كِتَابُ الجَنَائِزِ
الجزء: 2 - الصفحة: 5
(3) كِتَابُ الجَنَائِزِ
يُسنُّ الاستعدادُ للموتِ، والإكثارُ من ذكره، وعيادةُ مسلمٍ غيرِ مبتدِعٍ يجبُ هجرُهُ كرافِضيٍّ.
. . . . .
كتاب الجنائز
- قوله: (يسن الاستعداد للموت)؛ أيْ: التأهب له، بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم، ذكره في الحاشية 1.
- قوله: (غير مبتدع يجب هجره)؛ أيْ: فيحرم على ما في النوادر 2، ومقتضى الحديث أن مثل عيادته في التحريم إشهاد جنازته، والسلام عليه.
والحديث هو قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار اللَّه -تعالى-، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم" 3، رواه ابن ماجه عن جابر.
الجزء: 2 - الصفحة: 7
أو يُسن كمتجاهرٍ بمعصية، غِبًّا 4 من أول المرض.
. . . . .
لكن قال المناوي في شرح الجامع الصغير 5: "إنه ضعيف واهٍ، بل قيل إنه موضوع".
أقول: المص إنما مثل بالرافضي، فلا يضره ضعف أو وضع حديث القدرية، وإنما يضره ضعف الأحاديث الواردة في هجر الرافضة، فتدبر.
- قوله: (أو يسن كمتجاهر بمعصية) فيكره.
= والحاكم في كتاب: الإيمان (1/ 85) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
قال المنذري في مختصر سنن أبي داود (7/ 58): "هذا منقطع، أبو حازم سلمة بن دينار لم يسمع من ابن عمر، وقد روى هذا الحديث من طرق عن ابن عمر ليس فيها شيء يثبت".
وذكر السيوطي في الجامع الصغير (5/ 282) حديث ابن عمر ورمز له بالحسن.
قال المناوي في شرح الجامع الصغير (5/ 282): "قال الإمام أحمد: ما أرى عمر بن عبد اللَّه لقي عبد اللَّه بن عمر، فالحديث مرسل.
. .، وقال الذهبي بعد ما أورده في الكبائر وغيرها من عدة طرق: هذه الأحاديث لا تثبت لضعف رواتها.
. .، وقال ابن الجوزي في العلل: هذا حديث لا يصح.
. .، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات أيضًا، وتعقبه العلائي بأن له شواهد ينتهي مجموعها إلى درجة الحسن، وهو وإن كان مرسلًا لكنه اعتضد، فلا يحكم عليه بوضع ولا نكارة، ومن ثم رمز المؤلف لحسنه" اهـ. قال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود (7/ 60 - 61): "هذا المعنى قد روي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من حديث ابن عمر، وحذيفة، وابن عباس، وجابر.
. .، والذي صح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذمهم من طوائف هم الخوارج، فإنه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلها صحاح؛ لأن مقالتهم حدثت في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وكلمه رئيسهم، وأما الإرجاء، والرفض، والقدر، والتجهم، والحلول وغيرها من البدع، فإنها حدثت بعد انقراض عصر الصحابة، وبدعة القدر أدركت آخر عصر الصحابة".
الجزء: 2 - الصفحة: 8
بكُرْةً وعَشيًّا، وفي رمضان ليلًا، وتذكيرهُ التوبةَ والوصيةَ، ويدعو بالعافية والصلاح، ولا يُطيل الجلوس.
ولا بأسَ بوضعِ يده عليه، وإخبارِ مريض بما يجد بلا شكوى، وينبغي أن يُحْسنَ ظنه باللَّه -تعالى-.
ويُكرهُ الأنينُ، وتمنِّي الموت، وقطعُ الباسور ومعَ خوفِ تلفٍ بقطعِة: يحرُمُ، وبتركه: يباح.
* قوله: (بكرة وعشيًا) بيان لمحل العيادة، لا تفسير للمراد من قوله "غبًا"، لأن المراد به الزيادة بعد مضى يوم أو يومين، فتكون في كل يومين، أو ثلاث مرة، أي وإذا أريد إيقاعها على هذه الصفة، يكون محل إيقاعها على هذه الصفة بكرة وعشيًا، فتدبر.
- قوله: (بلا شكوى) قالوا وإذا قدم الحمد على الإخبار، خرج بذلك من الشكوى 6.
- قوله: (وتمني الموت) أي لا الشهادة، وكذا لا يكره تمني الموت حال الفتنة، إذ قد ورد من دعائه -عليه السلام-: "وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين" 7.
الجزء: 2 - الصفحة: 9
ولا يجبُ التداوي ولو ظُنَّ نفعُه، وتركُه أفضلُ، ويحرُم بمحرمٍ، ويباح كَتْبُ قرآنٍ وذكرٍ بإناء لحامل لعسر الولادة، ومريض، ويُسقَيانِه.
وإذ نُزِل به: سُن تعاهُدٌ بَلُّ حلقِه بماءٍ أو شرابٍ، وتَنديَةُ شفتَيه بقطنة، وتَلقينُه: "لا إله إلا اللَّهُ" مرةً.
. . . . .
وقوله أيضًا: "أحينا ما كانت الحياة خيرًا لنا، وتوفَّنا إذا 8 كانت الوفاة خيرًا لنا" 9.
- قوله: (ولا يجب التداوي) وحينئذٍ فقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تداوَوا، ولا تتداوَوا بحرام" 10 أمر إرشاد.
- قوله: (وتركه أفضل)؛ أيْ: توكلًا.
- قوله: (ويحرم بمحرم)؛ أيْ: أكلًا، أو شربًا، أو غيرهما، كسماع الآلة.
= ابن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح".
قال ابن رجب في اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى ص (7): "في إسناده اختلاف، وله طرق متعددة وفي بعضها زيادة ونقصان".
الجزء: 2 - الصفحة: 10
ولم يَزد على ثلاث إلا أن يتكلمَ فَيُعِيدُه برفق.
* قوله: (فيعيده برفق) بلا إلحاح، لئلا يتضجر، فيقع فيما لا ينبغي، وإنما استحب إعادتها لتكون آخر كلامه كما في الخبر 11.
وما أحسن ما اتفق لأبي زرعة الرازي 12، لما حضرته الوفاة كان عنده أبو حاتم 13، ومحمد بن مسلم 14، فاستحييا أن يلقناه، فتذاكرا حديث التلقين، فارتج عليهما، فبدأ أبو زرعة وهو في النزع، فذكر إسناده إلى أن قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه" ثم خرجت روحه مع الهاء، قبل أن يقول: "دخل الجنة" 15 16.
الجزء: 2 - الصفحة: 11
وقراءةُ "الفاتحةِ" 17، و"يس" عنده، وتوجيهُه إلى القبلة على جنبه الأيمنِ معَ سَعةِ المكانِ، وإلا فعلى ظهره.
وينبغي أن يشتغلَ بنفسه، ويعتمدَ على اللَّه -تعالى- فيمن يُحبُّ، ويوصيَ للأرجح في نظره.
فإذا ماتَ: سُن: تغميضُه ويُباح من مَحْرمٍ ذكرٍ أو أنثى، ويُكره من حائض وجنب أو أن يَقْرُباه، وقولُ: "بسم اللَّهِ، وعلى وفاةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" 18. . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ما ظهر لأبي زرعة من سيد عمله عند وفاته (1/ 345) وسنده صحيح، وأورد القرطبي نحوه في التذكرة ص (36).
الجزء: 2 - الصفحة: 12
وشدُّ لَحْيَيْهِ، وتليينُ مفاصلِه، وخلعُ ثيابه، وسترُه بثوب، ووضعُ حديدةٍ أو نحوِها على بطنه، ووضعُه على سرير فُسلِه مُتوجِّها منحدِرًا نحو رجليه، وإسراعُ تجهيزه إن مات غيرَ فجأةٍ، وتفريق وصيتِه.
. . . . .
* قوله: (إن مات غير فجأة) [فإن مات فجأة] 19، أو شك في موته انتظر به حتى يعلم موته.
غريبة وقعت 20: "حكى ابن عسكر 21 22 أن يعقوب الماجشون 23 جد عبد الملك صاحب مالك 24 مات، ووضع على السرير، واجتمع الناس للصلاة عليه، فوجد = هذا، ولا يثبت السنة بقول تابعي.
. . قلت: والصحيح أن هذا الكلام يقال عند إنزال الميت في اللحد.
. . "، وسيأتي تخريجه -إن شاء اللَّه تعالى-.
الجزء: 2 - الصفحة: 13
ويجبُ في قضاء ديْنه.
ولا بأس أن يُنتظرَ به من يحضُره من وليِّه 25 أو غيره إن قَرُبَ، ولم يُخشَ عليه، أو يَشُقَّ على الحاضرين.
وينتظرُ بمن مات فجأة، أو شُكَّ في موته حتى يعلمَ: بانخساف صُدغَيْه، وميلِ أنفه.
. . . . .
الغاسل عِرْقًا تحت رجله يتحرك، فقال: أرى أن يؤخر غسله إلى غد، فلما أصبحوا، واجتمع الناس للصلاة عليه وغسل، وجده الغاسل كذلك، فصرف عنه الناس، ثم كذلك في الثالث، ثم إنه استوى جالسًا وقال: اسقوني سويقًا، فسقوه، وسألوه عن حاله فقال: عرج بروحي إلى السماء الدنيا، ففتح لها الباب، ثم كذلك إلى السماء السابعة، فقيل للملك الذي عرج بي: من معك؟ فقال: الماجشون، فقال: إنه بقي من عمره كذا وكذا شهرًا، وكذا وكذا يومًا، وكذا وكذا ساعة، قال ثم هبط: بي، فرأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبا بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعمر بن عبد العزيز بين يديه، فقلت للملك الذي معي: إنه لقريب المنزلة من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: إنه عمل بالحق في زمن الجَور، وإنهما عملا بالحق في زمن الحق" حواشي ف 26 27 28.
- قوله: (ويجب في قضاء دينه) أوصى به، أو لم يوص، للَّه، أو لآدمي.
= مات سنة (212 هـ). انظر: وفيات الأعيان (2/ 240)، الديباج المذهب (2/ 6)، شجرة النور الزكية ص (56).
الجزء: 2 - الصفحة: 14
ويُعلمُ موتُ غيرهما بذلك وبغيره كانفصالِ كفيه واسترخاءِ رجليه.
ولا بأسَ بتقبيله، والنظرِ إليه، ولو بعد تكفينِه.
1 - فصل
وغُسلُه مرةً، أو يُيَمَّمُ لعذر فرضُ كفاية.
. . . . .
فصل
في تغسيل ميت وغَسْلٌ وتكفينٌ صلاة وحملها ... ودفنٌ لميت من فروض الكفاية وغسل شهيد أثخَنوه 29 بمعركه ... ومقتولُ ظلمٍ لا لنحو جنابة وحيض فمكروه وقيل بحضرة ... وأبْق دمًا لا نحو سيف نجاسة وغسلُ سوى هذين واصغ لعدِّها ... فقد بلغت بضعًا 30 وعشرين فاثبت طعين ومبطون 31 غريق ومن شرق ... حريق وذو هدم وجنب 32 ولَقوة 33 وصابر في 34 الطاعون فاحفظ ومن سلل ... ومن قد تردَّى من جبال شهيقة لديغ ومجنون ومن في نفاسها ... ومن طلب الإشهاد مع صدق نية ومن في سبيل اللَّه أو دون دينه ... أو المال أو دَمِّ او أهل ظلامة
الجزء: 2 - الصفحة: 15
. . . . . . . . . . . . . . . . . فريسٌ لسبع مع أمين لأرضنا ... مرابطٍ او من خَرَّ عن ظهر دابة وأغربها من قد تُوفِي بغُربَة ... وأغْرَبُ منه من 35 توفي بعشقه 36 بشرط عفاف ثم كتم لحبه ... فهذا بفضل اللَّه جوزي بجنة وناظم عقد للآلي محمد ... سَمِيٌّ لمختار شفيع البرية هو الحنبلي ثم البَهوتي ابن أحمد ... مرجي لعفو ثم غفر خطية وللَّه حمدٌ ما تألق بارق ... وفاح لنا زهر بريح زكية وصلِّ وسلم بكرة وعشية ... على خير خلق اللَّه زين القيامة محمد المختار من نسل هاشم ... وآل وصحب كالنجوم المضيئة ثم رأيت شيخنا العلامة نور الدين علي الأجهوري، قد زاد على ذلك نحو ثمانية عشر ونظمها 37 فقال: إن الشهيد سوى من في الجهاد قضى ... نحو الثلاثين مبطون وذو غرق ومن يموت بطاعون كذلك من ... بالجمع ماتت وذو سلِّ 38 وذو شرق
الجزء: 2 - الصفحة: 16
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كذات جنب أو الحمى ملتدغ ... وميتِ سجنٍ بلا حقٍّ ومحترق كذا الغريب ومن للسبع مفترَس ... وميت العشق مع إعفافه العبق وميت حال ما للعلم ذا طلب ... أو دونِ أهلِ كمالٍ أو دم الريق ككل 39 ليلة القاري بلا كسل ... يس واللَّذْ يرابطُ جا كالفلق وراكب خرَّ عن مركوبه فبدا ... كأس الحمام 40 تراه في المنام سقي كذاك ميت على طهر تحل به الـ ... ــــصلاة هذا شهيد أيضًا استبق لمائد البحر أجر للشهيد كمن ... في غيره صبرت والتاجر الصدق ومن يقول دُعا ذا النون في مرض ... بعدِّ ميمم وغفرا أن يصح لقي ومن يلازم وترًا مع صلاة ضحى ... وصام في الشهر أيامًا فذق وَفِق كممسك سُنَّة الهادي إذا فسدت ... اتباعُهُ جاء ذا في أيسر الطرق وميت يوم سُؤْل أن يبارك في ... موت وما بعده أيضًا من النسق إن كرر القول كه أيضًا ومحتسب ... آذانه والمداري 41 ما بقي ففق ومن يصلي على خير الورى مئه ... أو صادق في سؤال للشهادة ق ومن لمصر من الإسلام ذو جلب ... لقوتنا واحفظ العلم الذي يفق كميت يوم عيد للمؤمنين كذا ... ببرد ثلج به غسل شهيد تقي
الجزء: 2 - الصفحة: 17
وينتقلُ إلى ثوابِ فرضِ عينٍ.
. . . . .
ومن قرأ بعد تثليث التعوذ من ... نهاية الحشر أيامًا صفي تق
وقد أتى بسميع والعليم به ... وصفا لِم خلق الإنسان من علق
فمن تَلاذا بصبح قال ذا لِمَسَا ... وعكسه إن تلاه مبتدأ الغسق
مع أن يصلي مع ملائكة ... سبعون ألفًا بذا جاء الحديث فق
- قوله: (وينتقل إلى ثواب فرض عين) هذه العبارة لا يرد عليها ما أورده الحجاوي 42 على قوله المنقح 43: (ويتعين مع جنابة أو حيض) ما نصه: "هذا كلام مشكل، لم أرَ له معنى صحيحًا، فإن الحائض والجنب إذا ماتا كغيرهما في الغسل، قاله في المغني 44 وغيره 45، فإنه إذا كان الميت جنبًا، أو كانت حائضًا لم ينتقل الغسل عن فرض 46 الكفاية، فيصير فرض عين على الناس كلهم أن يغسلوا هذا الميت، فإن هذا من المحال.
فإن قيل: المراد أنه واجب؟ قلنا: وغسل الميت الذي لم يلزمه غسل في الحياة واجب، وإن كان الوجوب باعتبار الميت، لأنه كان متعينًا عليه في حال حياته فغير صحيح، لأن الميت يسقط عنه التكليف من الغسل وغيره، وإنما غسله واجب على غيره، ولعل المنقح حصل له هذا الوهم من غسل الشهيد، فإنه يغسل إذا كان جنبًا، أو حائضًا، أو نفساء، وجوبًا يقوم به من يفعله، لا متعينًا على الناس كلهم
الجزء: 2 - الصفحة: 18
معَ جنابةٍ، أو حيض، ويسقُطان به سوى شهيد معركة ومقتول ظلمًا ولو انثيين أو غير مكلفَين فيُكرَهُ.
ويُغسلان معَ وجُوب غُسل عليهما قبل موت: بجنابةٍ، أو حيض، أو نفاس أو إسلام كغيرهما، وشرط: طَهورَّيةُ ماء وإباحتُه، وإسلامُ غاسلٍ -غيرِ نائب عن مسلم نواه، ولو جنبًا، أو حائضًا-.
. . . . .
كما تقدم، فلفظه غير مستقيم في الشهيد، إن حمل عليه ولا في غيره" انتهى.
ووجه عدم ورود ذلك على كلام المص هنا أنه أسند الانتقال إلى الثواب، لا إلى الفرض على معنى أنه يثاب عليه ثواب فرض العين مع بقائه على كونه فرض كفاية، كما أنه إذا لم يوجد من يقوم بغسله إلا واحد، فإنه يتعين عليه، بمعنى أنه يثاب عليه ثواب فرض العين.
- قوله: (مع جنابة) المراد مع موجبه.
- قوله: (أو حيض)؛ أيْ: أو نفاس.
واعترض الحجاوي 47 على المنقح 48 في إسقاطه ذلك. - قوله: (فيكره) وفي الإقناع 49: يحرم.
- قوله: (ولو جنبًا أو حائضًا)، قال في الإقناع 50: "بلا كراهة".
أقول: ولا تعارض بين الحكم بعدم كراهة ذلك من الجنب والحائض،
الجزء: 2 - الصفحة: 19
وعقلُه -ولو مميزًا-، والأفضلُ: ثقةٌ عارفٌ بأحكامِ الغَسل.
والأولى به: وصيُّه العدلُ.
. . . . .
والحكم بكراهة قربانهما للميت، لأن 51 المراد أن قربانهما مكروه، وأن ذات الغسل ليست مكروهة، م ص 52.
وظهر لي فرق أحسن من ذلك: وهو أن كراهة القربان وقت النزع، لأذية 53 الملائكة التي تحضره لأخذ الروح، وقد قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه جنب" 54، وفي رواية: "فيه حائض" 55، وعدم كراهة الغسل لانتفاء العلة، إذ الملائكة تكون قد صعدت بروحه، بل ربما يكون قد مضى على ذلك زمن طويل، فتدبر 56!.
- قوله: (ولو مميزًا) لكن مع الكراهة على ما في الإقناع 57.
- قوله: (والأولى به وصيه العدل) ويتجه ولو ظاهرًا وظاهره، ولو كان أنثى.
الجزء: 2 - الصفحة: 20
فأبوه وإنْ علا، ثم الأقربُ فالأقربُ من عَصباتِه نسبًا، ثمَّ نعمةً، ثم ذوو أرحامه كميراث الأحرارُ في الجميع، ثم الأجانبُ.
وبأنثى: وصيَّتُهَا، فأُمُّها وإنْ علَت، فبِنتُها وإنْ نزلت, ثم القُرْبىَ فالقربى كميراث، وعمةٌ وخالةٌ، أو بنتا أخٍ وأختٍ سواءٌ, وحكمُ تقديمهنَّ كرجال، وأجنبيٌّ وأجنبيةٌ أولى من زوجةٍ وزوجٍ، وزوجٌ وزوجةٌ أولى من سيدٍ وأمِّ ولد، ولسيدٍ غُسلُ أمتِه، وأمِّ ولدِه، ومكاتبتِه مطلقًا، ولها تغسيلُه إنْ شرط وطأها.
وليس لآثم بقتل حق في غسل مقتول.
. . . . .
* قوله: (فأبوه) وهل الأب، كالوصي في كونه عدلًا، فيكون حذف من الثاني لدلالة الأول عليه 58؟.
- قوله: (وبأنثى وصيتها) ولو زوجها، والتأنيث نظرًا للغالب، وهل تشترط العدالة كما في الذكر 59؟.
- قوله: (وعمة.
. . إلخ) وكأنهم نظروا إلى أن القوة التي في العمة لنسبتها إلى الأب عودلت بالشفقة التي نالتها من الأم. - قوله: (ومكاتبته مطلقًا)؛ أيْ: سواء شرط وطأها في عقد الكتابة أم لم يشرطه.
- قوله: (وليس لآثم بقتل.
. . إلخ) بخلاف من ليس بآثم، كالقاتل خطأ
الجزء: 2 - الصفحة: 21
ولا لرجل غسل ابنة سبع، ولا امرأة غسل ابن سبع، ولهما غسل من دون ذلك.
وإن مات رجل بين نساء لا يباح لهن غسله، أو عكسه، أو خنثى مشكل.
لم تحضره أمة له يُمِّمَ.
. . . . .
خلافًا لأبي المعالي 60؛ لأنه قال "وليس للقاتل الذي لا يرث حق في غسل مقتول"؛ أي: سواء كان آثمًا بقتله أم لا، ومشى عليه في الإقناع 61.
- قوله: (ولا لرجل غسل ابنة سبع)؛ أيْ: ليست بزوجة ولا أمة.
- قوله: (ولا لامرأة غسل ابن سبع)؛ أيْ: ليس زوجًا، ولا سيدًا لها 62، فتدبر!.
- قوله: (ولهما غسل من دون ذلك) قال ابن المنذر 63: "إجماعًا".
- قوله: (لا يباح لهن غسله) بأن لم يكن فيهن زوجته ولا أم ولده.
- قوله: (أو عكسه) بأن لم يكن فيهم لا زوجها ولا سيدها.
- قوله: (أو خنثى مشكل.
. . إلخ)؛ أيْ: تم له سبع سنين. - قوله: (يمم) ويعايا بها فيقال: لنا ميت مع وجود الماء الطهور المباح المملوك له، وليس غيره محتاجًا إليه لشرب ولا غيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 22
وحرم دون حائل على غير محرم، ورجل أولى بخنثى.
وتُسن بداءةٌ بمن يُخاف عليه، ثم بأبٍ، ثم بأقربَ، ثم أفضلَ، ثم أسنَّ، ثم قرعةٌ.
ولا يُغسِّلُ مسلم كافرًا، ولا يُكفِّنُه، ولا يُصلِّي عليه، ولا يَتْبعُ جِنازته، بل يُوارى لعدمٍ، وكذا كلُّ صاحب بدعةٍ في مكفِّرة.
وإذا أخذ في غُسله: سترَ عورتَه وجوبًا.
. . . . .
* قوله: (وحرم)؛ أيْ: أن ييممه واحد من الثلاثة.
- قوله: (ورجل أولى بخنثى) فييممه الرجل، ولو كان ثمَّ نساء، لفضله عليهن بالذكورية.
فإن قلت: كان الظاهر تقديم المرأة على الرجال، لأن لها أن تنظر منه إلى ما عدا ما بين سرته وركبته، سواء قُدِّر ذكرًا أو أنثى، بخلاف الرجل فإنه ليس له النظر إليه، لاحتمال كونه امرأة معاملة بالأغلظ.
قلنا: هذا نَظَرَ لحاجة، وقد أجيز النظر عندها، كنظر الشاهد والمعامِل، وهذا أولى بالحكم، فتدبر!. - قوله: (ثم بأب)؛ أيْ: بأبي الغاسل.
- قوله: (ستر عورته) قال في الحاشية 64: "قوله (ستر عورته)؛ أيْ: ما بين سرته وركبته"، انتهى.
أقول: عمومه يشمل ما كان بين السبع والعشر، مع أنه تقدم 65 أن عورته
الجزء: 2 - الصفحة: 23
وسُنَّ تجريده إلا النَّبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 66، وسترُه عن العيون تحت ستر.
وكُره حضورُ غير مُعين في غُسله، وتغطيةُ وجهه.
ثم يَرفعُ رأس غير حامل إلى قُرب جلوسِه، ويَعصرُ بطنه برفق، ويكونُ ثَمَّ بَخُورٌ ويُكثرُ صبَّ الماء حينئذٍ، ثم يَلُفُّ على يده خِرقةً فيُنَجِّيه بها، ويجبُ غسلُ نجاسة به، وأن لا يَمسَّ عورة من بلغ سبعَ سنين، وسُن أن لا يمسَّ سائِره إلا بخرقة.
. . . . .
الفرجان، فلعل المراد إلا هذا، وتَرَك استثناءه اعتمادًا على ما سبق.
- قوله: (وكره حضور غير معين) قال القاضي 67: "إلا الولي، فله الدخول كيف شاء".
- قوله: (بخور) بوزن رسول 68.
- قوله: (ويجب غسل نجاسة به)؛ أيْ: بالميت، والباء للملابسة.
الجزء: 2 - الصفحة: 24
ثم يَنوِي غُسلَه، ويسمِّي.
وسُن أن يدخلَ إبهامَه وسبَّابتَه عليهما خرقةٌ مبلولة بماء بين شفتَيه فيمسحَ أسنانه، وفي منْخرَيه فَينظِفَهما، ثُم يُوضِّئُه، ولا يُدخل ماءً في أنفِه ولا فَمِه، ثم يضرب سدْرًا أو نحوه.
. . . . .
* قوله: (ويسمي)؛ أيْ: وجوبًا وحكمها كما تقدم 69.
- قوله: (ويسن.
. . إلخ) معنى استحباب ذلك: أن عليه الإمام والأصحاب، كما حكاه الزركشي 70 وغيره 71، وأما كونه مسنونًا؛ أيْ: متلقى عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ففيه نظر، ولم نرَ من قاله قبل المنقح 72 إلا صاحب الفروع 73؛ لأنه من عادته أن يجعل المستحب والمستحسن مسنونًا، ولو لم يرد في السنة، كما قاله في النطق بالنية في الوضوء 74، وتابعه المنقح 75، قاله الحجاوي في حاشيته 76. وبخطه على قول المص: (ويسن.
. . إلخ)؛ أيْ: بعد أن يغسل كفيه ثلاثًا، على ما في الإقناع 77. - قوله: (ثم يوضئه)؛ أيْ: وضوءه للصلاة، وهو مستحب، لقيام موجبه
الجزء: 2 - الصفحة: 25
فيغسل برغوته رأسه ولحيته فقط، ثم يغسل شِقَّه الأيمن ثم الأيسر، ثم يُفيض الماء على جميع بدنه، ويثلِّث ذلك إلا الوضوء.
يُمرُّ في كُل مرةٍ يَدَه على بطنه، فإن لم يَنْقَ بثلاثٍ زاد حتى يَنْقَى ولو جَاوز السبعَ، وكُره اقتصارٌ في غُسل على مرة إن لم يخرج شيءٌ.
وهو زوال عقله، وظاهر كلام القاضي وابن الزاغواني 78 أنه واجب 79.
قلت: هو أيضًا ظاهر كلام الشارح 80 فيما يأتي، حاشيته 81 82.
- قوله: (إلا الوضوء) فلا يُثَلِّثُه؛ أيْ: فلا يعيده بعد المرة الأولى؛ أيْ: فلا يوضئه غير وضوء واحد.
- قوله: (ولو جاوز السبع) وهل يسن أن يكون وترًا كما في إزالة النجاسة؟ وقد يقال: إن قول المص الآتي 83: (ويسن قطع على وتر) عائد إليه أيضًا، فتدبر!.
- قوله: (إن لم يخرج شيء)؛ يعني: فإن خرج شيء حرم الاقتصار، كما أشار إليه الشارح 84.
الجزء: 2 - الصفحة: 26
ولا يجبُ الفعلُ فلو تُرك تحت ميزاب ونحوه، وحضَرَ مَنْ يصلحُ لغُسله ونوى ومضى زمنٌ يُمكنُ غُسلهُ فيه كفى.
وسُن قطعٌ على وِتْرٍ، وجَعلُ كافورٍ وسِدْرٍ في الغَسلةِ الأخيرةِ، وخِضابُ شعره بحِنَّاء 85 وقصُّ شاربِ غيرِ مُحْرِمٍ.
. . . . .
* قوله: (ونوى)؛ أيْ: وسمى، ذكره الشارح 86.
- قوله: (ومضى زمن.
. . إلخ) لو قال: وعَمَّه الماء، لكان أخصر، وأظهر، فتدبر!. - قوله: (وسن قطع على وتر)؛ أيْ: في جمع ما تقدم.
- قوله: (وجعل كافور) إن لم يكن محرمًا، فإنه من الطيب، والإطلاق ثم التقييد يوهم خلاف المراد، وكأن المص قصد الجمع بين الحذف من الأول لدلالة الثاني، ثم من الثاني لدلالة الأول في تقليم الأظفار، إن جعل الضمير في "أظفاره" للميت، فمان جعل لغير المحرم لم يكن فيه حذف من الثاني، لدلالة الأول، فتأمل!، وسيأتي 87 في كلام المص ما يدل على ذلك حيث قال: "ومحرم ميت كحي.
. . إلخ". - قوله: (في الغسلة الأخيرة)، قال شيخنا: ظاهر هذه العبارة غير مراد، بل المراد أن الغسلة الأخيرة يسن أن لا تخلو من 88 السدر، فلا ينافي استحباب كونه في غيرها، والعبارة توهم خلافه.
الجزء: 2 - الصفحة: 27
وتقليمُ أظفاره إن طالا، وأخذُ شعر إبْطَيْه، وجعلُه معه كعضوٍ ساقط.
وحَرُم حلقُ رأس، وأخذُ عانةٍ، كختن.
وكُره ماءٌ حارٌ، وخلالٌ 89، وأُشنانٌ إنْ لم يُحتج إليه، وتَسريحُ شعره.
وسُنَّ أن يُظفَّر شعرُ أُنثَى ثلاثَة 90 قرون، وسدلُه وراءها، وتَنْشيفٌ.
ثم إن خرجَ شيءٌ بعد سبعٍ حُشِيَ بقطن، فإن لم يَستمسك فبطينٍ حُرٍّ.
. . . . .
* قوله: (تقليم أظفاره)؛ أيْ: أظفاره غير محرم.
- قوله: (وجعله معه)؛ أيْ: جعل المأخوذ من شعره وأظفاره.
وبخطه: أيْ: بعد إعادة غسله. - قوله: (كعضو ساقط)؛ أيْ: كما يجعل معه العضو الساقط.
- قوله: (كختن) ظاهره ولو مات في حال وجوبه.
- قوله: (وكره ماء حمار)؛ لأنه يؤذيه، وعلى قياسه حينئذٍ البارد الشديد البرودة؛ لأنه يؤذي الميت ما يؤذي الحي.
- قوله: (وتسريح) عطف على (ماء حار) وعبارة الإقناع 91: (ولا يسرح شعره)، ويمكن حملها على ما هنا.
- قوله: (حُشِي.
. . إلخ).
. . . . .
الجزء: 2 - الصفحة: 28
ثم يُغسلُ المحلُّ، ويُوضَّأُ، وإن خرج بعد تكفينهِ لم يُعَد الغسلُ.
ولا بأس بغسله في حمام، ولا بمخاطبة غاسل له حالَ غسله: بـ"انقلب يرحمك اللَّه" ونحوه.
[قال في الإنصاف] 92 93: "قال ابن منجا في شرحه 94: لم يتعرض المص إلى أنه يلجم المحل بالقطن، فإن لم يمتنع حشاه، قال: وصرح به أبو الخطاب 95، وصاحب النهاية فيها، يعني به أبا المعالي، وجزم به في المذهب والخلاصة"، من حاشية شيخنا 96.
- قوله: (ثم يغسل المحل)؛ أيْ: وجوبًا.
- قوله: (ويوضأ)؛ أيْ: وجوبًا، كالجنب إذا أحدث بعد الغسل.
قال شيخنا 97: "وهذا واضح على القول بوجوب الوضوء، أما على القول باستحبابه 98 ففيه نظر، إذ ليس لنا مسنون إعادته واجبة".
أقول: بل له نظير، وهو الحج المسنون إذا فسد، فإن قضاءه واجب 99. إلا أن يقال: إن هذا ثبت على خلاف القياس، فلا يقاس عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 29
ومُحْرِمٌ ميتٌ كحي يُغَسلُ بماءٍ وسِدْرٍ، ولا يقرَّبُ طِيبًا، ولا يُلبسُ ذكرٌ المَخِيطَ، ولا يغطى رأسُه ولا وجهُ أنثى، ولا تُمنعُ معتدةٌ منْ طيب.
وتُزال اللَّصوقُ للغُسل الواجب، وإن سقط منه شيء بقيت ومُسح عليها، ويُزال خاتَمٌ ونحوه ولو بِبَردِه، لا أنفٌ من ذهبٍ ويُحَطُّ ثمنُه إن لم يؤخذ من تركة، فإن عُدمت أخذ إذا بَليَ الميت.
* قوله: (ولا يقرب طيبًا.
. . إلخ) قال في الإنصاف 100: "لكن لا يجب الفداء على الفاعل به 101 ما يوجب الفدية لو فعله حيًّا، على الصحيح من المذهب".
- قوله: (ولا يغطى رأسه)؛ أيْ: الميت الذكر، بدليل ما بعده.
- قوله: (ولا تمنع معتدة من طيب) لسقوط الإحداد بموتها، ولزوال علته، وهو رغبة الرجال فيها.
- قوله: (وإن سقط منه شيء)؛ أيْ: خيف سقوط شيء.
- قوله: (ومسح عليها) ظاهره ولو كانت على غير طهارة، فليحرر 102.
- قوله: (لا أنف) لم يتعرض للسن، وهل هو كذلك، أو يفرق؟ ومقتضى التعليل في جانب الأنف بما فيه من المثلة، الفرق 103.
- قوله: (من تركه) متعلق بـ (يُحَطُّ).
الجزء: 2 - الصفحة: 30
ويجب بقاءُ دمِ شهيدٍ عليه إلا أن تُخالطَه نجاسةٌ فيُغْسَلا، ودفنُه في ثيابِهِ التي قُتلَ فيها بعد نَزْع لأْمَةِ حرب، ونحوِ فروٍ وخُفٍّ.
وإن سقط من شَاهق أو دابةٍ لا بفعل العدوِّ، أو مات برفسةٍ، أو حَتْف أنفِهِ، أو وُجد ميتًا ولا أثرَ به.
. . . . .
* قوله: (ودفنه في ثيابه)، قال في الإقناع 104: "وظاهره ولو كانت حريرًا"، انتهى.
وظاهره أيضًا أنه لا تحرم الزيادة عليها، وهو كالصريح في شرحه 105 في الجواب عن قصة حمزة 106 -رضي اللَّه عنه-، لكن قال في المبدع 107: "فعلى المذهب لا يزاد ولا ينقص، فيرد عليه ولو كان لابسًا الحرير، ولعله غير مراد، وذكر القاضي في تخريجه أنه لا بأس بهما"، انتهى، ذكره في الحاشية 108.
- قوله: (ونحو فرو) انظر لو لم يكن عليه غير الفرو، هل ينزع ويكفن في غيره، أو يبقى؟.
- قوله: (أو حتف أنفه)؛ أيْ: بلا سبب، تقول العرب: مات فلان حتف أنفه؟ أي على فراشه من غير حرق، أو غرق؛ لأنه يموت ونفسه تخرج من أنفه 109.
الجزء: 2 - الصفحة: 31
أو عاد سهمُه عليه، أو حُمِل فأكل أو شرب، أو نام، أو بال، أو تكلم، أو عطِس، أو طال بقاؤه عُرفًا فكغيره.
وسِقْطٌ لأربعةِ أشهرٍ.
. . . . .
* قوله: (أو عاد سهمه عليه) انظر ما إذا عاد عليه سهم أحد المسلمين، هل يكون كذلك، أو يكون من المقتول ظلمًا، فلا يغسل ولا يكفن؟ فليحرر.
- قوله: (فأكل) هذا قيد في الأخير فقط، وما قبله كغيره تكلم، أو أكل، أو نحوه، أو لا، كذا، قرره شيخنا 110.
- قوله: (فكغيره)؛ أيْ: يغسل، ويكفن، ويصلى عليه.
- قوله: (وسِقْطٌ) بتثليث السين 111.
- قوله: (لأربعة أشهر)؛ لأنها أوَانُ نفخ الروح فيه، كما نطقت به السنة 112، وإن كان في الإقناع 113 اعتبار 114 مجاوزة الأربعة أشهر.
وبخطه 115: وأناط الحكم غيرنا بالاستهلال، وأشار في الإقناع 116 إلى الخلاف
الجزء: 2 - الصفحة: 32
كمولود حيًّا.
ويحرُم سوء الظنِّ بمسلمٍ ظاهرِ العدالة، ويَجب على طبيب ونحوِه أن لا يحدِّثَ بعَيب، وعلى غاسل سترُ شر لا إظهارُ خير.
بقوله "ولو لم يستهل".
- قوله: (كمولود حيًّا)؛ أيْ: فيغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن، ويستحب تسميته، نص عليه 117، اختاره الخلال وغيره 118. قال في الإقناع 119: "ويستحب تسميته ولو وُلد قبل أربعة أشهر، وإن جهل أذكر أم أثنى، سمي بصالح لهما، كطلحة، وهبة اللَّه".
- قوله: (وعلى غاسل ستر شر) عبارة المنقح 120: "ويجب على الغاسل ستر ما رآه، إن لم يمكن حسنًا، وقال جمع محققون 121: إلا على مشهور ببدعة، أو فجور ونحوه، فيسن إظهار شره، وستر خيره، وهو أظهر"، انتهى.
واعترض هذا الحجاوي في حاشيته على التنقيح 122: بأنه لم يرد فيه سنة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم نرَ من قاله غيره"، انتهى.
أقول: فيه توقف من وجهَين: الأول: أن قوله لم يرد فيه سنة.
. . إلخ ممنوع،
الجزء: 2 - الصفحة: 33
2
- فصل
وتكفينُه فرضُ كفايةٍ، ويجب لحَقِّ اللَّه -تعالى-، وحَقِّه ثوبٌ لا يصف البشرة يستر جميعَه من ملبوسِ مثله ما لم يوصِ بدونه، ويُكره أعلى، ومؤنة تجهيز بمعروف، ولا بأس بمسك فيه.
. . . . .
إذ هي شهادة نفي والثاني: أن قوله: ولم نرَ من قاله غيره، ممنوع، إذ هو ناقل له عن غيره، حيث قال: "وقال جمع محققون.
. . إلى آخره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
- قوله: (ثوب) فاعل "يجب".
- قوله: (يستر جميعَه)؛ أيْ: جميع الميت، والمراد: إذا لم يكن محرمًا، كما مَرَّ 123، فلو وصى بدونه لم يصح.
- قوله: (من ملبوس مثله)؛ أيْ: في الجُمَع والأعياد، قاله في الإنصاف 124.
- قوله: (ما لم يوصِ بدونه)؛ أيْ: بدون ملبوس مثله.
- قوله: (ويكره أعلا)؛ أيْ: من ملبوس مثله، ولا تصح الوصية به.
- قوله: (ومؤنة تجهيز) بالرفع، عطف على (ثوب).
- قوله: (بمعروف)؛ أيْ: بقدر 125 العرف والحاجة، أما من أخرج فوق العادة، فأكثر الطيب والحوائج، وأعطى الحمالين، والحفارين زيادة على العادة، على طريق المروءة، لا بقدر الواجب فمتبرع، فإن كان من التركة فمن
الجزء: 2 - الصفحة: 34
من رأس مالِه مقدَّمًا حتى على دينٍ برهنٍ، وأرْشِ جناية، ونحوهما.
فإن عُدم فمِمَّن تلزمُه نفقته إلا الزوجَ، ثم من بيت المال إن كان مسلمًا، ثم على مسلمٍ عالمٍ به، وإن تبرع به بعضُ الورثة لم تَلزم بقيتَهم قبولُه، لكنْ ليس لهم سلبُه منه بعد دَفنه، ومن نُبِش وسُرق كفنُه كُفِّنَ من تركته.
. . . . .
نصيبه، قاله في الفصول 126.
- قوله: (من رأس ماله) متعلق بـ (يجب).
- قوله: (إلا الزوج)؛ أيْ: لا يلزمه مؤنة تجهيز امرأته، ولو لم يكن لها تركة، حتى ولو كان غنيًّا.
- قوله: (ثم على مسلم عالم به).
- تنبيه: سيأتي 127 في آخر 128 باب الموصى إليه ما نصه: "ومن مات ببرية ونحوها، ولا حاكم ولا وصي، فلمسلم أخذ تركته وبيع ما يراه وتجهيزه منها إن كانت، وإلا فمن عنده، ويرجع عليها، أو على من تلزمه نفقته إن نواه، أو استأذن حاكمًا"، انتهى.
- قوله: (ومن نبش وسرق كفنه.
. . إلخ) ولو بعد مدة، كان يمكن أن يَبْلَى مثل ذلك الكفن فيها، وهل إذا بلي الكفن وبقي الميت يكفن أيضًا من تركته، أو يفرق، وما الفرق؟.
الجزء: 2 - الصفحة: 35
ثانيًا وثالثًا، ولو قُسمت ما لم تُصرف في دينٍ أو وصيةٍ.
وإن أُكلَ ونحوُه وبقيَ كفنُه فما من ماله: فتركة، وما تُبرع به فَلِمتبرِّع، وما فَضلَ ممَّا جُبِيَ فلربِّه، فإن جُهل ففي كفنٍ آخرَ، فإن تعذَّر تُصدِّق به، ولا يُجْبَى كفنٌ لعدمٍ إن سُتِرَ بحشيش.
وسُن تكفينُ رجلٍ في ثلاثِ لفائفَ بيض من قطنٍ، وكُره في أكثرَ، وتعميمُه.
تُبْسطُ على بعضها واحدة فوق أخرى بعد تبخيرها، وتُجعل الظاهرة أحسنَها.
. . . . .
* قوله: (ثانيًا وثالثًا) انظر هل هذا قيد؟.
- قوله: (ولو قسمت) ولا تنقض القسمة، بل يؤخذ من كل وارث بنسبة حصته.
- قوله: (ما لم تصرف في دين أو وصية) فلا يلزمهم تكفينه، ذكره في الحاشية 129.
- قوله: (فما من ماله فتركةٌ.
. . إلخ) كان على المص أن يقول هنا: وما من بيت المال فلبيت المال.
. . إلخ. - قوله: (وما تبرع به فلمتبرع)؛ لأن تكفينه فيه ليس بتمليك، بل إباحة، بخلاف ما لو وهبه للورثة فكفنوه به ثم وجدوه فهو لهم.
- قوله: (تصدق به)؛ يعني: عن أربابه، على ما يأتي في الغصب 130.
الجزء: 2 - الصفحة: 36
والحَنُوطُ: وهو أخْلاط من طِيبٍ، فيما بينها.
ثم يُوضعُ عليها مُستلقيًا، ويُحطُّ من قطن محنَّطٍ بين إليَتَيْه، وتُشدُّ فوقَه خِرقةٌ مشقوقةُ الطَرَف كالتُّبَانِ تجَمْعُ إليَتَيْه ومثانتَه، ويُجعلُ الباقي على منافذ وجهِهِ ومواضع سجودِهِ، وإنْ طُيِّب كلُّه فحسنٌ، وكُرِه داخلُ عينيه كبِورْسٍ وزعفوانٍ، وطَليُه بما يُمْسِكُه كصبِرٍ 131 ما لم يُنْقَل.
ثم يُردُّ طرفُ العليا من الجانبِ الأيسرِ على شِقِّهِ الأيمن، ثم طرفُها الأيمنُ على الأيسر، ثم الثانيةُ، ثم الثالثةُ كذلك، ويُجعل أكثرُ الفاضلِ ممَّا عند رأسه، ثم يَعقدُها وتُحلُ في القبر.
* قوله: (بين أليتيه) الأجود عربية: ألييه 132.
- قوله: (كالتُّبان) سراويل بلا أكمام.
- قوله: (ومواضع سجوده) كجبهته، ويدَيه، وركبتيه، وأطراف قدَميه لشرفها، وكذا مغابنه كطي ركبتَيه، وتحت إبطَيه، وكذا سرته، ذكره في الحاشية 133.
- قوله: (كبِوْرس وزعفران)؛ أيْ: كما يكره تطييبه مطلقًا بالبورس، والزعفران.
- قوله: (وتحل.
. . إلخ) قال أبو المعالي 134: "فإن نسي الملحِّد أن يحلها نبش، ولو كان بعد تسوية التراب قريبًا وحلت، لأن حلَّها سنةٌ".
الجزء: 2 - الصفحة: 37
وكُره تخريقُها، لا تكفينُه في قميصٍ ومِئْزَرٍ ولفافةٍ، والجديدُ أفضل، وكُره رقيقٌ يحكي الهيئةَ، ومن شعرٍ وصوفٍ، ومزعفرٌ ومعصفرٌ، وحرم بجلد، وجاز في حريرٍ ومُذَهَّبٍ لضرورةٍ.
* قوله: (وكره.
. . إلخ)؛ أيْ: لأنه إفساد لها.
قال أبو الوفاء 135: "ولو خيف نبشه" قال في الفروع 136: "وهذا ظاهر كلام غيره، وجوَّزه أبو المعالي خوف نبشه".
- قوله: (يحكي الهيئة)؛ أيْ: تقاطيع البدن، لكن لا يحكي بياض البشرة أو سوداها، فإن حكى ذلك لم يجُز، كما يدل عليه قوله أول الفصل 137: "ثوب لا يصف البشرة"، فتدبر!.
- قوله: (لضرورة) وهو أن لا يوجد شيء غيره، ولعله ولو حشيشًا أو ورق شجر، كما هو ظاهر كلامهم، فليحرر 138!. وظاهره أنه لا يجوز في الجلد ولو لضرورة، فليحرر 139!.
الجزء: 2 - الصفحة: 38
ومتى لم يوجد ما يسترُ جميعَه ستر عورته ثم رأسُهُ، وجُعلَ على باقيه حشيشٌ أو ورقٌ.
وسُنَّ تغطية نَعْشٍ، وكُره بغير أبيض.
وسُن لأنثى وخنثى خمسةُ أثوابٍ بيضٍ من قطن: إزارٌ، وخمارٌ، وقميصٌ، ولفافتان.
ولصبيٍّ ثوبٌ، ويُباحُ في ثلاثةٍ ما لم يرثْه غيرُ مكلفٍ، ولصغيرة قميصٌ، ولفافتان.
3 - فصل
والصلاةُ على من قلنا: "يُغسل" فرضُ كفايةٍ، وتَسقط بمكلفٍ، وتُسن جماعةً إلا على النَّبِي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
. . . . .
وقياس جواز المُذَهَّب جواز المفضض بالأولى.
- قوله: (ثم رأسه) انظر هل هذا ولو كان محرمًا، أو هو داخل في عموم ما سبق (1) في قوله في الفصل قبله "ولا يغطى رأسه"؟، الظاهر ذلك، فتدبر!.
فصل
في الصلاة عليه
- قوله: (وتسقط)؛ أيْ: الصلاة، يعني فرضها، فهو على حذف المضاف، والتأنيث نظرًا للفظ.
- قوله: (إلا على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
. . إلخ) في استثناء ذلك من مضمون جملة140 = ولأنها من ملابس أهل النار".
الجزء: 2 - الصفحة: 39
وأن لا تنقصَ الصفوفُ عن ثلاثة.
والأولى بها وَصيةُ العدل، وتصحُّ بها لاثنين، فسيدٌ برقيقه، فالسلطانُ، فنائبُه الأمير، فالحاكمُ، فالأولى بِغُسل رجلٍ، فزوجٌ بعد ذوي الأرحام، ثم مع تساوٍ: الأولى بإمامة.
. . . . .
المضارعية ما لا يخفى، ولو قال بدل الجملة الاستثنائية: لكن لم يصلِّ عليه -صلى اللَّه عليه وسلم- كذلك إلا فرادى، لكان أحسن، إذ المقصود حكاية حالٍ ماضية، لا إثبات حكم في حقه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنه لا فائدة له الآن.
- قوله: (والأولى بها وصية)؛ أيْ: بإمامتها، فهو على حذف المضاف.
- قوله: (فنائبه الأمير فالحاكم) انظر ما الفرق بين ما هنا، وما في النكاح 141 من تقديم الحاكم على الأمير وقد قال القاضي 142 في تلك: القاضي أحب إلي في ذلك من الأمير؟.
وأجاب شيخنا 143: "بأن ما هناك بمنزلة الحكم.
والأمير لا دخل له فيه، وما هنا منظور فيه للقوة والبأس لقوله: "لا يؤمن الرجل في سلطانه" 144 والأمير أقوى سلطنة من الحاكم، فتأمل!. - قوله: (فزوج بعد ذوي الأرحام) ما لم يكن ابن عم، فإن كان كذلك فإنه
الجزء: 2 - الصفحة: 40
ثم يقرعُ، ومن قَدَّمَهُ وليٌّ لا وصيٌّ بمنزلته.
وتباحُ في مسجد إنْ أُمِنَ تلويثُه.
وسُن قيامُ إِمامٍ ومنفردٍ عند صدرِ رجلٍ، ووسَطِ امرأةٍ، وبين ذلك من خنثى، وأن يلي إمامٌ من كلِّ نوع أفضلَ، فأسنُّ، فأسبقُ، ثم يقرعُ.
يقدم على ذوي الأرحام.
- قوله: (عند صدر رجل ووسط امرأة) لعل مراده بالرجل ما يشمل البالغ وغيره، وبالمرأة كذلك، فإن خالف هذا الموقف بأن وقف لا عند الصدر والوسط، فإن كان مع بقاء المحاذاة كان عكس فيما ذكر، كان خلاف الأولى فقط، وإن كان بحيث لم يتحقق المحاذاة كان مكروهًا، ونص على الثانية في الإقناع 145 نقلًا عن الرعاية 146، وببعض الهوامش في الثانية: "ما لم يفحش الانحراف، بحيث إذا رآه الرائي لا يفهم أنه يصلي على الميت، فإن كان كذلك لم تصح بالكلية"، انتهى، وهو حسن.
- قوله: (وبين ذلك من خنثى) ومثله سِقْط جُهِلَ حاله.
- قوله: (وأن يلي إمام) بالرفع فاعل (يلي).
- وقوله: (من كل نوع) متعلق بـ (يلي).
- وقوله: (أفضل) مفعول (يلي)، ووجهه أن ما يكون بين يدي الإمام هو الأفضل، إلى أن يكون ما يلي القبلة هو الأدنى، عكس ترتيب المأموميين، خلف الإمام؛ لأنه قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليليني منكم ذووا الأحلام والنهى" 147؛ يعني في حسن المأمومين
الجزء: 2 - الصفحة: 41
وجمعهم بصلاة أفضلُ، فيُقدمُ من أوليائهم أولاهم بإمامةٍ ثم يُقرعُ، ولوَليِّ كلٍّ أن ينفرد بالصلاة عليه.
ويُجعلُ وسَطُ أُنثى حِذاءَ صدر رجل، وخنثى بينهما، ويسوَّى بين رؤوس كل نوع، ثم يُكبِّرُ أربعًا يُحرِمُ بالأولى، ويتَعوذُ، ويسمِّي، ويقرأُ الفاتحةَ، ولا يَستفتحُ، وفي الثانية يصلِّي على النَّبِي -صلى اللَّه عليه وسلم-كفِي تشهدٍ، وبدعو في الثالثة بأحسنِ ما يَحضرهُ، وسُنَّ بما ورد، ومنه: "اللهمَّ اغفر لحيِّنَا وميِّتنَا، وشاهدِنا وغائبِنَا، وصغيرنا وكبيرنا.
. . . . .
ولو نصب المصنف "إمامًا" ورفع "أفضل" لكان مطابقًا للحديث لفظًا ومعنى، وإذا أخذ "يلي" من الوَلْي بمعنى القرب كان مطابقًا له معنى فقط، وهذا القدر كافٍ، فتأمل!.
وعبارة الإقناع 148: "ويقدم إلى الإمام من كل نوع أفضلهم" وهي واضحة.
- قوله: (ويسوي بين رؤوس كل نوع)؛ أيْ: أفراد كل نوع.
- قوله: (ويقرأ الفاتحة)؛ يعني: سرًّا، بدليل ما سيأتي 149.
- قوله: (كفي تشهد)؛ أيْ: أخير؛ أيْ: على الأكمل، وإلا فقد نقل الشيخ في الحاشية 150 عن الكافي 151 فيما سيأتي 152 أنه لا تتعين صيغة.
= الصفوف وإقامتها (1/ 323) رقم (432).
الجزء: 2 - الصفحة: 42
وذكرنا وأنثانا، إنك تعلمُ مُنْقَلَبنا ومثوانا، وأنث على كل شيء قدير، اللهم من أحييتَه منا فأحيِه على الإسلام والسنة، ومن توفَّيتَه منا فتوفَّه عليهما" 153.
"اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وكرِمْ نُزُلَه، وأَوسِع مَدْخَلَه، واغسِلْه بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من الذنوب والخطايا كما ينقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدنسِ، وأَبْدِلْه دارًا خيرًا من دارِه، وزوجا خيرًا من زوجه، وأَدْخِلْه الجنَّةَ.
. . . . .
* قوله: (نزله) بضم الزاي، وقد تسكن قراءة 154.
- قوله: (مَدخله) بفتح الميم، موضع الدخول، وبضمها الإدخال، ذكره الشارح 155، لكن تقدم 156 مرارًا أن مَفْعَل كمذهب بالفتح يصلح للزمان والمكان، والمصدر، وحينئذٍ فيجوز أن يفسر المدخل بالفتح بالمصدر، يعني: الدخول،
الجزء: 2 - الصفحة: 43
وأَعِذْه من عذاب القبر وعذاب النار" 157، "وافسحْ له في قبره ونوِّرْ له فيه" 158. وإن كان صغيرًا، أو بَلَغ مجنونًا واستمرَ قال: "اللهم اجْعلْه ذُخرًا لوالديه، وفَرَطًا، وأَجرًا، وشَفيعًا مُجابًا، اللهمَّ ثَقِّلْ به موازينَهما، وأعظِمْ به أجورَهُما، وألحِقْه بصالحِ سلفِ المؤمنينَ، واجْعَلْه في كفالةِ إبراهيم، وقِهِ برحمتك عذابَ الجحيم" 159. لكن عُلِم أن الذي يتصف بالاتساع حقيقة هو المكان، وعلى هذا فلا بدَّ من تقدير مضاف مع المصدر؛ أيْ: محل دخوله، أو محل إدخاله.
- قوله: (وفرطًا)؛ أيْ: سابقًا مهيئًا لمصالح أبَويه في الآخرة، لا فرق بين أن يموت في حياة أبَويه، أو بعد موتهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 44
وإن لم يَعلم إسلامَ والديه دعا لمواليه، ويُؤنِّث الضميرَ على أنثى، ويُشير بما يصلح لهما على خنثى، ويَقفُ بعد رابعةٍ قليلًا، ولا يدعو، ويسلمُ واحدة عن يمينه، ويجوزُ تِلْقاءَ وجهِهِ، وثانيةً، وسُنَّ وقوفُه حتى تُرفعَ.
وواجبُها.
. . . . .
* قوله: (ويؤنث الضمير على أنثى) ظاهره أن دعاء الرجل كدعاء المرأة، من غير زيادة ولا نقص، والاختلاف إنما هو من جهة تذكير الضمير وتأنيثه، مع أنهم صرحوا على ما في الإقناع 160 بأنه لا يقول: أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها.
- قوله: (ويشير بما يصلح لهما على خنثى) ومثله سِقْط مجهول.
- قوله: (وواجبها) مراده بالواجب الركن، وإنما عَنْوَن عنها بالواجب دون الركن، لأنه خولفت فيه القاعدة، من حيث إن المسبوق يخير بين القضاء وعدمه، فقد سقط الفرض عمدًا، مع أن القاعدة أنه لا يسقط عمدًا ولا سهوًا ولا جهلًا، = وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أنه صلَّى على المنفوس ثم قال: "اللهم أعذه من عذاب القبر".
وفي رواية: "أنه كان يصلِّي على المنفوس ثم قال: اللهم اجعله لنا سلفًا، وفرَطًا، وأجرًا"، أخْرجهما البيهقي في السنن في كتاب: الجنائز، باب: السقط يغسل ويكفن ويصلَّى عليه (4/ 9، 10). وقال الحسن: يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب ويقول: "اللهم اجعله لنا فرَطًا، وسلفًا، وأجرًا".
أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم في كتاب: الجنائز، باب: قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة (3/ 203)، قال الحافظ في الفتح (3/ 203): "وصله عبد الوهاب بن عطاء في كتاب الجنائز له عن سعيد بن عروبة أنه سئل عن الصلاة على الصبي فأخبرهم عن قتادة عن الحسن.
. .".
الجزء: 2 - الصفحة: 45
قيامٌ في فرضها، وتكبيراتٌ، فإنْ تركَ غيرُ مسبوق تكبيرةً عمدًا: بَطَلت، وسهوًا: يكبِّرُها ما لم يَطل الفصلُ، فإنْ طال أو وُجد منافٍ استأنف، وقراءة الفاتحة على إمام ومنفرد وسُنَّ إسرارُها ولو ليلًا، والصلاةُ على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وأدنى دعاءٍ للميت، والسلام.
كذا قرره شيخنا 161، وفيه أن هذا الكلام يقتضي أن الواجب المصطلح عليه يسقط عمدًا وليس كذلك.
- قوله: (في فرضها)؛ أيْ: الصلاة الأولى، فيما إذا صُلِّي عليه مرارًا، فإن الأولى هي الفرض.
- قوله: (وتكبيرات) الأَوْلَى زيادة: أربع، أو: التكبيرات.
- قوله: (وقراءة الفاتحة)؛ أيْ: على الإمام والمنفرد، على ما في الإقناع 162؛ يعني: ويتحملها الإمام عن المأموم، كما صرح به شيخنا في شرح الإقناع 163.
- قوله: (وأدنى دعاء للميت) "أل" هنا للحضور؛ أيْ: الخارجي إن كان بين يدي المصلي، أو الذهني إن كان غائبًا عن البلد بشرطه، وليست للجنس؛ لأنه لا يكفي الدعاء العام، بل لا بدَّ من أدنى دعاء خاص بذلك الميت، تدبر!.
- قوله: (والسلام)؛ أيْ: في الجملة، وإلا فالثانية ليست ركنًا كما سبق، ولذلك قال في كل من التلخيص 164 والبلغة 165: "والسلام مرة واحدة".
الجزء: 2 - الصفحة: 46
وشُرط لها معَ ما لمكتوبةٍ إلا الوقتَ: حضورُ الميت بين يديه، إلا على غائبٍ عن البلدِ، ولو دُونَ مسافةِ قَصْرٍ، أو في غير قِبلته، وعلى غريق ونحوه فيُصلَّى عليه إلى شهرٍ بالنِّيةِ، وإسلامُه.
وتطهيرُه ولو بتراب لعذر، فإن تعذَّر صُلِّي عليه.
ويُتابَعُ إمامٌ زاد على رابعة إلى سبع فقط.
. . . . .
وبخطه 166: ولم يقل والترتيب، إشارة إلى أنه ليس متفقًا على وجوبه، فراجع الإقناع 167، وحاشية شيخنا عليه 168، وحاشيته على المتن 169.
- قوله: (ونحوه) كالأسير.
وبخطه 170: لعل عطف الغريق ونحوه على الغائب من عطف الخاص على العام، ويحتاج لنكتة، فانظرها. - قوله: (إلى شهر)؛ أيْ: من موته، شرح شيخنا 171.
- قوله: (وتطهيره.
. . إلخ) ولم يذكر التكفين، مع أنه شرط كذلك، إلا أن يقال: لما كان ملازمًا للغسل عادة، اكتفى عن ذكره، بذكره، نبَّه عليه شيخنا في الحاشية 172.
الجزء: 2 - الصفحة: 47
ما لم تُظنَّ بدعتُه، أو رفضُه، وينبغي أن يُسَبِّحَ به بعدها، ولا يدعو في متابعة بعد الرابعة، ولا تَبْطلُ بمجاوزةِ سبعٍ، وحرُم سلامٌ قبلَه، ويُخيَّرُ مسبوقٌ في قضاءٍ وسلامٍ معه.
ولو كبر فجيءَ بأخرى فكبر 173، ونواها لهما، وقد بقيَ من تكبيره أربعٌ، جاز فيقرأُ في خامسةٍ، ويُصلِّي في سادسة.
. . . . .
* قوله: (ما لم تظن بدعته أو رفضه) يعني: فلا يتابع، بل ينتظر، ولا يحكم ببطلان الصلاة؛ لأنا لسنا على يقين من ذلك، وعطف "رفضه" على "بدعته" من عطف الخاص على العام.
- قوله: (وحرم سلام قبله) ظاهره أنها لا تبطل بذلك، قال شيخنا 174: "وهو كذلك، وإنما سكت عنه لعلمه مما سبق، من أن الصلاة لا تبطل بالذكر" وينبغي أن تقيد الحرمة بما إذ لم ينووا المفارقة.
- قوله: (وسلام معه عليه) فيعايا بها، ويقال: لنا صلاة صحَّت مع ترك بعض أركانها عمدًا مع القدرة على فعله.
- قوله: (وقد بقي.
. . إلخ)؛ أيْ: حال مجيئها، وقيل: يكرره لهما، فهو حال من (جيء)، لا من (كبر) كما توهمه العبارة. - قوله: (فيقرأ في خامسة) ولا يقرأ في رابعة تغليبًا لحال الميت الأول، لسبقه، فتصير الرابعة أخيرة للأول، وفي حكم الأولى للثاني، وهذا قول في المسألة 175 176، كما
الجزء: 2 - الصفحة: 48
ويدعو في سابعة.
ويَقضِي مسبوقٌ على صفتها، فإنْ خَشِي رفْعَها تَابعَ، وإنْ سلَّمَ ولم يقضِ صحَّت، ويحوزُ دخولُه بعد الرابعة، ويقضي الثلاث.
ويُصلِّي على من قُبِر من فاتته قبلَه إلى شهر مِن دَفْنه، ولا تضرُّ زيادةٌ يسيرة، وتحرمُ بعدها، ويكون الميت كإمام.
نبَّه على الخلاف شيخنا في شرح الإقناع 177.
- قوله: (ويدعو في سابعة)؛ أيْ: ويسلم عقب ذلك.
- قوله: (تابع)؛ أيْ: جعل التكبير تابعًا لبعضه من غير فصل بقراءة، ولا صلاة، ولا دعاء، فتدبر.
- قوله: (تابع)؛ أيْ: أتى بالتكبير نسقًا.
- قوله: (صحَّت) هذا معلوم من قوله فيما سبق " ويخير.
. . إلى آخره". - قوله: (ويقضي الثلاث)؛ أيْ: استحبابًا، إذ هو داخل في عموم المسبوق المخيَّر في القضاء وعدمه.
- قوله: (من فاتته قبله) "من" فاعل.
وقوله: "قبله"؛ أيْ: قبل الإقبار المعلوم من "قُبِرَ" والمراد به الدفن. - قوله: (ولا تضر زيادة يسيرة) قال القاضي 178: "كاليوم واليومين"، انتهى.
- قوله: (وتحرم بعدها)؛ أيْ: ولا تصح، فإذا شك هل جاوز ذلك أو لا،
الجزء: 2 - الصفحة: 49
وإنْ وُجدَ بعضُ ميتٍ تحقيقًا لم يصلَّ عليه غَيرُ شعرٍ وظفرٍ وسنًّ فككلِّه، ويُنوى بها ذلك البعضُ فقط، وكذا إن وُجِد الباقِي.
. . . . .
هل يُصَلِّي؟ ويؤخذ من حاشية شيخنا 179 أن 180 المحَرَّم العلم بالفراغ، لا مجرد الشك فيه.
- قوله: (تحقيقًا)؛ أيْ: تحقق موته، فهو صفة، أو حال مؤكدة.
- قوله: (لم يُصل عليه) صفة (ميت).
- قوله: (فككُله) جواب (إن).
- قوله: (فككُله) فيغسل، ويكفن، ويصلى عليه وجوبًا، إن لم يكن صُلِّي عليه.
فإن كان قد صُلِّي عليه وجب الغسل والتكفين، واستحبت الصلاة.
ويبقى النظر فيما إذا وجد بعض ميت، لكن كان انفصل منه في حال الحياة، فهل يغسل ذلك البعض ويكفن ويصلى عليه؟ استظهره شيخنا، وهو مفهوم من قول المص فيما يأتي: "ولا على بعض حَيٍّ في وقت لو وجدت فيه الجملة لم تغسل، ولم يصلِّ عليها"، فإن مفهومه أنه لو كان في وقت إذا وجدت فيه الجملة صلي عليها، أنه يصلى طى ذلك بعض، وهل تكون الصلاة عليه واجبة أو مستحبة؟.
قال شيخنا 181: "فيه التفصيل السابق، وهو أنه إن صُلِّي على الجملة كانت مستحبة، وإن لم يصل عليها كانت واجبة، وكذا إن شك في كونه قد صُلِّي عليه".
وما ذكره شيخنا من التفصيل، الأظهر خلافه، وهو الوجوب في الحالَين، لأنه لم يندرج في الجملة التي صُلِّي عليها، فليحرر!.
الجزء: 2 - الصفحة: 50
ويُدفن بجنبِه.
وتُكرَه إعادةُ الصلاة إلا إذا وُجد بعضُ ميت بشرطِه صُلِّي على جملتِه فتُسنُّ كصلاةِ من فاتته ولو جماعةً، أو من صُلِّي عليه بالنية إذا حضر، أو صُلِّي عليه بلا إذن الأَوْلَى بها مع حضورِه: فتعاد تبعًا، ولا تُوضع لصلاةٍ بعد حملِها.
. . . . .
* قوله: (ويدفن بجنبه)؛ أيْ: بجنب القبر.
- قوله: (وتكره إعادة الصلاة)؛ أيْ: ممن صَلَّى أولًا.
- قوله: (بشرطه) مرتبط بقوله: (بعض).
- وقوله: (صلَّى على جملته) صفة "ميت"، ولكن وقع الفصل بين "بعض" وما هو مرتبط به بـ "ميت"، وسَهَّله كونه مضافًا إليه، وهو كالجزء من المضاف، فالفصل به كَلَا فصل، ووقع الفصل أيضًا بين "ميت" وصفته بقوله: (بشرطه)، وسَهَّله كون الفاصل جارًّا ومجرورًا، وهو يتسامح فيه ما لا يتسامح في غيره، وشرطه: أن يكون غير السن، والشعر، والظفر.
- قوله: (على جملته)؛ أيْ: التي هو فيها.
- قوله: (فتسن)؛ أيْ: الإعادة.
- قوله: (بالنية)؛ أيْ: لغيبته.
- قوله: (إذا حضر)؛ أيْ: بين أيديهم 182.
- قوله: (تبعًا) أيْ: للأولى.
- قوله: (ولا توضع) حمل الحجاوي النهي على الكراهة استظهارًا،
الجزء: 2 - الصفحة: 51
ولا يُصلَّى على مأكول ببطن آكل، ومستحيلٍ بإحراقٍ، ونحوِهما، ولا على بعضٍ حيٍّ في وقتٍ لو وجدت فيه الجملةُ لم تغسلْ ولم يصلَّ عليها.
ولا يُسن للإمام الأعظم وإمامِ كلِّ قرية -وهو واليها في القضاءِ- الصلاة على غالٍّ وقاتلٍ نفسَه عمدًا.
وإن اختلَط، أو اشتبَه من يُصلَّى عليه بغيره صُلِّي على الجميع ينوي من يُصلِّي عليه، وغُسلوا وكفنوا، وإن أمكن عزلُهم وإلا دُفنوا معًا.
وللمصلِّي قيراطٌ وهو: أمرٌ معلومٌ عند اللَّه -تعالى-.
. . . . .
فراجع الإقناع 183.
- قوله: (ولا يصلى على مأكول.
. . إلى آخره) هل المراد لا تصح، بدليل المعطوف؟ نعم لفَوات شرط صحتها، وهو غسله وتكفينه. - قوله: (ونحوهما) كمَلَّاحَة 184 أو طرانة 185 أو مَصْبنة 186.
- قوله: (وغسلوا وكفنوا كلهم)؛ لأن الصلاة على المسلمين واجبة، ولا طريق لها هنا إلا بالصلاة على جميعهم، ولا تصح الصلاة على الميت إلا بعد تغسليه، وتكفينه مع القدرة على ذلك، فوجب أن يغسلوا ويكفنوا كلهم، سواء كانوا بدار إسلام أو حرب، كثر المسلمون منهم أو قلُّوا.
الجزء: 2 - الصفحة: 52
وله بتمامِ دفنِها آخرُ بشرطِ أن لا يفارقَها من الصلاة حتى تدفن.
4 - فصل
وحملُها فرضُ كفاية، وسُنَّ تربيعٌ فيه: بأن يضعَ قائمةَ السرير اليُسرى المقدَّمةَ على كتفِه اليمنى، ثم ينتقلَ إلى المؤخرة، ثم اليمنى المقدَّمةَ على كتفه اليسرى، ثم ينتقلَ إلى المؤخَّرة.
ولا يُكره حملٌ بين العمودين كلُّ واحد على عاتق، والجمعُ بينهما أولى، ولا بأعمدة للحاجة.
. . . . .
* قوله: (وله بتمام دفنها آخرُ) حاصل كلام ابن عقيل (1) في تقرير معنى ذلك: أن للمصاب أجرًا على مصيبته، وأن ذلك الأجر لو نسب إليه ثواب المصلي على ذلك الميت، لكان مساويًا لقيراط من أربع وعشرين قيراطًا منه، وكذا القيراط الآخر، الذي له باستمرار كونه معها إلى تمام الدفن، فيتم له جزءان، يشبهان قيراطَين من أربعة وعشرين قيراطًا من أجر المصاب، وليس المراد أنهما ينقصان من أجر المصاب؛ لأن فضل اللَّه واسع.
فصل
في حمل الجنازة
- قوله: (والجمع بينهما أولى) من التربيع والحمل بين العمودَين، قال أبو حفص 188: "يكره الازدحام عليه أيُّهم يحمله، وأنه يكره التربيع إذًا"، وكذا كره187
الجزء: 2 - الصفحة: 53
ولا على دابةٍ لغرض صحيح، ولا حملُ طفل على يديه.
وسُن مع تعددٍ تقديمُ الأفضل أمامها في المسير، والإسراعُ بها دونَ الخبَبِ ما لم يُخَف عليه منه، وكونُ ماشٍ أمامَها، وراكبٍ ولو سفينةً خَلْفَها، وقربٌ منها الأفضل.
وكُره ركوبٌ.
. . . . .
الآجري وغيره 189 التربيع إذا ازدحموا.
- قوله: (لغرض صحيح) كبعد القبر.
قال في الفروع 190: "وظاهر كلامهم لا يجوز حملها على هيئة مزرية، أو هيئة يخاف منها سقوطها، ويتوجه احتمال وفاقًا للشافعي" 191. ويسن اتباع الجنائز، وهو حق له ولأهله، قال الشيخ تقي الدين 192: "ولو قُدِّرَ أنه لو انفرد لم يستحق هذا الحق، لمزاحم، أو لعدم استحقاقه، تبعه لأجل أهله إحسانًا إليهم، لتأَلُّفٍ، أو مكافأة أو غيره". - قوله: (دون الخبب) الخبب: خطو فسيح دون العَنَق.
- قوله: (ما لم يخف عليه منه)؛ أيْ: من الإسراع.
- قوله: (وراكب ولو سفينة خلفها)؛ أيْ: إن كان الميت مسلمًا، وإن كان الميت كافرًا ركب وتقدم، فلا يكون تابعًا لها.
الجزء: 2 - الصفحة: 54
لغير حاجةٍ وعَوْدٍ، وتقدُّمُها إلى موضع الصلاةِ، لا إلى المقبرة، وجلوسُ من يَتْبَعها حتى توضعَ بالأرض للدفن إلا لمن بَعُد، وقيامٌ لها إن جاءت أو مرَّت به وهو جالسٌ، ورفعُ الصوت معها ولو بقراءة، وأن تَتْبَعَها امرأة، وحرُم أن يتبعها مع منكَرٍ عاجزٌ عن إزالتِه، ويلزَم القادرَ.
5 - فصل
ودفنُه فرصُ كفاية، ويسقط تَكفينٌ وحملٌ بكافر، ويُقدَّم بتكفينٍ من يُقدَّم بغُسْلٍ، ونائبُه كهو، والأولى توليه بنفسه.
وبدفنِ رجلٍ من يقدَّم بغسله، ثم بعدَ الأجانبِ محارمُه من النساء، فالأجنبيات.
. . . . .
* قوله: (لغير حاجة) كمرض، أو بعد قبر.
فصل
في دفن الميت
- قوله: (ونائبه كهو)؛ أيْ: نائب من يُقَّدم، وعمومه يتناول الوصي، قال شيخنا 193: "ولعله غير مراد"، كما أسلفه في الصلاة عليه 194 من أن الوصي لا يستنيب، فينبغي أن يكون التقدير هنا: ونائب من له النيابة، وحينئذٍ فيخرج الوصي، فتدبر!.
- قوله: (وبدفن الرجل.
. . إلخ) المراد به ما قابل المرأة، فيشمل من دون البلوغ من نوعه، وهذا فسره شيخنا في الشرح 195 بقوله: "أيْ: ذكر".
الجزء: 2 - الصفحة: 55
وبدفنِ امرأةٍ محارمُها الرجالُ، فزوجٌ، فأجانب، فمحارمُها النساء.
ويقدَّمُ من رجالٍ خصيٌّ، فشيخٌ، فأفضلُ دينًا ومعرفة، ومن بَعُدَ عهدُه بجماعٍ أولى ممن قَرُب، وكُرِه عند طلوعِ الشمس، وقيامها، وغروبها.
ولحدٌ 196، وكونه ممَّا يلي القبلةَ ونصبُ لَبِنٍ عليه أفضلُ، وكُره شقٌّ بلا عذر، وإدخالُه خشبًا إلا لضرورةٍ، وما مسَّته نار، والدفن في تابوتٍ ولو امرأة.
وسُنَّ: أن يُعمَّقَ قبرٌ ويوسعَ بلا حدًّ، ويكفِي ما يمنعُ السباع والرائحة، وأن يُسجَّى لأنثى وخنثى، وكُره لرجل إلا لعذر، وأن يُدْخَلَه ميت من عند رجليه إن كان أسهل.
. . . . .
* قوله: (وبدفن امرأة.
. . إلى آخره) المراد بها: ما قابل الرجل، فيشمل من دون البلوغ من نوعها، والخنثى كالأنثى احتياطًا.
- قوله: (ومن بعُد عهده بجماع أولى ممن قرُب) كالأعزب، والمزوج.
- قوله: (ولحد) هو مبتدأ، وخبره قوله: (أفضل).
- قوله: (وما مسَّته نار)؛ أيْ: ولو ضرورة، لتأخيره عن قوله: "إلا لضرورة".
- قوله: (وأن يسجَّى)؛ أيْ: يغطى.
- قوله: (إلا لعذر) كمطر.
- قوله: (عند رجلَيه)؛ أيْ: القبر، والمراد برجلَي القبر: محل رجلي
الجزء: 2 - الصفحة: 56
وإلا فمن حيث سهل، ثم سواء.
ومَنْ 197 بسفينةٍ يلقى في البحر سَلًّا كإدخالِه القبرَ.
. . . . .
الميت منه 198.
- قوله: (ثم سواء)؛ أيْ: إن استوت الكيفيتان في السهولة، فالأمران سواء، وقد يقال: إن الأول يترجح بالفعل به -صلى اللَّه عليه وسلم-، إلا أن يقال: إنه كان أسهل، لا مساويًا.
- قوله: (يلقى في البحر سلًّا)؛ أيْ: بعد تغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه، وتثقيله بشيء يستقر به في قرار البحر، نص عليه 199، محل ذلك إن لم يكونوا قرب الساحل، فإن كانوا بقربه وأمكنهم دفنه وجب، انتهى، حاشية 200.
الجزء: 2 - الصفحة: 57
وقولُ مُدْخِله: "بسم اللَّه، وعلى ملة رسول اللَّه" 201، وأن يُلْحِدَه على شقه الأيمن، وتحت رأسه لَبِنة.
وتُكره مخدةٌ.
. . . . .
قال ابن عقيل 202: "وليس لنا محل ناب فيه الماء عن التراب إلا هذا" 203.
الجزء: 2 - الصفحة: 58
ومضرَّبةٌ 204، وقطيفةٌ تحته، أو أن يُجعل فيه حديدٌ ولو أن الأرضَ رِخوةٌ، ويجبُ أن يُستقبلَ به القبلةُ.
وسنَّ حَثْوُ التراب عليه ثلاثًا باليد ثم يُهال، وتلقينُه، والدعاءُ له بعد الدفن عند القبر، ورشُّه بماء، ورفعُه قدر شِبْر.
وكُره فوقَه، وزيادةُ ترابِه، وتزويقُه، وتخليقُه 205، ونحوهُ، وتجصيصُه، واتكاءٌ إليه، ومبيتٌ، وحديثٌ في أمرِ الدنيا، وتبسُّمٌ عنده وضحكٌ أشدُّ، وكتابةٌ، وجلوسٌ، ووطءٌ، وبناءٌ، ومشيٌ عليه بنعل، حتى بالتُّمُشْكِ -بضم التاء والميم، وسكون الشين- 206، وسُنَّ خلعُه إلا خوفَ نجاسة، أو شوكٍ، ونحوِه.
* قوله: (ومشى عليه بنعل) قال في الإقناع 207 في أثناء عبارته: "والوطء، قال بعضهم 208: إلا لحاجة"، ثم قال بعد ذلك بأسطر 209: "ويكره المشي بالنعل فيها
الجزء: 2 - الصفحة: 59
ولا بأس بتطييِنه، وتعليمِه بحجر أو خشبة ونحوِهما وبلوحٍ، وتَسْنيمٌ 210 أفضلُ إلا بدار حرب إن تعذر نقلُه فتسويتُه وإخفاؤه، ويحرمُ إسراجُها، والتخلِّي، وجعلُ مسجدٍ عليها وبينَها.
حتى بالتُّمشك".
فظاهره أن الوطء على القبر مكروه مطلقًا؛ أيْ: سواء كان بالنعل أو غيره، والمشي في المقبرة لا يكره إلا بالنعل، وعبارة المص وإن كان المراد منها ذلك، إلا أنها لا تعطيه.
ثم رأيت شيخنا اعترضه في حاشيته 211 فقال: "قوله: (ومشى عليه بنعل)، الصواب: ومشي بين القبور بنعل، كما في المبدع 212، والإقناع 213 وغيرهما 214، إذ المشي عليه هو الوطء المتقدم، وهو مكروه مطلقًا بنعل أو لا"، انتهى.
- قوله: (وبِلَوح) فصله بإعادة الجار، مع أنه من تعلقات ما قبله، للخلاف فيه 215.
- قوله: (وتسنيم) هو مبتدأ، وخبره: (أفضل).
- قوله: (ويحرم إسراجها) ظاهر قول الشارح 216 في تعليله 217: "لأن في ذلك تضييعًا للمال من غير فائدة، ومغالاة في تعظيم الأموات، يشبه تعظيم الأصنام"،
الجزء: 2 - الصفحة: 60
ودفنٌ بصحراء أفضلُ سوى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- 218، واختار صاحباه الدفنَ عندهِ تشرفًا وتبركًا 219، ولم يُزَدْ لأَن الخرق يتسع، والمكانُ ضيقٌ، وجاءت أخبارٌ.
. . . . .
انتهى، أنه إنما يحرم إذا لم يكن لحاجة من هو جالس عنده، بل كان يقصد تعظيم الميت، أو لم يكن عنده أحد ينتفع بالمصابيح أو 220 كان زائدًا على القدر المحتاج إليه في استصباح من عنده، وهو كذلك عن الشافعية 221.
الجزء: 2 - الصفحة: 61
تدلُّ على دفنِهم كما وقع 222.
ومَنْ وصى بدفنِه بدار، أو أرض في ملكه دُفِن مع المسلمين، ولا بأس بشرائِه موضعَ قبره، ويُوصِي بدفنِه فيه، ويصح بيعُ ما دُفن فيه من ملكه.
. . . . .
* قوله: (دفن مع المسلمين)؛ لأنه يضر بالورثة، قاله أحمد 223؛ أيْ: بسبب تذكره كلما رأوا القبر.
- قوله: (ولا بأس بشرائه موضع قبره)؛ أيْ: من مقبرة مملوكة، فلا ينافي ما سبق من أنه إذا أوصى بدفنه في داره أو أرض في ملكه أنه يدفن مع المسلمين.
- قوله: (ويوصي بدفنه فيه) فعله عثمان، وعائشة 224.
الجزء: 2 - الصفحة: 62
ما لم يُجعل مقبرةً، ويستحبُ جمعُ الأقارب، والبقاعُ الشريفة.
ويدفن في مُسَبَّلَة ولو بقول بعض الورثة، ويقدَّم فيها بسبق، ثم قُزعةٍ، ويَحْرمُ الحفرُ فيها قبل الحاجةِ، ويحرُمُ دفنُ غيرِه عليه حتى يُظَنَّ أنه صار ترابًا، ومعَه إلا لضرورة أو حاجة، وسُنَّ حجزٌ بينهما بتراب، وأن يُقدَّمَ إلى القبلة من يقدَّمُ إلى الإمام.
والمتعذرُ إخراجُه من بئر إلا متقطِّعًا ونحوَه.
. . . . .
* قوله: (ما لم يُجْعل مقبرة) بأن يقول: جعلتها مقبرة.
- قوله: (ويستحب جمع الأقارب) في المقبرة الواحدة؛ لأنه أسهل لزيارتهم، وأبعد لاندراس قبورهم، ويستحب أيضًا ما كثر فيه الصالحون لتناله بركتهم 225.
- قوله: (ويحرم الحفر فيها)؛ أيْ: المُسَبَّلة.
- قوله: (ويحرم دفن.
. . إلخ) إنما أعاد العامل؛ لأنه لو أسقطه، لأوهم أنه إذا ظن أن المدفون صار ترابًا جاز الحفر في المقبرة 226 بغير حاجة؛ لأن "حتى" صارت غاية لكل من المعطوف، والمعطوف عليه، وليس كذلك، فتدبر!. - قوله: (حتى يظن أنه صار ترابًا) أيْ: فإن ظن أنه صار ترابًا جاز نبشه، وأما الدفن عليه فإن كان ظنه مطابقًا للواقع جاز وإلا فلا، وعبارته توهم خلاف ذلك، لكن ما قدرناه يؤخذ من الشرح 227 من موضع.
- قوله: (ونحوه) كَمُمَثَّلٍ به.
الجزء: 2 - الصفحة: 63
وثَمَّ حاجةٌ إليها أخرج، وإلا طُمَّتْ.
ويحرمُ دفنٌ بمسجدٍ ونحوِه، وينبشُ، وفي ملكِ غيره ما لم يأذن، وله نقلُه، والأولى تركُه.
ويباح نبشُ قبر حربيٍّ لمصلحةٍ، أو لمالٍ فيه، لا مسلمٍ مع بقاء رِمَّته، إلا لضرورة.
وإن كُفن بغصْبٍ، أو بلَع مال غيره بلا إذنه، ويبقَى، وطلبَه ربُه، وتعذر غرمُه، أو وقع ولو بفعل ربِه في القبر مالَه قيمةٌ عرفًا نُبش وأُخذ، لا إن بلع مال نفسه ولم يَبْلَ إلا مع دين.
ويجب نبشُ من دُفن بلا غسلٍ أمكن.
. . . . .
* قوله: (بمسجد ونحوه) كالمدرسة والرباط.
- قوله: (لمصلحة) وهل من المصلحة ما لو 228 لم يوجد للمسلم محل يدفن إلا قبر الحربي أو لا؟.
توقف فيه شيخنا 229، ثم استظهر أنه ليس منها، لأنهم نصوا على حرمة دفن المسلم بمقبرة كفار وعكسه، ووجوب التمييز، وقد يقال: إنه لا يلزم من كونه قبر حربي، أن يكون بمقبرة كفار، فتدبر!. - قوله: (أو بلع مال غيره.
. . إلخ) حاصل شروط هذه المسألة خمسة، تؤخذ من المتن صريحًا. - قوله: (بلا غسل أمكن)؛ أيْ: وقد أمكن تغسيله قبل دفنه، تداركًا لواجب
الجزء: 2 - الصفحة: 64
أو صلاةٍ، أو كفنٍ، أو إلى غير القبلة.
ويجوز لغرض صحيح كتحسينِ كفَنٍ، ونحوِه، ونقله لبقعة شريفة، ومجاورةِ صالح، إلا شهيدًا دُفِن بمصرعه، ودفنُه به سنةٌ فيردُّ إليه لو نقُل.
وإن ماتت حامل حرُم شقُّ بطنها، وأخرج النساء من ترجى حياتُه، فإن تعذر لم تدفن حتى يموتَ، وإن خرج بعضُه حيًّا شُق للباقي، فلو مات قبله أُخرج، فإن تعذر غُسِّل ما خرج، ولا تيمم للباقي، وصُلِّي عليه معها بشرطِه، وإلا فعليها دونَه.
غسله، ذكره الشارح 230، وحينئدٍ فليس المراد أمكن تغسيله الآن، فتدبر!.
- قوله: (أو صلاة أو كفن) فيخرج ويغسل، وبكفن، ويصلي عليه، ولو كان قد صلى عليه، لعدم سقوط الفرض بالصلاة عليه عريانًا، أو من غيره غسل.
- قوله: (ويجوز لغرض صحيح) وهل منه ما 231 لو دفن معه شيء من القرآن فينبش لأخذه أو لا؟.
قال شيخنا: "الظاهر أن ينبش"، وكذا المصحف بالطريق الأولى، فليحرر!. - قوله: (حرم شق بطنها) مسلمة كانت أو ذمية.
- قوله: (أخرج)؛ أيْ: ولا يشق بطنها، شارح 232.
- قوله: (بشرطه) وهو أن يكون قد تم له أربعة أشهر، خرج بعضه أو لم يخرج.
الجزء: 2 - الصفحة: 65
وإن ماتت كافرةٌ حاملٌ بمسلم لم يصلَّ عليه، ودفنها مسلم مفردةً إن أمكن، وإلا فمعها على جنبِها الأيسر مستدبرةَ القبلة.
6 - فصل
ويُسنُّ لمصابٍ أن يسترجعَ فيقول: "إنَّا للَّه وإنا إليه راجعون.
. . . . .
* قوله: (حامل بمسلم)؛ أيْ: ميت، وإلا فَتَقَدم.
وعمومه يشمل الذمية إذا تعذر إخراج ما في بطنها، لا تدفن حتى يموت.
فصل
- قوله: (وإنا إليه راجعون) ذكر ابن الجوزي في قصصه المفردة 233، أن آدم -عليه السلام- لما مات عزَّى جبريل ولده شيثًا، فقال شيث: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، فقال جبريل: أحسنت يا هبة اللَّه، وُفقْتَ، ووُفِّق كل من قالها عند المصيبة، انتهى.
لكن في الإتقان 234 أنه روى الطبراني مرفوعًا أن من خصائص هذه الأمة قول أحدهم عند المصاب: إنا للَّه وإنا إليه راجعون 235. قال شيخنا العلامة نور الدين على الشبراملسي: "إنه 236 يمكن التوفيق بينهما،
الجزء: 2 - الصفحة: 66
اللهم آجِرنِي في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها" 237، ويصبرَ، ولا يلزمُ الرضا بمرض، وفقر، وعاهة، ويحرُم بفعلِه المعصية.
وكُره لمصاب تغييرُ حالِه من خلع رداء ونحوِه، وتعطيلُ معاشه لا بكاؤه، وجعلُ علامة عليه ليعرف فيُعزَّى، وهجرُه للزينة.
. . . . .
بحمل حديث الطبراني على أن هذه الأمة اختصت بإنزال هذا القول، لا بمجرد قوله عند المصاب".
- قوله: (ولا يلزم الرضا بمرض إلى.
. . إلخ)؛ لأن هذا من المقضي، وهو لا يلزم الرضا به، بل بالقضاء، كما هو مقرر في علم العقائد 238، وكذلك 239 لا يلزم بموت نحو ولده؛ لأن الصبر الذي هو أدنى مرتبة من الرضى مستحب فقط، لا لازم، فعدم لزوم الرضى أولى.
وإنما خص هذه الثلاثة بالذكر لِيَرُدَّ على ابن عقيل، حيث ادعى اللزوم فيها 240. - قوله: (لا بكاؤه) المناسب للغة والحكم الشرعي أن يقول: بكاه بالقصر، لأن البكاء رفع الصوت، وهو الصراخ 241، وسيأتي أنه حرام.
- قوله: (وهجره للزينة)؛ أيْ: ولا هجره.
الجزء: 2 - الصفحة: 67
وحسنِ الثياب ثلاثَة أيام.
وحرُم ندبٌ، ونياحةٌ، وشقُّ ثوب، ولطمُ خدِّ، وصراخٌ، ونتفُ شعرٍ، ونشرُه ونحوُه.
وتسنُّ تعزيةُ مسلم ولو صغيرًا، وتُكره لشابة أجنبية، إلى ثلاث.
. . . . .
* قوله: (وحرم ندب ونياحة) الندب تعدد محاسن الميت مع البكاء، قاله الجوهري 242.
قال ابن قندس 243: "بلفظ النداء، إلا أنه يكون بالواو مكان الياء، وربما زيد فيه الألف والهاء نحو قولهم: وارجلاه"، انتهى.
والنياحة قال القاضي عياض 244: "هي اجتماع النساء للبكاء على الميت متقابلات، والتناوح التقابل، ثم استعمل في صفة بكائهن بصوت ورنة وندبة" في المطلع 245.
- قوله: (ونحوه) كتسويد الوجه، وخدشه.
ذكر ابن الجوزي في قصصه المفردة 246 أن آدم -عليه السلام- لما مات مزَّقت حواء ثوبها، وصرخت، ولطمت وجهها، ودقت صدرها، فورثت ذلك بناتها، ولزمت قبر آدم أربعين يومًا، لا تطعم رقادًا. - قوله: (إلى ثلاث) قالوا: التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة، والتهنئة بعد
الجزء: 2 - الصفحة: 68
فيقالُ لمصابٍ بمسلم: "أعظمَ اللَّه أجرك، وأحسن عزاءك، أو غير ذلك وغفر لميتك" 247، وبكافر: "أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاك"، أو غير ذلك.
وكُره تكرارُها، وجلوسٌ لها، لا بقرب دار الميت ليتبعَ الجنازة، أو ليخرجَ ولِيُّه فيعزيَه، ويردُّ مُعَزًّى: بـ "استجاب اللَّه دعاءك ورحمنا وإياك" 248. وسُنَّ أن يصلح لأهل الميت طعامٌ يبعث إليهم ثلاثًا، لا لمن يجتمع عندهم فيُكره كفعلهم ذلك للناس، وكذبح عند قبر، وأكل منه.
ثلاث استخفاف بالود.
- قوله: (وجلوس لها)؛ أيْ: جلوس المصاب لأجل أن يُعزَّى، ويطلب الفرق بين ذلك، وبين جعل علامة عليه ليعرف فيعزى؟.
وقد يقال: إن بقية الكلام تقتضي أن الكلام في جلوس المُعَزِّي -بزنة اسم الفاعل-، لكن المحشِّي 249 جعله عامًّا فيهما، ونقل نص الإمام 250 في كراهة ذلك من المصاب، فالسؤال باقٍ.
الجزء: 2 - الصفحة: 69
7 - فصل
سُنَّ لرجل زيارةُ قبر مسلم، وأن يقفَ زائرٌ أمامَه قريبًا منه، وتُباح لقبر كافر، وتكره لنساء، وإن علمن أنه يقع منهن محرَّمٌ حرمت، إلا لقبر النَّبِي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وصاحبيه -رضوان اللَّه تعالى عليهما-.
. . . . .
فصل
- قوله: (قريبًا منه) ويباح لمسُ القبر باليد.
قال في الفروع 251: "أما التجمع للزيارة كما هو معتاد فبدعة، وقال ابن عقيل: أبرأ إلى اللَّه منه". - قوله: (وتباح لقبر كافر) وكذا يباح الوقوف عند قبره لزيارته، ولا يسلم عليه، بل يقول: أبشر بالنار 252.
الجزء: 2 - الصفحة: 70
فتُسن 253، ولا يمنع كافرٌ من زيارة قبر قريبه المسلم.
وسُن لمن زار قبور المسلمين، أو مرَّ بها أن يقولَ: "السلام عليكم دارَ قوم مؤمنين" 254، أو: "أهلَ الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء اللَّه بكم للاحقون، وبرحم اللَّه المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل اللَّه لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم" 255، "واغفر لنا ولهم" 256.
* قوله: (فتسن)؛ أيْ: للرجال والنساء.
- قوله: (أو أهل الديار من المؤمنين) وقد دلَّ هذا على أن الديار تقع على المقابر، والأهل على ساكن المكان من حي وميت.
- قوله: (وإنا إن شاء اللَّه بكم للاحقون) والإنشاء للتبرك، قاله بعض العلماء 257، وفي البغوي 258: أنه يرجع إلى اللحوق، لا إلى الموت، وفي المشافي 259: أنه يرجع إلى البقاع.
الجزء: 2 - الصفحة: 71
ويخيَّر فيه على حَيٍّ بين تعريف وتنكير، وهو سنةٌ، ومن جمعٍ سنةُ كفاية، وردُّه فرض كفاية.
. . . . .
* قوله: (ومن جمع سنة كفاية) والأفضل أن يسلموا كلهم، ولا يجب إجماعًا 260.
ويكره في الحمام، وعلى من يقاتل، أو يأكل، أو يصلي، أو يبول، أو يتغوط، أو يتلو، أو يذكر، أو يلبِّي، أو يتحدث، أو يخطب، أو يعِظ، أو يسمع لهم، ومن يكرر فقهًا، أو يدرس، أو يبحث فيه، أو يؤذن، أو يقيم، أو يستمتع بأهله، أو مشتغل 261 بالقضاء ونحوهم، وكذا أن يسلم على امرأة أجنبية، إلا أن تكون عجوزًا أو برزة، أو يخص بعض طائفة دون بقيتهم بالسلام 262.
- قوله: (ورده فرض كفاية).
رَدُّ السلام واجب إلا على ... مَنْ في الصلاة أو بأكل شُغِلا أو شربٍ أو قراءة أو أدعية ... أو ذِكر أو في خطبة أو تلبية أو في قضاء حاجة الإنسان ... أو في إقامة أو الأذان أو سَلَّم الطفل أو السكران ... أو شَابَّة يُخْشَى بها افتتان أو فاسق أو ناعس أو نائم ... أو حالة الجماع أو تحاكم أو كان في الحمام أو مجنونَا ... فهي اثنتان قبلها عشرونا
الجزء: 2 - الصفحة: 72
كتشميتِ عاطسٍ حَمِد، وإجابته.
ويسمعُ الميت الكلام، ويعرفُ زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس ويتأذى بمنكر عندَه، وينتفعُ بالخير.
. . . . .
* قوله: (حمد) أشار بعضهم 263 إلى فائدة حمده الواقع في الحديث 264 بقوله:
من يستبق عاطسًا بالحمد 265 يأمن من ... شوص ولوص وعلوص كذا وردا
فالداء في الضرس شوص ثم في أذن ... لوص وفي البطن علوص كذا وجدا
أيْ: في اللغة.
- قوله: (وإجابته) مقتضى التشبيه، وبه صرح الشارحان 266، أن الإجابة من العاطس فرض كفاية، وفيه نظر، إذ المخاطب به واحد، وهو خصوص العاطس،
الجزء: 2 - الصفحة: 73
وسُنَّ ما يخفف عنه ولو بجعلِ جريدة رطَبةٍ في القبر 267، وذكرٍ، وقراءةٍ عنده.
وكلُّ قُربْةٍ فعلها مسلم، وجعل ثوابَها لمسلم حَيٍّ أو ميت حصل له ولو جهله الجاعلُ، وإهداءُ القُرَبِ مستحبٌّ.
لا جملة من أفراد، فليس كردِّ السلام، فلتحرر المسألة 268!.
- قوله: (له)؛ أيْ: للمجعول له.
- قوله: (مستحب) حتى له -عليه الصلاة والسلام-.
الجزء: 2 - الصفحة: 74
4 -