التاج والإكليل لمختصر خليلصفحات 582-634
أهل الأثرالأرشيف العلمي

َ: قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ

صفحات 582-634

يَكُنْ فِيمَا انْهَدَمَ ضَرَرٌ عَلَى الْمُكْتَرِي وَلَمْ يُبَيِّنْهُ رَبُّ الدَّارِ، لَزِمَ الْمُكْتَرِيَ السُّكْنَى بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ وَلَا يُوضَعُ عَنْهُ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ لِذَلِكَ، وَانْهِدَامُ الشُّرُفَاتِ لَا يَضُرُّ بِسُكْنَى الْمُكْتَرِي.
وَإِنْ اتَّفَقَ فِيهَا كَانَ مُتَطَوِّعًا وَلَا شَيْءَ لَهُ يُرِيدُ إلَّا أَخْذَ النَّقْضِ فَلَهُ أَخْذُهُ إنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ.
(أَوْ سَكَنَ أَجْنَبِيٌّ بَعْضَهُ) الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اكْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ دَارًا هُوَ فِيهَا فَبَقِيَ فِي طَائِفَةٍ مِنْهَا لَمْ يَخْرُجْ وَسَكَنْت أَنْتَ طَائِفَةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْكَ إلَّا حِصَّةُ مَا سَكَنْت، وَكَذَلِكَ لَوْ سَكَنَ أَجْنَبِيٌّ طَائِفَةً مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ عَلِمْت بِهِ فَلَمْ تُخْرِجْهُ لَزِمَهُ كِرَاءُ مَا سَكَنَ.
(لَا إنْ نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ وَإِنْ قَلَّ أَوْ انْهَدَمَ بَيْتٌ مِنْهَا أَوْ سَكَنَهُ مُكْرِيهِ أَوْ لَمْ يَأْتِ بِسُلَّمِ لِلْأَعْلَى أَوْ عَطِشَ بَعْضُ الْأَرْضِ أَوْ غَرِقَ فَبِحِصَّتِهِ) أَمَّا مَسْأَلَةُ الرُّجُوعِ بِالْحِصَّةِ إذَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ وَإِنْ قَلَّ أَوْ انْهَدَمَ بَيْتٌ مِنْهَا فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْهَدْمُ فِي الدَّارِ الْمُكْتَرَاةِ إنْ كَانَ يَسِيرًا فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ: مَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ عَلَى السَّاكِنِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ قِيمَةِ كِرَاءِ الدَّارِ شَيْئًا كَالشُّرُفَاتِ وَنَحْوِهَا، فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْكِرَاءَ لِلْمُكْتَرِي لَازِمٌ وَلَا يُحَطُّ عَنْهُ مِنْهُ شَيْءٌ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ عَلَى السَّاكِنِ إلَّا أَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ قِيمَةِ كِرَاءِ الدَّارِ، فَهَذَا يَلْزَمُهُ السُّكْنَى وَيُحَطُّ عَنْهُ مَا حَطَّ ذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ إنْ لَمْ يُصْلِحْهُ رَبُّ الدَّارِ وَلَا يَلْزَمُهُ إصْلَاحُهُ، فَإِنْ سَكَتَ وَسَكَنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى السَّاكِنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبْطِلَ مِنْ مَنَافِعِ الدَّارِ شَيْئًا كَالْهَطْلِ وَشِبْهِهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّ رَبَّ الدَّارِ لَا يَلْزَمُهُ الْإِصْلَاحُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، فَإِنْ أَبَى كَانَ الْمُكْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْكُنَ بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ أَوْ يَخْرُجَ، فَإِنْ سَكَتَ وَسَكَنَ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ.

وَأَمَّا إنْ كَانَ الْهَدْمُ.
كَثِيرًا فَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الدَّارِ الْإِصْلَاحُ بِإِجْمَاعٍ وَهُوَ أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنْ يَعِيبَ السُّكْنَى وَيَنْقُصَ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ وَلَا يُبْطِلَ شَيْئًا مِنْ الْمَنَافِعِ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ مُبَلَّطَةً مُجَصَّصَةً فَيَذْهَبُ تَبْلِيطُهَا وَتَجْصِيصُهَا، فَهَذَا يَكُونُ الْمُكْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْكُنَ بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ أَوْ يَخْرُجَ إلَّا أَنْ يُصْلِحَ ذَلِكَ رَبُّ الدَّارِ، فَإِنْ سَكَتَ وَسَكَنَ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
الثَّانِي أَنْ يُبْطِلَ الْيَسِيرَ مِنْ مَنَافِعِ الدَّارِ كَالْبَيْتِ يَنْهَدِمُ مِنْهَا وَهِيَ ذَاتُ بُيُوتٍ فَهَذَا يَلْزَمُهُ السُّكْنَى يُحَطُّ مَا نَابَ الْبَيْتَ الْمُنْهَدِمَ مِنْ الْكِرَاءِ.
الثَّالِثُ أَنْ يُبْطِلَ أَكْثَرَ مَنَافِعِ الدَّارِ أَوْ مَنْفَعَةَ الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ وَجْهُهَا أَوْ يَكْشِفُهَا بِانْهِدَامِ حَائِطِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذَا يَكُونُ الْمُكْتَرِي فِيهِ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَسْكُنَ بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ أَوْ يَخْرُجَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْكُنَ عَلَى أَنْ يُحَطَّ عَنْهُ مَا يَنُوبُ مَا انْهَدَمَ مِنْ الْكِرَاءِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِذَلِكَ رَبُّ الدَّارِ فَيَجْرِي جَوَازُهُ عَلَى جَوَازِ جَمْعِ الرَّجُلَيْنِ سِلْعَتَيْهِمَا فِي الْبَيْعِ انْتَهَى.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرُّجُوعِ بِالْحِصَّةِ إذَا سَكَنَهُ مُكْرِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا سَكَنَ صَاحِبُ طَائِفَةٍ مِنْهَا فَقَالَ الْمُكْتَرِي: إنَّمَا أُعْطِيك حِصَّةً أَنَّ ذَلِكَ لَهُ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرُّجُوعِ بِالْحِصَّةِ إذَا لَمْ يَأْتِ بِسُلَّمٍ لِلْأَعْلَى سَكَنَهُ مُكْرِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا سَكَنَ صَاحِبُ الدَّارِ طَائِفَةً مِنْهَا فَقَالَ الْمُكْتَرِي إنَّمَا أُعْطِيكَ حِصَّةً أَنَّ ذَلِكَ لَهُ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرُّجُوعِ بِالْحِصَّةِ لِعَطَشِ بَعْضِ الْأَرْضِ أَوْ غَرَقٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا فَغَرِقَ بَعْضُهَا قَبْلَ الزِّرَاعَةِ أَوْ عَطِشَ، فَإِنْ كَانَ اكْتَرَاهَا رَدَّ جَمِيعَهَا، وَإِنْ كَانَ تَافِهًا حُطَّ عَنْهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الْكِرَاءِ.
(وَخُيِّرَ فِي مُضِرٍّ كَهَطْلٍ فَإِنْ بَقِيَ فَالْكِرَاءُ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ كَالْهَطْلِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ، فَإِنْ سَكَنَ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ.

(كَعَطَشِ أَرْضِ صُلْحٍ وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ إلَّا أَنْ يُصَالِحُوا عَلَى الْأَرْضِ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ بِكِرَاءٍ، مِثْلُ أَرْضِ مِصْرَ فَغَرِقَتْ أَوْ عَطِشَتْ قَبْلَ الْحَرْثِ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَتِمَّ زَرْعُهَا مِنْ الْعَطَشِ.
وَأَمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ الَّتِي صَالَحُوا عَلَيْهَا إذَا زَرَعُوا فَعَطِشَ زَرْعُهُمْ فَعَلَيْهِمْ خَرَاجُ أَرْضِهِمْ.
قَالَ غَيْرُهُ: هَذَا إنْ كَانَ الصُّلْحُ وَظِيفَةً عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا إنْ صَالَحُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خَرَاجًا مَعْرُوفًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ.
ابْنُ يُونُسَ: وَأَمَّا أَرْضُ مِصْرَ إذَا عَطِشَتْ وُضِعَ الْكِرَاءُ عَنْ الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّهَا أَرْضُ عَنْوَةٍ أَكْرَاهَا السُّلْطَانُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ فَإِنْ كَانَ إنَّمَا صَالَحَهُمْ عَلَى أَنَّ عَلَى أَرْضِهِمْ خَرَاجًا فَالْأَمْرُ كَمَا لَوْ قَالَ الْغَيْرُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُخَالِفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي هَذَا، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا صَالَحَهُمْ كَانَ عَلَى الْمُصَالَحِينَ خَرَاجًا لِمِلْكِهِمْ الْأَرْضَ كَمَا يُوصَفُ بِقَدْرِ أَكْسَابِهِمْ

وَأَمْلَاكِهِمْ صَحَّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
قَالَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ.

(عَكْسُ تَلَفِ الزَّرْعِ لِكَثْرَةِ دُودِهَا أَوْ فَأْرِهَا أَوْ عَطَشٍ) اللَّخْمِيِّ: هَلَاكُ الزَّرْعِ إنْ كَانَ لِقَحْطِ الْمَطَرِ أَوْ تَعَذُّرِ مَاءِ الْبِئْرِ أَوْ الْعَيْنِ أَوْ لِكَثْرَةِ نُبُوعِ مَاءِ الْأَرْضِ أَوْ الدُّودِ أَوْ فَأْرٍ سَقَطَ كِرَاءُ الْأَرْضِ، كَانَ هَلَاكُهُ فِي الْإِبَّانِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَإِنْ هَلَكَ لِطَيْرٍ أَوْ جَرَادٍ أَوْ جَلِيدٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ جَيْشٍ؛ أَوْ لِأَنَّ الزَّرِيعَةَ لَمْ تَنْبُتْ لَزِمَ الْكِرَاءُ هَلَكَ فِي الْإِبَّانِ أَوْ بَعْدَهُ.
الْمُتَيْطِيُّ: وَمِثْلُ قَحْطِ الْمَطَرِ تَوَالِي الْأَمْطَارِ، وَكَذَلِكَ إذَا مَنَعَهُ مِنْ الِازْدِرَاعِ فِتْنَةٌ.
اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ غَرِقَ " اُنْظُرْ إنْ أَذْهَبَ السَّيْلُ وَجْهَ الْأَرْضِ.
الرِّوَايَةُ: لُزُومُ الْكِرَاءِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: لَا كِرَاءَ وَعُدَّ قَوْلُهُ قَوْلًا.

(أَوْ بَقِيَ الْقَلِيلُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ جَاءَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا كَفَى بَعْضَهُ وَهَلَكَ بَعْضُهُ فَإِنْ حَصَلَ مَا لَهُ بَالٌ وَلَهُ فِيهِ نَفْعٌ فَعَلَيْهِ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ حَصَدَ مَا لَا بَالَ لَهُ وَلَا نَفْعَ لَهُ فِيهِ.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: مِثْلُ الْخَمْسَةِ فَدَادِينَ أَوْ السِّتَّةِ مِنْ الْمِائَةِ.

(وَلَمْ يُجْبَرْ آجِرٌ عَلَى إصْلَاحٍ مُطْلَقًا بِخِلَافِ سَاكِنٍ أَصْلَحَ لَهُ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى بَيْتًا فَهَطَلَ عَلَيْهِ لَمْ يُجْبَرْ رَبُّ الدَّارِ عَلَى الطُّرُوِّ وَلَا لِلْمُكْتَرِي أَنْ يَطُرَّ مِنْ كِرَائِهَا وَيَسْكُنَ، وَلَهُ الْخُرُوجُ فِي الضَّرَرِ الْبَيِّنِ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَطُرَّهَا رَبُّهَا فَلَا خُرُوجَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا فَانْهَدَمَتْ كُلُّهَا أَوْ بَيْتٌ مِنْهَا أَوْ حَائِطٌ لَمْ يُجْبَرْ رَبُّهَا عَلَى الْبُنْيَانِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، فَإِنْ انْهَدَمَ مِنْهَا مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُكْتَرِي قِيلَ لَهُ: إنْ شِئْت فَاسْكُنْ يُرِيدُ بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ إنْ لَمْ يَكُنْ نَقْدٌ، أَوْ فَأُخْرِجَ وَنَاقَضَهُ الْكِرَاءُ.
وَلَيْسَ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يُصْلِحَ مِنْ كِرَائِهِ وَيَسْكُنَ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ بِذَلِكَ رَبُّهَا، فَإِنْ بَنَاهَا رَبُّهَا فِي بَقِيَّةٍ مِنْ وَقْتِ الْكِرَاءِ لَزِمَ الْمُكْتَرِيَ أَنْ يَسْكُنَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْكِرَاءَ هَذَا إنْ بَنَاهَا رَبُّهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْمُكْتَرِي.

(وَإِنْ اكْتَرَيَا حَانُوتًا فَأَرَادَ كُلٌّ مُقَدَّمَهُ قُسِمَ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا أُكْرِيَ عَلَيْهِمَا) وَضَعَ اللَّخْمِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَابًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي قَصَّارٍ وَاحِدٍ إذَا اكْتَرَيَا حَانُوتًا ثُمَّ تَنَازَعَا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا أَكُونُ فِي الْمُقَدَّمِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ: فَإِنْ حَمَلَ الْقَسْمَ وَإِلَّا أُكْرِيَ عَلَيْهِمَا.
قَالَ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَفْضَلُ لَعَدَلَا فِي الْقِيمَةِ وَاقْتَرَعَا عَلَيْهَا.
اُنْظُرْ أَنْتَ مُخْتَارَهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي جَمْعِ السِّلْعَتَيْنِ فِي الْبَيْعِ مِنْ أَنَّ الشِّرَاءَ كَذَلِكَ.

(وَإِنْ غَارَتْ عَيْنُ مُكْتَرٍ سِنِينَ بَعْدَ زَرْعِهِ أُنْفِقَتْ حِصَّةُ سَنَةٍ فَقَطْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ

مَالِكٌ: مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ فَزَرَعَهَا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ ثُمَّ تَهَوَّرَ بِئْرُهَا أَوْ انْقَطَعَتْ عَيْنُهَا فَأَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ صَاحِبَهَا، فَلَا يَقْسِمُ الْكِرَاءَ عَلَى السِّنِينَ سَوَاءً، وَلَكِنْ يَقْسِمُ عَلَى قَدْرِ نَفَاقِهَا وَتَشَاحِّ النَّاسِ فِيهَا، وَلَيْسَ كِرَاءُ الْأَرْضِ فِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ وَاحِدًا، وَمَا لَا يَنْقُدُ فِيهِ كَاَلَّذِي يَسْتَأْخِرُ نَقْدُهُ، وَكَذَلِكَ يَحْسِبُ كِرَاءَ الدُّورِ فِي الْهَدْمِ وَلَا يَحْسِبُ عَلَى عَدَدِ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، وَقَدْ تُكْتَرَى سَنَةً لَا شَهْرَ فِيهَا كَدُورٍ بِمِصْرَ وَبِمَكَّةَ تَكْثُرُ عِمَارَتُهَا فِي الْمَوْسِمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ فَزَرَعَهَا ثُمَّ غَارَتْ عَيْنُهَا أَوْ انْهَدَمَ بِئْرُهَا وَأَبَى رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا أَنَّ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا حِصَّةَ تِلْكَ السَّنَةِ خَاصَّةً مِنْ الْكِرَاءِ وَيَلْزَمُ ذَلِكَ رَبَّهَا، وَإِنْ زَادَ عَلَى كِرَاءِ سَنَةٍ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ.
ابْنُ يُونُسَ: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ مَتَى تَرَكَ ذَلِكَ فَسَدَ زَرْعُهُ وَلَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ كَلَامٌ، إذْ لَوْ بَطَلَ زَرْعُ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ كِرَاءٌ فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ أَمْرٍ يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ هُوَ فِيهِ.

(وَإِنْ تَزَوَّجَ ذَاتَ بَيْتٍ وَإِنْ بِكِرَاءٍ فَلَا كِرَاءَ، إلَّا أَنْ تُبَيِّنَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً وَهِيَ فِي بَيْتٍ اكْتَرَتْهُ سَنَةً فَدَخَلَ بِهَا فِيهِ وَسَكَنَ بَاقِيَ السَّنَةِ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ لَهَا وَلَا لِرَبِّ الْبَيْتِ، وَهِيَ كَدَارٍ تَمْلِكُهَا هِيَ إلَّا أَنْ تُبَيِّنَ لَهُ أَنِّي بِالْكِرَاءِ فَإِمَّا أَدَّيْت أَوْ خَرَجْت.
قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: يَنْبَغِي لَوْ كَانَتْ الدَّارُ لَهَا فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ فَقَامَتْ عَلَيْهِ بِكِرَاءِ الْعِدَّةِ أَنَّ ذَلِكَ لَهَا.
اللَّخْمِيِّ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ بَنَى بِزَوْجَتِهِ فِي دَارِهَا ثُمَّ طَلَبَتْهُ بِالْكِرَاءِ عَلَى سُكْنَاهَا لَا شَيْءَ لَهَا، يُرِيدُ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُكَارَمَةِ، وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَتْ فِيهِ بِكِرَاءٍ ثُمَّ قَالَ: وَكُلُّ هَذَا مِمَّا كَانَتْ الْعِصْمَةُ بَاقِيَةً، فَإِنْ طَلَّقَهَا زَالَ مَوْضِعُ الْمُكَارَمَةِ وَكَانَ لَهَا طَلَبُهُ بِكِرَاءِ الْعِدَّةِ ثُمَّ قَالَ: وَسُكْنَاهُ بِهَا فِي مَسْكَنِ أَبِيهَا أَوْ أُمِّهَا كَسُكْنَاهُ بِمَسْكَنِهَا.
وَأَمَّا الْأَخُ وَالْعَمُّ اُنْظُرْهُ فِي التَّبْصِرَةِ، وَانْظُرْ الِاضْطِرَابَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَنَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا كَانَتْ مَحْجُورَةً.

(وَالْقَوْلُ لِلْأَجِيرِ أَنَّهُ وَصَّلَ كِتَابًا)

مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ آجَرْت رَجُلًا عَلَى تَبْلِيغِ كِتَابٍ مِنْ مِصْرَ إلَى إفْرِيقِيَةَ بِكَذَا فَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْصَلْته وَأَكْذَبْته أَنْتَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي أَمَدٍ يَبْلُغُ فِي مِثْلِهِ؛ لِأَنَّكَ ائْتَمَنْته عَلَيْهِ وَعَلَيْكَ دَفْعُ كِرَائِهِ إلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ الْحُمُولَةُ كُلُّهَا يَكْتَرِيهِ عَلَى تَوْصِيلِهِ إلَى بَلَدِ كَذَا فَيَدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوْصَلَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَمَدٍ يَبْلُغُ فِي مِثْلِهِ.

(وَأَنَّهُ اُسْتُصْنِعَ وَقَالَ رَبُّهُ وَدِيعَةٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ ادَّعَى عَلَى صَبَّاغٍ أَوْ صَانِعٍ مَا قَدْ عَمِلَهُ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ وَقَالَ الصَّانِعُ: بَلْ اسْتَعْمَلْتَنِي فِيهِ، فَالصَّانِعُ مُصَدَّقٌ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ فِي هَذَا وَلَوْ جَازَ هَذَا لَذَهَبَتْ أَعْمَالُهُمْ.

(أَوْ خُولِفَ فِي الصِّفَةِ وَفِي الْأُجْرَةِ إنْ أَشْبَهَ وَجَازَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَ: أَلَسْت أَمَرْتنِي أَنْ أَلُتَّهُ بِعَشْرَةٍ فَفَعَلَتْ وَقَالَ رَبُّهُ: بَلْ أَمَرْتُكَ بِخَمْسَةٍ، فَاللَّاتُّ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ إنْ أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ سَمْنٌ بِعَشَرَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ عَلَيْهِ الضَّمَانَ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي الصَّبَّاغِ إذَا صَبَغَ الثَّوْبَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عُصْفُرًا وَقَالَ لِرَبِّهِ بِذَلِكَ أَمَرَتْنِي وَقَالَ رَبُّهُ: مَا أَمَرْتُك تَجْعَلُ فِيهِ إلَّا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ عُصْفُرًا أَنَّ الصَّبَّاغَ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ إنْ أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ بِعَشَرَةٍ، وَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ

صُدِّقَ رَبُّ الثَّوْبِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ أَتَيَا بِمَا لَا يُشْبِهُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَاللَّاتُّ مِثْلُهُ سَوَاءٌ.
وَلَوْ قَالَ رَبُّ الثَّوْبِ كَانَ لِي فِيهِ صَبْغٌ مُتَقَدِّمٌ أَوْ فِي السَّوِيقِ لُتَاتٌ مُتَقَدِّمٌ لَمْ يُصَدَّقْ.
وَهَذَا فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إذَا أَسْلَمَ إلَيْهِ السَّوِيقَ وَالثَّوْبَ، فَإِمَّا إنْ لَمْ يُسْلِمْ إلَيْهِ وَلَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ فَرَبُّ السَّوِيقِ مُصَدَّقٌ إذَا لَمْ يَأْتَمِنْهُ.

(لَا كَبِنَاءٍ وَلَا فِي رَدِّهِ فَلِرَبِّهِ وَإِنْ بِلَا بَيِّنَةٍ) أَمَّا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْبِنَاءِ فَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَاخْتَلَفَ الصَّانِعُ وَرَبُّ الثَّوْبِ فِي قَدْرِ الْأَجْرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّانِعِ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ يَقُولُ: بَنَيْت هَذَا الْبِنَاءَ بِدِينَارٍ وَيَقُولُ رَبُّهُ بِأَقَلَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّهِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ لِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مَا لَا يُشْبِهُ.
اُنْظُرْ بَحْثَ ابْنِ عَرَفَةَ فِي هَذَا.
وَأَمَّا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْمَتَاعِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَإِذَا أَقَرَّ الصَّانِعُ بِقَبْضِ مَتَاعٍ وَقَالَ عَمِلْته وَرَدَدْته ضَمِنَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً يَرُدُّهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنَّ الصُّنَّاعَ مُصَدَّقُونَ فِي رَدِّ الْمَتَاعِ إلَى أَهْلِهِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ إلَّا أَنْ يَأْخُذُوهُ بِبَيِّنَةٍ فَلَا يَبْرَءُوا إلَّا بِبَيِّنَةٍ.

(وَإِنْ ادَّعَاهُ وَقَالَ سُرِقَ مِنِّي وَأَرَادَ أَخْذَهُ دَفَعَ قِيمَةَ الصَّبْغِ بِيَمِينٍ إنْ زَادَتْ دَعْوَى الصَّانِعِ عَلَيْهَا وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَهُ فَإِنْ دَفَعَ الصَّانِعُ قِيمَتَهُ أَبْيَضَ فَلَا يَمِينَ وَإِلَّا حَلَفَا وَاشْتَرَكَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا قَالَ الصَّانِعُ: اسْتَعْمَلْتَنِي هَذَا الْمَتَاعَ وَقَالَ رَبُّهُ: بَلْ سَرَقْتَهُ مِنِّي تَحَالَفَا وَقِيلَ لِرَبِّهِ: ادْفَعْ إلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ وَخُذْهُ، فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ هَذَا

بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَهَذَا بِقِيمَةِ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى صَاحِبِهِ.
قَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ: إذَا قَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: سُرِقَ مِنِّي وَقَالَ الصَّانِعُ: وَقَدْ صَبَغَهُ بَلْ اسْتَعْمَلْتنِي، لَا يَتَحَالَفَانِ حَتَّى يُقَالَ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ مَا تُرِيدُ، فَإِنْ قَالَ أُرِيدُ أَخْذَ ثَوْبِي نُظِرَ إلَى قِيمَةِ الصَّبْغِ، فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ دَعْوَى الصَّانِعِ فَأَكْثَرَ فَلَا أَيْمَانَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ لِرَبِّ الثَّوْبِ هَبْكَ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قُلْت إنَّهُ سُرِقَ لَكَ وَإِنْ أَرَدْت أَخْذَهُ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ إلَّا بِدَفْعِ الْإِجَارَةِ الَّتِي قَالَ الصَّانِعُ إذَا كَانَتْ مِثْلَ قِيمَةِ الْإِجَارَةِ أَوْ أَقَلَّ وَلَا يَمِينَ هَاهُنَا.
وَإِنْ كَانَ مَا ادَّعَاهُ الصَّانِعُ أَكْثَرَ، حَلَفَ الْمُسْتَحِقُّ وَحْدَهُ لِيَحُطَّ عَنْ نَفْسِهِ الزَّائِدَ عَلَى قِيمَةِ الْإِجَارَةِ مِنْ التَّسْمِيَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا الصَّانِعُ.
وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الثَّوْبِ أَوَّلًا أُرِيدُ تَضْمِينَ الصَّانِعِ قِيلَ لَهُ: احْلِفْ أَنَّكَ مَا اسْتَعْمَلْته، فَإِنْ حَلَفَ قِيلَ لِلْآخَرِ: احْلِفْ لَقَدْ اسْتَعْمَلْتُكَ لِتَبْرَأَ مِنْ الضَّمَانِ، ثُمَّ قِيلَ لِرَبِّ الثَّوْبِ: ادْفَعْ إلَيْهِ قِيمَةَ الصَّبْغِ؛ لِأَنَّهُ بَرِئَ مِنْ الْمُسَمَّى بِيَمِينِهِ أَوَّلًا، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْآخَرِ: ادْفَعْ إلَيْهِ قِيمَةَ ثَوْبِهِ، فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ الْجَوَابُ فِي قَوْلِهِ: " سُرِقَ مِنِّي ". وَأَمَّا قَوْلُهُ: " سَرَقْت أَنْتَ " فَهُوَ مُدَّعٍ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَضْمَنُ الثَّوْبَ بِتَعَدِّيهِ فَالْيَمِينُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا بَيْنَ فَيُوجِبُ أَحَدُهُمَا الضَّمَانَ وَيَبْرَأُ مِنْهُ الْآخَرُ.

(لَا إنْ تَخَالَفَا فِي لَتِّ السَّوِيقِ وَأَبَى مَنْ دَفَعَ مَا قَالَهُ اللَّاتُّ فَمِثْلُ سَوِيقِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ لَتَّ سَوِيقًا بِسَمْنٍ وَقَالَ لِرَبِّهِ: أَمَرْتنِي أَنْ أَلُتَّهُ لَكَ بِعَشْرَةٍ وَقَالَ رَبُّهُ: لَمْ آمُرْكَ أَنْ تَلُتَّهُ بِشَيْءٍ، قِيلَ لِصَاحِبِ السَّوِيقِ: إنْ شِئْت فَاغْرَمْ لَهُ مَا قَالَ وَخُذْ السَّوِيقَ مَلْتُوتًا، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلَّاتِّ: اغْرَمْ لَهُ مِثْلَ سَوِيقِهِ غَيْرَ مَلْتُوتٍ وَإِلَّا فَأَسْلِمْهُ إلَيْهِ بِلُتَاتِهِ وَلَا شَيْءَ لَكَ وَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الطَّعَامِ لِوُجُودِ مِثْلِهِ.

(وَلَهُ وَلِلْجَمَّالِ بِيَمِينٍ فِي عَدَمِ قَبْضِ الْأُجْرَةِ وَإِنْ بَلَغَ الْغَايَةَ إلَّا لِطُولٍ فَلِمُكْرِيهِ بِيَمِينٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا قَالَ الْمُكْتَرِي دَفَعْت الْكِرَاءَ وَأَكْذَبَهُ الْجَمَّالُ وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَمَّالِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ كَانَتْ الْحُمُولَةُ بِيَدِهِ أَوْ بَعْدَهُ إنْ أَسْلَمَهَا بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَمَا قَرُبَ وَعَلَى الْمُكْتَرِي الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَالْمُكْتَرِي مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ قِيَامُ الصُّنَّاعِ بِالْأَجْرِ بِحَدَثَانِ رَدِّ الْمَتَاعِ وَإِنْ قَبَضَ

الْمَتَاعَ رَبُّهُ وَتَطَاوَلَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَتَاعِ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ.

(وَإِنْ قَالَ بِمِائَةٍ لِبُرْقَةِ وَقَالَ بَلْ لِإِفْرِيقِيَةَ حَلَفَا وَفُسِخَ إنْ عُدِمَ السَّيْرُ أَوْ قَلَّ وَإِنْ نَقَدَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَكَارِيَانِ قَبْلَ الرُّكُوبِ أَوْ بَعْدَ سَيْرٍ لَا ضَرَرَ فِي رُجُوعِهِ فَقَالَ الْمُكْرِي: اكْتَرَيْت إلَى بُرْقَةَ بِمِائَةٍ، وَقَالَ الْمُكْتَرِي بَلْ لِإِفْرِيقِيَةَ بِمِائَةٍ، تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا، نَقَدَ الْكِرَاءَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ أَنْ بَلَغَا بَرْقَةَ فَقَالَ الْمُكْتَرِي: إنَّمَا أَكْرَيْتُكَ إلَى بُرْقَةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْمُكْتَرِي إلَى إفْرِيقِيَّةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ انْتَقَدَ الْكَرِيُّ فَهُوَ مُصَدَّقٌ إنْ أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ كِرَاءُ النَّاسِ إلَى بُرْقَةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَيَحْلِفُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ إلَّا قَوْلَ الْمُكْتَرِي كَانَ لِلْجَمَّالِ حِصَّةُ مَسَافَةِ بُرْقَةَ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي بَعْدَ أَنْ يَتَحَالَفَا، وَلَا يَلْزَمُهُ التَّمَادِي وَلَوْ لَمْ يَنْتَقِدْ وَأَشْبَهَ مَا قَالَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ تَحَالَفَا وَفُضَّ الْكِرَاءُ بِأَخْذِ الْجَمَّالِ حِصَّةَ مَسَافَةِ بُرْقَةَ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَادَوْا، وَأَيُّهُمَا نَكَلَ قُضِيَ لِمَنْ حَلَفَ.
وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً قَبْلَ الرُّكُوبِ أَوْ بَعْدَ أَنْ بَلَغَا بُرْقَةَ قُضِيَ بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ، فَإِنْ رَكِبَ تَكَافَآ وَإِنْ لَمْ يَرْكَبْ فُسِخَ الْكِرَاءُ كُلُّهُ.
ابْنُ يُونُسَ: تَلْخِيصُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيَانُهَا عَلَى أُصُولِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ تَنْظُرَ؛ فَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْكَرِيِّ خَاصَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، انْتَقَدَ أَوْ لَمْ يَنْتَقِدْ.
وَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْتَرِي خَاصَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، نَقَدَ الْكِرَاءَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْ.
وَإِنْ أَشْبَهَا مَا قَالَا جَمِيعًا نَظَرْت؛ فَإِنْ انْتَقَدَ الْكِرَاءَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْكَرِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكْتَرِي فَيَحْلِفُ وَيَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ، وَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكْتَرِي حَلَفَ وَلَزِمَ الْجَمَّالَ مَا قَالَ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَى فَيَكُونَ لَهُ حِصَّةَ مَسَافَةِ بُرْقَةَ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي وَيُفْسَخُ عَنْهُ الْبَاقِي، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا وَكَانَ لَهُ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِيمَا مَشَى دَائِمًا وَأَيُّهُمَا نَكَلَ قَضَى لِمَنْ حَلَفَ (وَإِلَّا كَفَوْتِ الْمَبِيعِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ طُولِ السَّفَرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْرِي فِي الْمَسَافَةِ وَقَوْلُ الْمُكْرِي فِي الثَّمَنِ إنْ لَمْ يَنْقُدْ وَكَأَنَّهُمَا فِي الْقُرْبِ سِلْعَتُهُمَا بِأَيْدِيهِمَا لَمْ تَفُتْ، وَإِذَا فَاتَ ذَلِكَ لِبُعْدِ السَّفَرِ فَهُوَ كَقَبْضِ الْمُشْتَرِي وَفَوْتِ مَا بِيَدِهِ وَفَاتَ رَدُّ الْبَيْعِ وَصَارَ يُطْلَبُ بِالثَّمَنِ فَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ (وَلِلْمُكْرِي فِي الْمَسَافَةِ فَقَطْ إنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُ فَقَطْ) . ابْنُ يُونُسَ: إنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي خَاصَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا (أَوْ أَشْبَهَا وَانْتُقِدَ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ إنْ أَشْبَهَ مَا قَالَا جَمِيعًا نَظَرْت فَإِذَا اُنْتُقِدَ الْكِرَاءُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْرِي (وَإِنْ لَمْ يُنْتَقَدْ حَلَفَ الْمُكْتَرِي وَلَزِمَ الْجَمَّالَ مَا قَالَ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَلَهُ حِصَّةُ الْمَسَافَةِ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي وَفُسِخَ الْبَاقِي وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَ وَفُسِخَ بِكِرَاءِ الْمِثْلِ فِيمَا مَشَى) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ إنْ أَشْبَهَ مَا قَالَا جَمِيعًا نَظَرْت.
فَإِنْ لَمْ يَنْتَقِدْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي وَحَلَفَ وَلَزِمَ الْجَمَّالَ مَا قَالَ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَتَكُونُ لَهُ حِصَّةُ مَسَافَةِ بُرْقَةَ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي وَيُفْسَخُ عَنْهُ الْبَاقِي، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ قَوْلُ

وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا وَكَانَ لَهُ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِيمَا مَشَى.

(وَإِنْ قَالَ أَكْرَيْتُكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِائَةٍ وَبَلَغَاهَا وَقَالَ بَلْ لِمَكَّةَ بِأَقَلَّ فَإِنْ نَقَدَهُ فَالْقَوْلُ لِجَمَّالٍ فِيمَا يُشْبِهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ قَالَ لِلْمُكْتَرِي أَكْرَيْتُكَ إلَى الْمَدِينَةِ بِمِائَتَيْنِ وَقَدْ بَلَغَاهَا وَقَالَ الْمُكْتَرِي بَلْ إلَى مَكَّةَ بِمِائَةٍ، فَإِنْ نَقَدَهُ الْمِائَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَمَّالِ فِيمَا يُشْبِهُ.
ابْنُ يُونُسَ: مَعْنَاهُ إذَا أَشْبَهَ مَا قَالَا جَمِيعًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَحْلِفُ لَهُ الْمُكْتَرِي فِي الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ وَيَحْلِفُ الْجَمَّالُ أَنَّهُ لَمْ يُكْرِ إلَى مَكَّةَ بِمِائَةٍ وَيَتَفَاسَخَانِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْهُ صُدِّقَ الْجَمَّالُ فِي الْمَسَافَةِ وَصُدِّقَ الْمُكْتَرِي فِي حِصَّتِهَا مِنْ الْكِرَاءِ الَّذِي يُذْكَرُ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا وَيُفَضُّ الْكِرَاءُ عَلَى مَا يَدَّعِي الْمُكْتَرِي، فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا، وَإِنْ تَكَافَأَتَا سَقَطَا (وَحَلَفَا وَفُسِخَ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: يَحْلِفُ لَهُ الْمُكْتَرِي وَيَحْلِفُ الْجَمَّالُ وَيُتَفَاسَخَانِ (وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْهُ فَلِلْجَمَّالِ فِي الْمَسَافَةِ وَلِلْمُكْتَرِي فِي حِصَّتِهَا مِمَّا ذُكِرَ بَعْدَ يَمِينِهِمَا) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ لَمْ يَنْقُدْهُ صُدِّقَ الْجَمَّالُ فِي الْمَسَافَةِ وَصُدِّقَ الْمُكْتَرِي فِي حِصَّتِهَا مِنْ الْكِرَاءِ الَّذِي يُذْكَرُ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا (وَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي فَقَطْ فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ) . ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ: أَمَّا إنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي خَاصَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَيَحْلِفُ عَلَى دَعْوَى الْمُكْرِي وَيَأْخُذُ الْمِائَتَيْنِ (وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا وَإِلَّا سَقَطَتَا) تَقَدَّمَ قَوْلُ

ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ أَقَامَا بَيِّنَةً قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا وَإِنْ تَكَافَأَتَا سَقَطَتَا.

(وَإِنْ قَالَ أَكْرَيْتُ عَشْرًا بِخَمْسِينَ وَقَالَ قَائِلٌ خَمْسًا بِمِائَةٍ حَلَفَا وَفُسِخَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا قَالَ الْمُكْتَرِي اكْتَرَيْت الْأَرْضَ عَشْر سِنِينَ بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَقَالَ رَبُّهَا: بَلْ خَمْسَ سِنِينَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْكِرَاءِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا (وَإِنْ زَرَعَ بَعْضًا وَلَمْ يَنْقُدْ فَلِرَبِّهَا مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُكْتَرِي إنْ أَشْبَهَ وَحَلَفَ) . ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَ قَدْ زَرَعَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ وَلَمْ يَنْقُدْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَلِرَبِّهَا مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُكْتَرِي.
ابْنُ يُونُسَ: وَهُوَ خَمْسَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ إنْ أَشْبَهَ أَنْ يَتَغَابَنَ النَّاسُ بِمِثْلِهِ وَيَحْلِفُ (وَإِلَّا فَقَوْلُ رَبِّهَا إنْ أَشْبَهَ) . ابْنُ يُونُسَ: إنْ لَمْ يُشْبِهْ قَوْلُ الزَّارِعِ قُبِلَ قَوْلُ رَبِّهَا مَعَ يَمِينِهِ إنْ أَشْبَهَ وَهُوَ عِشْرُونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ إذَا

تَسَاوَتْ الشُّهُورُ (وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا وَوَجَبَ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِيمَا مَضَى وَفُسِخَ الْبَاقِي مُطْلَقًا وَإِنْ نَقَدَ فَتَرَدُّدٌ) . ابْنُ يُونُسَ: فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ قَوْلُ وَاحِدٍ فَلَهُ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِيمَا مَضَى وَفُسِخَ بَاقِي الْمُدَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنَّمَا فُسِخَتْ بَقِيَّةُ الْخَمْسِ سِنِينَ وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا رَبُّ الْأَرْضِ لِدَعْوَاهُ فِي كِرَائِهَا أَكْثَرَ مِنْ دَعْوَى الْمُكْتَرِي، وَهَذَا إذَا لَمْ يَنْقُدْ.
وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ رَبَّ الْأَرْضِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ مُصَدَّقٌ فِي الْغَايَةِ فِيمَا يُشْبِهُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَقِدْ قَالَ غَيْرُهُ: وَإِنْ انْتَقَدَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّهَا مَعَ يَمِينِهِ.
ابْنُ يُونُسَ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَ الْغَيْرُ مُوَافِقٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ.
اُنْظُرْهُ فِيهِ.
ابْنُ شَاسٍ.

[كِتَابُ الْجِعَالَةِ]

[فِي أَحْكَامِ الْجِعَالَةِ وَأَرْكَانِهَا]

(كِتَابُ الْجِعَالَةِ) وَالنَّظَرِ فِي أَحْكَامِهَا وَأَرْكَانِهَا.
أَمَّا الْأَرْكَانُ فَالْمُتَعَاقِدَانِ وَالْعَمَلُ وَالْجُعْلُ.
وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَأَرْبَعَةٌ.

(صِحَّةُ الْجُعْلِ بِالْتِزَامِ أَهْلِ الْإِجَارَةِ) . ابْنُ شَاسٍ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي مُتَعَاقِدَيْ الْجُعْلِ إلَّا أَهْلِيَّةُ الِاسْتِئْجَارِ وَالْعَمَلِ.

(جُعْلًا عُلِمَ) . ابْنُ شَاسٍ: شَرْطُ الْجُعْلِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مُقَدَّرًا كَالْإِجَارَةِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لِإِجَارَةٍ أَوْ جُعْلٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ لُبَابَةَ هَذَا فَقَالَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ الِاسْتِئْجَارُ بِهِ وَأَنْ يُجْعَلَ جُعْلًا.
وَمَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِئْجَارُ بِهِ وَلَا جَعْلُهُ جُعْلًا إلَّا خَصْلَتَانِ فِي الَّذِي يَجْعَلُ لِرَجُلٍ عَلَى أَنْ يَغْرِسَ لَهُ أُصُولًا حَتَّى تَبْلُغَ حَدَّ كَذَا ثُمَّ هِيَ وَالْأَصْلُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ نِصْفَ هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَفِي الَّذِي يَقُولُ: اُلْقُطْ زَيْتُونِي فَمَا لَقَطْت مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ فَإِنَّ هَذَا يَجُوزُ.
ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ وَبَيْعُهُ لَا يَجُوزُ.
قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ مِائَةُ دِينَارٍ فَيَقُولُ: مَا اقْتَضَيْت مِنْ شَيْءٍ مِنْ دَيْنِي فَلَكَ نِصْفُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُمَا سَوَاءٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: مَا هُمَا سَوَاءٌ وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُجَاعَلَةُ عَلَى لَقْطِ الزَّيْتُونِ بِالْجُزْءِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُ أَهْوَنُ مِنْ آخِرِهِ وَالْمُجَاعَلَةُ عَلَى اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ بِالْجُزْءِ مِمَّا يَقْتَضِي، فَأَشْهَبُ

لَا يُجِيزُهُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ جَائِزٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ فِي الْعَنَاءِ فِي اقْتِضَائِهِ.
وَأَمَّا الْحَصَادُ وَالْجِدَادُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي جَوَازِ الْمُجَاعَلَةِ فِيهِ عَلَى الْجُزْءِ مِنْهُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: جُدَّ مِنْ نَخْلِي مَا شِئْت أَوْ اُحْصُدْ مِنْ زَرْعِي مَا شِئْت عَلَى أَنَّ لَكَ مِنْ كُلِّ مَا تَحْصُدُ أَوْ تَجُدُّ جُزْءَ كَذَا لِجُزْءٍ يُسَمِّيهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا.

(يَسْتَحِقُّهُ السَّامِعُ) سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ جَعَلَ فِي عَبْدٍ لَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ لِمَنْ جَاءَ بِهِ فَجَاءَ بِهِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ بِالْجُعْلِ، فَإِنْ كَانَ يَأْتِي بِالْآبِقِ فَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا نَفَقَتُهُ.
وَإِنْ جَاءَ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ فَلَهُ الْعَشَرَةُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَأْخُذُ الْآبِقَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: إنَّ لَهُ الْجُعْلَ الْمُسَمَّى وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَحَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْجَاعِلَ إنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ تَحْرِيضَ مَنْ سَمِعَ قَوْلَهُ عَلَى طَلَبِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجِبَ مَا سَمَّى مِنْ الْجُعْلِ إلَّا لِمَنْ سَمِعَهُ فَطَلَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: جَعَلَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ هُوَ الْمَذْهَبَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَا تَعَيَّنَ " أَنَّهُ لَا جُعْلَ فِي أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ فَمَنْ وَجَدَ ضَالَّةً لَا جُعْلَ لَهُ.

(بِالتَّمَامِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ بِعْ ثَمَرَ حَائِطِي وَلَكَ كَذَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ قُوِّمَ فَسَاوَمُوهُ حَتَّى بَاعَ مِنْهُمْ فَطَلَبَ الرَّجُلُ حَقَّهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، إنَّمَا جُعِلَ لَهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ وَيُمَاكِسَ فَهَذَا بَايَعَهُمْ وَمَاكِسُهُمْ لَيْسَ هُوَ.

(كَكِرَاءِ السُّفُنِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: فِي حُكْمِ كِرَاءِ السُّفُنِ اضْطِرَابٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ أَنَّهُ عَلَى الْبَلَاغِ كَالْجُعْلِ الَّذِي لَا يَتِمُّ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ كَانَ عَلَى قَطْعِ الْمُوَسَّطَةِ أَوْ الرِّيفِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اكْتَرَى سَفِينَةً فَغَرِقَتْ فِي ثُلُثَيْ الطَّرِيقِ وَغَرِقَ مَا فِيهَا مِنْ

طَعَامٍ وَغَيْرِهِ فَلَا كِرَاءَ لِرَبِّهَا، وَأَرَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْبَلَاغِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عِمْرَانَ: كَانَ كِرَاؤُهُمْ عَلَى قَطْعِ الْبَحْرِ مِثْلَ السَّفَرِ مِنْ صِقِلِّيَةَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ إلَى الْأَنْدَلُسِ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ مِنْ الْكِرَاءِ، وَإِنْ كَانَ كِرَاؤُهُمْ مِنْ الرِّيفِ مِثْلَ الْكِرَاءِ مِنْ مِصْرَ إلَى إفْرِيقِيَةَ وَشِبْهِهِ فَلَهُمْ بِحِسَابِ مَا سَارُوا، وَبِهَذَا كَانَ أَصْبَغُ يَقُولُ.
وَتَرْجَمَ اللَّخْمِيِّ عَلَى كِرَاءِ السُّفُنِ فَقَالَ: إنَّهُ جُعْلٌ وَإِجَارَةٌ.
اُنْظُرْهُ فِيهِ وَيَسْقُطُ بِتَرْكِهِ.

(إلَّا أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَلَى التَّمَامِ فَبِنَسَبِهِ الثَّانِي) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالْجُعْلُ يَدَّعِيهِ الْعَامِلُ مَتَى شَاءَ وَلَا شَيْءَ لَهُ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَنْتَفِعَ الْجَاعِلُ بِمَا عَمِلَ لَهُ الْمَجْعُولُ لَهُ مِثْلُ أَنْ يَجْعَلَ جُعْلًا عَلَى حَمْلِ خَشَبَةٍ إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَيَتْرُكُهَا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَيَسْتَأْجِرُ رَبُّهَا مَنْ يَأْتِيهِ بِهَا، أَوْ يَعْجِزُ عَنْ حَفْرِ الْبِئْرِ بَعْدَ أَنْ ابْتَدَأَ فِيهَا ثُمَّ جَعَلَ صَاحِبُهُ الْآخَرَ فَأَتَمَّهَا، فَهَذَا يَكُونُ لِلثَّانِي جَمِيعُ إجَارَتِهِ الَّتِي عَاقَدَهُ عَلَيْهَا وَيَكُونُ لِلْأَوَّلِ بِقَدْرِ مَا انْتَفَعَ بِهِ الْجَاعِلُ مِمَّا حُطَّ عَلَيْهِ مِنْ جُعْلِ الثَّانِي أَوْ إجَارَتِهِ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ لَوْ كَانَ جُعْلُ الْأَوَّلِ خَمْسَةً وَجُعْلُ الثَّانِي عَشَرَةً بَعْدَ أَنْ أَبْلَغَهَا الْأَوَّلُ نِصْفَ الطَّرِيقِ أَوْ نِصْفَ الْحَفْرِ فِي الْبِئْرِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَأْخُذُ عَشَرَةً؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَنُوبُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ إجَارَةِ الثَّانِي لَمَّا اُسْتُؤْجِرَ نِصْفَ الطَّرِيقِ بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنَّ قِيمَةَ إجَارَتِهِ يَوْمَ اُسْتُؤْجِرَ عِشْرُونَ، فَيَسْقُطُ عَنْ الْجَاعِلِ عَشَرَةٌ هِيَ الَّتِي يَغْرَمُهَا لِلْأَوَّلِ.
ابْنُ يُونُسَ: اُنْظُرْ فِي الْأَوَّلِ قَدْ رَضِيَ أَنْ يَحْمِلَهَا جَمِيعَ الطَّرِيقِ بِخَمْسَةٍ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُعْطِيَ لَهُ نِصْفَهَا؛ لِأَنَّهُ حَمَلَهَا نِصْفَ الطَّرِيقِ، وَلِأَنَّ الْمُغَابَنَةَ جَائِزَةٌ فِي الْجُعْلِ وَغَيْرِهِ.

(وَإِنْ اُسْتُحِقَّ وَلَوْ بِحُرِّيَّةِ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: وَمَنْ جَعَلَ لِرَجُلٍ فِي عَبْدٍ آبِقٍ لَهُ جُعْلًا فَقُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ بِهِ إلَى رَبِّهِ فَصَارَ لَا يَسْوَى الْجُعْلَ أَوْ نَزَلَ بِهِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَجِدَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَلَهُ جُعْلُهُ كَامِلًا وَلَا يُنْظَرُ أَزَادَ الْعَبْدُ أَوْ نَقَصَ، وَقَالَهُ مَالِكٌ.
قَالَ:

وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِهِ إلَى رَبِّهِ حَتَّى اسْتَحَقَّهُ مُسْتَحِقٌّ فَالْجُعْلُ عَلَى الْجَاعِلِ لَيْسَ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ اُسْتُحِقَّ بِالْحُرِّيَّةِ فَالْجَعْلُ عَلَى الْجَاعِلِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ.
قَالَ أَصْبَغُ: وَلَا عَلَى أَحَدٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَرْجِعَ الْجَاعِلُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ بِالْأَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ مِنْ جُعْلِ مِثْلِهِ.

(بِخِلَافِ مَوْتِهِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: مَوْتُ الْآبِقِ قَبْلَ إيصَالِهِ يُسْقِطُ جُعْلَهُ لِعَدَمِ تَمَامِ عَمَلِهِ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَنْ جَعَلَ عَلَى آبِقٍ جُعْلًا ثُمَّ أَعْتَقَ فَلَا شَيْءَ لِمَنْ وَجَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِعِتْقِهِ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ أَنْ وَجَدَهُ فَلَهُ جُعْلُهُ، فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فَذَلِكَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَبْضِ وَجَبَ لَهُ الْجُعْلُ.

(بِلَا تَقْدِيرِ زَمَنٍ إلَّا بِشَرْطِ تَرْكٍ مَتَى شَاءَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْإِجَارَةُ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ وَلَا تَجُوزُ إلَّا بِأَجَلٍ وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا التَّرْكُ حَتَّى يَتِمَّ الْأَجَلُ بِخِلَافِ ذَلِكَ الْعَامِلِ مَتَى شَاءَ وَلَا يَكُونُ مُؤَجَّلًا.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ قَالَ: بِعْ هَذَا الثَّوْبَ وَلَكَ دِرْهَمٌ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَقَّتَ لَهُ فِي الثَّوْبِ ثَمَنًا أَمْ لَا، وَهُوَ جُعْلٌ.
فَإِنْ قَالَ: الْيَوْمَ لَمْ يَصْلُحْ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَتْرُكَ مَتَى شَاءَ.

(وَلَا نَقْدٍ) ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَصْلُحُ الْأَجَلُ فِي

الْجُعْلِ وَلَا النَّقْدُ فِيهِ (مُشْتَرَطٍ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَنَقْدُهُ كَالْخِيَارِ.

(فِي كُلِّ مَا جَازَ فِيهِ الْإِجَارَةُ بِلَا عَكْسٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: كُلُّ مَا جَازَ فِيهِ الْجُعْلُ جَازَتْ فِيهِ الْإِجَارَةُ، وَلَيْسَ كُلَّمَا جَازَتْ فِيهِ الْإِجَارَةُ يَجُوزُ فِيهِ الْجُعْلُ.
اُنْظُرْ بَسْطَ هَذِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " جُعْلًا عُلِمَ ".

(وَلَوْ فِي الْكَثِيرِ إلَّا كَبَيْعِ سِلَعٍ) سَيَأْتِي مَعْنَى الْكَافِ عِنْدَ النَّصِّ بَعْدَ هَذَا.
ابْنُ الْمَوَّازِ: يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ الْجُعْلُ عَلَى الشِّرَاءِ فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ الْجُعْلُ فِي شِرَاءِ كَثِيرِ الثِّيَابِ بِخِلَافِ بَيْعِهَا (لَا يَأْخُذُ شَيْئًا إلَّا بِالْجَمْعِ) . ابْنُ يُونُسَ: حُكِيَ لَنَا عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ فِي مَنْعِ الْجُعْلِ عَلَى بَيْعِ كَثِيرِ السِّلَعِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَبِيعَ الْجَمِيعَ هَكَذَا الْعُرْفُ عِنْدَهُمْ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى أَنَّ مَا بَاعَ فَلَهُ قَدْرُهُ مِنْ الْإِجَارَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
ابْنُ يُونُسَ: وَعَلَى أَنَّهُ إنْ شَاءَ تَرَكَ بَقِيَّةَ الثِّيَابِ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ الثِّيَابَ إلَيْهِ فَيَجُوزُ.
قَالَ: وَقَوْلُهُ فِي الْجُعْلِ عَلَى شِرَاءِ كَثِيرِ السِّلَعِ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا اشْتَرَى أُخِذَ بِحِسَابِهِ هَكَذَا الْعُرْفُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا.
وَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا إلَّا بِشِرَاءِ الْجَمِيعِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَالْجُعْلُ عَلَى الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.

(وَفِي شَرْطِ مَنْفَعَةٍ لِلْجَاعِلِ قَوْلَانِ) . ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ هَلْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْجُعْلِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْجَاعِلِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ انْتَهَى.
وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ يُونُسَ إلَّا مَا نَصُّهُ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَنْ جَعَلَ لِرَجُلٍ جُعْلًا عَلَى أَنْ يَرْقَى إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْجَبَلِ سَمَّاهُ لَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ الْجُعْلُ إلَّا فِيمَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْجَاعِلُ، يُرِيدُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
وَمِنْ ابْنِ عَاتٍ: لَا يَجُوزُ الْجُعْلُ عَلَى إخْرَاجِ الْجَانِّ مِنْ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ حَقِيقَتُهُ وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْوَرَعِ الدُّخُولُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْجُعْلُ عَلَى حَلِّ الْمَرْبُوطِ وَالْمَسْحُورِ.
اُنْظُرْ الْإِكْمَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» . وَانْظُرْ ابْنَ الْعَرَبِيِّ عِنْدَ تَكَلُّمِهِ عَلَى (وَلِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ جُعْلُ مِثْلِهِ إنْ اعْتَادَهُ) تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ.

(كَحَلِفِهَا بَعْدَ تَخَالُفِهِمَا) . ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ تَنَازَعَا فِي قَدْرِ الْجُعْلِ تَحَالَفَا وَوَجَبَ جُعْلُ الْمِثْلِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: تَبِعَ فِي هَذَا ابْنَ شَاسٍ وَالْأَظْهَرُ تَخْرِيجُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِهَا فِي الْقِرَاضِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إنْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ.

(وَلِرَبِّهِ تَرْكُهُ وَإِلَّا فَالنَّفَقَةُ) لَوْ قَالَ: " وَلِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ جُعْلُ مِثْلِهِ إنْ اعْتَادَهُ وَإِلَّا فَالنَّفَقَةُ وَلِرَبِّهِ تَرْكُهُ " لَتَنَزَّلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
وَمَنْ وَجَدَ آبِقًا فَطَلَبَ جُعْلًا عَلَى أَخْذِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: إنْ لَمْ يَكُنْ شَأْنُهُ يَطْلُبُ الضَّوَالَّ فَلَا جُعْلَ لَهُ وَلَهُ نَفَقَتُهُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إلَّا أَنْ يَتْرُكَهُ رَبُّهُ فَلَا يُلْزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَ نَفَقَتَهُ.

(فَإِنْ أَفْلَتَ فَجَاءَ بِهِ آخَرُ فَلِكُلٍّ نِسْبَتُهُ) سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ جَعَلَ جُعْلًا لِرَجُلٍ عَلَى آبِقٍ فَانْقَلَبَ بِهِ فَأَفْلَتَ فَأَخَذَهُ آخَرُ فَأَتَى بِهِ: إنْ أَفْلَتَ

بَعِيدًا مِنْ مَكَانِ سَيِّدِهِ فَكُلُّ الْجُعْلِ لِلثَّانِي وَلَا شَيْءَ فِيهِ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ أَفْلَتَ قَرِيبًا مِنْهُ فَالْجُعْلُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ شُخُوصِ كُلٍّ مِنْهُمَا.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الْمَجْعُولَ لَهُ الثَّانِي هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِعَمَلِ الْأَوَّلِ إذَا أَفْلَتَ بِالْقُرْبِ بِخِلَافِ الْمُجَاعَلَةِ عَلَى حَفْرِ الْآبَارِ.
وَانْظُرْ قَبْلُ قَوْلَهُ: " وَإِنْ اسْتَحَقَّ ".

(وَإِنْ جَاءَ بِهِ ذُو دِرْهَمٍ وَذُو أَقَلَّ اشْتَرَكَا فِيهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ جَعَلَ لِرَجُلَيْنِ فِي عَبْدٍ أَبَقَ مِنْهُ جُعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِوَاحِدٍ إنْ أَتَى بِهِ عَشَرَةٌ، وَلِلْآخَرِ إنْ أَتَى بِهِ خَمْسَةٌ، فَأَتَيَا جَمِيعًا بِهِ فَالْعَشَرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ جُعْلَ أَحَدِهِمَا مِثْلُ جُعْلِ الْآخَرِ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ مَا جُعِلَ لَهُ.

(وَلِكِلَيْهِمَا الْفَسْخُ وَلَزِمَتْ الْجَاعِلَ بِالشُّرُوعِ) ابْنُ يُونُسَ: لِلْجَاعِلِ أَنْ يَفْسَخَ الْجِعَالَةَ إذَا لَمْ يَشْرَعْ الْمَجْعُولُ لَهُ فِي الْعَمَلِ.
وَأَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْعَامِلُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَهُ أَنْ يَدَعَ الْجِعَالَةَ مَتَى شَاءَ وَلَا شَيْءَ لَهُ.

(وَفِي الْفَاسِدِ جُعْلُ الْمِثْلِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ مُطْلَقًا فَأُجْرَتُهُ) ابْنُ رُشْدٍ: فِي رَدِّ فَاسِدِ الْجُعْلِ لِحُكْمِ نَفْسِهِ فَيَجِبُ جُعْلُ مِثْلِهِ، إنْ تَمَّ عَمَلُهُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ أَوْ لِلْإِجَارَةِ فَيَجِبُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ ثَالِثُهَا لِلْأَوَّلِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، وَلِلثَّانِي فِي بَعْضٍ كَالْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي الْقِرَاضِ.

[كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]

[بَابٌ مِلْكِ الْأَرْضِ بِالْإِحْيَاءِ]

[فَصْلٌ فِيمَا يُمْلَكُ مِنْ الْأَرْضِينَ]

(كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ) ابْنُ شَاسٍ: وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ فِي مِلْكِ الْأَرْضِ بِالْإِحْيَاءِ وَفِيهِ فَصْلَانِ: مَا يُمْلَكُ مِنْ الْأَرْضِينَ وَكَيْفِيَّةُ الْإِحْيَاءِ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي الْمَنَافِعِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي الْبِقَاعِ كَالشَّوَارِعِ وَالْمَسَاجِدِ.
الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي الْأَعْيَانِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ الْأَرْضِ كَالْمَعْدِنِ وَالْمِيَاهِ (مَوَاتُ الْأَرْضِ مَا سَلِمَ مِنْ الِاخْتِصَاصِ) رَوَى ابْنُ غَانِمٍ: مَوَاتُ الْأَرْضِ هِيَ الَّتِي لَا نَبَاتَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: 9] فَلَا يَصِحُّ الْإِحْيَاءُ إلَّا فِي الْبُورِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمَوَاتُ الْأَرْضُ الْمُنْفَكَّةُ عَنْ الِاخْتِصَاصِ اهـ وَانْظُرْ جَرْيَةَ الْوَادِي إذَا انْصَرَفَ الْوَادِي عَنْهَا إلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى أَوْ جَفَّ الْوَادِي أَوْ انْقَطَعَ هَلْ يَكُونُ مَوْضِعُ جَرْيَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوَاتِ؟ وَكَيْفَ لَوْ كَانَتْ فِي عُدْوَتَيْ النَّهْرِ أَرْضٌ لِقَوْمٍ.
اُنْظُرْهُ فِي آخِرِ الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ

وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي نَوَازِلِهِ أَنَّهُ لِلَّذِينَ يَلُونَهُ مِنْ جِهَتِهِ وَلَا يَكُونُ مَوَاتًا.
وَانْظُرْ سَمَاعَ عِيسَى مِنْ كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ (بِعِمَارَةِ) ابْنُ شَاسٍ: الِاخْتِصَاصُ أَنْوَاعٌ: الْأَوَّلُ الْعِمَارَةُ فَلَا يَتَمَلَّكُ بِلَا إحْيَاءِ الْمَعْمُورِ (وَلَوْ انْدَرَسَتْ) الْبَاجِيُّ: مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا لَمْ يَرْتَفِعْ مِلْكُهُ بِانْدِرَاسِهَا اتِّفَاقًا.

(إلَّا لِإِحْيَاءٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى دَثَرَتْ وَطَالَ زَمَانُهَا وَهَلَكَتْ أَشْجَارُهَا وَتَهَدَّمَتْ آبَارُهَا وَعَادَتْ كَأَوَّلِ مَرَّةٍ ثُمَّ أَحْيَاهَا غَيْرُهُ فَهِيَ لِمُحْيِيهَا آخِرًا.
ابْنُ يُونُسَ: قِيَاسًا عَلَى الصَّيْدِ إذَا أَفْلَتَ وَلَحِقَ بِالْوَحْشِ وَطَالَ زَمَانُهُ فَهُوَ لِلثَّانِي.
قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا إذَا أَحْيَا فِي غَيْرِ أَصْلٍ كَانَ لَهُ، فَأَمَّا مَنْ مَلَكَ أَرْضًا بِهِبَةٍ أَوْ شِرَاءٍ ثُمَّ أَسْلَمَهَا فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْيِيَهَا.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: مَنْ اشْتَرَى صَيْدًا ثُمَّ نَدَّ وَاسْتَوْحَشَ وَلَحِقَ بِالْوَحْشِ أَنَّهُ لِمَنْ صَادَهُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَنْ اشْتَرَاهُ لِمَنْ صَادَهُ لِمَا وُجِدَ فِيهِ مِنْ التَّوَحُّشِ.

(وَبِحَرِيمِهَا) ابْنُ شَاسٍ: النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الِاخْتِصَاصِ أَنْ يَكُونَ حَرِيمَ عِمَارَةٍ فَيَخْتَصُّ بِهِ صَاحِبُ الْعِمَارَةِ وَلَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ (كَمُحْتَطَبٍ وَمَرْعًى يَلْحَقُ غُدُوًّا وَرَوَاحًا لِبَلَدٍ) ابْنُ شَاسٍ: حَرِيمُ الْبَلْدَةِ مَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهَا تَلْحَقُهُ مَوَاشِيهَا فِي الرَّعْيِ فِي غُدُوِّهَا وَرَوَاحِهَا وَهُوَ لَهُمْ مَسْرَحٌ وَمُحْتَطَبٌ فَهُوَ

حَرِيمُهَا وَلَيْسَ لِأَحَدٍ إحْيَاؤُهُ.
.

(وَمَا لَا يُضَيِّقُ عَلَى وَارِدٍ وَلَا يَضُرُّ بِمَاءِ بِئْرٍ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا الْبِئْرُ فَلَيْسَ لَهَا حَرِيمٌ مَحْدُودٌ لِاخْتِلَافِ الْأَرْضِ بِالرَّخَاوَةِ وَالصَّلَابَةِ، وَلَكِنْ حَرِيمُهَا مَا لَا ضَرَرَ مَعَهُ عَلَيْهَا وَهُوَ مِقْدَارُ مَا لَا يَضُرُّ بِمَائِهَا وَلَا يُضَيِّقُ مُنَاخَ إبِلِهَا وَلَا مَرَابِضَ مَوَاشِيهَا عِنْدَ الْوُرُودِ، وَلِأَهْلِ الْبِئْرِ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ أَوْ يَبْنِيَ بِئْرًا فِي ذَلِكَ الْحَرِيمِ.

(وَمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِكَنَخْلَةٍ) سَأَلَ ابْنُ غَانِمٍ مَالِكًا عَنْ حَرِيمِ النَّخْلَةِ فَقَالَ: قَدْرُ مَا يُرَى أَنَّ فِيهِ مَصْلَحَتَهَا وَيَتْرُكُ مَا أَضَرَّ بِهَا وَيُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ، وَقَدْ قَالُوا مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا إلَى عَشْرَةِ أَذْرُعٍ وَذَلِكَ حَسَنٌ، وَيُسْأَلُ عَنْ الْكَرْمِ أَيْضًا وَعَنْ كُلِّ شَجَرَةٍ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ فَيَكُونُ لِكُلِّ شَجَرَةٍ بِقَدْرِ مَصْلَحَتِهَا.

(وَمَطْرَحِ تُرَابٍ وَمَصَبِّ مِيزَابٍ لِدَارٍ) ابْنُ شَاسٍ: حَرِيمُ الدَّارِ الْمَحْفُوفَةِ بِالْمَوَاتِ مَا يُرْتَفَقُ بِهِ مِنْ مَطْرَحِ تُرَابٍ أَوْ مَصَبِّ مِيزَابٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: مَسَائِلُ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَلَا تَخْتَصُّ مَحْفُوفَةٌ بِأَمْلَاكٍ وَلِكُلٍّ الِانْتِفَاعُ مَا لَمْ يَضُرَّ.
ابْنُ شَاسٍ: الْمَحْفُوفَةُ بِأَمْلَاكٍ لَا تَخْتَصُّ وَلِكُلٍّ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِهِ وَحَرِيمِهِ.

(وَبِإِقْطَاعٍ) ابْنُ شَاسٍ: النَّوْعُ الْآخَرُ مِنْ أَنْوَاعِ الِاخْتِصَاصِ إذَا أَقْطَعَ الْإِمَامُ رَجُلًا أَرْضًا كَانَتْ مِلْكًا وَإِنْ لَمْ يَعْمُرْهَا وَلَا عَمِلَ فِيهَا شَيْئًا يَبِيعُ وَيَهَبُ وَيَتَصَرَّفُ وَتُورَثُ عَنْهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْإِحْيَاءِ بِسَبِيلٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَمْلِيكٌ مُجَرَّدٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْمَهَامِهِ أَوْ الْفَيَافِيِ أَوْ قَرِيبَةً مِنْ الْعُمْرَانِ.

(وَلَا بِقَطْعِ مَعْمُورِ الْعَنْوَةِ مِلْكًا) سَحْنُونَ: مَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ مِنْ مَوَاتٍ وَشَعَارِي لَمْ يُعْمَلْ وَلَا جَرَى فِيهَا مِلْكٌ لِأَحَدٍ فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا.
الْبَاجِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ مَوَاتِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ وَغَيْرِهَا هِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ شِرَاءُ أَرْضِ مِصْرَ وَلَا تُقْطَعُ لِأَحَدٍ.
قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: لِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً.
ابْنُ رُشْدٍ: الْإِقْطَاعُ يَكُونُ فِي الْبَرَارِي وَالْمَعْمُورِ إلَّا مَعْمُورَ أَرْضِ الْعَنْوَةِ الَّتِي حُكْمُهَا أَنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً.
ابْنُ عَرَفَةَ: يُرِيدُ إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ، وَأَمَّا إقْطَاعُهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا مُدَّةً فَجَائِزٌ.
قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ وَغَيْرُهُ.

(وَبِحِمَى إمَامٍ مُحْتَاجًا إلَيْهِ قَلَّ مِنْ بَلَدٍ عَفَا لِكَغَزْوٍ) ابْنُ شَاسٍ:

النَّوْعُ الْآخَرُ مِنْ أَنْوَاعِ الِاخْتِصَاصِ الْحِمَى.
الْبَاجِيُّ: هُوَ أَنْ يَحْمِيَ مَوْضِعًا لَا يَقَعُ فِيهِ التَّضْيِيقُ عَلَى النَّاسِ لِلْحَاجَةِ الْعَامَّةِ لِذَلِكَ لِمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ وَالْخَيْلِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ: يَقُومُ مِنْ هَذَا طُولُ تَأْخِيرِ صَرْفِ الزَّكَاةِ لِمَصْلَحَةٍ.

(وَافْتَقَرَ لِإِذْنٍ وَإِنْ مُسْلِمًا إنْ قَرُبَ) ابْنُ رُشْدٍ: الْمَشْهُورُ فِي الْقُرْبِ الَّذِي

لَا ضَرَرَ فِي إحْيَائِهِ عَلَى أَحَدٍ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
اُنْظُرْ حُكْمَ الذِّمِّيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَوْ ذِمِّيًّا ".

(وَإِلَّا فَلِلْإِمَامِ إمْضَاؤُهُ أَوْ جَعْلُهُ مُتَعَدِّيًا) الْبَاجِيُّ: إذَا قُلْنَا لَا يُحْيِي مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَأَحْيَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ، فَإِنْ رَأَى إنْفَاذَهُ فَعَلَ وَإِلَّا أَزَالَهُ وَأَعْطَاهُ غَيْرَهُ أَوْ بَاعَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ.

(بِخِلَافِ الْبَعِيدِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْإِحْيَاءُ فِي بَعِيدِ الْمَوَاتِ فِي افْتِقَارِهِ لِإِذْنِ الْإِمَامِ طَرِيقَانِ.
اللَّخْمِيِّ وَابْنُ رُشْدٍ: لَا يَفْتَقِرُ.

(وَلَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) الْبَاجِيُّ: إنْ أَحْيَا ذِمِّيٌّ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَإِنَّمَا يُحْيِي الذِّمِّيُّ ذَلِكَ فِيمَا بَعُدَ، وَأَمَّا مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ فَيُخْرَجُ عَنْهُ وَيُعْطَى قِيمَةَ مَا عَمَّرَ؛ لِأَنَّ مَا قَرُبَ بِمَنْزِلَةِ الْفَيْءِ وَلَا حَقَّ لِلذِّمِّيِّ فِي الْفَيْءِ، وَكَذَلِكَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَالْحِجَازَ كُلَّهُ وَالنُّجُودَ وَالْيَمَنَ.
قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَلَوْ قِيلَ إنَّ حُكْمَهُمْ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَبْعُدْ كَمَا كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فِيمَا بَعُدَ.
رَاجِعْ الْمُنْتَقَى.

[فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]

(وَالْإِحْيَاءُ بِتَفْجِيرِ مَاءٍ وَبِإِخْرَاجِهِ وَبِبِنَاءٍ وَبِغَرْسٍ وَبِحَرْثٍ وَتَحْرِيكِ أَرْضٍ وَبِقَطْعِ شَجَرٍ وَبِكَسْرِ حَجَرِهَا وَتَسْوِيَتِهَا) الْبَاجِيُّ: أَمَّا صِفَةُ الْإِحْيَاءِ فَقَالَ

مَالِكٌ: إحْيَاءُ الْأَرْضِ أَنْ يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا أَوْ يُجْرِيَ عَيْنًا أَوْ يَغْرِسَ شَجَرًا أَوْ يَبْنِيَ أَوْ يَحْرُثَ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ إحْيَاءٌ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ.
عِيَاضٌ: اُتُّفِقَ عَلَى سَبْعَةٍ: تَفْجِيرِ الْمَاءِ وَإِخْرَاجِهِ عَنْ غَامِرٍ هَابَهُ وَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَالْحَرْثِ وَمِثْلُهُ تَحْرِيكُ الْأَرْضِ بِالْحَفْرِ وَقَطْعِ شَجَرِهَا وَسَابِعُهَا كَسْرُ حَجَرِهَا وَتَسْوِيَةُ حُفَرِهَا وَتَعْدِيلُ أَرْضِهَا.

(لَا بِتَحْوِيطٍ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ التَّحْجِيرُ إحْيَاءً.
قَالَ أَشْهَبُ: فَمَنْ حَجَّرَ أَرْضًا مَوَاتًا بَعِيدَةً فَلَا يَكُونُ أَوْلَى بِهَا حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ حَجَّرَهَا لِيَعْمَلَ فِيهَا إلَى أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ لَا يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ لِيُبْسِ الْأَرْضِ وَإِخْلَاءِ الْأُجَرَاءِ وَنَحْوِهِ، فَأَمَّا مَنْ حَجَّرَ مَا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ فَلَهُ مِنْهُ مَا عَمَّرَ.

(وَرَعْيِ كَلَإٍ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: لَا يَكُونُ الرَّعْيُ إحْيَاءً.
الْبَاجِيُّ: وَجْهُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ بَاقٍ فِي الْأَرْضِ.

(وَحَفْرُ بِئْرِ مَاشِيَةٍ) الْبَاجِيُّ: لَيْسَ حَفْرُ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ إحْيَاءً.
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.

[بَاب الْمَنَافِع الْمُشْتَرَكَة فِي الْبِقَاع كَالشَّوَارِعِ وَالْمَسَاجِد]

(وَجَازَ بِمَسْجِدٍ سُكْنَى لِرَجُلٍ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ) ابْنُ شَاسٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسْجِدُ مَسْكَنًا إلَّا رَجُلٌ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ فِيهِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ وَإِحْيَائِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ فِيهِ دَائِمًا دَهْرَهُ إنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ.

(وَعَقْدُ نِكَاحٍ) تَقَدَّمَ فِي الِاعْتِكَافِ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَنْكِحَ بِمَجْلِسِهِ.

(وَقَضَاءُ دَيْنٍ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ خِفَّةَ كُتُبِ ذِكْرِ الْحَقِّ بِالْمَسْجِدِ مَا لَمْ يَطُلْ وَجَوَازَ قَضَاءِ الْحَقِّ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّجْرِ وَالصَّرْفِ.

(وَقَتْلُ عَقْرَبٍ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَرَاهَةَ قَتْلِ الْقَمْلَةِ أَوْ دَفْنِهَا فِي الْمَسْجِدِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَقَتْلُ الْبُرْغُوثِ أَخَفُّ عِنْدَهُ.
اللَّخْمِيِّ: الْبُرْغُوثُ مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ لَا بَأْسَ بِطَرْحِهِ بِهِ وَتُقْتَلُ بِالْمَسْجِدِ الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ.

(وَنَوْمٌ بِقَائِلَةٍ) ابْنُ شَاسٍ: خُفِّفَ فِي الْقَائِلَةِ النَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ نَهَارًا لِلْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ.

(وَتَضْيِيفٌ بِمَسْجِدِ بَادِيَةٍ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْأَقْتَابِ بِكُلِّ مَسْجِدٍ لِضِيَافَةِ مَنْ أَتَى يُرِيدُ الْإِسْلَامَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ بَأْسًا

بِأَكْلِ الرُّطَبِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الْمَسَاجِدِ.
ابْنُ رُشْدٍ: فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغُرَبَاءَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَأْوًى يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَأْوُوا إلَى الْمَسَاجِدِ وَيَبِيتُوا فِيهَا وَيَأْكُلُوا فِيهَا مَا أَشْبَهَ التَّمْرَ مِنْ الطَّعَامِ الْجَافِّ، وَقَدْ خَفَّفَ مَالِكٌ أَيْضًا لِلضِّيفَانِ الْمَبِيتَ وَالْأَكْلَ فِي مَسَاجِدِ الْقُرَى بِمَعْنَى أَنَّ الْبَانِيَ لَهَا لِلصَّلَاةِ فِيهَا يَعْلَمُ أَنَّ الضِّيفَانَ يَبِيتُونَ فِيهَا لِضَرُورَتِهِمْ إلَى ذَلِكَ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَدْ بَنَاهَا لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ بِنَائِهِ لَهَا إنَّمَا هُوَ لِلصَّلَاةِ فِيهَا لَا لِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ مَبِيتِ الضِّيفَانِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْزِلٌ أَنْ يَبِيتَ فِي الْمَسْجِدِ.

(وَإِنَاءٌ لِبَوْلٍ إنْ خَافَ سَبُعًا) ابْنُ عَرَفَةَ: فَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ بِسَعَةِ إدْخَالِ مَنْ لَا غِنَى لَهُ عَنْ مَبِيتِهِ بِالْمَسْجِدِ مِنْ سَدَنَتِهَا لِحِرَاسَتِهَا وَمَنْ اُضْطُرَّ لِلْمَبِيتِ بِهَا مِنْ شَيْخٍ ضَعِيفٍ وَزَمِنٍ وَمَرِيضٍ وَرَجُلٍ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ لَيْلًا لِلْمَطَرِ وَالرِّيحِ وَالظُّلْمَةِ ظُرُوفٍ بِهَا لِلْبَوْلِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا يُحْرَسُ بِهَا اتِّخَاذُهُ بِهَا غَيْرُ وَاجِبٍ وَصَوْنُهَا عَنْ ظُرُوفِ الْبَوْلِ وَاجِبٌ، وَلَا يُدْخَلُ فِي نَفْلٍ بِمَعْصِيَةٍ.
رَوَى الْخَطَّابِيُّ جَوَازَ دُخُولِ الْجُنُبِ الْمَسْجِدَ عَابِرًا وَأَجَازَهُ ابْنُ مَسْلَمَةَ فَأَلْزَمهُ اللَّخْمِيِّ الْحَائِضَ.
عِيَاضٌ: بَيْنَهُمَا فَرْقٌ لِلدَّمِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَعَلَّ ابْنَ مَسْلَمَةَ يُجِيزُهُ مَسْتُورًا دَمُهُ بَعْضُهُ.
ذَكَرَ اللَّخْمِيِّ عَنْ أَحَدِ نَقْلَيْ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصِرِ.

(كَمَنْزِلٍ تَحْتَهُ وَمُنِعَ عَكْسُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَبَنَى فَوْقَهَا بَيْتًا فَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَسْكَنًا يُجَامِعُ فِيهِ وَيَأْكُلُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ تَحْتَ الْمَسْجِدِ وَيُورَثُ الْبُنْيَانُ الَّتِي تَحْتَ

الْمَسْجِدِ وَلَا يُورَثُ الْمَسْجِدُ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ قَدْ أَبَاحَهُ لِلنَّاسِ.

(كَإِخْرَاجِ رِيحٍ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ بِالْمَسْجِدِ إحْدَاثُ الرِّيحِ.

(وَمُكْثٍ بِنَجِسٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي خُرُوجِ مَنْ رَأَى بِثَوْبِهِ كَثِيرَ دَمٍ سَاتِرَ نَجَاسَتِهِ بِبَعْضِهِ نَقْلًا اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ وَغَيْرِهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِوُضُوءٍ طَاهِرٍ بِصَحْنِ الْمَسْجِدِ.
ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ سَحْنُونٍ لَا يَجُوزُ أَحْسَنُ لِمَا يَسْقُطُ مِنْ غُسَالَةِ الْأَعْضَاءِ، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ الْوُضُوءَ بِالْمَسْجِدِ وَإِنْ جَعَلَهُ فِي طَسْتٍ.
عِيَاضٌ: قَرَأَ لُقْمَانُ بْنُ يُوسُفَ عَلَى أَصْحَابِ سَحْنُونٍ وَكَانَ حَافِظًا لِمَذْهَبِ مَالِكٍ مُفْتِيًا ثِقَةً صَالِحًا غَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي يَوْمِ مَطَرٍ بِجَامِعِ تُونِسَ فَأَنْكَرَ إنْسَانٌ عَلَيْهِ فَقَالَ لُقْمَانُ: عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يَتَوَضَّأُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهَذَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَغْسِلَ رِجْلِي فِي جَامِعِ تُونِسَ.
وَرَوَى الشَّيْخُ: يُكْرَهُ السِّوَاكُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَأْخُذُ الْمُعْتَكِفُ بِالْمَسْجِدِ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ وَإِنْ جَمَعَهُ

وَأَلْقَاهُ.

(وَكُرِهَ أَنْ يَبْصُقَ بِأَرْضِهِ وَيَحُكَّهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَبْصُقُ أَحَدٌ بِحَصِيرِ الْمَسْجِدِ أَوْ فِي الصَّلَاةِ وَيُدَلِّكَ بِرِجْلِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْصُقَ تَحْتَ الْحَصِيرِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ غَيْرَ مُحَصَّبٍ فَلَا يَبْصُقُ تَحْتَ قَدِمَهُ وَيَحُكَّهُ بِرَجُلِهِ لِمَنْزِلَةِ الْحَصِيرِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ مُحَصَّبًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْصُقَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَتَحْتَ قَدَمِهِ وَيَدْفِنَهُ، وَيُكْرَهَ أَنْ يَبْصُقَ أَمَامَهُ فِي حَائِطِ الْقِبْلَةِ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ رَجُلٌ وَعَنْ يَسَارِهِ رَجُلٌ فِي الصَّلَاةِ بَصَقَ أَمَامَهُ وَدَفَنَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْنِهِ فَلَا يَبْصُقُ فِي الْمَسْجِدِ بِحَالٍ كَانَ مَعَ النَّاسِ أَوْ وَحْدَهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْصُقْ فِي الْقِبْلَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَبْصُقْ فِي ثَوْبِهِ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ وَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ فَلْيَبْصُقْ إذَا بَصَقَ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» أَبُو عُمَرَ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَبْصُقَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ.

(وَتَعْلِيمُ صَبِيٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: أَمَّا تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسْجِدِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ مَبْلَغَ الْأَدَبِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ الْمَسْجِدَ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَقِرُّ فِيهِ وَيَعْبَثُ فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ.
وَرَوَى سَحْنُونَ: لَا يَجُوزُ تَعْلِيمُهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَحَفَّظُونَ مِنْ النَّجَاسَةِ.

(وَبَيْعٌ وَشِرَاءٌ) أَبُو عُمَرَ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلُ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ» وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي الْمَسْجِدِ ذَهَبًا.
الْبَاجِيُّ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ قَضَاءَ الْيَسِيرِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُظْهِرَ سِلْعَتَهُ بِالْمَسْجِدِ لِلْبَيْعِ، فَأَمَّا أَنْ يُسَاوِمَ رَجُلًا بِثَوْبٍ عَلَيْهِ أَوْ سِلْعَةٍ تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ لَهَا فَيُرَاجِيهِ الْبَيْعَ فِيهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَيُنْهَى الْمَسَاكِينُ عَنْ السُّؤَالِ فِي الْمَسْجِدِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَإِذَا سَأَلُوا فَلَا يُعْطَوْا شَيْئًا.

(وَسَلُّ سَيْفٍ) ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا تُسَلُّ بِالْمَسْجِدِ سُيُوفٌ.
رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ: لَا تَمُرُّ بِالْمَسْجِدِ بِلَحْمٍ وَلَا تُنْفِذُ فِيهِ النَّبْلَ وَلَا تَمْنَعُ فِيهِ الْقَائِلَةَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُرِيدُ تَنْفِيذَ النَّبْلِ إذَا رَدَّتْهَا عَلَى الظُّفْرِ فَيُعْلَمُ

مُسْتَقِيمُهَا مِنْ مُعْوَجِّهَا.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنَّا لَنَكْرَهُ الْفَوَّارَةَ الَّتِي اُتُّخِذَتْ فِي مَسْجِدِنَا بِقُرْطُبَةَ كَرَاهَةً شَدِيدَةً.

(وَإِنْشَادُ ضَالَّةٍ وَهَتْفٌ بِمَيِّتٍ) اُنْظُرْ فِي الْجَنَائِزِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَنِدَاءٌ بِهِ بِمَسْجِدٍ " (وَرَفْعُ صَوْتٍ) قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: رَفْعُ الصَّوْتِ مَمْنُوعٌ فِي الْمَسَاجِدِ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَالْخُصُومَةِ تَكُونُ مِنْ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مِثْلِ هَذَا، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى وَجْهٍ كَالْإِمَامِ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ أَوْ التَّنَفُّلِ بِاللَّيْلِ وَحْدَهُ، وَأَمَّا جَهْرُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقِرَاءَةِ فَمَمْنُوعٌ (كَرَفْعِهِ بِعِلْمٍ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: رَأَيْت مَالِكًا يَعِيبُ عَلَى أَصْحَابِهِ رَفْعَ أَصْوَاتِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ ابْنُ حَبِيبٍ: يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْمَسْجِدِ وَالْهَتْفُ بِالْجَنَائِزِ بِهِ وَكُلُّ مَا يُرْفَعُ فِيهِ الصَّوْتُ حَتَّى بِالْعِلْمِ، فَقَدْ كُنْت أَرَى بِالْمَدِينَةِ رَسُولَ أَمِيرِهَا يَقِفُ بِابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي مَجْلِسِهِ إذَا اسْتَعْلَى كَلَامُهُ وَكَلَامُ أَهْلِ الْمَجْلِسِ فِي الْعِلْمِ فَيَقُولُ: أَبَا مَرْوَانَ اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ وَأْمُرْ جُلَسَاءَكَ يَخْفِضُونَ أَصْوَاتَهُمْ.

(وَوَقِيدُ نَارٍ) ابْنُ وَهْبٍ: لَا تُوقَدُ نَارٌ بِمَسْجِدٍ.

(وَدُخُولُ كَخَيْلٍ لِنَقْلٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: رَوَى الشَّيْخُ: أَكْرَهُ إدْخَالَ الْمَسْجِدِ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ لِنَقْلِ مَا يُحْتَاجُ إلَى مَصَالِحِهِ وَلْيُنْقَلْ عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ.
وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّ مَالِكًا وَسَّعَ فِي دُخُولِ

النَّصَارَى الْمَسْجِدَ لِيَبْنُوا بِهِ قَالَ: وَلْيَدْخُلُوا مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي تَلِي عَمَلَهُمْ.

(وَفَرْشٌ أَوْ مُتَّكَأٌ) رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَقَّى بَرْدَ الْأَرْضِ وَالْحَصْبِ بِالْحُصْرِ وَالْمُصَلَّيَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَكُرِهَ أَنْ يَجْلِسَ فِيهَا عَلَى فِرَاشٍ أَوْ يَتَّكِئَ عَلَى وِسَادٍ.
الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي التَّوَاضُعَ الْمَشْرُوعَ فِي

الْمَسَاجِدِ.

[بَاب فِي الْأَعْيَان الْمُسْتَفَادَة مِنْ الْأَرْض كَالْمَعْدِنِ وَالْمِيَاه]

(وَلِذِي مَاجِلٍ وَبِئْرٍ وَمِرْسَالِ مَطَرٍ كَمَاءٍ يَمْلِكُهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ إلَّا مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ) ابْن رُشْد: مَا كَانَ مِنْ الْمَاءِ بِأَرْضٍ مُتَمَلَّكَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً مِثْلَ بِئْرٍ يَحْفِرُهَا وَعَيْنٍ يَسْتَخْرِجُهَا أَوْ مَوَاجِلَ يَتَّخِذُهَا أَوْ غَيْرَ مُسْتَنْبَطَةٍ، مِثْلَ عَيْنٍ فِي أَرْضِهِ لَمْ يَسْتَخْرِجْهَا أَوْ غَدِيرٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، هُوَ أَحَقُّ بِهِ وَيَحِلُّ لَهُ بَيْعُهُ وَمَنْعُ النَّاسِ مِنْهُ إلَّا بِثَمَنٍ إلَّا أَنْ يَرِدَ عَلَيْهِ قَوْمٌ لَا ثَمَنَ مَعَهُمْ وَيَخَافُ عَلَيْهِمْ الْهَلَاكَ إنْ مَنَعَهُمْ، وَيَحِقُّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَمْنَعَهُمْ، فَإِنْ مَنَعَهُمْ كَانَ عَلَيْهِمْ مُجَاهَدَتُهُ، هَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ نَهْيَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ مَنْعِ نَفْعِ الْبِئْرِ عَلَى عُمُومِهِ، بَلْ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَمْنَعَ الشُّرْبَ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ الْغَدِيرِ يَكُونُ فِي أَرْضِهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَهُ فِي وَاجِبِ الْحُكْمِ أَنْ يَمْنَعَ مَاءَهُ إذَا شَاءَ وَيُبِيحَهُ إذَا شَاءَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَاءُ فِي آنِيَةٍ لِرَبِّهِ يَخْتَصُّ بِهِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْمُؤَاسَاةِ.

(وَالْأَرْجَحُ بِالثَّمَنِ كَفَضْلِ بِئْرِ زَرْعٍ خِيفَ عَلَى زَرْعِ جَارِهِ بِهَدْمِ بِئْرِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا حَرَثَ جَارُكَ عَلَى غَيْرِ أَصْلِ مَاءٍ فَلَكَ مَنْعُهُ أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ بِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِكَ الَّذِي فِي أَرْضِهِ إلَّا بِثَمَنٍ إنْ شِئْت، وَأَمَّا إنْ حَرَثَ وَلِأَرْضِهِ بِئْرٌ فَانْهَارَتْ فَخَافَ عَلَى زَرْعِهِ فَإِنَّهُ يَقْضِي لَهُ عَلَيْكَ بِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِكَ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَائِهِ فَضْلٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ خَافَ عَلَى مُسْلِمٍ الْمَوْتَ أَنْ يُحْيِيَهُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ عَلَى أَصْحَابِ الْمَاءِ بَيْعُهُ مِنْ الْمُسَافِرِ بِمَا يَسْوَى وَلَا يَشْتَطُّوا عَلَيْهِمْ فِي ثَمَنِهِ، وَلَمْ يَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَقَالَ فِي الَّذِي انْهَارَتْ بِئْرُهُ أَنَّهُ يَسْقِي بِمَاءِ جَارِهِ لِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَإِحْيَاءُ نَفْسِهِ أَعْظَمُ مِنْ إحْيَاءِ زَرْعِهِ، وَالْأَوْلَى فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ بِالثَّمَنِ كَمَا لَوْ مَاتَ جَمَلُهُ فِي الصَّحْرَاءِ لَكَانَ عَلَى بَقِيَّةِ الرُّفْقَةِ أَنْ يَكْرُوا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَافِرُونَ لَا ثَمَنَ مَعَهُمْ وَجَبَ مُوَاسَاتُهُمْ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِمْ وَلَا يُتْبَعُوا بِالثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَمْوَالٌ بِبَلَدِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ الْيَوْمَ أَبْنَاءُ سَبِيلٍ يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ الزَّكَاةِ لِوُجُوبِ مُوَاسَاتِهِمْ.

(وَأَخَذَ يُصْلِحُ) عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنْ تَرَكَ التَّشَاغُلَ بِإِصْلَاحِ بِئْرِهِ اتِّكَالًا عَلَى بِئْرِ جَارِهِ لَمْ يَلْزَمْ جَارَهُ بَذْلُ الْمَاءِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ زَرَعَ ابْتِدَاءً عَلَى غَيْرِ مَاءٍ (وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: إنْ مَنَعَهُمْ كَانَ عَلَيْهِمْ مُجَاهَدَتُهُ، وَتَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّهُ يَقْضِي عَلَيْكَ بِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِكَ.

(كَفَضْلِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَفَرَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بِئْرَ الْمَاشِيَةِ أَوْ شِبْهَهَا فَلَا يَمْنَعُ فَضْلَهَا مِنْ أَحَدٍ، وَإِنْ مَنَعَهَا حَلَّ قِتَالُهُ وَغَرِمَ دِيَةَ مَنْ مَنَعَهُ وَمَاتَ عَطَشًا.

(بِصَحْرَاءَ هَدَرًا إنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمِلْكِيَّةَ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ: لَا تُبَاعُ مِيَاهُ

الْمَوَاشِي وَلَا تُمْنَعُ مِنْ أَحَدٍ وَلَا يَصْلُحُ فِيهَا إعْطَاءٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: مِيَاهُ الْمَوَاشِي هِيَ الْآبَارُ وَالْمَوَاجِلُ وَالْجِبَابُ يَصْنَعُهَا الرَّجُلُ فِي الْبَرَارِي لِلْمَاشِيَةِ هُوَ أَحَقُّ بِمَا يَحْتَاجُ لِمَاشِيَتِهِ وَيَدَعُ الْفَضْلَ لِلنَّاسِ، وَالْبِئْرُ وَالْمَاجِلُ وَالْجُبَبُ عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ، فَلَوْ أَشْهَدَ عِنْدَ حَفْرِهَا أَنَّهُ يَحْفِرُهَا لِنَفْسِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ بَيْعِ مَائِهَا وَاسْتَخَفَّهَا مَالِكٌ بِالْإِحْيَاءِ.

(وَبُدِئَ بِمُسَافِرٍ) ابْنُ رُشْدٍ: وَجْهُ التَّبْدِئَةِ بِالشُّرْبِ فِي مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ إذَا كَانَ الْمَاءُ يَقُومُ بِالْجَمِيعِ أَنْ يَبْدَأَ أَوَّلًا أَهْلُ الْمَاءِ فَيَأْخُذُوا لِأَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ دَوَابُّ الْمَارَّةِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ دَوَابُّ أَهْلِ الْمَاءِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ مَوَاشِي أَهْلِ الْمَاءِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ الْفَضْلُ لِسَائِرِ مَوَاشِي النَّاسِ.

(وَلَهُ عَارِيَّةُ آلَةٍ) . ابْنُ عَرَفَةَ: لِابْنِ السَّبِيلِ عَارِيَّةُ الدَّلْوِ وَالرَّشَا وَالْحَوْضِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَدَاةً تُعِينُهُ، وَيُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّكِيَّةِ فَيَسْقِي.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ عَارِيَّةِ هَذِهِ الْآلَةِ لِلْمَلِيءِ وَالْفَقِيرِ، وَلَعَلَّ هَذَا؛ لِأَنَّ مَالِكَهَا لَمْ يَتَّخِذْهَا لِكِرَاءٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: مُقْتَضَاهُ لَوْ اتَّخَذَهَا مَالِكُهَا لِلْكِرَاءِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ عَارِيَّتُهَا لِلْمُسَافِرِ وَمُقْتَضَى الرِّوَايَاتِ خِلَافُهُ (ثُمَّ حَاضِرٍ ثُمَّ دَابَّةِ رَبِّهَا بِجَمِيعِ الرِّيِّ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ بِهَذَا (وَإِلَّا فَنَفْسُ الْمَجْهُودِ) ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَاءُ يَقُومُ بِالْجَمِيعِ وَتَبْدِئَةُ أَحَدِهِمْ تُجْهِدُ الْآخَرِينَ بُدِئَ بِمَنْ الْجَهْدُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ تَبْدِئَةِ صَاحِبِهِ.
فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْجَهْدِ فَقِيلَ يَتَسَاوُونَ، وَقِيلَ يَبْدَأُ أَهْلُ الْمَاءِ بِأَنْفُسِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ.
رَاجِعْ الْمُقَدِّمَاتِ.

(وَإِنْ سَالَ مَطَرٌ بِمُبَاحٍ سَقَى الْأَعْلَى إنْ تَقَدَّمَ لِلْكَعْبِ) رَوَى مَالِكٌ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي سَيْلِ مَهْزُوزٍ وَمُذَيْنِبٍ: يُمْسِكُ الْأَعْلَى إلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ» . أَبُو عُمَرَ: هُمَا وَادِيَانِ بِالْمَدِينَةِ يَسِيلَانِ بِالْمَطَرِ يَتَنَافَسُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي سَيْلِهِمَا.
ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَاءٍ غَيْرِ مُتَمَلَّكٍ يَجْرِي عَلَى قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ دُونَهُمْ أَنَّ مَنْ دَخَلَ الْمَاءُ أَرْضَهُ أَوَّلًا فَهُوَ أَحَقُّ بِالسَّقْيِ بِهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ فِي أَرْضِهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ، وَاخْتُلِفَ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ إلَى الْكَعْبَيْنِ، هَلْ يُرْسِلُ جَمِيعَ الْمَاءِ إلَى الْأَسْفَلِ أَوْ لَا يُرْسِلُ عَلَيْهِ إلَّا مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ؟ فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ وَهْبٍ: يُرْسِلُ عَلَى الْأَسْفَلِ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: بَلْ يُرْسِلُ جَمِيعَ الْمَاءِ وَلَا يُحْبَسُ مِنْهُ شَيْءٌ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: مَا لَا يُمْلَكُ كَالسُّيُولِ وَالْأَمْطَارِ إنْ كَانَ طَرِيقُهُ فِي أَرْضٍ لَا تُمْلَكُ كَشِعَابِ الْجِبَالِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ مِثْلُ مَهْزُوزٍ وَمُذَيْنِبٍ يَأْتِي حَتَّى يُحَاذِيَ مَجْرَى الْمَاءِ فِي جَانِبَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا مَزَارِعَ وَحَدَائِقَ يَسْقُونَ بِهَا،

فَحُكْمُهُ أَنْ يُسْقَى بِهِ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى.
وَهَذَا إذَا كَانَ إحْيَاؤُهُمْ مَعًا أَوْ إحْيَاءُ الْأَعْلَى قَبْلُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَهَذَا حُكْمُ النِّيلِ فَإِنْ أَحْيَا رَجُلٌ بِمَاءِ سَيْلٍ ثُمَّ أَتَى غَيْرُهُ فَأَحْيَا فَوْقَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْمَاءِ وَيَسْقِيَ قَبْلَ الْأَسْفَلِ الَّذِي أَحْيَا قَبْلَهُ وَذَلِكَ يُبْطِلُ عَمَلَ الثَّانِي وَيُتْلِفُ زَرْعَهُ فَقَالَ سَحْنُونَ: الْقَدِيمُ أَوْلَى بِالْمَاءِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ بَدَأَ الْمَاءَ فِي أَرْضِ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَاءَهُ وَيَحْبِسَهُ فِي أَرْضِهِ.
وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ: اُنْظُرْ الْمَاءَ الْخَارِجَ مِنْ جَبَلِ شُلَيْرَ، نَصُّ الْأَشْيَاخِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَهْزُوزٍ وَمُذَيْنِبٍ، وَوَقَعَ لِابْنِ لُبٍّ فِي بَعْضِ فَتَاوِيهِ أَنَّ اتِّفَاقَ مَنْ اتَّفَقَ مِمَّنْ دَرَجَ عَلَى مَا يُخَالِفُ هَذَا الْأَصْلَ لَا يَلْزَمُ مَنْ بَعْدَهُمْ.
وَوَقَعَ لَهُ أَيْضًا: السَّوَاقِي الْقَدِيمَةُ تَتَعَلَّقُ بِهَا حُقُوقُ الْمُنْتَفَعِينَ بِمَائِهَا وَتَصِيرُ الْحُقُوقُ مُمَلَّكَةً لَهُمْ بِطُولِ الْحِيَازَةِ، فَلَا يُسْمَحُ لِقَوْمٍ أَنْ يَرْفَعُوا سَاقِيَتَهُ فَوْقَ هَذِهِ السَّاقِيَةِ اهـ. وَانْظُرْ إنْ كَانَ هَذَا هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ سَحْنُونٍ الْقَدِيمِ أَوْ لَا (وَأُمِرَ بِالتَّسْوِيَةِ) الْبَاجِيُّ: فَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْحَائِطِ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ فَقَالَ سَحْنُونَ: يُؤْمَرُ أَنْ يُعَدِّلَ أَرْضَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ عَلَى أَرْضِهِ كُلِّهَا إلَى الْكَعْبَيْنِ (وَإِلَّا فَكَحَائِطَيْنِ) الْبَاجِيُّ: فَإِنْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ سَقَى كُلَّ مَا كَانَ عَلَى حِدَتِهِ (وَقُسِمَ لِلْمُتَقَابَلَيْنِ) سَحْنُونَ: فَإِنْ كَانَ الْجِنَانَانِ مُتَقَابِلَيْنِ فِيمَا حُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ لِلْأَعْلَى فَلِلْأَعْلَى قَسْمُ الْمَاءِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْأَسْفَلُ مُقَابِلًا لِبَعْضِ الْأَعْلَى حُكِمَ لِمَا كَانَ أَعْلَى بِحُكْمِ الْأَعْلَى وَلِمَا كَانَ مُتَقَابِلًا بِحُكْمِ الْمُتَقَابِلِ (كَالنِّيلِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ نَافِعٍ بِهَذَا (وَإِنْ مُلِكَ أَوَّلًا قُسِمَ بِقِلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ) الْبَاجِيُّ: أَمَّا مَا يُمْلَكُ أَصْلُهُ كَالْعُيُونِ وَالْآبَارِ فَقَالَ سَحْنُونَ: يَقْتَسِمُونَ مَاءَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ بِالْقِلْدِ (وَأُقْرِعَ لِلتَّشَاحِّ فِي السَّبْقِ) الْبَاجِيُّ: وَلَا يُقَدَّمُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَيَأْخُذُ كُلُّ أَحَدٍ مَاءَهُ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ، فَإِنْ تَشَاحُّوا فِي التَّبْدِئَةِ اسْتَهَمُوا عَلَى ذَلِكَ.

(وَلَا يُمْنَعُ صَيْدُ سَمَكٍ وَإِنْ مِنْ مِلْكِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا كَانَ غَدِيرٌ أَوْ بِرْكَةٌ أَوْ بُحَيْرَةٌ فِي أَرْضِكَ وَفِيهَا سَمَكٌ، فَلَا يُمْنَعُ مَنْ يَصِيدُ فِيهَا مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَهُ مَنْعُ مَنْ يَصِيدُ فِيهَا.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا كَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَعْدِنِ يَخْرُجُ فِي أَرْضِهِ.
فَقَالَ سَحْنُونَ: هُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَمْرُهُ لِلْإِمَامِ كَاَلَّذِي يُوجَدُ فِي الْفَيَافِيِ فَهَذَا عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ طَرَحَهَا هُوَ فَوَلَدَتْ فَلَهُ مَنْعُهَا وَإِنْ كَانَ الْغَيْثُ أَجْرَاهَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْهَا اهـ. جَمِيعُ مَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ.
وَعَزَا قَوْلَ اللَّخْمِيِّ وَقَوْلَ سَحْنُونٍ لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَخَذَ بِهِ اهـ.

(وَهَلْ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَقَطْ أَوْ إلَّا أَنْ يَصِيدَ الْمَالِكُ تَأْوِيلَانِ) لَمْ يَنْقُلْ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ يُونُسَ إلَّا مَا تَقَدَّمَ.

(وَالْكَلَأُ بِفَحْصٍ) عِيَاضٌ: الْكَلَأُ مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ الْعُشْبُ وَمَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ مِمَّا تَأْكُلُ الْمَوَاشِي.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْكَلَأُ بِأَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ النَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ اتِّفَاقًا لَيْسَ لِأَحَدٍ مَنْعُهُ وَلَا بَيْعُهُ، فَإِنْ جَاءَ رَجُلَانِ لِكَلَأِ مَوْضِعٍ كَانَا فِيهِ أُسْوَةً (وَعُفِيَ لَمْ يَكْتَنِفْهُ زَرْعُهُ) ابْنُ رُشْدٍ: مَا بِالْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ أَقْسَامٌ الْمُحَظَّرَةُ بِالْحِيطَانِ كَالْحَوَائِطِ وَالْجَنَّاتِ، رَبُّهَا أَحَقُّ بِمَا بِهَا مِنْ الْكَلَأِ، وَلَهُ بَيْعُهُ وَمَنْعُهُ مِمَّنْ يَرْعَى وَيَحْتَشُّ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ.
وَأَمَّا الْعَفَاءُ وَالْمَسْرَحُ مِنْ أَرْضٍ قَرِيبَةٍ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ مَا بِهَا مِنْ كَلَأٍ وَلَا يَمْنَعُ أَحَدًا مِنْ فَضْلِ حَاجَتِهِ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَضُرَّهُ بِدَابَّةٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فِي زَرْعٍ يَكُونُ لَهُ حَدٌّ إلَيْهِ، وَأَمَّا الْأَرْضُ الَّتِي بَوَّرَهَا لِلرَّعْيِ وَتَرَكَ زِرَاعَتَهَا لِذَلِكَ، فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ صِحَّةُ مَنْعِهِ غَيْرَهُ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ أَوْ وَجَدَ مَنْ يَشْتَرِيهِ وَإِلَّا أُجْبِرَ عَلَى تَرْكِهِ لِلنَّاسِ.
وَأَمَّا فُحُوصُ أَرْضِهِ وَفَدَادِينِهِ الَّتِي يُبَوِّرُهَا لِلرَّعْيِ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
ابْنُ يُونُسَ: اُخْتُلِفَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي لَمْ يُوقِفْهَا لِلْكَلَأِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ خَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ لَمْ يَزْرَعْهُ وَإِنَّمَا اللَّهُ أَنْبَتَهُ، وَأَمَّا إذَا أَوْقَفَ الْأَرْضَ لِلْكَلَأِ فَلَهُ مَنْعُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَنَعَ مَنَافِعَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَأَوْقَفَهَا لِهَذَا.

(بِخِلَافِ مَرْجِهِ وَحِمَاهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ خِصْبًا فِي أَرْضِكَ مِمَّنْ يَرْعَاهُ عَامَّةً، وَإِنَّمَا جَوَّزَ مَالِكٌ بَيْعَهُ بَعْدَمَا يَنْبُتُ.
قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: الْخِصْبُ الَّذِي يَبِيعُهُ وَيَمْنَعُ النَّاسَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ مَا فِي مُرُوجِهِ وَحِمَاهُ.

[كِتَابُ الْوَقْفِ]

[بَابٌ فِي أَرْكَانِ الْوَقْفِ وَحُكْمِ الْوَقْفِ الصَّحِيحِ]

ابْنُ شَاسٍ: وَفِيهِ بَابَانِ: الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهِ وَهِيَ الْوَقْفُ وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَالصِّيغَةُ وَشَرْطُهُ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الْوَقْفِ الصَّحِيحِ.

(صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْوَقْفُ مَصْدَرًا: إعْطَاءُ مَنْفَعَةِ شَيْءٍ مُدَّةَ وُجُودِهِ، وَهُوَ اسْمًا: مَا أَعْطَيْت مَنْفَعَتَهُ مُدَّةَ وُجُودِهِ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا حَبْسَ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ أَنَّهُ يُورَثُ.
قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا تَكَلَّمَ شُرَيْحٌ بِبَلَدِهِ وَلَمْ يُرِدْ الْمَدِينَةَ فَيَرَى أَحْبَاسَ الصَّحَابَةِ وَيَنْبَغِي

لِلْمَرْءِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِيمَا لَمْ يُحِطْ بِهِ خُبْرًا (وَإِنْ بِأُجْرَةٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: يَصِحُّ فِي الْعَقَارِ الْمَمْلُوكِ لَا الْمُسْتَأْجَرِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا اخْتِصَارٌ لِقَوْلِ ابْنِ شَاسٍ " لَا يَجُوزُ وَقْفُ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ " وَفِي كَوْنِ مُرَادِ ابْنِ شَاسٍ نَفْيَ وَقْفِ مَالِكٍ مَنْفَعَتَهَا أَوْ بَيْعَهَا نَظَرٌ.
رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.

(وَلَوْ حَيَوَانًا أَوْ رَقِيقًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَبَسَ رَقِيقًا أَوْ دَوَابَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اُسْتُعْمِلُوا فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُبَاعُوا، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْبِسَ الرَّجُلُ الثِّيَابَ

وَالسُّرُوجَ وَالدَّوَابَّ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَا ضَعُفَ مِنْ الدَّوَابِّ الْمُحَبَّسَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى لَا تَكُونَ فِيهِ قُوَّةٌ عَلَى الْغَزْوِ بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهَا مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ الْخَيْلِ فَتُجْعَلُ فِي السَّبِيلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنُ فَرَسٍ أَوْ هَجِينٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ فَلْيُعِنْ بِذَلِكَ فِي ثَمَنِ فَرَسٍ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: وَكَذَلِكَ الْغَرْسُ يَكْلَبُ وَيَخْبُثُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا بَلِيَ مِنْ الثِّيَابِ الْمُحَبَّسَةِ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهَا

ثِيَابٌ يُنْتَفَعُ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ تَصَدَّقَ بِهِ فِي السَّبِيلِ.

(كَعَبْدٍ عَلَى مَرْضَى لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرَهُ) الْمُتَيْطِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَحْبِسَ الرَّجُلُ مَمْلُوكَهُ عَلَى الْمَرْضَى إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ السَّيِّدِ عَلَى غَيْرِ الضَّرَرِ بِمَمْلُوكِهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُكْرَهُ تَحْبِيسُ الرَّقِيقِ لِرَجَاءِ الْعِتْقِ فِيهِ، فَإِنْ وَقَعَ وَفَاتَ مَضَى، وَمَا لَمْ يَفُتْ يُسْتَحَبُّ لِمُحَبِّسِهِ صَرْفُهُ لِمَا هُوَ أَفْضَلُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: يُرِيدُ بِفَوْتِهِ بِالْحَوْزِ لَا بِالْمَوْتِ.

(وَفِي وَقْفِ كَطَعَامٍ تَرَدُّدٌ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ابْنُ شَاسٍ: لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ بِاسْتِهْلَاكِهِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَبَسَ عَلَى رَجُلٍ مِائَةَ دِينَارٍ يَتَّجِرُ بِهَا أَمَدًا مَعْلُومًا ضَمِنَ نَقْصَهَا وَهِيَ كَسَلَفٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ وَمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ فَتَحْبِيسُهُ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ وَقَعَ كَانَ لِآخِرِ الْعَقِبِ مِلْكًا إنْ كَانَ مُعَقَّبًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَقَّبًا وَكَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ رَجَعَ إلَيْهِ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ.
ابْنُ عَرَفَةَ: رُجُوعُهُ مِلْكًا إنْ كَانَ مُعَقَّبًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَقَّبًا ظَاهِرٌ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ اخْتِيَارًا بَعْدَ رُجُوعِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ كَوْنَهُ حَبْسًا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ خَاصِّيَّةَ الْحَبْسِ مَنْعُ بَيْعِهِ اخْتِيَارًا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا مَرْجِعًا، فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَتَرْجِعُ بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ حَبْسًا عَلَى أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُحَبَّسِ يَوْمَ الْمَرْجِعِ وَإِنْ كَانَ الْمُحَبِّسُ حَيًّا اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ " وَزُكِّيَتْ عَيْنٌ وُقِفَتْ لِلسَّلَفِ ".

(عَلَى أَهْلٍ لِلتَّمَلُّكِ) الَّذِي لِابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ مِنْ أَرْكَانِ الْوَقْفِ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ قَالَ: وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ إلَّا

إنْ كَانَ مُعَيَّنًا وَأَهْلًا.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ مَا جَازَ صَرْفُ مَنْفَعَةِ الْمُحَبِّسِ، لَهُ أَوْ فِيهِ.

(كَمَنْ سَيُولَدُ لَهُ) الْمُتَيْطِيُّ: الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَى الْحَمْلِ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: وَالرِّوَايَاتُ وَاضِحَةٌ بِصِحَّتِهِ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لَهُ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى الْحَمْلِ وَفِي لُزُومِهِ بِعَقْدِهِ عَلَى مَنْ يُولَدُ قَبْلَ وِلَادَتِهِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ لِنَقْلِ الشَّيْخِ: رَوَى مُحَمَّدٌ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ بِيعَ مَا حَبَسَهُ مَا لَمْ

يُولَدْ لَهُ، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَائِلًا: لَوْ جَازَ لَجَازَ بَعْدَ وُجُودِ الْوَلَدِ وَمَوْتِهِ، رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.

(وَذِمِّيٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: تَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ ابْنَ شَاسٍ فِي قَوْلِهِ " يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الذِّمِّيِّ " وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا أَعْرِفُ فِيهَا نَصًّا، وَالْأَظْهَرُ جَرْيُهَا عَلَى حُكْمِ الْوَصِيَّةِ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: مَنْ حَبَسَ عَلَى مَسَاكِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَازَ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ [الإنسان: 8] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] وَلَا يَكُونُ الْأَسِيرُ إلَّا مُشْرِكًا، وَإِنْ حَبَسَ عَلَى كَنَائِسِهِمْ رُدَّ ذَلِكَ وَفُسِخَ.
وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ: إنْ أَوْصَى نَصْرَانِيٌّ بِمَالِهِ لِلْكَنِيسَةِ وَلَا وَارِثَ لَهُ دُفِعَ الثُّلُثُ إلَى الْأُسْقُفِ يَجْعَلُهُ حَيْثُ ذَكَرَهُ وَالثُّلُثَانِ لِلْمُسْلِمِينَ

(وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ قُرْبَةٌ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يُشْتَرَطُ ظُهُورُ الْقُرْبَةِ.

(أَوْ يُشْتَرَطُ تَسْلِيمُ غَلَّتِهِ مِنْ نَاظِرِهِ لِيَصْرِفَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَبَسَ فِي صِحَّتِهِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ مِنْ حَائِطٍ أَوْ دَارٍ أَوْ شَيْءٍ وَلَهُ غَلَّةٌ فَكَانَ يُكْرِيهِ وَيُفَرِّقُ غَلَّتَهُ كُلَّ عَامٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ وَصِيَّةٍ إلَّا أَنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ يُوصِيَ بِإِنْفَاذِهِ فِي مَرَضِهِ لِغَيْرِ وَارِثٍ فَيَنْفُذُ مِنْ ثُلُثِهِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ تَفْرِقَةُ الْغَلَّةِ كَالسِّلَاحِ وَشِبْهِهِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ فِي وَجْهِهِ وَيَرْجِعُ إلَيْهِ، يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ انْتَقَلَتْ مِنْ يَدِهِ وَأَخْرَجَ جَمِيعَهَا، وَفِي الْغَلَّةِ لَمْ يُخْرِجْ الْأَصْلَ مِنْ يَدِهِ فَذَلِكَ مُفْتَرِقٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ: وَإِنْ جَعَلَهَا بِيَدِ غَيْرِهِ وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ يَحُوزُهَا وَيَجْمَعُ غَلَّتَهَا وَيَدْفَعُهَا لِلَّذِي حَبَسَهَا يَلِي تَفْرِقَتَهَا وَعَلَى ذَلِكَ حُبِسَ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَأَبَى ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ.

(أَوْ كَكِتَابٍ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ صَرْفِهِ فِي مَصْرِفِهِ) نَصُّ اللَّخْمِيِّ أَنَّ حُكْمَ الْكُتُبِ تُحْبَسُ لِيُقْرَأَ فِيهَا كَحُكْمِ الْخَيْلِ تُحْبَسُ لِيُغْزَى عَلَيْهَا وَالسِّلَاحِ يُقَاتَلُ بِهَا.
وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ حَبَسَ فِي صِحَّتِهِ مَا لَا غَلَّةَ لَهُ مِثْلَ السِّلَاحِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ وَشِبْهِ ذَلِكَ وَلَمْ يُنَفِّذْهَا وَلَا أَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ حَتَّى مَاتَ فَهِيَ مِيرَاثٌ، وَإِنْ كَانَ يُخْرِجُهُ فِي وَجْهِهِ وَيَرْجِعُ إلَيْهِ فَهُوَ نَافِذٌ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ أَخْرَجَ بَعْضَهُ وَبَقِيَ بَعْضُهُ فَمَا أَخْرَجَ فَهُوَ نَافِذٌ، وَمَا لَمْ يَخْرُجْ فَهُوَ مِيرَاثٌ اهـ. اُنْظُرْ إذَا وُجِدَ كِتَابٌ وَفِي ظَهْرِهِ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ حَبْسٌ قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: رَأَيْت مُدَوِّنَةً مِنْ رِقٍّ وَعَلَيْهَا مَكْتُوبٌ حَبْسٌ وَبِيعَتْ وَلَمْ يَعْمَلْ ذَلِكَ الْكَتْبُ شَيْئًا قَالَ: وَالْخِلَافُ مَذْكُورٌ إذَا وُجِدَ فِي فَخِذِ فَرَسٍ حَبْسٌ.

(وَبَطَلَ عَلَى مَعْصِيَةٍ) الْبَاجِيُّ: لَوْ حَبَسَ مُسْلِمٌ عَلَى كَنِيسَةٍ فَالْأَظْهَرُ عِنْدِي رَدُّهُ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ كَمَا لَوْ صَرَفَهَا إلَى أَهْلِ الْفِسْقِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: عَادَةُ الشُّيُوخِ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي إلَّا فِيمَا فِيهِ نَظَرٌ مَا لَا فِي الْأَمْرِ الضَّرُورِيِّ، وَرَدُّ هَذَا الْحَبْسِ ضَرُورِيٌّ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَوْصَى أَنْ يُقَامَ لَهُ مَلْهًى فِي عُرْسٍ أَوْ مَنَاحَةُ مَيِّتٍ لَا تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ وَقَوْلُهُ بَاطِلٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ فِي رَدِّهَا بِنِيَاحَةِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ.

(وَحَرْبِيٍّ) أَصْبَغُ: لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ

فصول الكتاب · 7 فصل · 674 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التاج والإكليل لمختصر خليل · 674 صفحة
المقدمة
ٍ: زَكَاةُ النَّعَمِ
ِ (فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ)
َ كِتَابِ الْبُيُوعِ.
خِيَارِ التَّرَوِّي
َ: قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ
ضَمَانِ سِرَايَةِ الْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِي عَيْنِهِ أَوْ جِنْسِهِ
جارٍ التحميل