التاج والإكليل لمختصر خليلصفحات 19-61
أهل الأثرالأرشيف العلمي

َ: قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ

صفحات 19-61

ابْنُ لُبٍّ وَبِهِ الْعَمَلُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَنَحْوُهُ فِي وَثَائِقِ الْغَرْنَاطِيِّ خِلَافُ مَا لِابْنِ رُشْدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ عَادَ لِسُكْنَى مَسْكَنِهِ " (أَوْ رَجَعَ مُخْتَفِيًا أَوْ ضَيْفًا فَمَاتَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ بِهَذَا أَيْضًا.

(وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مَتَاعًا لِلْآخَرِ وَهِبَةُ زَوْجَةٍ دَارَ سُكْنَاهَا لِزَوْجِهَا لَا الْعَكْسُ) مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَالْعُتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِخَادِمِهِ وَهِيَ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ فَكَانَتْ تَخْدُمُهَا بِحَالٍ مَا كَانَتْ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَهَا إيَّاهَا فَهُوَ حَوْزٌ.
قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: إذَا أَشْهَدَ لَهَا بِهَذِهِ الْخَادِمَ فَتَكُونُ عِنْدَهُمَا كَمَا كَانَتْ فِي خِدْمَتِهِمَا أَوْ وَهَبَتْ هِيَ لَهُ خَادِمَهَا فَكَانَتْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ مَتَاعًا فِي الْبَيْتِ فَأَقَامَ ذَلِكَ عَلَى حَالِهِ بِأَيْدِيهِمَا فَهِيَ ضَعِيفَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقَالَ لِي ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ: إنَّ ذَلِكَ فِيمَا تَوَاهَبَا جَائِزٌ وَهِيَ حِيَازَةٌ، وَكَذَلِكَ مَتَاعُ الْبَيْتِ وَبِهِ أَقُولُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَسْكَنُ الَّذِي هُمَا بِهِ يَتَصَدَّقُ وَهُوَ بِهِ عَلَيْهِمَا فَأَقَامَا فِيهِ حَتَّى مَاتَ فَإِنَّ ذَلِكَ مِيرَاثٌ، وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ فِي صِحَّتِهِ قَضَى لَهَا أَصْبَغُ: يَعْنِي أَنْ يُسْكِنَهَا غَيْرَهُ حَتَّى تَحُوزَ الْمَسْكَنَ.
قَالَ

ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا لَوْ تَصَدَّقَتْ هِيَ عَلَيْهِ بِالْمَنْزِلِ وَهُمَا فِيهِ فَذَلِكَ حَوْزٌ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَ زَوْجَتَهُ فَسُكْنَاهَا فِيهِ حَوْزٌ.
أَصْبَغُ: وَكَذَا إذَا تَصَدَّقَتْ بِدَارِهَا عَلَى وَلَدِهَا الصَّغِيرِ وَالْأَبُ سَاكِنٌ مَعَهَا فِيهَا فَالصَّدَقَةُ جَائِزَةٌ إذَا أَسْكَنَتْ الْأَبَ مِنْ الدَّارِ حَتَّى أَنْ لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ الدَّارِ فَعَلَ.

(وَلَا إنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ إلَّا لِمَحْجُورَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ تَزَوَّجَ جَارِيَةً بِكْرًا قَدْ طَمَثَتْ أَوْ لَمْ تَطْمِثْ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ أَوْ وَهَبَهُ لَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَهِيَ سَفِيهَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ جُنُونًا مُطْبِقًا وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ، فَلَا يَكُونُ الزَّوْجُ حَائِزًا لَهَا إلَّا أَنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ وَيَجْعَلَهُ عَلَى يَدِ مَنْ يَحُوزُهُ لَهَا، وَلَا يَكُونُ مُتَصَدِّقٌ حَائِزًا إلَّا أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ لِمَنْ فِي وِلَايَتِهِ، وَالزَّوْجُ لَا يَجُوزُ أَمْرُهُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَلَا بَيْعُهُ لِمَالِهَا وَأَبُوهَا الْحَائِزُ لَهَا وَإِنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا مَا دَامَتْ سَفِيهَةً أَوْ فِي حَالٍ لَا يَجُوزُ لَهَا أَمْرًا.
وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ ". وَانْظُرْ قَوْلَهُ " إلَّا أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ " قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: ثَالِثُ الْأَقْوَالِ اُنْظُرْ رَسْمَ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ الثَّانِي

(إلَّا مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَلَوْ خَتَمَ) ابْنُ عَرَفَةَ: حَوْزُ الْأَبِ لِصِغَارِ وَلَدِهِ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ صَحِيحٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا.
الْبَاجِيُّ: وَأَمَّا مَا لَا يَتَعَيَّنُ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَإِنَّهَا إنْ بَقِيَتْ بِيَدِ الْأَبِ غَيْرَ مَخْتُومٍ عَلَيْهَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهَا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ.
فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهُ إنْ مَاتَ الْأَبُ وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ فَالْعَطِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ مِنْ دَنَانِيرَ مُعَيَّنَةٍ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ وَإِنْ طُبِعَ عَلَيْهَا حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ وَيَخْرُجَهَا عَنْ مِلْكِهِ وَذَلِكَ أَنَّهَا غَيْرُ مَعْرُوفَةِ الْعَيْنِ وَلَا مُتَعَيِّنَةٌ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُعْرَفَ بِعَيْنِهَا إذَا أُفْرِدَتْ مِنْ غَيْرِهَا.
وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا

فِي ذَلِكَ إذَا وَهَبَهُ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ مِنْ دَنَانِيرِهِ.
وَأَمَّا إذَا خُتِمَ عَلَيْهَا أَوْ أَمْسَكَهَا عِنْدَهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَبْطُلُ.
زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِنْ خَتَمَ عَلَيْهَا الشُّهُودُ وَالْأَبُ.
وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْمِصْرِيُّونَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهَا مَا لَا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ فِيهَا حِيَازَةٌ مَعَ بَقَائِهَا بِيَدِ الْمُعْطِي كَاَلَّتِي لَمْ يُخْتَمْ عَلَيْهَا.
وَفِي الْمُوَازِيَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ وَحَازَهَا غَيْرُهُ ثُمَّ تَسَلَّفَهَا ثُمَّ مَاتَ فَذَلِكَ بَاطِلٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَهُ دِينَارًا ثُمَّ قَبَضَهُ أَوْ عَبْدًا ثُمَّ بَاعَهُ وَهُوَ بِيَدِهِ هَذَا نَافِذٌ.

(وَدَارَ سُكْنَاهُ إلَّا أَنْ يَسْكُنَ أَقَلَّهَا وَيُكْرِيَ لَهُ الْأَكْثَرَ وَإِنْ سَكَنَ النِّصْفَ بَطَلَ فَقَطْ وَالْأَكْثَرُ بَطَلَ الْجَمِيعُ) الْمُتَيْطِيُّ: شَرْطُ صَدَقَةِ الْأَبِ عَلَى صِغَارِ بَنِيهِ بِدَارِ سُكْنَاهُ إخْلَاؤُهَا مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَثِقَلِهِ وَمُعَايَنَتُهَا الْبَيِّنَةَ فَارِغَةً مِنْ ذَلِكَ وَيُكْرِيهَا لَهُمْ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَبَسَ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ دَارًا أَوْ وَهَبَهَا لَهُمْ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِمْ فَحَوْزُهُ لَهُمْ حَوْزٌ إلَّا أَنْ يَسْكُنَهَا أَوْ جُلَّهَا حَتَّى مَاتَ فَيَبْطُلُ جَمِيعُهَا.
وَإِنْ سَكَنَ مِنْ الدَّارِ الْكَبِيرَةِ ذَاتِ الْمَسَاكِنِ أَقَلَّهَا وَأَكْرَى لَهُمْ بَاقِيهَا نَفَذَ لَهُمْ ذَلِكَ فِيمَا سَكَنَ وَفِيمَا لَمْ يَسْكُنْ، وَلَوْ سَكَنَ الْجُلُّ وَأَكْرَى لَهُمْ الْأَقَلَّ بَطَلَ الْجَمِيعُ.
وَقَالَ فِي النُّكَتِ: أَحْفَظُ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا: إذَا سَكَنَ أَبُو الْأَصَاغِرِ شَيْئًا أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إنْ سَكَنَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ بَطَلَ الْجَمِيعُ، وَلَوْ سَكَنَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ صَحَّ لَهُمْ مَا سَكَنَ وَمَا لَمْ يَسْكُنْ.
وَإِذَا سَكَنَ الْقَلِيلَ وَأَبْقَى الْكَثِيرَ خَالِيًا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يُكْرِيَهَا لِلْأَصَاغِرِ لِأَنَّ تَرْكَهُ لِكِرَائِهِ مَنْعٌ لَهُ فَكَأَنَّهُ أَبْقَاهُ لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ كَانْتِقَالِهِ إيَّاهُ لِسُكْنَاهُ.
عِيَاضٌ: وَهَذَا صَحِيحٌ مِنْ النَّظَرِ ظَاهِرٌ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ.
اُنْظُرْ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِنِصْفِ دَارِهِ أَوْ بِنِصْفِ غَنَمِهِ وَتَرَكَ بَقِيَّةَ ذَلِكَ مِلْكًا لِنَفْسِهِ شَرِيكًا لَهُ بِهِ جَازَ وَهُوَ حَوْزٌ لَهُ.
ابْنُ سَهْلٍ: فِي هَذَا السَّمَاعِ جَوَازُ هِبَةِ الْمُشَاعِ وَإِنْ بَقِيَ لِلْوَاهِبِ سَائِرُ الْمَوْهُوبِ مِنْهُ.
وَمِثْلُهُ لِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَكَذَلِكَ فِي صَدَقَةِ الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي آخِرِ الشُّفْعَةِ أَيْضًا.
وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: جَرَى الْعَمَلُ بِجَوَازِ الصَّدَقَةِ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعَ الْمُتَصَدِّقِ قَالَ: وَيَكْتُبُ فِي ذَلِكَ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الْمَالِكِ أَمْرَهُ وَتَوَلَّى الِابْنُ الْمَذْكُورُ قَبْضَ الصَّدَقَةِ مِنْ أَبِيهِ وَنَزَلَ فِيهَا مَعَ أَبِيهِ عَلَى الْإِشَاعَةِ مَنْزِلَةَ أَبِيهِ، وَعَزَا هَذَا لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَعْنِي جَوَازَ هِبَةِ الْمُشَاعِ إذَا عَمَّرَ مَعَ الْمُتَصَدِّقِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا وَهَبَ الرَّجُلُ جُزْءًا مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ عَلَى الْإِشَاعَةِ لِمَحْجُورِهِ، جَازَ حَاشَى مَا سَكَنَ مِنْ الدَّارِ أَوْ لَبِسَ مِنْ الثِّيَابِ إلَّا الطَّعَامَ وَمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْ يَدِهِ.
قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: إنْ كَانَ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ تَبَعًا لِمَا جَازَ فَالْجَمِيعُ نَافِذٌ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا عِنْدِي لِأَنَّهَا أَنْوَاعٌ، وَلَا يُجْعَلُ الْأَقَلُّ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ إلَّا فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ، وَمِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: إذَا حَالَ الْخَوْفُ قَبْلَ إمْكَانِ الْوُصُولِ إلَيْهَا.

(وَجَازَتْ الْعُمْرَى) ابْنُ عَرَفَةَ: الْعُمْرَى تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ حَيَاةَ الْمُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَحُكْمُهَا النَّدْبُ وَيَتَعَذَّرُ عُرُوضُ وُجُوبِهَا (كَأَعْمَرْتُكَ) الْبَاجِيُّ: صِيغَةُ الْعُمْرَى مَا دَلَّ عَلَى هِبَةِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ كَأَسْكَنْتُكَ

هَذِهِ الدَّارَ وَوَهَبْتُكَ سُكْنَاهَا عُمُرَكَ (أَوْ وَارِثَكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَ لَهُ قَدْ أَسْكَنْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ وَعَقِبَك رَجَعَتْ إلَيْهِ مِلْكًا بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ، فَإِنْ مَاتَ فَلِأَقْرَبِ النَّاسِ بِهِ يَوْمَ مَاتَ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِمْ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَاتٍ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَرَدَّ عَلَى ابْنِ الْهِنْدِيِّ وَلَمْ يَحْكِ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ إلَّا ابْنُ الْهِنْدِيِّ مَا قَالَ وَكَذَلِكَ الْجَزِيرِيُّ (وَرَجَعَتْ لِلْمُعْمَرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ قَدْ أَعَمَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ حَيَاتَك أَوْ قَالَ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةَ جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَتَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَعْمَرَ ثَوْبًا قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ عَنْ مَالِكٍ فِي الثِّيَابِ شَيْئًا، وَأَمَّا الْحُلِيُّ فَأَرَاهُ بِمَنْزِلَةِ الدُّورِ.
قَالَ فِي كِتَابِ الْعَرِيَّةِ: وَالثِّيَابُ عِنْدِي عَلَى مَا أَعْرَاهَا عَلَيْهِ مِنْ الشَّرْطِ (كَحَبْسٍ عَلَيْكُمَا وَهُوَ لِآخِرِكُمَا مِلْكًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدِي هَذَا حَبْسٌ عَلَيْكُمَا وَهُوَ لِآخِرِكُمَا جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَهُوَ لِلْآخَرِ مِنْهُمَا يَبِيعُهُ وَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ (لَا الرُّقْبَى كَذَوِي دَارَيْنِ قَالَا إنْ مِتَّ قَبْلِي فَهُمَا لِي وَإِلَّا فَلَكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَمْ يَعْرِفْ مَالِكٌ الرُّقْبَى فَفُسِّرَتْ لَهُ فَلَمْ يُجِزْهَا وَهِيَ أَنْ يَكُونَ دَارَانِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَيَحْبِسَانِهَا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ أَوَّلًا فَنَصِيبُهُ حَبْسٌ عَلَى الْآخَرِ.

(كَهِبَةِ نَخْلٍ وَاسْتِثْنَاءِ ثَمَرَتِهَا سِنِينَ وَالسَّقْيُ عَلَى الْمَوْهُوبِ أَوْ فَرَسٍ لِمَنْ يَغْزُو سِنِينَ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ الْمَدْفُوعُ لَهُ وَلَا يَبِيعُهُ لِبَعْدِ الْأَجَلِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِحَائِطٍ وَفِيهِ ثَمَرٌ فَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِالثَّمَرَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ يَوْمَ الصَّدَقَةِ لَمْ تُؤَبَّرْ فَهِيَ لِلْمُعْطَى، وَإِنْ كَانَتْ مَأْبُورَةً فَهِيَ لِلْمُعْطِي كَالْبَيْعِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ وَرَبُّ الْحَائِطِ مُصَدَّقٌ مِنْ حِينِ تُؤَبَّرُ الثَّمَرَةُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ حِيَازَةُ النَّخْلِ وَرَبُّهَا يَسْقِيهَا لِمَكَانِ ثَمَرَتِهِ؟ فَقَالَ: إنْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّمَرَةِ يَسْقِيهَا كَانَتْ حِيَازَةً.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَيَقْبِضُ الْمَوْهُوبُ النَّخْلَ وَيَكُونُ سَقْيُهَا عَلَى الْوَاهِبِ فِي مَالِهِ لِمَكَانِ ثَمَرَتِهِ وَيَتَوَلَّى الْمَوْهُوبُ سَقْيَهَا لِمَكَانِ حِيَازَتِهِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَثْنَى الْوَاهِبُ ثَمَرَتَهَا لِنَفْسِهِ عَشْرَ سِنِينَ فَإِنْ أَسْلَمَ النَّخْلَ إلَى الْمَوْهُوبِ يَسْقِيهَا بِمَاءِ الْوَاهِبِ وَيَدْفَعُ إلَيْهِ ثَمَرَهَا كُلَّ سَنَةٍ فَذَلِكَ حَوْزٌ،

وَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ يَسْقِيهَا بِمَائِهِ وَالثَّمَرَةُ لِلْوَاهِبِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ اسْقِهَا لِي عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ هِيَ لَك وَلَا يَدْرِي أَيَسْلَمُ النَّخْلُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ أَمْ لَا؟ وَأَنَّهُ قَدْ قَالَ لِي مَالِكٌ فِيمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ فَرَسَهُ يَغْزُو عَلَيْهِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ الْفَرَسَ مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ هُوَ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ بَعْدَ الْأَجَلِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ.
وَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ الْفَرَسُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَتَذْهَبُ نَفَقَتُهُ بَاطِلًا أَهَذَا غَرَرٌ؟ فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ فِي النَّخْلِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ النَّخْلُ بِيَدِ الْوَاهِبِ يَسْقِيهَا وَيَقُومُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ يَدِهِ فَهَذَا إنَّمَا وَهَبَ نَخْلَهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ سَلِمَتْ النَّخْلُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ وَلَمْ يَمُتْ رَبُّهَا وَلَا لَحِقَهُ دَيْنٌ وَلَهُ أَخْذُهَا بَعْدَ الْأَجَلِ، وَإِنْ مَاتَ رَبُّهَا أَوْ لَحِقَهُ دَيْنٌ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا.
وَمَعْنَى مَسْأَلَةِ الْفَرَسِ أَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ الْفَرَسَ يَغْزُو عَلَيْهِ (وَثَوَابُ غَزْوِهِ فِي الْأَجَلِ لِدَافِعِهِ) اُنْظُرْ رَسْمَ حَلِفٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.

(وَلِلْأَبِ اعْتِصَارُهَا مِنْ وَلَدِهِ) ابْنُ يُونُسَ: رُوِيَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَعُودَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدِ.

قَالَ مَالِكٌ: فَكُلُّ صَدَقَةٍ فَلَا اعْتِصَارَ فِيهَا لِلْأَبَوَيْنِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ وَالْعَطِيَّةُ وَالنِّحَلُ وَالْعُمْرَى فَلَهُمَا الِاعْتِصَارُ فِي ذَلِكَ.
(كَأُمٍّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لِلْأُمِّ أَنْ تَعْتَصِرَ مَا وَهَبَتْ أَوْ نَحَلَتْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ مَا لَمْ يَسْتَحْدِثُوا دَيْنًا أَوْ يُحْدِثُوا فِيهَا حَدَثًا.
. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ صِحَّةُ اعْتِصَارِ الْأَبِ مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ صَغِيرًا كَانَ الِابْنُ أَوْ كَبِيرًا وَمَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ الْأُمُّ مِثْلُهُ (فَقَطْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَعْتَصِرُ الْوَلَدُ مِنْ الْوَالِدِ.
قُلْتُ: فَهَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَبَوَيْنِ مِنْ جَدٍّ أَوْ جَدَّةٍ أَوْ عَمٍّ أَوْ عَمَّةٍ أَوْ خَالٍ أَوْ خَالَةٍ مِنْ غَيْرِهِمْ اعْتِصَارُ هِبَتِهِمْ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ الِاعْتِصَارُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا لِلْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمَا (وَهَبَتْ ذَا أَبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَا وَهَبَتْ الْأُمُّ أَوْ نَحَلَتْ لِوَلَدِهَا الصِّغَارِ وَلَا أَبِ لَهُمْ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ لِأَنَّهُ يَتِيمٌ، وَلَا يُعْتَصَرُ مِنْ يَتِيمٍ وَبَعْدَ ذَلِكَ كَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ (وَإِنْ مَجْنُونًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ وَهَبَتْ الْأُمُّ وَلَدَهَا وَالْأَبُ مَجْنُونٌ جُنُونًا مُطْبَقًا فَهُوَ كَالصَّحِيحِ فِي وُجُوبِ الِاعْتِصَارِ لَهَا (وَلَوْ يَتِيمًا عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ لَهُ أَبٌ يَوْمَ الْعَطِيَّةِ فَلَمْ تَعْتَصِرْ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ كَانَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ اهـ. وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ قَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ وَهَبَتْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فَبَلَغَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْأَبُ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ كَانَ لِلْأُمِّ أَنْ تَعْتَصِرَ مَا وَهَبَتْهُ، فَأَمَّا إنْ مَاتَ قَبْلَ بُلُوغِ الْوَلَدِ فَلَيْسَ لِلْأُمِّ أَنْ تَعْتَصِرَ مَا وَهَبَتْهُ لِأَنَّ بِمَوْتِ الْأَبِ قَبْلَ الْبُلُوغِ انْقَطَعَ الِاعْتِصَارُ فَلَا يَعُودُ اهـ. فَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ (إلَّا فِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْآخِرَةُ) فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ: هِبَتُهُ لِابْنِهِ لِلصِّلَةِ لَا يَجُوزُ

اعْتِصَارُهَا، وَكَذَا هِبَتُهُ لِضَعْفِهِ وَخَوْفِ الْخَصَاصَةِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: كُلُّ هِبَةٍ لِوَلَدِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ أَوْ لِطَلَبِ الْأَجْرِ أَوْ لِصِلَةِ الرَّحِمِ لَا تُعْتَصَرُ.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَحْوُهُ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ مُطَرِّفٍ.

(كَصَدَقَةٍ بِلَا شَرْطٍ) الْبَاجِيُّ: إنْ أَطْلَقَ لَفْظَ الْهِبَةِ أَوْ الْعَطِيَّةِ أَوْ النِّحْلَةِ وَلَمْ يَقُلْ سَلَّطْتُ عَلَيْهَا حُكْمَ الِاعْتِصَارِ.
فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَقْرِنْ بِهَا مَا يُخَلِّصُهَا لِلْقُرْبَةِ فَجَازَ فِيهَا الِاعْتِصَارُ كَمَا لَوْ شَرَطَ فِيهَا الِاعْتِصَارَ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ: كُلُّ صَدَقَةٍ فَلَا اعْتِصَارَ فِيهَا لِلْوَالِدَيْنِ.

(إنْ لَمْ تَفُتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ أَوْ زَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ) لَوْ قَالَ: وَإِنْ فَاتَتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ لَا زَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ " لَوَافَقَ مَا يَتَقَرَّرُ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: إذَا تَغَيَّرَتْ الْهِبَةُ فِي قِيمَتِهَا بِتَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ إنْ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الِاعْتِصَارَ.
قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ.
لِأَنَّ الْهِبَةَ عَلَى حَالِهَا وَزِيَادَةُ الْقِيمَةِ وَنَقْصُهَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهَا وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي صِفَتِهَا فَلَمْ يَمْنَعْ الِاعْتِصَارَ كَنَقْلِهَا مِنْ مَوْضِعٍ لِآخَرَ، وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَتْ الْهِبَةُ فِي عَيْنِهَا فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: زِيَادَتُهَا فِي عَيْنِهَا وَنَقْصِهَا لَا يَمْنَعُ اعْتِصَارَهَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ: بِمَنْعِ اعْتِصَارِهَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، لِأَنَّ تَغَيُّرَ حَالَةِ ذِمَّةِ الْمُعْطِي تَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ فَإِنَّ بِمَنْعِهِ تَغَيُّرَ الْهِبَةِ فِي نَفْسِهَا أَوْلَى وَأَحْرَى.

(وَلَمْ يُنْكَحْ وَلَمْ يُدَايَنْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَ أَوْ نَحَلَ لِبَنِيهِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصِّغَارِ أُمٌّ، لِأَنَّ الْيَتِيمَ إنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ مَا لَمْ يُنْكَحُوا أَوْ يَسْتَحْدِثُوا دَيْنًا لِأَنَّهُ إنَّمَا أُنْكِحَ لِغِنَاهُ وَلِمَا أُعْطِيَ وَعَلَيْهِ دَايَنَهُ النَّاسُ.
وَكَذَلِكَ يَرْغَبُ فِي الِابْنَةِ وَيَرْفَعُ فِي صَدَاقِهَا فَلِذَلِكَ مُنِعَ الِاعْتِصَارُ، وَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ كَثِيرَةً مِمَّا يُزَادُ فِي الصَّدَاقِ مِنْ أَجْلِهَا، فَأَمَّا الثَّوْبُ وَنَحْوُهُ فَلَا.
وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ نَحَلَ ابْنَتَهُ غَلَّةً فَتَزَوَّجَهَا عَلَى ذَلِكَ رَجُلٌ ثُمَّ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ فَقَدْ انْقَطَعَ الِاعْتِصَارُ بِالنِّكَاحِ فَلَا يَعُودُ دَيْنًا لَهَا أَوْ لَمْ يَبْقَ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَكَحَ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ أَوْ دَايَنَ ثُمَّ زَالَ الدَّيْنُ أَوْ زَالَتْ الْعِصْمَةُ فَلَا اعْتِصَارَ لَهَا.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: قَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيمَنْ نَحَلَ ابْنَهُ أَوْ ابْنَتَهُ ثُمَّ نَكَحَا عَلَى ذَلِكَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَإِنْ نَحَلَهَا بَعْدَ النِّكَاحِ فَذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يَتَدَايَنَا أَوْ يَمُوتَا.

(أَوْ يَطَأْ وَلَوْ ثَيِّبًا) مُحَمَّدٌ: إذَا وَهَبَهُ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ بَعْدَ تَزْوِيجِهِ فَلَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا لَمْ يَتَدَايَنْ الْوَلَدُ أَوْ تُنَمَّى الْهِبَةُ أَوْ يَطَأْهَا إنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَيَفُوتُ الِاعْتِصَارُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِكْرًا وَلَمْ تَحْمِلْ.
قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ.

(أَوْ يَمْرَضُ كَوَاهِبٍ) قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: إنْ مَرِضَ الْأَبُ وَالِابْنُ فَلَا اعْتِصَارَ فِي مَرَضِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ زَالَ الْمَرَضُ فَلَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَالدَّيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَامَلْ عَلَيْهِ فِي الْمَرَضِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: مِثْلُهُ فِي الْأَبِ.
قَالَ: وَلَا يُشْبِهُ الْمُعْتَصَرَ مِنْهُ الْمُعْتَصِرُ فِي ذَلِكَ.
قَالَ أَصْبَغُ: إذَا امْتَنَعَ الِاعْتِصَارُ بِمَرْضِ أَحَدِهِمَا أَوْ بِنِكَاحِ الْوَلَدِ أَوْ بِدَيْنٍ ثُمَّ زَالَ

الْمَرَضُ وَالدَّيْنُ وَالنِّكَاحُ فَلَا اعْتِصَارَ، وَإِذَا زَالَتْ الْعَصْرَةُ يَوْمًا مَا فَلَا تَعُودُ.
وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ: إذَا صَحَّ الْمُعْطِي أَوْ الْمُعْطَى لَهُ رَجَعَتْ الْعَصْرَةُ كَمَا تَنْطَلِقُ يَدُهُ فِي مَالِهِ فِيمَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ.
انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ اُخْتُلِفَ إذَا امْتَنَعَ الِاعْتِصَارُ لِمَرَضِ الْأَبِ أَوْ الِابْنِ ثُمَّ بَرِئَا فَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَعْتَصِرُ وَهُوَ أَبْيَنُ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَرَضُ مَوْتٍ، فَإِذَا صَحَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا وَأَنَّهُ مَرَضٌ لَا يَمُوتُ مِنْهُ.
وَلَوْ اعْتَصَرَ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ ثُمَّ صَحَّ مِنْهُ كَانَ الِاعْتِصَارُ صَحِيحًا لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ (إلَّا أَنْ يَهَبَ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ وَهَبَ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَفِي إفَاتَتِهَا الرُّجُوعُ قَوْلَانِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَقْرَبُ صِحَّةُ الِاعْتِصَارِ (أَوْ يَزُولُ الْمَرَضُ عَلَى الْمُخْتَارِ) تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ بِهَذَا وَتَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ قَبْله فَانْظُرْهُ مَعَهُ.

(وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَشْتَرِي الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ.
مُحَمَّدٌ: وَلَا تَرْجِعُ إلَيْهِ بِاخْتِيَارٍ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ أَمْلَاكٌ وَمَوَارِيثُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ النَّهْيُ عَلَى النَّدْبِ أَوْ الْوُجُوبِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَهَا.
وَقَالَ: يُكْرَهُ.
وَظَاهِرُ الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
اللَّخْمِيِّ: وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ لِأَنَّ الْمَثَلَ ضُرِبَ لَنَا بِمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ الْفَاعِلِ بِتَشْبِيهِهِ بِالْكَلْبِ الْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ وَالذَّمُّ عَلَى الْفِعْلِ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ.
وَقَالَهُ عِزُّ الدِّينِ وَلِبُعْدِ اللَّخْمِيِّ عَنْ ذِكْرِ قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ قَالَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَرُجُوعُهَا بِالْإِرْثِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ جَبْرٌ.

(وَلَا يَرْكَبُهَا وَلَا يَأْكُلُ غَلَّتَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِصَدَقَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهَا وَلَا يَرْكَبَهَا إنْ كَانَتْ دَابَّةً وَلَا يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَلَا مِنْ ثَمَنِهَا، وَأَمَّا الْأُمُّ وَالْأَبُ إذَا احْتَاجَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهِمَا مِمَّا تَصَدَّقَا بِهِ عَلَى الْوَلَدِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا يَسْتَعِيرُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ

أَعْطَاهُ لِرَجُلٍ فِي السَّبِيلِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَإِنْ لَمْ يُبْتَلَ الْأَصْلُ وَإِنَّمَا تَصَدَّقَ بِالْغَلَّةِ عُمْرَى أَوْ أَجَلًا فَلَهُ شِرَاءُ ذَلِكَ.
قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ (وَهَلْ إلَّا أَنْ يَرْضَى الِابْنُ الْكَبِيرُ بِشُرْبِ اللَّبَنِ تَأْوِيلَانِ) قَالَ مُحَمَّدٌ: لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ غَنَمٍ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى ابْنِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا وَيَكْتَسِيَ مِنْ صُوفِهَا إذَا رَضِيَ الْوَلَدُ، وَكَذَلِكَ الْأُمُّ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا فِي الْوَلَدِ الْكَبِيرِ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَلَا يَفْعَلُ وَقَالَهُ مَالِكٌ انْتَهَى.
وَلَمْ أَجِدْ لِابْنِ يُونُسَ غَيْرَ هَذَا.
وَفِي الرِّسَالَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ (وَيُنْفِقُ عَلَى أَبٍ افْتَقَرَ مِنْهَا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: الْأَبُ وَالْأُمُّ إذَا احْتَاجَا أَنْفَقَ عَلَيْهِمَا مِمَّا تَصَدَّقَا بِهِ عَلَى الْوَلَدِ (وَتَقْوِيمُ جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ لِلضَّرُورَةِ وَيُسْتَقْصَى مِنْ نَفْسِهِ لِوَلَدِهِ) إنَّمَا جَعَلَ الْمُتَيْطِيُّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَمَةِ خَاصَّةً لِلْوَلَدِ الصَّغِيرِ خَاصَّةً.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِجَارِيَةٍ فَتَمَنَّتْهَا نَفْسُهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَوِّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَيُسْتَقْصَى الِابْنُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنَّمَا رَخَّصَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِلْوَلَدِ الصَّغِيرِ مِنْ أَبِيهِ، وَلَوْ كَانَ كَبِيرًا أَوْ أَجْنَبِيًّا مَا حَلَّ لَهُ ذَلِكَ وَقَالَهُ مَالِكٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ: مِثْلُ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمَوْهُوبُ عَبْدًا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْجَارِيَةِ أَعْذَرُ مِنْهُ فِي الْعَبْدِ لِتَعَلُّقِ نَفْسِهِ بِهَا.
رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.

(وَجَازَ شَرْطُ الثَّوَابِ) ابْنُ يُونُسَ: الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ كَالْبَيْعِ فِي هَذَا فِي أَكْثَرِ الْحَالَاتِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْعِوَضَ عِنْدَ الْهِبَةِ أَجَازَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ خَالَفَتْ الْبَيْعَ فِي هَذَا كَخِلَافِ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ لِنِكَاحِ التَّسْمِيَةِ، وَلَا

بَأْسَ بِاشْتِرَاطِ الثَّوَابِ عِنْدَ الْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ يَصِفْهُ (وَلَزِمَ بِتَعْيِينِهِ) . ابْنُ رُشْدٍ: وَهِبَةُ الثَّوَابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَهَبَ عَلَى ثَوَابٍ يَرْجُوهُ وَلَا يُسَمِّيه وَلَا يَشْتَرِطُهُ، فَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَنِكَاحِ التَّفْوِيضِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَهَبَ عَلَى ثَوَابٍ يَشْتَرِطُهُ وَلَا يُسَمِّيهِ فَقِيلَ إنَّهُ كَالْهِبَةِ الَّتِي يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ.
قَالَهُ أَصْبَغُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: هَذَا غَرَرٌ لِأَنَّهُ بَاعَ سِلْعَةً بِقِيمَتِهَا.
الثَّالِثُ: أَنْ يَهَبَ عَلَى ثَوَابٍ يَشْتَرِطُهُ وَيُسَمِّيهِ فَهُوَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ وَيُسَمِّيه فِيهَا، وَلَوْ قَالَ فَهُوَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ كَانَ أَوْلَى.
الْبَاجِيُّ: مِنْ الْجَهَالَةِ فِي الثَّمَنِ أَنْ يَبِيعَهُ السِّلْعَةَ بِقِيمَتِهَا أَوْ بِمَا يُعْطَى فِيهَا، وَلَوْ قَالَ بِعْتُكهَا بِمَا شِئْتَ ثُمَّ سَخِطَ مَا أَعْطَاهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ لَزِمَهُ.
الْبَاجِيُّ: حَمَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ هَذَا عَلَى الْمُكَارَمَةِ كَهِبَةِ الثَّوَابِ، وَاعْتَبَرَ مُحَمَّدٌ لَفْظَ الْبَيْعِ فَمَنَعَهُ وَلَمْ يَجْعَلْهُ كَهِبَةِ الثَّوَابِ فَجَعَلَ لِلَّفْظِ تَأْثِيرًا.
الْمُتَيْطِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَهَبَ الْأَبُ دَارَ ابْنِهِ الْمَحْجُورِ لِلثَّوَابِ وَيَكْتُبَ فِي ذَلِكَ " وَهَبَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ دَارَ ابْنِهِ لِمَا رَجَاهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لَهُ عَلَى سُنَّةِ الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ وَرَضِيَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِهَذِهِ الْهِبَةِ وَقَبِلَهَا وَالْتَزَمَ الثَّوَابَ فِيهَا وَصَارَتْ بِيَدِهِ ". وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ بِالْخِيَارِ بَعْدَ الْقَبْضِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ أَوْ يَرُدُّ مَا لَمْ تُفْتِ (وَصُدِّقَ وَاهِبٌ فِيهِ إنْ لَمْ يَشْهَدْ عُرْفٌ بِضِدِّهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا وَهَبْتَ لِقَرَابَتِكَ أَوْ ذَوِي رَحِمِكَ وَعَلَى أَنَّكَ أَرَدْتَ ثَوَابًا فَذَلِكَ لَكَ إنْ أَثَابُوكَ وَإِلَّا رَجَعْتَ فِيهَا، وَمَا عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِثَوَابٍ كَصِلَتِكَ لِفَقْرِهِمْ وَأَنْتَ غَنِيٌّ فَلَا ثَوَابَ لَك وَلَا تُصَدَّقُ أَنَّكَ أَرَدْتَهُ وَلَا رُجُوعَ لَكَ فِي هِبَتِكَ، وَكَذَلِكَ هِبَةُ غَنِيٍّ لِأَجْنَبِيٍّ فَقِيرٍ أَوْ فَقِيرٍ لِفَقِيرٍ ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ وَلَا يُصَدَّقُ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي أَصْلِ هِبَتِهِ ثَوَابًا وَلَا رَجْعَةَ لَهُ فِي هِبَتِهِ (وَإِنْ لِعُرْسٍ) الْبَاجِيُّ: مَا جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِبَلَدِنَا مِنْ إهْدَاءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ الْكِبَاشَ وَغَيْرَهَا عِنْدَ النِّكَاحِ.
فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: إنَّ ذَلِكَ عَلَى الثَّوَابِ وَبِذَلِكَ رَأَيْتَ الْقَضَاءَ بِبَلَدِنَا.
قَالَ: لِأَنَّ ضَمَائِرَ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى

إلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ، يُرِيدُ أَنَّهُ الْعُرْفُ.
قَالَ: وَذَلِكَ كَالشَّرْطِ فَيُقْضَى لِلْمُهْدِي بِقِيمَةِ الْكِبَاشِ حِينَ قَبَضَهَا الْمُهْدَى إلَيْهِ إنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الْوَزْنِ، فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الْوَزْنِ قُضِيَ بِوَزْنِهَا.
وَإِنْ كَانَ الْمُهْدَى إلَيْهِ بَعَثَ إلَى الْمُهْدِي قَدْرًا مِنْ لَحْمٍ مَطْبُوخٍ أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُ فِي الْعُرْسِ حُوسِبَ فِي قِيمَةِ هَدِيَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي بَلَدٍ لَا يُعْرَفُ فِيهِ هَذَا لَمْ يُقْضَ فِيهِ بِثَوَابٍ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ.
رَاجِعْ الْمُنْتَقَى وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ لَا يُقْضَى فِي الثَّوَابِ إلَّا بِمَا يُقْضَى عَنْهُ بِبَيْعٍ (وَهَلْ يُحَلَّفُ أَوْ إنْ أَشْكَلَ تَأْوِيلَانِ) عِيَاضٌ: قَوْلُهُ فِي هِبَةِ الْفَقِيرِ إنْ قَالَ: إنَّمَا وَهِبَتُهُ لِلثَّوَابِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ إنَّمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُدَوَّنَةِ مَعَ يَمِينِهِ وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْجَلَّابِ.
وَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ: لَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ: أَمَّا إذَا أَشْكَلَ فَإِحْلَافُهُ صَوَابٌ، وَإِنْ لَمْ يُشْكِلْ وَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ فَلَا يُحَلَّفُ (فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكِ إلَّا بِشَرْطٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا ثَوَابَ فِي هِبَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَإِنْ وَهَبَهَا فَقِيرٌ لِغَنِيٍّ وَمَا عَلِمْتُهُ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الثَّوَابَ فَيُثَابُ عَرْضًا أَوْ طَعَامًا، وَأَجَازَ مَالِكٌ هِبَةَ الْحُلِيِّ الْمَصُوغِ لِلثَّوَابِ وَلَا يُعَوَّضُ مِنْ ذَلِكَ عَيْنًا لَا ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً.
قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَيَجُوزُ قَبْلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ بِحَضْرَةِ الْحُلِيِّ.

(وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُقْضَى بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِالثَّوَابِ فِي الْهِبَةِ وَلَا بَيْنَ وَالِدٍ وَوَلَدِهِ، إلَّا أَنْ يَظْهَرَ ابْتِغَاءُ الثَّوَابِ بَيْنَهُمْ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ لِلْمَرْأَةِ جَارِيَةٌ فَارِهَةٌ فَطَلَبَهَا مِنْهَا زَوْجُهَا وَهُوَ مُوسِرٌ فَأَعْطَتْهُ إيَّاهَا تُرِيدُ بِذَلِكَ اسْتِغْزَارَ صِلَتِهِ، وَالرَّجُلُ كَذَلِكَ يَهَبُ لِامْرَأَتِهِ وَالِابْنُ لِأَبِيهِ مِمَّا يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ اسْتِغْزَارَ مَا عِنْدَ أَبِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ مِمَّا يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ وَجْهُ مَا طَلَبَ فِي هِبَتِهِ فَفِي ذَلِكَ الثَّوَابُ، فَإِنْ أَثَابَهُ وَإِلَّا رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي هِبَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجْهُ مَا ذَكَرْنَا فَلَا

ثَوَابَ بَيْنَهُمَا.

(وَلِقَادِمٍ عِنْدَ قُدُومِهِ وَإِنْ فَقِيرًا لِغَنِيٍّ وَلَا يَأْخُذُ هِبَتَهُ وَإِنْ قَائِمَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا قَدِمَ غَنِيٌّ مِنْ سَفَرِهِ فَأَهْدَى إلَيْهِ جَارُهُ الْفَقِيرُ الْفَوَاكِهَ وَالرُّطَبَ وَشِبْهَهُ ثُمَّ قَامَ يَطْلُبُ الثَّوَابَ وَقَالَ إنَّمَا أَهْدَيْتُ إلَيْهِ رَجَاءَ أَنْ يَكْسُوَنِي أَوْ يَصْنَعَ بِي خَيْرًا، فَلَا شَيْءَ فِيهِ لِغَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا لَهُ أَخْذُ هَدِيَّتِهِ وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا.

(وَلَزِمَ وَاهِبَهَا لَا الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ) هِبَةُ الثَّوَابِ يَكُونُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مُخَيَّرًا مَا كَانَتْ الْهِبَةُ قَائِمَةً لَمْ تَفُتْ بَيْنَ أَنْ يُثِيبَهُ مَا يَكُونُ فِيهِ وَفَاءٌ بِقِيمَةِ الْهِبَةِ أَوْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ إلَّا بِالْفَوْتِ.
وَعَلَى قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ الرِّضَا بِقِيمَةِ الْهِبَةِ إلَّا بَعْدَ فَوْتِهَا بِذَهَابِ عَيْنِهَا كَقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الَّذِي يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ عَلَى حُكْمِهَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا الرِّضَا بِصَدَاقِ الْمِثْلِ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ، خِلَافُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ يَلْزَمُهُمَا الرِّضَا بِالصَّدَاقِ الْمِثْلِيِّ إذَا فَوَّضَهُ لَهَا كَالتَّفْوِيضِ (وَإِلَّا لِفَوْتٍ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ) ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ فِي الْفَوْتِ الَّذِي يَلْزَمُ بِهِ الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِيهَا فَوْتٌ إلَّا بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ (وَلَهُ مَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا هِبَةُ الثَّوَابِ فَلِلْوَاهِبِ مَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَ الْعِوَضَ كَالْبَيْعِ (وَأُثِيبَ بِمَا يُقْضَى عَنْهُ بِبَيْعٍ) قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمَّا كَانَتْ

الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ كَالْبَيْعِ فِي أَكْثَرِ الْحَالَاتِ كَانَ لَهَا حُكْمُهُ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْ عِوَضِهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ وَهَبَك حِنْطَةً فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ تُعَاوِضَهُ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ حِنْطَةً أَوْ تَمْرًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ مَكِيلِ الطَّعَامِ أَوْ مَوْزُونِهِ إلَّا أَنْ تُعَاوِضَهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ طَعَامًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ، لِأَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنْ

تُعَاوِضَهُ مِثْلَ طَعَامِهِ فِي صِفَتِهِ وَجَوْدَتِهِ وَكَيْلِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِنْ افْتَرَقَا.

(وَإِنْ مُعَيَّنًا) لَوْ قَالَ " وَلَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ " لَكَانَ أَبْيَنَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: إنْ سَمَّى الثَّوَابَ فَهُوَ بَيْعٌ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ فَالثَّوَابُ فَفِيهِ الْخِلَافُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: الْهِبَةُ بِشَرْطِ عِوَضِ عَيْنَاهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ: هِيَ بَيْعٌ.
وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ جَوَازُ شَرْطِ الثَّوَابِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ (وَإِلَّا كَحَطَبٍ فَلَا يَلْزَمُ أَخْذُهُ) ابْنُ شَاسٍ: نَوْعُ الثَّوَابِ الَّذِي يَلْزَمُ قَبُولُهُ بِاتِّفَاقِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ.
وَرَوَى أَشْهَبُ: الْخَسَارَةُ فِيهِمَا إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى غَيْرِهِمَا.
وَرَأَى سَحْنُونَ أَنَّ كُلَّ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ثَوَابًا وَيَلْزَمَ الْوَاهِبَ قَبُولُهُ إذَا كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِقِيمَةِ هِبَتِهِ.
وَوَافَقَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْعَيْنِ إلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْهَا الْحَطَبَ وَالتِّبْنَ وَشِبْهَهُ مِمَّا لَا يُثَابُ فِي الْعَادَةِ بِمِثْلِهِ.

(وَلِلْمَأْذُونِ وَلِلْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُقْضَى عَلَيْهِ أَنْ يُعَوِّضَ مَنْ يَهَبُهُ قَالَ: وَلِلْأَبِ أَنْ يَهَبَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ لِلثَّوَابِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْمَأْذُونِ أَنْ يَهَبَ لِلثَّوَابِ كَالْبَيْعِ وَيُعَوِّضَ عَنْهُ وَاهِبَهُ لِلثَّوَابِ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ بَيْعٌ وَبَيْعُ الْأَبِ جَائِزٌ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ.

(وَإِنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ يَمِينٍ وَإِنَّمَا بَتَلَهُ لِلَّهِ أَجْبَرَهُ السُّلْطَانُ إنْ كَانَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ.
عِيَاضٌ: عَلَى هَذَا اخْتَصَرَهَا أَكْثَرُ الْمُخْتَصِرِينَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِهَا إلَّا إذَا كَانَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: إنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ بِغَيْرِ يَمِينٍ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ كَالْمَرْضَى وَالْمَسَاكِينِ فَفِيهَا قَوْلَانِ فِي حَبْسِ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْهِبَاتِ مِنْهَا.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِمِدْيَانٍ أَنَا أَهَبُك فَلَا يَلْزَمُهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا مَا أَدْخَلَهُ فِي وَعْدِهِ فَلَازِمٌ كَقَوْلِهِ زَوِّجْ بِنْتَك وَالصَّدَاقُ عَلَيَّ، فَهَذَا الْوَعْدُ يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُعْطِي قَبْلَ الْقَبْضِ.

(وَفِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ قَوْلَانِ) سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَصَدَّقَ أَوْ وَهَبَ لِمَسْجِدٍ بِعَيْنِهِ، هَلْ يُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهَا وَإِنْفَاذِهَا؟ فَقَالَ: يُجْبَرُ كَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: يُؤْمَرُ وَلَا يُجْبَرُ وَتُوقَفُ غَيْرُهُمَا وَقَالَ: لَا أَدْرِي.

(وَقُضِيَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فِيهَا بِحُكْمِنَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُقْضَى بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي الْهِبَاتِ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا كَانَا ذِمِّيَّيْنِ فَامْتَنَعَ الْوَاهِبُ مِنْ دَفْعِ الْهِبَةِ لَمْ أَعْرِضْ لَهُمَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّظَالُمِ الَّذِي أَمْنَعُهُمْ مِنْهُ لِأَنَّ كُلَّ أَمْرٍ يَكُونُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ فَإِنَّمَا يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ.

[كِتَابُ اللُّقَطَةِ]

[فَصْلٌ فِي الِالْتِقَاطِ وَذَاتِ اللُّقَطَةِ وَأَحْكَامِهَا]

ِ قَالَ ابْنُ شَاسٍ: فِي هَذَا الْكِتَابِ فُصُولٌ: الْأَوَّلُ فِي الِالْتِقَاطِ.
الثَّانِي فِي ذَاتِ اللُّقَطَةِ.
الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ اللُّقَطَةِ.
(اللُّقَطَةُ مَالٌ مَعْصُومٌ عُرِّضَ لِلضَّيَاعِ) ابْنُ شَاسٍ: اللُّقَطَةُ عِبَارَةٌ عَنْ مَالٍ مَعْصُومٍ عُرِّضَ لِلضَّيَاعِ كَانَ فِي عَامِرِ الْبَلَدِ أَوْ غَامِرِهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ اللُّقَطَةُ هِيَ مَالٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمٍ لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا وَلَا نَعَمًا فَيَخْرُجُ الرِّكَازُ وَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَتَدْخُلُ الدَّجَاجَةُ وَحَمَامُ الدُّورِ وَنَحْوُ ذَلِكَ إلَّا السَّمَكَةُ تَقَعُ فِي سَفِينَةٍ هِيَ لِمَنْ وَقَعَتْ إلَيْهِ، وَالضَّالَّةُ نَعَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمٍ، وَالْآبِقُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ (وَإِنْ كَلْبًا) ابْنُ شَاسٍ: مَنْ وَجَدَ كَلْبًا الْتَقَطَهُ إنْ كَانَ بِمَكَانٍ يُخَافُ عَلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: يُخَصُّ هَذَا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَتَلَ كَلْبًا مِنْ كِلَابِ الدُّورِ مِمَّا لَا يُؤْذِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُتْرَكُ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا فِي اتِّخَاذِهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
هَذَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ شَاسٍ وَفِيهِ مَعَ هَذَا نَظَرٌ لِقَوْلِهَا مَنْ سَرَقَ كَلْبًا صَائِدًا أَوْ غَيْرَ صَائِدٍ لَمْ يُقْطَعْ إلَّا أَنْ يُرَاعَى دَرْءُ الْحَدِّ

بِالشُّبَهِ.

(وَفَرَسًا وَحِمَارًا) اللَّخْمِيِّ: الْبَقَرُ وَالْخَيْلُ وَسَائِرُ الدَّوَابِّ بِحَيْثُ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ سَبُعٍ وَلَا غَيْرِهِ لَمْ تُؤْخَذْ وَإِلَّا أُخِذَتْ وَعُرِّفَتْ عَامًا.
اُنْظُرْ هَذَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ مَنْ أَسْلَمَ دَابَّتَهُ فِي سَفَرٍ آيِسًا مِنْهَا فَأَخَذَهَا مَنْ عَاشَتْ عِنْدَهُ وَمَنْ مَاتَتْ رَاحِلَتُهُ بِفَلَاةٍ فَأَسْلَمَ مَتَاعَهُ فَحَمَلَهُ رَجُلٌ وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ.

(وَرُدَّ بِمَعْرِفَةِ مَشْدُودٍ فِيهِ وَبِهِ وَبِعَدَدِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَأَتَى رَجُلٌ فَوَصَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعِدَّتَهَا لَزِمَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ وَيُجْبِرَهُ السُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ.
أَبُو عُمَرَ: أَجْمَعُوا أَنَّ

الْعِفَاصَ الْخِرْقَةُ الْمَرْبُوطُ فِيهَا وَهِيَ لُغَةً مَا يُسَدُّ بِهِ فَمُ الْقَارُورَةِ، وَالْوِكَاءُ الْخَيْطُ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ (بِلَا يَمِينٍ) الْبَاجِيُّ: هَلْ يَلْزَمُهُ يَمِينٌ إذَا وَصَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالْعَدَدَ؟ الْمَشْهُورُ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يُنَازِعُهُ فِيهَا وَلَا مَنْ يُنَازِعُ عَنْهُ (وَقُضِيَ لَهُ عَلَى ذِي الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ) أَصْبَغُ: لَوْ عَرَّفَ وَاحِدٌ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَوَصَفَ آخَرُ عَدَدَ الدَّنَانِيرِ وَوَزْنَهَا كَانَتْ لِمَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُعَرِّفْ إلَّا الْعِفَاصَ وَحْدَهُ (وَإِنْ وَصَفَ ثَانٍ وَصْفَ أَوَّلٍ وَلَمْ يَبِنْ بِهَا حَلَفَا وَقُسِمَتْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ دَفَعَهَا لِمَنْ عَرَّفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَوَصَفَ مِثْلَ مَا وَصَفَ الْأَوَّلُ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ تِلْكَ اللُّقَطَةَ كَانَتْ لَهُ، لَمْ يَضْمَنْهَا لِأَنَّهُ دَفَعَهَا بِأَمْرٍ يَجُوزُ لَهُ.
اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ ادَّعَاهَا رَجُلَانِ وَاتَّفَقَتْ صِفَتُهُمَا اقْتَسَمَاهَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، فَإِنْ أَخَذَهَا أَحَدُهُمَا بِالصِّفَةِ ثُمَّ أَتَى الْآخَرُ فَوَصَفَ مِثْلَ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَبِينَ بِهَا وَيَظْهَرَ أَمْرُهَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ ظَهَرَ أَمْرُهَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الثَّانِي (كَبَيِّنَتَيْنِ لَمْ تُؤَرَّخَا وَإِلَّا فَلِلْأَقْدَمِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ أَقَامَ الثَّانِي بَيِّنَةً اُنْتُزِعَتْ مِنْ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً فَيُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا، فَإِنْ تَكَافَأَتَا بَقِيَتْ لِلْأَوَّلِ بِالصِّفَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا فِي النَّوَادِرِ لِأَشْهَبَ وَزَادَ: هَذَا إنْ لَمْ تُؤَرَّخْ الْبَيِّنَتَانِ وَإِنْ أُرِّخَتَا كَانَتْ لِأَوَّلِهِمَا مِلْكًا بِالتَّارِيخِ (وَلَا ضَمَانَ عَلَى دَافِعٍ بِوَصْفٍ وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِغَيْرِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّهُ دَفَعَهَا بِأَمْرٍ يَجُوزُ لَهُ.

(وَاسْتُؤْنِيَ فِي الْوَاحِدَةِ إنْ جَهِلَ غَيْرَهَا) أَصْبَغُ: لَوْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَحْدَهُ وَادَّعَى الْجَهَالَةَ فِيمَا سِوَاهُ فَلْيَسْتَبْرِئْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أُعْطِيَهَا هَذَا كَمَا فِي شَرْطِ الْخَلِيطَيْنِ أَوْصَافًا تُجْزِئُ وَإِنْ انْخَرَمَ بَعْضُهَا (لَا غَلِطَ عَلَى الْأَظْهَرِ) ابْنُ رُشْدٍ: الْعِفَاصُ وَالْوِكَاءُ إذَا وَصَفَ أَحَدَهُمَا وَجَهِلَ الْآخَرَ أَوْ غَلِطَ فِيهِ فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَعْدَلُ الْأَقَاوِيلِ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ ادَّعَى الْجَهَالَةَ اسْتَبْرَأَ أَمْرَهُ،

وَإِنْ ادَّعَى الْغَلَطَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ (وَلَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ بِقَدْرِهَا) ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا جَهْلُهُ بِالْعَدَدِ فَلَا يَضُرُّهُ إذَا عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ، وَكَذَلِكَ غَلَطُهُ فِيهِ بِالزِّيَادَةِ لَا يَضُرُّهُ، وَاخْتُلِفَ فِي غَلَطِهِ بِالنُّقْصَانِ.

(وَوَجَبَ أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي حُكْمِ أَخْذِ اللُّقَطَةِ اضْطِرَابٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: يَلْزَمُ أَنْ يُؤْخَذَ اللَّقِيطُ وَلَا يُتْرَكُ لِأَنَّهُ إنْ تُرِكَ ضَاعَ وَهَلَكَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي لُقَطَةِ الْمَالِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ اللُّقَطَةُ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ عَدْلٌ لَا يُخْشَى أَنْ يَأْخُذَهَا إنْ عَلِمَ بِهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهِ إيَّاهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ عَدْلٌ فَأَخْذُهَا عَلَيْهِ وَاجِبٌ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ غَيْرُ عَدْلٍ لَكَانَ الِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ غَيْرُ عَدْلٍ لَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَخْذِهَا وَتَرْكِهَا، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ أَكْثَرِ الْخَوْفَيْنِ وَهُوَ أَيْضًا أَعْنِي هَذَا الِاخْتِلَافَ فِيمَا عَدَا لُقَطَةَ الْحَاجِّ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا مَخَافَةَ أَنْ لَا يَجِدَ رَبَّهَا لِتَفَرُّقِ الْحَاجِّ إلَى بُلْدَانِهِمْ، فَإِنْ الْتَقَطَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي تَعْرِيفِهَا مَا يَجِبُ فِي سِوَاهَا.
اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ كَانَ حِفْظُهَا وَاجِبًا لِأَنَّ حِفْظَ

أَمْوَالِ النَّاسِ وَأَلَّا تَضِيعَ وَاجِبٌ (لَا إنْ عَلِمَ خِيَانَتَهُ هُوَ فَيَحْرُمُ) اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ السُّلْطَانُ غَيْرَ مَأْمُونٍ وَمَتَى أُنْشِدَتْ وَعُرِّفَتْ أَخَذَهَا مُنِعَ مَنْ وَجَدَهَا أَنْ يَعْرِضَ لَهَا، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَفْتَى عَنْ ذَلِكَ مَنْ لَيْسَ بِمَأْمُونٍ وَيُخْشَى إنْ صَارَتْ إلَيْهِ أَنْ يَسْتَفِزَّهُ الشَّيْطَانُ بَعْدَ أَخْذِهَا فَيُقَالُ لَهُ لَا تَقْرَبْهَا (وَإِلَّا كُرِهَ عَلَى الْأَحْسَنِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ الْوَاجِدُ لَهَا مَأْمُونًا وَلَا يَخْشَى سُلْطَانَ الْمَوْضِعِ إنْ أَنْشَدَهَا أَنْ يَأْخُذَهَا وَهِيَ بَيْنَ نَاسٍ لَا بَأْسَ بِحَالِهِمْ وَلَهَا قَدْرٌ، كَانَ أَخْذُهَا وَتَعْرِيفُهَا مُسْتَحَبًّا، وَإِنْ كَانَتْ حَقِيرَةً كُرِهَ لَهُ أَخْذُهَا

مُطْلَقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: لَوْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ غَيْرُ عَدْلٍ لَكَانَ الِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا قَوْلًا وَاحِدًا.

(وَتَعْرِيفُهُ سَنَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ الْتَقَطَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ حُلِيًّا مَصُوغًا أَوْ عَرْضًا أَوْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلْيُعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا وَإِلَّا تَمَّ أَمْرُهُ بِأَكْلِهَا، كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ، دِرْهَمٌ فَصَاعِدًا إلَّا أَنْ يُحِبَّ بَعْدَ السَّنَةِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا وَيُخَيَّرُ صَاحِبُهَا إنْ جَاءَ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوَابُهَا أَوْ يَغْرَمَهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَكْرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا قَبْلَ السَّنَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءَ التَّافِهَ الْيَسِيرَ (وَلَوْ كَالدَّلْوِ لَا تَافِهًا) سُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لُقَطَةُ مِثْلِ الدَّلْوِ وَالْحَبْلِ وَالْمِخْلَاةِ وَشِبْهَ ذَلِكَ إنْ وُجِدَ بِطَرِيقٍ وَقَعَ بِأَقْرَبِ مَوْضِعٍ إلَيْهِ وَإِنْ بِمَدِينَةٍ عُرِّفَ وَانْتُفِعَ بِهِ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ أَحَبُّ إلَيَّ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَقْسَامِ اللُّقَطَةِ هُوَ مَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ إنْ تُرِكَ، وَيَبْقَى فِي يَدِ مُلْتَقِطِهِ إنْ الْتَقَطَهُ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا جِدًّا لَا بَالَ لَهُ وَلَا قَدْرَ لَقِيمَتِهِ وَيُعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَطْلُبُهُ لِتَفَاهَتِهِ فَإِنَّ هَذَا لَا يُعَرَّفُ وَهُوَ لِوَاجِدِهِ إنْ شَاءَ أَكَلَهُ وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ.
أَصْلُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا» . وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا تَعْرِيفًا.
وَقَدْ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الَّذِي يَجِدُ السَّوْطَ وَالْعَصَا أَنَّهُ يُعَرِّفَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا إلَّا أَنَّ لَهُ قَدْرًا وَمَنْفَعَةً وَقَدْ يَشِحُّ بِهِ صَاحِبُهُ فَيَطْلُبُهُ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ تَعْرِيفِهِ.
وَظَاهِرُ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي

الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُعَرِّفُهُ سَنَةً.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إنَّمَا يُعَرِّفُهُ أَيَّامًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ الْتَقَطَ مَا لَا يَبْقَى مِنْ الطَّعَامِ فَأُحِبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ كَثُرَ أَوْ قَلَّ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فَإِنْ أَكَلَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ لِرَبِّهِ كَالشَّاةِ يَجِدُهَا فِي الْفَلَاةِ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ فِي غَيْرِ فَيْفَاءَ فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ وَيُعَرِّفُ بِهِ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ (بِمَظَانِّ طَلَبِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ حَيْثُ وَجَدَهَا وَعَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيُعَرِّفُ حَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا هُنَاكَ أَوْ خَبَرُهُ وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى أَمْرِ الْإِمَامِ.
ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَنْدُوبٌ إلَى فِعْلِ الْخَيْرِ وَالْعَوْنِ عَلَيْهِ فَهَذَا مِنْهُ.
(كَبَابِ الْمَسْجِدِ) سُمِعَ

الْقَرِينَانِ: يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: لَا أُحِبُّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَإِنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ أَنْ تُعَرَّفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ.
وَلَوْ مَشَى هَذَا الَّذِي وَجَدَهَا إلَى الْحِلَقِ فِي الْمَسْجِدِ يُخْبِرُهُمْ وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا (فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ) رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: يَنْبَغِي لِلَّذِي يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ أَنْ لَا يُرِيَهَا أَحَدًا وَلَا يُسَمِّيَهَا بِعَيْنِهَا لِكَيْ يُعَمِّيَ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَأْتِيَ مُتَخَيِّلٌ فَيَصِفَهَا بِذَلِكَ بِصِفَةِ الْعُرْفِ فَيَأْخُذُهَا وَلَيْسَتْ لَهُ، وَيُعَرِّفُهَا فِي الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدَعَ صَنْعَتَهُ وَيُعَرِّفَهَا (بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ أَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْهَا إنْ لَمْ يُعَرِّفْ مِثْلُهُ) اللَّخْمِيِّ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرْبَعٍ: بَيْنَ أَنْ يُعَرِّفَهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ يَدْفَعَهَا إلَى السُّلْطَانِ إذَا كَانَ عَدْلًا وَكَانَ لَا يَتَشَاغَلُ عَنْ تَعْرِيفِهَا، أَوْ إلَى مَأْمُونٍ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهَا، أَوْ يَسْتَأْجِرَ عَلَيْهَا مَنْ يُعَرِّفُهَا.
وَأَجَازَ ابْنُ شَعْبَانَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهَا عَلَيْهَا يُرِيدُ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْ تَعْرِيفَهَا وَكَانَ مِثْلُهُ لَا يَلِي مِثْلَ ذَلِكَ.
ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا دَفَعَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ إلَى غَيْرِهِ لِيُعَرِّفَ بِهَا فَضَاعَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ.
وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ لِيَعْمَلَ بِهَا مَا شَاءَ.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ الَّتِي لَمْ يَرْضَ رَبُّهَا إلَّا أَمَانَتَهُ فَلَا يَدْفَعُهَا لِغَيْرِهِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَذَكَرَ هَذَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ مَالِكٍ فِي فَرْقِهِ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ هَلَاكَ لُقَطَةٍ بَعْدَ السَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: هِيَ فِي ذِمَّتِهِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا.
وَأَمَّا قَبْلَ السَّنَةِ فَبَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَرْقٌ، هَذَا فِي ذِمَّتِهِ وَهَذَا فِي رَقَبَتِهِ وَالْجَمِيعُ اسْتِهْلَاكٌ (وَبِالْبَلَدَيْنِ إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا) اللَّخْمِيِّ: إنْ وُجِدَتْ فِي طَرِيقٍ بَيْنَ مَدِينَتَيْنِ عَرَّفَهَا فِي تِينِك الْمَدِينَتَيْنِ وَكَذَلِكَ الْقَرْيَتَيْنِ أَوْ الْمَدِينَةِ وَالْقَرْيَةِ (وَلَا يُذْكَرُ جِنْسُهَا عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ هَلْ يُسَمِّي جِنْسَ اللُّقَطَةِ إذَا أَنْشَدَهَا وَأَنْ لَا يُسَمِّيَ أَحْسَنُ.
اُنْظُرْ نَقْلَ ابْنِ يُونُسَ عِنْدِ قَوْلِهِ " فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ ".

(وَدُفِعَتْ لِحَبْرٍ إنْ وُجِدَتْ بِقَرْيَةِ ذِمَّةٍ) ابْنُ يُونُسَ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي اللُّقَطَةِ تُوجَدُ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ قَالَ: تُدْفَعُ إلَى أَحْبَارِهِمْ.
وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَمَالُ الْكِتَابِيِّ لِأَهْلِ دِينِهِ ". وَانْظُرْ قَبْلَ هَذَا فِي الْجِزْيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " إلَّا أَنْ يَمُوتَ بِلَا وَارِثٍ فَلِلْمُسْلِمِينَ " وَرَأَيْت فُتْيَا لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ فِيمَنْ غَصَبَ يَهُودِيًّا ثُمَّ تَابَ وَجَهِلَهُ: إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّلْحِ وَهُمْ مَعْرُوفُونَ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ فَلِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَهُ هُوَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ.
وَفِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ: إذَا كَانَتْ الْفِدْيَةُ عَلَى الْجَمَاجِمِ فَالْعَاصِبُ بَيْتُ الْمَالِ اُنْظُرْهُ فِي الْوَصَايَا.

(وَلَهُ حَبْسُهَا بَعْدَهَا أَوْ التَّصَدُّقُ أَوْ التَّمَلُّكُ) الْجَلَّابُ: إنْ مَضَتْ السَّنَةُ وَلَمْ يَأْتِ طَالِبُهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَنْفَقَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا وَضَمِنَهَا أَوْ حَبَسَهَا لِيَأْتِيَ رَبُّهَا.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ «عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا» . وَفِي الصَّحِيحِ «فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا» وَفِي النَّسَائِيّ «فَإِنْ لَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا فَهُوَ مَالٌ لِلَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا بَعْدَ الْحَوْلِ خِلَافُهُ قَبْلَهُ، وَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا لِنَفْسِهِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا، غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي اشْتَرَى كُبَّةَ الْخُيُوطِ مِنْ

الْمَغْنَمِ بِدِرْهَمٍ فَوَجَدَ فِيهَا صَلِيبَ ذَهَبٍ فِيهِ سَبْعُونَ مِثْقَالًا أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ لِنَفْسِهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْهُ قِسْمَةُ ذَلِكَ عَلَى الْجَيْشِ لِافْتِرَاقِهِ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَالْيَأْسِ مِنْ وُجُودِ صَاحِبِهَا فِي جَوَازِ أَكْلِهَا لِمُلْتَقِطِهَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَشَأْنُك بِهَا» لِأَنَّ مَالِكًا اإنَّمَا كَرِهَ لَهُ أَكْلَهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ مَخَافَةَ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهَا فَيَجِدَهُ عَدِيمًا لَا شَيْءَ لَهُ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ صَاحِبَهَا أَبَدًا لَمَا كَرِهَ لَهُ أَكْلَهَا، وَافْتِرَاقُ الْجَيْشِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالْيَأْسِ مِنْ وُجُودِ صَاحِبِهَا، وَهَذَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ الْوَاجِبَةِ لِلْجَيْشِ، وَأَمَّا الْخُمُسُ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَضَعَهُ فِي مَوَاضِعِ الْخُمُسِ.
وَقَاسَ فِي نَوَازِلِهِ عَلَى هَذَا حُكْمَ مُسْتَغْرِقِ الذِّمَّةِ بِالْحَرَامِ يَتُوبُ وَمَا بِيَدِهِ لَيْسَ غَيْرَ الْمَغْصُوبِ وَأَرْبَابُ مَتَاعِهِ مَجْهُولُونَ قَالَ: حُكْمُ مَا بِيَدِهِ حُكْمُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَحُكْمُ كُبَّةِ الْخُيُوطِ قَالَ: بَلْ هَذَا فِي الْجَوَازِ أَحْرَى لِأَنَّ أَهْلَ تَبَاعَتِهِ حَقُّهُمْ فِي ذِمَّتِهِ لَا فِي عَيْنِ مَا بِيَدِهِ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ وَهَذَا الصَّوَابُ.
رَاجِعْ النَّوَازِلَ (وَلَوْ بِمَكَّةَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَلَا إنْ عَلِمَ خِيَانَتَهُ " وَقَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ كَغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ

الْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْقَصَّارِ.

(ضَامِنًا فِيهِمَا كَنِيَّةِ أَخْذِهَا قَبْلَهَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: هِيَ أَمَانَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ اخْتِزَالَهَا فَتَصِيرُ كَالْمَغْصُوبِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا ضَاعَتْ اللُّقَطَةُ مِنْ الْمُلْتَقِطِ لَمْ يَضْمَنْ.
قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ: وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ قَالَ لَهُ رَبُّهَا أَخَذْتهَا لِتَذْهَبَ بِهَا وَقَالَ هُوَ بَلْ لِأُعَرِّفَهَا صُدِّقَ الْمُلْتَقِطُ.
قَالَ

أَشْهَبُ: بِلَا يَمِينٍ.

(وَرَدِّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ إلَّا بِقُرْبٍ فَتَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً بَعْدَ أَنْ حَازَهَا وَبَانَ بِهَا رَدَّهَا لِمَوْضِعِهَا أَوْ لِغَيْرِهِ ضَمِنَهَا، وَأَمَّا إنْ رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا مَكَانَهُ فِي سَاعَتِهِ كَمَنْ مَرَّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ فَوَجَدَ شَيْئًا وَأَخَذَهُ وَصَاحَ بِهِ أَهَذَا لَك فَيَقُولُ لَا فَيَتْرُكُهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي وَاجِدِ الْكِسَاءِ فِي أَثَرِ رُفْقَةٍ فَأَخَذَهُ وَصَاحَ بِهِ أَهَذَا لَكُمْ فَقَالُوا لَا فَرَدَّهُ قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ فِي رَدِّهِ وَلَا يَضْمَنُ.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا إنْ رَدَّهُ بِالْقُرْبِ، وَأَمَّا إنْ رَدَّهُ بَعْدَ طُولٍ فَهُوَ ضَامِنٌ.
وَقَالَ عِيَاضٌ فِي مَسْأَلَةِ الْكِسَاءِ: إنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ نِيَّةِ التَّعْرِيفِ.
قَالَ: وَاخْتُلِفَ إذَا أَخَذَ اللُّقَطَةَ بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَدَّهَا بِالْقُرْبِ، وَاخْتَلَفَ تَأْوِيلُ الشُّيُوخِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ فَقِيلَ إنَّهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَإِنَّهُ ضَامِنٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا، وَتَأَوَّلَ آخَرُونَ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا رَدَّهَا بِالْقُرْبِ.

(وَذُو الرِّقِّ كَذَلِكَ وَقَبْلَ السَّنَةِ فِي رَقَبَتِهِ) اللَّخْمِيِّ: إذَا الْتَقَطَ الْعَبْدُ اللُّقَطَةَ عَرَّفَهَا وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ السَّنَةِ كَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ

السَّنَةِ لَمْ تَكُنْ إلَّا فِي ذِمَّتِهِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَلَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ أَنْ يُسْقِطَهَا عَنْهُ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يُسَلِّطْ يَدَهُ عَلَيْهَا وَلَوْلَا الشُّبْهَةُ لَكَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا جَعَلَهَا بَعْدَ السَّنَةِ فِي ذِمَّتِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «عَرَّفَهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا» فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ " فَشَأْنُك بِهَا ".

(وَلَهُ أَكْلُ مَا يَفْسُدُ وَلَوْ بِقَرْيَةٍ وَشَاةٍ بِفَيْفَاءَ) تَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَا تَافِهًا " وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَجَدَ ضَالَّةً بِقُرْبِ الْعُمْرَانِ عَرَّفَ بِهَا فِي أَقْرَبِ الْقُرَى إلَيْهِ وَلَا يَأْكُلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي فَلَوَاتِ الْأَرْضِ وَالْمَهَامِهِ أَكَلَهَا وَلَا يُعَرِّفُ بِهَا وَلَا يَضْمَنُ لِرَبِّهَا شَيْئًا.
وَقَالَ سَحْنُونَ فِيمَنْ وَجَدَ شَاةً اخْتَلَطَتْ بِغَنَمِهِ فَهِيَ كَاللُّقَطَةِ يَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا، يُرِيدُ بَعْدَ السَّنَةِ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا ضَمِنَهَا لَهُ وَلَهُ شُرْبُ لَبَنِهَا وَهَذَا خَفِيفٌ لِأَنَّهُ يَرْعَاهَا وَيَتَفَقَّدُهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا وَجَدَ الْغَنَمَ فِي أَقْرَبِ الْعُمْرَانِ فَعَرَّفَهَا فَلَمْ يَأْتِ رَبُّهَا فَالصَّدَقَةُ بِثَمَنِهَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّدَقَةِ بِهَا، وَكَذَلِكَ الِاسْتِينَاءُ بِثَمَنِهَا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَنَسْلُهَا مِثْلُهَا.
وَأَمَّا اللَّبَنُ وَالزُّبْدُ فَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لِذَلِكَ ثَمَنٌ فَلْيَبِعْ وَيَصْنَعْ بِثَمَنِهِ مَا يَصْنَعُ بِثَمَنِهَا، وَإِنْ

كَانَ لَهُ قِيَامٌ وَعُلُوفَةٌ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا بِمَوْضِعٍ لَا ثَمَنَ لَهُ فَلْيَأْكُلْهُ.
وَأَمَّا الصُّوفُ وَالسَّمْنُ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ أَوْ بِثَمَنِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ بِخِلَافِ الْمَالِ.
اهـ. نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ.
وَلِابْنِ رُشْدٍ إثْرَ نَقْلِهِ كَلَامَ سَحْنُونٍ مَا نَصُّهُ: لَهُ شُرْبُ لَبَنِهَا قَدْرَ قِيَامِهِ بِهَا وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَلُقَطَةِ طَعَامٍ يُفَرَّقُ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ نِتَاجِهَا.
وَلِابْنِ رُشْدٍ أَيْضًا: خَفَّفَ مَالِكٌ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ لَبَنِهَا بِقَدْرِ قِيَامِهِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ كَالْوَصِيِّ فِي مَالِ يَتِيمِهِ وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ مَالَهُ قَدْرٌ يَشِحُّ بِهِ رَبُّهُ كَلُقَطَةٍ وَمَا لَا يَشِحُّ بِهِ لَهُ أَكْلُهُ.

(كَبَقَرٍ بِمَحَلِّ خَوْفٍ وَإِلَّا تُرِكَتْ كَإِبِلٍ فَإِنْ أُخِذَتْ عُرِّفَتْ ثُمَّ تُرِكَتْ بِمَحَلِّهَا) وَمِنْ الْمُخْتَلِطَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَضَالَّةُ الْبَقَرِ إنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ وَالذِّئَابِ فَهِيَ كَالْغَنَمِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ وَالذِّئَابِ فَهِيَ كَالْإِبِلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ وَجَدَ ضَالَّةَ الْإِبِلِ فِي الْفَلَاةِ تَرَكَهَا، فَإِنْ أَخَذَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً وَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهَا وَلَا بَيْعُهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَبَّهَا فَلْيُخَلِّهَا بِالْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ.

(وَكِرَاءُ بَقَرٍ وَنَحْوِهَا فِي عَلَفِهَا كِرَاءً مَأْمُونًا) اللَّخْمِيِّ: ضَالَّةُ الْبَقَرَةِ وَالْخَيْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ الدَّوَابِّ يُمْنَعُ مِنْ أَخْذِهَا إذَا كَانَتْ فِي مَوْضِعِ رَعْيٍ وَمَاءٍ

لَا يُخَافُ عَلَيْهَا سِبَاعٌ وَلَا نَاسٌ، فَإِنْ انْخَرَمَ أَحَدُ هَذِهِ الْوُجُوهِ أُخِذَتْ، وَلَيْسَ لِهَذِهِ صَبْرٌ عَنْ الْمَاءِ كَالْإِبِلِ، فَإِنْ أُخِذَتْ عُرِّفَتْ حَوْلًا وَإِذَا تَكَلَّفَ ذَلِكَ وَاجِدُهَا وَلَمْ يَلْحَقْ صَاحِبَهَا فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا تِلْكَ الْمُدَّةِ مَضَرَّةٌ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى رَعْيِهَا فِي أَمْنٍ وَحِفْظٍ أَوْ يُؤَاجِرُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بِقَدْرِ مَا تَحْتَاجُ مِنْ النَّفَقَةِ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنْ خِيفَ خُرُوجُهَا إلَى الرَّعْيِ اُسْتُؤْجِرَتْ فِي مَأْمُونٍ مِنْ الْأَعْمَالِ بِقَدْرِ مَا تَحْتَاجُهُ مِنْ النَّفَقَةِ، فَإِنْ لَمْ تُوَفِّ الْإِجَارَةُ بِعَلَفِهَا أَوْ قَالَ وَاجِدُهَا لَا أَتَكَلَّفُ الصَّبْرَ عَلَيْهَا بِيعَتْ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ، رَاجِعْ اللَّخْمِيِّ.

(وَرُكُوبُ دَابَّةٍ لِمَوْضِعِهِ وَإِلَّا ضَمِنَ) مُطَرِّفٌ: لَوْ أَجَّرَ ضَالَّةَ الدَّوَابِّ لِرُكُوبِهَا إلَى مَوْضِعِهِ لَا فِي حَوَائِجِهِ فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا.

(وَغَلَّتُهَا دُونَ نَسْلِهَا) الَّذِي لِمَالِكٍ: نِتَاجُ الضَّالَّةِ مِثْلُهَا وَلَبَنُهَا عَلَى أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ.
وَقَيَّدَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِقَدْرِ قِيَامِهِ عَلَيْهَا وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ لُقَطَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ " كَبَقَرٍ " فَانْظُرْهُ مَعَ لَفْظِ خَلِيلٍ.

(وَخُيِّرَ رَبُّهَا بَيْنَ فَكِّهَا بِالنَّفَقَةِ أَوْ إسْلَامِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَجَدَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فَلْيُعَرِّفْهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا أَخَذَهَا.
وَمَا أَنْفَقَ عَلَى هَذِهِ الدَّوَابِّ أَوْ أَنْفَقَ عَلَى مَا الْتَقَطَ مِنْ

عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ عَلَى إبِلٍ قَدْ كَانَ رَبُّهَا أَسْلَمَهَا أَوْ عَلَى بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ مَتَاعٍ أُكْرِيَ فَحَمَلَهُ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ بِأَمْرِ سُلْطَانٍ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَيْسَ لِرَبِّ ذَلِكَ أَخْذُهُ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا أَنْفَقَ فَيَأْخُذَهُ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهَا إلَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي رُهُونِهَا الْمُنْفِقُ عَلَى الضَّالَّةِ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ نَفَقَتَهُ.

(وَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَهَا فَمَا لِرَبِّهَا إلَّا الثَّمَنُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ بِيعَتْ اللُّقَطَةُ بَعْدَ السَّنَةِ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إنْ جَاءَ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَإِنْ بِيعَتْ دُونَ أَمْرِ الْإِمَامِ، وَلِرَبِّهَا أَخْذُ الثَّمَنِ مِمَّنْ قَبَضَهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الدَّوَابِّ إذَا بِيعَتْ.
ابْنُ يُونُسَ: وَجَعَلَ أَشْهَبُ بَيْعَ الثِّيَابِ بَعْدَ السَّنَةِ دُونَ أَمْرِ الْإِمَامِ تَعَدِّيًا وَجَعَلَهُ يَنْقُضُ الْبَيْعَ فِي الدَّوَابِّ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فَشَأْنُك بِهَا» فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا أَبْيَنُ.

(بِخِلَافِ لَوْ وَجَدَهَا بِيَدِ الْمِسْكِينِ أَوْ مُبْتَاعٍ مِنْهُ فَلَهُ أَخْذُهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا تَصَدَّقَ بِاللُّقَطَةِ بَعْدَ السَّنَةِ ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا، فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِيَدِ الْمِسْكِينِ فَلَهُ أَخْذُهَا، فَإِنْ أَكَلَهَا الْمَسَاكِينُ فَلَيْسَ لَهُ تَضْمِينُهُمْ لِأَنَّهُ قِيلَ فِي اللُّقَطَةِ يُعَرِّفُهَا سَنَةً ثُمَّ شَأْنُهُ بِهَا بِخِلَافِ الْمَوْهُوبِ يَأْكُلُ الْهِبَةَ ثُمَّ تُسْتَحَقُّ هَذَا لِرَبِّهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ؛ ابْنُ يُونُسَ: إنْ تَصَدَّقَ بِهَا بَعْدَ أَنْ الْتَزَمَ قِيمَتَهَا لِرَبِّهَا فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ.
أَنْ يُلْزِمَهُ مَا الْتَزَمَ أَوْ يَأْخُذَهَا مِنْ يَدِ الْمَسَاكِينِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا تَعَدِّيًا أَوْ عَنْ رَبِّهَا فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إلَّا أَخْذُهَا، وَإِنْ فَاتَتْ فِي الْوَجْهَيْنِ لَزِمَ مُلْتَقِطَهَا قِيمَتُهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ وُجِدَتْ بِيَدِ مَنْ ابْتَاعَهَا مِنْ الْمَسَاكِينِ فَلَهُ أَخْذُهَا ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ.
ابْنُ يُونُسَ: جَعَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ لِرَبِّهَا نَقْضَ الْبَيْعِ الَّذِي بَاعَهُ الْمَسَاكِينُ لَهَا وَلَيْسَ لَهُ نَقْضُ بَيْعِ الْمُلْتَقِطِ لَهَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ بَاعَهَا خَوْفًا مِنْ ضَيَاعِهَا وَأَوْقَفَ لَهُ ثَمَنَهَا فَلَمْ يُنْقَضْ بَيْعُهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَشَأْنُك بِهَا» وَالْمَسَاكِينُ إنَّمَا بَاعُوهَا عَلَى أَنَّهَا مِلْكٌ لَهُمْ فَلِمُسْتَحِقِّهَا نَقْضُ بَيْعِهِمْ كَنَقْضِهِ بَيْعَ الْمُشْتَرِي فِي الِاسْتِحْقَاقِ، ابْنُ يُونُسَ: فَإِذَا أَخَذَهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ رَجَعَ الْمُبْتَاعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمَسَاكِينِ إنْ كَانَ قَائِمًا بِأَيْدِيهِمْ كَمَا كَانَ لِرَبِّهَا أَنْ يَأْخُذَ عَيْنَهَا مِنْهُمْ، وَإِنْ أَكَلُوهُ فَالْأَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ الَّذِي سَلَّطَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ أَكَلُوهَا، وَانْظُرْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ أَعْنِي فِي رُجُوعِ الْإِنْسَانِ فِي عَيْنِ مَالِهِ فَإِنْ فَاتَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ: مَنْ أَثَابَ مِنْ صَدَقَةٍ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ، وَمَنْ رَدَّ مَا تَسَلَّفَهُ بِأَرْضِ الْحَرْبِ، وَمَنْ اشْتَرَى حَاجَةً لِغَيْرِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ، أَوْ دَفَعَ ثَوْبًا أَرْفَعَ مِمَّا بَاعَ غَلَطًا أَوْ بَاعَ مُرَابَحَةً ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ غَلِطَ، وَمَا أَصَابَ الْخَوَارِجُ مِنْ الْأَمْوَالِ ثُمَّ تَابُوا، وَمَنْ دَفَعَ كَفَّارَةً أَوْ زَكَاةً لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَمَنْ عَلَيْهِ نِصْفُ عُشْرٍ فَأَخْرَجَ الْعُشْرَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي عَيْنِ ذَلِكَ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ إنْ تَلِفَ.
قَالَ الصَّائِغُ: وَإِنْ كَانَ لَهُ زَرْعٌ آخَرُ فَلَا يُحَاسِبُ بِقَدْرِ مَا زَادَ جَهْلًا (وَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ إنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي عَيْنِهَا إنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ تَصَدَّقَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ أَشْهَبَ: إنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا مِنْ الْمَسَاكِينِ أَوْ قِيمَتِهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ الْمُلْتَقِطُ عَلَى الْمَسَاكِينِ بِشَيْءٍ.

(وَإِنْ نَقَصَتْ بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا أَوْ قِيمَتُهَا) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ وَجَدَهَا رَبُّهَا بِيَدِ مُلْتَقِطِهَا وَقَدْ نَقَصَهَا بِاسْتِعْمَالٍ فَلَهُ أَخْذُهَا وَمَا نَقَصَهَا، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا فَفِي تَخْيِيرِهِ فِي أَخْذِ قِيمَتِهَا أَوْ أَخْذِهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي نَقْصِهَا.
ابْنُ شَاسٍ.

[كِتَابُ اللَّقِيطِ]

[بَابٌ فِي الِالْتِقَاطِ وَأَحْكَامِ اللَّقِيطِ]

كِتَابُ اللَّقِيطِ وَفِيهِ بَابَانِ: الْأَوَّلُ فِي الِالْتِقَاطِ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ اللَّقِيطِ (وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلٍ نُبِذَ كِفَايَةً) . ابْنُ شَاسٍ: كُلُّ صَبِيٍّ ضَائِعٍ لَا كَافِلَ لَهُ فَالْتِقَاطُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ (وَحَضَانَتُهُ) . ابْنُ عَرَفَةَ: حَضَانَةُ اللَّقِيطِ عَلَى مُلْتَقِطِهِ اتِّفَاقًا.

(وَنَفَقَتُهُ إنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ الْفَيْءِ إلَّا أَنْ يَمْلِكَ كَهِبَةٍ أَوْ يُوجَدَ مَعَهُ مَالٌ أَوْ مَدْفُونٌ تَحْتَهُ إنْ كَانَتْ مَعَهُ رُقْعَةٌ) . ابْنُ شَاسٍ نَفَقَةُ اللَّقِيطِ فِي مَالِهِ وَهُوَ مَا وُقِفَ عَلَى اللُّقَطَاءِ أَوْ وُهِبَ لَهُمْ أَوْ أُوصِيَ لَهُمْ بِهِ أَوْ مَا وُجِدَ تَحْتَ يَدِ اللَّقِيطِ عِنْدَ الْتِقَاطِهِ لِكَوْنِهِ مَلْفُوفًا عَلَيْهِ.
وَفِي الزَّاهِي: إنْ وَجَدَهَا عَلَى فِرَاشِهِ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ مَعَهُ مَالٌ مَشْدُودٌ أَوْ حُزِمَ عَلَى مَالٍ مَوْضُوعٍ مَشْدُودٍ فَهُوَ لَهُ.
ابْنُ شَاسٍ: وَأَمَّا مَا هُوَ مَدْفُونٌ فِي الْأَرْضِ تَحْتَهُ فَلَيْسَ هُوَ لَهُ إلَّا أَنْ تُوجَدَ مَعَهُ رُقْعَةٌ مَكْتُوبَةٌ بِأَنَّهَا لَهُ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ لَهُ ابْنُ عَرَفَةَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَالَ الْبَاجِيُّ: مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُ، فَرَوَى مُحَمَّدٌ عَلَى مُلْتَقِطِهِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيَسْتَغْنِيَ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ وَإِنْ اسْتَأْذَنَ الْإِمَامَ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: اللَّقِيطُ حُرٌّ

وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَكَذَلِكَ أَجْرُ رَضَاعِهِ وَرَضَاعُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ مِنْ الْيَتَامَى (وَرُجُوعُهُ عَلَى أَبِيهِ إنْ طَرَحَهُ عَمْدًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُتْبَعُ اللَّقِيطُ بِشَيْءٍ مِمَّا أُنْفِقَ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ الْيَتَامَى الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ.
قَالَ: وَمَنْ كَفَلَ يَتِيمًا فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ وَلِلْيَتِيمِ مَالٌ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ أَشْهَدَ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ إذَا قَالَ أَنْفَقْتُ عَلَيْهِ لَا رَجَعَ فِي مَالِهِ.
وَقَالَ: وَلَوْ قَالَ مَنْ فِي حِجْرِهِ يَتِيمٌ أَنَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَفَادَ مَالًا أَخَذْته مِنْهُ وَإِلَّا فَهُوَ فِي حِلٍّ فَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَلَا يُتْبَعُ الْيَتِيمُ بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ أَمْوَالُ عُرُوضٍ فَيُسَلِّفُهُ حَتَّى يَبِيعَ عُرُوضَهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ قَصَّرَ الْمَالُ عَمَّا أَسْلَفَهُ لَمْ يُتْبِعْهُ بِالزَّائِدِ، وَكَذَلِكَ اللَّقِيطُ.
وَأَمَّا الْأَبُ إذَا أَنْفَقَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَهُ مَالُ عَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ ثُمَّ قَالَ حَاسِبُوهُ حُوسِبَ بِذَلِكَ وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ عَرْضًا حُوسِبَ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى بَقَاءَهُ إلَّا أَنْ يُبَاعَ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ عَيْنًا حَاضِرًا فَلَا يُحَاسَبُ لِأَنَّ تَرْكَ الْإِنْفَاقِ مِنْهُ وَذَلِكَ يُمْكِنُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ فَأَتَى رَجُلٌ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ فَلْيُتْبِعْهُ بِمَا أَنْفَقَ إنْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا حِينَ النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
هَذَا إنْ تَعَمَّدَ الْأَبُ طَرْحَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ طَرَحَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا شَيْءَ عَلَى

الْأَبِ بِحَالٍ لِأَنَّ الْمُنْفِقَ مُحْتَسِبٌ.
اللَّخْمِيِّ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَبْيَنُ لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ عَلِمْت لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَمْ أُنْفِقْ عَلَيْهِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي صَبِيٍّ ضَلَّ مِنْ وَالِدِهِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ رَجُلٌ: فَلَا يَتَّبِعُ أَبَاهُ بِشَيْءٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ اللَّقِيطُ الَّذِي لَمْ يَتَعَمَّدْ الْأَبُ طَرْحَهُ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ.
وَمَنْ أَنْفَقَ عَلَى وَلَدِ غَائِبٍ وَهُمْ صِغَارٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ أَوْ أَنْفَقَتْ زَوْجَتُهُ عَلَى نَفْسِهَا فِي غِيبَتِهِ ثُمَّ قَدِمَ، فَلَهُمَا أَنْ يَرْجِعَا عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَا إنْ كَانَ مُوسِرًا فِي غِيبَتِهِ وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ غَابَ وَهُوَ مُوسِرٌ فَأَمَرَ الْإِمَامُ رَجُلًا بِالنَّفَقَةِ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا أَنْفَقَ هُوَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْإِمَامِ عَلَى وَجْهِ السَّلَفِ لَهُ لَاتَّبَعَهُ بِذَلِكَ إذَا حَلَفَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ بِمَعْنَى السَّلَفِ وَكَانَتْ لَهُ عَلَى النَّفَقَةِ بَيِّنَةٌ وَكَانَ الْأَبُ فِي حَالِ النَّفَقَةِ مُوسِرًا وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ نَفَقَةَ مِثْلِهِ، فَإِنْ زَادَ لَمْ يَتَّبِعْهُ بِالزَّائِدِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُعْسِرًا فِي ذَلِكَ لَمْ يَتَّبِعْهُ بِشَيْءٍ، وَلَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ عُسْرِهِ فَمَاتَ لَمْ يَتَّبِعْ بِشَيْءٍ (وَالْقَوْلُ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ حِسْبَةً) هَكَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمُقْتَضَى الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَتَرْشِيحُ اللَّخْمِيِّ بِقَوْلِهِ إنَّهُ يَقُولُ: لَوْ عَلِمْت لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مَا أَنْفَقْت عَلَيْهِ.

(وَهُوَ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: اللَّقِيطُ حُرٌّ.
قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَعَقْلُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ (وَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فِي قُرَى الْمُسْلِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا بَيْتَانِ إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ وَفِي قُرَى الشِّرْكِ مُشْرِكٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قُلْت: مَنْ

الْتَقَطَ لَقِيطًا فِي مَدِينَةِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي قَرْيَةِ الشِّرْكِ فِي أَرْضٍ أَوْ كَنِيسَةٍ أَوْ بِيعَةٍ وَعَلَيْهِ زِيُّ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ الْمُسْلِمِينَ وَكَيْفَ إنْ كَانَ الَّذِي الْتَقَطَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ مَا حَالُهُ؟ قَالَ: إنْ الْتَقَطَهُ نَصْرَانِيٌّ فِي قُرَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَمَوَاضِعِهِمْ فَهُوَ مُسْلِمٌ، وَإِنْ كَانَ فِي قُرَى الشِّرْكِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَمَوَاضِعِهِمْ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنْ وُجِدَ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لِلنَّصَارَى، وَلَا يُعْرَضُ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَلْتَقِطَهُ هُنَاكَ مُسْلِمٌ فَيَجْعَلَهُ عَلَى دِينِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ فِي قُرَى الْإِسْلَامِ وَمَوَاضِعِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي قُرَى الشِّرْكِ فَمُشْرِكٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إلَّا أَنْ يَلْتَقِطَهُ مُسْلِمٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُ بَيْتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَمُشْرِكٌ إلَّا أَنْ يَلْتَقِطَهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ كَحُرِّيَّتِهِ لِلِاحْتِمَالِ.

(وَلَمْ يُلْحَقْ بِمُلْتَقَطِهِ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِوَجْهٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَأَتَى رَجُلٌ فَادَّعَى أَنَّهُ وَلَدُهُ لَمْ يُصَدَّقْ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِدَعْوَاهُ وَجْهٌ كَرَجُلٍ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ فَزَعَمَ أَنَّهُ رَمَاهُ لِقَوْلِ النَّاسِ إذَا طُرِحَ عَاشَ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ وَإِلَّا لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُلْتَقِطُ؟ قَالَ: أَرَاهُ شَاهِدًا وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ مَعَ الْيَمِينِ فِي النَّسَبِ.
ابْنُ يُونُسَ: خَالَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَصْلَهُ فِي الِاسْتِلْحَاقِ.

(وَلَا يَرُدُّهُ بَعْدَ أَخْذِهِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ لِيَدْفَعَهُ لِلْحَاكِمِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَالْمَوْضِعُ مَطْرُوقٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ أَشْهَبُ: مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَلَيْسَ لَهُ تَرْكُهُ إنْ أَخَذَهُ لِيُرَبِّيَهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ لِيَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ فَلَا ضِيقَ عَلَيْهِ فِي رَدِّهِ لِمَوْضِعِ أَخْذِهِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ أَخَذَ لَقِيطًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ الْتَزَمَ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ قُبِلَ قَوْلُهُ.
زَادَ ابْنُ شَاسٍ إثْرَ قَوْلِ أَشْهَبَ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَوْضِعًا لَا يُخَافُ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَلَاكُ لِكَثْرَةِ النَّاسِ فِيهِ وَيُوقِنُ أَنَّهُ سَيُسَارِعُ النَّاسُ إلَى أَخْذِهِ.

(وَقُدِّمَ الْأَسْبَقُ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ ازْدَحَمَ

اثْنَانِ عَلَى اللَّقِيطِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَهْلٌ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ، فَإِنْ اسْتَوَيَا قَدَّمَ الْإِمَامُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلصَّبِيِّ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا (ثُمَّ الْأَوْلَى) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَكَابَرَهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَنَزَعَهُ مِنْهُ فَرَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ، نَظَرَ الْإِمَامُ إلَى الصَّبِيِّ فَأَيُّهُمْ كَانَ أَقْوَى عَلَى مُؤْنَتِهِ وَكَفَالَتِهِ وَكَانَ مُؤْمِنًا دَفَعَهُ إلَيْهِ (وَإِلَّا فَالْقُرْعَةُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ اسْتَوَيَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَهُ الْغَزَالِيُّ.

(وَيَنْبَغِي الْإِشْهَادُ) . ابْنُ شَاسٍ: مَنْ أَخَذَ لَقِيطًا فَلْيُشْهِدْ عَلَيْهِ خَوْفَ الِاسْتِرْقَاقِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَهُ الْغَزَالِيُّ.

(وَلَيْسَ لِمُكَاتَبٍ وَنَحْوِهِ الْتِقَاطٌ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ الْتَقَطَ الْعَبْدُ وَالْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ اُنْتُزِعَ مِنْ أَيْدِيهِمَا فَإِنَّ الْحَضَانَةَ تَبَرُّعٌ وَلَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ، فَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ فَهُوَ لِلْمُلْتَقِطِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَهُ الْغَزَالِيُّ.
وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُنَا يَقْتَضِيهِ لَكِنَّ الْحَقَّ أَنْ لَا يُنْقَلَ عَلَى أَنَّهُ نَصٌّ فِيهِ بَلْ عَلَى أَنَّهُ مُقْتَضَاهُ.

(وَنُزِعَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيْرِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا: اللَّقِيطُ فِي قُرَى الْإِسْلَامِ مُسْلِمٌ وَلَوْ الْتَقَطَهُ كَافِرٌ.
مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ: إنْ الْتَقَطَهُ نَصْرَانِيٌّ نُزِعَ مِنْهُ لِئَلَّا يُنَصِّرَهُ أَوْ يَسْتَرِقَّهُ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إنْ الْتَقَطَتْ نَصْرَانِيَّةٌ صَبِيَّةً فَرَبَّتْهَا حَتَّى بَلَغَتْ عَلَى دِينِهَا رُدَّتْ لِلْإِسْلَامِ وَهِيَ حُرَّةٌ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ الْتَقَطَ كَافِرٌ لَقِيطًا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ فَرَبَّاهُ عَلَى دَيْنِهِ لَمْ يُتْرَكْ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ عَلَى ذَلِكَ فَيُخْتَلَفُ فِيهِ، هَلْ يُقَرُّ عَلَيْهِ.

(وَنُدِبَ أَخْذُ آبِقٍ لِمَنْ يَعْرِفُ وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ وَجَدَ آبِقًا فَلَا يَأْخُذُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَرِيبِهِ أَوْ جَارِهِ أَوْ لِمَنْ يَعْرِفُهُ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَأْخُذَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ أَيْضًا فَهُوَ فِي سَعَةٍ (فَإِنْ أَخَذَهُ رُفِعَ لِلْإِمَامِ وَوُقِفَ سَنَةً ثُمَّ بِيعَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَخَذَ آبِقًا رَفَعَهُ لِلْإِمَامِ فَوَقَفَهُ سَنَةً وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ وَإِلَّا بَاعَهُ وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهِ مَا أَنْفَقَ وَحَبَسَ بَقِيَّةَ الثَّمَنِ لِرَبِّهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
قَالَ سَحْنُونَ: لَا أَرَى أَنْ يُوقَفَ سَنَةً وَلَكِنْ بِقَدْرِ مَا يَتَبَيَّنُ أَمْرُهُ ثُمَّ يُبَاعُ وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ صِفَتَهُ عِنْدَهُ حَتَّى يَأْتِيَ طَالِبُهُ.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ (وَلَا يُهْمَلُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: أَمَرَ مَالِكٌ بِبَيْعِ الْإِبَاقِ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِطْلَاقِهِمْ يَعْمَلُونَ وَيَأْكُلُونَ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ كَضَوَالِّ الْإِبِلِ لِأَنَّهُمْ يَأْبَقُونَ

ثَانِيَةً (وَأَخَذَ نَفَقَتَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: أَخَذَ مِنْ ثَمَنِهِ مَا أَنْفَقَ (وَمَضَى بَيْعُهُ وَإِنْ قَالَ رَبُّهُ كُنْت أَعْتَقْتُهُ)

مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا جَاءَ رَبُّ الْآبِقِ بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ السَّنَةِ وَالْعَبْدُ قَائِمٌ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الثَّمَنُ، وَلَا يُرَدُّ الْبَيْعُ لِأَنَّ الْإِمَامَ بَاعَهُ وَبَيْعُهُ جَائِزٌ، وَلَوْ قَالَ رَبُّهُ كُنْت أَعْتَقْتُهُ أَوْ دَبَّرْتُهُ بَعْدَ أَنْ أَبْقَ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَأْبِقَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى نَقْضِ الْبَيْعِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.

(وَلَهُ عِتْقُهُ وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ لِسَيِّدِ الْآبِقِ عِتْقُهُ وَتَدْبِيرُهُ وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ لِثَوَابٍ، وَإِذَا زَنَى

الْآبِقُ أَوْ سَرَقَ أَوْ قَذَفَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.

(وَضَمِنَهُ إنْ أَرْسَلَهُ لَا لِخَوْفٍ مِنْهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَخَذَ آبِقًا فَأَبْقَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ بَعْدَ أَخْذِهِ ضَمِنَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَوْ خَلَّاهُ بَعْدَ أَنْ أَخَذَهُ لِعُذْرٍ خَافَ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يَضْرِبَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ لِشِدَّةِ النَّفَقَةِ فَهُوَ ضَامِنٌ (كَمَنْ اسْتَأْجَرَهُ فِيمَا يَعْطَبُ فِيهِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اسْتَأْجَرَ آبِقًا فَعَطِبَ فِي عَمَلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ آبِقٌ ضَمِنَهُ لِرَبِّهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ آجَرَ عَبْدًا عَلَى تَبْلِيغِ كِتَابٍ إلَى بَلَدٍ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَبْدٌ فَعَطِبَ فِي الطَّرِيقِ: إنَّهُ يَضْمَنُهُ (لَا إنْ أَبَقَ مِنْهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَخَذَ آبِقًا فَأَبَقَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ مُرْتَهِنًا وَحَلَفَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ الرَّهْنُ لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُرْتَهِنُ فِي إبَاقٍ وَصَدَّقَهُ وَلَا يَحْلِفُ وَكَانَ عَلَى حَقِّهِ.
وَفِي رِوَايَةِ الدَّبَّاغِ يَحْلِفُ.

(وَاسْتَحَقَّهُ سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اعْتَرَفَ آبِقًا عِنْدَ السُّلْطَانِ أَشْهَدَ شَاهِدًا حَلَفَ مَعَهُ وَأَخَذَ الْعَبْدَ.

(وَأَخَذَهُ إنْ لَمْ تَكُنْ إلَّا دَعْوَاهُ إنْ صَدَّقَهُ) مِنْ

فصول الكتاب · 7 فصل · 674 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التاج والإكليل لمختصر خليل · 674 صفحة
المقدمة
ٍ: زَكَاةُ النَّعَمِ
ِ (فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ)
َ كِتَابِ الْبُيُوعِ.
خِيَارِ التَّرَوِّي
َ: قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ
ضَمَانِ سِرَايَةِ الْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِي عَيْنِهِ أَوْ جِنْسِهِ
جارٍ التحميل