مَا صَحَّحْنَاهُ أَنْ يَفْتَرِقَ الْخَطَأُ مِنْ الْعَمْدِ اهـ. رَاجِعْ أَنْتَ هَذَا كُلَّهُ (إنْ ثَبَتَ الْمَوْتُ) هَذَا فَرْعُ شَهَادَةِ الْعَدْلِ بِمُعَايَنَةِ الْقَتْلِ ذَكَرَهُ هُنَا وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَاكَ، وَأَمَّا إذَا شَهِدَ عَدْلٌ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ بِجُرْحٍ خَطَأً (أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ بِجُرْحٍ عَمْدًا) قَالَ الْبَاجِيُّ: أَمَّا إذَا مَاتَ وَقَدْ قَالَ فُلَانٌ جَرَحَنِي أَوْ ضَرَبَنِي وَلَمْ يَثْبُتْ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمَيِّتِ إلَّا بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ يُقْسِمُ مَعَ شَهَادَتِهِ قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ الْحَكَمِ وَغَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ الْمَقْتُولِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ: لِأَنَّ الْمَيِّتَ كَشَاهِدٍ فَلَا يَثْبُتُ قَوْلُهُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ.
وَقَالَ: إنَّمَا تَكُونُ الْقَسَامَةُ حَيْثُ تَكُونُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ انْتَهَى.
وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ عَمْدٍ وَخَطَأٍ بَلْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ.
ابْنُ حَارِثٍ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إنْ شَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّ فُلَانًا جَرَحَ فُلَانًا أَوْ ضَرَبَهُ فَعَاشَ الْمَجْرُوحُ وَالْمَضْرُوبُ فَأَكَلَ وَشَرِبَ ثُمَّ مَاتَ أَنَّ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يُقْسِمُوا وَيَسْتَحِقُّوا الدَّمَ، فَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَقَطْ الْمُدَوَّنَةُ: لِوَرَثَتِهِ الْقَسَامَةُ خِلَافَ مَا قَالَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْقَسَامَةِ يَحْلِفُونَ لَقَدْ جَرَحَهُ وَلَقَدْ مَاتَ مِنْ جُرْحِهِ وَلَا يَحْلِفُونَ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْجُرْحِ إلَّا لَقَدْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ وَمَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الْقَتْلِ فَيَحْلِفُونَ لَقَدْ قَتَلَهُ فَتُفَرَّقُ الثَّلَاثَةُ الْأَوْجُهُ فِي صِفَةِ الْأَيْمَانِ.
(كَإِقْرَارِهِ مَعَ شَاهِدِهِ مُطْلَقًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ قَالَ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ وَشَهِدَ عَدْلٌ أَنَّهُ قَتَلَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَسَامَةِ انْتَهَى.
وَلِأَجْلِ هَذَا النَّظَرِ أَتَى بِهَذَا وَإِلَّا فَسَيَأْتِي هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَوَجَبَتْ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ ".
(أَوْ إقْرَارِ الْقَاتِلِ فِي الْعَمْدِ فَقَطْ بِشَاهِدٍ) مِنْ فُرُوقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى قَتْلِ الْخَطَأِ أَقْسَمَ مَعَهُ وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْقَتْلِ لَمْ يُقْسِمْ مَعَهُ.
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ شَهَادَةٌ عَلَى قَتْلٍ.
قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّاهِدَ عَلَى نَفْسِ الْقَتْلِ لَوْثٌ يُقْسِمُ مَعَهُ وَالْإِقْرَارُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا
اثْنَانِ كَسَائِرِ الْإِقْرَارَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا خَطَأً فَلْيُقْسِمْ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى إقْرَارِ الْقَاتِلِ أَنَّهُ قَتَلَهُ خَطَأً فَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ مِنْ إقْرَارِهِ إلَّا بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ، فَيُقْسِمُونَ مَعَهُمَا وَيَسْتَحِقُّونَ بِذَلِكَ الدِّيَةَ.
يُرِيدُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ نَكِيرٌ.
قَالَ أَشْهَبُ: إذَا أَنْكَرَ الْقَاتِلُ قَوْلَ الشَّاهِدَيْنِ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ وَهُوَ كَشَاهِدٍ قَدْ شَهِدُوا عَلَى شَهَادَتِهِ وَهُوَ يُنْكِرُهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ بِخِلَافِ مِنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى إقْرَارِ رَجُلٍ بِدَيْنٍ هَذَا يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ.
الْمُتَيْطِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ عَلَى إقْرَارِ الْمُقَاتَلِ بِالْقَتْلِ عَمْدًا.
وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَوْثٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ.
وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الْقَسَامَةِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ عَلَى إقْرَارِ الْقَاتِلِ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَ شَاهِدَاهُ بَطَلَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ شَهِدَ رَجُلٌ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا بِالسَّيْفِ وَقَالَ آخَرُ إنَّهُ قَتَلَهُ بِحَجَرٍ، فَقَوْلُهُمَا بَاطِلٌ وَلَا يُقْسِمُ بِذَلِكَ.
سَحْنُونَ: هَذَا إنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ شَهَادَتَهُمَا مَعًا وَإِنْ ادَّعَى شَهَادَةَ أَحَدِهِمَا فَفِيهِ الْقَسَامَةُ مَعَ ذَلِكَ الشَّاهِدِ.
(وَكَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ) ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الْقَسَامَةُ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ فَثَابِتَةٌ فِي الْمَذْهَبِ اتِّفَاقًا تُوجِبُ الْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِنَّمَا يُقْسِمُ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ إذَا شَهِدَ عَدْلٌ أَنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَةً لَمْ يُقْسِمْ مَعَ شَاهِدِهِ وَلَا يُقْتَلُ هَاهُنَا إلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَتْ مُعَايَنَةُ جَسَدِ الْقَتِيلِ فَيَشْهَدُونَ عَلَى مَوْتِهِ وَيَجْهَلُونَ قَاتِلَهُ كَمَا عُرِفَ مَوْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ (أَوْ يَرَاهُ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَالْمُتَّهَمُ قُرْبَهُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ)
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ عَلَى رَوِيَّةِ الْقَتْلِ لَوْثٌ، وَفِي شَهَادَتِهِ يَرَى الْمَقْتُولَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَالْمُتَّهَمَ نَحْوَهُ أَوْ قُرْبَهُ عَلَيْهِ آثَارُ الْقَتْلِ خِلَافٌ.
وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: شَهَادَةُ النِّسَاءِ لَوْثٌ، وَمِثْلُهُ أَنْ يَرَى الْمُتَّهَمَ بِحِذَاءِ الْقَتِيلِ وَقُرْبِهِ وَلَمْ يَرَوْهُ حِينَ أَصَابَهُ وَوَجَبَتْ إنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ: إذَا تَعَدَّدَ اللَّوْثُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَسَامَةِ انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا " كَإِقْرَارِهِ مَعَ شَاهِدٍ مُطْلَقًا ".
(وَلَيْسَ مِنْهُ وُجُودُهُ بِقَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي قَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ وَلَا يَدْرُونَ مَنْ قَتَلَهُ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ أَحَدٌ وَتَبْطُلُ دِيَتُهُ وَلَا تَكُونُ فِي بَيْتِ مَالٍ وَلَا غَيْرِهِ.
(وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ قَتَلَ وَدَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ اُسْتُحْلِفَ كُلٌّ خَمْسِينَ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى مَنْ نَكَلَ بِلَا قَسَامَةٍ) سَمِعَ عِيسَى بْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فِي وَسَطِ النَّاسِ فَاتَّبَعُوهُ وَهُوَ هَارِبٌ فَاقْتَحَمَ بَيْتًا فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَإِذَا فِيهِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ لَا يُدْرَى أَيُّهُمْ هُوَ، وَإِنْ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلَهُ كَانَ الْعَقْلُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمْ كَانَ الْعَقْلُ عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ: إنْ حَلَفُوا كُلُّهُمْ أَوْ نَكَلُوا كُلُّهُمْ فَالدِّيَةُ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَإِنْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ فَهِيَ عَلَى مَنْ نَكَلَ، كَانَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا يَمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ.
(وَإِنْ انْفَصَلَتْ الْبُغَاةُ عَنْ قَتْلَى وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ فَهَلْ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ مُطْلَقًا أَوْ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ أَوْ شَاهِدٍ أَوْ عَنْ الشَّاهِدِ فَقَطْ تَأْوِيلَاتٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ فِيمَنْ قُتِلَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَسَامَةٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَقِيلَ: لَا قَسَامَةَ فِيهِ بِحَالٍ لَا بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ وَلَا بِشَاهِدَيْنِ عَلَى الْقَتْلِ.
رَوَاهُ سَحْنُونَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَدْ تَرْجَمَ ابْنُ يُونُسَ عَلَى هَذَا فِي آخِرِ كِتَابِ الدِّيَاتِ فَقَالَ فِيمَنْ قُتِلَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ رَاجِعْهُ فِيهِ.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ قَالَ عِيَاضٌ: وَهَذَا كُلُّهُ فِي صَفِّ الْعَصَبِيَّةِ وَالْبَغْيِ الْمُسْتَوِيَيْنِ فِي ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَاغِيًا وَالْآخَرُ مَظْلُومًا أَوْ مُتَأَوِّلًا طُلِبَ الْآخَرُونَ الَّذِينَ لَيْسَ الْقَتِيلُ مِنْهُمْ بِعَقْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ صَفِّ الْبَاغِينَ كَانَ هَدَرًا، وَلَوْ تَعَيَّنَ قَاتِلُهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْقَاتِلُونَ مُتَأَوِّلِينَ أَوْ كِلَا الصَّفَّيْنِ مُتَأَوِّلًا فَمَنْ قَتَلَ الْآخَرَ مِنْهُمَا هَدَرَ (وَإِنْ تَأَوَّلُوا فَهَدَرٌ) تَقَدَّمَ نَصُّ عِيَاضٍ.
وَفِي سَمَاعِ عِيسَى إنْ كَانَ الْقَتِيلُ الَّذِي وُجِدَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ إنَّمَا كَانُوا قَوْمًا يُقَاتِلُونَ عَلَى تَأْوِيلٍ قَالَ: فَلَيْسَ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوهُ قَتْلٌ وَإِنْ عُرِفُوا وَلَا دِيَةَ، وَلَيْسَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ كَغَيْرِهِمْ.
ابْنُ رُشْدٍ: مِثْلُهُ فِي أَثَرِ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ وَمِثْلُهُ رَوَى أَشْهَبُ.
(كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ) الَّذِي لِلْبَاجِيِّ مَا نَصُّهُ: لَوْ مَشَتْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى بِالسِّلَاحِ إلَى مَنَازِلِهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ
ضَمِنَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ مَا أَصَابَتْ مِنْ الْأُخْرَى.
وَرَوَاهُ مُحَمَّدٌ وَابْنُ عَبْدُوسٍ.
قَالَ: وَلَا يَبْطُلُ دَمُ الزَّاحِفَةِ لِأَنَّ الْمَزْحُوفَ إلَيْهِمْ لَوْ شَاءُوا لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ وَاسْتُرِدُّوا إلَى السُّلْطَانِ.
قَالَ غَيْرُهُ: هَذَا إنْ أَمْكَنَ السُّلْطَانَ أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ عَاجَلُوهُمْ نَاشَدُوهُمْ اللَّهَ، فَإِنْ أَبَوْا فَالسَّيْفُ وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا دِيَةَ عَلَيْهِمْ.
هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَ حَرْبُهُمْ لِثَائِرَةٍ وَتَعَصُّبٍ، فَإِنْ كَانَ لِتَأْوِيلٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْفِتَنِ قَوَدٌ فِيمَا قَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ عَلَى التَّأْوِيلِ، وَلَا تِبَاعَةَ فِي مَالٍ إلَّا فِيمَا كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَفُتْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ قَتْلٌ وَلَا دِيَةٌ وَإِنْ عُرِفَ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ.
(وَهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا) ابْنُ عَرَفَةَ: الْقَسَامَةُ حَلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ جُزْئِهَا عَلَى إثْبَاتِ الدَّمِ (مُتَوَالِيَةً) ابْنُ الْحَاجِبِ: يَحْلِفُ الْوَارِثُونَ الْمُكَلَّفُونَ، وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، خَمْسِينَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً (بَتًّا وَإِنْ أَعْمَى وَغَائِبًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَمِينُ الْقَسَامَةِ عَلَى الْبَتِّ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ أَعْمَى أَوْ غَائِبًا حِينَ الْقَتْلِ.
سَحْنُونَ: لِأَنَّ الْعِلْمَ يَحْصُلُ بِالْخَبَرِ وَالسَّمَاعِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْمُعَايَنَةِ (يَحْلِفُهَا فِي الْخَطَأِ مَنْ يَرِثُ وَإِنْ وَاحِدًا) اللَّخْمِيِّ: يَحْلِفُهَا الْوَاحِدُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلدِّيَةِ كَابْنٍ أَوْ أَخٍ (وَامْرَأَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ لَمْ يَدَّعِ الْمَيِّتُ إلَّا ابْنَةً بِغَيْرِ عَصَبَةٍ حَلَفَتْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَتْ نِصْفَ الدِّيَةِ (وَجُبِرَتْ الْيَمِينُ عَلَى أَكْثَرِ كَسْرِهَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيُجْبَرُ كَسْرُ الْيَمِينِ عَلَى ذِي الْأَكْثَرِ مِنْ الْكَسْرِ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ لَزِمَ وَاحِدًا نِصْفُ الْيَمِينِ وَآخَرَ ثُلُثُهَا وَآخَرَ سُدُسُهَا حَلَفَهَا صَاحِبُ النِّصْفِ فَصُوِّرَتْ بِبِنْتٍ وَأُمٍّ وَزَوْجٍ وَعَاصِبٍ (وَإِلَّا فَعَلَى الْجَمِيعِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ ثَلَاثَةَ إخْوَةٍ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْكَسْرُ الَّذِي يَصِيرُ فِي حَظِّهِ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا (وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ إلَّا بَعْدَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَتْ بِنْتٌ وَابْنٌ غَائِبٌ لَمْ تَأْخُذْ الْبِنْتُ ثُلُثَ الدِّيَةِ حَتَّى تَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا، فَإِذَا قَدِمَ الِابْنُ الْغَائِبُ حَلَفَ ثُلُثَيْ الْأَيْمَانِ وَأَخَذَ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ (ثُمَّ حَلَفَ مَنْ حَضَرَ حِصَّتَهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: ثُمَّ مَنْ نَكَلَ أَوْ غَابَ فَلَا يَأْخُذُ غَيْرَهُمَا حَتَّى يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا ثُمَّ مَنْ حَضَرَ حَلَفَ حِصَّتَهُ (وَإِنْ نَكَلُوا أَوْ بَعْضٌ حَلَفَتْ الْعَاقِلَةُ فَمَنْ نَكَلَ فَحِصَّتُهُ عَلَى الْآخَرِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ نَكَلُوا عَنْ الْأَيْمَانِ أَوْ بَعْضُهُمْ فَخَامِسُ الْأَقْوَالِ إنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى الْعَاقِلَةِ يَحْلِفُونَ كُلُّهُمْ، وَلَوْ كَانُوا عَشَرَةَ آلَافٍ فَالْقَاتِلُ كَأَحَدِهِمْ.
فَمَنْ حَلَفَ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ نَكَلَ غَرِمَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ أَصَحُّهَا (وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ ادَّعَى الْعَمْدَ لَمْ يُقْتَلْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا بِقَسَامَةِ رَجُلَيْنِ فَصَاعِدًا.
ابْنُ شَاسٍ: وَيَحْلِفُ الْعَصَبَةُ وَلَا يَدْخُلُ النِّسَاءُ فِي الْعَمْدِ بِوَجْهٍ (وَإِلَّا فَمَوَالٍ) الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقْتُلُ عَمْدًا
إنَّهُ إذَا قَامَ عَصَبَةُ الْمَقْتُولِ أَوْ مَوَالِيه فَقَالُوا نَحْنُ نَحْلِفُ وَنَسْتَحِقُّ دَمَ صَاحِبِنَا فَذَلِكَ لَهُمْ (وَلِلْوَلِيِّ الِاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ كَانَ الْوَلِيُّ وَاحِدًا اسْتَعَانَ بِبَعْضِ عَصَبَتِهِ وَيَجْتَزِئُ فِي الْمُعَيَّنِينَ بِالْوَاحِدِ (وَلِلْوَلِيِّ فَقَطْ حَلِفُ الْأَكْثَرِ إنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى نِصْفِهَا) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ الَّذِي لَهُ الْعَفْوُ رَجُلًا وَاحِدًا فَلَا يَسْتَحِقُّهُ بِقَسَامَةٍ إلَّا أَنْ يَجِدَ مِنْ الْعَصَبَةِ أَوْ الْعَشَرَةِ مَنْ يُقْسِمُ مَعَهُ فَمَنْ يَلْقَاهُ إلَى أَبٍ مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَجَدَ رَجُلًا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا، وَإِنْ وَجَدَ رَجُلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ قُسِّمَتْ الْأَيْمَانُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ، فَإِنْ رَضُوا أَنْ يَحْمِلُوا عَنْهُ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ رَضِيَ هُوَ أَنْ يَحْمِلَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ يَمِينًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (وَوُزِّعَتْ وَاجْتُزِئَ بِاثْنَيْنِ طَاعَا أَوْ أَكْثَرَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ وُزِّعَتْ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ اُجْتُزِئَ بِالْخَمْسِينَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي الِاجْتِزَاءِ بِاثْنَيْنِ مِنْ أَكْثَرَ مِنْهُمَا قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ وُلَاةُ الدَّمِ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ وَطَاعَ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِحَمْلِ الْخَمْسِينَ يَمِينًا جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَمْ يُعَدُّ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَوَّلِينَ نَاكِلًا لِأَنَّ الدَّمَ قَدْ قُيِّدَ بِهِ.
(وَنُكُولُ الْمُعَيَّنِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلَوْ بَعُدَ) اُنْظُرْ قَوْلَهُ: " وَلَوْ " فَسَيَأْتِي أَنَّ أَوْلِيَاءَ الدَّمِ إنْ كَانُوا أَعْمَامًا وَأَبْعَدَ مِنْهُمْ فَإِنَّ مَالِكًا حَلَّفَهُمْ مَرَّةً كَالْبَنِينَ، وَمَرَّةً قَالَ: إنْ رَضِيَ اثْنَانِ كَانَ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَسْتَحِقَّا حَقَّهُمَا مِنْ الدِّيَةِ.
ابْنُ شَاسٍ: إنْ كَانَ الْوَلِيُّ وَاحِدًا اسْتَعَانَ بِبَعْضِ عَصَبَتِهِ ثُمَّ نُكُولُ الْمُعَيَّنِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَأَمَّا نُكُولُ أَحَدِ الْأَوْلِيَاءِ فَمُسْقِطٌ لِلْقَوَدِ.
وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ كَثُرَ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ أَجْزَأَ أَنْ يَحْلِفَ اثْنَانِ إذَا تَطَاوَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ بَاقِيهِمْ الْيَمِينَ نُكُولًا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ نَكَلَ وَاحِدٌ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ الَّذِينَ يَجُوزُ عَفْوُهُمْ إنْ عَفَوْا فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَتْلِ، كَانُوا اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ نُكُولِ أَحَدِ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ الْقَسَامَةِ قَبْلَ الْقَسَامَةِ أَوْ بَعْدَ أَنْ حَلَفَ جَمَاعَتُهُمْ فَقَالَ: إنْ نَكَلَ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ الْعَفْوُ قَبْلَ الْقَسَامَةِ فَلَا قَسَامَةَ لِبَقِيَّتِهِمْ وَلَا دَمَ وَلَا دِيَةَ وَيَحْلِفُ
الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا إنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ عَصَبَتِهِ مَنْ يَحْلِفُ مَعَهُ، وَإِنْ نَكَلَ بَعْدَ يَمِينِ جَمَاعَتِهِمْ لَمْ يَسْقُطْ حَظُّ مَنْ بَقِيَ مِنْ الدِّيَةِ، وَنُكُولُ هَذَا كَعَفْوِهِ رَاجِعْهُ فِيهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ نُكُولُ الْمُعَيَّنِ لَغْوٌ وَاضِحٌ لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ مَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ.
(فَيُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ) قَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ نَكَلَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ عَفَا وَالْأَوْلِيَاءُ بَنُونَ أَوْ إخْوَةٌ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَلِمَالِكٍ أَيْضًا: إنْ بَقِيَ اثْنَانِ كَانَ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَسْتَحِقَّا حَظَّهُمَا مِنْ الدِّيَةِ.
وَاخْتُلِفَ عَنْهُ إنْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ أَعْمَامًا أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُمْ مِنْ الْعَصَبَةِ فَنَكَلَ بَعْضُهُمْ، فَجَعَلَ الْجَوَابَ مَرَّةً كَالْبَنِينَ وَهُوَ أَبْيَنُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ إذَا اسْتَوَوْا فِي الْقَعْدَةِ.
(وَمَنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ) الْجَلَّابُ: إذَا نَكَلَ الْمُدَّعُونَ لِلدَّمِ عَنْ الْقَسَامَةِ وَرُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَنَكَلُوا حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُمْ تُرِكُوا وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَلْدُ مِائَةٍ وَحَبْسُ سَنَةٍ.
(وَلَا اسْتِعَانَةَ) لَيْسَ هَذَا مَشْهُورُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
ابْنُ رُشْدٍ: إنْ نَكَلَ وُلَاةُ الدَّمِ عَنْ الْيَمِينِ وَكَانَتْ الْقَسَامَةُ وَجَبَتْ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ أَوْ بِشَاهِدٍ عَلَى الْقَتْلِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ يَحْلِفُ عَنْهُ رَجُلَانِ فَأَكْثَرُ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ خَمْسِينَ يَمِينًا إنْ طَاعُوا بِذَلِكَ وَلَا يَحْلِفُ هُوَ مَعَهُمْ.
قَالَ هَذَا ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ: لَا يَتَعَيَّنُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَحَدٍ مِنْ وُلَاتِهِ.
اُنْظُرْ الْمُقَدِّمَاتِ فَقَدْ ذَكَرَ أَيْضًا قَوْلًا ثَالِثًا وَعَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْقَسَامَةُ إنَّمَا وَجَبَتْ بِشَاهِدَيْنِ عَلَى الْجُرْحِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنَّهَا تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ مَا مَاتَ مَنْ ضَرْبَتِي.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا تُرَدُّ عَلَيْهِ لِأَنَّ يَمِينَهُ إنْ حَلَفَ يَمِينٌ غَمُوسٌ.
(وَإِنْ كَذَّبَ بَعْضٌ نَفْسَهُ بَطَلَ بِخِلَافِ عَفْوِهِ فَلِلْبَاقِي نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ عَفَا أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ الدَّمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْقَسَامَةِ أَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ الْقَسَامَةِ فَثَالِثُ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ إنْ عُفِيَ كَانَ لِمَنْ بَقِيَ حُظُوظُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ، وَإِنْ أَكْذَبَ
نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ قَبَضُوهَا رَدُّوهَا.
هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا.
وَسَاوَى ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ الْعَفْوِ وَالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ وَالْعَفْوِ قَبْلَ الْقَسَامَةِ، وَفَرَّقَ بَعْدَ الْقَسَامَةِ بَيْنَ أَنْ يَعْفُوَ أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ، فَجَعَلَ تَكْذِيبَ نَفْسِهِ بَعْدَ الْقَسَامَةِ كَعَفْوِهِ عَنْ الدَّمِ قَبْلَ الْقَسَامَةِ لَا شَيْءَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْ الدَّمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
(وَلَا يُنْتَظَرُ صَغِيرٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَ أَوْلَادُ الْمَقْتُولِ صِغَارًا وَكِبَارًا، فَإِنْ كَانَ الْكِبَارُ اثْنَيْنِ فَلَهُمْ أَنْ يُقْسِمُوا وَيَقْتُلُوا وَلَا يُنْتَظَرُ بُلُوغُ الصَّغِيرِ (بِخِلَافِ الْمُغْمَى وَالْمُبَرْسَمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَ فِي الْأَوْلِيَاءِ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُبَرْسَمٌ فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ لِأَنَّ هَذَا مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ (إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُهُ فَيَحْلِفُ الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ وَالصَّغِيرُ مَعَهُ) نَحْوُ هَذَا عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ.
وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَلَدٌ صَغِيرٌ وَكَبِيرُ فَإِنْ وَجَدَ الْكَبِيرُ رَجُلًا مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ يَحْلِفُ مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ لَهُ الْعَفْوُ حَلَفَا خَمْسِينَ يَمِينًا، ثُمَّ لِلْكَبِيرِ أَنْ يَقْتُلَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَعَهُ حَلَفَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا وَاسْتُؤْنِيَ بِالصَّغِيرِ، فَإِذَا بَلَغَ حَلَفَ أَيْضًا خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا ثُمَّ اسْتَحَقَّ الدَّمَ.
(وَوَجَبَتْ بِهَا الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ مِنْ وَاحِدٍ يُعَيَّنُ لَهَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ إلَّا وَاحِدًا خِلَافًا لِلْمُغِيرَةِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ يَكُونُ مُعَيَّنًا بِالْيَمِينِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مُوجِبُ الْقَسَامَةِ الْقَتْلُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ فَإِنْ انْفَرَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَوَاضِحٌ.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا يُقْسِمُ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ بِكُلِّ حَالٍ.
وَقَالَ فِي ثَلَاثَةٍ احْتَمَلُوا صَخْرَةً وَرَمَوْهَا عَلَى رَجُلٍ قَتَلُوهُ بِهَا وَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ: لَا يُقْسِمُ إلَّا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُقْسِمُونَ لَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ لَا مِنْ ضَرْبِهِمْ.
وَخَالَفَ فِي هَذَا سَحْنُونَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ شَاءُوا أَقْسَمُوا عَلَى اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ ثُمَّ لَا يَقْتُلُونَ إلَّا وَاحِدًا مِمَّنْ أَدْخَلُوهُ فِي قَسَامَتِهِمْ.
وَانْظُرْ لِابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ أَنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ اثْنَانِ.
(وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ أَوْ قَتْلِ كَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ جَنِينٍ حَلَفَ وَاحِدَةً وَأَخَذَ الدِّيَةَ) أَمَّا مَسْأَلَةُ قِيَامِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ عَلَى جُرُوحٍ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: بِلَا قَسَامَةَ فِي
الْجِرَاحِ وَلَكِنْ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَدْلًا عَلَى جَرْحٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلْيَحْلِفْ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَقْتَصُّ فِي الْعَمْدِ وَيَأْخُذُ الْعَقْلَ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ.
قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ؟ قَالَ: قَدْ كَلَّمْت مَالِكًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ شَيْءٌ اسْتَحْسَنَّاهُ وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْكَافِرِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي نَصْرَانِيٍّ قَامَ عَلَى قَتْلِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ مُسْلِمٌ فَيَحْلِفُ وُلَاتُهُ يَمِينَهَا وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ عَلَى قَاتِلِهِ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ نَصْرَانِيًّا.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ فَفِي الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ إنَّهُ إذَا أُصِيبَ الْعَبْدُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ثُمَّ جَاءَ سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ يَمِينًا وَاحِدَةً ثُمَّ كَانَ لَهُ قِيمَةُ عَبْدِهِ، وَلَيْسَ فِي الْعَبِيدِ قَسَامَةٌ فِي عَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ، فَإِنْ قَتَلَ الْعَبْدُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِ الْمَقْتُولِ قَسَامَةٌ وَلَا يَمِينٌ، وَلَا يَسْتَحِقُّ سَيِّدُهُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ أَوْ بِشَاهِدٍ فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَبْدَ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ السَّيِّدُ أَوْ يَرْضَى سَيِّدُ الْمَقْتُولِ بِأَخْذِ قِيمَةِ عَبْدِهِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْجَنِينِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ ضُرِبَتْ امْرَأَةٌ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَقَالَتْ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، فَفِي الْمَرْأَةِ الْقَسَامَةُ وَلَا شَيْءَ فِي اثْنَيْنِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ثَابِتَةٍ لِأَنَّهُ كَجُرْحٍ مِنْ جِرَاحِهَا، وَلَا قَسَامَةَ فِي الْجُرْحِ وَلَا
يَثْبُتُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ شَاهِدٍ عَدْلٍ فَيَحْلِفُ وُلَاتُهُ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّونَ دِيَتَهُ.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَرِثُ الْغُرَّةَ يَمِينًا أَنَّهُ قَتَلَهُ.
(وَإِنْ نَكَلَ بُرِّئَ الْجَارِحُ إنْ حَلَفَ وَإِلَّا حُبِسَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جَرْحٍ عَمْدٍ فَلْيَحْلِفْ وَيَقْتَصُّ، فَإِنْ نَكَلَ قِيلَ لِلْجَارِحِ احْلِفْ وَابْرَأْ، فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ.
الْجَلَّابُ: وَإِنْ طَالَ الْحَبْسُ أُطْلِقَ.
(فَلَوْ قَالَتْ دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ فَفِيهَا الْقَسَامَةُ وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَقَالَتْ: دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ وَمَاتَتْ كَانَتْ الْقَسَامَةُ فِي الْأُمِّ وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ، وَلَوْ ثَبَتَ الْأَمْرَانِ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ فَالْقَسَامَةُ فِي الْأُمِّ وَيَمِينٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنِينِ.
(وَلَوْ اسْتَهَلَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَتْ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فَخَرَجَ جَنِينُهَا حَيًّا فَاسْتَهَلَّ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ فَفِي الْأُمِّ الْقَسَامَةُ وَلَا قَسَامَةَ فِي الْوَلَدِ لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ: قَتَلَنِي وَقَتَلَ فُلَانًا مَعِي لَمْ يَكُنْ فِي فُلَانٍ قَسَامَةٌ.
[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَاتِ]
[بَاب فِي الْبَغْيُ]
[صِفَاتُ الْبُغَاةِ وَأَحْكَامِهِمْ]
بَابٌ ابْنُ شَاسٍ كِتَابُ الْجِنَايَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَاتِ.
وَهِيَ سَبْعٌ: الْبَغْيُ، وَالرِّدَّةُ، وَالزِّنَا، وَالْقَذْفُ، وَالسَّرِقَةُ، وَالْحِرَابَةُ، وَالشُّرْبُ، وَالْجِنَايَةُ.
الْأُولَى الْبَغْيُ وَالنَّظَرُ فِي صِفَاتِ الْبُغَاةِ وَأَحْكَامِهِمْ (الْبَاغِيَةُ فِرْقَةٌ خَالَفَتْ الْإِمَامَ لِمَنْعِ حَقٍّ أَوْ لِخَلْعِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْبَغْيُ
هُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ طَاعَةِ مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ بِمُغَالَبَةٍ وَلَوْ تَأَوُّلًا.
قَالَ: وَحُكْمُ ثُبُوتِ الْإِمَامَةِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ.
وَخَتَمَ أَبُو الْمَعَالِي كِتَابَ اللُّمَعِ بِمَا نَصُّهُ: فَصْلٌ شَرَائِطُ الْإِمَامَةِ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُسْتَجْمِعًا لِشَرَائِطِ الْفَتْوَى.
الثَّانِي أَنْ يَكُونَ قُرَشِيَّ النَّسَبِ.
الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ ذَا نَخْوَةٍ وَكَفَاءَةٍ فِي الْمُعْضِلَاتِ وَنُزُولِ الدَّوَاهِي وَالْمُلِمَّاتِ.
فَهَذِهِ عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ تَلَقَّاهَا الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ أَمَّا فِيمَا تَكْمُلُ بِهِ هِدَايَةُ الْمُسْتَرْشِدِينَ وَيَقَعُ بِهِ الْإِقْنَاعُ فِي أُصُولِ الدِّينِ انْتَهَى الْفَصْلُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ: تُتَصَوَّرُ إمَامَةُ الْعَبْدِ اُنْظُرْهُ بَعْدَ هَذَا.
وَقَالَ فِي إرْشَادِهِ: وَمِنْ شَرَائِطِ الْإِمَامَةِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُهْتَدِيًا إلَى مَصَالِحِ الْأُمُورِ وَضَبْطِهَا، ذَا نَجْدَةٍ فِي تَجْهِيزِ الْجُيُوشِ وَسَدِّ الثُّغُورِ، ذَا رَأْيٍ مُصِيبٍ فِي النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ، لَا تُزَعْزِعُهُ هَوَاءَةُ نَفْسٍ وَلَا خَوْرُ طَبِيعَةٍ عَنْ ضَرْبِ الرِّقَابِ وَالتَّنْكِيلِ لِلْمُسْتَوْجِبَيْنِ الْحُدُودَ، وَيَجْمَعُ مَا ذَكَرْنَاهُ الْكَفَاءَةَ وَهِيَ مَشْرُوطَةٌ إجْمَاعًا.
قَالَ: وَمِنْ شَرَائِطِ الْإِمَامَةِ الْوَرَعُ وَالْعَدَالَةُ وَكَيْفَ يَتَصَدَّرُ لَهَا مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: افْتَرَضَ اللَّهُ قِتَالَ الْخَوَارِجِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: وَإِنْ كَانُوا يَظْلِمُونَ الْوَالِيَ الظَّالِمَ فَلَا يَجُوزُ لَك الدَّفْعُ عَنْهُ وَلَا الْقِيَامُ عَلَيْهِ، وَلَا يَسَعُك الْوُقُوفُ عَنْ الْعَدْلِ كَانَ هُوَ الْقَائِمَ أَوْ الْمُقَامَ عَلَيْهِ.
قَالَ عِيَاضٌ: انْحَدَرَ الْمَأْمُونُ إلَى مُحَارَبَةِ بَعْضِ بِلَادِ مِصْرَ وَقَالَ لِلْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ: مَا تَقُولُ فِي خُرُوجِنَا هَذَا؟ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الرَّشِيدَ سَأَلَهُ عَنْ قِتَالِ أَهْلِ دَمِكَ فَقَالَ: إنْ كَانُوا خَرَجُوا عَنْ ظُلْمِ السُّلْطَانِ فَلَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ، وَمِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] لَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يُسَارِعُوا إلَى نُصْرَةِ مُظْهِرِ الْعَدْلِ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَاسِقًا لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَطْلُبُ الْمُلْكَ يُظْهِرُ مِنْ نَفْسِهِ الصَّلَاحَ حَتَّى يَتَمَكَّنَ فَيَعُودَ بِخِلَافِ مَا أَظْهَرَ.
وَسَأَلَ ابْنُ نَصْرٍ مَالِكًا عَنْ الْفِتَنِ بِالْأَنْدَلُسِ وَكَيْفِيَّةِ الْمَخْرَجِ مِنْهَا إذَا خَافَ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا أَنَا فَمَا أَتَكَلَّمُ فِي هَذَا بِشَيْءٍ فَأَعَادَ الرَّجُلُ الْكَلَامَ عَلَيْهِ وَقَالَ: إنِّي رَسُولُ مَنْ خَلْفِي إلَيْك فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: كُفَّ عَنْ الْكَلَامِ فِي هَذَا وَمِثْلِهِ وَأَنَا لَك نَاصِحٌ وَلَا تُجِبْ فِيهِ.
وَلِابْنِ مُحْرِزٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: مَنْ شَارَكَ فِي عَزْلِ إنْسَانٍ وَتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَأْمَنْ سَفْكَ دَمِ مُسْلِمٍ فَقَدْ شَارَكَ فِي سَفْكِ دَمِهِ إنْ سُفِكَ، رَاجِعْهُ فِي مَصْرِفِ الزَّكَاةِ مِنْهُ.
وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ وَالْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُمَا: مَنْ شَارَكَ فِي قَتْلِ مُسْلِمٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قَوْلِهِ: " وَلَا تُنَازِعْ الْأَمْرَ أَهْلَهُ " يَعْنِي مَنْ مَلَكَهُ لَا مَنْ يَسْتَحِقُّهُ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيمَنْ يَمْلِكُهُ أَكْثَرُ مِنْهُ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّهُ
وَالطَّاعَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْجَمِيعِ، فَالصَّبْرُ عَلَى ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ التَّعَرُّضِ لِإِفْسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا» قَالَ: تُتَصَوَّرُ إمَامَةُ الْعَبْدِ إذَا وَلَّاهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ وَتَغَلَّبَ عَلَى الْبِلَادِ بِشَوْكَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ فَيُسْمَعُ لَهُ وَيُطَاعُ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ فِي تَمْهِيدِهِ: ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَعَامَّةِ الْخَوَارِجِ إلَى مُنَازَعَةِ الْجَائِرِ قَالَ: وَأَمَّا أَهْلُ الْحَقِّ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ فَقَالُوا: الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ الْجَائِرِ أَوْلَى.
قَالَ: وَالْأُصُولُ تَشْهَدُ وَالْعَقْلُ وَالدِّينُ أَنَّ أَعْظَمَ الْمَكْرُوهَيْنِ أَوْلَاهُمَا بِالتَّرْكِ.
قَالَ: وَكَتَبَ ابْنُ مَرْوَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يُبَايِعَ الْحَجَّاجَ قَالَ: لِأَنَّ فِيك خِصَالًا لَا تَصِحُّ مَعَهَا الْخِلَافَةُ وَهِيَ الْبُخْلُ وَالْغَيْرَةُ وَالْعِيُّ.
فَجَاوَبَهُ ابْنُ عُمَرَ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَك رَبَّنَا وَإِلَيْك الْمَصِيرُ.
اللَّهُمَّ إنَّ ابْنَ مَرْوَانَ يُعَيِّرُنِي بِالْبُخْلِ وَالْغَيْرَةِ وَالْعِيِّ، فَلَوْ وُلِّيتُ وَأَعْطَيْت النَّاسَ حُقُوقَهُمْ وَقَسَمْتُ بَيْنَهُمْ فَأَيُّ حَاجَةٍ لَهُمْ حِينَئِذٍ فِي مَالِي يَعْنِي فَيُبْخِلُونِي، وَلَوْ جَلَسْت إلَيْهِمْ مَجَالِسَهُمْ فَقَضَيْت حَوَائِجَهُمْ لَمْ تَبْقَ لَهُمْ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ فَيَعْرِفُونَ غَيْرَتِي، وَمَا مَنْ قَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ وَوُعِظَ بِهِ بِعِيٍّ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَعَادَ أَبَدًا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ الَّذِي تُؤَدَّى إلَيْهِ الطَّاعَةُ فَلَا يُعِيدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ صَلَاتِهِ سَكْرَانَ.
قَالَهُ مَنْ لَقِيت مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَوْ قَاضٍ أَوْ خَلِيفَةٍ أَوْ صَاحِبِ شُرْطَةٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَهُمْ الْجُمُعَةَ أَوْ غَيْرَهَا إذْ مَنْعُ الصَّلَاةِ مَعَهُمْ دَاعِيَةٌ إلَى الْخُرُوجِ مِنْ طَاعَتِهِمْ.
وَقَدْ صَلَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ وَنَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ وَقَالَ عِيَاضٌ فِي إكْمَالِهِ: أَحَادِيثُ مُسْلِمٍ كُلُّهَا حُجَّةٌ فِي مَنْعِ الْخُرُوجِ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْجَوَرَةِ وَفِي لُزُومِ طَاعَتِهِمْ.
وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْكَلَامِ أَنَّهُ لَا يُخْلَعُ السُّلْطَانُ بِالْفِسْقِ وَالظُّلْمِ وَتَعْطِيلِ الْحُقُوقِ.
وَلَا يَجِبُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ بَلْ يَجِبُ وَعْظُهُ وَتَخْوِيفُهُ.
زَادَ أَبُو حَامِدٍ: وَتَضْيِيقُ صُدُورِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ فِي تَمْهِيدِهِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ إلَيَّ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ» قَالَ: أَوْجَبُ مَا يَكُونُ هَذَا عَلَى مَنْ وَاكَلَهُمْ وَجَالَسَهُمْ وَكُلِّ مَنْ أَمْكَنَهُ نُصْحُ السُّلْطَانِ لَزِمَهُ ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ إذَا رَجَا أَنْ يَسْمَعَ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَالدُّعَاءُ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ سَبِّ الْأُمَرَاءِ ثُمَّ نَقَلَ بِسَنَدِهِ: كَانَ الْأَكَابِرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَوْنَ عَنْ سَبِّ الْأُمَرَاءِ.
اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَزِيدَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ كَوْنُهُ قُرَشِيًّا ".
(فَلِلْعَدْلِ قِتَالُهُمْ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ قَامَ عَلَى إمَامٍ مَنْ أَرَادَ إزَالَةَ مَا بِيَدِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجَبَ عَلَى النَّاسِ الذَّبُّ عَنْهُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: دَعَا عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْضَهُمْ إلَى الْقِتَالِ مَعَهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوا فَعَذَرَهُمْ، وَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ لَا يَعِيبَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ.
الْقَرَافِيُّ: الزَّوَاجِرُ مَشْرُوعَةٌ لِدَرْءِ الْمَفْسَدَةِ الْمُتَوَقَّعَةِ وَقَدْ لَا يَكُونُ الْمَزْجُورُ آثِمًا كَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَالْبَهَائِمِ، وَكَذَلِكَ الْبُغَاةُ إنَّمَا قِتَالُهُمْ دَرْءٌ لِتَفْرِيقِ الْكَلِمَةِ مَعَ عَدَمِ التَّأْثِيمِ لِأَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ قَالَ: وَيَفْتَرِقُ قِتَالُهُمْ مِنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ بِأَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا مِنْهَا: أَنَّهُ يَقْصِدُ بِالْقِتَالِ رَدْعَهُمْ لَا قَتْلَهُمْ، وَيَكُفُّ عَنْ مُدَبَّرِهِمْ وَلَا يُجْهِزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يَقْتُلُ أَسْرَاهُمْ وَلَا تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ، وَلَا تُنْصَبُ عَلَيْهِمْ الرَّعَّادَاتُ، وَلَا تُحَرَّقُ مَسَاكِنُهُمْ وَلَا تُقْطَعُ أَشْجَارُهُمْ وَلَا يَدْعُهُمْ عَلَى مَالٍ، وَيَفْتَرِقُ أَيْضًا قِتَالُهُمْ مِنْ قِتَالِ الْمُحَارَبِينَ بِأَنَّ الْبُغَاةَ لَا يُطْلَبُونَ بِمَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنْ دَمٍ وَمَالٍ وَمَا أَخَذُوهُ مِنْ خَرَاجٍ وَزَكَاةٍ وَسَقَطَتْ عَمَّنْ كَانَتْ عَلَيْهِ، وَلَمَّا ذَكَرَ عِزُّ الدِّينِ مِثْلَ الزَّوَاجِرِ قَالَ مَا نَصُّهُ: الْمِثَالُ الثَّانِي الزَّجْرُ عَنْ مَفْسَدَةِ الْبَغْيِ، فَإِنْ رَجَعُوا إلَى الطَّاعَةِ كَفَفْنَا عَنْ قَتْلِهِمْ وَقِتَالِهِمْ، وَهَذَا زَجْرٌ عَنْ مَفْسَدَةٍ لَا إثْمَ فِيهَا.
(وَإِنْ تَأَوَّلُوا) أَبُو عُمَرَ: رَأَى مَالِكٌ قِتَالَ الْخَوَارِجِ.
ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ: يُسْتَتَابُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ.
قَالَ سَحْنُونَ: أَدَبًا لَهُمْ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَى تَرْكِ قِتَالِهِمْ.
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْخَوَارِجِ إنْ كَانَ رَأْيُ الْقَوْمِ أَنْ
يَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ فَسَادٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا عَلَى قَطْعِ سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَذْهَبُوا حَيْثُ شَاءُوا، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا رَأْيُهُمْ الْقِتَالُ فَوَاَللَّهِ لَوْ أَنَّ أَبْكَارِي خَرَجُوا رَغْمَةً عَنْ جَمَاعَةٍ الْمُسْلِمِينَ لَأَرَقْت دِمَاءَهُمْ أَلْتَمِسُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ.
ابْنُ شَاسٍ: بِنَاءُ بَغَى لِلطَّلَبِ، وَوَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهَا هُنَا عَمَّنْ يَبْغِي مَا لَا يَنْبَغِي عَلَى عَادَةِ اللُّغَةِ فِي تَخْصِيصِ الِاسْمِ بِبَعْضِ مُتَعَلِّقَاتِهِ وَهُوَ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى الْإِمَامِ يَبْتَغِي خُلْفَهُ أَوْ يَمْتَنِعُ مِنْ الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ أَوْ يَمْنَعُ حَقًّا وَجَبَ عَلَيْهِ بِتَأْوِيلٍ قَاتَلَ الصِّدِّيقُ مَانِعِي الزَّكَاةِ بِالتَّأْوِيلِ وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ قَاتَلَ أَهْلَ الشَّامِ.
(كَالْكُفَّارِ) فِي النَّوَادِرِ: إذَا امْتَنَعَ أَهْلُ الْبَغْيِ وَلَوْ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ مِنْ الْإِمَامِ الْعَدْلِ فَلَهُ فِيهِمْ مَا لَهُ فِي الْكُفَّارِ وَلَا يَرْمِيهِمْ بِالنَّارِ وَأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ نِسَاءٌ وَلَا ذُرِّيَّةٌ (وَلَا يُسْتَرَقُّونَ) قَالَ سَحْنُونَ فِي الْخَوَارِجِ: سَمَّاهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَارِقِينَ وَلَمْ يُسَمِّهِمْ كُفَّارًا، وَسَنَّ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قِتَالَهُمْ فَلَمْ يُكَفِّرْهُمْ وَلَا سَبَاهُمْ وَلَا أَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، فَمَوَارِيثُهُمْ قَائِمَةً وَلَهُمْ أَحْكَامُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قُوتِلُوا بِالسُّنَّةِ وَبِمَا أَحْدَثُوا مِنْ الْبِدْعَةِ فَكَانَ ذَلِكَ كَحَدٍّ يُقَامُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُتْبَعُوا بِمَا سَفَكُوا مِنْ دَمٍ وَنَالُوا مِنْ فَرْجٍ لَا بِقَوَدٍ وَلَا بِدِيَةٍ وَلَا صَدَاقٍ وَلَا حَدٍّ (وَلَا تُحَرَّقُ أَشْجَارُهُمْ وَلَا تُرْفَعُ رُءُوسُهُمْ بِأَرْمَاحٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْقَرَافِيُّ: لَا تُحَرَّقُ مَسَاكِنُهُمْ وَلَا تُقْطَعُ أَشْجَارُهُمْ وَلَا يُسْتَعَانُ عَلَى قِتَالِهِمْ بِمُشْرِكٍ وَلَا يُوَادِعُهُمْ عَلَى مَالٍ (وَلَا يَدْعُوهُمْ بِمَالٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْقَرَافِيُّ: لَا يُوَادِعُهُمْ عَلَى مَالٍ.
(وَاسْتُعِينَ بِمَالِهِمْ عَلَيْهِمْ إنْ اُحْتِيجَ لَهُ ثُمَّ رُدَّ) قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَصَابَ الْإِمَامُ مِنْ عَسْكَرِ أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ كُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ قَائِمَةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ الْإِمَامُ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى قِتَالِهِمْ إنْ احْتَاجُوا إلَيْهِ، فَإِنْ زَالَتْ الْحَرْبُ رُدَّ لِأَهْلِهِ (كَغَيْرِهِ) قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَغَيْرُ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ تُوقَفُ حَتَّى تُرَدَّ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ قَائِمَةٌ رُدَّ ذَلِكَ مِنْ سِلَاحٍ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا فَعَلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
(وَإِنْ أُمِّنُوا لَمْ يُتَّبَعْ مُنْهَزِمُهُمْ وَلَمْ يُذَفَّفْ عَلَى جَرِيحٍ) قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إنْ أُسِرَ مِنْ الْخَوَارِجِ أَسِيرٌ وَقَدْ انْقَطَعَتْ الْحَرْبُ فَلَا يُقْتَلُ، وَإِنْ كَانَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ وَلَوْ كَانُوا جَمَاعَةً إذَا خَافَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ ضَرَرٌ.
وَعَلَى هَذَا يَجْرِي حُكْمُ التَّذْفِيفِ عَلَى الْجَرِيحِ وَاتِّبَاعِ الْمُنْهَزِمِ، وَقَالَهُ سَحْنُونَ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَأُمِّنُوا فَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَمُنْهَزِمِهِمْ.
(وَكُرِهَ لِرَجُلٍ قَتْلُ أَبِيهِ) ابْنُ سَحْنُونٍ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ فِي قِتَالِهِمْ أَخَاهُ وَقَرَابَتَهُ، فَأَمَّا الْأَبُ وَحْدَهُ فَلَا أُحِبُّ قَتْلَهُ تَعَمُّدًا وَكَذَلِكَ الْأَبُ الْكَافِرُ (وَوَرِثَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ سَحْنُونٍ: مَوَارِيثُهُمْ قَائِمَةٌ.
(وَلَمْ يَضْمَنْ مُتَأَوِّلٌ أَتْلَفَ نَفْسًا وَمَالًا) .
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَالْخَوَارِجُ إذَا خَرَجُوا فَأَصَابُوا الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ ثُمَّ تَابُوا وَرَجَعُوا وُضِعَتْ الدِّمَاءُ عَنْهُمْ وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا وُجِدَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ مَالٍ بِعَيْنِهِ، وَمَا اسْتَهْلَكُوهُ لَمْ يُتْبَعُوا بِهِ وَلَوْ كَانُوا أَمْلِيَاءَ لِأَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ بِخِلَافِ الْمُحَارَبِينَ.
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ تَأَوَّلُوا ".
(وَمَضَى حُكْمُ قَاضِيه وَحَدٌّ أَقَامَهُ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ وَلَّى الْبُغَاةُ قَاضِيًا وَأَخَذُوا زَكَاةً وَأَقَامُوا حَدًّا فَقَالَ الْأَخَوَانِ: يَنْفُذُ ذَلِكَ كُلُّهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ إمْضَاءُ ذَلِكَ.
وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَا أَخَذُوهُ مِنْ الزَّكَاةِ تُجْزِئُ عَنْ أَرْبَابِهَا.
(وَرُدَّ ذِمِّيٌّ مَعَهُ إلَى ذِمَّتِهِ) الشَّيْخُ: وَظَاهِرُهُ مِنْ الْوَاضِحَةِ إنْ قَاتَلَ مَعَ الْمُتَأَوِّلِينَ أَهْلُ الذِّمَّةِ وُضِعَ عَنْهُمْ مَا وُضِعَ عَنْهُمْ وَرُدُّوا لِذِمَّتِهِمْ.
(وَضَمِنَ مُعَانِدٌ النَّفْسَ وَالْمَالَ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا أَحْكَامُ الْبُغَاةِ ثُمَّ قَالَ: وَمَا أَتْلَفُوهُ فِي الْفِتْنَةِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ مِنْ نَفْسٍ وَلَا مَالٍ.
هَذَا إنْ كَانُوا خَرَجُوا عَلَى تَأْوِيلٍ، وَأَمَّا أَهْلُ الْعَصَبِيَّةِ وَأَهْلُ الْخِلَافِ لِسُلْطَانِهِمْ بَغْيًا بِلَا تَأْوِيلٍ فَيُؤْخَذُونَ بِالْقِصَاصِ وَرَدِّ الْمَالِ قَائِمًا كَانَ أَوْ فَائِتًا.
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ وَالذِّمِّيُّ مَعَهُ نَاقِضٌ ". ابْنُ شَاسٍ: إنْ كَانَ الْمُسْتَعِينُونَ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَهْلَ عَصَبِيَّةٍ وَخِلَافَ الْإِمَامِ الْعَدْلِ فَهُوَ نَقْضٌ لِعَهْدِهِمْ، وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ غَيْرَ عَادِلٍ وَاسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ نَقْضًا لِعَهْدِ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا إنْ خَرَجُوا مَعَ أَهْلِ الْعَصَبِيَّةِ طَوْعًا.
(وَالْمَرْأَةُ الْمُقَاتِلَةُ كَالرَّجُلِ) ابْنُ شَاسٍ: إذَا قَاتَلَ النِّسَاءُ بِالسِّلَاحِ مَعَ الْبُغَاةِ فَلِأَهْلِ الْعَدْلِ قَتْلُهُنَّ فِي الْقِتَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قِتَالُهُنَّ إلَّا بِالتَّحْرِيضِ وَرَمْيِ الْحِجَارَةِ فَلَا يُقْتَلْنَ، وَإِنْ أُسِرْنَ وَقَدْ كُنَّ يُقَاتِلْنَ قِتَالَ الرِّجَالِ لَمْ يُقْتَلْنَ إلَّا أَنْ يَكُنَّ قَدْ قَتَلْنَ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ فِي غَيْرِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ.
[بَابٌ فِي الرِّدَّةُ]
[حَقِيقَة الرِّدَّة وَأَحْكَامهَا]
بَابٌ.
ابْنُ شَاسٍ: الْجِنَايَةُ الثَّانِيَةُ الرِّدَّةُ وَالنَّظَرُ فِي حَقِيقَتِهَا وَحُكْمُهَا (الرِّدَّةُ كُفْرُ الْمُسْلِمِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الرِّدَّةُ كُفْرٌ بَعْدَ إسْلَامٍ تَقَرَّرَ.
الْمُتَيْطِيُّ: إنْ نَطَقَ الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَوَقَفَ عَلَى شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَحُدُودِهِ ثُمَّ
الْتَزَمَهَا قُبِلَ إسْلَامُهُ وَإِنْ أَبَى مِنْ الْتِزَامِهَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إسْلَامُهُ وَلَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْتِزَامِهَا وَتُرِكَ عَلَى دِينِهِ وَلَمْ يُعَدَّ مُرْتَدًّا (بِصَرِيحٍ أَوْ لَفْظٍ يَقْتَضِيه أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ) ابْنُ شَاسٍ: ظُهُورُ الرِّدَّةِ إمَّا التَّصْرِيحُ بِالْكُفْرِ أَوْ بِلَفْظٍ يَقْتَضِيه.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُهُ: " بِلَفْظٍ يَقْتَضِيه " كَإِنْكَارِ غَيْرِ حَدِيثٍ بِالْإِسْلَامِ وُجُوبَ مَا عُلِمَ وُجُوبُهُ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً (كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَذَرٍ وَشَدِّ زُنَّارٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ: " أَوْ بِفِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ " هُوَ كَلُبْسِ الزُّنَّارِ وَإِلْقَاءِ الْمُصْحَفِ فِي صَرِيحِ النَّجَاسَةِ وَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَسِحْرٍ) مُحَمَّدٌ: قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ السَّاحِرَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى قَالَ مَالِكٌ: هُوَ كَالزِّنْدِيقِ إذَا عَمِلَ السِّحْرَ بِنَفْسِهِ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ.
وَمَنْ لَمْ يُبَاشِرْ عَمَلَ السِّحْرِ وَجَعَلَ مَنْ يَعْمَلُهُ لَهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ يُؤَدَّبُ أَدَبًا شَدِيدًا.
الْبَاجِيُّ: وَلَا يُقْتَلُ السَّاحِرُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ هُوَ مِنْ السِّحْرِ الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ.
قَالَ أَصْبَغُ: يَكْشِفُ عَنْ ذَلِكَ مَنْ يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ.
يُرِيدُ وَيَثْبُتُ ذَلِكَ عَنْ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَجِبُ بِهِ الْقَتْلُ فَلَا يَحْكُمُ بِهِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَتَحْقِيقِهِ كَسَائِرِ مَا يَجِبُ بِهِ الْقَتْلُ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: فَاَلَّذِي يَقْطَعُ أُذُنَ الرَّجُلِ أَوْ يُدْخِلُ السَّكَاكِينَ فِي جَوْفِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ سِحْرًا قُوتِلَ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَهُ عُوقِبَ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ فِي امْرَأَةٍ عَقَدَتْ زَوْجَهَا عَنْ نَفْسِهَا أَوْ عَنْ غَيْرِهَا أَنَّهَا تُنَكَّلُ وَلَا تُقْتَلُ (وَقَوْلٍ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بَقَائِهِ أَوْ شَكٍّ فِي ذَلِكَ أَوْ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ) عِيَاضٌ: وَكَذَلِكَ يُقْطَعُ عَلَى كُفْرِ مَنْ قَالَ بِقَدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بَقَائِهِ أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْفَلَاسِفَةِ وَالدَّهْرِيَّةِ، أَوْ قَالَ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ أَوْ انْتِقَالِهَا أَبَدَ الْأَبَدِ فِي الْأَشْخَاصِ (أَوْ بِقَوْلِهِ فِي كُلِّ جِنْسٍ نَذِيرٌ) عِيَاضٌ: وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ ذَهَبَ إلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْقُدَمَاءِ فِي أَنَّ لِكُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْحَيَوَانِ نَذِيرًا
أَوْ نَبِيَّهَا مِنْ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَالدَّوَابِّ وَالدُّودِ (أَوْ ادَّعَى شِرْكًا مَعَ نُبُوَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) عِيَاضٌ: وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ ادَّعَى نُبُوَّةَ أَحَدٍ مَعَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بَعْدَهُ كَالْعِيسَوِيَّةِ وَكَالْجُرْمِيَّةِ وَكَأَكْثَرِ الرَّافِضَةِ.
(أَوْ بِمُحَارَبَةِ نَبِيٍّ) عِيَاضٌ: وَكَذَلِكَ أُجْمِعَ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ اسْتَخَفَّ بِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ أَزَرَى عَلَيْهِمْ أَوْ آذَاهُمْ أَوْ حَارَبَ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعٍ (وَجَوَّزَ اكْتِسَابَ النُّبُوَّةِ أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ يَصْعَدُ لِلسَّمَاءِ أَوْ يُعَانِقُ الْحُورَ) عِيَاضٌ: وَكَذَلِكَ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَكْفِيرِ كُلِّ مَنْ دَافَعَ نَصَّ الْكِتَابِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: أَوْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ لِنَفْسِهِ أَوْ جَوَّزَ اكْتِسَابَهَا وَالْبُلُوغَ بِتَصْفِيَةِ الْقَلْبِ إلَى مَرْتَبَتِهَا كَالْفَلَاسِفَةِ وَعَامَّةِ الْمُتَصَوِّفَةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ ادَّعَى مِنْهُمْ أَنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّةَ، أَوْ أَنَّهُ يَصْعَدُ إلَى السَّمَاءِ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا وَيُعَانِقُ الْحُورَ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ كُفَّارٌ مُكَذِّبُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَوْ اسْتَحَلَّ كَالشُّرْبِ) عِيَاضٌ: وَكَذَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَكْفِيرِ كُلِّ مَنْ اسْتَحَلَّ الْقَتْلَ أَوْ شُرْبَ الْخَمْرِ أَوْ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ بَعْدَ عِلْمِ هَذَا بِتَحْرِيمِهِ كَأَصْحَابِ الْإِبَاحَةِ مِنْ الْقَرَامِطَةِ وَبَعْضِ غُلَاةِ الْمُتَصَوِّفَةِ.
(لَا بِأَمَاتَهُ اللَّهُ كَافِرًا عَلَى الْأَصَحِّ وَفُصِّلَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ) ابْنُ شَاسٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ عَلَى الرِّدَّةِ دُونَ تَفْصِيلٍ لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي التَّكْفِيرِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا حَسَنٌ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي الشَّهَادَةِ فِي السَّرِقَةِ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا شَهِدَتْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّ فُلَانًا سَرَقَ مَا يُقْطَعُ فِي مِثْلِهِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ السَّرِقَةِ مَا هِيَ وَكَيْفَ هِيَ وَمِنْ أَيْنَ
أَخَذَهَا وَإِلَى أَيْنَ أَخْرَجَهَا.
(وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا جُوعٍ وَعَطَشٍ وَمُعَاقَبَةٍ مَا لَمْ يَتُبْ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ) قَالَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ الْإِسْلَامِ إلَى غَيْرِهِ لَا مَنْ خَرَجَ مِنْ مِلَّةٍ سِوَاهُ إلَى غَيْرِهَا.
وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنْ غَيْرِهِ اسْتِتَابَةُ الْمُرْتَدِّ ثَلَاثًا لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ [الأنفال: 38] وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ: أَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ رَغِيفًا فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ وَلَيْسَ بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا تَابَ الْمُرْتَدُّ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِيمَا صَنَعَ فِي ارْتِدَادِهِ.
وَمِنْ ابْنِ شَاسٍ: ثُمَّ عَرْضُ التَّوْبَةِ عَلَى الْمُرْتَدِّ وَاجِبٌ وَالنَّصُّ أَنَّهُ يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَا عَلِمْت فِي اسْتِتَابَتِهِ تَعْطِيشًا وَلَا تَجْوِيعًا وَلَا عُقُوبَةً عَلَيْهِ إذَا تَابَ.
ابْنُ الْحَاجِبِ
إنْ لَمْ يُبَتَّ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ غَيْرُ الْفِرْيَةِ وَيُقْتَلُ.
وَانْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " لَا حَدَّ الْفِرْيَةِ إنْ أُخِذَ عَلَى ارْتِدَادِهِ لَمْ يُسْتَتَبْ إنْ حَارَبَ بِأَرْضِ الْكُفْرِ أَوْ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ " (وَاسْتُبْرِئَتْ بِحَيْضَةٍ) أَمَّا فِي حَدِّ الزِّنَا فَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَتُؤَخَّرُ الْمُتَزَوِّجَةُ لِحَيْضَةٍ " وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَالْحَامِلُ وَإِنْ بِجَرْحٍ مَخُوفٍ " مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَأَنَّهَا لَا تُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الْحَمْلِ.
(وَمَالُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ وَإِلَّا فَفَيْءٌ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا مَالُ الْمُرْتَدِّ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا إنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَمَالُهُ فَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ انْتَهَى.
اُنْظُرْ مَنْ ارْتَدَّ قَبْلَ الْبُلُوغِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْغُلَامَ إنْ ارْتَدَّ قَبْلَ بُلُوغِهِ الْحُلُمَ قَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ.
قَالَ سَحْنُونَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَيَرِثُهُ وَرَثَتُهُ.
اللَّخْمِيِّ: الْأَحْسَنُ أَنَّ لِمَنْ ارْتَدَّ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ وَلِمَنْ أَسْلَمَ حُكْمُ الْمُسْلِمِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ فِي مَرَضِهِ لَمْ أَكُنْ قَطُّ مُسْلِمًا وَكُنْت أُرَائِي فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَا غَيْرُهُمْ وَنَحْوُهُ لِمَالِكٍ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: إنْ اُتُّهِمَ أَنَّهُ أَرَادَ مَنْعَ وَرَثَتِهِ وَرِثُوهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ لَوْ مَاتَ لِلْمُرْتَدِّ مَوْرُوثٌ فِي حَالِ ارْتِدَادِهِ فَإِنْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ لَمْ يَرِثْهُ.
فَإِنْ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَرِثُهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يَرِثُهُ كَمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مَالُهُ.
وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ كَانَ أَوْلَى بِمَالِهِ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَفِي النُّكَتِ: إذَا وُقِفَ مَالُ الْمُرْتَدِّ لَمْ يُنْفَقْ مِنْهُ عَلَى وَلَدِهِ الصِّغَارِ وَيُنْفَقُ مِنْهُ عَلَى أُمِّ وَلَدِهِ وَمُدَبَّرِهِ.
اُنْظُرْ هَذَا فَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ رُدَّتْ إلَيْهِ أُمُّ وَلَدِهِ.
(وَبَقِيَ وَلَدُهُ مُسْلِمًا كَأَنْ تُرِكَ) اُنْظُرْ مَا نَقَصَ هُنَا.
ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا وَلَدُ الْمُرْتَدِّ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ فِي الرِّدَّةِ إذَا كَانَ صَغِيرًا إذْ تَبَعِيَّةُ الْوَلَدِ لِأَبِيهِ إنَّمَا تَكُونُ فِي دِينٍ يُقَرُّ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُتِلَ الْأَبُ عَلَى الْكُفْرِ بَقِيَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا.
وَمِنْ ابْنِ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: صَغِيرُ وَلَدِ الْمُرْتَدِّ إنْ كَانَ وَلَدَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ جُبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْمَوْتَ، وَإِنْ وَلَدَهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ جُبِرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ وَرُدُّوا إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرَكُوا حَتَّى بَلَغُوا تُرِكُوا لِأَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ تَرَكَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ مَعَ مُطَلَّقَتِهِ النَّصْرَانِيَّةِ لِأَنَّهُ ابْنُهَا فَغَفَلَ عَنْهُ حَتَّى احْتَلَمَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ لِلْإِسْلَامِ لَمْ يُقْتَلْ.
(وَأُخِذَ مِنْهُ لَا جَنَى عَمْدًا عَلَى عَبْدٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لَا حُرٍّ مُسْلِمٍ كَأَنْ هَرَبَ لِبِلَادِ الْحَرْبِ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ قَتَلَ فِي رِدَّتِهِ حُرًّا عَمْدًا وَهَرَبَ لِبِلَادِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لِوُلَاةِ الْمَقْتُولِ فِي مَالِهِ شَيْءٌ وَلَا يُنْفَقُ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا عَلَى عِيَالِهِ مِنْهُ بَلْ يُوقَفُ، فَإِنْ مَاتَ فَهُوَ فَيْءٌ وَإِنْ كَانَ الْقَتِيلُ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا أُخِذَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ.
اُنْظُرْ آخِرَ فَصْلٍ مِنْ كِتَابِ الْمُحَارَبِينَ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ.
وَلِابْنِ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ إذَا لَحِقَ بِدَارِ الشِّرْكِ فَتَنَصَّرَ وَأَصَابَ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ ثُمَّ أُخِذَ فَأَسْلَمَ أَنَّهُ يُهْدَرُ عَنْهُ جَمِيعُ مَا أَصَابَ كَالْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ سَوَاءٌ.
وَهَذَا إذَا لَمْ يَكْفُرْ مَجْنُونًا وَفَاسِقًا، وَلَوْ ارْتَدَّ وَأَصَابَ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمَ انْهَدَرَتْ عَنْهُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَحَدِّ الْحِرَابَةِ، وَأُخِذَ بِحُقُوقِ النَّاسِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ وَالْجِرَاحِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا إذَا أُخِذَ عَلَى ارْتِدَادِهِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ حِرَابَتُهُ فِي أَرْضِ الشِّرْكِ أَوْ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ (إلَّا حَدَّ الْفِرْيَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قُتِلَ عَلَى
رِدَّتِهِ فَالْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى كُلِّ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ لِلنَّاسِ إلَّا الْقَذْفَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ لَهُ ثُمَّ يُقْتَلُ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا قَذَفَ الْحَرْبِيُّ مُسْلِمًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ أُسِرَ لَمْ يُحَدَّ لِلْقَذْفِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَتْلَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: كَانَ يَجْرِيَ لَنَا أَنَّ هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ مُتَنَاقِضَانِ.
(وَالْخَطَأُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ كَأَخْذِهِ جِنَايَةً عَلَيْهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ قَتَلَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا حُرًّا خَطَأً فَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَالدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ إنْ تَابَ فَالدِّيَةُ عَلَى تَفْصِيلِهَا كَالْمُسْلِمِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ تَقَدَّمَتْ وَعَقْلُهَا إنْ لَمْ يُنْسَبْ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنْ تَابَ فَلَهُ.
ابْنُ شَاسٍ: وَعَمْدُ مَنْ جَرَحَهُ كَالْخَطَأِ لَا يُقَادُ مِنْهُ.
وَلَوْ جَرَحَهُ عَبْدٌ أَوْ نَصْرَانِيٌّ فَلَا قَوَدَ لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى دِينٍ يُقَرُّ عَلَيْهِ وَفِيهِ الْعَقْلُ.
(وَإِنْ تَابَ فَمَالُهُ لَهُ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُوقِفُ السُّلْطَانُ مَالَ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَعْرُوفُ إنْ تَابَ رَجَعَ إلَيْهِ مَالُهُ.
اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَبَقِيَ وَلَدُهُ ".
(وَقُدِّرَ كَالْمُسْلِمِ فِيهَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ تَابَ الْمُرْتَدُّ قُدِّرَ جَانِيًا مُسْلِمًا فِي الْقَوَدِ وَالْعَقْلِ.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: الْأَحَبُّ إلَيَّ إذَا تَابَ الْمُرْتَدُّ أَنْ يَكُونَ مَا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ عَمْدًا أَوْ خَطَأً كَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَكَذَلِكَ فِيمَا جَرَحَ أَوْ جَنَى عَلَى عَبْدٍ أَوْ سَرَقَ أَوْ قَذَفَ فَلْيُقَمْ عَلَيْهِ إنْ تَابَ مَا يُقَامُ عَلَى الْمُسْلِمِ إذَا فَعَلَهُ وَتَحْمِلُ عَاقِلَتُهُ مِنْ الْخَطَأِ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ وَيَقْتَصُّ مِنْهُ الْحَرْبِيُّ جِرَاحَ الْعَمْدِ وَيُحَدُّ فِي قَذْفِهِ وَيُقْطَعُ إنْ سَرَقَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ إنْ لَحِقَ بِأَرْضِ الْكُفْرِ أَنَّهُ كَالْحَرْبِيِّ يُهْدَرُ عَنْهُ مَا أَصَابَ مِنْ دَمٍ وَمَالٍ.
(وَقَتْلُ الْمُسْتَسِرِّ بِلَا اسْتِتَابَةٍ إلَّا أَنْ يَجِيءَ تَائِبًا وَمَالُهُ لِوَرَثَتِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الزِّنْدِيقُ مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُسِرُّ الْكُفْرَ، إنْ ثَبَتَتْ زَنْدَقَتُهُ بِإِقْرَارِهِ فَفِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ طَرِيقَانِ: الْأُولَى قَبُولُهَا اتِّفَاقًا.
ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يُقْتَلُ الزِّنْدِيقُ إذَا جَاءَ تَائِبًا عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ مَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ.
ابْنُ شَاسٍ: مَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ قُتِلَ لِأَنَّهُ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَخْرُجْ بِمَا أَبْدَاهُ عَنْ عَادَتِهِ وَمَذْهَبِهِ، فَإِنَّ التَّقِيَّةَ عِنْدَ الْخَوْفِ عَيْنُ الزَّنْدَقَةِ.
قَالَ: وَيُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ وَيَكُونُ مِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ عَبَدَ شَمْسًا أَوْ قَمَرًا أَوْ حَجَرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مُسْتَسِرًّا بِهِ مُظْهِرًا لِلْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يُقِرُّونَ بِالْإِسْلَامِ وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَقُبِلَ عُذْرُ مَنْ أَسْلَمَ وَقَالَ أَسْلَمْت عَنْ ضِيقٍ إنْ ظَهَرَ) رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ قُرْبٍ وَقَالَ: أَسْلَمْتُ عَنْ ضِيقٍ ضُيِّقَ عَلَيَّ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ ضِيقِ حَالٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ شَبَهِهِ عُذِرَ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ، وَإِذَا كَانَ عَنْ ضِيقٍ أَوْ عَذَابٍ أَوْ غُرْمٍ أَوْ خَوْفٍ.
قَالَ أَصْبَغُ: إذَا صَحَّ ذَلِكَ وَكَانَ زَمَانٌ يُشْبِهُ ذَلِكَ فِي جَوْرِهِ.
(كَأَنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى وَأَعَادَ مَأْمُومُهُ) سَمِعَ يَحْيَى بْنَ الْقَاسِمِ فِي إمَامٍ صَحِبَ قَوْمًا يُصَلِّي بِهِمْ أَيَّامًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَصْرَانِيٌّ: أَعَادُوا مَا صَلَّوْا خَلْفَهُ أَبَدًا وَلَا قَتْلَ عَلَيْهِ.
(وَأُدِّبَ مَنْ تَشَهَّدَ وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى الدَّعَائِمِ) الْمُتَيْطِيُّ: إنْ نَطَقَ الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَحُدُودِهِ فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهَا أَبَى مِنْ الْتِزَامِهَا، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ وَيُشَدَّدُ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى إبَايَتِهِ تُرِكَ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ، قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ
وَغَيْرُهُمَا وَبِهِ الْعَمَلُ وَالْقَضَاءُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: نَقْلُ الْمُوَثَّقِينَ عَنْ الْمَذْهَبِ: مَنْ أَجَابَ إلَى الْإِسْلَامِ مُجْمَلًا ثُمَّ ارْتَدَّ لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يُصَلِّيَ صَلَاةً وَاحِدَةً، وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ ثُمَّ رَجَعَ اُسْتُتِيبَ، فَقَوْلُهُ: " وَحَسُنَ إسْلَامُهُ " يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.
(كَسَاحِرٍ ذِمِّيٍّ إنْ لَمْ يُدْخِلْ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ) عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنْ كَانَ السَّاحِرُ ذِمِّيًّا فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُدْخِلَ بِسِحْرِهِ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونَ ذَلِكَ نَقْضًا لِعَهْدِهِ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ التَّوْبَةُ، وَإِنْ سَحَرَ أَهْلَ دِينِهِ أُدِّبَ إلَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا.
قَالَ الْبَاجِيُّ: لَا يُقْتَلُ السَّاحِرُ الذِّمِّيُّ إلَّا أَنْ يُؤْذِيَ مُسْلِمًا أَوْ يَقْتُلَ ذِمِّيًّا.
قَالَهُ مَالِكٌ.
(وَأَسْقَطَتْ صَلَاةً وَصِيَامًا وَزَكَاةً وَحَجًّا تَقَدَّمَ وَنَذْرًا أَوْ يَمِينًا بِاَللَّهِ أَوْ بِعِتْقٍ أَوْ بِظِهَارٍ وَإِحْصَانًا وَوَصِيَّةً لَا طَلَاقًا وَرَدَّةَ مُحَلَّلٍ بِخِلَافِ رِدَّةِ الْمَرْأَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ وُضِعَ عَنْهُ مَا كَانَ لِلَّهِ قَدْ تَرَكَهُ قَبْلَ ارْتِدَادِهِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ حَدٍّ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ نَذْرٍ أَوْ يَمِينٍ بِعِتْقٍ أَوْ بِاَللَّهِ أَوْ بِالظِّهَارِ اهـ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَسَوَاءٌ كَانَ الظِّهَارُ حَنِثَ فِيهِ فَوَجَبَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، أَوْ كَانَ لَزِمَهُ مُجَرَّدُ ظِهَارٍ لَمْ يَحْنَثْ فِيهِ، كِلَا الصُّورَتَيْنِ قَدْ سَقَطَ بِالِارْتِدَادِ، وَخَالَفَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي هَذَا.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ لَمْ يُجْزِهِ مَا حَجَّ قَبْلَ رِدَّتِهِ وَلْيَأْتَنِفْ الْحَجَّ وَيَأْتَنِفَ الْإِحْصَانَ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ بَطَلَتْ وَصَايَاهُ وَلَمْ يَرِثْهُ وَرَثَتُهُ.
اُنْظُرْ آخِرَ مَسْأَلَةٍ مِنْ النِّكَاحِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: وَالرِّدَّةُ تُزِيلُ إحْصَانَ الْمُرْتَدِّ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَيَأْتَنِفَانِ الْإِحْصَانَ إذَا أَسْلَمَا، وَمَنْ زَنَا مِنْهُمَا بَعْدَ رُجُوعِهِ لِلْإِسْلَامِ لَمْ يُرْجَمْ حَتَّى يَتَزَوَّجَ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ طَلَّقَ الرَّجُلُ أَلْبَتَّةَ فَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ فَحَلَّتْ لِلْأَوَّلِ ثُمَّ ارْتَدَّتْ لَسَقَطَ ذَلِكَ الْإِحْلَالُ كَمَا يَسْقُطُ الْإِحْصَانُ.
ابْنُ يُونُسَ: بِخِلَافِ ارْتِدَادِ الزَّوْجِ الَّذِي أَحَلَّهَا انْتَهَى.
اُنْظُرْ قَوْلَ خَلِيلٍ وَوَصِيَّتَهُ إنَّمَا نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ إذَا مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ الرَّجُلَ إنَّمَا تَجُوزُ وَصَايَاهُ فِي مَالِهِ، وَهَذَا الْمَالُ لَيْسَ لِلْمُرْتَدِّ وَإِنَّمَا هُوَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا ارْتَدَّ وُقِفَ مَالُهُ وَأُمُّ وَلَدِهِ وَمُدَبَّرُوهُ) ، فَإِنْ أَسْلَمَ رَجَعَتْ إلَيْهِ أُمُّ وَلَدِهِ وَعَادَ إلَيْهِ مَالُهُ وَرَقِيقُهُ.
وَإِنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ عَتَقَتْ أُمُّ وَلَدِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَعَتَقَ مُدَبَّرُوهُ فِي الثُّلُثِ وَسَقَطَتْ وَصَايَاهُ وَيَكُونُ مَالُهُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَرِدَّةُ الزَّوْجِ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا فَلَا رَجْعَةَ لَهُ، وَكَذَلِكَ رِدَّةُ الْمَرْأَةِ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى الْإِسْلَامِ.
انْتَهَى مِنْ التَّهْذِيبِ.
وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ مَا حُسِبَتْ لَهُمَا طَلْقَةٌ إلَّا لِيَكُونَا عَلَيْهَا إذَا رَجَعَا لِلْإِسْلَامِ، فَصَحَّ قَوْلُ خَلِيلٍ: " لَا طَلَاقًا " وَانْظُرْ الِاضْطِرَابَ فِي ظِهَارِ الْمُرْتَدِّ وَطَلَاقِهِ فِي التَّنْبِيهَاتِ.
(وَأُخِّرَ كَافِرٌ انْتَقِلْ لِكُفْرٍ آخَرَ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَ " اُسْتُتِيبَ " قَوْلُ مَالِكٍ: لَا مَنْ خَرَجَ مِنْ مِلَّةٍ سِوَاهُ إلَى غَيْرِهَا.
وَانْظُرْ إذَا خَرَجَ إلَى غَيْرِ شَرِيعَةٍ مِثْلَ التَّعْطِيلِ وَمَذَاهِبِ الدَّهْرِيَّةِ فَقَدْ نَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّ مَنْ تَزَنْدَقَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يُقْتَلُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُقْتَلُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا أَعْلَمُ مَنْ قَالَ هَذَا غَيْرَهُ، وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنْ يُرِيدَ بِالزَّنْدَقَةِ الْخُرُوجَ إلَى غَيْرِ شَرِيعَةٍ مِثْلُ التَّعْطِيلِ وَمَذَاهِبِ الدَّهْرِيَّةِ.
(وَحُكِمَ بِإِسْلَامِ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ فَقَطْ كَأَنْ مَيَّزَ) هَذِهِ عِبَارَةُ الْأَشْيَاخِ يَقُولُونَ: الْوَلَدُ تَابِعٌ لِأَبِيهِ فِي الدِّينِ وَالنَّسَبِ، وَلِأُمِّهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الْوَلَدُ الصَّغِيرُ تَابِعٌ لِأَبِيهِ فِي الدِّينِ وَإِسْلَامُ الْأَبِ إسْلَامٌ لِصَغِيرِ وَلَدِهِ مُطْلَقًا.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: يُحْكَمُ
بِإِسْلَامِ الْمُمَيِّزِ عَلَى الْأَصَحِّ تَبَعًا لِإِسْلَامِ الْأَبِ كَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَكَالْمَجْنُونِ.
اُنْظُرْ قَوْلَهُ الْأَصَحُّ.
قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ هَارُونَ الْقَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَعَزَا الصَّقَلِّيُّ الْأَصَحَّ لِابْنِ وَهْبٍ وَلَمْ يَعْزُهُمَا اللَّخْمِيِّ.
(لَا الْمُرَاهِقَ وَالْمَتْرُوكَ لَهَا فَلَا يُجْبَرُ بِقَتْلٍ إنْ امْتَنَعَ وَيُوقَفُ إرْثُهُ) أَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُرَاهِقِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَسْلَمَ وَلَهُ وَلَدٌ مُرَاهِقٌ مِنْ أَبْنَاءِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَشَبَهُ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وُقِفَ مَالُهُ إلَى بُلُوغِ الْوَلَدِ، فَإِنْ أَسْلَمَ وَرِثَ أَبَاهُ وَإِلَّا لَمْ يَرِثْهُ وَكَانَ الْمَالُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَسْلَمَ الْوَلَدُ قَبْلَ احْتِلَامِهِ لَمْ يُعَجَّلْ بِأَخْذِ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِسْلَامٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ أَسْلَمَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ جُبِرَ بِالضَّرْبِ وَلَمْ يُقْتَلْ؟ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمَتْرُوكِ لِأُمِّهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ تَرَكَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ مَعَ مُطَلَّقَتِهِ النَّصْرَانِيَّةِ لِأَنَّهُ ابْنُهَا فَغَفَلَ عَنْهُ حَتَّى احْتَلَمَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ لِلْإِسْلَامِ لَمْ يُقْتَلْ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: مَنْ أَسْلَمَ وَلَهُ وَلَدٌ صِغَارٌ فَأَقَرَّهُمْ حَتَّى بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً أَوْ شَبَهَ ذَلِكَ فَأَبَوْا الْإِسْلَامَ لَمْ يُجْبَرُوا.
وَانْظُرْ إذَا أَسْلَمَ وَلَدُ الذِّمِّيِّ فَالرِّوَايَةُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إنْ ارْتَدَّ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ زَوَّجَهُ مَجُوسِيَّةً فَعِصْمَتُهُ بَاقِيَةٌ حَتَّى يَحْتَلِمَ مُسْلِمًا.
وَإِنْ مَاتَ مَنْ يَعْصِبُهُ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ لَا يَتَعَجَّلُ أَخْذَ إرْثِهِ حَتَّى يَحْتَلِمَ مُسْلِمًا، وَهُنَا قَالَ الْإِمَامُ: إسْلَامُهُ كَلَا إسْلَامٍ.
(وَبِإِسْلَامِ سَابِيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ) ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ الصَّغِيرَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِإِسْلَامِ الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ ثُمَّ قَالَ: وَتَبَعًا لِلسَّابِي الْمُسْلِمِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ وَتَبَعًا لِلدَّارِ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ.
اُنْظُرْ رَسْمَ الشَّجَرَةِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ، ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ هُنَاكَ أَنَّ سَادِسَ الْأَقْوَالِ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الصَّغِيرَ مِنْ سَبْيِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِ حَتَّى يُجِيبَ إلَيْهِ.
(وَالْمُتَنَصِّرُ مِنْ كَأَسِيرٍ عَلَى الطَّوْعِ إنْ لَمْ يَثْبُتْ إكْرَاهُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الْأَسِيرُ يُعْلَمُ تَنَصُّرُهُ فَلَا يُدْرَى أَطَوْعًا أَمْ كَرْهًا، فَلْتَعْتَدَّ زَوْجَتُهُ وَيُوقَفُ مَالُهُ وَحُكِمَ فِيهِ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ، وَإِنْ ثَبَتَ إكْرَاهُهُ بِبَيِّنَةٍ كَانَ بِحَالِ الْمُسْلِمِ فِي نِسَائِهِ وَمَالِهِ.
(وَإِنْ سَبَّ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا أَوْ عَرَّضَ أَوْ لَعَنَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ قَذَفَهُ أَوْ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ أَوْ غَيَّرَ صِفَتَهُ أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا وَإِنْ فِي بَدَنِهِ أَوْ خَصْلَتِهِ أَوْ غَضَّ مِنْ رُتْبَتِهِ أَوْ وَفَوْرِ عِلْمِهِ أَوْ زُهْدِهِ أَوْ أَضَافَ إلَيْهِ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ أَوْ قِيلَ لَهُ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَعَنَ وَقَالَ: أَرَدْت الْعَقْرَبَ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ حَدًّا) عِيَاضٌ.
مَنْ أَضَافَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكَذِبَ
فِيمَا بَلَغَهُ أَوْ أُخْبِرَ بِهِ أَوْ سَبَّهُ أَوْ اسْتَخَفَّ بِهِ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ أَزَرَى عَلَيْهِمْ أَوْ أَذَاهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعٍ، وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ اعْتَرَفَ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنْ قَالَ: مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِيَ أَوْ لَيْسَ الَّذِي كَانَ بِمَكَّةَ وَالْحِجَازِ، أَوْ لَيْسَ الَّذِي كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ لِأَنَّ وَصْفَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ نَفْيٌ لَهُ وَتَكْذِيبٌ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ: وَحُكْمُ مَنْ سَبَّ سَائِرَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ أَوْ اسْتَخَفَّ بِهِمْ أَوْ أَكْذَبَهُمْ أَوْ أَنْكَرَهُمْ حُكْمُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَسَاقِ مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَقَالَ الْقَابِسِيُّ فِي الَّذِي قَالَ لِآخَرَ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَلَكٍ غَضْبَانَ: إنْ عُرِفَ أَنَّهُ قَصَدَ ذَمَّ الْمَلَكِ قُتِلَ.
عِيَاضٌ: وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ حُقِّقَتْ كَوْنُهُمْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ كَجِبْرِيلَ وَمَلَكِ الْمَوْتِ وَالزَّبَانِيَةِ وَرِضْوَانَ وَمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ.
فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُثْبِتْ الْإِخْبَارَ بِنَفْسِهِ وَلَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْأَنْبِيَاءِ كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَلُقْمَانَ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَمَرْيَمَ وَآسِيَةَ وَخَالِدِ بْنِ سِنَانٍ الَّذِي قِيلَ: إنَّهُ نَبِيُّ أَهْلِ الرَّسِّ وزرادشت الَّذِي ادَّعَتْ الْمَجُوسُ نُبُوَّتَهُ، فَلَيْسَ الْحُكْمُ فِيهِمْ مَا ذَكَرْنَا إذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ لَكِنْ يُؤَدَّبُ مَنْ تَنْقُصُهُمْ.
وَأَمَّا إنْكَارُ كَوْنِهِمْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ النَّبِيِّينَ فَإِنْ
كَانَ الْمُتَكَلِّمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا حَرَجَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ زُجِرَ عَنْ الْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذَا.
وَقَدْ كَرِهَ السَّلَفُ الْكَلَامَ فِي مِثْلِ هَذَا مِمَّا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ صَاحِبُ سَحْنُونٍ فِي رَجُلٍ قِيلَ لَهُ وَحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: فَعَلَ اللَّهُ بِرَسُولِ اللَّهِ وَذَكَرَ كَلَامًا قِيلَ: مَا تَقُولُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟ قَالَ: إنَّمَا أَرَدْت بِرَسُولِ اللَّهِ الْعَقْرَبَ.
فَقَالَ لِلَّذِي سَأَلَهُ: أَشْهِدْ عَلَيْهِ وَأَنَا شَرِيكُك فِي قَتْلِهِ وَثَوَابِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي الرَّبِيعِ: لِأَنَّ ادِّعَاءَهُ لِلتَّأْوِيلِ فِي لَفْظٍ صُرَاحٍ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُ امْتِهَانٌ وَهُوَ غَيْرُ مَعْزُوٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مُوَقِّرٌ لَهُ.
وَأَفْتَى فُقَهَاءُ الْأَنْدَلُسِ بِقَتْلِ ابْنِ حَاتِمٍ وَصَلْبِهِ بِمَا شُهِدَ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِخْفَافِهِ بِحَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ زُهْدَهُ لَمْ يَكُنْ قَصْدًا.
عِيَاضٌ: مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَابَهُ أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا فِي نَفْسِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ نَسَبِهِ أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ أَوْ عَرَّضَ بِهِ أَوْ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ لَهُ وَالْإِزْرَاءِ عَلَيْهِ أَوْ التَّصْغِيرِ لِشَأْنِهِ أَوْ الْغَضِّ مِنْهُ أَوْ الْعَيْبِ لَهُ، فَهُوَ سَابٌّ لَهُ وَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ السَّابِّ يُقْتَلُ كَمَا نُبَيِّنُهُ، وَلَا نَسْتَثْنِي فَصْلًا مِنْ فُصُولِ هَذَا الْبَابِ عَلَى هَذَا الْمَقْصِدِ وَلَا نَمْتَرِي فِيهِ تَصْرِيحًا كَانَ أَوْ تَلْوِيحًا،
وَكَذَلِكَ مَنْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ.
وَمَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا لَا كُفْرًا لِهَذَا لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَلَا تَنْفَعُهُ اسْتِقَالَتُهُ وَفَيْئَتُهُ (إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ) عِيَاضٌ: الذِّمِّيُّ إذَا صَرَّحَ بِسَبِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَرَّضَ أَوْ اسْتَخَفَّ بِقَدْرِهِ أَوْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ، فَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي قَتْلِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ.
وَعَنْ ابْنِ يُونُسَ: مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَابَهُ إنْ كَانَ مُسْلِمًا قُتِلَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا قُتِلَ صَاغِرًا إلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
وَلَيْسَ يُقَالُ لَهُ أَسْلِمْ وَلَكِنْ يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ طَائِعًا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
(وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ بِجَهْلٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ تَهَوُّرٍ) عِيَاضٌ: إنْ كَانَ الْقَائِلُ لِمَا قَالَهُ فِي جِهَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - غَيْرَ قَاصِدٍ السَّبَّ وَالِازْدِرَاءَ وَلَا مُعْتَقِدًا لَهُ وَلَكِنَّهُ تَكَلَّمَ فِي حَقِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مِنْ لَعْنِهِ أَوْ سَبِّهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ وَظَهَرَ بِدَلِيلِ حَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَمَّهُ وَلَمْ يَقْصِدْ سَبَّهُ إمَّا بِجَهَالَةٍ حَمَلَتْهُ عَلَى مَا قَالَهُ أَوْ ضَجَرٍ أَوْ سُكْرٍ اضْطَرَّهُ إلَيْهِ أَوْ قِلَّةِ مُرَاقَبَةٍ أَوْ ضَبْطٍ لِلِسَانِهِ وَعَجْرَفَةٍ وَتَهَوُّرٍ فِي كَلَامِهِ، فَحُكْمُ هَذَا الْوَجْهِ حُكْمُ الْأَوَّلِ دُونَ تَلَعْثُمٍ.
(وَفِيمَنْ قَالَ لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ جَوَابًا لِصَلِّ أَوْ قَالَ الْأَنْبِيَاءُ يُتَّهَمُونَ جَوَابًا لِتَتَّهِمنِي أَوْ جَمِيعُ الْبَشَرِ يَلْحَقُهُمْ النَّقْصُ حَتَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَانِ) عِيَاضٌ: إنَّ لَفَظَ بِكَلَامٍ مُشْكِلٍ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ غَيْرِهِ
فَهَاهُنَا مَظِنَّةُ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ.
اخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا فِي رَجُلٍ أَغْضَبَهُ غَرِيمُهُ فَقَالَ: صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ.
فَذَكَرَ الْخِلَافَ بَيْنَ سَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ.
اُنْظُرْ الْوَجْهَ الرَّابِعَ مِنْ الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ.
وَقَالَ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَيْضًا: اخْتَلَفَ شُيُوخُنَا فِيمَنْ قَالَ لِمَنْ قَالَ: تَتَّهِمُنِي فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ الْأَنْبِيَاءُ يُتَّهَمُونَ فَكَيْفَ أَنْتَ؟ اُنْظُرْهُ.
وَقَالَ فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ: اسْتَفْسَرَ شَيْخُنَا ابْنُ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ تَنَقَّصَهُ آخَرُ بِشَيْءٍ فَقَالَ لَهُ: إنَّمَا تُرِيدُ نَقْصِي بِقَوْلِك وَأَنَا بَشَرٌ جَمِيعُ الْبَشَرِ يَلْحَقُهُمْ النَّقْصُ حَتَّى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَفْتَى بِإِطَالَةِ سِجْنِهِ وَإِيجَاعِهِ ضَرْبًا وَأَفْتَى غَيْرُهُ بِقَتْلِهِ.
(وَالتَّثْبِيتُ فِي هُزِمَ) ابْنُ الْمُرَابِطِ: مَنْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُزِمَ اُسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ لِأَنَّهُ تَنَقُّصٌ.
(أَوْ أَعْلَنَ بِتَكْذِيبِهِ أَوْ تَنَبَّأَ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُسْلِمِ يُعْلِنُ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّهُ كَالْمُرْتَدِّ يُسْتَتَابُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ تَنَبَّأَ وَزَعَمَ أَنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ (إلَّا أَنْ يُسِرَّ عَلَى الْأَظْهَرِ وَأُدِّبَ اجْتِهَادًا فِي أَدِّ وَاشْكُ لِلنَّبِيِّ وَلَوْ سَبَّنِي مَلَكٌ لَسَبَبْته) كَتَبَ قَاضِي كُورَةَ بِيَاسَةَ يَسْأَلُ عَنْ نَازِلَةٍ نَزَلَتْ بِغَرْنَاطَةَ فِي سَبِّ رَجُلٍ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ يَشُقُّ عَلَيْك إنْ رَاجَعْتُك بِاَللَّهِ لَوْ أَرَى نَبِيًّا سَبَّنِي أَوْ مَلَكًا لَرَدَدْت عَلَيْهِ، وَفِي رَجُلٍ عَشَّارٍ فَهِمَ مِنْ الْغَرِيمِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَكِيَ بِهِ فَقَالَ: اغْرَمْ وَاشْتَكِ لِلنَّبِيِّ فَرَاجِعْهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: يُقَالُ الْحَالِفُ بِاَللَّهِ لَوْ أَنَّ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا سَبَّهُ
مُتَهَاوَنٌ بِحُرْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - يَجِبُ أَنْ يُؤَدَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْأَدَبَ الْمُوجِعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْخَيْرِ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ فِي اعْتِقَادِهِ فَيُتَجَافَى عَنْ عُقُوبَتِهِ وَيُؤْمَرُ بِالِاسْتِغْفَارِ مِمَّا قَالَ وَلَا كَفَّارَةَ لِيَمِينِهِ بِحَالٍ.
وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَيُؤَدَّبُ الْأَدَبَ الْمُوجِعَ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَأَجَابَ ابْنُ الْحَاجِّ بِنَحْوِ هَذَا وَقَالَ فِي الْحَالِفِ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ وَنَحَّاهُ يُضْرَبُ الضَّرْبَ الْمُبَرِّحَ وَكَذَلِكَ الْعَشَّارُ الْفَاسِقُ أَسْحَقَهُ اللَّهُ وَمَقَتَهُ.
(أَوْ يَا ابْنَ أَلْفِ كَلْبٍ) وَمِثْلُ هَذَا مَا يَجْرِي فِي كَلَامِ السُّفَهَاءِ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: يَا ابْنَ أَلْفِ خِنْزِيرٍ وَيَا ابْنَ مِائَةِ كَلْبٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِثْلِ هَذَيْنِ الْعَدَدُ مِنْ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَعَلَّ هَذَا الْعَدَدَ يَقَعُ إلَى آدَمَ فَيَنْبَغِي الزَّجْرُ عَنْهُ وَشِدَّةُ الْأَدَبِ فِيهِ.
(أَوْ عُيِّرَ بِالْفَقْرِ فَقَالَ تُعَيِّرُنِي بِهِ وَالنَّبِيُّ قَدْ رَعَى الْغَنَمَ) قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ عَيَّرَهُ رَجُلٌ بِالْفَقْرِ فَقَالَ: أَتُعَيِّرُنِي بِالْفَقْرِ وَقَدْ رَعَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْغَنَمَ فَقَالَ مَالِكٌ: عَرَّضَ بِذِكْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَرَى أَنْ يُؤَدَّبَ.
(أَوْ قَالَ لِغَضْبَانَ كَأَنَّهُ وَجْهُ مُنْكَرٍ أَوْ مَالِكٍ) سُئِلَ الْقَابِسِيُّ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ قَبِيحٍ كَأَنَّهُ وَجْهُ نَكِيرٍ وَلِرَجُلٍ عَبُوسٍ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَالِكٍ الْغَضْبَانِ فَقَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: هَذَا شَدِيدٌ لِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى التَّحْقِيرِ وَالتَّهْوِينِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّبِّ لِلْمَلَكِ وَإِنَّمَا السَّبُّ وَاقِعٌ عَلَى الْمُخَاطَبِ، وَفِي الْأَدَبِ بِالسَّوْطِ وَالسَّجْنِ نَكَالٌ لِلسُّفَهَاءِ، وَأَمَّا ذِكْرُ مَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ فَقَدْ جَفَا الَّذِي ذَكَرَهُ عِنْدَمَا أَنْكَرَهُ مِنْ عُبُوسِ الْآخَرِ.
اُنْظُرْ الْوَجْهَ الْخَامِسَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقَسَمِ الرَّابِعِ مِنْ الشِّفَاءِ.
(أَوْ اسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِبَعْضِ جَائِزٍ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا حُجَّةَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ سَبَّهُ لِنَقْصٍ لَحِقَهُ لَا عَلَى التَّأَسِّي كَإِنْ كَذَبْت فَقَدْ كَذَبُوا) عِيَاضٌ: الْوَجْهُ الْخَامِسُ أَنْ لَا يَقْصِدَ نَقْصًا وَلَا يَذْكُرَ عَيْبًا وَلَا سَبًّا لَكِنَّهُ يَسْتَشْهِدُ بِبَعْضِ أَحْوَالِهِ الْجَائِزَةِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا عَلَى طَرِيقِ ضَرْبِ الْمَثَلِ وَالْحُجَّةُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ عَلَى التَّشَبُّهِ بِهِ أَوْ عِنْدَ هَضِيمَةٍ نَالَتْهُ أَوْ عِضَاضَةٍ لَحِقَتْهُ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ التَّأَسِّي وَطَرِيقِ التَّحْقِيقِ بَلْ عَلَى مَقْصِدِ التَّرْفِيعِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَسَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَعَدَمِ التَّوْقِيرِ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَقَوْلِ الْقَائِلِ:
إنْ قِيلَ فِي السُّوءِ فَقَدْ قِيلَ فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كُذِّبَتْ فَقَدْ كُذِّبَ الْأَنْبِيَاءُ، وَأَنَا أَسْلَمُ مِنْ النَّاسِ وَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنْهُمْ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ وَكَقَوْلِ الْمُتَنَبِّي:
أَنَا فِي أُمَّةٍ تَدَارَكَهَا اللَّهُ ... غَرِيبٌ كَصَالِحٍ فِي ثَمُودِ
ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ كُلُّهَا وَإِنْ لَمْ تَتَضَمَّنْ سَبًّا وَلَا إضَافَةً إلَى الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ نَقْصًا وَلَا قَصَدَ قَائِلُهَا ازْدِرَاءً وَلَا غَضًّا فَمَا وَقَرَّ النُّبُوَّةَ ثُمَّ قَالَ: فَحَقُّ هَذَا إنْ دُرِئَ عَنْهُ الْقَتْلُ الْأَدَبُ وَالسَّجْنُ وَقُوَّةُ تَعْزِيرِهِ بِحَسَبِ شُنْعَةِ مُغَالَبَتِهِ.
اُنْظُرْ الْوَجْهَ الْخَامِسَ مِنْ الْبَابِ الْمَذْكُورِ.
(أَوْ لَعَنَ الْعَرَبَ أَوْ بَنِي هَاشِمٍ وَقَالَ: أَرَدْت الظَّالِمِينَ) حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ فِيمَنْ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْعَرَبَ أَوْ لَعَنَ بَنِي هَاشِمٍ أَوْ لَعَنَ بَنِي إسْرَائِيلَ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْأَنْبِيَاءَ وَإِنَّمَا أَرَادَ الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِ الْأَدَبَ بِقَدْرِ اجْتِهَادِ السُّلْطَانِ.
عِيَاضٌ: وَقَدْ يَضِيقُ الْقَوْلُ فِي نَحْوِ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ هَاشِمِيٍّ: لَعَنَ اللَّهُ بَنِي هَاشِمٍ وَقَالَ: أَرَدْت الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ.
اُنْظُرْ الْوَجْهَ الرَّابِعَ مِنْ الْبَابِ الْمَذْكُورِ.
(وَشُدِّدَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ قَرْنَانِ وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا) تَوَقَّفَ الْقَابِسِيُّ فِي قَتْلِ رَجُلٍ قَالَ كُلُّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ قَرْنَانِ وَلَوْ كَانَ نَبِيًّا مُرْسَلًا، فَأُمِرَ بِشَدِّهِ بِالْقُيُودِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ حَتَّى تَسْتَفْهِمَ الْبَيِّنَةُ عَنْ جُمْلَةِ أَلْفَاظِهِ وَمَا يَدُلُّ عَلَى مَقْصِدِهِ هَلْ أَرَادَ أَصْحَابَ الْفَنَادِقِ الْآنَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَيْسَ فِيهِمْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَيَكُونُ أَمْرُهُ أَخَفَّ، وَلَكِنَّ ظَاهِرَ أَمْرِهِ الْعُمُومُ لِكُلِّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَقَدْ كَانَ فِيمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مَنْ اكْتَسَبَ الْمَالَ وَذَمُّ الْمُسْلِمَ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ إلَّا بِأَمْرٍ بَيِّنٍ.
(وَفِي قَبِيحٍ لِأَحَدِ ذُرِّيَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آبَائِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ كَأَنْ انْتَسَبَ لَهُ) لَمَّا ذَكَرَ عِيَاضٌ حُكْمَ مَنْ لَعَنَ الْعَرَبَ وَقَالَ أَرَدْت الظَّالِمِينَ قَالَ: وَقَدْ يَضِيقُ الْقَوْلُ فِي نَحْوِ هَذَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا قَبِيحًا فِي آبَائِهِ أَوْ مِنْ نَسْلِهِ أَوْ وَلَدِهِ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَانْظُرْ آخِرَ فَصْلٍ مِنْ كِتَابِ الشِّفَا حُكْمُ مَنْ نَالَ مِنْ آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ أَوْ انْتَقَصَهُمْ.
وَلَمَّا نَالَ جَعْفَرٌ مِنْ مَالِكٍ مَا نَالَ حَتَّى حُمِلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى دَارِهِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ دَخَلَ النَّاسُ عَلَى مَالِكٍ فَأَفَاقَ وَقَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي جَعَلْت جَعْفَرًا فِي حِلٍّ.
فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: خِفْت أَنْ أَمُوتَ فَأَلْقَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْتَحِي مِنْهُ أَنْ يَدْخُلَ بَعْضُ آلِهِ النَّارَ بِسَبَبِي.
وَقِيلَ: إنَّ الْمَنْصُورَ أَقَادَهُ مِنْ جَعْفَرٍ فَقَالَ مَالِكٌ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ وَاَللَّهِ مَا ارْتَفَعَ مِنْهَا سَوْطٌ مِنْ جِسْمِي إلَّا وَقَدْ جَعَلْته فِي حِلٍّ لِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَوْ احْتَمَلَ قَوْلُهُ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ عَدْلٌ أَوْ لَفِيفٌ فَعَاصٍ عَنْ الْقَتْلِ) عِيَاضٌ: إنْ ثَبَتَ قَوْلُهُ لَكِنْ اُحْتُمِلَ وَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا أَوْ لَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ إنَّمَا شَهِدَ عَلَيْهِ الْوَاحِدُ أَوْ اللَّفِيفُ مِنْ النَّاسِ، فَهَذَا يَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدِّ وَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ اجْتِهَادًا فَمَنْ قَوِيَ أَمْرُهُ أَذَاقَهُ مِنْ شَدِيدِ النَّكَالِ إلَى الْغَايَةِ (أَوْ سَبَّ مَنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى نُبُوَّتِهِ) اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ سَبَّ نَبِيًّا " (أَوْ صَحَابِيًّا) عِيَاضٌ سَبُّ آلِ
النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ وَتَنَقُّصُهُمْ حَرَامٌ مَلْعُونٌ فَاعِلُهُ، مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذَا الِاجْتِهَادُ وَالْأَدَبُ الْمُوجِعُ.
(وَسَبُّ اللَّهِ كَذَلِكَ وَفِي اسْتِتَابَةِ الْمُسْلِمِ خِلَافٌ) ابْنُ سَحْنُونٍ: مَنْ شَتَمَ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي بِهِ كَفَرَ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ.
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: إلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
وَفِي التَّفْرِيعِ: مَنْ سَبَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَوْ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ.
وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ: لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالسَّبِّ حَتَّى يُسْتَتَابَ، وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَإِنَّ مَنْ عَابَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ وَمِيرَاثُهُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ بِلِسَانِهِ وَيُرَاجَعُ ذَلِكَ فِي سَرِيرَتِهِ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ صَاغِرًا.
وَسُئِلَ أَصْبَغُ عَنْ رَجُلٍ أَيْقَنَ بِرَجُلٍ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ فَاغْتَالَهُ فَقَتَلَهُ فَقَالَ: هُوَ مُحْسِنٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ لَكِنْ يُعَزِّرُهُ السُّلْطَانُ لِلْعَجَلَةِ قَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ لِلسُّلْطَانِ، وَلَكِنَّهُ مُحْسِنٌ إذْ لَعَلَّ الْوُلَاةَ تُضَيِّعُ مِثْلَ هَذَا وَلَا تُصَحِّحُهُ وَقَالَ عِيسَى فِيمَنْ سَمِعَ نَصْرَانِيًّا يَشْتُمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاغْتَاظَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلَ.
(كَمَنْ قَالَ لَقِيت فِي مَرَضِي مَا لَوْ قَتَلْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ أَسْتَوْجِبْهُ) اُنْظُرْ هَذَا الْفَرْعَ لَعَلَّهُ كَانَ مُخَرَّجًا فِي الطُّرَّةِ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَسَبُّ اللَّهِ كَذَلِكَ " فَأَدْخَلَهُ الْمُخَرِّجُ هُنَا عِيَاضٌ: اخْتَلَفَ أَهْلُ قُرْطُبَةَ فِي مَسْأَلَةِ هَارُونَ أَخِي ابْنِ حَبِيبٍ وَكَانَ ضَيِّقَ الصَّدْرِ كَثِيرَ التَّبَرُّمِ قَالَ عِنْدَ اسْتِقْلَالِهِ مِنْ مَرَضٍ قَدْ لَقِيتُ فِي مَرَضِي هَذَا مَا لَوْ قَتَلْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ أَسْتَوْجِبْ هَذَا كُلَّهُ.
فَأَفْتَى ابْنُ حَبِيبٍ بِمُوَافَقَةِ الْقَاضِي بِتَنْكِيلِهِ وَتَثْقِيلِ
أَدَبِهِ، وَأَفْتَى الْغَيْرُ بِقَتْلِهِ.
ابْنُ شَاسٍ.
[بَاب فِي الزِّنَا]
[مُوجَبُ الزِّنَا وَمُوجِبِهِ وَكَيْفِيَّة اسْتِيفَاء الْحَدّ وَمُتَعَاطِيه]
الْجِنَايَةُ الثَّانِيَةُ الزِّنَا وَهِيَ جَرِيمَةٌ تُوجِبُ الْعُقُوبَةَ وَالنَّظَرُ فِي طَرَفَيْنِ: الْأَوَّلُ فِي الْمُوجِبِ وَالْمُوجَبِ.
الطَّرَفُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ وَمُتَعَاطِيهِ.
بَابٌ.
(الزِّنَا وَطْءُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الزِّنَا تَغْيِيبُ حَشَفَةِ آدَمِيٍّ فِي فَرْجِ آخَرَ دُونَ شُبْهَةٍ
عَمْدًا.
وَشَرْطُ إيجَابِ حَدِّ الزِّنَى أَنْ يَكُونَ الزَّانِي مُكَلَّفًا مُسْلِمًا (فَرْجُ آدَمِيٍّ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ تَعَمُّدًا) ابْنُ الْحَاجِبِ: الزِّنَى هُوَ أَنْ يَطَأَ آدَمِيٌّ فَرْجَ آدَمِيٍّ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ مُتَعَمِّدًا.
ابْنُ عَرَفَةَ: يَخْرُجُ بِهِ زَنَى الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةٌ لَا وَاطِئَةٌ.
(وَإِنْ لِوَاطًا) ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: وَإِنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ بِذَكَرٍ بَالِغٍ أَطَاعَهُ فِيهِ رُجِمَا أُحْصِنَا أَوْ لَمْ يُحْصَنَا.
ابْنُ شَاسٍ: الْمَشْهُورُ وَلَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ كَافِرَيْنِ.
(أَوْ إتْيَانَ أَجْنَبِيَّةٍ بِدُبُرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً فِي دُبُرِهَا حُدَّا جَمِيعًا.
مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمَا يُرْجَمُ وَمَنْ كَانَ بِكْرًا جُلِدَ.
(أَوْ مَيِّتَةٍ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ زِنَا بِمَيِّتَةٍ أَوْ نَائِمَةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ فِي حَالِ جُنُونِهَا حُدَّ (غَيْرَ زَوْجٍ) نَقَلَ هَذَا بَهْرَامَ عَنْ عِيَاضٍ عَنْ أَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ.
(وَصَغِيرَةٍ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ زِنَا بِصَغِيرَةٍ لَمْ تُحْصَنْ طَائِعَةً وَمِثْلُهَا يُوطَأُ حُدَّ.
(أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ لِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَاطِئُ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلْوَطْءِ أَوْ لِغَيْرِهِ يُحَدُّ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَطِئَ جَارِيَةً عِنْدَهُ رَهْنًا أَوْ عَارِيَّةً أَوْ وَدِيعَةً أَوْ بِإِجَارَةٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
(أَوْ مَمْلُوكَةٍ تَعْتِقُ) فِي الْعُتْبِيَّةِ: مَنْ وَطِئَ أَمَةً بِالْمِلْكِ مِمَّنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالنَّسَبِ وَتَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ كَالْبِنْتِ وَالْأُخْتِ عَامِدًا عَالِمًا حُدَّ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِالْجَهَالَةِ فَلَا يُحَدُّ وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(أَوْ يَعْلَمُ حُرِّيَّتَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اشْتَرَى حُرَّةً وَهُوَ يَعْلَمُ بِهَا فَأَقَرَّ أَنَّهُ وَطِئَهَا حُدَّ.
(أَوْ مُحَرَّمَةٍ بِصِهْرٍ مُؤَبَّدٍ) اللَّخْمِيِّ: إنْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ زَوْجَتِهِ وَدَخَلَ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِالْأُمِّ لَمْ يُحَدَّ لِأَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ لَوْ طَلَّقَ الْأُمَّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِالْأُمِّ وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَ أُمَّ
امْرَأَتِهِ فَإِنْ دَخَلَ بِالِابْنَةِ حُدَّ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَمْ يُحَدَّ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ أَبِيهِ أَوْ زَوْجَةَ وَلَدِهِ حُدَّ إنْ كَانَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ.
(أَوْ خَامِسَةٍ) اللَّخْمِيِّ: قَالَ مَالِكٌ فِي مُتَزَوِّجِ الْخَامِسَةِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ يُحَدُّ.
وَقَالَ فِي مُتَزَوِّجِ الْمُعْتَدَّةِ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ لَا يُحَدُّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
(أَوْ مَرْهُونَةٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَطِئَ جَارِيَةً عِنْدَهُ رَهْنًا حُدَّ.
(أَوْ ذَاتِ مَغْنَمٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ الْغَنِيمَةِ وَلَهُ فِيهَا نَصِيبٌ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ وَإِنْ وَطِئَ مِنْهَا أَمَةً حُدَّ.
(أَوْ حَرْبِيَّةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَزَنَى بِحَرْبِيَّةٍ حُدَّ.
(أَوْ مَبْتُوتَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً أَوْ امْرَأَةً طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ النَّسَبِ أَوْ شَيْئًا مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ عَامِدًا عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ.
قَالَ: وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يُحَدَّ وَعُوقِبَ، وَكَذَلِكَ نَاكِحُ امْرَأَتِهِ الْمَبْتُوتَةِ لَا يُحَدُّ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً ثَلَاثًا فَإِنْ كَانَ عَالِمًا حُدَّ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ يُحَدَّ.
وَرَوَى عَلِيٌّ: مَنْ نَكَحَ فِي عِدَّةٍ وَوَطِئَ فِيهَا وَلَمْ يُعْذَرْ بِجَهَالَةٍ أَنَّهُ يُحَدُّ.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا خِلَافٌ لِلْمُدَوَّنَةِ (وَإِنْ بِعِدَّةٍ) الَّذِي لِابْنِ الْحَاجِبِ: لَوْ طَلَّقَ امْرَأَةً ثَلَاثًا وَوَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَوَطِئَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ وَلَا يُعْذَرُ بِدَعْوَى الْجَهَالَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ (وَهَلْ إنْ أَبَتَّ فِي مَرَّةٍ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ سَوَاءٌ أَوْقَعَ الثَّلَاثَ فِي مَرَّةٍ أَوْ مُفْتَرَقَاتٍ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: مَنْ نَكَحَ مَبْتُوتَةً عَالِمًا لَمْ يُحَدَّ لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا.
(وَإِنْ مُطَلَّقَةً قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ مُعْتَقَةً بِلَا عَقْدٍ كَأَنْ يَطَأَهَا مَمْلُوكُهَا) لَوْ قَالَ: " مُطَلَّقَةً قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ مُعْتَقَةً بِلَا عَقْدٍ وَإِلَّا حُدَّ كَأَنْ يَطَأَهَا مَمْلُوكُهَا " لَتَنَزَّلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ طَلْقَةً ثُمَّ وَطِئَهَا وَقَالَ: ظَنَنْتُهَا رَجْعِيَّةً كَالدُّخُولِ بِهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ إنْ رَجَعَ عُذِرَ بِالْجَهَالَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ أَصَابَهَا وَقَالَ ظَنَنْتُهَا أَنَّهَا تَحِلُّ لِي فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَنْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إنْ وَطِئَهَا حُدَّ.
ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا حُدَّ فِيمَنْ تَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالنَّسَبِ لِأَنَّهُنَّ أَحْرَارٌ بِعَقْدِ الشِّرَاءِ بِخِلَافِ مَنْ لَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ.
وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: إنْ مَكَّنَتْ مَمْلُوكَهَا مِنْ نَفْسِهَا حُدَّتْ.
(أَوْ مَجْنُونٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ زَنَتْ بِمَجْنُونٍ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ.
(بِخِلَافِ الصَّبِيِّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ زَنَتْ امْرَأَةٌ بِصَبِيٍّ مِثْلُهُ يُجَامِعُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْتَلِمْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا ابْنُ عَرَفَةَ: فَهُوَ أَحْرَى (إلَّا أَنْ يَجْهَلَ الْعَيْنَ أَوْ الْحُكْمَ إنْ جَهِلَ مِثْلُهُ إلَّا الْوَاضِحَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: يَخْرُجُ بِمُتَعَمِّدٍ الْمَعْذُورُ بِجَهْلِ الْعَيْنِ.
ابْنُ شَاسٍ: كَانَ يَظُنُّ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ، ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَخْرُجُ أَيْضًا الْمَعْذُورُ بِجَهْلِ الْحُكْمِ إذَا كَانَ يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ زِنًا وَاضِحًا فَفِي عُذْرِهِ قَوْلَانِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُعْذَرُ الْمُرْتَهِنُ إذَا وَطِئَ الْمَرْهُونَةَ، وَقَالَ ظَنَنْتُ: أَنَّهَا تَحِلُّ لِي وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: لَا يُعْذَرُ الْعَجَمُ إذَا ادَّعُوا الْجَهَالَةَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِالْحَدِيثِ الَّذِي قَالَتْ: زَنَيْتُ بِمَرْعُوشٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَرَأَى أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ فِي هَذَا.
قِيلَ: كَانَتْ هَذِهِ أَمَةً تَخْتَلِفُ إلَى عَبْدٍ مُقْعَدٍ فَأَعْطَاهَا دِرْهَمَيْنِ وَفَجَرَ بِهَا.
(لَا مُسَاحَقَةً وَأُدِّبَتْ اجْتِهَادًا) الْبَاجِيُّ: الْمُسَاحِقَتَانِ مِنْ النِّسَاءِ سُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ فِي عُقُوبَتِهِمَا حَدٌّ وَذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا إنَّمَا بِمَعْنَى الْمُبَاشَرَةِ وَلَا حَدَّ إلَّا بِمُغَيَّبٍ.
وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: أَنَّ حَدَّهُمَا خَمْسُونَ جَلْدَةً وَتَغْتَسِلُ وَإِنْ لَمْ تُنْزِلْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الِاسْتِمْنَاءِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَيْ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ الزِّنَا.
وَنَحْوُهُ لِأَبِي الشَّعَثِ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ.
وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبَالِغَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ.
قَالَهُ اللَّخْمِيِّ.
(كَبَهِيمَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مَعَ غَيْرِهَا لَا يُحَدُّ مَنْ أَتَى الْبَهِيمَةَ وَيُعَاقَبُ (وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْأَكْلِ وَالذَّبْحِ) الطُّرْطُوشِيُّ: لَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا تُقْتَلُ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تُؤْكَلُ أُكِلَتْ.
(وَمَنْ حَرُمَ لِعَارِضٍ كَحَائِضٍ) ابْنُ شَاسٍ: قَوْلُنَا فِي حَدِّ الزِّنَا: إنَّهُ الْوَطْءُ فِي غَيْرِ مِلْكٍ احْتَرَزْنَا بِهِ عَنْ وَطْءِ الْحَائِضِ وَالْمُحْرِمَةِ وَالصَّائِمَةِ فِي الْمِلْكِ (أَوْ مُشْتَرَكَةٍ أَوْ مُعْتَدَّةٍ) ابْنُ شَاسٍ:
إنْ كَانَتْ شُبْهَةٌ فِي الْمَحَلِّ بِأَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً مُحَرَّمَةً بِسَبَبِ شِرْكَةٍ أَوْ عِدَّةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي وَطْئِهَا.
(أَوْ مَمْلُوكَةٍ لَا تَعْتِقُ) سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ وَطِئَ أَمَةً بِمِلْكِ يَمِينٍ مِمَّنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالنَّسَبِ وَلَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ مِنْ عَمَّةٍ أَوْ خَالَةٍ أَوْ بِنْتِ أُخْتٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ عَلَيْهِ (وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ) ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(أَوْ عَلَى أُخْتِهَا وَهَلْ إلَّا أُخْتَ النَّسَبِ لِتَحْرِيمِهَا بِالْكِتَابِ تَأْوِيلَانِ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» وَكَانَ يَقُولُ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَلَأَنْ يَخْطَأَ الْحَاكِمُ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَخْطَأَ فِي الْعُقُوبَةِ إذَا رَأَيْتُمْ لِلْمُسْلِمِ مَخْرَجًا فَادْرَءُوا عَنْهُ الْحَدَّ» .
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا أَوْ عَلَى عَمَّتِهَا عَامِدًا لَمْ يُحَدَّ وَعُوقِبَ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْكَلَامُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ بَابٌ عَظِيمٌ وَلَيْسَ مَا حَرَّمَتْهُ السُّنَّةُ كَمَا حَرَّمَهُ الْقُرْآنُ.
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا عَالِمًا بِالنَّهْيِ دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ بِالسُّنَّةِ بِخِلَافِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ بِالْقُرْآنِ، وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ يُونُسَ إلَّا مَا نَصُّهُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ النَّسَبِ عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ حُدَّ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ.
(أَوْ كَأَمَةٍ مُحَلَّلَةٍ وَقُوِّمَتْ وَإِنْ أَبَيَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: كُلُّ مَنْ أُحِلَّتْ لَهُ جَارِيَةٌ أَحَلَّهَا لَهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ قَرِيبٌ أَوْ امْرَأَةٌ رُدَّتْ إلَى سَيِّدِهَا إلَّا أَنْ يَطَأَهَا مَنْ أُحِلَّتْ لَهُ فَلَا يُحَدُّ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا وَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ، وَلَيْسَ لِرَبِّهَا التَّمَاسُكُ بِهَا.
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: إنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ حُدَّ.
ابْنُ يُونُسَ: هَذَا خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ.
(أَوْ مُكْرَهَةٍ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمُكْرَهُ عَلَى الزِّنَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْمُكْرَهَةُ عَلَى التَّمْكِينِ لَا تُحَدُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: إنْ انْتَشَرَ قَضِيبُهُ حُدَّ.
اللَّخْمِيِّ: هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ قَدْ يُرِيدُ الرَّجُلُ شُرْبَ الْخَمْرِ وَيَكُفُّ عَنْهَا خَوْفَ أَمْرِ اللَّهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْإِحْيَاءِ حِكْمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَنِعْمَتَهُ فِي اللِّسَانِ مِنْهَا أَنْ خَلَقَ اللَّهُ تَحْتَهُ عَيْنًا يُفِيضُ اللُّعَابُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَنْعَجِنَ بِهِ الطَّعَامُ، وَسَخَّرَهَا لِهَذَا الْأَمْرِ بِحَيْثُ تَرَى طَعَامًا عَلَى بُعْدٍ فَتَفُورُ الْمِسْكِينَةُ لِلْخِدْمَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا الطَّعَامُ.
(أَوْ مَبِيعَةٍ بِغَلَاءٍ) سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ جَاعَ فَبَاعَ امْرَأَتَهُ مِنْ رَجُلٍ فَأَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ فَوَطِئَهَا مُشْتَرِيهَا فَعَنْ مَالِكٍ وَهُوَ رَأْيٌ أَنَّهُمَا يُعَزَّرَانِ وَتَكُونُ طَلْقَةً بَائِنَةً وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ.
وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُتَيْطِيُّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ عَلَى هَذَا فَقَالَ: مَا جَاءَ فِيمَنْ بَاعَ امْرَأَتَهُ أَوْ زَوَّجَهَا جَادًّا أَوْ هَازِلًا.
اُنْظُرْهُ فِيهِ.
(وَالْأَظْهَرُ إنْ ادَّعَى شِرَاءَ أَمَةٍ وَنَكَلَ الْبَائِعُ وَحَلَفَ الْوَاطِئُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَطِئَ أَمَةَ رَجُلٍ فَادَّعَى أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْهُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَيِّدُهَا فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ حُدَّ، فَإِنْ طَلَبَ الْوَاطِئُ يَمِينَ السَّيِّدِ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْهَا مِنْهُ أَحَلَفْته لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْوَاطِئُ وَقَضَى لَهُ بِهَا وَدُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ اهـ. فَانْظُرْ قَوْلَ خَلِيلٍ: " وَالْأَظْهَرُ " (وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُكْرَهَ كَذَلِكَ وَالْأَكْثَرَ عَلَى خِلَافِهِ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ مُكْرَهَةٍ ".
(وَثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً) ابْنُ عَرَفَةَ: نُصُوصُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَاضِحَةٌ بِحَدِّ الْمُقِرِّ بِالزِّنَا طَوْعًا وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً (إلَّا أَنْ يَرْجِعَ مُطْلَقًا) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: إنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ لِوَجْهٍ وَسَبَبٍ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي قَبُولِ رُجُوعِهِ.
الْبَاجِيُّ: وَإِنْ رَجَعَ لِغَيْرِ شُبْهَةٍ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٌ أَنَّهُ يُقَالُ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ (أَوْ يَهْرُبُ وَإِنْ فِي الْحَدِّ) أَبُو عُمَرَ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُقِرِّ بِالزِّنَا أَوْ بِشُرْبِ الْخَمْرِ يُقَامُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَدِّ فَيَرْجِعُ تَحْتَ الْجَلْدِ فَقَالَ مَرَّةً: أَنْ يُقِيمَ أَكْثَرَ.
وَقَالَ مَرَّةً: يُقَالُ وَلَا يُضْرَبُ بَعْدَ رُجُوعِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ.
(وَبِالْبَيِّنَةِ فَلَا يَسْقُطُ بِشَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ بِبَكَارَتِهَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: يَثْبُتُ الزِّنَا بِالْإِقْرَارِ وَلَوْ مَرَّةً وَبِالْبَيِّنَةِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ بِبَكَارَتِهَا لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ.
وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا شَهِدَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا أَرْبَعَةٌ عُدُولٌ فَقَالَتْ: أَنَا عَذْرَاءُ وَنَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ وَصَدَّقْنَهَا لَمْ يُنْظَرْ إلَى قَوْلِهِنَّ وَأُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ.
(وَبِحَمْلٍ فِي غَيْرِ مُتَزَوِّجَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ ظَهَرَ بِامْرَأَةٍ حَمْلٌ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِالنِّكَاحِ حُدَّتْ.
اللَّخْمِيِّ: تُحَدُّ إنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ وَلَا شُبْهَةَ وَلَمْ تَكُنْ طَارِئَةً.
(وَذَاتِ سَيِّدٍ غَيْرِ مُقِرٍّ بِهِ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يَجِبُ رَجْمٌ وَلَا جَلْدٌ إلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا بِإِقْرَارٍ لَا رُجُوعَ بَعْدَهُ إلَى قِيَامِ الْحَدِّ، أَوْ يَظْهَرُ بِحُرَّةٍ غَيْرِ طَارِئَةٍ حَمْلٌ وَلَا يُعْرَفُ لَهَا نِكَاحٌ، أَوْ بِأَمَةٍ لَا يُعْرَفُ لَهَا زَوْجٌ وَسَيِّدُهَا مُنْكِرٌ لَوَطِئَهَا، وَبِشَهَادَةٍ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
(وَلَمْ يُقْبَلْ دَعْوَاهَا الْغَصْبَ بِلَا قَرِينَةٍ) اللَّخْمِيِّ:
فَإِنْ ظَهَرَ بِامْرَأَتِي حَمْلٌ وَادَّعَتْ أَنَّهُ مِنْ غَصْبٍ وَتَقَدَّمَ لَهَا ذِكْرُ ذَلِكَ أَوْ أَتَتْ مُتَعَلِّقَةً بِرَجُلٍ أَوْ كَانَ سَمَاعًا وَاسْتَشْكَتْ وَلَمْ تَأْتِ مُتَعَلِّقَةً بِهِ، لَمْ تُحَدَّ إنْ ادَّعَتْهُ عَلَى مَنْ يُشْبِهُ.
وَإِنْ ادَّعَتْهُ عَلَى رَجُلٍ صَالِحٍ حُدَّتْ وَتُعَزَّرُ إنْ لَمْ تُسَمِّ مَنْ اسْتَكْرَهَهَا إنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْخَيْرِ.
(وَيُرْجَمُ الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ إنْ أَصَابَ بَعْدَهُنَّ بِنِكَاحٍ لَازِمٍ صَحَّ) ابْنُ الْحَاجِبِ: شَرْطُ مُوجِبِ الْحَدِّ: الْإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ: جَلْدٌ مُفْرَدٌ وَجَلْدٌ مَعَ تَغْرِيبٍ وَرَجْمٌ.
فَالرَّجْمُ عَلَى الْمُحْصَنِ مِنْهُمَا وَيَحْصُلُ الْإِحْصَانُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِالتَّزْوِيجِ الصَّحِيحِ اللَّازِمِ وَالْوَطْءِ الصَّحِيحِ الْمُبَاحِ الْمُحَلِّلِ لِلْمَبْتُوتَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُحَدُّ الْكَافِرُ فِي الزِّنَا وَيُرَدُّ إلَى أَهْلِ دِينِهِ وَيُعَاقَبُ إذَا أَعْلَنَهُ، وَأَمَّا فِي سَرِقَتِهِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ.
ابْنُ عَرَفَةَ: الْوَطْءُ الْمُبَاحُ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ لَا خِيَارَ فِيهِ مِنْ بَالِغٍ مُسْلِمٍ حُرٍّ إحْصَانٌ اتِّفَاقًا فَحَدُّهُ إنْ زَنَى بَعْدَ ذَلِكَ الرَّجْمُ.
أَبُو عُمَرَ: مَا يُفْسَخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ لَا يُحْصَنُ وَاطِئُهُ بِخِلَافِ الَّذِي لَا يُفْسَخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَإِنَّ الْوَطْءَ فِيهِ إحْصَانٌ، وَأَمَّا الْوَطْءُ الْفَاسِدُ كَوَطْءِ الْحَائِضِ وَالْمُحْرِمَةِ وَالْمُعْتَكِفَةِ وَالصَّائِمَةِ فَنَقَلَ اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ وَالْمُغِيرَةِ أَنَّهُ يُحْصِنُ وَفِي كَوْنِ الْوَطْءِ فِي نِكَاحِ ذِي خِيَارٍ أَمْضَى بَعْدَ الْوَطْءِ إحْصَانًا نَقْلًا اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: تَحْصِينُ الْمَجْنُونَةِ وَاطِئُهَا وَلَا يُحْصِنُهَا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: كُلُّ وَطْءٍ أَحْصَنَ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَإِنَّهُ يُحِلُّ الْمَبْتُوتَةَ وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُحِلُّ يُحْصِنُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: كَانَ يَجْرِي لَنَا إبْطَالُ صِدْقِ هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ بِنَقْلِ عَبْدِ الْحَقِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَطْءُ الْمَجْنُونَةِ يُحْصِنُ وَاطِئُهَا وَلَا يُحِلُّهَا، رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ) قَالَ مَالِكٌ: يُرْمَى بِالْحِجَارَةِ الَّتِي يُرْمَى بِمِثْلِهَا فَأَمَّا الصَّخْرُ الْعِظَامُ فَلَا (وَلَمْ يَعْرِفْ بُدَاءَةَ الْبَيِّنَةِ وَلَا الْإِمَامِ) قَالَ
مَالِكٌ: مُذْ أَقَامَتْ الْأَئِمَّةُ الْحُدُودَ فَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْهُمْ تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَا أَلْزَمَ ذَلِكَ الْبَيِّنَةَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ: إنْ ثَبَتَ الزِّنَا بِبَيِّنَةٍ بَدَأَ الشُّهُودُ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ سَائِرُ النَّاسِ.
.
(كَلَائِطٍ مُطْلَقًا وَإِنْ عَبْدَيْنِ وَكَافِرَيْنِ) ابْنُ عَرَفَةَ: اللَّائِطَانِ كَالْمُحْصَنَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُحْصَنَا.
ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: لَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ لَرُجِمَا خِلَافًا لِأَشْهَبَ.
(وَجُلِدَ الْحُرُّ الْبِكْرُ مِائَةً) ابْنُ عَرَفَةَ: حَدُّ زِنَا الْبِكْرِ الْحُرِّ جَلْدُ مِائَةٍ.
(وَتَشَطَّرَ بِالرِّقِّ وَإِنْ قَلَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: حَدُّ الْعَبْدِ فِي الزِّنَا خَمْسُونَ وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ، وَكُلُّ مَنْ فِيهِ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ لَمْ يَتِمَّ كَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ وَالْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ.
(وَتَحَصَّنَ كُلٌّ دُونَ صَاحِبِهِ بِالْعِتْقِ وَالْوَطْءِ بِعِدَّةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْوَطْءُ بَعْدَ عِتْقِ أَحَدِهِمَا يُحْصِنُ الْمُعْتَقَ مِنْهُمَا.
(وَغُرِّبَ الْحُرُّ الذَّكَرُ فَقَطْ عَامًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا نَفْيَ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا عَلَى الْعَبِيدِ وَلَا تَغْرِيبَ وَلَا يُنْفَى الرَّجُلُ الْحُرُّ إلَّا بِالزِّنَا أَوْ فِي حِرَابَةٍ بِهِ فَيُسْجَنَانِ جَمِيعًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْفَيَانِ إلَيْهِ يُسْجَنُ الزَّانِي سَنَةً وَالْمُحَارِبُ حَتَّى تُعْرَفَ تَوْبَتُهُ (وَأَجْرُهُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: كِرَاؤُهُ فِي سَيْرِهِ عَلَيْهِ فِي مَالِ الزَّانِي وَالْمُحَارِبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَفِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
(كَفَدَكَ وَخَيْبَرَ مِنْ الْمَدِينَةِ فَيُسْجَنُ سَنَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ كَانَ يُنْفَى عِنْدَنَا إلَى فَدَكَ وَخَيْبَرَ.
قَالَ: وَيُسْجَنُ الْمُحَارِبُ وَالزَّانِي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْفَيَانِ إلَيْهِ يُسْجَنُ الزَّانِي سَنَةً.
ابْنُ الْقَاسِمِ: مِنْ يَوْمِ يَصِيرُ فِي السِّجْنِ مُطَرِّفٌ وَيُؤَرَّخُ يَوْمُ سَجْنِهِ (وَإِنْ عَادَ أُخْرِجَ ثَانِيَةً) ابْنُ شَاسٍ: فَإِنْ عَادَ أُخْرِجَ ثَانِيَةً.
(وَتُؤَخَّرُ الْمُتَزَوِّجَةُ لِحَيْضَةٍ) اللَّخْمِيِّ: إنْ شُهِدَ عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَا مُنْذُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أُخِّرَتْ وَلَمْ تُضْرَبْ وَلَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَتِمَّ لَهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ زَنَتْ فَيُنْظَرُ
أَحَامِلٌ هِيَ أَمْ لَا، وَلَا يُسْتَعْجَلُ الْآنَ لِإِمْكَانِ أَنْ تَكُونَ حَمَلَتْ، وَإِنْ لَمْ يَمْضِ لَهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا جَازَ تَعْجِيلُ حَدِّهَا جَلْدًا أَوْ رَجْمًا إلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ زَوْجٍ فَيُسْأَلُ، فَإِنْ قَالَ كُنْتُ اسْتَبْرَأْتُهَا فِيهَا حُدَّتْ وَرُجِمَتْ، وَإِنْ قَالَ لَمْ اسْتَبْرِئْهَا خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَقُومَ بِحَقِّهِ فِي الْمَاءِ الَّذِي لَهُ فِيهَا فَتُؤَخَّرُ لِيَنْظُرَ هَلْ تَحْمِلُ مِنْهُ أَمْ لَا أَوْ يَسْقُطُ حَقُّهُ فَتُحَدُّ انْتَهَى.
اُنْظُرْ قَوْلَهُ: " لِلزَّوْجِ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهُ فَتُحَدُّ فِي الْمَاءِ الَّذِي لَهُ فِيهَا " هَلْ هُوَ فَرْعُ جَوَازِ إفْسَادِ الْمَنِيِّ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَسَيَأْتِي لَهُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا يُرَشِّحُ هَذَا.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ قَوْلِهِ: " يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ " وَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ: رَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلنُّطْفَةِ حُرْمَةٌ وَلَا لَهَا حُكْمُ الْوَلَدِ فِي الْأَرْبَعِينَ يَوْمًا.
وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي هَذَا وَلَمْ يَرَ إبَاحَةَ إفْسَادِ الْمَنِيِّ وَلَا تَسَبُّبَ إخْرَاجِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ فِي الرَّحِمِ بِوَجْهٍ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ بِخِلَافِ الْعَزْلِ قَبْلَ حُصُولِهِ فِي الرَّحِمِ.
انْتَهَى نَصُّ عِيَاضٍ وَانْظُرْ إنْ لَمْ يَعْزِلْ لَكِنْ جَعَلَ بَيْنَ الْمَاءِ وَحُصُولِهِ فِي الرَّحِمِ مَا مَنَعَ عُلُوقَهُ بِهِ، أَفْتَى ابْنُ زَرْقُونٍ أَنَّهُ كَالْعَزْلِ قَالَ: لِأَنَّهُ مَا جَنَى عَلَى مَوْجُودٍ.
اللَّخْمِيِّ: وَأَجَازَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا زَنَتْ مُنْذُ شَهْرَيْنِ أَنْ تُرْجَمَ إذَا نَظَرَ لَهَا النِّسَاءُ وَقُلْنَ: لَا حَمْلَ بِهَا وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ بِكَوْنِهِ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ عَلَقَةً، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّهْرَيْنِ عَلَقَةٌ وَلَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَشْرَبَ مَا تَطْرَحُهُ بِهِ.
(وَبِالْجَلْدِ اعْتِدَالُ الْهَوَاءِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الْمَرِيضُ إنْ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ أُخِّرَ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ خِيفَ عَلَى السَّارِقِ أَنْ يُقْطَعَ فِي الْبَرْدِ أُخِّرَ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: وَاَلَّذِي يُضْرَبُ الْحَدَّ فِي الْبَرْدِ مِثْلُهُ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ أُخِّرَ وَالْحَدُّ بِمَنْزِلَةِ الْبَرْدِ.
اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ ضَعِيفَ الْجِسْمِ سَقَطَ الْحَدُّ.
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَالْمُوَالَاةُ فِي الْأَطْرَافِ ".
(وَأَقَامَهُ الْحَاكِمُ وَالسَّيِّدُ إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِغَيْرِ مِلْكِهِ)