كِتَابُ الوَقْفِ
الجزء: 3 - الصفحة: 469
(14) كِتَابُ
الوقف: تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به، مع بقاء عينه، بقطع تصرفه وغيره في رقبته، يُصرف ريعه إلى جهة برٍّ، تقرُّبًا إلى اللَّه -تعالى-.
كتاب الوقف
- قوله: (بقطع تصرفه.
. . إلخ) الباء متعلقة بـ (تحبيس) على أنها تصوير له، وهذا باعتبار الأصل الغالب، وإلا فسيأتي 1 أنه يجوز التصرف في الوقف لعارض كتعطل منافعه. - قوله: (يصرف.
. . إلخ) الجملة إما حال من (ماله) ولا يضر الفصل بما ذكر بينهما؛ لأنه من تعلقات 2 صاحبه، وإما مستأنفة استئنافًا بيانيًّا جوابًا عن 3 سؤال، كأنه قيل: ما يُصنع بريع المال بعد تحبيسه؟ فأجاب بقوله "يصرف.
. . إلخ". - قوله: (تقربًا إلى اللَّه -تعالى-)؛ أيْ: الأصل فيه ذلك، وقد لا يلاحظ، وبهذا تنحل شبهته في شرحه 4 فراجعها!.
الجزء: 3 - الصفحة: 471
ويحصل بفعل مع دالٍّ عليه عُرفًا، كأن يبني بنيانًا على هيئة مسجد ويأذن إذنًا عامًّا في الصلاة فيه، حتى لو كان سفل بيته أو علوَّه أو وسطه، ويستطرق، أو بيتًا لقضاء حاجة أو تطهر ويُشَرِّعه.
. . . . .
أو أنه قَيْد 5 في الوقف المثاب عليه، فلا ينافي صحته إذا تجرد عن هذا القصد، وإن كان لا ثواب فيه، كأن نوى بوقفه عدم بيع الورثة له، أو عدم بيعه في دينه إذا أفلس على قياس ما سلف في الصلاة، حيث قالوا: ولا يمنع صحَّتا قصد تعليمها أو خلاص من خصم ونحوه، مع عَدِّهِم ذلك من ممحصات الثواب أو منقصاتها.
أو يقال: إن قوله: (تقربًا إلى اللَّه -تعالى-) ليس من تعلقات (تحبيس) بل هو من تعلقات (جهة برٍّ)، والتقدير: على جهة برٍّ جعلت تقربًا إلى اللَّه -تعالى-، ويكون هذا قيدًا 6 في الشرط الثاني، والمعنى بعيد، واللفظ في غاية التكلف.
وبخطه: علم منه اعتبار النية، إذ لا ثواب في غير منوي، وسيأتي 7 أن الناظر الأجنبي إذا غرس أو بنى في الوقف ولم يشهد على كونه محترمًا له كان للوقف، فقد حصل الوقف بالفعل المجرد عن النية والقرينة.
- قوله: (مع دال)؛ أيْ: شيء قولًا كالإذن، أو فعلًا كالتشريع.
- قوله: (حتى لو كان سفل بيته.
. . إلخ) مقتضى صنيع الفروع 8 أنه لو جعل سطح بيته مسجدًا انتفع بسفله وجهًا واحدًا، وأنه إذا جعل سفله مسجدًا = إلى ذكره في حدِّ الوقف الذي يترتب عليه الثواب لا غير، فإن الإنسان قد يقف ملكه على غيره توددًا، لا لأجل القربة، ويكون وقفًا لازمًا.
. . ".
الجزء: 3 - الصفحة: 472
أو يجعل أرضه مقبرة ويأذن إذنًا عامًّا في الدفن فيها.
ويقول وصريحه: "وقفتُ" و"حَبَّستُ" و"سبَّلتُ".
وكنايته: "تصدقتُ" و"حرَّمتُ" و"أبَّدتُ"، ولا يصح بها إلا بنية، أو قرْنها بأحد الألفاظ الخمسة، كـ: "تصدقت صدقة موقوفة، أو محبَّسة، أو مسبَّلة، أو محرمة، أو مؤبدة" أو بحكم الوقف، كـ: "لا تباع"، أو "لا توهب".
. . . . .
انتفع 9 بسطحه في الأصح 10؛ لأنه قدم جواز الانتفاع به، ثم قابله برواية مُهَنَّا 11 التي تتضمن المنع منه.
- قوله: (ولا يصح بها.
. . إلخ)؛ أيْ: في الكناية. - قوله: (أو قرنها بأحد الألفاظ الخمسة) وهي الصرائح الثلاث، والكنايتان الباقيتان بعد المأتي بها.
- قوله: (أو محرمة أو مؤيدة) هذا صريح في أنه إذا قرن كناية بكناية كان بمنزلة الصريح، وكأنه خاص بهذا الباب، فإنهم لم يعتبروا في مثل الطلاق بالكناية إلا النية أو القرينة 12، فظاهره أنه لو قال لها: الحقي بأهلك، وحبلك على غاربك،
الجزء: 3 - الصفحة: 473
أو "لا تورث"، أو "على قبيلة أو طائفة كذا".
فلو قال: "تصدقتُ بداري على زيد"، ثم قال: "أردتُ الوقف" وأنكر زيد لم تكن وقفًا.
ولا نية ولا قرينة، ثم قال: لم أرد طلاقًا، أنه يقبل منه، ويطلب الفرق بين البابَين، فليحرر؟!، وقد يفرق: بتشوف الشارع إليه.
- قوله: (لم تكن وقفًا)؛ أيْ: ظاهرًا، فهذه العبارة بهذا التقدير تساوي تعبير الأصحاب، فلم يقبل قوله 13، وتوجيه المسألة: أن زيدًا يدعي ما اللفظ صريح فيه، والواقف 14 يدعي ما هو كناية فيه، فقدمت دعوى زيد.
نعم إن كان الواقف قد نوى الوقف كان وقفًا باطنًا وحصل له ثواب الوقف.
ومما قررناه تعلم الفرق بين تصدقت وغيرها من بقية الكنايات التي ليست صريحة في باب آخر، فلو قال حرمت هذه الدار على زيد، وقال: أردت الوقف، وأنكر زيد، لم يلتفت إلى إنكاره، وتكون وقفًا.
وبخطه: قال في الإنصاف 15: "ويعايا بها" ووجه المعاياة أن المنوي بالكناية يرجع في تعيينه إلى المتكلم، وقد خولفت هذه القاعدة حيث قدم تعيين غيره عليه 16، فتدبر!.
الجزء: 3 - الصفحة: 474
1
- فصل
وشروطه أربعة:
مصادفتُه عينًا يصح بيعها ويُنتفع بها عُرفًا -كإجارة- مع بقائها، أو مشاعًا منها، منقولة، كحيوان، وأثاث، وسلاح، وحُلِيٍّ على لبس وعارية أو لا كعقار.
لا ذمةً كدار وعبد، أو مبهمًا كأحد هذين.
. . . . .
فصل
- قوله: (مصادفته عينًا) خرج بالعين المنفعة، فلا يصح وقفها، ويطلب الفرق بين الوقف والوصية؟ وقد يفرق: بأن الوصية جارية مجرى الإرث بخلاف الوقف، وخرج بالعين أيضًا ما في الذمة.
- قوله: (لا ذمة.
. . إلخ) قال في شرحه 17: "هذا بيان لمحترز قوله (مصادفته عينًا)، فإنه لو قال: وقفت على زيد دارًا أو عبدًا ولم يعين ذلك أو وقفت على أحد هذَين العبدَين، أو الدارَين أو نحو ذلك لم يصح؛ لأنه نقل ملك على وجه الصدقة، فلم يصح في غير معين كالهبة"، انتهى.
وظاهره بل صريحه أن قوله: (كدار وعبد) تمثيل لما في الذمة، وفيه أنه لم يتقدم ولا يأتي في باب من الأبواب استعمال ما في الذمة في غير الدين غير هذا، ولو جعلت الكاف في قوله: (كدار) للتنظير والمعنى: لا يصح وقف ما في الذمة، كما لا يصح وقف المبهم كدار مبهمة أو عبد مبهم أو أحد هذَين، وجعل قوله:
الجزء: 3 - الصفحة: 475
أو ما 18 لا يصح بيعه كأم ولد، وكلب، ومرهون، أو لا يُنتفع به مع بقائه كمطعوم ومشموم، وأثمان كقنديل من فقد على مسجد ونحوه، إلا تبعًا كفرس بلجام وسَرج مُفَضَّضَين.
الثاني: كونهُ على برٍّ، كالمسحين والمساجد والقناطر والأقارب.
ويصح من ذمي على مسلم معين وعكسه ولو أجنبيًّا، ويستمر له إذا أسلم، ويلغو شرطه ما دام كذلك.
. . . . .
(أو مبهمًا) من باب ذكر العام بعد الخاص، لا من عطف العام على الخاص لكان أمسَّ 19 بالقواعد.
- قوله: (كأم ولد)؛ أيْ: في المشهور 20، وإلا فقد جوَّز بعضهم بيعها في ست مسائل -كما نبه عليه الشويكي في توضيحه 21 -.
- قوله: (ويصح من ذمي) لعل مراده هنا بالذمي غير المسلم، ولو معاهدًا أو مستأمنًا أو وثنيًّا أو حربيًا لملكهم.
- قوله: (على مسلم معيَّن) إنما قيد بمعيَّن ليصح له قوله: (وعكسه) وإلا
الجزء: 3 - الصفحة: 476
لا على كنائس، أو بيوت نار، أو بِيَعٍ ونحوها ولو من ذمي -بل على المارِّ بها من مسلم وذمي- ولا على كتب التوراة والإنجيل، أو حربيٍّ هو مرتد، ولا -عند الأكثر- على نفسه 22، وينصرف إلى من بعده في الحال، وعنه: يصح 23، المنقِّح 24: "اختاره جماعة، وعليه العمل، وهو أظهر".
فالوقف على مسلم صحيح مطلقًا معيَّنًا 25 أو غير معيَّن.
- قوله: (لا على كنائس) يطلب الفرق بين ذلك والوقف على الذمي المعيَّن ولو كان أجنبيًّا؟.
وقد يفرق: بأن الذمي المعيَّن يرجى إسلامه ويصح تملكه والصدقة عليه. - قوله: (أو حربي) معينًا أو غير معيَّن.
- قوله: (وينصرف إلى من بعده في الحال) ويكون من صور الوقف المنقطع الأول، وهذا واضح إن قال: وقفته على نفسي ثم على أولادي مثلًا، وأما إن قال: على نفسي وسكت، فالظاهر أنه باطل على قول الأكثر وملكه بحاله، ويورث عنه -كما في شرح شيخنا 26 -. بقي ما إذا قال: وقفته على أرشد أولاد أبي، أو أعلمهم، أو أكبرهم، وكان الوصف لا ينطبق إلا عليه، فهل يكون باطلًا لما فيه من التحيل على صورة باطلة، أو يكون صحيحًا؛ لأنه ليس فيه تحيل على محرم؟.
الجزء: 3 - الصفحة: 477
وإن وقَف على غيره، واستثنى غلَّتها 27 أو بعضها له أو لولده، أو الأكل، أو الانتفاع لأهله، أو يُطعم صديقه -مدة حياته أو مدة معيَّنة: صحَّ.
فلو مات في أثنائها فلورثته وتصح إجارتها، ومن وقف على الفقراء فافتقر تناول منه.
ولو وقف مسجدًا، أو مقبرة، أو بئرًا، أو مدرسة للفقهاء أو بعضهم، أو رباطًا للصوفية مما يَعُمُّ فهو كغيره.
استظهر شيخنا الصحة، فراجع، ويُقرِّب ما استظهره شيخنا ما يأتي 28 من أنه لو وقف على الفقراء فافتقر جاز له التناول منه لدخوله في عموم الوصف، فتدبر!.
- قوله: (أو الانتفاع لأهله) أو نفسه على ما في شرحه 29.
- قوله: (فلو مات)؛ أيْ: الواقف المستثني مدة معينة.
- قوله: (فلورثته)؛ أيْ: الموقوف عليهم وغيرهم؛ لأنها تنتقل إلى الورثة ملكًا طِلْقًا لا وقفًا.
- قوله: (وتصح إجارتها) قال شيخنا 30: "وظاهره ولو لم يقل في صيغة الاستثناء ولي السكن 31 والإسكان، وظاهره أيضًا أن صحة الإجارة لا تتوقف على إذن الناظر".
- قوله: (مما يعم) بيان لمعطوف حذف مع عاطفه؛ أيْ: ونحوه مما
الجزء: 3 - الصفحة: 478
الثالث: كونه على معيَّن يملك ثابتًا، فلا يصح على مجهول، كرجل ومسجد، أو مبهم كأحد هذَين، أو لا يملك كقنٍّ وأم ولد وملك وبهيمة، وحمل أصالة كـ: "على من سيُولد لي أو لفلان"، بل تبعًا كـ: "على أولادي أو أولاد فلان"، وفيهم حمل، فيستحق بوضع، وكلُّ حمل من أهل وقف من ثمر وزرع ما يستحقُّه مشترٍ وكذا من قَدِمَ إلى موقوف عليه فيه، أو خرج منه إلى مثله، إلا أن يُشترط.
. . . .
يعم.
. . إلخ، فتدبر!.
- قوله: (ومَلَكَ) زاد غيره 32: "وجني"، وفيه نظر؛ لأن الجني يملك على ما تقدم في المتن صريحًا في فصل أحكام الجن 33.
- قوله: (وحمل أصالة)؛ أيْ: غير تبع بدليل ما يأتي.
وبخطه 34: يحتاج إلى الفرق بين الوقف والوصية، حيث جوَّزوا الوصية للحمل أصالة إذا علم وجوده حينها بأن تضعه حيًّا لأقل من أربع سنين إن لم يكن فراشًا، أو من ستة أشهر من حينها، فليحرر ذلك.
وقد يجاب بنظير ما سبق، من أن الوصية تجري مجرى الإرث.
الجزء: 3 - الصفحة: 479
لكل زمن قَدْرٌ معيَّن، فيكون له بقسطه، أو يُملك لا ثابتًا، كمكاتب.
الرابع: أن يقف ناجزًا، فلا يصح تعليقه إلا بموته، ويلزم من حينه، ويكون من ثلثه.
وشَرْطُ بيعه أو هبته متى شاء، أو خيار فيه، أو توقيته، أو تحويله مبطل.
2 - فصل
ولا يُشترط للزومه إخراجه عن يده.
. . . .
* قوله: (ويلزم من حينه)؛ أيْ: الوقف المعلق بالموت من حين صدوره منه، لا من حين الموت فقط، ويحتاج إلى الفرق بينه وبين التدبير والوصية.
قال الحارثي (1): "والفرق عسر جدًّا".
- قوله: (أو تحويله)؛ أيْ: تحويل الوقف كقوله: وقفت داري على جهة كذا، على أن أحولها من هذه الجهة، أو عن الوقفية بأن أرجع فيها متى شئت، حاشية (2).
- قوله: (مبطل)؛ أيْ: للوقف، لا للشرط فقط (3).
فصل
- قوله: (ولا يشترط للزومه إخراجه عن يده) خلافًا لمالك 38.353637
الجزء: 3 - الصفحة: 480
ولا -فيما على معيَّن- قبوله، ولا يبطل بردِّه.
ويتعين مصرف الوقف إلى الجهة المعينة، فلو سبَّل ماء للشرب لم يجُز الوضوء به.
ومنقطع الابتداء يُصرف في الحال إلى من بعده، ومنقطع الوسط إلى من بعده، والآخر بعد من يجوز الوقف عليه، وما وقفه وسكت إلى ورثته نسبًا على قدر إرثهم وقفًا، ويقع الحَجْب بينهم كإرث فإن عُدموا فللفقراء والمسكين، ونصه 39: ". . . في مصالح المسلمين".
ومتى انقطعت الجهة -والواقف حي- رجع إليه وقفًا.
. . . .
* قوله: (لم يجُز الوضوء به)؛ يعني: ولا الغسل، ولا إزالة النجاسة، وكذا حُصُر المسجد وبسطه لا يجوز إخراجها لمنتظر الجنازة، حاشية 40، وعلم منه بالأولى عدم جواز إخراجها للولائم ونحوها.
- قوله: (وما وقفه) عطف على المضاف المقدر قبل لفظ (الآخر)؛ أيْ: ويصرف منقطع الآخر وما وقفه.
. . إلخ، والعامل فيهما (يُصرف). - قوله: (إلى ورثته) يتعلق بكل من المسألتَين؛ أيْ: ومنقطع الآخر يصرف بعد من يجوز الوقف عليه إلى ورثته، وما وقفه وسكت يصرف إلى ورثته.
- قوله: (نسبًا)؛ أيْ: لا ولاءً، ولا نكاحًا، حاشية 41.
الجزء: 3 - الصفحة: 481
ويُعمل في صحيح وسط فقط بالاعتبارَين، ويملكه موقوف عليه، فيَنْظُرَ فيه هو أو وليه، ويُتملَّك زرع غاصب، ويلزمه أرش خطئه وفطرته وزكاته، ويُقطع سارقه.
ولا يتزوج موقوفة عليه، ولا يطؤها، وله تزويجها إن لم يُشرَط لغيره، وأخذ مهرها ولو لوطء شبهة، وولدها من شبهة حرٌّ، وعلى واطئ قيمته، تُصرف في مثله، ومن زَوْجٍ أو زنًا وقف.
* قوله: (بالاعتبارَين) بأن يلغى ما عدا الوسط، ويجعل كأنه جعل وقفه على ما عدا الطرفَين فيصرف إلى غيرهما، فلو وقف على عبده ثم على زيد ثم على الكنائس صرف ابتداءً لزيد، ثم للمساكين بعده.
- قوله: (ويملكه) لكن ملكًا غير تام -كما تقدم مرارًا 42 -.
- قوله: (موقوف عليه)؛ أيْ: إذا كان معينًا، قاله شيخنا في شرحه 43.
- قوله: (وزكاته)؛ أيْ: إن كان مالًا زكويًّا، كإبل وبقر وغنم سائمة، ويخرج من غيره -كما تقدم 44 -، شرح 45.
- قوله: (إن لم يشرط)؛ أيْ: الواقف.
- قوله: (لغيره)؛ أيْ: مباشرة العقد.
- قوله: (ومن زوج)؛ أيْ: ما لم يكن الزوج قد غرَّ بها، فإن ولدها يكون
الجزء: 3 - الصفحة: 482
ولا حدَّ ولا مهر بوطئه، وولده حرٌّ، وعليه قيمته، تُصرف في مثله، وتعتق بموته، وتجب قيمتها في تركته، يُشترى بها وبقيمة وجبت بتلفها أو بعضها مثلها، أو شِقْص يصير وقفًا بالشراء.
ولا يصح عتق موقوف، وإن قُطع فله القود، وإن عفا فأرشه في مثله، وإن قُتل ولو عمدًا فقيمته، ولا يصح عفو عنها، وقوَدًا بطل الوقف لا إن قُطع.
ويتلقَّاه كل بطن عن واقفه.
. . . .
حرًّا، والذي يظهر أن ولده يكون وقفا في حال الاشتراط؛ لأنه لا يشترط إلا على الواقف، وهو لا يملك الاعتاق.
- قوله: (وتعتق بموته)؛ أيْ: الأمة التي وطئها الموقوف عليه وأتت منه بولد.
- قوله: (ويتلقاه كل بطن عن واقفه) مقتضى قوله: (ويتلقاه كل بطن عن واقفه)؛ يعني: لا عمَّن هو أعلا منه نقض القسمة فيما إذا وقف على أولاده زيد وعمرو وبكر، ثم على أولادهم، ثم قال 46: على أنَّ من مات منهم وترك ولدًا انتقل نصيبه له، وإن لم يترك ولدًا انتقل نصيبه لمن في درجته، ومات زيد عن ولد، وعمرو عن غير ولد، وبكر عن ولد، وقلنا: ينتقل نصيب زيد لولده ونصيب عمرو لأخيه الباقي وهو بكر، ونصيب بكر لولده، وهو ثلثا الوقف، إذ حيث كان التلقي عن الواقف، فلا وجه للتفضيل، ويزداد الأمر إشكالًا فيما إذا كان المتخلف [في هذه المسألة] 47 عن بكر الذي مات آخرًا بنتًا، وكان قد قال في شرطه: على أن للذكر
الجزء: 3 - الصفحة: 483
فإذا امتنع البطن الأول من اليمين مع شاهد لثبوت الوقف فلِمن بعدهم الحلف، وأرش جناية وقف على غير معيَّن خطأً في كسبه.
مثل حظ الأنثيين، فإنها لو أخذت ثلثا الوقف، وابن عمها ثلثه، لكان مخالفًا للشرط والحكم المذكورَين، فحرر المقام!، فإن المحشِّي 48 فيما يأتي لم ينقل نقض القسمة إلا عن الخصاف 49 من الحنفية 50 وابن السبكي من الشافعية 51، ونقل عن ابن نصر اللَّه 52 أن عدم النقض هو الصواب، وأنه ردَّ كلام المخالفين المذكورين.
- قوله: (فإذا امتنع البطن الأول)؛ أيْ: حال استحقاقهم، شرح 53.
- قوله: (فلمن بعدهم)؛ أيْ: ممن يؤول إليه الوقف إذن، شارح 54.
- قوله: (في كسبه)؛ أيْ: كسب العبد الموقوف الجاني خطأ، كذا في
الجزء: 3 - الصفحة: 484
3 - فصل
ويُرجع إلى شرط واقف، ومثله استثناء، ومُخَصَّص من صفة، وعطف بيان، وتوكيد، وبدلٍ ونحوه، وجارٍّ، نحو: "على أنه" و"بشرط أنه" ونحوه، فلو تعقَّب جُملًا عاد إلى الكل، وفي عدم إيجاره، أو قدر مدته.
شرحه (1)، ومنه تعلم أن قوله: (أرش جناية) مبتدأ، وقوله: (خطأ) (2) إما حال أو مفعول مطلق، وهو أظهر، والخبر قوله: (في كسبه).
فصل
- قوله: (ونحوه) كتقدم الخبر، بأن قال: وقفت داري على أولادي، والساكن منهم عند حاجته بلا أجرة فلان، شرح 57.
- قوله: (عاد إلى الكل) قال الشيخ تقي الدين 58: "وعموم كلامهم لا فرق بين العطف بواو أو فاء أو ثم"، حاشية 59.
- قوله: (أو قدر مدته)؛ أيْ: لا يجوز للناظر أن يخالف شرط الواقف، فإن خالف وفعل فالإجارة فيما زاد على شرطه باطلة، إلا إذا تعطل، وإن لم يمكن الإيجار إلا بها جاز له إجارتها زائدة على شرط الواقف، إذا كانت المصلحة لجهة الوقف.5556
الجزء: 3 - الصفحة: 485
وفي قسمته، وتقديم بعض أهله كـ: "على زيد وعمرو وبكر" -ويُبدأ بالدفع إلى زيد-، أو "على طائفة كذا"، ويُبدأ الأصلح ونحوه، وتأخيرٍ، عكسه، وترتيبٍ؛ كجعل استحقاق بطن مرتبًا على آخر، فـ: "التقديم" بقاء الاستحقاق للمؤَخَّر، على صفة: أنه له ما فضل وإلا سقط، و"الترتيب": عدمه مع وجود المقدَّم.
وفي إخراج من شاء من أهل الوقف أو بصفة، وإدخال من شاء منهم، أو بصفة، لا إدخال من شاء من غيرهم، كشرطه تغيير شرط، وفي ناظره، وإنفاق عليه، وسائر أحواله كـ: "أن لا ينزل فيه فاسق، ولا شرير.
. . . .
فإن قصد بذلك منفعة الوقف، وبه أفتى ابن رزين من أصحابنا 60، ونقل عن أصحاب الشافعي -رحمه اللَّه تعالى- نحو ذلك 61 -واللَّه أعلم- كذا بهامش المستوعب، فليحرر! 62.
- قوله: (وفي قسمته)؛ أيْ: من كونه متفاضلًا أو غير متفاضل، كقوله: للذكر مثل حظ الأنثيَين، أو بالسوية.
- قوله: (وغيره)؛ أيْ: نظر غيره لحاكم.
الجزء: 3 - الصفحة: 486
ولا مُتَجَوِّه ونحوه".
وإن خصّص مقبرة أو رباطًا أو مدرسة أو إمامتها بأهل مذهب، أو بلد، أو قبيلة -تخصَّصت-، لا المصلين بها ولا الإمامة بذي مذهب مخالف لظاهر السنة، ولو جُهل شرطه عُمل بعادة جارية، ثم عُرف، ثم التساوي.
فإن لم يَشْرِط ناظرًا فلموقوف عليه المحصور كلٍّ على حصته، وغيره -كعلى مسجد ونحوه- لحاكم.
ومن أطلق النظر للححم شمل أيّ حاكم كان، سواءٌ أكان مذهبه مذهب حاكم البلد زمن الواقف، أم لا.
ولو فوَّضه حاكم لم يجُز لآخر نقضُه.
. . . .
* قوله: (ونحوه) كعلى المساكين.
- قوله: (لم يجُز لآخر نقضه)؛ أيْ: بأن كان المفوض إليه له النظر دون الحاكم، وعليه فلا معارضة بين هذا وما يأتي 63 في قوله: (ولناظر بأصالة كموقوف عليه وحاكم نصب وعزل.
. . إلى آخره) قاله شيخنا 64، فليحرر!.
قال شيخنا 65: "أو يحمل التفويض على جعل النظر لغيره على وجه الاستقلال بالنظر والنصب على معنى الجعل لغيره على وجه التصرف عنه، لا على وجه الاستقلال، وحينئذٍ فلا تنافي بين ما في المحلَّين".
الجزء: 3 - الصفحة: 487
ولو ولَّى كلٌّ منهما شخصًا، قَدَّم ولي الأمر أحقهما.
4 - فصل
وشرط في ناظر: إسلام، وتكليف، وكفاية لتصرف.
. . . .
* قوله: (كل منهما)؛ أيْ: الحاكمَين.
- قوله: (قدم ولي الأمر) وهو السلطان.
فصل
- قوله: (وشرط في ناظر إسلام)؛ أيْ: إن كان الموقوف عليه مسلمًا أو جهة للمسلمين، كما نص عليه الشمس الفارضي 66، وسبقه إلى ذلك ابن عبد الهادي 67 68 أخذًا مما نصوا عليه في الوصية 69، ويؤخذ من كلام المصنف في شرحه 70 أنه
الجزء: 3 - الصفحة: 488
وخبرة به، وقوة عليه، ويُضم لضعيف قوي أمين.
وفي أجنبي -ولايته من حاكم أو ناظر- عدالة، فإن فسق عُزل، ومن واقف -وهو فاسق.
. . . .
مقتضى كلام المغني 71.
- قوله: (وخبرة به وقوة عليه) انظر هل المراد من الكفاية ما يعمهما فيكون من قبيل عطف المفصل على المجمل، أو المراد بالكفاية ما يغاير كلًّا منهما؟ وينبغي تحريره.
وقد يفرق بحمل الكفاية في التصرف على ما إذا كان يمكنه ضبط أشتات الوقف وحده من غير معيَّن، فقد يكون الوقف متسع الإيراد والمصرف بحيث لا يكفي فيه الواحد، وإن كان قويًّا في نفسه خبيرًا بما هو مولَّى عليه، والخبرة العلم، وهي مغايرة لما ذكرناه قطعًا، والقوة إما بمعنى الشوكة والسلطنة، وإما بمعنى قوة البنية 72، إذ من لا شوكة له يتمكن بها على استخلاص الريع لصرفه في مصارفه لا يصلح للنظر، وكذا الضعيف القوي العاجز عما ذكر، وهذا أيضًا بمعنيَيه مغاير لكل من سابقَيه 73. - قوله: (ولايته من حاكم) صفة لـ (أجنبي).
- قوله: (عدالة) بالرفع نائب فاعل (شُرِطَ) باعتبار العطف.
- وقوله: (من واقف) عطف على قوله: (وفي أجنبي).
- وقوله: (وهو فاسق) الجملة حال معترض بها، كما جوزه ابن هشام في
الجزء: 3 - الصفحة: 489
أو فَسَق- يُضم إليه أمين.
وإن كان لموقوف عليه -بجعله له، أو لكونه أحق بعدم غيره- فهو أحق مطلقًا، ولو شرطه واقف لغيره لم يصح عزله بلا شرط، وإن شرطه لنفسه، ثم جعله لغيره، أو أسنده أو فوَّضه إليه، فله عزله.
ولناظر بأصالة كموقوف عليه وحاكم.
. . . .
بعض تعاليقه على الألفية 74.
- وقوله: (أو فسق) عطف على الحال، فهو حال بإضمار "قد".
- وقوله: (يضم إليه أمين) في موضع نائب فاعل (شُرِط)، وفي كلامه العطف على معمولَي عاملَين مختلفَين وإيقاع نائب الفاعل جملة والثاني لا يجوز 75، والأول مختلف فيه 76. وبخطه 77: على قوله: (يضم إليه أمين) مقتضى الظاهر: ضم أمين؛ لأن نائب الفاعل لا يكون جملة.
- قوله: (ولو شرطه واقف لغيره)؛ أيْ: لغير نفس الواقف.
- قوله: (فله عزله)؛ لأنه وكيله في هذه الحالة.
- قوله: (كموقوف عليه)؛ أيْ: فيما إذا كان وقفًا على معيَّن.
- قوله: (وحاكم)؛ أيْ: فيما إذا كان الوقف على غير معيَّن، أو على جهة.
الجزء: 3 - الصفحة: 490
نصب وعزل لا ناظرٍ بشرط، ولا يوصي به بلا شرط، ولو أُسند لاثنَين لم يصح تصرف أحدهما بلا شرط، وإن شرط لكلٍّ منهما.
. . . .
* قوله: (نَصب وعزل) قال ابن نصر اللَّه في حواشي الفروع 78: "أيْ: نصب وكيل عنه وعزله"، انتهى.
- قوله: (لا ناظر بشرط)؛ يعني: فليس له نصب ولا عزل.
قال شيخنا 79: ولعل المراد أنه ليس له النصب إلا فيما يعجزه، أو لا يتمكن من تولية بنفسه -كما تقدم 80 -. بقي ما إذا أسقط حقه من النظر بالمرة لغيره، فهل له ذلك، أو لا؟؛ لأنه إدخال في الوقف لغير أهله فلم يملكه، ويكون حقه باقيًا، وإذا أصرَّ في هذه الحالة على عدم التصرف انتقل إلى من يليه كما لو عزل نفسه، فإن لم يكن من يليه أقام الحاكم مقامه، كما لو مات.
قال شيخنا في الثاني: "هذا ما ظهر لي، ولم أره مسطورًا، وقد عمَّت البلوى بهذه المسألة"، انتهى، راجع شرح شيخنا على الإقناع 81. - قوله: (ولو أسند لاثنيَن.
. . إلخ)؛ أيْ: جعل النظر لهما على جهة الاجتماع على جميع الوقف.
أما إن كانا موقوفًا عليهما معينَين وجعله لهما نظرًا واستحقاقًا كان لكل منهما أن ينفرد بالتصرف في مقدار حصته، فليس هذا مخالفًا لما سبق، فتدبر!.
الجزء: 3 - الصفحة: 491
أو التصرف لواحد واليد لآخر، أو عمارته لواحد وتحصيل ريعه لآخر: صحَّ، ولا نظر لحاكم مع ناظر خاص، لكن له النظر العام، فيعترض عليه إن فعل ما لا يسوغ، وله ضم أمين مع تفريطه أو تهمته ليحصل المقصود، ولا اعتراض لأهل الوقف على أمين، ولهم المطالبة بانفساخ كتاب الوقف.
وللناظر الاستدانة عليه -بلا إذن حكم- لمصلحة كشرائه للوقف نسيئة، أو بنقد لم يُعيِّنه، وعليه نصب مستوفٍ للعمال المتفرقين إن احتيج إليه، أو لم تَتِمَّ مصلحة إلا به.
5 - فصل
ووظيفته حفظ وقف وعمارته، وإيجاره، وزرعه، ومخاصمة فيه، وتحصيل ريعه من أجرة أو زرع أو ثمر، والاجتهاد في تَنْمِيَتِه، وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح إعطاء مستحِق ونحوه، وله وضع يده عليه، والتقرير في وظائفه.
. . . .
* قوله: (صحَّ)؛ أيْ: الشرط المذكور.
فصل
- قوله: (والتقرير في وظائفه) قال ابن نصر اللَّه 82: "هذا يشمل بإطلاقه الناظر بشرط الواقف، والناظر بالأصالة كالحاكم والمستحق"، انتهى.
الجزء: 3 - الصفحة: 492
ومن قُرِّر على وفق الشرع حَرُمَ صرفه بلا موجب شرعي، ولو أجّره بأنقص: صحَّ وضمن النقص.
أقول: وظاهر الإطلاق أيضًا سواء نص الواقف على أن 83 التقرير، له أو لا بل يستفيده بمقتضى النظارة.
وبخطه: لكن لا يقرر نفسه في شيء من وظائفه، وكذا لا يجوز مع كونه ناظرًا أن يكون شاهد الوقف ولا مباشرًا فيه ولا أن يتصرف بغير مسوغ شرعي، أفتى بكل ذلك ابن المص 84، ووافقه من حنفية عصره النور المقدسي 85 86، ومن شافعيته الشمس الرملي 87.
- قوله: (بلا موجب شرعي) بكسر الجيم؛ أيْ: مقتضٍ، والفتح ليس مناسبًا هنا، إذ هو بمعنى الأثر المترتب على الشيء.
- قوله: (وضمن النقص)؛ أيْ: الفاحش الذي لا يتغابن به عادة، كما صرح به في الإقناع 88 وتبعه عليه شيخنا في شرحه لهذا الكتاب 89، أما ما يتغابن؛ أيْ:
الجزء: 3 - الصفحة: 493
المنقِّح 90: "أو غرس أو بنى فيما هو وقف عليه وحده، فهو له محترم، وإن كان شريكًا، أو له النظر فقط، فغير محترم، ويتوجه إن أشهد، وإلا فللوقف".
ويُنْفقُ على ذي روح مما عيَّن واقف.
. . . .
يتسامح فيه عادة فإنه غير مضمون عليه.
- قوله: (أو غرس) صوابه "لو" وعبارة التنقيح 91: "قلت: لو غرس أو بنى فيما هو وقف عليه وحده فهو له محترم".
- قوله: (ويتوجه) هذا بحث لصاحب الفروع 92، وكذا (يتوجه) الآتي أدرجه المنقِّح 93 في كلامه من غير عزو فأوهم أنه له.
- وقوله: (وإلا فللوقف) يؤخذ منه أن الوقف يحصل بمجرد الفعل من غير نية، فتدبر!.
- قوله: (أجنبي) المراد بالأجنبي غير المستحق والناظر.
- قوله: (بنيته) هذا آخر كلام المنقِّح 94. وبخطه: لعل الباء للمصاحبة، أيْ: مع النية، فتكون الوقفية حصلت بالفعل مع النية.
- قوله: (في عين) لعل المراد عين لا تحتاج إلى نفقة.
الجزء: 3 - الصفحة: 494
فإن لم يعيِّن فمن غلَّته، فإن لم يكن فعلى موقوف عليه معيَّن، فإن تعذر بيع، وصُرف ثمنه في مثله يكون وقفًا لمحل الضرورة، فإن أمكن إيجاره -كعبد، أو فرس- أُوجِرَ بقدر نفقته، ونفقة ما على غير معين -كالفقراء ونحوهم- من بيت المال، فإن تعذر بِيْعَ كما تقدم.
وإن كان عقارًا لم تجب عمارته بلا شرط.
. . . .
* قوله: (تكون وقفًا)؛ أيْ: بمجرد الشراء، وهل يقال: الأحوط وقفه أخذًا من قول المصنف الآتي آخر الباب 95: (وبمجرد شراء البدل يصير وقفًا، كالبدل أضحية ورهن أتلف والاحتياط وقفه)، انتهى.
- قوله: (لمحل الضرورة)؛ أيْ: لدعاء الضرورة إلى ذلك، ومحله ما لم يمكن 96 إيجاره والصرف من أجرته عليه، كما نبه عليه المصنف بقوله: (فإن أمكن إيجاره.
. . إلخ). - قوله: (لم تجب عمارته) الأظهر في هذه المسألة كلام الشيخ تقي الدين -رحمه اللَّه تعالى 97 -. والأظهر أيضًا أن محل الخلاف في غير المساجد والمدارس، أما هذه فتجب عمارتها مطلقًا شرطها الواقف أو لم يشرطها 98.
الجزء: 3 - الصفحة: 495
فإن شرطها عُمل به مطلقًا، ومع إطلاقها تُقدَّم على أرباب الوظائف، المنقِّح (1) "ما لم يُفض إلى تعطيل مصالحه، فيُجمع بينهما حسب الإمكان".
ولو احتاج خَانٌ مسبل، أو دار موقوفة لسُكنى حاجٍّ أو غزاة ونحوهم -إلى مَرَمَّة- أُوجرَ منه بقدر ذلك.
وتسجيل كتاب الوقف من الوقف.
6 - فصل
وإن وُقف على عدد معين ثم المسكين، فمات بعضهم رُدَّ نصيبه على من بقي، فلو مات الكل فللمساكين، وإن لم يُذكر له مآل فمن مات منهم صُرف نصيبه إلى الباقي، ثم إن ماتوا جميعًا صُرف مَصْرِف المنقطع.
وعلى ولده أو ولد غيره ثم المساكين -دخل الموجودون فقط.
. . . .
* قوله: (مطلقًا)؛ أيْ: على حسب ما شرط (2)، وهذا الإطلاق ليس في مقابلة تقييد سابق، ولا لاحق مع أن القاعدة فيه ذلك، فتدبر!.
فصل
- قوله: (صرف مصرف المنقطع)؛ أيْ: لورثة الواقف نسبًا على قدر إرثهم، فإن عدموا فللمساكين.99100
الجزء: 3 - الصفحة: 496
الذكور والإناث بالسوية، وولد البنين وُجدوا حالة الوقف أو لا، كوصية، ويستحقونه مُرَتَّبًا كـ: "بطن بعد بطن"، ولا يدخل ولد البنات، وعلى عقبه، أو نَسْلِه، أو ولد ولده، أو ذريته -لم يدخل ولد بناتٍ إلا بقرينة، كـ: "من مات فنصيبه لولده" ونحوه.
* قوله: (الذكور والإناث بالسوية)؛ أيْ: الذكر والأنثى في ذلك سواء قال في الإقناع 101: "والمستحب أن يقسم الوقف على أولاده للذكر مثل حظ 102 الأنثى، واختار الموفق 103 مثل حظ الأنثيَين" وذكر أيضًا ما تنبغي مراجعته، فانظره، وذكره المصنف كونه مستحبًا في باب الهبة 104 حيث قال: (وسُن أن لا يزاد على أنثى في وقف)، انتهى 105.
- قوله: (وولد البنين)؛ أيْ: ودخل.
. . إلخ. - قوله: (وجدوا.
. . إلخ)؛ أيْ: أولاد البنين لا نفس البنين، ويدل على ذلك شيئان: الأول: أنه قال: (كوصية)، وقال في شرحه 106 عند ذلك: "كوصية لولد فلان ولم يوجد لفلان ولد إلا بعد الوصية وقبل موت الموصي، أما إذا لم يوجد له ولد إلا بعد موت الموصي فالوصية باطلة بغير خلاف، لعدم الموصى له عند موت
الجزء: 3 - الصفحة: 497
وعلى أولاده، ثم أولادهم، فترتيب جملة على مثلها، لا يستحق البطن الثاني شيئًا قبل انقراض الأول، فلو قال: "من مات عن ولد فنصيبه لولده" استحق كل ولد بعد أبيه نصيبه الأصلي والعائد.
وبالواو للاشتراك، و: "على أن نصيب من مات عن غير ولد، لمن في درجته"، والوقف مرتب، فهو لأهل البطن الذي هو منهم من أهل الوقف، وكذا إن كان مشتركًا بين البطون، فإن لم يوجد في درجته أحد فكما لو لم يُذكر الشرط، فيشترك الجميع في مسألة الاشتراك، ويختص الأعلى به.
. . . .
الموصي"، انتهى، ولو كان غرضه إرجاع الضمير للمضاف إليه لا للمضاف لقال: كوصية لولد زيد ولم يوجد زيد إلا بعد موت الموصي.
. . إلخ.
الثاني: قوله بعد ذلك: (ويستحقونه مرتبًا) فإنه لا يتأتى الترتيب في جانب الأولاد الذين 107 لم تدخل آباؤهم؛ لأنه أسلف أنه لا يدخل من أولاد الصلب إلا الموجود فقط دون الحادث.
- قوله: (وعلى أولاده ثم أولادهم.
. . إلخ) كأن 108 قال: بـ (ثم) فصحَّ أن يعطف عليه ما يأتي من قوله: (وبالواو للاشتراك) فهو معطوف على محذوف والقرينة عليه حسية. - قوله: (فلو قال.
. . إلخ) هذا ليس تمثيلًا لما قبله. - قوله: (في مسألة الاشتراك) وهو ما إذا كان العطف بالواو.
الجزء: 3 - الصفحة: 498
في مسألة الترتيب.
وإن كان على البطن الأول -على أن نصيب من مات منهم عن غير ولد، لمن في درجته- فكذلك.
فيستوي في ذلك كله إخوته، وبنو عمه، وبنو بني عمِّ أبيه، ونحوهم، إلا أن يقول: فيقدم الأقرب فالأقرب.
. . . .
* قوله: (في مسألة الترتيب) وهو 109 ما إذا كان العطف بـ "ثم".
- قوله: (فكذلك) هي عبارة التنقيح 110، ولعل الإشارة بذلك إلى ما تقدم في الترتيب، فيكون لأهل البطن الذي هو منهم من أهل الوقف.
فلو كان البطن الأول ثلاثة، فمات أحدهم عن ابن، ثم الثاني عن ابنَين، ثم أحدهما عن أخيه وابن عمه الميت وابن لعمه الحي، فنصيبه لأخيه وابن عمه الميت، ولا شيء لابن عمه الحي، ولا لأبيه منه، حاشية 111. - قوله: (ونحوهم) كبني بني عم أبي 112 أبيه؛ لأنهم في درجته في القرب إلى الجد الذي يجمعهم، والإطلاق يقتضي التسوية، شرح 113.
- قوله: (إلا أن يقول يقدم الأقرب فالأقرب)؛ أيْ: في الدرجة لا في قوة العصبية، بدليل قوله: (إلى المتوفى) فلا يقدم الأخ الشقيق على الأخ للأب فقط،
الجزء: 3 - الصفحة: 499
إلى المتوفَّى" ونحوه، فيختص بالأقرب.
وليس من الدرجة من هو أعلى أو أنزل.
والحادث من أهل الدرجة -بعد موت الآيل نصيبه إليهم-.
. . . .
لكن هذا يخالف ما يأتي في الوصية 114، إلا أن يفرق بأن الوقف يتلقى من قبل الواقف، فشمل جميع أولاده وإن اختلفت أمهاتهم، بخلاف الوصية فإن المرجع فيها إلى القوة العصبية لكونهم ليسوا أولاده، وأيضًا كثيرًا ما يذهب بها مذاهب الإرث.
- قوله: (فيختص بالأقرب)؛ أيْ: من أهل الوقف.
- قوله: (والحادث.
. . إلخ) قال شيخنا 115: "لعل المراد بالحادث من تجدد استحقاقه لوجود أو زوال مانع، فيشمل من كان موجودًا حالة الموت، لكن كان محجوبًا بغيره، ويتجه أو كان دينه مباينًا لدين الواقف حالة الوقف، ثم زال الحاجب أو المانع بعده".
و"ال" في (الحادث) للجنس أو موصولة بمعنى الذي حدث، وعلى كل فيصدق بالواحد والمتعدد، فصلح قوله: (كالموجودين).
وبخطه: -رحمه اللَّه تعالى-: هذا كان ينبغي تأخيره عن قوله الآتي 116: "ويصح على ولده ومن يولد له"؛ لأن تعلقه موقوف على العلم بصحة ذلك التعميم.
الجزء: 3 - الصفحة: 500
كالموجودين حينه، فشاركهم، وعلى هذا لو حدث من هو أعلى من الموجودين، وشُرط استحقاق الأعلى فالأعلى أخذه منهم.
و: "على ولدي فلان وفلان، وعلى ولد ولدي" -وله ثلاثة بنين- كان على المسَمَّيَين وأولادهما وأولاد الثالث دونه، و: "على زيد، وإذا انقرض أولاده فعلى المساكين"، كان بعد موت زيد لأولاده.
. . . .
* قوله: (حينه)؛ أيْ: حين الموت.
- قوله: (أخده منهم) فلو وقف على أولاده ومن سيولد له ثم على أولادهم أبدًا، فمات أولاده وانتقل لأولادهم، ثم حدث له ولو انتزعه من أولاد إخوته واختص به لعلو درجته عنهم 117، حاشية 118.
- قوله: (وعلى ولدي)؛ أيْ: بلفظ الإفراد.
- قوله: (فلان وفلان) بالرفع وجوبًا نص عليه ابن مالك في التسهيل 119 وابن هشام في الجامع 120 من أن البدل إذا لم يوف [وجب الرفع على القطع] 121.
- قوله: (دونه) بقي ما لو قال في هذه المسألة على أن من مات عن غير ولد فنصيبه لأقرب الناس إليه، ومات ابن الثالث عن أبيه، فهل يستحق الوقف، أو لا حملًا على أن المراد أقرب الناس إليه من أهل الوقف، بدليل المسألة السابقة جمعًا بين أول كلام الواقف وآخره؟.
الجزء: 3 - الصفحة: 501
ثم بعدهم للمسكين 122، و: "على أولادي، ثم أولادهم الذكور والإناث، ثم أولادهم الذكور من ولد الظهر فقط، ثم نسلهم وعَقِبِهم، ثم الفقراء، على أن من مات منهم وترك ولدًا -وإن سَفَل- فنصيبه له"، فمات أحد الطبقة الأولى، وترك بنتًا، ثم ماتت عن ولد، فله ما استحقته قبل موتها، ولو قال: "ومن مات عن غير ولد -وإن سفل- فنصيبه لإخوته، ثم نسلهم وعقبِهم"، عمَّ من لم يُعْقِب، ومن أعْقَب ثم انقطع عقِبه.
وبقي أيضًا لو قال في هذه المسألة على أن من مات عن غير ولو انتقل نصيبه لمن في درجته وذوي 123 طبقته، ومات واحد من المسميَين فهل يختص بنصيبه أخُوه المشارك له في الوقف، أو يدخل معه أخُوه الذي ليس من أهل الوقف؟ الظاهر الأول، بدليل قول المصنف السابق: (وعلى أن نصيب من مات عن غير ولد لمن في درجته والوقف مرتب فهو لأهل البطن الذي هو منهم من أهل الوقف) فيكون قوله: (من أهل الوقف) ملاحظًا في كلام الواقف وإن لم يصرح به، كما نبهنا عليه بهامش شرح شيخنا 124.
- قوله: (فله ما استحقه.
. . إلخ) قاله الشيخ تقي الدين 125. قال في الفروع 126: "فيه نظر، فإن الواقف اشترط في أهل الطبقة الثالثة أن يكونوا من أولاد الظهور فقط، وابن البنت من أولاد البطون فالحكم باستحقاقه
الجزء: 3 - الصفحة: 502
ويصح على ولده ومن يولَد له، وعلى بنيه، أو بني فلان -فالذكور وإن كانوا قبيلة، دخل نساؤهم، دون أولادهن من غيرهم، وعلى عِتْرته 127 أو عشيرته كعلى 128 قبيلته، وعلى قرابته، أو قرابة زيد فللذكر والأنثى من أولاده، وأولاد أبيه وجدِّه وجدِّ أبيه، وعلى أهل بيته، أو قومه، أو نسائه، أو آله، أو أهله، كعلى قرابته، وعلى ذوي رحمه، فلكل قرابة له من جهة الآباء والأمهات والأولاد، و: على الأيامَى، أو العُزَّاب، فلِمن لا زوج له، من رجل وامرأة، و: الأرامل: النساء اللاتي فارقهن أزواجهن، وبِكر، وثيِّب، وعانس، وأُخُوَّة، وعُمُومة، لذكر وأثنى.
مخالف لصريح شرط الواقف".
قال شيخنا 129: "ويمكن الجواب بأن هذه قضية عين، وأن البنت كانت متزوجة بابن عمها، فأتت منه بولد، فذلك الولد يستحق نصيب أمه بعموم قول الواقف: على أن من مات منهم وترك ولدًا وإن سفل فنصيبه له، إذ "من" تشمل الذكور والإناث، ولم يخرجه اشتراط كون أهل الطبقة الثالثة من ولد الظهر 130؛ لأنه من ولد الظهر، إذ هو ابن ابن ابن وإن كان مع ذلك ابن بنت ابن، وحينئذٍ فيوافق كلام
الجزء: 3 - الصفحة: 503
وإن وقف أو وصَّى لأهل قريته، أو قرابته، أو إخوته ونحوهم لم يدخل من يخالف دينه إلا بقرينة، وعلى مواليه -وله من فوقٍ، ومن أسفلَ- تناول جميعهم، ومتى عُدم مواليه فلعصبتهم، ومن لم يكن له مولى فلِمَوالي عصبته.
وعلى جماعةٍ يمكن حصرهم وجب تعميمهم والتسوية بينهم، كما لو أقرَّ لهم، ولو أمكن ابتداءً.
. . . .
صاحب الفروع؛ لأنه إنما أراد بيان الحكم العام، لا النادر".
- قوله: (إلا بقرينة) كأن يكونوا 131 كلهم مخالفين لدينه، فيدخلون لئلا يؤدي إلى رفع اللفظ بالكلية، حاشية 132.
- قوله: (تناول جميعهم) هل المراد ولو كان فيهم أهل ذمة، أو كانوا أهل ذمة إلا واحدًا، أو يجري في هذه الخلاف في نظيرتها؟.
- قوله: (فلعصبتهم)؛ أيْ: المتعصبين بأنفسهم، كما هو ظاهر الإطلاق.
- قوله: (ومن لم يكن له)؛ أيْ: حالة الوقف، أما لو كانوا وانقرضوا فلا شيء لموالي عصبته في الوقف؛ لأن الاسم يتناول غيرهم، حاشية 133.
- قوله: (يمكن حصرهم) كبنيه وإخوته 134، حاشية 135.
الجزء: 3 - الصفحة: 504
ثم تعذَّر كوقف عليٍّ -رضي اللَّه تعالى عنه 136 - عُمِّم من أمكن 137، وسُوِّي بينهم، وإلا جاز التفضيل والاقتصار على واحد، إن كان ابتداؤه كذلك.
وعلى الفقراء أو المسكين يتناول الآخر، ولا يُدفع إلى واحد أكثر مما يُدفع إليه من زكاة إن كان على صنف من أصنافها، ومن وُجد فيه صفات استحق بها.
وما يأخذ الفقهاء منه كرَزْقٍ من بيت المال لا كجُعل ولا كأجرة.
. . . .
* قوله: (كذلك)؛ أيْ: يتعذر فيه التعميم كالوقف على المساكين.
- قوله: (ومن وجد فيه صفات استحق بها) كفقير هو ابن سبيل.
- قوله: (كرزق من بيت المال)؛ أيْ: فالغرض منها المعونة على دفع الحاجة، وليس كالجعل فنقول بتحريمه على الفعل الغير المتعدي نفعه كالذكر مثلًا، ولا كالإجارة فنقول بتحريمه على الفعل الذي يختص فاعله بكونه 138 من أهل القربة؛ أيْ: أن يكون مسلمًا.
- قوله: (لا كجعل ولا كأجرة) إشارة إلى ردِّ القولَين 139، واختيار الأول وهو
الجزء: 3 - الصفحة: 505
وعلى القرَّاء فللحفَّاظ، وعلى أهل الحديث، فلِمن عَرَفه.
. . . .
ما اختاره في التنقيح 140، وصاحب الفروع 141، والشيخ تقي الدين 142.
قال المصنف في الشرح 143: "وعلى الأقوال الثلاثة حيث كان الاستحقاق بشرط فلابد من وجوده -واللَّه أعلم-"، انتهى.
قال شيخنا 144 بعد نقله: "وهذا في الأوقاف الحقيقية، وأما الأوقاف التي من بيت المال كأوقاف السلاطين فيجوز لمن له الأخذ من بيت المال التناول منها وإن لم يباشر الشروط، كما أفتى به المصنف بالموافقة لبعض المعاصرين له كالشيخ الرملي الشافعي وغيره، والحادثة المفتى فيها كانت متعلقة بجامع طولون 145 146، وقد أوضحته في شرح الإقناع 147 ".
- قوله: (فلمن عرفه) ولو بحفظ أربعين حديثًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 506
وعلى العلماء فلِحَمَلة الشرع، وعلى سُبُل الخير فلِمن أخذ من زكاة لحاجة، ويشمل جمع مذكر سالم وضميره الأنثى، لا عكسه، ولجماعة أو لجمع من الأقرب إليه فثلاثة، ويُتَمَّم مما بعد الدرجة الأولى، ويشمل أهل الدرجة وإن كثُروا، ووصيَّة كوقف لكنها أعم.
7 - فصل
والوقف عقدٌ لازم.
. . . . .
* قوله: (لحاجة) كفقير ومسكين وابن سبيل.
- قوله: (ويشمل جمع.
. . إلخ)؛ أيْ: على سبيل التغليب كالمسلمين والمساكين. - قوله: (ولجماعة أو لجمع.
. . إلخ) بأن قال: وقفت هذا أو أوصيت به لجماعة أو لجمع من أقرب الناس إليَّ، فإن كان له ثلاثة أولاد أو أكثر انصرف إليهم، وإن كان له ولدان وأولاد أولاد تمت الثلاثة من أولاد الأولاد بالقرعة، وأعطيت ريع (1) الوقف؛ لأن الثلاثة أقل الجمع في أكثر الاستعمال. - قوله: (لكنها أعم) فتصح حيث لا يصح الوقف، كعلى حربي، ومرتد، وحمل يتحقق وجوده حالة الوصية -كما يأتي (2) -.
فصل
148149 الجزء: 3 - الصفحة: 507
لا يُفسخ بإقالة ولا غيرها، ولا يُباع إلا أن تتعطل منافعه المقصودة بخَرَاب، ولم يوجد ما يُعمَّر به، أو غيره -ولو مسجدًا بضيق على أهله أو خراب مَحَلَّته، أو حبيسًا لا يصلح لغزو- فيُباع ولو شُرط عدم بيعه، وشرطه فاسد، ويُصرف ثمنه في مثله أو بعض مثله.
ويصح بيع بعضه -لإصلاح باقيه- إن اتَّحد الواقف والجهة، إن كان عينَين أو عينًا ولم تنقص القيمة.
. . . .
* قوله: (ولم يوجد)؛ أيْ: في ريع الوقف.
- قوله: (فيباع)؛ أيْ: وجوبًا، وقيل: لا يباع 150. قال بعضهم 151: وهو جمود على اللفظ، فتدبر!.
- قوله: (ويصح بيع بعضه.
. . إلخ) قال الحارثي 152: "إلا المسجد".
وبخطه 153: لعله ما لم يمكن إجارة ذلك البعض لإصلاح باقيه، كما يؤخذ مما أسلفه المصنف 154 في مسألة الخان المسبل على الحاج أو الغزاة إذا احتاج إلى مرَمَّة، حيث قال: إنه يؤجر منه بقدر ذلك بل هذا أولى، ويؤخذ أيضًا من تعليل شيخنا 155 لصحة الإجارة فوق المدة التي شرطها الواقف إذا دعت الضرورة إلى ذلك حيث قال: "إذ هي؛ أيْ: الإجارة، أولى من بيعه"، انتهى، وهو قوي.
الجزء: 3 - الصفحة: 508
وإلا بِيع الكل، ولا يعمَّر وقف من آخر، وأفتى عُبادة بجواز عمارة وقف من ريع آخر، على جهته، المنقِّح 156: "وعليه العمل"، ويجوز نقض منارة مسجد وجعلها في حائطه، لتحصينه، واختصار آنية، وإنفاق الفضل على الإصلاح، ويبيعه حاكم إن كان على سُبُل الخيرات، وإلا فناظر خاص، والأحوط إذن حاكم له.
وبمجرَّد شراء البدل يصير وقفًا، كبدل أضحية ورهن أُتلف، والاحتياط وقفُه، وفَضْلُ غلَّة موقوف على معيَّن -استحقاقه مُقَدَّر- يتعيَّن إرْصَادُه.
ومن وقف على ثغْر، فاختلَّ صُرف في ثغر مثله، وعلى قياسه مسجد ورباط ونحوهما، ونصَّ فيمن وقف على قنطرة فانحرف الماء.
. . . .
* قوله: (وأفتى عُبَادة) من أئمة أصحابنا 157.
- قوله: (لتحصينه) من الكلاب وغيرها.
- قوله: (والأحوط.
. . إلخ) انظر هذا مع قوله فيما سبق "ولا نظر لحاكم مع ناظر خاص" ويؤخذ من كلام شيخنا الجواب بأنه يتضمن النظر في مال الغائب، وهو لا ينظر فيه إلا الحاكم، فإنه قال في شرحه 158: "لأنه يتضمن البيع على من سينتقل إليهم بعد الموجودين الآن، أشبه البيع على الغائب"، انتهى. - قوله: (يتعين إرصاده)؛ أيْ: حفظه وإبقاؤه.
الجزء: 3 - الصفحة: 509
"يُرصَد لعله يرجع 159 "، وما فضل عن حاجته -من حُصُر وزيت ومُغَلٍّ وأنقاض وآلة وثمنها- يجوز صرفه في مثله، وإلى فقير.
ويحرم حفر بئر، وغرس شجرة بمسجد، فإن فُعل طُمَّت وقُلعت، فإن لم تُقلع فثمرها لمساكينه، وإن غُرست قبل بنائه، ووُقِفت معه فإن عُيِّن مصرفها عُمل به، وإلا فكمنقطع.
ويجوز رفع مسجد أراد أكثر أهله ذلك، وجعل سُفلِه سقاية وحوانيت، لا نقله مع إمكان عمارته دون الأولى، ولا تحليته بذهب أو فضة.
* قوله: (ويحرم حفر بئر) ولو لمصلحة عامة.
- قوله: (لا نقله.
. . إلخ) ظاهره ولو كان بقرية أهلها غير محتاجين إليه، وقال ابن رجب 160 ما نصه: "ويجوز في أظهر الروايتَين عن أحمد 161 أن يباع ذلك المسجد ويُعَمَّر بثمنه مسجد 162 آخر في قرية أخرى إذا لم يحتج إليه في القرية الأولى، والوقف على قوم بعينهم أحق بجواز نقله إلى مدينتهم من المسجد".
وبخطه: قال الحارثي 163: "وما عدا المسجد من الأوقاف يباع بعضه لإصلاح ما بقي"، انتهى، وهو مخالف لما استظهره ابن رجب 164.
الجزء: 3 - الصفحة: 510
1 - باب
الهِبَة:
تمليكُ جائز التصرف مالًا معلومًا أو مجهولًا تعذر علمه، موجودًا مقدورًا على تسليمه، غير واجب -في الحياة- بلا عوض، بما يُعدُّ هبة عُرفًا.
فمن قصد بإعطاء ثواب الآخرة فقط فصدقةٌ.
. . . .
باب الهبة
- قوله: (تمليك جائز التصرف) هو مصدر مضاف لفاعله، ولا تعرض فيه للموهوب له، ولا يجوز أن يكون من قبيل إضافته إلى فاعله ومفعوله معًا كما جوَّزه القاضي البيضاوي (1) في نظيره، وهو قوله -تعالى-: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: 78]، حيث قال: "أيْ: الحاكمين والمتحاكمين"، وإلا كان مقتضيًا لعدم صحتها للصغير والمجنون وليس كذلك -كما سيأتي (2) -.
- قوله: (غير واجب) هو من قبيل النعت السببي؛ أيْ: غير واجب بذله إذ الأحكام إنما تتعلق بفعل المكلف دون الذوات والأموال أنفسها.
- قوله: (عرفًا) كإرسال الهدية، ودفع درهم لفقير.
- قوله: (فمن قصد.
. . إلخ) لعله من قبيل عطف الم
فصل
على المجمل؛165166
الجزء: 3 - الصفحة: 511
وإكرامًا 167 أو تودُّدًا ونحوه فهديَّة، وإلا فهبة وعطية ونِحلة، ويعُمُّ جميعها لفظ العطية، وقد يراد بعطية: الهبة في مرض الموت.
. . . .
لأن التفريع غير ظاهر والاستئناف بالفاء 168 قليل، والمجمل المعطوف عليه محذوف تقديره، والتمليك المذكور أقسام، فإن قصد المملك.
. . إلخ.
- قوله: (ويعم جميعها لفظ العطية) إن أراد أن للعطية إطلاقات ثلاثة، إطلاق عام، وهو هذا، وإطلاق خاص، وهو ما سبق، وإطلاق أخص، وهو ما سيأتي 169 فواضح، وإلا ففي عبارته ركاكة لا تخفى، ويدل لكونها تطلق إطلاقًا عامًّا عبارة المغني 170 ولفظها بعد حكاية كلام الخرقي: "وجملة ذلك أن الهبة، والصدقة، والعطية، والهدية معانيها متقارية، وكلها تمليك في الحياة بغير عوض، واسم العطية شامل لجميعها"، انتهى.
لكن في كلام صاحب المطلع 171 ما يقتضي عدم إرادة هذا الإطلاق لهم وعبارته: "قال الإمام أبو زكريا يحيى النووي 172 فيما أجاز لنا روايته عنه، الهبة، والهدية، وصدقة التطوع أنواع من البرِّ متقاربة يجمعها تمليك عين بلا عوض، فإن تمحض طلب التقريب إلى اللَّه تعالى بإعطاء محتاج فصدقة، وإن حملت إلى مكان المهدي إليه إعظامًا له وإكرامًا وتوددًا فهدية، وإلا فهبة، وأما العطية فقال
الجزء: 3 - الصفحة: 512
ومن أَهدى ليُهدى له أكثر فلا بأس به لغير النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ووعاء هديَّة كَهْي مع عُرف، وكُره ردُّ هبة وإن قلَّت، ويُكافئ أو يدعو، إلا إذا علم أنه أهدى حياءً فيجب الردُّ.
وإن شُرط فيها عوض معلوم صارت بيعًا، وأن شُرط ثواب مجهول: لم يصح، وإن اختلفا في شرط عوض فقول منكر.
. . . .
الجوهري 173: الشيء المعطى، والجمع عطايا والعطية هنا الهبة في مرض الموت"، انتهى.
والذي يؤخذ من صدر 174 عبارة المصنف أن بين الصدقة والهبة تباينًا كليًا، وإن كانت الهدية أعم ما صدقا، وأن بين الهدية وسابقَيها تباينًا كليًا أيضًا، وأن الهبة والعطية مترادفان فتكون العطية مباينة لما تباينه الهبة، فكيف يحكم بعد ذلك بأن لفظ العطية يعم جميعها.
- قوله: (لغير النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-) الأظهر في المعنى المراد أن يقال: في غير النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 175.
- قوله: (مع عرف) فإن لم يكن عرف ردَّه.
- قوله: (لم تصح) وحكمها حينئذٍ حكم البيع الفاسد.
- قوله: (فقول منكر) قال شيخنا 176: في غضون كلام له: "لأن الهبة المطلقة
الجزء: 3 - الصفحة: 513
وفي: "وهبتني ما بيدي"، فقال: "بل بعتُكَه" ولا بيِّنة يحلف كلٌّ على ما أنكر، ولا هبة ولا بيع.
وتصح وتُملك بعقد -فيصح تصرف قبل قبض- وبمعاطاة بفعل فتجهيز بنته بجهاز إلى بيت زوجٍ تمليك.
وهي -في تراخي قَبولٍ، وتقدمه وغيرهما- كبيع، وقبول هنا وفي وصية بقول وفعل دالٍّ على الرضا، وقبضهما كمبيع.
. . . .
لا تقتضي عوضًا، سواء كانت لمثله أو دونه أو أعلى منه".
- قوله: (وتصح وتملك بعقد) وقيل: بقبض 177، وهو الأقوى في النظر وقال في الشرح الكبير 178: "إنه المذهب"، والثالث: أنه موقوف على القبض 179، وعلى القول الذي مشى عليه المصنف إذا باعها الموهوب له قبل القبض ثم رجع الواهب لا يملك استرجاع العين من مشتريها، بل يرجع ببدلها أو قيمتها، ولا يرجع بنمائها؛ لأنه تجدد على ملك غيره، وعلى القولَين الأخيرَين يتبين أن التصرف باطل فيرجع بالعين مع نمائها المتصل والمنفصل، فتدبر!.
- قوله: (هنا وفي وصية.
. . إلخ) وكذا البيع على ما سبق 180، فالتقييد لا وجه له.
الجزء: 3 - الصفحة: 514
ولا يصح إلا بإذن واهبٍ، وله الرجوع قبله، وتبطل 181 بموت أحدهما، وإن مات واهب فوارثه مقامه في إذنٍ ورجوع، وتلزم بقبض، كبعقد فيما بيد متَّهب، ولا يُحتاج لمضي زمن يتأتى قبضه فيه، وتبطل بموت متَّهب قبل قبض، فلو أنفذها واهب مع رسوله ثم مات 182 أو موهوب له قبل وصولها بطُلت، لا إن كانت مع رسول موهوب له.
. . . . .
وبخطه: انظر هل في مسألة الجهاز قبول بقول أو فعل، تدبر! 183.
- قوله: (ولا يصح)؛ أيْ: القبض.
- قوله: (وله الرجوع)؛ أيْ: في الإذن.
- قوله: (قبله)؛ أيْ: القبض.
- قوله: (ويبطل)؛ أيْ: إذن الواهب في قبض الهبة.
- قوله: (فوارثه مقامه في إذن)؛ أيْ: بقبض الهبة.
- قوله: (ورجوع)؛ أيْ: عن قبض الهبة.
- قوله: (وتلزم بقبض)؛ أيْ: الهبة فليس لواهب بعد ذلك رجوع فيها.
- قوله: (بطُلت) لعدم تمام العقد إذ لم يوجد قبول.
الجزء: 3 - الصفحة: 515
ولا تصح لحمل، ويَقْبل ويَقْبِض لصغير ومجنون وليٌّ، فإن وهب وكَّل من يَقْبل ويَقْبِض هو، ولا يحتاج أب وهب موليه لصغر إلى توكيل.
ومن أبرأ من دينه أو وهبه لمدينه، أو أحلَّه منه، أو أسقطه عنه، أو تركه أو ملَّكه له، أو تصدَّق به عليه، أو عفا عنه: صحَّ لو قبل حلوله، أو اعتقد عدمه، لا إن علَّقه، و: "إن متُّ فأنت في حلٍّ" وصية.
ويبرأ ولو رَدَّ أو جهل، لا إن علمه مدين فقط وكتمه خوفًا من أنه إن علمه 184 لم يُبرئه.
* قوله: (ولا تصح لحمل) بخلاف الوصية فإنها ملحقة بالميراث.
- قوله: (هو)؛ أيْ: الولي للصغير أو المجنون فقوله: (هو) ضمير منفصل مؤكد للضمير المستتر في (وهب) العائد على الولي، والمفعول محذوف، والمعنى: فإن وهب ولي الصغير والمجنون لهما شيئًا.
- قوله: (ويقبض هو) استئنافية، لا عاطفة.
- قوله: (إلى توكيل)؛ لأنه يتولى طرفَي العقد بنفسه.
- قوله: (أو اعتقد عدمه) لعله ما لم يكن المدين عالمًا بذلك ولم يعلمه به، وإلا لم يصح، كما يأتي في قوله: (لا إن علمه مدين فقط)، فليحرر!.
- قوله: (وإن متُّ) بضم التاء، وأما بالفتح فلا يصح؛ لأنه تعليق للبراءة.
- قوله: (ولو رُدَّ)؛ أيْ: رد المدين الإبراء 185.
الجزء: 3 - الصفحة: 516
ولا يصح مع إبهام المحل، كـ: "أبرأت أحد غريمَيَّ.
. . "، أو: ". . . من أحَدِ دينيَّ".
وما صح بيعه صحَّت هبته واستثناء نفعه فيها زمنًا معينًا.
ويعتبر لقبض مشاعٍ إذن شريك، وتكون حصته وديعة، وإن أُذن له في التصرف مجانًا فكعارية، وبأجرة فكمؤجَّر، لا مجهول لم يتعذر علمه ولا هبة ما في ذمة مدين لغيره.
. . . .
* قوله: (ولا يصح مع إبهام المحل) تبع فيه التنقيح 186، ومشى في الإقناع 187 على أنه يصح ويطالب بالبيان.
وبخطه 188: قال بعضهم 189: إذا قصد بذلك الإنشاء، أما إذا قصد الإخبار فإنه يصح مع إبهام المحل اعتمادًا على ما تقدم من البيان، كذا بخط تاج الدين على الإقناع 190.
- قوله: (ويعتبر لقبض مشاع)؛ أيْ: ينقل.
- قوله: (في التصرف)؛ أيْ: الانتفاع.
- قوله: (فكعارية)؛ أيْ: حكمها حكم العارية من الضمان إذا تلفت في غير ما استعيرت له.
الجزء: 3 - الصفحة: 517
ولا ما لا يُقدر على تسليمه، ولا تعليقها، ولا اشتراط ما يُنافيها، كأن لا يبيعها أو يهبها ونحوهما، وتصح هي.
ولا مؤقَّتة إلا في العُمْرَى، كـ: "أعمَرتُك أو أرقَبْتُك هذه الدار، أو الفرس، أو الأمة" ونصه: "لا يطأ"، وحُمِلَ على الورع 191، أو: "جعلتُها لك عمرَك أو حياتك، أو عمرَى، أو رُقبَى، أو ما بقيت"، أو: "أو أعطيتُكها.
. ." فتصح، وتكون لمُعمَر ولورثته بعده إن كانوا، كتصريحه، وإلا فلبيت المال.
وإن شرط رجوعها بلفظ "إرقَاب" أو غيره لمُعمَر عند موته، أو إليه إن مات قبله، أو إلى غيره.
. . . .
* قوله: (أو يهبها) بخلاف شرط العتق؛ لأنه قصد قربة، وقد يعارض بشرط الوقف فإنه لا يلزم مع أن فيه أيضًا قصد قربة.
- قوله: (ونحوهما) كأن يهب له ثوبًا بشرط أن لا يلبسه.
- قوله: (إلا في العمرى) كان المناسب للتمثيل أن يقول: إلا في العمرى والرقبى، فتدبر!.
- قوله: (أو أرقبتك) فيكون له ولورثته من بعده -كما يأتي قريبًا-.
- قوله: (وإلا فلبيت المال) المناسب لقاعدة المذهب: وإلا ففي بيت المال 192. فتدبر!.
الجزء: 3 - الصفحة: 518
وهى "الرُّقْبَى"، أو (1) رجوعها مطلقًا إليه، أو إلى ورثته، أو آخرهما موتًا، لغا الشرط، وصحَّت لمُعمِر وورثته كالأول، و: "منَحتُكه.
. ."، و: "سُكناه وغلَّته وخدمتُه لك.
. ." عارية.
1 - فصل
ويجب تعديل.
. . . .
* قوله: (أو إلى ورثته)؛ أيْ: الواهب الذي هو المعمِر أو المرقِب.
- قوله: (وسكناه) عطف على "منحتك" لا على الضمير المتصل؛ لأن المعنى عليه ليس بقوي، إذ الأول في الحيوان والثاني في العقار.
- وقوله: (لك) متعلق بالمعاطيف الثلاثة، ومعنى كونها عارية أن له الرجوع متى شاء؛ لأن المنافع إنما تستوفى شيئًا فشيئا، ولا تصح إعارتها -كما يؤخذ من الشرحَين (2).
- قوله: (عارية) خبر (منحتكه) وما عطف عليه.
فصل
- قوله: (ويجب.
. . إلخ) الأصل في الهبة الاستحباب، وعلم هنا أنها قد تجب للتعديل، وقد تُحَرَّم للتفضيل، وتباح مع التخصيص بإذن الباقي، وهل193194
الجزء: 3 - الصفحة: 519
بين من يرث بقرابة -من ولد وغيره- في هبة غير تافه، بكونها بقدر إرثهم، إلا في نفقة فتجب الكفاية، وله التخصيص بإذن الباقي، فإن خَصَّ أو فَضَّل بلا إذن رجع أو أعطى حتى يستووا.
فإن مات قبله، وليست بمرض موته، ثبتت لآخذ، وتحرم الشهادة على تخصيص أو تفضيل، تحمُّلًا وأداءً إن عَلم، وكذا كل عقد فاسد عنده.
وتباحُ قسمة مالِه بين وارثه، ويُعطى حادث حصته وجوبًا.
تكون مكروهة فتعتريها الأحكام الخمسة؟ فليحرر 195.
- قوله: (بين من يرث بقرابة) أخرج من يرث بالولاء والزوجية فإنه لا يجب.
- قوله: (رجع) إن جاز، بأن كانت لولده أو لغيره، وقَبل قبض.
- قوله: (قبله)؛ أيْ: قبل الإعطاء والتسوية.
- قوله: (وليست بمرض موته) فإن كانت بمرض موته المخوف وقفت على إجازة الورثة.
- قوله: (ويعطى حادث حصته وجوبًا) انظر ما الفرق بين هذا والوقف فيما إذا قال: هذا وقف على أولادي، ثم حدث غير الموجودين، حيث قالوا لا يستحق في الوقف شيئًا، وما الحكمة في اعتبار التعديل في ذا دون ذاك 196؟.
الجزء: 3 - الصفحة: 520
وسُن أن لا يزاد ولو ذكر على أنثى في وقف، ويصح وقف ثلثه في مرضه على بعضهم، لا وقف مريض -ولو على أجنبي- بزائد على الثلث، المنقِّح 197: "ولو حيلة كعلى نفسه ثم عليه".
* قوله: (ويصح وقف ثلثه في مرضه على بعضهم) انظر ما الفرق بين الوقف والهبة في ذلك 198؟.
- قوله: (لا وقف مريض)؛ أيْ: لا ينفذ، أو لا يحكم بصحته من حينه بل يقف على إجازة الورثة، وليس المراد: أنه لا يصح رأسًا، فتدبر!.
- قوله: (بزائد) الباء زائدة للتقوية؛ لأن العامل هنا وهو المصدر ضعيف والباء تزاد للتقوية، كاللام كما صرح به الكافيجي 199 في أوائل حواشي المتوسط 200 وغيره، وصرح به غيره أيضًا 201.
- قوله: (كعلى نفسه)؛ أيْ: بناء على صحة الوقف على النفس.
الجزء: 3 - الصفحة: 521
ولا رجوع واهب بعد قبض، ويحرم إلا من وهبت زوجها بمسألته ثم ضَرَّها بطلاق أو غيره، والأب ولو تعلق بما وهب حق كفَلَس.
. . . .
* قوله: (ولا رجوع واهب.
. . إلخ) لما كان الرجوع ملحقًا بالفسوخ وهي تتصف بالصحة والفساد صحَّ وصفه هنا بالفساد، فتدبر!.
- قوله: (والأب) الظاهر أن المراد به الجنس فيصدق بالمتعدد، وفي كلام بعضهم 202 ما يخالفه، وينبغي تقييده بالأب التقريب؛ أيْ: دون الجد، بدليل المسألة الآتية 203، وهي أن من موانع الرجوع ما إذا وهبه الوالد لولده، فإن الجد في هذه الحالة لا يملك الرجوع فيما بيد ابن ابنه.
وقد يقال: إن المنع من جهة كون الجد ليس هو الواهب لولد الولد 204، فلا دليل فيها، فليحرر!.
لكن الشيخ صرح في شرح الفصل الآتي 205 بأن المراد الأب التقريب، لا الجد، ولا الأم تبعًا للإقناع 206، كما ذكرناه في القولة الأخرى 207، فتدبر!. - قوله: (كفلس)؛ أيْ: ولم يحجر عليه، كما نص عليه الحارثي 208 حيث
الجزء: 3 - الصفحة: 522
أو رغبة كتزويج، إلا إذا وهبه سُرِّيةً للإعفاف -ولو استغنى- أو إذا أسقط حقه منه.
. . . . .
صرح بأنه إذا حجر عليه لفلس ليس هو محل الخلاف 209، ومشى عليه في الإقناع 210، وظاهر كلام المصنف كالمقنع 211 الإطلاق.
- قوله: (كتزويج) بأن زوج الولد الموهوب رغبة فيما بيده من المال الموهوب له، لعموم الخبر 212، والرجوع في الصدقة كالهبة، حاشية 213.
- قوله: (إلا إذا وهبه سرية للإعفاف) الظاهر اعتباره حال الهبة، فلو وهبها له للخدمة، ثم احتاج إليها للإعفاف فتسرَّى، ليم يمتنع عليه الرجوع ما لم يستولدها.
- قوله: (أو إذا أسقط حقه)؛ أيْ: أو إلا إذا.
. . إلخ. - قوله: (منه)؛ أيْ: من الرجوع.
الجزء: 3 - الصفحة: 523
ولا يمنعه نقص، أو زيادة منفصلة -وهي للولد- إلا إذا حملت الأمة وولدت، فيُمنع في الأم.
وتمنعه المتصلة -ويُصَدَّق أب في عدمها- ورهنُه إلا أن ينفكَّ، وهبة الولد لولده إلا أن يرجع هو، وبيعُه إلا أن يرجع إليه بفسخ أو فلَس مشترٍ، لا إن دبَّره أو كاتبه، ويملكه مكاتبًا، ولا يصح رجوع إلا بقول.
* قوله: (في عدمها)؛ أيْ: الزيادة المتصلة.
- قوله: (ورهنه)؛ أيْ: الموهوب.
- قوله: (وهبة الولد لولده) ظاهره ولو لم يقبضها الولد الثاني، والذي ينبغي حمل ذلك على هبة لازمة، بأن يكون ولد الولد قد قبضها.
وبخطه: لو ادعى اثنان مولودًا، فوهباه أو أحدهما فلا رجوع لانتفاء ثبوت الدعوى وإن ثبت اللحاق بأحدهما ثبت الرجوع حينئذٍ، وبقي ما إذا ألحق بهما، فليحرر 214!. - قوله: (إلا أن يرجع هو)؛ أيْ: الواهب الثاني.
- قوله: (ولا يصح رجوع إلا بقول)؛ لأنه من قبيل الفسوخ فاعتبر فيه القول بخلاف التملك الآتي 215.
الجزء: 3 - الصفحة: 524
2
- فصل
ولأَبٍ حرٍّ تملُّك ما شاء من مال ولده، ما لم يضره.
. . . . .
فصل
- قوله: (ولأب حرٍّ) انظر هل المراد ولو بعضه، أو المراد به كامل الحرية؟.
وانظر أيضًا هل يشترط أن يكون جائز التصرف فلو كان محجورًا عليه لسفه أو جنون أو كان غير بالغ لم يكن له ذلك 216؟. وانظر أيضًا هل المراد به الأب 217 الأقرب كما قلناه فيمن له الرجوع في الهبة أخذًا مما سلف 218، أو المراد الأب وإن علا، فيشمل الجد، وحينئذٍ فيطلب الفرق بين المقامَين؟.
ثم رأيت شيخنا 219 صرح هنا بأن المراد الأب الحقيقي الأقرب، فلا يدخل الأم ولا الجد، وبه صرح أيضًا في الإقناع 220. - قوله: (ما لم يضره) بأن يتعلق به حاجة الابن، كآلة حرفة يتكسب بها، ورأس مال يَتَّجر به، ولا فرق يين كون الأب محتاجًا أو لا، ولا كون الولد صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، ساخطًا أو راضيًا، ولا كون الأخذ بعلمه أو غير علمه، قاله
الجزء: 3 - الصفحة: 525
إلا سُرِّيَّته -ولو لم تكن أم ولد- أو ليُعطيه لولد آخر، أو بمرض موت أحدهما.
ويحصل بقبض مع قول أو نية، فلا يصح تصرُّفه قبله ولو عتقًا.
ولا يملك إبراء نفسه، ولا غريم ولده، ولا قبضه منه؛ لأن الولد لا يملكه إلا بقبضه، ولو أقرَّ الأب بقبضه، وأنكر الولد.
. . . . .
شيخنا في الحاشية 221.
- قوله: (إلا سريته)؛ أيْ: [التي وطئها الولد] 222 فإنه لا يتملكها ولو لم يضر الولد، وحينئذٍ اتضح الاستثناء.
- قوله: (أو ليعطيه) عطف على المعنى.
- قوله: (لأن الولد لا يملكه 223 إلا بقبضه) ولذلك سيأتي في الأيمان 224 أنه لو حلف أنه لا ملك له لم يحنث بدين، بخلاف ما لو حلف أنه لا مال له فإنه يحنث به أيضًا، وتقدم أيضًا في أول كتاب الزكاة 225 ما يؤخذ منه ما يوافق ذلك.
- قوله: (وأنكر الولد)؛ أيْ: أو أقرَّ على ما انحط عليه كلام شيخنا 226، وذكر
الجزء: 3 - الصفحة: 526
رجع على غريمه، والغريم على الأب.
وإن أولد جارية ولده صارت له أمَّ ولد، وولده حرٌّ لا تلزمه قيمته، ولا مهر، ولا حدٌّ، ويُعزَّر، وعليه قيمتُها، ولا ينتقل الملك فيها إن كان الابن قد وطئها، ولو لم يستولدها، فلا تصير أم ولد للأب، ومن استولد أمةَ أحدِ أبوَيه لم تصِر أم ولد له، وولده قنٌّ، وإن علم التحريم حُدَّ.
وليس لولدٍ ولا ورثته مطالبة أب بدين، أو قيمة متلَف، أو أرش جناية، ولا غير ذلك مما للابن عليه.
. . . . .
أنه إنما ذكر ذلك القيد تبعًا لصاحب الفروع 227، ووجهه أن إقراره بقبض أبيه لا يتضمن إذن أبيه في قبضه، فهو قبض فاسد خالٍ عن مسوغ شرعي.
- قوله: (ولا حد ويعزر) قال في شرحه 228: "أشبه ما لو وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره"، انتهى.
ومقتضى التشبيه بواطئ 229 الأمة المشتركة أنه يعزر بمئة إلا سوطًا، فليحرر! 230. - قوله: (وولده قنٌّ) ولم يعتق على الأب مع أنه من ذوي الرحم المحرم؛ لأنه من زنا، وسيأتي 231 أن الأب والابن من زنا كأجنبيَّين، فتدبر!.
الجزء: 3 - الصفحة: 527
إلا بنفقته الواجبة، وبعين مالٍ له بيده، ويثبت له في ذمته الدين ونحوه، وإن وَجد عين ماله الذي أقرضه أو باعه ونحوه بعد موته، فله أخذه.
. . . . .
* قوله: (إلا بنفقته الواجبة وبعين مال له) فله المطالبة بهذَين، وأما الدين وإن ثبت في ذمته لكن ليس له المطالبة به، كما يؤخذ مما أسلفه في الحوالة 232 في بيان الملاءة بالبدن، ويترتب على ثبوته في الذمة وإن لم يملك المطالبة به تحريم المماطلة به إن كان موسرًا، وأنه يؤخذ من رأس التركة إذا مات الأب، وأنه لو أوصى بقضائه لا يكون من تبرعات المريض.
وبخطه: على قول المصنف: (إلا بنفقته الواجبة)؛ أيْ: فإن له المطالبة بها، بل وحبسه عليها على ما في الوجيز 233، حكاه عنه الحجاوي 234 في الإقناع 235، وجزم به في مختصر المقنع 236.
- قوله: (ونحوه) كقيمة متلف.
- قوله: (فله أخذه) ظاهره سواء كان البيع حالًّا أو مؤجلًا، وعلى الثاني
الجزء: 3 - الصفحة: 528
إن لم يكن انتقد ثمنه، ولا يسقط دينه -الذي عليه- بموته، بل جنايتُه، وما قضاه في مرضه -أو وصَّى بقضائه- فمن رأس ماله.
3 - فصل
وعطية مريض غير مرض الموت -ولو مخوفًا أو غير مخوف، كصداع ووجع ضرس ونحوهما، ولو صار مخوفًا ومات به- كصحيح.
حلَّ الأجل أو لا، وسواء كان وثقه أم لا وسواء مات الأب مفلسًا أم لا، وهي مشكلة على القواعد.
فصل
- قوله: (وعطيته) مبتدأ خبره (كصحيح).
- وقوله: (كوصية) خبر للمبتدأ المقدر بعد العاطف في قوله: (وفي مرض موته المخوف)؛ أيْ: وعطية مريض.
. . إلخ، فهو من العطف على معمولَي عاملَين مختلفَين إن جرينا على المشهور من أن العامل في المبتدأ الابتداء وفي الخبر المبتدأ 237. - قوله: (أو غير مخوف) عطف على قوله: (غير مرض الموت) وليس عطفًا على قوله: (مخوفًا)؛ لأنه يقبح الجمع بين طرفَي المغيَّا.
- قوله: (كصحيح) فيصح في جميع ماله.
الجزء: 3 - الصفحة: 529
وفي مرض موته المخوف -كالبِرْسَام 238، وذات الجَنْب، والرُّعاف الدائم، والقيام المتدارِك 239، والفالج 240 في ابتداء، والسِّل في انتهاء، وما قال عدلان من أهل الطب: إنه مخوف- كوصية، ولو عِتْقًا، أو محاباة، لا كتابة أو وصية بها بمحاباة.
. . . . .
* قوله: (وذات الجنب) هي قروح بباطن الجنب.
- قوله: (والقيام المتدارِك) ومثله إسهال معه دم.
- قوله: (عدلان)؛ أيْ: مسلمان على ما في الإقناع 241.
- قوله: (كوصية)؛ أيْ: فلا تنفذ لوارث مطلقًا، ولا لأجنبي بزائد على الثلث إلا بالإجازة فيهما.
- قوله: (لا كتابة أو وصية بها بمحاباة) مقتضاه أن كلًّا من الكتابة والمحاباة بها تعتبر من رأس المال، ونبَّه في شرحه 242 على أنه تابع في ذلك للمنقِّح في التنقيح 243، والإنصاف 244، وهو مخالف لما في الفروع 245، والمحرر 246 من أن الكتابة تعتبر من
الجزء: 3 - الصفحة: 530
وإطلاقها بقيمته، والمُمتدة كالسِّل، والجُذام، والفالج في دوامه -إن صار صاحبها صاحب فراش فَمَخُوفة، وإلا فلا.
وكمريض مرض الموت المخوف من بين الصفَّينِ وقت حرب، وكل من الطائفتَين مكافئ، أو من المقهورة، ومن باللُّجة عند الهيجان أو وقع الطاعون ببلده، أو قُدِّم لقتل، أو حُبس له.
. . . . .
رأس المال والمحاباة مطلقًا تعتبر من الثلث، وقال في شرحه 247: "إنه لم يقف على كلام الحارثي 248 ليعرف هل هو 249 وافق المنقِّح أو صاحب الفروع".
قال شيخنا 250: "وقد وقفت على كلام الحارثي، فرأيته موافقًا لكلام صاحب الفروع من غير حكاية خلاف في المسألة، مع أن من شأنه استقصاء الخلاف".
- قوله: (وإطلاقها بقيمته) قال في الإنصاف 251: "وإطلاقها يقتضي أن تكون بقيمته"، انتهى؛ يعني: لو أوصى بكتابته وأطلق، بأن يقل عليَّ كذا فالعدل كما في شرحه 252 أن يحمل على الكتابة بقيمته.
الجزء: 3 - الصفحة: 531
وأسير عند من عادته القتل، وجريح مُوحيًا مع ثبات عقله، وحامل عند مخاض مع ألم حتى تنجو، وكَمَيت مَن ذُبح، أو أُبينت حشوتُه، ولو عَلَّق صحيحٌ عتق قنِّه، فوُجد في مرضه، فمن ثلثه.
وتُقدَّم عطية اجتمعت مع وصية، وضاق الثلث عنهما مع عدم الإجازة.
وإن عجز عن التبرعات المنُجَّزة بُدئ بالأول فالأول، فإن وقعت دفعة قُسم بين الجميع بالحصص، ولا يُقَدَّم عتق، وأما معاوضته بثمن المثل فتصح من رأس المال، ولو مع وارث، وإن حابى وارثه بطُلت في قدرها.
. . . . .
* قوله: (عند مخاض)؛ أيْ: طَلْق.
- قوله: (وكميت.
. . إلخ)؛ أيْ: من جهة عدم نفوذ العطايا والتبرعات لا مطلقًا، فلو مات بعض ورثته ورثه في هذه الحالة، فلا منافاة بين ما في كلام الأصحاب لهذا 253، وقول الموفق 254: "لو مات له ابن في هذه الحالة"، فيما لو أبينت حشوته؛ لأنه هو الذي كلام الموفق فيه، "ورثه"، فتدبر فإنه واضح!. - قوله: (وإن عجز)؛ أيْ: الثلث؛ أيْ: ضاق.
- قوله: (في قدرها)؛ أيْ: قدر المحاباة.
الجزء: 3 - الصفحة: 532
وصحَّت في غيره بقسطه، وله الفسخ لِتبَعُّض الصفقة في حقه، لا إن كان له شفيع وأخذه، ولو حابى أجنبيًّا، وشفيعه وارث -أخذ بها إن لم تكن حيلة؛ لأن المحاباة لغيره، وإن أجر نفسه، وحابى المستأجر، صحَّ مجانًا.
ويُعتبر ثلثه عند موت، فلو عتق 255 ما لا يملك غيره، ثم ملك ما.
. . . . .
* قوله: (وشفيعة وارث) مبتدأ وخبره، والجملة معترضة أو حال.
- قوله: (إن لم يكن حيلة) فإن كان ذلك حيلة بطل في قدر المحاباة فقط -على ما تقدم 256 -.
- قوله: (وإن أجر نفسه)؛ أيْ: لا عبده كما يظهر من العلة، من أنه إنما يمنع من التصرف في ماله والعبد مال.
- قوله: (مجانًا)؛ أيْ: من غير ردِّ المستأجر من المدة أو العمل.
- قوله: (فلو عتق.
. . إلخ) فيه استعمال "عتق" متعديًا ومنه: يا رب أعضاء السجود أعتقتها 257 ... . . . . . . . . . . . . . - قوله: (ثم ملك ما)؛ أيْ: مالًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 533
يخرج من ثلثه- تبينَّا عتقه كُلَّه، وإن لزمه دين يستغرقه لم يعتق منه شيء.
4 - فصل
تُفارق العطية الوصية في أربعة:
أن يُبدأ بالأول فالأول منها، والوصية يسوَّى بين متقدمها ومتأخرها.
الثاني: أنه لا يصح الرجوع في العطية بخلاف الوصية.
الثالث: أنه يُعتبر قبول عطية عندها، والوصية بخلافه.
الرابع: أن الملك يثبت في عطية من حينها مُرَاعًى.
. . . . .
* وقوله: (يخرج من ثلثه) صفة لـ "ما"، والمراد أنه ملك مالًا إذا انضم إليه قيمة المعتق يكون نسبة القيمة إليه ثلثًا، والعبارة عسرة.
فصل
- قوله: (بين متقدمها ومتأخرها)؛ لأنها تبرع بعد الموت فوجد دفعة واحدة.
- قوله: (أنه لا يصح الرجوع في العطية) للزومها بالقبض.
- قوله: (بخلاف الوصية)؛ يعني: لأنها 258 إنما تلزم بموت الموصي.
- قوله: (والوصية بخلافه)؛ لأنها تبرع بعد الموت، فلا حكم لقبولها ولا ردِّها قبله.
شرح 259.
الجزء: 3 - الصفحة: 534
فإذا خرجت من ثلثه عند موت تبينَّا أنه كان ثابتًا.
فلو أعتق أو وهب قنًّا في مرضه، فكَسَب، ثم مات سيده، فخرج من الثلث -فكَسْبُ معتق له، وموهوب لموهوب له، وإن خَرَج بعضه فلهما من كسبه بقدره.
فلو أعتق قنًّا لا مال له سواه، فكسب مثل قيمته قبل موت سيده، فقد عتق منه شيء، وله من كسبه شيء، وللورثة شيئان، فصار وكسبه نصفَين يعتق منه نصفه، وله نصف كسبه، وللورثة نصفهما.
. . . . .
* قوله: (فقد عتق منه شيء) قال في شرحه 260: "فللمعتوق من كسبه بقدر ما أعتق منه من حين أعتقه 261، وباقيه لسيده، فيزداد بذلك مال السيد، وتزداد الحرية لذلك، ويزداد حقه من كسبه، فينقص به حق السيد من الكسب، وينقص بذلك قدر العتق منه، فيستخرج ذلك بالجبر، فيقال: قد عتق منه شيء.
. . إلخ"، انتهى.
وغرضه من ذلك بيان الدور؛ لأن الجبر إنما يحتاج إليه في المسائل الدورية التي يلزم فيها من ثبوت الشيء عدمه.
- قوله: (وله نصف كسبه.
. . إلخ) توضيح طريقة المصنف في هذه المسألة: أن تجعل للمعتق شيئًا من نفسه وشيئًا من كسبه، وللورثة شيئان هما ضعف ما عتق، فيصير المجموع أربعة أشياء، تنسب شيئَيه لذلك المجموع تجدهما نصفًا، فيعتق نصفه، وله نصف كسبه، وهذه غير طريقة الجبريين 262.
الجزء: 3 - الصفحة: 535
وإن كسب مِثْلَي قيمته صار له شيئان، وعتق منه شيء، وللورثة شيئان فيعتق ثلاثة أخماسه، وله ثلاثة أخماس كسبه، والباقي للورثة، وإن كسب نصف قيمته فقد عتق منه شيء، وله نصف شيء من كسبه، وللورثة شيئان، فيعتق ثلاثة أسباعه، وله ثلاثة أسباع كسبه، والباقي للورثة.
وأما طريقة الجبريين 263، فهي أقرب تناولًا من هذه، فلو كانت 264 قيمته مثلًا مئة وكسب مثل قيمته مئة، فله من نفسه شيء ومن كسبه شيء، صار للورثة مائتان إلا شيئَين تعدل 265 شيئَين هما ضعف ما عتق، أجبر المئتَين بشيئَين، وزد نظيرهما على الجانب الثاني، فيصير مائتان من العدد، تعدل أربعة أشياء، اقسم المئتَين على أربعة أشياء يخرج الشيء الواحد خمسين، وعلى طريقة المصنف انسب الشيئَين إلى الأربعة أشياء تجدهما نصفًا، فيعتق نصفه وله نصف كسبه وهو خمسون.
- قوله: (والباقي للورثة) وبالطريق الجادة بين الجبريين تقول: عتق منه شيء، وله من كسبه شيئان، صار على فرض أن قيمته مئة للورثة ثلاثمائة إلا شيئَين، وهما ضعف ما عتق تعدل ثلاثة أشياء، اجبر الثلاثمئة بشيئَين وزدهما على الجانب الثاني، يصير ثلاثمئة، تعدل خمسة أشياء، اقسم على الأشياء يخرج الشيء ستين، فله مئة وثمانون، وللورثة ما بقي، وهذا معنى قول المصنف: "فله ثلاثة أخماسه وثلاثة أخماس كسبه"؛ لأن خُمُسَه بمعنى خمس قيمته عشرون، وخمس كسبه أربعون، والمجموع ما ذكرنا، تدبر!.
- قوله: (وله ثلاثة أسباع كسبه والباقي للورثة) فلو أردت معرفتها بطريقة
الجزء: 3 - الصفحة: 536
وفي هبة لموهوب له بقدر ما عتق، وبقدره من كسبه.
وإن أعتق أمةً، ثم وطئها -ومهرُ مثلها نصف قيمتها- فكما لو كسِبتْه، يعتق ثلاثة أسباعها.
ولو وهبها لمريض آخر لا مال له، فوهبها الثاني للأول -صحَّت هبة الأول في شيء، وعاد إليه بالثانية ثلثُه، بقي لورثة الآخر ثلثا شيء، وللأول شيئان، فلهم ثلاثة أرباعها، ولورثة الثاني رُبعها.
الجبريين، وفرضت قيمته مئة، وكسبه خمسين كان له شيء ونصف شيء، صار للورثة مئة وخمسون إلا شيئًا ونصف شيء، تعدل شيئَين هما ضعف ما عتق، فأجبر بأن تكمل المئة والخمسين بشيء ونصفه، وتزيد نظير ذلك على الشيئَين، تصير المئة مئة وخمسون تعدل ثلاثة أشياء ونصف شيء، فاقسم العدد يخرج الشيء اثنين وأربعين وستة أسباع.
- قوله: (وفي هبة لموهوب له)؛ أيْ: يكون لموهوب له بقدر ما أعتق منه في مسألة العتق.
- وقوله: (وبقدره من كسبه)؛ أيْ: وبقدر ما يكون لموهوب له من كسبه، شرح 266.
- قوله: (وللأول شيئان فلهم ثلاثة أرباعها.
. . إلخ) وبطريقة أهل الجبر يقال: استقر الأمر على أن الموهوب ثلثا شيء، فإن جعلت قيمتها مئة صار لورثة الأول مئة إلا ثلثا شيء، تعدل شيئَين وهما ضعف ما وهب، اجبر تصير المسألة مائة تعدل شيئَين وثلثَي شيء، اقسم على الأشياء يخرج الشيء سبعة وثلاثين ونصفًا،
الجزء: 3 - الصفحة: 537
وإن باع قفيزًا لا يملك غيره يساوي ثلاثين، بقفيز يساوي عشرة -ولم تُجزْ الورثة- فأَسْقِطْ قيمة الرديء من قيمة الجيد، ثم انسب الثلث إلى الباقي -وهو عشرة من عشرين- تجده نصفها، فيصح في نصف الجيد بنصف الرديء، ويبطُل فيما بقي، لئلا يُفضي إلى ربا الفضل، فلو لم يُفض كعبد يساوي ثلاثين بعبد يساوي عشرة صحَّ بيع ثلثه بالعشرة، والثلثان كالهبة للمبتاع نصفُهما، لا إن كان وارثًا.
وإن قال من سَلَّفه عشرة في كُرِّ حِنطة -وقيمته عند الإقالة ثلاثون.
. . . . .
ثلثاه 267 وهما خمسة وعشرون لورثة الثاني، وما بقي لورثة الأول، ويصدق على الخمسة وعشرين أنها ربع المئة قيمة الأمة، وعلى الخمسة والسبعين الباقية أنها ثلاثة أرباعها، فما قاله المص -رحمه اللَّه تعالى- صحيح، تدبر!.
- قوله: (عشرة) بيان لقوله: "الثلث".
- وقوله: (من عشرين) بيان لقوله: "إلى الباقي".
- قوله: (لئلا يفضي إلى ربا الفضل)؛ لأنَّا لو صححناه على قياس التي لا يدخلها ربا الفضل الآتية 268 لقلنا: صحَّ بيع ثلث الجيد بتمام الرديء، إذ قيمة ثلث الجيد تساوي تمام قيمة الرديء، فيؤدي إلى بيع ثلث قفيز جيد بقفيز رديء، وهو مؤدٍّ إلى ربا الفضل -كما ذكر-.
- قوله: (لا إن كان وارثًا) لعله ولم تجُز بقية الورثة.
الجزء: 3 - الصفحة: 538
صحَّت في نصفه بخمسة.
وإن أصدق امرأة عشرة، لا مال له غيرها، وصداق مثلها خمسة -فماتت، ثم مات- فلها بالصداق خمسة، وشيء بالمحاباة، رجع إليه نصفه بموتها، صار له 269 سبعة ونصف إلا نصف شيء، يعدل شيئَين، اجبُرْها بنصف شيء، وقابِل، يخرج الشيء ثلاثة.
. . . . .
* قوله: (صحَّت في نصفه بخمسة) وكان كبيع قفيز جيد يساوي ثلاثين بقفيز رديء يساوي عشرة، وتقدم أن العمل فيها أن تسقط قيمة الرديء من قيمة الجيد، وتنسب الثلث الذي يصح تصرفه فيه إلى الباقي من قيمة الجيد بعد إسقاط قيمة الرديء منه، فاسقط هنا رأس مال السلم وهو عشرة من قيمة الكُرَّ 270 وهو ثلاثون يبقى عشرون، انسب إليها الثلث وهو عشرة يكن نصفًا، فتصح الإقالة في نصف الكُرِّ بنصف رأس مال السلم وهو خمسة -كما ذكر-.
- قوله: (فماتت ثم مات) الظاهر أنه لا حكمة في كون في موته إلا مجرد الإعلام بأنها ماتت قبله.
- قوله: (وقابل) بزيادة نصف الشيء 271 الذي جبرت به على الجانب الثاني، يصير سبعة ونصف من العدد، يعدل شيئَين ونصف شيء، اقسم سبعة ونصفًا على
الجزء: 3 - الصفحة: 539
فلورثته ستة، ولورثتها أربعة.
وإن مات قبلها، وَرِثَتْه، وسقطت المحاباة.
ومن وهب زوجته كل ماله في مرضه.
فماتت قبله، فلورثته أربعة أخماسه، ولورثتها خمسه.
اثنين ونصف يخرج ما قاله المص، إذ 272 الحاصل من قسمة بسط المقسوم وهو خمسة عشر، على بسط المقسوم عليه وهو خمسة، ثلاثة -كما قاله المص-.
- قوله: (سقطت المحاباة)؛ أيْ: بطُلت إلا أن يجيزها الورثة.
- قوله: (ولورثتها خمسه) وطريقه أن تقول: صحَّت الهبة في شيء وعاد إليه نصفه بالإرث، يبقى لورثته المال كله إلا نصف شيء، يعدل ذلك شيئَين، فإذا جبرت وقابلت صارت المسألة: مال يعدل شيئَين ونصف شيء، فاضرب في المخرج، واقسم على البسط بأن تضرب الاثنين ونصف في اثنين بخمسة، وتضرب المال وهو واحد في اثنين باثنين، وتقسم اثنين على خمسة يخرج خمسان وهو الشيء؛ لأن المراد من المال هنا نوع من العدد، لا المال المصطلح عليه عند الجبريين 273، وهو ما قام من ضرب الشيء في نفسه، وذلك الشيء الخارج بالقسمة هو ما صحَّت فيه الهبة، والباقي بعدهما ثلاثة أخماس، رجع إليه بالإرث منها نصف ما كان بيدها وهو خمس، فيجتمع له أربعة أخماس تؤول لورثته، ولورثتها الخمس الباقي.
الجزء: 3 - الصفحة: 540
5 - فصل
ولو أقرَّ في مرضه أنه أعتق ابن عمه أو نحوه في صحته، أو ملك من يعتق عليه بهبة أو وصية -عتق من رأس ماله، ووَرِث.
فلو اشترى ابنَه ونحوه بمئة، ويساوي ألفًا، فقَدْرُ المحاباة من رأس ماله، والثَّمنُ -وثَمَنُ كل من يعتق عليه- من ثلثه، ويرِث.
فلو اشترى أباه بكل ماله، وترك ابنًا، عتق ثلث الأب على الميت، وله ولاؤه، وورث بثلثه الحرِّ من نفسه، ثلث سدس باقيها المرقوق، ولا ولاء على هذا الجزء.
. . . . .
فصل
- قوله: (فلو اشترى.
. . إلخ) الفاء للاستئناف وإن كان قليلًا، أو للتفريع على الهبة؛ لأن المحاباة في معناها. - قوله: (من رأس ماله)؛ أيْ: البائع.
- قوله: (من ثلثه)؛ أيْ: من ثلث تركة المشتري.
- قوله: (ثلث سدس) ولو عبر عنه بنصف تسع كان أولى، قاله شيخنا.
أقول: في كون ذلك أولى بالنسبة للمقام نظر يعلم من الشرح 274، نعم هو أولى من حيث الصناعة الحسابية، لكن لو عبر به لفات المقصود من التعبير بالثلث، فراجع!.
الجزء: 3 - الصفحة: 541
وبقية الثلثيَن يعتق على الابن، وله ولاؤها.
ولو كان الثمن تسعة دنانير، وقيمته ستة، تَحَاصَّا، فكان ثلث الثلث للبائع محاباة، وثلثاه للأب عتقًا، يعتق به ثلث رقبته، وَيرُدُّ البائع دينارَين، ويكون ثلثا الأب مع الدينارَين ميراثًا.
وإن عتق على وارثه صحَّ، وعتق عليه.
وإن دبَّر ابن عمه ونحوَه عتق، ولم يرث.
. . . . .
* قوله: (وبقية الثلثَين)؛ أيْ: ما بقي منهما بعد إخراج الحصة الموروثة وهي ثلث سدسهما، فتدبر!.
- قوله: (وله ولاؤها)؛ أيْ: ولاء الحصة الباقية من الثلثَين بعد إخراج ثلث سدسهما.
- قوله: (ميراثًا) يرثه الابن مع الأب بثلثه الحرِّ.
وقول الشارح 275: "يرثه الابن" إن كان مراده على وجه الاختصاص لا وجه له، فتدبر! 276. - قوله: (وإن عتق على وارثه) هو بمعنى المضارع وهو عطف على "يعتق" السابق في قوله: "أو ملك من يعتق عليه"؛ أيْ: أو ملك من يعتق على وارثه، بأن اشترى أخا ابن عمه الوارث له صحَّ الشراء، وعتق بعد موته على الوارث.
- قوله: (عتق ولم يرث) قال في شرحه 277: "وقيل: يرث 278، ووجه المذهب،
الجزء: 3 - الصفحة: 542
و: "أنت حرٌّ آخر حياتي" عَتق، وورِث، بخلاف من علَّق عتقه بموت قريبه، وليس عتقه وصية له.
ولو أعتق أمةً وتزوجها في مرضه، ورثته، وتعتق إن خرجت من الثلث، ويصح النكاح، وإلا عتق قدرُه وبطُل النكاح.
ولو أعتقها وقيمتها مئة، ثم تزوجها وأصدقها مئتَين لا مال له سواهما، وهما مهر مثلها، ثم مات صحَّ العتق، ولم تستحق الصداق، لئلا يُفضي إلى بطلان عتقها، ثم يبطل صداقها.
أن الإرث قارن الحرية ولم يسبقها فلم يكن أهلًا للإرث".
- قوله: (قريبه) الضمير عائد على "من" الواقع على "قنٍّ".
- قوله: (وليس عتقه وصية)؛ أيْ: ليس عتق من قال له سيده: أنت حرٌّ آخر حياتي وصية حتى يكون من الوصية لوارث، فيتوقف على إجازة الورثة.
- قوله: (ولو أعتق أمته)؛ أيْ: المريض.
- قوله: (ويصح النكاح) وهل يحرم أو لا؟ صرح صاحب الفروع 279 بتحريمه، وهو لا ينافي كلام المص؛ لأن الصحة لا تستلزم عدم التحريم، وتقدم له نظائر 280.
- قوله: (ولم تستحق الصداق) ويعايا بها فيقال: امرأة صحَّ نكاحها، ومات زوجها ولم تستحق صداقًا ولم يكن قد وجد منها ما يسقطه.
- قوله: (لئلا يفضي.
. . إلخ) وجهه أنها إن استحقت الصداق لم يبق له
الجزء: 3 - الصفحة: 543
ولو تبرّع بثلثه، ثم اشترى أباه ونحوه من الثلثيَن، صحَّ الشراء، ولا عتق، فإذا مات عتق على وارث إن كان ممن يعتق عليه، ولا إرث؛ لأنه لم يَعتق في حياته.
سوى قيمة الأمة المقدر بقاؤها، فلا ينفذ العتق في كلها، وإن بطُل في البعض بطُل النكاح فيبطل الصداق، شرح 281.
- قوله: (ولا عتق) ويعايا بها، فيقال: شخص اشترى ذا رحم محرم له، وصحَّ الشراء ولم يعتق عليه، فتدبر! 282.
- قوله: (إن كان ممن يعتق عليه) بأن كان ابنًا للميت مثلًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 544
15 -