التاج والإكليل لمختصر خليلصفحات 535-574
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ (فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ)

صفحات 535-574

[كِتَابُ الْجِهَادِ]

[بَابٌ فِي وُجُوبِ الْجِهَادِ وَكَيْفِيَّتِهِ]

ِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِهِ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّتِهِ وَالنَّظَرِ فِي تَفْصِيلِ مَا يُعَامَلُ بِهِ الْكُفَّارُ مِنْ قَتْلِهِمْ وَاسْتِرْقَاقِهِمْ وَإِهْلَاكِ أَمْوَالِهِمْ وَاغْتِنَامِهَا.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي تَرْكِ الْقِتَالِ بِالْأَمَانِ.
وَيَتْلُو هَذَا الْكِتَابَ كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْمُهَادَنَةِ، وَكِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنَائِمِ، وَكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ.
وَمِنْ النَّوَادِرِ مَا نَصُّهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَمَوْقِفُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ شُهُودِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ» وَقَالَ الْحَسَنُ: مَنْ قَلَّتْ حَسَنَاتُهُ وَكَثُرَتْ سَيِّئَاتُهُ فَلْيَجْعَلْ الدُّرُوبَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَغْبَرَ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَكُنْ يَتَلَثَّمُ مِنْ الْغُبَارِ» . وَكَرِهَ مَكْحُولٌ التَّلَثُّمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «غُبْرَةٌ بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَجَّةٍ مِنْ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» وَلَمَّا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ «لَوْ قُمْت اللَّيْلَ وَصُمْت النَّهَارَ مَا بَلَغْت نَوْمَ الْمُجَاهِدِ» . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «لَمْ تَبْلُغْ شِرَاكَ نِعَالِهِ» نُقِلَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَقِفَ مَوْقِفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُوَاجِهًا لِلْعَدُوِّ وَلَا أَضْرِبُ بِسَيْفٍ وَلَا أَطْعَنُ بِرُمْحٍ وَلَا أَرْمِي بِسَهْمٍ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ سِتِّينَ سَنَةً لَا أَعْصِيهِ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: لَحَرَسُ لَيْلَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ صِيَامِ أَلْفِ يَوْمٍ أَصُومُهَا وَأَقُومُ لَيْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَعِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى أَهْلِ حِمْصَ: عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ الرِّمَايَةَ وَالْفُرُوسِيَّةَ وَالسِّبَاحَةَ وَالِاخْتِفَاءَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ وَقَالَ: اخْتَفُوا وَتَمَعْدَدُوا وَاخْشَوْشِنُوا وَاسْتَقْبِلُوا حَرَّ الشَّمْسِ بِوُجُوهِكُمْ وَارْمُوا الْأَغْرَاضَ وَانْزُوا عَلَى الْخَيْلِ نَزْوًا.
وَكَانَ هُوَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُمْسِكُ بِأُذُنِ فَرَسِهِ وَبِأُذُنِ نَفْسِهِ ثُمَّ يَنْزُو عَلَيْهِ.
قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الْمُؤْمِنُ بَاطِلٌ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: تَأْدِيبِهِ فَرَسَهُ وَرَمْيِهِ عَنْ كَبِدِ قَوْسِهِ وَمُلَاعَبَتِهِ امْرَأَتَهُ فَإِنَّهُ حَقٌّ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ أَنْ تَعَلَّمَهُ فَقَدْ عَصَانِي» . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَهْوَانِ تَحْضُرُهُمَا الْمَلَائِكَةُ: الرَّمْيُ وَاسْتِبَاقُ الْخَيْلِ» . انْتَهَى مِنْ النَّوَادِرِ.

(الْجِهَادُ فِي أَهَمِّ جِهَةٍ كُلَّ سَنَةٍ وَإِنْ خَافَ مُحَارِبًا كَزِيَارَةِ الْكَعْبَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: الْجِهَادُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَهْدِ وَهُوَ التَّعَبُ، فَالْجِهَادُ الْمُبَالَغَةُ فِي إتْعَابِ الْأَنْفُسِ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: جِهَادٌ بِالْقَلْبِ أَنْ يُجَاهِدَ الشَّيْطَانَ وَالنَّفْسَ عَنْ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَجِهَادٌ بِاللِّسَانِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ.
وَجِهَادٌ بِالْيَدِ أَنْ يَزْجُرَ ذَوُو الْأَمْرِ أَهْلَ الْمَنَاكِرِ عَنْ الْمُنْكَرِ بِالْأَدَبِ وَالضَّرْبِ عَلَى مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ وَمِنْ ذَلِكَ إقَامَتُهُمْ الْحُدُودَ، وَجِهَادٌ بِالسَّيْفِ قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الدِّينِ.
فَكُلُّ مَنْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ فَقَدْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ إلَّا أَنَّ الْجِهَادَ إذَا أُطْلِقَ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى مُجَاهَدَةِ الْكُفَّارِ بِالسَّيْفِ، وَإِنَّمَا يُقَاتَلُ الْكُفَّارُ عَلَى الدِّينِ لِيَدْخُلُوا مِنْ الْكُفْرِ إلَى الْإِسْلَامِ لَا عَلَى الْغَلَبَةِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُجَاهِدِ أَنْ يَعْقِدَ نِيَّتَهُ أَنْ يُقَاتِلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ، فَإِذَا عَقَدَ نِيَّتَهُ عَلَى

هَذَا فَلَا يَضُرُّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ الْخَطَرَاتِ الَّتِي تَقَعُ فِي الْقَلْبِ وَلَا تُمْلَكُ لِحَدِيثِ «مُعَاذٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ إلَّا مُقَاتِلٌ؛ مِنْهُمْ مَنْ الْقِتَالُ طَبِيعَتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ رِيَاءً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ احْتِسَابًا، فَأَيُّ هَؤُلَاءِ شَهِيدٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا مُعَاذُ مَنْ قَاتَلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ وَأَصْلُ أَمْرِهِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . رُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ فَيُخْفِيهِ فَيَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَيُسِرُّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَهُ أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ» . انْتَهَى مِنْ ابْنِ رُشْدٍ.

التَّلْقِينُ: لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْجِهَادِ لِهُدْنَةٍ.
الدَّاوُدِيِّ: بَقِيَ الْجِهَادُ فَرْضًا بَعْدَ الْفَتْحِ عَلَى مَنْ يَلِي الْعَدُوَّ وَسَقَطَ عَمَّنْ بَعُدَ عَنْهُ.
الْمَازِرِيُّ: فَإِنْ عَصَى الْحَاضِرُ تَعَلَّقَ بِمَنْ يَلِيهِ.
وَفِي الْكَافِي: فَرَضَ عَلَى الْإِمَامِ إغْزَاءَ طَائِفَةٍ إلَى الْعَدُوِّ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً لِيَدْعُوَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَيُرَغِّبَهُمْ وَيَكُفَّ أَذَاهُمْ وَيُظْهِرَ دِينَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
وَفَرَضَ عَلَى النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ الْخُرُوجَ الْمَذْكُورَ لَا خُرُوجَهُمْ كَافَّةً.
وَالنَّافِلَةُ مِنْهُ إخْرَاجُ طَائِفَةٍ بَعْدَ أُخْرَى وَبَعْثُ السَّرَايَا وَقْتَ الْغُرَّةِ وَالْفُرْصَةِ.
ابْنُ بَشِيرٍ: الْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا كَانَ يَكْفِي فِيهِ قِيَامُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْإِمَامُ أَحَدًا.
(وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ الْوُلَاةِ.
وَرَجَعَ مَالِكٌ عَنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ لَمَا كَانَ مِنْ زَمَنِ عُمَرَ وَمَا صَنَعَ الرُّومُ بِغَارَتِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِالْجِهَادِ مَعَهُمْ وَلَوْ تَرَكَ لَكَانَ ضَرَرًا عَلَى الْإِسْلَامِ.
ابْنُ حَبِيبٍ: سَمِعْت أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لَا بَأْسَ بِالْغَزْوِ مَعَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَضَعُوا الْخُمُسَ مَوْضِعَهُ وَلَمْ يُوفُوا بِعَهْدٍ وَإِنْ عَمِلُوا مَا عَمِلُوا.
وَقَالَهُ الصَّحَابَةُ حِينَ أَدْرَكُوا مِنْ الظُّلْمِ فَكُلُّهُمْ قَالَ: اُغْزُ مَعَهُمْ عَلَى حَظِّك مِنْ الْآخِرَةِ وَلَا تَفْعَلْ مَا يَفْعَلُونَ مِنْ فَسَادٍ وَخِيَانَةٍ.
ابْنُ بَشِيرٍ: اُخْتُلِفَ فِي مُعَاوَنَةِ وُلَاةِ الْجَوْرِ فِي الْجِهَادِ وَالْوِلَايَاتِ وَالْأَحْكَامِ.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، فَتَنْظُرُ مَنْ تَوَجَّهَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَوْ دَعَا إلَيْهِ هَلْ يُؤَدِّيهِ الدُّخُولُ فِيهِ إلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ مِمَّا يَدْعُو إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ، أَوْ يُؤَدِّيهِ تَرْكُهُ إلَى مَضَرَّةٍ تَطْرَأُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ فَيَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ.
أَصْلُ هَذَا تَرْكُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَعْرَابِيَّ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ خَوْفَ مَضَرَّةٍ أَشَدَّ.
وَتَرْكُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَاءَ الْكَعْبَةِ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ خِيفَةً عَلَى اعْتِقَادِ مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْإِيمَانُ فِي صَدْرِهِ انْتَهَى.
اُنْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَقْضِيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " إلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ " وَانْظُرْ اسْمَ الدَّاوُدِيُّ فِي الْمَدَارِكِ حِينَ عَتَبَ عَلَى عُلَمَاءِ إفْرِيقِيَّةَ إقَامَتَهُمْ بَيْنَ أَظْهُرِ بَنِي عُبَيْدٍ فَقَالُوا لَهُ: اُسْكُتْ لَا شَيْخَ لَك.
وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى هَدْمِ سُوَرِ عَسْقَلَانَ وَهَدْمِ سُوَرِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ لَا يَطْمَعَ الْعَدُوُّ فِيهِ وَقْتَ اسْتِيلَاءِ الضَّعْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَقْلِيلًا لِلْمَفْسَدَةِ خَشْيَةَ أَنْ يَعُودَ لِلْعَدُوِّ لِاجْتِمَاعِ الضَّرَرِ وَلِلْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ ، وَقَدْ كَانَ عُمْرُهُمْ بِهَدْمِ الْمِصِّيصَةِ وَبِإِخْلَاءِ جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ، وَأَصْلُ هَذَا أَيْضًا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ فِي خَرْقِ الْخَضِرِ السَّفِينَةَ، وَقَدْ كُنْت أَفْتَيْت بِهَدْمِ جَبَلِ الْفَتْحِ قَبْلَ أَخْذِهِ الْعَدُوَّ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَمْ أَزَلْ أُفْتِي بِهَدْمِ سُورِ الْمُتِلَّيْنِ

وَهَدْمِ أَرِينَةَ وَالصَّخْرَةِ وَأَنَا مَعَ ذَلِكَ لَا أَجِدُ إلَّا مُعَارِضًا ثُمَّ أَحُضُّ عَلَى الْبِنَاءِ فَلَا أَجِدُ مُسَاعِدًا وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.

[شُرُوطُ وُجُوبِ الْجِهَادِ]

(عَلَى كُلِّ حُرٍّ ذَكَرٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: لِوُجُوبِ الْجِهَادِ سِتُّ شَرَائِطَ لَا يَجِبُ إلَّا بِهَا مَتَى انْخَرَمَ وَاحِدٌ مِنْهَا سَقَطَ وُجُوبُهُ وَهِيَ: الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالِاسْتِطَاعَةُ بِصِحَّةِ الْبَدَنِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمَالِ.
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ [التوبة: 91] . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33] وَالْعَبْدُ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ (كَالْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ) . ابْنُ رُشْدٍ: طَلَبُ الْعِلْمِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَالْجِهَادِ إلَّا مَا لَا يَسَعُ الْإِنْسَانَ جَهْلُهُ مِنْ صِفَةِ وُضُوئِهِ وَصَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ وَزَكَاتِهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِيهِ مَوْضِعٌ لِلْإِمَامَةِ وَالِاجْتِهَادِ فَطَلَبُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ أَوَاجِبٌ طَلَبُ الْعِلْمِ؟ فَقَالَ: أَمَّا عَلَى كُلِّ النَّاسِ فَلَا (وَالْفَتْوَى) نَقَلَ أَبُو عُمَرَ عَنْ الْحَسَنِ مَا نَصُّهُ: سِتٌّ إذَا أَدَّاهَا قَوْمٌ كَانَتْ مَوْضُوعَةً عَنْ الْعَامَّةِ، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ الْعَامَّةُ عَلَى تَرْكِهَا كَانُوا آثِمِينَ.
الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - يَعْنِي سَدَّ الثُّغُورِ وَالضَّرْبَ فِي الْعَدُوِّ - وَالْفُتْيَا وَغُسْلُ الْمَيِّتِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ وَحُضُورُ الْخُطْبَةِ (وَالدَّرْءُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ مَالِكٌ فِي النَّصِّ: إنْ قَطَعَ عَلَى غَيْرِك وَسَلِمْت مِنْهُ فَحُقَّ عَلَيْك الرُّجُوعُ وَالْمُعَاوَنَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: النَّاسُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ عَلَى مَرَاتِبَ.
فَفَرْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ تَنْبِيهُ الْوُلَاةِ وَحَمْلُهُمْ عَلَى جَادَّةِ الْعِلْمِ، وَفَرْضُ الْوُلَاةِ تَغْيِيرُهُ بِقُوَّتِهِمْ وَسُلْطَانِهِمْ وَلَهُمْ هُمْ الْيَدُ الْعُلْيَا، وَفَرْضُ سَائِرِ النَّاسِ رَفْعُهُ إلَى الْحُكَّامِ وَالْوُلَاةِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ قَوْلًا وَهَذَا فِي الْمُنْكَرِ الَّذِي لَهُ دَوَامٌ، وَأَمَّا إنْ رَأَى أَحَدٌ نَازِلَةً بَدِيهِيَّةً مِنْ الْمُنْكَرِ كَالسَّلْبِ فَيُغَيِّرُهَا بِنَفْسِهِ بِحَسَبِ الْحَالِ وَالْقُدْرَةِ (وَالْقَضَاءِ) اللَّخْمِيِّ: إقَامَةُ الْحُكْمِ لِلنَّاسِ وَاجِبَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الْهَرَجِ وَالْمَظَالِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَوْضِعِ وَإِلَّا كَانَ عَلَى ذَوِي الرَّأْيِ وَالثِّقَةِ أَنْ يُقَدِّمُوا مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَبُولُ وِلَايَتِهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ إلَّا وَاحِدٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ (وَالشَّهَادَةِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الشَّهَادَةُ بِاعْتِبَارِ تَحَمُّلِهَا الرِّوَايَاتِ وَاضِحَةً بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ.
فِي نَوَازِلَ سَحْنُونٍ: سُئِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] قَالَ: إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ عِنْدَك عِلْمٌ قَدْ أَشْهَدَك عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَك عِلْمٌ إنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُشْهِدَك ابْتِدَاءً فَأَنْتَ فِي سَعَةٍ إنْ وُجِدَ فِي الْبَلَدِ غَيْرُك مِمَّنْ يَشْهَدُ فَقَرِّرْهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: بِأَنْ تُحْمَلَ الشَّهَادَةُ فَرْضَ كِفَايَةٍ يَحْمِلُهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ.
وَأَمَّا أَنْ يُدْعَى لِيَشْهَدَ بِمَا عِنْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ (وَالْإِمَامَةِ) قَالَ

إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَبُو الْمَعَالِي: لَا يُسْتَدْرَكُ بِمُوجِبَاتِ الْعُقُولِ نَصْبُ إمَامٍ وَلَكِنْ يَثْبُتُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَدِلَّةِ السَّمْعِ وُجُوبُ نَصْبِ إمَامٍ فِي كُلِّ عَصْرٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ فِي الْمُلِمَّاتِ وَتُفَوَّضُ إلَيْهِ الْمَصَالِحُ الْعَامَّةُ (وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: قَدْ جَرَى رَسْمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِذِكْرِ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فِي الْأُصُولِ وَهُوَ بِمَجَالِ الْفِقْهِ أَجْدَرُ، فَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْجُمْلَةِ إلَّا مَا اخْتَصَّ مُدْرِكُهُ بِالِاجْتِهَادِ، فَلَيْسَ الْقَوْلُ فِيهِ أَمْرٌ وَنَهْيٌ بَلْ الْأَمْرُ فِيهِ مَوْكُولٌ إلَى أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
ثُمَّ لَيْسَ بِالْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى مُجْتَهِدٍ آخَرَ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ إذْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْفُرُوعِ مُصِيبٌ عِنْدَنَا، وَمَنْ قَالَ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ فَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، ثُمَّ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَلِلْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَصُدَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ بِفِعْلِهِ إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ عَنْهَا بِقَوْلِهِ، وَيَسُوغُ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَنْتَهِ الْأَمْرُ إلَى شَهْرِ السِّلَاحِ، فَإِذَا انْتَهَى الْأَمْرُ بِذَلِكَ إلَى ذَلِكَ رُبِطَ الْأَمْرُ بِالسُّلْطَانِ.
وَلَيْسَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ الْبَحْثَ وَالتَّنْفِيرَ وَالتَّجَسُّسَ وَاقْتِحَامَ الدُّورِ بِالظُّنُونِ بَلْ إنْ عَثَرَ عَلَى مُنْكَرٍ غَيَّرَهُ جَهْدَهُ، فَهَذِهِ عُقُودُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ.
انْتَهَى مِنْ الْإِرْشَادِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَأْمُرُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ فَإِنْ عَصَوْا كَانُوا شُهُودًا عَلَى مَنْ عَصَى.
قِيلَ لَهُ: أَيَأْمُرُ الرَّجُلُ الْوَالِيَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: إنْ رَجَا أَنْ يُطِيعَهُ فَلْيَفْعَلْ وَيَأْمُرُ وَالِدَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمَا عَنْ الْمُنْكَرِ وَيَخْفِضُ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ انْتَهَى.
مِنْ ابْنِ يُونُسَ: وَانْظُرْ فِي أَوَّلِ الْمَدَارِكِ حِينَ أَنْكَرَ ابْنُ هُرْمُزَ عَلَى بَعْضِ الْأَقْدَارِ وُقُوفَهُ مَعَ امْرَأَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لِعَبِيدِهِ: طَئُوا بَطْنَهُ، فَوَطِئُوهُ حَتَّى حُمِلَ إلَى مَنْزِلِهِ فَعَادَهُ النَّاسُ.
وَفِيهِمْ مَالِكٌ.
فَجَعَلَ يَشْكُو وَالنَّاسُ يَدْعُونَ لَهُ وَمَالِكٌ سَاكِتٌ ثُمَّ تَكَلَّمَ فَقَالَ: إنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَك تَأْتِي الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْقَدَرِ عَلَى بَابِ دَارِهِ مَعَهُ حَشَمُهُ وَمَوَالِيهِ.
فَقَالَ لَهُ ابْنُ هُرْمُزَ: فَتَرَانِي أَنِّي أَخْطَأْت؟ قَالَ: أَيْ وَاَللَّهِ (وَالْحِرَفِ الْمُهِمَّةِ) الَّذِي لِعِزِّ الدِّينِ فِي قَوَاعِدِهِ: فُرُوضُ الْكِفَايَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا الْمَصَالِحُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنْ الْحَرْثِ وَالزَّرْعِ وَالْغَزْلِ وَالنَّسْجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يُؤْجَرُ عَلَيْهَا فَاعِلُهَا إلَّا إنْ قَصَدَ بِهَا الْقُرْبَةَ، كَمَا لَا يُؤْجَرُ عَلَى تَرْكِ الْعِصْيَانِ إلَّا إذَا قَصَدَ بِذَلِكَ طَاعَةَ الدَّيَّانِ (وَرَدِّ السَّلَامِ) الرِّسَالَةُ: وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ وَالِابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ، وَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ أَجْزَأَ عَنْهُمْ وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ (وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ) تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ (وَفَكِّ الْأَسِيرِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِدَاءُ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ فِيهِ طُرُقٌ الْأَكْثَرُ وَاجِبٌ وَفِي الْمَبْدَأِ بِالْفِدَاءِ مِنْهُ طُرُقٌ وَسَيَأْتِي هَذَا عِنْدَ ذِكْرِهِ.

(وَتَعَيَّنَ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَدْ يَعْرِضُ لِلْفَرْضِ الْكِفَايَةِ مَا يُوجِبُهُ عَلَى الْأَعْيَانِ.
التَّلْقِينُ: قَدْ يَتَعَيَّنُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَلَى مَنْ يَفْجَؤُهُمْ الْعَدُوُّ.
سَحْنُونَ: إنْ نَزَلَ أَمْرٌ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْجَمِيعِ كَانَ عَلَيْهِمْ فَرْضًا وَيَنْفِرُ مَنْ بِسَفَاقُسَ لِغَوْثِ سُوسَةٍ إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَى أَهْلِهِ لِرُؤْيَةِ سُفُنٍ أَوْ خَبَرٍ عَنْهَا (وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ) مِنْ النَّوَادِرِ: يَخْرُجُ لِمُتَعَيَّنِهِ مُطِيقُهُ وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً.
أَبُو عُمَرَ: يَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إنْ حَلَّ الْعَدُوُّ بِدَارِ الْإِسْلَامِ مُحَارِبًا لَهُمْ فَيَخْرُج إلَيْهِ أَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ خِفَافًا وَثِقَالًا شُبَّانًا وَشُيُوخًا، وَلَا يَتَخَلَّفُ أَحَدٌ يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ مُقَاتِلٍ أَوْ مُكْتِرٍ، وَإِنْ عَجَزَ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ عَنْ الْقِيَامِ بِعَدُوِّهِمْ كَانَ عَلَى مَنْ جَاوَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا عَلَى حَسَبِ مَا لَزِمَ أَهْلُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ.

وَكَذَلِكَ مَنْ عَلِمَ أَيْضًا بِضَعْفِهِمْ وَأَمْكَنَهُ غِيَاثُهُمْ لَزِمَهُ أَيْضًا الْخُرُوجُ، فَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ (وَعَلَى قُرْبِهِمْ إنْ عَجَزُوا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْكَافِي وَالْمَازِرِيِّ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ ". وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا نَزَلَ قَوْمٌ مِنْ الْعَدُوِّ بِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَتْ فِيهِمْ قُوَّةٌ عَلَى مُدَافَعَتِهِمْ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الْمُدَافَعَةُ، فَإِنْ عَجَزُوا تَعَيَّنَ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ نُصْرَتُهُمْ.
وَتَقَدَّمَ نَصُّ الْمَازِرِيِّ: إذَا عَصَى الْأَقْرَبُ وَجَبَ عَلَى الْأَبْعَدِ.
(وَبِتَعَيُّنِ الْإِمَامِ) ابْنُ بَشِيرٍ: يَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ عَلَى مَنْ رَسَمَ الْإِمَامُ خُرُوجَهُ لِجِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ.

(وَسَقَطَ بِمَرَضٍ وَصِبًا وَجُنُونٍ وَعَمًى وَعَرَجٍ وَأُنُوثَةٍ وَعَجْزٍ عَنْ مُحْتَاجٍ لَهُ) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " عَلَى كُلِّ حُرٍّ ذَكَرٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ " (وَرِقٍّ) رَوَى مُحَمَّدٌ: لَا يَخْرُجُ لِغَيْرِ مُتَعَيَّنِهِ ذُو رِقٍّ وَلَوْ مُكَاتَبًا إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (وَدَيْنٍ حَلَّ) سَحْنُونَ: وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَدْ حَلَّ وَعِنْدَهُ بِهِ قَضَاءٌ فَلَا يَنْفِرُ وَلَا يُرَابِطُ وَلَا يَعْتَمِرُ وَلَا يُسَافِرُ حَتَّى

يَقْضِيَ دَيْنَهُ، وَإِنْ كَانَ دَيْنٌ لَمْ يَحِلَّ أَوْ لَا وَفَاءَ لَهُ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَنْفِرَ.
(كَوَالِدَيْنِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ أَوْ بِبَحْرٍ أَوْ خَطَرٍ) لَعَلَّهُ كَبَحْرٍ أَوْ خَطَرٍ.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: لِلْأَبَوَيْنِ الْمَنْعُ مِنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ وَالْبَرَارِيِ الْمُخْطِرَةِ لِلتِّجَارَةِ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَلَا أُحِبُّ لِمَنْ لَهُ وَالِدَانِ أَنْ يَنْفِرَ إلَّا بِإِذْنِهِمَا إلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِمَكَانِهِ مِنْ الْعَدُوِّ مَا لَا طَاقَةَ لِمَنْ حَضَرَ بِدَفْعِهِ فَلْيَنْفِرْ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا، وَلَوْ نَزَلَ ذَلِكَ بِسَاحِلٍ بِغَيْرِ مَوْضِعِهِ وَلَا غَوْثَ عَنْهُمْ أَوْ كَانَ الْغَوْثُ بَعِيدًا مِنْهُمْ فَلْيَنْفِرْ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبَوَيْنِ.

(لَا جَدٍّ) سَحْنُونَ: بِرُّ الْجَدَّةِ وَالْجَدِّ وَاجِبٌ وَلَيْسَا كَالْأَبَوَيْنِ أُحِبُّ أَنْ يَسْتَرْضِيَهُمَا لِيَأْذَنَا لَهُ فِي الْجِهَادِ، فَإِنْ أَبَيَا فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي عَمٍّ أَوْ عَمَّةٍ وَمَنْ لَهُ إخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ وَعَمَّةٌ وَعَمَّاتٌ وَخَالٌ وَخَالَاتٌ إنْ كَانَ الْقَائِمَ بِهِمْ وَيَخَافُ ضَيْعَتَهُمْ بِخُرُوجِهِ، فَمُقَامُهُ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَخُرُوجُهُ (وَالْكَافِرُ كَغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِ) اُنْظُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ وَابْنِ عَرَفَةَ: لَا أُحِبُّ لِمَنْ لَهُ وَالِدَانِ أَنْ يَنْفِرَ إلَّا بِإِذْنِهِمَا إلَّا لِعَدُوِّ لَا طَاقَةَ لِمَنْ حَضَرَ بِدَفْعِهِ وَاحِدُ الْأَبَوَيْنِ كَالْأَبَوَيْنِ وَلَوْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَنْعَهُمَا كَرَاهَةُ إعَانَةِ الْمُسْلِمِينَ.

(وَدُعُوا لِلْإِسْلَامِ ثُمَّ جِزْيَةٍ بِمَحَلٍّ يُؤْمِنُ وَإِلَّا قُوتِلُوا) عِبَارَةُ الرِّسَالَةِ: أَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ لَا يُقَاتِلَ الْعَدُوّ حَتَّى يَدْعُوا إلَى دَيْنِ اللَّهِ، فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا أَوْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ وَإِلَّا قُوتِلُوا، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقَاتِلُ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى يَدْعُوا.
قَالَ أَصْبَغُ: وَبِهَذَا كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لِأَنَّا إنَّمَا نُقَاتِلُهُمْ عَلَى الدِّينِ وَإِنَّهُ يُخَيَّلُ إلَيْهِمْ وَإِلَى كَثِيرٍ مِنَّا أَنَّ مَا نُقَاتِلُهُمْ عَلَى الْغَلَبَةِ فَلَا يُقَاتَلُونَ حَتَّى يَتَبَيَّنُوا.
قِيلَ لِأَصْبَغَ: أَرَأَيْت مَنْ دُعِيَ إلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِزْيَةِ فَأَبَوْا فَقُوتِلُوا مِرَارًا، أَيَدْعُوا كُلَّمَا غَزَوْنَاهُمْ؟ قَالَ: أَمَّا الْجُيُوشُ الْغَالِبَةُ الظَّاهِرَةُ فَلَا يُقَاتِلُوا قَوْمًا وَلَا حِصْنًا حَتَّى يَدْعُوهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا لِطَلَبِ غُرَّةٍ وَلَا لِانْتِهَازِ فُرْصَةٍ وَإِنَّمَا خَرَجُوا ظَاهِرِينَ قَاهِرِينَ، وَأَمَّا السَّرَايَا وَشَبَهُهَا الَّتِي تَطْلُبُ الْغُرَّةَ وَتَنْتَهِزُ الْفُرْصَةَ فَلَا دَعْوَةَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ دَعْوَتَهُمْ إنْذَارٌ وَتَجْلِيبٌ عَلَيْهِمْ مَعَ مَا فِي الدَّعْوَةِ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَقَدْ قَالَ جُلُّ النَّاسِ

الدَّعْوَةُ بَلَغَتْ جَمِيعَ الْأُمَمِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا وَجَبَتْ الدَّعْوَةُ فَإِنَّمَا يُدْعَوْا إلَى الْإِسْلَامِ جُمْلَةٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّرَائِعِ إلَّا أَنْ يُسْأَلُوا عَنْهَا فَلْتُبَيَّنْ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ يُدْعَوْا إلَى الْجِزْيَةِ مُجْمَلًا بِلَا تَوْقِيفٍ وَلَا تَحْدِيدٍ إلَّا أَنْ يُسْأَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَيُبَيَّنُ لَهُمْ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَا يَجُوزُ تَبْيِيتُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَإِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ يُعْطُونَهَا عَامًا بَعْدَ عَامٍ عَلَى أَنْ يُقِيمُوا بِمَوْضِعٍ، فَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ يَنَالُهُ سُلْطَانُ الْإِسْلَامِ وَحُكْمُهُ قُبِلَتْ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي بُعْدٍ مِنْ سُلْطَانِنَا فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ إلَّا أَنْ يَنْتَقِلُوا إلَى حَيْثُ سُلْطَانُنَا.

(وَقُتِلُوا إلَّا الْمَرْأَةَ إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا وَالصَّبِيَّ) لَوْ قَالَ: إلَّا الْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ إلَّا فِي مُقَاتِلِهِمَا لَكَانَ أَبْيَنَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: يُقْتَلُ كُلُّ مُقَاتِلٍ حَالَ قِتَالِهِ.
ابْنُ سَحْنُونٍ: وَلَوْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا.
ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُقْتَلُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ النِّسَاءُ وَلَا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَلَا الرُّهْبَانُ.
اللَّخْمِيِّ: إلَّا أَنْ يُعْلَمَ مِنْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ مِمَّنْ لَهُ الرَّأْيُ وَالتَّدْبِيرُ فَلْيُقْتَلْ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُقْتَلُ الزُّمَنَاءُ مِنْهُمْ الْمُقْعَدُ وَالْأَعْمَى وَالْأَشَلُّ وَالْأَعْرَجُ وَاَلَّذِي لَا رَأْيَ لَهُمْ وَلَا تَدْبِيرَ وَلَا نِكَايَةَ، وَمَحْمَلُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ مَنْظُورٍ إلَيْهِمْ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ يُرْجَعُ إلَى رَأْيِهِمْ وَتَدْبِيرِهِمْ (وَالْمَعْتُوهَ) نَصَّ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى أَنَّ الْمَعْتُوهَ وَالْمَجْنُونَ مِنْ الزُّمَنَاءِ.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " كَالنَّصْرِ فِي الْأَسْرَى " (كَشَيْخٍ فَانٍ) تَقَدَّمَ أَنَّ حُكْمَ الشَّيْخِ حُكْمُ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ (وَزَمِنٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ لَا يُقْتَلُ الزَّمْنَى (وَأَعْمَى) تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَعْمَى مِنْ الزَّمْنَى (وَرَاهِبٍ مُنْعَزِلٍ بِدَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ بِلَا رَأْيٍ) اللَّخْمِيِّ: الرُّهْبَانُ الَّذِينَ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ لَا يُعْرَضُ لَهُمْ بِقَتْلٍ وَلَا أَسْرٍ.
التَّلْقِينُ: إلَّا أَنْ يَخَافَ أَذًى أَوْ تَدْبِيرًا.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّ رُهْبَانَ الْكَنَائِسِ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ وَسِبَاؤُهُمْ (وَتَرَكَ لَهُمْ الْكِفَايَةَ فَقَطْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُتْرَكُ لِلرُّهْبَانِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا يَعِيشُونَ بِهِ وَلَا تُؤْخَذُ كُلُّهَا فَيَمُوتُونَ.
سَحْنُونَ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ بِمَنْزِلَةِ الرَّاهِبِ فِيمَا يُتْرَكُ لَهُ مِنْ الْعَيْشِ وَالْكِسْوَةِ.

(وَاسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ) سَحْنُونَ: مَنْ قَتَلَ مَنْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ شَيْخٍ هَرَمٍ فَإِنْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ فِي الْمَغْنَمِ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ، وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ مَغْنَمًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يُجْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَغْنَمِ (كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ) . سَحْنُونَ: إذَا قَاتَلَ الْمُسْلِمُونَ قَوْمًا لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ وَلَمْ يَدْعُوهُمْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ يُرِيدُ لِلِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ.
انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَحَكَى هَذَا الْمَازِرِيُّ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ (وَإِنْ حِيزُوا فَقِيمَتُهُمْ) تَقَدَّمَ قَوْلُ سَحْنُونٍ: مَنْ قَتَلَ مَنْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِمْ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ امْرَأَةٍ فَلْيَسْتَغْفِرْ، وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ مَغْنَمًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.

(وَالرَّاهِبُ وَالرَّاهِبَةُ حُرَّانِ) تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ: لَا يُعْرَضُ لَهُمْ بِقَتْلٍ وَلَا أَسْرٍ.
اُنْظُرْ الشَّيْخَ الْهَرَمَ هَلْ هُوَ حُرٌّ؟ اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَاسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ " وَانْظُرْ إثْرَ قَوْلِهِ: " وَاسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ " (بِقَطْعِ مَاءٍ وَآلَةٍ) ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ أَنْ تُرْمَى حُصُونُهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَيُقْطَعَ عَنْهُمْ الْمَيْرَ وَالْمَاءَ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ أَوْ ذُرِّيَّةٌ وَقَالَهُ أَشْهَبُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِتَحْرِيقِ قُرَاهُمْ وَحُصُونِهِمْ وَتَغْرِيقِهَا بِالْمَاءِ وَحِرَابَتِهَا وَقَطْعِ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ [التوبة: 120] . «وَقَدْ قَطَعَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَأَحْرَقَهَا» . سَحْنُونَ: وَأَوَّلُ نَهْيِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ قَطْعِ الشَّجَرِ فِيمَا رُجِيَ مَصِيرُهُ لِلْمُسْلِمِينَ (وَبِنَارٍ إنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا) . ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا انْفَرَدَ أَهْلُ الْحَرْبِ قُوتِلُوا بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ وَهَلْ يُحْرَقُونَ بِالنَّارِ؟ أَمَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا وَكُنَّا إنْ تَرَكْنَاهُمْ خِفْنَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا شَكَّ أَنَّا نَحْرُقُهُمْ، وَإِنْ لَمْ نَخَفْ فَهَلْ يَجُوزُ إحْرَاقُهُمْ إذَا انْفَرَدَ الْمُقَاتِلَةُ وَلَمْ يُمْكِنْ قَتْلُهُمْ إلَّا بِالنَّارِ؟ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَانِ: الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ.
ابْنُ رُشْدٍ: الْحُصُونُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا الْمُقَاتِلَةُ أَجَازَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يُرْمَوْا بِالنَّارِ (وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ) . ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ كَانَ فِي الْحِصْنِ مَعَ الْمُقَاتِلَةِ أَسْرَى مُسْلِمُونَ فَلَا يُرْمَوْا بِالنَّارِ وَلَا يُغَرَّقُوا.
ابْنُ يُونُسَ: لَا خِلَافَ فِي هَذَا.
ابْنُ رُشْدٍ: وَاخْتُلِفَ فِي قَطْعِ الْمَاءِ عَنْهُمْ وَرَمْيِهِمْ بِالْمَجَانِيقِ، فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَمَنَعَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَحُكْمُ الْمَنْعِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ الْمَدَنِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ (وَإِنْ بِسُفُنٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا السُّفُنُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَسْرَى مُسْلِمِينَ جَازَ أَنْ يُرْمَوْا بِالنَّارِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَسْرَى مُسْلِمِينَ فَقَالَ أَشْهَبُ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ (وَبِالْحِصْنِ بِغَيْرِ تَحْرِيقٍ وَتَغْرِيقٍ مَعَ ذُرِّيَّةٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ فِي الْحِصْنِ مَعَ الْمُقَاتِلَةِ

النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرْمَوْا بِالْمَجَانِيقِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغَرَّقُوا وَلَا أَنْ يُحَرَّقُوا.
اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَبِنَارٍ " (وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّةٍ تُرِكُوا إلَّا لِخَوْفٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ اتَّقَى الْمُحَارِبُونَ بِالذُّرِّيَّةِ تَرَكْنَاهُمْ إلَّا أَنْ يُخَافَ مِنْ تَرْكِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَنُقَاتِلُهُمْ وَإِنْ اتَّقُوا بِالذُّرِّيَّةِ (وَبِمُسْلِمٍ لَمْ يُقْصَدْ التُّرْسُ إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ تَتَرَّسَ كَافِرٌ بِمُسْلِمٍ لَمْ يُقْصَدْ التُّرْسَ وَلَوْ خِفْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا فَإِنَّ دَمَ الْمُسْلِمِ لَا يُسْتَبَاحُ بِالْخَوْفِ وَلَوْ تَتَرَّسُوا بِالصَّفِّ، وَإِنْ تُرِكُوا انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَخِيفَ اسْتِئْصَالُ قَاعِدَةِ الْإِسْلَامِ وَجُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْقُوَّةِ مِنْهُمْ وَجَبَ الدَّفْعُ وَسَقَطَتْ حُرْمَةُ التُّرْسِ انْتَهَى.

(وَحَرُمَ نَبْلٌ سُمَّ) كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُقَاتَلَ الْعَدُوُّ بِالنَّبْلِ الْمَسْمُومِ.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُعَادُ إلَيْنَا.
وَكَرِهَ سَحْنُونَ جَعْلَ السُّمِّ فِي قِلَالِ خَمْرٍ لِيَشْرَبَهَا الْعَدُوُّ.

[حُكْمُ الِاسْتِعَانَة بِالْمُشْرِكِينَ]

(وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ لَا لِكَخِدْمَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُسْتَعَانُ بِالْمُشْرِكِينَ فِي الْقِتَالِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» . وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونُوا نَوَاتِيَةً وَخَدَمَةً.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَعَارَ مِنْهُمْ السِّلَاحُ انْتَهَى.
اُنْظُرْ إنْ كَانَ هَذَا مَأْخُوذًا مِنْ الْحَدِيثِ وَفِيهِ: «يَا مَعْشَرَ يَهُودٍ قَاتِلُوا مَعَنَا أَوْ أَعِيرُونَا سِلَاحَكُمْ» وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: حَدِيثُ: «لَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» مُخْتَلَفٌ فِي إسْنَادِهِ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: إنَّمَا كَانَ النَّهْيُ فِي وَقْتٍ خَاصٍّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا بَأْسَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِأَهْلِ الشِّرْكِ.
وَأَجَازَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ بِمَنْ سَالَمَهُ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ عَلَى مَنْ لَمْ يُسَالِمْهُ.
وَرَوَى أَبُو الْفَرَجِ عَنْ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالْمُشْرِكِينَ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ.
أَبُو عَمْرٍو: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَانَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَهُودٍ لِضَرُورَةٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا أُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي الْغَزْوِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَسْتَأْذِنُوهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَمْنَعَهُمْ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ غَزْوُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، فَإِنْ غَزَوْا بِإِذْنِ الْإِمَامِ

أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ مُنْفَرِدِينَ تُرِكَتْ لَهُمْ غَنِيمَتُهُمْ وَلَمْ تُخَمَّسْ، وَإِنْ غَزَوَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَسْكَرِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ إلَّا أَنْ يَكُونُوا مُتَكَافِئِينَ أَوْ يَكُونُوا هُمْ الْغَالِبِينَ فَتُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ تُخَمَّسَ ثُمَّ يُخَمَّسُ سَهْمُ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً.

(وَإِرْسَالُ مُصْحَفٍ لَهُمْ) . ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَوْ أَنَّ الطَّاغِيَةَ كَتَبَ إلَى السُّلْطَانِ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ مُصْحَفًا يَتَدَبَّرُهُ إلَيْهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ وَلَيْسَ هَذَا وَجْهَ الدَّعْوَةِ وَهُمْ أَنْجَاسٌ وَأَهْلُ طَعْنَةٍ وَبُغْضٍ فِي الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَإِنْ طَلَبَك كَافِرٌ أَنْ تُعَلِّمَهُ الْقُرْآنَ فَلَا تَفْعَلْ لِأَنَّهُ جُنُبٌ.
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِ.
انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: أَجَازَ الْفُقَهَاءُ الْكَتْبَ لَهُمْ بِالْآيَةِ وَنَحْوِهَا فِي الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ بِهَا إلَى الْإِسْلَامِ وَالْمَوْعِظَةِ (وَسَفَرٌ بِهِ لِأَرْضِهِمْ) رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُسَافِرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» . وَقَالَ مَالِكٌ: أَرَاهُ خَوْفَ أَنْ يَنَالَهُمْ الْعَدُوُّ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَمَّا يُخْشَى مِنْ اسْتِهْزَائِهِمْ وَتَصْغِيرِهِمْ مَا عَظَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْهُمْ.
سَحْنُونَ: وَلَا فِي جَيْشٍ كَبِيرٍ خَوْفَ نِسْيَانِهِمْ فَيَنَالُهُ الْعَدُوُّ.
اللَّخْمِيِّ: هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْغَالِبُ السَّلَامَةُ.

(كَمَرْأَةٍ إلَّا فِي جَيْشٍ آمِنٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَخْرُجُ بِالنِّسَاءِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إلَّا أَنْ يَكُونُوا فِي عَسْكَرٍ عَظِيمٍ لَا يَخَافُ مِنْ قِبَلِهِ عَلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ (وَفِرَارٌ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ) . اللَّخْمِيِّ: اعْتِبَارُ الْقُوَّةِ عَلَى الْقِتَالِ أَنْ يَكُونَ

الْمُسْلِمُونَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْعَدُوِّ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْأَكْثَرُ مِنْ الْقَوْلِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ فَلَا تَفِرُّ الْمِائَةُ مِنْ الْمِائَتَيْنِ وَإِنْ كَانُوا أَشَدَّ جَلَدًا وَأَكْثَرَ سِلَاحًا.
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَذَلِكَ فِي الْقُوَّةِ.
ابْنُ يُونُسَ: الْمُعْتَبَرُ الْعَدَدُ مَعَ تَقَارُبِ الْقُوَّةِ فِي السِّلَاحِ، أَمَّا لَوْ لَقِيَ مِائَةَ غَيْرٍ مُعَدَّةً ضِعْفُهَا مُعَدًّا فَلَا، لِأَنَّ الْوَاحِدَ مُعَدًّا يَعْدِلُ عَشْرَةً غَيْرَ مُعَدِّينَ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا كَانَ الْعَدُوُّ ضِعْفَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفِرُّوا مِنْهُ وَلَوْ فَرَّ إمَامُهُمْ، وَمَنْ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَإِنَّمَا تَظْهَرُ تَوْبَتُهُ بِثُبُوتِهِ فِي زَحْفٍ آخَرَ.
اُنْظُرْ الْمَازِرِيَّ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا فَرُّوا لَا يَلْزَمُ مَنْ ثَبَتَ أَنْ يَقِفَ لِأَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِهِ (وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) أَنْكَرَ سَحْنُونَ قَوْلَ الْعِرَاقِيِّينَ لَا يَفِرُّ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ عَدُوٍّ وَلَوْ كَثُرَ، وَعَزَا ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ الْعِرَاقِيِّينَ لِأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ بِهِ، وَمَا ذَكَرَ إنْكَارَ سَحْنُونٍ أَصْلًا (إلَّا تَحَرُّفًا أَوْ تَحَيُّزًا إنْ خِيفَ) فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يَحِلُّ الْفِرَارُ مِنْ الضِّعْفِ إلَّا انْحِرَافًا لِقِتَالٍ أَوْ تَحَيُّزًا إلَى وَالِي جَيْشِهِ الَّذِي دَخَلَ مَعَهُ وَرُبَّمَا تَكُونُ سَرِيَّةً فَتَنْحَازُ الْمُقَدِّمَةُ إلَى مَنْ خَلْفَهَا مِمَّنْ يَلِيهَا.
وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ رَاوِيًا عَنْ مَالِكٍ: لَا يَجُوزُ الِانْحِيَازُ إلَّا عَنْ خَوْفٍ بَيِّنٍ وَضَعْفٍ مِنْ السُّلْطَانِ، وَلَهُمْ السَّعَةُ أَنْ يَثْبُتُوا لِقِتَالٍ أَكْثَرَ مِنْ الضِّعْفَيْنِ

وَالثَّلَاثَةُ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا يَجِدُونَ مُنْصَرِفًا عَنْهُمْ.

(وَالْمُثْلَةُ) . ابْنُ حَبِيبٍ: قَتْلُ الْأَسِيرِ بِضَرْبِ عُنُقِهِ لَا يُمَثَّلُ بِهِ وَلَا يَعْبَثُ عَلَيْهِ.
قِيلَ لِمَالِكٍ: يُضْرَبُ وَسَطُهُ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4] لَا خَيْرَ فِي الْعَبَثِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَتْلُ ذِمِّيٍّ بِنَقْضِ الْعَهْدِ كَقَتْلِ الْأَسِيرِ.
وَنَزَلَتْ فِي ذِمِّيٍّ ثَبَتَ بَيْعُهُ أَوْلَادَ الْمُسْلِمِينَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ.
الْبَاجِيُّ: لَا يُمَثَّلُ بِالْأَسِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونُوا مَثَّلُوا بِالْمُسْلِمِينَ.
قِيلَ لِمَالِكٍ: أَيُعَذَّبُ الْأَسِيرُ إنْ رُجِيَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى عَوْرَةِ الْعَدُوِّ؟ وَقَالَ: مَا سَمِعْت بِذَلِكَ (وَحَمْلُ رَأْسٍ لِبَلَدٍ أَوْ وَالٍ) . سَحْنُونَ: لَا يَجُوزُ حَمْلُ الرُّءُوسِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ وَلَا حَمْلُهَا إلَى الْوُلَاةِ، وَكَرِهَ أَبُو بَكْرٍ حَمْلَ رَأْسِ الْعُرْفُطِ إلَيْهِ مِنْ الشَّامِ وَقَالَ: هَذَا فِعْلُ الْأَعَاجِمِ.

(وَخِيَانَةُ أَسِيرٍ ائْتَمَنَ طَائِعًا وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ) أَصْبَغُ: سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ فِي الْأَسِيرِ: إذَا خَلَّوْهُ فِي بِلَادِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْمَمْلَكَةِ وَالْقُهْرَةِ فَهَرَبَ فَلَهُ أَخْذُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَلْيَقْتُلْ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَيَهْرُبُ إنْ اسْتَطَاعَ وَلْيَسْتَرِقَّ مِنْ ذَرَارِيّهِمْ وَنِسَائِهِمْ مَا اسْتَطَاعَ.
قَالَ فِي سَمَاعِ مُوسَى: وَمَا خَرَجَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ فِيهِ خُمُسٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ.
وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ: وَإِذَا خَلَّوْهُ عَلَى وَجْهِ الِائْتِمَانِ أَنْ لَا يَهْرُبَ وَلَا يُحْدِثَ شَيْئًا فَلَا يَفْعَلُ وَلَا يَقْتُلُ مِنْهُمْ أَحَدًا وَلَا يَخُنْهُ.
قَالَ أَصْبَغُ: وَلَا يَهْرُبُ.
ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَهُ أَنْ يَهْرُبَ وَيَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَيَقْتُلُ إنْ قَدَرَ، وَإِنْ ائْتَمَنُوهُ وَوَثِقُوا بِهِ وَاسْتَخْلَفُوهُ فَهُوَ فِي فُسْحَةٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّ أَصْلَ أَمْرِهِ الْإِكْرَاهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَقَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي النَّظَرِ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَرَوَيَاهُ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُمْ إنْ ائْتَمَنُوهُ عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ وَلَا يَقْتُلَ وَلَا يَأْخُذَ مِنْ

أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا فَلَهُ أَنْ يَهْرُبَ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ وَلَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا لِأَنَّ الْمُقَامَ عَلَيْهِ بِبَلَدِ الْحَرْبِ حَرَامٌ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِيَ بِمَا وَعَدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: " وَلَا خُمُسَ فِيمَا خَرَجَ بِهِ " هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأُسَارَى يَغْنَمُونَ مِنْ أَسْرَاهُمْ.

[مِنْ فَرَائِضِ الْجِهَادِ تَرْكُ الْغُلُولِ]

(وَالْغُلُولُ) ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ فَرَائِضِ الْجِهَادِ تَرْكُ الْغُلُولِ (وَأَدَبُ) عَبْدَ الْوَهَّابِ: وَيُعَاقَبُ مَنْ غَلَّ وَلَا يَحْرُمُ سَهْمُهُ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّهُ بِحُصُولِ سَبَبِهِ مِنْ الْقِتَالِ وَالْحُضُورِ (وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ ظَهَرَ عَلَى الْغَالِّ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ أُدِّبَ وَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ إنْ افْتَرَقَ الْجَيْشُ وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقْ رُدَّ فِي الْمَغْنَمِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ جَاءَ تَائِبًا لَمْ يُؤَدَّبْ.
سَحْنُونَ: كَالزِّنْدِيقِ وَالرَّاجِعِ عَنْ شَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْثَرَ عَلَيْهِ (وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ فِعْلًا حَرَامًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِمَا يَأْخُذُونَ مِنْ جُلُودٍ يَعْمَلُونَهَا نِعَالًا وَخِفَاقًا أَوْ لِأَكُفِّهِمْ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِمْ.
وَمَنْ نَحَتَ سَرْجًا أَوْ بَرَى سَهْمًا أَوْ صَنَعَ تَخْتًا بِبَلَدِ الْعَدُوِّ فَهُوَ لَهُ وَلَا يُخَمَّسُ.
سَحْنُونَ: مَعْنَاهُ إذَا كَانَ يَسِيرًا.
قَالَ مَكْحُولٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَصْنُوعًا فَيَدْخُلَ فِي الْمَغَانِمِ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا.
ابْنُ حَبِيبٍ: كُلُّ مَا صَنَعَهُ بِيَدِهِ مِنْ سَرْجٍ أَوْ سَهْمٍ أَوْ قَصْعَةٍ أَوْ قَدَحٍ

وَشَبَهِهِ فَلَهُ إخْرَاجُ ذَلِكَ كُلِّهِ لِمَنْفَعَةٍ أَوْ بَيْعٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ وَإِنْ كَثُرَ.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ.
أَبُو عُمَرَ: كُلُّ مَا كَانَ مُبَاحًا فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ وَلَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَأَخْذُهُ جَائِزٌ.
وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: جُلُودُ مَا ذَبَحَهُ الْغُزَاةُ بِأَرْضِ الْحَرْبِ تُطْرَحُ فِي الْمَغَانِمِ إنْ كَانَ لَهَا ثَمَنٌ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذُوهَا.
ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ إنْ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهَا، فَأَمَّا إنْ اخْتَلَفُوا فَإِنْ احْتَاجُوا إلَيْهَا لِشَدِّ قَتَبٍ وَنَحْوِهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِأَخْذِهِمْ إيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ وَمِثْلُهُ فِي الْوَاضِحَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ (وَإِبْرَةً) . ابْنُ رُشْدٍ: الْإِبْرَةُ إذَا أَخَذَهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا وَلَمْ يَأْخُذْهَا مُغْتَالًا لَهَا فَلَيْسَتْ مِنْ الْغُلُولِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إذَا قَضَى حَاجَتَهُ أَنْ يَرُدَّهَا فِي الْمَغَانِمِ إذْ لَا قِيمَةَ لَهَا.
وَحَدِيثُ: «أَدُّوا الْمَخِيطَ» كَلَامٌ خُرِّجَ عَلَى التَّحْذِيرِ عَلَى حَدِّ «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ» .

(وَطَعَامًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: سُنَّةُ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ أَنَّهُ يُؤْكَلُ وَيُعْلَفُ مِنْهُ الدَّوَابُّ وَلَا يُسْتَأْمَرُ فِيهِ الْإِمَامُ وَلَا غَيْرُهُ وَلَوْ نَهَاهُمْ سُلْطَانٌ عَنْ إصَابَةِ ذَلِكَ ثُمَّ اضْطَرُّوا إلَيْهِ لَكَانَ لَهُمْ أَكْلُهُ.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَلَا يُخْرِجُ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ فَعَلَ رَدَّهُ فِي الْمَغْنَمِ (وَإِنْ نَعَمًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ أَيْضًا لِمَنْ أَخَذَهَا مِثْلُ الطَّعَامِ يَأْكُلُ مِنْهَا وَيَنْتَفِعُ بِهَا.
«وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَفَرٍ مِنْ الْعَسْكَرِ أَصَابُوا غَنَمًا كَثِيرَةً: لَوْ أَطْعَمْتُمْ إخْوَانَكُمْ مِنْهَا.
قَالَ: فَرَمَيْنَاهُمْ بِشَاةٍ شَاةٍ حَتَّى كَانَ الَّذِي مَعَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي مَعَنَا» . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا ضَمَّ الْوَالِي مَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ إلَى الْمَغْنَمِ ثُمَّ احْتَاجَ النَّاسُ إلَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ (وَعَلَفًا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا (كَثَوْبٍ وَسِلَاحٍ وَدَابَّةٍ لِتَرُدَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَغْنَمِ دَابَّةً يُقَاتِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْكَبُهَا إلَى بَلَدِهِ إنْ احْتَاجَهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا إلَى الْغَنِيمَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَتْ الْغَنِيمَةُ قَدْ قُسِمَتْ بَاعَهَا وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا وَكَذَلِكَ إنْ احْتَاجَ إلَى سِلَاحٍ يُقَاتِلُ بِهِ أَوْ ثِيَابٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ يَلْبَسُهَا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّابَّةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ حَازَ الْإِمَامُ هَذِهِ الثِّيَابَ أَوْ هَذِهِ الْجُلُودَ ثُمَّ اُحْتِيجَ إلَيْهَا فَلَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِهَا كَمَا كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهَا الْإِمَامُ (وَرَدَّ الْفَضْلَ إنْ كَثُرَ فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ) قَالَ مَالِكٌ: إذَا خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ وَمَعَهُ فَضْلَةُ طَعَامٍ أَكَلَهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا وَيَتَصَدَّقُ بِالْكَثِيرِ.
اللَّخْمِيِّ وَالْبَاجِيُّ: إنَّمَا يَتَصَدَّقُ بِهِ إنْ افْتَرَقَ الْجَيْشُ وَإِلَّا رَدَّهُ لِلْقِسْمِ وَنَحْوُ هَذَا لِأَبِي عُمَرَ.

(وَمَضَتْ الْمُبَادَلَةُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أَخَذَ هَذَا عَسَلًا وَهَذَا لَحْمًا وَهَذَا طَعَامًا فَيُبْدِلُونَهُ وَيَمْنَعُ أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ حَتَّى يُبَادِلَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَلِكَ الْعَلَفُ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ التَّفَاضُلَ بَيْنَ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ فِي هَذَا، وَخَفَّفَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ خَفِيفٌ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ الْمُوَاسَاةَ فِيهِ بَيْنَهُمْ قَالَ: وَمَنْ جَهِلَ فَبَاعَ بِثَمَنٍ وَاشْتَرَى جِنْسًا آخَرَ مِنْ الطَّعَامِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ إذَا صَارَ ثَمَنًا انْبَغَى أَنْ يَرْجِعَ مَغْنَمًا بِخِلَافِ الْمُبَادَلَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَخَذَ طَعَامًا فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ

اسْتَغْنَى عَنْهُ فَلْيُعْطِهِ إلَى أَصْحَابِهِ بِغَيْرِ بَيْعٍ وَلَا قَرْضٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَقْرَضَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ.
ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فَإِنْ جَهِلَ فَرَدَّهُ إلَيْهِ مِنْ طَعَامٍ يَمْلِكُهُ فَلْيَرْجِعْ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ.
ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فَإِنْ جَهِلَ فَرَدَّهُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ طَعَامٍ يَمْلِكُهُ فَلْيَرْجِعْ بِمَا دَفَعَ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِنْ أَفَاتَهُ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَنْ عَوَّضَ عَنْ صَدَقَةٍ وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي عِوَضِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِنْ فَاتَهُ لِي شَيْءٌ لَهُ لِأَنَّهُ هُوَ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ.
وَصَوَّبَ ابْنُ يُونُسَ هَذَا الْقَوْلَ وَقَدْ ذَكَرُوا لِهَذَا نَظَائِرَ.

(وَبِبَلَدِهِمْ إقَامَةُ الْحَدِّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ سَرَقَ مُسْلِمٌ مِنْ حَرْبِيٍّ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَ الْحَرْبِيُّ وَقَدْ دَخَلَ بِأَمَانٍ قُطِعَ.
وَيُقِيمُ أَمِيرُ الْجَيْشِ الْحُدُودَ بِبَلَدِ الْحَرْبِ عَلَى أَهْلِ الْجَيْشِ فِي السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا وَذَلِكَ أَقْوَى عَلَى الْحَقِّ.

(وَتَخْرِيبٌ وَقَطْعُ نَخْلٍ وَحَرْقٌ إنْ أَنْكَى أَوْ لَمْ تُرْجَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ كَعَكْسِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَطْعِ نَخْلِ بَنِي النَّضِيرِ.
وَرُوِيَ إنَّهُمْ لَمَّا قَطَعُوا بَعْضًا وَتَرَكُوا بَعْضًا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ لَهُمْ أَجْرٌ فِيمَا قَطَعُوا وَهَلْ عَلَيْهِمْ وِزْرٌ فِيمَا تَرَكُوا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ [الحشر: 5] . فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى إبَاحَةِ الْقَطْعِ وَأَنْ لَا حَرَجَ فِي التَّرْكِ.
وَتَوَقَّفَ مَالِكٌ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَطْعَ أَفْضَلُ مِنْ التَّرْكِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إذْلَالِ الْعَدُوِّ وَإِصْغَارِهِمْ وَنِكَايَتِهِمْ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا﴾ [التوبة: 120] إلَّا أَنْ يَكُونَ بَلَدًا يُرْجَى أَنْ يَصِيرَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ التَّوَقُّفُ عَنْ الْقَطْعِ وَالتَّحْرِيقِ وَالتَّخْرِيبِ أَفْضَلَ بِدَلِيلِ نَهْيِ أَبِي بَكْرٍ أُمَرَاءَ جُيُوشِهِ إلَى الشَّامِ عَنْ ذَلِكَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَفْتِحُونَهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَتُفْتَحُ الشَّامُ» إلَى قَوْلِهِ: «وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» ، وَلِحَضِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الصَّلَاةِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

(وَوَطْءُ أَسِيرٍ زَوْجَةً أَوْ أَمَةً سَبْيًا) . ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْأَسِيرِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ الْمَأْسُورَتَيْنِ مَعَهُ إنْ أَمِنَ مِنْ وَطْئِهِمَا الْعَدُوَّ، وَإِنَّمَا أَكْرَهَهُ خَوْفُ بَقَاءِ ذُرِّيَّتِهِ بِأَرْضِ الْحَرْبِ.
وَلَوْ تَرَكَ وَطْءَ الْأَمَةِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ لِأَنَّ الْعَدُوَّ قَدْ مَلَكَهَا مِلْكًا لَوْ أَسْلَمَ عَلَيْهَا لَمْ تُنْزَعْ مِنْهُ بِخِلَافِ الْحُرَّةِ.
ابْنُ رُشْدٍ: الْأَمْرُ فِي وَطْءِ الْحُرَّةِ عَلَى مَا قَالَ بِاتِّفَاقٍ.

(وَذَبْحُ حَيَوَانٍ وَعَرْقَبَتُهُ) قَالَ مَالِكٌ: مَا ضَعُفَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ النُّفُوذِ بِهِ مِنْ بِلَادِهِمْ مِنْ مَاشِيَةٍ وَدَوَابَّ وَمَتَاعٍ مِمَّا غَنِمُوا أَوْ كَانَ مَتَاعُهُمْ أَوْ قَامَ عَلَيْهِمْ مِنْ دَوَابِّهِمْ فَلْيُعَرْقِبُوا الدَّوَابَّ وَيَذْبَحُونَهَا، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْمَاشِيَةِ وَلَا تُتْرَكُ لِلْعَدُوِّ لِيَنْتَفِعَ بِهَا وَأَمَّا الْمَتَاعُ وَالسِّلَاحُ فَإِنَّهَا تُحَرَّقُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الدَّوَابِّ أَنَّهَا تُحْرَقُ بَعْدَمَا عُرْقِبَتْ.
اللَّخْمِيِّ: إلَّا أَنْ يَخْشَى إدْرَاكَهَا الْعَدُوُّ قَبْلَ فَسَادِهَا.
الْبَاجِيُّ إنْ كَانُوا يَأْكُلُونَ الْمَيْتَةَ فَالصَّوَابُ حَرْقُهَا (وَأَجْهَزَ عَلَيْهِمْ) ابْنُ الْقَاسِمِ: تُعْقَرُ بَقَرُهُمْ وَغَنَمُهُمْ إنْ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهَا.
ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ أَنَّهَا تُعْقَرُ بِالْإِجْهَازِ عَلَيْهَا وَبَعْدَ ذَلِكَ تُحْرَقُ إنْ خَشَى أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا الْعَدُوُّ بَعْدَ عَقْرِهَا وَذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهَا يَتَقَوَّوْنَ بِهَا.

(وَفِي النَّحْلِ إنْ كَثُرَتْ وَلَمْ يُقْصَدْ عَسَلُهَا رِوَايَتَانِ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: يُكْرَهُ

تَحْرِيقُ النَّحْلِ وَتَغْرِيقُهَا لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ إلَّا لِمَأْكَلَةٍ، وَلِأَنَّهَا تَنْتَقِلُ إلَى دِيَارِنَا كَحَمَامِ الْأَبْرِجَةِ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يَكْثُرُ نَفْعُهُمْ بِهَا وَيُؤْذِيهِمْ تَلَفُهَا جَازَ ذَلِكَ فِيهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَعْظَمَ حُرْمَةً مِنْ الْخَيْلِ وَالْأَنْعَامِ.
انْتَهَى نَقْلُهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ لِطَالِبِ عَسَلِهَا تَغْرِيقُهَا لِخَوْفِ لَدْغِهَا (وَحُرِقَ إنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْبَاجِيِّ بِهَذَا (كَمَتَاعٍ عَجَزَ عَنْ حَمْلِهِ) ابْنُ حَبِيبٍ: مَا عَجَزَ الْإِمَامُ عَنْ حَمْلِهِ مِنْ الْأَثَاثِ وَالْمَتَاعِ وَلَمْ يَجِدْ بِهِ ثَمَنًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَهُ لِمَنْ شَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَأْخُذُهُ فَلْيُحْرِقْهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْرُقْهُ ثُمَّ حَمَلَهُ أَحَدٌ فَلَا خُمُسَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا قَسْمَ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْطَاهُ لَهُ الْإِمَامُ.
اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ ".

(وَجُعْلُ الدِّيوَانِ) اللَّخْمِيِّ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْغَزْوَ أَنْ لَا يَأْخُذَ عَلَيْهِ أَجْرًا، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَكْتُبَ فِي دِيوَانِ الْجُنْدِ وَالْعَطَاءِ لَمْ يُمْنَعْ إذَا كَانَ الْعَطَاءُ مِنْ حَيْثُ يَجُوزُ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيِّ: أَوْقَفَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْفَيْءَ وَخَرَاجَ الْأَرَضِينَ لِلْمُجَاهِدِينَ، فَفَرَضَ مِنْهُ لِلْمُقَاتِلَةِ وَالْعِيَالِ وَالذُّرِّيَّةِ فَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَهُ، فَمَنْ افْتَرَضَ فِيهِ وَنِيَّتُهُ الْجِهَادُ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: أَصْحَابُ الْعَطَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُتَطَوِّعَةِ لِمَا يُرَوَّعُونَ.
قَالَ مَكْحُولٌ: رَوْعَاتُ الْبُعُوثِ تَقِي رَوْعَاتِ الْقِيَامَةِ (وَجُعْلٌ مِنْ قَاعِدٍ لِمَنْ يَخْرُجُ عَنْهُ إنْ كَانَا بِدِيوَانٍ) ابْنُ شَاسٍ: الْجَعَالَةُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْجِهَادِ جَائِزَةٌ يَجْعَلُ الْقَاعِدُ لِلْخَارِجِ إنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ دِيوَانٍ وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْعَبِيدِ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: أُرِيدُ الْغَزْوَ فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّ أَنْ أُعِينَكَ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِي قُلْت: قَدْ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيَّ قَالَ: إنَّ

غِنَاك لَك وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِي فِي هَذَا الْوَجْهِ.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: «مَنْ قَتَلَ فَلَهُ السَّلَبُ» .

(وَرَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ بِالتَّكْبِيرِ وَكُرِهَ التَّطْرِيبُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِالتَّكْبِيرِ فِي الرِّبَاطِ وَالْحَرَسِ عَلَى الْبَحْرِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنْكَرَ التَّطْرِيبَ.

(وَقَتْلُ عَيْنٍ وَإِنْ أُمِّنَ) سَحْنُونَ: إنْ أُمِّنَ حَرْبِيٌّ بَانَ أَنَّهُ عَيْنٌ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ أَوْ اسْتِرْقَاقُهُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ وَلَا خُمُسَ فِيهِ.
اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ عَلِمَ مِنْ ذِمِّيٍّ عِنْدَنَا أَنَّهُ عَيْنٌ لَهُمْ يُكَاتِبُهُمْ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا عَهْدَ لَهُ.
قَالَ سَحْنُونَ: يُقْتَلُ نَكَالًا يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ اسْتِرْقَاقَهُ (وَالْمُسْلِمُ كَالزِّنْدِيقِ) سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْجَاسُوسِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُؤْخَذُ وَقَدْ كَاتِب الرُّومَ وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: مَا سَمِعْت فِيهِ بِشَيْءٍ وَأَرَى فِيهِ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ.
اللَّخْمِيِّ: قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا أَحْسَنُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَى أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّهُ أَضَرُّ مِنْ الْمُحَارِبِ.

(وَقَبُولُ الْإِمَامِ هَدِيَّتَهُمْ) سَحْنُونَ: لَا بَأْسَ بِقَبُولِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَهْدَى إلَيْهِ أَمِيرُ الرُّومِ وَتَكُونُ لَهُ خَاصَّةً (وَهِيَ لَهُ إنْ كَانَتْ مِنْ بَعْضٍ لِكَقَرَابَتِهِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ عَلِمَ أَنَّ الْهَدِيَّةَ لِلْإِمَامِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ إنَّمَا هِيَ لِقَرَابَةٍ أَوْ مُكَافَأَةٍ كُوفِئَ فَأَرَاهَا لَهُ خَاصَّةً (وَفَيْءٌ إنْ كَانَتْ مِنْ الطَّاغِيَةِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بَلَدَهُ) ابْنُ رُشْدٍ: الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ أَنَّهُ إذَا أَتَتْ الْأَمِيرَ الْهَدِيَّةُ مِنْ الطَّاغِيَةِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعَدُوِّ وَقَبْلَ أَنْ يُدَرَّبَ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ أَنَّهَا تَكُونُ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّ الْأَمِيرَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّا إذَا أَتَتْ مِنْ الطَّاغِيَةِ وَهُوَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ لَهُ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ تَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَيْشِ أَوْ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهَا تَكُونُ لِلْجَيْشِ يُرِيدُ غَنِيمَةً لَهُمْ وَتَخْمِيسٌ.
وَقِيلَ: إنَّهَا تَكُونُ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ كَالْجِزْيَةِ.
وَأَمَّا الرَّجُلُ مِنْ الْجَيْشِ تَأْتِيهِ الْهَدِيَّةُ فَقَالَ: هِيَ لَهُ خَاصَّةً لَا شَكَّ فِيهِ.
سَحْنُونَ: وَأَمِيرُ الطَّائِفَةِ فِي قَبُولِ

الْهَدِيَّةِ وَاخْتِصَاصِهِ بِهَا كَأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَ الرُّومُ فِي مَنَعَةٍ وَقُوَّةٍ وَإِلَّا فَهِيَ رِشْوَةٌ لَا يَحِلُّ قَبُولُهَا (وَقِتَالُ رُومٍ وَتُرْكٍ) اللَّخْمِيِّ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْفَرَازِنَةِ: وَهُمْ جِنْسٌ مِنْ الْحَبَشَةِ لَا يُقَاتَلُوا حَتَّى يُدْعَوْا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي التُّرْكِ مِثْلُ ذَلِكَ فَأَبَاحَا قِتَالَهُمْ إذَا دُعُوا فَأَبَوْا.
وَقَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ: لَا يُقَاتَلُ الْحَبَشَةُ إلَّا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ وَكَذَلِكَ التُّرْكُ.
قَالَ مَالِكٌ: لَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَغْزُونَ الرُّومَ وَغَيْرَهُمْ وَتَرَكُوا الْحَبَشَةَ وَمَا أَرَاهُمْ تَرَكُوا قِتَالَهُمْ إلَّا لِأَمْرٍ (وَاحْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ بِقُرْآنٍ) تَقَدَّمَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ (وَبَعْثُ كِتَابٍ فِيهِ كَالْآيَةِ) تَقَدَّمَ نَقْلُ عِيَاضٍ هَذَا عَنْ الْفُقَهَاءِ (وَإِقْدَامُ رَجُلٍ عَلَى كَثِيرٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لِيُظْهِرَ شَجَاعَةً عَلَى الْأَظْهَرِ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ: حَمَلَ رَجُلٌ أَحَاطَ بِهِ الْعَدُوُّ عَلَى جَيْشِهِ خَوْفَ الْأَسْرِ خَفِيفٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْسِرَ اتِّفَاقًا وَحَمْلُ الرَّجُلِ وَحْدَهُ مِنْ الْجَيْشِ الْكَثِيفِ عَلَى جَيْشِ الْعَدُوِّ لِلسُّمْعَةِ وَالشَّجَاعَةِ مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا.
ابْنُ عَرَفَةَ: الصَّوَابُ حُرْمَتُهُ وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَحَمْلُهُ مُحْتَسِبًا بِنَفْسِهِ لِيُقَوِّيَ نُفُوسَ الْمُسْلِمِينَ وَيُلْقِيَ بِهِ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ، فَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ كَرِهَهُ وَمِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ وَاسْتَحَبَّهُ لِمَنْ كَانَتْ بِهِ قُوَّةٌ عَلَيْهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَعَلَ ذَلِكَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأُمَرَاءِ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ، وَلَا أَنْكَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ

وَرَوَى أَشْهَبُ فِي الرَّجُلِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَدْعُو لِلْمُبَارَزَةِ: لَا بَأْسَ بِهِ إنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ.
وَرَوَى عَلِيٌّ: إنْ لَقِيَتْ سَرِيَّةٌ أَضْعَافَهُمْ فَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا يَنْكَوْا الْعَدُوَّ فَلَا يَلْقَوْهُ لِئَلَّا يَسْتَأْسِرَ بِقَتْلِهِمْ.
(وَانْتِقَالٌ مِنْ مَوْتٍ لِآخَرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أَحْرَقَ الْعَدُوُّ سَفِينَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطْرَحُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهُمْ فَرُّوا مِنْ مَوْتٍ إلَى مَوْتٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: الصَّوَابُ أَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ أَفْضَلُ وَفِعْلَهُ جَائِزٌ (وَوَجَبَ إنْ رَجَا حَيَاةً) ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا حَصَلَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي صُورَةٍ يَخَافُ فِيهَا مِنْ الْقَتْلِ فَأَرَادَ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهَا، فَإِنْ رَجَا السَّلَامَةَ فَالِانْتِقَالُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَجَا السَّلَامَةَ بِالْبَقَاءِ وَجَبَ عَلَيْهِ.
وَلِمَا نَقَلَ اللَّخْمِيِّ أَنَّ لَهُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمَوْتِ وَلَا يَفِرَّ لِلْأَسْرِ قَالَ: هَذَا غَيْرُ بَيِّنٍ اُنْظُرْهُ فِيهِ (أَوْ طُولَهَا) اُنْظُرْ ابْنَ بَشِيرٍ.

(كَالنَّظَرِ فِي الْأَسْرَى بِقَتْلٍ أَوْ مَنٍّ أَوْ فِدَاءٍ أَوْ جِزْيَةٍ أَوْ اسْتِرْقَاقٍ) ابْنُ رُشْدٍ: ذَهَبَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: فَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإِمَّا أَنْ يَأْسِرَ وَيَسْتَعْبِدَ، وَإِمَّا أَنْ يُعْتِقَ، وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ فِيهِ الْفِدَاءَ، وَإِمَّا أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِ الذِّمَّةَ وَيَضْرِبَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَهَذَا التَّخْيِيرُ لَيْسَ عَلَى الْحُكْمِ فِيهِمْ بِالْهَوَى وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى

جِهَةِ الِاجْتِهَادِ فِي النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ كَالتَّخْيِيرِ فِي الْحُكْمِ فِي حَدِّ الْمُحَارِبِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ مِنْ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالْفُرُوسِيَّةِ وَالنِّكَايَةِ لِلْمُسْلِمِينَ قَتَلَهُ الْإِمَامُ وَلَمْ يَسْتَحْيِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَأُمِنَتْ غَائِلَتُهُ وَلَهُ قِيمَةٌ اسْتَرَقَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ قَبِلَ فِيهِ الْفِدَاءَ إنْ بُذِلَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ وَلَا فِيهِ مَحْمَلٌ لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ أَعْتَقَهُ كَالضُّمَنَاءِ وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لَا قِتَالَ عِنْدَهُمْ وَلَا رَأْيَ لَهُمْ وَلَا تَدْبِيرَ.
فَمِنْ الضُّمَنَاءِ وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لَا يُقْتَلُونَ الْمَعْتُوهُ وَالْمَجْنُونُ وَالْيَابِسُ الشَّقَّ بِاتِّفَاقٍ.
وَالْأَعْمَى وَالْمُقْعَدُ عَلَى اخْتِلَافٍ.
وَالِاخْتِلَافُ فِي هَذَا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي وُجُوبِ السَّهْمُ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَفِي جَوَازِ إعْطَائِهِمْ مِنْ الْمَالِ الَّذِي يُجْعَلُ فِي السَّبِيلِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ وَفِيهِ مَحْمَلٌ لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَقَدَ لَهُ الذِّمَّةَ وَضَرَبَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ مُخَالَفَةَ مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، مِثْلَ أَنْ يَبْذُلَ الْفَارِسُ الْمَعْرُوفُ بِالنَّجْدَةِ وَالْفُرُوسِيَّةِ فِي نَفْسِهِ الْمَالَ الْوَاسِعَ الْكَثِيرَ فَيَرَى الْإِمَامُ أَخْذَهُ أَوْلَى مِنْ قَتْلِهِ.

(وَلَا يَمْنَعُهُ حَمْلٌ مِنْ مُسْلِمٍ وَرُقَّ إنْ حَمَلَتْ بِهِ بِكُفْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ كِتَابِيٌّ أَوْ بَعْدَ قُدُومِهِ إلَيْنَا لَمْ تَزُلْ عِصْمَتُهُ عَنْ نِسَائِهِ وَهُوَ عَلَى نِكَاحِهِ وَيَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهِمْ وَافْتِرَاقُ الدَّارَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَمِنْ اللَّخْمِيِّ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْحَرْبِيِّ: ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا فَغَزَا الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُ فَغَنِمُوا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَالَهُ: أَنَّهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: وَسَأَلْت مَالِكًا عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمَ ثُمَّ غَزَا الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الدَّارَ فَأَصَابُوا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ قَالَ مَالِكٌ: فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ هَاهُنَا أَنَّهُمْ فَيْءٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ إلَيْنَا ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ ثُمَّ قَالَ: وَالْقَوْلُ أَنَّ مَالَهُ وَوَلَدَهُ لَهُ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ مَالُهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَإِنْ كَانَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْوَلَدُ مِنْ وَطْءٍ كَانَ بَعْدَ إسْلَامِهِ لَمْ يُسْتَرَقَّ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ سُبِيَتْ زَوْجَتُهُ بِحَمْلٍ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَهُوَ إذَنْ وَلَدُهُ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا زَوْجَتُهُ فَفَيْءٌ قَوْلًا وَاحِدًا، وَسَوَاءٌ أَسْلَمَ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا أَوْ أَقَامَ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ، وَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ الْكُفْرُ وَالرِّقُّ وَالزَّوْجِيَّةُ إلَّا إنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ عَتَقَتْ فَإِنَّهَا تَبْقَى زَوْجَةً.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: لَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِرْقَاقِ كَوْنُ الْمَرْأَةِ حَامِلًا مِنْ مُسْلِمٍ لَكِنْ لَا يُرَقَّ الْوَلَدُ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَمَلَتْ بِهِ فِي حَالِ كُفْرِهِ ثُمَّ سُبِيَتْ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَالْحَمْلُ فَيْءٌ.
وَانْظُرْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ حُكْمَ أَمْوَالِ الْمُدْجِنِينَ.
هَلْ هِيَ كَمَالِ مَنْ أَسْلَمَ وَبَقِيَ بِدَارِ الْحَرْبِ؟ وَانْظُرْ هُنَاكَ أَيْضًا الْحُرَّةَ يَأْسِرُهَا الْعَدُوُّ فَتَلِدُ عِنْدَهُمْ ثُمَّ يَغْنَمُهَا الْمُسْلِمُونَ وَأَوْلَادَهَا، وَانْظُرْ مَالَ مَنْ مَاتَ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ وَغَاصِبُ مَتْرُوكِهِ مُدْجِنٌ بِأَرْضِ

الشِّرْكِ.

[بَابٌ مِنْ فَرَائِضِ الْجِهَادِ الْوَفَاءُ بِالْأَمَانِ]

(وَالْوَفَاءُ بِمَا فَتَحَ لَنَا بِهِ بَعْضُهُمْ) ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ فَرَائِضِ الْجِهَادِ الْوَفَاءُ بِالْأَمَانِ.
ابْنُ سَحْنُونٍ: لَوْ قَالَ الْإِمَامُ لِأَهْلِ حِصْنٍ: مَنْ فَتَحَ الْبَابَ فَهُوَ آمِنٌ.
فَفَتَحَهُ عِشْرُونَ مَعًا فَهُمْ آمِنُونَ.
وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ مِنْ حِصْنٍ حُوصِرَ غَيْرُ أَمِيرِهِ نَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى فُلَانٍ أَوْ عَلَى قَرَابَتِي أَوْ أَهْلِ مَمْلَكَتِي أَوْ حِصْنِي دَخَلَ مَعَهُمْ فِي الْأَمَانِ الْأَمْوَالُ وَالسِّلَاحُ.
وَفِي أَمِّنُونِي عَلَى أَهْلِ حِصْنِي عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ عَلَى كَذَا يَدْخُلُ الْأَمْوَالُ وَالسِّلَاحُ لِأَنَّ " أَفْتَحُ " دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ النَّاسِ فَقَطْ.
" وَفِي " أَفْتَحُ لَكُمْ " عَلَى عَشْرَةٍ مِنْ الرَّقِيقِ أَوْ " مِنْ كَذَا لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمَالُهُ فَيْءٌ (وَبِأَمَانِ الْإِمَامِ مُطْلَقًا) ابْنُ بَشِيرٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَنْ يُعْطِيَ الْأَمَانَ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَصَرَّفَ عَلَى حُكْمِ التَّمَنِّي وَالتَّشَهِّي دُونَ مَصْلَحَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ.
اللَّخْمِيِّ: فَمَا عَقَدَهُ أَمِيرُ الْجَيْشِ مِنْ الْأَمَانِ جَازَ وَلَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ، فَإِنْ جَعَلَ لَهُمْ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَرْحَلَ عَنْهُمْ أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ آمِنُونَ إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَكُلُّ ذَلِكَ بِمَالٍ أَوْ بِغَيْرِ مَالٍ أَوْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا عَلَى أَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْ الْقَتْلِ خَاصَّةً وَيَسْتَرِقَّهُمْ أَوْ عَلَى أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ وَلَا يَسْتَرِقَّهُمْ وَعَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ خَاصَّةً وَلَا يَعْرِضَ لَهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ بَعْضَ ذَلِكَ عَلَى عَقْدٍ، جَائِزٌ لَازِمٌ (كَالْمُبَارِزِ مَعَ قِرْنِهِ) ابْنُ شَاسٍ: يَجِبُ عَلَى الْمُبَارِزِ مَعَ قَرْنِهِ الْوَفَاءَ بِشَرْطِهِ.
الْبَاجِيُّ: فَإِنْ خِيفَ عَلَى الْمُسْلِمِ الْقَتْلُ فَأَجَازَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ الْمُشْرِكُ وَلَا يُقْتَلُ لِأَنَّ مُبَارَزَتَهُ عَهْدٌ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ إلَّا مَنْ بَارَزَهُ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُعْجِبُنِي تَرْكُ الدَّفْعِ عَنْهُ لِأَنَّ الْعِلْجَ لَوْ أَسَرَهُ لَوَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَنْقِذَهُ إذَا قَدَرْنَا.
انْتَهَى مَا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى دُونَ نَقْلِ الْخِلَافِ.
وَرَوَى أَشْهَبُ فِي الرَّجُلِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَدْعُو إلَى الْمُبَارَزَةِ: لَا بَأْسَ بِهِ إنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَوَثِقَ بِنَفْسِهِ خَوْفَ إدْخَالِ الْوَهْنِ عَلَى النَّاسِ.
ابْنُ وَهْبٍ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَارِزَ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ عَدْلًا.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْإِمَامَ إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ يَلْزَمْ اسْتِئْذَانُهُ فِي مُبَارَزَةٍ وَلَا قِتَالٍ إذْ قَدْ يَنْهَاهُ عَنْ غُرَّةٍ قَدْ تَبَيَّنَتْ لَهُ فَيَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ، فَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْعَدْلُ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ فِي الِاسْتِئْذَانِ لَهُ لَا فِي طَاعَتِهِ إذَا أُمِرَ بِشَيْءٍ أَوْ نُهِيَ عَنْهُ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ لِلْإِمَامِ مِنْ فَرَائِضِ الْغَزْوِ فَوَاجِبٌ عَلَى الرَّجُلِ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ مَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِمَعْصِيَةٍ (وَإِنْ أُعِينَ بِإِذْنِهِ قُتِلَ مَعَهُ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ خَرَجَ جَمَاعَةٌ لِإِعَانَةِ الْكَافِرِ بِاسْتِنْجَادِهِ قَتَلْنَاهُ مَعَهُمْ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهُ.
الْجَوْهَرِيُّ: تَقُولُ: اسْتَنْجَدَنِي فَأَنْجَدْته أَيْ اسْتَعَانَ بِي فَأَعَنْته (وَلَمِنْ خَرَجَ فِي جَمَاعَةٍ لِمِثْلِهَا إذَا فَرَغَ مِنْ قِرْنِهِ الْإِعَانَةُ) سَحْنُونَ: لَوْ بَارَزَ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ مِثْلَهُمْ جَازَ أَنْ يَقْصِدَ مَنْ فَرَغَ مِنْ مُبَارَزَةِ أَصْحَابِهِ كَمَا فَعَلَ عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ يَوْمَ بَدْرٍ (وَأُجْبِرُوا عَلَى حُكْمِ مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ إنْ كَانَ عَدْلًا وَعَرَفَ الْمَصْلَحَةَ وَإِلَّا نَظَرَ الْإِمَامُ) سَحْنُونَ: صَحَّ النَّهْيُ عَنْ إنْزَالِ الْعَدُوِّ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَإِنْ جَهِلَ الْإِمَامُ فَأَنْزَلَهُمْ عَلَيْهِ رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ وَلْيُنْزِلْهُمْ الْإِمَامُ عَلَى حُكْمِهِ لَا عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ وَلَوْ طَلَبُوهُ بِأَنْ أَنْزَلَهُمْ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ.
وَلَوْ حَكَمَ فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا عَدْلًا نَفَذَ حُكْمُهُ وَلَمْ يَرُدَّهُمْ لِمَأْمَنِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا تَعَقَّبْ الْإِمَامُ حُكْمَهُ إنْ رَآهُ الْإِمَامُ حَسَنًا أَمْضَاهُ وَإِلَّا حَكَمَ بِمَا يَرَاهُ نَظَرًا وَلَا يَرُدُّهُمْ لِمَأْمَنِهِمْ.
وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْحُكْمِ رُدُّوا أَيْضًا لِمَأْمَنِهِمْ.

(كَتَأْمِينِ غَيْرِهِ إقْلِيمًا) سَحْنُونَ: لَوْ أَشْرَفَ عَلَى أَخْذِ حِصْنٍ وَتَيَقَّنَ أَخْذَهُ فَأَمَّنَهُمْ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَلِلْإِمَامِ رَدُّهُ (وَإِلَّا فَهَلْ يَجُوزُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَوْ يَمْضِي مِنْ مُؤَمِّنٍ مُمَيِّزٍ وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ رِقًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ خَارِجًا عَلَى الْإِمَامِ لَا ذِمِّيًّا وَخَائِفًا مِنْهُمْ تَأْوِيلَانِ) اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَمِّنَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَيْشِ وَاحِدًا مِنْ الْحِصْنِ.
فَإِنْ فَعَلَ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَمْضِي تَأْمِينُهُ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: الْمَشْهُورُ أَنَّ مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ، فَإِذَا أَعْطَى أَمَانًا فَهُوَ كَأَمَانِ الْإِمَامِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: أَمَانُ الْمَرْأَةِ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ عِنْدِي أَمَانُ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ إذَا كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ الْأَمَانَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِاجْتِهَادِهِ.
ابْنُ يُونُسَ: جَعَلَ عَبْدُ الْوَهَّابِ قَوْلَ الْغَيْرِ خِلَافًا وَغَيْرَهُ وِفَاقًا.
وَعَزَا أَبُو عُمَرَ قَوْلَ الْغَيْرِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ قَالَ: وَهُوَ شَاذٌّ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى.
قَالَ يَحْيَى: سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ نَاسٍ مِنْ الْعَدُوِّ كَانُوا خَرَجُوا إلَى رَجُلٍ كَانَ فِي الثَّغْرِ مِنْ أَهْلِ الْخِلَافِ لِلْإِمَامِ وَكَانَ يَلِي مَدِينَةً مِنْ الثَّغْرِ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهَا فَأَعْطَاهُمْ عَهْدًا فَأَمِنُوا بِذَلِكَ

عِنْدَهُ، هَلْ يُسْتَحَلُّونَ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا إلَيْهِ وَقَبِلُوا عَهْدَهُ وَقَدْ عَلِمُوا خِلَافَهُ لِلْإِمَامِ؟ فَقَالَ: لَا تَحِلُّ دِمَاؤُهُمْ وَلَا ذَرَارِيُّهُمْ وَلَا أَمْوَالُهُمْ لِأَحَدٍ، لِأَنَّ عَهْدَهُ عَهْدٌ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَعْقِدُ لَهُمْ أَمَانًا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ: إنَّ عَهْدَهُ لَا يُمْضِيهِ الْوَالِي فَارْجِعُوا إلَى مَأْمَنِكُمْ، فَإِذَا رُدُّوا إلَى أَرْضِهِمْ عَادُوا إلَى حَالِهِمْ الْأَوَّلِ فَكَانُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مَا هُمْ.
قُلْت: فَإِنْ اخْتَارُوا الْإِقَامَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ قَالَ: لَا أُحِبُّ لَهُ رَدَّهُمْ إذَا رَضُوا بِالْجِزْيَةِ.
ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ: " إنَّهُمْ يَحْرُمُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْعَهْدِ الَّذِي أَعْطَاهُمْ الْمُخَالِفُ عَلَى الْإِمَامِ " صَحِيحٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ» وَذَلِكَ مَا لَمْ يُغِيرُوا بَعْدَ مُعَاهَدَتِهِمْ إيَّاهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ أَمَانَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ لَيْسَ بِأَمَانٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ قَالُوا: ظَنَنَّا الذِّمِّيَّ مُسْلِمًا رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ.
وَسُئِلَ أَشْهَبُ عَنْ رَجُلٍ شَذَّ عَنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَأَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَطَلَبَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ الْعَدُوُّ: لِلْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ أَعْطِنَا الْأَمَانَ فَأَعْطَاهُمْ الْأَمَانَ فَقَالَ: إذَا كَانَ أَمَّنَهُمْ وَهُوَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ أَمَّنَهُمْ وَهُوَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِزٍ.
وَقَوْلُ الْأَسِيرِ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ.
مُحَمَّدٌ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.

(وَسَقَطَ الْقَتْلُ) اللَّخْمِيِّ: مُتَعَلَّقُ الْأَمَانِ فِي

الْأَسِيرِ عَدَمُ قَتْلِهِ وَلَوْ كَانَ أَمَانًا لِمَنْ فِي حِصْنٍ كَانَ لَا يُبَاحُ بِقَتْلٍ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَسْتَبِينَ أَنَّهُ فِي النَّفْسِ دُونَ الْمَالِ (وَلَوْ بَعْدَ الْفَتْحِ) لَمَّا ذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ الْخِلَافَ فِي أَمَانِ الْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ التَّأْمِينُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْفَتْحُ وَمَا دَامَ الَّذِي أَمِنَ مُتَمَنِّعًا.
وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الْفَتْحُ وَصَارَ فِي قَبْضَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ أَمَّنَهُ الْأَمِيرُ صَحَّ تَأْمِينُهُ، وَإِنْ أَمَّنَهُ غَيْرُهُ فَهَلْ يَصِحُّ تَأْمِينُهُ فَيَكُونُ مَانِعًا مِنْ الْقَتْلِ؟ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: صِحَّةُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْأَسْرِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأُمِّ هَانِئٍ: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت يَا أُمَّ هَانِئٍ» . وَكَانَتْ إجَارَتُهَا بَعْدَ الْفَتْحِ.
وَعَزَا اللَّخْمِيِّ هَذَا لِابْنِ الْمَوَّازِ.
الثَّانِي: عَدَمُ صِحَّتِهِ لِأَنَّهُ صَارَ فِي قَبْضَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْإِمَامِ صِيَانَةُ دَمِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَحِلُّ لِمَنْ أَمَّنَهُ قَتْلُهُ وَالْإِمَامُ يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ إنْ رَأَى قَتْلَهُ أَصْلَحَ قَتَلَهُ وَهَذَا أَحْسَنُ، إذْ لَوْ كَانَتْ إجَارَةُ أُمِّ هَانِئٍ لَازِمَةً لَمْ يَقُلْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت.
قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ: إنَّمَا تَمَّ أَمَانُهَا بِإِجَارَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِلَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: يَصِحُّ التَّأْمِينُ بِكُلِّ مَا يُفْهَمُ بِهِ ذَلِكَ كَانَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَوْ بِالْعَجَمِيِّ، نُطْقًا أَوْ إشَارَةً (إنْ لَمْ يَضُرَّ) مِنْ الذَّخِيرَةِ: لَوْ أَمَّنَ جَاسُوسًا أَوْ طَلِيعَةً لَمْ يَنْعَقِدْ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ بَلْ يَكْفِي عَدَمُ الْمَضَرَّةِ.

(وَإِنْ ظَنَّهُ حَرْبِيٌّ فَجَاءَ أَوْ نَهَى النَّاسَ عَنْهُ فَعَصَوْا أَوْ نَسُوا أَوْ جَهِلُوا أَوْ جُهِلَ إسْلَامُهُ لَا إمْضَاؤُهُ أَمْضَى أَوْ رُدَّ لِمَحَلِّهِ) أَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَرْبِيِّ يَظُنُّ الْأَمَانَ فَيَجِيءُ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي مَرْكَبٍ لِلْمُسْلِمِينَ قَاتَلُوا مَرْكَبَ عَدُوِّهِمْ يَوْمَهُمْ فَطَلَبَ الْعَدُوُّ الْأَمَانَ فَنَشَرَ الْمُسْلِمُونَ الْمُصْحَفَ وَحَلَفُوا بِمَا فِيهِ لَنَقْتُلَنَّكُمْ،

فَظَنَّهُ الْعَدُوُّ أَمَانًا فَاسْتَسْلَمُوا ثُمَّ طَلَبُوا بَيْعَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَمَانٌ قَالَ: وَلَوْ طَلَبُوا مَرْكَبًا لِلْعَدُوِّ فَصَاحُوا بِهِ: اُرْخُ قَلْعَك فَأَرْخَاهَا، هُوَ أَمَانٌ إنْ كَانَ قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِمْ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَنْ أَمَّنَ وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ نَهَى عَنْهُ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَيْشِ أَنْ يُؤَمِّنَ أَحَدًا غَيْرَ الْإِمَامِ وَحْدَهُ وَلِذَلِكَ قُدِّمَ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ إنْ أَمَّنَ أَحَدٌ أَحَدًا قَبْلَ نَهْيِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ، إمَّا أَمَّنَهُ أَوْ رَدَّهُ إلَى مَأْمَنِهِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ: إذَا نُهِيتُمْ عَنْ الْأَمَانِ فَأَمَّنَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْهُمْ نَاسِيًا أَوْ عَاصِيًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ جَاهِلًا رُدَّ إلَى مَأْمَنِهِ وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُقِيمَ فِيكُمْ فَيَكُونَ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْجِزْيَةِ: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَنْ جُهِلَ إسْلَامُهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ إذَا قَالُوا: ظَنَنَّا الذِّمِّيَّ مُسْلِمًا رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَوْ جُهِلَ كُفْرُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ " لَا إمْضَاؤُهُ " فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: لَا أَمَانَ لِذِمِّيٍّ، فَإِنْ قَالُوا: ظَنَنَّا أَنَّ لَهُ جِوَارًا بِمَكَانِ الذِّمَّةِ فَلَا أَمَانَ لَهُمْ.
اللَّخْمِيِّ: أَرَى أَنْ يُرَدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ (وَإِنْ أَخَذَ مُقْبِلًا بِأَرْضِهِمْ وَقَالَ جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ أَوْ بِأَرْضِنَا وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ أَوْ بَيْنَهُمَا رُدَّ لِمَأْمَنِهِ وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ فَعَلَيْهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَخَذَ الرُّومِيُّ بِبَلَدِ الْعَدُوِّ وَهُوَ مُقْبِلٌ إلَيْنَا فَيَقُولُ: جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ فَقَالَ مَالِكٌ: هَذِهِ أُمُورٌ مُشْكِلَةٌ وَأَرَى رَدَّهُ لِمَأْمَنِهِ.
قِيلَ: فَمَنْ أَخَذَ حَرْبِيًّا دَخَلَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ دُونَ أَمَانٍ.
أَيَكُونُ لَهُ أَمْ فَيْءٌ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ وُجِدُوا بِسَاحِلِ الْمُسْلِمِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ تُجَّارٌ: لَا يُصَدَّقُونَ وَلَيْسُوا لِمَنْ وَجَدَهُمْ وَيَرَى الْإِمَامُ رَأْيَهُ.
قُلْت: إنْ نَزَلَ تَاجِرٌ دُونَ أَمَانٍ وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ؟ قَالَ: هَذَا كَقَوْلِ مَالِكٍ أَوَّلًا.
أَمَّا قَبْلَ قَوْلِهِ: " أَوْ رُدَّ لِمَأْمَنِهِ ". ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِذَا وُجِدَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي مَوَاضِعَ بَيْنَ أَرْضِهِمْ أَوْ أَرْضِنَا فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ حُكِمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ حُكِمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَإِنْ شَكَّ فَقَوْلَانِ.
اللَّخْمِيِّ: إنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ كَانَ آمِنًا وَلَمْ يُسْتَرَقَّ، وَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَكَانَ رَقِيقًا، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ وَلَا عَلَى كَذِبِهِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ رَأَى مَرَّةً أَنَّهُ صَارَ أَسِيرًا رَقِيقًا بِنَفْسِ الْأَخْذِ يَدَّعِي وَجْهًا يُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَرَأَى مَرَّةً أُخْرَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلَهُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ صَدَقَ وَلَا يُسْتَرَقُّ بِشَكٍّ وَهُوَ أَحْسَنُ.
فَإِنْ قَالَ: جِئْتُ رَسُولًا وَمَعَهُ مُكَاتَبَةٌ أَوْ جِئْتُ لِفِدَاءٍ وَلَهُ مَنْ يَفْدِيهِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ (وَإِنْ رُدَّ بِرِيحٍ فَعَلَى أَمَانِهِ حَتَّى يَصِلَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا نَزَلَ تُجَّارُهُمْ بِأَمَانٍ فَبَاعُوا وَانْصَرَفُوا فَأَيْنَمَا رَمَتْهُمْ الرِّيحُ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَالْأَمَانُ لَهُمْ مَا دَامُوا فِي تَجْرِهِمْ حَتَّى

يَرِدُوا بِلَادَهُمْ.

(وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا فَمَالُهُ فَيْءٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَارِثٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ مَاتَ عِنْدَنَا وَقَدْ كَانَ اسْتَأْمَنَ عَلَى رُجُوعِهِ بِانْقِضَاءِ أَرَبِهِ فَمَالُهُ لِأَهْلِ الْكُفْرِ وَفِي رَدِّهِ لِوَارِثِهِ أَوْ لِحُكَّامِهِمْ قَوْلَانِ.
وَلَعَلَّهُ خِلَافٌ فِي حَالِ إنْ انْتَقِلْ لَنَا حَقِيقَةُ تَوْرِيثِهِمْ دُفِعَ لِوَارِثِهِمْ وَإِلَّا فَلِحَاكِمِهِمْ.
ابْنُ عَرَفَةَ: رَابِعُ الْأَقْوَالِ مَالُهُ لِوَارِثِهِ وَدِيَتُهُ لِحَاكِمِهِمْ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا حَرْبِيٌّ مُسْتَأْمَنٌ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيُرَدَّ مَالُهُ إلَى وَرَثَتِهِ بِبَلَدِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ قُتِلَ فَتُدْفَعُ دِيَتُهُ إلَى وَرَثَتِهِ وَيُعْتِقُ قَاتِلُهُ رَقَبَةً.
وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ قَالَ: وَدِيَةُ الْمُسْتَأْمَنِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ.
ابْنُ يُونُسَ: وَإِنَّمَا يُرَدُّ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ إذَا مَاتَ عِنْدَنَا إذَا اسْتَأْمَنَ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ إذَا كَانَ شَأْنُهُمْ الرُّجُوعَ، وَأَمَّا لَوْ اسْتَأْمَنَ عَلَى الْمُقَامِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ شَأْنَهُمْ فَإِنَّ مَا تَرَكَ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَقَالَ فِيهِ: وَإِنْ كَانَ شَأْنُهُمْ الرُّجُوعَ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَمِيرَاثُهُ إنْ مَاتَ رُدَّ إلَى وَرَثَتِهِ بِبَلَدِهِ إلَّا أَنْ تَطُولَ إقَامَتُهُ عِنْدَنَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَلَا يُرَدُّ مِيرَاثُهُ، وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُمْ وَلَا ذَكَرُوا رُجُوعًا فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ.

(وَلِقَاتِلِهِ إنْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ وَإِلَّا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتِهِ لِوَارِثِهِ كَوَدِيعَتِهِ وَهَلْ وَإِنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ أَوْ فَيْءٍ قَوْلَانِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَأْمَنُ عِنْدَنَا مَالًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَمَاتَ فَلْيُرَدَّ مَالُهُ إلَى وَرَثَتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قُتِلَ فِي مُحَارَبَتِهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّا نَبْعَثُ بِمَالِهِ الَّذِي لَهُ عِنْدَنَا، وَأَمَّا لَوْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ صَارَ مَالُهُ فَيْئًا لِمَنْ أَسَرَهُ وَقَتَلَهُ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا رَقَبَتَهُ قَبْلَ قَتْلِهِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ قُتِلَ بَعْدَ أَنْ أُسِرَ قَالَ: وَأَمَّا إنْ

قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ فَهِيَ فَيْءٌ لَا خُمُسَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ.
ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْأَسِيرَ إذَا بِيعَ فِي الْمَقَاسِمِ أَوْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ بَعْدَ الْأَسْرِ يَكُونُ الْمَالُ الَّذِي كَانَ لَهُ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ مُسْتَوْدَعًا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ: مَعْنَاهُ يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَيْشِ فَيُخَمَّسُ وَتَجْرِي فِيهِ السِّهَامُ فَهُوَ كَمَا أَصَابُوا مَعَهُ مِنْ مَالِهِ.
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَغُرَمَاؤُهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْجَيْشِ بِخِلَافِ مَا غُنِمَ مَعَهُ.
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا إذَا قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَلَمْ يُؤْسَرْ فَجَعَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بِمَنْزِلَةِ إذَا مَاتَ بِأَرْضِهِ فَيُرَدُّ الْمَالُ الْمُسْتَوْدَعُ إلَى وَرَثَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَعَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا يُخَمَّسُ.
وَلِكِلَا الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ مِنْ النَّظَرِ.

(وَكُرِهَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ اشْتِرَاءُ سِلْعَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ مَا أَحْرَزُوا مِنْ مَتَاعِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَأَتَوْا بِهِ لِيَبِيعُوهُ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: وَاسْتَحَبَّ غَيْرُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا بِأَيْدِيهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَأْخُذَهُ رَبُّهُ بِالثَّمَنِ.
ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا حَصَلَتْ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَرْبِ ثُمَّ صَارَتْ لِمُسْلِمٍ، فَإِنْ كَانَ مَصِيرُهَا إلَيْهِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِمُعَاوَضَةٍ أَوْ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ، فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ بِمُعَاوَضَةٍ فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بَعْدَ دَفْعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ صَاحِبُهُ حَتَّى بَاعَهُ مَنْ أَخَذَهُ فَأَمَّا مَنْ صَارَ إلَيْهِ بِمُعَاوَضَةٍ فَالْبَيْعُ مَاضٍ، وَأَمَّا مَنْ صَارَ إلَيْهِ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَهَلْ لِرَبِّهِ نَقْضُ الْبَيْعِ؟ قَوْلَانِ فِي الْكِتَابِ.
وَإِذَا قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ النَّقْضُ فَلَهُ الثَّمَنُ وَإِنْ قَدِمَ أَهْلُ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنِينَ فِي أَيْدِيهمْ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُكْرَهُ لِغَيْرِ أَرْبَابِهَا شِرَاؤُهَا مِنْهُمْ.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ.
وَهَذَا عَلَى الْخِلَافِ، هَلْ يَكُونُ أَرْبَابُهَا أَحَقَّ بِهَا بِالثَّمَنِ أَمْ لَا؟ فَعَلَى أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِهَا يُسْتَحَبُّ شِرَاؤُهَا مِنْهُمْ لِيَتَوَصَّلَ أَرْبَابُهَا إنْ شَاءُوا، وَهَذَا قِيَاسُ مَا اشْتَرَى مِنْهُمْ بِأَرْضِهِمْ.
فَإِنْ أَخَذَهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَهَلْ لِأَرْبَابِهَا أَخْذُهَا.
قَوْلَانِ (وَفَاتَتْ بِهِ وَبِهِبَتِهِمْ لَهَا) اللَّخْمِيِّ: إذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَهُ مَالُ الْمُسْلِمِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ فِيهِ مَا دَامَ فِي يَدِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا أُحِبُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ

يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ، فَإِنْ وَهَبَهُ لِأَحَدٍ لَمْ يَأْخُذْهُ سَيِّدُهُ عَلَى حَالٍ.
وَاَلَّذِي يُشْبِهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ وَفِي الْهِبَةِ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَهَذَا أَحْسَنُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَهُوَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ أَوْ هُوَ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ.

(وَانْتُزِعَ مَا سُرِقَ ثُمَّ عِيدَ بِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ) يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَوْ سَرَقَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَمْوَالَنَا وَعَبِيدًا وَكَتَمُوا ذَلِكَ حَتَّى حَارَبُوا ثُمَّ صُولِحُوا عَلَى أَنْ رَجَعُوا إلَى حَالِهِمْ مِنْ غُرْمِ الْجِزْيَةِ لَا يُنْزَعُ مِنْهُمْ شَيْءٌ.
وَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي النَّفْرِ مِنْ الْعَدُوِّ يَنْزِلُونَ بِأَمَانٍ فَإِذَا فَرَغُوا سَرَقُوا عَبِيدَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بَعْضَ الْأَحْرَارِ ثُمَّ رَجَعُوا وَهُمْ مَعَهُمْ فَنَزَلُوا عَلَى أَمَانٍ وَلَمْ يَعْرِفُوا فَأَرَادُوا أَنْ يَبِيعُوهُمْ قَالَ: لَا يُتْرَكُوا.
وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ عِنْدِي مِثْلُ مَا لَوْ نَزَلُوا بِأَمَانٍ فَدَايَنُوا الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ هَرَبُوا وَالدَّيْنُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا فَنَزَلُوا بِأَمَانٍ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الدُّيُونِ.
ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ أَيْدِيهِمْ وَأَرَى أَنْ يُوَفَّى لَهُمْ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَحْرَزُوهُمْ.
وَلَا يُتْبِعُوا بِمَا دَايَنُوا عَلَيْهِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْعَهْدَ وَالْأَمَانَ شَدِيدٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْأَوَّلِ أَنْ يُنْزِلَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلَ أَنْفَذَ لَهُمْ الشَّرْطَ وَلَمْ يَنْتَزِعْ مِنْهُمْ شَيْئًا.
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ.
وَنَحْوُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ يَقْدُمُونَ بِأَمَانٍ لِلتِّجَارَةِ فَيَشْتَرِطُونَ أَنْ لَا يَرُدَّ عَلَيْهِمْ إلَّا مِنْ جُنُونٍ أَوْ جُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ أَنَّ لَهُمْ شَرْطَهُمْ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَاخْتِلَافُ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَاخِلٌ فِي مَسْأَلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى، وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَلَا يُتْرَكَ لَهُمْ لَا سِيَّمَا فِي مَسْأَلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا حَارَبُوا ثُمَّ رَجَعُوا إلَى غُرْمِ

الْجِزْيَةِ.
اُنْظُرْ السَّمَّاعَيْنِ فَفِيهِمَا طُولٌ.

(لَا أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ) اللَّخْمِيِّ: إذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَهُ مُسْلِمُونَ أَحْرَارٌ أَوْ عَبِيدٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِمْ إنْ أَحَبَّ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيُعْطَى فِي كُلِّ مُسْلِمٍ أَوْ فِي الْقِيمَةِ وَيُنْتَزَعُ مِنْهُ.
وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ الْمُسْلِمَةِ يُرِيدُ بِخِلَافِ الذَّكَرِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ.
وَقَالَ: إذَا عَاقَدَ الْأَمَانَ عَلَى شَرْطِ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا رَدَّهُ إلَيْهِمْ يُوَفَّى لَهُمْ بِذَلِكَ فِي الرِّجَالِ وَلَا يُوَفَّى لَهُمْ بِهِ فِي النِّسَاءِ، فَأَمْضَى لَهُمْ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاضَى أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى مَنْ أَتَاهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مُسْلِمًا رَدَّهُ إلَيْهِمْ» وَلَمْ يَمْضِ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَقَبْلَ أَنْ يَكْثُرَ الْمُسْلِمُونَ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ.
وَفَرَّقَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: 10] . وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا نَزَلَ الْحَرْبِيُّونَ بِأَمَانٍ لِلتِّجَارَةِ فَأَسْلَمَ رَقِيقُهُمْ أَوْ قَدِمُوا بِهِمْ مُسْلِمِينَ فَلَا يُمْنَعُوا مِنْ الرُّجُوعِ بِهِمْ إذَا أَدَّوْا مَا رَضُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ كُنَّ إمَاءً لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ وَطْئِهِنَّ.
وَلَقَدْ أَنْكَرَ رَجُلٌ عَلَى مَالِكٍ هَذَا فَقَالَ مَالِكٌ: أَلَمِ تَعْلَمْ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ فَهَرَبَ أَبُو جَنْدَلٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَطَلَبَهُ أَبُوهُ مِنْ مَكَّةَ فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: إنَّا لَا نَخْفِرُ بِالْعَهْدِ» . قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ حُجَّةُ الْحَرْبِيِّ أَنْ يَقُولَ: عَهْدِي لَا يُنْقَضُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَمَّا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فَيُبَاعُ عَلَيْهِمْ كَمَا يُفْعَلُ بِالذِّمِّيِّ ثُمَّ لَا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، وَأَمَّا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ سَبَايَا الْمُسْلِمِينَ فَلْتُؤْخَذْ مِنْهُمْ وَيُعْطُوا قِيمَتَهُمْ وَإِنْ كَرِهُوا، وَأَمَّا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ رَقِيقٍ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَحْرَارِ ذِمَّتِنَا مِمَّنْ أَخَذُوهُ.
وَأَسَرُوهُ فَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِثَمَنٍ وَلَا بِغَيْرِ ثَمَنٍ.
وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ نَافِعٍ وَغَيْرُهُمْ وَرَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ.
وَانْفَرَدَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ: لَا يَعْرِضُ لَهُمْ فِيمَا أَسْلَمَ مِنْ رَقِيقِهِمْ أَوْ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ سَبَايَا الْمُسْلِمِينَ وَأُسَارَاهُمْ وَلَا يُعْجِبُنِي.

(وَمَلَكَ بِإِسْلَامِهِ غَيْرَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لَهُ.
ابْنُ يُونُسَ

لِأَنَّ لِلْكَافِرِ شُبْهَةَ مِلْكٍ عَلَى مَا حَازَهُ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ اسْتَهْلَكَ فِي حَالِ شِرْكِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَوْ أَتْلَفَهُ مُسْلِمٌ عَلَى صَاحِبِهِ لَضَمِنَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: مَا أَسْلَمَ عَلَيْهِ حَرْبِيٌّ إنْ كَانَ مُتَمَوِّلًا فَلَهُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَابْنُ الْقَاسِمِ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: يُنْزَعُ مِنْهُ مَجَّانًا.
ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا.
ابْنُ بَشِيرٍ: عَلَى الْمَشْهُورِ (وَفُدِيَتْ أُمُّ وَلَدٍ وَعَتَقَ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَرْبَابِهِ مَا لَمْ يَكُنْ حُرًّا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ وَتُرَدُّ أُمُّ الْوَلَدِ إلَى سَيِّدِهَا وَيَتْبَعُهُ بِقِيمَتِهَا، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَتَكُونُ لَهُ كِتَابَتُهُ وَإِنْ عَجَزَ بَقِيَ رَقِيقًا لِهَذَا الْحَرْبِيِّ، وَإِنْ أَدَّى كَانَ حُرًّا وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي عَقَدَ كِتَابَتَهُ وَالْمُدَبَّرُ يَخْتَدِمُهُ وَيُؤَاجِرُهُ مَا دَامَ سَيِّدُهُ حَيًّا، فَإِنْ مَاتَ وَحَمَلَهُ ثُلُثُهُ كَانَ حُرًّا.
سَحْنُونَ: وَلَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ وَإِنْ رَقَّ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ مَا رَقَّ مِنْهُ لِلْحَرْبِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ عَلَيْهِ (وَمُعْتَقٌ لِأَجَلٍ بَعْدَهُ) . سَحْنُونَ: الْمَعْتُوقُ لِأَجَلٍ إذَا سُبِيَ ثُمَّ أَسْلَمَ عَلَيْهِ حَرْبِيٌّ كَانَ لَهُ خِدْمَتُهُ إلَى الْأَجَلِ دُونَ سَيِّدِهِ، فَإِنْ عَتَقَ بِتَمَامِ الْأَجَلِ لَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ (وَلَا يُتْبَعُونَ بِشَيْءٍ وَلَا خِيَارَ لِلْوَارِثِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمَنْصُوصُ فِي أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ نَزْعُهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الرَّقِيقِ وَبِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَأُمِّ الْوَلَدِ تُفْدَى وَالْمُدَبَّرُ وَنَحْوُهُ كَالْمِلْكِ الْمُحَقَّقِ ثُمَّ يُعْتَقُونَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ بَعْدُ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُتْبَعُونَ بِشَيْءٍ وَلَا قَوْلَ لِلْوَرَثَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ فِي الْحُرِّ الْمُسْلِمِ يُنْزَعُ مَجَّانًا، وَقَوْلُ سَحْنُونٍ فِي الْمُدَبَّرِ لَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ.

(وَحُدَّ زَانٍ وَسَارِقٌ إنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ) . ابْنُ شَاسٍ: لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُ الْغَانِمِينَ عَلَى الْغَنِيمَةِ بِنَفْسِ الْغَنِيمَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: إذَا وَطِئَ أَمَةً مِنْ الْمَغْنَمِ حُدَّ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ، وَكَذَلِكَ

يُقْطَعُ إنْ سَرَقَ مِنْهُ.
اُنْظُرْ فِي الْحُدُودِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْغَنِيمَةِ " (وَوُقِفَتْ الْأَرْضُ كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ) . ابْنُ شَاسٍ: أَرَاضِي الْكُفَّارِ الْمَأْخُوذَةُ بِالِاسْتِيلَاءِ قَهْرًا وَعَنْوَةً تَكُونُ وَقْفًا يُصْرَفُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَأَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَالْعُمَّالِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ وَلَا تُقْسَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا كَانَ كَذَلِكَ مِنْ أَرَاضِيِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَكَذَلِكَ دُورُ مَكَّةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا.
اللَّخْمِيِّ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَكَّةَ اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَنَّهَا لَمْ تُقْسَمْ، وَاخْتُلِفَ هَلْ مَنْ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا أَوْ أُقِرَّتْ لِلْمُسْلِمِينَ؟ وَاخْتُلِفَ فِي كِرَاءِ دُورِهَا وَبَيْعِهَا فَمَنَعَهَا مَالِكٌ مَرَّةً ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَهُمَا فَإِنْ وَقَعَا لَمْ يُفْسَخَا.
اللَّخْمِيِّ: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ إنْ قُسِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ مَاضٍ وَلَا يُنْقَضُ.
(وَخُمِّسَ غَيْرُهَا إنْ أَوْجَفَ عَلَيْهِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: مَا مُلِكَ مِنْ مَالِ الْكَافِرِ غَنِيمَةٌ وَمُخْتَصٌّ وَفَيْءٌ.
فَالْغَنِيمَةُ مَا كَانَ بِقِتَالٍ أَوْ بِحَيْثُ يُقَاتَلُ عَلَيْهِ وَلَازَمَهُ تَخْمِيسُهُ.
وَرَوَى مُحَمَّدٌ: مَا أُخِذَ

مِنْ حَيْثُ يُقَاتَلُ عَلَيْهِ كَمَا بِقُرْبِ قُرَاهُمْ كَمَا قُوتِلَ عَلَيْهِ.

(فَخَرَاجُهَا وَالْخُمُسُ وَالْجِزْيَةُ لِآلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْفَيْءُ مَا سِوَى الْغَنِيمَةِ وَالْمُخْتَصُّ فِيهَا خَرَاجُ الْأَرَضِينَ وَالْجِزْيَةُ وَمَا اُفْتُتِحَ مِنْ أَرْضٍ بِصُلْحٍ وَخُمُسِ غَنِيمَةٍ أَوْ رِكَازٍ فَيْءٌ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ وَمَا أُخِذَ مِنْ تُجَّارِهِمْ وَتُجَّارِ الذِّمِّيِّينَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْخُمُسُ وَالْفَيْءُ سَوَاءٌ يُجْعَلَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيُعْطِي الْإِمَامُ أَقْرِبَاءَ رَسُولِ اللَّهِ.
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ بِقَدْرِ الِاجْتِهَادِ وَلَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ.
ابْنُ حَبِيبٍ: لَمَّا كَثُرَ الْمَالُ دَوَّنَ عُمَرَ لِلْعَطَاءِ دِيوَانًا فَاضَلَ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ وَقَالَ: ابْدَءُوا بِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ حَتَّى تَضَعُوا عُمَرَ حَيْثُ وَضَعَهُ اللَّهُ.
اللَّخْمِيِّ: يَبْدَأُ مِنْهُ بِسَدِّ مَخَاوِفِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي جُبِيَ مِنْهُ وَإِصْلَاحِ حُصُونِ سَوَاحِلِهِ وَيُشْتَرَى مِنْهُ السِّلَاحُ وَالْكُرَاعُ إذَا كَانَ بِهِمْ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ، وَغُزَاةِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَعَامِلِيهِ وَفُقَهَائِهِ وَقَاضِيهِ.
فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أُعْطِي لِلْفُقَرَاءِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ وُقِفَ عُدَّةً لِمَا يَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِنَّمَا بُدِئَ بِمَنْ تَقَدَّمَ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ لِأَنَّ أُولَئِكَ لَا تَحِلُّ لَهُمْ الزَّكَاةُ فَكَانُوا أَحَقَّ بِالِارْتِفَاقِ بِمَالِهِمْ الْأَخْذُ مِنْهُ وَيَنْتَفِعُ الْآخَرُونَ بِمَا جُعِلَ لَهُمْ مِمَّا لَا يَجُوزُ لِأُولَئِكَ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُقْطَعُ مِنْهُ رِزْقُ الْعُمَّالِ وَالْقُضَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَلِمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَخْرُجُ عَطَاءُ الْمُقَاتِلَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ تَبْدِئَةُ الْعُمَّالِ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ وَيَأْتِي لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَكْسُهُ وَهُوَ الصَّوَابُ (وَبُدِئَ بِمَنْ فِيهِمْ الْمَالُ) تَقَدَّمَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ: يَبْدَأُ بِالْبَلَدِ الَّذِي جُبِيَ مِنْهُ (وَنُقِلَ لِلْأَحْوَجِ الْأَكْثَرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ حَاجَةً أُعْطِيَ الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِمْ الْمَالُ مِنْ ذَلِكَ وَنُقِلَ الْأَكْثَرُ إلَى الْبَلَدِ الْمُحْتَاجِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ فِي أَعْوَامِ

الرَّمَادَةِ.
(وَنَفَّلَ مِنْهُ السَّلَبَ لِمَصْلَحَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: النَّفَلُ مِنْ الْخُمُسِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: 41] . فَجَعَلَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ لِمَنْ غَنِمَهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا شَيْءٌ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَالنَّفَلُ كُلُّهُ مِنْ الْخُمُسِ سَلَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَالنَّفَلُ زِيَادَةٌ عَلَى السَّهْمِ أَوْ هِبَةٌ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ السَّهْمِ يَفْضُلُهُ الْإِمَامُ الرَّأْيُ يَرَاهُ مِمَّا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ

إلَيْهِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَهَلْ يَكُونُ لَهُ سَلَبُهُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ إلَّا فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ يَجْتَهِدُ فِيهِ.
ابْنُ يُونُسَ: مِثْلُ أَنْ يَرَى ضَعْفًا مِنْ الْجَيْشِ فَيُرَغِّبَهُمْ بِذَلِكَ فِي الْقِتَالِ.

(وَلَمْ يَجُزْ إنْ لَمْ يَنْقَضِ الْقِتَالُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ السَّلَبُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ نَفْلٌ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ وَيَجُوزُ النَّفَلُ فِي أَوَّلِ الْمَغْنَمِ وَفِي آخِرِهِ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ.
اللَّخْمِيِّ: النَّفَلُ جَائِزٌ وَمَكْرُوهٌ.
فَالْجَائِزُ مَا كَانَ بَعْدَ الْقِتَالِ، وَالْمَكْرُوهُ مَا كَانَ قَبْلُ.
وَيَقُولُ وَالِي الْجَيْشِ: مَنْ يَقْتُلْ فُلَانًا فَلَهُ سَلَبُهُ أَوْ دَنَانِيرُهُ أَوْ كِسْوَتُهُ أَوْ مَنْ جَاءَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ مِنْ الْمَتَاعِ أَوْ مِنْ الْخَيْلِ فَلَهُ رُبْعُهُ أَوْ نِصْفُهُ أَوْ مَنْ صَعِدَ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا أَوْ بَلَغَهُ أَوْ وَقَفَ بِهِ فَلَهُ كَذَا، مَمْنُوعٌ ابْتِدَاؤُهُ لِأَنَّهُ قِتَالٌ لِلدُّنْيَا وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّحَامُلِ عَلَى الْقِتَالِ.
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ: لَا تُقَدِّمُوا جَمَاجِمَ الرِّجَالِ إلَى الْحُصُونِ فَلَمُسْلِمٌ أَسْتَبْقِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ حِصْنٍ أَفْتَحُهُ.
فَإِنْ فَاتَ الْقِتَالُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ شَرْطُهُ لِأَنَّهُ عَمِلَ عَلَى حَظِّهِ مِنْ الدُّنْيَا فَهِيَ كَالْمُبَالَغَةِ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: النَّفَلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: مِنْ الْخُمُسِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً مِنْ الْعَسْكَرِ وَيُرِيدَ أَنْ يُنَفِّلَهَا مِمَّا غَنِمَتْ دُونَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَحَقُّهُ أَنْ يُخَمِّسَ مَا غَنِمَتْ ثُمَّ يُعْطِيَ السَّرِيَّةَ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ الْخُمُسِ مَا شَاءَ رُبْعًا أَوْ ثُلُثًا لَا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ، وَيَقْسِمَ الْبَاقِيَ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَبَيْنَ السَّرِيَّةِ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةً وَالرَّاجِلِ وَاحِدًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُحَرِّضَ الْإِمَامُ أَهْلَ الْعَسْكَرِ عَلَى قِتَالِ قَبْلٍ اللِّقَاءَ وَيُنَفِّلَ جَمِيعَهُمْ مِمَّا فَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الرُّبْعُ أَوْ الثُّلُثُ قَبْلَ الْقَسْمِ كَرِهَهُ مَالِكٌ وَقَالَ: لِأَنَّ قِتَالَهُمْ حِينَئِذٍ عَلَى الدُّنْيَا.
وَأَجَازَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: هَلْ لَك أَنْ نَبْعَثَك فِي جَيْشٍ فَيُسَلِّمَك اللَّهُ وَيُغْنِمَك وَأَرْغَبُ لَك مِنْ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً» ؟ قَالَ سَحْنُونَ: كُلُّ شَيْءٍ يَبْذُلُهُ الْإِمَامُ قَبْلَ الْقِتَالِ لَا يَنْبَغِي عِنْدَنَا إلَّا أَنَّهُ إنْ نَزَلَ وَقَالَهُ إمَامٌ أَمْضَيْنَاهُ وَإِنْ أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَذَلِكَ مِمَّا يُفْسِدُ النِّيَّاتِ، وَلَا بَأْسَ بِالْخُرُوجِ مَعَهُمْ لِمَنْ لَا يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ هَذَا.
أَصْبَغُ: وَمَا أَرَاهُ حَرَامًا لِمَنْ أَخَذَهُ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَدْ اسْتَحَبَّ هَذَا بَعْضُهُمْ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ الْإِمَامُ، مِثْلُ أَنْ تُرْهِبَهُ كَثْرَةُ الْعَدُوِّ أَوْ نَحْوُهُ، وَقَدْ فَعَلَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ لَمَّا دَهَمَهُ كَثْرَةُ الْعَدُوِّ.
وَمِنْ النَّوَادِرِ مَا نَصُّهُ: لَوْ نَفَّلَ فِي السَّرِيَّةِ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فَهَذَا النَّفَلُ عِنْدَنَا لَا يَصِحُّ فَإِنْ عَقَدَهُ وَخَرَجُوا عَلَيْهِ فَلْيُنْفِذْهُ كَقَضِيَّةٍ قَضَى بِهَا قَاضٍ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى.
اُنْظُرْ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ أَنَّ خُرُوجَهُمْ إنَّمَا هُوَ عَلَى أَنْ يَكُونَ سَهْمٌ لِلرَّاجِلِ وَسَهْمَانِ لِلْفَارِسِ.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلِلْفَرَسِ مِثْلَا فَارِسِهِ " (وَمَضَى) تَقَدَّمَ نَصُّ سَحْنُونٍ: أَمْضَيْنَاهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ وَقَعَ النَّفَلُ قَبْلَ الْقِتَالِ مَضَى

لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ (إنْ لَمْ يُبْطِلْهُ قَبْلَ الْمَغْنَمِ) سَحْنُونَ: لَوْ أَشْهَدَ مُنَفِّلُ السَّرِيَّةِ بَعْدَ أَنْ فَضَلَتْ أَنَّهُ أَبْطَلَ ذَلِكَ نَظَرًا أَبْطَلَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ أَنْ غَنِمَتْ (وَلِلْمُسْلِمِ فَقَطْ سَلَبٌ) سَحْنُونَ: إذَا قَالَ الْإِمَامُ بَعْدَ أَنْ يَرِدَ الْقِتَالَ أَوْ قَبْلُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَلَا شَيْءَ مِنْ السَّلَبِ لِذِمِّيٍّ وَإِنْ وَلِيَ الْقَتْلَ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ بِهِ الْإِمَامُ وَيَنْفُذَهُ فَلَا يُتَعَقَّبُ بِرَدٍّ، لِأَنَّ أَهْلَ الشَّامِ يَرَوْنَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَتْ امْرَأَةٌ فَلَا شَيْءَ لَهَا إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ لَهَا فَيَمْضِي.

(اُعْتِيدَ لَا سِوَارٌ) ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا قَالَ الْإِمَامُ بَعْدَ الِانْقِضَاءِ أَوْ قَبْلَهُ وَحَكَمْنَا بِصِحَّتِهِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَلِلْقَاتِلِ السَّلَبُ الْمُعْتَادُ.
وَهَلْ يَكُونُ لَهُ مَا يَلْبَسُهُ عُظَمَاءُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْأَسْوِرَةِ وَالتِّيجَانِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا؟ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْقَاتِلِ نَظَرًا إلَى حَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى الْغَالِبِ (وَصَلِيبٌ) سَحْنُونَ: لَا يَكُونُ الصَّلِيبُ فِي عُنُقِهِ مِنْ النَّفْلِ.
الْأَوْزَاعِيِّ: يَدْخُلُ الصَّلِيبُ فِي السَّلَبِ.
قَالَ الْوَلِيدُ: وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ.

(وَعَيْنٌ) قَالَ سُلَيْمَانُ: لَا نَفْلَ فِي عَيْنٍ وَلَا فِضَّةٍ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَقَالَهُ أَصْحَابُنَا.
وَإِنَّمَا النَّفَلُ فِي الْعُرُوضِ السَّيْفِ وَالْقَوْسِ وَالسِّلَاحِ وَنَحْوِهِ وَالْمِنْطَقَةُ مِنْ السَّلَبِ لَا مَا فِيهَا مِنْ نَفَقَةٍ.
اللَّخْمِيِّ: لَا مَا فِيهَا مِنْ دَنَانِيرَ.
وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ أَصَابَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَلَهُ مِنْهَا الرُّبْعُ بَعْدَ الْخُمُسِ أَمْضَيْنَاهُ عَلَى مَا قَالَ وَلِمَنْ أَصَابَ ذَلِكَ نَفْلُهُ كَانَ مَسْكُوكًا أَوْ غَيْرَ مَسْكُوكٍ.

(أَوْ دَابَّةٌ) اُنْظُرْ هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَرَسَ مِنْ السَّلَبِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَرَسُهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ يُمْسِكُهَا وَجْهُ فَتَالٍ عَلَيْهِ مِنْ السَّلَبِ لَا مَا تَجَنَّبَ أَوْ كَانَ مُنْفَلِتًا عَنْهُ (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: وَإِنْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ

سَلَبُهُ فَسَمِعَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ السَّلَبُ لِمَنْ قَتَلَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ (أَوْ تَعَدَّدَ إنْ لَمْ يَقُلْ قَتِيلًا وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا، هَلْ هُوَ يُرِيدُ قَوْلَ سَحْنُونٍ إذَا قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَلَهُ سَلَبُهُمْ وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ: إنْ قَتَلْتَ قَتِيلًا فَلَكَ سَلَبُهُ فَقَتَلَ اثْنَيْنِ أَحَدَهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ بِنَحْرٍ فَكَرِهَهُ وَإِنْ نَزَلَ مَضَى وَكَانَ لَهُ سَلَبُ الْأَوَّلِ (وَلَمْ يَكُنْ لِكَمَرْأَةٍ إنْ لَمْ تُقَاتِلْ) سَحْنُونَ: إذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَإِنْ سَلَبَ كُلَّ مَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ سَلْبُ مَنْ قَتَلَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ زَمِنٍ أَوْ رَاهِبٍ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ هَؤُلَاءِ فَلَهُ سَلَبُهُمْ لِإِجَازَةِ قَتْلِهِمْ.

(كَالْإِمَامِ إنْ لَمْ يَقُلْ مِنْكُمْ) سَحْنُونَ: وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَأَمْضَيْنَاهُ ثُمَّ لَقِيَ هُوَ عِلْجًا فَقَتَلَهُ فَإِنَّ لَهُ سَلَبَهُ.
فَإِنْ قَالَ: " مِنْكُمْ " لَمْ يَكُنْ لَهُ هُوَ سَلَبُ مَنْ قُتِلَ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: " مِنْكُمْ " (أَوْ يَخُصَّ نَفْسَهُ) سَحْنُونَ: وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: إنْ قَتَلْتَ قَتِيلًا فَلِي سَلَبُهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ لِمَا خَصَّ نَفْسَهُ.

(وَلَهُ الْبَغْلَةُ إنْ قَاتَلَ عَلَى بَغْلٍ لَا إنْ كَانَتْ بِيَدِ غُلَامِهِ وَقَسْمُ الْأَرْبَعَةِ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ حَاضِرٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ سِتُّ صِفَاتٍ اسْتَحَقَّ الْغَنِيمَةَ وَهِيَ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالصِّحَّةُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَحُضُورُ الْوَقِيعَةِ.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَالْمُسْتَنِدُ لِلْجَيْشِ كَهُوَ ".

(كَتَاجِرٍ وَأَجِيرٍ إنْ قَاتَلَا أَوْ خَرَجَا بِنِيَّةِ غَزْوٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: التَّاجِرُ وَالْأَجِيرُ بِنِيَّةِ الْغَزْوِ يُسْهَمُ لَهُمَا وَإِلَّا فَلَا إلَّا أَنْ يُقَاتِلَا.
عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنَّمَا لَمْ يُسْهَمْ لِلتُّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ وَالْأُجَرَاءِ الْمُتَشَاغِلِينَ بِاكْتِسَابِهِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ السَّهْمُ وَهُوَ الْقِتَالُ وَالْمُعَاوَنَةُ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمْ إنَّمَا حَضَرَ لِغَرَضِ نَفْسِهِ وَلِخِدْمَةِ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ.
وَأَمَّا إنْ قَاتَلَ فَإِنَّهُ يُسْهِمُ لَهُ لِأَنَّهُ مِمَّنْ خُوطِبَ بِالْجِهَادِ وَقَاتَلَ فِيهِ وَالْقَتْلُ سَبَبُ الْغَنِيمَةِ فَلَيْسَ إجَارَةُ نَفْسِهِ تَمْنَعُهُ السَّهْمَ إذَا قَاتَلَ كَاَلَّذِي يَحُجُّ وَمَعَهُ تِجَارَةٌ أَوْ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ صِحَّةُ الْحَجِّ.
ابْنُ يُونُسَ: وَكَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْأَجِيرَ وَالتَّاجِرَ إذَا قَاتَلَ يُسْهَمُ لَهُ وَإِنْ لِمَ يُقَاتِلْ فَلَا يُسْهِمُ لَهُ وَيَصِيرُ كَالْأَجِيرِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ خُرُوجُهُ لِلْغَزْوِ غَيْرَ أَنَّ مَعَهُ تِجَارَةً فَهَذَا يُسْهَمُ لَهُ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَإِذَا قَاتَلَ الْأَجِيرُ فَلَهُ سَهْمُهُ وَيَبْطُلُ مِنْ أَجْرِهِ بِقَدْرِ مَا اشْتَغَلَ عَنْ الْخِدْمَةِ.

قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: وَلَيْسَ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ السَّهْمَانِ الَّذِي صَارَ لَهُ عِوَضًا مِمَّا عَطَّلَ مِنْ الْخِدْمَةِ بِخِلَافِ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ فِي خِدْمَةِ آخَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ الْقِتَالَ لَا يُشَابِهُ الْخِدْمَةَ (لَا ضِدِّهِمْ وَلَوْ قَاتَلُوا) ابْنُ حَارِثٍ: لَا يُسْهِمُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ اتِّفَاقًا.
اُنْظُرْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ ". وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُسْهِمُ لِلْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ وَإِنْ قَاتَلُوا وَلَا يُرْضَخُ لَهُمْ (إلَّا الصَّبِيَّ فَفِيهِ إنْ أُجِيزَ وَقَاتَلَ خِلَافٌ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُسْهِمُ لِلصِّبْيَانِ.
وَفِي الرِّسَالَةِ: إلَّا أَنْ يُطِيقَ الصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ الْقِتَالَ وَيُجِيزَهُ الْإِمَامُ وَيُقَاتِلَ فَيُسْهِمَ لَهُ وَنَحْوُهُ نَقَلَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ (وَلَا يَرْضَخُ لَهُمْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا (كَمَيِّتٍ قَبْلَ اللِّقَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا قِتَالَ) ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْقِتَالِ فَلَا يُسْهِمُ لَهُ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْقِتَالِ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ فَلَهُ سَهْمُهُ وَلَوْ كَانَتْ غَنِيمَةً بَعْدَ غَنِيمَةٍ، فَمَا كَانَ مُتَتَابِعًا فَلَهُ سَهْمُهُ فِي الْجَمِيعِ، مِثْلُ أَنْ يَفْتَتِحَ حِصْنًا فَيَمُوتَ ثُمَّ يَفْتَتِحَ آخَرَ عَلَى جِهَةِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ.
أَصْبَغُ: وَأَمَّا إنْ رَجَعُوا قَافِلِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ انْقِطَاعِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا اسْتَوْقَفَ بَعْدَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ لِكُلِّ قَوْلٍ مِنْهَا وَجْهٌ.
اُنْظُرْ أَوَّلَ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَرَسْمِ الْكَبْشِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى.
وَنَصُّ السُّؤَالِ: سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ يُقْتَلُ فِي الْمَعْرَكَةِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ أَوْ يَخْرُجُ فَيَمُوتُ بَعْدَ أَيَّامٍ أَوْ يَمْرَضُ فَيَمُوتُ بَعْدَ شُهُودِ الْقِتَالِ.

(وَأَعْمَى وَأَعْرَجَ وَأَشَلَّ) سَحْنُونَ: يُسْهَمُ لِلْأَعْمَى وَلِلْأَعْرَجِ وَأَقْطَعْ الْيَدَيْنِ وَالْمُقْعَدِ وَالْمَجْذُومِ فَارِسًا.
اللَّخْمِيِّ: الصَّوَابُ فِي الْأَعْمَى أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ كَانَ يَرَى النَّبْلَ دَخَلَ بِذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْخَدَمَةِ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ، وَكَذَلِكَ أَقْطَعُ الْيَدَيْنِ لَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيُسْرَى أَسْهَمَ لَهُ، وَيُسْهِمُ لِلْأَعْرَجِ إذَا حَضَرَ الْقِتَالَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجْبُنُ عَنْ الْقِتَالِ لِأَجْلِ عَرَجِهِ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ فَارِسًا، وَلَا شَيْءَ لِلْمُقْعَدِ إنْ كَانَ رَاجِلًا، وَإِنْ كَانَ فَارِسًا يَقْدِرُ عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ أَسْهَمَ لَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ أَنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ فَارِسًا مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ نَصُّ سَحْنُونٍ.

(وَمُتَخَلِّفٍ لِحَاجَةٍ إنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالْجَيْشِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: لَوْ بَعَثَ الْأَمِيرُ قَوْمًا مِنْ الْجَيْشِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَلَدِ الْعَدُوُّ فِي أَمْرٍ مِنْ مَصْلَحَةِ الْجَيْشِ مِنْ حَشْدٍ أَوْ إقَامَةِ سُوقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَاشْتَغَلُوا فِي ذَلِكَ حَتَّى غَنِمَ الْجَيْشُ فَلَهُمْ مَعَهُمْ سَهْمُهُمْ.
وَقَدْ «قَسَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُثْمَانَ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ خَلَّفَهُ عَلَى بِنْتِهِ، وَقَسَمَ لِطَلْحَةَ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَهُمَا غَائِبَانِ بِالشَّامِ» . قَالَ سَحْنُونَ: وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا شَيْءَ لَهُمْ وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ.
الْبَاجِيُّ: مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْخُرُوجُ فِي الْجَيْشِ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ الشُّرُوعُ فِي الْعَمَلِ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ السَّهْمِ إلَّا الرُّجُوعُ بِاخْتِيَارِهِ إلَى الْإِسْلَامِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ: وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ الرُّجُوعِ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ.
وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي أَهْلِ مَرْكَبٍ بَعَثُوا بَعْدَ نُزُولِهِمْ جَزِيرَةَ الرُّومِ رَجُلًا لِنَاحِيَةٍ مِنْهَا لِيُخْبِرَ مَا فِيهَا مِنْ سُفُنِ الْمُسْلِمِينَ

فصول الكتاب · 7 فصل · 674 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التاج والإكليل لمختصر خليل · 674 صفحة
المقدمة
ٍ: زَكَاةُ النَّعَمِ
ِ (فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ)
َ كِتَابِ الْبُيُوعِ.
خِيَارِ التَّرَوِّي
َ: قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ
ضَمَانِ سِرَايَةِ الْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِي عَيْنِهِ أَوْ جِنْسِهِ
جارٍ التحميل