التاج والإكليل لمختصر خليلصفحات 540-581
أهل الأثرالأرشيف العلمي

َ: قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ

صفحات 540-581

عِيَاضٌ: قَوْلُهُ: " أَكْرَهُ الْإِجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِ الشِّعْرِ وَالنَّوْحِ " كَذَا هُوَ وَمَعْنَاهُ نَوْحُ الْمُتَصَوِّفَةِ وَأَنَاشِيدُهُمْ عَلَى طَرِيقِ النَّوْحِ وَالْبُكَاءِ الْمُسَمَّى بِالتَّعْفِيرِ وَالْمَعَازِفُ عِيدَانُ الْغِنَاءِ لَا يَجُوزُ ضَرْبُهَا وَلَا اسْتِئْجَارُهَا وَهِيَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَرَابِطِ وَالْعِيدَانِ.

(وَكِرَاءٌ كَعَبْدٍ كَافِرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُكْرِي مُسْلِمٌ دَابَّتَهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَرْكَبُونَهَا إلَّا لِأَعْيَادِهِمْ أَوْ لِكَنَائِسِهِمْ، أَوْ يَبِيعُ مِنْهُمْ شَاةً يَعْلَمُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَذْبَحُونَهَا لِذَلِكَ.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ أَعْيَادِ الْكَنَائِسِ فَيَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ يَحْمِلُونَ إلَيْهَا الثِّيَابَ وَالْأَمْتِعَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ يَبِيعُونَ يَبْتَغُونَ الْفَضْلَ فِيهَا.
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ تُبَاعَ مِنْهُمْ الْجَزَرَةُ لِأَعْيَادِهِمْ وَهُوَ خِلَافُ مَا هُنَا إذْ لَا فَرْقَ، وَاخْتِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا جَارٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي أَنَّهُمْ مُتَعَبَّدُونَ بِالشَّرِيعَةِ، فَعَلَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ يُكْرَهُ مُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى

الْعِصْيَانِ وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَاصٍ فِي ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَعَلَى هَذَا أَجَازَ فِي سَمَاعِ زُونَانَ أَنْ يَسِيرَ بِأُمِّهِ إلَى الْكَنِيسَةِ.

(وَبِنَاءُ مَسْجِدٍ لِلْكِرَاءِ وَسُكْنَى فَوْقَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فِيهِ، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ مَسْجِدًا ثُمَّ يَبْنِيَ فَوْقَهُ بَيْتًا يَسْكُنُهُ بِأَهْلِهِ، يُرِيدُ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَعَهُ صَارَ يَطَؤُهَا عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ آجَرَ بَيْتَهُ مِنْ قَوْمٍ يُصَلُّونَ فِيهِ رَمَضَانَ لَمْ يُعْجِبْنِي ذَلِكَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
ابْنُ يُونُسَ: هَذَا صَوَابٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّمَا أَرَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِمْ الْبَيْتَ وَقْتَ الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَسْلَمَهُ إلَيْهِمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ كَاَلَّذِي أَجَّرَ أَرْضَهُ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَنْ يَبْنِيَهَا مُكْتَرِيهَا مَسْجِدًا أَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.

(بِمَنْفَعَةٍ تَتَقَوَّمُ) . ابْنُ شَاسٍ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ مِنْ أَرْكَانِ الْإِجَارَةِ الْمَنْفَعَةُ، وَمِنْ شُرُوطِهَا أَنْ تَكُونَ مُتَقَوِّمَةً، فَمَا لَا تَتَقَوَّمُ مَنْفَعَتُهُ لَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: فَسَّرُوا الْمُتَقَوِّمَةَ بِمَا لَهَا قِيمَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ، لَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ تُفَّاحَةٍ لِلشَّمِّ، وَالطَّعَامِ لِتَزْيِينِ الْحَانُوتِ فَإِنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ انْتَهَى.
وَقَدْ نَصَّ

ابْنُ يُونُسَ أَنَّ مَنْ قَالَ: ارْقَ هَذَا الْجَبَلَ وَلَكَ كَذَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ.

(قُدِرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا) . ابْنُ شَاسٍ: مِنْ شُرُوطِ الْمَنْفَعَةِ أَنْ تَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهَا حِسًّا وَشَرْعًا، فَيُمْنَعُ اسْتِئْجَارُ الْأَخْرَسِ لِلتَّعْلِيمِ وَالْأَعْمَى لِلْخَطِّ وَنَحْوِهِ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى قَطْعِ عُضْوٍ مُحْتَرَمٍ أَوْ حَائِضٍ عَلَى كَنْسِ مَسْجِدٍ.

(بِلَا اسْتِيفَاءِ عَيْنٍ قَصْدًا) هَكَذَا عَبَّرَ ابْنُ شَاسٍ قَائِلًا: لَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ الْأَشْجَارِ لِثِمَارِهَا، وَالشَّاةِ لِنِتَاجِهَا وَلَبَنِهَا وَصُوفِهَا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ قَبْلَ الْوُجُودِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا وَاضِحٌ حُكْمُهُ مِنْ الْبِيَاعَاتِ، وَتَبِعَ فِيهِ ابْنُ شَاسٍ الْغَزَالِيَّ.
وَلَوْ رَسَمَ الْمَنْفَعَةَ بِأَنَّ شَرْطَهَا إمْكَانُ اسْتِيفَائِهَا دُونَ إذْهَابِ عَيْنِ مَا احْتَاجَ إلَى ذِكْرِ هَذَا.
ابْنُ رُشْدٍ: وَيَجُوزُ شِرَاءُ لَبَنِ غَنَمٍ مُعَيَّنَةٍ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ إذَا عُرِفَ وَجْهُ حِلَابِهَا بِخِلَافِ ثَمَرَةِ الْمَقْثَأَةِ، وَيُكْرَهُ بَيْعُ شَاةٍ أَوْ شَاتَيْنِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُعَارَضُ هَذَا بِإِجَازَتِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يَكْتَرِيَ الْبَقَرَةَ وَيَشْتَرِطَ حِلَابَهَا؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ خَفَّ بِمَا انْضَافَ إلَيْهَا مِنْ الْكِرَاءِ كَمَا خَفَّ فِي الْغَنَمِ إذَا كَثُرَتْ.

(وَلَا حَظْرَ) . ابْنُ عَرَفَةَ: تَبِعَ ابْنُ شَاسٍ الْغَزَالِيَّ فِي قَوْلِهِ الْغَرَرُ الشَّرْعِيُّ كَالْحِسِّ فِي الْإِبْطَالِ لَوْ اسْتَأْجَرَ عَلَى قَلْعِ سِنٍّ صَحِيحَةٍ أَوْ قَطْعِ يَدٍ صَحِيحَةٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ كَانَتْ الْيَدُ مُتَآكِلَةً وَالسِّنُّ مُتَوَجِّعَةً جَازَتْ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ: مَنْ ذَهَبَ بَعْضُ كَفِّهِ فَخَافَ عَلَى بَاقِي يَدِهِ لَا بَأْسَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ مِنْ الْمَفْصِلِ إنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ الْمَوْتُ.
ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ خَوْفُ الْمَوْتِ مِنْ بَقَاءِ يَدِهِ كَذَلِكَ أَشَدَّ مِنْ خَوْفِ الْمَوْتِ بِقَطْعِهِ فَلَهُ الْقَطْعُ.
وَمِنْ الْإِكْمَالِ يَأْتِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ مَنْ خُلِقَ بِأُصْبُعٍ زَائِدَةٍ أَوْ عُضْوٍ زَائِدَةٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُهُ وَلَا نَزْعُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الزَّائِدُ مِمَّا يُؤْذِيهِ مِنْ أُصْبُعٍ أَوْ ضِرْسٍ وَيُؤْلِمُهُ، فَلَا بَأْسَ عَلَى كُلِّ

حَالٍ بِنَزْعِهِ عِنْدَ هَذَا وَغَيْرِهِ وَتَعَيَّنَ.
ابْنُ يُونُسَ: لَا جُعْلَ لِمَنْ وَجَدَ ضَالَّةً وَأَتَى بِهَا إذْ لَا جُعْلَ فِي أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ إلَى رَبِّهَا.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْجُعْلُ لَا يَجُوزُ فِيمَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ أَنْ يَفْعَلَهُ إنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ.
قَالَ مَالِكٌ: لَوْ قَالَ دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا وَلَكَ كَذَا فَلَا شَيْءَ لَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: مَعْنَاهُ أَشِرْ عَلَيَّ وَانْصَحْ لِي فِي ذَلِكَ، وَهَذَا لَوْ سَأَلَهُ إيَّاهُ دُونَ جُعْلٍ لَلَزِمَهُ أَنْ يَفْعَلَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: دُلَّنِي عَلَى مَنْ أَبْتَاعُ مِنْهُ أَوْ يَبْتَاعُ مِنِّي وَلَكَ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ جَائِزٌ لَازِمٌ لَهُمَا.
قَالَ أَصْبَغُ: لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا بَيْعَ فِيهِ.
وَمِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ: وَقَالَ

ابْنُ شَاسٍ: مِنْ شَرْطِ الْمَنْفَعَةِ أَنْ تَكُونَ حَاصِلَةً لِلْمُسْتَأْجِرِ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا تُجْزِئُ النِّيَابَةُ فِيهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَنَحْوِهِمَا.

(وَلَوْ مُصْحَفًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَجُوزُ إجَارَةُ الْمُصْحَفِ لِمَنْ يَقْرَأُ فِيهِ لِجَوَازِ بَيْعِهِ وَأَجَازَهُ مَالِكٌ، وَمَنَعَ ابْنُ حَبِيبٍ إجَارَتَهُ.

(وَأَرْضًا غَمَرَ مَاؤُهَا وَنَدَرَ انْكِشَافُهُ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ وَمَاؤُهَا غَامِرٌ وَانْكِشَافُهُ نَادِرٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ جَوَازُهُ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ الْغَيْرُ.
وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَكْرَى أَرْضَهُ الْغَرِقَةَ بِكَذَا إنْ انْكَشَفَ مَاؤُهَا وَإِلَّا فَلَا كِرَاءَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يَنْكَشِفَ عَنْهَا جَازَ إنْ لَمْ يَنْقُدْ، وَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ إلَّا أَنْ يُوقِنَ بِانْكِشَافِهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ خِيفَ أَنْ لَا يَنْكَشِفَ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْ.

(وَشَجَرًا لِتَجْفِيفِ الثِّيَابِ عَلَيْهَا عَلَى الْأَحْسَنِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: تَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ ابْنَ شَاسٍ فِي قَوْلِهِ فِي إجَارَةِ الْأَشْجَارِ لِتَجْفِيفِ الثِّيَابِ قَوْلَانِ، وَلَا أَعْرِفُ الْمَنْعَ وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ كَإِجَارَةِ مَصَبِّ مِرْحَاضٍ وَحَائِطٍ لِحَمْلِ خَشَبٍ (لَا لِأَخْذِ ثَمَرَتِهِ أَوْ شَاةٍ لِلَبَنِهَا) تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " بِلَا اسْتِيفَاءِ عَيْنٍ ".

(وَاغْتُفِرَ مَا فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ بِالتَّقْوِيمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا أَوْ أَرْضًا فِيهَا سِدْرَةٌ أَوْ دَالِيَةٌ أَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ نَبْتٌ مِنْ نَخْلٍ أَوْ شَجَرٍ وَلَا ثَمَرَةَ فِيهَا حِينَئِذٍ أَوْ فِيهَا ثَمَرَةٌ لَمْ تَزْهُ، فَالثَّمَرَةُ لِلْمُكْرِي إلَّا أَنَّهُ إنْ اشْتَرَطَ الْمُكْتَرِي ثَمَرَةَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ تَبَعًا مِثْلَ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَوَّمَ كِرَاءُ الْأَرْضِ أَوْ الدَّارِ بِغَيْرِ شَرْطِ الثَّمَرَةِ؛ فَإِنْ قِيلَ عَشَرَةٌ قِيلَ: مَا قِيمَةُ الثَّمَرَةِ فِيمَا عُرِفَ مِمَّا تُطْعِمُ كُلَّ عَامٍ بَعْدَ طَرْحِ قِيمَةِ الْمُؤْنَةِ وَالْعَمَلِ؟ فَيُعْلَمُ الْوَسَطُ مِنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ خَمْسَةٌ فَأَقَلَّ جَازَ.
قَالَ أَصْبَغُ: وَهَذَا إذَا عُلِمَ أَنَّ الثَّمَرَةَ تَطِيبُ قَبْلَ مُدَّةِ الْكِرَاءِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْقِدَاهُ.
ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا أُجِيزَ لِلضَّرَرِ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى الْمُكْتَرِي فِي دُخُولِ رَبِّ الدَّارِ لِإِصْلَاحِ الثَّمَرَةِ وَجِدَادِهَا كَمَا أُجِيزَ شِرَاءُ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا انْتَهَى.
اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ يُونُسَ لِلضَّرَرِ بِالدُّخُولِ عَلَى الْمُكْتَرِي، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ بَعْضَ الشَّجَرِ؟ أَجَازَهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَمَنَعَهُ ابْنُ الْعَطَّارِ.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: أَجَازَ ذَلِكَ أَشْهَبُ وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَإِذَا كَانَ الْكِرَاءُ سِنِينَ وَاشْتُرِطَتْ الثَّمَرَةُ وَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَبِالشَّجَرِ ثَمَرٌ لَمْ يَزْهُ فَهُوَ لِلْمُكْتَرِي.

(وَلَا تَعْلِيمِ غِنَاءٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: أَكْرَهُ الْإِجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِ

النَّوْحِ وَأَنَّهُ نَوْحُ الصُّوفِيَّةِ.

(أَوْ دُخُولِ حَائِضٍ لِمَسْجِدٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ: بِمَنْعِ اسْتِئْجَارِ حَائِضٍ لِكَنْسِ مَسْجِدٍ (أَوْ دَارٍ لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً كَبَيْعِهَا لِذَلِكَ وَتَصَدَّقَ بِالْكِرَاءِ وَبِفَضْلَةِ الثَّمَنِ عَلَى الْأَرْجَحِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ دَارِهِ أَوْ يُكْرِيَهَا مِمَّنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً.
ابْنُ يُونُسَ: فَإِنْ نَزَلَ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: يَتَصَدَّق بِالثَّمَنِ وَبِالْكِرَاءِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَصَدَّقُ بِفَضْلَةِ الثَّمَنِ وَبِفَضْلَةِ الْكِرَاءِ؛ تُقَوَّمُ الدَّارَانِ لَوْ بِيعَتْ أَوْ أُكْرِيَتْ عَلَى أَنْ تُتَّخَذَ كَنِيسَةً، وَتُقَوَّمُ أَنْ لَوْ بِيعَتْ أَوْ أُكْرِيَتْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ فَيُعْلَمُ الزَّائِدُ، فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ الْكِرَاءِ أَوْ رُبُعَهُ تَصَدَّقَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ هُوَ ثَمَنُ مَا لَا يَحِلُّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَّا فِي الْبَيْعِ فَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا فِي الْكِرَاءِ فَيَتَصَدَّقُ بِالْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ أَجَّرَ دَارِهِ لِمَا لَا يَحِلُّ كَمَنْ أَكْرَى دَارِهِ لِبَيْعِ الْخَمْرِ أَوْ دَابَّتَهُ لِحَمْلِ الْخَمْرِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَبِهَذَا أَقُولُ.

(وَلَا مُتَعَيِّنٍ كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ) قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَا تَتَعَيَّنُ ". وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ عَلَى عِبَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ وَتَقَدَّمَ الْحَجُّ بِخِلَافِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَحَمْلِ الْجِنَازَةِ وَحَفْرِ الْقَبْرِ وَفِي الْإِمَامَةِ ثَلَاثَةٌ.

(وَعُيِّنَ مُتَعَلِّمٌ وَرَضِيعٌ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: يَجِبُ تَعْيِينُ الرَّضِيعِ وَالْمُتَعَلِّمِ بِخِلَافِ غَنَمٍ وَنَحْوِهَا.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: تَجُوزُ إجَارَةُ الظِّئْرِ إذَا كَانَ الصَّبِيُّ حَاضِرًا يُرَى، فَلَوْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ سِنَّهُ.
وَإِنْ جُرِّبَ رَضَاعُهُ لِيُعْلَمَ قُوَّةُ رَضَاعِهِ مِنْ ضَعْفِهِ كَانَ أَحْسَنَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا جَازَ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ مُتَقَارِبٌ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ رَضَاعِهِ لِأَنَّهُ يَقُولُ فِي الظِّئْرِ تُسْتَأْجَرُ لِرَضَاعِ صَبِيَّيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَتُفْسَخُ الْإِجَارَةُ لِاخْتِلَافِ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّهَا إنْ آجَرَتْ نَفْسَهَا لِتُرْضِعَ آخَرَ مَكَانَ الْمَيِّتِ لَمْ يُدْرَ هَلْ رَضَاعُهُ مِثْلُ

الْمَيِّتِ أَمْ لَا.

(وَدَارٌ وَحَانُوتٌ وَبِنَاءٌ عَلَى جِدَارٍ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: تَعَيَّنَ الْحَانُوتُ وَالدَّارُ وَالْحَمَّامُ وَشِبْهُهُ وَلَا يَلْزَمُ تَعْرِيفُ قَدْرِ الْبِنَاءِ وَصِفَتِهِ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ عَلَى الْجِدَارِ.

(وَمَحْمِلٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَكْرَى مَحْمِلًا لِمَكَّةَ وَلَمْ يَذْكُرْ وِطَاءَهُ أَوْ زَامِلَتَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ مَا يَحْمِلُ مِنْ أَرْطَالٍ جَازَ وَحُمِلَ عَلَى فِعْلِ النَّاسِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الزَّوَامِلَ عُرِفَتْ عِنْدَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: يُعَيَّنُ الْمَحْمِلُ أَوْ يُوصَفُ.

(إنْ لَمْ يُوصَفْ) تَقَدَّمَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ فِي الرَّضِيعِ إلَّا أَنْ يُذْكَرَ سِنُّهُ.
وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ: لَهُ أَنْ يُكْرِيَ دَارًا بِإِفْرِيقِيَةَ وَهُوَ بِمِصْرَ كَالْبَيْعِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ يُعَيَّنُ الْمَحْمِلُ أَوْ يُوصَفُ.

(وَدَابَّةٌ لِرُكُوبٍ وَإِنْ ضُمِنَتْ فَجِنْسٌ وَنَوْعٌ وَذُكُورَةٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: كِرَاءُ الدَّوَابِّ عَلَى وَجْهَيْنِ: دَابَّةٌ بِعَيْنِهَا أَوْ مَضْمُونَةٌ.
وَفِي الْمَعُونَةِ الْمَرْكُوبُ الْمُعَيَّنُ لَا بُدَّ أَنْ يُعْرَفَ بِتَعْيِينٍ بِإِشَارَةٍ إلَيْهِ كَهَذِهِ الدَّابَّةِ أَوْ النَّاقَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لِيُحِيطَ بِهَا الْمُكْتَرِي كَالْمُشْتَرِي.
قَالَ: وَالْمَضْمُونَةُ يُذْكَرُ جِنْسُهَا وَنَوْعُهَا وَالذُّكُورَةُ وَالْأُنُوثَةُ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ شَاسٍ وَالْمُتَيْطِيُّ.
زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا بِتَعْيِينِ الرَّاكِبِ وَإِنْ عُيِّنَ لَمْ يَلْزَمْ تَعْيِينُهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: كِرَاءُ الرَّوَاحِلِ وَالدَّوَابِّ عَلَى وَجْهَيْنِ: مُعَيَّنًا وَمَضْمُونًا، فَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَيَجُوزُ فِي النَّقْدِ وَالْأَجَلِ إذَا شَرَعَ فِي الرُّكُوبِ أَوْ كَانَ إنَّمَا يَرْكَبُ الْأَيَّامَ الْقَلَائِلَ الْعَشَرَةَ وَنَحْوَهَا قَالَهُ مَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُعْجِبُنِي إلَّا عَشَرَةُ أَيَّامٍ يُرِيدُ إذَا نَقَدَ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ أَوْ الرَّاحِلَةُ حَاضِرَةً، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ غَائِبَةً فَلَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ النَّقْدِ؛ لِأَنَّ النَّقْدَ لَا يَصْلُحُ فِي شِرَاءِ الْغَائِبِ، وَأَمَّا إنْ اكْتَرَى الرَّاحِلَةَ بِعَيْنِهَا عَلَى أَنْ لَا يَرْكَبَهَا إلَّا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَنَحْوَهَا فَلَا يَجُوزُ الْكِرَاءُ بِالنَّقْدِ وَيَجُوزُ بِغَيْرِ النَّقْدِ.
قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَهَذَا الْكِرَاءُ الْمُعَيَّنُ يَنْفَسِخُ فِيهِ الْكِرَاءُ بِمَوْتِ الرَّاحِلَةِ أَوْ الدَّابَّةِ، فَإِنْ مَاتَتْ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ دَابَّةً أُخْرَى بِعَيْنِهَا يَبْلُغُ عَلَيْهَا إلَى مُنْتَهَى غَايَتِهِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْقُدْ جَازَ؛ لِأَنَّهُ كِرَاءٌ مُبْتَدَأٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نَقَدَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ

فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَفَازَةٍ فَيَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْأَوَائِلِ عِنْدَهُ كَقَبْضِ الْأَوَاخِرِ.
عِيَاضٌ: الرَّاحِلَةُ هِيَ النَّاقَةُ الْمُعَدَّةُ لِلرُّكُوبِ الْمُذَلَّلَةُ لَهُ وَتُسْتَعْمَلُ فِي ذُكُورِ الْإِبِلِ وَإِنَاثِهَا، وَأَصْلُهَا مِنْ الرَّحْلِ الْمَوْضُوعِ عَلَيْهَا وَهِيَ الرَّاحِلَةُ أَيْضًا وَهُوَ مَرْكَبُ يُشَدُّ لِلْبِغَالِ، وَيُسَمَّى السَّرْجُ أَيْضًا رَحْلًا تَشْبِيهًا بِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا كِرَاءُ الدَّابَّةِ الْمَضْمُونَةِ أَوْ الرَّاحِلَةِ الْمَضْمُونَةِ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أُكْرِيَ مِنْكَ دَابَّةً أَوْ رَاحِلَةً فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَيْضًا بِالنَّقْدِ وَإِلَى أَجَلٍ إذَا شَرَعَ فِي الرُّكُوبِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الرُّكُوبِ وَإِنَّمَا تَكَارَى كِرَاءً مَضْمُونًا إلَى أَجَلٍ كَالْمُكْتَرِي إلَى الْحَجِّ فِي غَيْرِ إبَّانِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِتَعْجِيلِ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ كَالسَّلَمِ إلَّا أَنَّ مَالِكًا خَفَّفَ أَنْ يَغْرَمَ الدَّلِيلُ؛ لِأَنَّ الْأَكْرِيَاءَ أَقْطَعُوا بِالنَّاسِ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ بِمَوْتِ الدَّابَّةِ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ إلَّا أَنَّ الْكَرِيَّ إذَا قَدَّمَ لِلْمُكْتَرِي دَابَّةً فَرَكِبَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزِيلَهَا مِنْ تَحْتِهِ إلَّا بِرِضَاهُ.

(وَلَيْسَ لِرَاعٍ رَعْيُ الْأُخْرَى إنْ لَمْ يَقُولَا بِمُشَارِكٍ، أَوْ نَقَدَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ خِلَافَهُ وَإِلَّا فَأَجْرُهُ لِمُسْتَأْجِرٍ كَأَجِيرٍ لِخِدْمَةٍ آجَرَ نَفْسَهُ) اُنْظُرْ هَذَا الْإِطْلَاقَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ كَثِيرَةٍ لَا يَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْعَى مَعَهَا غَيْرَهَا إلَّا أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ رَاعٍ يَقْوَى بِهِ، وَإِنْ

كَانَتْ غَنَمًا يَسِيرَةً فَذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ رَبُّهَا أَنْ لَا يَرْعَى مَعَهَا غَيْرَهَا، فَإِنْ رَعَى الرَّاعِي مَعَهَا غَيْرَهَا بَعْدَ هَذَا الشَّرْطِ فَالْأَجْرُ لِرَبِّ الْأُولَى.
وَكَذَلِكَ أَجِيرُكَ لِخِدْمَةٍ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ لِغَيْرِكَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ فَلَكَ أَخْذُ الْأَجْرِ أَوْ تَرْكُهُ وَإِسْقَاطُ حِصَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْأَجْرِ عَنْكَ.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا فِيمَا يُشَابِهُ بِمَا آجَرْتَهُ بِهِ أَوْ يُقَارِبُهُ، وَأَمَّا أَنْ تُؤَاجِرَهُ فِي الرِّعَايَةِ شَهْرًا بِدِينَارٍ فَيَذْهَبُ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ فِي الْحَصَادِ، أَوْ تُؤَاجِرُهُ يَخْدُمُكَ فِي الْغَزْوِ فَيَذْهَبُ يُقَاتِلُ فَيَقَعُ فِي سُهْمَانِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَهَذَا وَشِبْهُهُ لَا يَكُونُ لَكَ إلَّا إسْقَاطُ حِصَّةِ مَا عَطَّلَ مِنْ عَمَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ.

(وَلَمْ يَلْزَمْهُ رَعْيُ الْوَلَدِ إلَّا لِعُرْفٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا وَشَرَطَ رَبُّهَا أَنَّ مَا مَاتَ مِنْهَا أَخْلَفَهُ فَتَوَالَدَتْ الْغَنَمُ حُمِلَا فِي رِعَايَةِ الْوَلَدِ عَلَى عُرْفِ النَّاسِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ سُنَّةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ رِعَايَتُهَا.

(وَعُمِلَ بِهِ فِي الْخَيْطِ) . ابْنُ شَاسٍ: مَنْ اسْتَأْجَرَ الْخَيَّاطَ لَا يُوجَبُ عَلَيْهِ الْخَيْطُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ خِلَافَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: كَقَوْلِهِ فِي آلَةِ الْبِنَاءِ وَعَرَفْنَا فِي الْأَجِيرِ أَنْ لَا خَيْطَ عَلَيْهِ وَفِي الصَّانِعِ الْخَيْطُ عَلَيْهِ.

(وَنَقْشِ الرَّحَا) ابْنُ عَرَفَةَ: حَفِيُّ الرَّحَا يُوجِبُ نَقْشَهَا.
ابْنُ الْعَطَّارِ: وَهُوَ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ عُرْفًا فَإِنْ عُدِمَ الْعُرْفُ فَعَلَى رَبِّهَا.
ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: عُرْفُنَا عَلَى الْمُكْتَرِي.

(وَآلَةِ بِنَاءٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ آجَرْتَهُ عَلَى بِنَاءِ دَارٍ فَالْأَدَاةُ وَالْفُؤُوسُ وَالْقِفَافُ وَالْمَاءُ وَالدِّلَاءُ عَلَى مَا تَعَارَفَ النَّاسُ أَنَّهَا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ حَثَيَانُ التُّرَابِ عَلَى حَافَّةِ الْقَبْرِ وَنَقْشُ الرَّحَا وَشِبْهُهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ سُنَّةٌ فَآلَةُ الْبِنَاءِ عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَنَقْشُ الرَّحَا عَلَى رَبِّهِ (وَإِلَّا فَعَلَى رَبِّهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ بَشِيرٍ فِي الْخَيْطِ، وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي آلَةِ الْبِنَاءِ وَنَقْشُ الرَّحَا.

(عَكْسُ إكَافٍ وَشِبْهِهِ) ابْنُ بَشِيرٍ: عَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ تَسْلِيمُ مَا الْعَادَةُ تَسْلِيمُهُ مَعَهَا مِنْ إكَافٍ وَبَرْذَعَةٍ وَحِزَامٍ وَسَرْجٍ فِي الْفَرَسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُعْتَادٍ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ كَالشَّرْطِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي إعَانَةِ الرَّاكِبِ فِي النُّزُولِ وَالرُّكُوبِ فِي الْمُهِمَّاتِ الْمُكَرَّرَةِ وَكَذَا رَفْعُ الْحَمْلِ.

(وَفِي السَّيْرِ وَالْمَنَازِلِ) ابْنُ شَاسٍ: كَيْفِيَّةُ السَّيْرِ وَتَفْصِيلُهُ وَقَدْرُ الْمَنَازِلِ وَمَحَلُّ النُّزُولِ فِي مَعْمُورٍ أَوْ صَحْرَاءَ مُعْتَبَرٌ بِالْعُرْفِ.

(وَالْمَعَالِيقِ) ابْنُ شَاسٍ: يَصِفُ الْمَحْمِلَ بِالسَّعَةِ وَالضِّيقِ وَيَعْرِفُ تَفَاصِيلَ الْمَعَالِيقِ، فَإِنْ

أُطْلِقَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ مَعْلُومًا فِي الْعَادَةِ صَحَّ الْعَقْدُ.

(وَالزَّامِلَةِ وَوِطَائِهِ بِمَحْمِلٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَكْرَى مَحْمِلًا لِمَكَّةَ وَلَمْ يَذْكُرْ وِطَاءً أَوْ زَامِلَةً إنْ لَمْ يَذْكُرْ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا مِنْ أَرْطَالٍ جَازَ، وَحُمِلَا عَلَى فِعْلِ النَّاسِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الزَّوَامِلَ عُرِفَتْ عِنْدَهُمْ وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ لَهُ الْمَعَالِيقَ وَكُلَّمَا عَرَفَهُ النَّاسُ مِنْ الْكِرَاءِ لَازِمُ لِلْمُكْرِي.
عِيَاضٌ: الزَّامِلَةُ مَا عُمِلَ فِي مِثْلِ الْأَخْرَاجِ وَشِبْهِهَا وَتُشَدُّ عَلَى الدَّوَابِّ وَنَحْوٌ مِنْهَا الرَّاحِلَةُ.

(وَبُدِّلَ الطَّعَامُ الْمَحْمُولُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ انْتَقَصَتْ زَامِلَةُ الْحَاجِّ أَوْ نَفِدَتْ فَأَرَادَ تَمَامَهَا وَأَبَى الْحَمَّالُ حُمِلَا عَلَى عُرْفِ النَّاسِ.

(أَوْ تَوْفِيرِهِ) سَحْنُونَ: مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً عَلَى حِمْلٍ فِيهِ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ فَأَصَابَهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ مَطَرٌ فَزَادَ وَزْنُهُ فَامْتَنَعَ الْحَمَّالُ مِنْ حَمْلِ الزِّيَادَةِ وَقَالَ رَبُّهُ هُوَ الْمَتَاعُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْحَمَّالِ حَمْلُ الزِّيَادَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: مُقْتَضَى قَوْلِهَا بِلُزُومِ حَمْلِ وَلَدِ الْمَرْأَةِ مَعَهَا حَمْلُ زِيَادَةِ الْبَلَلِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ سَحْنُونٍ سَوَاءٌ كَانَ عُرْفٌ أَمْ لَا، وَمُقْتَضَى قَوْلِهَا فِي زَامِلَةِ الْحَاجِّ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ.

(كَنَزْعِ الطَّيْلَسَانِ قَائِلَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا لِلُّبْسِ نَزَعَهُ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي الْعَادَةُ نَزْعُهُ فِيهَا كَاللَّيْلِ وَالْقَائِلَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَقَوْلِهَا مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِلْخِدْمَةِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى عُرْفِ النَّاسِ مِنْ خِدْمَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.

(وَهُوَ أَمِينٌ فَلَا ضَمَانَ) ابْنُ يُونُسَ: الْقَضَاءُ أَنَّ الْأَكْرِيَاءَ وَالْأُجَرَاءَ فِيمَا أُسْلِمَ إلَيْهِمْ كَالْأُمَنَاءِ عَلَيْهِ لَا يَضْمَنُونَهُ إلَّا الصُّنَّاعُ وَالْأَكْرِيَاءُ عَلَى حَمْلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْإِدَامِ خَاصَّةً إذْ لَا غِنَى عَنْهُ، فَضَمِنَا لِصَلَاحِ الْعَامِلَةِ كَالصُّنَّاعِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِهَلَاكِهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِمْ أَوْ يَكُونُ مَعَهُمْ أَرْبَابُهُ لَمْ يُسَلِّمُوهُ إلَيْهِمْ فَلَا يَضْمَنُوا، وَسَوَاءٌ حَمَلُوهُ عَلَى سَفِينَةٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ

رَحْلٍ.
قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ: وَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ضَمَانَ الْعُرُوضِ لَمْ يَلْزَمْ إلَّا أَنْ يُخَالِفُوا فِي شَرْطٍ يَجُوزُ.
وَمِنْ الِاسْتِغْنَاءِ: الْمُكْتَرِي مُصَدَّقٌ فِيمَا ادَّعَى إبَاقَهُ مِنْ الْعَبِيدِ وَتَلَفَهُ مِنْ الدَّوَابِّ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ فَضَيَّعَ فَذَهَبَتْ ضَمِنَهَا فَإِنْ وَجَدَهَا وَقَدْ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ كَانَتْ عَلَى حَالِهَا فَهِيَ لَهُ بِمَا غَرِمَ فِيهَا، وَلَوْ لَمْ يُضَيِّعْهَا فَذَهَبَتْ لَمْ يَضْمَنْ.

(وَلَوْ شَرَطَ إثْبَاتَهُ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا شَرَطَ الْحَامِلُونَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي الطَّعَامِ أَوْ أَنَّ عَلَيْهِمْ ضَمَانَ الْعُرُوضِ، وَمَا لَا يُضْمَنُ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ.

(إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ الْمَيِّتِ) لَوْ قَالَ " وَلَوْ لَمْ يَأْتِ " لَكَانَ أَوْلَى.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرُّعَاةِ إلَّا فِيمَا تَعَدَّوْا فِيهِ أَوْ فَرَّطُوا فِي جَمِيعِ مَا رَعَوْا مِنْ الْغَنَمِ وَالدَّوَابِّ وَلِأُنَاسٍ شَتَّى أَوْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا اُشْتُرِطَ عَلَى الرَّاعِي الضَّمَانُ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا هَلَكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَطُوا عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ مَا مَاتَ مِنْهَا ضَمِنَ فَلَا يَضْمَنُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا.

(أَوْ عَثَرَ بِدُهْنٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ آنِيَةٍ فَانْكَسَرَتْ وَلَمْ يَتَعَدَّ أَوْ انْقَطَعَ الْحَبْلُ وَلَمْ يَغُرَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا قَالَ الْمُكْرِي فِي كُلِّ عَرَضٍ إنَّهُ هَلَكَ أَوْ سُرِقَ أَوْ عَثَرَتْ الدَّابَّةُ فَانْكَسَرَتْ الْقَوَارِيرُ فَذَهَبَ الدُّهْنُ صُدِّقَ إلَّا أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الطَّعَامِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ اسْتَأْجَرْتَهُ يَحْمِلُ لَكَ عَلَى دَوَابِّهِ دُهْنًا أَوْ طَعَامًا إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَعَثَرَتْ الدَّابَّةُ فَسَقَطَتْ فَانْكَسَرَتْ الْقَوَارِيرُ فَذَهَبَ الدُّهْنُ أَوْ هَلَكَ الطَّعَامُ أَوْ انْقَطَعَتْ الْحِبَالُ فَسَقَطَ الْمَتَاعُ فَفَسَدَ، لَمْ يَضْمَنْ الْمُكْرِي قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا إلَّا أَنْ يَغُرَّ مِنْ عِثَارٍ أَوْ ضَعْفِ الْأَحْبَالِ عَنْ حَمْلِ ذَلِكَ فَيَضْمَنُ حِينَئِذٍ.
اللَّخْمِيِّ: إنْ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ أَوْ ذَكَرَ أَنَّ ذَهَابَهُ كَانَ عَلَى صِفَةٍ أَتَى فِيهَا بِمَا لَا يُشْبِهُ ضَمِنَ.

(بِفِعْلٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: مَا تَلِفَ بِسَبَبِ عَيْبٍ دَلَّسَهُ الْمُكْرِي ضَمِنَ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ

اكْتَرَى دَابَّةً أَوْ ثَوْرًا لِلطَّحْنِ فَرَبَطَهُ فِي الْمِطْحَنَةِ فَكَسَرَهَا أَوْ أَفْسَدَ آلَتَهَا لَمْ يَضْمَنْ ذَلِكَ مُكْرِيهَا إلَّا أَنْ يَغُرَّ وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهَا لِقَوْلِ مَالِكٍ: مَنْ أَكْرَى دَابَّتَهُ عَالِمًا أَنَّهَا عَثُورٌ وَلَمْ يُعْلِمْهُ ذَلِكَ فَعَثَرَتْ فَانْكَسَرَ مَا عَلَيْهَا فَهُوَ ضَامِنٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ: أَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ مَسْأَلَةِ كَسْرِ الثَّوْرِ التَّضْمِينَ بِالْغُرُورِ بِالْقَوْلِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ إنَّمَا هُوَ بِاللَّفْظِ يُرَدُّ بِأَنَّ إيجَابَهُ لُزُومَ الْعَقْدِ يُصَيِّرُهُ كَالْفِعْلِ، فَالْقَوْلُ إنْ تَضَمَّنَ عَقْدًا كَانَ غُرُورًا بِالْفِعْلِ لَا بِالْقَوْلِ.

(كَحَارِسٍ وَلَوْ حَمَّامِيًّا) . ابْنُ الْحَاجِبِ: أَجِيرُ الْحِرَاسَةِ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ جَلَسَ يَحْفَظُ ثِيَابَ مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَضَاعَ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اُسْتُؤْجِرَ يَحْرُسُ بَيْتًا فَنَامَ فَسُرِقَ مَا فِيهِ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ غَابَ عَلَيْهِ وَجَمِيعُ الْأَجْرِ لَهُ، وَكَذَلِكَ حَارِسُ النَّخْلِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يَضْمَنُ جَمِيعُ الْحُرَّاسِ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّوْا إنْ كَانَ مَا يَحْرُسُونَهُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَمْ لَا، طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ.
وَكَذَلِكَ مَنْ يُعْطَى مَتَاعًا لِيَبِيعَهُ

فَيَضِيعُ أَوْ يَضِيعُ ثَمَنُهُ إلَّا أَنَّ هَذَا الْأَجْرَ لَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.

(وَأَجِيرٌ لِصَانِعٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَضْمَنُ الْقَصَّارُ مَا أَفْسَدَهُ أَجِيرُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَجِيرِ.
وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ فِي الْغَسَّالِ يَكْثُرُ عَلَيْهِ الْمَتَاعُ فَيَسْتَأْجِرُ الْأُجَرَاءَ يَبْعَثُهُمْ إلَى الْبَحْرِ بِالثِّيَابِ إنَّهُمْ ضَامِنُونَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَيْسَ هَذَا بِخِلَافٍ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا ضَمَانَ عَلَى أَجِيرِ الْقَصَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا انْقَلَبُوا بِهَا يَعْمَلُونَ وَغَابُوا عَلَيْهَا فَهُمْ كَالصُّنَّاعِ، سَوَاءٌ أُخِذَ ذَلِكَ مِنْ التُّجَّارِ أَوْ مِنْ الصُّنَّاعِ مِثْلُهُمْ.

(وَسِمْسَارٍ إنْ ظَهَرَ خَيْرُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ) تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ يُعْطِي مَتَاعًا يَبِيعَهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَهَذَا وَاضِحٌ إنْ كَانَ لَمْ يُنَصِّبْ نَفْسَهُ لِذَلِكَ، وَإِنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَالصَّانِعِ، وَأَظُنُّ أَنِّي وَقَفْت عَلَى ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ فِي الْجَلِيسِ وَهُوَ مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ فِي حَانُوتِهِ لِشِرَاءِ الْأَمْتِعَةِ قَالَ عِيَاضٌ: كَثِيرٌ مِنْ الْبِلَادِ يَنْتَصِبُونَ لِذَلِكَ.
وَأَمَّا مُسَمًّى السِّمْسَارِ فَفِي ضَمَانِهِ مَا دُفِعَ لَهُ لِيَبِيعَهُ وَمَا طَلَبُهُ رَبُّهُ لِمُشْتَرٍ أَمَرَهُ بِشِرَائِهِ ثَالِثُهَا مَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا.
الْأَوَّلُ لِسَحْنُونٍ، وَالثَّانِي لِلْعُتْبِيَّةِ، وَالثَّالِثُ هُوَ الَّذِي أَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ.

(وَنُوتِيٍّ غَرِقَتْ سَفِينَتُهُ بِفِعْلٍ سَائِغٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا غَرِقَتْ السَّفِينَةُ مِنْ أَمْرِ النَّوَاتِيَّةِ، فَإِنْ صَنَعُوا مَا يَجُوزُ لَهُمْ مِنْ الْمَدِّ وَالْعَمَلِ فِيهَا لَمْ يَضْمَنُوا، وَإِنْ تَعَدَّوْا فَأُغْرِقُوا فِي مَدٍّ أَوْ عِلَاجٍ ضَمِنُوا مَا هَلَكَ فِيهِ مِنْ النَّاسِ وَالْحُمُولَةِ.

ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ فِي أَمْوَالِهِمْ.
وَقِيلَ إنَّ الدِّيَاتِ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ.

(لَا إنْ خَالَفَ مَرْعًى شُرِطَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ شُرِطَ رَعْيُهُ فِي مَوْضِعٍ فَرَعَى فِي غَيْرِهِ ضَمِنَ يَوْمَ التَّعَدِّي وَلَهُ أَجْرُهُ إلَى يَوْمِهِ.

(أَوْ أَنْزَى بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَنْزَى الرَّاعِي عَلَى الْغَنَمِ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهَا ضَمِنَ.

(أَوْ غَرَّ بِفِعْلٍ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَا فِيهِ تَغْرِيرٌ مِنْ الْأَعْمَالِ كَثَقْبِ اللُّؤْلُؤِ وَاحْتِرَاقِ الْخُبْزِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُفَرِّطَ أَوْ يَتَعَدَّى أَوْ يَأْخُذَهُ مِنْ غَيْرِ مَأْخَذِهِ بِعَمْدٍ أَوْ جَهْلٍ أَوْ خَطَأٍ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ سَأَلْت خَيَّاطًا قَيْسَ ثَوْبٍ فَزَعَمَ أَنَّهُ يَقْطَعُ قَمِيصًا فَابْتَعْته بِقَوْلِهِ فَلَمْ يَقْطَعْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى بَائِعِهِ.
وَكَذَلِكَ الصَّيْرَفِيُّ يَقُولُ فِي دِرْهَمٍ تُرِيهِ إيَّاهُ إنَّهُ جَيِّدٌ فَيُلْفَى رَدِيئًا، فَإِنْ غَرَّا مِنْ أَنْفُسِهِمَا عُوقِبَا وَلَا أَجْرَ لَهُمَا.
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَوْ قَالَ لِلْخَيَّاطِ إنْ جَاءَ مِنْ هَذَا الثَّوْبِ قَمِيصٌ فَاقْطَعْهُ لِي وَلَكَ كَذَا فَقَطَعَهُ فَلَمْ يَجِئْ مِنْهُ قَمِيصٌ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، وَأَمَّا مَا فِيهِ تَغْرِيرٌ كَثَقْبِ اللُّؤْلُؤِ وَاحْتِرَاقِ الْخُبْزِ فِي الْفُرْنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا إنْ لَمْ يُخْطِئْ فِي فِعْلِهِ، فَإِنْ أَخْطَأَ كَأَنْ تَزِلَّ يَدُ الْخَاتِنِ أَوْ يَقْلَعَ غَيْرَ الضِّرْسِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا فَهِيَ مِنْ جِنَايَةِ الْخَطَأِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنْ غَرَّ مِنْ نَفْسِهِ عُوقِبَ وَيُخْتَلَفُ عَلَى مَنْ الدِّيَةُ.
وَفِي رَسْمِ طَلَّقَ مِنْ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ إنَّمَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْ الْفَرَّانِ إذَا بَقِيَ مِنْ الْخُبْزِ مَا يَعْرِفُ بِهِ أَنَّهُ خُبْزُ صَاحِبِهِ، وَأَمَّا إنْ ادَّعَى أَنَّهُ احْتَرَقَ وَلَمْ يَأْتِ مِنْهُ بِشَيْءٍ يُعْرَفُ أَنَّهُ الْخُبْزُ بِعَيْنِهِ لَضَمِنَ، وَمِثْلُ هَذَا سَوَاءٌ الْغَزْلُ يَحْتَرِقُ فِي الْفُرْنِ.
وَانْظُرْ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْهُ فِي ثَقْبِ اللُّؤْلُؤِ بَيْنَ أَنْ يَتَّخِذَ فِي مَوْضِعِ الثَّقْبِ أَمْ لَا فَرْقَ.
وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ دُونَ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَهُ يَقُومُ لَهُ مَقَامَ شَاهِدٍ.
وَمِثْلُ احْتِرَاقِ الْخُبْزِ الثَّوْبُ فِي قِدْرِ الصَّبَّاغِ، وَالْحَجَّامُ يَقْلَعُ ضِرْسَ الرَّجُلِ فَيَمُوتُ بِخِلَافِ إذَا قَلَعَ غَيْرَ الضِّرْسِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا فَإِنَّهَا مِنْ جِنَايَةِ الْخَطَأِ.

(فَقِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَكْرَى دَابَّةً وَهِيَ عَثُورٌ أَوْ رَبُوضٌ وَلَمْ يُعْلِمْ الْمُكْتَرِيَ بِذَلِكَ فَحَمَلَ عَلَيْهَا دُهْنًا مِنْ مِصْرَ إلَى فِلَسْطِينَ فَعَثَرَتْ بِالْعَرِيشِ ضَمِنَ قِيمَةَ الدُّهْنِ بِالْعَرِيشِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: بِمِصْرَ؛ لِأَنَّهُ مِنْهَا تَعَدَّى.

(أَوْ صَانِعٌ فِي مَصْنُوعِهِ) . ابْنُ رُشْدٍ: وَالْأَصْلُ فِي الصُّنَّاعِ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ مُؤْتَمَنُونَ

لِأَنَّهُمْ أُجَرَاءُ، «وَقَدْ أَسْقَطَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الضَّمَانَ عَنْ الْأَجِيرِ» . وَخَصَّصَ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ الصُّنَّاعَ وَضَمَّنُوهُمْ نَظَرًا وَاجْتِهَادًا لِضَرُورَةِ النَّاسِ.
وَكَانَ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ الْغَالِبَةِ الَّتِي تَجِبُ مُرَاعَاتُهَا.
وَقَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُمْ ضَامِنُونَ لِمَا غَابُوا عَلَيْهِ وَادَّعَى تَلَفَهُ وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِمْ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا ثَبَتَ ضَيَاعُهُ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيعٍ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ إلَّا أَشْهَبَ فَإِنَّهُ ضَمَّنَهُمْ وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى التَّلَفِ.
وَلِقَوْلِهِ حَظٌّ مِنْ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا وَجَبَ أَنْ يَضْمَنُوا لِمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ لَمْ يَسْقُطْ الضَّمَانُ عَنْهُمْ بِالْبَيِّنَةِ حَسْمًا لِلذَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّ مَا طَرِيقُهُ الْمَصَالِحُ وَقَطْعُ الذَّرَائِعِ لَا يُخَصَّصُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ.
أَصْلُ ذَلِكَ شَهَادَةُ الِابْنِ لِأَبِيهِ وَلِأَنَّ مَنْ ضَمِنَ بِلَا بَيِّنَةٍ ضَمِنَ وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ.
أَصْلُهُ الْغَاصِبُ، وَلِأَنَّ مَنْ قَبَضَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ فَضَمِنَ بِلَا بَيِّنَةٍ ضَمِنَ وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ.
أَصْلُهُ الْقَرْضُ وَقَوْلُ مَالِكٍ أَصَحُّ (لَا غَيْرُهُ وَلَوْ مُحْتَاجًا لَهُ) . ابْنُ شَاسٍ: قَالَ مُحَمَّدٌ: يَضْمَنُ الصَّانِعُ مَا لَا صَنْعَةَ لَهُ فِيهِ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ حُضُورِهِ عِنْدَ الصَّانِعِ مِثْلَ الْكِتَابِ الْمُنْتَسَخِ مِنْهُ وَالْمِثَالُ الَّذِي يُعْمَلُ عَلَيْهِ وَجَفِيرُ السَّيْفِ الَّذِي يُصَاغُ عَلَى نَصْلِهِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ سُلِّمَ لِلصَّانِعِ بِغَيْرِ جَفِيرٍ فَسَدَ، وَمِثْلُهُ ظَرْفُ الْقَمْحِ وَالْعَجِينِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
اللَّخْمِيِّ: قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا إذَا كَانَ الثَّوْبُ غَلِيظًا لَا يَحْتَاجُ لِوِقَايَةٍ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الصَّانِعَ لَا يَضْمَنُ الْمِنْدِيلَ وَإِلَّا فَفِي طَرْحِ ضَمَانِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ لِسَحْنُونٍ، وَالثَّانِي لِابْنِ حَبِيبٍ، وَالثَّالِثُ لِابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ.
اُنْظُرْ آخِرَ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ فَفِيهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ

عَلَيْهِ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي عَمَلِهِ كَالْآتِي لِلْخَرَّازِ بِزَوْجِي خُفٌّ لِيَعْمَلَ لَهُ فِي أَحَدِهِمَا وَأَنَّهُ مَقْبُولٌ قَوْلُهُ فِي تَلَفِ أَحَدِهِمَا، لَكِنْ الشُّيُوخُ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ تَقْوِيمِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ مِنْهُمَا، هَلْ يُقَوَّمُ وَحْدَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا صَاحِبَ لَهُ أَوْ يُقَوَّمَا مَعًا ثُمَّ يُقَوَّمُ الْبَاقِي وَحْدَهُ؟ (وَإِنْ عَمِلَ بِبَيِّنَةٍ) سَمِعَ عِيسَى: لَا ضَمَانَ عَلَى الصَّانِعِ حَتَّى يَكُونَ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ.
اللَّخْمِيِّ: وَسَوَاءٌ كَانَ بِسُوقِهَا أَوْ دَارِهِ (أَوْ بِلَا أَجْرٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: وَسَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ اسْتَعْمَلَ الصَّانِعَ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَا قَبَضُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ عَمِلُوهُ بِغَيْرِ أَجْرٍ كَغَيْرِهِ (أَوْ نَصَّبَ نَفْسَهُ) . ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا فِي الصَّانِعِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا الصَّانِعُ الْخَاصُّ الَّذِي لَمْ يُنَصِّبْ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ لِلنَّاسِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا اسْتَعْمَلَ إيَّاهُ أَوْ سَلَّمَ إلَيْهِ أَوْ عَمِلَهُ فِي مَنْزِلِ رَبِّ الْمَتَاعِ (وَغَابَ عَلَيْهَا) ابْنُ رُشْدٍ: يَضْمَنُ الصُّنَّاعُ كُلَّمَا أَتَى عَلَى أَيْدِيهمْ مِنْ خَرْقٍ أَوْ كَسْرٍ أَوْ قَطْعٍ إذَا عَمِلُوهُ فِي حَوَانِيتِهِمْ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ قَاعِدًا مَعَهُ إلَّا فِيمَا كَانَ فِيهِ تَغْرِيرٌ مِنْ الْأَعْمَالِ مِثْلُ ثَقْبِ اللُّؤْلُؤِ وَنَقْشِ الْفُصُوصِ وَتَقْوِيمِ السُّيُوفِ وَاحْتِرَاقِ الْخُبْزِ عِنْدَ الْفَرَّانِ وَالثَّوْبِ فِي قِدْرِ الصَّبَّاغِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَتَى عَلَى أَيْدِيهمْ فِيهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ تَعَدَّى فِيهَا أَوْ أَخَذَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ مَأْخَذِهَا فَيَضْمَنُ حِينَئِذٍ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ الْبَيْطَارُ يَطْرَحُ الدَّابَّةَ فَتَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ الْخَاتِنُ يَخْتِنُ الصَّبِيَّ فَيَمُوتُ مِنْ خِتَانِهِ،

أَوْ الطَّبِيبُ يَسْقِي الْمَرِيضَ فَيَمُوتُ مِنْ سَقْيِهِ، أَوْ يَكْوِيهِ فَيَمُوتُ مِنْ كيه، أَوْ يَقْطَعُ مِنْهُ شَيْئًا فَيَمُوتُ مِنْ قَطْعِهِ، أَوْ الْحَجَّامُ يَقْلَعُ ضِرْسَ الرَّجُلِ فَيَمُوتُ الْمَقْلُوعَةُ ضِرْسُهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي مَالِهِ وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي جَمِيعِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا فِيهِ التَّغْرِيرُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ فَكَانَ صَاحِبُهُ هُوَ الَّذِي عَرَّضَهُ لِمَا أَصَابَهُ.
وَهَذَا إذَا لَمْ يُخْطِئْ فِي فِعْلِهِ، وَأَمَّا إذَا أَخْطَأَ مِثْلَ أَنْ يَسْقِيَ الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ مَا لَا يُوَافِقُ مَرَضَهُ، أَوْ تَزِلَّ يَدُ الْخَاتِنِ أَوْ الْقَاطِعِ فَيَتَجَاوَزَ فِي الْقَطْعِ، أَوْ الْكَاوِي فَيَتَجَاوَزَ فِي الْكَيِّ، أَوْ يَدُ الْحَجَّامِ فَيَقْطَعَ غَيْرَ الضِّرْسِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَلَمْ يَغُرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَذَلِكَ خَطَأٌ يَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ فَيَكُونُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُحْسِنُ وَغَرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَعَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ.
وَاخْتُلِفَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدِّيَةُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهَا عَلَيْهِ.
وَانْظُرْ ابْنَ رُشْدٍ إذَا عَمِلُوهُ فِي حَوَانِيتِهِمْ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ قَاعِدًا مَعَهُ.
وَلَهُ فِي رَسْمِ جَعَلَ مِنْ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّ الصَّانِعَ ضَامِنٌ لِمَا أَفْسَدَ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَعْمَلُهَا فِي دَارِهِ أَوْ فِي حَانُوتِهِ مَنْ غَرَّ نَفْسَهُ أَوْ لَمْ يَغُرَّ صَحِيحٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْفَسَادُ مِنْ أَمْرٍ غَرِيبٍ كَالنَّارِ أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ تَفْرِيطٌ.
قَالَ: وَأَمَّا إذَا أَتَى الرَّجُلُ بِالصَّانِعِ إلَى دَارِهِ فَعَمِلَ عِنْدَهُ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ فِيمَا أَفْسَدَ فِي عَمَلِهِ إلَّا أَنْ يَغُرَّ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَدَّى فِي عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ وَمُؤْتَمَنٌ.
وَلَهُ فِي سَمَاعِ ابْنِ خَالِدٍ: وَمَا عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ مِنْ قَرْضِ فَأْرٍ أَوْ نَخْسِ سُوسٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ أَنْ يُضَيِّعُوا.
وَمِثْلُ قَرْضِ الْفَأْرِ اُخْتُلِفَ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْفَأْرِ سَبَبٌ.
قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ بَيْنَ أَنْ يَتْلَفَ بِسَيْلٍ أَوْ صَاعِقَةٍ أَوْ يَكُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ سَبَبٌ فَرْقٌ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا احْتَرَقَ بَيْتُهُ أَوْ سُرِقَ أَوْ ذَهَبَ بِهِ سَيْلٌ فَادَّعَى أَنَّ الْمَطَرَ تَلِفَ فِي جُمْلَةِ مَتَاعِ بَيْتِهِ اهـ. اُنْظُرْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الرَّهْنِ: " بِكَحَرْقِهِ ".

(فَبِقِيمَتِهِ يَوْمَ دَفْعِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: إذَا ادَّعَى الصَّانِعُ ضَيَاعَ الْمَتَاعِ الَّذِي اسْتَعْمَلَ إيَّاهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ دُفِعَ إلَيْهِ عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ صِفَتِهِ حِينَئِذٍ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّ قِيمَتَهُ يَوْمَ ضَاعَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ دَفَعَهُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ أَقَرَّ أَنَّهُ تَلِفَ عِنْدَهُ أَوْ يَظْهَرُ عِنْدَ الصَّانِعِ بَعْدَ دَفْعِهِ إلَيْهِ بِمُدَّةٍ فَيَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ ظَهَرَ عِنْدَهُ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَئِذٍ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَئِذٍ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ وَالْعَارِيَّةُ.

(وَلَوْ شُرِطَ نَفْيُهُ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ اشْتَرَطَ الصَّانِعُ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْفَعْهُ شَرْطُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ.
هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِالْأَجْرِ الْمُسَمَّى لِإِسْقَاطِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ.

(أَوْ دَعَا لِأَخْذِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا دَعَاكَ الصَّانِعُ لِأَخْذِ الثَّوْبِ وَقَدْ فَرَغَ مِنْهُ وَلَمْ تَأْخُذْهُ فَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ حَتَّى يَصِلَ إلَى يَدِكَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا إنْ لَمْ يَقْبِضْ أَجْرَهُ.

(إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ ضَاعَ أَوْ سُرِقَ أَوْ احْتَرَقَ بِمُعَايَنَةِ بَيِّنَةٍ بِغَيْرِ سَبَبِ الصَّانِعِ لَمْ يَضْمَنْهُ.

(فَتَسْقُطُ الْأُجْرَةُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِكُلِّ صَانِعٍ أَوْ حَمَّالٍ عَلَى ظَهْرٍ أَوْ سَفِينَةٍ مَنْعُ مَا حَمَلَ أَوْ عَمِلَ حَتَّى يَأْخُذَ أَجْرَهُ، فَإِنْ هَلَكَ ذَلِكَ بِأَيْدِيهِمْ فِي مَنْعِهِمْ فَالصُّنَّاعُ ضَامِنُونَ وَلَا

أَجْرَ لَهُمْ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى الضَّيَاعِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ وَلَا أَجْرَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُسَلِّمُوا مَا عَمِلُوا إلَى أَرْبَابِهِ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ احْتَرَقَ الثَّوْبُ عِنْدَ الْقَصَّارِ أَوْ أَفْسَدَهُ أَوْ ضَاعَ عِنْدَهُ بَعْدَ الْقِصَارَةِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ قَبْضِهِ أَبْيَضَ، وَلَيْسَ لِرَبِّهِ أَنْ يُغَرِّمَهُ قِيمَتَهُ مَصْنُوعًا أَوْ يُعْطِيَهُ أَجْرَهُ.

(إلَّا أَنْ يُحْضِرَهُ لِرَبِّهِ بِشَرْطِهِ) اللَّخْمِيِّ: لَوْ أَحْضَرَ الصَّانِعُ الثَّوْبَ وَرَآهُ صَاحِبُهُ مَصْبُوغًا عَلَى صِفَةِ مَا شَارَطَهُ عَلَيْهِ وَكَانَ قَدْ دَفَعَ الْأُجْرَةَ ثُمَّ تَرَكَهُ عِنْدَهُ فَادَّعَى ضَيَاعَهُ لَصُدِّقَ وَلِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَقَدْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْإِجَارَةِ وَصَارَ إلَى الْإِيدَاعِ.

(وَصُدِّقَ إنْ ادَّعَى خَوْفَ مَوْتٍ فَنَحَرَ أَوْ سَرِقَةَ مَنْحُورِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالرَّاعِي مُصَدَّقٌ فِيمَا هَلَكَ أَوْ سُرِقَ، وَلَوْ قَالَ: ذَبَحْتهَا ثُمَّ سُرِقَتْ صُدِّقَ، وَلَوْ خَافَ مَوْتَ الشَّاةِ فَأَتَى بِهَا مَذْبُوحَةً صُدِّقَ وَلَمْ يَضْمَنْ.

(أَوْ قَلْعَ ضِرْسٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا قَلَعَ الْحَجَّامُ ضِرْسَ رَجُلٍ بِأَجْرٍ فَقَالَ لَهُ: لَمْ آمُرْكَ إلَّا بِقَلْعِ الَّذِي يَلِيهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِهِ حِين قَلَعَهُ فَتَرَكَهُ وَلَهُ أَجْرُهُ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْحَجَّامُ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَجْرٌ، يُرِيدُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْعَقْلُ فِي الْخَطَأِ وَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ.

(أَوْ صَبَغَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ صَبَغَهُ أَحْمَرَ أَوْ أَسْوَدَ وَقَالَ بِذَلِكَ أَمَرَنِي رَبُّهُ وَقَالَ رَبُّهُ أَخْضَرَ، صُدِّقَ الصَّانِعُ إلَّا أَنْ يَصْنَعَهُ صَبْغًا لَا يُشْبِهُ مِثْلُهُ (فَنُوزِعَ فِيهِ) اُنْظُرْ هَذَا الضَّمِيرَ هَلْ يَعُودُ عَلَى مَا ذُكِرَ.

(وَفُسِخَتْ بِتَلَفِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ لَا بِهِ إلَّا صَبِيَّ تَعْلِيمٍ وَرَضَاعٍ وَفَرَسَ نَزْوٍ وَرَوْضٍ) لَوْ قَالَ: " لَا لَهُ " لِتَنْزِلَ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ.
وَعِبَارَتُهُ أَعْنِي ابْنَ رُشْدٍ: إنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلٍ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا غَايَةَ لَهُ إلَّا بِضَرْبِ الْأَجَلِ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَلَى أَنْ يَرْعَى لَهُ غَنَمًا بِأَعْيَانِهَا أَوْ يَتَّجِرَ لَهُ فِي مَالٍ شَهْرًا أَوْ سَنَةً، فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ هَذِهِ الْإِجَارَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِشَرْطِ الْخَلَفِ إلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ،

فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ فِيهَا بِمَوْتِ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ، وَمَوْتِ الصَّبِيِّ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى تَعْلِيمِهِ، وَمَوْتِ الصَّبِيِّ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى رَضَاعِهِ، وَمَوْتِ الدَّابَّةِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى رِيَاضَتِهَا، وَعُقُوقِ الرَّمَكَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْأَكْوَامِ الْمُشْتَرَطَةِ اهـ. وَانْظُرْ أَيْضًا قَوْلَ الشُّيُوخِ: الْحَقُّ الْمُتَعَلِّقُ بِمُعَيَّنٍ يَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ كَمَوْتِ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ وَانْهِدَامِ الدَّارِ، وَأَمَّا مَحَلُّ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلْزَمُ تَعْيِينُهُ كَالرَّضِيعِ وَالْمُتَعَلِّمِ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ تَنْفَسِخْ عَلَى الْأَصَحِّ كَثَوْبِ الْخِيَاطَةِ.
وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ: الْأَشْيَاءُ الْمُسْتَأْجَرُ عَلَيْهَا لَا تَتَعَيَّنُ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى حَمْلِ مَتَاعٍ أَوْ طَعَامٍ مَا احْتَاجَ إلَى شَرْطِ خَلَفِهِ إنْ هَلَكَ وَالْحُكْمُ يُوجِبُ خَلَفَهُ ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَقُولُ بِقَوْلِ الْغَيْرِ إنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ خَلَفٍ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُوجِبُ الْخَلَفَ، وَمِنْ الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ اُسْتُؤْجِرَ فِيهِ عَلَى عَمَلِهِ أَوْ حَمْلِهِ أَوْ رِعَايَتِهِ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُشْتَرَطَ أَنَّهُ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ لَا غَيْرُهُ، فَيَصِيرُ رَبُّ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَأْتِيَ بِغَيْرِهَا قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ، وَإِنْ هَلَكَتْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِهَا.
وَلَوْ أَرَاهُ حِينَ الْعَقْدِ مَا يَعْمَلُهُ أَوْ يَحْمِلُهُ أَوْ يَرْعَاهُ فَإِنَّ ذَلِكَ كَالصِّفَةِ بِمَا يَعْمَلُ أَوْ يَحْمِلُ أَوْ يَرْعَى، فَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ بِعَيْنِهِ لَا يَعْدُوهُ لَمْ يَجُزْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَدَابَّةٌ لِرُكُوبِهَا " أَنَّ الرَّاكِبَ إنْ عَيَّنَ لَمْ يَلْزَمْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِلَّا فَلَهُ الْخَلَفُ عَلَى آخَرَ كَرَاكِبٍ " قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّهُمْ لَمْ يَزِفُّوا عَرُوسًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَنَّ عَلَيْهِمْ الْكِرَاءَ.
وَسَيَأْتِي أَيْضًا إذَا عَيَّنَ الْيَوْمَ فَتَأَخَّرَ انْفَسَخَ الْكِرَاءُ وَلِذَهَابِ الْيَوْمِ الْمُعَيَّنِ.
وَيُرَدُّ الْكِرَاءُ وَلَا يَسْتَعْمِلُهُ بِهِ فِي يَوْمٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَإِنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِيَزِفَّ عَلَيْهَا عَرُوسًا لَيْلَةً مُعَيَّنَةً فَتَأَخَّرَ الزِّفَافُ لِمَرَضٍ أَوْ عُذْرٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كِرَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَ التَّأْخِيرُ اخْتِيَارًا لَزِمَهُ الْكِرَاءُ وَلَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا فِي مِثْلِهِ اهـ. فَانْظُرْ أَنْتَ هَذَا كُلَّهُ وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ عَلَى حَصَادِ زَرْعٍ فَهَلَكَ الزَّرْعُ قَبْلَ الْحَصَادِ فَقَالَ: يَحْصُدُ لَهُ زَرْعًا آخَرَ، وَقِيلَ: يَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَيَغْرَمُ الْأَجِيرُ ثَمَنَ الْجُزْءِ الَّذِي لَهُ إنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ بِجُزْءٍ مِنْهُ.

(وَسِنٍّ لِقَلْعٍ فَسَكَنَتْ كَعَفْوِ الْقِصَاصِ) ابْنُ شَاسٍ: تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَنْعِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ شَرْعًا كَسُكُونِ

أَلَمِ السِّنِّ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى قَلْعِهَا، وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى اسْتِيفَائِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا إنْ كَانَ الْعَفْوُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَأْجَرِ وَانْظُرْ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجَرِ فِي سُكُونِ أَلَمِهِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ.

(وَبِغَصْبِ الدَّارِ) فِي الْوَاضِحَةِ: مَنْ اكْتَرَى دَارًا سَنَةً أَوْ شَهْرًا فَقَبَضَهَا ثُمَّ غَصَبَهَا إيَّاهُ السُّلْطَانُ فَمُصِيبَةُ ذَلِكَ عَلَى رَبِّهَا وَلَا كِرَاءَ لَهُ فِيمَا بَقِيَ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُسَوَّدَةِ حِينَ أَخْرَجُوا الْمُتَكَارِيَيْنِ وَسَكَنُوا، وَكَذَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَغَصْبِ مَنْفَعَتِهَا) ابْنُ حَبِيبٍ: وَسَوَاءٌ غَصَبُوا الدُّورَ مِنْ أَصْلِهَا وَأَخْرَجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا وَسَكَنُوهَا لَا يُرِيدُونَ إلَّا السُّكْنَى حَتَّى يَرْتَحِلُوا.

(وَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِإِغْلَاقِ الْحَوَانِيتِ) ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَلِكَ الْحَوَانِيتُ يَأْمُرُ السُّلْطَانُ بِغَلْقِهَا الْأَكْرَاءُ عَلَى مُكْتَرِيهَا مِنْ رَبِّهَا.
وَقَالَ سَحْنُونَ: الْجَائِحَةُ مِنْ الْمُكْتَرِي.
وَلِابْنِ حَبِيبٍ فِي ذَلِكَ تَفْرِيقٌ.
ابْنُ يُونُسَ: لَيْسَ هَذَا كُلُّهُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا مَنَعَ الْمُكْتَرِيَ مِنْ السُّكْنَى مِنْ أَمْرٍ غَالِبٍ لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَاصِبٍ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَنَعَهُ أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ كَانْهِدَامِ الدَّارِ أَوْ امْتِنَاعِ مَاءِ السَّمَاءِ حَتَّى مَنَعَهُ حَرْثَ الْأَرْضِ، فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى مَا اكْتَرَى.
وَقَالَ أَصْبَغُ: مَنْ أَكْتَرَى رَحًا سَنَةً فَأَصَابَ أَهْلَ ذَلِكَ الْمَكَانِ فِتْنَةٌ جَلَوْا بِهَا مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَجَلَا مَعَهُمْ الْمُكْتَرِي أَوْ بَقِيَ آمِنًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَأْتِيهِ الطَّعَامُ لِجَلَاءِ النَّاسِ، فَهُوَ كَبُطْلَانِ الرَّحَا بِنَقْصِ الْمَاءِ أَوْ كَثْرَتِهِ، وَيُوضَعُ عَنْهُ قَدْرُ الْمُدَّةِ الَّتِي جَلَوْا فِيهَا.
وَكَذَلِكَ الْفَنَادِقُ الَّتِي تُكْرَى لِأَيَّامِ الْمَوْسِمِ إذَا أَخْطَأَهَا ذَلِكَ لِفِتْنَةٍ نَزَلَتْ أَوْ غَيْرِهَا بِخِلَافِ الدَّارِ تُكْرَى ثُمَّ تَنْجَلِي الْفِتْنَةُ وَأَقَامَ الْمُكْتَرِي آمِنًا أَوْ رَحَلَ لِلْوَحْشَةِ وَهُوَ آمِنٌ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ كُلُّهُ، وَلَوْ انْجَلَى لِلْخَوْفِ سَقَطَ عَنْهُ كِرَاءُ مُدَّةِ الْجَلَاءِ.
اهـ. قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ.

(وَحَمْلِ ظِئْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ حَمَلَتْ الْمُرْضِعُ فَخَافُوا عَلَى الصَّبِيِّ أَلَهُمْ فَسْخُ الْإِجَارَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ.
وَنَقَلَ اللَّخْمِيِّ فَسْخَهُ بِمُجَرَّدِ الْحَمْلِ لَا بِقَيْدِ الْخَوْفِ عَلَى الْوَلَدِ قَائِلًا: لِأَنَّ رَضَاعَ الْحَامِلِ يَضُرُّ الْوَلَدَ.

(أَوْ مَرَضٍ لَا تَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رَضَاعٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ مَرِضَتْ الظِّئْرُ بِحَيْثُ لَا تَقْدِرُ عَلَى رَضَاعِ الصَّبِيِّ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ، فَإِنْ صَحَّتْ فِي بَقِيَّةٍ مِنْهَا جَرَتْ عَلَى رَضَاعِهِ بَقِيَّتَهَا وَلَهَا مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا أَرْضَعَتْ وَلَا عَلَيْهَا إرْضَاعُ مَا مَرِضَتْ.
قَالَ غَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَا تَفَاسَخَا.

(وَمَرَضِ عَبْدٍ وَهَرَبِهِ لِكَعَدُوٍّ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ فِي بَقِيَّتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ آجَرَ عَبْدَهُ ثُمَّ هَرَبَ السَّيِّدُ إلَى بَلَدِ الْحَرْبِ فَالْإِجَارَةُ بِحَالِهَا لَا تُنْتَقَضُ، وَأَمَّا إنْ هَرَبَ الْعَبْدُ لِبَلَدِ الْحَرْبِ أَوْ أَبَقَ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَرْجِعَ الْعَبْدُ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ مَرِضَ الْعَبْدُ الْمُسْتَأْجَرُ مَرَضًا بَيِّنًا انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَصِحَّ الْعَبْدُ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُهَا.
قَالَ غَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَا تَفَاسَخَا أَوْ

فُسِخَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ تَمَامُهَا.
ابْنُ يُونُسَ: وَكَذَلِكَ الدَّارُ يَنْهَدِمُ بَعْضُهَا ثُمَّ يُصْلِحُهَا رَبُّهَا قَبْلَ الْفَسْخِ وَقَدْ بَقِيَ بَعْضُ الْمُدَّةِ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُهَا، وَأَمَّا لَوْ انْهَدَمَ جَمِيعُهَا ثُمَّ بَنَاهَا فَلَا يَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ سُكْنَى بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ.
وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَإِنْ تَرَاوَغَ الْعَبْدُ الْمُسْتَأْجَرُ حَتَّى تَمَّتْ الْمُدَّةُ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ عَمِلَ شَيْئًا فَلَهُ بِحِسَابِهِ وَهَذَا فِي شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
وَإِنَّمَا الَّذِي يَلْزَمُهُ عَمَلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: اطْحَنْ لِي فِي هَذَا الشَّهْرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَيْبَةً فَهَذَا لَا يَضُرُّ ذِكْرُ الْوَقْتِ، وَيَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِوَاقِعٍ عَلَى وَقْتٍ وَلَكِنْ عَلَى عَمَلٍ مُسَمًّى، وَكَمَنْ قَالَ لِلسَّقَّاءِ: اُسْكُبْ لِي فِي هَذَا الشَّهْرِ ثَلَاثِينَ قُلَّةً فَتَرَاوَغَ فِيهِ فَذَلِكَ بَاقٍ عَلَيْهِ.

(بِخِلَافِ مَرَضِ دَابَّةٍ بِسَفَرٍ ثُمَّ تَصِحُّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا اعْتَلَّتْ الدَّابَّةُ الْمُكْتَرَاةُ فِي الطَّرِيقِ، يُرِيدُ وَهُوَ بِعَيْنِهَا فُسِخَ الْكِرَاءُ، وَإِنْ صَحَّتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ كِرَاؤُهَا بَقِيَّةَ الطَّرِيقِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ لِلضَّرُورَةِ فِي صَبْرِ الْمُسَافِرِ عَلَيْهَا وَهِيَ إنْ صَحَّتْ بَعْدَهُ لَمْ تَلْحَقْهُ وَإِنْ لَحِقَتْهُ فَلَعَلَّهُ قَدْ اكْتَرَى غَيْرَهَا.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ كِرَاؤُهُ لِلْعَبْدِ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ فِيهِ مِنْ الضَّرُورَةِ مَا يَلْحَقُهُ فِي الدَّابَّةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا.؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْعَبْدِ فِي الْحَضَرِ.
قَالَهُ بَعْضُ فُقَهَائِنَا.

(وَخُيِّرَ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سَارِقٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ فَأَلْفَاهُ سَارِقًا فَهُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ التَّحَفُّظَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَلْفَيْت الْمُسَاقِي سَارِقًا.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ أَجِيرَ الْخِدْمَةِ قَدْ مَلَكْت جَمِيعَ مَنَافِعِهِ فَهُوَ كَالشِّرَاءِ، وَالْمُسَاقِي إنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْهُ.

(وَبِرُشْدِ صَغِيرٍ عَقَدَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى سِلَعِهِ وَلِيٌّ إلَّا لِظَنِّ عَدَمِ بُلُوغِهِ وَبَقِيَ كَالشَّهْرِ كَسَفِيهٍ ثَلَاثَ سِنِينَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَجَّرَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ فَاحْتَلَمَ بَعْدَ سَنَةٍ وَلَمْ يَظُنَّ ذَلِكَ بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ بَاقِيَ الْمُدَّةِ إلَّا أَنْ يَبْقَى كَالشَّهْرِ وَيَسِيرِ الْأَيَّامِ، وَلَا يُؤَاجِرُ وَصِيٌّ يَتِيمَهُ وَلَا أَبٌ وَلَدَهُ بَعْدَ احْتِلَامِهِ.
قَالَ يَحْيَى: وَرُشْدِهِ وَإِنْ أَكْرَى الْوَصِيُّ رُبُعَ يَتِيمِهِ وَدَوَابِّهِ وَرَقِيقِهِ سِنِينَ وَاحْتَلَمَ الصَّبِيُّ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ، فَإِنْ كَانَ يُظَنُّ بِمِثْلِهِ أَنَّهُ لَا يَحْتَلِمُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَعَجِلَ عَلَيْهِ الِاحْتِلَامُ وَأُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ فَلَا فَسْخَ لَهُ وَيَلْزَمُهُ بَاقِيهَا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ صَنَعَ مَا يَجُوزُ لَهُ، وَأَمَّا إنْ عَقَدَ عَلَيْهِ أَمَدًا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَبْلُغُ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي نَفْسِهِ وَلَا فِيمَا يَمْلِكُ مِنْ رَبْعٍ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ.
وَأَمَّا سَفِيهٌ بَالِغٌ وَآجَرَ عَلَيْهِ وَلِيٌّ أَوْ سُلْطَانٌ رُبُعَهُ وَرَقِيقَهُ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى حَالِ الرُّشْدِ فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ عَقَدَ يَوْمَئِذٍ مَا يَجُوزُ لَهُ.

(وَبِمَوْتِ مُسْتَحِقِّ وَقْفٍ آجَرَ وَمَاتَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا عَلَى الْأَصَحِّ) . ابْنُ رُشْدٍ: إنْ مَاتَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مِنْ ذَوِي الْوَقْفِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّتِهَا انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فِي بَاقِي الْمُدَّةِ لِتَنَاوُلِهَا مَا لَا حَقَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِيهِ.
وَقِيلَ: إنْ أَكْرَى مُدَّةً يَجُوزُ الْكِرَاءُ إلَيْهَا لَزِمَ بَاقِيهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا الْقَوْلَ الثَّانِيَ لِغَيْرِ ابْنِ شَاسٍ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَعْمَرَكَ رَجُلٌ حَيَاتَكَ خِدْمَةَ عَبْدٍ لَمْ تُؤَاجِرْهُ إلَّا لِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ كَسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ أَمَدًا مَأْمُونًا، وَلَوْ أَوْصَى لَكَ بِخِدْمَةٍ عَشْرَ سِنِينَ وَأَكْرَيْتُهُ فِيهَا جَازَ.
وَهَذَا خِلَافُ الْمُخْدَمِ حَيَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ مَاتَ الْمُخْدَمُ سَقَطَتْ الْخِدْمَةُ وَالْمُؤَجَّلُ يَلْزَمُ بَاقِيهَا لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ.

(لَا بِإِقْرَارِ الْمَالِكِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِإِقْرَارِ الْمُكْرِي بِغَصْبِ الْمُكْرَى وَاضِحٌ كَقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي لَغْوِ إقْرَارِ الرَّاهِنِ بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ الرَّهْنِ بَعْدَ رَهْنِهِ لَا يُقْبَلُ عَلَى

الْمُرْتَهِنِ.

(أَوْ بِتَخَلُّفِ رَبِّ الدَّابَّةِ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَحَجٍّ وَإِنْ فَاتَ مَقْصِدُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اكْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ إبِلَهُ إلَى بَلَدٍ فَهَرَبَ بِهَا، وَالْكِرَاءُ إلَى مَكَّةَ وَغَيْرِهَا، تَكَارَى عَلَيْكَ الْإِمَامُ وَرَجَعْت عَلَيْهِ بِمَا اكْتَرَيْت بِهِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: إنَّمَا يُكْرَى عَلَيْهِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ مَعْرُوفٌ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا تَغَيَّبَ الْجَمَّالُ يَوْمَ خُرُوجِكَ فَلَيْسَ لَكَ عَلَيْهِ إنْ لَقِيَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا الرُّكُوبُ أَوْ الْحَمْلُ وَلَهُ كِرَاؤُهُ، وَهَذَا فِي كُلِّ سَفَرٍ فِي كِرَاءٍ مَضْمُونٍ إلَّا الْحَاجَّ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ وَإِنْ قَبَضَ الْكِرَاءَ وَرَدَّهُ لِزَوَالِ إبَّانِهِ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: لِأَنَّ أَيَّامَ الْحَجِّ مُعَيَّنَةٌ فَإِذَا فَاتَتْ انْفَسَخَ الْكِرَاءُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا اكْتَرَى أَيَّامًا بِعَيْنِهَا وَلَا يَتَمَادَى وَإِنْ رَضِيَا.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا إذَا نَقَدَهُ الْكِرَاءَ؛ لِأَنَّ بِذَهَابِ الْأَيَّامِ الْمُعَيَّنَةِ يَجِبُ فَسْخُ الْكِرَاءِ وَرَدُّ مَا انْتَقَدَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ فِي ذَلِكَ رُكُوبًا؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الدَّابَّةِ بِعَيْنِهَا يَكْتَرِيهَا لِيَرْكَبَهَا إلَى غَدٍ فَيَغِيبُ رَبُّهَا ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رُكُوبُهَا.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَعْيِينَ الْيَوْمِ وَإِنَّمَا قَصَدَ الرُّكُوبَ، قَالَ غَيْرُهُ: وَلَوْ رَفَعَ إلَى الْإِمَامِ النَّظَرَ وَفَسْخَ مَا آلَ إلَى الضَّرَرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ أَكْرَاهَا أَيَّامًا مُعَيَّنَةً انْتَقَضَ الْكِرَاءُ فِيمَا غَابَ مِنْهَا كَالْعَبْدِ يَسْتَأْجِرُهُ شَهْرًا بِعَيْنِهِ يَمْرَضُ أَوْ يَأْبَقُ فَإِنَّهُ تُنْتَقَضُ الْإِجَارَةُ، وَكَذَلِكَ شَهْرًا بِعَيْنِهِ فِي الرَّاحِلَةِ بِعَيْنِهَا لِرُكُوبٍ أَوْ طَحْنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَضْمُونِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا اكْتَرَى عَلَى الْحَجِّ فَلَمْ يَأْتِ الْكَرِيُّ حَتَّى فَاتَ الْإِبَّانُ فَإِنَّ الْمُكْتَرِيَ يُخَيَّرُ، فَإِنْ شَاءَ بَقِيَ لِقَابِلٍ بِخِلَافِ الْأَيَّامِ الْمُعَيَّنَةِ إذَا فَاتَتْ لَا بُدَّ مِنْ الْفَسْخِ.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَعَدَمُ بَيَانِ الِابْتِدَاءِ ".

(أَوْ فِسْقِ مُسْتَأْجِرٍ وَآجَرَ الْحَاكِمُ إنْ لَمْ يَكُفَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا ظَهَرَتْ مِنْ مُكْتَرِي الدَّارِ خَلَاعَةٌ

وَفِسْقٌ وَشُرْبُ خَمْرٍ لَمْ يُنْتَقَضْ الْكِرَاءُ وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَنْ الْجِيرَانِ وَعَنْ رَبِّ الدَّارِ، وَإِنْ رَأَى إخْرَاجَهُ أَخْرَجَهُ وَأَكْرَاهَا عَلَيْهِ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ فِيهَا الدَّعَارَةُ وَالطَّنَابِيرُ وَالزَّمْرُ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَبَيْعُهَا فَلْيَمْنَعْهُ الْإِمَامُ وَلْيُعَاقِبْهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أَخْرَجَهُ عَنْ جِيرَانِهِ وَأَكْرَاهَا عَلَيْهِ وَلَا يُفْسَخُ الْكِرَاءُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْفَاسِقِ يُعْلِنُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي دَارِ نَفْسِهِ إنَّهُ يُعَاقِبُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ بَاعَ الدَّارَ عَلَيْهِ.

(أَوْ بِعِتْقِ عَبْدٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ آجَرَ عَبْدَهُ سَنَةً أَوْ أَخْدَمَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ قَبْلَ السَّنَةِ لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى تَتِمَّ، وَلَوْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ السَّنَةِ لَمْ تُنْتَقَضْ الْإِجَارَةُ وَلَا الْخِدْمَةُ، وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ لِتَمَامِ السَّنَةِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إلَّا أَنْ يَتْرُكَ الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ الْمُخْدَمُ.
قَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى: وَالْكِرَاءُ لِلسَّيِّدِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَمْ يَطَأْهَا.
ابْنُ حَبِيبٍ: الْإِجَارَةُ أَمْلَكُ بِهِ وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ عَبْدٍ فَاخْتُلِفَ فِي إجَارَتِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: يُسْأَلُ السَّيِّدُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ بِتَمَامِ الْأُجْرَةِ صُدِّقَ وَالْأُجْرَةُ لَهُ وَلَمْ يَقْبِضْهَا، وَإِنْ أَرَادَ تَعْجِيلَ عِتْقِهِ فَهَلْ لِلْعَبْدِ قَبْضُهَا أَمْ لَا؟ (وَحُكْمُهُ عَلَى الرِّقِّ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ: أَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْعَبْدِ (وَأُجْرَتُهُ لِسَيِّدِهِ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ بَعْدَهَا) تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ: يُسْأَلُ السَّيِّدُ.
وَتَقَدَّمَ مَا فِي سَمَاعِ عِيسَى فَانْظُرْهُ أَنْتَ.

[فَصْلٌ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ]

(فَصْلٌ) ابْنُ شَاسٍ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ وَهِيَ تُسْتَأْجَرُ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ: لِلرُّكُوبِ وَلِلْحَمْلِ وَلِلِاسْتِقَاءِ وَلِلْحِرَاثَةِ (وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ) . ابْنُ شَاسٍ: أَقْسَامُ الْإِجَارَةِ فِي الْآدَمِيِّ وَالْأَرَاضِيِ وَالدَّوَابِّ، وَجَعَلَ أَرْكَانَ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ وَاحِدَةً (وَجَازَ عَلَى أَنَّ عَلَيْكَ عَلَفَهَا أَوْ طَعَامَ رَبِّهَا أَوْ عَلَيْهِ طَعَامُكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكْتَرِيَ إبِلًا مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنَّ عَلَيْكَ رِحْلَتَهَا، أَوْ تَكْتَرِيَ دَابَّةً بِعَلَفِهَا أَوْ أَجِيرًا بِطَعَامِهِ أَوْ إبِلًا عَلَى أَنَّ عَلَيْكَ عَلَفَهَا، أَوْ طَعَامَ رَبِّهَا أَوْ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ هُوَ طَعَامَكَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا، فَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ تُوصَفْ النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَاجِرَ الْحُرُّ الْعَبْدَ أَجَلًا مَعْلُومًا بِطَعَامٍ فِي الْأَجَلِ أَوْ بِكِسْوَتِهِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَ الْكِسْوَةِ أَوْ الطَّعَامِ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ أَوْ عُرُوضٌ بِعَيْنِهَا مُعَجَّلَةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عُرُوضًا مَضْمُونَةً بِغَيْرِ عَيْنِهَا جَازَ تَأْخِيرُهَا إنْ ضَرَبَا لِذَلِكَ أَجَلًا كَأَجَلِ السَّلَمِ.

(أَوْ لِيَرْكَبَهَا فِي حَوَائِجِهِ أَوْ لِيَطْحَنَ بِهَا شَهْرًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فِي حَوَائِجِهِ شَهْرًا مَتَى شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يَرْكَبُ النَّاسُ الدَّوَابَّ جَازَ.
وَكَذَلِكَ إنْ اكْتَرَاهَا لِطَحِينِ قَمْحٍ شَهْرًا بِعَيْنِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ كَمْ يَطْحَنُ كُلَّ يَوْمٍ؛ لِأَنَّ طَحِينَ النَّاسِ مَعْرُوفٌ.

(أَوْ لِيَحْمِلَ عَلَى دَوَابِّهِ مِائَةً وَلَمْ يُسَمِّ مَا لِكُلٍّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَوَابَّ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ فِي صَفْقَةٍ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِائَةَ إرْدَبِّ قَمْحٍ وَلَمْ يُسَمِّ مَا يَحْمِلُ عَلَى كُلِّ دَابَّةٍ جَازَ.
وَلْيَحْمِلْ عَلَى كُلِّ دَابَّةٍ بِقَدْرِ قُوَّتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ الدَّوَابُّ لِرِجَالٍ شَتَّى وَحَمْلُهَا مُخْتَلِفٌ لَمْ يَجُزْ إذْ لَا يَدْرِي كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا اكْتَرَى كَالْبُيُوعِ.

(وَعَلَى حَمْلِ آدَمِيٍّ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْفَادِحُ بِخِلَافِ وَلَدٍ وَلَدَتْهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَكْرَى مِنْ رَجُلٍ عَلَى حَمْلِ رَجُلَيْنِ أَوْ امْرَأَتَيْنِ لَمْ يَرَهُمَا جَازَ لِتَسَاوِي الْأَجْسَامِ إلَّا الْخَاصَّ، فَإِنْ أَتَاهُ بِفَادِحَيْنِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ يُرِيدُ لَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهُمَا وَالْكِرَاءُ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا وَيَأْتِي بِالْوَسَطِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يُكْرِي الْإِبِلَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
وَأَجَازَ مَالِكٌ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يَحْمِلَ فِي غَيْبَتِهِ ثَوْبًا أَوْ ثَوْبَيْنِ لِغَيْرِهِ وَلَا يُخْبِرُ بِذَلِكَ الْجَمَّالَ وَهُوَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، وَلَوْ بَيَّنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَوَزْنَهَا كَانَ أَحْسَنَ.
وَإِذَا وَلَدَتْ الْمُكْتَرِيَةُ فِي الطَّرِيقِ أُجْبِرَ الْحَمَّالُ عَلَى حَمْلِ الْوَلَدِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ.

ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ؛ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ.

(وَبَيْعُهَا وَاسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ دَابَّةً وَاسْتَثْنَى رُكُوبَهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ يُسَافِرُ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَوْ إلَى الْمَكَانِ الْقَرِيبِ جَازَ ذَلِكَ، وَلَا يَنْبَغِي فِيمَا بَعُدَ وَضَمَانُهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ فِيمَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَمِنْ الْبَائِعِ فِيمَا لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ.
(الثَّلَاثَةَ لَا جُمُعَةً وَكُرِهَ الْمُتَوَسِّطُ) . اللَّخْمِيِّ: مَنْ بَاعَ رَاحِلَةً وَاسْتَثْنَى رُكُوبَهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَهِيَ فِي الْحَضَرِ أَوْ فِي السَّفَرِ جَازَ، وَيُكْرَهُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَيُمْنَعُ مَا كَثُرَ كَالْجُمُعَةِ.

(وَكِرَاءُ دَابَّةٍ شَهْرًا إنْ لَمْ يَنْقُدْ) لَعَلَّهُ إلَى شَهْرٍ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ اكْتَرَى رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَ عَلَيْهَا إلَى الْيَوْمَيْنِ وَمَا قَرُبَ جَازَ ذَلِكَ، وَجَازَ النَّقْدُ، وَإِنْ كَانَ الرُّكُوبُ إلَى شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ جَازَ مَا لَمْ يَنْقُدْ.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ ضَمَانَهَا مِنْ رَبِّهَا فَفَارَقَتْ بَيْعَ الْمُعَيَّنِ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ.

(وَالرِّضَا بِغَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ الْهَالِكَةِ إنْ لَمْ يَنْقُدْ أَوْ نَقَدَ وَاضْطُرَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ هَلَكَتْ الدَّابَّةُ الْمُعَيَّنَةُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ يُرِيدُ وَقَدْ نَقَدَهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَهُ دَابَّةً أُخْرَى يَرْكَبُهَا بَقِيَّةَ سَفَرِهِ إلَّا أَنْ يُصِيبَهُ ذَلِكَ بِفَلَاةٍ وَمَوْضِعٍ لَا يُوجَدُ فِيهِ كِرَاءٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الضَّرُورَةِ إلَى مَوْضِعٍ مُسْتَعْتَبٍ فَقَطْ، وَسَوَاءٌ تَحَوَّلَ فِي كِرَاءٍ مَضْمُونٍ أَوْ مُعَيَّنٍ إذَا كَانَ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ مُعَيَّنًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: إنْ لَمْ يَنْقُدْ جَازَ لَهُ كِرَاءٌ مُبْتَدَأٌ.
اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَدَابَّةٌ لِرُكُوبٍ ".

(وَفَعَلَ الْمُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ وَدُونَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِحَمْلِ مَحْمِلٍ فَحَمَلَ زَامِلَةً فَعَطِبَتْ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ ضَرَرًا مِنْ الْمَحْمِلِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ غَيْرَ مَا سَمَّى إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَضَرَّ وَلَا أَثْقَلَ، وَرُبَّ زَامِلَةٍ أَثْقَلُ مِنْ مَحْمِلٍ.

(وَحَمْلٌ بِرُؤْيَتِهِ أَوْ كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ أَوْ عَدَدِهِ إنْ لَمْ يَتَفَاوَتْ) . ابْنُ شَاسٍ: الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ اسْتِئْجَارُ الدَّابَّةِ لِلْحَمْلِ وَيُعْرَفُ قَدْرُ الْمَحْمُولِ بِالرُّؤْيَةِ إنْ كَانَ حَاضِرًا، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَيَذْكُرُ الْكَيْلَ أَوْ الْوَزْنَ أَوْ الْعَدَدَ فِيمَا لَا كَبِيرَ تَفَاوُتٍ بَيْنَ آحَادِهِ.

(وَإِقَالَةٌ بِزِيَادَةٍ قَبْلَ النَّقْدِ وَبَعْدَهُ إنْ لَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَكْرَى إلَى الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ تَقَايَلَا بِرَأْسِ الْمَالِ أَوْ بِزِيَادَةٍ وَقَدْ نَقَدَهُ أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الرُّكُوبِ وَقَبْلَ النَّقْدِ أَوْ بَعْدَ النَّقْدِ

وَقَبْلَ غَيْبَتِهِ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ مِمَّنْ كَانَتْ (وَإِلَّا فَلَا إلَّا الزِّيَادَةَ مِنْ الْمُكْتَرِي فَقَطْ إنْ اقْتَصَّا أَوْ بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ) لَوْ قَالَ: " أَوْ مِنْ الْمُكْرِي بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ " لَكَانَ وَاضِحًا أَوْ يَكُونُ " بَعْدَ سَيْرٍ " مَعْطُوفًا عَلَى " مِنْ الْمُكْتَرِي " كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: 99] قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ نَقَدَهُ وَتَفَرَّقَا جَازَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْمُكْتَرِي قِصَاصًا لَأَنْ يَأْخُذَ أَقَلَّ مِمَّا دَفَعَ فَلَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ تَجُزْ مِنْ الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّهُ رَدَّ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ فَهُوَ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، وَصَارَ الْكِرَاءُ مُحَلِّلًا.
وَكَذَلِكَ بَعْدَ سَيْرِهِمَا يَسِيرًا مِنْ الْمَسَافَةِ لِلتُّهْمَةِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُحَلِّلًا.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَمَّا بَعْدَ السَّيْرِ الْكَثِيرِ مِنْ الطَّرِيقِ مِمَّا لَا يُتَّهَمَانِ فِيهِ فَجَائِزٌ أَنْ يَزِيدَهُ الْكِرَاءَ إذَا عَجَّلَ الزِّيَادَةَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْبُيُوعِ وَأَكْرِيَةِ الدُّورِ.

(وَاشْتِرَاطُ هَدِيَّةِ مَكَّةَ إنْ عُرِفَ وَعَقَبَةِ الْأَجِيرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ حَمْلَ هَدَايَا مَكَّةَ فَإِنْ كَانَ أَمْرًا عُرِفَ وَجْهُهُ جَازَ وَإِلَّا لَمْ تَجُزْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكْتَرِيَ مَحْمِلًا وَيَشْتَرِطَ عَقَبَةُ الْأَجِيرِ.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ.

(لَا حَمْلِ مَنْ مَرِضَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ تَكَارَى مِنْ رَجُلٍ إلَى مَكَّةَ بِمِثْلِ مَا يَتَكَارَى النَّاسُ لَمْ يَجُزْ قَالَ: وَإِنْ أَكْرَى مُشَاةٌ عَلَى أَزْوَادِهِمْ عَلَى أَنَّ لَهُمْ حَمْلَ مَنْ مَرِضَ مِنْهُمْ لَمْ يَجُزْ.

(وَلَا اشْتِرَاطُ إنْ مَاتَتْ مُعَيَّنَةٌ أَتَاهُ بِغَيْرِهَا) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ: مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا إلَى بَلَدٍ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى دَابَّةٍ أَوْطَأَ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ، لَا بِزِيَادَةٍ وَلَا غَيْرِهَا.
قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ: وَلَوْ شَرَطَ فِي أَوَّلِ كِرَائِهِ أَنَّهُ إنْ مَاتَتْ فَدَابَّتُهُ الْأُخْرَى بِعَيْنِهَا مَكَانَهَا إلَى غَايَةِ سَفَرِهِ، أَوْ شَرَطَ إنْ بَقِيَ كِرَاؤُهُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.

(كَدَوَابَّ لِرِجَالٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَتْ الدَّوَابُّ لِرِجَالٍ لَمْ يَجُزْ (أَوْ لِأَمْكِنَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى دَابَّتَيْنِ وَاحِدَةً إلَى بُرْقَةَ وَأُخْرَى إلَى إفْرِيقِيَةَ وَهُمَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُعَيِّنَ الَّتِي إلَى بُرْقَةَ وَاَلَّتِي إلَى إفْرِيقِيَةَ.

(أَوْ لَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ نَقْدٌ مُعَيَّنٌ وَإِنْ نَقَدَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً أَوْ دَارًا أَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَإِنْ كَانَتْ سُنَّةُ الْكِرَاءِ بِالْبَلَدِ بِالنَّقْدِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُنَّتُهُمْ بِالنَّقْدِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ عُجِّلَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ النَّقْدَ فِي الْعَقْدِ.
(أَوْ بِدَنَانِيرَ عُيِّنَتْ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْخَلَفَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ اكْتَرَى مَا ذَكَرْنَا بِدَنَانِيرَ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ تَشَاحَّا فِي النَّقْدِ قَضَى بِنَقْدِهَا وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ الْكِرَاءُ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ تَعْجِيلُهَا فِي الْعَقْدِ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً

بِدَنَانِيرَ فِي بَلَدٍ آخَرَ عِنْدَ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ: فَإِنْ شَرَطَ ضَمَانَهَا إنْ تَلِفَتْ جَازَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ.
فَأَرَى إنْ كَانَ الْكِرَاءُ لَا يُنْقَدُ فِي مِثْلِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الدَّنَانِيرِ إنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ مِثْلُهَا.

(أَوْ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مَا شَاءَ أَوْ لِمَكَانِ شَاءَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ اكْتَرَى دَابَّةً وَلَمْ يُسَمِّ مَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ إلَّا مِنْ قَوْمٍ قَدْ عُرِفَ حَمْلُهُمْ فَذَلِكَ لَازِمٌ عَلَى مَا عُرِفُوا بِهِ مِنْ الْحَمْلِ.
وَلَوْ قَالَ: احْمِلْ عَلَيْهَا مِمَّا شِئْت لَمْ يَجُزْ لِاخْتِلَافِ ضَرَرِ الْأَشْيَاءِ فِي الْحَمْلِ، وَكَذَلِكَ لِيَرْكَبَهَا إلَى أَيِّ بَلَدٍ شَاءَ لَمْ يَجُزْ لِاخْتِلَافِ الطُّرُقِ بِالسُّهُولَةِ وَالْوُعُورَةِ، وَكَذَلِكَ الْحَوَانِيتُ وَالدُّورُ وَكُلُّ مَا تَبَاعَدَ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ أَضَرُّ بِالْجَدَرَاتِ.

(أَوْ لِيُشَيِّعَ رَجُلًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ كِرَاءُ دَابَّةٍ لِيُشَيِّعَ عَلَيْهَا رَجُلًا حَتَّى يُسَمِّيَ مُنْتَهَى التَّشْيِيعِ.
قَالَ غَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مَبْلَغُ التَّشْيِيعِ بِالْبَلَدِ قَدْ عُرِفَ فَلَا بَأْسَ بِهِ.

(أَوْ بِمِثْلِ كِرَاءِ النَّاسِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ تَكَارَى مِنْ رَجُلٍ إلَى مَكَّةَ بِمِثْلِ مَا يَتَكَارَى بِهِ النَّاسُ لَمْ يَجُزْ.

(أَوْ إنْ وَصَلْت فِي كَذَا فَبِكَذَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ اكْتَرَى مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً عَلَى أَنَّهُ إنْ بَلَغَ مَوْضِعَ كَذَا يَوْمَ كَذَا وَإِلَّا فَلَا كِرَاءَ لَهُ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إنْ بَلَغَهُ إلَى مَكَّةَ فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ فَلَهُ عَشْرَةُ دَنَانِيرَ، وَإِنْ أَدْخَلَهُ فِي أَكْثَرَ فَلَهُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ لَمْ يَجُزْ وَيُفْسَخُ.

(أَوْ يَنْقُلَ إلَى بَلَدٍ وَإِنْ سَاوَتْ إلَّا بِإِذْنِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اكْتَرَى مِنْ رَجُلٍ عَلَى حُمُولَةٍ إلَى بَلَدٍ فَلَيْسَ لَهُ صَرْفُهَا إلَى غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي اكْتَرَى إلَيْهِ وَإِنْ سَاوَاهُ فِي الْمَسَافَةِ وَالصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ إلَّا بِإِذْنِ الْكَرِيِّ، وَلَمْ يُجِزْهُ غَيْرُهُ وَإِنْ رَضِيَا؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ.

(كَإِرْدَافِهِ خَلْفَكَ أَوْ حَمْلٍ مَعَكَ وَالْكِرَاءُ لَكَ إنْ لَمْ تَحْمِلْ زِنَةً كَالسَّفِينَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اُكْتُرِيَتْ دَابَّةٌ بِعَيْنِهَا فَلَيْسَ لِرَبِّهَا أَنْ يَحْمِلَ تَحْتَكَ مَتَاعًا وَلَا يُرْدِفَ رَدِيفًا وَكَأَنَّكَ مَلَكْت ظَهْرَهَا، وَكَذَلِكَ السَّفِينَةُ.
وَإِنْ حَمَلَ فِي مَتَاعِكَ عَلَى الدَّابَّةِ مَتَاعًا بِكِرَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ كِرَاءٍ فَلَكَ كِرَاؤُهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ اكْتَرَيْت مِنْهُ عَلَى حَمْلٍ إنْ طَالَ مُسَمَّاهُ فَالزِّيَادَةُ لَهُ.
قَالَ أَشْهَبُ: إنْ أَكْرَاهُ لِيَحْمِلَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ مَتَاعِهِ فَكِرَاءُ الزِّيَادَةِ لِلْمُكْتَرِي.
ابْنُ يُونُسَ: قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: قَوْلُ أَشْهَبَ وِفَاقٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ.

(وَضَمِنَ إنْ اكْتَرَى لِغَيْرِ أَمِينٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فَحَمَلَ مَكَانَهُ مِثْلَهُ فِي الْخِفَّةِ وَالْأَمَانَةِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَكْرَى مِمَّنْ هُوَ أَثْقَلُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِ مَأْمُونٍ ضَمِنَ.

(أَوْ عَطِبَتْ بِزِيَادَةِ مَسَافَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا بَلَغَ الْمُكْتَرِي الْغَايَةَ الَّذِي اكْتَرَى إلَيْهَا ثُمَّ زَادَ مِيلًا أَوْ نَحْوَهُ فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ فَلِرَبِّهَا كِرَاؤُهُ الْأَوَّلُ وَالْخِيَارُ فِي أَخْذِ قِيمَةِ كِرَاءِ الزِّيَادَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، أَوْ قِيمَةُ

الدَّابَّةِ يَوْمَ التَّعَدِّي.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: يَضْمَنُ فِي زِيَادَةِ الْمِيلِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا مِثْلُ مَا يَعْدِلُ النَّاسُ إلَيْهِ فِي الْمَرْحَلَةِ فَلَا يَضْمَنُ.

(أَوْ حَمْلٍ تَعْطُبُ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا زَادَ الْمُكْتَرِي عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْحَمْلِ الَّذِي شُرِطَ فَعَطِبَتْ، فَإِنْ زَادَ مَا تَعْطُبُ بِمِثْلِهِ خُيِّرَ رَبُّهَا بَيْنَ أَخْذِ الْمُكْتَرِي بِقِيمَةِ كِرَاءِ مَا زَادَ عَلَى الدَّابَّةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، أَوْ قِيمَةِ الدَّابَّةِ يَوْمَ التَّعَدِّي وَلَا كِرَاءَ لَهُ.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ إذَا زَادَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْحَمْلِ، وَإِنْ زَادَ بَعْدَ أَنْ سَارَ نِصْفَ الطَّرِيقِ وَاخْتَارَ أَخْذَ قِيمَةِ الدَّابَّةِ فَلَهُ أَخْذُ قِيمَةِ الدَّابَّةِ يَوْمَ التَّعَدِّي وَنِصْفُ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ فِي ثُلُثِ الطَّرِيقِ أَوْ رُبُعِهَا لَهُ ثُلُثُ الْكِرَاءِ أَوْ رُبُعُهُ مَعَ قِيمَةِ

الدَّابَّةِ (وَإِلَّا فَالْكِرَاءُ) قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ زَادَ مَا لَا تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ فَعَطِبَتْ فَلَهُ كِرَاءُ الزِّيَادَةِ فَقَطْ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ عَطَبَهَا لَيْسَ مِنْ أَجْلِ الزِّيَادَةِ وَذَلِكَ بِخِلَافِ مُجَاوَزَةِ الْمَسَافَةِ؛ لِأَنَّ مُجَاوَزَةَ الْمَسَافَةِ تَعَدٍّ كُلُّهُ فَيَضْمَنُ إذَا هَلَكَتْ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْحَمْلِ الْمُشْتَرَطِ اجْتَمَعَ فِيهِ إذْنٌ وَتَعَدٍّ، فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهَا عُلِمَ أَنَّ هَلَاكَهَا فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَصِفَةُ كِرَاءِ الزِّيَادَةِ فِي الْحَمْلِ الَّذِي وَجَبَ لِرَبِّهَا وَاخْتَارَهُ فِيمَا تَعْطَبُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ؛ كَمْ يُسَاوِي كِرَاءُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ الْمُحَمَّلَةِ حَسْبَمَا تَعَدَّى عَلَيْهِ الْمُكْتَرِي؟ فَيَكُونُ ذَلِكَ لِرَبِّهَا مَعَ كِرَاءِ الْأَوَّلِ (كَأَنْ لَمْ تَعْطَبْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ رَدَّهَا بِحَالِهَا بَعْدَ أَنْ زَادَهَا الْمِيلَ وَالْأَمْيَالَ أَوْ بَعْدَ أَنْ حَبَسَهَا الْيَوْمَ وَنَحْوَهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ: أَوْ أَيَّامًا يَسِيرَةً لَمْ يَضْمَنْ إلَّا كِرَاءَ الزِّيَادَةِ (إلَّا أَنْ يَحْبِسَهَا كَثِيرًا فَلَهُ كِرَاءُ الزَّائِدِ أَوْ قِيمَتُهَا) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا إنْ كَثُرَتْ الزِّيَادَةُ أَوْ حَبَسَهَا أَيَّامًا أَوْ شَهْرًا وَرَدَّهَا بِحَالِهَا فَلِرَبِّهَا كِرَاؤُهُ الْأَوَّلُ وَالْخِيَارُ فِي أَخْذِ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي، أَوْ كِرَاؤُهَا فِيمَا حَبَسَهُ فِيهِ مِنْ عَمَلٍ أَوْ حَبْسِهِ إيَّاهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ مَا بَلَغَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ.
وَانْظُرْ مَسْأَلَةً نَزَلَتْ: اكْتَرَى مَا يَدْرُسُ بِهِ حَبًّا لِيَوْمٍ وَاحِدٍ بِدِرْهَمٍ فَحَبَسَهُ سِنِينَ وَهُوَ لَا يُسَاوِي ثَلَاثَهُ دَرَاهِمَ.

(وَلَكَ فَسْخُ عَضُوضٍ أَوْ جَمُوحٍ أَوْ أَعْشَى أَوْ دَبِرَةٍ فَاحِشًا) مِنْ

الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اكْتَرَيْت دَابَّةً أَوْ بَعِيرًا بِعَيْنِهِ فَإِذَا هُوَ عَضُوضٌ أَوْ جَمُوحٌ أَوْ لَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ أَوْ دَبِرَتْ تَحْتَكَ دَبْرَةً فَاحِشَةً يُؤْذِيكَ رِيحُهَا، فَمَا أَضَرَّ مِنْ ذَلِكَ بِرَاكِبِهَا فَلَكَ فِيهَا الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهَا عُيُوبٌ وَالْكِرَاءُ غَيْرُ مَضْمُونٍ (كَأَنْ يَطْحَنَ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبَّيْنِ بِدِرْهَمٍ فَوُجِدَ لَا يَطْحَنُ إلَّا إرْدَبًّا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا بِحَسَبِ الِانْجِرَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَهَلْ تَفْسُدُ إنْ جَمَعَهُمَا ".

(وَإِنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ فَلَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا حَمَلَ لَكَ رَجُلٌ طَعَامًا فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ زِيَادَةَ الْكَيْلِ وَنَقْصَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ مِنْ ضَمَانٍ وَلَا حِصَّةِ كِرَاءٍ.

[فَصْلٌ فِي كِرَاءِ الْحَمَّامِ]

(فَصْلٌ) (جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِكِرَاءِ الْحَمَّامَاتِ.
اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانُوا يَدْخُلُونَ مُسْتَتِرِينَ.
اُنْظُرْ فِي الْإِمَامَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ فَاسِقًا بِجَارِحَةٍ ".

(وَدَارٍ غَائِبَةٍ كَبَيْعِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ

اكْتَرَى دَارًا بِإِفْرِيقِيَةَ وَهُوَ بِمِصْرَ جَازَ ذَلِكَ كَالشِّرَاءِ، وَلَا بَأْسَ بِالنَّقْدِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مَأْمُونَةٌ، فَإِنْ قَدِمَ فَلَمْ يَرْضَهَا حِينَ رَآهَا.
وَقَالَ: هِيَ بَعِيدَةٌ مِنْ الْمَسْجِدِ فَالْكِرَاءُ لَا يَصْلُحُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَى الدَّارَ وَعَرَفَ مَوْضِعَهَا أَوْ عَلَى صِفَةٍ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ.

(أَوْ نِصْفِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِكِرَاءِ نِصْفِ دَارٍ أَوْ سُدُسِهَا أَوْ جُزْءٍ شَائِعٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ مِنْهَا كَالشِّرَاءِ.
وَانْظُرْ عَلَى هَذَا الْفَرَّانَ يَكْتَرِي مِنْ رَبِّ الْفُرْنِ نِصْفَ فُرْنٍ شَهْرًا بِدِينَارٍ بِمَا يَمْنَعُ رَبَّ الْفُرْنِ أَوْ يُكْرِي بِذَلِكَ الدِّينَارِ وَقَّافًا يَخْدُمُ عَنْهُ بِالْفُرْنِ ذَلِكَ الشَّهْرَ وَمَا يَمْنَعُ الْمُكْتَرِي أَنْ يُوَلِّيَ الْفُرْنَ لِهَذَا الْوَقَّافِ.

(أَوْ نِصْفِ عَبْدٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: تَجُوزُ إجَارَةُ نِصْفِ دَابَّةٍ أَوْ نِصْفِ عَبْدٍ يَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ يَوْمًا وَلِلَّذِي لَهُ النِّصْفُ الْآخَرُ يَوْمًا كَالْبَيْعِ، وَمَا جَازَ لَكَ بَيْعُهُ مِنْ ثَمَرِكَ جَازَ لَكَ الْإِجَارَةُ بِهِ.

(وَشَهْرًا عَلَى أَنْ يَسْكُنَ يَوْمًا لَزِمَ إنْ مَلَكَ الْبَقِيَّةَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اسْتَأْجَرَ بَيْتًا شَهْرًا بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَكَنَ مِنْهُ يَوْمًا وَاحِدًا فَالْكِرَاءُ لَهُ لَازِمٌ، جَازَ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْكُنَ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ أَوْ يُكْرِيَهُ إذَا خَرَجَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ.
ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا الْقَرَوِيِّينَ: ظَاهِرُ هَذَا الْعَقْدِ أَنَّهُ جَائِزٌ وَأَنَّهُ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَسْكُنْ، فَإِذَا سَكَنَ انْعَقَدَ الْكِرَاءُ فِي شَهْرٍ، فَإِنْ أَرَادَ إنْ سَكَنْت فَالْكِرَاءُ لِي لَازِمٌ فَلَيْسَ لِي إنْ أَكْرِيَ مِنْ غَيْرِي كَانَ هَذَا مِنْ بَيْعِ الشُّرُوطِ الَّتِي يَبِيعُ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ، فَهَذَا إذَا أَسْقَطُوا الشَّرْطَ عَلَى

أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ تَمَّ الْكِرَاءُ، وَأَمَّا إنْ شُرِطَ فَإِنْ خَرَجَتْ عَادَ الْمَسْكَنُ إلَى الْمُكْرِي وَعَلَيْهِ جُمْلَةُ الْكِرَاءِ فَهَذَا فَاسِدٌ لَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ.

(وَعَدَمُ بَيَانِ الِابْتِدَاءِ وَحُمِلَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى دَارًا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ وَلَمْ يُسَمِّ مَتَى يَسْكُنُ جَازَ، وَيَسْكُنُ أَوْ يُسْكِنُ غَيْرَهُ مَتَى شَاءَ مَا لَمْ يَأْتِ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ بَيِّنٌ عَلَى الدَّارِ، يُرِيدُ ضَرَرًا فِي السُّكْنَى.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ: وَإِنْ أَغْلَقَهَا الْمُكْتَرِي وَخَرَجَ فَذَلِكَ لَهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يَقُولَ: يُخَرِّبُهَا عَلَيَّ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالسَّنَةُ مَحْسُوبَةٌ مِنْ يَوْمِ التَّعَاقُدِ كَمَا لَوْ قَالَ هَذِهِ السَّنَةُ بِعَيْنِهَا.

(أَوْ مُشَاهَرَةً وَلَمْ يَلْزَمْ لَهُمَا إلَّا بِنَقْدٍ فَبِقَدْرِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ أَكْتَرِي مِنْكَ دَارَكَ أَوْ حَانُوتَكَ أَوْ أَرْضَكَ أَوْ غُلَامَكَ أَوْ دَابَّتَكَ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَوْ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِكَذَا أَوْ كُلِّ سَنَةٍ بِكَذَا أَوْ قَالَ فِي الشَّهْرِ أَوْ فِي السَّنَةِ أَوْ الشَّهْرِ أَوْ السَّنَةِ، فَلَا يَقَعُ الْكِرَاءُ عَلَى تَعْيِينٍ وَلَيْسَ بِعَقْدٍ لَازِمٍ، وَلِرَبِّ الدَّارِ أَنْ يُخْرِجَهُ مَتَى شَاءَ، وَلِلْمُكْتَرِي أَنْ يَخْرُجَ مَتَى شَاءَ وَيَلْزَمُهُ فِيمَا سَكَنَ حِصَّتُهُ مِنْ الْكِرَاءِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَكَأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ لَهُ: أُكْرِيكَ مِنْ حِسَابِ الشَّهْرِ أَوْ مِنْ حِسَابِ السَّنَةِ بِكَذَا.
هَذَا هُوَ مَوْضُوعُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إلَّا أَنْ يَنْقُدَهُ فِي ذَلِكَ كِرَاءَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُ ذَلِكَ (كَوَجِيبَةٍ بِشَهْرِ كَذَا وَهَذَا الشَّهْرُ أَوْ شَهْرًا أَوْ إلَى كَذَا) عِيَاضٌ: كِرَاءُ الدُّورِ مُشَاهَرَةً وَمُسَانَاةً لَا خِلَافَ إذَا نَصَّ عَلَى تَعْيِينِ السَّنَةِ أَوْ الشَّهْرِ أَوْ جَاءَ بِمَا يَقُومُ مَقَامَ التَّعْيِينِ أَنَّهُ لَازِمٌ لَهُمَا وَذَلِكَ فِي خَمْسِ صُوَرٍ: إذَا قَالَ شَهْرَ كَذَا وَهَذَا الشَّهْرَ، أَوْ سَمَّى الْعَدَدَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ فَقَالَ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، أَوْ ذَكَرَ الْأَجَلَ فَقَالَ أُكْرِيكَ إلَى شَهْرِ كَذَا، أَوْ أَنْقُدُ كِرَاءَ كَذَا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ إنَّ هَذَا كُلَّهُ لَازِمٌ لَهُمَا الْمُدَّةَ الَّتِي ذَكَرَاهَا لَا خِيَارَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا اهـ. فَانْظُرْ قَوْلَ عِيَاضٍ: " وَسَمَّى الْعَدَدَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ " فَلَعَلَّ لَفْظَ خَلِيلٍ كَانَ " أَوْ أَشْهُرٌ " فَأَسْقَطَ النَّاسِخُ الْأَلْفَ.
وَانْظُرْ قَوْلَهُمْ: " شَهْرُ كَذَا " قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: لَا يُضَافُ شَهْرٌ إلَّا إلَى رَمَضَانَ وَالرَّبِيعَيْنِ قَالَ: وَالشُّهُورُ كُلُّهَا تُذَكَّرُ إلَّا جُمَادَى.
وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ: وَإِنْ اكْتَرَى مِنْهُ سَنَةً بِعَيْنِهَا أَوْ شَهْرًا بِعَيْنِهِ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهُ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ جَمِيعًا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَا لَوْ قَالَ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ أَوْ هَذِهِ السَّنَةَ أَوْ إلَى سَنَةِ كَذَا، فَهَذَا كُلُّهُ وَجِيبَةٌ لَازِمَةٌ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْخُرُوجَ لِمَنْ شَاءَ فَيَلْزَمُهُمَا ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ حِينَئِذٍ النَّقْدُ، وَيَجُوزُ فِي الْأَوَّلِ النَّقْدُ وَالتَّأْخِيرُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ انْتَهَى.
اُنْظُرْ قَوْلَهُ: " إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْخُرُوجَ إنْ شَاءَ " هَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ كِرَاءُ الْأَحْبَاسِ عَلَى قَبُولِ الزِّيَادَةِ وَأَظُنُّ سَيِّدِي ابْنَ سِرَاجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ هَذَا.

(وَفِي سَنَةٍ بِكَذَا تَأْوِيلَانِ) . عِيَاضٌ: وَإِذَا قَالَ أُكْرِيَ مِنْكَ سَنَةً بِدِرْهَمٍ أَوْ شَهْرًا بِدِرْهَمٍ فَحَمَلَ أَكْثَرُهُمْ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ هَذِهِ السَّنَةُ تَلْزَمُهُمَا السَّنَةَ أَوْ الشَّهْرَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: فِي كَوْنِ كِرَاءِ الدَّارِ مُشَاهَرَةً مُنْحَلًّا مُطْلَقًا فِيمَا لَمْ يُسْكَنْ وَلُزُومُهُ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ فَقَطْ ثَالِثُهَا لُزُومُ الشَّهْرِ بِسُكْنَى بَعْضِهِ أَوَّلًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.

لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَرِوَايَةُ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ.

(وَأَرْضِ مَطَرٍ عَشْرًا إنْ لَمْ يَنْقُدْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا بَأْسَ بِكِرَاءِ أَرْضِ الْمُكْرِي عَشْرَ سِنِينَ إنْ لَمْ يَنْقُدْ، فَإِنْ شَرَطَ النَّقْدَ فَسَدَ الْكِرَاءُ، وَإِنْ اكْتَرَاهَا سِنِينَ وَقَدْ أَمْكَنَتْ لِلْحَرْثِ جَازَ نَقْدُ حِصَّةِ عَامِهِ هَذَا (وَإِنْ سَنَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اكْتَرَى أَرْضَ الْمَطَرِ سَنَةً قُرْبَ الْحَرْثِ أَوْ حِينَ تَوَقُّعِ الْغَيْثَ لَمْ يَجُزْ النَّقْدُ حَتَّى تُرْوَى وَتَمَكُّنَ مِنْ الْحَرْثِ.

(إلَّا الْمَأْمُونَةَ كَالنِّيلِ وَالْمُعَيَّنَةَ فَيَجُوزُ) . ابْنُ رُشْدٍ: عَقْدُ الْكِرَاءِ جَائِزٌ فِي الْأَرْضِينَ كُلِّهَا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ السِّنِينَ الْكَثِيرَةِ، وَسَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَانَتْ مَأْمُونَةً أَوْ غَيْرَ مَأْمُونَةٍ.
وَتَنْقَسِمُ فِي جَوَازِ النَّقْدِ فِيهَا عَلَى قِسْمَيْنِ، فَمَا كَانَ مِنْهَا مَأْمُونًا كَأَرْضِ النِّيلِ وَأَرْضِ الْمَطَرِ الْمَأْمُونَةِ وَأَرْضِ السَّقْيِ بِالْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ الثَّابِتَةِ وَالْآبَارِ الْمُعَيَّنَةِ فَالنَّقْدُ فِيهَا لِلْأَعْوَامِ الْكَثِيرَةِ جَائِزٌ، وَمَا كَانَ مِنْهَا غَيْرَ مَأْمُونٍ فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يُرْوَى وَيُمَكِّنَ مِنْ الْحَرْثِ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ النِّيلِ أَوْ مِنْ أَرْضِ الْمَطَرِ أَوْ السَّقْيِ بِالْعُيُونِ وَالْآبَارِ (وَيَجِبُ فِي مَأْمُونَةِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ) ابْنُ رُشْدٍ: وَتَنْقَسِمُ فِي وُجُوبِ النَّقْدِ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَرْضِ النِّيلِ وَأَرْضِ السَّقْيِ وَالْمَطَرِ.
فَأَمَّا أَرْضُ النِّيلِ فَيَجِبُ النَّقْدُ فِيهَا إذَا رُوِيَتْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى السَّقْيِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ فَبِالرَّيِّ يَكُونُ الْمُكْتَرِي قَابِضًا لِمَا اكْتَرَى، وَأَمَّا أَرْضُ السَّقْيِ وَالْمَطَرِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُكْتَرِي فِيهَا دَفْعُ الْكِرَاءِ حَتَّى يَتِمَّ الزَّرْعُ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْمَاءِ.

(وَقَدْرٍ مِنْ أَرْضِكَ إنْ عُيِّنَ أَوْ تَسَاوَتْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اكْتَرَى مِائَةَ ذِرَاعٍ مِنْ أَرْضٍ مُعَيَّنَةٍ جَازَ إنْ تَسَاوَتْ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ حَتَّى

يُعَيِّنَ مَوْضِعَهَا.

(وَعَلَى أَنْ يَحْرُثَهَا ثَلَاثًا أَوْ يُزَبِّلَهَا إنْ عُرِفَ) . ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطُ مَنْفَعَةٍ فِي الْأَرْضِ كَشَرْطِ نَقْدِ بَعْضِ كِرَائِهَا.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا عَلَى أَنْ يُحَرِّكَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَزْرَعَهَا فِي التَّحْرِيكِ الرَّابِعِ جَازَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ عَلَى أَنْ يُزَبِّلَهَا إنْ كَانَ الَّذِي يُزَبِّلَهَا بِهِ شَيْئًا مَعْرُوفًا.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ إذَا كَانَتْ مَأْمُونَةً لِأَنَّ زِيَادَةَ الْحِرَاثَاتِ وَالتَّزْبِيلِ مَنْفَعَةٌ تَبْقَى فِي الْأَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ زَرْعُهَا فَيَصِيرُ كَالنَّقْدِ اشْتَرَطَهُ فِي غَيْرِ الْمَأْمُونَةِ.

(وَأَرْضٍ سِنِينَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: إنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ فِي الْأَرْضِينَ لِلسِّنِينَ الْكَثِيرَةِ جَائِزٌ مَأْمُونَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَأْمُونَةٍ (لِذِي شَجَرٍ بِهَا مُسْتَقْبَلَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اكْتَرَيْت أَرْضًا سِنِينَ مُسَمَّاةً فَغَرَسْت فِيهَا شَجَرًا فَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَفِيهَا شَجَرُكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَكْتَرِيَهَا مِنْ رَبِّهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً.
(وَإِنْ لِغَيْرِكَ) . اللَّخْمِيِّ: وَيَجُوزُ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُكْرِيَهَا مِنْ غَيْرِ الْمُكْتَرِي الْأَوَّلِ وَيُقَالُ لِلْمُكْتَرِي أَرْضِ الْمُكْتَرِي الْآخَرَ أَوْ اقْلَعْ شَجَرَكَ.
وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ اكْتَرَيْتهَا ثُمَّ أَكْرَيْتَهَا مِنْ غَيْرِك فَغَرَسَهَا ثُمَّ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْكِرَاءِ وَفِيهَا غَرْسُهُ فَلَكَ أَنْ تَكْتَرِيَهَا مِنْ رَبِّهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً، فَإِنْ أَرْضَاكَ الْغَارِسُ وَإِلَّا قَلَعَ غَرْسَهُ.
ابْنُ يُونُسَ: وَإِنَّمَا جَازَ كِرَاؤُهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُجْبِرَ الْغَارِسَ عَلَى قَلْعِ غَرْسِهِ بَعْدَ تَمَامِ كِرَائِهِ فَكَانَ الْمُكْتَرِي إنَّمَا دَخَلَ عَلَى أَنْ يَقْلَعَ عَنْهُ الْغَارِسُ غَرْسَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مِنْ الْأَرْضِ مَا كَانَ رَبُّهَا يَمْلِكُهُ، وَلَا يَسْتَطِيعُ الْغَارِسُ مُخَالَفَتَهُ فَقَدْ دَخَلَ عَلَى أَمْرٍ مَعْرُوفٍ.

(لَا زَرْعٍ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَفِي الْأَرْضِ زَرْعٌ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكْتَرِي الْأَوَّلِ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يَكْتَرِيَ إلَّا مَا بَعْدَ هَذَا الزَّرْعِ بِخِلَافِ الْغَرْسِ، وَثَالِثُ الْأَقْوَالِ الزَّرْعُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَغْرَمُ فِيهِ كِرَاءَ الْمِثْلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ كَانَ مَوْضِعُ الشَّجَرِ زَرْعًا أَخْضَرَ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُكْرِيَهَا مَا دَامَ زَرْعُ هَذَا فِيهَا؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ إذَا انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ وَإِنَّمَا لَهُ كِرَاءُ أَرْضِهِ وَلَهُ أَنْ يَقْلَعَ الشَّجَرَ فَافْتَرَقَا إلَّا أَنْ يُكْرِيَهَا مِنْكَ إلَى تَمَامِ الزَّرْعِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مَأْمُونَةً يُرِيدُ فِي جَوَازِ النَّقْدِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِذَا انْقَضَتْ السُّنُونَ وَلِلْمُكْتَرِي فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ لَمْ يَجُزْ لِرَبِّ الْأَرْضِ شِرَاؤُهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُ زَرْعٍ أَخْضَرَ يُشْتَرَطُ مَعَ الْأَرْضِ فِي صَفْقَةٍ، وَكَذَلِكَ الْأُصُولُ بِثَمَرِهَا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُبْتَاعُ كَانَ مَا أَبَّرَ مِنْ الثَّمَرَةِ أَوْ مَا ظَهَرَ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ الزَّرْعِ لِلْبَائِعِ، وَإِذَا لَمْ تُؤَبَّرْ الثَّمَرَةُ وَلَمْ يَظْهَرْ الزَّرْعُ مِنْ الْأَرْضِ فَذَلِكَ لِلْمُبْتَاعِ.
ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: الْأَشْبَهُ أَنْ يَجُوزَ لِرَبِّ الْأَرْضِ شِرَاءُ مَا فِيهَا مِنْ زَرْعٍ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ مِلْكٌ لَهُ فَصَارَ مَقْبُوضًا بِالْعَقْدِ، وَمَا يَحْدُثُ فِيهِ مِنْ نَمَاءٍ إنَّمَا هُوَ فِي ضَمَانِ مُشْتَرِيهِ لِكَوْنِهِ فِي أَرْضِهِ وَإِنَّمَا مُنِعَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا لِكَوْنِ ضَمَانِهَا مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أُصُولِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَرَأَيْت إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ» . وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَجَازَ عَبْدُ الْمَلِكِ شِرَاءَ جِنَانٍ فِيهِ ثَمَرَةٌ بِقَمْحٍ أَوْ بِجِنَانٍ فِيهِ ثَمَرَةٌ تُخَالِفُهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ مَقْبُوضَةٌ فَكَانَا مُتَنَاجِزَيْنِ.

(وَشَرْطُ كَنْسِ مِرْحَاضٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى دَارًا أَوْ حَمَّامًا وَاشْتَرَطَ كَنْسَ الْمَرَاحِيضِ وَالتُّرَابِ، وَغُسَالَةُ الْحَمَّامِ عَلَى الْمُكْتَرِي جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ.
ابْنُ يُونُسَ: قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ فِي كَنْسِ مَا يَكُونُ بَعْدَ عَقْدِ الْكِرَاءِ، وَأَمَّا مَا كَانَ يَوْمَ الْعَقْدِ فِي الْمَرَاحِيضِ فَهُوَ عَلَى الْمُكْتَرِي شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَمْ لَا كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَحَدِ الْبُيُوتِ الْمُكْتَرَاةِ شَيْءٌ فَإِنَّ عَلَيْهِ إزَالَتَهُ وَتَفْرِيغَ الْبَيْتِ لِلْمُكْتَرِي لِذَلِكَ الْمِرْحَاضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا فَعَلَى رَبِّهَا مَرَمَّتُهَا وَكَنْسُ مَرَاحِيضِهَا وَإِصْلَاحُ مَا وَهِيَ مِنْ الْجِدَارَاتِ وَالْبُيُوتِ.
ابْنُ يُونُسَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ فِي الْمَرَمَّةِ وَالْإِصْلَاحِ الْخَفِيفَ أَوْ يُرِيدُ أَنَّهُ عَلَيْهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ هَذَا: إذَا تَعَطَّلَ الْبَيْتُ لَمْ يُجْبَرْ رَبُّ الدَّارِ عَلَى الطُّرُوِّ وَلِلْمُكْتَرِي الْخُرُوجُ فِي الضَّرَرِ الْبَيِّنِ إلَّا أَنْ يَطُرَّهَا رَبُّهَا فَكَذَلِكَ هَذَا.
وَقَوْلُهُ هَاهُنَا: " وَعَلَى رَبِّهَا كَنْسُ الْمِرْحَاضِ " لَعَلَّهُ يُرِيدُ مَا كَانَ فِيهِ قَدِيمًا لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّ الْكَنْسَ عَلَى الْمُكْتَرِي إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ أَوْ شَرْطٌ فَيُحْمَلَانِ عَلَيْهِ.

(وَمَرَمَّتِهِ وَتَطْيِينٍ مِنْ كِرَاءٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اكْتَرَى دَارًا أَوْ حَمَّامًا عَلَى أَنَّ مَا احْتَاجَا إلَيْهِ مِنْ مَرَمَّةٍ رَمَّهَا الْمُكْتَرِي، فَإِنْ شَرَطَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْكِرَاءِ جَازَ، وَلَوْ شَرَطَ أَنَّ مَا عَجَزَ عَنْ الْكِرَاءِ أَنْفَقَهُ السَّاكِنُ مِنْ عِنْدِهِ لَمْ يَجُزْ (وَجَبَ) لَا إنْ لَمْ يَجِبْ.
(أَوْ مِنْ عِنْدِ الْمُكْتَرِي) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اكْتَرَى دَارًا عَلَى أَنَّ مَا احْتَاجَتْ إلَيْهِ مِنْ يَسِيرِ مَرَمَّةٍ رَمَّهَا الْمُكْتَرِي لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ كِرَائِهَا.

(أَوْ حَمِيمِ أَهْلِ ذِي الْحَمَّامِ أَوْ نُورَتِهِمْ مُطْلَقًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى حَمَّامًا عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ لِرَبِّهِ مَا احْتَاجَ أَهْلُهُ مِنْ نُورَةٍ أَوْ حَمِيمٍ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَشْتَرِطَ شَيْئًا مَعْرُوفًا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا عَرَفَ نَاحِيَةَ عِيَالِ الرَّجُلِ مِنْ قِلَّةٍ وَكَثْرَةٍ وَعَلِمَ عِدَّتَهُمْ، وَقَدْ أَجَازَهُ مَالِكٌ وَأَجَازَ اسْتِئْجَارَ الْخَيَّاطِ عَلَى خِيَاطَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْ الثِّيَابِ فِي السَّنَةِ، أَوْ الْفَرَّانِ عَلَى خَبْزِ مَا يَحْتَاجُ لَهُ مِنْ الْخُبْزِ سَنَةً أَوْ شَهْرًا إذَا عَرَفَ عِيَالَ الرَّجُلِ وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَمِقْدَارُ أَكْلِ النَّاسِ مَعْرُوفٌ وَالْخِيَاطَةُ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَأَمَّا دُخُولُ الْحَمَّامِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ فِي الشَّهْرِ مَرَّةً، وَالنُّورَةُ يُمْكِنُ أَنْ تُعْمَلَ فِي الشَّهْرِ مَرَّةً أَوْ فِي الشَّهْرِ مَرَّتَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا عَلَى أَمْرٍ مَعْرُوفٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(أَوْ لَمْ يُعَيِّنْ فِي الْأَرْضِ بِنَاءً أَوْ غَرْسًا وَبَعْضُهُ أَضَرُّ وَلَا عُرْفَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ لَمْ يُعَيِّنْ فِي الْأَرْضِ بِنَاءً وَلَا غَرْسًا وَلَا زِرَاعَةً وَلَا غَيْرَهُ وَبَعْضُهُ أَضَرُّ فَلَهُ مَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَشْبَهَ الْجَمِيعُ فَسَدَ وَلَوْ سَمَّى صِنْفًا يَزْرَعُهُ جَازَ مِثْلُهُ وَدُونَهُ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا عَشْرَ سِنِينَ فَزَرَعَهَا فَأَرَادَ أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا شَجَرًا فَذَلِكَ لَهُ إذَا لَمْ يَضُرَّ الْأَرْضَ.
اللَّخْمِيِّ: وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَزْرَعَهَا

شَعِيرًا وَأَحَبَّ أَنْ يَزْرَعَهَا حِنْطَةً لَمْ يُمْنَعْ إذَا لَمْ يَضُرَّ.

(وَكِرَاءٌ وَكَيْلٌ بِمُحَابَاةٍ أَوْ بِعَرْضٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا يُكْرِي دَارِهِ فَأَكْرَاهَا بِغَيْرِ الْعَيْنِ أَوْ حَابَى فِي الْكِرَاءِ فَهُوَ كَالْبَيْعِ لَا يَجُوزُ.
ابْنُ يُونُسَ: وَلَهُ فَسْخُ الْكِرَاءِ أَوْ إجَازَتُهُ إنْ لَمْ يَفُتْ، فَإِنْ فَاتَ رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْمُحَابَاةِ قَالَ: وَلَوْ أَعَارَهَا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ أَسْكَنَهَا أَوْ حَابَى فِي كِرَائِهَا رَجَعَ بِهَا عَلَى الْوَكِيلِ بِالْكِرَاءِ فِي مَالِهِ، ثُمَّ لَا رُجُوعَ عَلَى الْوَكِيلِ لِلسَّاكِنِ، وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ عَدِيمًا رَجَعَ رَبُّهَا عَلَى السَّاكِنِ بِالْكِرَاءِ ثُمَّ لَا رُجُوعَ لِلسَّاكِنِ عَلَى الْوَكِيلِ.

(أَوْ أَرْضٍ مُدَّةً لِغَرْسٍ فَإِذَا انْقَضَتْ فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلَهُ نِصْفُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَكْرَى أَرْضًا عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَنْ يَغْرِسَهَا الْمُكْتَرِي شَجَرًا سَمَّاهَا عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ لِلْغَارِسِ فَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ فَالشَّجَرُ لِرَبِّ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ أَكْرَاهَا بِشَجَرٍ لَا يَدْرِي أَيُسْلَمُ الشَّجَرُ إلَيْهِ أَمْ لَا.
اللَّخْمِيِّ: وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: أُكْرِيكَ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَنَّ نِصْفَ الشَّجَرِ لِي وَنِصْفَهُ لَكَ بَعْدَ الْعَشْرِ سِنِينَ، فَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنَّ لَكَ نِصْفَهَا مِنْ الْآنِ جَازَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ وَهُوَ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ اهـ اُنْظُرْ قَوْلَهُ: " وَقَالَ غَيْرُهُ " وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ كِتَابِ الْمُغَارَسَةِ وَلَمْ يَعْقِدْ لَهَا خَلِيلٌ فَصْلًا، وَعَقَدَ الْمُتَيْطِيُّ عَلَيْهَا كِتَابًا فَقَالَ: كِتَابُ الْمُغَارَسَةِ.
ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ الْغُرُوسُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْأَرْضِ فَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِهِ، سَمَّى لَهُ عَدَدَ مَا يَغْرِسُ فِي الْأَرْضِ أَوْ لَمْ يُسَمِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ.
أَمَّا إنْ كَانَتْ الْغُرُوسُ مِنْ عِنْدِ الْغَارِسِ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ كَمَا دَخَلَ مَسْأَلَةُ الَّذِي اسْتَأْجَرَ الْأَجِيرَ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ لَهُ دَارًا عَلَى أَنَّ الْآجُرَّ وَالْجِصَّ مِنْ عِنْدِ الْبَنَّاءِ.
رَاجِعْهُ فِيهِ.

(وَالسَّنَةُ فِي الْمَطَرِ بِالْحَصَادِ) وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا فَحَصَدَ زَرْعَهُ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ، فَأَمَّا أَرْضُ الْمَطَرِ فَمُجْمَلُ السَّنَةِ فِيهَا الْحَصَادُ وَيُقْضَى بِذَلِكَ فِيهَا (وَفِي السَّقْيِ بِالشُّهُورِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا ذَاتُ السَّقْيِ الَّتِي تُكْرَى عَلَى أَمَدِ الشُّهُورِ وَالسِّنِينَ فَلِلْمُكْتَرِي الْعَمَلُ إلَى تَمَامِ سَنَةٍ، فَإِنْ تَمَّتْ وَلَهُ فِيهَا زَرْعٌ أَخْضَرُ أَوْ بَقْلٌ فَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ وَعَلَيْهِ تَرْكُهُ إلَى تَمَامِهِ وَلَهُ فِيمَا بَقِيَ كِرَاءُ مِثْلِهَا عَلَى حِسَابِ مَا اكْتَرَاهَا مِنْهُ.
وَطَرَحَ سَحْنُونَ عَلَى حَسَبِ مَا أَكْرَى وَأَبْقَى كِرَاءَ الْمِثْلِ.
وَنَقَلَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ وَلَهُ فِيمَا بَقِيَ كِرَاءُ مِثْلِهِ لَا عَلَى مَا أَكْرَاهُ.
ابْنُ يُونُسَ: وَكَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ جَيِّدٌ.
اُنْظُرْ تَوْجِيهَهُ فِي تَرْجَمَةِ مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا.

(وَفِي السَّقْيِ فَبِالشُّهُورِ فَإِنْ تَمَّتْ وَلَهُ زَرْعٌ أَخْضَرُ فَكِرَاءُ مِثْلِ الزَّائِدِ وَإِنْ انْتَثَرَ لِلْمُكْتَرِي حَبٌّ فَنَبَتَ قَابِلًا فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ كَمَنْ جَرَّهُ السَّيْلُ إلَيْهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا انْتَثَرَ لِلْمُكْتَرِي حَبٌّ فِي الْأَرْضِ فِي حَصَادِهِ فِي

الْأَرْضِ فَنَبَتَ قَابِلًا فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ مَنْ زَرَعَ زَرْعًا فَحَمَلَ السَّيْلُ زَرْعَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْبُتَ إلَى أَرْضِ غَيْرِهِ فَنَبَتَ فِيهَا قَالَ مَالِكٌ: وَالزَّرْعُ لِمَنْ جَرَّهُ السَّيْلُ إلَى أَرْضِهِ وَلَا شَيْءَ لِلزَّارِعِ اهـ. وَانْظُرْ الْأَشْجَارَ هِيَ بِخِلَافِ هَذَا قَالَ سَحْنُونَ: لَوْ قَلَعَ السَّيْلُ مِنْ أَرْضٍ شَجَرَاتٍ فَصَيَّرَهَا إلَى أَرْضِ رَجُلٍ فَنَبَتَتْ فِيهَا فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ كَانَ إنْ قُلِعَتْ وَرُدَّتْ إلَى أَرْضِهِ نَبَتَتْ فَلَهُ قَلْعُهَا، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَقْلَعُهَا لِلْحَطَبِ لَا لِيَغْرِسَهَا فِي أَرْضِهِ فَهَذَا مُضَارٌّ وَلَهُ الْقِيمَةُ، وَإِنْ كَانَتْ الشَّجَرُ لَوْ قُلِعَتْ لَمْ تَنْبُتْ فِي أَرْضِ رَبِّهَا وَإِنَّمَا تَصِيرُ حَطَبًا فَهَذَا الَّذِي جَرَتْ فِي أَرْضِهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْذَنَ لِرَبِّهَا فِي قَلْعِهَا أَوْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا مَقْلُوعَةً.
وَلَوْ نَقَلَ السَّيْلُ تُرَابَ أَرْضٍ إلَى أُخْرَى فَإِنْ أَرَادَ رَبُّهُ نَقْلَهُ إلَى أَرْضِهِ وَكَانَ مَعْرُوفًا فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَى يَنْقُلُهُ فَطَلَبَهُ مَنْ صَارَ فِي أَرْضِهِ بِتَنْحِيَتِهِ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحُزْ شَيْئًا.

(وَلَزِمَ الْكِرَاءُ بِالتَّمَكُّنِ) ابْنُ شَاسٍ: لَا يُسْتَحَقُّ تَقْدِيمُ جُزْءٍ مِنْ الْإِجَارَةِ إلَّا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ اسْتِيفَاءِ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ اهـ. وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ يُونُسَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَنْقُدَ إلَّا بِقَدْرِ مَا رَكِبَ أَوْ سَكَنَ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ حَبَسَ الدَّابَّةَ أَوْ الثَّوْبَ الْمُدَّةَ الْمُعَيَّنَةَ تَثْبُتُ الْأُجْرَةُ إذْ التَّمَكُّنُ كَالِاسْتِيفَاءِ فَإِنْ زَادَ عَلَى الْمُدَّةِ رَاجَعَهُ فِيهِ.

(وَإِنْ فَسَدَتْ بِجَائِحَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ هَلَكَ الزَّرْعُ بِبَرْدِ أَوْ جَلِيدٍ أَوْ جَائِحَةٍ فَالْكِرَاءُ عَلَيْهِ.
(أَوْ غَرِقَ بَعْدَ وَقْتِ الْحَرْثِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَتَى مَطَرٌ فَغَرِقَ زَرْعُهُ فِي إبَّانٍ لَوْ انْكَشَفَ الْمَاءُ عَنْ الْأَرْضِ أَدْرَكَ زَرْعَهَا ثَانِيَةً فَلَمْ يَنْكَشِفْ حَتَّى فَاتَ الْإِبَّانُ فَذَلِكَ كَغَرَقِهَا فِي الْإِبَّانِ قَبْلَ أَنْ تُزْرَعَ حَتَّى فَاتَ الْحَرْثُ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ انْكَشَفَ الْمَاءُ فِي إبَّانٍ يُدْرَكُ فِيهِ الْحَرْثُ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ وَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا.
إنْ أَتَى مَطَرٌ بَعْدَ الزَّرْعِ وَفَاتَ إبَّانُ الزِّرَاعَةِ فَغَرِقَ زَرْعُهُ حَتَّى هَلَكَ بِذَلِكَ فَهِيَ جَائِحَةٌ عَلَى الزَّارِعِ وَعَلَيْهِ جَمِيعُ الْكِرَاءِ بِخِلَافِ هَلَاكِهِ مِنْ الْقَحْطِ.

(أَوْ عَدَمِهِ بَذْرًا أَوْ سِجْنِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُنْقَضُ الْكِرَاءُ بِمَوْتِ الْمُتَكَارِيَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَكَذَلِكَ مَنْ اكْتَرَى دَارًا أَوْ أَرْضًا فَلَمْ يَجِدْ بَذْرًا أَوْ سَجَنَهُ السُّلْطَانُ بَاقِيَ الْمُدَّةِ فَالْكِرَاءُ يَلْزَمُهُ وَلَا يُعْذَرُ بِهَذَا وَلَكِنْ يُكْرِيهَا هُوَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَزْرَعَهَا أَوْ يَسْكُنَ الدَّارَ.

. (أَوْ انْهَدَمَتْ شُرُفَاتُ الْبَيْتِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا لَمْ

فصول الكتاب · 7 فصل · 674 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التاج والإكليل لمختصر خليل · 674 صفحة
المقدمة
ٍ: زَكَاةُ النَّعَمِ
ِ (فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ)
َ كِتَابِ الْبُيُوعِ.
خِيَارِ التَّرَوِّي
َ: قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ
ضَمَانِ سِرَايَةِ الْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِي عَيْنِهِ أَوْ جِنْسِهِ
جارٍ التحميل