حاشيتا قليوبي وعميرةصفحات 136-175
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الِاعْتِكَافِ

صفحات 136-175
عن هذه الطبعة
عَلَم
القليوبي
الكتاب
حاشيتا قليوبي وعميرة
المؤلف
أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة
الناشر
دار الفكر - بيروت
عدد الأجزاء
4
الطبعة
بدون طبعة، 1415هـ-1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]- بأعلى الصفحة: «شرح العلامة جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين للشيخ محيي الدين النووي»- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية أحمد البرلسي عميرة (957هـ.)

فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى بِأَنْ يُسْرِعَ مَشْيَهُ مُقَارِبًا خُطَاهُ وَيَمْشِي فِي الْبَاقِي) عَلَى هَيِّنَتِهِ لِلِاتِّبَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَسْتَوْعِبُ الْبَيْتَ بِالرَّمَلِ، رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا» ، وَلَوْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا حَرَّكَ الدَّابَّةَ وَرَمَلَ بِهِ الْحَامِلُ، وَلَوْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الثَّلَاثَةِ لَا يَقْضِيهِ فِي الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّ هَيْئَتَهَا السَّكِينَةُ فَلَا تُغَيَّرُ.
(وَيَخْتَصُّ الرَّمَلُ بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ وَفِي قَوْلٍ بِطَوَافِ الْقُدُومِ) لِأَنَّ مَا رَمَلَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لِلْقُدُومِ، وَسَعَى عَقِبَهُ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَيَرْمُلُ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا لِإِجْزَاءِ طَوَافِهِ عَنْ الْقُدُومِ، وَكَانَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا حَاجًّا إلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ، فَإِنْ دَخَلَهَا قَبْلَهُ وَلَمْ يُرِدْ السَّعْيَ عَقِبَ طَوَافِهِ لِلْقُدُومِ رَمَلَ فِيهِ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، وَالْحَاجُّ مِنْهَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِهِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَمَنْ أَرَادَ السَّعْيَ عَقِبَ طَوَافِهِ لِلْقُدُومِ رَمَلَ فِيهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَإِذَا رَمَلَ فِيهِ وَسَعَى عَقِبَهُ لَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ إنْ لَمْ يُرِدْ السَّعْيَ عَقِبَهُ، وَكَذَا إنْ أَرَادَهُ فِي الْأَظْهَرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ مِنْهُ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ أَيْ مَطْلُوبٌ أَوْ مَحْسُوبٌ، وَإِذَا طَافَ لِلْقُدُومِ وَسَعَى عَقِبَهُ وَلَمْ يَرْمُلْ فِيهِ لَا يَقْضِيهِ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: الْأَظْهَرُ وَلَوْ طَافَ وَرَمَلَ وَلَمْ يَسْعَ رَمَلَ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِبَقَاءِ السَّعْيِ عَلَيْهِ.
(وَلْيَقُلْ فِيهِ) أَيْ فِي الرَّمَلِ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا) قَالَ الرَّافِعِيُّ: رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَوْلُهُ: اجْعَلْهُ أَيْ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ

[حاشية قليوبي]

فَفِي الْخَبَرِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ.
وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الذِّكْرَ لَا يَخْتَصُّ بِالْقُرْآنِ وَإِنْ طُلِبَ غَيْرُهُ لِخُصُوصِهِ لَا يُعَارِضُ أَفْضَلِيَّتَهُ فَتَأَمَّلْ.
تَنْبِيهٌ: يُنْدَبُ الْإِسْرَارُ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَرْمُلَ) أَيْ الذَّكَرُ كَمَا سَيَأْتِي.
وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ وَلَوْ قَصَدَ السَّعْيَ فَرَمَلَ ثُمَّ عَنَّ لَهُ تَرْكُهُ أَوْ عَكْسُهُ جَازَ، وَهَلْ يَرْمُلُ مَنْ أَطْلَقَ فَلَمْ يَقْصِدْ السَّعْيَ وَلَا عَدَمَهُ أَوْ تَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ يَفْعَلُهُ الْآنَ؟ فَرَاجِعْهُ.
وَيَنْبَغِي بِنَاؤُهُ عَلَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ فِي أَيِّهِمَا أَصَالَةً أَوْ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَشْوَاطِ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الطَّوَافِ شَوْطًا وَدَوْرًا، وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَشَدَّدَ النَّكِيرَ عَلَى مَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يُسْرِعَ إلَخْ) قَالَ فِي الْمَنْهَجِ وَيُسَمَّى خَبَبًا.
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَمَنْ قَالَ إنَّ الرَّمَلَ دُونَ الْخَبَبِ فَقَدْ غَلِطَ بَلْ هُوَ مَشْيٌ لَا عَدْوَ فِيهِ، وَلَا وَثْبَ.
وَحِكْمَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ بِأَصْحَابِهِ إلَى مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ قَدِمَ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ أَوْهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ.
فَبَلَّغْنَهُمْ أَوَانَ اللَّهِ أَطْلَعَ نَبِيَّهُ عَلَيْهَا فَأَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ بِالرَّمَلِ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ قَالُوا لِبَعْضِهِمْ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ كَذَا وَكَذَا، وَاَللَّهِ إنَّهُمْ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا» . وَفِي رِوَايَةٍ كَأَنَّهُمْ الْغِزْلَانُ.
وَطَلَبَ مِنَّا ذَلِكَ لِنَتَذَكَّرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَى إعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَشَى أَرْبَعًا) وَهَذَا كَانَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، فَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ مِنْ رُكُوبِهِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي طَوَافِ الرُّكْنِ.
تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ مَا رَمَلَ فِيهِ إلَخْ) اُنْظُرْهُ مَعَ مَا مَرَّ أَنَّهُ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَلَيْسَ فِي عُمْرَةِ الْقُدُومِ.
وَأَجَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَيَرْمُلُ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَيَرْمُلُ فِي طَوَافِهِ) أَيْ الَّذِي بَعْدَ وُقُوفِهِ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ لَا الَّذِي عِنْدَ خُرُوجِهِ لِأَنَّهُ وَدَاعٌ.
قَوْلُهُ: (السَّعْيُ عَقِبَ طَوَافِهِ لِلْقُدُومِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَالشَّمْسُ الْخَطِيبُ: وَهُوَ أَفْضَلُ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: تَأْخِيرُهُ لِمَا بَعْدَ الْإِفَاضَةِ أَفْضَلُ.
وَكَلَامُ الشَّارِحِ بَعْدَهُ يَدُلُّ لَهُ وَلَا يُعِيدُ الرَّمَلَ إذَا فَعَلَهُ وَإِنْ أَخَّرَ السَّعْيَ.
قَوْلُهُ: (مَطْلُوبٌ أَوْ مَحْسُوبٌ) أَيْ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهُ مَطْلُوبٌ أَوْ إنَّهُ مَحْسُوبٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ.
فَقَوْلُهُ: غَيْرُ مَطْلُوبٍ أَيْ وَغَيْرُ مَحْسُوبٍ.
وَأَشَارَ بِمَطْلُوبٍ إلَى مَا لَيْسَ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَبِالْمَحْسُوبِ إلَيْهِ.
وَكَذَا يُقَالُ إنَّهُ مَطْلُوبٌ فِي نَفْسِهِ فَيُسْتَغْنَى عَنْ مَحْسُوبٍ.
قَوْلُهُ: (وَلْيَقُلْ إلَخْ) أَيْ بَدَلَ الذِّكْرِ الْمَطْلُوبِ فِيهِ مِمَّا مَرَّ أَوْ فِي

[حاشية عميرة]

عَلَى خَلْقِهِ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَنْ يَرْمُلَ فِي الْأَشْوَاطِ إلَخْ) قِيلَ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِيعَابِهَا.
قَوْلُهُ: (وَيَسْتَوْعِبُ) نَبَّهَ عَلَيْهِ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْكِتَابِ قَدْ لَا تُفِيدُهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَشَى أَرْبَعًا) هَذَا كَانَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ فَلَا يُنَافِي مَا سَلَفَ فِي رُكُوبِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي طَوَافِ الرُّكْنِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ لِلْقُدُومِ وَسَعَى عَقِبَهُ) أَيْ فَالْأَوَّلُ نَظَرَ إلَى الثَّانِي لِانْتِهَائِهِ إلَى تَوَاصُلِ الْحَرَكَاتِ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، وَالثَّانِي نَظَرَ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْعَهْدِ بِالْبَيْتِ فَيَلِيقُ بِهِ النَّشَاطُ وَالِاهْتِزَازُ، وَقَوْلُهُ لِلْقُدُومِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِ الْمَتْنِ، وَفِي قَوْلِهِ وَقَوْل وَسَعَى عَقِبَهُ يَرْجِعُ لِقَوْلِ الْمَتْنِ وَيَخْتَصُّ.
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (مَبْرُورًا) أَيْ لَا يُخَالِطُهُ مَعْصِيَةٌ مِنْ الْبِرِّ، وَهُوَ الطَّاعَةُ.
وَقِيلَ: هُوَ الْمُتَقَبَّلُ وَقَوْلُهُ ذَنْبًا مَغْفُورًا أَيْ اجْعَلْ ذَنْبِي مَغْفُورًا، وَالسَّعْيُ هُوَ الْعَمَلُ وَالْمَشْكُورُ هُوَ الْمُتَقَبَّلُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُشْكَرُ عَلَيْهِ.
قَوْلُ

الْمَصْحُوبِ بِالذَّنْبِ، قَالَ فِي التَّنْبِيهِ: وَيَقُولُ فِي الْأَرْبَعَةِ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ إنَّك أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
(وَأَنْ يَضْطَبِعَ فِي جَمِيعِ كُلِّ طَوَافٍ يَرْمُلُ فِيهِ، وَكَذَا فِي السَّعْيِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ جَعْلُ وَسَطِ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى) مَنْكِبِهِ (الْأَيْسَرِ) كَدَأْبِ أَهْلِ الشَّطَارَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ الضَّبُعِ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ الْعَضُدُ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ الْيُسْرَى» وَقِيسَ السَّعْيُ عَلَى الطَّوَافِ بِجَامِعِ قَطْعِ مَسَافَةٍ مَأْمُورٍ بِتَكَرُّرِهَا سَبْعًا، وَمُقَابِلُهُ يَقِفُ مَعَ الْوَارِدِ (وَلَا تَرْمُلُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَضْطَبِعُ) أَيْ لَا يُطْلَبُ مِنْهَا ذَلِكَ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالْخُنْثَى فِي ذَلِكَ كَالْمَرْأَةِ.
(وَأَنْ يَقْرُبَ مِنْ الْبَيْتِ) تَبَرُّكًا بِهِ (فَلَوْ فَاتَ الرَّمَلُ بِالْقُرْبِ لِزَحْمَةٍ، فَالرَّمَلُ مَعَ بُعْدٍ أَوْلَى) لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ، وَالْقُرْبُ مُتَعَلِّقٌ بِمَوْضِعِهَا (إلَّا أَنْ يَخَافَ صَدْمَ النِّسَاءِ) بِحَاشِيَةِ الْمَطَافِ (فَالْقُرْبُ بِلَا رَمَلٍ أَوْلَى) تَحَرُّزًا عَنْ مُصَادَمَتِهِنَّ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ وَكَذَا لَوْ كَانَ بِالْقُرْبِ أَيْضًا نِسَاءٌ يُخَافُ مُصَادَمَتُهُنَّ فِي الرَّمَلِ فَتَرْكُهُ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ مَنْ يَفُوتُهُ الرَّمَلُ مَعَ الْقُرْبِ لِزَحْمَةٍ يَرْجُو فُرْجَةً وَقَفَ لِيَجِدَهَا فَيَرْمُلُ فِيهَا (وَأَنْ يُوَالِيَ طَوَافَهُ) وَفِي قَوْلٍ: تَجِبُ مُوَالَاتُهُ، كَمَا سَيَأْتِي، فَيَبْطُلُ بِالتَّفْرِيقِ الْكَثِيرِ بِلَا عُذْرٍ، قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ تَرْكُهُ الطَّوَافَ وَلَوْ أُقِيمَتْ الْمَكْتُوبَةُ وَهُوَ فِيهِ فَتَفْرِيقُهُ فِيهَا تَفْرِيقٌ بِعُذْرٍ.
(وَيُصَلِّي بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ

[حاشية قليوبي]

وَقْتٍ لَا ذِكْرَ فِيهِ مِمَّا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ فِي الْأَرْبَعَةِ إلَخْ) أَيْ عَلَى مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (لَا يُطْلَبُ مِنْهَا ذَلِكَ) فَلَوْ فَعَلَتْهُ لَمْ يَحْرُمْ بَلْ يُكْرَهُ.
وَفِي الْبُرُلُّسِيِّ: أَنَّهُ مُبَاحٌ مَا لَمْ تَقْصِدْ التَّشَبُّهَ بِالرِّجَالِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ بُعْدٍ أَوْلَى) سَوَاءٌ أَوَّلَ طَوَافِهِ وَآخِرَهُ وَمَا بَيْنَهُمَا وَيُنْدَبُ فِي الْقُرْبِ الِاحْتِيَاطُ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ بُعْدُهُ بِقَدْرِ ثَلَاثِ خُطُوَاتٍ.
وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ.
نَعَمْ الطَّوَافُ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ مَكْرُوهٌ، فَقُرْبُهُ عَنْهَا مَعَ تَرْكِهِ الرَّمَلَ أَوْلَى حِينَئِذٍ.
تَنْبِيهٌ: يُكْرَهُ فِي الطَّوَافِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْبُصَاقُ وَتَفَرْقُعُ الْأَصَابِعِ وَتَشْبِيكُهَا وَتَكْتِيفُهَا خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَكَوْنُهُ حَاقِبًا أَوْ حَاقِنًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَأْتِي هُنَا.
وَكَوْنُ الْمَرْأَةِ مُنْتَقِبَةً، وَقَطْعُهُ لِصَلَاةِ فَرْضِ كِفَايَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ أَوْ سَجْدَةِ تِلَاوَةٍ أَوْ شُكْرٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَيْثُ لَا عُذْرَ وَلَوْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ شُرُوطِهِ وَجَبَ تَدَارُكُهُ إلَّا إنْ تَحَلَّلَ، كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
وَسَكَتَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا، وَفِيهِ بَحْثٌ.
وَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ الشَّكُّ بَعْدَ فَرَاغِهِ كَمَا فِي الْفَاتِحَةِ وَالصَّلَاةِ فَرَاجِعْهُ.
وَدَخَلَ فِي عَدَمِ الْمُوَالَاةِ مَا لَوْ فَرَّقَ الْأَشْوَاطَ الْأَرْبَعَةَ عَلَى الْأَيَّامِ، وَهُوَ مَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَخَالَفَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
فَرْعٌ: التَّطَوُّعُ بِالصَّلَاةِ فِي زَمَنٍ أَفْضَلُ مِنْ الطَّوَافِ فِيهِ.
قَوْلُهُ (وَيُصَلِّي بَعْدَهُ) وَيُنْدَبُ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُلْتَزَمَ، وَسُمِّيَ

[حاشية عميرة]

الْمَتْنِ: (فِي جَمِيعِ كُلِّ طَوَافٍ إلَخْ) أَيْ فَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَشْوَاطِ الرَّمَلِ الثَّلَاثَةِ، بَلْ يَعُمُّ السَّبْعَةَ بِخِلَافِ السَّعْيِ، وَبَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ لَابِسَ الْمِخْيَطِ لِعُذْرٍ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ الِاضْطِبَاعُ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَكَذَا فِي السَّعْيِ) بِخِلَافِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، لِأَنَّ هَيْئَةَ الِاضْطِبَاعِ مَكْرُوهَةٌ فِي الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَا يُطْلَقُ مِنْهَا إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (إلَّا أَنْ يَخَافَ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خَوْفُ مُخَالَطَةِ النِّسَاءِ فِي مَعْنَى لَمْسِهِنَّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَنْ يُوَالِيَ إلَخْ) وَجْهُ عَدَمِ الْوُجُوبِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا فَلَمْ تَجِبْ مُوَالَاتُهَا كَالْوُضُوءِ.
فَرْعٌ: لَوْ فَرَّقَ الْأَشْوَاطَ عَلَى الْأَيَّامِ أَوْ جَزَّأَ الشَّوْطَ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: جَازَ وَمَنَعَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَذَكَرَ نُصُوصًا عَنْ الشَّافِعِيِّ صَرِيحَةً فِي الْمَنْعِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي قَوْلٍ تَجِبُ مُوَالَاتُهُ إلَخْ) إنْ قُلْت مَا وَجْهُ ذِكْرِ هَذَا هُنَا مَعَ أَنَّهُ سَيَأْتِي قُلْت: لِيُعْلِمَك أَنَّ مَحَلَّ الْقَوْلَيْنِ فِي التَّفْرِيقِ الْكَثِيرِ بِلَا عُذْرٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُصَلِّي بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ بِنِيَّةٍ وَلَمْ يَسْتَغْنِ عَنْهَا كَالطَّوَافِ فِي الْحَجِّ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ تَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهَا بِجَرَيَانِ النِّيَابَةِ فِيهَا فِي الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (خَلْفَ الْمَقَامِ) أَيْ فَهُمَا

يَقْرَأُ فِي الْأُولَى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] وَفِي الثَّانِيَةِ الْإِخْلَاصَ) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ فِي غَيْرِ الْقِرَاءَةِ الشَّيْخَانِ، وَفِيهَا مُسْلِمٌ (وَيَجْهَرُ) بِهَا (لَيْلًا) وَيُسِرُّ نَهَارًا (وَفِي قَوْلٍ: تَجِبُ الْمُوَالَاةُ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَالصَّلَاةُ) «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَعَلَهَا تَلَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] » رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَأَفْهَمَ أَنَّ

[حاشية قليوبي]

بِذَلِكَ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْتَزَمَهُ وَأَخْبَرَ أَنَّ هُنَاكَ مَلَكًا يُؤَمِّنُ عَلَى الدُّعَاءِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَمُحَاذَاةِ الْبَابِ مِنْ أَسْفَلِهِ وَعَرْضُهُ عُلُوُّ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ وَيُلْصِقُ بَطْنَهُ بِجِدَارِ الْبَيْتِ وَيَضَعُ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ، وَيَبْسُطُ ذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ وَيَتَعَلَّقُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَعْتِقْ رَقَبَتِي مِنْ النَّارِ وَأَعِذْنِي مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَوَسْوَاسِهِ» . وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ لِلصَّلَاةِ وَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ فِيهَا إنْ اسْتَقَلَّتْ بِخِلَافِ الطَّوَافِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ.
وَيُنْدَبُ إذَا وَالَى بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ طَوَافٍ أَنْ يُصَلِّيَ لِكُلِّ طَوَافٍ رَكْعَتَيْنِ.
وَالْأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ كُلِّ طَوَافٍ عَقِبَهُ وَلَوْ قَصَدَ كَوْنَ الرَّكْعَتَيْنِ عَنْ الْكُلِّ كَفَى بِلَا كَرَاهَةٍ.
وَقِيَاسُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ أَنْ يَكُونَ الْإِطْلَاقُ كَذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (خَلْفَ الْمَقَامِ) فَهُمَا فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ دَاخِلِ الْكَعْبَةِ ثُمَّ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ ثُمَّ فِي الْحِجْرِ وَأَوْلَاهُ مَا قَرُبَ مِنْ الْبَيْتِ، ثُمَّ فِي الْحَطِيمِ ثُمَّ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ فِيمَا بَيْنَ الْيَمَانِيَيْنِ، ثُمَّ بَقِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
ثُمَّ فِي بَيْتِ خَدِيجَةَ، ثُمَّ فِي مَنْزِلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَعْرُوفِ بِدَارِ الْخَيْزُرَانِ ثُمَّ فِي بَقِيَّةِ مَكَّةَ، ثُمَّ بَاقِي الْحَرَمِ حَيْثُ شَاءَ مَتَى شَاءَ، وَلَا يَفُوتَانِ إلَّا بِالْمَوْتِ.
وَالْمُرَادُ بِخَلْفِ الْمَقَامِ كَوْنُ الْمَقَامِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ لِأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ مِنْ جِهَتِهَا فَغُيِّرَ.
وَيُجْزِئُ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَرِيضَةٌ وَنَافِلَةٌ أُخْرَى.
كَمَا فِي الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ.
وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ فَقَالَ: حَيْثُ قِيلَ بِحُصُولِهِمَا مَعَ غَيْرِهِمَا فَكَيْفَ يَأْتِي قَوْلُهُمْ فَحَيْثُ شَاءَ مَتَى شَاءَ.
وَكَذَا مَا قَبْلَهُ لَا يُقَالُ إنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ صَلَاةٌ بَعْدَ الطَّوَافِ فِي بَقِيَّةِ عُمُرِهِ إذْ لَا قَائِلَ بِهِ، وَلَا أَنَّهُمْ لَا بُدَّ مِنْ قَصْدِهِمَا مَعَ غَيْرِهِمَا، وَإِلَّا فَلَا يَدْخُلَانِ فِيهِ نَظَرًا لِمُنَافَاتِهِ لِمَا مَرَّ، وَلَا أَنَّهُ كَمَنْ قَصَدَ تَأْخِيرَهُمَا لِعَدَمِ صِحَّتِهِ كَمَا فِي التَّحِيَّةِ.
وَفِي ابْنِ حَجَرٍ بَعْضُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ إحْرَامُهُ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةُ الطَّوَافِ كَمَا فِي التَّحِيَّةِ؟ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ جَوَازُ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ.
تَنْبِيهٌ: سُمِّيَ الْبَيْتُ كَعْبَةً لِتَرْبِيعِهِ مِنْ التَّكْعِيبِ وَهُوَ التَّرْبِيعُ.
وَذَلِكَ عَلَى التَّقْرِيبِ لِأَنَّ عَرْضَ جِهَةِ الْبَابِ مِنْ خَارِجِ الْبَيْتِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا وَرُبْعُ ذِرَاعٍ، وَمِنْ دَاخِلِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَنَحْوَ الثُّلُثَيْنِ مِنْ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُ مَا بَيْنَ الشَّامِيَّيْنِ مِنْ خَارِجِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ مِنْ ذِرَاعٍ، وَمِنْ دَاخِلِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَقِيرَاطَانِ، وَعَرْضُ جِهَةِ مَا بَيْنَ الشَّامِيِّ وَالْيَمَانِيِّ مِنْ خَارِجِهِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَمِنْ دَاخِلِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَثُلُثَانِ وَثُمْنُ ذِرَاعٍ وَعَرْضُ جِهَةِ مَا بَيْنَ الْيَمَانِيَيْنِ مِنْ خَارِجِهِ تِسْعَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَرُبْعُ ذِرَاعٍ، وَمِنْ دَاخِلِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَثُلُثُ ذِرَاعٍ، وَارْتِفَاعُ جُدْرَانِهِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا تَقْرِيبًا كُلُّ ذَلِكَ بِالذِّرَاعِ الْمِصْرِيِّ.
وَيُنْدَبُ دُخُولُ الْكَعْبَةِ مِنْ غَيْرِ إيذَاءِ أَحَدٍ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِذَا دَخَلَهَا خَرَّ سَاجِدًا لِلشُّكْرِ أَيْ مَعَ النِّيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ شُرُوطِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجْهَرُ بِهَا لَيْلًا) وَمِنْهُ مَا بَعْدَ الْفَجْرِ.
وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَوَافَقَهُ الْبُلْقِينِيُّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي النَّوَافِلِ لَيْلًا التَّوَسُّطُ، وَلَا يُقَاسُ عَلَى الْخُسُوفِ لِأَنَّ سَبَبَهُ لَيْلِيٌّ، وَلَا عَلَى الْكُسُوفِ لِأَنَّ سَبَبَهُ نَهَارِيٌّ، وَبِأَنَّ الْجَمَاعَةَ مَطْلُوبَةٌ فِي الْكُسُوفَيْنِ فَطُلِبَ الْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ وَهَذِهِ صَلَاةٌ سَبَبُهَا وَاحِدٌ وَهُوَ الطَّوَافُ فَمَا وَجْهُ التَّفْرِقَةِ فِيهَا، وَالْوَجْهُ الْإِسْرَارُ فِيهَا لَيْلًا وَنَهَارًا كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذِهِ ذَاتُ سَبَبٍ فَلَا تُقَاسُ عَلَى النَّفْلِ الْمُطْلَقِ، وَبِأَنَّ سَبَبَهَا مَطْلُوبٌ كُلَّ وَقْتٍ فَلَا تُقَاسُ بِذَوَاتِ الْأَسْبَابِ الْمُقَيَّدَةِ، وَبِأَنَّ مَا هُنَا بَابُ اتِّبَاعٍ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الْكُسُوفِ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ فَهُوَ مِنْ حَيْثُ وُجُودُ الْجَهْرِ أَوْ الْإِسْرَارِ لَا مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا مَثَلًا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَفِي قَوْلٍ تَجِبُ الْمُوَالَاةُ) وَقِيَاسُ الصَّلَاةِ وُجُوبُهَا عَلَى صَاحِبِ الضَّرُورَةِ بِلَا خِلَافٍ.
قَوْلُهُ:

[حاشية عميرة]

فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَنْزِلِ، وَإِنْ كَانَتَا نَافِلَةً ثُمَّ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ فِعْلَهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهِمَا فِي الْكَعْبَةِ زَادَهَا اللَّهُ شَرَفًا، وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ أَطْلَقُوا أَنَّ النَّفَلَ دَاخِلَهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ.
تَنْبِيهٌ: أَفَادَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الصَّلَاةَ إلَى جِهَةِ الْبَابِ الشَّرِيفِ، أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مُرَادَهُ مَا عَدَا نَفْسَ الْحِجْرِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ يَفْعَلْهُمَا فِي الْحِجْرِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَلَا يُرَدُّ عَلَى الشَّيْخِ، لِأَنَّ الَّذِي فِي الْحِجْرِ فِي الْبَيْتِ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ إنَّهُ أَفْضَلُ إلَى جِهَةٍ مِنْ الْبَيْتِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: وَفِي قَوْلٍ «تَجِبُ الْمُوَالَاةُ أَيْ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهَا.
وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ثُمَّ مَحَلُّ الْوُجُوبِ الطَّوَافُ الْمَفْرُوضُ، وَيَصِحُّ السَّعْيُ قَبْلَ

الْآيَةَ آمِرَةٌ بِهَا وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَعُورِضَ بِمَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ الْمَشْهُورِ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ: «لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» وَعَلَى الْوُجُوبِ يَصِحُّ الطَّوَافُ بِدُونِهَا، وَلَا يُجْبَرُ تَرْكُهَا بِدَمٍ.
تَتِمَّةٌ: لَا تَجِبُ النِّيَّةُ فِي الطَّوَافِ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ نِيَّةَ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ تَشْمَلُهُ نَعَمْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَصْرِفَهُ إلَى غَرَضٍ آخَرَ كَطَلَبِ غَرِيمٍ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ نَامَ فِيهِ عَلَى هَيْئَةٍ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ صَحَّ طَوَافُهُ فِي الْأَصَحِّ، أَمَّا الطَّوَافُ فِي غَيْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ بِلَا خِلَافٍ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(وَلَوْ حَمَلَ الْحَلَالُ مُحْرِمًا) لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَطَافَ بِهِ حُسِبَ) الطَّوَافُ (لِلْمَحْمُولِ وَكَذَا لَوْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ قَدْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ قَصَدَهُ لِلْمَحْمُولِ فَلَهُ) وَيُنَزَّلُ الْحَامِلُ مَنْزِلَةَ الدَّابَّةِ، وَهَذَا مُخَرَّجٌ عَلَى اشْتِرَاطِ أَنْ لَا يُصْرَفَ الطَّوَافُ إلَى غَرَضٍ آخَرَ وَالثَّانِي يَقَعُ الطَّوَافُ لِلْحَامِلِ وَهُوَ مُخَرَّجٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ مَا ذُكِرَ، وَالثَّالِثُ يَقَعُ لَهُمَا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا دَارَ وَالْآخَرُ دِيرَ بِهِ (وَإِنْ قَصَدَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَهُمَا فَلِلْحَامِلِ فَقَطْ) قَالَهُ الْإِمَامُ وَحُكِيَ اتِّفَاقُ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى.
وَحَكَى الْبَغَوِيّ فِي الثَّانِيَةِ

[حاشية قليوبي]

نَعَمْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَصْرِفَهُ) أَيْ إلَى غَيْرِ الطَّوَافِ كَمَا مَثَّلَهُ الشَّارِحُ، أَمَّا لَوْ صَرَفَهُ لِطَوَافٍ آخَرَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا فَلَا يَنْصَرِفُ بَلْ يَقَعُ عَمَّا عَلَيْهِ إلَّا فِي صُورَةِ الْمَحْمُولِ الْآتِيَةِ.
وَلَوْ صَرَفَهُ عَنْ الطَّوَافِ وَغَيْرِهِ فَالْقِيَاسُ وُقُوعُهُ عَمَّا عَلَيْهِ.
وَكَذَا لَوْ قَصَدَ بِهِ الطَّوَافَ وَغَيْرَهُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ.
وَأَمَّا الرَّمْيُ فَكَالطَّوَافِ فِيمَا ذُكِرَ لَكِنْ لَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمَحْمُولِ وَلَوْ بِالصَّرْفِ إلَيْهِ، وَتُجْزِئُ فِيهِ النِّيَابَةُ.
وَأَمَّا الْوُقُوفُ وَالسَّعْيُ وَالْحَلْقُ فَلَا تَنْصَرِفُ وَلَا تُجْزِئُ فِيهِمَا النِّيَابَةُ.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا مَا يَقْتَضِي صَرْفَ السَّعْيِ كَابْنِ حَجَرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَا يُرَدُّ النَّائِبُ عَنْ الْمَعْضُوبِ لِأَنَّ الْحَجَّ مِنْ أَصْلِهِ وَاقِعٌ لَهُ فَتَأَمَّلْ.
وَمِنْهُ صَغِيرٌ حَمَلَهُ وَلِيُّهُ أَوْ غَيْرُهُ وَهُوَ غَيْرُ مُمَيِّزٍ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ فِي غَيْرِ الْوَلِيِّ أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِهِ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُ لَوْ رَكِبَ دَابَّةً فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ قَائِدًا لَهُ أَوْ سَائِقًا.
وَخَرَجَ بِالْحَمْلِ مَا لَوْ وَضَعَهُ عَلَى نَحْوِ خَشَبَةٍ وَجَذَبَهُ فَلَا تَعَلُّقَ لِطَوَافِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَمَلَ الْحَلَالُ مُحْرِمًا) أَوْ الْمُحْرِمُ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ فِي كُلٍّ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَطَافَ بِهِ) خَرَجَ السَّعْيُ وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنَى فَيَقَعُ فِي السَّعْيِ لِلْحَامِلِ مُطْلَقًا، وَفِي الْوُقُوفِ لَهُمَا مَعًا مُطْلَقًا، وَمِثْلُهُ الْمَبِيتُ.
قَوْلُهُ: (حَسَبَ إلَخْ) وَشَرْطُ مَنْ يَقَعُ لَهُ الطَّوَافُ وُجُودُ شُرُوطِهِ فِيهِ مِنْ سَتْرٍ وَغَيْرِهِ.
وَلَوْ صَرَفَهُ الْحَامِلُ لِغَيْرِ الطَّوَافِ كَطَلَبِ غَرِيمٍ لَمْ يَقَعْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (إنْ قَصَدَهُ لِلْمَحْمُولِ فَلَهُ) قَالَ شَيْخُنَا: وَإِنْ صَرَفَهُ الْمَحْمُولُ لِلْحَامِلِ لَمْ يَقَعْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُنَزَّلُ الْحَامِلُ مَنْزِلَةَ الدَّابَّةِ) أَيْ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِدَلِيلِ وُقُوعِهِ لَهُ بِخِلَافِهَا إذْ لَا قَصْدَ لَهَا.
وَلَوْ تَعَدَّدَ الْحَامِلُ وَقَصَدَهُ وَاحِدٌ لِنَفْسِهِ وَآخَرُ لِلْمَحْمُولِ لَمْ يَقَعْ لِلْمَحْمُولِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَهُمَا) عُلِمَ

[حاشية عميرة]

الرَّكْعَتَيْنِ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: (وَعُورِضَ بِمَا فِي إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ تَتَوَقَّفُ الْمُعَارَضَةُ عَنْ تَأَخُّرِ تَارِيخِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَيْضًا اُنْظُرْ هَلْ تَعَارُضُ ذَيْنِ مِنْ تَعَارُضِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ فَيَكُونُ الْخَاصُّ مَخْصُوصًا أَمْ لَا؟ أَقُولُ إنْ كَانَتْ السُّورَةُ مَكِّيَّةً وَقَوْلُهُ لِلْأَعْرَابِيِّ فِي سَنَةِ الْوُفُودِ وَهِيَ السَّنَةُ التَّاسِعَةُ فَالْحَدِيثُ خَاصٌّ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ تَعَارُضِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، بَلْ قَوْلُهُ: لَيْسَ عَلَيْك غَيْرُهَا إخْبَارٌ لَا يُمْكِنُ صُدُورُهُ، وَالصَّلَوَاتُ الْوَاجِبَةُ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسٍ فَلْيُتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (تَتِمَّةٌ لَا تَجِبُ النِّيَّةُ فِي الطَّوَافِ فِي الْأَصَحِّ) هَذَا الْخِلَافُ يَجْرِي فِي غَيْرِهِ كَالرَّمْيِ وَالْوُقُوفِ وَنَحْوِهِمَا.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الطَّوَافُ فِي غَيْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ) ظَاهِرُ هَذَا دُخُولُ طَوَافِ الْقُدُومِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْقُدُومَ كَالرُّكْنِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ وَلَكِنَّهُ الْقِيَاسُ، لِأَنَّ الْإِحْرَامَ شَمِلَهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، وَتَوَقَّفَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ التَّامِّ.
ثُمَّ قَالَ: تَجِبُ نِيَّةٌ بِلَا شَكٍّ وَنَازَعَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَقَالَ: الْقِيَاسُ تَخْرِيجُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ) . فَرْعٌ: لَوْ نَوَى أُسْبُوعَيْنِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَصِحَّ، فِيمَا يَظْهَرُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ لَهَا تَحَلُّلًا بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ بِتَمَامِ السَّبْعِ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ لِلطَّوَافِ الْآخَرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَوْ حَمْلُ الْحَلَالِ مُحْرِمًا) أَيْ دَخَلَ وَقْتُ طَوَافِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (حُسِبَ لِلْمَحْمُولِ) بَحَثَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ تَقْيِيدَهُ بِمَا إذَا نَوَاهُ لِلْمَحْمُولِ أَوْ أَطْلَقَ، وَعَلَيْهِ مَشَى شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قَدْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ الطَّوَافِ الَّذِي شَمِلَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ قُدُومٍ وَرُكْنٍ كَذَا فِي الْإِسْنَوِيِّ، ثُمَّ هَذِهِ الصُّورَةُ أَيْضًا يَأْتِي فِيهَا بَحْثُ ابْنِ الرِّفْعَةِ الْمَذْكُورُ.

وَجْهَيْنِ فِي حُصُولِهِ لِلْمَحْمُولِ مَعَ الْحَامِلِ لِأَنَّهُ دَارَ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ وَاحِدًا مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَصَدَ نَفْسَهُ أَوْ كِلَيْهِمَا، أَيْ فَيَقَعُ لِلْحَامِلِ فَقَطْ، وَيُؤْخَذُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْحَلَالَ لَوْ نَوَى الطَّوَافَ لِنَفْسِهِ وَقَعَ لَهُ فَقَطْ.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: لَوْ كَانَا مُحْرِمَيْنِ وَنَوَيَا الطَّوَافَ فَأَقُولُ أَصَحُّهَا وُقُوعُهُ عَنْ الْحَامِلِ فَقَطْ، لِأَنَّهُ الطَّائِفُ، وَالثَّانِي عَنْ الْمَحْمُولِ فَقَطْ، وَالْحَامِلُ كَالدَّابَّةِ، وَالثَّالِثُ عَنْهُمَا لِنِيَّتِهِمَا مَعَ الدَّوْرَانِ وَيُقَاسُ بِهِمَا الْجِلَالَانِ النَّاوِيَانِ، فَيَقَعُ لِلْحَامِلِ مِنْهُمَا فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ: يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَصَلَاتِهِ اسْتِحْبَابًا (ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا لِلسَّعْيِ) بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَشَرْطُهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّفَا وَأَنْ يَسْعَى سَبْعًا ذَهَابُهُ مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ مَرَّةً وَعَوْدُهُ مِنْهَا إلَيْهِ أُخْرَى) لِلِاتِّبَاعِ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَقَالَ: «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَأَنْ يَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ رُكْنٍ أَوْ قُدُومٍ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ السَّعْيِ وَطَوَافِ الْقُدُومِ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ (الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ) بِأَنْ يَسْعَى قَبْلَهُ لِلِاتِّبَاعِ الْمَعْلُومِ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي هَذَا.
وَفِي طَوَافِ الرُّكْنِ فِي

[حاشية قليوبي]

مِنْهُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِقَصْدِ الْمَحْمُولِ مَعَ قَصْدِ الْحَامِلِ تَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (لِنَفْسِهِ) أَيْ أَوْ لَهُمَا كَمَا فِي الْمُحْرِمِ.
قَوْلُهُ: (وَنَوَيَا الطَّوَافَ) فَإِنْ نَوَاهُ الْمَحْمُولُ دُونَ الْحَامِلِ وَقَعَ لِلْمَحْمُولِ.
وَكَذَا يُقَالُ فِي الْحَلَالَيْنِ.
قَوْلُهُ: (كَالدَّابَّةِ) تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ السَّعْيِ وَشُرُوطِهِ وَمَا يُطْلَبُ فِيهِ قَوْلُهُ: (وَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ) وَيُقَبِّلُهُ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ مُحَاكَاةً لِلِابْتِدَاءِ فِيمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَرْوَةِ) وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّفَا لِأَنَّهَا خِتَامٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقَدْرُ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا بِذِرَاعِ الْيَدِ سَبْعُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَسَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَلِأَنَّ عَرْضَ الْمَسْعَى خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا فَأَدْخَلُوا بَعْضَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَالصَّفَا مِنْ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ، وَالْمَرْوَةُ مِنْ جَبَلِ قَيْنُقَاعَ.
وَبَابُ الصَّفَا يُقَابِلُ مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ وَهُوَ خَمْسُ طَاقَاتٍ.
قَوْلُهُ: (لِلِاتِّبَاعِ) وَمِنْ الِاتِّبَاعِ نَفْيُ الْجُنَاحِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] وَأَصْلُ نَفْيِهِ أَنَّ الصَّنَمَ الْمُسَمَّى إسَافًا كَانَ عَلَى الصَّفَا وَأَنَّ الصَّنَمَ الْمُسَمَّى نَائِلَةً كَانَ عَلَى الْمَرْوَةِ.
وَكَانَ الْجَاهِلِيَّةُ إذَا سَعَوْا يَمْسَحُونَهُمَا فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ تَحَرَّجَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ السَّعْيِ لِذَلِكَ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ.
قَوْلُهُ: (أَبْدَأُ) هُوَ مُضَارِعٌ يَعُودُ ضَمِيرُهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ جَوَابٌ لِقَوْلِهِمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِمَاذَا تَبْدَأُ إذَا طُفْت؟ وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: فَابْدَءُوا بِلَفْظِ الْأَمْرِ لِلْجَمَاعَةِ جَوَابًا لِقَوْلِهِمْ بِمَاذَا نَبْدَأُ إذَا طُفْنَا وَلَعَلَّ السُّؤَالَ تَعَدَّدَ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَسْعَى) أَيْ جَمِيعَ السَّعْيِ.
وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَوْ أَخَّرَ بَعْضَهُ لِمَا بَعْدَ الْوُقُوفِ لَمْ يُحْسَبْ مَا فَعَلَهُ قَبْلَهُ أَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ طَوَافِ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ السَّعْيُ كَمَكِّيٍّ أَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَطَافَ لِلْوَدَاعِ أَوْ طَافَ نَفْلًا ثُمَّ أَحْرَمَ وَأَرَادَ أَنْ يَسْعَى حِينَئِذٍ وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ لَوْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَإِنْ قَصَدَ الْخُرُوجَ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ خَرَجَ بِالْفِعْلِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِطَوَافِ الْوَدَاعِ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُحْرِمِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ فِي إحْرَامِ الْمَكِّيِّ.
وَمِمَّا يَأْتِي فِي الْخُرُوجِ إلَى مِنًى، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي الْمَعْرُوفِ وَقَدْ مَرَّ ضَبْطُهُ فَلَوْ سَقَّفَ وَطَافَ عَلَى سَقْفِهِ هَلْ يَكْفِيهِ؟ حَرِّرْهُ.
وَفِي كَلَامِ الْعَلَّامَةِ الْعَبَّادِيِّ جَوَازُهُ.
وَهَلْ يَكْفِي السَّعْيُ طَائِرًا؟ . قَوْلُهُ: (أَوْ قُدُومٍ) وَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ وَالْخَطِيبِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: إنَّهُ بَعْدَ الرُّكْنِ أَفْضَلُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَسْعَى قَبْلَهُ) أَيْ الْوُقُوفِ وَتَقَدَّمَ جَوَازُ طَوَافِ الْقُدُومِ بَعْدَهُ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ لَكِنْ

[حاشية عميرة]

[فَصْلٌ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَصَلَاتِهِ اسْتِحْبَابًا]

فَصْلٌ: يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ قَالَ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لِيَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ الِاسْتِلَامُ، كَمَا أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ ابْتَدَأَ بِهِ الِاسْتِلَامُ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ وَاهِنًا تَقْبِيلًا وَلَا سُجُودًا فَلَعَلَّ سَبَبَهُ الْمُبَادَرَةُ إلَى السَّعْيِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ) اعْلَمْ أَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَا تَنْفِيهِ وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ» وَغَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بَعْدَ طَوَافِ رُكْنٍ أَوْ قُدُومٍ) افْهَمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَعْدَ طَوَافِ نَفْلٍ أَوْ وَدَاعٍ، وَلَوْ قَبْلَ الْوُقُوفِ كَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ طَافَ نَفْلًا أَوْ أَرَادَ الْخُرُوجَ لِحَاجَةٍ فَطَافَ لِلْوَدَاعِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ فِي

الْعُمْرَةِ وَيُقَاسُ بِهِ طَوَافُ الرُّكْنِ فِي الْحَجِّ (وَمَنْ سَعَى بَعْدَ) طَوَافِ (قُدُومٍ لَمْ يُعِدْهُ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا طَوَافُهُ الْأَوَّلُ أَيْ سَعْيُهُ» . وَفِي التَّنْزِيلِ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] . وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ كَالشَّرْحِ لَمْ تُسْتَحَبَّ إعَادَتُهُ بَعْدَ طَوَافِ الرُّكْنِ فَهِيَ خِلَافُ الْأَوْلَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكْرُوهَةٌ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْرَ قَامَةٍ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ وَأَنَّهُ فَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا» قَالَ الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْقَى.
وَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَرْقَ أَنْ يَلْصَقَ عَقِبَهُ بِأَصْلِ مَا يَذْهَبُ مِنْهُ، وَيَلْصَقَ رُءُوسَ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ بِمَا يَذْهَبُ إلَيْهِ مِنْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (فَإِذَا رَقِيَ) بِكَسْرِ الْقَافِ (قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَوْلَانَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ دِينًا وَدُنْيَا.
قُلْت وَيُعِيدُ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ثَانِيًا وَثَالِثًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) . كَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ أَيْضًا إلَّا الدُّعَاءَ ثَالِثًا.
وَزَادَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ السَّابِقِ بَعْدَ قَوْلِهِ «رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَ، وَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ: هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» وَرَوَى النَّسَائِيّ يُحْيِي وَيُمِيتُ عَقِبَ وَلَهُ الْحَمْدُ (وَأَنْ يَمْشِيَ) عَلَى هَيِّنَتِهِ (أَوَّلَ السَّعْيِ وَآخِرَهُ وَيَعْدُوَ) أَيْ يَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا (فِي الْوَسَطِ) لِقَوْلِ جَابِرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ مَرَّاتٍ ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إذَا

[حاشية قليوبي]

لَا يَسْعَى بَعْدَهُ بَلْ بَعْدَ طَوَافِ الرُّكْنِ.
كَذَا قَالُوهُ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: لَهُ السَّعْيُ وَيَكْفِيهِ عَنْ الرُّكْنِ.
وَنَقَلَهُ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ: نَعَمْ لَوْ لَمْ يَطُفْ لَمْ يَجُزْ لَهُ السَّعْيُ إلَّا بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ.
وَإِنْ طَافَ قَبْلَ الْوُقُوفِ، فَإِنْ حُمِلَ كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ عَلَى هَذِهِ فَوَاضِحٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَسْعَى بَعْدُ غَيْرَ طَوَافِ الْقُدُومِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ) بَلْ تُكْرَهُ أَوْ تَحْرُمُ إنْ قَصَدَ بِهَا الْعِبَادَةَ لِأَنَّهَا فَاسِدَةٌ، وَقَدْ تُسْتَحَبُّ كَمَا فِي الْقَارِنِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ كَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَدْ تَجِبُ كَمَا لَوْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ بَعْدَهُ وَأَمْكَنَهُ إعَادَتُهُ بِأَنْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَنُوزِعَ فِي الْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: (مَكْرُوهٌ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْقَى) أَيْ إلَّا إنْ خَلَا الْمَحَلُّ مِنْ غَيْرِ الْمَحَارِمِ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا الرُّقِيُّ، وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى.
قَوْلُهُ: (وَالْوَاجِبُ إلَخْ) هَذَا بِحَسَبِ مَا كَانَ وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ اسْتَتَرَ مِنْ الصَّفَا نَحْوُ ثَمَانِ دَرَجَاتٍ، وَمِنْ الْمَرْوَةِ نَحْوُ ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ، وَالْوُقُوفُ فَوْقَ ذَلِكَ يَكْفِي عَنْ الْإِلْصَاقِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا رَقِيَ) لَيْسَ قَيْدًا بَلْ الرَّاقِي وَغَيْرُهُ الذَّكَرُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ فِي طَلَبِ الذِّكْرِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ بِمَا شَاءَ كَمَا مَرَّ، وَمِنْهُ كَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ: اللَّهُمَّ إنَّك قُلْت اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، وَإِنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَإِنِّي أَسْأَلُك كَمَا هَدَيْتنِي لِلْإِسْلَامِ أَنْ لَا تَنْزِعَهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي وَأَنَا مُسْلِمٌ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: بَيْنَ ذَلِكَ أَيْ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُكَرِّرْهُ، أَوْ الْمُرَادُ بَيْنَ كُلِّ مَرَّتَيْنِ مِنْ الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يُكَرِّرُهُ ثَلَاثًا.
وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ فَهُوَ أَوْلَى لِئَلَّا يَخْرُجَ الدُّعَاءُ عَقِبَ الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، أَوْ لَفْظُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَدَعَا بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْقُوتِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَمْشِيَ) أَيْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ عَلَى الْأَكْمَلِ.
قَوْلُهُ: (وَيَعْدُوَ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَلَا يَقْصِدُ بِسَعْيِهِ لَعِبًا وَلَا مُسَابِقَةً لِغَيْرِهِ، وَإِلَّا لَمْ يُحْسَبْ سَعْيُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّ السَّعْيَ لَا يَنْصَرِفُ كَالْوُقُوفِ

[حاشية عميرة]

شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي التَّنْزِيلِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَيْ سَعْيُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكْرُوهَةٌ) اعْتَمَدَهُ السُّبْكِيُّ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ عَادَ بَيْنَ ذَلِكَ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَمَّا يَفْرُغُ مِنْ هَذَا يَدْعُو ثُمَّ يُعِيدُ التَّكْبِيرَ ثُمَّ يَدْعُو وَهَكَذَا فَفِي لَفْظِ الشَّافِعِيِّ، وَدَعَا بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِمَا شَاءَ ثُمَّ وَجَدْت نَصَّ الْبُوَيْطِيِّ مُصَرِّحًا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْقُوتِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَنْ يَمْشِيَ إلَخْ) قَالَ فِي الْكِفَايَةِ إنَّمَا جَارٍ تَرْكُ الْعَدِّ وَفِي مَحَلِّهِ، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مَشَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
وَقَالَ: إنْ مَشَيْت

انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إذَا صَعِدَتَا مَشَى إلَى الْمَرْوَةِ (وَمَوْضِعُ النَّوْعَيْنِ) أَيْ الْمَشْيِ وَالْعَدْوِ (مَعْرُوفٌ) هُنَاكَ فَيَمْشِي حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِيلِ الْأَخْضَرِ الْمُعَلَّقِ بِرُكْنِ الْمَسْجِدِ عَلَى يَسَارِهِ قَدْرُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ فَيَعْدُو حَتَّى يَتَوَسَّطَ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ وَالْآخَرُ مُتَّصِلٌ بِدَارِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَيَمْشِي حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْمَرْوَةِ وَإِذَا عَادَ مِنْهَا إلَى الصَّفَا مَشَى فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ وَسَعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ أَوَّلًا.
وَالْمَرْأَةُ لَا تَسْعَى وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي سَعْيِهِ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ إنَّك أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ وَأَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ مَرَّاتِ السَّعْيِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّهَارَةُ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَيَجُوزُ فِعْلُهُ رَاكِبًا وَلَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ مَا أَتَى بِهِ مِنْ مَرَّاتِ السَّعْيِ أَوْ الطَّوَافِ أَخَذَ بِالْأَقَلِّ.
وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ أَتَمَّهَا فَأَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِبَقَاءِ شَيْءٍ مِنْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْيَانُ بِهِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ.

فَصْلٌ: يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا خَرَجَ مَعَ الْحَجِيجِ (أَوْ مَنْصُوبِهِ) الْمُؤَمَّرِ عَلَيْهِمْ «وَقَدْ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَمِيرًا عَلَى الْحَجِيجِ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (أَنْ يَخْطُبَ بِمَكَّةَ فِي سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ خُطْبَةً فَرْدَةً يَأْمُرُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ إلَى مِنًى وَيُعَلِّمُهُمْ مَا أَمَامَهُمْ مِنْ الْمَنَاسِكِ) إلَى الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ الْآتِيَةِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَانَ رَسُولُ

[حاشية قليوبي]

فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (انْصَبَّتْ) أَيْ نَزَلَتْ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ إلَخْ) لِأَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ كَانَ مَحَلَّ ذَلِكَ الْمَيْلِ فَلَمَّا رَمَاهُ السَّيْلُ لَصِقُوهُ بِجِدَارِ الْمَسْجِدِ فَقُدِّمَ عَنْ مُحَاذَاةِ مَحَلِّهِ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَرْأَةُ لَا تَسْعَى) أَيْ لَا تَعْدُو وَلَوْ لَيْلًا فِي خَلْوَةٍ، وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ) أَيْ السَّاعِي وَلَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى فِي الْمَشْيِ وَالْعَدْوِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ) أَيْ بَلْ يُنْدَبُ فِيهِ كُلُّ مَا طُلِبَ فِي الطَّوَافِ مِنْ شَرْطِهِ أَوْ مَنْدُوبِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ فِعْلُهُ رَاكِبًا) وَتَقَدَّمَ فِي الطَّوَافِ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (أَخَذَ بِالْأَقَلِّ) أَيْ إنْ كَانَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ كَمَا مَرَّ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ وَفِيهِ مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَبْلُغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ وَإِلَّا لَزِمَهُ سَوَاءٌ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَمَا يَطْلُبُ قَبْلَهُ وَفِيهِ وَمَا يَذْكُرُهُ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَنْصُوبِهِ) قَالُوا وَنَصْبُهُ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَخْطُبَ) أَيْ بَعْدَ إحْرَامِهِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (بِمَكَّةَ) وَكَوْنُهُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ أَوْ عِنْدَ بَابِهَا أَفْضَلَ، وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ الْحُجَّاجُ مَكَّةَ بَلْ تَوَجَّهُوا إلَى عَرَفَةَ مِنْ الْمِيقَاتِ مَثَلًا سُنَّ لِإِمَامِهِمْ الْخُطْبَةُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ) وَيُسَمَّى يَوْمَ الزِّينَةِ لِأَنَّهُمْ يُزَيِّنُونَ هَوَادِجَهُمْ لِأَجْلِ الْمَسِيرِ فِي غَدِهِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ) أَيْ أَدَاءً فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَأَتَتْ الْخُطْبَةُ.
قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ كَابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (خُطْبَةً) فَرْدَةً وَبِفَتْحِهَا الْمُحْرِمُ بِالتَّلْبِيَةِ وَالْحَلَالُ بِالتَّكْبِيرِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إنْ كَانَ فَقِيهًا أَنْ يَقُولَ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ وَيَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ فِيهَا بِالْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ كَمَا مَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا.
وَهَذِهِ أَوَّلُ

[حاشية عميرة]

فَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ يَمْشِي، وَإِنْ سَعَيْت فَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ يَسْعَى وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّهَارَةُ إلَخْ) اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» حَيْثُ خَصَّ الطَّوَافَ بِالنَّهْيِ، فَعُلِمَ أَنَّ السَّعْيَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِهِ ذَلِكَ كَالْوُقُوفِ.
قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ.
قَوْلُهُ: (أَخَذَ بِالْأَقَلِّ) أَيْ وَلَوْ كَانَ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا لِأَنَّهُ فِي النُّسُكِ.

[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا خَرَجَ مَعَ الْحَجِيجِ أَنْ يَخْطُبَ بِمَكَّةَ]

فَصْلٌ: يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِالْغَدِ وَإِلَى مِنًى) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الذَّهَابَ قَبْلَ الزَّوَالِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ غَدَا فُلَانٌ لِمَنْ ذَهَبَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَرَاحَ لِمَنْ ذَهَبَ بَعْدَهُ، وَهَذَا الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَفِيهِ قَوْلٌ بِأَنَّهُ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِمَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُعَلِّمُهُمْ مَا

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا كَانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ خَطَبَ النَّاسَ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَنَاسِكِهِمْ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَيَوْمُ التَّرْوِيَةِ الْيَوْمُ الثَّامِنُ وَلَوْ كَانَ التَّتَابُعُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَطَبَ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (وَيَخْرُجُ بِهِمْ مِنْ الْغَدِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَإِنْ كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ فَقَبْلَ الْفَجْرِ (إلَى مِنًى وَيَبِيتُونَ بِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَصَدُوا عَرَفَاتٍ، قُلْت) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (وَلَا يَدْخُلُونَهَا بَلْ يُقِيمُونَ بِنَمِرَةَ بِقُرْبِ عَرَفَاتٍ حَتَّى نُزُولِ الشَّمْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ يَخْطُبُ الْإِمَامُ بَعْدَ الزَّوَالِ خُطْبَتَيْنِ) لِلِاتِّبَاعِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ يُبَيِّنُ لَهُمْ فِي أُولَاهُمَا مَا أَمَامَهُمْ مِنْ الْمَنَاسِكِ إلَى خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى إكْثَارِ الدُّعَاءِ وَالتَّهْلِيلِ بِالْمَوْقِفِ وَيُخَفِّفُهَا وَيَجْلِسُ بَعْدَ فَرَاغِهَا بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، ثُمَّ يَقُومُ إلَى الثَّانِيَةِ وَيَأْخُذُ الْمُؤَذِّنُ فِي الْأَذَانِ وَيُخَفِّفُهَا بِحَيْثُ يَفْرُغُ مِنْهَا مَعَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ.
قِيلَ: مِنْ الْإِقَامَةِ وَقِيلَ: مِنْ الْأَذَانِ وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالرَّوْضَةِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (ثُمَّ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالْجَمْعُ لِلسَّفَرِ وَقِيلَ: لِلنُّسُكِ وَيَقْصُرُهُمَا أَيْضًا الْمُسَافِرُونَ بِخِلَافِ الْمَكِّيِّينَ وَتُفْعَلَانِ وَالْخُطْبَتَانِ قِيلَ: بِنَمِرَةَ وَالْجُمْهُورُ بِمَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ

[حاشية قليوبي]

خُطَبِ الْحَجِّ الْأَرْبَعِ.
وَالثَّانِيَةُ يَوْمَ عَرَفَةَ بِمَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالثَّالِثَةُ يَوْمَ الْعِيدِ وَالرَّابِعَةُ فِي ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَكُلُّهَا فُرَادَى وَبَعْدَ الصَّلَاةِ إلَّا الثَّانِيَةَ فِيهِمَا وَكُلُّهَا بَعْدَ الزَّوَالِ.
قَوْلُهُ: (بِالْغُدُوِّ) أَيْ قَبْلَ الزَّوَالِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ لَفْظِ الْغُدُوِّ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ الْمُسَمَّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ لِأَنَّهُمْ يَتَرَوَّوْنَ فِيهِ الْمَاءَ، وَيَأْمُرُ فِيهَا الْمُتَمَتِّعِينَ وَالْمَكِّيِّينَ بِطَوَافِ الْوَدَاعِ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ وَبَعْدَ إحْرَامِهِمْ.
وَهَذَا الطَّوَافُ مَنْدُوبٌ وَخَرَجَ بِالْمُتَمَتَّعِينَ وَالْمَكِّيِّينَ غَيْرُهُمْ مِنْ الْمُفْرِدِينَ وَالْقَارِنِينَ وَالْآفَاقِيِّينَ لِعَدَمِ تَحَلُّلِهِمْ وَعَدَمِ إقَامَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: (إلَى مِنًى) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ النُّونِ مُخَفَّفَةً عَلَى الْأَفْصَحِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ضَمُّ الْمِيمِ خَطَأٌ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُنْيَةٍ أَيْ مَا يُتَمَنَّى وَهِيَ بِالْقَصْرِ وَتَذْكِيرُهَا أَغْلَبُ وَفِيهَا الصَّرْفُ وَعَدَمُهُ.
وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يُمْنَى أَيْ يُرَاقُ فِيهَا مِنْ الدِّمَاءِ.
وَهِيَ مَا بَيْنَ وَادِي مُحَسِّرٍ وَأَسْفَلِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لِأَنَّ الْجَمْرَةَ لَيْسَتْ مِنْهَا.
وَذَلِكَ سَبْعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَمِائَتَا ذِرَاعٍ بِذِرَاعِ الْيَدِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ فَرْسَخٌ، وَكَذَا مِنْهَا إلَى مُزْدَلِفَةَ، وَكَذَا مِنْهَا إلَى عَرَفَاتٍ.
قَوْلُهُ: (إلَى الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ) هَذَا قَيْدٌ لِمَا هُوَ الْأَقَلُّ وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَذْكُرَ فِي كُلِّ خُطْبَةٍ مَا أَمَامَهُمْ مِنْ الْمَنَاسِكِ إلَى آخِرِ تَمَامِ الْحَجِّ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) فَلَا يَكْفِي خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ عَنْهَا، وَإِنْ تَعَرَّضَ لَهَا فِيهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) وَالْأَوْلَى عِنْدَ الضُّحَى كَمَا فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ: (إلَى مِنًى) فَيُصَلُّونَ فِيهَا الظُّهْرَ وَمَا بَعْدَهَا، وَيُنْدَبُ الْمَشْيُ فِي جَمِيعِ الْمَنَاسِكِ.
قَوْلُهُ: (وَيَبِيتُونَ) عَطْفٌ عَلَى يَخْطُبُ فَهُوَ مَنْدُوبٌ وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ مِنْ إيقَادِ الشُّمُوعِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ.
قَوْلُهُ: (طَلَعَتْ الشَّمْسُ) أَيْ أَشْرَقَتْ عَلَى ثَبِيرٍ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ جَبَلٌ كَبِيرٌ بِمُزْدَلِفَةَ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ إلَى عَرَفَةَ وَيَذْهَبُونَ إلَى عَرَفَةَ مِنْ طَرِيقِ ضَبٍّ، وَهُوَ جَبَلٌ مُطِلٌّ عَلَى مِنًى وَيَعُودُونَ مِنْ طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ وَهُمَا جَبَلَانِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ ضَيِّقٌ هِيَ الْمَأْزِمُ لُغَةً كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (بِنَمِرَةَ) بِفَتْحِ النُّونِ مَعَ كَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِهَا وَبِكَسْرِ النُّونِ مَعَ إسْكَانِ الْمِيمِ مَوْضِعٌ يُنْدَبُ الْغُسْلُ فِيهِ لِلْوُقُوفِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْأَذَانِ) الْمُرَادُ بِهِ الْإِقَامَةُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
وَبِهِ يَزُولُ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ وَيَزُولُ مَا قِيلَ: إنَّ الْأَذَانَ يَمْنَعُ مِنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ فَيَفُوتُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا، وَلَا حَاجَةَ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْخُطْبَةِ التَّعْلِيمُ، وَقَدْ حَصَلَ بِالْخُطْبَةِ الْأُولَى.
وَإِنَّمَا الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِمَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ) الْخَلِيلِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمَنْ

[حاشية عميرة]

أَمَامُهُمْ إلَخْ) وَيَأْمُرُهُمْ فِيهَا بِطَوَافِ الْوَدَاعِ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْخَطِيبُ مُحْرِمًا افْتَتَحَ الْخُطْبَةَ بِالتَّلْبِيَةِ وَإِلَّا فَبِالتَّكْبِيرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنًى) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يُمْنَى فِيهَا مِنْ الدِّمَاءِ أَيْ يُرَاقُ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ فَرْسَخٌ، وَكَذَا مِنْهَا إلَى الْمُزْدَلِفَةِ وَمِنْهَا إلَى عَرَفَاتٍ.
وَقَوْلُهُ وَيَبِيتُونَ بِهَا قَالَ الرَّافِعِيُّ: هُوَ هَيْئَةٌ وَلَيْسَ بِنُسُكٍ يُجْبَرُ بِدَمٍ وَالْغَرَضُ مِنْهُ الِاسْتِرَاحَةُ لِلسَّيْرِ مِنْ الْغَدِ إلَى عَرَفَاتٍ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ سُنَّةٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثُمَّ يَخْطُبُ الْإِمَامُ إلَخْ) رَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَزَلَ بِنَمِرَةَ حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ، أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرَحَلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ رَكِبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا» . قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثُمَّ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الظُّهْرَ إلَخْ) وَيُسِرُّ فِيهِمَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
قَوْلُهُ: (وَالْجَمْعُ لِلسَّفَرِ إلَخْ) أَيْ وَأَمَّا الْقَصْرُ فَهُوَ لِلسَّفَرِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا صَرَّحَ الْأَصْحَابُ

وَصَدْرُهُ مِنْ عَرَفَةَ وَآخِرُهُ مِنْ عَرَفَةَ وَيُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا صَخَرَاتٌ كِبَارٌ فُرِشَتْ هُنَاكَ.
قَالَ الْبَغَوِيّ: وَصَدْرُهُ مَحَلُّ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ.
(وَيَقِفُوا) أَيْ الْإِمَامُ أَوْ مَنْصُوبُهُ وَالنَّاسُ بَعْدَ الصَّلَاتَيْنِ (بِعَرَفَةَ إلَى الْغُرُوبِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَبَيْنَ هَذَا الْمَسْجِدِ مَوْقِفُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّخَرَاتِ نَحْوُ مِيلٍ (وَيَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى وَيَدْعُوهُ وَيُكْثِرُوا التَّهْلِيلَ) رَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْت: أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا.
وَفِي سَمْعِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا، اللَّهُمَّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي» (فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ قَصَدُوا مُزْدَلِفَةَ وَأَخَّرُوا الْمَغْرِبَ لِيُصَلُّوهَا مَعَ الْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ جَمْعًا) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ

[حاشية قليوبي]

قَالَ إنَّهُ شَخْصٌ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ سُمِّيَ بِذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي نُسِبَ إلَيْهِ بَابُ إبْرَاهِيمَ بِالْمَسْجِدِ فَقَدَّسَهَا، وَإِنْ تَبِعَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْفَضْلِ.
قَوْلُهُ: (عُرَنَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفَتْحِ النُّونِ وَلَيْسَتْ نَمِرَةَ وَلَا عُرَنَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ وَلَا مِنْ الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: (وَيَقِفُوا) عَطْفٌ عَلَى يَخْطُبُ فَهُوَ مَنْدُوبٌ وَسَيَأْتِي الْوَاجِبُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (بِعَرَفَةَ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ تَعَارَفَا فِيهَا بَعْدَ نُزُولِهِمَا مِنْ الْجَنَّةِ مُتَفَرِّقِينَ آدَم بِجَبَلِ سَرَنْدِيبَ وَحَوَّاءُ بِعَرَفَةَ.
وَقِيلَ: لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَرَّفَ إبْرَاهِيمَ الْمَنَاسِكَ فِيهَا.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَلَهَا حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا يَنْتَهِي إلَى جَادَّةِ طَرِيقِ الشَّرْقِ وَالثَّانِي إلَى حَافَّاتِ الْجَبَلِ الَّذِي وَرَاءَهَا، وَالثَّالِثُ إلَى الْبَسَاتِينِ الَّتِي عِنْدَ الْقَرْيَةِ الَّتِي تُرَى مِنْ عَرَفَاتٍ، وَالرَّابِعُ إلَى وَادِي عُرَيْنَةَ بِالنُّونِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ فِي وَسَطِهَا وَعَلَامَتُهَا مِنْ جِهَةِ مَكَّةَ الْعَلَمَانِ الْمَشْهُورَانِ.
وَمَا يَزْعُمُهُ الْعَوَامُّ فِيهِمَا مِنْ نُزُولِ حَوَّاءَ عَلَيْهِمَا، وَمِنْ فَضِيلَةِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ مِنْ بَيْنَهُمَا فَمِنْ خُرَافَاتِهِمْ وَمَسَافَتُهَا مِنْ بَابِ السَّلَامِ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ ذِرَاعٍ وَأَرْبَعُونَ أَلْفِ ذِرَاعٍ وَاثْنَانِ وَثَمَانُونَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْيَدِ.
قَوْلُهُ: (إلَى الْغُرُوبِ) أَيْ عَقِبَهُ بِزَوَالِ الصُّفْرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَوْقِفُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) الْمَشْهُورُ بِمَوْقِفِ الْمَحَامِلِ أَفْضَلُ مَحَلٍّ بِهَا لِلدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ أَسْفَلُ جَبَلِ الرَّحْمَةِ الَّذِي بِوَسَطِ عَرَفَاتٍ.
وَلَيْسَ لِلْوُقُوفِ عَلَى هَذَا الْجَبَلِ فَضِيلَةٌ، بَلْ قِيلَ بِكَرَاهَتِهِ كَبَقِيَّةِ جِبَالِ عَرَفَةَ.
وَهَذَا لِلرِّجَالِ وَبَعْدَهُمْ الصَّبِيَّانِ، وَبَعْدَهُمْ الْخَنَاثَى وَبَعْدَهُمْ النِّسَاءُ إلَى حَاشِيَةِ عَرَفَةَ كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَالْأَفْضَلُ الْوُقُوفُ رَاكِبًا لِأَنَّهُ أَعْوَنُ.
قَوْلُهُ: (وَيَدْعُوهُ) أَيْ اللَّهَ تَعَالَى وَمِنْ مَأْثُورِ الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ كَاَلَّذِي نَقُولُ وَخَيْرًا مِمَّا نَقُولُ.
وَيُنْدَبُ أَنْ يُكَرِّرَ كُلَّ ذِكْرٍ وَدُعَاءٍ ثَلَاثًا وَأَنْ يَفْتَتِحَهُ وَيَخْتَتِمَهُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْ يُكْثِرَ مِنْ التَّلْبِيَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ خُصُوصًا سُورَةَ الْحَشْرِ لِأَثَرٍ وَرَدَ فِيهَا، وَأَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ وَلَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ وَأَنْ لَا يُفْرِطَ فِي الْجَهْرِ بِالدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ وَأَنْ لَا يَسْتَظِلَّ بَلْ يَبْرُزُ لِلشَّمْسِ إلَّا لِعُذْرٍ وَأَنْ يَكُونَ فِي جِهَةِ ذَلِكَ مُسْتَقِلًّا مُتَطَهِّرًا مَسْتُورًا رَاكِبًا خَاشِعًا بَاكِيًا أَوْ مُتَبَاكِيًا، وَأَنْ يَحْذَرَ الْمُشَاتَمَةَ وَالْمُخَاصَمَةَ وَانْتِهَارَ السَّائِلِ وَاحْتِقَارَ أَحَدٍ وَكَثْرَةَ الْكَلَامِ.
فَرْعٌ: قَالَ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ: وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيفِ بِغَيْرِ عَرَفَةَ إنْ خَلَا عَنْ نَحْوِ اخْتِلَاطِ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ.
قَوْلُهُ: (قَصَدُوا) أَيْ مِنْ طَرِيقِ

[حاشية عميرة]

  • رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَالْمُرَادُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، فَقَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقْصُرُونَ.
    قَوْلُهُ: (وَيَقْصُرُهُمَا أَيْضًا الْمُسَافِرُونَ) وَلَا يَضُرُّ فِي ذَلِكَ وَإِنَّ الْخَارِجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى وَطَنِهِ عَازِمًا عَلَى الْعَوْدِ إلَيْهَا لِلطَّوَافِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْمُسْتَوْطِنُ بِهَا إذَا خَرَجَ قَاصِدًا السَّفَرَ إلَى مِصْرَ مَثَلًا يُعْتَبَرُ فِيهِ عَدَمُ الْعَوْدِ كَمَا لَا يَخْفَى، لِأَنَّهَا وَطَنُهُ وَنِيَّةُ الْعَوْدِ إلَيْهِ دَوَامًا قَاطِعَةٌ.
    فَكَيْفَ بِهَا ابْتِدَاءً هَكَذَا ظَهَرَ لِي، وَلَمْ أَرَهُ مَسْطُورًا وَقَدْ حَدَثَ الْآنَ إقَامَتُهُمْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْمَنَاسِكِ أَيَّامًا، وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ قَصْرِ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ أَيْضًا فَلْيُتَأَمَّلْ.
    قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَقِفُوا) مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى يَخْطُبُ فَاقْتَضَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ مَعَ أَنَّهُ رُكْنٌ، وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ إلَى الْغُرُوبِ سَهَّلَ ذَلِكَ.
    نَعَمْ قَضِيَّةُ الْعَطْفِ إفْرَادُ الضَّمِيرِ، وَلَكِنَّ جَمْعَهُ بِالنَّظَرِ إلَى مَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
    تَنْبِيهٌ: أَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ الْغُسْلَ لِهَذَا الْمَوْقِفِ وَلِلْمَشْعَرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لِكَوْنِهِ ذَكَرَهُ فِيمَا سَبَقَ.
    قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَدْعُوهُ) مِنْ مُسْتَحْسَنِ الدُّعَاءِ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ: اللَّهُمَّ إنَّك تَسْمَعُ كَلَامِي وَتَرَى مَكَانِي وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي وَلَا يَخْفَى عَلَيْك شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي، أَسْأَلُك مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ، وَأَبْتَهِلُ إلَيْك ابْتِهَالَ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوك دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ، دُعَاءَ مَنْ خَضَعَتْ لَك رَقَبَتُهُ، وَفَاضَتْ عَبْرَتُهُ وَذَلَّ لَك جَسَدُهُ، وَرَغِمَ لَك أَنْفُهُ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي بِدُعَائِك شَقِيًّا وَكُنْ بِي رَءُوفًا رَحِيمًا، يَا خَيْرَ الْمَسْئُولِينَ وَيَا خَيْرَ الْمُعْطِينَ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
    لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
    قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَخَّرُوا الْمَغْرِبَ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: نَقْلًا عَنْ الْإِمْلَاءِ: إنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ قَصَدَ الْمَصِيرَ إلَيْهَا حَالًّا وَإِلَّا

الشَّيْخَانِ.
وَالْجَمْعُ لِلسَّفَرِ وَقِيلَ: لِلنُّسُكِ وَيَذْهَبُونَ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ فَمَنْ وَجَدَ فُرْجَةً أَسْرَعَ (وَوَاجِبُ الْوُقُوفِ حُضُورُهُ) أَيْ الْمُحْرِمِ (بِجُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ) قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَقَفْت هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَإِنْ كَانَ مَارًّا فِي طَلَبِ آبِقٍ وَنَحْوِهِ) كَدَابَّةٍ شَارِدَةٍ أَيْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُكْثُ وَلَا أَنْ لَا يَصْرِفَهُ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى قَالَ الْإِمَامُ: وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ الْخِلَافَ السَّابِقَ فِي صَرْفِ الطَّوَافِ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الطَّوَافَ قُرْبَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ (بِشَرْطِ كَوْنِهِ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ لَا مُغْمًى عَلَيْهِ) فَلَا يُجْزِئُهُ وَلَا السَّكْرَانَ وَلَا الْمَجْنُونَ وَقِيلَ يُجْزِئُهُمْ (وَلَا بَأْسَ بِالنَّوْمِ) الْمُسْتَغْرِقِ.
وَقِيلَ: يَضُرُّ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا عَرَفَةُ أَجْزَأَهُ وَقِيلَ: لَا (وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ) وَقِيلَ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَانِ إمْكَانِ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ الزَّوَالِ (وَالصَّحِيحُ بَقَاؤُهُ إلَى الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ) وَالثَّانِي لَا يَبْقَى إلَى ذَلِكَ بَلْ يَخْرُجُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَالثَّالِثُ يَبْقَى بِشَرْطِ تَقَدُّمِ الْإِحْرَامِ عَلَى لَيْلَةِ النَّحْرِ وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ حَدِيثُ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» . رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَلَيْلَةُ جَمْعٍ هِيَ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ (وَلَوْ وَقَفَ نَهَارًا ثُمَّ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَلَمْ يَعُدْ أَرَاقَ) مَعَ إدْرَاكِهِ الْوُقُوفَ (دَمًا اسْتِحْبَابًا) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ (وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ) لِأَنَّهُ تَرَكَ نُسُكًا هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الَّذِي فَعَلَهُ النَّبِيُّ فِي الْوُقُوفِ (وَإِنْ عَادَ) إلَى عَرَفَةَ (فَكَانَ بِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ فَلَا دَمَ) يُؤْمَرُ بِهِ

[حاشية قليوبي]

الْمَأْزِمَيْنِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (مُزْدَلِفَةَ) مِنْ الِازْدِلَافِ أَيْ الْقُرْبِ لِقُرْبِ الْحَاجِّ فِيهَا مِنْ مِنًى أَوْ لِقُرْبِهَا مِنْ عَرَفَةَ، وَتُسَمَّى جَمْعًا بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ لِاجْتِمَاعِ الْحَاجِّ فِيهَا، وَهِيَ مَا بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ وَوَادِي مُحَسِّرٍ.
قَوْلُهُ: (لِيُصَلُّوهَا) أَيْ بَعْدَ إنَاخَةِ جِمَالِهِمْ وَقَبْلَ حَطِّ رِحَالِهِمْ نَعَمْ إنْ خَافُوا خُرُوجَ وَقْتِ اخْتِيَارِ الْعِشَاءِ صَلَّوْا فِي الطَّرِيقِ.
وَيُنْدَبُ لَهُمْ صَلَاةُ الرَّوَاتِبِ لَا النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ) قَالَ شَيْخُنَا: وَلَوْ عَلَى قِطْعَةٍ نُقِلَتْ مِنْهَا إلَى غَيْرِهَا فَرَاجِعْهُ.
وَخَرَجَ بِأَرْضِهَا هَوَاؤُهَا كَنَحْوِ سَحَابٍ أَوْ غُصْنِ شَجَرَةٍ أَصْلُهَا خَارِجٌ عَنْهَا أَوْ عَكْسُهُ فَلَا يَكْفِي، فَلَوْ وَقَفَ عَلَى غُصْنٍ فِي هَوَائِهَا وَأَصْلُهُ فِي أَرْضِهَا كَفَى لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ هُنَا بِالْأَرْضِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ مَا فِي الِاعْتِكَافِ مِنْ الِاكْتِفَاءِ فِيهِ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَتَقَدَّمَ الِاكْتِفَاءُ هُنَا بِالرُّكُوبِ عَلَى دَابَّةٍ.
قَوْلُهُ: (مَارًّا) أَيْ لَا طَائِرًا كَمَا مَرَّ.
وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرَهُ أَنَّ الْوُقُوفَ لَا يَنْصَرِفُ لِغَيْرِهِ وَلَوْ نَفَاهُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ) وَتَقَدَّمَ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ لِلْمُبَاشَرَةِ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْحَلْقِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُجْزِئُهُ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يُفِقْ مِنْ إغْمَائِهِ لَحْظَةً.
وَلَا يَبْنِي الْوَلِيُّ عَلَى فِعْلِهِ فَلَا يَقَعُ حَجُّهُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَمَا فِي الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ مَرْجُوحٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا السَّكْرَانَ) أَيْ الَّذِي لَمْ يَزُلْ عَقْلُهُ، وَلَيْسَ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ فَهُوَ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فِيمَا ذُكِرَ فَإِنْ كَانَ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ فَحَجُّهُ صَحِيحٌ أَوْ زَالَ عَقْلُهُ فَكَالْمَجْنُونِ، وَحُكْمُهُ أَنْ يَبْنِيَ الْوَلِيُّ عَلَى فِعْلِهِ لِأَنَّ لَهُ الْإِحْرَامُ عَنْهُ ابْتِدَاءً كَمَا مَرَّ.
وَيَقَعُ حَجُّهُ نَفْلًا.
وَكَذَا السَّكْرَانُ إنْ زَالَ عَقْلُهُ وَأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ وُقُوفُهُ وَلَا يَقَعُ حَجُّهُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا إنْ لَمْ يُفِقْ لَحْظَةً.
وَكَذَا السَّكْرَانُ إنْ لَمْ يَزُلْ عَقْلُهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الزَّوَالِ) وَجَوَّزَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْلَةُ جَمْعٍ إلَخْ) رُدَّ بِهِ عَلَى مَنْ قَالَ لَيْلَةُ جَمْعٍ لَيْلَةُ التَّاسِعِ، فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ كَوْنِ اللَّيْلِ سَابِقَ النَّهَارِ.
قَوْلُهُ: (خُرُوجًا إلَخْ) وَهُوَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -،

[حاشية عميرة]

فَيُقَدِّمُهَا وَنُوزِعَ أَيْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ كَمَا فِي النُّكَتِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِنْ كَانَ مَارًّا فِي طَلَبِ آبِقٍ) أَشَارَ بِالْمُرُورِ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْمُكْثِ، وَبِطَلَبِ الْآبِقِ إلَى أَنَّ الصَّرْفَ لِغَرَضٍ آخَرَ لَا يَضُرُّ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَمْ يُجْرُوا فِيهِ الْخِلَافَ فِي صَرْفِ الطَّوَافِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الطَّوَافَ قُرْبَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ هَذِهِ الْحَاشِيَةُ سَطَرْتهَا قَبْلَ رُؤْيَةِ مَا فِي الشَّرْحِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ) قَالَ الْأَصْحَابُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لَهَا أَيْضًا عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْحَلْقِ وَقِيَاسُ كَوْنِهِ نُسُكًا الِاشْتِرَاطُ قَالَهُ الْعِرَاقِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يَضُرُّ) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُلَّ رُكْنٍ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ بَعْدَ مُضِيِّ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْإِسْنَوِيَّ سَاقَ حَدِيثًا صَحِيحًا عَنْ عُرْوَةَ الطَّائِيِّ، يَدُلُّ عَلَى دُخُولِ الْوَقْتِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدْ قَالَ: فَإِنْ تَمَسَّكْنَا بِالْحَدِيثِ لَزِمَنَا ذَلِكَ، وَإِنْ تَمَسَّكْنَا بِالْفِعْلِ وَجَعَلْنَاهُ مُبَيِّنًا لِلْمُرَادِ مِنْ النَّهَارِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ، لَزِمَنَا أَنْ نَعْتَبِرَ إمْكَانَ الصَّلَاةِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ لِلْأُضْحِيَّةِ فَالْقَوْلُ بِالزَّوَالِ خُرُوجٌ عَنْ الدَّلِيلَيْنِ مَعًا انْتَهَى.
وَلَك أَنْ تَقُولَ مِنْ شَأْنِ الْخُطْبَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِشَيْءٍ أَنْ تَكُونَ فِي وَقْتِ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
قَوْلُهُ: (وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ)

(وَكَذَا إنْ عَادَ لَيْلًا فِي الْأَصَحِّ) وَرُجِّحَ الْقَطْعُ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَالثَّانِي يَجِبُ الدَّمُ لِأَنَّ النُّسُكَ الْوَارِدَ الْجَمْعُ بَيْنَ آخِرِ النَّهَارِ وَأَوَّلِ اللَّيْلِ وَقَدْ فَوَّتَهُ.
وَالْخِلَافُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْوُجُوبِ فِي عَدَمِ الْعَوْدِ (وَلَوْ وَقَفُوا الْيَوْمَ الْعَاشِرَ غَلَطًا) لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ التَّاسِعُ بِأَنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ هِلَالُ ذِي الْقَعْدَةِ فَأَكْمَلُوهُ ثَلَاثِينَ ثُمَّ بَانَ أَنَّ الْهِلَالَ أَهَلَّ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ.
إمَّا فِي أَثْنَاءِ الْوُقُوفِ أَوْ بَعْدَهُ (أَجْزَأَهُمْ) وُقُوفُهُمْ (إلَّا أَنْ يَقِلُّوا عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ) فِي الْحَجِيجِ (فَيَقْضُونَ) هَذَا الْحَجَّ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَضَائِهِمْ مَشَقَّةٌ عَامَّةٌ، وَالثَّانِي لَا يَقْضُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ وَلَوْ بَانَ الْأَمْرُ قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ الْعَاشِرِ فَوَقَفُوا بَعْدَهُ، قَالَ فِي التَّهْذِيبِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ لَا يُجْزِئُهُمْ لِأَنَّهُمْ وَقَفُوا عَلَى يَقِينِ الْفَوَاتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّ عَامَّةَ الْأَصْحَابِ ذَكَرُوا أَنَّهُ لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَيْلَةَ الْعَاشِرِ وَهُمْ بِمَكَّةَ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ حُضُورِ الْمَوْقِفِ بِاللَّيْلِ يَقِفُونَ مِنْ الْغُدُوِّ، وَيُحْسَبُ لَهُمْ كَمَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بَعْدَ الْغُرُوبِ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ.
نَصَّ عَلَى أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ مِنْ الْغَدِ الْعِيدَ فَإِذَا لَمْ نَحْكُمْ بِالْفَوَاتِ بِقِيَامِ الشَّهَادَةِ لَيْلَةَ الْعَاشِرِ لَزِمَ مِثْلُهُ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ وَسَكَتَ عَلَى ذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ وَلَوْ وَقَفُوا الْيَوْمَ الْحَادِيَ عَشَرَ لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُمْ بِحَالٍ (وَإِنْ وَقَفُوا فِي) الْيَوْمِ (الثَّامِنِ وَعَلِمُوا قَبْلَ فَوْتِ الْوَقْتِ وَجَبَ الْوُقُوفُ فِي الْوَقْتِ وَإِنْ عَلِمُوا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ فَوْتِ الْوُقُوفِ (وَجَبَ الْقَضَاءُ) لِهَذَا الْحَجِّ (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي لَا يَجِبُ كَمَا فِي الْغَلَطِ بِالتَّأْخِيرِ وَفُرِّقَ بِأَنَّ تَأْخِيرَ الْعِبَادَةِ عَنْ وَقْتِهَا أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِسَابِ مِنْ

[حاشية قليوبي]

وَيُوَافِقُهُ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ.
قَوْلُهُ: (وَرَجَحَ الْقَطْعُ إلَخْ) فَالتَّعْبِيرُ بِالْمَذْهَبِ أَنْسَبُ.
قَوْلُهُ: (غَلَطًا) حَالٌ مِنْ الْفَاعِلِ أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَصِحُّ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى.
وَقَالَ شَيْخُنَا: بَلْ هُوَ مُتَعَيِّنٌ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الشَّارِحِ، وَلَا يَضُرُّ فِيهِ فَقْدُ بَعْضِ شُرُوطِ الْمَفْعُولِ لَهُ كَمَا قِيلَ، وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ لِيَدْخُلَ مَا لَوْ ظَهَرَ لَهُمْ الْغَلَطُ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ فَوَقَفُوا بَعْدَ زَوَالِهِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُمْ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لِظَنِّهِمْ إلَى دَفْعِ قَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّ التَّصْوِيرَ الْمَذْكُورَ جَهْلٌ لَا غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (هِلَالُ ذِي الْقَعْدَةِ) أَيْ الْمُتَّصِلِ بِهَا، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ وَكَانَ الْأَصْوَبُ التَّعْبِيرَ بِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (أَجْزَأَهُمْ وُقُوفُهُمْ) أَيْ بَعْدَ زَوَالِ الْعَاشِرِ لَا قَبْلَهُ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ الْعَاشِرُ وَتَكُونُ لَيْلَةُ الْعِيدِ هِيَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَيُجْزِئُ الْوُقُوفُ فِيهَا وَلَا تَدْخُلُ أَعْمَالُ الْحَجِّ إلَّا بَعْدَ نِصْفِهَا.
وَيَجِبُ مَبِيتُ مُزْدَلِفَةَ فِيهَا وَالْيَوْمُ الَّذِي بَعْدَهُ هُوَ يَوْمُ الْعِيدِ فَلَا تُجْزِئُ الْأُضْحِيَّةُ قَبْلَ طُلُوعِ شَمْسِهِ، وَيَحْرُمُ صَوْمُهُ، وَتَكُونُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةً بَعْدَهُ تُجْزِئُ الْأُضْحِيَّةُ فِيهَا وَيَحْرُمُ صَوْمُهَا.
وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَاجِّ دُونَ غَيْرِهِمْ فِيمَا يَظْهَرُ.
نَعَمْ مَنْ رَأَى أَوْ أَخْبَرَهُ مَنْ رَأَى وَصَدَّقَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ وَحْدَهُ كَمَا فِي الصَّوْمِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ فِي التَّهْذِيبِ إلَخْ) هُوَ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ وَالْمُعْتَمَدُ الْإِجْزَاءُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَسُكُوتُهُ فِي الرَّوْضَةِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ارْتَضَاهُ.
قَوْلُهُ: (يَقِفُونَ مِنْ

[حاشية عميرة]

وَدَلِيلُ الثَّانِي هُوَ الْعَمَلُ.
قَوْلُهُ: (وَرُجِّحَ الْقَطْعُ بِهِ) وَمِنْ ثَمَّ اعْتَرَضَ الْإِسْنَوِيُّ عَدَمَ التَّعْبِيرِ بِالْمَذْهَبِ، ثُمَّ التَّعْبِيرُ بِالْأَصَحِّ دُونَ الصَّحِيحِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (غَلَطًا) مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ فَتَشْمَلُ الْعِبَارَةُ مَا لَوْ انْكَشَفَ الْحَالُ قَبْلَ الزَّوَالِ، ثُمَّ وَقَفُوا عَلَى يَقِينِ الْفَوَاتِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أُعْرِبَ حَالًّا.
قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَفْعُولَ لِأَجْلِهِ يُشْتَرَطُ اتِّحَادُهُ مَعَ الْمُعَلَّلِ بِهِ فِي الْوَقْتِ.
قَوْلُهُ: (لِظَنِّهِمْ) حَاوَلَ بِهِ تَصْحِيحَ إطْلَاقِ لَفْظِ الْغَلَطِ عَلَى التَّصْوِيرِ الْآتِي، لِيَدْفَعَ قَوْلَ الْإِسْنَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّهُ يُسَمَّى جَهْلًا لَا غَلَطًا قَالَ: نَعَمْ يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَوْ غَلِطُوا فِي الْحِسَابِ، وَهُوَ غَيْرُ مُغْتَفَرٍ فَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ الْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ، وَمَا الْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ لَا يَقْتَضِيهِ.
قَوْلُهُ: (هِلَالُ ذِي الْقَعْدَةِ) عَبَّرَ غَيْرُهُ بِذِي الْحِجَّةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَأَمَّا عِبَارَةُ الشَّيْخِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ نِسْبَتَهُ إلَيْهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تُطْلَبُ رُؤْيَتُهُ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْهَا، فَلَهُ بِهَا نَوْعُ ارْتِبَاطٍ مُصَحِّحٌ لِلْإِضَافَةِ أَوْ مُرَادُهُ أَنَّ هِلَالَهَا غُمَّ عَلَيْهِمْ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَوَّالٍ، فَأَكْمَلُوا عِدَّةَ شَوَّالٍ وَعِدَّةَ الْقَعْدَةِ، وَشَرَعُوا فِي الْحِجَّةِ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ ثُمَّ ثَبَتَ فِي التَّاسِعِ مِنْ الْحِجَّةِ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فِي لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَوَّالٍ، فَيَكُونُ التَّاسِعُ عَاشِرًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَجْزَأَهُمْ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ.
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَيَقْضُونَ) أَيْ فَإِنَّهُمْ يَقْضُونَ وَلَا يَصِحُّ نَصْبُهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَوْ وَقَفُوا قَبْلَ الزَّوَالِ يَوْمَ الْعَاشِرِ غَلَطًا، ثُمَّ انْكَشَفَ الْحَالُ قَبْلَ الزَّوَالِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ الْوُقُوفِ بَعْدَ الزَّوَالِ.
قَوْلُهُ: (وَسَكَتَ عَلَى ذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ) صَحَّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْإِجْزَاءَ ثُمَّ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمَا سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ وَقَضِيَّةُ رَمَضَانَ عَدَمُ سَمَاعِهَا فَمَا الْفَرْقُ؟ . قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ.

تَقْدِيمِهَا عَلَيْهِ.
وَبِأَنَّ الْغَلَطَ بِالتَّقْدِيمِ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ لِغَلَطٍ فِي الْحِسَابِ أَوْ لِخَلَلٍ فِي الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِتَقْدِيمِ الْهِلَالِ.
وَالْغَلَطُ بِالتَّأْخِيرِ قَدْ يَكُونُ بِالْغَيْمِ الْمَانِعِ مِنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَلَوْ غَلِطُوا فِي الْمَكَانِ فَوَقَفُوا بِغَيْرِ عَرَفَةَ لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُمْ.

فَصْلٌ: وَيَبِيتُونَ بِمُزْدَلِفَةَ لِلِاتِّبَاعِ الْمَعْلُومِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (وَمَنْ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ قَبْلَهُ وَعَادَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي) بِأَنْ كَانَ بِهَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ فَقَطْ أَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِهَا أَصْلًا (أَرَاقَ دَمًا وَفِي وُجُوبِهِ الْقَوْلَانِ) السَّابِقَانِ فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ بِعَرَفَةَ عِنْدَ الْغُرُوبِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ الدَّمِ بِتَرْكِ الْمَبِيتِ.
وَقَالَ: لَوْ لَمْ يَحْضُرْ مُزْدَلِفَةَ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَحَضَرَهَا سَاعَةً فِي النِّصْفِ الثَّانِي حَصَلَ الْمَبِيتُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَفِي قَوْلٍ يُشْتَرَطُ مُعْظَمُ اللَّيْلِ.
(وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ إلَى مِنًى) لِيَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الزَّحْمَةِ.
رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ سَوْدَةَ أَفَاضَتْ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالدَّمِ وَلَا النَّفْرِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهَا» . وَرَوَيَا عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَنَا مِمَّنْ قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ فِي ضِيَافَةِ أَهْلِهِ» : وَلَوْ انْتَهَى إلَى عَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَاشْتَغَلَ

[حاشية قليوبي]

الْغَدِ) لَعَلَّهُ بَعْدَ الزَّوَالِ أَخْذًا مِمَّا قَبْلَهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي لَا يَجِبُ) وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. قَوْلُهُ: (لِغَلَطٍ فِي الْحِسَابِ) وَهُوَ لَا عِبْرَةَ بِالْغَلَطِ بِسَبَبِهِ وَهَذَا خَارِجٌ بِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ بِإِنْ غُمَّ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لَوْ غَلِطُوا فِي الْمَكَانِ إلَخْ) هَذَا خَرَجَ بِقَوْلِهِ الْعَاشِرَ إلَخْ لِأَنَّهُ زَمَانٌ.

فَصْلٌ فِي الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمَا مَعَهُ وَلَا يُتَصَوَّرُ صَرْفُهُ وَلَوْ عَنْ حَاصِلٍ لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ الدَّمِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ الْمَبِيتَ بِهَا وَاجِبٌ.
قَوْلُهُ: (سَاعَةً) أَيْ لَحْظَةً وَلَوْ بِالْمُرُورِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَوْ كَانَ طَالِبًا لِآبِقٍ مَثَلًا كَعَرَفَةَ قَالَهُ شَيْخُنَا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الْمُرُورُ لَهَا فِي هَوَائِهَا فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي قَوْلٍ يُشْتَرَطُ مُعْظَمُ اللَّيْلِ) أَيْ نَظَرًا إلَى كَوْنِهِ يُسَمَّى مَبِيتًا، وَالْأَوَّلُ لَمْ يُوجِبْهُ لِكَوْنِهِ مَبِيتًا إذْ لَمْ يَرِدْ الْأَمْرُ بِالْمَبِيتِ هُنَا، وَإِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِمْ لَا يُصَلُّونَهَا لِنَحْوِ رُبْعِ اللَّيْلِ فَخُفِّفَ عَلَيْهِمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ الْأَعْمَالِ الْكَثِيرَةِ.
كَذَا اسْتَدَلُّوا بِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ اعْتِبَارُ الْوُجُوبِ وَلَا النِّصْفُ الثَّانِي مِنْ اللَّيْلِ فَتَأَمَّلْهُ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ جَمِيعُ النِّصْفِ الثَّانِي لَمْ يَضُرَّ فِي حَجِّهِ وَلَيْسَ هُوَ كَعَرَفَةَ لِمَا لَا يَخْفَى.
قَوْلُهُ: (فَلَا شَيْءَ

[حاشية عميرة]

[فَصْلٌ وَيَبِيتُونَ بِمُزْدَلِفَةَ]

َ هِيَ مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ وَوَادِي مُحَسِّرٍ، وَكُلُّهَا مِنْ الْحَرَمِ وَتُسَمَّى جَمْعًا وَالسُّنَّةُ الِاغْتِسَالُ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ لِلْوُقُوفِ بِهَا، وَلِلْعِيدِ كَمَا سَلَفَ وَذَهَبَ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ إلَى أَنَّ الْمَبِيتَ بِهَا رُكْنٌ وَالصَّحِيحُ وُجُوبُهُ فِي جُزْءٍ مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي، وَكِفَايَةُ الْمُرُورِ فِيهِ لِعَرَفَاتٍ، وَيَدُلُّ لِعَدَمِ الرُّكْنِيَّةِ سُقُوطُهُ عَنْ الْمَعْذُورِينَ.
قِيلَ: وَعِبَارَةُ الْكِتَابِ تَقْتَضِي اشْتِرَاطَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا قَبْلَ النِّصْفِ وَبَعْدَهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي وُجُوبِهِ إلَخْ) نُظِرَ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ عَدَمُ ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ فِي هَذَا الْفَصْلِ، فَلَا يَهْتَدِي النَّاظِرُ إلَيْهِمَا.
الثَّانِي: أَنَّ قَضِيَّتَهُ اسْتِحْبَابُ الدَّمِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُرَجَّحِ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي سَاقَهُ الشَّارِحُ عَنْ الرَّوْضَةِ لَا يُفْهَمُ شَيْءٌ مِنْ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُهُ: (حَصَلَ الْمَبِيتُ) أَيْ حَصَلَ مَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الدَّمِ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ مَبِيتًا.
قَوْلُهُ: (وَفِي قَوْلٍ يُشْتَرَطُ مُعْظَمُ اللَّيْلِ) هَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ الْمُزْدَلِفَةَ إلَّا

بِالْوُقُوفِ عَنْ مَبِيتِ الْمُزْدَلِفَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ إلَى مَكَّةَ وَطَافَ لِلْإِفَاضَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَفَاتَهُ الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ.
قَالَ الْقَفَّالُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِاشْتِغَالِهِ بِالطَّوَافِ قَالَ الْإِمَامُ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَى تَرْكِ الْمَبِيتِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
(وَيَبْقَى غَيْرُهُمْ حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ مُغَلِّسِينَ) بِهَا لِلِاتِّبَاعِ.
رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتَّغْلِيسُ هُنَا أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا مِنْ بَاقِي الْأَيَّامِ لِيَتَّسِعَ الْوَقْتُ لِمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ الْأَعْمَالِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ (ثُمَّ يَدْفَعُونَ إلَى مِنًى وَيَأْخُذُونَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ حَصَى الرَّمْيِ) قَالَ الْجُمْهُورُ: لَيْلًا.
وَقَالَ الْبَغَوِيّ: بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْمَأْخُوذُ سَبْعُ حَصَيَاتٍ لِرَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ وَقِيلَ: سَبْعُونَ حَصَاةً لِرَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ: الْتَقِطْ لِي حَصًى قَالَ فَلَقَطْت لَهُ حَصَيَاتٍ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ» . وَهُوَ بِإِعْجَامِ الْخَاءِ وَالذَّالِ السَّاكِنَةِ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُقَدَّمِينَ بِاللَّيْلِ يَأْخُذُونَ حَصَى الرَّمْيِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ أَيْضًا (فَإِذَا بَلَغُوا الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ) وَهُوَ جَبَلٌ فِي آخِرِ الْمُزْدَلِفَةِ يُقَالُ لَهُ قُزَحٌ بِضَمِّ الْقَافِ، وَبِالزَّايِ (وَقَفُوا) فَذَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى (وَدَعَوْا إلَى الْإِسْفَارِ) مُسْتَقْبِلِينَ الْكَعْبَةَ.
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا صَلَّى رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى عَلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ وَوَحَّدَ وَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا» (ثُمَّ يَسِيرُونَ فَيَصِلُونَ مِنًى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَيَرْمِي كُلُّ

[حاشية قليوبي]

عَلَيْهِ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: مَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ.
وَكَذَا الَّتِي بَعْدَهَا وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دَمٌ.
قَوْلُهُ: (لَوْ أَفَاضَ) أَيْ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَفَارَقَ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَهُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْقَفَّالُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ، وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَمِثْلُ هَذَا مَنْ بَادَرَتْ إلَى الطَّوَافِ خَوْفَ طُرُوُّ نَحْوِ حَيْضٍ، وَجَمِيعُ أَعْذَارِ مِنًى تَأْتِي هُنَا.
قَوْلُهُ (يَدْفَعُونَ) أَيْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَيُكْرَهُ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْجُمْهُورُ لَيْلًا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَأْخُوذُ سَبْعُ حَصَيَاتٍ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْأَحْسَنُ أَخْذُ حَصْوَةٍ زِيَادَةً خَشْيَةَ سُقُوطِ وَاحِدَةٍ مِنْهُ، وَيُسَنُّ أَنْ يَغْسِلَهَا وَلَا يُكْرَهُ أَخْذُهَا مِنْ بُقْعَةٍ مِنْ الْبِقَاعِ إلَّا مِنْ الْمَرْمَى أَوْ مِنْ مَحَلٍّ نَجِسٍ أَوْ مِنْ الْحِلِّ أَوْ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَيَحْرُمُ مِنْ وَقْفِ مَسْجِدٍ.
قَوْلُهُ: (وَظَاهِرٌ إلَخْ) هُوَ وَارِدٌ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ كَلَامَهُ يَشْمَلُهُ بِجَعْلِ يَأْخُذُونَ عَطْفًا عَلَى يَبِيتُونَ لَا عَلَى يَدْفَعُونَ فَتَأَمَّلْهُ.
وَيُنْدَبُ لَهُمْ جَمِيعًا الِاشْتِغَالُ بِالتَّلْبِيَةِ لَا التَّكْبِيرُ خِلَافًا لِلْقَفَّالِ.
قَوْلُهُ: (الْمَشْعَرُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَفِيهِ لُغَةٌ شَاذَّةٌ بِكَسْرِهَا وَالْحَرَامُ بِمَعْنَى الْحَرَمِ لِأَنَّهُ مِنْهُ، وَهُوَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ شِعَارِ الدِّينِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ جَبَلٌ إلَخْ) أَيْ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَعِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ جَمِيعُ مُزْدَلِفَةَ.
قَوْلُهُ: (فِي آخِرِ الْمُزْدَلِفَةِ) وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: بِأَوْسَطِهَا، وَقَدْ اسْتَبْدَلَ النَّاسُ عَنْهُ الْآنَ بِالْوُقُوفِ عَلَى بِنَاءٍ مُحْدَثٍ هُنَاكَ يَظُنُّونَهُ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنْ حَصَلَ بِهِ أَصْلُ السُّنَّةِ وَنُوزِعَ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَفُوا) أَيْ عِنْدَهُ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْوُقُوفِ بِغَيْرِهِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَمَنْ تَرَكَ الْوُقُوفَ مِنْ أَصْلِهِ.
قَوْلُهُ: (الْقَصْوَاءَ) اسْمٌ لِنَاقَةٍ مِنْ إبِلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمَدِّ.
وَقِيلَ بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ.
وَنُسِبَ قَائِلُهُ

[حاشية عميرة]

قَرِيبًا مِنْ رُبْعِ اللَّيْلِ، وَالدَّفْعُ بَعْدَ انْتِصَافِهِ جَائِزٌ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّغْلِيسُ إلَخْ) هِيَ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَاَلَّذِي أَفَادَتْهُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَأْخُذُونَ) ظَاهِرُهُ الْعَطْفُ عَلَى يَدْفَعُونَ، فَيَكُونُ قَاصِرًا عَلَى إفَادَةِ حُكْمِ أَخْذِ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ وَمُقْتَضِيًا لَأَنْ يَكُونَ الْأَخْذُ نَهَارًا وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْبَغَوِيّ وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ وَأَمَّا عَطْفُهُ عَلَى يَبِيتُونَ السَّابِقِ فَيُفِيدُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَدَعَوْا) مِنْهُ اللَّهُمَّ كَمَا أَوْقَفْتنَا فِيهِ وَأَرَيْتنَا إيَّاهُ وُفِّقْنَا لِذِكْرِك كَمَا هَدَيْتنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتنَا بِقَوْلِك، وَقَوْلُك الْحَقُّ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 198] إلَى قَوْلِهِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199] . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ وَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا وَقَفُوا بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ يَبْتَهِلُ أَحَدُهُمْ، اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي إبِلًا اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي غَنَمًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ - وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ [البقرة: 200 - 201] إلَى آخِرِ الْآيَةِ اللَّهُمَّ رَبَّ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بَلِّغْ رُوحَ مُحَمَّدٍ رَسُولِك أَزْكَى تَحِيَّةٍ، وَأَفْضَلَ سَلَامٍ وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي دَارِ السَّلَامِ بِرَحْمَتِك، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، اللَّهُمَّ احْفَظْ عَلَيَّ دِينِي، وَاجْعَلْ خَشْيَتك نُصْبَ عَيْنِي، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا خَيْرَ مَقْصُودٍ، يَا خَيْرَ مَدْعُوٍّ يَا خَيْرَ مَرْجُوٍّ يَا خَيْرَ مَسْئُولٍ يَا خَيْرَ مُعْطٍ، اللَّهُمَّ ذَلِّلْ نَفْسِي حَتَّى تَنْقَادَ لِطَاعَتِك، وَيَسِّرْ عَلَيْهَا الْعَمَلَ بِمَا يُقَرِّبُهَا إلَى رِضَاك وَاجْعَلْهَا مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِك، وَسُكَّانِ جَنَّتِك ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثُمَّ يَسِيرُونَ) أَيْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَيَرْمِي) أَفَادَتْ الْفَاءُ أَنَّ السُّنَّةَ الْمُبَادَرَةُ إلَى الرَّمْيِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِحَيْثُ إنَّ الرَّاكِبَ لَا يَنْزِلُ حَتَّى يَرْمِيَ وَهُوَ رَاكِبٌ، وَعِبَارَةُ

شَخْصٍ حِينَئِذٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ) لِأَخْذِهِ فِي أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ (وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى الْجَمْرَةَ يَعْنِي يَوْمَ النَّحْرِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ» (ثُمَّ يَذْبَحُ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ ثُمَّ يَحْلِقُ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (أَوْ يُقَصِّرُ وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ) قَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ.
قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: وَالْمُقَصِّرِينَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
(وَتُقَصِّرُ الْمَرْأَةَ) وَلَا تُؤْمَرُ بِالْحَلْقِ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ حَدِيثَ «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ إنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ جَمَاعَةٍ: يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ الْحَلْقُ، وَعَنْ الْعِجْلِيّ أَنَّ التَّقْصِيرَ لِلْخُنْثَى أَفْضَلُ كَالْمَرْأَةِ (وَالْحَلْقُ) أَيْ إزَالَةُ الشَّعْرِ

[حاشية قليوبي]

إلَى السَّهْوِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَسِيرُونَ) بِسَكِينَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَيُكْرَهُ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ خِلَافًا لِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ.
وَمَنْ وَجَدَ فُرْجَةً مِنْ الطَّرِيقِ أَسْرَعَ، وَإِذَا وَصَلُوا إلَى وَادِي مُحَسِّرٍ وَهُوَ فَاصِلٌ بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى كَمَا مَرَّ مَعَ وَجْهِ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ أَسْرَعَ الْمَاشِي وَحَرَّكَ الرَّاكِبُ دَابَّتَهُ قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ حَتَّى يَقْطَعُوا عَرْضَ الْوَادِي.
قَوْلُهُ: (فَيَصِلُونَ مِنًى) وَيُنْدَبُ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَهَا أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ مِنًى قَدْ أَتَيْتهَا وَأَنَا عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك أَسْأَلُك أَنْ تَمُنَّ عَلَيَّ بِمَا مَنَنْت بِهِ عَلَى أَوْلِيَائِك، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْحِرْمَانِ وَالْمُصِيبَةِ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) أَيْ وَارْتِفَاعِهَا كَرُمْحٍ.
وَهَذَا وَقْتُ الْفَضِيلَةِ إلَى الزَّوَالِ.
قَوْلُهُ: (فَيَرْمِي كُلُّ شَخْصٍ) وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْجَمْرَةَ وَيَسَارُهُ إلَى جِهَةِ مَكَّةَ وَيَمِينُهُ إلَى جِهَةِ مِنًى لِأَنَّ الْجَمْرَةَ لَيْسَتْ مِنْهَا كَمَا مَرَّ.
وَيُنْدَبُ فِي رَمْيِ غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، ثُمَّ يَأْخُذَ لَهُ مَوْضِعًا مِنْ مِنًى، وَالْأَوْلَى مَنْزِلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى يَسَارِ مُصَلَّى الْإِمَامِ.
وَهَذَا الرَّمْيُ تَحِيَّةُ مِنًى فَيُبَادِرُ بِهِ كَمَا أَفَادَتْهُ الْفَاءُ، حَتَّى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلرَّاكِبِ أَنْ لَا يَنْزِلَ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ) لِأَنَّهَا إجَابَةٌ لِطَالِبِ الْمَنَاسِكِ وَهَذَا قَدْ أَخَذَ فِي الِانْصِرَافِ عَنْهَا وَلَا يَعُودُ إلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَعُودُ إلَيْهَا مَا عُلِمَ مُحْرِمًا.
وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالتَّحَلُّلِ لَا بِالزَّوَالِ فَمَتَى تَحَلَّلَ يُكَبِّرُ، وَلَوْ قَبْلَ الزَّوَالِ وَإِلَّا فَيُلَبِّي وَلَوْ بَعْدَهُ فَلْيُرَاجَعْ مِنْ بَابِ صَلَاةِ الْعِيدِ.
قَوْلُهُ: (وَيُكَبِّرُ) أَيْ ثَلَاثًا وَيَزِيدُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ إلَخْ.
وَيَرْمِي بِالْيَمِينِ وَيَرْفَعُ الرَّجُلُ يَدَهُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطِهِ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ رَمَاهَا.
قَوْلُهُ: (مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ) وَفِي نُسْخَةٍ قَدْرِ حَصَى الْخَذْفِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَذْبَحُ) قَالَ جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «نَحَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِائَةَ بَدَنَةٍ ذَبَحَ بِيَدِهِ مِنْهَا ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَاقِيَهَا» . قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى مُدَّةِ عُمُرِهِ الشَّرِيفِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَحْلِقُ) وَيُنْدَبُ لِكُلِّ مَحْلُوقٍ وَلَوْ حَلَالًا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَالْبُدَاءَةُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ جَمِيعِهِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ.
وَأَنْ لَا يُشَارِطَ عَلَيْهِ وَأَنْ يَبْلُغَ بِهِ الْعَظْمَاتِ عِنْدَ الْأُذُنَيْنِ، وَأَنْ يَدْفِنَ شَعْرَهُ كَظُفْرِهِ وَأَنْ يَقُولَ بَعْدَهُ مَعَ التَّكْبِيرِ إنْ كَانَ مُحْرِمًا: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً وَامْحُ عَنِّي بِهَا سَيِّئَةً، وَارْفَعْ لِي بِهَا دَرَجَةً وَاغْفِرْ لِي وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَزِيدُ الْمُحْرِمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ.
وَيُنْدَبُ التَّزَيُّنُ بِغَيْرِ الْحَلْقِ بِقَصِّ ظُفْرِهِ وَشَارِبِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ) أَيْ لِلذَّكَرِ كَمَا سَيَأْتِي فَيَنْعَقِدُ نَذْرُهُ لَهُ، وَيَكْفِيهِ عَنْ النَّذْرِ حَلْقُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَأَكْثَرَ إلَّا إنْ صَرَّحَ بِاسْتِيعَابِ رَأْسِهِ فَيَلْزَمُهُ اسْتِيعَابُهُ وَلَا يَكْفِي عَنْ النَّذْرِ مَا لَا يُسَمَّى حَلْقًا كَقَصٍّ وَنَتْفٍ وَإِحْرَاقٍ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَزِمَهُ دَمٌ كَمَا لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ فَرَكِبَ.
قَوْلُهُ: (وَتُقَصِّرُ الْمَرْأَةُ) أَيْ الْأُنْثَى وَلَوْ صَغِيرَةً أَيْ الْأَفْضَلُ لَهَا ذَلِكَ فَيَنْعَقِدُ نَذْرُهَا لَهُ نَعَمْ إنْ كَانَتْ فِي سَابِعِ وِلَادَتِهَا نُدِبَ لَهَا الْحَلْقُ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ الْحَلْقُ) فَإِنْ مَنَعَهَا خَلَلٌ أَوْ نَقَصَ بِهِ اسْتِمْتَاعٌ لَهُ حَرُمَ إلَّا بِإِذْنِهِ أَوْ لِعُذْرٍ كَأَنْ تَتَأَذَّى بِهِ.
قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَالْوَلَدُ مَعَ وَالِدِهِ كَالزَّوْجِ إنْ كَانَ مَصْلَحَةٌ.
قَوْلُهُ: (الْعِجْلِيّ) ضَبَطَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ، وَكَلَامُهُ بِإِلْحَاقِ الْخُنْثَى لِلْمَرْأَةِ مُعْتَمَدٌ.

[حاشية عميرة]

الْمُحَرَّرِ وَكَمَا وَافَوْهَا رَمَوْا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَاسْتِعْمَالُ الْكَافِ بِمَعْنَى مَعَ أَوْ عِنْدَ لُغَةٌ عَجَمِيَّةٌ، وَلَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ أَصْوَبُ وَسَيَأْتِي شُرُوطُ الرَّمْيِ مُسْتَحَبَّاتُهُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَدِيثِ حَصَى الْخَذْفِ) قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هُوَ رَاجِعٌ فِي الْمَعْنَى إلَى حَصَيَاتٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْحَلْقُ نُسُكٌ إلَخْ) جُمْلَةُ الْخِلَافِ فِيهِ رُكْنٌ سُنَّةٌ وَاجِبٌ مُبَاحٌ رُكْنٌ فِي الْعُمْرَةِ وَاجِبٌ فِي الْحَجِّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ تَقْصِيرٌ إلَخْ) لَكِنْ لَوْ نَذَرَ الْحَلْقَ تَعَيَّنَ حَلْقُ الْجَمِيعِ وَلَا يُجْزِئُهُ التَّقْصِيرُ وَلَا حَلْقُ الْبَعْضِ، وَلَا إزَالَتُهُ بِغَيْرِ الْحَلْقِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَإِلَّا وَجْهَ حَمْلِهِ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، فَإِنَّهُ إذَا نَذَرَ صِفَةً فِي وَاجِبٍ لَمْ يَقْدَحْ تَرْكُ تِلْكَ الصِّفَةِ فِي الِاعْتِدَادِ بِذَلِكَ الْوَاجِبِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ الْحَجَّ مَاشِيًا فَرَكِبَ انْتَهَى.

فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ فِي وَقْتِهِ (نُسُكٌ عَلَى الْمَشْهُورِ) فَيُثَابُ عَلَيْهِ، وَهُوَ رُكْنٌ كَمَا سَيَأْتِي وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ نُسُكٌ بِالدُّعَاءِ لِفَاعِلِهِ بِالرَّحْمَةِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ.
وَالثَّانِي هُوَ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورِ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْرِمًا عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي فَأُبِيحَ لَهُ فَلَا ثَوَابَ فِيهِ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَالرَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ بِلَا خِلَافٍ (وَأَقَلُّهُ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ إزَالَتُهَا مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ (حَلْقًا أَوْ تَقْصِيرًا أَوْ نَتْفًا أَوْ إحْرَاقًا أَوْ قَصًّا) مِمَّا يُحَاذِي الرَّأْسَ أَوْ مِمَّا اسْتَرْسَلَ عَنْهُ فِي دُفْعَةٍ أَوْ دُفُعَاتٍ قَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] أَيْ شَعْرَهَا وَهُوَ يَصْدُقُ بِالثَّلَاثِ (وَمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ يُسْتَحَبُّ) لَهُ (إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ) تَشْبِيهًا بِالْحَالِقِينَ (فَإِذَا حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ طَوَافَ الرُّكْنِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَسَعَى إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى) بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ سَعَى بَعْدَهُ لَمْ يُعِدْهُ.
وَسَيَأْتِي أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ (ثُمَّ يَعُودُ إلَى مِنًى) لِيَبِيتَ بِهَا (وَهَذَا الرَّمْيُ وَالذَّبْحُ وَالْحَلْقُ وَالطَّوَافُ يُسَنُّ تَرْتِيبُهَا كَمَا ذَكَرْنَا) وَلَا يَجِبُ، رَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي حَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ.
فَقَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ.
وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: إنِّي أَفَضْت إلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ.
فَقَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ» . وَرَوَى الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ يَوْمَئِذٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» وَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَقَالَ: «لَا حَرَجَ» وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحَلْقَ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ لَوْ فَعَلَهُ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ مَعًا لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ لِوُقُوعِ الْحَلْقِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ، (وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا) يَعْنِي غَيْرَ الذَّبْحِ لِمَا سَيَأْتِي فِيهِ (بِنِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ) لِمَنْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ.
رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَفَاضَتْ» . وَقِيسَ الْبَاقِي مِنْهَا عَلَى ذَلِكَ (وَيَبْقَى وَقْتُ الرَّمْيِ إلَى

[حاشية قليوبي]

فَرْعٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ أَفْضَلِيَّةِ الْحَلْقِ مَا لَوْ اعْتَمَرَ قَبْلَ الْحَجِّ فِي وَقْتٍ لَوْ حَلَقَ فِيهِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَوْ يُسَوِّدُ رَأْسَهُ فَالْأَفْضَلُ لَهُ التَّقْصِيرُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِحَلْقِ بَعْضِ رَأْسِهِ فِي كُلٍّ لِكَرَاهَةِ الْقَزَعِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ لَهُ رَأْسَانِ فَحَلَقَ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَمْ يُكْرَهْ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَلْقُ نُسُكٌ إلَخْ) جُمْلَةُ الْخِلَافِ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ رُكْنٌ سُنَّةٌ وَاجِبٌ مُبَاحٌ رُكْنٌ فِي الْعُمْرَةِ وَاجِبٌ فِي الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْغَزَالِيُّ) أَيْ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَقْصِيرًا) هُوَ اسْمٌ لِإِزَالَةِ الشَّعْرِ بِأَيِّ آلَةٍ وَالْقَصُّ إزَالَتُهُ بِالْمِقْرَاضِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ دَفَعَاتٍ) وَالْأَفْضَلُ كَوْنُهَا مُتَوَالِيَةً.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الشَّعْرُ لِأَنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وَلَوْ أَزَالَ شَعْرَةً وَاحِدَةً فِي ثَلَاثِ مَرَّاتٍ كَفَى كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْمَنَاسِكِ.
قَوْلُهُ: (يُسْتَحَبُّ لَهُ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ) وَلَوْ كَانَ بِهِ بَعْضُ شَعْرٍ نُدِبَ لَهُ مَعَ إزَالَتِهِ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى بَقِيَّةِ رَأْسِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْإِمْرَارُ هُنَا لِفَوَاتِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْوَاجِبُ وَهُوَ الشَّعْرُ لَا بَشَرَةَ الرَّأْسِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ الْمَسْحُ فِي الْوُضُوءِ، وَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْحَلْقُ صَبَرَ إلَى إمْكَانِهِ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَلْقُ وَلَا تَكْفِيهِ الْفِدْيَةُ وَلَا يَجِبُ زَوَالُهُ إذَا نَبَتَ بَعْدَ إمْرَارِ الْمُوسَى عَلَيْهِ، وَيُنْدَبُ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ نَحْوِ شَارِبِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَشَيْءٍ مِنْ أَظْفَارِهِ، وَلَا يُنْدَبُ الْإِمْرَارُ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ.
وَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ نَسَبَهُ لِشَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ.
قَوْلُهُ: (طَوَافَ الرُّكْنِ) وَيُسَمَّى طَوَافَ الْفَرْضِ وَطَوَافَ الزِّيَارَةِ، وَطَوَافَ الصَّدَرِ بِفَتْحِ الدَّالِ.
وَيُنْدَبُ أَنْ يَشْرَبَ بَعْدَهُ مِنْ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ وَمِنْ زَمْزَمَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَعُودُ) أَيْ قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْفَاءِ فِي السَّعْيِ وَالْعَوْدِ لَكَانَ أَوْلَى وَفِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ) أَيْ التَّرْتِيبُ وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ يُفِيدُ عَدَمَ الْوُجُوبِ لَا النَّدْبَ الَّذِي هُوَ الْمُدَّعَى فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (يَعْنِي غَيْرَ الذَّبْحِ) وَسَكَتَ عَنْ السَّعْيِ لِمَا مَرَّ مِنْ جَوَازِهِ قَبْلَ الْوُقُوفِ.
قَوْلُهُ: (لَيْلَةِ النَّحْرِ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمَا مَرَّ فِي الْغَلَطِ.
قَوْلُهُ: (لِمَنْ وَقَفَ) أَيْ بِعَرَفَةَ وَلَا عِبْرَةَ بِالْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَإِنْ كَانَ مَا ذُكِرَ يَتَأَخَّرُ عَنْ اللَّحْظَةِ الَّتِي لَهَا

[حاشية عميرة]

أَقُولُ لَعَلَّ مُرَادَهُ الْوَاجِبُ أَصَالَةً لِئَلَّا يَرُدَّ مَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا، ثُمَّ نَذَرَ أَنْ يَكُونَ مُتَتَابِعًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ) لَوْ كَانَ عَدَمُ الشَّعْرِ نَاشِئًا عَنْ إزَالَتِهِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ، وَلَكِنَّهُ يَنْبُتُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ إمْرَارُ الْمُوسَى الْآنَ، وَلَكِنْ مَتَى نَبَتَ هَلْ يَجِبُ حَلْقُهُ؟ ، هُوَ مُحْتَمَلٌ ثُمَّ رَأَيْت فِي الرَّوْضِ عَدَمَ الْوُجُوبِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثُمَّ يَعُودُ إلَى مِنًى) أَيْ قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ» ، وَجَمَعَ النَّوَوِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ صَلَّى

آخِرِ يَوْمِ النَّحْرِ) رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنِّي رَمَيْت بَعْدَمَا أَمْسَيْت قَالَ: لَا حَرَجَ» وَالْمَسَاءُ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ (وَلَا يَخْتَصُّ الذَّبْحُ) لِلْهَدْيِ (بِزَمَنٍ، قُلْت الصَّحِيحُ اخْتِصَاصُهُ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ عَلَى الصَّوَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَعِبَارَتُهُ هُنَاكَ وَوَقْتُهُ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا سَبَقَ تَقَرُّبًا بِاَللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ أَنَّهَا تُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ بِمِنًى مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ.
وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ: لَا أُضْحِيَّةَ فِي حَقِّهِ كَمَا لَا يُخَاطَبُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ مَنْ أَحَلَّ حَجَّهُ انْتَهَى.
وَفِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ لِلْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ عَنْ الْإِمَامِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ اسْتِحْبَابُ صَلَاةِ الْعِيدِ لِلْحَاجِّ بِمِنًى (وَالْحَلْقُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ) إنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ (لَا آخِرَ لِوَقْتِهَا)

[حاشية قليوبي]

لِأَنَّهُ لِضَرُورَةِ الزَّمَنِ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ النِّصْفِ فَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَلَوْ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَجَبَتْ إعَادَتُهُ بَعْدَهُ، وَلَوْ فَاتَ الْوُقُوفُ فَاتَتْ.
وَلِذَلِكَ قَالَ الرَّافِعِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ التَّرْتِيبُ هُنَا رُكْنًا، كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ بِأَنْ يُقَدَّمَ الْإِحْرَامُ عَلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ الْوُقُوفُ ثُمَّ الطَّوَافُ، وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ ثُمَّ الطَّوَافُ عَلَى السَّعْيِ عَلَى مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَيَبْقَى وَقْتُ الرَّمْيِ) أَيْ الِاخْتِيَارِيِّ.
وَأَمَّا وَقْتُ الْفَضِيلَةِ فَمِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ كَمَا مَرَّ.
وَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ فَمَا قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ.
قَوْلُهُ: (الصَّحِيحُ اخْتِصَاصُهُ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ) فِيهِ نَظَرٌ فِيمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَثْنَاءِ الْعَامِ وَمَعَهُ هَدْيٌ لِاقْتِضَائِهِ وُجُوبَ تَأْخِيرِهِ لِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ.
وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ أَخَّرَ هَدْيَهُ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَا فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ لِذَلِكَ الْوَقْتِ فَرَاجِعْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مُشْكِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
كَذَا فِي الْبُرُلُّسِيِّ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَلَا وَجْهَ لَهُ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ دَمَ الْهَدْيِ الَّذِي يُسَاقُ تَقَرُّبًا مِنْ الْحَلَالِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَجِّ أَوْ مِنْ الْمُعْتَمِرِ.
كَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ، وَأَنَّ دَمَ الْجُبْرَانِ الْمَذْكُورِ هُنَا كَذَلِكَ.
وَقَدْ «نَحَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَقْتَ حَصْرٍ» ، وَأَمَّا هَدْيُ التَّقَرُّبِ مِنْ الْحَاجِّ فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَسَيَأْتِي) أَيْ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. قَوْلُهُ: (وَعِبَارَتُهُ) أَيْ الرَّافِعِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ إلَخْ) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ دَمَ الْجُبْرَانِ يُسَمَّى هَدْيًا، وَعَلَى هَذَا فَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ صَحِيحٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَاعْتِرَاضُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ مِنْ أَنَّ الْهَدْيَ هُنَا مَا سَاقَهُ الْحَاجُّ تَقَرُّبًا لِأَنَّهُ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (إنَّهَا) أَيْ الْأُضْحِيَّةُ تُسْتَحَبُّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَا يُخَاطَبُ) أَيْ نَدْبًا بِصَلَاةِ الْعِيدِ أَيْ جَمَاعَةً.
وَكَلَامُ الْإِمَامِ مَحْمُولٌ عَلَى طَلَبِهَا فُرَادَى فَلَا مُخَالَفَةَ.
قَوْلُهُ: (لَا آخِرَ لِوَقْتِهَا) أَيْ الثَّلَاثَةِ يَعْنِي الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَالْحَلْقَ وَلَوْ لِمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ،

[حاشية عميرة]

بِمَكَّةَ، وَأَعَادَ بِأَصْحَابِهِ بِمِنًى، أَقُولُ: قَضِيَّةُ الْجَمْعِ اسْتِحْبَابُ فِعْلِهَا بِمَكَّةَ، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَخْتَصُّ الذَّبْحُ بِزَمَنٍ) أَيْ وَلَكِنْ يَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ) أَيْ فَوَقْتُهُ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ اُنْظُرْ كَيْفَ هَذَا فِيمَنْ اعْتَمَرَ أَثْنَاءَ الْعَامِ، وَسَاقَ هَدْيًا كَيْفَ يَجِبُ تَأْخِيرُهُ بِمَكَّةَ لِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ، وَاَلَّذِي سَاقَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، هَلْ كَانَ يُرِيدُ تَأْخِيرَهُ إلَى وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ، وَكَذَا عُمْرَةُ الْقَضَاءِ لَا بُدَّ أَنَّهُ سَاقَ فِيهَا وَفِي حَدّ طر أَنَّهُ نَحَرَ بِالْمَرْوَةِ وَلَمْ يُؤَخِّرْهُ لِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُشْكِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَسَيَأْتِي إلَخْ) يُرِيدُ أَنَّ كَلَامَ الرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اخْتَلَفَ، وَالصَّوَابُ الْأَخِيرُ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْهَدْيُ يُطْلَقُ عَلَى دِمَاءِ الْجُبْرَانَاتِ وَالْمَحْظُورَاتِ، وَعَلَى مَا يُسَاقُ تَقَرُّبًا فَالْأَوَّلُ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَنٍ، وَالثَّانِي يَخْتَصُّ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ، فَالْأَوَّلُ أَرَادَهُ الْمُحَرَّرُ وَالثَّانِي أَرَادَهُ فِيمَا يَأْتِي قَالَ: وَقَدْ أَوْضَحَ الرَّافِعِيُّ ذَلِكَ فِي آخِرِ بَابِ الْهَدْيِ مِنْ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ.
غَايَةُ الْأَمْرِ، أَنَّهُ لَمْ يُفْصِحْ فِي الْمُحَرَّرِ عَنْ الْمُرَادِ فَظَنَّ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمَسْأَلَةَ وَاحِدَةٌ، فَاعْتَرَضَ فِي هَذَا الْبَابِ هُنَا فِي الرَّوْضَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَلَى الصَّوَابِ) أَيْ فِي كَلَامِهِ الْمُخْتَصَرِ فِي الْمُحَرَّرِ.
قَوْلُهُ: (مَا سِيقَ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ لَا دِمَاءُ الْجُبْرَانَاتِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَا آخِرَ لِوَقْتِهَا) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّأْقِيتِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَعَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَشَدُّ كَرَاهَةٍ.
قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَاسْتَشْكَلَ الْإِسْنَوِيُّ بَقَاءَهُ مُحْرِمًا دَائِمًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ.
قَالَ: لِأَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ مَنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ قَالَ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ

وَفِعْلُهَا يَوْمَ النَّحْرِ كَمَا تَقَدَّمَ أَفْضَلُ (وَإِذَا قُلْنَا الْحَلْقُ نُسُكٌ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ (فَفَعَلَ اثْنَيْنِ مِنْ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ وَالطَّوَافِ) الْمَتْبُوعِ بِالسَّعْيِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ قَبْلُ (حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ) مِنْ تَحَلُّلَيْ الْحَجِّ (وَحَلَّ بِهِ اللُّبْسُ وَالْحَلْقُ) إنْ لَمْ يَفْعَلْ (وَالْقَلْمِ) وَسَتْرُ الرَّأْسِ لِلرَّجُلِ وَالْوَجْهِ لِلْمَرْأَةِ وَذَكَرَ فِي الْمُحَرَّرِ سَتْرَ الرَّأْسِ دُونَ الْحَلْقِ (وَكَذَا الصَّيْدُ وَعَقْدُ النِّكَاحِ) يَحِلَّانِ بِهِ (فِي الْأَظْهَرِ قُلْت) كَمَا نَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ عَنْ الْأَكْثَرِ (الْأَظْهَرُ لَا يَحِلُّ عَقْدُ النِّكَاحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَكَذَا نُقِلَ عَنْهُمْ فِي الْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ كَالْقُبْلَةِ أَنَّ الْأَظْهَرَ تَحْرِيمُهَا وَرَجَّحَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ الْحِلَّ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَالَ وَفِي التَّطَيُّبِ طَرِيقَانِ أَشْهُرُهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَالثَّانِي الْقَطْعُ بِالْحِلِّ وَسَوَاءٌ أَثْبَتنَا الْخِلَافَ أَمْ لَمْ نُثْبِتْهُ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَحِلُّ بَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَطَيَّبَ لِحِلِّهِ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» انْتَهَى.
وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِلَفْظِ كُنْت أُطَيِّبُ وَالدَّهْنُ مُلْحَقٌ بِالتَّطَيُّبِ (وَإِذَا فَعَلَ الثَّالِثَ) بَعْدَ الِاثْنَيْنِ (حَصَلَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي وَحَلَّ بِهِ بَاقِي الْمُحَرَّمَاتِ) وَهُوَ الْجِمَاعُ وَالْمُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَعَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِذَا قُلْنَا الْحَلْقُ لَيْسَ بِنُسُكٍ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِوَاحِدٍ مِنْ الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ، وَالتَّحَلُّلُ الثَّانِي بِالْآخَرِ.
وَرَوَى النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ حَدِيثَ: «إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ «إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ وَفِي رِوَايَةٍ وَذَبَحْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» . وَضَعَّفَهُ وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَيْنِ بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ أَنَّهُ يَطُولُ زَمَانُهُ وَتَكْثُرُ أَفْعَالُهُ بِخِلَافِهَا فَأُبِيحَ بَعْضُ مُحَرَّمَاتِهِ فِي وَقْتٍ وَبَعْضُهَا فِي آخَرَ.

[حاشية قليوبي]

وَوُجُوبُ التَّحَلُّلِ عَلَيْهِ لَا لِخُرُوجِ وَقْتِهَا بَلْ لِأَنَّ فِي مُصَابَرَةِ الْإِحْرَامِ مَشَقَّةً بِلَا فَائِدَةٍ فَلَا حَاجَةَ لِمَا اعْتَرَضَ بِهِ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ وَجَوَابُهُ.
قَوْلُهُ: (فَفَعَلَ اثْنَيْنِ إلَخْ) وَلَا دَخْلَ لِلذَّبْحِ فِي التَّحَلُّلِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْمَالِ يَوْمِ النَّحْرِ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ السَّعْيِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى فِي حُصُولِ التَّحَلُّلِ بِالطَّوَافِ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ بِنُسُكٍ) وَكَذَا لَوْ سَقَطَ لِعَدَمِهِ.
قَوْلُهُ: (دُونَ الْحَلْقِ) وَعَدَمُ ذِكْرِهِ أَنْسَبُ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَسْبَابِ حِلِّ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا نُقِلَ عَنْهُمْ إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَا فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ الْمَذْكُورِ، وَلَا يَحِلُّ الْجِمَاعُ بِالْأَوْلَى مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا فَعَلَ الثَّالِثَ) نَعَمْ لَوْ كَانَ هُوَ الرَّمْيُ وَفَاتَهُ بِفَرَاغِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَوَقَّفَ التَّحَلُّلُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِبَدَلِهِ وَلَوْ صَوْمًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَفَارَقَ عَدَمَ تَوَقُّفِ تَحَلُّلِ الْمُحْصَرِ عَلَى الصَّوْمِ لِأَنَّ لَهُ تَحَلُّلًا وَاحِدًا فَلَوْ اسْتَمَرَّ تَحْرِيمُ جَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَيْهِ، وَلَوْ غَيْرَ الْجِمَاعِ لَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْجِمَاعُ إلَخْ) لَكِنْ يُنْدَبُ تَأْخِيرُهُ عَنْ أَيَّامِ مِنًى لِأَنَّهَا مِنْ بَقِيَّةِ أَيَّامِ الْحَجِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[حاشية عميرة]

فِي مَسْأَلَتِنَا مَحَلُّهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فِيمَا يَظْهَرُ لِي وَأَلَّا يَصِيرَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ وَاعْتَرَضَ الْإِسْنَوِيُّ مَقَالَتَهُ بِأَنَّ وَقْتَ الْحَجِّ يَخْرُجُ بِطُلُوعِ فَجْرِ النَّحْرِ، وَالتَّحَلُّلُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ اتِّفَاقًا بَلْ الْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ عَنْهُ.
قَالَ: وَالصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِالنَّافِلَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، ثُمَّ يَمُدُّهَا وَذَلِكَ نَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا.
قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ فِي الْمُحَرَّرِ إلَخْ) أَيْ فَفِي الْمِنْهَاجِ ذَكَرَ مَا تَرَكَهُ وَتَرَكَ مَا ذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا نُقِلَ عَنْهُمْ فِي الْمُبَاشَرَةِ) اعْلَمْ أَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ فِي الْمُبَاشَرَةِ، وَعَقْدِ النِّكَاحِ وَالصَّيْدِ عَلَّلَ الْأَوَّلَيْنِ بِتَعَلُّقِهَا بِالنِّسَاءِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» ، وَعَلَّلَ الصَّيْدَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] وَمَنْ قَالَ بِالْحِلِّ نَظَرَ إلَى أَنَّهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي لَا يُوجِبُ تَعَاطِيهَا إفْسَادًا فَكَانَتْ كَالْحَلْقِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْجِمَاعُ إلَخْ) لَكِنْ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْوَطْءِ عَنْ رَمْيِ بَاقِي الْأَيَّامِ كَذَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ.
قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ.

فَصْلُ إذَا عَادَ بَعْدَ الطَّوَافِ يَوْمَ النَّحْرِ (إلَى مِنًى بَاتَ لَيْلَتَيْ التَّشْرِيقِ) الْأَوَّلِيَّيْنِ وَالثَّالِثَةَ أَيْضًا.
(وَرَمَى كُلَّ يَوْمٍ) مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ الْحَادِيَ عَشَرَ وَتَالِيَاهُ (إلَى الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ كُلُّ جَمْرَةٍ سَبْعُ حَصَيَاتٍ) فَمَجْمُوعُ الْمَرْمِيِّ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ حَصَاةً، وَدَلِيلُ ذَلِكَ كُلِّهِ الِاتِّبَاعُ الْمَعْلُومُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (فَإِذَا رَمَى الْيَوْمَ الثَّانِي فَأَرَادَ النَّفْرَ) بِسُكُونِ الْفَاءِ (قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ جَازَ وَسَقَطَ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَرَمَى يَوْمَهَا) قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203] (فَإِنْ لَمْ يَنْفِرْ) بِكَسْرِ الْفَاءِ (حَتَّى غَرَبَتْ) الشَّمْسُ (وَجَبَ مَبِيتُهَا وَرَمَى الْغَدَ) كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ وُجُوبُ الْمَبِيتِ وَالرَّمْيِ إلَى الْجَمَرَاتِ، وَفِي قَوْلٍ: يُسْتَحَبّ الْمَبِيتُ وَيَحْصُلُ بِمُعْظَمِ اللَّيْلِ، وَفِي قَوْلٍ الْمُعْتَبَرُ كَوْنُهُ حَاضِرًا طُلُوعُ الْفَجْرِ.
(وَيَدْخُلُ رَمْيُ التَّشْرِيقِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ) أَيْ رَمْيُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ بِزَوَالِ شَمْسِهِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَيَخْرُجُ بِغُرُوبِهَا) لِعَدَمِ وُرُودِهِ بِاللَّيْلِ (وَقِيلَ يَبْقَى) فِي الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ (إلَى الْفَجْرِ) كَمَا يَبْقَى الْوُقُوفُ إلَى الْفَجْرِ بِخِلَافِ الثَّالِثِ لِخُرُوجِ وَقْتِ الْمَنَاسِكِ بِغُرُوبِ شَمْسِهِ، وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ بِمِنًى بَعْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ النَّحْرِ خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا رَمْيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَحُكْمَ الْمَبِيتِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَثَانِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا جَوَازَ النَّفْرِ فِيهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَيُوَدِّعُهُمْ.
(وَيُشْتَرَطُ رَمْيُ السَّبْعِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، (وَتَرْتِيبُ الْجَمَرَاتِ)

[حاشية قليوبي]

فَصْلٌ: فِي الْمَبِيتِ بِمِنًى لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَمَا يُذْكَرُ مَعَهُ وَلَا يَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ وَلَوْ مِنْ الْحَامِلِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (إذَا عَادَ) وَكَذَا لَوْ اسْتَمَرَّ فِي مِنًى وَأَخَّرَ الطَّوَافَ.
قَوْلُهُ: (بَاتَ) أَيْ وُجُوبًا كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَالثَّالِثَةَ أَيْضًا) أَيْ يَجِبُ مَبِيتُهَا كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (التَّشْرِيقِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِشْرَاقِ أَيَّامِهَا بِالشَّمْسِ وَلَيَالِيهَا بِالْقَمَرِ أَوْ لِإِشْرَاقِ اللَّحْمِ فِيهَا أَيْ جَعْلِهِ فِي الشَّمْسِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا رَمَى الْيَوْمَ الثَّانِيَ) أَيْ بَعْدَ مَبِيتِهِ وَمَبِيتِ مَا قَبْلَهُ وَرَمْيِهِ أَيْضًا وَإِلَّا بِأَنْ فَاتَهُ الْمَبِيتُ أَوْ الرَّمْيُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ بِلَا عُذْرٍ لَمْ يَسْقُطْ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَلَا رَمْيُ يَوْمِهَا أَوْ بِعُذْرٍ سَقَطَا وَظَاهِرُ قَوْلِهِمْ: إنَّ الرَّمْيَ تَابِعٌ لِلْمَبِيتِ أَنَّهُ لَا يُتَدَارَكُ رَمْيُ يَوْمٍ فَاتَ مَبِيتُهُ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ مَعَ أَنَّ الرَّمْيَ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي نَحْوِ الرُّعَاةِ، فَرَاجِعْ ذَلِكَ وَحَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ: (فَأَرَادَ النَّفْرَ) بِأَنْ نَوَاهُ وَتَمَّتْ أَشْغَالُهُ وَسَارَ بِالْفِعْلِ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَإِنْ لَمْ يُفَارِقْ مَحَلَّهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِعَوْدِهِ بَعْدَ النَّفْرِ وَلَوْ بِقَصْدِ الْمَبِيتِ.
قَوْلُهُ: (وَرَمْيُ يَوْمِهَا) أَيْ فَسُقُوطُ الرَّمْيِ تَابِعٌ لِسُقُوطِ الْمَبِيتِ أَيْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَقَطْ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي نَحْوِ الرُّعَاةِ.
وَقَدْ مَرَّ وَيُكْرَهُ النَّفْرُ بِحَصَى الرَّمْيِ بَلْ يَطْرَحُهُ أَوْ يَدْفَعُهُ لِمَنْ يَرْمِي بِهِ، وَدَفْنُهُ لَا أَصْلَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَنْفِرْ) أَيْ لَمْ يَنْوِ النَّفْرَ أَوْ لَمْ تَتِمَّ أَشْغَالُهُ، وَإِنْ شَرَعَ فِيهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ لَمْ يَسِرْ بِالْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْصُلُ بِمُعْظَمِ اللَّيْلِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَفَارَقَ مُزْدَلِفَةَ بِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ فِيهَا الْمَبِيتَ.
قَوْلُهُ: (وَيَدْخُلُ رَمْيُ التَّشْرِيقِ إلَخْ) وَيُنْدَبُ فِعْلُهُ فِي وَقْتِ فَضِيلَةٍ وَهُوَ تَقْدِيمُهُ عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ إنْ اتَّسَعَ

[حاشية عميرة]

[فَصْلُ إذَا عَادَ بَعْدَ الطَّوَافِ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى مِنًى]

فَصْلُ إذَا عَادَ إلَخْ قَوْلُهُ: (وَفِي قَوْلٍ يُسْتَحَبُّ) هُوَ الَّذِي مَالَ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَأَمَّا الرَّمْيُ فَهُوَ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا، وَقَوْلُ الْمَتْنِ وَجَبَ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هُوَ مِنْ تَصَرُّفِهِ وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ فَعَلَيْهِ قَالَ وَهِيَ صَادِقَةٌ بِالِاسْتِحْبَابِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِزَوَالِ الشَّمْسِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَيُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ أَيْ رَمْيُ كُلِّ يَوْمٍ يَعْنِي لَيْسَ الْمُرَادُ جَمِيعَ رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ الْمُرَادُ هُنَا بِالْوَقْتِ الَّذِي يَخْرُجُ هُوَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ فَهُوَ بَاقٍ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَمَا سَيَأْتِي إيضَاحُهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُشْتَرَطُ رَمْيُ

بِأَنْ يَرْمِيَ أَوَّلًا إلَى الْجَمْرَةِ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ثُمَّ إلَى الْوُسْطَى ثُمَّ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَكَوْنُ الْمَرْمِيِّ حَجَرًا) لِذِكْرِ الْحَصَى فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَهُوَ مِنْ الْحَجَرِ فَيُجْزِئُ بِأَنْوَاعِهِ كَالْكَذَّانِ وَالْبِرَامِ وَالْمَرْمَرِ، وَكَذَا مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْفُصُوصُ كَالْيَاقُوتِ وَالْعَقِيقِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يُجْزِئُ اللُّؤْلُؤُ وَمَا لَيْسَ بِحَجَرٍ مِنْ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ كَالْإِثْمِدِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْجِصِّ وَمَا يَنْطَبِعُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِهِمَا (وَأَنْ يُسَمِّيَ رَمْيًا فَلَا يَكْفِي الْوَضْعُ) فِي الْمَرْمَى لِأَنَّهُ خِلَافُ الْوَارِدِ، وَقِيلَ يَكْفِي، وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ الرَّمْيِ فَلَوْ رَمَى فِي الْهَوَاءِ فَوَقَعَ فِي الْمَرْمَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
(وَالسُّنَّةُ أَنْ يَرْمِيَ بِقَدْرِ حَصَى الْخَذْفِ) لِمَا تَقَدَّمَ

[حاشية قليوبي]

الْوَقْتُ، وَلَمْ يُؤَخَّرْ لِجَمْعِ تَأْخِيرٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَخْرُجُ) أَيْ وَقْتُ الرَّمْيِ الِاخْتِيَارِيُّ بِغُرُوبِهَا.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الزَّوَالِ) أَيْ وَلَوْ بَعْدَ الصَّلَاةِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (خُطْبَةً) أَيْ فَرْدَةً كَمَا مَرَّ وَكَذَا الَّتِي بَعْدَهَا أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ) أَيْ لِصِحَّةِ الرَّمْيِ شُرُوطٌ ثَمَانِيَةٌ أَوْ تِسْعَةٌ أَوْ عَشَرَةٌ: كَوْنُهُ فِي الْوَقْتِ، وَتَرْتِيبُ الرَّمْيِ وَتَرْتِيبُ الْجَمَرَاتِ وَكَوْنُهُ سَبْعًا وَكَوْنُهُ وَاحِدَةً وَاحِدَةً وَكَوْنُهُ بِحَجَرٍ، وَكَوْنُهُ يُسَمَّى رَمْيًا وَكَوْنُهُ بِيَدٍ وَقَصْدُ الرَّمْيِ وَوُقُوعُهُ فِي الْمَرْمَى وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْأَخِيرَيْنِ لِعِلْمِهِمَا مِمَّا ذُكِرَ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (مَسْجِدَ الْخَيْفِ) نِسْبَةً إلَى مَحَلِّهِ لِأَنَّ الْخَيْفَ اسْمٌ لِمَكَانٍ ارْتَفَعَ عَنْ السَّيْلِ وَانْحَطَّ عَنْ غِلَظِ الْجَبَلِ.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَاحِدَةً وَاحِدَةً) أَيْ رَمْيَةً بَعْدَ رَمْيَةٍ بِحَصَاةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فَلَوْ رَمَى اثْنَيْنِ مَعًا وَلَوْ بِيَدَيْهِ مَعًا حُسِبَتَا وَاحِدَةً، وَإِنْ تَرَتَّبَتَا فِي الْوُقُوعِ بِخِلَافِهِ مَا لَوْ رَمَاهُمَا مُرَتِّبًا فَيُحْسَبَانِ مَرَّتَيْنِ وَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا أَوْ سَبَقَتْ الثَّانِيَةُ الْأُولَى فِي الْوُقُوعِ.
قَوْلُهُ: (جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) وَهِيَ الْأَقْرَبُ إلَى مَكَّةَ وَلَيْسَتْ مِنْ مِنًى كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (حَجَرًا) وَلَوْ مَغْصُوبًا أَوْ مُتَنَجِّسًا وَإِنْ حَرُمَ أَوْ كُرِهَ.
قَوْلُهُ: (كَالْكَذَّانِ) هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْبَلَاطُ الْمَعْرُوفُ.
قَوْلُهُ: (وَالْبِرَامِ) وَهُوَ مَا يُعْمَلُ مِنْهُ الْقُدُورُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَرْمَرِ) وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الرُّخَامِ الْمَشْهُورِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْفُصُوصُ) فَيُجْزِئُ كَالْعَقِيقِ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَلَا يَحْرُمُ لِأَنَّهُ لِغَرَضٍ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا الْحُرْمَةُ.
قَوْلُهُ: (كَالْإِثْمِدِ) وَهُوَ الْكُحْلُ الْأَسْوَدُ فَلَا يُجْزِئُ.
قَوْلُهُ: (وَالْجِصِّ) وَهُوَ الْكَذَّانُ بَعْدَ طَبْخِهِ وَمِثْلُهُ الْخَزَفُ لِأَنَّهُ مَطْبُوخٌ كَالْآجُرِّ فَلَا يُجْزِئُ، وَكَخَرَزٍ وَمِلْحٍ وَمَدَرٍ وَتِبْرٍ لَا حَجَرَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا يَنْطَبِعُ) أَيْ وَطُبِعَ بِالْفِعْلِ وَصْفِيٌّ مِنْ حَجَرِهِ وَإِلَّا كَفَى لِأَنَّ فِيهِ الْحَجَرَ كَامِنًا، وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ صِحَّةُ الرَّمْيِ بِخَاتَمِ فِضَّةٍ وَفِيهِ فَصٌّ مِنْ حَجَرٍ كَيَاقُوتٍ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُسَمَّى رَمْيًا) يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ بِالْيَدِ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رَمْيًا بِغَيْرِهَا وَأَنَّهُ مَقْصُودٌ لِأَنَّهُ بِغَيْرِهِ وُقُوعٌ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي الْوَضْعُ فِي الْمَرْمَى لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رَمْيًا وَبِذَلِكَ فَارَقَ مَسْحَ الرَّأْسِ بِوَضْعِ نَحْوِ الْيَدِ الْمُبْتَلَّةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ وُصُولُ الْمَاءِ إلَيْهِ، وَلَوْ تَعَدَّدَتْ الْيَدُ وَالْوَجْهُ اُعْتُبِرَ مَا لَيْسَ زَائِدًا وَلَا يَكْفِي بِرِجْلٍ وَلَا مِقْلَاعٍ، قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ فَاقِدَ الْيَدَيْنِ يَسْتَنِيبُ وَلَا يَرْمِي بِرِجْلِهِ مَثَلًا فَرَاجِعْهُ.
وَفِي ابْنِ حَجَرٍ جَوَازُهُ بِالرِّجْلِ ثُمَّ الْفَمُ لِفَاقِدِ الْيَدَيْنِ.
وَسَكَتَ عَنْهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ.
وَيُنْدَبُ تَقْدِيمُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَوَضْعُ الْحَصَاةِ عَلَى بَاطِنِ الْإِبْهَامِ وَرَمْيُهَا بِظُفْرِ السَّبَّابَةِ وَأَنْ يَرْمِيَ رَاجِلًا إلَّا فِي يَوْمِ النَّفْرِ، وَأَنْ يَدْنُوَ مِنْ الْمَرْمَى وَأَنْ يَرْمِيَ مِنْ عُلُوِّهِ إلَّا فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَمِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَيُنْدَبُ لِلرَّجُلِ رَفْعُ يَدِهِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ بَيَاضُ إبْطِهِ وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي حَالَةِ الرَّمْيِ إلَّا فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ كَمَا مَرَّ.
وَيُكْرَهُ الرَّمْيُ بِدُونِ قَدْرِ حَصَى الْخَذْفِ أَوْ بِأَكْبَرَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (قَصْدُ الْمَرْمَى) أَيْ أَنْ لَا يُقْصَدُ غَيْرُ الرَّمْيِ فِيهِ، وَهُوَ مُجْتَمَعُ الْحَصَى الْمُقَدَّرِ

[حاشية عميرة]

السَّبْعِ إلَخْ) هُوَ يُفِيدُك أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعَدَدِ بِالرَّمْيِ لَا بِالْوُقُوعِ، فَلَوْ رَمَى مُرَتِّبًا ثُمَّ وَقَعَا مَعًا أَوْ سَبَقَتْ الْمُتَأَخِّرَةُ، صَحَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَمَاهُمَا مَعًا وَإِنْ وَقَعَا مُرَتِّبًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَاحِدَةً وَاحِدَةً) رُبَّمَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْإِجْزَاءِ فِيمَا لَوْ رَمَاهَا مَصْحُوبَةً بِغَيْرِهَا، وَهَكَذَا حَتَّى أَتَى عَلَى السَّبْعِ وَلَيْسَ مُرَادًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَنْ يُسَمَّى رَمْيًا) قِيلَ رُبَّمَا يُسْتَغْنَى عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ أَوَّلًا، وَيُشْتَرَطُ رَمْيُ السَّبْعِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ الْمَرْمَى) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ رَمَى إلَى الْعَلَمِ الْمَنْصُوبِ فِي الْجَمْرَةِ فَأَصَابَهُ ثُمَّ وَقَعَ فِيهِ، لَا يُجْزِئُ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي، وَيُحْتَمَلُ الْإِجْزَاءُ لِأَنَّهُ قَصَدَ الرَّمْيَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ.
قَالَ الْهُذَلِيُّ: وَالثَّانِي أَقْرَبُ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَلَمْ يَذْكُرُوا لِلرَّمْيِ ضَابِطًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْمِيَ فِي أَصْلِ الْعَلَمِ، وَقَرِيبًا مِنْهُ وَهُوَ مُجْتَمَعُ الْحَصَى دُونَ مَا سَالَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَرْمِيَ إلَخْ) لَكِنْ لَا عَلَى هَيْئَةِ الْخَذْفِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَيُسَنُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى بَيَاضِ إبْطِهِ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِخِلَافِ رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِنَّهُ يَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ، وَيَجْعَلُ الْقِبْلَةَ عَنْ يَسَارِهِ وَعَرَفَاتِ عَنْ يَمِينِهِ، وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ الرَّمْيِ، وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ النُّسُكِ وَلَوْ وَقَعَتْ فِي غَيْرِ الْمَرْمَى، ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ إلَيْهِ لَمْ يَضُرَّ بِخِلَافِ، مَا لَوْ وَقَعَتْ عَلَى رَأْسِ بَعِيرٍ ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ، وَكَأَنَّ الْفَارِقَ احْتِمَالُ كَوْنِ التَّدَحْرُجِ نَاشِئًا عَنْ حَرَكَةِ الْبَعِيرِ، وَلَوْ أَصَابَتْ عُنُقَ الْبَعِيرِ وَنَحْوَهُ وَرَجَعَتْ إلَى الْمَرْمَى لَمْ يَضُرَّ، فَإِنَّ

فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ حَدِيثَ «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ» وَهُوَ دُونَ الْأُنْمُلَةِ طُولًا وَعَرْضًا فِي قَدْرِ الْبَاقِلَا.
(وَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْحَجَرِ فِي الْمَرْمَى) فَلَوْ تَدَحْرَجَ وَخَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَضُرَّ.
(وَلَا كَوْنُ الرَّامِي خَارِجًا عَنْ الْجَمْرَةِ) فَلَوْ وَقَفَ فِي طَرَفِهَا وَرَمَى إلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ جَازَ.
(وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الرَّمْيِ) لِعِلَّةٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهَا قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الرَّمْيِ (اسْتَنَابَ) وَلَا يُمْنَعُ زَوَالُهَا بَعْدَهُ وَلَا يَصِحُّ رَمْيُ النَّائِبِ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ إلَّا بَعْدَ رَمْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَوْ خَالَفَ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَوْ زَالَ عُذْرُ الْمُسْتَنِيبِ بَعْدَ رَمْيِ النَّائِبِ وَالْوَقْتُ بَاقٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الرَّمْيِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ اشْتِرَاطِ الرَّمْيِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً وَكَوْنُ الْمَرْمِيِّ حَجَرًا وَمَا بَعْدَهُ إلَى هُنَا يَأْتِي فِي رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ.
(وَإِذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ) وَيَوْمَيْنِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا (تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي الْأَيَّامِ عَلَى الْأَظْهَرِ) فَيَتَدَارَكُ الْأَوَّلَ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثَ وَالثَّانِيَ أَوْ الْأَوَّلَيْنِ فِي الثَّالِثِ وَيَكُونُ ذَلِكَ أَدَاءً وَفِي قَوْلٍ قَضَاءً

[حاشية قليوبي]

بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ حَوْلَ الشَّاخِصِ الْمَشْهُورِ مِنْ سَائِرِ جِهَاتِهِ إلَّا فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لِأَنَّ لَهَا وَجْهًا وَاحِدًا.
فَلَوْ قَصَدَ الشَّاخِصُ وَرَمَى لَمْ يَكْفِ إنْ وَقَعَ فِي الْمَرْمَى أَوْ قَصَدَ الْمَرْمَى وَرَمَى إلَى الشَّاخِصِ فَوَقَعَ بَعْدَ إصَابَتِهِ فِي الْمَرْمَى كَفَى.
وَبِهَذَا يُجْمَعُ التَّنَاقُضُ فِي كَلَامِهِمْ وَلَوْ أَصَابَتْ الْحَصَاةُ شَيْئًا كَمَحْمِلٍ فَعَادَتْ إلَى الْمَرْمَى فَإِنْ كَانَ عَوْدُهَا بِحَرَكَةِ مَا أَصَابَتْهُ لَمْ يَكْفِ وَإِلَّا كَفَى، كَمَا لَوْ رَدَّتْهُ الرِّيحُ أَوْ تَدَحْرَجَ إلَى الْمَرْمَى مِنْ الْأَرْضِ لَا مِنْ نَحْوِ ظَهْرِ بَعِيرٍ لِاحْتِمَالِهَا بِحَرَكَتِهِ فَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُ الْحَرَكَةِ كَفَى فِي وَلَوْ شَكَّ هَلْ أَصَابَتْ الْمَرْمَى أَوْ لَا؟ لَمْ يَكْفِ.
وَلَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ مَا أَتَى بِهِ أَوْ فِي عَيْنِ الْمَتْرُوكِ مِنْهُ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ، فَلَوْ شَكَّ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ السَّبْعِ فَعَلَهَا أَوْ فِي تَمَامِ جَمْرَةٍ كَمَّلَهَا وَفَعَلَ مَا بَعْدَهَا فَإِنْ كَانَ الشَّكُّ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الْجَمْرَةِ الْأُولَى أَوْ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ جَعَلَهَا مِنْ الْأُولَى وَكَمَّلَهَا، وَأَعَادَ اللَّتَيْنِ بَعْدَهَا أَوْ مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ كَمَّلَهَا وَأَعَادَ الثَّلَاثَةَ مِنْ أَوَّلِهَا، نَعَمْ إنْ كَانَ الشَّكُّ بَعْدَ رَمْيِهِ لَهَا كُمِّلَتْ مِمَّا رَمَاهُ، وَأَعَادَ الثَّلَاثَةَ لِأَنَّ الرَّمْيَ يَنُوبُ عَنْ بَعْضِهِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَيُنْدَبُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ وَبَيْنَ رَمْيِهَا.
تَنْبِيهٌ: مُقْتَضَى مَا ذُكِرَ أَنَّ الشَّكَّ فِي عَدَدِ الرَّمَيَاتِ بَعْدَ فَرَاغِ السَّبْعِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ يُؤْثَرُ وَقِيَاسُ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا خِلَافُهُ وَهُوَ الْوَجْهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَرَمَى إلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ) خَرَجَ مَا لَوْ رَمَى تَحْتَ رِجْلَيْهِ فَلَا يَكْفِي إلَّا إنْ سَمَّى رَمْيًا كَمَا مَرَّ.
وَلَا يَكْفِي الرَّمْيُ فِي مَوْضِعِ الشَّاخِصِ لَوْ أُزِيلَ.
تَنْبِيهٌ: تَقَدَّمَ حُكْمُ صَرْفِ الرَّمْيِ فِي الطَّوَافِ فَرَاجِعْهُ.
فَرْعٌ: يُنْدَبُ أَنْ يَقِفَ عَلَى كُلِّ جَمْرَةٍ مِنْ الْأَوَّلِيَّيْنِ بَعْدَ رَمْيِهَا يَدْعُو بِمَا شَاءَ بِقَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ عَجَزَ إلَخْ) وَمِنْ الْعَجْزِ الْحَبْسُ وَلَوْ بِحَقٍّ لِعَاجِزٍ عَنْ الْأَدَاءِ بِخِلَافِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ، كَمَا فِي تَحَلُّلِ الْمُحْصِرِ وَدَخَلَ فِي الْعَاجِزِ النَّائِبُ عَنْ مَعْضُوبٍ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الرَّمْيِ) يُفْهِمُ أَنَّهُ لَوْ ظَنَّ قُدْرَتَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَمْ يَسْتَنِبْ فِيمَا قَبْلَهُ، قَالَ شَيْخُنَا وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (اسْتَنَابَ) أَيْ وُجُوبًا وَلَوْ لِحَلَالٍ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ فَاضِلَةٍ عَمَّا فِي الْفِطْرَةِ، وَلَا يَنْعَزِلُ النَّائِبُ بِإِغْمَاءِ الْمُسْتَنِيبِ أَوْ جُنُونِهِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بَعْدَ رَمْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ، فَلَوْ رَمَى الْجَمْرَةَ سَبْعَةً عَنْ نَفْسِهِ وَسَبْعَةً عَنْ مُسْتَنِيبِهِ لَمْ تُحْسَبْ هَذِهِ فَيَرْمِي لِلثَّلَاثَةِ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ يَعُودُ فَيَرْمِيهَا عَنْ مُسْتَنِيبِهِ كَمَا أَفْتَى شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ خَالَفَ) بِأَنْ رَمَى عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَقَعْ عَنْ الْغَيْرِ، وَإِنْ نَوَاهُ كَمَا مَرَّ وَيَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ.
تَنْبِيهٌ: ذِكْرُهُمْ الِاسْتِنَابَةَ لِلْعَاجِزِ عَنْ الرَّمْيِ وَسُكُوتُهُمْ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَوَاجِبَاتِهِ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الِاسْتِنَابَةِ فِيهَا، وَيُصَرِّحُ بِهِ مَا قَالُوهُ فِي الْحَائِضِ مِنْ أَنَّ الطَّوَافَ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهَا، وَلَمْ يَقُولُوا بِجَوَازِ اسْتِنَابَتِهَا فِيهِ فَرَاجِعْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَقْتُ) أَيْ وَقْتُ الرَّمْيِ.
قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الرَّمْيِ) أَيْ لَكِنَّهَا تُسَنُّ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّالِثِ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فَتَأَمَّلْهُ.

[حاشية عميرة]

اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَا أَعْلَمُ لَهُ مُسْتَنَدًا، وَلَوْ رَمَى بِأَصْغَرَ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ أَوْ بِأَكْبَرَ كُرِهَ.
قَوْلُهُ: (وَقْتُ الرَّمْيِ) بَحَثَ السُّبْكِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْوَقْتَ إلَى النَّفْرِ عَلَى قَوْلِ الْأَدَاءِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي الْأَيَّامِ عَلَى الْأَظْهَرِ) أَيْ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَّزَ ذَلِكَ لِلرُّعَاةِ، فَلَوْ كَانَتْ بَقِيَّةُ الْأَيَّامِ غَيْرَ صَالِحَةٍ يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ، كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَكِنْ لَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي تَأْخِيرِ النَّحْرِ، وَلَا فِي تَأْخِيرِ يَوْمَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْأَدَاءِ إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إذَا قُلْنَا بِالْأَدَاءِ جَازَ تَأْخِيرُ يَوْمٍ وَيَوْمَيْنِ لِيَفْعَلَهُ بَعْدُ، وَيَجُوزُ أَيْضًا تَقْدِيمُ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ، لِيَفْعَلَهُ مَعَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْكَبِيرِ عَنْ الْإِمَامِ وَجَزَمَ بِهِ

لِمُجَاوَزَتِهِ لِلْوَقْتِ الْمَضْرُوبِ لَهُ، وَعَلَى الْأَدَاءِ يَكُونُ الْوَقْتُ الْمَضْرُوبُ وَقْتَ اخْتِيَارٍ كَوَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِلصَّلَاةِ وَجُمْلَةُ الْأَيَّامِ فِي حُكْمِ الْوَقْتِ الْوَاحِدِ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ رَمْيِ التَّدَارُكِ عَلَى الزَّوَالِ، وَيَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَمْيِ يَوْمِ التَّدَارُكِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَعَلَى الْقَضَاءِ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا، وَيَجُوزُ التَّدَارُكُ بِاللَّيْلِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَتَأَقَّتُ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الرَّمْيَ عِبَادَةُ النَّهَارِ كَالصَّوْمِ، هَذَا جَمِيعُهُ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ، وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَحَكَى فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ عَلَى الْقَضَاءِ وَجْهَيْنِ فِي التَّدَارُكِ قَبْلَ الزَّوَالِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ رَمْيُ قَضَاءٍ وَلَا أَدَاءً، قَالَ: وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي التَّدَارُكِ لَيْلًا، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ أَدَاءً فَفِيهِمَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَاللَّيْلِ الْخِلَافُ، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ فَإِنَّ تَعَيُّنَ الْوَقْتِ بِالْأَدَاءِ أَلْيَقُ، وَهَذَا مَا أَوْرَدَهُ فِي الْكِتَابِ فَقَالَ: إذَا قُلْنَا أَدَاءً تَأَقَّتَ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ انْتَهَى وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ فِي الْمِنْهَاجِ أَنَّ الرَّمْيَ الْمَتْرُوكَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ لَا يَتَدَارَكُ فِي بَاقِيهَا كَمَا لَا يَتَدَارَكُ بَعْدَهَا.
(وَلَا دَمَ) مَعَ التَّدَارُكِ وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ الدَّمُ مَعَهُ كَمَا لَوْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ يَقْضِي وَيَفْدِي (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَدَارَكْ الْمَتْرُوكَ (فَعَلَيْهِ دَمٌ) فِي تَرْكِ رَمْيِ الْيَوْمِ وَكَذَا فِي الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الرَّمْيَ فِيهَا لِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ لِتَرْكِ رَمْيِ كُلِّ يَوْمٍ دَمٌ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بِرَأْسِهَا، وَعَلَى قَوْلِ عَدَمِ التَّدَارُكِ يَجِبُ لِكُلِّ يَوْمٍ دَمٌ لِفَوَاتِ رَمْيِهِ بِغُرُوبِ شَمْسِهِ وَاسْتِقْرَارِ بَدَلِهِ فِي الذِّمَّةِ.
(وَالْمَذْهَبُ تَكْمِيلُ الدَّمِ فِي) تَرْكِ (ثَلَاثِ حَصَيَاتٍ) أَيْضًا كَمَا يُكْمِلُ فِي حَلْقِ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، وَقِيلَ: إنَّمَا يُكْمِلُ فِي وَظِيفَةِ جَمْرَةٍ كَمَا يُكْمِلُ فِي وَظِيفَةِ جَمْرَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَفِي الْحَصَاةِ وَالْحَصَاتَيْنِ عَلَى الطَّرِيقَيْنِ الْأَقْوَالُ فِي حَلْقِ الشَّعْرَةِ وَالشَّعْرَتَيْنِ أَظْهَرُهَا أَنَّ فِي الْحَصَاةِ الْوَاحِدَةِ مُدَّ طَعَامٍ، وَالثَّانِي دِرْهَمًا، وَالثَّالِثُ ثُلُثَ دَمٍ عَلَى الْأَوَّلِ وَسُبْعَهُ عَلَى الثَّانِي، وَفِي الْحَصَاتَيْنِ ضِعْفَ ذَلِكَ.

[حاشية قليوبي]

قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ التَّرْتِيبُ) بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقَعُ مُرَتَّبًا وَإِنْ قُصِدَ خِلَافُهُ وَلَا يُحْسَبُ رَمْيُهُ عَنْ يَوْمِهِ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الثَّلَاثِ عَنْ أَمْسِهِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرَمْيِ الْجَمَرَاتِ أَيْ الْحَصَيَاتِ فِيهَا وَمَسَافَةُ بُعْدِ الْأُولَى عَنْ مَسْجِدِ الْخَيْفِ أَلْفُ ذِرَاعٍ وَمِائَتَا ذِرَاعٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَعَنْ الْوَسَطِيِّ مِائَتَا ذِرَاعٍ وَخَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَبَيْنَ الْوَسَطِ وَجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِائَتَا ذِرَاعٍ وَثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ، وَبَيْنَ هَذِهِ وَبَابِ السَّلَامِ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفِ ذِرَاعٍ وَمِائَتَا ذِرَاعٍ وَأَحَدٌ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا كُلُّ ذَلِكَ بِذِرَاعِ الْيَدِ، وَهُوَ يَنْقُصُ عَنْ الذِّرَاعِ الْمِصْرِيِّ بِنَحْوِ ثُمُنِهِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْقَضَاءِ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ) فِيهِ نَظَرٌ مَعَ وُقُوعِ الرَّمْيِ عَنْ الْفَائِتِ قَهْرًا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ التَّدَارُكُ بِاللَّيْلِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَكَذَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ.
وَكَذَا فِي بَاقِي الْأَيَّامِ.
وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ مَعْذُورٍ تَأْخِيرُ رَمْيِ كُلِّ يَوْمٍ عَنْ غُرُوبِهِ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ التَّدَارُكَ أَدَاءٌ.
قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ) الْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فِي الْكِتَابِ) أَيْ الْوَجِيزِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ أَخَّرَ إلَخْ) وَدُفِعَ بِأَنَّ التَّدَارُكَ هُنَا أَدَاءٌ وَلَوْ فِي اللَّيْلِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَيْهِ دَمٌ) أَيْ وَإِنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ كَسَهْوٍ وَنِسْيَانٍ وَغَفْلَةٍ، وَكَذَلِكَ لِشُغْلٍ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثِ حَصَيَاتٍ) أَيْ فَأَكْثَرَ قَالَ فِي الْمَنْهَجِ: وَلَوْ مِنْ الْأَيَّامِ الْأَرْبَعَةِ.
قَالَ شَيْخُنَا: الْغَايَةُ رَاجِعَةٌ لِقَوْلِهِ فَأَكْثَرَ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ كَتَرْكِ وَاحِدَةٍ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ أَوْ مِنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَمَا بَعْدَهُ أَوْ مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ وَمَا بَعْدَهُ، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ تَرْكُ عِشْرِينَ رَمْيَةً فَأَقَلَّ فِي أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَظْهَرُهَا أَنَّ فِي الْحَصَاةِ الْوَاحِدَةِ مُدُّ طَعَامٍ) وَفِي الِاثْنَيْنِ مُدَّانِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَعَلَيْهِ لَوْ عَجَزَ عَنْ الْمُدِّ صَامَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ يُجْبَرُ الْمُنْكَسِرُ.
كَذَا قَالَهُ النَّشِيلِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْمُدُّ مُقَابِلٌ لِثُلُثِ الْعَشَرَةِ أَيَّامٍ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَثُلُثُ يَوْمٍ وَذَلِكَ عَشْرُ أَثْلَاثٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَعْشَارِهَا فِي الْحَجِّ وَهِيَ يَوْمٌ وَاحِدٌ، وَبَاقِيهِ إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَهُوَ سَبْعَةُ أَثْلَاثٍ فَهِيَ يَوْمَانِ وَثُلُثُ يَوْمٍ فَيَكْمُلُ الثُّلُثُ يَوْمًا، فَالْجُمْلَةُ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ فَقَطْ، وَلَعَلَّ النَّشِيلِيُّ اعْتَبَرَ أَنَّ ثُلُثَ الْعَشَرَةِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَثُلُثٌ تَكْمُلُ أَرْبَعَةً وَثُلُثُهَا فِي الْحَجِّ، وَهُوَ يَوْمٌ وَثُلُثٌ فَيَكْمُلُ الثُّلُثُ يَوْمًا فَهِيَ يَوْمَانِ، وَبَاقِيهِ إذَا رَجَعَ وَهُوَ

[حاشية عميرة]

فِي الصَّغِيرِ انْتَهَى، وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ خِلَافُهُ فِي التَّقْدِيمِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ الصَّوَابُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الزَّوَالِ) أَيْ وَلَوْ لَيْلًا وَإِنْ لَمْ تُقَدَّمْ عِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ التَّدَارُكُ بِاللَّيْلِ) سَكَتَ عَنْ قَبْلِ الزَّوَالِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْكَبِيرِ بِالْمَنْعِ عَلَى قَوْلِ الْقَضَاءِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ مَعَ تَجْوِيزِهِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْأَدَاءِ، وَأَيْضًا فَالنَّهَارُ مَحَلٌّ لِلرَّمْيِ فِي الْجُمْلَةِ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ فِيهِ وَيَجُوزُ لَيْلًا.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَا يَتَدَارَكُ بَعْدَهَا) أَيْ وَكَمَا لَا يَتَدَارَكُ الْوُقُوفُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ إلَخْ) أَيْ إذَا جَعَلْنَا قَضَاءً.
قَوْلُهُ: (وَالثَّلَاثَةُ) مِثْلُهَا الْأَرْبَعَةُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يُكَمَّلُ) أَيْ بِالِاتِّفَاقِ قَوْلُهُ: (فِي وَظِيفَةِ جَمْرَةٍ) أَيْ وَهِيَ سَبْعَةٌ وَهَذَا سَاقَهُ الْإِسْنَوِيُّ قَوْلًا خَامِسًا، وَجُعِلَ الثَّانِي أَنَّ لِوَظِيفَةِ كُلِّ يَوْمٍ دَمًا كَامِلًا، وَالثَّالِثُ لِيَوْمِ النَّحْرِ دَمٌ وَلِلْبَاقِي دَمٌ، وَالرَّابِعُ أَنَّ الثَّلَاثَ جَمَرَاتٍ كَالشَّعَرَاتِ الثَّلَاثِ، فَإِذَا تَرَكَ جَمِيعَهَا مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ كَمَّلَ الدَّمَ، وَفِي الْجَمْرَةِ وَالْجَمْرَتَيْنِ الْأَقْوَالُ فِي الشَّعْرَةِ وَالشَّعْرَتَيْنِ انْتَهَى.
وَكُلُّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ

تَتِمَّةٌ: يَجِبُ، وَفِي قَوْلٍ: يُسْتَحَبُّ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ دَمٌ، وَفِي قَوْلٍ: فِي كُلِّ لَيْلَةٍ دَمٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فِي اللَّيْلَةِ مُدٌّ وَفِي قَوْلٍ دِرْهَمٌ، وَفِي آخَرَ ثُلُثُ دَمٍ، وَفِي اللَّيْلَتَيْنِ ضِعْفُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَنْفِرْ قَبْلَ الثَّالِثَةِ، فَإِنْ نَفَرَ قَبْلَهَا فَفِي وَجْهِ الْحُكْمِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا لَيْلَتَيْنِ، وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ الدَّمِ بِكَمَالِهِ، لِتَرْكِ جِنْسِ الْمَبِيتِ بِمِنًى.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَتَرْكُ الْمَبِيتِ نَاسِيًا كَتَرْكِهِ عَامِدًا، صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِينَ أَمَّا مَنْ هُمْ كَأَهْلِ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ وَرِعَاءِ الْإِبِلِ فَلَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ غَيْرِ دَمٍ، رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ، أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى لِأَجْلِ السِّقَايَةِ» ، وَرَوَى مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ أَنْ يَتْرُكُوا الْمَبِيتَ بِمِنًى» ، الْحَدِيثَ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَإِذَا رَمَى يَوْمَ النَّحْرِ فَفِي تَدَارُكِهِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ طَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَدَارُكِ رَمْيِهَا، وَالثَّانِي لَا يَتَدَارَكُ قَطْعًا لِأَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي التَّحَلُّلِ بِخِلَافِ رَمْيِهَا وَعَلَى التَّدَارُكِ يَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهِ أَدَاءً وَجَوَازُهُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَوُجُوبُ التَّرْتِيبِ بَعْدَهُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ كَابْنِ الصَّلَاحِ فِي مَنَاسِكِهِمَا.

(وَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ) بَعْدَ فَرَاغِ النُّسُكِ (طَافَ لِلْوَدَاعِ) رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ طَافَ لِلْوَدَاعِ» ، وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ» أَيْ بِالْبَيْتِ كَمَا

[حاشية قليوبي]

يَوْمَانِ وَثُلُثَانِ فَيَكْمُلُ يَوْمًا فَهِيَ ثَلَاثَةٌ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ بَلْ الصَّوَابُ الْأَوَّلُ فَتَأَمَّلْهُ.
وَعَلَى هَذَا فَفِي الْمُدَّيْنِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ يَوْمَانِ فِي الْحَجِّ وَخَمْسَةٌ إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ.
قَوْلُهُ: (يَجِبُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (فَفِي اللَّيْلَةِ مُدٌّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ الدَّمِ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (فَلَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ لَيَالِي مِنَى) مِنْ غَيْرِ دَمٍ بِشَرْطِ أَنْ يَخْرُجَ الرِّعَاءُ مِنْ مِنًى قَبْلَ الْغُرُوبِ، بِخِلَافِ أَهْلِ السِّقَايَةِ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ لَيْلًا.
وَخَرَجَ بِالْمَبِيتِ الرَّمْيُ وَلَوْ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَلَيْسَ لَهُمْ تَرْكُهُ وَيَتَدَارَكُونَهُ مَا بَقِيَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَفِيهِ الدَّمُ عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ فِي غَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ: (كَأَهْلِ إلَخْ) فَمِثْلُهُمْ مَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ فَوْتِ مَطْلُوبٍ كَآبِقٍ أَوْ ضَيَاعِ مَرِيضٍ بِلَا مُتَعَهِّدٍ أَوْ مَوْتِ نَحْوِ قَرِيبٍ فِي غَيْبَتِهِ، فَلَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِلَا دَمٍ لَا الرَّمْيَ، وَسِقَايَةُ الْعَبَّاسِ لَيْسَتْ قَيْدًا بَلْ كُلُّ سِقَايَةٍ كَذَلِكَ، وَسَوَاءٌ رِعَاءُ إبِلِ الْحَاجِّ وَغَيْرِهَا.
تَنْبِيهٌ: اسْتَنْبَطَ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ بَاتَ مَنْ شُرِطَ مَبِيتُهُ فِي مَدْرَسَتِهِ مَثَلًا خَارِجَهَا لِنَحْوِ خَوْفٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ زَوْجَةٍ لَمْ يَسْقُطْ مِنْ مَعْلُومِهِ شَيْءٌ.
فَرْعٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمَبِيتَ لَا يَسْقُطُ بِالسَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ وَالنِّسْيَانِ كَمَا مَرَّ فِي الرَّمْيِ، فَفِيهِ الدَّمُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْمُعْتَمَدُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ جَوَازُ التَّدَارُكِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ.
فَرْعٌ: يُنْدَبُ لِمَنْ نَفَرَ مِنْ مِنًى فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَكَذَا فِي الثَّانِي عَلَى مَا بَحَثَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنْ يَنْزِلَ بِالْمُحَصَّبِ وَيُصَلِّيَ بِهِ الْعَصْرَيْنِ وَالْمَغْرِبَيْنِ وَيَبِيتَ بِهِ لِلِاتِّبَاعِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ ثُمَّ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، وَتَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ، وَادٍ مُتَّسِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى وَإِلَى مِنًى أَقْرَبُ، وَيُقَالُ لَهُ: الْأَبْطُحُ وَالْبَطْحَاءُ وَخَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ وَحْدَهُ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إلَى الْمَقْبَرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (بَعْدَ فَرَاغِ النُّسُكِ) صَرِيحُ هَذَا أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجَّ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةٍ، وَلَا يَكْفِي

[حاشية عميرة]

  • رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَوْلُهُ: (فَلَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ) لَهُمْ أَيْضًا أَنْ يَدْعُوَا فِي يَوْمٍ، وَيَأْتُوا بِهِ فِي الثَّانِي قَبْلَ رَمْيِهِ نَعَمْ لَا يُرَخَّصُ لَهُمْ فِي تَرْكِ رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
    وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي مَحَلٍّ آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّ هَذَا لَا يُعْقَلُ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِجَوَازِ تَأْخِيرِ الرَّمْيِ لِغَيْرِ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْمَعْذُورِ فِيهَا ضَمُّ تَرْكِ الرَّمْيِ إلَى تَرْكِ الْمَبِيتِ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: سَبَبُ الْإِشْكَالِ خَلْطُ طَرِيقَةٍ بِطَرِيقَةٍ، فَإِنَّ طَرِيقَةَ الْبَغَوِيّ أَنَّ التَّدَارُكَ قَضَاءٌ وَالْجُمْهُورِ أَدَاءٌ وَالْبَغَوِيُّ مَعَ أَرْبَابِ الْعُذْرِ مَعَ الزِّيَادَةِ عَلَى يَوْمٍ فَتَبِعَهُ الرَّافِعِيُّ، وَغَفَلَ عَنْ كَوْنِهِ مُفَرَّعًا عَلَى طَرِيقَتِهِ مِنْ الْقَضَاءِ فِي الْإِشْكَالِ، وَقَالَ السُّبْكِيُّ: الْأَدَاءُ أَوْ الْقَضَاءُ أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمَا حُكْمُ جَوَازِ التَّأْخِيرِ وَعَدَمِهِ وَاخْتَارَ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَأْخِيرُ رَمْيِ كُلِّ يَوْمٍ عَنْ غُرُوبِهِ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّدَارُكَ يَكُونُ أَدَاءً.
    قَوْلُهُ: (وَرِعَاءِ الْإِبِلِ) حَاوَلَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إبِلَ الْحَاجِّ، وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْخَوْفِ عَلَى الْمَالِ.
    قَوْلُهُ: (لِأَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي التَّحَلُّلِ) أَيْ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا.
    قَوْلُهُ: (وَوُجُوبُ التَّرْتِيبِ بَعْدَهُ) الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ لِلزَّوَالِ مِنْ قَوْلِهِ.
    وَجَوَازُهُ قَبْلَ الزَّوَالَ.

. قَوْلُ الْمَتْنِ: (طَافَ لِلْوَدَاعِ) لَوْ أَخَّرَ الْحَاجُّ طَوَافَ الرُّكْنِ حَتَّى انْتَهَى أَمْرُهُ مِنْ الْمَبِيتِ، وَالرَّمْيِ ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ فَطَافَ لِلرُّكْنِ، وَخَرَجَ مُسَافِرًا لَمْ

رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَلَوْ أَرَادَ الْحَاجُّ الرُّجُوعَ إلَى بَلَدِهِ مِنْ مِنًى لَزِمَهُ دُخُولُ مَكَّةَ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ إنْ قُلْنَا هُوَ وَاجِبٌ وَلَوْ طَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ لِلْإِفَاضَةِ ثُمَّ لِلْوَدَاعِ، ثُمَّ أَتَى مِنًى ثُمَّ أَرَادَ النَّفْرَ مِنْهَا فِي وَقْتِهِ إلَى وَطَنِهِ، فَقِيلَ: يُجْزِئُهُ ذَلِكَ الطَّوَافُ، وَقِيلَ: لَا، ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ انْتَهَى.
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي نُسُكٍ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ كَالْمَكِّيِّ يُرِيدُ سَفَرًا وَالْآفَاقِيِّ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَى وَطَنِهِ طَافَ لِلْوَدَاعِ أَيْضًا فِي الْأَصَحِّ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ وَتَشْبِيهًا لِاقْتِضَاءِ خُرُوجِهِ الْوَدَاعَ بِاقْتِضَاءِ دُخُولِهِ لِلْإِحْرَامِ، وَالثَّانِي يُحْمَلُ طَوَافُ الْوَدَاعِ مِنْ الْمَنَاسِكِ فَيَخُصُّهُ بِذِي النُّسُكِ، وَمَنْ أَرَادَ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ بَعْدَ فَرَاغِ النُّسُكِ لَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَقَوْلُهُ: أَرَادَ الْخُرُوجَ أَيْ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَدُونَهَا عَلَى الصَّرِيحِ (وَلَا يَمْكُثُ بَعْدَهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ، فَإِنْ مَكَثَ لِغَيْرِ اشْتِغَالٍ بِأَسْبَابِ الْخُرُوجِ كَشِرَاءِ مَتَاعٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ زِيَارَةِ صِدِّيقٍ أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ أَعَادَهُ، وَإِنْ اشْتَغَلَ بِأَسْبَابِ الْخُرُوجِ كَشِرَاءِ الزَّادِ وَشَدِّ الرَّحْلِ وَنَحْوِهِمَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى إعَادَتِهِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّاهَا لَمْ يُعِدْهُ.
(وَهُوَ وَاجِبٌ يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ) وُجُوبًا (وَفِي قَوْلٍ سُنَّةٌ لَا يُجْبَرُ) أَيْ لَا يَجِبُ جَبْرُهُ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ.
(فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فَخَرَجَ بِلَا وَدَاعٍ فَعَادَ قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ) وَطَافَ (سَقَطَ الدَّمُ) كَمَا لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرُ مُحْرِمٍ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ (أَوْ) عَادَ إلَيْهِ (بَعْدَهَا) وَطَافَ (فَلَا) يَسْقُطُ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِاسْتِقْرَارِهِ.
وَالثَّانِي يَسْقُطُ كَالْحَالَةِ الْأُولَى، وَيَجِبُ الْعَوْدُ فِيهَا، وَلَا يَجِبُ فِي الثَّانِيَةِ.
(وَلِلْحَائِضِ النَّفْرُ بِلَا) طَوَافِ (وَدَاعٍ) رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ» إلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ، فَلَوْ طَهُرَتْ قَبْلَ مُفَارَقَةِ خُطَّةِ مَكَّةَ لَزِمَهَا الْعَوْدُ وَالطَّوَافُ، أَوْ بَعْدَهَا فَلَا، وَالنُّفَسَاءُ كَالْحَائِضِ فِي ذَلِكَ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.

(وَيُسَنُّ شُرْبُ مَاءِ زَمْزَمَ) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ حَدِيثَ «إنَّهَا مُبَارَكَةٌ إنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» زَادَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ

[حاشية قليوبي]

عَنْهُ طَوَافُ الرُّكْنِ لَوْ أَخَّرَهُ إلَى خُرُوجِهِ وَلَا يَلْزَمُ إلَّا جَبْرٌ عَنْ مُسْتَأْجِرِهِ، وَلَا يُحَطُّ مِنْ الْأُجْرَةِ شَيْءٌ بِتَرْكِهِ وَلَا يَلْزَمُ الْوَلِيَّ أَنْ يَطُوفَ عَنْ طِفْلِهِ وَلَا بِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَلُزُومُ الدَّمِ بِتَرْكِهِ لِتَبَعِيَّتِهِ لِلْمَنَاسِكِ وَشَبَهِهِ بِهَا صُورَةً، وَيَلْزَمُ الْمُحْرِمَ بَعْدَهُ وَالْحَلَالَ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الطَّوَافُ) هُوَ بَيَانٌ لِمُتَعَلِّقِ الْجَارِّ وَهُوَ إمَّا اسْمُ كَانَ أَوْ خَبَرُهَا.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ دُخُولُ مَكَّةَ إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَصَحِّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ) أَيْ سَوَاءٌ أَرَادَ الْإِقَامَةَ أَوْ لَا إلَى وَطَنِهِ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (وَدُونَهَا عَلَى الصَّحِيحِ) أَيْ إنْ كَانَ إلَى وَطَنِهِ أَوْ قَصَدَ إقَامَةً تَقْطَعُ السَّفَرَ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ وَالْمَسَافَةُ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ مَكَّةَ لَا مِنْ الْحَرَمِ، كَمَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ مَكَثَ بَعْدَهُ) أَيْ فِي مَحَلٍّ لَا يَجُوزُ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (لِغَيْرِ اشْتِغَالِ إلَخْ) وَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى عَدَمِ الْخُرُوجِ لَمْ تَجِبْ إعَادَتُهُ لَا إنْ تَمَكَّنَ بِأَنْ مَكَثَ بَعْدَ زَوَالِ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا.
نَعَمْ يُغْتَفَرُ هُنَا مَا يُغْتَفَرُ فِي الِاعْتِكَافِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أَوْ عِيَادَةُ مَرِيضٍ، وَيُغْتَفَرُ فِعْلُ مَا نُدِبَ فِعْلُهُ كَدُخُولِ الْبَيْتِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ وَالْتِزَامِ الْمُلْتَزِمِ وَالدُّعَاءِ فِيهِ، وَشُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ مِنْهَا وَمِنْ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَنْصَرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَلَا يَمْشِي الْقَهْقَرَى كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ.
قَوْلُهُ: (يُجْبَرُ تَرْكُهُ) وَلَوْ بِتَرْكِ بَعْضِهِ وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ عَامِدًا أَوْ عَالِمًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا.
فَقَوْلُهُ فِي الْمَنْهَجِ لِتَرْكِهِ نُسُكًا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ) أَيْ وَقَبْلَ وَطَنِهِ أَوْ مَحَلِّ إقَامَتِهِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَطَافَ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ) وَالْإِثْمُ فَإِنْ لَمْ يَطُفْ كَأَنْ مَاتَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْحَائِضِ تَرْكُهُ) نَعَمْ لِلْمُتَحَيِّرَةِ فِعْلُهُ وَلَا دَمَ لَوْ تَرَكَتْهُ لِلشَّكِّ فِي طُهْرِهَا وَكَالْحَائِضِ مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ أَوْ تَخَلُّفِهِ عَنْ رُفْقَةٍ.
قَوْلُهُ: (خُطَّةِ مَكَّةَ) أَيْ أَبْنِيَتِهَا لَا بَعْدَهَا، وَلَوْ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْحَرَمِ فَلَا عَوْدَ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ شُرْبُ مَاءٍ زَمْزَمَ) وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجٍّ

[حاشية عميرة]

يُغْنِ ذَلِكَ عَنْ الْوَدَاعِ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (هُوَ وَاجِبٌ) أَيْ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَوْلُهُ وَفِي قَوْلٍ سُنَّةٌ اسْتَدَلَّ لَهُ، بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَوَجَبَ جَبْرُهُ عَلَى الْحَائِضِ، لِأَنَّ الْفِدَاءَ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ، كَمَا فِي تَرْكِ الرَّمْيِ قَالَ السُّبْكِيُّ: لَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُ بِأَنَّهُ يُجْبَرُ إذَا لَمْ نَجْعَلْهُ نُسُكًا، فَإِنْ قِيلَ بِهِ فَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ، وَاخْتَارَ أَنَّهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ لِذَلِكَ، وَأَجَابَ عَنْ عَدَمِ طَلَبِهِ مِنْ الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ بِأَنَّ شَرْطَهُ إرَادَةُ فِرَاقِهَا، وَلَمْ تُوجَدْ وَحُمِلَ النُّسُكُ فِي حَدِيثِ الْمُهَاجِرِ عَلَى غَيْرِ التَّابِعِ.
قَوْلُهُ: (مَا لَوْ عَادَ) وَمَاتَ مَثَلًا قَبْلَ الطَّوَافِ فَإِنَّ الدَّمَ لَا يَسْقُطُ.

. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ) أَيْ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ لَا عَقِبَ طَوَافِ الْوَدَاعِ خَاصَّةً،

«وَشِفَاءُ سُقْمٍ» .

(وَزِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ) فَفِي حَدِيثٍ «مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي» رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَغَيْرِهِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا تَجُوزُ لِغَيْرِ زَائِرِهِ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ زِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَهَمِّ الْقُرُبَاتِ، فَإِذَا انْصَرَفَ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُونَ مِنْ مَكَّةَ اُسْتُحِبَّ لَهُمْ اسْتِحْبَابًا مُتَأَكَّدًا أَنْ يَتَوَجَّهُوا إلَى الْمَدِينَةِ لِزِيَارَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلْيُكْثِرْ الْمُتَوَجِّهُ إلَيْهَا فِي طَرِيقِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ، وَيَزِيدُ مِنْهُمَا إذَا أَبْصَرَ أَشْجَارَهَا مَثَلًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ دُخُولِهِ وَيَلْبَسَ أَنْظَفَ ثِيَابِهِ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدُ قَصَدَ الرَّوْضَةَ وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ فَيُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ بِجَنْبِ الْمِنْبَرِ ثُمَّ يَأْتِي الْقَبْرَ فَيَسْتَقْبِلُ رَأْسَهُ وَيَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ، وَيَبْعُدُ مِنْهُ نَحْوَ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ فَيَقِفُ نَاظِرًا إلَى أَسْفَلِ مَا يَسْتَقْبِلُهُ فِي مَقَامِ الْهَيْبَةِ وَالْإِجْلَالِ، فَارِغَ الْقَلْبِ مِنْ عَلَائِقِ الدُّنْيَا، وَيُسَلِّمُ وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ، وَأَقَلُّ السَّلَامِ عَلَيْهِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك وَسَلَّمَ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» ثُمَّ يَتَأَخَّرُ إلَى صَوْبِ يَمِينِهِ قَدْرَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَإِنَّ رَأْسَهُ عِنْدَ مَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَتَأَخَّرُ قَدْرَ ذِرَاعٍ آخَرَ فَيُسَلِّمُ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مَوْقِفِهِ الْأَوَّلِ قُبَالَةَ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَتَوَسَّلُ بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَيَسْتَشْفِعُ بِهِ إلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ، وَمَنْ شَاءَ وَالْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.

[حاشية قليوبي]

مُعْتَمِرٍ وَأَنْ يَتَضَلَّعَ مِنْهُ وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ عِنْدَ شُرْبِهِ مِنْهَا، وَأَنْ يَنْوِيَ حَالَ شُرْبِهِ مَا شَاءَ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ زَوَالِ مَرَضٍ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» . وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِفَضْلِهِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ.
قَوْلُهُ: (طَعَامٌ طُعِمَ) لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُغْنِي عَنْ الْمَطْعُومَاتِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُشْبِعُ كَالطَّعَامِ.
قَوْلُهُ: (وَشِفَاءُ سُقْمٍ) أَيْ شُرْبُ مَائِهَا يَشْفِي مِنْ السَّقَامِ بِقَصْدِهِ.

قَوْلُهُ: (بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ) لَيْسَ قَيْدًا إلَّا لِكَوْنِهِ لَهُ آكَدُ فَتُسَنُّ الزِّيَادَةُ وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ.
بَلْ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ الْمَالِكِيُّ: إنَّ قَصْدَ زِيَارَتِهِ أَفْضَلُ مِنْ قَصْدِ الْكَعْبَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ.
قَوْلُهُ: (قَصَدَ الرَّوْضَةَ) فَفِي الْحَدِيثِ: «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» . أَيْ قِطْعَةٌ مِنْ أَرْضِ الْجَنَّةِ، أَوْ الْعَمَلُ فِيهَا كَالْعَمَلِ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ مُوصِلٌ إلَى رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ أَنَّهَا سَتَكُونُ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ الْجَالِسُ فِيهَا يَرَى مِنْ الرَّاحَةِ مَا يَرَاهُ الْجَالِسُ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَعَلَى كُلٍّ يَحْنَثُ مَنْ جَلَسَ فِيهَا وَحَلَفَ أَنَّهُ جَالِسٌ فِي الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمِنْبَرُ) فَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» . فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الْآنَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُنْقَلُ إلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّ السَّلَامِ عَلَيْهِ إلَخْ) وَيَزِيدُ عَلَيْهِ مِنْ فُلَانٍ إنْ كَانَ قَدْ حَمَّلَهُ السَّلَامَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ قَدْ الْمُفِيدَةِ لِاسْتِمْرَارِهَا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، وَهَذَا أَوْلَى الْأَجْوِبَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تَرِدُ حَقِيقَةً لِأَنَّ رُوحَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا النُّطْقُ كَمَا قَالَهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ الْمَلَكُ الَّذِي يُبَلِّغُهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا يُبَلِّغُنِي، وَكُفِيَ أَمْرَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، وَكُنْت لَهُ شَفِيعًا وَشَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . قَوْلُهُ: (يَتَأَخَّرُ) أَيْ يَمْشِي إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ مَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ فِي مُقَابَلَتِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى عُمَرَ) وَرَأْسُهُ عِنْدَ مَنْكِبِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مِثْلِ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (قُبَالَةَ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَعَلَامَتُهُ الْكَوْكَبُ الْمُسَمَّى بِالدُّرِّيِّ الْمَلْصُوقِ بِجِدَارِ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ دَاخِلَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ، وَكَانَ فِيمَا مَضَى مِسْمَارًا مِنْ فِضَّةٍ، وَصَارَ الْآنَ حَجَرًا مِنْ الْأَلْمَاسِ الْأَصْفَرِ أَبْدَلَهُ بِهِ السُّلْطَانُ أَحْمَدُ فِي زَمَنِ سَلْطَنَتِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ) أَيْ بِحَيْثُ لَا يَسْتَدْبِرُ الْقَبْرَ الشَّرِيفَ وَإِذَا أَرَادَ السَّفَرَ يُوَدِّعُ الْمَسْجِدَ بِرَكْعَتَيْنِ وَأَعَادَ الزِّيَارَةَ الْمَذْكُورَةَ، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلُهُ آخِرَ الْعَهْدِ بِي مِنْ حَرَمِ رَسُولِك، وَيَسِّرْ لَنَا الْعَوْدَ إلَى الْحَرَمَيْنِ سَبِيلًا سَهْلًا

[حاشية عميرة]

وَيُسَنُّ دُخُولُ الْكَعْبَةِ مِنْ غَيْرِ إيذَاءٍ، قَالَ الْحَلِيمِيُّ: وَإِذَا دَخَلَهَا يَخِرُّ سَاجِدًا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ سُجُودُ شُكْرٍ.

قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَزِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ) عَنْ الْعَبْدَرِيِّ الْمَالِكِيِّ أَنَّ زِيَارَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْ قَصْدِ الْكَعْبَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ.
قَالَ فِي الْقُوتِ: وَيُكْرَهُ مَسْحُ الْجِدَارِ بِالْيَدِ وَتَقْبِيلُهُ وَكَذَا إلْصَاقُ الْبَطْنِ، أَوْ الظَّهْرِ بِالْجِدَارِ.
قَالَ: وَلَا تَغْتَرَّ بِمَنْ يَفْعَلُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّ السَّلَامِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْك إلَخْ) وَإِذَا حَمَّلَهُ أَحَدٌ سَلَامًا يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَهُ السُّبْكِيُّ.

فَصْلٌ أَرْكَانُ الْحَجِّ خَمْسَةٌ: الْإِحْرَامُ بِهِ أَيْ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِيهِ (وَالْوُقُوفُ) بِعَرَفَةَ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» (وَالطَّوَافُ) قَالَ تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] (وَالسَّعْيُ) رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَقْبَلَ النَّاسَ فِي الْمَسْعَى، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْعَوْا فَإِنَّ السَّعْيَ قَدْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ» . (وَالْحَلْقُ إذَا جَعَلْنَاهُ نُسُكًا) وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ لِتَوَقُّفِ التَّحَلُّلِ عَلَيْهِ كَالطَّوَافِ.
(وَلَا تُجْبَرُ) هَذِهِ الْخَمْسَةُ أَيْ لَا مَدْخَلَ لِلْجُبْرَانِ فِيهَا بِحَالٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُجْبَرُ بِالدَّمِ وَيُسَمَّى بَعْضًا وَغَيْرُهُ يُسَمَّى هَيْئَةً، (وَمَا سِوَى الْوُقُوفِ أَرْكَانٌ فِي الْعُمْرَةِ أَيْضًا) لِشُمُولِ الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ لَهَا.

(وَيُؤَدِّي النُّسُكَيْنِ عَلَى أَوْجُهٍ) بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مَعًا وَيَبْدَأَ بِالْحَجِّ، أَوْ بِالْعُمْرَةِ، «قَالَتْ عَائِشَةُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
(أَحَدُهَا الْإِفْرَادُ بِأَنْ يَحُجَّ ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ كَإِحْرَامِ الْمَكِّيِّ) بِأَنْ يَخْرُجَ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ فَيُحْرِمَ بِهَا.
(وَيَأْتِي بِعَمَلِهَا) هَذِهِ الصُّورَةُ الْأَصْلِيَّةُ لِلْإِفْرَادِ، وَيُضَمُّ إلَيْهَا صُوَرُ فَوَاتِ الشُّرُوطِ الْآتِيَةِ فِي التَّمَتُّعِ عَلَى وَجْهٍ (الثَّانِي الْقِرَانُ بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا) مَعًا (مِنْ الْمِيقَاتِ وَيَعْمَلَ عَمَلَ الْحَجِّ فَيَحْمِلَانِ) هَذِهِ الصُّورَةَ الْأَصْلِيَّةَ لِلْقِرَانِ (وَلَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَحُجَّ قَبْلَ الطَّوَافِ كَانَ قَارِنًا) يَكْفِيهِ عَمَلُ

[حاشية قليوبي]

وَارْزُقْنَا الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرُدَّنَا إلَى أَهْلِنَا سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَيَنْصَرِفُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَلَا يَمْشِي الْقَهْقَرَى كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ.
تَنْبِيهٌ: يُكْرَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً فِي حَالِ الزِّيَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا أَنْ يُلْصِقَ ظَهْرَهُ أَوْ بَطْنَهُ بِجِدَارِ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ أَوْ يَمْسَحَهُ بِالْيَدِ وَيُقَبِّلَهَا أَوْ يُقَبِّلَهُ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ الطَّوَافِ بِالْقَبْرِ وَالصَّلَاةِ دَاخِلَ الْحُجْرَةِ بِقَصْدِ تَعْظِيمِهِ أَوْ اسْتِقْبَالِهِ بِالصَّلَاةِ.
فُرُوعٌ: يُنْدَبُ الصِّيَامُ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ وَالْمُجَاوَرَةُ بِهَا مِمَّنْ لَمْ تَسْقُطْ حُرْمَتُهَا عِنْدَهُ، وَالتَّصَدُّقُ عَلَى أَهْلِهَا خُصُوصًا الْمَاكِثِينَ بِالْحَرَمِ النَّبَوِيِّ وَالْغُرَبَاءِ، وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ تَقَرُّبُ الْعَوَامّ بِأَكْلِ التَّمْرِ الصَّيْحَانِيِّ فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.

فَصْلٌ فِي أَرْكَانِ النُّسُكِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا قَوْلُهُ: (خَمْسَةٌ) سَكَتَ عَنْ عَدِّ التَّرْتِيبِ رُكْنًا سَادِسًا كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْحَجِّ إلَّا فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ السَّعْيِ وَالْحَلْقِ عَلَى مَا يَأْتِي.
وَفِي الْعُمْرَةِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (أَيْ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِيهِ) أَيْ قَصْدُ أَفْعَالِهِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ.
وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ الْإِحْرَامِ بِالدُّخُولِ أَيْضًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ هُنَاكَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ الرُّكْنِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ هُنَا.
قَوْلُهُ: (كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى السُّبْكِيّ بِقَوْلِهِ: إنَّ النَّوَوِيَّ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (وَيُؤَدِّي النُّسُكَيْنِ) أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيُؤَدَّى عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْحَجِّ وَحْدَهُ وَالْعُمْرَةِ وَحْدَهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَوْجُهٍ) أَيْ ثَلَاثَةٍ، وَالْإِطْلَاقُ لَا يَخْرُجُ عَنْهَا عِنْدَ صَرْفِهِ.
قَوْلُهُ: (فَيَحْصُلَانِ) وَيَكْفِيَانِهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ وَالْأَعْمَالُ الَّتِي أَتَى بِهَا قِيلَ لِلْحَجِّ، وَإِنَّ الْعُمْرَةَ انْغَمَرَتْ فِيهِ كَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ مَعَ

[حاشية عميرة]

[فَصْلٌ أَرْكَانُ الْحَجِّ]

ِّ إلَخْ قَوْلُهُ: (أَيْ نِيَّةُ الدُّخُولِ) قَدْ فَسَّرَهُ فِيمَا سَلَفَ بِالدُّخُولِ فِي النُّسُكِ، وَعَدَلَ هُنَا إلَى نِيَّةِ الدُّخُولِ لِأَنَّهُ الْمُلَائِمُ لِلرُّكْنِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (لِتَوَقُّفِ التَّحَلُّلِ عَلَيْهِ) أَيْ مَعَ عَدَمِ جَبْرٍ بِالدَّمِ فَلَا يَرُدُّ الرَّمْيَ.
قَوْلُهُ: (شُمُولِ الْأَدِلَّةِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: بَدَّلَهُ قِيَاسًا عَلَى الْحَجِّ.

قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَلَى أَوْجُهٍ) هُوَ جَمْعُ قِلَّةٍ لِأَنَّ الْكَيْفِيَّاتِ ثَلَاثٌ.
قَوْلُهُ: (عَلَى وَجْهٍ) مُتَعَلِّقٍ بِقَوْلِهِ يُضَمُّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مَعًا) أَيْ فَإِنْ كَانَ مَكِّيًّا أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا مِنْ مَكَّةَ تَغْلِيبًا لِمِيقَاتِ الْحَجِّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَعْمَلُ عَمَلَ الْحَجِّ) خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فَاشْتَرَطَ

الْحَجِّ، رَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّ عَائِشَةَ أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: مَا شَأْنُك؟ قَالَتْ: حِضْت وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَهِلِّي بِالْحَجِّ.
فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ حَتَّى إذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ حَلَلْت مِنْ حَجِّك وَعُمْرَتِك جَمِيعًا» . وَقَوْلُهُ قَبْلَ الطَّوَافِ أَيْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ، فَلَوْ شَرَعَ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ لِأَنَّهُ اشْتَغَلَ بِعَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ.
(وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ فِي الْجَدِيدِ) وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ ثُمَّ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ الطَّوَافِ لِلْقُدُومِ، وَجَوَّزَهُ الْقَدِيمُ قِيَاسًا عَلَى الْعَكْسِ فَيَكُونُ قَارِنًا أَيْضًا وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ إدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ يُفِيدُ زِيَادَةً عَلَى أَعْمَالِهَا بِالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا فِي أَشْهُرِهِ فَقِيلَ لَا يَصِحُّ هَذَا الْإِدْخَالُ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى صِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، وَقِيلَ يَصِحُّ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ وَقْتَ إدْخَالِهِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ الثَّانِي أَصَحُّ أَيْ فَيَكُونُ قَارِنًا، وَلَوْ أَحْرَمَ بِهِمَا بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ مُرِيدٌ لِلْإِحْرَامِ كَانَ قَارِنًا أَيْضًا وَإِنْ أَسَاءَ.

(الثَّالِثُ التَّمَتُّعُ بِأَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَيَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يُنْشِئَ حَجًّا مِنْ مَكَّةَ) هَذِهِ الصُّورَةُ الْأَصْلِيَّةُ لِلتَّمَتُّعِ، وَيَلْزَمُهُ فِيهِ دَمٌ بِشَرْطِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ لَزِمَهُ دَمُ التَّمَتُّعِ مَعَ دَمِ الْإِسَاءَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ فَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا وَكَذَا لَوْ جَاوَزَهُ غَيْرَ مُرِيدٍ لِلنُّسُكِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمُ التَّمَتُّعِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، فَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا وَلَوْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ، أَوْ مِنْ مِثْلِ مَسَافَتِهِ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ وَوَجْهُ التَّسْمِيَةِ بِالْمُتَمَتِّعِ اسْتِمْتَاعُهُ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ (وَأَفْضَلُهَا) أَيْ أَوْجُهِ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ (الْإِفْرَادُ وَالتَّمَتُّعُ وَفِي قَوْلٍ التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ) وَأَمَّا الْقِرَانُ فَمُؤَخَّرٌ عَنْهُمَا جَزْمًا، لِأَنَّ أَفْعَالَ النُّسُكَيْنِ فِيهِمَا أَكْمَلُ مِنْهَا فِيهِ وَحُكِيَ عَنْ الْمُزَنِيّ

[حاشية قليوبي]

الْأَكْبَرِ، وَقِيلَ عَنْهُمَا مَعًا لَمَّا قَالُوا إنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ بِطَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ قَالُوا فِي الْوُضُوءِ مَعَ الْغُسْلِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عَلَى وَجْهٍ) أَيْ مَرْجُوحٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْمِيقَاتِ) بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ لَا قَيْدٌ.
قَوْلُهُ: (فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) هُوَ غَيْرُ قَيْدٍ فِي الْإِحْرَامِ وَالْعُمْرَةِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ) وَلَا يَضُرُّ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ وَمَسُّهُ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ شَرَعَ فِيهِ) وَلَوْ بِخُطْوَةٍ وَلَوْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ أَوْ بَعْدَهُ صَحَّ إحْرَامُهُ وَكَانَ قَارِنًا.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يَصِحُّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَوْلُهُ: (مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ) وَمِنْ مَكَّةَ لَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (مَسَافَةُ الْقَصْرِ) لَيْسَ قَيْدًا لِلُّزُومِ وَفِيمَا دُونَهَا أَوْلَى.
قَوْلُهُ:

[حاشية عميرة]

طَوَافَيْنِ، وَسَعْيَيْنِ.
قَوْلُهُ: (هَذِهِ الصُّورَةُ الْأَصْلِيَّةُ لِلْقُرْآنِ) أَيْ بِخِلَافِ الصُّورَةِ فِي قَوْلِهِ، وَلَوْ أَحْرَمَ إلَخْ، وَكَذَا الصُّورَتَانِ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَخْ.
فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ الصُّورَةِ الْأَصْلِيَّةِ فَلَا يَتَوَجَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى تَفْسِيرِ الْمَتْنِ الْقُرْآنَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْعَكْسِ) أَيْ فَإِنَّ أَعْمَالَ الْعُمْرَةِ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً، بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَلَمْ يُفِدْ الْإِحْرَامُ بِهَا شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (مُرِيدٌ لِلْإِحْرَامِ) احْتَرَزَ عَنْ غَيْرِ الْمُرِيدِ إذَا بَدَا لَهُ الْإِحْرَامُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الْمَتْنِ أَعْنِي قَوْلَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ الْمِيقَاتِ.

قَوْلُهُ: (هَذِهِ الصُّورَةُ الْأَصْلِيَّةُ لِلتَّمَتُّعِ) أَيْ فَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مِنْهُ الصُّوَرَ الْآتِيَةَ قَرِيبًا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (وَيَلْزَمُ فِيهِ دَمٌ) حِكْمَةُ التَّعَرُّضِ لِهَذَا هُنَا مَعَ أَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ الْفُرُوعَ الْمَذْكُورَةَ عَقَبَةٌ، تَكَلَّمَ فِيهَا الشَّارِحُ عَلَى حُكْمِ الدَّمِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ) احْتَرَزَ عَنْ دُونِهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ حَاضِرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ اعْتِبَارُ الْمَسَافَةِ مِنْ الْحَرَمِ لَا مِنْ مَكَّةَ زَادَهَا اللَّهُ شَرَفًا كَذَا ذَكَرَ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَقُولُ: وَلْيَنْظُرْ فِي هَذَا وَفِي الْفَرْعِ الْمَنْقُولِ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَهُوَ إذَا دَخَلَ الْآفَاقِيُّ مَكَّةَ غَيْرَ مُرِيدٍ لِلنُّسُكِ، فَكَمَا دَخَلَ اعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ، قَالَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ صَارَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ إذْ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ قَصْدُ الْإِقَامَةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَوْضِعُ تَوَقُّفِهِ، وَلَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْإِقَامَةِ مِمَّا يُنَازِعُ فِيهِ كَلَامَ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَنَقْلَهُمْ عَنْ النَّصِّ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي اعْتِبَارِهَا بَلْ فِي اعْتِبَارِ الِاسْتِيطَانِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ لَيْسَ بِحَاضِرٍ، بَلْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ، وَاخْتَارَ السُّبْكِيُّ مَقَالَةَ الْغَزَالِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا لَوْ جَاوَزَهُ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ بَلَغَ مَكَّةَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَمْ لَا كَمَا سَيَأْتِي ثُمَّ غَرَضُ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ سَوْقِ هَذِهِ الْفُرُوعِ هُنَا الْحُكْمُ عَلَى فَاعِلِهَا، بِأَنَّهُ مُسَمًّى مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ يَأْبَى ذَلِكَ، فَقَدْ اعْتَذَرَ عَنْهُ بِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ بَيَانُ الصُّورَةِ الْأَصْلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ) جَعَلَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ هَذَا مِنْ أَفْرَادِ الْفَاضِلِ.
قَالَ: بَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِ الْعُمْرَةِ عَنْ الْحَجِّ وَفِعْلِهَا فِي سَنَتِهِ.

وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْهُمَا، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ فِي إحْرَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» وَرَوَيَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا» ، وَرَوَيَا عَنْ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ» ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا.
وَرَجَّحَ هَذَا بِكَثْرَةِ رُوَاتِهِ وَبِأَنَّ جَابِرًا مِنْهُمْ أَقْدَمُ صُحْبَةً، وَأَشَدُّ عِنَايَةً بِضَبْطِ الْمَنَاسِكِ وَأَفْعَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ لَدُنْ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى أَنْ تَحَلَّلَ وَشَرْطُ تَفْضِيلِ الْإِفْرَادِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي سُنَّتِهِ، فَلَوْ أُخِّرْت عَنْهَا فَكُلٌّ مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ أَفْضَلُ مِنْهُ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْعُمْرَةِ عَنْ سُنَّةِ الْحَجِّ مَكْرُوهٌ.

(وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ) قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ [البقرة: 196] أَيْ بِسَبَبِهَا ﴿إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] . (بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) قَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ﴾ [البقرة: 196] الْحَرَامَ فَلَا دَمَ عَلَى حَاضِرِيهِ (وَحَاضِرُوهُ مِنْ) مَسَاكِنِهِمْ (دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ) كَمَنْ مَسَاكِنُهُمْ بِهَا (قُلْت الْأَصَحُّ مِنْ الْحَرَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَالرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ حَكَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ الثَّانِي هُوَ الدَّائِرُ فِي عِبَارَاتِ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَقَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ أَشْبَهُ وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَهُمْ مِنْ مَسْكَنِهِ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ الْحَرَمِ، وَقِيلَ: مِنْ نَفْسِ مَكَّةَ وَالْقَرِيبُ مِنْ الشَّيْءِ يُقَالُ إنَّهُ حَاضِرُهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 163] أَيْ قَرِيبَةً مِنْهُ وَمِنْ إطْلَاقِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى جَمِيعِ الْحَرَمِ كَمَا هُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] وَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا ثُمَّ بَدَّلَهُ فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ، أَوْ عَقِبَ دُخُولِهَا لَزِمَهُ دَمُ التَّمَتُّعِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْأُولَى، وَالْمُخْتَارُ فِي الرَّوْضَةِ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَاضِرِينَ وَالثَّانِي بَعْدَهُ مِنْهُمْ (وَأَنْ تَقَعَ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ سَنَتِهِ) أَيْ الْحَجِّ فَلَوْ وَقَعَتْ قَبْلَ

[حاشية قليوبي]

اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ إلَخْ) وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَإِنْ كَانَ الْإِفْرَادُ هُوَ الْأَرْجَحُ بِأَنْ يُقَالَ إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ أَوَّلًا مُطْلَقًا، ثُمَّ صَرَفَهُ لِلْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا، فَمَنْ قَالَ إنَّهُ مُطْلَقٌ نَظَرَ إلَى أَوَّلِ إحْرَامِهِ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ مُتَمَتِّعٌ نَظَرَ إلَى أَوَّلِ صَرْفِهِ، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ قَارِنٌ نَظَرَ إلَى مَا بَعْدَ إدْخَالِ الْحَجِّ، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ مُفْرِدٌ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ أَتَى بِأَعْمَالِ الْحَجِّ.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمَعِ فِي الْجَمْعِ غَيْرُ مُتَّجَهٍ فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فِي سُنَّتِهِ) أَيْ قَبْلَ فَرَاغِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ سَوَاءٌ اعْتَمَرَ فِيهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ أَوْ قَدَّمَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ، كَأَنْ وَقَعَتْ فِي رَمَضَانَ وَلَوْ بِوُقُوعِ إحْرَامِهَا فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ) فَلَوْ قَرَنَ بَعْدَ عُمْرَتِهِ لَزِمَهُ دَمَانِ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ دَمٌ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَسَاكِنِهِمْ إلَخْ) صَرَّحَ بِالْمَسَاكِنِ لِأَنَّهَا الْمُرَادَةُ كَمَا يَأْتِي فِي الرَّوْضَةِ وَمَنْ لَهُ مَسْكَنَانِ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ يَعْتَبِرُ مَا فِيهِ أَهْلُهُ أَيْ زَوْجَتُهُ وَأَوْلَادُهُ وَمَالُهُ ثُمَّ مَا فِيهِ أَهْلُهُ، ثُمَّ مَا كَثُرَتْ إقَامَتُهُ فِيهِ ثُمَّ مَا عَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَيْهِ ثُمَّ مَا خَرَجَ مِنْهُ، ثُمَّ مَا أَحْرَمَ مِنْهُ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَصْدِ تَوَطُّنٍ غَرِيبٍ بَعْدَ أَدَاءِ النُّسُكِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ إطْلَاقِ إلَخْ) وَكَذَا جَمِيعُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَالْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ الْحَرَمِ إلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] فَالْمُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ فَقَطْ.
كَذَا أَطْلَقُوهُ وَالْوَجْهُ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ آيَةُ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمُرَادَ فِيهَا حَقِيقَةُ الْمَسْجِدِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ دَمُ التَّمَتُّعِ) لِأَنَّهُ رَبِحَ مِيقَاتًا بِخِلَافِ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّهُ لَا يَرْجُوهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ الْحَرَمِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَكَذَا الْمُخْتَارُ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ

[حاشية عميرة]

قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي قَوْلٍ التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ) لِمَا يَأْتِي وَلِأَنَّ فِيهِ الْمُبَادَرَةَ بِالْعُمْرَةِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَوْ تَمَتَّعَ وَلَكِنْ اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ فَيَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ مَحَلِّ الْكَلَامِ، وَهُوَ تَأْدِيَةُ فَرْضِ السَّلَامِ لَا مُطْلَقُ التَّأْدِيَةِ.

قَوْلُهُ: (فَلَا دَمَ عَلَى حَاضِرِيهِ) قَالُوا الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْحَاضِرَ بِمَكَّةَ مِيقَاتُهُ نَفْسُ مَكَّةَ فَلَا يَكُونُ رَابِحًا مِيقَاتًا، وَاعْتُرِضَ لَهُ بِأَنَّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ أَوْ الْحَرَمِ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ إذَا عَنَّ لَهُ النُّسُكُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَيَجِبُ الدَّمُ بِتَرْكِهِ، فَإِذَا تَمَتَّعَ فَقَدْ اسْتَفَادَ مِيقَاتًا، وَلَك أَنْ تَقُولَ قَطَعُوا النَّظَرَ عَنْ ذَلِكَ، وَجَعَلُوا هَذَا ضَابِطًا لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ الَّذِي يَسْتَفِيدُهُ مَشَقَّتُهُ يَسِيرَةٌ غَالِبًا، فَأُلْحِقَ بِمَنْ فِي مَكَّةَ نَفْسِهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَحَاضِرُوهُ إلَخْ) أَيْ بِدَلِيلِ مَنْعِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ مَكَّةَ إلَخْ) دَلِيلُهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ فِي الْآيَةِ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ حَقِيقَتَهُ اتِّفَاقًا، فَلَا بُدَّ مِنْ تَجَوُّزٍ وَحَمْلُهُ عَلَى مَكَّةَ أَقَلُّ تَجَوُّزًا، وَدَلِيلُ الثَّانِي أَنَّ الْمَسْجِدَ غَالِبُ إطْلَاقَاتِهِ بِمَعْنَى الْحَرَمِ، فَكَانَ الْإِطْلَاقُ بِالْغَالِبِ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَهُمْ مِنْ مَسْكَنِهِ) يُرِيدُ أَنَّ فِي عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ تَصْرِيحًا بِالسُّكْنَى بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَنْ تَقَعَ عُمْرَتُهُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فَشُرِعَ التَّمَتُّعُ رُخْصَةً، لِأَنَّ

أَشْهُرِهِ، أَوْ فِيهَا، وَالْحَجُّ فِي سَنَةٍ قَابِلَةٍ فَلَا دَمَ، وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ أَشْهُرِهِ وَأَتَى بِجَمِيعِ أَفْعَالِهَا فِي أَشْهُرِهِ فَفِي قَوْلٍ يَجِبُ الدَّمُ وَالْأَظْهَرُ لَا لِتَقَدُّمِ أَحَدِ أَرْكَانِهَا وَلَوْ تَقَدَّمَ بَعْضُ أَفْعَالِهَا فَأَوْلَى أَنْ لَا يَجِبَ الدَّمُ أَيْضًا وَعَلَى الْأَوَّلِ قِيلَ يَجِبُ وَالْأَصَحُّ لَا (وَأَنْ لَا يَعُودَ لِإِحْرَامِ الْحَجِّ إلَى الْمِيقَاتِ) الَّذِي أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ فَلَوْ عَادَ إلَيْهِ أَوْ إلَى مِثْلِ مَسَافَتِهِ، وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَلَا دَمَ وَكَذَا لَوْ عَادَ إلَى مِيقَاتٍ أَقْرَبَ إلَى مَكَّةَ مِنْ مِيقَاتِ عُمْرَتِهِ وَأَحْرَمَ مِنْهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ، لِانْتِفَاءِ تَمَعُّنِهِ وَتَرَفُّهِهِ وَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ فِي الْأَصَحِّ، ثُمَّ الشَّرْطُ الثَّانِي مَنَاطُ وُجُوبِ الدَّمِ وَالْخَارِجُ بِالْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ كَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَلَا تُعْتَبَرُ هَذِهِ الشُّرُوطُ فِي التَّسْمِيَةِ بِالْمُتَمَتِّعِ وَقِيلَ تُعْتَبَرُ فِيهَا أَيْضًا حَتَّى لَوْ فَاتَ شَرْطٌ مِنْهَا يَكُونُ مُفْرِدًا.

(وَوَقْتُ وُجُوبِ الدَّمِ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَلَا تَتَأَقَّتُ إرَاقَتُهُ بِوَقْتٍ وَهُوَ دَمُ شَاةٍ بِصِفَةِ الْأُضْحِيَّةِ وَيَقُومُ مَقَامَهَا سُبْعُ بَدَنَةٍ أَوْ سُبْعُ بَقَرَةٍ (وَالْأَفْضَلُ ذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ) وَيَجُوزُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ فِي الْأَظْهَرِ وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا فِي الْأَصَحِّ (فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِهِ) وَهُوَ الْحَرَمُ بِأَنْ لَمْ يَجِدْهُ فِيهِ أَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَشْتَرِيهِ بِهِ فِيهِ (صَامَ) بَدَلَهُ (عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ تُسْتَحَبُّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ) لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ فِطْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَلَا تَتَقَدَّمُ عَلَى وَقْتِهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ

[حاشية قليوبي]

كَمَا فِي الْمَنْهَجِ: إنَّ اعْتِبَارَ الْحَرَمِ يُؤَدِّي إلَى إدْخَالِ الْبَعِيدِ مَكَّةَ وَإِخْرَاجِ الْقَرِيبِ عَنْهَا لِاخْتِلَافِ الْمَوَاقِيتِ يُقَالُ عَلَيْهِ وَاعْتِبَارُ مَكَّةَ يُؤَدِّي إلَى إدْخَالِ الْبَعِيدِ مِنْ الْحَرَمِ وَإِخْرَاجِ الْقَرِيبِ مِنْهُ لِمَا ذُكِرَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ تَقَعَ عُمْرَتُهُ إلَخْ) هُوَ قَيْدٌ لِلُزُومِ الدَّمِ، وَكَوْنِ الْإِفْرَادِ أَفْضَلَ وَإِلَّا فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ وَلَا دَمَ، وَلَا يَتَكَرَّرُ الدَّمُ بِتَكَرُّرِهَا عَلَى الْأَرْجَحِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ قَصْدُ التَّمَتُّعِ وَلَا بَقَاؤُهُ حَيًّا وَلَا وُقُوعُ النُّسُكَيْنِ عَنْ وَاحِدٍ، فَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ وَاحِدٌ لِلْحَجِّ وَآخَرُ لِلْعُمْرَةِ فَتَمَتَّعَ عَنْهُمَا أَوْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ عَكْسُهُ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، ثُمَّ إنْ تَمَتَّعَ بِلَا إذْنِ مُسْتَأْجِرِهِ فَعَلَيْهِ دَمَانِ لِلتَّمَتُّعِ وَاحِدٌ وَلِإِسَاءَتِهِ بِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ وَاحِدٌ أَوْ بِإِذْنِهِ فَدَمٌ وَاحِدٌ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ إنْ أَيْسَرَا مَعًا وَإِلَّا فَالصَّوْمُ عَلَى الْأَجِيرِ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَظْهَرُ لَا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (فَأَوْلَى) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ لَا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَصَحِّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الصُّورَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (لِانْتِفَاءِ تَمَتُّعِهِ) يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الدَّمَ إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِسُقُوطِ مَسَافَةِ الْمِيقَاتِ مِنْ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ الَّذِي هُوَ الْحَجُّ هُنَا وَأَحَدُهُمَا فِي الْقَارِنِ الْآتِي.
وَلِذَلِكَ سَقَطَ الدَّمُ عَنْهُ إذَا عَادَ إلَى مِيقَاتٍ وَلَوْ أَقْرَبَ مِنْ مِيقَاتِهِ، أَوْ إلَى مَرْحَلَتَيْنِ وَلَوْ بِغَيْرِ مِيقَاتٍ.
وَمَتَى سَقَطَ الدَّمُ سَقَطَ الْإِثْمُ أَيْضًا.
وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا لَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ فِي مَعْنَى تَسْمِيَتِهِ مُتَمَتِّعًا كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَلَا تُعْتَبَرُ هَذِهِ الشُّرُوطُ فِي تَسْمِيَتِهِ مُتَمَتِّعًا الَّذِي هُوَ الْأَصَحُّ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تَتَأَقَّتُ إرَاقَتُهُ بِوَقْتٍ) وَيَتَقَيَّدُ مَكَانُهُ بِالْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: (وَوَقْتُ وُجُوبِ إلَخْ) وَيَجُوزُ ذَبْحُهُ عِنْدَ إرَادَةِ إحْرَامِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا لَهُ سَبَبَانِ.
قَوْلُهُ: وَالْأَفْضَلُ ذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَجَزَ) أَيْ وَقْتَ إرَادَةِ الْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قَبْلَهُ وَعَلِمَ قُدْرَتَهُ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَمْ يَجِدْ إلَخْ) أَيْ أَوْ وَجَدَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَى الْعُمْرِ الْغَالِبِ كَمَا فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَغَنِيِّ الزَّكَاةِ وَلَوْ وَجَدَهُ لَكِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ فَهُوَ عَاجِزٌ.
قَوْلُهُ: (تُسْتَحَبُّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ) بَلْ تَجِبُ إنْ كَانَ إحْرَامُهُ قَبْلَ يَوْمِ الْعِيدِ بِزَمَنٍ يَسَعُهَا فَأَكْثَرَ وَتَجِبُ بِقَدْرِ مَا أَدْرَكَهُ مِنْهَا إنْ كَانَ إحْرَامُهُ بِقَدْرِ زَمَنٍ لَا يَسَعُهَا فَإِنْ أَخَّرَ مَا أَدْرَكَهُ

[حاشية عميرة]

الْغَرِيبَ قَدْ يَقْدَمُ قَبْلَ عَرَفَةَ بِأَيَّامٍ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ الْإِحْرَامِ لَوْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِالْحَجِّ، وَلَا سَبِيلَ إلَى مُجَاوَزَتِهِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، فَرَخَّصَ لَهُ الشَّرْعُ أَنْ يَعْتَمِرَ وَيَتَحَلَّلَ مَعَ الدَّمِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ سَنَتِهِ) أَيْ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَعْتَمِرُونَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِذَا لَمْ يَحُجُّوا مِنْ عَامِهِمْ ذَلِكَ لَمْ يُهْدُوا، ثُمَّ كَلَامُ الْكِتَابِ إلَخْ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الدَّمِ نِيَّةُ التَّمَتُّعِ، وَلَا وُقُوعُ النُّسُكَيْنِ عَنْ شَخْصٍ، وَلَا بَقَاؤُهُ حَيًّا إلَى فَرَاغِ الْحَجِّ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَفِي الْأُولَى وُجِّهَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ قَوْلٌ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْأَوَّلِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَفِي قَوْلٍ تَجِبُ.
قَوْلُهُ: (يَكُونُ مُفْرَدًا) ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي وَالْإِمَامُ فِيمَا لَوْ فَرَغَ مِنْهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَبْقَيَا الْخِلَافَ فِيهَا وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ.

قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَفْضَلُ ذَبْحُهُ إلَخْ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَجُوزُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ إلَخْ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ تَعَلَّقَ بِسَبَبَيْنِ فَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا كَالزَّكَاةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِهِ) أَيْ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ ذَبْحُهُ بِأَرْضِ الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَمْ يَجِدْهُ إلَخْ) يُرِيدُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَجْزِ الْحِسِّيِّ وَالشَّرْعِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْإِحْرَامِ) كَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ بِزَمَنٍ، يُمْكِنُهُ فِيهِ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ الْعِيدِ، وَقِيلَ: يَجِبُ وَلَوْ

صَوْمُ شَيْءٍ مِنْهَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَجَوَّزَ صَوْمَهَا لَهُ الْقَدِيمُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ (وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَيَّ أَهْلِهِ فِي الْأَظْهَرِ) قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِلْمُتَمَتِّعِينَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْدِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالثَّانِي إذَا فَرَغَ مِنْ الْحَجِّ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] مَسْبُوقٌ بِقَوْلِهِ ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] فَتُصْرَفُ إلَيْهِ وَكَأَنَّهُ بِالْفَرَاغِ رَجَعَ عَمَّا كَانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِ مِنْ الْأَعْمَالِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ تَوَطَّنَ مَكَّةَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْحَجِّ صَامَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَتَوَطَّنْهَا لَمْ يَجُزْ صَوْمُهُ بِهَا، وَلَا يَجُوزُ صَوْمُهَا فِي الطَّرِيقِ إذَا تَوَجَّهَ إلَى وَطَنِهِ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لِلْعِبَادَةِ الْبَدِينَةِ عَلَى وَقْتِهَا وَقِيلَ يَجُوزُ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ السَّيْرِ أَوَّلَ الرُّجُوعِ وَعَلَى الثَّانِي لَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ جَازَ بَلْ هُوَ أَفْضَلُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَفِي قَوْلِ التَّقْدِيمِ أَفْضَلُ مُبَادَرَةٍ إلَى الْوَاجِبِ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَا يَصِحُّ صَوْمُ شَيْءٍ مِنْ السَّبْعَةِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِأَنَّهُ يُعَدُّ فِي الْحَجِّ (وَيُنْدَبُ تَتَابُعُ الثَّلَاثَةِ وَكَذَا السَّبْعَةُ) وَحُكِيَ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ مِنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهَا التَّتَابُعُ.
(وَلَوْ فَاتَتْهُ الثَّلَاثَةُ فِي الْحَجِّ) وَرَجَعَ إلَى أَهْلِهِ (فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَرِّقَ فِي قَضَائِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبْعَةِ) كَمَا فِي الْأَدَاءِ وَالثَّانِي يَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْ الْأَدَاءِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكْفِي التَّفْرِيقُ بِيَوْمٍ فِي قَوْلٍ وَالْأَظْهَرُ يُفَرِّقُ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَمُدَّةِ إمْكَانِ سَيْرِهِ إلَى أَهْلِهِ عَلَى الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ لِتَتِمَّ مُحَاكَاةُ الْقَضَاءِ لِلْأَدَاءِ، وَإِنْ قُلْنَا يَجُوزُ لَهُ صَوْمُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَفَى التَّشْرِيقُ بِمُدَّةِ إمْكَانِ السَّيْرِ، وَاذَا قُلْنَا الرُّجُوعُ الْفَرَاغُ مِنْ الْحَجِّ وَقُلْنَا لَيْسَ لَهُ صَوْمُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَرَّقَ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَفِي قَوْلٍ بِيَوْمٍ وَفِي آخَرَ لَا يَلْزَمُ التَّفْرِيقُ، وَإِنْ قُلْنَا لَهُ صَوْمُهَا لَمْ يَجِبْ التَّفْرِيقُ، وَقِيلَ يَجِبُ بِيَوْمٍ لِيَقُومَ مَقَامَ انْفِصَالِ الثَّلَاثَةِ فِي الْأَدَاءِ عَنْ السَّبْعَةِ بِكَوْنِهَا فِي الْحَجِّ، وَالْحَاصِلُ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ وَمَا بَعْدَ الْخَامِسِ مُتَدَاخِلٌ، وَفِي سَادِسِ مَخْرَجٍ أَنَّهَا لَا تُقْضَى وَيَسْتَقِرُّ الْهُدَى فِي ذِمَّتِهِ بَدَلَهَا وَفَوَاتُهَا بِفَوَاتِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنْ جَوَّزْنَا لَهُ صَوْمَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَبِفَوَاتِ أَيَّامِهِ وَإِنْ تَأَخَّرَ طَوَافُ الرُّكْنِ عَنْهَا لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ بَعِيدٌ فِي الْعَادَةِ فَلَا يَقَعُ الصَّوْمُ قَبْلَهُ بَعْدَهَا مُرَادًا مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] وَقِيلَ يَقَعُ.

(وَعَلَى الْقَارِنِ دَمٌ كَدَمِ التَّمَتُّعِ) فِي صِفَتِهِ وَبَدَلِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ.
(قُلْت) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ.
(بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) كَمَا فِي الْمُتَمَتِّعِ الْمُلْحَقِ بِهِ الْقَارِنُ فِيمَا ذَكَرَ بِطَرِيقِ

[حاشية قليوبي]

مِنْهَا عَصَى، وَكَانَ قَضَاءً وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ الْإِحْرَامَ بِزَمَنٍ يَسَعُهَا لِأَنَّ تَحْصِيلَ سَبَبِ الْوُجُوبِ لَا يَجِبُ.
قَوْلُهُ: (إلَى أَهْلِهِ) أَيْ إلَى وَطَنِهِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا الْقَضَاءُ وَسَيَأْتِي لَوْ تَوَطَّنَ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (صَامَ بِهَا) أَيْ مَكَّةَ وَيَجِبُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ الَّتِي هِيَ الْعِيدُ وَالتَّشْرِيقُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَتَوَطَّنْهَا إلَخْ) فَلَا عِبْرَةَ بِإِقَامَتِهِ بِغَيْرِ تَوَطُّنٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُنْدَبُ إلَخْ) نَعَمْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ يَوْمِ الْعِيدِ بِزَمَنٍ يَسَعُهَا أَوْ بَعْضَهَا وَجَبَ التَّتَابُعُ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَظْهَرُ يُفَرِّقُ إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ) يُفِيدُ اعْتِبَارَ إقَامَةِ مَكَّةَ وَأَثْنَاءَ الطَّرِيقِ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
قَوْلُهُ: (الْحَاصِلُ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ) وَهِيَ: عَدَمُ لُزُومِ

[حاشية عميرة]

تَأَخَّرَ التَّحَلُّلُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَصَامَهَا بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَحَلَّلَ أَثِمَ، وَصَارَتْ قَضَاءً، وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي الْحَجِّ، لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ نَادِرٌ فَلَا يَكُونُ مُرَادًا فِي الْآيَةِ قَالَ الْإِمَامُ: وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَجِّ إذَا لَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا، فَإِنْ كَانَ فَلَا كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَضَعَّفَهُ الشَّيْخَانِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: حَيْثُ صَارَتْ الثَّلَاثَةُ قَضَاءً فَفِي السَّبْعَةِ قَوْلَانِ فِي تَحْرِيرِ الْجُرْجَانِيِّ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَاَلَّذِي فَهِمْته مِنْ كَلَامِ أَكْثَرِهِمْ الْجَزْمُ بِأَنَّهَا أَدَاءٌ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي إذَا فَرَغَ مِنْ الْحَجِّ) وَقِيلَ عَلَى هَذَا الْمُرَادُ وَالرُّجُوعُ مِنْ مِنًى بَعْدَ فَرَاغِ أَعْمَالِ الْحَجِّ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُنْدَبُ تَتَابُعُ الثَّلَاثَةِ إلَخْ) مُبَادَرَةً إلَى فِعْلِ الْوَاجِبِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الْأَدَاءِ) يُشْكِلُ عَلَيْهِ عَدَمُ وُجُوبِ التَّفْرِيقِ فِي قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ بِقَدْرِ أَوْقَاتِهَا، فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ وَاجِبٌ فِي الْأَدَاءِ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ الْحَجُّ وَالرُّجُوعُ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْفَوَاتِ كَتَرْتِيبِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَالثَّانِي وَصَحَّحَهُ قَاسَ عَلَى عَدَمِ التَّفْرِيقِ فِي قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَوْلَى، وَفَارَقَ تَفْرِيقَ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّ ذَلِكَ تَفْرِيقٌ يَتَعَلَّقُ بِالْوَقْتِ، وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ الرُّجُوعُ وَالْحَجُّ اهـ. قَوْلُهُ: (وَالْحَاصِلُ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ) وَهِيَ قَوْلُهُ وَالثَّانِي يَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْ الْأَدَاءِ، وَقَوْلُهُ بِيَوْمٍ فِي قَوْلٍ وَقَوْلُهُ وَالْأَظْهَرُ، وَقَوْلُهُ بِمُدَّةِ إمْكَانِ السَّيْرِ وَقَوْلُهُ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.

الْأَوْلَى فَإِنَّ أَفْعَالَ الْمُتَمَتِّعِ أَكْثَرُ مِنْ أَفْعَالِهِ.
وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَبَحَ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَتْ: وَكُنَّ قَارِنَاتٍ» وَلَوْ دَخَلَ الْقَارِنُ مَكَّةَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ ثُمَّ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ كَمَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُتَمَتِّعِ إذَا عَادَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ إلَى الْمِيقَاتِ، وَقِيلَ لَا يَسْقُطُ وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْمَ الْقِرَانِ لَا يَزُولُ بِالْعَوْدِ إلَى الْمِيقَاتِ بِخِلَافِ التَّمَتُّعِ.

بَابُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ أَيْ مَا يَحْرُمُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ (أَحَدُهَا سَتْرُ بَعْضِ رَأْسِ الرَّجُلِ) مَعَ الْبَعْضِ الْآخَرِ أَوَّلًا (بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا) مِنْ مَخِيطٍ أَوْ غَيْرِهِ كَقَلَنْسُوَةٍ وَعِمَامَةٍ وَخِرْقَةٍ وَعِصَابَةٍ وَكَذَا طِينٌ ثَخِينٌ فِي الْأَصَحِّ (إلَّا لِحَاجَةٍ) كَمُدَاوَاةٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَيَجُوزُ، وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ وَاحْتُرِزَ بِالرَّجُلِ عَنْ الْمَرْأَةِ وَبِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا عَمَّا لَا يُعَدُّ كَوَضْعِ يَدِهِ أَوْ يَدِ غَيْرِهِ أَوْ زِنْبِيلٍ أَوْ حِمْلٍ وَالتَّوَسُّدِ بِوِسَادَةٍ أَوْ عِمَامَةٍ وَالِانْغِمَاسِ فِي الْمَاءِ وَالِاسْتِظْلَالِ بِالْمَحْمِلِ، وَإِنْ مَسَّ رَأْسَهُ وَشَدَّهُ بِخَيْطٍ لِمَنْعِ الشَّعْرِ مِنْ الِانْتِشَارِ وَغَيْرِهِ (وَلُبْسُ الْمَخِيطِ) كَالْقَمِيصِ (أَوْ الْمَنْسُوجِ) كَالزَّرْدِ (أَوْ الْمَعْقُودِ) كَجُبَّةِ اللَّبَدِ (فِي سَائِرِ) أَيْ بَاقِي (بَدَنِهِ) أَيْ الرَّجُلِ (إلَّا

[حاشية قليوبي]

التَّفْرِيقِ، لُزُومُهُ بِيَوْمٍ فَقَطْ، لُزُومُهُ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ، لُزُومُهُ بِمُدَّةِ سَيْرِهِ، لُزُومُهُ بِالْأَخِيرَيْنِ مَعًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ) الْمُتَقَدِّمُ فِي التَّمَتُّعِ يُفِيدُ أَنَّهُ يَكْفِي أَيُّ مِيقَاتٍ مِنْ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ مِمَّا أَحْرَمَ مِنْهُ، وَفَارَقَ لُزُومَ عَوْدِ الْمُجَاوِزِ لِمَا أَحْرَمَ مِنْهُ لِإِسَاءَتِهِ.
فَرْعٌ: لَوْ شَرَعَ الْمُتَمَتِّعُ أَوْ الْقَارِنُ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ سُنَّ لَهُ الْعَوْدُ إلَيْهِ أَوْ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَجَبَ الْعَوْدُ إلَيْهِ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ فَرَاغِ الْحَجِّ وَالْوَاجِبُ هَدْيٌ لَمْ يَسْقُطْ، وَيَجِبُ صَرْفُهُ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ أَوْ صَوْمٌ فَكَرَمَضَانَ فَيَسْقُطُ عَنْهُ إنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ وَإِلَّا وَجَبَ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ، لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ، وَيُسَنُّ صَرْفُهُ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ وَلَا يَجِبُ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الصَّوْمِ وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِمْ.

بَابُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ أَيْ بَيَانُ الْأُمُورِ الَّتِي تَحْرُمُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ وَزِيَادَةُ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَلَالِ غَيْرُ مَعِيبٍ، وَالْمَذْكُورُ فِيهِ الْمُحَرَّمَاتُ عَلَى الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ لِزِيَادَةِ الْفَائِدَةِ، وَعَدَّهَا الْمُصَنِّفُ خَمْسَةً وَبَعْضُهُمْ ثَمَانِيَةً وَبَعْضُهُمْ عَشْرَةً وَبَعْضُهُمْ عِشْرِينَ، وَهُوَ اخْتِلَافٌ لَفْظِيٌّ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ التَّرْجَمَةِ، وَالْأَنْسَبُ لِخُصُوصِ الْمُحَرَّمِ، الثَّانِي وَلِلْأَعَمِّ، الثَّالِثُ أَوْ الرَّابِعُ لِمُوَافَقَتِهِ لِلنَّظْمِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (رَأْسِ الرَّجُلِ) أَيْ

[حاشية عميرة]

قَوْلُهُ: (وَمَا بَعْدَ الْخَامِسِ) أَيْ وَهُوَ قَوْلُهُ بِيَوْمٍ وَفِي الْآخَرِ لَا يَلْزَمُهُ وَالْخَمْسَةُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَمِنْهَا مُقَابِلُ الْأَظْهَرِ.

قَوْلُهُ: (الْمُلْحَقِ بِهِ الْقَارِنُ) أَيْ فَدَمُهُ فَرْعٌ عَنْ دَمِ التَّمَتُّعِ، لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ فَالْحَالَةُ الَّتِي لَا يَجِبُ فِيهَا عَلَى الْأَصْلِ، لَا يَجِبُ عَلَى الْفَرْعِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الْمُلْحَقِ يَعْنِي أَنَّ الْقَارِنَ الْحَقُّ فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ بِالْمُتَمَتِّعِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّ أَعْمَالَ التَّمَتُّعِ أَكْثَرُ ثُمَّ رَأَيْته فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَالَ: لِأَنَّ دَمَ الْقِرَانِ فَرْعٌ عَنْ دَمِ التَّمَتُّعِ فَإِذَا لَمْ يَجِبْ فِي الْأَصْلِ فَفَرْعُهُ أَوْلَى اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ وَأَظُنُّ مَنْشَأَهُ عَدَمُ فَهْمِ الْعِبَارَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَهِمْنَاهُ ثُمَّ رَأَيْت الْإِسْنَوِيَّ ذَكَرَ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا فَهُوَ تَابِعٌ لَهُ.
وَهُوَ مَوْجُودٌ فَقَطْ قَالُوا لَوْ عَادَ الْقَارِنُ الْغَرِيبُ إلَى الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا، فَالْمَذْهَبُ لَا دَمَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: إنْ قُلْنَا فِي الْمُتَمَتِّعِ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، وَعَادَ لِلْمِيقَاتِ لَا يَسْقُطُ فَكَذَا هُنَا، وَإِنْ قُلْنَا يَسْقُطُ فَوَجْهَانِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقِرَانَ فِي حُكْمِ نُسُكٍ وَاحِدٍ فَلَا أَثَرَ لِعَوْدِهِ اهـ. وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا تَبَعًا لِلْإِسْنَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ) أَيْ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُؤَلِّفِ أَنْ يَقُولَ، وَأَنْ لَا يَعُودَ إلَى الْمِيقَاتِ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ.

[بَابُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ]

ِ قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلُبْسُ الْمَخِيطِ) أَيْ عَلَى الْعَادَةِ فِي لُبْسِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، وَقَوْلُهُ أَوْ الْمَنْسُوجِ أَوْ الْمَعْقُودِ أَيْ

إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ) فَيَجُوزُ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ مِنْهُ وَالْخُفَّيْنِ إذَا قُطِعَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَلَا فِدْيَةَ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْمَخِيطِ لِمُدَاوَاةٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ جَازَ وَوَجَبَتْ الْفِدْيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي السِّتْرِ، وَإِنْ سَتَرَ أَوْ لَبِسَ الْمَخِيطَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ، وَمِنْ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِ الْقُفَّازُ، وَسَيَأْتِي وَأُلْحِقَ بِهِ مَا لَوْ اتَّخَذَ لِسَاعِدِهِ مَثَلًا مَخِيطًا، أَوْ لِلِحْيَتِهِ خَرِيطَةً يُغْلِقُهَا بِهَا إذَا خَضَّبَهَا (وَوَجْهُ الْمَرْأَةِ كَرَأْسِهِ) أَيْ الرَّجُلِ فِي حُرْمَةِ السَّتْرِ الْمَذْكُورِ فِيهِ إلَّا لِحَاجَةٍ فَيَجُوزُ، وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ سَتَرَتْهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ (وَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيطِ) فِي الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ (إلَّا الْقُفَّازَ فِي الْأَظْهَرِ) وَهُوَ مَخِيطٌ مَحْشُوٌّ بِقُطْنٍ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ لِيَقِيَهُمَا مِنْ الْبَرْدِ وَيُزَرُّ عَلَى السَّاعِدَيْنِ رَوَى الشَّيْخَانِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي خَرَّ مِنْ بَعِيرِهِ مَيِّتًا: لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا الْخُفَّ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا يَلْبَسُ مِنْ الثِّيَابِ مَا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ» زَادَ الْبُخَارِيُّ «وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» . وَرَوَيَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ» . وَرَوَى مُسْلِمٌ «مَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ» ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بَنَاتَه بِلُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ فِي الْإِحْرَامِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ «لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ إحْرَامٌ إلَّا فِي وَجْهِهَا» ، قَالَا: وَالصَّحِيحُ وَقْفُهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ رَاوِيهِ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: 196] أَيْ فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ وَقِيسَ عَلَى الْحَلْقِ بَاقِي الْمُحَرَّمَاتِ لِلْعُذْرِ فَلِغَيْرِهِ أَوْلَى، ثُمَّ اللُّبْسُ مَرْعِيٌّ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَا يُعْتَادُ فِي كُلِّ

[حاشية قليوبي]

بَشَرًا وَشَعْرًا فِي حَدِّهِ بِخِلَافِ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْهُ وَمِنْ الرَّأْسِ الْبَيَاضُ خَلْفَ الْأُذُنِ وَيَجِبُ كَشْفُ جُزْءٍ مِمَّا حَوَالَيْ الرَّأْسِ الْمُلَاصِقِ لَهُ لِإِتْمَامِ الْوَاجِبِ، وَخَرَجَ بِهِ الْوَجْهُ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْمُرَادُ بِالرَّجُلِ الذَّكَرُ يَقِينًا فَدَخَلَ الصَّبِيُّ وَخَرَجَ الْخُنْثَى لِأَنَّهُ كَالْمَرْأَةِ.
تَنْبِيهٌ: تَعَدُّدُ الرَّأْسِ يُعْتَبَرُ بِمَا فِي الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا) أَيْ عُرْفًا وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ إدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ كَالزُّجَاجِ وَمُهَلْهَلِ النَّسْجِ.
قَوْلُهُ: (طِينٌ ثَخِينٌ) بِخِلَافِ الرَّقِيقِ.
قَوْلُهُ: (كَوَضْعِ يَدِهِ إلَخْ) وَلَا فِدْيَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّ قَصَدَ بِهِ السَّتْرَ وَإِنْ حُرِّمَ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَعِنْدَ شَيْخِنَا حَجَرٍ: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ عِنْدَ الْقَصْدِ الْمَذْكُورِ.
وَشَرْحُ شَيْخِنَا كَابْنِ حَجَرٍ: وَفِيهِ أَنَّ الزِّنْبِيلَ إذَا صَارَ كَالْقَلَنْسُوَةِ وَجَبَتْ فِيهِ الْفِدْيَةُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَالِاسْتِظْلَالُ بِالْمَحْمِلِ) وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ.
وَمِثْلُهُ رَفْعُ ثَوْبٍ عَلَى أَعْوَادٍ مَثَلًا لِمَنْعِ نَحْوِ حَرٍّ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَاءِ) وَلَوْ كَدِرًا وَمِثْلُهُ لَبَنُ وَمُصَلٍّ.
وَفَارَقَ الصَّلَاةَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا مَا يَمْنَعُ إدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَشَدَّهُ بِخَيْطٍ) خَرَجَ الْعِصَابَةُ فَتَجِبُ فِيهَا الْفِدْيَةُ، وَلَوْ شَدَّ جِرَاحَهُ بِخِرْقَةٍ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ وَإِنْ كَانَتْ فِي الرَّأْسِ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَسْفَلِ الْكَعْبَيْنِ) وَإِنْ سَتَرَ الْقَدَمَ وَمِثْلُهُ الزُّرْبُولُ وَالزَّرْمُوزَةُ وَنَحْوُ الْقَبْقَابِ، وَالْقَطْعُ قَبْلَ اللُّبْسِ وَإِنْ خَالَفَهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فِدْيَةَ) أَيْ عِنْدَ عَدَمِ وُجْدَانِ غَيْرِهِ فَخَرَجَ مَا لَوْ وَجَدَ غَيْرَهُ كَالنَّعْلِ أَوْ احْتَاجَ لَهُ مَعَ عَدَمِ قَطْعِهِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ مِثْلِهِمَا فَيَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ.

[حاشية عميرة]

لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَى الْمَخِيطِ، وَالْمَعْقُودُ هُوَ الَّذِي لَزِقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، كَثَوْبِ الْيَدِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لُبْسُ ثَوْبٍ لَزِقْته مِنْ وَرَقٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (إذَا لَمْ يَجِدْ) أَيْ وَلَوْ بِإِعَارَةٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، ثُمَّ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَتْنِ أَنَّ لُبْسَ الْمَخِيطِ يَتَوَقَّفُ جَوَازُهُ عَلَى فَقْدِ الْغَيْرِ، وَلَا تَكْفِي فِيهِ الْحَاجَةُ كَحَرٍّ وَبَرْدٍ وَمُدَاوَاةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَإِنْ احْتَاجَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَالْخُفَّيْنِ إلَخْ) أَيْ بِشَرْطِ عَدَمِ النَّعْلَيْنِ لِلْحَدِيثِ الْآتِي قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَحُكْمُ الْمَدَاسِ وَهُوَ الزُّرْمُوزَةُ حُكْمُ الْخُفِّ الْمَقْطُوعِ اهـ. أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهَا عَدَمُ النَّعْلَيْنِ وَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهَا بَعْضَ إحَاطَةٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) أَيْ وَهُوَ الْجَهْلُ أَوْ النِّسْيَانُ مُطْلَقًا أَوْ الْفَقْدُ فِي السَّرَاوِيلِ وَالْخُفِّ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْمُحَرَّمِ إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي سَائِرِ بَدَنِهِ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يُحَرَّمُ أَنْ يَتَّخِذَ لِلسَّاعِدَةِ أَوْ لِعُضْوٍ آخَرَ شَيْئًا مُحِيطًا بِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ وَهَكَذَا لَوْ اتَّخَذَ لِحْيَتَهُ خَرِيطَةً فَتَلَخَّصَ أَنَّ ضَابِطَ مَا يُحَرَّمُ، أَنْ يَكُونَ فِيهِ إحَاطَةٌ لِلْبَدَنِ أَوْ لِبَعْضِ الْأَعْضَاءِ قَالَ نَعَمْ.
خَرِيطَةُ اللِّحْيَةِ لَا تَدْخُلُ فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مُسَمَّى الْبَدَنِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) الْمُرَادُ بِالْعُذْرِ هُنَا الْجَهْلُ أَوْ النِّسْيَانُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (إلَّا الْقُفَّازَ إلَخْ) مِنْ هُنَا تَعْلَمُ أَنَّ لَهَا شَدَّ كُمِّهَا عَلَى يَدِهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ السَّتْرِ بِغَيْرِ الْقُفَّازَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَدِيثِ «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» إلَخْ) وَرَوَى مُسْلِمٌ «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ» ، وَحَمَلَهُ أَئِمَّتُنَا عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ الْوَجْهَ احْتِيَاطًا لِلرَّأْسِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا» هُوَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ.
وَقَالَ الْجُعْفِيُّ: يَجُوزُ لُبْسُ الْخُفِّ الْمَقْطُوعِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلِ.
قَوْلُهُ: (وَرَوَى الشَّافِعِيُّ إلَخْ) هَذَا تَوْجِيهٌ مُقَابِلٌ الْأَظْهَرَ.
قَوْلُهُ: (وَقِيسَ عَلَى الْحَلْقِ إلَخْ) نَظَرَ

مَلْبُوسٍ، فَلَوْ ارْتَدَى بِقَمِيصٍ أَوْ اتَّزَرَ بِسَرَاوِيلَ فَلَا فِدْيَةَ، كَمَا لَوْ اتَّزَرَ بِإِزَارٍ مُلَفَّقٍ مِنْ رِقَاعٍ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ رِدَاءً، لَمْ يَجُزْ لَهُ لُبْسُ الْقَمِيصِ بَلْ يَرْتَدِي بِهِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا وَوَجَدَ سَرَاوِيلَ يَتَأَتَّى الِاتِّزَارُ بِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ اتَّزَرَ بِهِ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ لُبْسُهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ وُجْدَانِ الْإِزَارِ أَوْ النَّعْلَيْنِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي مِلْكِهِ وَلَا يَقْدِرَ عَلَى تَحْصِيلِهِ بِشِرَاءٍ أَوْ اسْتِئْجَارٍ بِعِوَضِ مِثْلِهِ أَوْ اسْتِعَارَةٍ بِخِلَافِ الْهِبَةِ، فَلَا يَلْزَمُ قَبُولُهَا لِعِظَمِ الْمِنَّةِ فِيهَا وَإِذَا وَجَدَ الْإِزَارَ أَوْ النَّعْلَيْنِ بَعْدَ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ أَوْ الْخُفَّيْنِ الْجَائِزِ لَهُ وَجَبَ نَزْعُ ذَلِكَ فَإِنْ أَخَّرَ، وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ الْإِزَارَ وَيَشُدَّ عَلَيْهِ خَيْطًا لِيَثْبُتَ وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُ مِثْلَ الْحُجْزَةِ وَيُدْخِلَ فِيهَا التِّكَّةَ إحْكَامًا، وَأَنْ يَغْرِزَ طَرَفَ رِدَائِهِ فِي طَرَفِ إزَارِهِ وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ الرِّدَاءِ وَلَا حَلُّهُ بِخِلَالٍ أَوْ مِسَلَّةٍ وَلَا رَبْطُ طَرَفِهِ إلَى طَرَفِهِ بِخَيْطٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَخِيطِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُسْتَمْسِكٌ بِنَفْسِهِ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَلَا بُدَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتُرَ مِنْ الْوَجْهِ الْقَدْرَ الْيَسِيرَ الَّذِي يَلِي الرَّأْسَ إذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُ سَتْرِ الرَّأْسِ الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ وَلَهَا أَنْ تَسْدُلَ عَلَى وَجْهِهَا ثَوْبًا مُتَجَافِيًا عَنْهُ بِخَشَبَةٍ، وَنَحْوِهَا لِحَاجَةٍ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ فِتْنَةٍ، وَنَحْوِهَا أَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَإِنْ وَقَعَتْ الْخَشَبَةُ فَأَصَابَ الثَّوْبُ وَجْهَهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا وَرَفَعَتْهُ فِي الْحَالِ فَلَا فِدْيَةَ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا أَوْ اسْتَدَامَتْهُ لَزِمَهَا الْفِدْيَةُ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَا ذُكِرَ فِي إحْرَامِ الْمَرْأَةِ وَلُبْسِهَا لَمْ يُفَرِّقُوا فِيهِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَشَذَّ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَحَكَى وَجْهًا أَنَّ الْأَمَةَ كَالرَّجُلِ فِي حُكْمِ الْإِحْرَامِ، وَوَجْهَيْنِ فِيمَنْ نِصْفُهَا حُرٌّ وَنِصْفُهَا رَقِيقٌ هَلْ هِيَ كَالْأَمَةِ أَوْ كَالْحُرَّةِ وَإِذَا سَتَرَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ رَأْسَهُ فَقَطْ أَوْ وَجْهَهُ فَقَطْ فَلَا فِدْيَةَ وَإِنْ سَتَرَهُمَا وَجَبَتْ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الْفُتُوحِ وَلَيْسَ لَهُ كَشْفُهُمَا لِأَنَّ فِيهِ تَرْكًا لِلْوَاجِبِ، وَلَهُ كَشْفُ الْوَجْهِ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: وَقِيَاسُهُ وَلُبْسُ الْمَخِيطِ

[حاشية قليوبي]

وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ نَحْوَ الزُّرْمُوزَةِ مُطْلَقًا قَوْلُهُ: (مَثَلًا) فَبَقِيَّةُ أَعْضَائِهِ كَسَاعِدِهِ، نَعَمْ لَا يَضُرُّ لَفُّ خِرْقَةٍ عَلَى يَدِهِ وَيَحْرُمُ رَبْطُهَا عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ لِلِحْيَتِهِ خَرِيطَةً) وَكَذَا لِوَجْهِهِ.
قَوْلُهُ: (وَوَجْهُ الْمَرْأَةِ) أَيْ وَإِنْ تَعَدَّدَ كَمَا فِي الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ) أَيْ الْكَفَّيْنِ، أَمَّا مَا يُعْمَلُ لِلسَّاعِدَيْنِ فَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ لَا لِلرَّجُلِ وَتَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ.
قَوْلُهُ: (إنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بَنَاتَه إلَخْ) هَذَا دَلِيلٌ مُقَابِلٌ الْأَظْهَرَ الَّذِي سَكَتَ عَنْهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا فِدْيَةَ) أَيْ فِي الِارْتِدَاءِ بِالْقَمِيصِ وَإِنْ أَلْقَى كُمَّيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ.
وَكَذَا الِارْتِدَاءُ بِالْقَبَاءِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَمْسِكُ فِي قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ.
وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي سَاقَيْ الْخُفِّ أَوْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ فِي إحْدَى رِجْلَيْهِ.
وَكَذَا لَوْ تَقَلَّدَ بِنَحْوِ سَيْفٍ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَيَجُوزُ لَفُّ نَحْوِ عِمَامَةٍ عَلَى وَسَطِهِ بِلَا عَقْدٍ وَإِدْخَالُ يَدِهِ فِي كُمِّ غَيْرِهِ، وَالِاحْتِوَاءُ بِحَبْوَةٍ مَثَلًا وَلُبْسُ نَحْوِ خَاتَمٍ لَا دِرْعٍ وَزَرَدِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَرْتَدِي بِهِ) وَلَهُ التَّغْطِيَةُ بِهِ عِنْدَ النَّوْمِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ الْإِزَارَ) خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَخَرَجَ بِالْعَقْدِ الْأَزْرَارُ فَتَجُوزُ إنْ تَبَاعَدَتْ وَإِلَّا فَلَا.
وَأَمَّا الْأَزْرَارُ فِي الرِّدَاءِ فَتَحْرُمُ وَإِنْ تَبَاعَدَتْ، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَوَافَقَهُمْ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْمُتَبَاعِدَةِ.
قَوْلُهُ: (مِثْلُ الْحُجْزَةِ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ وَجِيمٍ سَاكِنَةٍ وَزَايٍ مُعْجَمَةٍ، وَهِيَ مَا يَدْخُلُ فِيهَا التِّكَّةُ بِكَسْرِ التَّاءِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَغْرِزَ إلَخْ) أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَحْمَدَ.
وَخَرَجَ بِغَرْزِهِ فِيهِ جَعْلُ أَزْرَارٍ بَيْنَهُمَا فَتَحْرُمُ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا خَلُّهُ بِخِلَالٍ أَوْ مِسَلَّةٍ) فَيَحْرُمُ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا.
وَكَذَا رَبْطُ طَرَفِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بُدَّ لِلْمَرْأَةِ) أَيْ الْحُرَّةِ أَنْ تَسْتُرَ إلَخْ.
وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا فِيهِ، وَإِنْ نُدِبَ كَالْخَلْوَةِ بِالْمَحَارِمِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُفَرِّقُوا فِيهِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فِي التَّحْرِيمِ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ إلَّا فِي سَتْرِ الْجُزْءِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْأَمَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا فِدْيَةَ) لِاحْتِمَالِ أُنُوثَتِهِ فِي الْأَوَّلِ وَذُكُورَتِهِ فِي الثَّانِي.
وَلِذَلِكَ لَوْ سَتَرَهُمَا مَعًا وَلَوْ مُرَتَّبًا حُرِّمَ، وَوَجَبَ الْفِدْيَةُ لِتَعَيُّنِ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ كَشْفُ الْوَجْهِ) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ جَوَازٌ بَعْدَ مَنْعٍ وَيَجِبُ

[حاشية عميرة]

فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ الْحَلْقَ إتْلَافٌ، وَهُوَ أَغْلَظُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ إلَخْ) لَوْ تَوَقَّفَ الْإِزَار عَلَى فَتْقِ السَّرَاوِيلِ وَخِيَاطَةِ إزَارٍ مِنْهُ لَمْ يُكَلَّفْ ذَلِكَ، وَاسْتَشْكَلَ بِوُجُوبِ قَطْعِ الْخُفَّيْنِ، وَلَا يُكَلَّفُ بَيْعَ السَّرَاوِيلِ وَشِرَاءَ إزَارٍ، إلَّا إذَا أَمِنَ كَشْفَ عَوْرَتِهِ زَمَنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَلَا يُكَلَّفُ رَبْطَ السَّرَاوِيلِ عَلَى حَدِّ السُّرَّةِ خِلَافًا لِلْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ الْإِزَارَ) لَوْ زَرَّهُ بِأَزْرَارٍ أَوْ شَاكَهُ أَوْ خَاطَهُ لَمْ يَجُزْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي الرِّدَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ أَنْ يَغْرِزَ طَرَفَ رِدَائِهِ) كَذَا لَهُ أَنْ يَرْبِطَهُ فِي الْإِزَارِ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهِ) مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ أَزْرَارًا وَعُرًى يَمْسِكُهُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ سَتَرَهُمَا) أَيْ وَلَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِي الْبَيَانِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الْفُتُوحِ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ سَتْرِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ مَعًا، لِأَنَّ فِيهِ تَرْكًا لِلْوَاجِبِ، وَأَنَّهُ لَوْ قِيلَ يُؤْمَرُ بِكَشْفِ الْوَجْهِ لَكَانَ صَحِيحًا، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ رَجُلًا فَكَشْفُ وَجْهِهِ لَا يُؤَثِّرُ وَلَا

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَتِرَ بِغَيْرِهِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ رَجُلًا، فَإِنْ لَبِسَهُ فَلَا فِدْيَةَ لِجَوَازِ كَوْنِهِ امْرَأَةً.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: لَا خِلَافَ أَنَّا نَأْمُرُهُ بِالسِّتْرِ وَلُبْسِ الْمَخِيطِ، كَمَا نَأْمُرُ أَنْ يَسْتَتِرَ فِي صَلَاتِهِ كَالْمَرْأَةِ وَلَا تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ.
وَقِيلَ تَلْزَمُهُ احْتِيَاطًا.

(الثَّانِي) مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ (اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ) كَالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ وَالْوَرْسِ وَهُوَ أَشْهُرُ طِيبٍ فِي بِلَادِ الْيَمَنِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَإِنْ كَانَ يُطْلَبُ لِلصَّبْغِ وَالتَّدَاوِي أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعَ الْوَرْسِ فِي الْحَدِيثِ فِي الثَّوْبِ وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَدَنُ، وَعَلَيْهِمَا بَقِيَّةُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ وَأُدْرِجَ فِيهِ مَا مُعْظَمُ الْغَرَضِ مِنْهُ رَائِحَتُهُ الطَّيِّبَةُ كَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ وَالنِّرْجِسِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَى الطِّيبِ مِنْ الدُّهْنِ، كَدُهْنِ الْوَرْدِ وَدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ، وَعُدَّ مِنْ اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ أَنْ يَأْكُلَهُ أَوْ يَحْتَقِنَ بِهِ أَوْ يَسْتَعْطِ وَأَنْ يَحْتَوِيَ عَلَى مِجْمَرَةِ عُودٍ فَيَتَبَخَّرَ بِهِ وَأَنْ يَشُدَّ الْمِسْكَ أَوْ الْعَنْبَرَ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ أَوْ تَضَعَهُ الْمَرْأَةُ فِي جَيْبِهَا أَوْ تَلْبَسَ الْحُلِيَّ الْمَحْشُوَّ بِهِ وَأَنْ يَجْلِسَ أَوْ يَنَامَ عَلَى فِرَاشٍ مُطَيَّبٍ أَوْ أَرْضٍ مُطَيَّبَةٍ وَأَنْ يَدُوسَ الطِّيبَ بِنَعْلِهِ لِأَنَّهَا مَلْبُوسَةٌ، وَمَعْنَى اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ فِي مَحَلِّ إلْصَاقٍ بِهِ تَطَيُّبًا فَلَا اسْتِعْمَالَ بِشَمِّ مَاءِ الْوَرْدِ وَلَا بِحَمْلِ الْمِسْكِ وَنَحْوِهِ، فِي كِيسٍ

[حاشية قليوبي]

سَتْرُ رَأْسِهِ لِأَنَّهُ كَالْمَرْأَةِ احْتِيَاطًا كَمَا مَرَّ.
وَلِأَنَّ كَشْفَ الْوَجْهِ مِنْ الرَّجُلِ جَائِزٌ وَمِنْ الْمَرْأَةِ وَاجِبٌ، وَالْوُجُوبُ لَا يُنَافِي الْجَوَازَ فَتَأَمَّلْ.
تَنْبِيهٌ: إذَا لَبِسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا فَوْقَ آخَرَ أَوْ عِمَامَةً فَوْقَ أُخْرَى فَإِنْ سَتَرَ الثَّانِي زَائِدًا عَلَى مَا سَتَرَهُ الْأَوَّلُ تَعَدَّدَتْ الْفِدْيَةُ وَإِلَّا فَلَا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ مَنْعُهُ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ فَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْهَا بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَإِلَّا فَعَلَى الْوَلِيِّ إنْ كَانَ مُمَيِّزًا فِيهِمَا وَإِلَّا فَلَا فِدْيَةَ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ.

قَوْلُهُ: اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ وَلَوْ مِنْ أَخْشَمَ سَوَاءٌ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْخُنْثَى.
وَكَذَا بَقِيَّةُ الْمُحَرَّمَاتِ الْآتِيَةِ وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ الطِّيبَ بِمَا قَوِيَ رِيحُهُ كَالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ وَالزَّعْفَرَانِ.
تَنْبِيهٌ: يُعْتَبَرُ فِي تَحْرِيمِ جَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ كَوْنُ الْفَاعِلِ مُكَلَّفًا عَالِمًا عَامِدًا ذَاكِرًا لِلْإِحْرَامِ مُخْتَارًا، وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ وَلَوْ عَلَى جَاهِلٍ غَيْرِ مَعْذُورٍ لِأَنَّهَا مِمَّا يَخْفَى.
وَكَذَا لَا فِدْيَةَ عَلَى غَيْرِ مُمَيِّزٍ كَنَائِمٍ وَمُغْمَى عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَلَا عَلَى مُمَيِّزٍ إلَّا فِيمَا فِيهِ إتْلَافٌ كَإِزَالَةِ شَعْرٍ وَظُفْرٍ لَا غَيْرِهِ كَجِمَاعٍ وَطِيبٍ.
قَوْلُهُ: (مَا مُعْظَمُ الْغَرَضِ مِنْهُ رَائِحَتُهُ) أَيْ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فَخَرَجَ أَكْلُ الْعُودِ وَحَمْلُ الْمِسْكِ فِي نَحْوِ كِيسٍ كَمَا يَأْتِي وَأَشَارَ إلَى عَدَمِ حَصْرِ أَفْرَادِهِ بِقَوْلِهِ كَالْوَرْدِ وَالنِّسْرِينِ وَاللِّبَانِ وَالسَّوْسَنِ وَالْعُبَيْتِرَانِ وَالْمَنْثُورِ وَالنَّمَّامِ وَالْكَاذِي بِالْمُعْجَمَةِ، وَمَحَلُّ الْمَنْعِ فِي الرَّطْبِ مِنْهَا وَإِلَّا فَلَا فِدْيَةَ وَلَا حُرْمَةَ، وَخَرَجَ بِمَا ذَكَرَ مَا مُعْظَمُ الْغَرَضِ مِنْهُ أَكْلُهُ كَالتُّفَّاحِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالْأُتْرُجِّ وَالنَّارِنْجِ وَاللَّيْمُونِ وَنَحْوِهَا، أَوْ مَا مُعْظَمُ الْغَرَضِ مِنْهُ التَّدَاوِي كَالْقُرُنْفُلِ وَالْقِرْفَةِ وَالْمُصْطَكَى وَالسُّنْبُلِ وَحَبِّ الْمُحَلَّبِ وَنَحْوِهَا، وَمَا مُعْظَمُ الْغَرَضِ مِنْهُ لَوْنُهُ كَالْعُصْفُرِ وَالْحِنَّاءِ وَمَا لَا يُقْصَدُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ رَيْحَانِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِ كَالشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَالشَّقَائِقِ وَزَهْرٍ نَحْوِ التُّفَّاحِ وَالْكُمَّثْرَى فَلَا حُرْمَةَ وَلَا فِدْيَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (الْفَارِسِيِّ) لَيْسَ قَيْدًا كَمَا عُلِمَ فَيَشْمَلُ الْمُرْسِينَ وَالرَّيْحَانَ الْقُرُنْفُلِيَّ وَغَيْرَهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَمَا اشْتَمَلَ إلَخْ) قَالُوا وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ رَبَّى السِّمْسِمَ بِوَرَقٍ نَحْوِ الْوَرْدِ ثُمَّ عَصَرَ دُهْنَهُ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا فِدْيَةَ فِي اسْتِعْمَالِهِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَأْكُلَهُ) أَوْ يَشْرَبَهُ نَعَمْ لَوْ أَكَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ رِيحٌ وَلَا طَعْمٌ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا فِدْيَةَ وَإِنْ ظَهَرَ لَوْنُهُ.
وَبِهِ قَالَ الْحَنَابِلَةُ وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ أَكْلَهُ مَعَ غَيْرِهِ مُطْلَقًا وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ أَكْلَ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَحْتَوِيَ) وَكَذَا لَوْ وَصَلَ الْبَخُورُ إلَيْهِ بِجَعْلِهِ أَمَامَهُ مَثَلًا وَأَجَازَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ شَمَّ الرَّيَاحِينِ وَغَيْرِهَا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ

[حاشية عميرة]

يُمْنَعُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَهُوَ الْوَاجِبُ ثُمَّ قَالَ: يَعْنِي الْبَيَانَ، وَعَلَى قِيَاسِ مَا قَالَهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَلْبَسَ الْمَخِيطَ لِجَوَازِ كَوْنِهِ رَجُلًا، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا فِدْيَةَ لِجَوَازِ كَوْنِهِ امْرَأَةً اهـ. وَقَوْلُهُ فِي الْأَوَّلِ عَنْ الْقَاضِي إنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ سَتْرِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ لَعَلَّهُ مِنْ كَشْفِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ لِيُوَافِقَ مَا سَاقَهُ الشَّارِحُ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي حِكَايَةِ كَلَامِ أَبِي الْفُتُوحِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيَاسُهُ) أَيْ قِيَاسُ مَا نَقَلَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الْفُتُوحِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ كَشْفُهُمَا إلَخْ، وَقَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَتِرَ بِغَيْرِهِ إلَخْ مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ صَاحِبِ الْبَيَانِ.

قَوْلُ الْمَتْنِ: (الثَّانِي اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ إلَخْ) وَلَوْلَا خَشْمٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمُرَادُ بِالطِّيبِ مَا ظَهَرَ فِيهِ غَرَضُ التَّطَيُّبِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَدَنُ) أَيْ بِالْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (كَدُهْنِ الْوَرْدِ وَدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ) صُورَتُهُ أَنْ يُؤْخَذَ دُهْنُ اللَّوْزِ أَوْ السِّمْسِمِ وَنَحْوِهِمَا، ثُمَّ يُطْرَحَ فِيهِ الْوَرْدُ أَوْ الْبَنَفْسَجُ، أَمَّا لَوْ طُرِحَا عَلَى السِّمْسِمِ أَوْ اللَّوْزِ مَثَلًا فَأَخَذَ رَائِحَةً مِنْهُمَا، ثُمَّ اُسْتُخْرِجَ الدُّهْنُ، فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلِأَنَّهُ رِيحُ مُجَاوِرٍ وَخَالَفَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فَقَالَ: بَلْ هُوَ أَشْرَفُ وَأَلْطَفُ مِنْ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَدُوسَ الطِّيبَ بِنَعْلِهِ) كَذَا أَطْلَقَهُ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَشَرْطُهُ أَنْ يَعْلَقَ بِهِ شَيْءٌ مِنْهُ، كَمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ النَّصِّ.
قَوْلُهُ: (وَمَعْنَى اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ إلَخْ) قَالَ

أَوْ نَحْوِهِ وَلَا بِأَكْلٍ الْعُودِ أَوْ شَدِّهِ فِي ثَوْبِهِ لِأَنَّ التَّطَيُّبَ بِهِ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّبَخُّرِ بِهِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ جَاهِلًا بِكَوْنِهِ طِيبًا أَوْ ظَانًّا أَنَّهُ يَابِسٌ لَا يَعْلَقُ بِهِ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ وَلَا فِدْيَةَ فِي ذَلِكَ وَلَا فِيمَا إذَا أَلْقَتْ عَلَيْهِ الرِّيحُ الطِّيبَ لَكِنْ يَلْزَمُهُ الْمُبَادَرَةُ إلَى إزَالَتِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَفِيمَا قَبْلَهَا عِنْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ، فَإِنْ أَخَّرَ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ كَمَا تَجِبُ فِي اسْتِعْمَالِهِ الْمُحَرَّمَ، وَتَجِبُ فِيهِ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْإِزَالَةِ أَيْضًا.
(وَدَهْنُ شَعْرِ الرَّأْسِ أَوْ اللِّحْيَةِ) بِدُهْنٍ غَيْرِهِ مُطَيِّبٍ كَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالزُّبْدِ وَدُهْنِ اللَّوْزِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّزَيُّنِ الْمُنَافِي لِحَدِيثِ الْمُحْرِمُ، أَشْعَثُ أَغْبَرُ أَيْ شَأْنُهُ الْمَأْمُورُ بِهِ ذَلِكَ فَفِي مُخَالَفَتِهِ بِالدَّهْنِ الْمَذْكُورِ الْفِدْيَةُ وَفِي دَهْنِ الرَّأْسِ الْمَحْلُوقِ الْفِدْيَةُ فِي الْأَصَحِّ لِتَأْثِيرِهِ فِي تَحْسِينِ الشَّعْرِ الَّذِي يَنْبُتُ بَعْدَهُ، وَلَا فِدْيَةَ فِي دَهْنِ رَأْسِ الْأَقْرَعِ وَالْأَصْلَعِ وَذَقَنِ الْأَمْرَدِ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ هَذَا الدُّهْنِ فِي سَائِرِ الْبَدَنِ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ تَزْيِينَهُ وَيَجُوزُ أَكْلُهُ.
(وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُ بَدَنِهِ وَرَأْسِهِ بِخَطْمِيٍّ) أَوْ سِدْرٍ أَيْ يَجُوزُ ذَلِكَ لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لَا يَفْعَلَ وَحَكَى قَدِيمٌ بِكَرَاهَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّزْيِينِ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ وَفَارَقَهُ دَهْنُ شَعْرِ الرَّأْسِ بِأَنَّ فِيهِ مَعَ التَّزْيِينِ التَّنْمِيَةَ.

(الثَّالِثُ) مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ (إزَالَةُ الشَّعْرِ) مِنْ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ حَلْقًا أَوْ غَيْرَهُ (أَوْ الظُّفْرِ) مِنْ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ قَلْمًا أَوْ غَيْرَهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] وَقِيسَ عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ شَعْرُ بَاقِي الْجَسَدِ وَعَلَى الْحَلْقِ غَيْرُهُ وَعَلَى

[حاشية قليوبي]

يَدُوسَ إلَخْ) أَيْ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ طِيبٌ، وَأَنَّهُ يَعْلَقُ بِنَعْلِهِ وَعَلِقَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ وَلَا فِدْيَةَ إلَّا فِيمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا) أَيْ النَّعْلُ مَلْبُوسُهُ.
وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِثَوْبِهِ فِيمَا مَرَّ مُطْلَقُ مَلْبُوسِهِ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ ثَوْبًا.
قَوْلُهُ: (فَلَا اسْتِعْمَالَ بِشَمِّ مَاءِ الْوَرْدِ) أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الرَّيَاحِينِ وَلَوْ بِوَضْعِهِ أَمَامَهُ.
قَوْلُهُ: (جَاهِلًا بِكَوْنِهِ طِيبًا) أَوْ بِأَنَّهُ يَعْلَقُ بِهِ نَعَمْ إنْ عَلِمَ الْحُرْمَةَ وَجَهِلَ الْفِدْيَةَ أَوْ ظَنَّهُ نَوْعًا لَيْسَ مِنْ الطِّيبِ فَبَانَ مِنْهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (أَلْقَتْهُ عَلَيْهِ الرِّيحُ) وَكَذَا لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِيمَا لَوْ طَيَّبَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَعَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ عَنْهُ وَالْفِدْيَةُ فِيهِ عَلَى الْفَاعِلِ إلَّا إنْ اسْتَدَامَهُ فَعَلَيْهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فِي هَذِهِ) وَهِيَ لِقَاءُ الرِّيحِ.
قَوْلُهُ: (وَفِيمَا قَبْلَهَا) وَهِيَ صُوَرُ الْجَهْلِ وَظَنُّ الْيُبْسِ وَعَدَمُ كَوْنِهِ يَعْلَقُ وَنِسْيَانُهُ لِلْإِحْرَامِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ) بِقُدْرَتِهِ عَلَى إزَالَتِهِ وَعِلْمِهِ وَتَذَكُّرِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَخَّرَ) أَيْ الْإِزَالَةَ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ الْمَذْكُورِ وَجَبَ الْفِدْيَةُ.
قَوْلُهُ: (وَدَهْنُ شَعْرِ الرَّأْسِ أَوْ اللِّحْيَةِ) وَلَوْ شَعْرَةً أَوْ بَعْضَهَا وَبَقِيَّةُ شُعُورِ الْوَجْهِ كَاللِّحْيَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَسَوَاءٌ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْخُنْثَى.
قَوْلُهُ: (وَدُهْنُ اللَّوْزِ) وَالشَّيْرَجِ وَغَيْرِهِمَا وَلَوْ مِنْ حَيَوَانٍ كَشَحْمٍ مُذَابٍ.
قَوْلُهُ: (وَذَقَنُ الْأَمْرَدِ) لَا فِدْيَةَ فِي دُهْنِهِ إلَّا فِي زَمَنِ نَبَاتِ شَعْرِهِ كَمَا فِي الرَّأْسِ الْمَحْلُوقِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ أَكْلُهُ) أَيْ بِحَيْثُ لَا يَمَسُّ شَيْئًا مِنْ شَعْرِ وَجْهِهِ كَمَا مَرَّ، وَيَجُوزُ الِاكْتِحَالُ بِالْإِثْمِدِ بِلَا طِيبٍ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِخِلَافِ التُّوتْيَا، وَلَا كَرَاهَةَ لِعَدَمِ الزِّينَةِ وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الدُّهْنَ غَيْرَ الْمُطَيِّبِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لَا يُفْعَلَ) الْغُسْلُ بِالْخِطْمِيِّ فَهُوَ مُبَاحٌ.

قَوْلُهُ: إزَالَةُ الشَّعْرِ وَلَوْ مِنْ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ بِخِلَافِ نَحْوِ الطِّيبِ لِأَنَّهُ تَرَفُّهٌ، وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ كَحَجْمٍ وَحَكٍّ بِنَحْوِ ظُفْرٍ كَتَحْرِيكِ رِجْلِ رَاكِبٍ عَلَى بَرْذَعَةٍ أَوْ قَتَبٍ وَامْتِشَاطٍ فَيَحْرُمُ ذَلِكَ إنْ عَلِمَ إزَالَتَهُ بِهِ وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ، وَإِلَّا فَيُكْرَهُ وَلَا فِدْيَةَ وَمَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ الِامْتِشَاطَ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ الرَّأْسِ) وَغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ وَلَوْ مِمَّا تُطْلَبُ إزَالَتُهُ كَشَعْرِ الْعَانَةِ وَدَاخِلِ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ، نَعَمْ لَا فِدْيَةَ فِي إزَالَةِ مَا غَطَّى عَيْنَهُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ أَوْ حَاجِبِهِ

[حاشية عميرة]

السُّبْكِيّ: عَبَّرَ فِي التَّنْبِيهِ بِشَمِّ الرَّيَاحِينِ وَقَضِيَّتُهُ الِاكْتِفَاءُ فِيهَا بِالْوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِلشَّمِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَرَضُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مَعَ لُصُوقِ الْبَدَنِ مِنْ الشَّمِّ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ شَمَّهَا مِنْ الشَّجَرِ لَا شَيْءَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ فِيهِ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلِاسْتِعْمَالِ مِنْ قَوْلِهِ كَمَا يَجِبُ فِي اسْتِعْمَالِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَدَهْنُ شَعْرِ الرَّأْسِ) وَلَوْ بِالشَّمْعِ الذَّائِبِ ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ جَمَعَ فِي هَذَا النَّوْعِ الثَّانِي بَيْنَ الطِّيبِ، وَالدُّهْنِ وَلَمْ يَجْعَلْ الْأَدْهَانَ نَوْعًا مُسْتَقِلًّا لِتَقَارُبِهِمَا يَعْنِي مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَرَفُّهٌ، وَلَيْسَ فِيهِ إزَالَةُ عَيْنٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ اللِّحْيَةِ) وَلَوْ لِامْرَأَةٍ.
قَوْلُهُ: (لِحَدِيثِ الْمُحْرِمُ إلَخْ) نَظَرَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّهُ إخْبَارٌ وَلَوْ كَانَ لِلنَّهْيِ لَحَرُمَ إزَالَةُ الشَّعَثِ وَالْغُبَارِ اهـ. وَالْجَوَابُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ أَيْ شَأْنُهُ الْمَأْمُورُ بِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَفَارَقَ دَهْنَ شَعْرِ الرَّأْسِ بِأَنَّ فِيهِ مَعَ التَّزْيِينِ التَّنْمِيَةَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الْأَمْرِ، وَأَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنْهُ مَعْنًى خَصَّصَهُ.
قَوْلُهُ: (وَذَقَنِ الْأَمْرَدِ) وَحَرَّمَ مَالِكٌ نَظَرَهُ لِوَجْهِهِ فِي الْمِرْآةِ بِخِلَافِ الْمَاءِ.

قَوْلُ الْمَتْنِ: (إزَالَةُ الشَّعْرِ) أَيْ مِنْ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ) يُكْرَهُ مَشْطُ الشَّعْرِ وَحَكُّهُ بِالظُّفْرِ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى) لَا يُقَالُ هَذَا التَّوْجِيهُ لَا يَشْمَلُ الثَّلَاثَ شَعَرَاتٍ إذَا أُزِيلَتْ لِعُذْرٍ، لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ الْمَنْصُوصِ لِقَوْلِهِ:

إزَالَةِ الشَّعْرِ إزَالَةُ الظُّفْرِ بِجَامِعِ التَّرَفُّهِ فِي الْجَمِيعِ وَالْمُرَادُ بِالشَّعْرِ الْجِنْسُ الصَّادِقُ بِالْوَاحِدَةِ فَصَاعِدًا لِمَا سَيَأْتِي (وَتَكْمُلُ الْفِدْيَةُ فِي) إزَالَةِ (ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَظْفَارٍ) لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمَعْذُورِ بِالْحَلْقِ لِلْآيَةِ كَمَا سَيَأْتِي فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى وَالشَّعْرُ يَصْدُقُ بِالثَّلَاثِ وَقِيسَ بِهَا الْأَظْفَارُ، وَلَا يُعْتَبَرُ جَمِيعُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَتُعْتَبَرُ إزَالَةُ الثَّلَاثِ أَوْ الثَّلَاثَةِ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي مَكَان وَاحِدٍ، وَلَوْ حَلَقَ جَمِيعَ شَعْرِ رَأْسِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي مَكَان وَاحِدٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ فِعْلًا وَاحِدًا وَكَذَا لَوْ حَلَقَ جَمِيعَ شَعْرِ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ عَلَى التَّوَاصُلِ وَيُقَاسُ بِالشَّعْرِ فِي ذَلِكَ الْأَظْفَارُ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَلَوْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ فِي مَكَانَيْنِ أَوْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ لَكِنْ فِي زَمَانَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ وَجَبَتْ فِدْيَتَانِ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ وَلَوْ حَلَقَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَمْكِنَةٍ أَوْ فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَجَبَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا يَجِبُ فِيهَا لَوْ انْفَرَدَتْ وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ (وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فِي الشَّعْرَةِ مُدُّ طَعَامٍ وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ مُدَّيْنِ) وَالثَّانِي فِي الشَّعْرَةِ دِرْهَمٌ وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ دِرْهَمَانِ، وَالثَّالِثُ ثُلُثُ دَمٍ وَثُلُثَانِ عَلَى قِيَاسِ وُجُوبِ الدَّمِ فِي الثَّلَاثِ عِنْدَ اخْتِيَارِهِ، وَالْأَوَّلَانِ قَالَا تَبْعِيضُ الدَّمِ عُسْرٌ فَعَدَلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا إلَى الطَّعَامِ لِأَنَّ الشَّرْعَ عَدْلُ الْحَيَوَانِ بِهِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ وَالشَّعْرَةُ الْوَاحِدَةَ هِيَ النِّهَايَةُ فِي الْقِلَّةِ وَالْمُدُّ أَقَلُّ مَا وَجَبَ فِي الْكَفَّارَاتِ فَقُوبِلَتْ بِهِ، وَعَدْلُ الثَّانِي إلَى الْقِيمَةِ وَكَانَتْ قِيمَةُ الشَّاةِ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ تَقْرِيبًا، فَاعْتُبِرَتْ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى التَّوْزِيعِ وَتَجْرِي الْأَقْوَالُ فِي الظُّفْرِ وَالظُّفْرَيْنِ (وَلِلْمَعْذُورِ) فِي الْحَلْقِ (أَنْ يَحْلِقَ وَيَفْدِيَ) لِلْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ عُذْرُهُ بِكَثْرَةِ الْقُمَّلِ أَمْ لِلتَّأَذِّي بِجِرَاحَةٍ أَوْ بِالْحَرِّ.

[حاشية قليوبي]

وَلَا فِي إزَالَةِ مَا ثَبَتَ فِي دَاخِلِ الْعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (الصَّادِقُ بِالشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ) وَكَذَا بَعْضُ الشَّعْرَةِ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي مَكَان وَاحِدٍ) أَيْ وَزَمَانٍ وَاحِدٍ عُرْفًا.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ) وَكَذَا ثَلَاثَةُ أَبْعَاضٍ مِنْ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَفِيهَا مُدَّانِ اتَّحَدَ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ، وَإِلَّا فَفِي كُلٍّ بَعْضُ مُدٍّ.
كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَاعْتَمَدَهُ فَرَاجِعْهُ.
وَالظُّفْرُ كَالشَّعْرِ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ فِيهِ اتِّحَادًا وَانْفِرَادًا وَبَعْضًا أَوْ كُلًّا وَلَا فِدْيَةَ فِي إزَالَةِ ظُفْرٍ انْكَسَرَ وَتَأَذَّى بِهِ وَلَا فِي إزَالَةِ قِطْعَةِ لَحْمٍ مِنْ رَأْسِهِ مَثَلًا عَلَيْهَا شَعْرٌ، وَلَا فِي قَطْعِ أُصْبُعٍ بِظُفْرِهِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ، وَلَوْ أَزَالَ غَيْرُهُ شَعْرَهُ بِإِذْنِهِ أَوْ قُدْرَتِهِ عَلَى دَفْعِهِ فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُزِيلِ.
وَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْإِخْرَاجِ وَلَا يَصِحُّ إخْرَاجُهُ عَنْهُ كَالْكَفَّارَةِ.
وَقَوْلُ الْمَنْهَجِ بِالْحِنْثِ فِي السُّكُوتِ مَرْجُوحٌ مَبْنِيٌّ عَلَى مَرْجُوحٍ، وَلَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ وَلَوْ حَلَالًا بِإِزَالَةِ شَعْرِ مُحْرِمٍ بِالْحَلْقِ مَثَلًا فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْمَحْلُوقِ إنْ قَدَرَ عَلَى الدَّفْعِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْأَمْرِ إنْ عَذَرَ الْمَأْمُورُ الْحَالِقَ بِجَهْلٍ أَوْ إكْرَاهٍ أَوْ اعْتِقَادِ وُجُوبِ طَاعَةٍ، وَإِلَّا فَعَلَى الْمَأْمُورِ الْحَالِقِ.
قَوْلُهُ: (إنَّ فِي الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ مُدَّ طَعَامٍ وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ مُدَّيْنِ) وَإِنْ تَكَرَّرَتْ الْإِزَالَةُ فِي الشَّعْرَةِ أَوْ الشَّعْرَتَيْنِ حَيْثُ لَمْ يَتَّحِدْ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ سَوَاءٌ اخْتَارَ الْإِطْعَامَ أَوْ لَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا

[حاشية عميرة]

وَالشَّعْرُ يَعْنِي الْمَحْلُوقَ بِالْعُذْرِ يَصْدُقُ بِالثَّلَاثِ، وَلَا يُعْتَبَرُ جَمِيعُهُ بِالْإِجْمَاعِ، قَوْلُهُ: (وَالشَّعْرُ يَصْدُقُ بِالثَّلَاثِ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّهُ فِي الْآيَةِ مُضَافٌ فَيَعُمُّ قَالَ الْمُعْتَرِضُ: فَلْيُقِمْ الدَّلِيلَ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ صَدٌّ عَنْ الِاسْتِيعَابِ أَوْ يُقَدَّرُ الشَّعْرُ مُنْكَرًا مَقْطُوعًا عَنْ الْإِضَافَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَظْهَرُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ مَنْ حَلَقَ، أَوْ قَلَّمَ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إرَاقَةِ دَمٍ، وَثَلَاثَةِ آصُعٍ وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَوْ قَلَّمَ ظُفْرًا أَوْ أَزَالَ شَعْرَةً فَقَطْ، مُخَيَّرٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَيْضًا، فَإِنْ اخْتَارَ الصَّوْمَ صَامَ يَوْمًا وَاحِدًا جَزْمًا، وَإِنْ اخْتَارَ الطَّعَامَ أَخْرَجَ صَاعًا جَزْمًا، وَإِنْ اخْتَارَ الدَّمَ فَهُوَ مَحَلُّ الْأَقْوَالِ هُنَا، أَحَدُهَا ثُلُثُ دَمٍ عَمَلًا بِالتَّقْسِيطِ، وَالثَّانِي دِرْهَمٌ لِمَا بَيَّنَهُ الشَّارِحُ بَعْدُ، وَالْأَظْهَرُ مُدٌّ لِمَا قَالَهُ الشَّارِحُ أَيْضًا.
كَذَا قَرَّرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَهُوَ يَئُولُ إلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّاعِ وَالْمُدِّ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَبَعْضِهِ، فَإِنَّ الْمُدَّ بَعْضُ الصَّاعِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَعْهُودٌ كَالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ، وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ، وَلَوْ قَصَّ الشَّعْرَةَ أَوْ قَلَّمَ الظُّفْرَ دُونَ الْقَدْرِ الْمُعْتَادِ كَانَ الْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ لَمْ يَأْتِ عَلَى رَأْسِ الظُّفْرِ كُلِّهِ بَلْ أَخَذَ مِنْ بَعْضِ جَوَانِبِهِ، فَإِنْ قُلْنَا يَجِبُ فِي الظُّفْرِ الْوَاحِدِ دِرْهَمٌ أَوْ ثُلُثُ دَمٍ، فَالْوَاجِبُ مَا يَقْتَضِيهِ الْحِسَابُ، وَإِنْ قُلْنَا مُدٌّ فَلَا سَبِيلَ إلَى تَبْعِيضِهِ، كَذَا فِي الْإِسْنَوِيِّ مُلَخَّصًا بَعْدَ أَنْ قَالَ: قَلَّ مَنْ تَفَطَّنَ لِسِرِّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَصْوِيرِهَا، أَقُولُ وَقَوْلُ الشَّارِحِ عَلَى قِيَاسِ وُجُوبِ الدَّمِ، ثُمَّ قَوْلُهُ وَإِلَّا وَلِأَنَّ إلَخْ، كَأَنَّهُ إشَارَةٌ لِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ اخْتِيَارِهِ) الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ لِلدَّمِ مِنْ قَوْلِهِ وُجُوبِ الدَّمِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ قِيمَةُ الشَّاةِ إلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ مُجَرَّدُ دَعْوَى لَا أَصْلَ لَهَا.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ إلَخْ) لَوْ تَأَذَّى بِالْوَسَخِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ ثُمَّ مِثْلُ الْحَلْقِ كُلُّ مَحْظُورٍ أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ، فَإِنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ إلَّا لُبْسَ السَّرَاوِيلِ وَالْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ، لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَوِقَايَةَ الرِّجْلِ عَنْ النَّجَاسَةِ مَأْمُورٌ بِهِ فَخَفَّفَ فِيهِمَا لِذَلِكَ.

(الرَّابِعُ) مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ (الْجِمَاعُ) قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197] أَيْ فَلَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا وَالرَّفَثُ مُفَسَّرٌ بِالْجِمَاعِ (وَتَفْسُدُ بِهِ الْعُمْرَةُ) قَبْلَ الْحَلْقِ إنْ جَعَلْنَاهُ نُسُكًا وَإِلَّا فَقِيلَ السَّعْيِ (وَكَذَا الْحَجُّ) يَفْسُدُ بِهِ (قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ) بَعْدَ الْوُقُوفِ أَوْ قَبْلَهُ وَلَا يَفْسُدُ بِهِ وَبَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ وَقِيلَ يَفْسُدُ وَلَا تَفْسُدُ بِهِ الْعُمْرَةُ فِي ضِمْنِ الْقِرَانِ أَيْضًا لِتَبَعِهَا لَهُ، وَقِيلَ تَفْسُدُ بِهِ إنْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهَا وَاللِّوَاطُ كَالْجِمَاعِ وَكَذَا إتْيَانٌ لِلْبَهِيمَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا فَسَادَ بِجِمَاعِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ بِالتَّحْرِيمِ وَمَنْ جُنَّ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ عَاقِلًا فِي الْجَدِيدِ (وَتَجِبُ بِهِ) أَيْ بِالْجِمَاعِ الْمُفْسِدِ (بَدَنَةٌ) وَقِيلَ: لَا يَجِبُ فِي إفْسَادِ الْعُمْرَةِ إلَّا شَاةٌ فِي الْجِمَاعِ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْفَسَادِ بِهِ شَاةٌ.
وَفِي قَوْلٍ: بَدَنَةٌ.
وَلَوْ جَامَعَ ثَانِيًا بَعْدَ أَنْ فَسَدَ حَجُّهُ بِالْجِمَاعِ وَجَبَ فِي الْجِمَاعِ الثَّانِي شَاةٌ وَفِي قَوْلٍ بَدَنَةٌ وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُحْرِمَةً أَيْضًا، وَفَسَدَ حَجُّهَا بِالْجِمَاعِ بِأَنْ طَاوَعَتْهُ فَلَا بَدَنَةَ عَلَيْهَا فِي الْأَظْهَرِ وَالْبَدَنَةُ الْوَاحِدُ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (وَالْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِأَنْ يُتِمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ، وَغَيْرُ النُّسُكِ مِنْ الْعِبَادَاتِ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهِ إذْ يَحْصُلُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِالْفَسَادِ (وَالْقَضَاءُ) اتِّفَاقًا (وَإِنْ كَانَ نُسُكُهُ تَطَوُّعًا) فَإِنَّ التَّطَوُّعَ مِنْهُ يَصِيرُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ فَرْضًا أَيْ وَاجِبَ الْإِتْمَامِ كَالْفَرْضِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ التَّطَوُّعِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ) أَيْ الْقَضَاءَ (عَلَى الْفَوْرِ) وَالثَّانِي عَلَى التَّرَاخِي كَالْأَدَاءِ وَالْأَوَّلُ نَظَرَ إلَى تَضَيُّقِهِ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَيَقَعُ الْقَضَاءُ عَنْ الْمُفْسِدِ وَيَتَأَدَّى

[حاشية قليوبي]

لِمَا فِي الْمَنْهَجِ.
وَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الصَّوْمِ.

قَوْلُهُ: (الْجِمَاعُ) أَيْ فِي فَرْجٍ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ مُتَّصِلٍ أَوْ مُبَانٍ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ فَيَفْسُدُ بِهِ النُّسُكُ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَيَتَّجِهُ فِي الْخُنْثَى اعْتِبَارُ وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهِ بِالْجَنَابَةِ.
فَرْعٌ: يَحْرُمُ عَلَى الْحَلَالِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ تَمْكِينُ الْمُحْرِمِ مِنْ الْجِمَاعِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ نُسُكُ صَاحِبِ الْمُبَانِ لَوْ كَانَ مُحْرِمًا، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ بَعْضُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَتَفْسُدُ بِهِ الْعُمْرَةُ) الْمُسْتَقِلَّةُ وَأَمَّا فِي الْقِرَانِ فَهِيَ تَابِعَةٌ لِلْحَجِّ، وَعُلِمَ مِنْ فَسَادِ النُّسُكِ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ مَعَهُ إلَّا إنْ نَوَى فِي حَالِ نَزْعِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَفْسُدُ) أَيْ الْحَجُّ بِهِ أَيْ بِالْجِمَاعِ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ بِخِلَافِ الرِّدَّةِ فَيَفْسُدُ بِهَا فِي ذَلِكَ وَقَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فَسَادَ بِجِمَاعِ النَّاسِي) لِلْإِحْرَامِ أَوْ لِلْحُكْمِ.
قَوْلُهُ: (وَالْجَاهِلِ بِالتَّحْرِيمِ) وَلَوْ غَيْرَ مَعْذُورٍ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ جُنَّ) أَيْ وَالْمَجْنُونُ وَمِثْلُهُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمُ وَكُلُّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَيَفْسُدُ بِجِمَاعِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ كَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْفَسَادِ بِهِ) الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (شَاةٌ) وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ هَذَا الْجِمَاعِ كَاَلَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ بِفَسَادِ حَجِّهَا بِالْجِمَاعِ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ بَلْ هِيَ عَلَى الْوَاطِئِ إنْ كَانَ مُحْرِمًا بِشَرْطِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَدَنَةُ) أَيْ لُغَةً مَا ذَكَرَهُ وَأَوْ فِي كَلَامِهِ لِلتَّنْوِيعِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَالْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ) وَيَجِبُ فِيهِ اجْتِنَابُ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَتَلْزَمُ بِهِ الْفِدْيَةُ وَخَرَجَ بِالْفَاسِدِ الْبَاطِلُ بِالرِّدَّةِ، وَلَوْ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ كَمَا مَرَّ فَلَا يَمْضِي فِيهِ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ لِخُرُوجِهِ مِنْهُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ) وَعَلَى الْوَاطِئِ إنْ كَانَ زَوْجًا مُؤْنَةُ قَضَاءِ حَجِّ زَوْجَتِهِ ذَهَابًا وَإِيَابًا وَغَيْرَهُمَا وَإِذَا عَضَبَتْ أَنَابَ عَنْهَا مِنْ مَالِهِ بِخِلَافِ غَيْرِ الزَّوْجِ.
وَالْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُ فِي وَقْتِهِ يَقَعُ نَفْلًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ الْمُفْسَدِ) بِفَتْحِ السِّينِ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَأَدَّى بِهِ إلَخْ) فَعُلِمَ أَنَّ الْإِعَادَةَ مِنْ

[حاشية عميرة]

فَائِدَةٌ: مَا كَانَ إتْلَافًا مَحْضًا كَالصَّيْدِ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا وَمَا كَانَ تَرَفُّهًا وَتَمَتُّعًا كَاللُّبْسِ وَالطِّيبِ فَلَا فِدْيَةَ فِي حَالِ النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ، وَمَا أُخِذَ شَبَهًا مِنْهُمَا كَالْجِمَاعِ وَالْقَلْمِ وَالْحَلْقِ فَفِيهِ مَعَ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ فِي الْجِمَاعِ لَا وَفِيهِمَا نَعَمْ.

قَوْلُهُ: (أَيْ فَلَا تَرْفُثُوا إلَخْ) إنَّمَا أُوِّلَ بِهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَبَرًا عَلَى بَابِهِ لَاسْتَحَالَ تَخَلُّفُهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتَفْسُدُ بِهِ الْعُمْرَةُ) مَعْنَى الْفَسَادِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ لَا الْخُرُوجِ مِنْهُ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْحَجُّ) وَالرِّدَّةُ تُبْطِلُهُمَا وَمِنْ ثَمَّ فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهَا) كَأَنَّ صُورَةَ هَذَا أَنْ يَتَحَلَّلَ التَّحَلُّلَ الْأَوَّلَ بِالرَّمْيِ فَقَطْ، إمَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ بِنُسُكٍ أَوْ لِأَنَّهُ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ لَا يَجِبُ) أَيْ لِأَنَّ رُتْبَتَهَا دُونَ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (شَاةٌ) أَيْ كَمَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِدُونِ الْجِمَاعِ هَذِهِ الْحَاشِيَةُ مُقْتَضَاهَا الْوُجُوبُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّارِحِ الْآتِي آخِرَ الصَّفْحَةِ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِمَا قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ إلَخْ) هِيَ وَارِدَةٌ عَلَى الْكِتَابِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ (وَالْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ) فَلَوْ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ كَالصَّحِيحِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْقَضَاءُ) بِهِ

بِهِ مَا كَانَ يَتَأَدَّى بِالْمُفْسِدِ، لَوْلَا الْفَسَادُ مِنْ فَرْضِ الْإِسْلَامِ أَوْ غَيْرِهِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ فِي الْقَضَاءِ مِمَّا أَحْرَمَ مِنْهُ فِي الْأَدَاءِ مِنْ مِيقَاتٍ أَوْ قَبْلَهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مَرَّ بِهِ النُّسُكُ لَزِمَهُ فِي الْقَضَاءِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ وَكَذَا إنْ كَانَ جَاوَزَهُ غَيْرَ مُرِيدٍ فِي الْأَصَحِّ هَذَا إنْ سَلَكَ فِي الْقَضَاءِ طَرِيقَ الْأَدَاءِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَا يَلْزَمُهُ سُلُوكُهُ بِلَا خِلَافٍ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ إذَا سَلَكَ غَيْرَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ قَدْرِ مَسَافَةِ الْإِحْرَامِ فِي الْأَدَاءِ، يَعْنِي إنْ لَمْ يَكُنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ فِي مِثْلِ الزَّمَنِ الَّذِي كَانَ أَحْرَمَ فِيهِ بِالْأَدَاءِ فَلَهُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ وَالتَّقْدِيمُ عَلَيْهِ، وَيُتَصَوَّرُ قَضَاءُ الْحَجِّ فِي عَامِ الْإِفْسَادِ بِأَنْ يُحْصَرَ بَعْدَ الْإِفْسَادِ وَيَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي الْفَاسِدِ فَيُحْلِلُ ثُمَّ يَزُولُ الْحَصْرُ وَالْوَقْتُ بَاقٍ فَيَشْتَغِلُ بِالْقَضَاءِ وَلَوْ أَفْسَدَ الْقَضَاءَ بِالْجِمَاعِ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَلَزِمَهُ قَضَاءٌ وَاحِدٌ.
تَتِمَّةٌ: يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ مُقَدِّمَاتُ الْجِمَاعِ بِشَهْوَةٍ كَالْمُفَاخَذَةِ وَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فِي الْحَجِّ وَقَبْلَ الْحَلْقِ فِي الْعُمْرَةِ، وَلَا يَفْسُدُ بِشَيْءٍ مِنْهَا النُّسُكُ وَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ لَا الْبَدَنَةُ، وَإِنْ أَنْزَلَ وَالِاسْتِمْنَاءُ بِالْيَدِ يُوجِدُ الْفِدْيَةَ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَى النَّاسِي بِلَا خِلَافٍ وَيَلْحَقُ بِهِ الْجَاهِلُ بِالتَّحْرِيمِ، وَمَنْ أَحْرَمَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْجِمَاعِ وَلَوْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ ثُمَّ جَامَعَ دَخَلَتْ الشَّاةُ فِي الْبَدَنَةِ فِي الْأَصَحِّ.

(الْخَامِسُ) مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ (اصْطِيَادُ كُلِّ)

[حاشية قليوبي]

الصَّبِيِّ تَقَعُ نَفْلًا فَإِنْ بَلَغَ وَقَعَتْ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَيْضًا أَوْ بَلَغَ قَبْلَهَا وَقَعَتْ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَبَقِيَ الْقَضَاءُ فِي ذِمَّتِهِ، وَأَنَّهَا مِنْ الْمُتَطَوِّعِ تَقَعُ تَطَوُّعًا وَتَقَدَّمَ عَلَى الْمَنْذُورِ بَعْدَ الْفَسَادِ.
قَوْلُهُ: (أَحْرَمَ مِنْ قَدْرِ مَسَافَتِهِ فِي الْأَدَاءِ) نَعَمْ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي طَرِيقِهِ مِيقَاتٌ أَبْعَدَ مِنْ تِلْكَ الْمَسَافَةِ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ إلَخْ) وَكَذَا لَا يَلْزَمُهُ وَصْفُ مَا أَفْسَدَهُ مِنْ إفْرَادٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ وَيَلْزَمُ الْقَارِنَ بِالْفَسَادِ بَدَنَةٌ فَقَطْ لِانْغِمَارِ عُمْرَتِهِ فِي الْحَجِّ، وَيَلْزَمُهُ دَمَانِ لِلْقِرَانِ الَّذِي أَفْسَدَهُ وَاَلَّذِي لَزِمَهُ بِالْإِفْسَادِ، وَإِنْ أَفْرَدَ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِهِ.
وَيَلْزَمُهُ فِي الْقَضَاءِ قِرَانٌ أَوْ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ مُسْتَقِلَّيْنِ وَتَفُوتُ عُمْرَتُهُ بِفَوَاتِ الْحَجِّ لِمَا مَرَّ وَيَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ دَمٌ لِلْفَوَاتِ مَعَ الدَّمَيْنِ السَّابِقَيْنِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يُحْصَرَ إلَخْ) أَوْ بِأَنْ يَتَحَلَّلَ بِمَرَضٍ بِشَرْطِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ مُقَدِّمَاتُ الْجِمَاعِ) حَاصِلُ مَا فِيهَا أَنَّهَا إنَّمَا تَحْرُمُ عَلَى الْعَامِدِ الْعَالِمِ الْمُكَلَّفِ بِشَهْوَةٍ وَبِلَا حَائِلٍ وَلَوْ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ وَتَلْزَمُ فِيهَا الْفِدْيَةُ حِينَئِذٍ إنْ كَانَتْ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّل مُطْلَقًا.
وَقَالَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ إنْ أَنْزَلَ وَمَتَى انْتَفَى شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا فِدْيَةَ وَأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِهَا النُّسُكُ مُطْلَقًا وَإِنْ أَنْزَلَ.
وَالِاسْتِمْنَاءُ كَذَلِكَ، وَلَا حُرْمَةَ وَلَا فِدْيَةَ فِي الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ مُطْلَقًا.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يَفْسُدُ بِالْإِنْزَالِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: كَلَامُهُمْ هُنَا فِي الْمُبَاشَرَةِ شَامِلٌ لِمَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَالْأَمْرَدِ، وَصَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ وَهُوَ يُخَالِفُ مَا مَرَّ فِي بُطْلَانِ الصَّوْمِ فَرَاجِعْهُ.
وَلَوْ تَعَدَّدَتْ الْمُقَدِّمَاتُ مِنْ نَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ فَإِنْ اتَّحَدَ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِلَّا تَعَدَّدَتْ قَالَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ جَامَعَ إلَخْ) أَيْ إذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَجَامَعَ بَعْدَهُ دَخَلَتْ فِدْيَةُ الْمُقَدِّمَةِ فِي بَدَنَةِ الْجِمَاعِ.
ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ طَالَ الزَّمَنُ بِأَنْ لَمْ يُنْسَبْ الْجِمَاعُ إلَى تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ أَوْ لَا وَهُوَ ظَاهِرُ شَرْحِ شَيْخِنَا أَيْضًا، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا أَنَّ مَحَلَّ التَّدَاخُلِ إنْ نُسِبَ إلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ عَكَسَ مَا ذَكَرَ بِأَنْ جَامَعَ ثُمَّ فَعَلَ مُقَدِّمَةً أَوْ وَقَعَا مَعًا فَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا تَدَاخُلَ، وَمَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إلَى التَّدَاخُلِ أَيْضًا بِشَرْطِهِ.
وَظَاهِرُ تَقْيِيدِهِ بِالْبَدَنَةِ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ مُقَدِّمَةً وَجَامَعَ أَنَّهُ لَا تَدْخُلُ شَاةُ الْمُقَدِّمَةِ فِي شَاةِ الْجِمَاعِ.
وَمَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَيْضًا إلَى التَّدَاخُلِ.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا التَّدَاخُلُ أَيْضًا فَرَاجِعْ ذَلِكَ حَرِّرْهُ.
تَنْبِيهٌ: يُنْدَبُ تَفْرِيقُ الْمُجَامِعِينَ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ مِنْ وَقْتِ الْإِحْرَامِ.
وَقِيلَ: مِنْ مَحَلِّ الْجِمَاعِ إلَى تَمَامِ التَّحَلُّلِ.

قَوْلُهُ: (اصْطِيَادُ) أَيْ تَعَرَّضَ بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ تَنْفِيرٍ، أَوْ صِيَاحٍ أَوْ إعَانَةٍ عَلَى ذَلِكَ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَيْهِ أَوْ إشَارَةٍ إلَيْهِ أَوْ إعَارَةِ آلَةٍ لَهُ أَوْ

[حاشية عميرة]

أَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ وَأَيْضًا فَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ إلَخْ) فَرَّقَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّارِعِ بِالْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ أَكْثَرُ بِدَلِيلِ تَعَيُّنِ مَكَانِ الْإِحْرَامِ دُونَ زَمَانِهِ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَخْلُو مِنْ نِزَاعٍ وَتَعَجَّبَ مِنْهُ الْإِسْنَوِيُّ، فَإِنَّهُ صَحَّحَ فِي النَّذْرِ تَعَيَّنَ الزَّمَانُ كَالْمَكَانِ بِالنَّذْرِ، وَحَاوَلَ الْإِسْنَوِيُّ الْفَرْقَ بِأَنَّ الْمَكَانَ هُنَا يَنْضَبِطُ بِخِلَافِ الزَّمَانِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ التَّحَلُّلِ إلَى قَوْلِهِ وَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِالِاسْتِمْتَاعِ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَحْرَمَ غَافِلًا إلَخْ) يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ عَمَلَهُ كَالْمُكَلَّفِ وَالْإِشْكَالُ هُنَا وَفِي الْجِمَاعِ.
قَوْلُهُ: (دَخَلَتْ) لَوْ قَبَّلَ فِي مَجْلِسٍ ثُمَّ جَامَعَ فِي آخَرَ فَيَنْبَغِي عَدَمُ التَّدَاخُلِ، ثُمَّ أَصْلُ التَّدَاخُلِ يُشْكِلُ عَلَى نَظِيرِهِ مِنْ الْجِرَاحِ، لِأَنَّ وَاجِبَهُمَا مُقَدَّرٌ كَقَطْعِ الْأُذُنِ مَعَ الْإِيضَاحِ.

قَوْلُهُ: (كُلِّ صَيْدٍ) هُوَ

صَيْدٍ (مَأْكُولٍ بَرِّيٍّ) مِنْ طَيْرٍ أَوْ دَابَّةٍ وَكَذَا وَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهِ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] أَيْ أَخْذُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْتَأْنَسِ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ الْمَمْلُوكِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ تَوَحَّشَ إنْسِيٌّ لَمْ يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ وَلَا يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِغَيْرِ الْمَأْكُولِ فَمِنْهُ مَا هُوَ مُؤْذٍ فَيُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ كَالنَّمِرِ وَالنِّسْرِ وَمِنْهُ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَمَضَرَّةٌ، كَالْفَهْدِ وَالصَّقْرِ فَلَا يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ لِنَفْعِهِ، وَلَا يُكْرَهُ لِضَرَرِهِ وَمِنْهُ مَا لَا يَظْهَرُ فِيهِ نَفْعٌ وَلَا ضَرَرٌ كَالسَّرَطَانِ وَالرَّخْمَةِ فَيُكْرَهُ قَتْلُهُ، وَيَحِلُّ اصْطِيَادُ الْبَحْرِيِّ وَهُوَ مَا لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْبَحْرِ أَمَّا مَا يَعِيشُ فِيهِ فِي الْبَرِّ فَكَالْبَرِّيِّ (قُلْت) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ: (وَكَذَا الْمُتَوَلِّدُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَأْكُولِ الْبَرِّيِّ (وَمِنْ غَيْرِهِ) يَحْرُمُ اصْطِيَادُهُ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) احْتِيَاطًا وَيَصْدُقُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ الْمَأْكُولِ مِنْ وَحْشِيٍّ أَوْ إنْسِيٍّ، وَبِالْمَأْكُولِ غَيْرِ الْبَرِّيِّ أَيْ الْإِنْسِيِّ مِثَالُهَا الْمُتَوَلِّدُ مِنْ الضَّبُعِ وَالذِّئْبِ وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ الْحِمَارِ

[حاشية قليوبي]

غَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (كُلِّ صَيْدٍ) لِكُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ أَوْ رِيشِهِ أَوْ شَعْرِهِ أَوْ وَبَرِهِ أَوْ صُوفِهِ أَوْ فَرْخِهِ أَوْ بَيْضِهِ إلَّا الْمَذَرَ مِنْ غَيْرِ النَّعَامِ وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ: (مَأْكُولٍ) أَيْ يَقِينًا فَلَوْ شَكَّ فِيهِ لَمْ يَحْرُمْ.
قَوْلُهُ: (بَرِّيٍّ) أَيْ يَقِينًا أَيْضًا وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَوْنُهُ وَحْشِيًّا أَيْضًا، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْهُ أَوْ فِي مَعْنَاهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّارِحُ فَذِكْرُ غَيْرِهِ لَهُ إيضَاحٌ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا وَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهِ) أَيْ تَمَلُّكُهُ لَهُ أَخْذًا مِنْ تَمْثِيلِهِ بِالشِّرَاءِ وَغَيْرُ الْمِلْكِ مِثْلُهُ كَغَصْبٍ وَإِجَارَةٍ وَعَارِيَّةٍ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْتَأْنَسِ وَغَيْرِهِ نَظَرًا لِأَصْلِهِ) وَمِنْهُ دَجَاجُ الْحَبَشِ الْمَشْهُورِ وَمِنْهُ الْإِوَزُّ الْمَعْرُوفُ لَكِنْ قَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِمَا يَطِيرُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَوَحَّشَ إنْسِيٌّ لَمْ يَحْرُمْ التَّعَرُّضُ لَهُ) أَيْ لِلْوَحْشِيِّ مِنْهُ نَظَرًا لِأَصْلِهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِغَيْرِ الْمَأْكُولِ) وَلَوْ وَحْشِيًّا وَحَرَّمَ الْحَنَفِيَّةُ التَّعَرُّضَ لِلْوَحْشِيِّ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (فَمِنْهُ مَا هُوَ مُؤْذٍ فَيُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ كَالنَّمِرِ وَالنِّسْرِ) وَكَذَا الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْحَدَأَةُ وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ وَالذِّئْبُ وَالْأَسَدُ وَالْعُقَابُ وَالدُّبُّ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ.
وَكَذَا الْكَلْبُ غَيْرُ الْعَقُورِ الَّذِي لَا نَفْعَ بِهِ عِنْدَ وَالِدِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، تَبَعًا لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: يَحْرُمُ قَتْلُهُ وَمِنْهُ الْبَقُّ وَالْبَعُوضُ وَالزُّنْبُورُ وَالْقُرَادُ وَالْبُرْغُوثُ وَالْقُمَّلُ وَبَيْضُهُ وَهُوَ الصِّئْبَانُ، نَعَمْ يُكْرَهُ التَّعَرُّضُ لَهُ فِي رَأْسِ الْمُحْرِمِ وَلِحْيَتِهِ خَوْفَ الِانْتِتَافِ وَيُنْدَبُ لِمَنْ قَتَلَهُ مِنْهُمَا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِلُقْمَةٍ فِي الْقَمْلَةِ أَوْ الْبُرْغُوثِ الْوَاحِدِ وَبِدُونِ اللُّقْمَةِ فِي الْوَاحِدَةِ مِنْ الصِّئْبَانِ وَمِنْهُ النَّمْلُ الصَّغِيرُ، وَيَجُوزُ إحْرَاقُهُ إنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا كَالْقَمْلِ.
وَأَمَّا النَّمْلُ السُّلَيْمَانِيُّ فَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ حُرْمَةُ قَتْلِهِ، وَقَتْلِ النَّحْلِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهُ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَمَضَرَّةٌ كَالْفَهْدِ وَالصَّقْرِ) وَمِنْهُ الشَّاهِينُ وَالْبَازِي وَالْعُقَابُ فَيُبَاحُ قَتْلُهَا.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهُ مَا لَا يَظْهَرُ فِيهِ نَفْعٌ وَلَا ضَرَرٌ كَالسَّرَطَانِ) وَالْبَازِي وَالرَّخْمَةِ، وَمِنْهُ الْقِرْدُ وَالْهُدْهُدُ وَالْخَطَّافُ وَالصُّرَدُ وَالضُّفْدَعُ وَالْخُنْفُسَاءُ، وَالْجُعَلُ: بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَهُوَ الزُّعْقُوقُ فَيُكْرَهُ قَتْلُ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا كَشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ حُرْمَةَ قَتْلِ جَمِيعِ ذَلِكَ فَتُحْمَلُ الْكَرَاهَةُ فِي كَلَامِهِ عَلَى التَّحْرِيمِ وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا مُوَافَقَةُ الشَّارِحِ.
تَنْبِيهٌ: يُكْرَهُ حَمْلُ مَا يُصَادُ بِهِ مِنْ كَلْبٍ وَغَيْرِهِ إلَى الْحَرَمِ فَلَوْ حَمَلَهُ وَانْفَلَتَ مِنْهُ وَأَتْلَفَ شَيْئًا مِنْ صَيْدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ لِأَنَّ لَهَا اخْتِيَارًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَأَقَرَّهُ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مَا يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ فَكَالْبَرِّيِّ) أَيْ فَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ إنْ كَانَ مَأْكُولًا وَحْشِيًّا.
قَوْلُهُ: (فَيَحْرُمُ اصْطِيَادُهُ) أَيْ الْمُتَوَلِّدِ الْمَذْكُورِ أَيْ يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ وَتَمَلُّكُهُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَيَصْدُقُ غَيْرُهُ) عَقْلًا بِالْمُتَوَلِّدِ مِنْ ضَبُعٍ وَضُفْدَعٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَنْهَجِ، وَفَارَقَ عَدَمَ الزَّكَاةِ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ زَكَوِيٍّ وَغَيْرِهِ لِبِنَاءِ

[حاشية عميرة]

مُسْتَفَادٌ مِنْ لَفْظِ الِاصْطِيَادِ فَكَلَامُهُ يُفِيدُ اشْتِرَاطَ التَّوَحُّشِ، لِأَنَّ الصَّيْدَ هُوَ الْمُتَوَحِّشُ بِطَبْعِهِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ إلَّا بِحِيلَةٍ.
قَوْلُهُ: (أَيْ أَخَذَهُ) دَفْعٌ لِمَا قِيلَ إنَّ الِاسْتِدْلَالَ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا أُرِيدَ بِالصَّيْدِ فِي الْآيَةِ الْمَصْدَرُ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ أَنَّهُ الْمُصَادُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ تَحْرِيمَ أَكْلِهِ إذْ لَا بُدَّ مِنْ إضْمَارٍ وَإِضْمَارُ أَكْلِهِ وَأَخْذِهِ مَعًا مُمْتَنِعٌ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا عُمُومَ لَهُ فَتَعَيَّنَ إضْمَارُ الْبَعْضِ، وَهُوَ الْأَكْلُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَحْرِيمُ الِاصْطِيَادِ.
فَرْعٌ: لَوْ صِيدَ لِلْمُحْرِمِ حُرِّمَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْهُ فَلَوْ أَكَلَ فَلَا فِدْيَةَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْتَأْنَسِ وَغَيْرِهِ) قَالَ فِي الْقُوتِ: مِنْ هَذَا دَجَاجُ الْحَبَشِ وَمِنْهُ الْإِوَزُّ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنْ كَانَ يَنْبِضُ بِجَنَاحَيْهِ حُرِّمَ وَإِلَّا فَلَا كَالدَّجَاجِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
قَوْلُهُ: (كَالنَّمِرِ وَالنِّسْرِ) أَيْ غَيْرِ الْمَمْلُوكَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّقْرِ) قَالَ فِي الْخَادِمِ: هُوَ شَامِلٌ لِلْبَازِي وَالشَّاهِينِ وَالْعُقَابِ الَّتِي يُصَادُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُسْتَحَبُّ وَلَا يُكْرَهُ إلَخْ) مُرَادُهُ غَيْرُ الْمَمْلُوكِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهُ مَا لَا يَظْهَرُ فِيهِ إلَخْ) مِنْهُ الذُّبَابُ وَالدُّودُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ:

الْوَحْشِيِّ وَالْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ الظَّبْيِ وَالشَّاةِ (وَيَحْرُمُ ذَلِكَ) أَيْ اصْطِيَادُ الْمَأْكُولِ الْبَرِّيِّ وَالْمُتَوَلِّدِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ (فِي الْحَرَمِ عَلَى الْحَلَالِ) وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهِ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ» الْحَدِيثَ.
رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
أَيْ لَا يَجُوزُ تَنْفِيرُ صَيْدِهِ لِمُحْرِمٍ وَلَا حَلَالٍ فَاصْطِيَادُهُ وَمَا ذَكَرَ مَعَهُ أَوْلَى وَقِيسَ عَلَى مَكَّةَ بَاقِي الْحَرَمِ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَرَمِ حَالٌ مِنْ ذَا الْمُشَارِ بِهِ إلَى الِاصْطِيَادِ وَهُوَ نِسْبَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالصَّائِدِ وَالْمَصِيدِ صَادِقٌ بِمَا إذَا كَانَا فِي الْحَرَمِ أَوْ أَحَدُهُمَا فِيهِ وَالْآخَرُ فِي الْحِلِّ، كَأَنْ رَمَى مِنْ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ، أَوْ مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ أَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا فِي الصُّورَتَيْنِ فَيَحْرُمُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ (فَإِنْ أَتْلَفَ) مَنْ

[حاشية قليوبي]

الزَّكَاةِ عَلَى التَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ ذَلِكَ أَيْ اصْطِيَادُ) خُصَّ مَرْجِعُ الْإِشَارَةِ بِهِ لِأَنَّهُ الَّذِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ وَضْعَ الْيَدِ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَرَمِ عَلَى الْحَلَالِ) وَلَوْ كَافِرًا.
قَوْلُهُ: (وَقِيسَ عَلَى مَكَّةَ) الَّتِي فِي الْحَدِيثِ بَاقِي الْحَرَمِ لِأَنَّهَا مِنْهُ وَحُدُودُهُ مَعْرُوفَةٌ وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: وَلِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ مِنْ أَرْضِ طِيبَةَ ... ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ إذَا رُمْت إتْقَانَهْ وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٍ وَطَائِفٍ ... وَحَدُّهُ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرَانَهْ زَادَ بَعْضُهُمْ: وَمِنْ يَمَنٍ سَبْعٌ بِتَقْدِيمِ سِينِهِ ... وَقَدْ كَمُلَتْ فَاشْكُرْ لِرَبِّك إحْسَانَهْ وَلَوْ قَالَ: وَمِنْ يَمَنٍ مِثْلُ الْعِرَاقِ فَطَائِفٍ لَكَانَ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ.
وَقَدَّرَهُ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ بِقَدْرِ عَشَرَةِ أَمْيَالٍ فِي مَسِيرِ يَوْمٍ سَيْرَ اعْتِدَالٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ بَرِيدٌ وَثُلُثٌ فِي مِثْلِهِ تَقْرِيبًا، وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْحُدُودِ فَقِيلَ: إنَّهَا قَدِيمَةٌ لَا يُعْلَمُ ابْتِدَاؤُهَا.
وَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ مَكَّةَ قَبْلَ الْأَرْضِ بِأَلْفِ عَامٍ وَحَفَّهَا بِالْمَلَائِكَةِ فَكَانَ قَدْرُ الْحَرَمِ حَيْثُ وَقَفُوا.
وَقِيلَ: عَلَّمَهَا جِبْرِيلُ لِإِبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَالَ: رَبَّنَا أَرِنَا مَنَاسِكَنَا.
وَقِيلَ: بِتَوْقِيفٍ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَامِ فَتْحِ مَكَّةَ أَوْ فِي عَامِ حَجِّهِ.
وَقِيلَ: لَمَّا جَاءَ آدَم إلَى الْبَيْتِ بَعْدَ هُبُوطِهِ مِنْ الْجَنَّةِ خَافَ مِنْ شَيَاطِينِ، الْأَرْضِ بِحَسَبِ الطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ فَوَقَفَتْ عَلَى تِلْكَ الْحُدُودِ لِتَمْنَعَ عَنْهُ مَا يَخَافُهُ.
وَقِيلَ: لَمَّا نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنْ الْجَنَّةِ أَضَاءَ فَوَصَلَ ضَوْءُهُ إلَى تِلْكَ الْحُدُودِ.
وَقِيلَ: أَضَاءَتْ لَهُ الدُّنْيَا فَجَاءَ أَهْلُهَا لِيَنْظُرُوا ذَلِكَ النُّورَ فَمَنَعَتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: نَزَلَتْ يَاقُوتَةٌ مِنْ الْجَنَّةِ حِينَ قَبُولِ تَوْبَةِ آدَمَ حَلَقَتْ رَأْسَهُ فَتَنَاثَرَ شَعْرُهُ إلَى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: إنَّهَا أَوَاخِرُ مَرْعَى غَنَمِ إسْمَاعِيلَ وَكَانَ مَأْوَاهَا فِي الْحِجْرِ كَمَا مَرَّ.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (إذَا كَانَا) أَيْ الصَّيْدُ وَالْمِصْيَدُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَرَمِ) أَيْ فِي حَالَتَيْ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ مَعًا أَوْ فِي إحْدَاهُمَا، وَسَوَاءٌ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا فِيهِ أَيْ فِي أَرْضِهِ أَوْ هَوَائِهِ كَغُصْنِ شَجَرَةٍ فِيهِ وَأَصْلُهَا خَارِجَهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَحَدُهُمَا فِيهِ) أَيْ كَأَنْ كَانَ الصَّائِدُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ الصَّيْدُ كَذَلِكَ رَاقِدًا كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ وَاقِفًا نَعَمْ إنْ كَانَ الصَّيْدُ وَاقِفًا وَبَعْضُهُ فِي الْحِلِّ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَأَصَابَهُ الصَّائِدُ فِيهِ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا فِدْيَةَ.
تَنْبِيهٌ: يَلْحَقُ بِهَذَا مَا لَوْ رَمَى وَهُوَ مُحْرِمٌ وَحَلَّ قَبْلَ الْإِصَابَةِ كَأَنْ قَصَّرَ شَعْرَهُ أَوْ عَكْسَهُ فَعَلَيْهِ الْحُرْمَةُ وَالْفِدْيَةُ أَيْضًا وَيَلْحَقُ بِهِ أَيْضًا مَا لَوْ كَانَ الصَّائِدُ وَالصَّيْدُ فِي الْحِلِّ وَلَكِنْ مَرَّ السَّهْمُ فِي الْحَرَمِ لِوُجُودِ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ عَدَمَ حُرْمَةِ الْبُصَاقِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لِعَدَمِ وُجُودِ الِاسْتِقْذَارِ الْمَمْنُوعِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا) خَرَجَ مَا لَوْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ وَإِنْ أَغْرَاهُ وَزَادَ عَدْوَهُ فَلَا ضَمَانَ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فِي الصُّورَتَيْنِ) وَهُمَا كَوْنُ الصَّائِدِ وَالْمَصِيدِ فِي الْحَرَمِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِيهِ.
وَكَذَا لَوْ كَانَا فِي الْحِلِّ وَمَرَّ الْكَلْبُ فِي الْحَرَمِ، نَعَمْ إنْ أَرْسَلَهُ فِي طَرِيقٍ خَارِجِ الْحَرَمِ فَعَدَلَ الْكَلْبُ إلَى الْحَرَمِ أَوْ تَحَامَلَ بِهِ الصَّيْدُ فَأَدْخَلَهُ فِيهِ أَوْ دَخَلَ مَعَ الصَّيْدِ فِيهِ مَعَ وُجُودِ مُقِرٍّ خَارِجَهُ فَلَا فِدْيَةَ.
قَالَ شَيْخُنَا لَكِنْ لَا يَحِلُّ أَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ احْتِيَاطًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَتْلَفَ) أَيْ يَقِينًا فَلَوْ جَرَحَ صَيْدًا فَغَابَ

[حاشية عميرة]

وَيَحِلُّ اصْطِيَادُ الْبَحْرِ إلَخْ) قَالَ السُّبْكِيُّ الطُّيُورُ الَّتِي تَغُوصُ فِي الْمَاءِ وَتَخْرُجُ مِنْهُ بَرِّيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ) أَيْ لَا يُقْطَعُ.
قَوْلُهُ: (بِمَا إذَا كَانَا فِي الْحَرَمِ) لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ بَعْضُهُ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ وَجَبَ الْجَزَاءُ هَذَا إنْ كَانَ وَاقِفًا، فَإِنْ كَانَ نَائِمًا فَالْعِبْرَةُ بِمُسْتَقَرِّهِ ذِكْرُ التَّقْيِيدِ فِي الِاسْتِقْصَاءِ، وَلَوْ سَعَى الشَّخْصُ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ وَمِثْلُهُ أَوْ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحِلِّ، وَلَكِنْ سَلَكَ الْحَرَمَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ قَطْعًا.
قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الِاصْطِيَادِ مِنْ حِينِ الرَّمْيِ لَا مِنْ حِينِ السَّعْيِ، وَلِذَا تُشْرَعُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ إرْسَالِ السَّهْمِ لَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَدْوِ بَلْ ضَرْبِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ تَلِفَ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ جِهَاتِ الضَّمَانِ إحْدَاهَا

حُرِّمَ عَلَيْهِ الِاصْطِيَادُ الْمَذْكُورُ مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ لِحَلَالٍ كَمَا تَقَدَّمَ (صَيْدًا) مِمَّا ذُكِرَ مَمْلُوكًا أَوْ غَيْرَ مَمْلُوكٍ (ضَمِنَهُ) بِمَا سَيَأْتِي قَالَ تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] الْآيَةَ وَقِيسَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْحَلَالُ الْمَذْكُورُ بِجَامِعِ حُرْمَةِ الِاصْطِيَادِ وَلَوْ تَسَبَّبَ فِي تَلَفِ الصَّيْدِ كَأَنْ أَرْسَلَ كَلْبًا فَأَتْلَفَهُ، أَوْ نَصَبَ الْحَلَالُ شَبَكَةً فِي الْحَرَمِ أَوْ نَصَبَهَا الْمُحْرِمُ حَيْثُ كَانَ فَتَعَلَّقَ بِهَا صَيْدٌ وَهَلَكَ ضَمِنَهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ، وَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِ الْمُحْرِمِ صَيْدٌ ضَمِنَهُ كَالْغَاصِبِ لِحُرْمَةِ إمْسَاكِهِ وَكَذَا لَوْ تَلِفَ فِي يَدِ الْحَلَالِ صَيْدٌ مِنْ الْحَرَمِ يَضْمَنُهُ لِمَا ذُكِرَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَدْخَلَ مَعَهُ إلَى الْحَرَمِ صَيْدًا مَمْلُوكًا لَهُ فَلَهُ إمْسَاكُهُ فِيهِ وَذَبْحُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ لِأَنَّهُ صَيْدُ حِلٍّ وَلَوْ أَحْرَمَ مَنْ فِي مِلْكِهِ صَيْدٌ بِيَدِهِ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ وَلَزِمَهُ إرْسَالُهُ وَإِنْ تَحَلَّلَ، وَلَا يَمْلِكُ مُحْرِمٌ صَيْدَهُ وَيَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ وَمَا أَخَذَهُ مِنْ الصَّيْدِ بِشِرَاءٍ لَا يَمْلِكُهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ شِرَائِهِ وَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ وَيُقَاسُ بِالْمُحْرِمِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ، ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي الضَّمَانِ بِالْإِتْلَافِ وَغَيْرِهِ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْخَاطِئِ، وَالنَّاسِي لِلْإِحْرَامِ، وَفِي الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ وَالْجَاهِلُ بِالتَّحْرِيمِ كَمَا فِي الضَّمَانَاتِ الْوَاجِبَةِ

[حاشية قليوبي]

ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَاحْتَمَلَ مَوْتَهُ بِغَيْرِ الْجَرْحِ ضَمِنَ الْأَرْشَ فَقَطْ، وَخَرَجَ بِالْإِتْلَافِ الْإِعَانَةُ وَلَوْ عَلَى ذَبْحِهِ وَالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
قَوْله: (مَنْ حَرُمَ) هُوَ فَاعِلُ أَتْلَفَ سَوَاءٌ انْفَرَدَ أَوْ تَعَدَّدَ بِضَرَبَاتٍ أَوْ جِرَاحَاتٍ وَلَا يَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ بَلْ يُوَزَّعُ عَلَى الرُّءُوسِ، فَلَوْ شَارَكَ حَلَالٌ مُحْرِمًا فِي صَيْدِ الْحِلِّ ضَمِنَ الْمُحْرِمُ نِصْفَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَلَالِ.
قَوْلُهُ: (مَمْلُوكًا) وَعَلَيْهِ مَعَ الْجَزَاءِ قِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ، وَقَدْ أَلْغَزَ ابْنُ الْوَرْدِيِّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ نَظْمًا: عِنْدِي سُؤَالٌ حَسَنٌ مُسْتَظْرَفٌ ... فَرْعٌ عَلَى أَصْلَيْنِ قَدْ تَفَرَّعَا قَابِضُ شَيْءٍ بِرِضَا مَالِكِهِ ... وَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ وَالْمِثْلَ مَعًا قَوْلُهُ: (ضَمِنَهُ) أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا وَلَوْ بِنَحْوِ نَتْفِ رِيشَةٍ مِنْ جَنَاحِهِ فَيُفْدَى نَقْصُ مَالِهِ مَثَّلَ بِجُزْءٍ مِنْ مِثْلِهِ بِحَسَبِ الْقِيمَةِ، فَإِنْ قَتَلَهُ قَبْلَ بُرْئِهِ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ كَامِلٌ أَوْ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ مِثْلٌ نَاقِصٌ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَبْقَ، فِيهِ نَقْصٌ بَعْدَ الْبُرْءِ فَرَضَ الْقَاضِي لَهُ أَرْشًا بِاجْتِهَادِهِ كَمَا فِي الْحُكُومَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيسَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْحَلَالُ) أَيْ فِي الضَّمَانِ بِالْإِتْلَافِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَسَبَّبَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْإِتْلَافَ كَمَا فِي كَلَامِهِ لَيْسَ قَيْدًا وَمِثْلُ إرْسَالِ الْكَلْبِ حَلُّ رِبَاطِهِ وَلَوْ غَيْرَ مُعَلَّمٍ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَمِنْ السَّبَبِ مَا لَوْ نَفَرَهُ فَتَعَثَّرَ بِنَحْوِ شَجَرَةٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ أَكَلَهُ نَحْوُ سَبْعٍ أَوْ مَاتَ قَبْلَ سُكُونِهِ أَوْ أَمْسَكَهُ لِمَنْ قَتَلَهُ أَوْ حَبَسَ أُمَّهُ عَنْهُ وَهُوَ رَضِيعٌ فَمَاتَ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ كَزَلْقِهِ بِبَوْلِ مَرْكُوبِهِ.
قَوْلُهُ: (نَصَبَ الْحَلَالُ شَبَكَةً) وَلَوْ فِي مِلْكِهِ لَكِنْ بِقَصْدِ الِاصْطِيَادِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَرَمِ) لَا فِي الْحِلِّ وَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَهَا وَحَفَرَ الْبِئْرَ تَعَدِّيًا كَنَصْبِ الشَّبَكَةِ.
قَوْلُهُ: (ضَمِنَهُ النَّاصِبُ) وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَ تَحَلُّلِ الْمُحْرِمِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَلِفَ) أَشَارَ إلَى أَنَّ التَّلَفَ كَالْإِتْلَافِ الَّذِي فِي كَلَامِهِ.
قَوْلُهُ: (بِيَدِهِ) لَيْسَ قَيْدًا فِي زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ وَعَنْ أَجْزَائِهِ وَبَيَّنَهُ وَفَرَقَهُ وَاحْتَرَزَ بِهِ فِي الْأَوْسَالِ عَنْ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَزِمَهُ إرْسَالُهُ) بِنَفْسِهِ أَوْ وَلِيِّهِ وَلَوْ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ وَمَا تَلِفَ مِنْهُ مَضْمُونٌ وَلَوْ عَلَى الْوَلِيِّ بِقِيمَتِهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ وَلَوْ قَبْلَ إرْسَالِهِ مَلَكَهُ.
نَعَمْ لَوْ وَرِثَ صَيْدًا حَالَ إحْرَامِهِ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ إلَّا بِإِرْسَالِهِ، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ لَهُ وَلَا يَبْرَأُ مِنْ الْجَزَاءِ إذَا تَلِفَ وَلَوْ عَنَّهُ الْمُشْتَرِي.
قَوْلُهُ: (بِشِرَاءٍ) أَوْ هِبَةٍ مِنْ حَلَالٍ أَوْ مُحْرِمٍ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَيَلْزَمُ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ) أَيْ إلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ نَعَمْ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ لِمُحْرِمٍ بَلْ يُرْسِلُهُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ فِي غَيْرِ الْهِبَةِ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّهُ إلَيْهِ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ حَتَّى يُرْسِلَهُ الْمُحْرِمُ قَوْلُهُ: (وَيُقَاسُ) أَيْ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ فِي الْحَلَالِ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ.

[حاشية عميرة]

الْمُبَاشَرَةُ، الثَّانِيَةُ التَّسَبُّبُ، وَمِنْهُ أَنْ يُنَفِّرَ صَيْدًا فَيَمُوتَ بِعَثْرَةٍ أَوْ يَأْخُذَهُ سَبْعٌ أَوْ يَنْصَدِمَ بِشَجَرَةٍ أَوْ حَبْلٍ وَيَكُونَ فِي عُهْدَةِ الْمُنَفِّرِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى عَادَتِهِ فِي الْكَوْنِ، الثَّالِثَةُ الْيَدُ بِوَدِيعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ الْمَتْنِ لَا تُفِيدُ الثَّالِثَةَ.
قَوْلُهُ: (مَمْلُوكًا) لَوْ أَتْلَفَهُ مُحْرِمٌ ضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَبِالْقِيمَةِ لِمَالِكِهِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا سَيَأْتِي) قَالَ السُّبْكِيُّ: الْحَلَالُ إذَا أَتْلَفَ فِي الْحَرَمِ صَيْدًا مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ ضَمِنَهُ بِالْقِيمَةِ لِمَالِكِهِ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَاسُ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْحَلَالَ فِي الْحَرَمِ لَا يَجُوزُ لَهُ شِرَاءُ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ لِلْحَلَالِ، وَكَذَا قَوْلُ الشَّارِحِ السَّالِفُ وَيَحْرُمُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهِ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَكِنَّ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ التَّصْرِيحَ بِالْجَوَازِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ يَجُوزُ لِلْحَلَالِ أَنْ يَدْخُلَ بِالصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ الْحَرَمَ، وَيَتَصَدَّقَ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ، وَكَذَا صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ فِي شَرْحِ الدَّمِيرِيِّ، وَبَيَّنَ الْقَوْلَ فِيهَا بِأَنَّ الْحَلَالَ يَتَصَدَّقُ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، إذَا كَانَ الَّذِي يَتَصَدَّقُ مَعَهُ حَلَالًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا كَلَامُ الشَّارِحِ آخِرًا وَأَوَّلًا فَهُوَ قَابِلٌ

فصول الكتاب · 34 فصل · 442 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشيتا قليوبي وعميرة · 442 صفحة
ـ[حاشيتا قليوبي وعميرة]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
كِتَابُ الصِّيَامِ
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ
كِتَابُ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِكِتَابُ الرَّهْنِ
كِتَابُ التَّفْلِيسِ
كِتَابُ الْعَارِيَّةِكِتَابُ الْغَصْبِكِتَابُ الشُّفْعَةِكِتَابُ الْقِرَاضكِتَابُ الْمُسَاقَاةِكِتَابُ الْإِجَارَةِكِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الْجَعَالَةِكِتَابُ الْفَرَائِضِكِتَابُ الْوَصَايَاكِتَابُ الْوَدِيعَةِ
كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ
كِتَابُ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزِ
كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ.كِتَابُ الْأَيْمَانِكِتَابُ الْقَضَاءِكِتَابُ الشَّهَادَاتِكِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ.كِتَابُ الْعِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الْكِتَابَةِكِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ
جارٍ التحميل