أَفْطَرَ مِنْهَا شَهْرًا لِغَيْرِ عُذْرٍ قَضَاهُ، فَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا قَضَى عَدَدَ أَيَّامِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْضِيَهُ مُتَتَابِعًا فَإِنْ فَرَّقَهُ أَجْزَأَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَفْطَرَ مِنْهُ يَوْمًا قَضَاهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِمَرَضٍ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ إذَا قَالَ هَذِهِ وَنَوَى بَاقِيَهَا فَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ مَضَى نِصْفُهَا قَالَ: عَلَيْهِ صِيَامُ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا.
ابْنُ رُشْدٍ: إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ السَّنَةِ فَتَكُونُ لَهُ نِيَّتُهُ قَالَهُ مَالِكٌ.
وَاسْتَشْكَلَ اللَّخْمِيِّ هَذَا وَقَالَ: إنَّهُ مِثْلُ مَنْ قَالَ فِي نِصْفِ النَّهَارِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ هَذَا الْيَوْمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا صَلَاةُ مَا بَقِيَ مِنْهُ (بِخِلَافِ فِطْرِهِ لِسَفَرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَلَا يَقْضِي أَيَّامَ مَرَضِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ نَذَرَتْ صَوْمَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا لَا تَقْضِي أَيَّامَ حَيْضَتِهَا، وَأَمَّا السَّفَرُ فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَأَنِّي رَأَيْته يَسْتَحِبُّ لَهُ الْقَضَاءَ اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " إلَّا لِمُعَيَّنٍ ".
(وَصَبِيحَةُ الْقُدُومِ فِي يَوْمِ قُدُومِهِ إنْ قَدِمَ لَيْلَةً غَيْرَ عِيدٍ وَإِلَّا فَلَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ فَقَدِمَ لَيْلًا فَلْيَصُمْ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَلَوْ قَدِمَ نَهَارًا وَنِيَّةُ النَّاذِرِ
الْفِرَارُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ.
أَشْهَبُ: وَلَوْ قَدِمَ فُلَانٌ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ كَنَاذِرِ صَوْمِ غَدٍ فَكَانَ يَوْمُ غَدٍ يَوْمَ الْأَضْحَى وَهُوَ يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ.
(وَصِيَامُ الْجُمُعَةِ إنْ نَسِيَ الْيَوْمَ) الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ سَحْنُونَ أَنَّ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَنَسِيَهُ أَنَّهُ يَصُومُ الْجُمُعَةَ كُلَّهَا (عَلَى الْمُخْتَارِ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ أَبَدًا فَقَدِمَ فِي يَوْمٍ فَنَسِيَهُ فَلْيَصُمْ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ أَوَّلَ الْجُمُعَةِ السَّبْتُ.
اللَّخْمِيِّ: آخِرُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ يَصُومُ الدَّهْرَ وَهُوَ الْأَقْيَسُ.
ابْنُ رُشْدٍ: صِيَامُ الدَّهْرِ أَقْيَسُ لِيَأْتِيَ عَلَى شَكِّهِ (وَرَابِعُ النَّحْرِ لِنَاذِرِهِ وَإِنْ تَعْيِينًا) أَمَّا الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ خِلَافٌ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَصُومُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَصُومُهُ انْتَهَى.
فَانْظُرْ قَوْلَ خَلِيلٍ: " وَإِنْ تَعْيِينًا " قَالَ الْبَاجِيُّ: وَيَصُومُهُ أَعْنِي الْيَوْمَ الرَّابِعَ مَنْ كَانَ فِي صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ وَلَا يَصُومُ الْيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ (لَا سَابِقَيْهِ إلَّا الْمُتَمَتِّعِ) . الْبَاجِيُّ: الَّذِي قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَا يَصُومهَا إلَّا الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي لَا يَجِدُ هَدْيًا (لَا تَتَابُعُ سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ أَيَّامٍ) اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " كَشَهْرٍ فَثَلَاثِينَ " وَعِنْدَ قَوْلِهِ: " وَابْتَدَأَ سَنَةً " (وَإِنْ نَوَى بِرَمَضَانَ فِي سَفَرِهِ غَيْرَهُ أَوْ قَضَاءَ الْخَارِجِ أَوْ نَوَاهُ وَنَذْرًا لَمْ يَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَمَّا إذَا نَوَى بِرَمَضَانَ فِي سَفَرِهِ غَيْرَهُ فَلَمْ أَجِدْهُ، وَأَمَّا إذَا نَوَى بِرَمَضَانَ فِي حَضَرِهِ غَيْرَهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ صَامَ فِي الْحَضَرِ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ يَنْوِي بِهِمَا الظِّهَارَ لَمْ يُجْزِهِ رَمَضَانُ لِفَرْضِهِ وَلَا لِظِهَارِهِ، وَأَمَّا إذَا نَوَى
بِرَمَضَانَ فِي حَضَرِهِ قَضَاءَ الْخَارِجِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ فِي حَضَرِهِ يَقْضِي بِهِ رَمَضَانَ كَانَ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ لِهَذَا وَكَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْأَوَّلِ.
اللَّخْمِيِّ: هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَأَتَى بِهِ ابْنُ يُونُسَ نَصًّا لِلْمُدَوِّنَةِ.
وَقَالَ فِي النُّكَتِ: هَذَا هُوَ أَصْوَبُ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُجْزِئَهُ ذَلِكَ عَنْ الشَّهْرِ الَّذِي حَضَرَ وَيَقْضِي الْأَوَّلَ وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْكِتَابِ.
قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: فَإِذَا أَجْزَأَهُ عَنْ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي حَضَرَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فَعَلَيْهِ الْإِطْعَامُ عَنْ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ لِتَفْرِيطِهِ إلَى أَنْ دَخَلَ رَمَضَانُ ثَانٍ.
اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي النَّظَرِ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَأَمَّا إذَا نَوَى بِرَمَضَانَ فِي سَفَرِهِ قَضَاءَ الْخَارِجِ فَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ فِي سَفَرٍ قَضَاءً عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْقِيَاسُ أَنَّهُ يُجْزِيهِ.
اُنْظُرْهُ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " غَيْرَ رَمَضَانَ ". وَأَمَّا إذَا نَوَى فِي سَفَرِهِ رَمَضَانَ وَنَذَرَهُ فَلَمْ أَجِدْهُ، وَأَمَّا إذَا نَوَى فِي حَضَرِهِ رَمَضَانَ وَنَذَرَهُ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إذَا قَضَى رَمَضَانَ فِي رَمَضَانَ آخَرَ وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّهُ يُجْزِيهِ لِهَذَا وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأَوَّلِ.
قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَجْرِي الْجَوَابُ إذَا صَامَهُ قَضَاءً عَنْ ظِهَارٍ أَوْ نَذْرٍ مَضْمُونٍ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَجْرِي فِيهِمَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَشْرَكَ فِي صَوْمِهِ.
رَاجِعْ اللَّخْمِيَّ.
(وَلَيْسَ لِامْرَأَةٍ يَحْتَاجُ لَهَا زَوْجُهَا تَطَوُّعٌ بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ عَلِمَتْ حَاجَةَ زَوْجِهَا لَمْ تَصُمْ إلَّا بِإِذْنِهِ وَإِنْ عَلِمَتْ عَدَمَهَا فَلَا بَأْسَ.
ابْنُ عَرَفَةَ
الْأَقْرَبُ الْجَوَازُ إنْ جَهِلَتْ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَمِثْلُ الزَّوْجَةِ فِي هَذَا السُّرِّيَّةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ.
وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ: إذَا تَلَبَّسَتْ بِالنَّافِلَةِ فَلِزَوْجِهَا أَنْ يَقْطَعَهَا عَلَيْهَا.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ أَذِنَ لِعَبْدٍ أَوْ امْرَأَةٍ ". وَمِنْ الذَّخِيرَةِ: الْفَرْقُ بَيْنَ صَوْمِ الْعِيدِ وَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ أَنَّ نَفْسَ الْعِبَادَةِ فِي صَوْمِ الْعِيدِ هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ إنَّمَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الصِّفَةُ الْمُقَارِنَةُ لِلْعِبَادَةِ فَأَحْكَامُ الصِّفَاتِ لَا تَنْتَقِلُ إلَى الْمَوْصُوفَاتِ وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ.
[كِتَابُ الِاعْتِكَافِ]
[فَصْلٌ فِي أَرْكَانُ الِاعْتِكَافِ]
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ
وَحَقِيقَتُهُ اللُّبْثُ فِي الْمَكَانِ وَفِي الشَّرِيعَةِ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ قُرْبَةٌ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ.
ثُمَّ النَّظَرُ
فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ فِي أَرْكَانِهِ وَحُكْمِ النَّذْرِ وَحُكْمِ الِاعْتِكَافِ (وَصِحَّتُهُ لِمُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ) . ابْنُ شَاسٍ: الرُّكْنُ الثَّانِي الْمُعْتَكِفُ وَهُوَ كُلُّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ فَيَصِحُّ اعْتِكَافُ الصَّبِيِّ وَالرَّقِيقِ (بِمُطْلَقِ صَوْمٍ) . ابْنُ شَاسٍ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ الصَّوْمُ وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ دُونَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ لَهُ.
(وَلَوْ نَذْرًا) الَّذِي لِابْنِ يُونُسَ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ وَفِي كُلِّ صَوْمٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا فَلَا
يَعْتَكِفُهُ فِي صَوْمٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا فِي قَضَائِهِ وَلَا فِي كَفَّارَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ الصَّوْمُ لِلِاعْتِكَافِ فَلَا يُجْزِيهِ مِنْ صَوْمٍ لَزِمَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا لَوْ نَذَرَ مَشْيًا فَلَا يَجْعَلُهُ فِي حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ.
وَقَالَهُ سَحْنُونَ: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَهُ أَنْ يَحْصُلَ اعْتِكَافُهُ الَّذِي نَذَرَهُ فِي أَيَّامِ صَوْمِهِ الَّتِي نَذَرَ لَهَا (وَمَسْجِدٍ إلَّا لِمَنْ فَرْضُهُ الْجُمُعَةُ وَتَجِبُ بِالْجَامِعِ) . الْبَاجِيُّ: الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْمُعْتَكَفُ وَهُوَ الْمَسْجِدُ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الْمَسَاجِدِ إلَّا إذَا نَوَى مُدَّةً يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إتْيَانُ الْجُمُعَةِ فِي أَثْنَائِهَا فَيَتَعَيَّنُ الْجَامِعُ (مِمَّا تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ) . اللَّخْمِيِّ: لَا يَعْتَكِفُ فِي بَيْتِ الْقَنَادِيلِ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِإِذْنٍ وَلَا عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ وَلَا فِي صَوْمَعَتِهِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيَعْتَكِفُ فِي عَجُزِ الْمَسْجِدِ وَفِي رِحَابِهِ (وَإِلَّا خَرَجَ وَبَطَلَ) قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ:
إنْ اعْتَكَفَ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْجُمُعَةِ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ.
وَقَالَهُ سَحْنُونَ: ابْنُ شَاسٍ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
(كَمَرَضِ أَبَوَيْهِ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَخْرُجُ لِمَرَضِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَيَبْتَدِئُ اعْتِكَافَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ وَبِرُّهُمَا يَفُوتُ (لَا جِنَازَتِهِمَا مَعًا) الْمُوَطَّأُ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مَعَ جِنَازَةِ أَبَوَيْهِ وَلَا غَيْرِهِمَا.
ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ غَيْرُ عُقُوقٍ.
وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مَعَ جِنَازَةٍ لَا يُعْجِبُنِي لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ انْتَهَى إلَيْهِ زِحَامُ الْمُصَلِّينَ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يَخْرُجُ لِلصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَةِ أَبَوَيْهِ (وَكَشَهَادَةٍ وَإِنْ وَجَبَتْ وَلْتُؤَدَّ بِالْمَسْجِدِ أَوْ تُنْقَلْ عَنْهُ) رَوَى ابْنُ نَافِعٍ: لَا يَخْرُجُ لِأَدَاءِ شَهَادَةٍ وَلْيُؤَدِّهَا بِمَسْجِدِهِ.
رَوَى الْعُتْبِيُّ يُؤَدِّيهَا بِهِ وَتُنْقَلُ عَنْهُ، ابْنُ مُحْرِزٍ:
كَذِي عُذْرٍ لِمَرَضٍ وَغَيْرِهِ.
(وَكَرِدَّةٍ وَكَمُبْطِلٍ صَوْمَهُ) . ابْنُ رُشْدٍ: الرِّدَّةُ وَالسُّكْرُ وَالْمُكْتَسَبُ مَانِعَانِ مِنْ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ قَارَنَا الِابْتِدَاءَ أَوْ طَرَآ وَيَجِبُ اسْتِئْنَافُهُ بِطُرُوِّ أَحَدِهِمَا.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَفْطَرَ الْمُعْتَكِفُ انْتَقَضَ اعْتِكَافُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَتُبْطِلُهُ الْقُبْلَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ لِلَّذَّةِ وَلَوْ لَيْلًا.
ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ سَهْوًا.
عِيَاضٌ: اتِّفَاقًا وَأَمَّا الِاحْتِلَامُ فَهُوَ لَغْوٌ.
(وَكَسُكْرِهِ لَيْلًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ سَكِرَ لَيْلًا وَصَحَا قَبْلَ الْفَجْرِ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ.
عِيَاضٌ: فَقِيلَ لِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ وَقِيلَ لِتَعْطِيلِ عَمَلِهِ.
(وَفِي إلْحَاقِ الْكَبَائِرِ بِهِ تَأْوِيلَانِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ عِيَاضٍ فَقِيلَ لِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ مَا نَصُّهُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَعَطَاءٍ: إنْ أَحْدَثَ ذَنْبًا مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ فِي اعْتِكَافِهِ ابْتَدَأَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ سَكِرَ الْمُعْتَكِفُ لَيْلًا وَصَحَا قَبْلَ الْفَجْرِ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَابْتَدَأَهُ.
سَحْنُونَ: يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ فِي الذَّنْبِ الَّذِي أَحْدَثَهُ.
انْتَهَى مَا لِابْنِ يُونُسَ.
(وَبِعَدَمِ وَطْءٍ وَقُبْلَةِ شَهْوَةٍ وَلَمْسٍ وَمُبَاشَرَةٍ) ابْنُ شَاسٍ: الرُّكْنُ الْأَوَّلُ اسْتِمْرَارُ الْإِقَامَةِ عَلَى عَمَلٍ مَخْصُوصٍ مَعَ الْكَفِّ عَنْ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ.
اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَكَرِدَّةٍ " (وَإِنْ لِحَائِضٍ نَاسِيَةٍ أَوْ نَائِمَةٍ) . ابْنُ يُونُسَ: لَوْ مَسَّهَا زَوْجُهَا أَوْ بَاشَرَهَا وَهِيَ حَائِضٌ فَسَدَ اعْتِكَافُهَا، وَكَذَا لَوْ وَطِئَهَا مُكْرَهَةً أَوْ نَاسِيَةً لَا فَرْقَ بَيْنَ السَّهْوِ وَالْإِكْرَاهِ.
ابْنُ يُونُسَ
وَكَذَا عِنْدِي إذَا وَطِئَهَا نَائِمَةً فَسَدَ اعْتِكَافُهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ احْتَلَمَتْ لِأَنَّ الِاحْتِلَامَ لَا صُنْعَ لِآدَمِيٍّ فِيهِ.
(وَإِنْ أُذِنَ لِعَبْدٍ أَوْ امْرَأَةٍ فِي نَذْرٍ فَلَا مَنْعَ) اُنْظُرْ آخِرَ مَسْأَلَةٍ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ (كَغَيْرِهِ إنْ دَخَلَا) . ابْنُ عَرَفَةَ: الزَّوْجَةُ وَذُو رِقٍّ كَغَيْرِهِمَا وَيَفْتَقِرَانِ لِإِذْنِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَذِنَ لَهُمَا فَلَيْسَ لَهُ قَطْعُهُ إنْ دَخَلَا.
ابْنُ رُشْدٍ: لَهُ مَنْعُهُمَا مَا لَمْ يَدْخُلَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ جَعَلَ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافًا فَمَنَعَهُ سَيِّدُهُ ثُمَّ عَتَقَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: وَهَذَا إنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ بِغَيْرِ عَيْنِهَا وَلَوْ كَانَتْ بِعَيْنِهَا فَمَنَعَهُ السَّيِّدُ فِيهَا ثُمَّ عَتَقَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا.
(وَأَتَمَّتْ مَا سَبَقَ مِنْهُ أَوْ عِدَّةٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا طَلُقَتْ الْمُعْتَكِفَةُ أَوْ مَاتَ زَوْجُهَا فَلْتَمْضِ عَلَى اعْتِكَافِهَا تُتِمُّهُ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَى بَيْتِ زَوْجِهَا فَتُتِمُّ فِيهِ بَاقِيَ الْعِدَّةِ فَإِنْ سَبَقَ الطَّلَاقُ الِاعْتِكَافَ فَلَا تَعْتَكِفُ حَتَّى تَحِلَّ (إلَّا أَنْ تُحْرِمَ وَإِنْ بِعِدَّةِ مَوْتٍ فَيَنْفُذُ وَتَبْطُلُ) اُنْظُرْ فِي
الْعِدَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَمَضَتْ الْمُحْرِمَةُ وَالْمُعْتَكِفَةُ " (وَإِنْ مَنَعَ عَبْدَهُ نَذْرًا فَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " كَغَيْرِهِ إنْ دَخَلَا ".
(وَلَا يُمْنَعُ مُكَاتَبٌ يَسِيرَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ نَذَرَ الْمُكَاتَبُ اعْتِكَافًا يَسِيرًا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى سَيِّدِهِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ (وَلَزِمَ يَوْمٌ إنْ نَذَرَ لَيْلَةً) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ وَاخْتُلِفَ أَيْضًا إذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ أَوْ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ لَزِمَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَسَاوَى بَيْنَ السُّؤَالَيْنِ.
(لَا بَعْضَ يَوْمٍ) الْقَرَافِيُّ: لَوْ نَذَرَ عُكُوفَ بَعْضِ يَوْمٍ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا خِلَافًا
لِلشَّافِعِيِّ.
(وَتَتَابُعُهُ فِي مُطْلَقِهِ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرًا أَلْزَمَهُ التَّتَابُعُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ وَيَكْفِيهِ شَهْرٌ بِالْأَهِلَّةِ (وَمَنْوِيُّهُ حِينَ دُخُولِهِ) فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَهُ أَنْ يَتْرُكَ مَا نَوَى قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِذَا دَخَلَ وَجَبَ الْمَنْوِيُّ بِخِلَافِ الْجِوَارِ لَا يَجِبُ إلَّا بِاللَّفْظِ.
ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا كَانَ يَلْزَمُهُ مَا نَوَى مِنْ الِاعْتِكَافِ بِالدُّخُولِ فِيهِ بِخِلَافِ مَنْ نَوَى صَوْمًا مُتَتَابِعًا فَلَا يَلْزَمُهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ إلَّا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ سَوَاءٌ فَهُوَ كَالْيَوْمِ الْوَاحِدِ، وَصَوْمُ الْأَيَّامِ الْمُتَتَابِعَةِ يَتَخَلَّلُهَا اللَّيْلُ فَصَارَ فَاصِلًا بَيْنَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُشْبِهُ الصَّوْمُ جِوَارَ مَكَّةَ الَّذِي يَنْقَلِبُ فِيهِ فِي اللَّيْلِ إلَى مَنْزِلِهِ لِكَوْنِ اللَّيْلِ فَاصِلًا.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي هَذَا الْجِوَارِ شَيْءٌ وَإِنْ دَخَلَ فِيهِ إذْ لَا صَوْمَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ وَالذِّكْرُ يَتَبَعَّضُ فَمَا ذَكَرَ فِيهِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَى قِرَاءَةً مَعْلُومَةً فَلَا يَلْزَمُهُ جَمِيعُ مَا نَوَى وَلَوْ دَخَلَ فِيهِ لِأَنَّ مَا فِيهِ يُثَابُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ (كَمُطْلَقِ الْجِوَارِ) الَّذِي لِابْنِ رُشْدٍ الِاعْتِكَافُ يَجِبُ إمَّا بِالنَّذْرِ إمَّا بِالنِّيَّةِ مَعَ الدُّخُولِ فِيهِ لِاتِّصَالِ عَمَلِهِ، وَكَذَلِكَ الْجِوَارُ إذَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ الصِّيَامَ انْتَهَى.
وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ الصِّيَامَ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُجَاوِرَ كَجِوَارِ مَكَّةَ بِغَيْرِ صِيَامٍ فَلَا يَلْزَمُهُ بِالنِّيَّةِ مَعَ الدُّخُولِ فِيهِ مَا نَوَى مِنْ الْأَيَّامِ اهـ. فَذَكَرَ أَنَّ مُطْلَقَ الْجِوَارِ لَا يَكُونُ كَالِاعْتِكَافِ إلَّا إذَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ الصِّيَامَ قَالَ: وَاخْتُلِفَ هَلْ يَلْزَمُهُ مُجَاوَرَةُ الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ مَتَى شَاءَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَتَشَبَّثْ بِعَمَلٍ يُبْطِلُ عَلَيْهِ بِقَطْعِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَجِوَارُ مَكَّةَ أَمْرٌ يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ مِثْلُ الرِّبَاطِ.
وَمَنْ نَذَرَ جِوَارَ مَسْجِدٍ مِثْلَ جِوَارِ مَكَّةَ لَزِمَهُ فِي أَيِّ الْبِلَادِ كَانَ إذَا كَانَ سَاكِنًا بِذَلِكَ الْبَلَدِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ بِسَاحِلٍ مِنْ السَّوَاحِلِ كَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ أَوْ بِمَوْضِعٍ يَتَقَرَّبُ بِإِتْيَانِهِ إلَى اللَّهِ مِثْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لَزِمَهُ الصَّوْمُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَإِيلِيَاءَ.
قَالَ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ: وَأَمَّا إنْ نَذَرَ ذَلِكَ فِي مِثْلِ الْعِرَاقِ وَشَبَهِهَا فَلَا يَأْتِيهَا وَيَصُومُ ذَلِكَ بِمَكَانِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرِ فِي مَسْجِدِ الْفُسْطَاطِ فَاعْتَكَفَ بِمَكَّةَ أَجْزَأَهُ وَلَا يَخْرُجُ إلَى مَسْجِدِ الْفُسْطَاطِ وَيَعْتَكِفُ بِمَوْضِعِهِ، وَلَا يَجِبُ الْخُرُوجُ إلَّا إلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَإِيلِيَاءَ، وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْيَأْتِهِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ قَالَ: وَهَذَا لَمَّا نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِيهِ فَقَدْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَهُ يُرِيدُ وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ ذَلِكَ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ أَوْ مَسْجِدِ إيلِيَاءَ فَلْيَأْتِهِمَا لِذَلِكَ وَلَا يُجْزِيهِ فِي غَيْرِهِمَا.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا بِسَاحِلٍ مِنْ السَّوَاحِلِ
فَلْيَعْتَكِفْ بِمَوْضِعِهِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْحِرْصِ وَالْجِهَادِ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَوْضِعِهِ أَفْضَلُ (لَا النَّهَارِ فَقَطْ فَبِاللَّفْظِ وَلَا يَلْزَمُ فِيهِ حِينَئِذٍ صَوْمٌ) تَقَدَّمَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ وَيَلْزَمُ بِالدُّخُولِ فِيهِ بِخِلَافِ الْجِوَارِ إنْ لَمْ يَجْعَلْ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ الصِّيَامَ فَلَا يَلْزَمُهُ بِالنِّيَّةِ مَعَ الدُّخُولِ فِيهِ مَا نَوَى مِنْ الْأَيَّامِ.
وَتَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَيْضًا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ.
وَيَبْقَى النَّظَرُ إذَا نَذَرَ أَنْ يُجَاوِرَ أَيَّامًا.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ نَذَرَ مِثْلَ جِوَارِ مَكَّةَ يُجَاوِرُ إلَيْهَا النَّهَارَ وَيَنْقَلِبُ اللَّيْلَ إلَى مَنْزِلِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي جِوَارِهِ هَذَا صِيَامٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَلْزَمُهُ هَذَا الْجِوَارُ بِالنِّيَّةِ إلَّا أَنْ يَنْذُرَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ بِذَلِكَ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ انْتَهَى.
اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ خَلِيلٍ: " كَمُطْلَقِ الْجِوَارِ " (وَفِي يَوْمِ دُخُولِهِ تَأْوِيلَانِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ الْأَظْهَرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ وَكَذَلِكَ حَكَى ابْنُ يُونُسَ
عَنْ أَبِي عِمْرَانَ (وَإِتْيَانُ سَاحِلٍ لِنَذْرِ صَوْمٍ بِهِ مُطْلَقًا) تَقَدَّمَ نَصُّ مَالِكٍ: مَنْ نَذَرَ صَوْمًا بِسَاحِلٍ لَزِمَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ بِخِلَافِ مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا بِذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِثْلَ نَذْرِ الصِّيَامِ بِالسَّوَاحِلِ هُوَ نَذْرُ الصِّيَامِ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَنُصَّ عَلَى هَذَا خَلِيلٌ.
(وَالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَقَطْ لِنَاذِرِ عُكُوفٍ بِهَا وَإِلَّا فَبِمَوْضِعِهِ) تَقَدَّمَ مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا بِمَسْجِدِ الْفُسْطَاطِ فَلْيَعْتَكِفْ بِمَوْضِعِهِ وَلَا يَخْرُجْ إلَّا إلَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا بِسَاحِلٍ فَاعْتِكَافُهُ بِمَوْضِعِهِ أَفْضَلُ.
(وَكُرِهَ أَكْلُهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ) فِي الْمَجْمُوعَةِ: يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ يَأْكُلَ بَيْنَ يَدَيْ الْمَسْجِدِ وَلَا بَأْسَ بِهِ دَاخِلَ الْمَنَارَةِ وَيُغْلِقُ عَلَيْهِ بَابَهَا.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: لَا يَأْكُلُ إلَّا دَاخِلَ الْمَسْجِدِ فَإِنْ أَكَلَ خَارِجَهُ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ (وَاعْتِكَافُهُ غَيْرُ مَكْفِيٍّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِخُرُوجِهِ لِشِرَاءِ طَعَامِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ كَافِيًا ثُمَّ قَالَ: لَا أَرَاهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ كَافِيًا فِي ابْتِدَاءِ اعْتِكَافِهِ، فَإِنْ دَخَلَ فَلَا كَرَاهَةَ فِي خُرُوجِهِ لِذَلِكَ وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا خِلَافُ رِوَايَةِ أَبِي عُمَرَ.
(وَدُخُولُهُ مَنْزِلَهُ وَإِنْ لِغَائِطٍ) . ابْنُ حَبِيبٍ: يُكْرَهُ دُخُولُهُ مَنْزِلَهُ الْمَسْكُونَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ فَإِذَا دَخَلَ أَسْفَلَهُ وَأَهْلُهُ فِي
عُلْوِهِ فَلَا بَأْسَ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: أَكْرَهُهُ فِي بَيْتِهِ خَوْفَ الشَّغْلِ بِأَهْلِهِ وَاشْتِغَالِهِ.
(بِعِلْمٍ وَكِتَابَةٍ وَإِنْ مُصْحَفًا إنْ كَثُرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجْلِسُ مَجَالِسَ الْعُلَمَاءِ وَلَا يَكْتُبُ الْعِلْمَ إلَّا مَا خَفَّ وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَى مَالِكٍ (وَفِعْلُ غَيْرِ ذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وَتِلَاوَةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَشْهُورُ قَصْرُ عَمَلِ الْمُعْتَكِفِ عَلَى الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ (كَعِيَادَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَعُودُ الْمُعْتَكِفُ بِالْمَسْجِدِ مَرِيضًا وَلَا يَقُومُ بِالْمَسْجِدِ لِيُعَزِّيَ أَوْ لِيُهَنِّئَ أَوْ لِيُسَلِّمَ إلَّا أَنْ يَغْشَاهُ بِمَجْلِسِهِ.
سَنَدٌ: فَإِنْ خَرَجَ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ أَوْ لِجِنَازَةٍ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ (وَجِنَازَةٍ وَلَوْ لَاصَقَتْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَا جِنَازَتِهِمَا ".
(وَصُعُودُهُ لِتَأْذِينٍ بِمَنَارٍ أَوْ سَطْحٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: كَرِهَ مَالِكٌ لِلْمُؤَذِّنِ الْمُعْتَكِفِ أَنْ يَرْقَى عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ لِلْأَذَانِ.
وَاخْتُلِفَ قَوْلُهُ فِي صُعُودِ الْمَنَارِ وَجُلُّ قَوْلِهِ الْكَرَاهَةُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا رَأْيٌ وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُقِيمَ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ يَمْشِي إلَى الْإِمَامِ وَذَلِكَ عَمَلٌ (وَتَرَتُّبُهُ لِلْإِمَامَةِ) سَمِعَ مُطَرِّفٌ: أَيَؤُمُّ الْقَوْمَ الْمُعْتَكِفُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ أَحَدٌ.
عِيَاضٌ: سَعْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَوْضِعِ إمَامَتِهِ مِنْ مَوْضِعِ مُعْتَكَفِهِ وَإِمَامَتِهِ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الِاعْتِكَافِ أَيْ هُوَ مِنْ بَابِ مَا هُوَ فِيهِ.
وَمَنَعَ سَحْنُونَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إمَامَةَ الْمُعْتَكِفِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَالْكَافَّةُ عَلَى خِلَافِهِ (وَإِخْرَاجُهُ لِحُكُومَةٍ إنْ لَمْ يَلُذْ بِهِ) رَوَى ابْنُ نَافِعٍ: إنْ أَخْرَجَهُ قَاضٍ لِخُصُومَةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَارِهًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَ وَلَا يَنْبَغِي إلَيْهِ إخْرَاجُهُ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ إنَّمَا اعْتَكَفَ لِوَاذًا وَفِرَارًا مِنْ الْحَقِّ.
(وَجَازَ إقْرَاءُ قُرْآنٍ) الْجَلَّابُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقْرِئَ غَيْرَهُ الْقُرْآنَ بِمَوْضِعِهِ.
(وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِ) ابْنُ نَافِعٍ: لَا يَعُودُ مَرِيضًا مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يُصَلِّيَ إلَى جَنْبِهِ فَيَسْأَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَيُسَلِّمَ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ لِأَحَدٍ.
(وَتَطَيُّبُهُ وَأَنْ يَنْكِحَ وَيُنْكِحَ بِمَجْلِسِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ
أَنْ يَتَطَيَّبَ وَيَنْكِحَ.
ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ عَقْدُ نِكَاحٍ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فِي مَجْلِسِهِ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِشَيْءٍ مِنْ مِثْلِ هَذَا كُلِّهِ.
(وَأَخْذُهُ إذَا خَرَجَ لِكَغُسْلِ جُمُعَةٍ ظُفُرًا أَوْ شَارِبًا) الذَّخِيرَةُ: إذَا خَرَجَ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ فَلَهُ فِي بَيْتِهِ نَتْفُ إبِطِهِ وَتَقْلِيمُ أَظَافِرِهِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَكُرِهَ لَهُ ذَلِكَ بِالْمَسْجِدِ لِحُرْمَةِ
الْمَسْجِدِ.
وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ حَيْثُ يَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ لِلْجُمُعَةِ أَوْ تَبَرُّدًا (وَانْتِظَارُ غَسْلِ ثَوْبِهِ أَوْ تَجْفِيفِهِ وَنُدِبَ إعْدَادُ ثَوْبِهِ) الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَخْرُجَ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ وَلَا يَنْتَظِرُ غَسْلَ ثَوْبِهِ مِنْ الِاحْتِلَامِ وَتَجْفِيفَهُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِدَّ ثَوْبًا آخَرَ يَأْخُذُهُ إذَا أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ.
(وَمُكْثُهُ لَيْلَةَ الْعِيدِ) ابْنُ عَرَفَةَ: يَخْرُجُ فِي غَيْرِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لِغُرُوبِ آخِرِ أَيَّامِهِ وَفِي الْعَشْرِ يُؤْمَرُ بِالْمُكْثِ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ.
وَفِي كَوْنِهِ وُجُوبًا أَوْ اسْتِحْبَابًا قَوْلَانِ (وَدُخُولُهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَصَحَّ إنْ دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ) ابْنُ عَرَفَةَ: مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ: " يَدْخُلُ الْمُعْتَكِفُ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ " الِاسْتِحْبَابُ لَا اللُّزُومُ.
وَفِي الْمَعُونَةِ: إذَا دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي وَقْتٍ يَصِحُّ لَهُ الصَّوْمُ أَجْزَأَهُ.
(وَاعْتِكَافُ عَشَرَةٍ) الرِّسَالَةُ: أَحَبُّ مَا هُوَ الِاعْتِكَافُ إلَيْنَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ (وَبِآخِرِ الْمَسْجِدِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلْيَعْتَكِفْ فِي عَجُزِ الْمَسْجِدِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي رِحَابِهِ.
(وَبِرَمَضَانَ وَبِالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ الْغَالِبَةِ بِهِ وَفِي كَوْنِهَا بِالْعَامِ أَوْ بِرَمَضَانَ خِلَافٌ) ابْنُ حَبِيبٍ: أَفْضَلُ الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ
رَمَضَانَ لِالْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
ابْنُ يُونُسَ: الَّذِي كَثُرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ أَنَّهَا مِنْ رَمَضَانَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ.
وَاَلَّذِي قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي مِيقَاتِ رَجَاتِهَا فَقِيلَ هُوَ الْعَامُ كُلُّهُ، وَقِيلَ إنَّهَا فِي رَمَضَانَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: يَتَحَصَّلُ فِيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا (وَانْتَقَلَتْ وَالْمُرَادُ بِكَسَابِعَةٍ مَا بَقِيَ) قَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِ «الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ» قَالَ: أَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّاسِعَةِ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَالسَّابِعَةِ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَالْخَامِسَةِ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، ابْنُ يُونُسَ: يَرِدُ هَذَا فِي نُقْصَانِ الشَّهْرِ.
(وَبَنَى بِزَوَالِ إغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا زَوَالُ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ اكْتِسَابٍ كَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ فَيُوجِبَانِ الْبِنَاءَ دُونَ اسْتِئْنَافٍ (كَأَنْ مُنِعَ مِنْ الصَّوْمِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ لِمَرَضٍ خَرَجَ فَإِذَا صَحَّ بَنَى.
قَالَ سَنَدٌ: إنْ كَانَ رَمَضَانُ لَا يَحُوجُهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَجَبَتْ الْإِقَامَةُ لِيَأْتِيَ مِنْ الْعِبَادَةِ بِالْمُمْكِنِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: يَخْرُجُ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الصَّوْمِ إذْ لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ فَإِنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ فِي بَعْضِ النَّهَارِ وَقَوِيَ عَلَى الصَّوْمِ فَلْيَدْخُلْ الْمَسْجِدَ حِينَئِذٍ وَلَا يُؤَخِّرْ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُعْتَكِفَةِ إذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا أَوَّلَ النَّهَارِ: إنَّهَا تَرْجِعُ إلَى الْمَسْجِدِ سَاعَةَ طَهُرَتْ ثُمَّ تَمْضِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ اعْتِكَافِهَا.
(أَوْ عِيدٍ وَخَرَجَ وَعَلَيْهِ حُرْمَتُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اعْتَكَفَ بَعْضَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ثُمَّ مَرِضَ فَصَحَّ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ
وَلَا يَلْبَثُ يَوْمَ الْفِطْرِ فِي مُعْتَكَفِهِ إذْ لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصِيَامٍ، وَيَوْمُ الْفِطْرِ لَا يُصَامُ فَإِذَا مَضَى يَوْمُ الْفِطْرِ عَادَ إلَى مُعْتَكَفِهِ فَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى.
وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ: يَشْهَدُ الْعِيدَ مَعَ النَّاسِ وَيَرْجِعُ إلَى الْمَسْجِدِ لَا إلَى بَيْتِهِ وَلَا يَعْتَدُّ بِذَلِكَ الْيَوْمِ (وَإِنْ أَخَّرَهُ بَطَلَ) ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ أَخَّرَ الْمَرِيضُ الرُّجُوعَ إلَى الْمَسْجِدِ بَعْدَ إفَاقَتِهِ أَوْ الْحَائِضُ بَعْدَ طُهْرِهَا كَانَ ذَلِكَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَلِيَبْتَدِئَا الِاعْتِكَافَ.
(إلَّا لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَلْبَثُ يَوْمَ الْفِطْرِ فِي مُعْتَكَفِهِ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَبِيتُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَبِيتَ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهَا لَيْلَةٌ لَا يَصِحُّ فِيهَا تَبْيِيتٌ (وَإِنْ اشْتَرَطَ سُقُوطَ الْقَضَاءِ لَمْ يُفِدْهُ) الرِّسَالَةُ: وَلَا شَرْطَ فِي الِاعْتِكَافِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطٌ فِيهِ لَغْوٌ.
بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ: لَوْ نَذَرَهُ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا بِدُخُولِهِ فَيَبْطُلُ شَرْطُهُ.
[كِتَابُ الْحَجِّ]
[مقدمات وَمَقَاصِد الْحَجّ]
[بَاب فِي وُجُوب أَدَاء النسكين]
وَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَالنَّظَرُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَهِيَ اثْنَانِ: الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى الشَّرَائِطُ.
الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ الْمَوَاقِيتُ وَهِيَ زَمَانِيَّةٌ وَمَكَانِيَّةٌ
الْقِسْمُ الثَّانِي فِي الْمَقَاصِدِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ مِنْ إفْرَادٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ تَمَتُّعٍ، الْبَابُ الثَّانِي فِي أَعْمَالِ الْحَجِّ مِنْ الْإِحْرَامِ وَسُنَنِهِ وَسُنَنِ دُخُولِ مَكَّةَ وَوَاجِبَاتِهِ وَالسَّعْيِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَأَسْبَابِ التَّحَلُّلِ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَالرَّمْيِ وَطَوَافِ الْوَدَاعِ وَبَيَانِ مَا يُجْبَرُ بِالدَّمِ وَحُكْمِ الصَّبِيِّ
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ اللُّبْسِ وَالتَّطَيُّبِ وَتَرْجِيلِ الشَّعْرِ وَالْحَلْقِ وَالْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ وَإِتْلَافِ الصَّيْدِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي اللَّوَاحِقِ وَفِيهِ بَابَانِ: الْأَوَّلُ فِي مَوَانِعِ الْحَجِّ مِنْ الْإِحْصَارِ وَالْحَبْسِ وَالرِّقِّ وَالزَّوْجِيَّةِ وَالْأُبُوَّةِ وَالدَّيْنِ
الْبَابُ الثَّانِي فِي الدِّمَاءِ فِي أَحْكَامِ الْهَدَايَا وَأَنْوَاعِ الدِّمَاءِ وَأَزْمَانِ إرَاقَتِهَا (فُرِضَ الْحَجُّ وَسُنَّتْ الْعُمْرَةُ مَرَّةً) ابْنُ يُونُسَ: الْحَجُّ فَرْضٌ عَلَى مُسْتَطِيعِهِ مِنْ الْأَحْرَارِ الْمُكَلَّفِينَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ
كَالْوِتْرِ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا قَالَ: وَهِيَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْعُمْرِ.
(وَفِي فَوْرِيَّتِهِ وَتَرَاخِيهِ لِخَوْفِ الْفَوَاتِ خِلَافٌ) الْجَلَّابُ: مَنْ لَزِمَهُ فَرْضٌ فِي الْحَجِّ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَأْخِيرُهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَفَرْضُهُ عَلَى الْفَوْرِ دُونَ التَّرَاخِي
وَالتَّسْوِيفِ.
وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا لِلْعِرَاقِيِّينَ، وَعَزَا لِابْنِ مُحْرِزٍ وَالْمَغَارِبَةِ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَهُ.
[شَرَائِط الْحَجّ]
(وَصِحَّتُهُمَا بِإِسْلَامٍ) ابْنُ شَاسٍ: وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْحَجِّ إلَّا الْإِسْلَامُ ثُمَّ
قَالَ: وَتُسَاوِي الْعُمْرَةُ الْحَجَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ خَلَا الْوُجُوبِ فَإِنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
(فَيُحْرِمُ وَلِيٌّ عَنْ رَضِيعٍ وَجُرِّدَ قُرْبَ الْحَرَمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَيَصِحُّ الْحَجُّ لِغَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَلِلْمَجْنُونِ وَيُحْرِمُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا بِتَجْرِيدِهِمَا نَاوِيهِ
وَلَا يُلَبِّي عَنْهُمَا وَيُجَرَّدُ الْمُنَاهِزُ مِنْ مِيقَاتِهِ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَنْتَهِزُ كَابْنِ ثَمَانِ سِنِينَ فَيُجَرَّدُ قُرْبَ الْحَرَمِ.
(وَمُطْبِقٍ) تَقَدَّمَ نَصُّهَا: يُحْرِمُ عَنْ الْمَجْنُونِ وَلِيُّهُ.
اللَّخْمِيِّ: الرَّضِيعُ كَالْبَهِيمَةِ وَأَمَّا ابْنُ الرَّضِيعِ كَالْبَهِيمَةِ وَأَمَّا ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ فَيَخْتَلِفُ إذَا عَقَدَ وَلِيُّهُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامَ وَكَذَلِكَ الْمُطْبِقُ وَالْمَجْنُونُ فَأَجَازَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِخِلَافِ الْمُغْمَى فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ إحْرَامٌ.
(لَا مُغْمًى) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَحْرَمَ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَلَمْ يُفِقْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ
مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ حَجُّهُ (وَالْمُمَيِّزُ بِإِذْنِهِ) . ابْنُ شَاسٍ: الْمُمَيِّزُ يُحْرِمُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَيُبَاشِرُ بِنَفْسِهِ (وَإِلَّا فَلَهُ تَحْلِيلُهُ) . ابْنُ عَرَفَةَ: شَكَّ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ فِي جَوَازِ تَحْلِيلِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ السَّفِيهِ وَلِيُّهُ قُصُورٌ لِقَبُولٍ.
الشَّيْخُ وَالصَّقَلِّيُّ: قَوْلُ أَشْهَبَ لَوْ عَتَقَ أَوْ بَلَغَ عَقِبَ تَحْلِيلِهِ سَيِّدُهُ أَوْ وَلِيُّهُ فَأَحْرَمَ لِفَرْضِهِ، أَجْزَأَهُ.
وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إحْرَامُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ لِسَفَهٍ اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلِلْوَلِيِّ مَنْعُ سَفِيهٍ ". (وَلَا قَضَاءَ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلِلْوَلِيِّ مَنْعُ سَفِيهٍ ".
(بِخِلَافِ الْعَبْدِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: لِلسَّيِّدِ تَحْلِيلُ ذِي رِقٍّ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
الْجَلَّابُ:
وَعَلَى الْعَبْدِ قَضَاؤُهُ بَعْدَ عِتْقِهِ.
(وَأَمَرَهُ مَقْدُورَهُ وَإِلَّا نَابَ عَنْهُ إنْ قَبِلَهَا كَطَوَافٍ لَا كَتَلْبِيَةٍ وَرُكُوعٍ)
(وَأَحْضَرَهُمْ الْمَوَاقِفَ) الْقَرَافِيُّ: إنْ لَمْ يَقْوَ الصَّبِيُّ عَلَى الطَّوَافِ طَافَ بِهِ مَنْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ مَحْمُولًا عَلَى سُنَّةِ الطَّوَافِ وَلَا يَرْكَعُ عَنْهُ إنْ لَمْ يَعْقِلْ الصَّلَاةَ لِتَعَذُّرِ النِّيَابَةِ فِيهَا شَرْعًا، وَلَهُ أَنْ يَسْعَى عَنْهُ وَعَنْ الصَّبِيِّ سَعْيًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الطَّوَافِ.
إذَا كَانَ الصَّبِيُّ يَتَكَلَّمُ لُقِّنَ التَّلْبِيَةَ وَإِلَّا سَقَطَتْ كَمَا تَسْقُطُ عَنْ الْأَخْرَسِ وَإِذَا سَقَطَ وُجُوبُهَا سَقَطَ دَمُهَا، وَيَخْرُجُ بِهِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَيَقِفُ بِهِ وَيَبِيتُ بِهِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَإِنْ أَمْكَنَهُ الرَّمْيُ رَمَى وَإِلَّا رَمَى عَنْهُ وَلَا يَرْمِي عَنْهُ إلَّا مَنْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَدَاخُلِ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ.
(وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ إنْ خِيفَ ضَيْعَتُهُ وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ إنْ بِحَجِّهِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ إلَّا أَنْ يَخَافَ مِنْ ضَيْعَتِهِ بَعْدَهُ إذْ لَا كَافِلَ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ وَإِلَّا ضَمِنَ مَا أَكْرَى
وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ إلَّا قَدْرَ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي مُقَامِهِ.
(كَجَزَاءِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ بِلَا ضَرُورَةٍ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: مَا أَصَابَ الصَّبِيُّ مِنْ صَيْدٍ أَوْ مَا فِيهِ فِدْيَةٌ فَفِي مَالِ الْأَبِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ بِهِ نَظَرًا لِأَنَّهُ
لَوْ تَرَكَهُ ضَاعَ فَيَكُونُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ.
(وَشَرْطُ وُجُوبِهِ كَوُقُوعِهِ فَرْضًا حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ وَقْتَ إحْرَامِهِ) . ابْنُ شَاسٍ: لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْحَجِّ إلَّا الْإِسْلَامُ إذْ يَصِحُّ حَجُّ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَلَا يُشْتَرَطُ لِوُقُوعِهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إلَّا الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالتَّكْلِيفُ، وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ حَجِّ الْإِسْلَامِ مَا عَدَا الْإِسْلَامَ مِنْ هَذِهِ الشَّرَائِطِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ.
(بِلَا نِيَّةِ نَفْلٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: مَنْ نَوَى النَّفَلَ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ
الْفَرْضِ (وَوَجَبَ بِاسْتِطَاعَةٍ بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: يَجِبُ بِالِاسْتِطَاعَةِ وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا قُدْرَةُ الْوُصُولِ
(بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ) نَحْوُ هَذَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ (وَأَمْنٍ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُعْتَبَرُ فِي
الِاسْتِطَاعَةِ الْإِمْكَانُ غَيْرُ الْمُضِرِّ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ وَيُعْتَبَرُ الْأَمْنُ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ (إلَّا لِأَخْذِ ظَالِمٍ مَا قَلَّ لَا يَنْكُثُ عَلَى الْأَظْهَرِ) ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَى الْحَجِّ إلَّا بِإِخْرَاجِ الْمَالِ إلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ: إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا بِإِخْرَاجِ الْمَالِ الْكَثِيرِ الَّذِي يَشُقُّ وَيَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ كَالثَّمَنِ فِي مَاءِ الطَّهَارَةِ وَالثَّمَنِ فِي رَقَبَةِ الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا قَرِيبًا فَالْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا يُؤْمَنَ أَنْ يَخْفِرَهُمْ
وَيَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ فَيَصِيرُونَ قَدْ غَرُّوا بِأَنْفُسِهِمْ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ يَغْلِبُ مِنْ غَالِبِ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَخْفِرُ مَا عَاهَدَهُمْ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا أَشْبَهُ انْتَهَى بِالْمَعْنَى ابْنُ يُونُسَ: وَلَمْ أَجِدْهُ لِابْنِ رُشْدٍ.
(وَلَوْ بِلَا زَادٍ وَرَاحِلَةٍ) قِيلَ لِمَالِكٍ: الِاسْتِطَاعَةُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ وَاحِدٌ يَجِدُ زَادًا وَرَاحِلَةً وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السَّيْرِ، وَآخَرُ يَقْدِرُ أَنْ يَمْشِيَ رَاجِلًا وَرُبَّ صَغِيرٍ أَجْلَدُ مِنْ كَبِيرٍ وَلَا صِفَةَ فِي هَذَا أَبْيَنُ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: 97] .
(كَذِي صَنْعَةٍ تَقُومُ بِهِ وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ) . ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ قَدَر عَلَى الْمَشْيِ وَمَا يَعِيشُ بِهِ فِي بَلَدِهِ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِي طَرِيقِهِ مِنْ صِنَاعَتِهِ لَا يَعْدَمُهَا أَوْ سُؤَالٍ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فَالْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ.
(وَكَأَعْمَى بِقَائِدٍ) . ابْنُ عَرَفَةَ: قُدْرَةُ أَعْمَى عَلَى وُصُولِهِ بِقَائِدٍ اسْتِطَاعَةٌ (وَإِلَّا اُعْتُبِرَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا) . رَاجِعْ أَوَّلَ تَرْجَمَةٍ مِنْ اللَّخْمِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّ
الْحَجَّ تَارَةً يَجِبُ بِوُجُودِ الزَّادِ وَالْمَرْكَبِ وَتَارَةً يَجِبُ مَعَ عَدَمِهِمَا وَتَارَةً يَجِبُ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا.
(وَإِنْ بِثَمَنِ وَلَدِ زِنًا) . ابْنُ رُشْدٍ: مَذْهَبُ مَالِكٍ يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ بِثَمَنِ وَلَدِ الزِّنَا وَأَنْ يُعْتِقَ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ وَإِنْ كَانَ الِاسْتِحْبَابُ عِنْدَهُ خِلَافَ ذَلِكَ مِنْ رَسْمِ الْمُحْرِمِ.
قَالَ عُمَرُ: هُوَ خَيْرُ الثَّلَاثَةِ.
الْقَرَافِيُّ: إنْ غَصَبَ مَالًا فَحَجَّ بِهِ أَجْزَأَهُ حَجُّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لَا يُجْزِئُهُ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي الدَّارِ
الْمَغْصُوبَةِ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ النَّفَقَةَ حِينَئِذٍ عِنْدَ الْحَجِّ بَلْ هُوَ كَمَنْ غَرَّ بِنَفْسِهِ وَحَجَّ فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَنْ غَصَبَ فَرَسًا وَقَاتَلَ عَلَيْهِ قَالَ اللَّخْمِيِّ: سَهْمَاهُ لَهُ لَا لِرَبِّ الْفَرَسِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي مَسَالِكِهِ: مَنْ قَاتَلَ عَلَى فَرَسٍ مَغْصُوبٍ فَلَهُ الشَّهَادَةُ وَعَلَيْهِ الْمَعْصِيَةُ فَلَهُ أَجْرُ شَهَادَتِهِ وَعَلَيْهِ إثْمُ مَعْصِيَةٍ.
(أَوْ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ) . ابْنُ شَاسٍ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ النَّاضِّ مَا يَحُجُّ بِهِ وَعِنْدَهُ عُرُوضٌ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ
عُرُوضِهِ لِلْحَجِّ مَا يُبَاعُ عَلَيْهِ فِي الدَّيْنِ.
(أَوْ بِافْتِقَارِهِ أَوْ تَرَكَ وَلَدَهُ لِلصَّدَقَةِ) سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْقَرْيَةُ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا، أَيَبِيعُهَا فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَيَتْرُكُ وَلَدَهُ فِي الصَّدَقَةِ (إنْ لَمْ يَخْشَ هَلَاكًا) ابْنُ رُشْدٍ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: " وَيَتْرُكُ وَلَدَهُ فِي الصَّدَقَةِ " هَذَا إنْ
أَمِنَ ضَيْعَتَهُمْ (لَا بِدَيْنٍ أَوْ عَطِيَّةٍ) . الْقَرَافِيُّ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَوْ بُذِلَ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ
لِأَنَّ أَسْبَابَ الْوُجُوبِ لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ تَحْصِيلُهَا وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَفَ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ مِنْ الْحَجِّ.
(أَوْ سُؤَالٍ مُطْلَقًا) . ابْنُ عَرَفَةَ: لَا يَجِبُ عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ سَائِلٍ بِالْحَضَرِ قَادِرٍ عَلَى سُؤَالِ كِفَايَتِهِ بِالسَّفَرِ اسْتِطَاعَةٌ.
وَقَالَ خَلِيلٌ فِي مَنَاسِكِهِ: وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ إنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ عَادَتُهُ السُّؤَالُ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ