنْ لَا يَدْخُلَهَا لِقِتَالٍ وَلَا خَائِفًا فَإِنْ دَخَلَهَا لِقِتَالِ بَاغٍ أَوْ قَاطِعِ
[حاشية قليوبي]
كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَدْخُلُ) وَلَوْ حَلَالًا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِبَابِ السَّلَامِ وَهُوَ ثَلَاثُ طَاقَاتٍ فِي قُبَالَةِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَبَابِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ أَشْرَفُ جِهَاتِ الْبَيْتِ كَمَا مَرَّ.
وَأَنْ يَخْرُجَ إلَى بَلَدِهِ مِنْ بَابِ بَنِي سَهْمٍ الْمَعْرُوفِ الْآنَ بِبَابِ الْعُمْرَةِ وَهُوَ طَاقَةٌ وَاحِدَةٌ.
قَوْلُهُ: (بِطَوَافِ الْقُدُومِ) وَيُسَمَّى طَوَافَ الْقَادِمِ وَطَوَافَ الصَّدْرِ وَطَوَافَ الصَّادِرِ وَطَوَافَ الْوُرُودِ وَطَوَافَ الْوَارِدِ وَطَوَافَ التَّحِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَخَّرَتْ الطَّوَافَ) مَا لَمْ تَخَفْ نَحْوَ طُرُوُّ حَيْضٍ.
وَيُقَدِّمُ عَلَى الطَّوَافِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا صَلَاةً أُقِيمَتْ أَوْ خِيفَ فَوْتُهَا وَلَوْ نَفْلًا وَلَوْ تَذَكَّرَ فِيهِ فَائِتَةً قَطَعَهُ وَفَعَلَهَا وَإِنْ فَاتَتْ بِعُذْرٍ، بَلْ يَجِبُ إنْ فَاتَتْ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ وَأَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الرَّكْعَتَانِ بَعْدَهُ، أَيْ أَنَّهَا تَنْدَرِجُ فِيهَا أَوْ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ صَلَاةٍ يَفْعَلُهَا وَلَا تَفُوتُ إحْدَى التَّحِيَّتَيْنِ بِالْأُخْرَى.
قَوْلُهُ: (وَجْهَانِ) أَصَحُّهُمَا لَا تَفُوتُ إلَّا بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بِشَرْطِ الْآتِي وَإِذَا فَاتَ فَلَا يَقْضِي.
قَوْلُهُ: (لِدُخُولِ وَقْتِ إلَخْ) يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مَكَّةَ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَقَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَنَّهُ يَطُوفُ لِلْقُدُومِ.
وَبِهِ قَالَ شَيْخُنَا.
وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إنَّ هَذَا الطَّوَافَ لِهَذَا الْقُدُومِ لَا لِلْأَوَّلِ رَدَّ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ بِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَفُتْ، فَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُ لِلثَّانِي دُونَهُ انْتَهَى.
وَالْوَجْهُ كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ إنْ كَانَ طَافَ لِلْقُدُومِ الْأَوَّلِ، بَلْ لَا يَبْعُدُ كَوْنُ هَذَا الطَّوَافِ وَاقِعًا عَنْهُمَا مَعًا فَرَاجِعْهُ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيَخْتَصُّ إلَخْ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَيْسَ مَطْلُوبًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ أَيْضًا لَكِنَّهُ يَدْخُلُ فِي طَوَافِ الْفَرْضِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
وَبِهِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَفِي عِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ لِلْجَلَالِ قَرِيبًا عِنْدَ ذِكْرِ الرَّمَلِ فِي الْمُعْتَمِرِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ الْمُنْصَرِفُ إلَيْهِ الِاسْمُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي طَلَبَهُ وَتَسْمِيَتَهُ بِذَلِكَ فِي مُطْلَقِ الْقُدُومِ، وَعَلَى هَذَا فَالْفَرْقُ بِأَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ مُمْكِنَةٌ اسْتِقْلَالًا لَيْسَ فِيهِ مُنَافَاةٌ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (اُسْتُحِبَّ لَهُ) أَيْ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا كَآبِقٍ.
قَوْلُهُ: (بِحَجٍّ) أَيْ إنْ كَانَ فِي أَشْهُرِهِ أَوْ بِعُمْرَةٍ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَجِبُ) أَيْ فَالِاسْتِثْنَاءُ
[حاشية عميرة]
الَّتِي فِيهَا بَابُ الْكَعْبَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: 189] قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ، وَهِيَ أَشْرَفُ جِهَاتِ الْبَيْتِ زَادَهُ اللَّهُ شَرَفًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَبْدَأُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ) هُوَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ تُطْلَبُ أَيْضًا هُنَا وَتَحْصُلُ بِرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ.
كَذَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ هُنَا نَقْلًا عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَسَيَأْتِي عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَا يُخَالِفُهُ، وَفِي السُّبْكِيّ إنْ دَخَلَ، وَمُنِعَ مِنْ الطَّوَافِ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ تُسْتَفَادُ إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ ثُمَّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إلَخْ فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُطْلَبُ مِنْ الدَّاخِلِ إلَخْ) لَوْ وَقَفَ ثُمَّ دَخَلَ قَبْلَ وَقْتِ طَوَافِ الرُّكْنِ وَطَافَ وَقَعَ عَنْ الْقُدُومِ فِيهَا يَظْهَرُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ دَخَلَهَا لِقِتَالٍ إلَخْ) اسْتَدَلَّ الرَّافِعِيُّ لِذَلِكَ بِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ غَيْرَ مُحْرِمٍ» ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَدُفِعَ بِأَنَّ أَصْحَابَهُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ دَخَلُوا بِغَيْرِ إحْرَامٍ، فَإِنْ قُلْت قَدْ فُتِحَتْ صُلْحًا مَعَ أَبِي سُفْيَانَ فَكَيْفَ يُقَالُ دَخَلَهَا لِقِتَالٍ قُلْنَا كَانَ غَيْرَ وَاثِقٍ بِصُلْحِهِ.
طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا أَوْ خَائِفًا مِنْ ظَالِمٍ أَوْ غَرِيمٍ يَحْبِسُهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ لَا يُمْكِنُهُ الظُّهُورُ لِأَدَاءِ النُّسُكِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِحْرَامُ قَطْعًا.
وَأَنْ يَكُونَ حُرًّا فَالْعَبْدُ لَا إحْرَامَ عَلَيْهِ قَطْعًا.
وَقِيلَ: إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الدُّخُولِ مُحْرِمًا فَهُوَ كَحُرٍّ وَعَلَى الْوُجُوبِ لَوْ دَخَلَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَقِيلَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِأَنْ يَخْرُجَ ثُمَّ يَعُودَ مُحْرِمًا وَالْأَصَحُّ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ تَحِيَّةُ الْبُقْعَةِ فَلَا يَقْضِي كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
قَالَ ابْنُ كَجٍّ: وَلَا يُجْبَرُ بِالدَّمِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَالْحَرَمُ كَمَكَّةَ فِيمَا ذُكِرَ.
فَصْلٌ لِلطَّوَافِ بِأَنْوَاعِهِ كَطَوَافِ الْقُدُومِ وَطَوَافِ الْفَرْضِ وَطَوَافِ الْوَدَاعِ (وَاجِبَاتٌ) لَا يَصِحُّ إلَّا بِهَا (وَسُنَنٌ) يَصِحُّ بِدُونِهَا (أَمَّا الْوَاجِبَاتُ فَيُشْتَرَطُ) لَهُ (سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ) كَمَا فِي الصَّلَاةِ.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الطَّوَافُ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ فِيهِ الْمَنْطِقَ فَمَنْ نَطَقَ فَلَا يَنْطِقْ إلَّا بِخَيْرٍ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ فَلَوْ طَافَ عَارِيًّا أَوْ مُحْدِثًا أَوْ عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ يَطَأُ فِي طَوَافِهِ النَّجَاسَةَ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَلَبَتُهَا فِيهِ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى.
وَقَدْ اخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُحَقِّقِينَ الْعَفْوَ عَنْهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ يُعْفَى عَمَّا
[حاشية قليوبي]
مِنْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ عَلَى إطْلَاقِهِ لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِيهِ لِجَوَازِ تَرْكِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَرَمُ كَمَكَّةَ فِيمَا ذُكِرَ) أَيْ فِي أَنَّ مَنْ قَصَدَهُ يُحْرِمُ بِحَجٍّ إلَخْ.
فَصْلٌ فِيمَا يُطْلَبُ فِي الطَّوَافِ وَهُوَ أَفْضَلُ أَرْكَانِ الْحَجِّ حَتَّى مِنْ الْوُقُوفِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَطَوَافِ إلَخْ) أَشَارَ بِالْكَافِ إلَى أَنَّهُ بَقِيَ مِنْ أَنْوَاعِهِ أَفْرَادٌ وَهِيَ طَوَافُ التَّحَلُّلِ وَطَوَافُ النَّذْرِ، وَطَوَافُ النَّفْلِ وَلَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بِطَوْفَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْوَاجِبُ) أَيْ الْمَشْرُوطَةُ لِصِحَّتِهِ فَهُوَ ثَمَانِيَةٌ السَّتْرُ وَالطُّهْرُ وَجَعْلُ الْبَيْتِ عَنْ الْيَسَارِ وَالْبُدَاءَةُ بِالْحَجَرِ وَكَوْنُهُ سَبْعًا وَكَوْنُهُ فِي الْمَسْجِدِ وَعَدَمُ صَرْفِهِ وَنِيَّتُهُ إنْ اسْتَقَلَّ، وَهَذَانِ ذَكَرَهُمَا الشَّارِحُ فِي التَّتِمَّةِ آخِرَ الْفَصْلِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الصَّلَاةِ) رَاجِعٌ لِلسَّتْرِ وَالطَّهَارَةِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ صِحَّةُ طَوَافِ الْمُحْدِثِ، وَيَجِبُ مَعَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ بَدَنَةٌ وَمَعَ الْحَدَثِ شَاةٌ.
قَوْلُهُ: (عَارِيًّا) أَيْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى السُّتْرَةِ وَإِلَّا فَلَا إعَادَةَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُحْدِثًا) أَيْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ.
وَكَذَا فِي الْمُتَنَجِّسِ بِغَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ.
وَشَمِلَتْ طَهَارَةُ الْحَدَثِ مَا لَوْ كَانَتْ بِالتَّيَمُّمِ حَيْثُ تَسْقُطُ بِهِ الصَّلَاةُ.
وَهُوَ كَذَلِكَ وَيَجِبُ الصَّبْرُ عَلَى مَنْ رَجَا الْمَاءَ حَيْثُ أَمْكَنَ قَبْلَ رَحِيلِهِ.
أَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الطَّهَارَةِ وَالْمُتَنَجِّسُ فَلَيْسَ لَهُ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّوَافِ.
وَيَسْقُطُ عَنْهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ بِلَا دَمٍ وَيَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ طَوَافِ الرُّكْنِ مَتَى أَمْكَنَ وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ.
وَمِثْلُهُ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَفَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ، وَمِنْهُ فَاقِدُ الْمَاءِ وَعَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَيَمُّمِهِ مَعَهَا وَسَوَاءٌ تَحَلَّلُوا بَعْدَ مُفَارَقَةِ مَكَّةَ أَوْ لَا وَفِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا أَنَّهُ اعْتَمَدَ أَنَّ الْحَائِضَ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَحَلَّلَ بِذَبْحٍ وَحَلْقٍ وَنِيَّةٍ.
وَمَعَ ذَلِكَ لَا إلَى نِيَّةٍ لِطَوَافِهَا إذَا قَدَرَتْ عَلَيْهِ وَأَعَادَتْهُ.
وَأَمَّا الْمُتَيَمِّمُ الَّذِي تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لِجَبِيرَةٍ مَثَلًا أَوْ لِنُدُورِ فَقْدِ الْمَاءِ فَلَيْسَ لَهُ فِعْلُ طَوَافِ النَّفْلِ، وَلَهُ فِعْلُ الْفَرْضِ وَيَحْصُلُ بِهِ تَحَلُّلُهُ وَيَلْزَمُهُ إعَادَةُ طَوَافِ الرُّكْنِ مَتَى أَمْكَنَ، وَلَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ أَيْضًا لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بَاقٍ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ بِالنِّسْبَةِ لَهُ هَذَا مَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَاعْتَمَدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي إلَى آخِرِهِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ بِشَرْطِهِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ أَنْ لَا
[حاشية عميرة]
[فَصْلٌ لِلطَّوَافِ بِأَنْوَاعِهِ]
ِ إلَخْ قَوْلُهُ: (كَطَوَافِ الْقُدُومِ إلَخْ) بَقِيَ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّوَافِ النَّفَلُ، وَقَدْ يُقَالُ قُيِّدَ بِذَلِكَ لَمَّا قَالَ فِي الْخَادِمِ بَحْثًا، وَنَسَبُهُ لِظَاهِرِ النَّصِّ أَنَّ التَّطَوُّعَ بِطَوْفَةٍ وَاحِدَةٍ يَجُوزُ فِي النَّفْلِ كَالصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الصَّلَاةِ) فِي الْخَادِمِ هُنَا يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ هُنَا الِانْتِقَابُ فِي الصَّلَاةِ.
فَائِدَةٌ: الطَّهَارَةُ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَيْسَ شَرْطًا وَإِذَا تَرَكَهَا مَعَ الْجَنَابَةِ أَوْ الْحَيْضِ، وَجَبَتْ بَدَنَةٌ وَمَعَ الْحَدَثِ شَاةٌ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ فِيهِ إلَخْ) وَجْهُ الدَّلَالَةِ الِاقْتِصَارُ عَلَى اسْتِثْنَاءِ حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا بِنِدَاءِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «وَلَا يَطُفْ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ عُرَاةً، وَيَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ لِيَكُونُوا كَمَا خُلِقُوا، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَشُدُّ عَلَى
يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ (فَلَوْ أَحْدَثَ فِيهِ تَوَضَّأَ وَبَنَى وَفِي قَوْلٍ اسْتَأْنَفَ) كَمَا فِي الصَّلَاةِ.
وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الطَّوَافَ يُحْتَمَلُ فِيهِ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الصَّلَاةِ كَالْفِعْلِ الْكَثِيرِ وَالْكَلَامِ.
وَلَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَإِنْ قُلْنَا فِي التَّعَمُّدِ يَبْنِي فَهُنَا أَوْلَى وَإِلَّا فَقَوْلَانِ أَرْجَحُهُمَا الْبِنَاءُ.
وَسَوَاءٌ عَلَى الْبِنَاءِ طَالَ الْفَصْلُ أَمْ لَا بِنَاءً عَلَى مَا سَيَأْتِي أَنَّ مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ مُوَالَاتُهُ.
وَفِي قَوْلٍ إنَّهَا وَاجِبَةٌ فَيَسْتَأْنِفُ فِي الطُّولِ بِلَا عُذْرٍ عَلَى هَذَا، وَحَيْثُ لَا نُوجِبُ الِاسْتِئْنَافَ نَسْتَحِبُّهُ (وَأَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ) وَيَمُرَّ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ (مُبْتَدِئًا) فِي ذَلِكَ (بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مُحَاذِيًا) بِالْمُعْجَمَةِ (لَهُ فِي مُرُورِهِ) عَلَيْهِ ابْتِدَاءً (بِجَمِيعِ بَدَنِهِ) بِأَنْ لَا يُقَدِّمَ جُزْءًا مِنْ بَدَنِهِ عَلَى جُزْءٍ مِنْ الْحَجَرِ.
وَفِي الْمُهَذَّبِ وَشَرْحِهِ يُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَالُهُ.
وَيَجُوزُ جَعْلُهُ عَنْ يَسَارِهِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: أَنَّ الْمُرَادَ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ جَمِيعُ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ (فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِ الْحَجَرِ لَمْ يُحْسَبْ فَإِذَا انْتَهَى إلَيْهِ ابْتَدَأَ مِنْهُ) وَلَوْ حَاذَاهُ بِبَعْضِ بَدَنِهِ وَبَعْضُهُ مُجَاوِزٌ إلَى جَانِبِ الْبَابِ فَالْجَدِيدُ لَا يُعْتَدُّ بِهَذِهِ الطَّوْفَةِ.
وَلَوْ حَاذَى بِجَمِيعِ الْبَدَنِ بَعْضَ الْحَجَرِ دُونَ بَعْضٍ أَجْزَأَهُ.
ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ كَذَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي الثَّانِيَةِ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْعِدَّةِ وَغَيْرُهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَيْنِ انْتَهَى.
وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُحَاذَاةِ الْحَجَرِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ اسْتِقْبَالُهُ وَأَنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي الْأُولَى لِعَدَمِ الْمُرُورِ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ عَلَى الْحَجَرِ فَلَا بُدَّ فِي اسْتِقْبَالِهِ الْمُعْتَدِّ بِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنْ لَا يُقَدِّمَ جُزْءًا مِنْ بَدَنِهِ عَلَى جُزْءٍ مِنْ الْحَجَرِ، الْمَذْكُورُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا: وَإِنْ عَبَّرَ فِيهِ يَنْبَغِي، وَلَوْ اسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ أَوْ اسْتَدْبَرَهُ وَجَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ
[حاشية قليوبي]
يَتَعَمَّدَ الْمَشْيَ عَلَيْهِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ رُطُوبَةٌ وَأَنْ لَا يَجِدَ مَكَانًا خَالِيًا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَحْدَثَ) أَيْ أَوْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ أَوْ تَنَجَّسَ.
قَوْلُهُ: (وَبَنَى) إلَّا الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونَ فَيَسْتَأْنِفَانِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَيَمُرُّ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) وَلَوْ مُنَكَّسًا أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ وَجْهِهِ أَوْ مَحْمُولًا عَلَى دَابَّةٍ مَثَلًا.
نَعَمْ الْمُعْتَبَرُ فِي الصَّبِيِّ الْمَحْمُولِ الْوَلِيُّ دُونَهُ كَمَا مَرَّ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا.
قَوْلُهُ: (بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) وَمَحَلُّهُ مِثْلُهُ فِي جَمِيعِ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ إلَخْ) أَشَارَ بِأَنْ إلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْمُحَاذَاةِ وَإِنْ كَانَ بَدَنُهُ أَصْغَرَ مِنْ قَدْرِ الْحَجَرِ أَوْ أَكْبَرَ.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَالُهُ) أَيْ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الطَّوَافِ.
قَوْلُهُ: (وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ إلَخْ) لَيْسَ هَذَا الظَّاهِرُ بِظَاهِرٍ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهَا بِالشِّقِّ الْأَيْسَرِ كَمَا مَرَّ عَنْ الْغَزَالِيِّ إذْ مَعَ طَلَبِ الِاسْتِقْبَالِ لَا بُدَّ مِنْ انْحِرَافِهِ إلَيْهِ بِشِقِّهِ الْأَيْسَرِ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ جُزْءٌ مِنْ بَدَنِهِ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
فَقَوْلُهُ فِي الْمَنْهَجِ فَإِذَا جَاوَزَهُ انْفَتَلَ الْمُرَادُ إذَا قَرُبَ مِنْ مُجَاوَزَتِهِ، وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ وَهَذَا مُسْتَثْنًى إلَخْ.
وَإِنْ كَانَ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا كَابْنِ حَجَرٍ مَا يُوَافِقُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ مِنْ الطَّوَافِ إذْ أَوَّلُهُ مِنْ انْفِتَالِهِ.
وَلَا يَصِحُّ مَا قَالَهُ مِنْ كَوْنِ الْحَجَرِ عَنْ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ وَحَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْجِدَارُ الْبَارِزُ إلَخْ) وَارْتِفَاعُهُ مُطْلَقًا رُبْعُ وَثُمْنُ ذِرَاعٍ وَعَرْضُهُ فِي جِهَةِ الْبَابِ نِصْفُ وَرُبْعُ ذِرَاعٍ وَفِي غَيْرِهَا نِصْفُ ذِرَاعٍ، وَكَلَامُهُمْ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْبَيْتِ شاذروان قَدِيمٌ غَيْرُ الَّذِي فِي جِهَةِ الْبَابِ، فَالْمَوْجُودُ فِي
[حاشية عميرة]
فَرْجِهَا سُيُورًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَلَوْ أَحْدَثَ إلَخْ) نَقَلَ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ النَّصِّ أَنَّهُ لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ وَالْوُضُوءُ وَعَلَّلَهُ بِزَوَالِ التَّكْلِيفِ بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ بِغَيْرِهِ.
فَرْعٌ: حُكْمُ الْخَارِجِ لِحَاجَةٍ حُكْمُ الْخَارِجِ لِلْحَدَثِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَيَمُرُّ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) مِنْ جُمْلَةِ مَا خَرَجَ بِهَذَا أَنْ يُدَارَ بِالْمَرِيضِ، وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ وَشِقُّهُ الْأَيْسَرُ لِجِهَةِ الْبَيْتِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مُبْتَدِئًا إلَخْ) هُوَ حَالٌ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى يَجْعَلُ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ فِي حَالِ ابْتِدَائِهِ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ وُجُوبَ الِابْتِدَاءِ، بَلْ وَلَا وُجُوبَ الْجَعْلِ فِي حَالَةِ عَدَمِ الِابْتِدَاءِ، كَذَا أَوْرَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ ثُمَّ قَالَ وَمِثْلُهُ يَجْرِي فِي مُحَاذِيًا.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَا يُقَدِّمَ جُزْءًا إلَخْ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْجُزْءُ جَاوَزَ الْحَجَرَ إلَى جِهَةِ الْبَابِ، فَهَذَا هُوَ الْمُضِرُّ لَا تَقَدُّمُ جَمِيعِ الْبَدَنِ عَنْ أَوَّلِ الْحَجَرِ، الَّذِي فِي جِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْبَعْضِ الْآتِيَةِ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِذَا انْتَهَى إلَيْهِ ابْتَدَأَ مِنْهُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ، لَكِنْ قَدْ ذُكِرَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ النِّصْفَ الثَّانِيَ عَمْدًا ثُمَّ قَرَأَ الْأَوَّلَ لَا يَبْنِي عَلَيْهِ، بَلْ يَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ وَكَانَ قِيَاسُهُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ إذَا ابْتَدَأَ مِنْ الْبَابِ وَدَارَ حَتَّى انْتَهَى إلَيْهِ، لَا يُحْسَبُ لَهُ مُرُورُهُ مِنْ الْحَجَرِ إلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ إلَى الْحَجَرِ ثَانِيًا، وَإِذَا لَمْ تُحْسَبْ تِلْكَ الْمَسَافَةُ فَلَا يُحْسَبُ مَا بَعْدَهَا، وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى طَوْفَةٍ قَدْ عَادَ فِيهَا مِنْ الْبَابِ إلَى الْحَجَرِ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ ثُمَّ قَالَ وَالْفَرْقُ مُشْكِلٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ابْتَدَأَ مِنْهُ) أَيْ مَعَ النِّيَّةِ حَيْثُ اُعْتُبِرَتْ.
قَوْلُهُ: (وَظَاهِرٌ إلَخْ) فِيهِ رَدٌّ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: قَدْ تَكَلَّفُوا لِتَصْوِيرِهَا وَلَا وَقْفَةَ
وَمَشَى نَحْوَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي أَوْ نَحْوَ الْبَابِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ مَشَى قَهْقَرَى نَحْوَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ (وَلَوْ مَشَى عَلَى الشَّاذَرْوَانِ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْجِدَارُ الْبَارِزُ عَنْ عُلُوِّهِ بَيْنَ رُكْنِ الْبَابِ وَالرُّكْنِ الشَّامِيِّ (أَوْ مَسَّ الْجِدَارَ) الْكَائِنَ (فِي مُوَازَاتِهِ) أَيْ الشَّاذَرْوَانِ (أَوْ دَخَلَ مِنْ إحْدَى فَتْحَتَيْ الْحِجْرِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ (وَخَرَجَ مِنْ الْأُخْرَى) وَهُوَ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ عَلَيْهِ جِدَارٌ قَصِيرٌ (لَمْ تَصِحَّ طَوْفَتُهُ) فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ لِأَنَّهُ فِيهَا طَائِفٌ فِي الْبَيْتِ لَا بِهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] وَالْحَجَرُ قِيلَ جَمِيعُهُ مِنْ الْبَيْتِ وَالصَّحِيحُ قَدْرُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ فَقَطْ (وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَسِّ وَجْهٌ) أَنَّهُ تَصِحُّ طَوْفَتُهُ فِيهَا لِأَنَّ مُعْظَمَ بَدَنِهِ خَارِجٌ فَيَصْدُقُ أَنَّهُ طَائِفٌ بِالْبَيْتِ (وَأَنْ يَطُوفَ سَبْعًا دَاخِلَ الْمَسْجِدِ) وَلَوْ فِي أُخْرَيَاتِهِ وَلَا بَأْسَ بِالْحَائِلِ فِيهِ كَالسِّقَايَةِ وَالسَّوَارِي وَالْأَصْلُ فِيمَا ذِكْرُ الِاتِّبَاعِ.
مِنْهُ مَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا» ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ إلَّا الْمَشْيَ عَلَى يَمِينِهِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ " عَنْ جَابِرٍ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُومِئُ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ: لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» .
[حاشية قليوبي]
غَيْرِهَا حَادِثٌ فَلَا يَضُرُّ الْمَشْيُ فَوْقَهُ وَلَا مَسُّ الْجِدَارِ فَوْقَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ الطَّائِفِ فِي هَوَاءِ الْبَيْتِ.
وَمَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ عَنْ النَّوَوِيِّ لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَسَّ الْجِدَارَ) أَيْ يُجْزِئُ مِنْ بَدَنِهِ وَلَا يَضُرُّ مَسُّهُ بِمَلْبُوسِهِ أَوْ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ كَمَا لَا يَضُرُّ مَسُّ جِدَارِ الشاذروان مِنْ أَسْفَلِهِ بِبَدَنِهِ وَلَا مَسُّ جِدَارِ الْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِهَةِ الشاذروان كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الْحَجَرُ وَفَتْحَتَاهُ مُلَاصِقَتَانِ لِجِدَارِ الْبَيْتِ فَهُمَا مِنْهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَصِحُّ اسْتِقْبَالُ الْمُصَلِّي لَهُمَا قَالُوا لِعَدَمِ الْيَقِينِ فِي كَوْنِهِمَا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْهِ جِدَارٌ قَصِيرٌ) وَحُكْمُ هَذَا الْجِدَارِ حُكْمُ جِدَارِ الْبَيْتِ فَيَضُرُّ جَعْلُ جُزْءٍ مِنْ بَدَنِهِ فَوْقَهُ أَوْ فِي رَفْرَفِهِ، وَلَوْ فِيمَا زَادَ عَلَى السِّتَّةِ أَذْرُعٍ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَالْحِجْرُ) أَيْ بِكَسْرِ الْحَاءِ كَمَا مَرَّ، وَيُسَمَّى الْحَطِيمَ لِمَا قِيلَ إنَّهُ حُطِّمَ أَيْ مَاتَ فِيهِ أُلُوفٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَفِيهِ قَبْرُ إسْمَاعِيلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقِيلَ وَأُمِّهِ هَاجَرَ وَكَانَ مَحَلُّ مَأْوَى غَنَمِهِ لَيْلًا.
وَيُسَمَّى مَا بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْمَقَامِ حَطِيمًا أَيْضًا كَمَا فِي اللِّعَانِ.
قَوْلُهُ: (سِتَّةِ أَذْرُعٍ) فَقَطْ أَيْ تَقْرِيبًا لِمَا قِيلَ إنَّهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَنَحْوُ شِبْرٍ وَذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا بَيْنَ صَدْرِهِ وَجِدَارِ الْبَيْتِ، وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا تَقْرِيبًا وَعَرْضُ جِدَارِهِ ذِرَاعَانِ وَثُلُثُ ذِرَاعٍ، وَارْتِفَاعُهُ فَوْقَ ذِرَاعَيْنِ وَسَعَةُ كُلِّ فَتْحَةٍ مِنْهُ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ.
قَوْلُهُ: (دَاخِلَ الْمَسْجِدِ) أَيْ وَإِنْ وَسِعَ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْحِلَّ، وَلَا يَضُرُّ ارْتِفَاعُ الطَّائِفِ عَلَى الْبَيْتِ كَسَطْحِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ، وَأَوَّلُ مَنْ حَوَّطَ عَلَى الْمَسْجِدِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ وَسَّعَهُ بَعْدَهُ الْإِمَامُ الْخَلِيفَةُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ثُمَّ بَعْدَهُ الْخَلِيفَةُ
[حاشية عميرة]
فِيهِ، وَصُورَتُهَا أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الْحَجَرَ بِوَجْهِهِ بَلْ يَجْعَلُهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْحَجَرُ فِي سَمْتِ عَرْضِ بَدَنِهِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الْمَنْكِبَ وَنَحْوَهُ مِمَّا هُوَ فِي جِهَةِ الْعَرْضِ دُونَ جُرْمِ الْحَجَرِ، وَقَوْلُهُ: إنَّ الْمُرَادَ إلَخْ هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَقَوْلِهِ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَلَى الشَّاذَرْوَانِ إلَخْ) فَلَا يَصِحُّ مَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ التَّرْتِيبَ يُعْتَبَرُ بَيْنَ الْأَشْوَاطِ وَكَذَا بَيْنَ أَجْزَاءِ كُلِّ شَوْطٍ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْجِدَارُ إلَخْ) كَذَا فِي الْإِسْنَوِيِّ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الْكَمَالِ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ هُوَ الْقَدْرُ الَّذِي تَرَكَتْهُ قُرَيْشٌ مِنْ عَرْضِ الْأَسَاسِ خَارِجًا عَنْ عَرْضِ الْجِدَارِ، فِيمَا عَدَا جِهَةَ الْحَجَرِ غَيْرُ صَوَابٍ، وَمِنْهُ تَعْلَمُ أَنَّ الْبِنَاءَ الَّذِي يُشْبِهُ الشاذروان الْكَائِنَ الْآنَ مِنْ الْأَسْوَدِ إلَى الْيَمَانِيِّ، ثُمَّ مِنْهُ إلَى الشَّامِيِّ مُحْدَثٌ، وَلَعَلَّهُ مَنْشَأُ وَهْمِ شَارِحِ الْإِرْشَادِ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَالَهُ هُوَ مَا فِي نُفُوسِ النَّاسِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ، وَقَدْ يُعْتَذَرُ لَهُ بِأَنَّهُ فِي تَيْنَكِ الْجِهَتَيْنِ أَيْضًا، وَلَكِنَّ جِهَةَ الْبَابِ أَظْهَرُ ثُمَّ رَأَيْت الْعِرَاقِيَّ تَعَرَّضَ لِلْمَسْأَلَةِ.
وَقَالَ: إنَّ اخْتِصَاصَهُ بِجِهَةِ الْبَابِ.
قَالَهُ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْإِمَامِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُشَاهَدِ مِنْ تَعْمِيمِ الْجُدُرِ الثَّلَاثِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَزْرَقِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ اهـ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي مُوَازَاتِهِ) اُحْتُرِزَ عَنْ مَشْيِهِ لَا فِي مُوَازَاةِ الشَّاذَرْوَانِ كَمَا فِي الْجِهَةِ الَّتِي بَيْنَ الْيَمَانِيِّ وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، وَكَذَا الَّتِي بَيْنَ الْيَمَانِيِّ وَالشَّامِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّحِيحُ قَدْرُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ) إلَى آخِرِ الْفَتْحَةِ مِنْهَا.
فَرْعٌ: لَوْ اسْتَقْبَلَ هَذَا الْمِقْدَارَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَصِحَّ، لِأَنَّهُ غَيْرُ قَطْعِيٍّ وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْمُسْلِمِينَ لَهُ بَعْدَ بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَإِنْ قِيلَ: ذَلِكَ إجْمَاعٌ قِيلَ فَهَلَّا دَامَ حُكْمُهُ بَعْدَ هَدْمِ الْحَجَّاجِ لَهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَجْهٌ) هُوَ وَجِيهٌ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْمَسْجِدِ لَا إثْمَ عَلَيْهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (سَبْعًا) هُوَ فِي طَوَافِ النُّسُكِ أَمَّا النَّفَلُ فَحَاوَلَ فِي الْخَادِمِ جَوَازَ التَّطَوُّعِ بِطَوْفَةٍ
(وَأَمَّا السُّنَنُ فَأَنْ يَطُوفَ مَاشِيًا) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ وَلَا يَرْكَبُ إلَّا لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ.
«وَطَافَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاكِبًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ لِيَرَاهُ النَّاسُ فَيَسْتَفْتُوهُ.
وَلَوْ طَافَ رَاكِبًا بِلَا عُذْرٍ جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَإِدْخَالُ الْبَهِيمَةِ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ تَلْوِيثُهَا الْمَسْجِدَ مَكْرُوهٌ.
(وَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ أَوَّلَ طَوَافِهِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ.
(وَيُقَبِّلُهُ) رَوَى الشَّيْخَانِ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَهُ» . (وَيَضَعُ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ) رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ عَلَى الْحَجَرِ» . (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ التَّقْبِيلِ وَوَضْعِ الْجَبْهَةِ لِزَحْمَةٍ (اسْتَلَمَ) أَيْ اقْتَصَرَ عَلَى الِاسْتِلَامِ بِالْيَدِ ثُمَّ قَبَّلَهَا (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الِاسْتِلَامِ (أَشَارَ بِيَدِهِ) وَلَا يُشِيرُ بِالْفَمِ إلَى التَّقْبِيلِ، وَفِي الرَّوْضَةِ: يُسْتَحَبُّ الِاسْتِلَامُ بِالْخَشَبَةِ وَنَحْوِهَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الِاسْتِلَامِ بِالْيَدِ أَيْ وَيُقَبِّلُ الْخَشَبَةَ أَوْ نَحْوَهَا، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ بِعَصَا وَنَحْوِهَا أَشَارَ بِيَدِهِ أَوْ بِشَيْءٍ فِيهَا، ثُمَّ قَبَّلَ مَا أَشَارَ بِهِ.
وَفِي الرَّوْضَةِ: وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ اسْتِلَامٌ وَلَا تَقْبِيلٌ إلَّا عِنْدَ خُلُوِّ الْمَطَافِ فِي اللَّيْلِ أَوْ غَيْرِهِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَفِّفَ الْقُبْلَةَ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ لَهَا صَوْتٌ.
(وَيُرَاعَى ذَلِكَ) أَيْ الِاسْتِلَامُ وَمَا بَعْدَهُ (فِي كُلِّ طَوْفَةٍ وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ وَلَا يَسْتَلِمُهُمَا، وَيَسْتَلِمُ الْيَمَانِيَ وَلَا يُقَبِّلُهُ) لَكِنْ يُقَبِّلُ الْيَدَ بَعْدَ اسْتِلَامِهِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ
[حاشية قليوبي]
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَجَعَلَ لَهُ جِدَارًا نَحْوَ الْقَامَةِ، ثُمَّ بَعْدَهُ الْخَلِيفَةُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَجَعَلَ لَهُ الْأَرْوِقَةَ ثُمَّ الْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ثُمَّ بَعْدَهُ الْخَلِيفَةُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، ثُمَّ وَلَدُهُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ الْخَلِيفَةُ الْمَنْصُورُ، ثُمَّ الْخَلِيفَةُ الْمَهْدِيُّ وَلَمْ يُتِمَّهُ فَتَمَّمَهُ بَعْدَهُ وَلَدُهُ الْخَلِيفَةُ الْهَادِي وَزَادَ فِي بَعْضِ جِهَاتِهِ بِحَيْثُ جَعَلَهُ مُرَبَّعًا بَيْنَ جِدَارِهِ وَجِدَارِ الْكَعْبَةِ تِسْعُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِ وَبِنَاءُ السَّلَاطِينِ بَعْدَهُ تَجْدِيدٌ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِيهِ.
وَأَوَّلُ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ مِنْ دَاخِلِهَا قُصَيٌّ جَدُّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَنَاهَا قَبْلَ بِنَاءِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ كَسَاهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِالْقَبَاطِيِّ مِنْ خَارِجِهَا حِينَ بَنَاهَا، ثُمَّ أَبْدَلَهَا السُّلْطَانُ فَرَجُ بْنُ بَرْقُوقٍ فِي خِلَافَتِهِ بِالْكِسْوَةِ السَّوْدَاءِ مِنْ خَارِجِهَا وَاسْتَمَرَّتْ وَمَحَلُّ بَسْطِ ذَلِكَ التَّوَارِيخُ وَمِنْهَا مُؤَلَّفُنَا السَّابِقُ.
قَوْلُهُ: (مَاشِيًا) وَلَوْ امْرَأَةً وَيُنْدَبُ أَنْ يُقَصِّرَ خُطَاهُ لِكَثْرَةِ الْأَجْرِ وَحَافِيًا أَوْلَى إلَّا لِعُذْرٍ، وَيُكْرَهُ الزَّحْفُ وَأَمَّا الرُّكُوبُ فَخِلَافُ الْأَوْلَى، وَالْحَمْلُ عَلَى الرِّجَالِ أَوْلَى مِنْ الدَّوَابِّ وَالْإِبِلِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا، وَانْظُرْ هَلْ يَصِحُّ الطَّوَافُ فِي هَوَاءِ الْمَسْجِدِ.
وَلَا يَصِحُّ كَمَا فِي الْوُقُوفِ رَاجِعْهُ.
وَيَتَّجِهُ فِيهِ الصِّحَّةُ هُنَا.
قَوْلُهُ: (بِلَا كَرَاهَةٍ) أَيْ بَلْ هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (مَكْرُوهٌ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، سَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ لَا فَإِنْ أَمِنَ التَّلْوِيثَ فَمَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا سَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ لَا أَيْضًا.
وَمِثْلُ الدَّابَّةِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ مَعَ عَدَمِ أَمْنِ التَّلْوِيثِ يَحْرُمُ إنْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ وَإِلَّا كُرِهَ، وَمَعَ أَمْنِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ كُرِهَ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ.
قَوْلُهُ: (وَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ) أَيْ ثَلَاثًا.
وَكَذَا مَا بَعْدَهُ مِنْ التَّقْبِيلِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ فَعَلَهَا مُتَوَالِيَةً أَوْ مُتَخَلِّلَةً وَمَحَلُّهُ لَوْ أُزِيلَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ مِثْلُهُ كَمَا مَرَّ.
وَارْتِفَاعُهُ عَنْ أَرْضِ الْمَسْجِدِ فِي الْمَطَافِ ذِرَاعَانِ وَنِصْفٌ تَقْرِيبًا وَهُوَ مِنْ الْجَنَّةِ وَكَانَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ.
وَيُحْتَرَزُ عِنْدَ تَقْبِيلِهِ عَنْ مُرُورِ قَدَمَيْهِ وَلَوْ بِأَدْنَى جُزْءٍ، بَلْ يُثَبِّتُهُمَا حَتَّى يَعْتَدِلَ، ثُمَّ يَمُرُّ فَإِنْ مَرَّ وَهُوَ مُنْحَنٍ قَبْلَ أَنْ يَعْتَدِلَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ إلَى مَحَلِّهِ عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ.
قَوْلُهُ: (بِيَدِهِ) وَالْيُمْنَى أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ طَوْفَةٍ) وَالْأَوْتَارُ آكَدُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُقَبِّلُ إلَخْ) أَيْ لَا يُسْتَحَبُّ بَلْ هُوَ مُبَاحٌ.
وَكَذَا بَقِيَّةُ أَجْزَاءِ الْبَيْتِ مِمَّا لَمْ يُطْلَبْ فِيهِ ذَلِكَ.
وَكَذَا لَا يُسَنُّ السُّجُودُ عَلَى غَيْرِ الْحَجَرِ وَلَوْ عَلَى مَا اسْتَلَمَهُ بِهِ مِنْ يَدٍ أَوْ غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ يُقَبِّلُ الْيَدَ إلَخْ) فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِلَامِهِ أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ أَوْ بِشَيْءٍ فِيهَا، وَقَبَّلَ مَا أَشَارَ بِهِ خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ عَدَمِ طَلَبِ ذَلِكَ، وَبَحَثَ
[حاشية عميرة]
وَاحِدَةٍ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ إطْلَاقُ النِّيَّةِ ثُمَّ يَزِيدُ عَلَى السَّبْعَةِ أَوْ يَنْقُصُ كَالصَّلَاةِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (مَاشِيًا) أَيْ وَحَافِيًا أَيْضًا.
قَالَ فِي الْإِمْلَاءِ وَأُحِبُّ لَوْ كَانَ الْمَطَافُ خَالِيًا أَنْ يُقَصِّرَ فِي الْمَشْيِ لِيَكْثُرَ لَهُ الْأَجْرُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْإِمَامُ إلَخْ) كَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخَانِ وَأَقَرَّاهُ وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِتَصْرِيحِهِمْ بِتَحْرِيمِ إدْخَالِ الصِّبْيَانِ الْمَسَاجِدَ، كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْعِدَّةِ، وَاعْتَرَضَهُ النَّوَوِيُّ، فَقَالَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ إذَا لَمْ يَغْلِبْ تَنْجِيسُهُمْ كَانَ مَكْرُوهًا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَهَذَا صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ عِنْدَ غَلَبَةِ النَّجَاسَةِ وَالْكَرَاهَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْغَلَبَةِ، وَأَمَّا طَوَافُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ لِعُذْرٍ، وَهُوَ اسْتِفْتَاءُ النَّاسِ لَهُ وَتَعْلِيمُ الْمَنَاسِكِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَسْتَلِمُ إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَا يُقَبِّلُ الْيَدَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْنِ إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْحِكْمَةُ فِي اخْتِلَافِ أَحْكَامِ هَذِهِ الْأَرْكَانِ أَنَّ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ فِيهِ فَضِيلَتَانِ وُجُودُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِيهِ، وَكَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ وَالْيَمَانِيُّ فِيهِ الْفَضِيلَةُ الثَّانِيَةُ،
طَوْفَةٍ، رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ وَالْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، وَلَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ» . (وَأَنْ «يَقُولَ أَوَّلَ طَوَافِهِ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إيمَانًا بِك وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك وَوَفَاءً بِعَهْدِك وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَقَوْلُهُ: إيمَانًا مَفْعُولٌ لَهُ لِأَطُوفُ مُقَدَّرًا (وَلْيُقَبِّلْ قُبَالَةَ الْبَيْتِ: اللَّهُمَّ إنَّ الْبَيْتَ بَيْتُك، وَالْحَرَمَ حَرَمُك، وَالْأَمْنَ أَمْنُك، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِك مِنْ النَّارِ) وَيُشِيرُ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، وَهَذَا الدُّعَاءُ أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَعَ دُعَاءٍ عَنْ الرُّكْنِ الشَّامِيِّ، وَدُعَاءٍ تَحْتَ الْمِيزَابِ، وَدُعَاءٍ بَيْنَ الشَّامِيِّ وَالْيَمَانِي وَأَسْقَطَهَا جَمِيعَهَا مِنْ الرَّوْضَةِ.
وَبَيْنَ الْيَمَانِيَيْنِ: « ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] » رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظِ: رَبَّنَا بَدَلَ اللَّهُمَّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ: " سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُهُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ " وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ " رَبَّنَا " وَفِي الرَّوْضَةِ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا (وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ) فِي جَمِيعِ طَوَافِهِ (وَمَأْثُورُ الدُّعَاءِ) فِيهِ (أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَهِيَ) فِيهِ (أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ مَأْثُورِهِ) وَفِي وَجْهٍ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ مَأْثُورِهِ أَيْضًا (وَأَنْ يَرْمُلَ
[حاشية قليوبي]
بَعْضُهُمْ تَثْلِيثَ الْإِشَارَةِ وَالتَّقْبِيلَ لِمَا أَشَارَ بِهِ أَيْضًا، وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ السُّنَنَ لَا تَخْتَصُّ بِمَنْ يَطُوفُ فَرَاجِعْهُ.
وَحِكْمَةُ تَفَاوُتِ الْأَرْكَانِ أَنَّ رُكْنَ الْحَجَرِ فِيهِ فَضِيلَتَانِ: الْحَجَرُ وَكَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفِي الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ الثَّانِيَةُ مِنْهُمَا وَخُلُوُّ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ عَنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (أَوَّلَ طَوَافِهِ) أَيْ أَوَّلَ كُلِّ طَوْفَةٍ مِنْ طَوَافِهِ وَالْأُولَى آكَدُ.
وَاسْتَحَبَّ أَبُو حَامِدٍ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَوَفَاءً بِعَهْدِك) أَيْ بِمَا أَمَرْتنَا بِهِ وَنَهَيْتنَا عَنْهُ أَوْ لِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ آدَمَ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ صُلْبِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَلَسْت بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا بَلَى فَأَمَرَ أَنْ يُدْرَجَ ذَلِكَ الْعَهْدُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ» . وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَلْيُرَاجَعْ مِنْ مُؤَلَّفِنَا الْمُشَارِ إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (الْبَابِ) وَارْتِفَاعُهُ فَوْقَ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ وَعَرْضُ عَتَبَتِهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ ذِرَاعٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُشِيرُ) أَيْ بِقَلْبِهِ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي هُوَ مِنْ الْجَنَّةِ كَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ.
وَسُمِّيَ مَقَامًا لِأَنَّهُ قَامَ عَلَيْهِ حِينَ نَادَى بِالْحَجِّ كَمَا مَرَّ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُومُ عَلَيْهِ عِنْدَ بِنَاءِ الْبَيْتِ فَيَرْتَفِعُ بِهِ حَتَّى يَضَعَ الْحَجَرَ ثُمَّ يَهْبِطَ بِهِ حَتَّى يَأْخُذَ مَا يَبْنِي بِهِ وَهَكَذَا، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ يُشِيرُ إلَى مَقَامِ نَفْسِهِ وَضَعَّفُوهُ.
قَوْلُهُ: (مَعَ دُعَاءٍ عِنْدَ الرُّكْنِ الشَّامِيِّ) وَهُوَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الشَّكِّ وَالشِّرْكِ وَالشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ، وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ.
قَوْلُهُ: (تَحْتَ الْمِيزَابِ) وَهُوَ: اللَّهُمَّ أَظِلَّنِي فِي ظِلِّك يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّك، وَاسْقِنِي بِكَأْسِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرَابًا هَنِيئًا لَا أَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
قَوْلُهُ: (وَدُعَاءٍ بَيْنَ الرُّكْنِ الشَّامِيِّ وَالْيَمَانِيِّ) وَهُوَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ أَيْ مَا أَنَا فِيهِ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا أَيْ وَاجْعَلْ ذَنْبِي ذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا أَيْ وَاجْعَلْ سَعْيِي فِي طَاعَتِك مَشْكُورًا وَتِجَارَةً لَنْ تَبُورَ يَا عَزِيزُ يَا غَفُورُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْمُعْتَمِرُ يَقُولُ: عُمْرَةً مَبْرُورَةً وَضَعَّفَهُ شَيْخُنَا اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ.
وَيُنَزَّلُ الْحَجُّ فِي كَلَامِ الْمُعْتَمِرِ عَلَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الْقَصْدُ أَوْ الزِّيَارَةُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ وَفِيهِ بُعْدٌ وَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَقْرَبُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَأَسْقَطَهَا جَمِيعَهَا مِنْ الرَّوْضَةِ) وَلَعَلَّ إسْقَاطَهُ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْآتِي.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْيَمَانِيَيْنِ اللَّهُمَّ آتِنَا إلَخْ) قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ، وَأُحِبُّ أَنْ يُقَالَ فِي جَمِيعِ الطَّوَافِ.
وَفِي الشَّرْحَيْنِ وَالْمُحَرَّرِ رَبَّنَا بَدَلَ اللَّهُمَّ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَهُوَ الْوَارِدُ، وَمَا فِي الْمِنْهَاجِ كَالرَّوْضَةِ سَهْوٌ وَلِذَلِكَ تَعَرَّضَ الشَّارِحُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلْيَدْعُ) أَيْ فِي خِلَالِ الذِّكْرِ الْمَطْلُوبِ بَعْدَ فَرَاغِ كُلِّ دُعَاءٍ فِي مَحَلِّهِ أَوْ بِتَرْكِهِ تِلْكَ الْأَدْعِيَةَ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ فِي جَمِيعِ طَوَافِهِ، وَيُكْرَهُ فِيهِ مَا يُحْرَمُ أَوْ يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ) أَيْ فِي الطَّوَافِ أَيْ فِي مَحَالِّهِ الْمَخْصُوصَةِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيْ الْقِرَاءَةُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي وَجْهٍ أَنَّهَا) أَيْ الْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ
[حاشية عميرة]
وَالشَّامِيَّانِ خَالِيَانِ عَنْ هَذَيْنِ اهـ.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الشَّاذَرْوَانَ خَاصٌّ بِمَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالشَّامِيِّ كَمَا سَلَفَ قَرِيبًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَبَيْنَ الْيَمَانِيَيْنِ اللَّهُمَّ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ الَّذِي فِي الشَّرْحَيْنِ وَالْمُحَرَّرِ رَبَّنَا بَدَلَ اللَّهُمَّ، وَهُوَ الْوَارِدُ وَقَدَّسَهَا فِي الرَّوْضَةِ فَتَبِعَهُ فِي الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ) أَيْ كَمَا فِي الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ فِيهِ أَفْضَلُ) أَيْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى