التاج والإكليل لمختصر خليلصفحات 127-174
أهل الأثرالأرشيف العلمي

َ: قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ

صفحات 127-174

فِي مُدَّةِ حِيَازَةِ الْوَارِثِ لِوَرَثَتِهِ بَيْنَ الرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ ذَلِكَ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ مَالَ الْأَجْنَبِيِّ بِالِاعْتِمَارِ وَالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي الْأُصُولِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالرُّكُوبِ وَاللِّبَاسِ فِي الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ.
فَقَالَ أَصْبَغُ: إنَّ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فِي الثِّيَابِ حِيَازَةٌ إذَا كَانَتْ نَفْعَ هَاتِ قِرْطَاسَك أَكْتُبُ لَك فِيهِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ.

(وَإِنَّ أَنْكَرَ قَالَ أَلَكَ بَيِّنَةٌ فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَخْلَفَهُ فَلَا بَيِّنَةَ إلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ) الْمَازِرِيُّ: الْأَصْلُ أَنَّ الْقَاضِي لَا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ الْمُدَّعِي.
ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ ثَلَاثِينَ دِينَارًا فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَاسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي فَقَالَ الطَّالِبُ: لَمْ آذَنْ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ وَلَمْ أَرْضَ بِهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ تُعَادَ هَذِهِ الْيَمِينُ.
فَأَمَرَ الْقَاضِي غُلَامَهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ الْمَطْلُوبِ مِنْ مَالِهِ الثَّلَاثِينَ دِينَارًا كَرَاهَةَ أَنْ يُكَلِّفَهُ إعَادَةَ يَمِينٍ قَضَى عَلَيْهِ بِهَا.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: فَإِذَا حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ وَجَدَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا قَضَى لَهُ بِهَا.
قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ: بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِهَا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِبَيِّنَةٍ تَارِكًا لَهَا وَهِيَ حَاضِرَةٌ أَوْ غَائِبَةٌ، فَلَا حَقَّ لَهُ وَإِنْ قُدِّمَتْ بَيِّنَةٌ.
وَقِيلَ: إنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى بِهَا لِيَهُودِيٍّ وَقَالَ: الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ، اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ وَلَهُ بَيِّنَةٌ يَعْلَمُهَا لَمْ تُسْمَعْ ".

(أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلُ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَإِنَّمَا هُوَ فَرْعٌ وَاحِدٌ وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَجْهُ الْحُكْمِ فِي الْقَضَاءِ إذَا أَدْلَى الْخَصْمَانِ بِحُجَّتِهِمَا فَفَهِمَ الْقَاضِي عَنْهُمَا وَأَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا أَنْ يَقُولَ لَهُمَا أَبْقَيْت لَكُمَا حُجَّةً، فَإِنْ قَالَا لَا حُكْمَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ حُجَّةٌ بَعْدَ إنْفَاذِ حُكْمِهِ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ بَقِيَتْ لِي حُجَّةٌ أَمْهَلَهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ حَكَمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَتَيَا بَعْدَ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ نَقْضَ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَأْتِيَا بِأَمْرٍ يَرَى أَنَّ لِذَلِكَ وَجْهًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مِثْلُ أَنْ يَأْتِيَ بِشَاهِدٍ عِنْدَ مَنْ لَا يَقْضِي بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَقَالَ الْخَصْمُ لَا أَعْلَمُ لِي شَاهِدًا آخَرَ فَحَكَمَ عَلَيْهِ الْقَاضِي ثُمَّ وَجَدَ شَاهِدًا آخَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَلْيَقْضِ بِهَذَا الْآخَرِ.
وَمِثْلُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ.

(وَلَهُ يَمِينُهُ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ أَوَّلًا وَكَذَا أَنَّهُ عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ) الْمَازِرِيُّ: وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْمُدَّعِي إذَا طَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَالَ قَدْ كُنْت اسْتَحْلَفْتنِي فَاحْلِفْ لِي عَلَى ذَلِكَ؛ فَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ وَجَبَ أَنْ يَحْلِفَ مَنْ قَامَ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ عُدُولٍ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِفِسْقِهِمْ وَلَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ إذَا قَالَ لَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ إنَّمَا أَعْلَمُ بِعِلْمِك بِفِسْقِ شُهُودِك، وَكَذَا إنْ قَالَ لَهُ احْلِفْ لِي عَلَى أَنَّك لَمْ تَسْتَحْلِفْنِي عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى فِيمَا مَضَى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ يَمِينًا ثَانِيَةً، وَبِهَذَا مَضَى الْقَضَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَالْفُتْيَا عِنْدَنَا أَنْ يَلْزَمَ الْمُدَّعِي الْيَمِينُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ مَا اسْتَحْلَفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ أَنَّهُ قَدْ اسْتَحْلَفَهُ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى، ثُمَّ لَا يَحْلِفُ مَرَّةً أُخْرَى.

(وَأَعْذَرَ بِأَبْقَيْتُ لَك حُجَّةٌ) الْمُتَيْطِيُّ: الْإِعْذَارُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْعُذْرِ.
يُقَالُ أَعْذَرَ الرَّجُلُ أَيْ أَتَى بِعُذْرٍ

صَحِيحٍ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ " مَنْ أَنْذَرَ فَقَدْ أَعْذَرَ " أَيْ بَالَغَ فِي الْعُذْرِ مَنْ تَقَدَّمَ إلَيْك فَأَنْذَرَك، وَمِنْهُ أَعْذَرَ الْقَاضِي إلَى مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي الشُّهُودِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا " قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ " يَقُولُ لَهُمَا أَبَقِيَتْ لَكُمَا حُجَّةٌ

(وَنُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ) الْمُتَيْطِيُّ: لَا يُنَفِّذُ الْقَاضِي حُكْمَهُ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يَعْذِرَ إلَيْهِ بِرَجُلَيْنِ، وَإِنْ أَعْذَرَ بِوَاحِدٍ أَخْبَرَاهُ عَلَى مَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُنَيْسُ إذْ قَالَ لَهُ: «اُغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (إلَّا لِشَاهِدٍ بِمَا فِي الْمَجْلِسِ وَمُوَجِّهُهُ وَمُزَكِّي السِّرِّ وَالْمُبْرِزِ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ) أَمَّا الْفَرْعُ الْأَوَّلُ فَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ: مَا انْعَقَدَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي بِمَا أَقَرَّ لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا إعْذَارَ فِيهِ.
وَقَدْ أَسْقَطَ مَالِكٌ الْإِعْذَارَ فِيمَنْ عَدَلَ عِنْدَ الْقَاضِي، فَكَيْفَ بِهِ فِيمَنْ هُوَ عِنْدَهُ عَدْلٌ وَشَهِدَ عِنْدَهُ بِمَا سَمِعَ فِي مَجْلِسِهِ.
وَأَمَّا أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي فَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: لَا إعْذَارَ فِيمَنْ يُوَجِّهُهُ الْحَاكِمُ قِبَلَ نَفْسِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَاتٍ: لَا إعْذَارَ فِيمَنْ يُوَجِّهُهُ الْحَاكِمُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَاتٍ: لَا إعْذَارَ فِيمَنْ وُجِّهَ لِلْإِعْذَارِ.
قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ: لَا إعْذَارَ فِيمَنْ أَعْذَرَ بِهِ إلَى مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ امْرَأَةٍ لَا تَخْرُجُ أَوْ مَرِيضٍ كَذَلِكَ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِي مُزَكِّي السِّرِّ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ تَعْدِيلُ السِّرِّ يَفْتَرِقُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِيهِ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِي الْمُبْرِزِ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: يُسْمَعُ الْجَرْحُ فِي الْمُتَوَسِّطِ الْعَدَالَةِ مُطْلَقًا.
وَفِي الْمُبْرِزِ: تَجْرِيحُ الْعَدَاوَةِ أَوْ الْقَرَابَةِ وَشَبَهِهَا.
وَأَمَّا أَنَّهُ لَا إعْذَارَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يُخْشَى مِنْهُ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: مِنْ حَقِّ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ أَنْ يَعْلَمَا بِالْجَرْحِ إذْ قَدْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ قَرَابَةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ التَّجْرِيحَ وَيَخْتَلِفُ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ لَهُ مِمَّنْ يَتَّقِي شَرَّهُ.

(وَأَنْظَرَهُ لَهَا بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ حَكَمَ كَنَفْيِهَا) ابْنُ رُشْدٍ: ضَرْبُ الْأَجَلِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِيمَا يَدَّعِيه مِنْ بَيِّنَةٍ مَصْرُوفٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَهُ، وَتَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: يَقُولُ لَهُمَا أَبَقِيَتْ لَكُمَا حُجَّةٌ فَإِنْ قَالَا لَا حَكَمَ بَيْنَهُمَا.
اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا ".

(وَلْيُجِبْ عَنْ الْمُجَرِّحِ) اللَّخْمِيِّ: يُسْتَحَبُّ كَوْنُ التَّجْرِيحِ سِرًّا لِأَنَّ فِي إعْلَانِهِ

أَذًى لِلشَّاهِدِ، وَمِنْ حَدِّ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ أَنْ يَعْلَمَا بِالْمُجَرِّحِ.
اُنْظُرْ فِي الْفَرْعِ قَبْلَ هَذَا.

(وَيُعَجِّزُهُ إلَّا فِي دَمٍ وَحَبْسٍ وَعِتْقٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ) الْجَزِيرِيُّ: إذَا انْصَرَمَتْ الْآجَالُ وَعَجَزَ الطَّالِبُ عَجَّزَهُ الْقَاضِي وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ وَيَصِحُّ التَّعْجِيزُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَدَّعِي فِيهِ إلَّا فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الدِّمَاءِ وَالْأَحْبَاسِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ، فَإِنْ قَضَى عَلَى الْقَائِمِ بِإِسْقَاطِ دَعْوَاهُ حِينَ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً مِنْ غَيْرِ تَعْجِيزِهِ ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَةً فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لَهُ (وَكَتَبَهُ) مِنْ الْمُفِيدِ: حَقٌّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ التَّعْجِيزَ وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا يَنْظُرُ لَهُ هُوَ وَلَا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ إنْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ تُثْبِتُ مَا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْعِتْقَ وَمَا ذَكَرَ مَعَهُ.

(وَإِنْ لَمْ يَجِبْ حُبِسَ وَأُدِّبَ ثُمَّ حَكَمَ بِلَا يَمِينٍ) اللَّخْمِيِّ: إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ دَعْوَى فَلَمْ يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْ فَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ دَارٌ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لِابْنِهِ وَلِجَدِّهِ فَسُئِلَ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: فَإِنْ لَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ حَكَمَ عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي بِلَا يَمِينٍ.

(وَلِمُدَّعًى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ وَقَبْلَ نِسْيَانِهِ بِلَا يَمِينٍ) أَشْهَبُ: لَوْ سَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ طَالِبَهُ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَدَّعِي عَلَيْهِ هَذَا الْمَالَ فَقَالَ: تَقَدَّمَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُخَالَطَةٌ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْضِ الْقَاضِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ حَتَّى يُسَمِّيَ الْمُدَّعِي السَّبَبَ الَّذِي كَانَ لَهُ الْحَقُّ.
وَمِثْلُ هَذَا فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ.
وَزَادَ ابْنُ أَبِي الطَّالِبِ: أَنْ يُخْبَرَ بِالسَّبَبِ، فَإِنْ قَالَ لِأَنِّي لَمْ أَذْكُرْ وَجْهَ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَلَا يُقْضَى عَلَى دَعْوَاهُ.
وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ بِلَفْظِ أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ دَعْوَاهُ وَادَّعَى نِسْيَانَهُ قُبِلَ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَأُلْزِمَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: فِي هَذَا نَظَرٌ رَاجِعْهُ فِيهِ.

(وَإِنْ أَنْكَرَ الْمَطْلُوبُ الْمُعَامَلَةَ فَالْبَيِّنَةُ ثُمَّ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ بِخِلَافِ لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ)

اُنْظُرْ فِي الْوَدِيعَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَيَجْحَدُهَا " ثُمَّ فِي قَبُولِ بَيِّنَةِ الرَّدِّ خِلَافٌ.
وَمِنْ الْمُتَيْطِيِّ: إذَا تَرَافَعَا إلَيْهِ عُقِدَتْ فِي ذَلِكَ أَشْهَدَ الْقَاضِي عَلَيْهِ إلَيَّ فَادَّعَى مُدَفِّعًا أَجَلَهُ بِسَبَبِهِ فَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ يُعْجِزُهُ وَشَاوَرَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَقَالَ إنْ نَوَى أَنْ تَشْهَدَ عَلَى تَعْجِيزِك لِفُلَانٍ وَعَلَى الْمُوَكِّلِينَ لَهُ وَأَنْ تَعُودَ الدَّارُ مِيرَاثًا لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ، وَلَيْسَ إنْكَارُ خَصْمِهِمْ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ الْمَذْكُورَةُ صَارَتْ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ الْمُتَوَفَّى تُخْرِجُهُمْ عَنْ حِصَصِهِمْ مِنْهَا بِالْمِيرَاثِ لِأَنَّ الطَّالِبَ لَهُمْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِاشْتِرَاكِهِمْ أَجْمَعِينَ فِيهَا بِسَبَبِ الْمِيرَاثِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ إنْكَارُهُمْ عَلَى التَّعْنِيتِ لِلطَّالِبِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَقَوْلُنَا يَعْنِي فِي هَذَا التَّسْجِيلِ حِكَايَةً عَنْ الْمُفْتِينَ وَلَيْسَ إنْكَارُ خَصْمِهِمْ إلَخْ.
هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ رِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: وَعَلَى ذَلِكَ جَرَتْ الْأَحْكَامُ.
وَرَوَى حُسَيْنٌ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُمْ إذَا أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَارَ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ الْمُتَوَفَّى، فَلَمَّا ثَبَتَ الْأَصْلُ لِلْمُتَوَفَّى اسْتَظْهَرُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَارَ إلَيْهِمْ بِسَبَبٍ إمَّا بِصَدَقَةٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَكَذَبُوا بَيِّنَتَهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّ مَنْ أَكْذَبَ بَيِّنَةً فَقَدْ أَسْقَطَهَا وَمَنْ أَوْجَبَ لَهُ السَّمَاعَ مِنْهَا بَعْدَ تَكْذِيبِهِ إيَّاهَا فَقَدْ فَتَحَ بَابَ التَّعْنِيتِ وَالتَّشْغِيبِ وَأَعَانَ عَلَيْهِ.
قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَأَمَّا لَوْ أَنْكَرَ الْمُعَامَلَةَ فَأَثْبَتهَا الطَّالِبُ فَاسْتَظْهَرَ الْمَطْلُوبَ بِالْبَرَاءَةِ بِدَفْعِهِ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ إنْكَارِ الْمُعَامَلَةِ.
هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ.
وَرَوَى حُسَيْنٌ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ وَلَا يَضُرُّهُ إنْكَارُ الْمُعَامَلَةِ، وَأَمَّا إنْ قَالَ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ فَلَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِسَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ جَاءَ بِالْبَرَاءَةِ أَوْ شُهُودٍ عَلَى الدَّفْعِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ الْحَقُّ عَنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا.

(وَكُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا وَلَا تُرَدُّ كَنِكَاحٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: كُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا وَلَا تُرَدُّ كَقَتْلِ الْعَمْدِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالرَّجْعَةِ.

(وَأَمَرَ بِالصُّلْحِ ذَوِي الْفَضْلِ وَالرَّحِمِ كَأَنْ خَشِيَ تَفَاقُمَ الْأَمْرِ) اللَّخْمِيِّ: لَا يَدْعُو إلَى الصُّلْحِ إذَا تَبَيَّنَ الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا إلَّا أَنْ يَرَى لِذَلِكَ وَجْهًا قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا أَشْكَلَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَقِفُ وَلَا يَحْكُمُ، وَكَذَلِكَ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مَتَى أَوْقَع الْحُكْمَ تَفَاقَمَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَعَظُمَ الْأَمْرُ وَخُشِيَتْ الْفِتْنَةُ وَيَنْدُبُ أَهْلَ الْفَضْلِ إلَى تَرْكِ الْخُصُومَاتِ.
قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: كَانَ أَبِي رُبَّمَا رَدَّ الْخَصْمَيْنِ إلَّا مَنْ عُرِفَ بِالصِّحَّةِ وَالْأَمَانَةِ فَيَقُولُ لَهُمَا اذْهَبَا إلَى فُلَانٍ يُصْلِحُ بَيْنَكُمَا، فَإِنْ اصْطَلَحْتُمَا وَإِلَّا رَجَعْتُمَا إلَيَّ وَتَرَافَعَ إلَيْهِ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَبَى

أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا وَقَالَ لَهُمَا اُسْتُرَا عَلَى أَنْفُسِكُمَا وَلَا تُطْلِعَانِي مِنْ أَمْرِكُمَا عَلَى مَا قَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْكُمَا، وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: رَدِّدُوا الْحُكْمَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ الضَّغَائِنَ: اللَّخْمِيِّ: وَهَذَا بَيْنَ الْأَقَارِبِ حَسَنٌ.
وَإِنْ تَبَيَّنَ الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا قَالَ سَحْنُونَ: وَإِذَا كَانَتْ شُبْهَةٌ وَأَشْكَلَ الْأَمْرُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَهُمَا بِالصُّلْحِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ: لَوْ اصْطَلَحَا.

(وَلَا يَحْكُمُ لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي صِحَّةِ حُكْمِهِ لِمَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: كُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ وَنَحْوُهُ لِمُطَرِّفٍ.
اللَّخْمِيِّ: وَهَذَا

أَحْسَنُ لِأَنَّ الظِّنَّةَ تَلْحَقُ فِي ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْحُكْمِ وَهَذَا فِي الْمَالِ.
قَالَ أَشْهَبُ: فَإِنْ أَخَذَ الْقَاضِي مَنْ سَرَقَهُ فَلَهُ قَطْعُهُ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِالْإِقْرَارِ عَلَى مَنْ انْتَهَبَ مَالَهُ وَيُعَاقِبَهُ لِقَطْعِ أَبِي بَكْرٍ يَدَ الْأَقْطَعِ الَّذِي سَرَقَ عَقْدَ زَوْجَتِهِ أَسْمَاءَ لَمَّا اعْتَرَفَ بِسَرِقَتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: فَإِذَا حَكَمَ الْقَاضِي فَأَقَامَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ الْقَاضِي عَدُوٌّ لَهُ فَلَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ.

(وَنُبِذَ حُكْمُ جَائِرٍ) ابْنُ رُشْدٍ: الْقَاضِي الْجَائِرُ تُرَدُّ أَحْكَامُهُ دُونَ تَصَفُّحٍ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَقِيمَةً فِي ظَاهِرِهَا إلَّا أَنْ يُثْبِتَ صِحَّةَ بَاطِنِهَا.
وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْحَدْسِ وَالتَّخْمِينِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهُوَ فِسْقٌ يُرِيدُ وَإِنْ صَادَفَ الْحَقَّ فَالْمَشْهُورُ الْفَسْخُ اهـ. وَانْظُرْ فِي الِاجْتِهَادِ عِنْدَ قَوْلِهِ " إلَّا لِتَأَوُّلٍ عَلَى الْأَحْسَنِ " أَنَّ الْجَاهِلَ لَا يُعْذَرُ بِمُوَافَقَتِهِ لِلْفِقْهِ.
وَقَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: إنْ حَكَمَ بِالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْأَدِلَّةِ فَذَلِكَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالتَّخْمِينِ فِسْقٌ وَظُلْمٌ وَخِلَافُ الْحَقِّ، وَيُفْسَخُ هَذَا الْحُكْمُ وَغَيْرُهُ إذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْغَيْرِ أَنَّهُ عَلَى هَذَا حَكَمَ.

(أَوْ جَاهِلٍ لَمْ يُشَاوِرْ) الْمُتَيْطِيُّ: الْقَاضِي الْعَدْلُ الْجَاهِلُ الَّذِي عُرِفَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشَاوِرُ فَلِلْقَاضِي الْوَالِي بَعْدَهُ أَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْكَامَهُ؛ فَمَا أَلْفَى مِنْهَا مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ نَفَّذَهُ، وَمَا أَلْفَى مِنْهَا مُخَالِفًا لِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي بَلَدِهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَافَقَ حُكْمَهُ قَوْلَ قَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ لَا يُعْمَلُ بِهِ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِذَلِكَ وَلَا يَفْسَخُهُ، وَمَا لَمْ يُصَادِفْ فِيهِ قَوْلَ قَائِلٍ نَقَضَهُ وَلَمْ يُنَفِّذْهُ (وَإِلَّا تُعُقِّبَ وَمَضَى غَيْرُ الْجَوْرِ) ابْنُ رُشْدٍ: الْقَاضِي الْعَدْلُ تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ؛ فَمَا هُوَ صَوَابٌ أَوْ خَطَأٌ فِيهِ خِلَافٌ أُنْفِذَ، وَمَا هُوَ خَطَأٌ لَا خِلَافَ فِيهِ رُدَّ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَيُخْتَلَفُ فِي أَحْكَامِ الْقُضَاةِ الَّذِينَ لَا تُرْضَى أَحْوَالُهُمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا بِالْجَوْرِ فِي أَحْكَامِهِمْ وَفِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْبِدَعِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ: هِيَ كَأَحْكَامِ الْجَائِرِ لَا يَمْضِي إلَّا مَا عُلِمَ صِحَّةُ بَاطِنِهِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: كَأَحْكَامِ الْعَدْلِ الْجَاهِلِ يَمْضِي مِنْهَا مَا كَانَ صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ.

(وَلَا يُتَعَقَّبُ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ) ابْنُ رُشْدٍ: الْقَاضِي الْعَدْلُ الْعَالِمُ لَا تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ وَلَا يُنْظَرُ فِيهَا إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيرِ لَهَا إنْ اُحْتِيجَ إلَى النَّظَرِ إلَيْهَا لِعَارِضِ خُصُومَةٍ أَوْ اخْتِلَافٍ فِي حَدٍّ لَا عَلَى وَجْهِ الْكَشْفِ وَالتَّعَقُّبِ لَهَا إنْ سَأَلَ ذَلِكَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فَتُنَفَّذُ كُلُّهَا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ شَيْءٌ مِنْهَا عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْهَا عَلَى الْوَجْهِ الْجَائِزِ أَنَّهُ خَطَأٌ ظَاهِرٌ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ فَلْيُرَدَّ ذَلِكَ.

(وَنَقَضَ وَبَيَّنَ السَّبَبَ مُطْلَقًا) أَمَّا حُكْمُ نَفْسِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ، هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ السَّبَبَ بِخِلَافِ حُكْمِ غَيْرِهِ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ ضَرَرَ فَسْخِهِ؟ قَالَ مُطَرِّفٌ: فَإِذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِفَسْخِ قَضِيَّةِ نَفْسِهِ وَلَا فَسَّرَ وَجْهَ فَسْخِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِفَسْخٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إشْهَادُهُ عَلَى الْفَسْخِ يَكْفِيه.
قَالَ أَصْبَغُ: وَإِنَّمَا الْفَسْخُ الَّذِي لَا يَكُونُ شَيْئًا حَتَّى يُخَلِّصَ مَا رَدَّ بِهِ الْقَضِيَّةَ إذَا فَسَخَ حُكْمَ غَيْرِهِ.

(مَا خَالَفَ قَاطِعًا أَوْ جَلِيَّ قِيَاسٍ) اُنْظُرْ مَا تَقَدَّمَ لِلْمُتَيْطِيِّ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَإِلَّا تُعُقِّبَ " قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا تُتَعَقَّبُ أَحْكَامُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ وَلَا يُنْقَضُ مِنْهَا إلَّا مَا خَالَفَ قَاطِعًا، الْمَازِرِيُّ: وَيُحْمَلُ رَدُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَاءَ شُرَيْحٍ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا حَفِظَ خَبَرَ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا.

(كَاسْتِسْعَاءِ مُعْتَقٍ بَعْضُهُ وَشُفْعَةِ جَارٍ) ابْنُ الْمَاجِشُونِ: مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي يُنْقَضُ بِهِ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ بِاسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ لِعِتْقِ بَعْضِهِ وَبِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَتَوْرِيثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَالْمَوْلَى الْأَسْفَلِ وَشَبَهِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لِمَا ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ هَذِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يُرَى النَّقْضُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَطْعِيٍّ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بَعِيدٌ لِأَنَّ الِاسْتِسْعَاءَ ثَبَتَ بِهِ حَدِيثٌ.
وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: إذَا قَضَى بِخِلَافِ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا نُقِضَ قَضَاؤُهُ مِثْلُ الْقَضَاءِ لِذَوِي الْأَرْحَامِ بِالْمِيرَاثِ وَالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَشَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
أَبُو عُمَرَ: مَا قَالَ هَذَا غَيْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ (وَحُكْمٍ عَلَى عَدُوٍّ) ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا أَقَامَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةَ أَنَّ الْقَاضِي عَدُوٌّ لَهُ فَلَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ (أَوْ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ وَمِيرَاثِ ذِي رَحِمٍ) تَقَدَّمَ قَوْلُ أَبِي عِمْرَانَ " هَذَا لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ " (أَوْ مَوْلَى أَسْفَلَ) تَقَدَّمَ هَذَا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ (أَوْ بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ.
اللَّخْمِيِّ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يَلِي الْقَضَاءَ وَلَا بَعْدَ أَنْ وَلِيَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَقَبْلَ أَنْ يَتَحَاكَمَا إلَيْهِ أَوْ يَجْلِسَا لِلْحُكُومَةِ مِثْلُ أَنْ يَسْمَعَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا يُقِرُّ لِلْآخَرِ، فَلَمَّا تَقَدَّمَا لِلْحُكُومَةِ أَنْكَرَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ شَاهِدٌ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ إذَا أَقَرَّ بَعْدَ أَنْ جَلَسَا لِلْخُصُومَةِ ثُمَّ أَنْكَرَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ: ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَحْكُمُ.
وَرَأَيَا أَنَّهُمَا إذَا جَلَسَا لِلْمُحَاكَمَةِ فَقَدْ رَضِيَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِمَا يَقُولَانِهِ وَلِذَلِكَ قَصْدًا، وَإِنْ لَمْ يُنْكِرْ حَتَّى حَكَمَ ثُمَّ أَنْكَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَالَ مَا كُنْت أَقْرَرْت بِشَيْءٍ لَمْ يُنْظَرْ إلَى إنْكَارِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ (أَوْ جَعْلِ بَتَّةٍ وَاحِدَةٍ) ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ فَرُفِعَ لِمَنْ يَرَاهَا وَاحِدَةً فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً فَتَزَوَّجَهَا الْبَاتُّ قَبْلَ زَوْجٍ، فَلِمَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الِاخْتِلَافِ الَّذِي يُقَرُّ الْحُكْمُ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يَنْقُضُ ذَلِكَ كَائِنًا مَا كَانَ مَا لَمْ يَكُنْ خَطَأً مَحْضًا (أَوْ أَنَّهُ قَصَدَ كَذَا فَأَخْطَأَ بِبَيِّنَةٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي الْعَدْلِ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ رَأْيًا فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ سَهْوًا نُقِضَ حُكْمُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: ذَكَرَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ.
اُنْظُرْ نَصَّهُ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ رَأَى مُقَلِّدَهُ " (أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ نُقِضَ الْحُكْمُ بِخِلَافِ رُجُوعِ الْبَيِّنَةِ (أَوْ فَاسِقَيْنِ كَأَحَدِهِمَا) اللَّخْمِيِّ: إنْ ثَبَتَ تَقَدُّمُ جَرْحِ الْبَيِّنَةِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ: يُنْقَضُ الْحُكْمُ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ: يَمْضِي وَعَلَى هَذَا يَجْرِي إنْ ثَبَتَ أَنَّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُمْ عَدَاوَةً أَوْ تُهْمَةً (كَأَحَدِهِمَا) اللَّخْمِيِّ: إنْ ثَبَتَ أَنَّ أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ عَبْدٌ نُقِضَ الْحُكْمُ.
قَالَهُ مَالِكٌ

وَأَصْحَابُهُ.
وَلَوْ قِيلَ يَمْضِي كَانَ لَهُ وَجْهٌ بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ إمْضَائِهِ إنْ ثَبَتَتْ جُرْحَتُهُ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ مَرْدُودَةٌ اتِّفَاقًا، وَالْعَبْدُ أَجَازَ شَهَادَتَهُ عَلِيٌّ وَأَنَسٌ وَشُرَيْحٌ وَغَيْرُهُمْ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَصْرَانِيٌّ رُدَّ الْحُكْمُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا مُوَلًّى عَلَيْهِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يُنْقَضُ وَالنَّقْضُ فِي هَذَا أَبْعَدُ مِنْهُ فِي الْعَبْدِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: إنَّ شَهَادَةَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ تَجُوزُ ابْتِدَاءً وَهُوَ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ عَدْلٌ وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِجَهْلِهِ بِتَدْبِيرِ مَالِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: الرِّوَايَاتُ وَاضِحَةٌ بِأَنَّ كَوْنَهُمَا صَبِيَّيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا كَكَوْنِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا كَافِرًا (إلَّا بِمَالٍ فَلَا يُرَدُّ إنْ حَلَفَ وَإِلَّا أُخِذَ مِنْهُ إنْ حَلَفَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ حَكَمَ بِمَالٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ أَوْ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ حَلَفَ الطَّالِبُ مَعَ الْبَاقِي، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَاسْتَرْجَعَ الْمَالَ، وَإِنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِقَطْعِ يَدِ رَجُلٍ عَمْدًا فَاقْتُصَّ مِنْهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ أَوْ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى مُتَوَلِّي الْقَطْعِ شَيْءٌ وَهَذَا مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ اهـ. نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: يُرِيدُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْحُرُّ أَنَّ الَّذِي مَعَهُ عَبْدٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ: اسْتَشْكَلَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَقُلْ يَحْلِفُ الْمُقْتَصُّ لَهُ مَعَ الشَّاهِدِ الْبَاقِي كَمَا قَالَ فِي الْمَالِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ فِيهَا إنَّ جِرَاحَ الْعَمْدِ تَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ كَالْمَالِ، وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْمَالَ يُمْكِنُ رَدُّهُ فَكَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ مُنْتَفِعٌ بِيَمِينِهِ فَصَحَّ حَلِفُهُ وَالْقَطْعُ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ وَلَا نَفْعَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ.
اهـ. مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى.

(وَحَلَفَ فِي الْقِصَاصِ خَمْسِينَ مَعَ عَاصِبِهِ وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ وَغَرِمَ شُهُودٌ عَلِمُوا وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ) ابْنُ سَحْنُونٍ: إنْ بَانَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أَوْ مُوَلًّى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ الْمَقْضِيُّ لَهُ بِالْقَتْلِ مَعَ رَجُلٍ مِنْ عَصَبَتِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا تَمَّ الْحُكْمُ وَنَفَذَ، وَإِنْ نَكَلَ الْمَحْكُومُ لَهُ بِالْقَتْلِ عَنْ الْقَسَامَةِ انْتَقَضَ الْحُكْمُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ.
ابْنُ شَاسٍ: إذَا نَكَلَ الْمَقْضِيُّ لَهُ بِالْقَتْلِ عَنْ الْقَسَامَةِ فَالنُّكُولُ فِي مِثْلِ هَذَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَيُنْقَضُ بِهِ الْحُكْمُ.
اللَّخْمِيِّ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا غُرْمَ عَلَى الشَّاهِدِ إنْ جَهِلَ رَدَّ شَهَادَةِ الْعَبْدِ أَوْ الذِّمِّيِّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ.
ابْنُ شَاسٍ: وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ هَدَرٌ لَا عَلَى الْإِمَامِ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْطِئْ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ وَقَدْ فَعَلَ الَّذِي عَلَيْهِ، وَلَا تِبَاعَةَ أَيْضًا عَلَى الشَّاهِدِ وَلَا عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ.

(وَفِي الْقَطْعِ حَلَفَ الْمَقْطُوعُ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ) تَقَدَّمَ قَبْلُ قَوْلُهُ " وَحَلَفَ فِي الْقِصَاصِ إنَّ الْمُقْتَصَّ لَهُ لَا يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ لَهُ، وَهَذَا فَرْعُ أَنَّ الْمَقْطُوعَ لَا يَحْلِفُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَقْوَالُ فِي هَذَا الْفَرْعِ سِتَّةٌ وَفِيمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ قَوْلُهُ " وَحَلَفَ فِي الْقِصَاصِ " كِفَايَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَقْصِدِي.

(وَنَقَضَهُ هُوَ فَقَطْ إنْ ظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُرَى لِلْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُ مَا قَضَى بِهِ أَصْوَبُ أَنْ يَرُدَّ قَضِيَّتَهُ وَيَقْضِي بِمَا رَأَى بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَا قَضَى بِهِ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ.
قَالَ: إنَّمَا قَالَ إنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُ مَا قَضَى بِهِ رَجَعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا لَا يَرْجِعُ فِيمَا قَضَتْ بِهِ الْقُضَاةُ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إذَا قَضَى الْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ جَائِزٌ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهَا، وَأَمَّا رَدُّ غَيْرِهِ لِحُكْمِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا أَوْ بِخِلَافٍ شَاذٍّ (أَوْ خَرَجَ عَنْ رَأْيِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ رَأَى خِلَافَ مَا قَضَى بِهِ بِاجْتِهَادِهِ فَالْمَشْهُورُ إنْ رَأَى مَا هُوَ أَحْسَنُ نَقَضَهُ وَرَجَعَ إلَى مَا رَأَى مَا دَامَ فِي وِلَايَتِهِ وَلَوْ كَانَ قَضَاؤُهُ أَوَّلًا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَهَذَا إذَا قَضَى وَهُوَ يَرَاهُ بِاجْتِهَادِهِ يَوْمَ قَضَائِهِ، وَأَمَّا لَوْ قَضَى بِهِ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا فَلَا يُسْمَعُ خِلَافٌ فِي وُجُوبِ الرُّجُوعِ

عَنْهُ إلَى مَا رَأَى.
وَانْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنَّهُ قَصَدَ كَذَا فَأَخْطَأَ " فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ غَيْرَهُ يَنْقُضُهُ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى هُوَ (أَوْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا وَقَضَى بِهِ تَقْلِيدًا فَلَا يَسَعُ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى تَقْلِيدٍ آخَرَ.
ابْنُ مُحْرِزٍ: وَإِنْ قَصَدَ إلَى الْحُكْمِ بِمَذْهَبٍ فَصَادَفَ غَيْرَهُ سَهْوًا فَهَذَا يَفْسَخُهُ هُوَ دُونَ غَيْرِهِ إذَا كَانَ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةَ لِجَرَيَانِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ، وَوَجْهُ غَلَطِهِ لَا يُعْرَفُ، إلَّا مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا عَلِمَتْ قَصْدَهُ إلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِهِ فَوَقَعَ فِيهِ فَيَنْقُضُهُ مَنْ بَعْدَهُ كَمَا يَنْقُضُهُ هُوَ (وَرَفَعَ الْخِلَافَ) اُنْظُرْ الْفَرْقَ السَّابِعَ وَالسَّبْعِينَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْخِلَافِ يَتَقَرَّرُ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَيَتَعَيَّنُ الْحُكْمُ الْوَاحِدُ، إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ مِنْ قَوَاعِدِ الْقَرَافِيُّ.

(لَا أَحَلَّ حَرَامًا) ابْنُ رُشْدٍ: حُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ إنَّمَا يَحْكُمُ بِمَا

ظَهَرَ وَهُوَ الَّذِي يُتَعَبَّدُ بِهِ وَلَا يُنْقَلُ الْبَاطِلُ عِنْدَ مَنْ عَلِمَهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: 188] وَفِي الْحَدِيثِ «لَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ» وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي حَلِّ عِصْمَةِ النِّكَاحِ أَوْ عَقْدِهَا بِظَاهِرِ مَا يَقْضِي بِهِ الْحُكْمُ، وَهَذَا خِلَافُ الْبَاطِنِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّ الْأَمْوَالَ وَالْفُرُوجَ سَوَاءٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: إنَّ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً، فَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَعَمَّدَا الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَقَبِلَ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمَا لِظَاهِرِ عَدَالَتِهِمَا عِنْدَهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّهُ كَاذِبٌ فِي شَهَادَتِهِ وَاحْتَجُّوا بِحُكْمِ اللِّعَانِ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: إنَّمَا الْقَضَاءُ إظْهَارُهُ لِحُكْمِ الشَّرْعِ لَا اخْتِرَاعٌ لَهُ، فَلَا يَحِلُّ لِلْمَالِكِيِّينَ شُفْعَةُ الْجَارِ إنْ قَضَى لَهُ بِهَا الْحَنَفِيُّ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: هَكَذَا قَالُوا.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " هَكَذَا قَالُوا " أَنَّ الْمَذْهَبَ هُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ رَاجِعْهُ فِيهِ.

(وَنَقْلُ مِلْكٍ أَوْ فَسْخُ عَقْدٍ أَوْ تَقَرُّرُ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ حُكْمٌ) ابْنُ شَاسٍ: مَا قَضَى بِهِ الْحَاكِمُ مِنْ نَقْلِ الْأَمْلَاكِ وَفَسْخِ الْعُقُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ حُكْمًا، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ تَأْثِيرُ الْقَاضِي فِي الْحَوَادِثِ أَكْثَرَ مِنْ إقْرَارِهَا لِمَا رُفِعَتْ إلَيْهِ مِثْلُ أَنْ يُرْفَعَ إلَيْهِ نِكَاحُ امْرَأَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَأَقَرَّهُ وَأَجَازَهُ ثُمَّ عُزِلَ وَجَاءَ غَيْرُهُ، فَهَذَا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: طَرِيقُهُ طَرِيقُ الْحُكْمِ وَإِمْضَاؤُهُ وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ بِإِجَازَتِهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ.
اللَّخْمِيِّ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ

أَحْسَنُ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إنْ تَرَكَ الْقَاضِي الْحُكْمَ بِمَسْأَلَةٍ فَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ بِفِقْهِهِ أَنْ يَمْضِيَ حُكْمُهُ بِالتَّرْكِ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ صَحِيحٌ كَتَرْكِهِ فَسْخَ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَنِكَاحِ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ قَبْلَ الْمِلْكِ وَنَحْوِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِبَقَاءِ الِاعْتِرَاضِ وَجُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى خِلَافِهِ (لَا أُجِيزُهُ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا لَوْ رُفِعَ هَذَا النِّكَاحُ إلَى قَاضٍ فَقَالَ لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ بِفَسْخِ هَذَا النِّكَاحِ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ وَلَكِنَّهُ فَتْوَى وَيَكُونُ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّظَرَ فِيهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: مُقْتَضَى جَعْلِهِ فَتْوَى لِمَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ نَقَضَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلثَّانِي نَقْضُهُ لِأَنَّ قَوْلَ الْأَوَّلِ " لَا أُجِيزُهُ وَلَا أَفْسَخُهُ " حُكْمٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالْكَرَاهَةُ أَحَدُ أَقْسَامِ الشَّرْعِ الْخَمْسِ يَجِبُ رَعْيُ كُلِّ حُكْمٍ مِنْهَا وَلَازِمِهِ، وَحُكْمُ الْمَكْرُوهِ عَدَمُ نَقْضِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، اُنْظُرْ الشَّيْءَ يُذْكَرُ بِالشَّيْءِ كَثِيرًا مَا يَعْرِضُ تَرْكُ الْإِشْهَادِ عَلَى الْوَلِيِّ فِي الْمُرَاجَعَةِ.
قَالَ شَيْخُ الشُّيُوخِ ابْنُ لُبٍّ: قَدْ رَوَى أَبُو قُرَّةَ عَنْ مَالِكٍ صِحَّتَهَا وَثُبُوتَهَا بِخِلَافِ النِّكَاحِ ابْتِدَاءً يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَلَا يَصِحُّ.
قَالَ وَالْفَرْقُ أَنَّ طَلَبَ الْوِلَايَةِ إنَّمَا هُوَ لِتَحْصِيلِ الْكَفَاءَةِ فَيَنْظُرُ الْوَلِيُّ فِيهَا، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ قَبْلُ: الْمُرَاجَعَةُ فِي النِّكَاحِ الْمُنْعَقِدِ وَيَنْضَمُّ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَاضِدًا لَهَا مُرَاعَاةَ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ.

(أَوْ أَفْتَى) ابْنُ الْحَاجِبِ: فَتْوَاهُ فِي وَاقِعَةٍ وَاضِحَةٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: جَزْمُ الْقَاضِي بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى وَجْهِ مُجَرَّدِ إعْلَامِهِ بِهِ فَتْوَى لَا حُكْمٌ وَجَزْمُهُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِهِ حُكْمٌ.

(وَلَمْ يَتَعَدَّ لِمُمَاثِلِ بَلْ إنْ تَجَدَّدَ بِالِاجْتِهَادِ كَفَسْخٍ بِرَضَاعِ كَبِيرٍ وَتَأْبِيدِ مَنْكُوحَةِ عِدَّةٍ وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ كَانَ حُكْمُ الْأَوَّلِ بِاجْتِهَادٍ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ لَيْسَ نَقْلُ مِلْكَ مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ إلَى الْآخَرِ، وَلَا فَصْلُ حُكُومَةٍ بَيْنَهُمَا، وَلَا إثْبَاتُ عَقْدٍ بَيْنَهُمَا، وَلَا فَسْخُهُ، مِثْلُ أَنْ يُرْفَعَ إلَى قَاضٍ رَضَاعُ كَبِيرٍ فَيَحْكُمُ بِأَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ يَحْرُمُ وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ مِنْ أَجْلِهِ، فَالْقَدْرُ الَّذِي ثَبَتَ مِنْ حُكْمِهِ هُوَ فَسْخُ النِّكَاحِ فَحَسْبُ، وَأَمَّا تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِحُكْمِهِ بَلْ يَبْقَى ذَلِكَ مَعْرِضًا لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ رُفِعَ إلَيْهِ حَالُ امْرَأَةٍ نُكِحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَفَسَخَ نِكَاحَهَا وَحَرَّمَهَا عَلَى زَوْجِهَا.
لَكَانَ الْقَدْرُ الَّذِي ثَبَتَ مِنْ حُكْمِهِ فَسْخَ النِّكَاحِ فَحَسْبُ، وَأَمَّا تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَمَعْرِضٌ لِلِاجْتِهَادِ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِنَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ تَحْرِيمِ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ إجَارَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمٌ فِي ذَلِكَ الْحَبْسِ مِنْ الْعُقُودِ وَلَا الْبَيَّاعَاتِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاهَدَهُ، وَمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَعْرِضٌ لِمَنْ يَأْتِي مِنْ الْحُكَّامِ وَالْفُقَهَاءِ.

(وَلَا يَدْعُو لِصُلْحٍ إنْ ظَهَرَ وَجْهُهُ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَأَمَرَ بِالصُّلْحِ ذَوِي الْفَضْلِ " (وَلَا يَسْتَنِدُ لِعِلْمِهِ) هَذَا تَوْطِئَةٌ لِمَا بَعْدَهُ إذَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ " أَوْ بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ " (إلَّا فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ) أَبُو عُمَرَ: أَجْمَعُوا أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ أَوْ يَجْرَحَ بِعِلْمِهِ وَأَنَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ عَلَى غَيْرِ مَا شَهِدُوا أَنَّهُ يُنَفِّذُ عِلْمَهُ وَيَرُدُّ شَهَادَتَهُمْ بِعِلْمِهِ.
سَحْنُونَ: وَلَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَدْلَانِ مَشْهُورَانِ بِالْعَدَالَةِ وَأَنَا أَعْلَمُ خِلَافَ مَا شَهِدُوا بِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ أَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمَا وَلَا أَنْ أَرُدَّهُمَا لِعَدَالَتِهِمَا، وَلَكِنْ أَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ الَّذِي فَوْقِي وَأَشْهَدُ بِمَا عَلِمْتَ وَغَيْرِي بِمَا عَلِمَ، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ لَيْسَا بِعَدْلَيْنِ عَلَى مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ لَمْ أَقْضِ بِشَهَادَتِهِمَا (كَالشُّهْرَةِ بِذَلِكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.

قَالَ مَالِكٌ: مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُسْأَلُ عَنْهُ وَلَا تُطْلَبُ فِيهِ تَزْكِيَةٌ لِعَدَالَتِهِمْ عِنْدَ الْقَاضِي.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ لِاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُسْأَلُ عَنْهُ لِشُهْرَتِهِ بِغَيْرِ الْعَدَالَةِ، وَإِنَّمَا يَكْشِفُ عَمَّنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ شَهِدَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ قَاضِي الْمَدِينَةِ فَقَالَ: أَمَّا الْإِسْلَامُ فَاسْمُهُ عَدْلٌ وَلَكِنْ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّك ابْنُ أَبِي حَازِمٍ فَأَعْجَبَ ذَلِكَ مَشَايِخَنَا.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَذَكَرَ لِي بَعْضُ شُيُوخِي أَنَّ الْبَرْقِيَّ فَقِيهَ الْمَهْدِيَّةِ شَهِدَ فِي مَسِيرِهِ إلَى الْحَجِّ عِنْدَ قَاضِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة، فَلَمَّا قَرَأَ اسْمَهُ قَالَ: أَنْتَ الْبَرْقِيُّ فَقِيهُ الْمَهْدِيَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: نَعَمْ.
فَطَلَبَ الْمَشْهُودُ لَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ هُوَ وَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِ دُونَ طَلَبِ تَعْدِيلِهِ.

(أَوْ إقْرَارِ الْخَصْمِ بِالْعَدَالَةِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بِالْعَدَالَةِ حَكَمَ عَلَيْهِ خَاصَّةً.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا الْفَرْعَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْلِ الْمَذْهَبِ، وَفِي جَرْيِهِ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مُتَنَاقِضٌ فَيَجِبُ طَرْحُهُ.
فَإِنْ قُلْتُ: فَقَدْ قَالَ فِي الْكَافِي إنْ لَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي الشُّهُودَ وَاعْتَرَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِعَدَالَتِهِمْ قَضَى بِهِمْ إنْ لَمْ يُكَذِّبْهُمْ وَلَا يَقْضِي بِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ.
قُلْت: قَوْلُهُ " إنْ لَمْ يُكَذِّبْهُمْ " صَيَّرَ الْمَسْأَلَةَ إلَى بَابِ الْإِقْرَارِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إذَا رَضِيَ الْخَصْمَانِ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ الْقَاضِي لَمْ يَحْكُمْ بِهَا.
وَانْظُرْ مِنْ نَوْعِ هَذَا عَدَّلَ قَاضٍ شُهُودًا فَشَهِدُوا عَلَيْهِ أَنَّ فِيهِ جُرْحَةً أَوْ شَهِدَ أَيْضًا عَلَى مُزَكِّيهِ أَنَّ فِيهِ جُرْحَةً قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّ الْقَدَحَ فِي الْأَصْلِ قَدَحٌ فِي الْفَرْعِ (وَإِنْ أَنْكَرَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ إقْرَارَهُ بَعْدَهُ لَمْ يُفِدْهُ) تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ ".

(وَإِنْ شَهِدَ بِحُكْمٍ نَسِيَهُ أَوْ أَنْكَرَهُ أَمْضَاهُ) اللَّخْمِيِّ: لَوْ أَنْكَرَ الْحَاكِمُ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْحُكْمَ وَقَالَ مَا حَكَمْتُ بِهَذَا فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِحُكْمِهِ لَهُ

وَجَبَ تَنْفِيذُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ.
وَفِي التَّلْقِينِ: إنْ نَسِيَ الْحَاكِمُ حُكْمًا حَكَمَ بِهِ فَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ بِهِ أَنْفَذَ شَهَادَتَهُمَا.
قَالَ فِي فُرُوقِهِ: بِخِلَافِ إذَا شَهِدَ شُهُودُ الْفَرْعِ وَنَسِيَ الشَّهَادَةَ شَاهِدُ الْأَصْلِ قَالَ: وَفِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ فَهُوَ نَقْلٌ عَنْ الْغَيْرِ الْمَازِرِيُّ: هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.

(وَأَنْهَى لِغَيْرِهِ بِمُشَافَهَةٍ إنْ كَانَ كُلٌّ بِوِلَايَتِهِ) ابْنُ شَاسٍ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ يَعْنِي فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فِي إنْهَاءِ الْحُكْمِ إلَى الْقَاضِي الْآخَرِ وَذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ وَالْكِتَابَةِ وَالْمُشَافَهَةِ،

فَلَوْ شَافَهَ الْقَاضِي قَاضِيًا آخَرَ لَمْ يَكْفِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَلَا يَنْفَعُ سَمَاعُهُ أَوْ إسْمَاعُهُ إلَّا إذَا كَانَا قَاضِيَيْنِ بِبَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَنَادَيَا مِنْ طَرَفَيْ وِلَايَتِهِمَا فَذَلِكَ أَقْوَى مِنْ الشَّهَادَةِ فَيُعْتَمَدُ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ: رَأَيْت فُقَهَاءَ طُلَيْطِلَةَ يُجِيزُونَ إخْبَارَ الْقَاضِي الْمُحْتَلِّ بِغَيْرِ بَلَدِهِ لِقَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي اُحْتُلَّ فِيهِ وَيَنْفُذُ وَيَرَوْنَهُ كَمُخَاطَبَتِهِ إيَّاهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَيْسَ لِلْقَاضِي إذَا حَلَّ بِغَيْرِ عِمَالَتِهِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ بَيِّنَةٍ أَوْ يَشْهَدَ عَلَى كِتَابِهِ أَوْ يَكْتُبَ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْقُضَاةِ.
رَاجِعْ الْمُتَيْطِيَّ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ أَصْبَغَ وَابْنِ عَاتٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى (وَبِشَاهِدَيْنِ مُطْلَقًا) فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ: لَا يَثْبُتُ كِتَابُ قَاضٍ لِلْقَاضِي فِي الزِّنَا إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ عَلَى أَنَّهُ كِتَابُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَالنَّظَرُ، وَأَمَّا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِمَا كِتَابُ الْقَاضِي اتِّفَاقًا.

(وَاعْتَمَدَا عَلَيْهَا وَإِنْ خَالَفَا كِتَابَهُ وَنُدِبَ خَتْمُهُ) ابْنُ شَاسٍ: يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي إذَا أَشْهَدَ عَلَى كِتَابِهِ وَخَاتَمِهِ أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ مَخْتُومٍ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَلَوْ شَهِدَا بِخِلَافِ مَا فِي الْكِتَابِ جَازَ إذَا طَابَقَ الدَّعْوَى.

(وَلَمْ يُفِدْ وَحْدَهُ) ابْنُ شَاسٍ: الْكِتَابُ الْمُجَرَّدُ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ عَلَى الْقَاضِي لَا أَثَرَ لَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: مَذْهَبُ مَالِكٍ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فِي كِتَابِ قَاضٍ إلَى قَاضٍ بِالْحُكْمِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْقَاضِي أَقْوَى مِنْ ثُبُوتِهِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْبَيِّنَةِ بِشَهَادَتِهِمَا عَلَى الْقَاضِي، لِأَنَّ ثُبُوتَهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْقَاضِي مِمَّا لَهُ تَوَقُّفٌ عَلَى مُجَرَّدِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فَقَطْ، وَثُبُوتُهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْبَيِّنَةِ مِمَّا لَهُ تَوَقُّفُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ مَعَ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْقَاضِي، وَمَا تَوَقَّفَ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ فَقَطْ أَقْوَى مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ: اتَّفَقَ أَهْلُ عَصْرِنَا عَلَى قَبُولِ كُتُبِ الْقُضَاةِ فِي الْأَحْكَامِ وَالْحُقُوقِ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ خَطِّ الْقَاضِي، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ فِيمَا أَظُنُّ عَلَى صَرْفِهِمْ عَنْهُ انْتَهَى.
رَاجِعْ أَنْتَ الْمُطَوَّلَاتِ فِي هَذَا كُلِّهِ، فَإِنَّمَا قَصْدِي أَنْ أُشِيرَ إلَى بَعْضِ مَا قِيلَ تَنْشِيطًا لِمُرَاجَعَةِ الْفِقْهِ فِي أَمَاكِنِهِ، وَلِابْنِ عَاصِمٍ فِي أُرْجُوزَتِهِ: وَالْعَمَلُ الْيَوْمَ عَلَى قَبُولِ مَا خَاطَبَهُ قَاضٍ بِمِثْلِ " اعْلَمَا " قَالَ ابْنُهُ: تَقْيِيدُ الْعَمَلِ بِالْيَوْمِ يُؤْذِنُ بِخِلَافِ ذَلِكَ قَبْلُ وَذَلِكَ صَحِيحٌ فَقَدْ كَانَ الْعَمَلُ بِاسْتِصْحَابِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْمَكْتُوبِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْعَمَلُ قَبْلَ ذَلِكَ بِالِاكْتِفَاءِ بِالْكِتَابِ الْمَخْتُومِ.

(وَأَدَّيَا وَإِنْ عِنْدَ غَيْرِهِ) ابْنُ شَاسٍ: لِلشَّاهِدِ عَلَى الْحُكْمِ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكْتُبْ الْقَاضِي فِي كِتَابِهِ إلَى مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الْقُضَاةِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ مَاتَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ كِتَابًا مِنْ قَاضٍ آخَرَ فَعَلَى مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ إنْفَاذُ الْكِتَابِ.
ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا إذَا ثَبَتَ الْكِتَابُ عِنْدَهُ بِشَاهِدَيْنِ أَنَّهُ كِتَابُهُ.
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.

(وَأَفَادَ إنْ أَشْهَدَهُمَا أَنَّ مَا فِيهِ حُكْمُهُ أَوْ خَطُّهُ كَالْإِقْرَارِ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ قَالَ الْقَاضِي أُشْهِدُكُمَا عَلَى أَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ خَطِّي كَفَى ذَلِكَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ مَا فِي كِتَابِي حُكْمِي، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ فِي الْإِقْرَارِ أُشْهِدُك عَلَى مَا فِي الْقَبَالَةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِهِ كَفَى حَتَّى إذَا حَفِظَ الشَّاهِدُ الْقَبَالَةَ وَمَا فِيهَا وَشَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ جَازَ أَيْضًا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْمَجْهُولِ صَحِيحٌ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ دَفَعَ إلَى شُهُودٍ كِتَابًا مَطْوِيًّا وَقَالَ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ أَوْ كَتَبَ الْحَاكِمُ كِتَابًا إلَى حَاكِمٍ وَخَتَمَهُ وَأَشْهَدَ الشُّهُودَ بِهِ وَلَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: الشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ.
وَقَالَ أَيْضًا: لَا يَشْهَدُوا بِهِ إلَّا أَنْ يَقْرَؤُهُ عِنْدَ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ.

(وَمَيَّزَ فِيهِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ اسْمٍ وَحِرْفَةٍ وَغَيْرِهِمَا) ابْنُ شَاسٍ: وَلْيَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ اسْمَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَاسْمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَحِلْيَتِهِ وَمَسْكَنِهِ وَصِنَاعَتِهِ أَوْ تِجَارَتِهِ أَوْ شُهْرَةٍ لَهُ إنْ كَانَ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ رِجَالٌ يُلَائِمُونَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يَحْكُمْ لَهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تُعْرَفُ أَنَّهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْمُلَائِمِينَ قَدْ مَاتَ لَمْ يُسْتَحَقَّ عَلَى الْحَيِّ مِنْهُمَا مَا فِي الْكِتَابِ حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ الَّذِي اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَطُولَ زَمَنُ الْمَيِّتِ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادَ بِالشَّهَادَةِ لِبُعْدِهِ فَيَلْزَمُ الْحَيَّ (فَنَفَّذَهُ الثَّانِي وَبَنَى) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ اقْتَصَرَ الْأَوَّلُ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْمَنْهِيِّ إلَيْهِ الْإِتْمَامُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا نَقْلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.

(كَأَنْ نُقِلَ لِخِطَّةٍ أُخْرَى) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ مَاتَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَوْ عُزِلَ وَوَصَلَ الْكِتَابُ لِمَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ أَنْفَذَهُ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا

كَتَبَ لِغَيْرِهِ.
الْمَازِرِيُّ: اخْتِيَارُ بَعْضِ الشُّيُوخِ عَدَمُ تَسْمِيَةِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ.
ابْنُ سَهْلٍ: سَأَلْت ابْنَ عَاتٍ عَنْ الْحَاكِمِ يُرْفَعُ إلَى خِطَّةُ الْقَضَاءِ هَلْ يَسْتَأْنِفُ مَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ لَمْ يُكْمِلْهَا أَوْ يَصِلُ نَظَرَهُ فِيهَا؟ قَالَ: بَلْ يَبْنِي عَلَى مَا قَدْ مَضَى بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْحُكُومَةِ وَبِذَلِكَ أَفْتَيْت.
ابْنُ ذَكْوَانَ: حِينَ ارْتَفَعَ مِنْ أَحْكَامِ الشُّرْطَةِ وَالسَّوْقِ إلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ.

(وَإِنْ حَدًّا) لَوْ قَالَ " وَلَوْ زِنًا " لَكَانَ أَبْيَنَ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ سَحْنُونٍ: لَا يَثْبُتُ كِتَابُ قَاضٍ بِالزِّنَا إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ كَتْبُ الْقُضَاةِ إلَى الْقُضَاةِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَغَيْرِهَا لِجَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى ذَلِكَ.

(إنْ كَانَ أَهْلًا أَوْ قَاضِي مِصْرٍ وَإِلَّا فَلَا) ابْنُ شَاسٍ: إذَا وَرَدَ كِتَابُ قَاضٍ عَلَى قَاضٍ فَإِنْ عَرَفَهُ فَإِنَّهُ أَهْلٌ لِلْقَضَاءِ قَبِلَهُ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ عَرَفَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْهُ.
قَالَ أَصْبَغُ: وَإِنْ جَاءَهُ بِكِتَابِ قَاضٍ لَا يَعْرِفُهُ بِعَدَالَةٍ وَلَا سَخَطَةٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ قُضَاةِ الْأَمْصَارِ الْجَامِعَةِ مِثْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْقَيْرَوَانَ وَالْأَنْدَلُسَ فَلْيُنَفِّذْهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَلِيَحْمِلَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَأَمَّا قُضَاةُ الْكُوَرِ الصِّغَارِ فَلَا يُنَفِّذُهُ حَتَّى يَعْرِفَ وَيَسْأَلَ عَنْهُ الْعُدُولَ الدَّجْنَ وَعَنْ حَالِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ شَرْطُ قَبُولِ خِطَابِ الْقَاضِي صِحَّةُ وِلَايَتِهِ مِمَّنْ تَصِحُّ وِلَايَتُهُ بِوَجْهٍ احْتِرَازًا مِنْ مُخَاطَبَةِ قُضَاةِ أَهْلِ الدَّجْنِ كَقَاضِي مُسْلِمِي بَلَنْسِيَةَ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: لَمْ يَجْعَلُوا قَبُولَ الْعَدْلِ الْوِلَايَةَ لِلْمُتَغَلِّبِ جُرْحَةً لِخَوْفِ تَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ.
قَالَ سَيِّدِي ابْنُ عَلَاقِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا اسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى إقْلِيمٍ فَقَدَّمُوا قَاضِيًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا أَذْكُرُ نَصًّا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إذَا وَلَّوْا قَاضِيًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ إنْفَاذُ ذَلِكَ جَلْبًا لِلْمَصَالِحِ وَدَرْءًا لِلْمَفَاسِدِ الشَّامِلَةِ إذْ لَمْ يَبْعُدْ مِنْ رَحْمَةِ الشَّرْعِ وَرِعَايَةً لِمَصَالِحِ عِبَادِهِ وَتُحْمَلُ الْمَفَاسِدُ الشَّامِلَةُ بِفَوَاتِ كَمَالٍ، فَمَنْ يَتَعَاطَى تَوْلِيَتَهُ بَاطِنًا هُوَ أَهْلٌ لَهَا، اُنْظُرْ فِي الْمَدَارِكِ اسْمَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخَ وَابْنِ التَّبَّانِ وَاسْمَ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْكُرَابَةِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَزْرَةَ وَالدَّاوُدِيِّ (كَأَنْ شَارَكَهُ غَيْرُهُ وَإِنْ مَيِّتًا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَمَيَّزَ فِيهِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ ".

(وَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ فَفِي إعْدَائِهِ أَوْ لَا حَتَّى يُثْبِتَ أُحْدِيَّتَهُ قَوْلَانِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ وُجِدَ بِالْبَلَدِ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ كَشَفَ الْقَاضِي عَنْ الْأَمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ غَيْرُهُ عَلَى تِلْكَ

الصِّفَةِ أَعْدَاهُ إلَيْهِ وَإِنْ تَرَكَ الْقَاضِي مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الْكَشْفِ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَا يُؤْخَذُ بِالْحَقِّ حَتَّى يُثْبِتَ الطَّالِبُ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْبَلَدِ مَنْ هُوَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ الْعَامَّةِ غَيْرُهُ وَهُوَ دَلِيلُ زُونَانَ.
ابْنُ وَهْبٍ: وَقِيلَ: يُؤْخَذُ بِهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ هَذَا أَنَّ بِالْبَلَدِ مَنْ هُوَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَشْهَبَ وَرِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.

[بَاب الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ]

(وَالْقَرِيبُ جِدًّا كَالْحَاضِرِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ سُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ.
قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الْمَدِينُ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ وَأَمَّا كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ حُجَجٌ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَاَلَّذِي تَكُونُ فِيهِ الْحُجَجُ.
ابْنُ رُشْدٍ: مَذْهَبُ مَالِكٍ إنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ كَمَنْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ كَتَبَ إلَيْهِ وَأَعْذَرَ إلَيْهِ فِي كُلِّ حَقٍّ إمَّا وَكَّلَ أَوْ قَدِمَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَكَمَ عَلَيْهِ فِي الدَّيْنِ وَبِيعَ عَلَيْهِ مَا لَهُ مِنْ أَصْلٍ أَوْ غَيْرِهِ وَفِي اسْتِحْقَاقِ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَالْأُصُولِ وَكُلِّ الْأَشْيَاءِ مِنْ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ تُرْجَ لَهُ حُجَّةٌ فِي شَيْءٍ وَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ عَلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ وَنَحْوِهَا حَكَمَ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ وَرُجِيَتْ حُجَّتُهُ فِيهِ (وَالْبَعِيدُ جِدًّا كَإِفْرِيقِيَّةَ قَضَى عَلَيْهِ) ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ وَانْقَطَعَتْ كَالْعُدْوَةِ مِنْ الْأَنْدَلُسِ وَمَكَّةَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ حَكَمَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَعُرُوضٍ وَدَيْنٍ وَالرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَرُجِئَتْ حُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ.
زَادَ فِي أَجْوِبَتِهِ هَذَا التَّحْدِيدَ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ إنَّمَا هُوَ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ وَكَوْنِهَا مَسْلُوكَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ حَكَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ وَمِنْ خَلْفِ الْبَحْرِ فِي الْجَوَازِ الْقَرِيبِ الْمَأْمُونِ كَالْبَرِّ الْوَاحِدِ الْمُتَّصِلِ إلَّا فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَمْتَنِعُ فِيهِ رُكُوبُهُ، فَالْقَرِيبُ فِيهِ حُكْمُ الْبَعِيدِ، وَلِابْنِ عَاتٍ: إذَا قَامَتْ الْمَرْأَةُ بِشَرْطِهَا فِي الْمَغِيبِ لَا يُقْضَى بِهَا فِي الْقُرْبِ

وَإِنَّمَا يَكْتُبُ لَهَا الْقَاضِي إلَى الزَّوْجِ بِأَنْ يَقْدُمُوا أَوْ يُوَصَّى عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ فِي عَمَلِ سُلْطَانٍ آخَرَ قَضَتْ بِشَرْطِهَا وَإِنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهَا (بِيَمِينِ الْقَضَاءِ) ابْنُ شَاسٍ: الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ نَافِذٌ وَيَحْلِفُ لِلْقَاضِي الْمُدَّعِي بَعْدَ الْبَيِّنَةِ عَلَى عَدَمِ الْإِبْرَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ وَالِاعْتِيَاضِ وَالْإِحَالَةِ وَالِاحْتِيَالِ وَالتَّوْكِيلِ عَلَى الِاقْتِضَاءِ فِي جَمِيعِ الْحَقِّ (وَسَمَّى الشُّهُودَ وَإِلَّا نَقَضَ) ابْنُ رُشْدٍ: الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ لَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ الشُّهُودِ فِيهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الطَّعْنِ فِيهِمْ، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ، فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ فِيهِ الْبَيِّنَةَ فُسِخَتْ الْقَضِيَّةُ.
قَالَهُ أَصْبَغُ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ تُرْجَى لَهُ، وَالْحُكْمُ عَلَى الْحَاضِرِ لَا يَفْتَقِرُ لِتَسْمِيَةِ الْبَيِّنَةِ فِيهِ إذْ قَدْ أَعْذَرَ فِيهَا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَتَسْمِيَتُهُمْ أَحْسَنُ.
قَالَهُ أَصْبَغُ وَبِهِ الْعَمَلُ.
ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: وَمِثْلُ الْغَائِبِ الصَّغِيرُ لَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ الشُّهُودِ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافٌ لِسَحْنُونٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَإِذَا أَشْهَدَ الْقَاضِي بِثُبُوتِ عَقْدٍ عِنْدَهُ وَلَمْ يُسَمِّ بِمَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ ثُمَّ عُزِلَ الْقَاضِي أَوْ مَاتَ، فَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ وَيُحْمَلُ الْجَمِيعُ عَلَى الْعَدَالَةِ اهـ. وَانْظُرْ أَيْضًا قَدْ يَتَّفِقُ أَنْ يَمُوتَ بَعْضُ شُهُودِ الِاسْتِرْعَاءِ (وَالْعَشَرَةُ وَالْيَوْمَانِ مَعَ الْخَوْفِ يُقْضَى عَلَيْهِ مَعَهَا فِي غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ) تَقَدَّمَ مَا لِابْنِ رُشْدٍ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَالْقَرِيبُ كَالْحَاضِرِ وَالْبَعِيدِ جِدًّا " وَزَادَ فِي نَوَازِلِهِ: وَهَذَا التَّحْدِيدُ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ هُوَ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ وَكَوْنِهَا مَسْلُوكَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ حَكَمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ.

(وَحَكَمَ بِمَا يَتَمَيَّزُ غَائِبًا بِالصِّفَةِ كَدَيْنٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَحْكُمُ بِالدِّينِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَتَمَيَّزُ غَائِبًا بِالصِّفَةِ كَالْعَبْدِ وَالْفَرَسِ.
وَقِيلَ: مَا لَمْ يَدَّعِ الْحُرِّيَّةَ أَوْ يَدَّعِيه ذُوَيْدُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ هَارُونَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ إذَا كَانَ غَائِبًا هَلْ يُعْتَمَدُ عَلَى الصِّفَةِ فِي الْقَضَاءِ بِهِ أَمْ لَا؟ فَمِنْ ذَلِكَ الدَّيْنُ وَالْأَمْرُ فِيهِ وَاضِحٌ إذْ لَا يَتَأَتَّى إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا وَمِنْهَا الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ وَالْفَرَسُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ، فَهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ يَحْكُمُ فِيهِ بِالصِّفَةِ إنْ كَانَ غَائِبًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
الْمَازِرِيُّ: إنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مِمَّا لَا يَتَمَيَّزُ أَصْلًا ذَكَرَتْ الْبَيِّنَةُ قِيمَتَهُ تَقُولُ غَصَبَهُ حَرِيرًا قِيمَتُهُ كَذَا أَوْ طَعَامًا قِيمَتُهُ كَذَا.
رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.
وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ ادَّعَى عَبْدًا غَائِبًا بِيَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ ذَلِكَ الْعَبْدَ عَبْدُهُ، فَإِنْ عَرَفَتْهُ الْبَيِّنَةُ وَوَصَفَتْهُ وَحِلْيَتِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَقُضِيَ لَهُ بِهِ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْحَيَوَانِ وَالْمَتَاعِ إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ.
ابْنُ يُونُسَ: أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عَبْدٍ غَائِبٍ وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ ابْنُ كِنَانَةَ.

(وَجَلَبَ الْخَصْمَ بِخَاتَمٍ) أَمَرَ سَحْنُونَ: النَّاسَ بِكَتْبِ أَسْمَائِهِمْ فِي بَطَائِقَ ثُمَّ تُخْلَطُ الْبَطَائِقُ ثُمَّ دَعَا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَمَنْ دَعَا بِاسْمِهِ وَخَصْمُهُ حَاضِرٌ أَدْخَلَهُمَا وَأَجْلَسَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الِاعْتِدَالِ فِي مَجْلِسِهِمَا، فَإِنْ اسْتَعْدَى الَّذِي خَرَجَ اسْمُهُ عَلَى رَجُلٍ بِحَاضِرَةِ مَدِينَةِ الْقَيْرَوَانِ أَوْ بِقَصْرِ ابْنِ الْأَغْلَبِ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ أَعْدَاهُ عَلَى خَصْمِهِ بِطَابَعٍ يُعْطِيه إيَّاهُ، فَإِذَا أَتَى صَاحِبُهُ أُمِرَ بِأَخْذِ الطَّابَعِ مِنْهُ وَكَانَ لَا يُعْطَى كِتَابَ عَدْوَى يَجْلِبُ الْخَصْمَ إلَّا بِلَطْخٍ

مِنْ شَاهِدِ عَدْلٍ فَيَأْمُرُ كَاتِبَهُ فَيَكْتُبُ لَهُ كِتَابَ عَدْوَى إلَى أَمِينِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ الْخَصْمُ إلَّا مِنْ الْأَمْيَالِ الْيَسِيرَةِ (أَوْ رَسُولٍ) ابْنٌ فَتُّوحٍ: إرْسَالُ الطَّالِبِ لِلْقَاضِي أَنْ يَرْفَعَ مَطْلُوبَهُ إلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إنْ كَانَ قَرِيبًا أَنْ يَأْمُرَ غُلَامَهُ الَّذِي لَهُ الْإِجَارَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِالْمَسِيرِ مَعَهُ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالْقَرِيبُ مِنْ الْمَدِينَةِ كَمَنْ يَأْتِي ثُمَّ يَرْجِعُ يَبِيتُ بِمَنْزِلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَرْتَفِعْ الْمَطْلُوبُ بِالطَّابَعِ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِعِصْيَانِهِ وَتَأَبِّيه عَلَى الْمَجِيءِ، ثُمَّ يُرْسِلُ الْقَاضِي إلَيْهِ أَحَدَ أَعْوَانِهِ وَيَجْعَلُ لَهُ مِنْ رِزْقِهِ جُعْلًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا رَفَعَ الْمَطْلُوبَ عَلَيْهِ وَهُوَ مِمَّا يَلْزَمُهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْقَاضِي ذَلِكَ فَأَحْسَنُ الْوُجُوهِ أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ يَسْتَأْجِرُهُ عَلَى النُّهُوضِ فِي الْمَطْلُوبِ وَرَفْعِهِ وَيُعْطَى الْعَوْنَ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ الَّذِي طَلَبَهُ وَدَعَاهُ إلَى الِارْتِفَاعِ إلَى الْقَاضِي فَأَبَى عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عَلَى الْمَطْلُوبِ أُجْرَةُ شُخُوصِ الْعَوْنِ إلَيْهِ وَلَا يَكُونُ عَلَى الطَّالِبِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.
قَالَ هَذَا ابْنُ الْعَطَّارِ.
وَانْتَقَدَ ابْنُ الْفَخَارِ هَذَا عَلَيْهِ وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ ذَنْبًا يُوجِبُ اسْتِبَاحَةَ مَالِ الْإِنْسَانِ إلَّا الْكُفْرَ وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَطْلُوبُهُ يُوجِبُ اسْتِبَاحَةَ مَالِهِ.
الْمُتَيْطِيُّ: وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ ابْنِ الْعَطَّارِ (إنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى) ابْنُ شَاسٍ: إذَا غَابَ وَلَمْ يَكُنْ مَوْضِعُهُ يَزِيدُ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى أَحْضَرَهُ الْقَاضِي.
الْعَدْوَى طَلَبُك إلَى وَالٍ لِيُعْدِيَك عَلَى مَنْ ظَلَمَك أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ تَقُولُ اسْتَعْدَيْت عَلَى فُلَانٍ الْأَمِيرِ فَأَعْدَانِي وَاسْتَعَنْتُ بِهِ فَأَعَانَنِي عَلَيْهِ وَالِاسْمُ مِنْهُ الْعَدْوَى وَهُوَ الْمَعُونَةُ (لَا أَكْثَرَ كَسِتِّينَ مِيلًا إلَّا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: يُجْلَبُ الْخَصْمُ مَعَ مُدَّعِيه بِخَاتَمٍ أَوْ رَسُولٍ إنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى، فَإِنْ زَادَ لَمْ يَجْلِبْهُ مَا لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدٌ.
قَالَ سَحْنُونَ: لَا يَشْخُصُ مِنْ الْبَعْدِ خَصْمٌ وَلَا شَاهِدٌ وَالْبَعْدُ سِتُّونَ مِيلًا.
ابْنُ سَلْمُونَ: فَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ فِي مِصْرِ الْحَاكِمِ أَوْ عَلَى الْأَمْيَالِ الْيَسِيرَةِ وَنَفَرَ كَتَبَ بِرَفْعِهِ.
قَالَ أَصْبَغُ: لَا يَكْتُبُ إلَّا لِأَهْلِ الْعَدْلِ اجْمَعُوا

فُلَانًا وَفُلَانًا لِلتَّنَاصُفِ، فَإِنْ أَبَى فَانْظُرُوا فَإِنْ رَأَيْتُمْ لِلْمُدَّعِي وَجْهُ مَطْلَبٍ وَلَمْ يُرِدْ الْمَطْلُوبُ تَعْنِيتَهُ فَارْفَعُوهُ إلَيَّ وَإِلَّا فَلَا.

(وَلَا يُزَوِّجُ امْرَأَةً لَيْسَتْ بِوِلَايَتِهِ) ابْنُ شَاسٍ: لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُزَوِّجَ امْرَأَةً خَارِجَةً عَنْ وِلَايَتِهِ.

(وَهَلْ يُدَّعَى حَيْثُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبِهِ عَمَلٌ أَوْ الْمُدَّعِي فِيهِ وَأُقِيمَ مِنْهَا وَفِي تَمْكِينِ الدَّعْوَى لِغَائِبٍ بِلَا وَكَالَةٍ تَرَدُّدٌ) أَمَّا الْفَرْعُ الْأَوَّلُ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْخُصُومَةُ فِي مُعَيَّنٍ دَارًا أَوْ غَيْرَهَا فِي كَوْنِهَا بِبَلَدٍ الْمُدَّعَى فِيهِ.
قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ.
أَوْ بِبَلَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ بَلَدٍ الْمُدَّعِي فِيهِ.
قَالَهُ

مُطَرِّفٌ ثَالِثُهَا هَذَا أَوْ حَيْثُ اجْتِمَاعُهُمَا وَلَوْ بِغَيْرِ بَلَدٍ الْمُدَّعِي فِيهِ.
قَالَهُ أَصْبَغُ.
وَقَالَ: كُلُّ مَنْ تَعَلَّقَ بِخَصْمٍ فِي حَقٍّ فَلَهُ مُخَاصَمَتُهُ حَيْثُ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ مِنْ دَيْنٍ وَحَقٍّ لَا فِي الْعَقَارِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَلَى هَذَا نَقَلَ الْمَازِرِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ دَيْنًا عَلَى غَائِبٍ أَحْلَفَهُ قَاضِي بَلَدِهِ يَمِينَ الِاسْتِبْرَاءِ وَحَكَمَ لَهُ بِدَيْنِهِ عَلَى الْغَائِبِ حَيْثُ يَكُونُ.
رَابِعًا أَنَّ الْحُكْمَ بِبَلَدِ الْغَائِبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَحْكُومُ فِيهِ بِهِ.
وَقَالَ فَضْلٌ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ كَقَوْلِ مُطَرِّفٍ لِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الرَّجُلِ يَرِثُ الدَّارَ فَيَغِيبُ وَيَأْتِي رَجُلٌ يَدَّعِيهَا، لَا يُحْكَمُ عَلَى الْغَائِبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ الْمُدَّعِي أَنْ يَمْضِيَ إلَيْهِ.
وَعَزَا ابْنُ سَهْلٍ لِعِيسَى بْنِ دِينَارٍ مِثْلَ قَوْلِ مُطَرِّفٍ.
انْتَهَى مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ.
وَمِنْ الْمُفِيدِ: سُئِلَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ الرَّجُلِ مِنْ قُرْطُبَةَ تَكُونُ لَهُ الدَّارُ أَوْ الْحَقُّ بِجَيَّانَ فَيَدَّعِي ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ جَيَّانَ، فَيُرِيدُ الْجَيَّانِيُّ مُخَاصَمَةَ الْقُرْطُبِيِّ عِنْدَ قَاضِي جَيَّانَ حَيْثُ الشَّيْءُ الَّذِي ادَّعَى فِيهِ، أَيَرْفَعُ مَعَهُ الْقُرْطُبِيُّ إلَى جَيَّانَ؟ قَالَ: لَا يُرْفَعُ مَعَهُ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا حَيْثُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ حَكَمَ ابْنُ بَشِيرٍ وَكَتَبَ بِهِ إلَى بَعْضِ قُضَاتِهِ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ.
وَقَالَ: لَيْسَ لَهُ إمْسَاكُ الْمَطْلُوبِ إنْ تَعَلَّقَ بِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْعَقَارِ وَالْخِصَامُ فِيهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ

الْعَقَارُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ فِيهِ فَلَهُ حَبْسُهُ.
وَأَمَّا الدَّعْوَى بِحَقٍّ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّمَا الْخِصَامُ حَيْثُ تَعَلَّقَ بِهِ الطَّالِبُ.
قُلْت: الدُّيُونُ فِي هَذَا مُخَالِفَةٌ لِلْعَقَارِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَأَمَّا الْفَرْعُ الثَّانِي فَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ.
وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ: سَأَلْته عَمَّنْ مَاتَ وَتَرَكَ زَوْجَةً بِيَدِهَا مَالَهُ وَرِبَاعَهُ وَلَهُ أَخٌ غَائِبٌ فَقَامَ ابْنُ الْغَائِبِ فَقَالَ كُلُّ الْمَالِ الَّذِي بِيَدِ امْرَأَةِ عَمِّي لَيْسَ لَهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَأَنَا وَارِثُ أَبِي وَلَا وَكَالَةَ لَهُ مِنْ قِبَلِهِ، وَيَقُولُ: إنْ أَنَا أُثْبِتُهُ لَا تَدْفَعُوهُ لِي وَأَوْدَعُوهُ فِي يَدِ غَيْرِي أَوْ يَقُومُ بِذَلِكَ أَجْنَبِيٌّ عَلَى الْغَائِبِ فَقَالَ: أَرَى ذَلِكَ لِلِابْنِ وَلَا يُدْفَعُ لَهُ الْمَالُ وَيُوضَعُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الِابْنِ فَلَا أَدْرِي مَا هَذَا.
ابْنُ رُشْدٍ: وَكَذَا الْأَبُ فِيمَا ادَّعَاهُ لِابْنِهِ وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِمَنْ سِوَاهُمَا مِنْ الْقَرَابَةِ.
ابْنُ شَاسٍ.

[كِتَابُ الشَّهَادَاتِ]

[بَاب أَهْلِيَّة الشَّهَادَة وَمَا يفيد قَبُولهَا وَمُسْتَنِد عِلْم الشَّاهِد وتحمله وَأَدَائِهِ]

وَفِيهِ سِتَّةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ يُفِيدُ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ وَمَا يُفِيدُ قَبُولَهَا وَمَا يَمْنَعُ مِنْهُ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي الْعَدَدِ وَالذُّكُورَةِ.
الثَّالِثُ فِي مُسْتَنَدِ عِلْمِ الشَّاهِدِ وَتَحَمُّلِهِ وَأَدَائِهِ.
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
الْبَابُ السَّادِسُ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ خَاتِمَةُ الْكِتَابِ بِذِكْرِ اطِّلَاعِ الْقَاضِي بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَى خَلَلٍ فِي الشُّهُودِ.
الْمُتَيْطِيُّ: مَرَاتِبُ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَاتِ إحْدَى عَشْرَةَ مَرْتَبَةً، وَالشَّهَادَةُ الَّتِي تُوجِبُ الشَّيْءَ دُونَ يَمِينٍ سَبْعَةُ أَقْسَامٍ، وَاَلَّتِي تُوجِبُهُ مَعَ الْيَمِينِ خَمْسَةٌ، وَاَلَّتِي تُوجِبُ حُكْمَهُ وَلَا تُوجِبُ الْحَقَّ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَمَّا كَانَتْ الشَّهَادَةُ مُوجِبَةً لِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِمُقْتَضَاهَا اكْتَسَبَتْ مِنْ الشَّرَفِ مَنْزِلَةً فَاشْتُرِطَ فِيهَا شُرُوطٌ (الْعَدْلُ حُرٌّ مُسْلِمٌ عَاقِلٌ بَالِغٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ فِي

الِاسْتِهْلَالِ وَنَحْوِهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ عِدْلَتَيْنِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: مِنْ شُرُوطِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَا تَحَمُّلِهَا الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ.
الْمَازِرِيُّ: شَرْطُ الْعَقْلِ وَاضِحٌ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ وَلَا يَضْبِطُهُ وَمَنْ هُوَ كَذَلِكَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا يُخْتَلَفُ فِي الْعَقْلِ فِي حَالَتَيْ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ، وَلَا يَضُرُّ ذَهَابُ الْعَقْلِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ وَنَصَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: مَا أَذْكُرُهُ مِنْ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا أَعْرِفُهُ، بَلْ نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْكَبِيرِ يُخْنَقُ ثُمَّ يُفِيقُ وَإِنْ كَانَ يُفِيقُ إفَاقَةً يَعْقِلُهَا جَازَتْ شَهَادَتُهُ وَبَيْعُهُ وَابْتِيَاعُهُ، وَالْبُلُوغُ فِي عُمُومِهَا اتِّفَاقًا.
الْمَازِرِيُّ: لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَبْلُغْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَلَا يَأْثَمُ فِيمَا يَفْعَلُهُ مِنْ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَهَذَا يَمْنَعُ الثِّقَةَ بِشَهَادَتِهِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا شَهِدَ عَبْدٌ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ صَبِيٌّ بِشَهَادَةٍ ثُمَّ رَدُّوهَا بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ وَالْحُلُمِ جَازَتْ.

(بِلَا فِسْقٍ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا مَا يُفِيدُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ وَهُوَ مَا يُشْتَرَطُ الِاتِّصَافُ بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْأَهْلِيَّةِ فَوَصْفَانِ: الْأَوَّلُ الْعَدَالَةُ.
ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهُوَ الْمُحَافَظَةُ الدِّينِيَّةُ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ.
ابْنُ شَاسٍ: لَيْسَتْ الْعَدَالَةُ أَنْ يُمَحِّصَ الرَّجُلُ الطَّاعَةَ حَتَّى لَا يَشُوبَهَا مَعْصِيَةٌ إذْ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ، لَكِنْ مَنْ كَانَتْ الطَّاعَةُ أَكْثَرَ حَالِهِ وَأَغْلِبَهَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُجْتَنِبٌ لِلْكَبَائِرِ مُحَافَظٌ عَلَى تَرْكِ الصَّغَائِرِ فَهُوَ الْعَدْلُ.

(وَحَجْرٍ) سَمِعَ أَشْهَبُ: أَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ عَدْلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
ابْنُ رُشْدٍ: مِثْلُهُ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَهُوَ قِيَاسُ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي لَغْوِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْيَتِيمِ الْبَالِغِ فِي جَوَازِ أَفْعَالِهِ وَرَدِّهَا، وَأَمَّا الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ الْمَعْلُومِ وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي أَنَّ الْمَوْلَى لَا تَنْفُذُ أَفْعَالُهُ وَإِنْ كَانَ رَشِيدًا فِي أَفْعَالِهِ أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ وَلَوْ كَانَ مِثْلُهُ لَوْ طَلَبَ مَالَهُ أَخَذَهُ.

(وَبِدْعَةٍ وَإِنْ تَأَوَّلَ كَخَارِجِيٍّ وَقَدَرِيٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: شَهَادَةُ الْمُبْتَدِعِ سَاقِطَةٌ لِأَنَّهُ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ.
ابْنُ الْقَصَّارِ: وَلَوْ كَانَ عَنْ تَأْوِيلٍ غَلِطَ فِيهِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ وَتَأْوِيلٍ كَالْخَارِجِيِّ وَالْقَدَرِيِّ.

(لَمْ يُبَاشِرْ كَبِيرَةً) عِبَارَةُ ابْنِ شَاسٍ: أَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا لِلْكَبَائِرِ.
زَادَ عِيَاضٌ: وَمُتَوَقِّي الْمُثَابَرَةَ عَلَى الصَّغَائِرِ.
ابْنُ عَاتٍ:

وَمُجَانِبًا مُخَالَطَةَ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ (أَوْ كَثِيرَ كَذِبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مِمَّا يُجْرَحُ بِهِ الشَّاهِدُ قِيَامُ بَيِّنَةٍ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ (أَوْ صَغِيرَةَ خَسَّةٍ وَسَفَاهَةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْعَدَالَةُ صِفَةُ مَظِنَّةٍ تَمْنَعُ مَوْصُوفَهَا الْبِدْعَةَ وَمَا يَشِينُهُ عُرْفًا وَمَعْصِيَةَ غَيْرِ قَلِيلِ الصَّغَائِرِ.
فَالصَّغَائِرُ الْخَسِيسَةُ مُنْدَرِجَةٌ فِيمَا يَشِينُ، وَنَادِرُ

الْكَذِبِ فِي غَيْرِ عَظِيمِ مَفْسَدَةٍ غَيْرِ مُنْدَرِجٍ فِي قَلِيلِ الصَّغَائِرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهَا مِمَّا يُجْرَحُ بِهِ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ (وَلَعِبَ نَرْدٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الشِّطْرَنْجُ أَشَرُّ مِنْ النَّرْدِ.
الْمَازِرِيُّ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِدَامَةُ شِطْرَنْجٍ ".

(ذُو مُرُوءَةٍ بِتَرْكِ غَيْرِ لَائِقٍ) ابْنُ شَاسٍ: الْوَجْهُ الثَّانِي الْمُرُوءَةُ، فَيُشْتَرَطُ فِي الْعَدْلِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمِلًا لِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُرُوءَةُ هِيَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى فِعْلِ مَا تَرَكَهُ مِنْ

الْمُبَاحِ يُوجِبُ الذَّمَّ عُرْفًا كَتَرْكِ الْمَلِيءِ الِانْتِعَالَ فِي بَلَدٍ يُسْتَقْبَحُ فِيهِ مَشْيُ مِثْلِهِ حَافِيًا، وَعَلَى تَرْكِ مَا فَعَلَ مِنْ مُبَاحٍ يُوجِبُ ذَمَّهُ عُرْفًا كَالْأَكْلِ عِنْدَنَا فِي السُّوقِ وَفِي حَانُوتِ الطَّبَّاخِ لِغَيْرِ الْغَرِيبِ.
ابْنُ رُشْدٍ: لَا تُرَدُّ شَهَادَةُ ذَوِي الْحِرَفِ الدَّنِيئَةِ كَالْكَنَّاسِ وَالْحَجَّامِ إلَّا مَنْ رَضِيَهَا اخْتِيَارًا مِمَّا لَا تَلِيقُ بِهِ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى خَبَلٍ فِي عَقْلِهِ.
الْبُرْزُلِيِّ: حَكَى عَنْ الصَّالِحِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّبْتِيِّ حَالَاتٍ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَقَدْ فِيهِ إلَّا الْخَيْرُ لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ صَلَاحِهِ وَزُهْدِهِ وَإِيثَارِهِ، وَكَذَا حَكَى الشَّيْخُ الصَّالِحُ الرَّاوِيَةَ الْبَطْرِينِيُّ أَنَّ الْوَلِيَّ الْمَشْهُورَ الزَّوَاوِيَّ كَانَ مُخَرَّبَ الظَّاهِرِ وَهُوَ عِنْدَ الْعَامَّةِ مَشْهُورٌ بِالْوِلَايَةِ فَلَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ تَخْرِيبُ ظَاهِرِهِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ: الْحِيَاكَةُ بِحَسَبِ الْبُلْدَانِ وَهِيَ فِي إقْلِيمِ إفْرِيقِيَّةَ مِنْ الصِّنَاعَاتِ الرَّفِيعَةِ يَسْتَعْمِلُهَا وُجُوهُ النَّاسِ، وَكَذَا كُلُّ صَنْعَةٍ بِحَسَبِ رِفْعَتِهَا وَخِسَّتِهَا.

(مِنْ حَمَامٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُجْرَحُ الشَّاهِدُ بِثُبُوتِ لَعِبِهِ بِالْحَمَامِ إذَا كَانَ يُقَامِرُ عَلَيْهَا.
مُحَمَّدٌ: مَنْ فَعَلَهُ عَلَى قِمَارٍ أَوْ أَدْمَنَ عَلَيْهِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.

(وَسَمَاعِ غِنَاءٍ) الْمَازِرِيُّ: الْغِنَاءُ لَا بِآلَةٍ عِنْدَنَا مَكْرُوهٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: مَنْ أَدْمَنَ عَلَى سَمَاعِ غِنَاءٍ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ فَيُمْكِنُ أَنَّهُ رَآهُ عَلَمًا عَلَى سُقُوطِ الْمُرُوءَةِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحَةِ إنْ عُرِفُوا بِذَلِكَ بِشَرْطِ اشْتِهَارِهِمْ بِذَلِكَ، وَالِاشْتِهَارُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْخَسَاسَةِ.
قَالَ: وَلَمَّا حُرِّمَتْ الْخَمْرُ وَكَانَ ضَرْبُ الْأَوْتَارِ وَالنَّفْخُ فِي الْمِزْمَارِ يُقَارِنُ شُرْبَهَا غَالِبًا وَيُحَرِّكُ النَّفْسَ إلَى شُرْبِهَا، انْسَحَبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَا يُطْرِبُ وَلَا يَدْعُو إلَى الشُّرْبِ.
وَفِي الْإِحْيَاءِ: كُلُّ آلَةٍ يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا صَوْتٌ مُسْتَطَابٌ مَوْزُونٌ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَعْتَادُهُ أَهْلُ الشُّرْبِ حَرُمَ سَمَاعُهَا وَإِلَّا فَهِيَ بَاقِيَةٌ

عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ قِيَاسًا عَلَى صَوْتِ الْكَبَرِ، بَلْ أَقُولُ: سَمَاعُ الْأَوْتَارِ مِمَّنْ يَضْرِبُهَا عَلَى غَيْرِ وَزْنٍ حَرَامٌ أَيْضًا اهـ. رَاجِعْ أَوَاخِرَ قَوَاعِدِ عِزِّ الدِّينِ وَفَتَاوِيهِ فِي حُكْمِ السَّمَاعِ وَهُوَ أَوْلَى مَنْ يُقَلَّدُ فِي هَذَا الْبَابِ.

(كَدِبَاغَةٍ وَحِيَاكَةٍ اخْتِيَارًا) تَقَدَّمَ هَذَا وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ إنَّ الْحِيَاكَةَ مِنْ الصِّنَاعَاتِ الرَّفِيعَةِ (وَإِدَامَةِ شِطْرَنْجٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَدْمَنَ عَلَى اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا هُوَ الْمَرَّةُ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا.
وَكَرِهَ مَالِكٌ اللَّعِبَ بِهَا وَقَالَ: هِيَ أَشَدُّ مِنْ النَّرْدِ.
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ لَا يُدْمِنُ عَلَى اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ إذْ لَا يَخْلُو الْإِنْسَانُ مِنْ لَهْوٍ وَمَزْحٍ يَسِيرٍ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ اهـ. مَا لِابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: قَوْلُ مَالِكٍ " إنْ كَانَ لَعِبُهُ بِالشِّطْرَنْجِ إنَّمَا هُوَ الْمَرَّةُ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّعِبَ بِهَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ لِنَفْسِهِ وَعَيْنِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ فِي تَحْرِيمِهِ وَلَيْسَ اللَّعِبُ بِهَا بِمُضْطَرٍّ إلَيْهِ وَلَا مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ فَيُعْفَى عَنْ الْيَسِيرِ مِنْهُ قَالَ: وَمِمَّنْ أَجَازَ اللَّعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ عَلَى غَيْرِ قِمَارٍ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُهُ هِشَامٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَعَطَاءٌ، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونَ: مَنْ كَانَ يَبِيعُ النَّرْدَ وَالزَّمَامِيرَ وَالْعِيدَانَ وَالطَّنَابِيرَ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَكَذَا مَنْ يَشْتَغِلُ بِطَلَبِ عِلْمِ الْكِيمْيَاءِ.
وَأَفْتَى الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْمُنْتَصِرُ بِمَنْعِ إمَامَتِهِ.
وَحَدَّثَنِي شَيْخِي ابْنُ سِرَاجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ إنْسَانًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُحْكِمُ عِلْمَهَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَقُلْت لَهُ: الَّذِي أُفْتِيك بِهِ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ إنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تُبَيِّنَ لِلَّذِي تَشْتَرِي مِنْهُ أَنَّهَا مُدَبَّرَةٌ إذْ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتُمَ أَحَدًا مِنْ أَمْرٍ عَرَضَهُ مَا إذَا ذَكَرَهُ كَرِهَهُ الْآخَرُ، أَوْ كَانَ ذِكْرُهُ أَبْخَسَ لَهُ وَكُلُّ النَّاسِ يُؤْثِرُ الْمَعْدِنِيَّ عَلَى الْمُدَبَّرِ.

(وَإِنْ أَعْمَى فِي قَوْلٍ أَوْ أَصَمَّ فِي فِعْلٍ) ابْنُ شَاسٍ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَصَمِّ فِي الْأَفْعَالِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا نَحْوُ نَقْلِ الْمَازِرِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ " يَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِيمَا يَصِحُّ أَنْ يَعْلَمَهُ

الْبَصِيرُ ". وَلِابْنِ شَعْبَانَ: شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ جَائِزَةٌ إذَا عُرِفَتْ إشَارَتُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَبُولُ شَهَادَتِهِ كَصِحَّةِ عَقْدِ نِكَاحِهِ وَثُبُوتِ طَلَاقِهِ وَقَذْفِهِ وَكِلَاهُمَا فِيهِ.

(لَيْسَ بِمُغَفَّلٍ) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْغَيْرِ الْمَأْمُونِ عَلَى مَا يَقُولُ وَقَدْ يَكُونُ عَدْلًا وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُغْتَفَلَ أَوْ يُضْرَبَ عَلَى خَطِّهِ وَيَشْهَدَ عَلَى الرَّجُلِ وَلَا يَعْرِفُهُ يَتَسَمَّى لَهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَتُهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (إلَّا فِيمَا لَا يَلْبِسُ) الْمَازِرِيُّ: إطْلَاقُ الْمُتَقَدِّمِينَ رَدَّ الشَّهَادَةِ بِالْبَلَهِ وَالْغَفْلَةِ، قَيَّدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِمَا كَثُرَ مِنْ الْكَلَامِ وَالْجُمَلِ الْمُتَعَلِّقِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لَا فِي نَحْوِ قَوْلِهِ رَأَيْت هَذَا الشَّخْصَ قَتَلَ هَذَا الشَّخْصَ أَوْ سَمِعْته قَالَ هِيَ طَالِقٌ.

(وَلَا مُتَأَكِّدَ الْقُرْبِ كَأَبٍ وَإِنْ عَلَا وَأَمٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ تُهْمَةُ الْحُبِّ لِأَصْلٍ أَوْ عَارِضٍ.
رَوَى ابْنُ نَافِعٍ يَدْخُلُ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ شَهَادَةُ الْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ.
الْمَازِرِيُّ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبِ وَإِنْ عَلَا لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، كَانَ جَدًّا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ، وَلَا شَهَادَةُ بَنِي بَنِيهِمْ لَهُمْ (وَزَوْجِهِمَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: مِنْ الْمَوَانِعِ أَكِيدُ الشَّفَقَةِ بِالنَّسَبِ كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ وَكَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةِ فِيهِمَا (وَوَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمَازِرِيِّ " وَلِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ " (كَبِنْتِ الْوَلَدِ) شَمَلَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَإِنَّمَا خَصَّ الْبِنْتَ تَوْطِئَةً (وَزَوْجِهِمَا) اللَّخْمِيِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ

لِزَوْجِ ابْنَتِهِ وَلَا لِزَوْجَةِ وَلَدِهِ.
(وَشَهَادَةُ ابْنٍ مَعَ أَبٍ وَاحِدَةٌ لِكُلٍّ عِنْدَ الْآخَرِ أَوْ عَلَى شَهَادَتِهِ أَوْ حُكْمِهِ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْخِلَافُ فِي شَهَادَةِ الْأَبِ عِنْدَ ابْنِهِ، وَالِابْنِ عِنْدَهُ، وَشَهَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى شَهَادَةِ صَاحِبِهِ، وَشَهَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حُكْمِ صَاحِبِهِ، وَشَهَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِهِ وَاحِدٌ.
قِيلَ: كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَمُطَرِّفٍ.
وَقِيلَ: ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ، وَفَرَّقَ

ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ تَنَاقُضٌ، وَأَمَّا تَعْدِيلُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ فَلَمْ يُجِزْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إلَّا ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَفِي ذَلِكَ بُعْدٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ: مَا أَدْرَكْت قَاضِيًا حَفِظَهُ اللَّهُ مِنْ تَقْدِيمِ وَلَدِهِ أَوْ قَرِيبِهِ إلَّا قَاضِيًا وَاحِدًا جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ عَلِمَ الْحَقَّ وَعَمِلَ بِهِ.
وَلِبَعْضِ شُيُوخِ الشُّورَى بِقُرْطُبَةَ: شَهَادَةُ الْأَخَوَيْنِ فِي حَقِّ وَاحِدٍ لِرَجُلٍ جَائِزَةٌ وَلَيْسَ كَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ.

(بِخِلَافِ أَخٍ لِأَخٍ إنْ بَرَزَ وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِخِلَافِهِ كَأَجِيرٍ وَمَوْلًى وَمُلَاطِفٍ وَمُفَاوِضٍ فِي غَيْرِ مُفَاوَضَةٍ وَزَائِدٍ أَوْ مُنَقِّصٍ وَذَاكِرٍ بَعْدَ شَكٍّ وَتَزْكِيَةٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: سِتَّةٌ لَا يُقْبَلُ فِيهَا إلَّا الْعَدْلُ الْمُبْرِزُ: الشَّهَادَةُ لِلْأَخِ وَلِلْمَوْلَى وَلِلصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ وَلِشَرِيكِهِ فِي غَيْرِ

التِّجَارَةِ وَإِذَا زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ وَالتَّعْدِيلُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُشْتَرَطُ التَّبْرِيزُ فِي الْعَدَالَةِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ وَالْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ، وَشَهَادَةِ الْمَوْلَى لِمَنْ أَعْتَقَهُ، وَشَهَادَةِ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ لِصَدِيقِهِ، وَشَهَادَةِ الشَّرِيكِ الْمُفَاوِضِ لِشَرِيكِهِ فِي غَيْرِ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ، وَفِيمَنْ سُئِلَ فِي مَرَضِهِ شَهَادَةٌ لِتُنْقَلَ عَنْهُ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهَا ثُمَّ شَهِدَ بِهَا وَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ خَشِيَ فِي مَرَضِهِ عَدَمَ تَثَبُّتِهِ فِيهَا، وَمَنْ زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ بَعْدَ أَدَائِهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ: شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ بِالْمَالِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: إنْ كَانَ الشَّاهِدُ فِي نَفَقَةِ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ مَعْرُوفُهُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لَهُ وَإِلَّا فَثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ وَكَانَ مُبْرِزًا فِي حَالِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ فِي الْأَمْوَالِ وَالتَّعْدِيلِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ إنَّ الْأَخَ يُعَدِّلُ أَخَاهُ.
عِيَاضٌ: اشْتَرَطَ فِي شَهَادَةِ الْأَخِ أَوَّلَ الْكِتَابِ التَّبْرِيزُ وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ أَثْنَاءَهُ، فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ خِلَافٌ، مَرَّةً اشْتَرَطَ التَّبْرِيزَ وَمَرَّةً لَمْ يَشْتَرِطْهُ.
وَعَلَى اشْتِرَاطِ التَّبْرِيزِ اخْتَصَرَهَا الْأَكْثَرُونَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَيَكُونُ مَرَّةً بَيَّنَهُ وَمَرَّةً أَهْمَلَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَيْهِ، وَجَرُّهُ إلَيْهِ جَرٌّ إلَى نَفْسِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ إذَا كَانَ مُبْرِزًا فِي الْعَدَالَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَوْلَى لِمَنْ أَعْتَقَهُ إذَا كَانَ عَدْلًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا لَمْ يَدْفَعْ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ شَرًّا أَوْ يَجُرَّ إلَيْهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: شَهَادَةُ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ الَّذِي تَحْتَ إنْفَاقِ مَنْ شَهِدَ لَهُ لَغْوٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ إنْفَاقِهِ فَطَرِيقُ الْمَازِرِيِّ

مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ قَبُولُ شَهَادَتِهِ لِصَدِيقِهِ إنْ كَانَ لَيْسَ فِي نَفَقَتِهِ وَلَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ بِرُّهُ وَصِلَتُهُ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَجُوزُ فِي التَّزْكِيَةِ فِي الْعَلَانِيَةِ إلَّا الْمُبْرِزُ النَّافِذُ الْفَطِنُ الَّذِي لَا يُخْدَعُ فِي عَقْلِهِ وَلَا يُسْتَذَلُّ فِي رَأْيِهِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ، وَإِنْ ارْتَضَى الْقَاضِي رَجُلًا لِلْكَشْفِ جَازَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ مَا نَقَلَ إلَيْهِ مِنْ التَّزْكِيَةِ عَلَى رَجُلَيْنِ لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ.

(وَإِنْ بِحَدٍّ) الْمُتَيْطِيُّ وَالتَّعْدِيلُ يَجُوزُ فِي كُلِّ شَيْءٍ فِي الدِّمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ (مِنْ مَعْرُوفٍ إلَّا الْغَرِيبَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ شَهِدَ قَوْمٌ عَلَى حَقٍّ فَعَدَلَهُمْ قَوْمٌ غَيْرُ مَعْرُوفِينَ وَعَدَّلَ الْمُعَدِّلِينَ آخَرُونَ، فَإِنْ كَانَتْ الشُّهُودُ غُرَبَاءَ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْقَاضِي لَا يَقْبَلُ

عَدَالَةً عَلَى عَدَالَةٍ (بِأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُجْزِي فِي التَّعْدِيلِ إلَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُمْ عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ (مِنْ فَطِنٍ عَارِفٍ لَا يُخْدَعُ) تَقَدَّمَ نَصُّ سَحْنُونٍ بِهَذَا (مُعْتَمِدٌ عَلَى طُولِ عَشْرَةٍ) سَحْنُونَ: لَا يُزَكِّي إلَّا مَنْ خَالَطَهُ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَطَالَتْ صُحْبَتُهُ إيَّاهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ.
اللَّخْمِيِّ: وَلَا يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ بِيَسِيرِ الْمُخَالَطَةِ (لَا سَمَاعٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ وَجْهُ التَّعْدِيلِ هُوَ أَنْ يَعْرِفَ عَدَالَتَهُ بِطُولِ الصُّحْبَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ لَا بِالتَّسَامُعِ (مِنْ سُوقِهِ أَوْ مَحَلَّتِهِ إلَّا لِتَعَذُّرٍ) اللَّخْمِيِّ: لَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ مِنْ غَيْرِ سُوقِهِ وَمَحَلَّتِهِ، فَإِنْ وَقَفَ أَهْلُ سُوقِهِ وَمَحَلَّتِهِ عَنْ تَعْدِيلِهِ فَذَلِكَ رِيبَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَدْلٌ قُبِلَ مِنْ سَائِرِ بَلَدِهِ.
الْمُتَيْطِيُّ لَا يُزَكِّي الشَّاهِدَ إلَّا أَهْلُ مَسْجِدِهِ وَسُوقِهِ وَجِيرَانِهِ.
رَوَاهُ أَشْهَبُ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَا يُزَكِّي الشَّاهِدَ مَنْ شَهِدَ مَعَهُ أَوْ نَقَلَ مَعَهُ شَهَادَةً فِي ذَلِكَ الْحَقِّ (وَوَجَبَتْ إنْ تَعَيَّنَ كَجُرْحٍ إنْ بَطَلَ حَقٌّ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَجُوزُ أَنْ يُزَكِّي الرَّجُلَ إذَا كَانَ عِنْدَهُ عَدْلًا وَكَذَلِكَ فِي تَجْرِيحِهِ مَنْ هُوَ عِنْدَهُ غَيْرُ عَدْلٍ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إحْيَاءً لِلْحَقِّ فَلَا يَسَعُهُ تَرْكُ ذَلِكَ (كَجَرْحٍ) وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ " كَالزِّنَا " أَنَّ الشَّهَادَةَ تَجِبُ بِالتَّجْرِيحِ (وَنُدِبَ تَزْكِيَةُ سِرٍّ مَعَهَا) سُمِعَ الْقَرِينَانِ: أَتَرَى الْمَسْأَلَةَ عَنْ الشُّهُودِ سِرًّا؟ قَالَ: نَعَمْ وَهُوَ تَعْدِيلُ السِّرِّ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي فِعْلُهُ وَلَا يَكْتَفِي بِتَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ دُونَهُ، وَيَكْتَفِي بِتَعْدِيلِ السِّرِّ دُونَ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ.
حَكَى هَذَا ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ وَالْأَخَوَيْنِ.
وَمَعْنَاهُ فِي الِاخْتِيَارِ لَا عَلَى اللُّزُومِ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا (مِنْ مُتَعَدِّدٍ) ابْنُ رُشْدٍ: تَعْدِيلُ السِّرِّ يَفْتَرِقُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِيهِ وَفِي أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ بِخِلَافِ الْعَلَانِيَةِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إنَّ نَقْلَ تَزْكِيَةِ السِّرِّ تَكُونُ عَنْ رَجُلَيْنِ فَانْظُرْهُ مَعَ هَذَا.

(وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الِاسْمَ) سَحْنُونَ: مَنْ عَدَّلَ رَجُلًا لَمْ يَعْرِفْ اسْمَهُ قَبْلَ تَعْدِيلِهِ (أَوْ لَمْ يَذْكُرْ السَّبَبَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ التَّعْدِيلِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: التَّزْكِيَةُ جَائِزَةٌ مِنْ غَيْرِ تَفْسِيرٍ.
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ: قَوْلُهُ " لَا أَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا " لَغْوٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَمِثْلُهُ لَا بَأْسَ بِهِ (بِخِلَافِ الْجَرْحِ) اللَّخْمِيِّ: فِي قَبُولِ التَّجْرِيحِ إجْمَالًا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: قِيلَ: يُقْبَلُ، وَقِيلَ: لَا، وَقَالَ الْأَخَوَانِ يُقْبَلُ مِمَّنْ يَعْرِفُ وَجْهَ التَّجْرِيحِ كَانَ الْمُجَرِّحُ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ أَمْ لَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُقْبَلُ فِي مَشْهُورِ الْعَدَالَةِ إلَّا مُفَسَّرٌ.
الْمَازِرِيُّ: أَكَّدَ الشَّافِعِيُّ فِي وُجُوبِ الْكَشْفِ فِي الْجَرْحِ لِأَنَّ شَاهِدًا جَرَّحَ شَاهِدًا فَسُئِلَ عَنْ جُرْحَتِهِ فَقَالَ: رَأَيْته يَبُولُ قَائِمًا.
فَقِيلَ لَهُ: وَإِذَا بَال قَائِمًا مَاذَا يَكُونُ؟ قَالَ: يَتَطَايَرُ عَلَيْهِ الْبَوْلُ.
فَقِيلَ لَهُ: هَلْ رَأَيْته صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا، فَظَهَرَ غَلَطُهُ.

(وَهُوَ الْمُقَدَّمُ) ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ اجْتَمَعَ تَعْدِيلٌ وَتَجْرِيحٌ فَطُرُقٌ.
رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الشَّاهِدِ يُعَدِّلُهُ رَجُلَانِ وَيَأْتِي الْمَطْلُوبُ بِرَجُلَيْنِ فَيُجَرِّحَانِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: يُنْظَرُ إلَى الْأَعْدَلِ مِنْ الشُّهُودِ فَيُؤْخَذُ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: الْمُجَرِّحَانِ أَوْلَى لِأَنَّهُمَا زَادَا وَيَسْقُطُ التَّعْدِيلُ.
وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَسَحْنُونٌ.
وَقَالَ: لَوْ عَدَّلَهُ أَرْبَعَةٌ وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ وَالْأَرْبَعَةُ أَعْدَلُ أُخِذَتْ بِشَهَادَةِ الْمُجَرِّحَيْنِ لِأَنَّهُمَا عَلِمَا مَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْآخَرُونَ.

(وَإِنْ شَهِدَ ثَانِيًا وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيَةِ الْأُولَى تَرَدُّدٌ) ابْنُ رُشْدٍ: الْمَجْهُولُ الْحَالِ إذَا عُدِّلَ مَرَّةً فِي أَمْرٍ ثُمَّ شَهِدَ ثَانِيَةً فَقَالَ سَحْنُونَ: يُطْلَبُ تَعْدِيلُهُ كُلَّمَا شَهِدَ حَتَّى يَكْثُرَ تَعْدِيلُهُ وَيَشْتَهِرَ مُطْلَقًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَكْتَفِي بِالتَّعْدِيلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَطُولَ سَنَةً، فَلَوْ طَلَبَ تَعْدِيلَهُ بِالْقُرْبِ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ أَوْ بِالْبُعْدِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَعَجَزَ عَنْ ذَلِكَ لِفَقْدِ مَنْ عَدَّلَهُ أَوَّلًا، وَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِ لِأَنَّ طَلَبَ تَعْدِيلِهِ ثَانِيَةً إنَّمَا هُوَ اسْتِحْسَانٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ: الْعَمَلُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ.

(وَبِخِلَافِهَا لِأَحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى الْآخَرِ أَوْ أَبَوَيْهِ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ لَهُ) سُمِعَ عِيسَى ابْنُ الْقَاسِمِ

فصول الكتاب · 7 فصل · 674 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التاج والإكليل لمختصر خليل · 674 صفحة
المقدمة
ٍ: زَكَاةُ النَّعَمِ
ِ (فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ)
َ كِتَابِ الْبُيُوعِ.
خِيَارِ التَّرَوِّي
َ: قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ
ضَمَانِ سِرَايَةِ الْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِي عَيْنِهِ أَوْ جِنْسِهِ
جارٍ التحميل