التاج والإكليل لمختصر خليلصفحات 175-221
أهل الأثرالأرشيف العلمي

َ: قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ

صفحات 175-221

لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ عَلَى كَبِيرٍ لِتُهْمَتِهِ بِالْجَرِّ لِنَفْسِهِ لِمَكَانِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ وَوِلَايَتِهِ، وَإِنْ شَهِدَ لِكَبِيرٍ عَلَى صَغِيرٍ أَوْ لِكَبِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ جَازَتْ إنْ كَانَ عَدْلًا لَا أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ لَهُ مِمَّنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ الِانْقِطَاعُ عَنْهُ إلَيْهِ وَالْأَثَرَةُ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ بِمَنْزِلَتِهِ أَوْ عَرَفَ جَفْوَتَهُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ دُونَ الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ.
لِسَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: فِي شَهَادَةِ الْوَلَدِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ تَفْصِيلٌ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الِابْنِ يَشْهَدُ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، لَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبْرِزًا أَوْ يَكُونَ مَا شَهِدَ بِهِ يَسِيرًا.
ابْنُ رُشْدٍ: وَشَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ بِطَلَاقِهِ أَوْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ بِطَلَاقِ أُمِّهِ جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ هِيَ طَالِبَةً لِلطَّلَاقِ، وَبِطَلَاقِ غَيْرِ أُمِّهِ جَائِزَةٌ إنْ كَانَتْ أُمُّهُ مَيِّتَةً وَغَيْرُ جَائِزَةٍ إنْ كَانَتْ حَيَّةً فِي عِصْمَتِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ هِيَ الطَّالِبَةُ لِلطَّلَاقِ.

(وَلَا عَدُوٍّ عَلَى عَدُوٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: عَدَاوَةُ الشَّاهِدِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْمَانِعِيَّةِ اتِّفَاقًا.
وَفِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ: إنْ كَانَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا فِي الْأَمْوَالِ وَالْمَوَارِيثِ وَالتِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَضَبًا لِلَّهِ لِفِسْقِهِ وَجَرَاءَتِهِ عَلَى اللَّهِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ تَسْقُطْ.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مُفَسِّرٌ لِجَمِيعِ الرِّوَايَاتِ (وَلَوْ عَلَى ابْنِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: شَهَادَتُهُ عَلَى ابْنِ عَدُوِّهِ أَوْ أَبِيهِ بِقَتْلٍ أَوْ حَدٍّ سَاقِطَةٌ وَفِي الْمَالِ وَالْجِرَاحِ ثَالِثُهَا

فِي الْجِرَاحِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ: شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى ابْنِ عَدُوِّهِ بِمَالٍ وَمَا لَا تَلْحَقُ الْأَبَ مِنْهُ مَعَرَّةٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ.

(أَوْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) عِيَاضٌ: قَوْلُهُ فِي آثَارِ الْكِتَابِ " تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكُفَّارِ " هَذَا مَا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَعَدَاوَةُ الدِّينِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِأَنَّهَا عَامَّةٌ غَيْرُ خَاصَّةٍ، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْعَدَاوَةُ الْخَاصَّةُ.
وَاخْتُلِفَ إذَا طَرَأَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ عَدَاوَةٌ حَدِيثَةٌ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، فَاعْتَبَرَهَا بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُجِزْ الشَّهَادَةَ وَهَذَا الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ خَاصٌّ.

(وَلْيُخْبِرْ بِهَا) سُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ فَاحْتَاجَ أَهْلُ الشَّهَادَةِ إلَيْهَا، فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ وَلْيُخْبِرْ مَعَ شَهَادَتِهِ بِعَدَاوَتِهِ إيَّاهُ وَلَا يَكْتُمُ.
ابْنُ رُشْدٍ: مِثْلُ هَذَا فِي سَمَاعِ عِيسَى خِلَافُ سَمَاعِ سَحْنُونٍ وَنَوَازِلِهِ، وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يُخْبِرُهُ بِعَدَاوَتِهِ لِأَنَّهُ

يُبْطِلُ بِذَلِكَ حَقًّا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ انْتَهَى.
اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَغُرْمِ شُهُودٍ عَلِمُوا ". اُنْظُرْ إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ لَهُ وَعَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَسْقُطُ فِيهِمَا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ فِي بُطْلَانِ كُلِّ الشَّهَادَةِ بِبُطْلَانِ بَعْضِهَا لِلتُّهْمَةِ خِلَافًا لِأَصْبَغَ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْهَا مَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ.

(كَقَوْلِهِ بَعْدَهَا تَتَّهِمُنِي وَتُشَبِّهُنِي بِالْمَجْنُونِ مُخَاصِمًا لَا شَاكِيًا) مِنْ نَوَازِلِ أَصْبَغَ: مَنْ شَهِدَ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ قَائِمٌ يَسْمَعُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ شَهَادَتِهِ تَحَوَّلَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ وَالْقَاضِي يَسْمَعُ أَنْتَ تَشْتُمُنِي وَتُشَبِّهُنِي بِالْمَجَانِينِ.
لَمْ يَطْرَحْ ذَلِكَ شَهَادَتُهُ إلَّا بِعَدَاوَةٍ قَدِيمَةٍ.
ابْنُ رُشْدٍ لَهُ: فِي الثَّمَانِيَةِ إنْ قَالَ عَلَى وَجْهِ الشَّكْوَى وَالِاسْتِنْهَاءِ مِنْ الْأَذَى لَا عَلَى وَجْهِ طَلَبِ الْخُصُومَةِ وَلَا يُسَمِّي الشَّتْمَةَ فَلَا أَرَاهُ شَيْئًا، وَإِنْ سَمَّى الشَّتْمَةَ وَهِيَ مِمَّا فِي مِثْلِهَا الْخُصُومَةُ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الطَّلَبِ لِخُصُومَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الشَّتْمَةَ فَشَهَادَتُهُ بَاطِلَةٌ وَهُوَ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ هُنَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ مُطْلَقًا.
ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَدُوُّهُ انْتَهَى.
وَنَحْوُ هَذَا اخْتَارَ اللَّخْمِيِّ.
قَالَ: وَطَرْحُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَحْسَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبْرِزًا.
قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ عَادَاهُ وَقَبُولُهَا هُنَا أَحَقُّ، إذَا كَانَتْ قُيِّدَتْ قَبْلَ الْعَدَاوَةِ.

(وَاعْتَمَدَ فِي إعْسَارِهِ بِصُحْبَتِهِ وَقَرِينَةِ صَبْرِ ضَرٍّ كَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي شَرْطِ شَهَادَةِ غَيْرِ السَّمَاعِ يَقْطَعُ الشَّاهِدُ بِالْعِلْمِ بِالْمَشْهُودِ فِيهِ مُطْلَقًا، وَصِحَّتُهَا بِالظَّنِّ الْقَوِيِّ فِيهِمَا يَعْسُرُ الْعِلْمُ بِهِ عَادَةً طَرِيقَانِ.
الْأُولَى

لِلْمُقَدِّمَاتِ قَائِلًا: الْعِلْمُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ وَبِالْعَقْلِ مَعَ أَحَدِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ وَبِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَمِنْهُ نَظَرُهُ كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ بِشِرَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفَرَسَ، وَكَذَا الشَّهَادَةُ بِمَا عُلِمَ مِنْ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ جَائِزَةٌ كَالْوَلَاءِ وَالْمَوْتِ وَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ إذَا حَصَلَ الْعِلْمُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَالْقَطْعُ بِهَا.
الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ لِلْمَازِرِيِّ قَالَ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ بِزَوْجِيَّةِ رَجُلٍ امْرَأَةً بِرُؤْيَةِ حَوْزِهِ إيَّاهَا حَوْزَ الْأَزْوَاجِ زَوْجَاتِهِمْ وَإِنْ لَمْ يُولَدْ حِينَ التَّزْوِيجِ: هَذَا نَوْعٌ خَارِجٌ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ فِيهِ الظَّنُّ الْقَوِيُّ الْمُزَاحِمُ لِلْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ كَالشَّهَادَةِ بِالتَّفْقِيرِ.
وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ: وَيُعْتَمَدُ عَلَى الْقَرَائِنِ الْمُغَلِّبَةِ لِلظَّنِّ فِي التَّعْدِيلِ وَفِي الْإِعْسَارِ وَضَرَرِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ.
رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ فَقَدْ رَدَّ الطَّرِيقَتَيْنِ إلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ: وَلَوْ صَرَّحَ فِي أَدَاءِ شَهَادَتِهِ بِالظَّنِّ لَمْ تُقْبَلْ يَعْنِي عَلَى كِلَا الطَّرِيقَتَيْنِ.

(وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى إزَالَةِ نَقْصٍ فِيمَا رَدَّ فِيهِ بِفِسْقٍ أَوْ صِبًا أَوْ رِقٍّ أَوْ كُفْرٍ أَوْ عَلَى التَّأَسِّي كَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِيهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ التُّهْمَةُ عَلَى إزَالَةِ نَقْصٍ عَرَضَ أَوْ تَخْفِيفِ مَعَرَّةٍ بِمُشَارِكٍ فِيهَا مِنْ الْوَرَثَةِ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ شَهِدَ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ نَصْرَانِيٌّ إلَى قَاضٍ فَرَدَّهَا لِمَوَانِعِهِمْ لَمْ تَجُزْ بَعْدَ زَوَالِهَا أَبَدًا.
أَشْهَبُ: مَنْ قَالَ لِقَاضٍ يَشْهَدُ لِي فُلَانٌ الْعَبْدُ أَوْ النَّصْرَانِيُّ أَوْ فُلَانٌ الصَّبِيُّ فَقَالَ: لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُمْ ثُمَّ زَالَتْ مَوَانِعُهُمْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ فُتْيَا لَا رَدٌّ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَذْهَبُ فِي رَدِّ شَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِي الزِّنَا وَقَبُولِهَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالزِّنَا.

(أَوْ مَنْ حُدَّ فِيمَا حُدَّ فِيهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: كُلُّ مَنْ حُدَّ فِي قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ وَتَابَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِ مَا حُدَّ فِيهِ.
وَقَالَهُ ابْنُ حَارِثٍ فِي الْقَاذِفِ اتِّفَاقًا.
وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهَا أَيْضًا تَصِحُّ فِيمَا حُدَّ فِيهِ قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ

وَأَصْبَغُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
وَرَوَى الْأَخَوَانِ وَأَصْبَغُ لَا تَصِحُّ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.

(وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى الْقَبُولِ كَمُخَاصَمَةِ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَشَهِدَ وَحَلَفَ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَانِعُ السَّادِسُ مَنْ ظَنَّ عَدَمَ اسْتِيفَاءِ وَاجِبِ التَّحَمُّلِ أَوْ تَرَكَ الْقِيَامَ بِهَا الْمُوجِبَ دَوَامَ مُحَرَّمٍ أَوْ الْحِرْصَ عَلَى قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: شَهَادَةُ الْمُخْتَفِي لَا خَفَاءَ فِي رَدِّهَا عَلَى الْقَوْلِ بِلَغْوِ الشَّهَادَةِ عَلَى إقْرَارِ الْمُقِرِّ دُونَ قَوْلِهِ أَشْهَدُ عَلَى، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَرِوَايَتُهُ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ: إلَّا أَنْ يَكُونَ قَذْفًا.
ابْنُ عَرَفَةَ: أَوْ غَيْرُهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِتُهْمَةِ الْحِرْصِ عَلَى قَبُولِهَا.
قِيلَ: إذَا حَلَفَ الشَّاهِدُ عَلَى صِحَّةِ شَهَادَتِهِ إنَّ حَلِفَهُ قَادِحٌ فِيهَا لِأَنَّ حَلِفَهُ كَالْعِلْمِ عَلَى التَّعَصُّبِ وَالْحَمِيَّةِ.
قَالَ: وَاخْتُلِفَ إذَا قَامَ الشُّهُودُ وَخَاصَمُوا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَسْقَطَ ابْنُ الْقَاسِمِ شَهَادَتَهُمْ لِأَنَّ خِصَامَهُمْ عَلَمٌ عَلَى شِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى إنْفَاذِ شَهَادَتِهِمْ، وَشِدَّةَ الْحِرْصِ عَلَى إنْفَاذِهَا يَحْمِلُ عَلَى تَحْرِيفِهَا أَوْ زِيَادَةٍ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ.
فَقَالَ الْبَاجِيُّ: مَنْ

قَامَ يَطْلُبُ حَقًّا لِلَّهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيهِ.
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ: شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ لِأَنَّهَا فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ.

(أَوْ رَفَعَ قَبْلَ الطَّلَبِ فِي مَحْضِ حَقِّ الْآدَمِيِّ) ابْنُ رُشْدٍ: الشَّهَادَةُ بِمَالِ الْحَاضِرِ تَبْطُلُ بِتَرْكِ إعْلَامِهِ لَا بِتَرْكِ رَفْعِهَا لِلسُّلْطَانِ.
ابْنُ عَرَفَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَبُّهَا مِمَّنْ هُوَ إلَى نَظَرِ السُّلْطَانِ كَالْيَتِيمِ الْمُهْمَلِ.

وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْحِرْصُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَدَاءِ يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ طَلَبِهِ فِيمَا تَمَحَّضَ مِنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ قَادِحٌ.

(وَفِي مَحْضِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِالْإِمْكَانِ إنْ اُسْتُدِيمَ تَحْرِيمُهُ كَعِتْقٍ وَطَلَاقٍ وَوَقْفٍ وَرَضَاعٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ كَانَتْ حَقًّا لِلَّهِ يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْخُلْعِ وَالرَّضَاعِ وَالْوَقْفِ لَمْ تَقْدَحْ الْمُبَادَرَةُ، بَلْ تَجِبُ.
ابْنُ رُشْدٍ: الشَّهَادَةُ بِمَا يُسْتَدَامُ تَحْرِيمُهُ تَبْطُلُ بِتَرْكِ رَفْعِهِ إلَى السُّلْطَانِ إلَّا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ أَشْهَبَ.
(وَالْأَخِيرُ كَالزِّنَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ كَانَتْ حَقًّا لِلَّهِ فَيُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالزِّنَا

وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلَا تَقْدَحُ وَلَا تَجِبُ إلَّا فِي التَّحْرِيمِ إنْ شَهِدَ عَلَى أَحَدٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: الشَّهَادَةُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْحُدُودِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ لَا يَلْزَمُ الْقِيَامُ بِهَا، وَيُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ إلَّا فِي الْمُشْتَهِرُ، وَلَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْقِيَامِ وَإِنْ كَانَ مُشْتَهِرًا اتِّفَاقًا.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي مَسَالِكِهِ: الْمَشْهُودُ بِهِ إنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ وَلَا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخُمُورِ.
زَادَ أَصْبَغُ: وَالسَّرِقَةِ.
فَتَرْكُ الشَّهَادَةِ لَهُ جَائِزَةٌ، وَلَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ الْإِمَامُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَكْتُمُهَا وَلَا يَشْهَدُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي أَرْبَعَةٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَتَعَلَّقُوا بِهِ وَرَفَعُوا لِلسُّلْطَانِ وَشَهِدُوا عَلَيْهِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَيُحَدُّونَ لِأَنَّهُمْ قَذَفَةٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّ تَعَلُّقَهُمْ بِهِ وَرَفْعَهُمْ إيَّاهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ لَهُمْ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَأْمُورٌ بِالسَّتْرِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَصَابَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ» قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السِّتْرَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ إذَا أَتَى فَاحِشَةً، وَوَاجِبُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي غَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إذَا رَأَيْته عَلَى مَعْصِيَةٍ فَعِظْهُ فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ وَلَا تَفْضَحْهُ.
رَوَى النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا» «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهَزَّالٍ: هَلَّا سَتَرْته بِرِدَائِك» خَرَّجَهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ.
وَلَمَّا «أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَطْعِ السَّارِقِ وَقَالَ صَفْوَانُ: لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟» وَكَذَلِكَ الْجِوَارُ أَمَانَةٌ وَالْجَارُ عَلَيْهِ أَمِينٌ يَغُضُّ بَصَرَهُ وَيَصُمُّ أُذُنَيْهِ وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَاهُ وَيَسْدُلُ دُونَهُ حِجَابَهُ، فَإِنْ رَأَى عَوْرَةً سَتَرَهَا أَوْ سَيِّئَةً غَفَرَهَا أَوْ حَسَنَةً بَثَّهَا وَنَشَرَهَا.
كَانَ لِأَبِي حَنِيفَةَ جَارٌ إسْكَافٌ يَعْمَلُ نَهَارَهُ أَجْمَعَ فَإِذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ وَقَدْ حَمَلَ لَحْمًا فَطَبَخَهُ أَوْ سَمَكَةً فَشَوَاهَا ثُمَّ لَا يَزَالُ يَشْرَبُ حَتَّى إذَا دَبَّ الشَّرَابُ فِيهِ غَزَلَ بِصَوْتٍ يَقُولُ: أَضَاعُونِي وَأَيُّ فَتًى أَضَاعُوا.
لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسَدَادِ ثَغْرٍ.
فَلَا يَزَالُ يَشْرَبُ وَيُرَدِّدُ هَذَا الْبَيْتَ حَتَّى يَأْخُذَهُ النَّوْمُ.
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ فَفَقَدَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْلَةً صَوْتَهُ فَاسْتَخْبَرَ عَنْهُ فَقِيلَ: أَخَذَهُ الشُّرَطُ وَهُوَ مَحْبُوسٌ.
فَلَمَّا صَلَّى أَبُو حَنِيفَةَ الصُّبْحَ مِنْ غَدِهِ رَكِبَ بَغْلَتَهُ وَجَاءَ الْأَمِيرَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ وَأَنْ لَا يَنْزِلَ حَتَّى يَطَأَ الْبِسَاطَ، فَلَمْ يَزَلْ الْأَمِيرُ يُوَسِّعُ لَهُ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى أَنْزَلَهُ مُسَاوِيًا لَهُ.
فَقَالَ: مَا حَاجَتُك؟ فَقَالَ: إسْكَافٌ أَخَذَهُ الْحَرَسُ لِيَأْمُرْ الْأَمِيرُ بِتَخْلِيَتِهِ.
قَالَ: نَعَمْ وَكُلُّ مَنْ أُخِذَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَخَلَّى جَمِيعَهُمْ فَرَكِبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْإِسْكَافُ يَمْشِي وَرَاءَهُ، وَلَمَّا نَزَلَ مَضَى إلَيْهِ وَقَالَ: يَا فَتَى أَضَعْنَاك؟ قَالَ: لَا، بَلْ حَفِظْت وَرَعَيْت جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا عَنْ حُرْمَةِ الْجَارِ وَرِعَايَةِ الْحَقِّ، وَتَابَ الرَّجُلُ عَمَّا كَانَ فِيهِ بَيْدَ أَنَّ هَذَا فِي كُلِّ ذَنْبٍ يَخْتَصُّ بِالْعَبْدِ لَا يَتَعَدَّاهُ، فَإِنْ كَانَ يَلْحَقُ غَيْرَهُ مِنْهُ ظُلْمٌ فَخَيْرُ الشُّهُودِ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهَا مِنْ ذَلِكَ شَهَادَةُ ابْنِ عَوْفٍ فِي حَدِيثِ الْوَفَاءِ، وَمِنْ ذَلِكَ شَهَادَةُ الرَّجُلِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنَّ حَمْلَهَا لَيْسَ مِنْهُ.
وَأَمَّا شَهَادَتُهُ عَلَى رُؤْيَتِهِ لِزِنَاهَا فَمَكْرُوهٌ، وَالْفِرَاقُ مَعَ السَّتْرِ أَفْضَلُ وَأَوْلَى وَأَوْجَبُ وَأَحْرَى، وَأَمَّا مَعَ إلْحَاقُ غَيْرِ وَلَدِهِ بِهِ فَلَا صَبْرَ.

عِيَاضٌ: كَانَ مَعَ تَمِيمٍ قَوْمٌ بِبَابِ دَارِهِ إذْ وَثَبَ وَقَالَ لَهُمْ: قُومُوا فَادْخُلُوا فَدَخَلُوا وَأَغْلَقَ الْبَابَ وَلَا يَدْرُونَ مَا السَّبَبُ فَقَالَ: رَأَيْت سَكْرَانًا فَلَمْ أُرِدْ أَنْ تَرَوْهُ فَقَالُوا: مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ: إنَّمَا سَتَرْته عَنْكُمْ ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ بِهِ.
فَقَالَ عِيَاضٌ: اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى فَضْلِ هَذَا الرَّجُلِ أَعْنِي تَمِيمًا الْمَذْكُورَ وَقُرِئَ عَلَيْهِ بِالْقَيْرَوَانِ وَسُمِعَ مِنْهُ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَأَمَرَ ابْنُ سَلَمَةَ الْقَاضِي بِإِنْسَانٍ فِي رَأْسِهِ غِرَارَةٌ وَبِيَدِهِ كَبَرٌ فَأَمَرَ بِكَسْرِ الْكَبَرِ وَعَلِمَ وَلَمْ يَشُكَّ أَنَّ الْغِرَارَةَ مَمْلُوءَةٌ أَكْبَارًا فَقَالَ: أَنْزِلُوا الْغِرَارَةَ: قَالَ: وَكَانَ مَعَهُ أَحْمَدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: مَا عَلَيْك أَنْ تُفَتِّشَ أَمْتِعَةَ النَّاسِ إنَّمَا عَلَيْك أَنْ تُغَيِّرَ مَا ظَهَرَ مِنْ الْمُنْكَرِ.
فَأَمْسَكَ الْقَاضِي عَمَّا أَمَرَ بِهِ مِنْ تَفْتِيشِ الْغِرَارَةِ ثُمَّ اجْتَمَعَ الْقَاضِي مَعَ ابْنِ لُبَابَةَ ذَكَرَ لَهُ الْقَضِيَّةَ.
فَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ مِثْلَ مَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَأَقْبَلَ الْقَاضِي عَلَى أَحْمَدَ وَقَالَ: لَقَدْ انْتَفَعْت الْيَوْمَ بِصُحْبَتِك يَا رُعَيْنِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ فِي إحْيَائِهِ: مَنْ سَتَرَ مَعْصِيَةً فِي دَارِهِ وَأَغْلَقَ بَابَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَجَسَّسَ عَلَيْهِ، وَإِذَا رَأَى فَاسِقًا وَتَحْتَ ذَيْلِهِ شَيْءٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُ.
نَعَمْ لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ اسْتِخْبَارٍ بِأَنَّ فُلَانًا فِي دَارِهِ خَمْرٌ فَلَهُ الدُّخُولُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ وَعَبْدَانِ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَوْلَى الْمَنْعُ إذْ لَا يَسْقُطُ حَقٌّ إلَّا بِعَدْلَيْنِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ أَيْضًا إذَا شَهِدَ أَحَدٌ عَلَى إنْسَانٍ أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يُنَكَّلُ الشَّاهِدُ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ: مَشَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِاللَّيْلِ فَرَأَى نَارًا فِي بَيْتٍ فَأَتَى إلَيْهَا فَإِذَا بِقَوْمٍ يَشْرَبُونَ وَشَيْخٌ فَاقْتَحَمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْكُمْ.
فَقَالَ الشَّيْخُ: مَا نَحْنُ بِأَعْظَمَ مِنْك ذَنْبًا، تَعَدَّيْت وَدَخَلْت بِغَيْرِ إذْنٍ فَاحْتَشَمَ عُمَرُ وَقَالَ: ذَرُوا هَذِهِ بِهَذِهِ انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ مَا يُعَارِضُ هَذَا إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَسْتَظْهِرُ وَيَشْتَهِرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْقِيَامِ بِهَا وَإِنْ كَانَ مُشْتَهِرًا اتِّفَاقًا.
وَانْظُرْ قَدْ يَكُونُ يَتَضَرَّرُ بِالرَّفْعِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ كَمَا يَسْقُطُ التَّغْيِيرُ لِمَا ذُكِرَ.
عِيَاضٌ: شَرُفَ مَالِكٌ فِي رُجُوعِ أَشْيَاخِهِ لِكَلَامِهِ.
حُكِيَ أَنَّ ابْنَ هُرْمُزَ مَرَّ بِدَارِ بَعْضِ أَهْلِ الْأَقْدَارِ وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَ مَوْلًى لَهُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ هُرْمُزَ: إنَّك عَلَى الطَّرِيقِ وَلَيْسَ يَحِلُّ لَك هَذَا، فَقَالَ لِعَبِيدِهِ: طَئُوا بَطْنَهُ فَوَطِئُوهُ حَتَّى حُمِلَ إلَى مَنْزِلِهِ، فَعَادَهُ النَّاسُ وَفِيهِمْ مَالِكٌ فَجَعَلَ يَشْكُو وَالنَّاسُ يَدْعُونَ لَهُ وَمَالِكٌ سَاكِتٌ ثُمَّ تَكَلَّمَ فَقَالَ: إنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَك أَنْ تَأْتِيَ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْقَدَرِ عَلَى بَابِ دَارِهِ مَعَهُ حَشَمُهُ وَمَوَالِيهِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ هُرْمُزَ: أَفَتَرَانِي أَخْطَأْت؟ قَالَ: إي وَاَللَّهِ.
وَقِيلَ لِمَالِكٍ: الرَّجُلُ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِالسُّنَّةِ يُجَادِلُ عَلَيْهَا قَالَ: لَا يُخْبِرُ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ سَمِعَ مِنْهُ وَإِلَّا سَكَتَ.
قِيلَ: فَيَنْصَحُ السُّلْطَانَ؟ قَالَ: إنْ رَجَا أَنْ يَسْمَعَهُ وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ.
وَانْظُرْ إذَا كَانَ الدَّارُ لِمُنْكَرٍ وَالْجِيرَانُ يَتَضَرَّرُونَ بِهِ وَالْفِقْهُ أَنَّهُ لَا يَقْتَحِمُ عَلَيْهِ فِي الدَّارِ وَلَكِنْ تُرْفَعُ الشَّكْوَى بِهِ لِلْقَاضِي وَيَعْذِرُ لَهُ ثُمَّ تُكْرَى عَلَيْهِ غَيْرَ أَنْ يَقْذِفَ أَوْ يَكْشِفَ عَلَيْهِ.
اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيُّ.

(بِخِلَافِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ كَالْمُخْتَفِي) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ الْحِرْصُ عَلَى التَّحَمُّلِ مِثْلُ أَنْ يَجْلِسَ مُخْتَفِيًا فِي زَاوِيَةٍ لِتَحَمُّلِ شَهَادَةٍ فَيَنْبَنِي قَبُولُ شَهَادَتِهِ عَلَى جَوَازِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُقِرِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي شَهَادَةِ

الشَّاهِدِ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ يَتَكَلَّمُ أَوْ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ: إحْدَاهُمَا يَشْهَدُ إذَا كَانَ قَدْ اسْتَوْعَبَ ذَلِكَ وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَبِهِ الْعَمَلُ قَالَهُ فِي الْمُفِيدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ أَوَّلَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ " وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى الْقَبُولِ ".

(وَلَا إنْ اُسْتُبْعِدَ كَبَدْوِيٍّ لِحَضَرِيٍّ) الْمَازِرِيُّ: تُعْرَضُ التُّهْمَةُ مِنْ جِهَةِ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَةِ وَمُخَالَفَةِ الْعَادَةِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ» ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: مَالِكٌ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ فِي الْحُقُوقِ إذَا شَهِدُوا فِي الْحَاضِرَةِ لِأَنَّهَا تُهْمَةٌ أَنْ يَشْهَدَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ دُونَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ، وَأَجَازَهَا فِي الدِّمَاءِ وَالْجِرَاحِ وَحَيْثُ تُطْلَبُ الْخَلَوَاتُ وَالْبُعْدُ مِنْ الْعُدُولِ (بِخِلَافِ إنْ سَمِعَهُ أَوْ مَرَّ بِهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: حَدِيثُ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدْوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ» مَحْمَلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْحَضَرِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الرِّيبَةِ، فَأَمَّا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ سَمِعَهَا أَوْ رَآهَا أَوْ كَانُوا فِي سَفَرٍ فَلَا رِيبَةَ فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ.

(وَلَا سَائِلٍ فِي كَثِيرٍ) اللَّخْمِيِّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْفَقِيرِ الْمُتَكَفِّفِ.
قِيلَ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي الْيَسِيرِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السُّؤَالِ فِي الْكَثِيرِ مِنْ الْأَمْوَالِ أَوْ شَبَهِهَا (بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَسْأَلْ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ يَقْبَلُ الشَّيْءَ مِمَّنْ يُعْطِيه مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ «مَا أَتَاك مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَك اللَّهُ» ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ بَابِ السُّؤَالِ، وَذَكَرَ اللَّخْمِيِّ هَذَا اخْتِيَارًا لِنَفْسِهِ وَابْنُ يُونُسَ أَقْدَمُ (أَوْ يَسْأَلْ الْأَعْيَانَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ سُؤَالًا لِلْإِمَامِ أَوْ الْأَعْيَانِ قُبِلَتْ مُطْلَقًا عَلَى الْأَصَحِّ وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: الْفَقِيرُ الَّذِي

لَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ شَهَادَتُهُ فِي الْيَسِيرِ جَائِزَةٌ، وَاخْتُلِفَ فِي الْكَثِيرِ.

(وَلَا إنْ جَرَّ بِهَا كَعَلَى مُوَرِّثِهِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَا أَوْ قَتْلِ الْعَمْدِ إلَّا الْفَقِيرَ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَانِعُ الثَّانِي جَرُّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ لِنَفْسِهِ نَفْعًا لِأَنَّهُ بِهَا مُتَّهَمٌ.
فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ عُمَرُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ.
الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ مُزَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: هُوَ الْمُتَّهَمُ الَّذِي يُظَنُّ بِهِ غَيْرُ الصَّلَاحِ.
ابْنُ كِنَانَةَ: شَهَادَةُ الْمُتَّهَمِ مَرْدُودَةٌ وَإِنْ كَانَ مُبْرِزًا فِي الْعَدَالَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى أَبِيهِمْ بِالزِّنَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ وَلَا يُرْجَمُ لِأَنَّهُمْ يُتَّهَمُونَ عَلَى إرْثِهِ وَيُحَدُّونَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ كَانَ الْأَبُ عَدِيمًا جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ إنْ كَانُوا عُدُولًا، وَرُجِمَ الْأَبُ بِشَهَادَتِهِمْ إلَّا إنْ كَانَ مُوسِرًا فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ لِتُهْمَتِهِمْ بِالْمِيرَاثِ قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ وَكَذَا إنْ شَهِدُوا أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا عَمْدًا.
وَقَالَ ابْنُ اللَّبَّادِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا لِتُهْمَتِهِمْ عَلَى سُقُوطِ نَفَقَتِهِ عَنْهُمْ

بِرَجْمِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ: قَالَ: قَالَ أَشْهَبُ يُرْجَمُ الْأَبُ بِشَهَادَتِهِمْ إلَّا إنْ كَانَ مُوسِرًا فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ لِتُهْمَتِهِمْ بِالْمِيرَاثِ، قَالَ: وَكَذَا لَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا عَمْدًا وَهُوَ مُعْسِرٌ أَيْضًا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الرَّاحَةَ مِنْهُ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ: فِي تَسْوِيَةِ أَشْهَبَ بَيْنَ شَهَادَتِهِمْ بِزِنَاهُ وَشَهَادَتِهِمْ بِقَتْلِهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ بِقَتْلِهِ وَاجِبَةٌ إنْ دُعُوا إلَيْهَا، وَمُسْتَحَبَّةٌ إنْ لَمْ يُدْعَوْا، فَوَاجِبٌ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ بِذَلِكَ مَا لَمْ يُتَّهَمُوا عَلَى إرْثِهِ وَالرَّاحَةِ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَشَهَادَتُهُمْ بِزِنَاهُ مَكْرُوهَةٌ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالسَّتْرِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى النَّاسِ، فَالصَّوَابُ رَدُّ شَهَادَتِهِمْ بِزِنَاهُ لِأَنَّهَا عُقُوقٌ إلَّا أَنْ يُعْذَرُوا بِجَهْلٍ أَوْ لِأَنَّهُمْ دُعُوا إلَى الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ مِثْلُ أَنْ يَقُومَ بِحَدٍّ عَلَى مَنْ قَذَفَهُ بِالزِّنَا فَسَأَلَ الْقَاذِفُ بَنِيهِ أَنْ يَشْهَدُوا لَهُ بِزِنَاهُ لِيَسْقُطَ عَنْهُ حَدُّ قَذْفِهِ، وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي حَمْلُ قَوْلِ أَشْهَبَ.

(أَوْ بِعِتْقِ مَنْ يُتَّهَمُ فِي وَلَائِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ شَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا نِسَاءٌ وَالْعَبْدُ يَرْغَبُ فِي وَلَائِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَرْغَبُ فِي وَلَائِهِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا نِسَاءٌ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا.

(أَوْ بِدَيْنٍ لِمَدِينِهِ) اُنْظُرْ هَذَا الْإِطْلَاقَ وَقَدْ قَالَ بَعْدَ هَذَا: وَالْمِدْيَانُ الْمُعْسِرُ لِرَبِّهِ، فَسُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِرَجُلٍ وَلِلشَّاهِدِ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ حَقٌّ جَائِزَةٌ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: بَلَغَنِي إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ مُوسِرًا قُبِلَتْ وَإِلَّا لَمْ تُقْبَلْ لِأَنَّهُ إنَّمَا شَهِدَ لِنَفْسِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَا إنْ كَانَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الشَّاهِدِ حَقٌّ إنْ كَانَ مَلِيًّا جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا لَمْ تَجُزْ.
ابْنُ رُشْدٍ: مَا بَلَغَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مُفَسِّرٌ لَمَّا سَمِعَهُ مِنْهُ مُجْمَلًا، وَهَذَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ قَرِيبَ الْحُلُولِ، وَإِنْ بَعُدَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ كَمَا لَوْ كَانَ مَلِيًّا

وَشَهَادَتُهُ لَهُ فِيمَا عَدَا الْأَمْوَالِ جَائِزَةٌ.

(بِخِلَافِ الْمُنْفِقِ لِلْمُنْفِقِ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ فِي عِيَالِ الشَّاهِدِ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ إذْ لَا تُهْمَةَ هُنَا.
اُنْظُرْ أَوَّلَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.

(وَشَهَادَةُ كُلٍّ لِلْآخَرِ وَإِنْ بِالْمَجْلِسِ) سُمِعَ أَبُو زَيْدٍ: إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ عَلَى رَجُلٍ بِمَجْلِسٍ وَاحِدٍ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا إنْ كَانَا عَدْلَيْنِ.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا ثَالِثُ الْأَقْوَالِ.
رَاجِعْ الْمَسْأَلَةَ فَفِيهَا طُولٌ.

(وَالْقَافِلَةِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي حِرَابَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: تَجُوزُ عَلَى الْمُحَارِبِينَ شَهَادَةُ مَنْ حَارَبُوهُ إنْ كَانُوا عُدُولًا إذْ لَا سَبِيلَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، شَهِدُوا بِقَتْلٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
وَسُمِعَ يَحْيَى بْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهُ شَهِدَ مَسْلُوبَانِ أَنَّ هَؤُلَاءِ سَلَبُونَا هَذِهِ الثِّيَابَ وَالدَّوَابَّ وَهِيَ قَائِمَةٌ بِأَيْدِيهِمْ أُقِيمَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَمْ يَسْتَحِقُّوا الدَّوَابَّ وَالْمَتَاعَ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ سِوَاهُمَا.
ابْنُ عَرَفَةَ: فِي صِحَّةِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فِي الْحَدِّ وَالْمَالِ وَلَوْ لِأَنْفُسِهِمَا وَرَدُّهَا فِيهِمَا وَلَوْ بِالْمَالِ لِغَيْرِهِمَا، ثَالِثُهَا فِي الْحَدِّ وَالْمَالِ لِغَيْرِهِمَا لَا لِأَنْفُسِهِمَا، وَرَابِعُهَا لَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ، رَاجِعْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهَا طَوِيلَةٌ.
وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ فِيمَنْ أَوْصَى بِفِدَاءِ مَنْ لَا طَالِبَ لَهُ قَالَ: هَذَا بَابٌ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِشَهَادَةِ مَنْ يَخْتَلِفُ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ، فَإِذَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ رُضِيَتْ هَدْيُهُ عَمِلَتْ بِهِمْ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: شَهَادَةُ الْأَسْرَى عَلَى التَّوَسُّمِ جَائِزَةٌ لِلضَّرُورَةِ.
وَعَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: رَأَيْنَا مَالِكًا وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ يُجِيزُونَ لِلضَّرُورَةِ شَهَادَةَ بَعْضِ أَهْلِ الرُّفْقَةِ عَلَى بَعْضٍ إذَا عَرَضَ لَهُمْ خِصَامٌ فِيمَا يَدُورُ بَيْنَهُمْ مِنْ الْبَيْعِ وَالْكِرَاءِ وَالسَّلَفِ وَالْمُعَامَلَةِ بِتَوَسُّمِ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ كَانُوا مِنْ بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ

بُلْدَانٍ شَتَّى، وَلَا تَجْرِيحَ لِلْخَصْمِ فِيهِمْ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحُدُودِ وَالْغَصْبِ لِأَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ لَا شَهَادَةَ فِيهَا إلَّا بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ فِيمَا ذَكَرْنَا لِإِصْلَاحِ السُّبُلِ وَرَدْعِ الشِّرَارِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ.: الْمَصَالِحُ الضَّرُورِيَّةُ كَنَفَقَةِ الْإِنْسَانِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الْحَاجِيَّةِ كَنَفَقَتِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ، وَالْحَاجِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّمَامِيَّةِ كَنَفَقَتِهِ عَلَى أَقَارِبِهِ وَالْمَشَقَّةُ مُصْلِحَةٌ وَلَوْ أَفَضْت إلَى مُخَالَفَةِ الْقَوَاعِدِ وَذَلِكَ ضَرُورِيٌّ يُؤَثِّرُ فِي الرُّخَصِ كَالْبَلَدِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ فِيهِ الْعُدُولُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي نَوَادِرِهِ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَمْثَالِهِمْ لِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ فِي الْقُضَاةِ وَسَائِرِ الْوُلَاةِ.
وَقَالَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ: أَوَّلُ بَدْءِ الْإِنْسَانِ فِي زَمَنِ آدَمَ كَانَ الْحَالُ ضَيِّقًا فَأُبِيحَتْ الْأُخْتُ لِأَخِيهَا، فَلَمَّا اتَّسَعَ الْحَالُ حُرِّمَتْ وَحُرِّمَ السَّبْتُ وَالشُّحُومُ وَالْإِبِلُ، وَفُرِضَتْ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ صَلَاةً، وَكَانَتْ التَّوْبَةُ بِقَتْلِ النَّفْسِ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِقَطْعِ الثَّوْبِ، فَلَمَّا هَرِمَتْ الدُّنْيَا وَقَلَّ الْجَلَدُ أُحِلَّتْ تِلْكَ الْحُرُمَاتُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ.

(لَا الْمَجْلُوبِينَ إلَّا كَعِشْرِينَ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْحِصْنِ يُفْتَحُ فَيُسْلِمُ أَهْلُهُ فَيَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَأَنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِأَنْسَابِهِمْ كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ حِينَ أَسْلَمَتْ: وَأَمَّا الْعَدَدُ الْقَلِيلُ يَتَحَمَّلُونَ إلَيْنَا فَهَؤُلَاءِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا سِوَاهُمْ مِنْ تُجَّارٍ أَوْ أُسَارَى كَانُوا عِنْدَهُمْ فَيَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْعِشْرُونَ عَدَدٌ كَثِيرٌ.
وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا لِابْنِ عَاتٍ أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ إذَا شَهِدُوا فِي حَقٍّ لِامْرَأَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَدْلٌ أَنَّهُ يَسْتَكْثِرُ مِنْهُمْ وَيَقْضِي بِشَهَادَتِهِمْ.
وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيِّ هَذَا فِي نَوَازِلِهِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ الْمُفْتِينَ بِالْقُرَى عَلَى ثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْ الْبَلَدِ فِيهَا الثَّلَاثُونَ رَجُلًا وَالْأَرْبَعُونَ وَالْأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَقَلُّ وَلَيْسَ فِيهِمْ عَدْلٌ مَشْهُورٌ بِالْعَدَالَةِ وَلَا يَجِدُونَ مَنْ يَعْرِفُهُمْ فَقَالَ: لِكُلِّ قَوْمٍ عُدُولُهُمْ وَلْيَسْتَكْثِرْ مِنْهُمْ مَا اسْتَطَاعَ وَيَقْضِي بِهِمْ، وَانْظُرْ أَنْتَ يَجُوزُ أَنْ يُزَكِّيَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ مَنْ هُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَيَعْدِلُ هَذَا مَنْ هُوَ مَعْرُوفٌ.
اُنْظُرْهُ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " مِنْ مَعْرُوفٍ إلَّا الْغَرِيبَ ".

(وَلَا مَنْ شَهِدَ لَهُ بِكَثِيرٍ وَلِغَيْرِهِ بِوَصِيَّةٍ وَإِلَّا قُبِلَ لَهُمَا) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِوَصِيَّةٍ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ اضْطِرَابٌ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ

فِيمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ فِي ذِكْرِ حَقٍّ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ: لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ شَهَادَتِهِ عَلَى وَصِيَّةٍ أَوْصَى لَهُ فِيهَا بِشَيْءٍ.
هَذَا إنْ كَانَ الَّذِي أَوْصَى لَهُ فِيهَا شَيْءٌ تَافِهٌ لَا يَتَّهِمُ عَلَيْهِ جَازَتْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُجَازَ الشَّهَادَةُ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ هَلَكَ فَشَهِدَ رَجُلٌ أَنَّهُ أَوْصَى لِقَوْمٍ بِوَصَايَا وَأَوْصَى لِلشَّاهِدِ مِنْهَا بِوَصِيَّةٍ وَأَسْنَدَ الْوَصِيَّةَ إلَى الشَّاهِدِ وَهُوَ يَشْهَدُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ لِنَفْسِهِ تَافِهًا لَا يُتَّهَمُ عَلَى مِثْلِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ.
ابْنُ يُونُسَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ فِيهَا ضَرُورَةٌ أَوْ قَدْ يَخْشَى الْمُوصِي مُعَاجَلَةَ الْمَوْتِ وَلَا يَحْضُرُهُ إلَّا الَّذِي أَوْصَى لَهُ وَلَا ضَرُورَةَ تَلْحَقُهُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْحُقُوقِ، وَكَمَا أَجَازُوا شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ لِلضَّرُورَةِ وَشَهَادَةَ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ فَكَذَلِكَ هَذَا.

(وَلَا إنْ دَفَعَ كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ) عَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَدْفَعَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ خَطَأً ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِرَدِّ هَذِهِ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءٌ وَالْمِقْدَارَ الَّذِي يَلْزَمُ الْغَنِيَّ أَدَاؤُهُ يَسِيرٌ جِدًّا.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ مَقُولٌ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَا أَعْرِفُهُ إلَّا لِلْمَازِرِيِّ وَوَجِيزُ الْغَزَالِيِّ (وَالْمِدْيَانِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّهِ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ مَدْيُونٍ لِمَدِينِهِ ".

(وَلَا مُفْتٍ عَلَى مُسْتَفْتِيهِ إنْ كَانَ فِيمَا يُنَوَّى فِيهِ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَاتِ شَهَادَةٌ لَا يَجُوزُ الْقِيَامُ بِهَا وَلَوْ دُعِيَ إلَيْهَا وَهِيَ الَّتِي يُعْلَمُ مِنْ بَاطِنِهَا خِلَافُ مَا يُوجِبُ ظَاهِرَهَا كَالرَّجُلِ يَأْتِي الْعَالِمَ فَيَقُولُ حَلَفْت بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا فَكَلَّمْته بَعْدَ ذَلِكَ بِشَهْرٍ لِأَنِّي كُنْت نَوَيْت أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إلَى شَهْرٍ، فَإِنْ دَعَتْهُ امْرَأَتُهُ لِيَشْهَدَ لَهَا فِيمَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ مَنْ حَلَّفَهُ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ بَعْدَ شَهْرٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَإِلَّا رَفَعَ.

(وَلَا إنْ شَهِدَ بِاسْتِحْقَاقٍ وَقَالَ أَنَا بِعْته لَهُ وَلَا إنْ حَدَثَ فِسْقٌ بَعْدَ الْأَدَاءِ) الَّذِي لِابْنِ يُونُسَ: إنْ ارْتَدَّ الشُّهُودُ أَوْ فَسَقَوْا قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمْ وَسَقَطَتْ وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُمْ فِسْقٌ أَوْ أُخِذُوا يُشْرِبُونَ خَمْرًا وَذَلِكَ بَعْدَ حُكْمِ الْإِمَامِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ أَوْ الْقِصَاصِ لَا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ بَعْدُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَدُ وَيُقِيمُ الْحَدَّ وَالْقِصَاصَ لِأَنَّهُ حُكْمٌ نَفَذَ الْأَمْرُ بِهِ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَإِذَا كَتَبَ الْقَاضِي شَهَادَةَ رَجُلٍ وَلَمْ يَحْكُمْ حَتَّى قَتَلَ قَتِيلًا عَلَى نَائِرَةٍ أَوْ

قَذَفَ رَجُلًا وَقَاتَلَ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَلَا تَسْقُطُ بِهَذَا شَهَادَتُهُ الَّتِي وَقَعَتْ عِنْدَ الْحُكْمِ إلَّا أَنْ يَحْدُثَ مَا يَسْتُرُهُ النَّاسُ مِنْ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَتَسْقُطُ شَهَادَتُهُ تِلْكَ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لِأَنَّهُ مِمَّا يَظُنُّ أَنَّهُ فَعَلَهُ قَدِيمًا.
وَلَوْ حُكِمَ بِشَهَادَةِ بَيِّنَةٍ فِي حَدٍّ فَلَمْ يُقَمْ حَتَّى ظَهَرَ مِنْهُمْ شُرْبُ الْخَمْرِ أَوْ فِسْقٌ أَوْ ارْتِدَادٌ فَالْحُكْمُ نَافِذٌ لَا يُرَدُّ، وَاذَا لَمْ يُحْكَمْ بِهَا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ.
وَقَالَهُ أَشْهَبُ، وَهُوَ كَالرُّجُوعِ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ.
قَالَ أَشْهَبُ: وَلَوْ قَاتَلَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَ الشَّهَادَةِ لَمْ يُبْطِلْ ذَلِكَ شَهَادَتَهُمْ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ أَشْهَبُ: إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عِنْدَ قَاضٍ ثُمَّ جَنَتْ أَوْ شَجَّتْ خَطَأً لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهَا، وَإِنْ أَحْدَثَتْ بَعْدَ أَدَائِهَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا بَعْدَ تَعْدِيلِهَا مَا يُمْكِنُ إسْرَارُهُ كَشُرْبِ خَمْرٍ رُدَّتْ شَهَادَتُهَا.
مُحَمَّدٌ: مِمَّا يُظَنُّ أَنَّهُ فَعَلَهُ قَدِيمًا وَلَيْسَ مِمَّا يُعْلِنُهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ إسْرَارُهُ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: كَقَتْلٍ عَلَى نَائِرَةٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ قَتْلِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَفِي رَدِّهَا قَوْلَانِ.
وَسَمِعَ سَحْنُونَ ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ شَهِدَ وَهُوَ عَدْلٌ فَلَمْ يَحْكُمْ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ خُصُومَةٌ لَمْ تُرَدَّ بِذَلِكَ شَهَادَتُهُ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهَا ابْنُ رُشْدٍ شَيْئًا.

(بِخِلَافِ تُهْمَةِ جَرٍّ وَدَفْعٍ وَعَدَاوَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: التُّهْمَةُ بِالْعَدَاوَةِ تَحْدُثُ وَالظِّنَّةُ تَقَعُ لَا تُؤَثِّرُ فِي إجَازَةِ الشَّهَادَةِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ لِذَلِكَ سَبَبٌ قَبْلَ أَدَائِهَا كَمَنْ شَهِدَ لِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُهَا قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ لَهَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إنْ خَاصَمَ الشَّاهِدُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ لَمْ تَبْطُلْ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّ مَا يُطَالِبُهُ بِهِ قَبْلَ إيقَاعِ الشَّهَادَةِ.

(وَلَا عَالِمٍ عَلَى مِثْلِهِ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: خُذُوا الْعِلْمَ حَيْثُ وَجَدْتُمْ وَلَا تَقْبَلُوا شَهَادَةَ الْفُقَهَاءِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ لِأَنَّهُمْ يَتَغَايَرُونَ كَمَا يَتَغَايَرُ التُّيُوسُ فِي الزَّرِيبَةِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ

الْقَارِئِ عَلَى الْقَارِئِ يَعْنِي الْعُلَمَاءَ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ تَحَاسُدًا.
وَقَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْعَمَلُ الْيَوْمَ عَلَى خِلَافِ هَذَا وَشَهَادَةُ ذَوِي الْقَبُولِ مِنْهُمْ مَقْبُولَةٌ بَيْنَهُمْ كَغَيْرِهِمْ.
انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَثِيرًا مَا يَكُونُ هَذَا التَّغَايُرُ فِي خِلَافِهِمْ فِي تَحْقِيقِ الْمُنَاظَرَاتِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَطِعَ فِيهَا الِاجْتِهَادُ أَبَدًا، فَانْظُرْ كَيْفَ اخْتَلَفَتْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ مَعَ قَبُولِهِمْ حَدِيثَ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا» الْحَدِيثَ.
وَمِثْلُ هَذَا يَقَعُ لِلْأَوْلِيَاءِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمْ.
ذَكَرَ صَاحِبُ كِتَابِ الْمَعَارِجِ أَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إنْكَارُ الْقَوْمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إلَى أَنْ يُكَفِّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَحْكُمَ بِحَالِهِ عَلَى غَيْرِهِ.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ فِي إحْيَائِهِ: وَلِذَلِكَ تَخْتَلِفُ أَجْوِبَتُهُمْ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ تَاجِ الدِّينِ: تَنَوَّعَتْ أَجْنَاسُ الْأَعْمَالِ لِتَنَوُّعِ وَارِدَاتِ الْأَحْوَالِ، وَوَارِدَاتُ الْأَحْوَالِ مَا يَرِدُ عَلَى الْقُلُوبِ مِنْ الْمَعَارِفِ، فَقَدْ يَكُونُ وَارِدٌ يُرِيدُ قَبْضًا وَآخَرُ يُرِيدُ بَسْطًا أَوْ هِبَةً أَوْ أُنْسًا أَوْ رَجَاءً أَوْ خَوْفًا.
وَانْظُرْ قَضِيَّةَ يَحْيَى وَعِيسَى - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - حِينَ الْتَقَيَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: كَأَنَّك آمِنٌ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ.
وَقَالَ الْآخَرُ لَهُ: وَأَنْتَ كَأَنَّك آمِنٌ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ.
فَتَنَوَّعَ مَا ظَهَرَ عَلَيْهِمَا لِتَنَوُّعِ وَارِدَاتِ أَحْوَالِهِمَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَادِقٌ بِنِسْبَةٍ، فَبِهَذَا يَجِبُ تَحْسِينُ الظَّنِّ بِالْجَمِيعِ وَلَا نَسْمَعُ كَلَامَ الْبَعْضِ فِي الْبَعْضِ لِأَجْلِ غَيْرَتِهِمْ عَلَى الدِّينِ لَا تَحَاسُدِهِمْ.

(وَلَا إنْ أَخَذَ مِنْ الْعُمَّالِ أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُمْ) سَحْنُونَ: مَنْ قَبِلَ الْجَوَائِزَ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ، وَمَنْ كَانَتْ مِنْهُ الزَّلَّةُ وَالْفَلْتَةُ فَغَيْرُ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْخَفِيفَ مِنْ الزَّلَّةِ وَالْفَلْتَةِ لَا يَضُرُّ فِي الْعَدَالَةِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْأَخْذِ مِنْهُمْ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا جَوَائِزُ الْخُلَفَاءِ فَجَائِزَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا لِاجْتِمَاعِ الْخَلْقِ عَلَى قَبُولِ الْعَطِيَّةِ مِنْ الْخُلَفَاءِ مِمَّنْ يَرْضَى مِنْهُمْ وَمِمَّنْ لَا يَرْضَى وَمَا يَظْلِمُ فِيهِ قَلِيلٌ فِي كَثِيرٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ " قَبُولُهُ مِنْ الْعُمَّالِ جُرْحَةٌ " وَمَعْنَاهُ عِنْدِي عُمَّالُ الْجِبَايَةِ الَّذِينَ إنَّمَا جُعِلَ لَهُمْ قَبْضُ الْأَمْوَالِ وَتَحْصِيلُهَا دُونَ وَضْعِهَا فِي وُجُوهِهَا بِالِاجْتِهَادِ، وَأَمَّا الْأُمَرَاءُ الَّذِينَ فَوَّضَ لَهُمْ الْخَلِيفَةُ أَوْ خَلِيفَتُهُ قَبْضَ الْأَمْوَالِ وَصَرْفَهَا فِي وُجُوهِهَا بِاجْتِهَادِهِمْ كَالْحُجَّاجِ وَشَبَهِهِ مِنْ أُمَرَاءِ الْبِلَادِ الْمُفَوَّضِ جَمِيعَ الْأُمُورِ فِيهَا إلَيْهِمْ فَجَوَائِزُهُمْ كَجَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ.
وَأَمَّا الْقُضَاةُ وَالْأَجْنَادُ وَالْحُكَّامُ فَلَهُمْ أَخْذُ أَرْزَاقِهِمْ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ

وَإِنْ كَانَ الْمُجْبَى حَلَالًا لَكِنْ لَمْ يَعْدِلْ فِي قَسْمِهِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجَائِزَةِ مِنْهُمْ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، وَإِنْ شَابَ الْمُجْبَى حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَالْأَكْثَرُ عَلَى كَرَاهَةِ الْأَخْذِ مِنْهُ، مِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمُجْبَى حَرَامًا فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ أَخْذَ الْجَائِزَةِ وَالرِّزْقِ عَلَى عَمَلٍ مِنْ الْأَعْمَالِ مِنْهُمْ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ.
اهـ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ.
وَاَلَّذِي نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ فِي جَامِعِهِ وَابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ قَالَ مَالِكٌ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إنَّ مَنْ بِيَدِهِ مَالٌ حَرَامٌ فَاشْتَرَى بِهِ دَارًا أَوْ ثَوْبًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ أَحَدًا، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَشْتَرِيَ أَنْتَ تِلْكَ الدَّارَ أَوْ الثَّوْبَ مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِالْمَالِ الْحَرَامِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشُّفْعَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْفَعَ فِي الشِّقْصِ الْمُشْتَرَى بِالْمَالِ الْحَرَامِ وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي قَبُولِ هِبَةِ هَذَا الْمُشْتَرِي بِالْمَالِ الْحَرَامِ وَمَعَ كَوْنِ مُشْتَرِيه مُسْتَغْرَقَ الذِّمَّةِ، فَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ لَمْ تَجُزْ صَدَقَتُهُ وَلَا هِبَتُهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَأَجَازَ قَبُولَ هَذَا الْمُشْتَرَى هِبَةً.
ابْنُ سَحْنُونٍ وَابْنُ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْعُمَّالُ مَا اشْتَرَوْهُ فِي الْأَسْوَاقِ فَأَهْدَوْهُ لِرَجُلٍ طَابَ لِلْمُهْدَى لَهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَجْهُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْحَرَامَ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ وَالْمُهْدِي فَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ وَالْمَسْئُولُ عَنْهُ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَوْدَعْتَهُ دَنَانِيرَ فَابْتَاعَ بِهَا سِلْعَةً فَلَيْسَ لَك أَخْذُهَا، إنَّمَا لَك أَخْذُ دَنَانِيرِك، وَفِيهَا: إنْ غَصَبَ دَنَانِيرَ فَاشْتَرَى بِهَا شِقْصًا كَانَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ لِلشَّفِيعِ لِأَنَّهَا إذَا اُسْتُحِقَّتْ غَرِمَ مِثْلَهَا وَلَمْ يُنْقَضْ الْبَيْعُ، وَانْظُرْ ابْنَ بَطَّالٍ مِنْ الْجَنَائِزِ، وَنُقِلَ عَنْ الطَّبَرِيِّ: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِيَدِهِ مَالٌ لَا يَدْرِي مِنْ حَرَامٍ كَسَبَهُ أَوْ مِنْ حَلَالٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ قَبُولُهُ لِمَنْ أُعْطِيَهُ بَعْدَ أَنْ لَا يَعْلَمَهُ حَرَامًا بِعَيْنِهِ.
قَالَ: وَبِنَحْوِ هَذَا قَالَتْ الْأَئِمَّةُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَمَنْ كَرِهَهُ فَإِنَّمَا رَكِبَ فِي ذَلِكَ طَرِيقَ الْوَرَعِ وَتَجَنُّبِ الشُّبُهَاتِ لِأَنَّ الْحَرَامَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيِّنًا غَيْرَ مُشْكِلٍ.
وَنَحْوُ هَذَا قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي تَمْهِيدِهِ.
وَانْظُرْ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: جَوَائِزُ السُّلْطَانِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ لِأَنَّهُمْ لَا يَمُنُّونَ وَالْإِخْوَانُ يَمُنُّونَ، وَكَانَتْ هَدَايَا الْمُخْتَارِ تَأْتِي ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَرُدُّ عَطَايَاهُمْ إلَّا أَحْمَقُ أَوْ مُرَاءٍ وَهَذَا فِيمَا لَا يُعْلَمُ فِيهِ الْحَرَامُ بِعَيْنِهِ.
اهـ مِنْ التَّمْهِيدِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَسُئِلَ النَّخَعِيُّ عَنْ الرَّجُلِ يَرِثُ الْمِيرَاثَ مِنْهُ الْحَلَالُ وَمِنْهُ الْحَرَامُ قَالَ: لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ إلَّا الْحَرَامُ بِعَيْنِهِ.
وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ: مَنْ عَمِلَ عَمَلَ السُّلْطَانِ فَظَلَمَ النَّاسَ أَوْ كَانَ قَاهِرًا غَاصِبًا أَوْ قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ أَوْ سَارِقًا أَوْ تَاجِرًا عَمِلَ بِالرِّبَا، ثُمَّ مَرِضَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَخَلَّصَ وَأَنَالَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَأَرَادَ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: أَنَا قَدْ نِلْتُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ

جَمِيعِ مَالِي وَلَا أَعْرِفُ أَصْحَابَهُ، فَأَنَا أُوصِي بِجَمِيعِ مَالِي عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِلْمَسَاكِينِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إذَا أَبَى وَرَثَتُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَجَازَ لَهُ الثُّلُثُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ اهـ. وَانْظُرْ آخِرَ الثُّلُثِ الْوَسَطِ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي نَفَقَةِ تِبَاعَتِهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ اللُّقَطَةِ، وَحُكْمُ مَنْ وَجَدَ فِي الْمُشْتَرَى مِنْ الْمَغْنَمِ كُبَّةَ خُيُوطٍ بِدِرْهَمٍ فَوَجَدَ فِيهَا صَلِيبًا ذَهَبًا يَكُونُ فِيهِ سَبْعُونَ دِينَارًا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ، فَانْظُرْ هَذَا الْفِقْهَ وَالْفِقْهَ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الطُّرَرِ هَلْ يَقْتَضِيه قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْمُسْتَغْرَقَ الذِّمَّةِ بِالْمَالِ الْحَرَامِ يُعَامَلُ فِيهِمَا بِيَدِهِ بِالْقِيَمِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْعَطِيَّةِ، بَلْ مَنْ تَمَكَّنَ بِشَيْءٍ مِمَّا بِيَدِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِلْمَسَاكِينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْوَدِيعَةِ فُتْيَا الْمُحَاسِبِ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ حَبْسِ وَدِيعَةٍ لِبَعْضِ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ فَقَالَ لَهُ: إنْ رَدَدْتَهَا لَهُ فَلْيَتَصَدَّقْ بِمِثْلِهَا عَنْ الْمَسَاكِينِ إنْ لَمْ تَعْرِفْ أَرْبَابَهَا.
وَعَلَى هَذَا لَوْ جَنَى هَذَا الْمُسْتَغْرَقُ الذِّمَّةِ عَلَى دَابَّةِ رَجُلٍ فَقَتَلَهَا أَوْ عَلَى ثَوْبٍ فَأَفْسَدَهُ لَمَا سَاغَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يُغَرِّمَهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ يُدْخِلُ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ تِبَاعَاتِهِ نَقْصًا.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَا يَسُوغُ لِأَجِيرٍ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةً فِي خِدْمَتِهِ إيَّاهُ وَلَا لِحَجَّامِ، إجَارَةً فِي حِجَامَتِهِ لِأَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ تِبَاعَتِهِ نَقْصًا، وَلَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ لَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ مُبَايَعَتِهِ، وَعُرِّفَ عِيَاضٌ بِعَبْدِ الْجَبَّارِ الْمَشْهُورِ بِالْوَرَعِ دَفَعَ إلَيْهِ جُنْدِيٌّ فَرَسَهُ فَرَكِبَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ: مَا لَكُمْ إمَّا وَرَعٌ نَقَصَ وَإِمَّا عِلْمٌ زَادَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَعَلَّهُ تَصَدَّقَ بِقَدْرِ انْتِفَاعِهِ بِهِ.
وَعُرِّفَ عِيَاضٌ بِابْنِ مُجَاهِدٍ الْبِيرِيِّ لَمَّا زَارَ الْجُبَيْرِيُّ بِالزَّهْرَاءِ وَأَكَلَ مَعَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ إلَّا مِنْ السُّلْطَانِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ أَمْسَكْتُ عَنْ طَعَامِهِ لَكَانَ جَفَاءً عَلَيْهِ وَقَدْ قَوَّمْتُ مَا أَكَلْتُ وَأَجْمَعْتُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِهِ وَثَوَابُ ذَلِكَ لِصَاحِبِهِ، وَرَأَيْتَ هَذَا أَفْضَلَ مِنْ الشُّهْرَةِ وَالْإِمْسَاكِ عَنْ طَعَامِهِ وَالْجَفَاءِ عَلَيْهِ (بِخِلَافِ الْخُلَفَاءِ) الْمُتَيْطِيُّ: لَا تَسْقُطُ الشَّهَادَةُ

بِقَبْضِ جَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ مَنْ يَرْضَى مِنْهُمْ وَمَنْ لَا يَرْضَى بِخِلَافِ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ فَالْقَبُولُ مِنْهُمْ مُسْقِطٌ لِلشَّهَادَةِ، وَكَذَلِكَ الْأَكْلُ عِنْدَهُمْ إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ الزَّلَّةَ وَالْفَلْتَةَ فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ، وَأَمَّا الْمُدْمِنُ الْأَكْلَ عِنْدَهُمْ فَسَاقِطُ الشَّهَادَةِ.

(وَلَا إنْ تَعَصَّبَ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى الْقَبُولِ " (كَالرِّشْوَةِ وَتَلْقِينِ خَصْمٍ) ابْنُ عَاتٍ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مُرْتَشٍ وَلَا مُلَقِّنٍ لِلْخُصُومَةِ فَقِيهًا كَانَ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُضْرَبُ عَلَى يَدَيْهِ وَيُشَهَّرُ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ وَيُعْرَفُ بِهِ وَيُسَجَّلُ عَلَيْهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ بِقُرْطُبَةَ بِكَبِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ لِمَشُورَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَهُ.
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ ". وَسُئِلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ الْهَدِيَّةِ تَأْتِي الْفَقِيهَ عَنْ الْفُتْيَا فَقَالَ: إنْ كَانَ يَنْشَطُ فِي الْفُتْيَا أَهْدَى إلَيْهِ أَوْ لَمْ يُهْدِ إلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهَا وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُهَا، وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنْ خُصُومَةٌ وَإِنَّمَا يَسْتَفْتِيهِ فِي شَيْءٍ يَعْرِضُ لَهُ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ لَا يَقْبَلَ هَدِيَّةً مِنْ صَاحِبِ فُتْيَا وَلَا مَسْأَلَةٍ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَيْشُونَةَ، وَكَانَ يَجْعَلُ غَيْرَ ذَلِكَ رِشْوَةً.
وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً وَأَهْدَى إلَيْهِ هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا» وَمِنْ هَذَا انْقِطَاعُ الرَّعِيَّةِ إلَى الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَعَلِّقِينَ بِالسُّلْطَانِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ فِيمَا دُونَهُمْ لِذَلِكَ.
وَمَا أَهْدَى إلَى الْفَقِيرِ رَجَاءَ الْعَوْنِ عَلَى الْخُصُومَةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ قَبُولُهُ لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ، وَكَذَلِكَ إذَا تَنَازَعَ عِنْدَهُ خَصْمَانِ فَأَهْدَيَا إلَيْهِ جَمِيعًا أَوْ أَحَدُهُمَا يَرْجُو أَنْ يُعِينَهُ فِي حُجَّتِهِ عِنْدَ حَكَمٍ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُسْمَعُ مِنْهُ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا وَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا شَيْئًا عَلَى ذَلِكَ.

(وَلَعِبٍ بِنَيْرُوزَ) عِبَارَةُ ابْنِ عَاتٍ: يُجْرَحُ الرَّجُلُ بِصَنِيعَةِ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ إذْ هُوَ مِنْ فِعْلِ النَّصَارَى لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -

«مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ» .

(وَمَطْلٍ) فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: سَحْنُونَ: مَطْلُ الْغَنِيِّ جُرْحَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» . ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ بِالْمَطْلِ دُونَ ضَرُورَةٍ جُرْحَةٌ لِأَنَّهُ إذَايَةٌ لِلْمُسْلِمِ فِي مَالِهِ.
ابْنُ مُحْرِزٍ: وَرَأْي بَعْضُهُمْ أَنَّ شَهَادَةَ الْبَخِيلِ لَا تُقْبَلُ.

(وَحَلِفٍ بِعِتْقٍ وَطَلَاقٍ) فِي الرِّسَالَةِ: وَيُؤَدَّبُ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَيَلْزَمُهُ.
قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَمَنْ لَزِمَ ذَلِكَ وَاعْتَادَهُ فَهُوَ جُرْحَةٌ فِيهِ.
الْمُتَيْطِيُّ: وَاسْتَحْسَنَ مَالِكٌ كِتَابَ هِشَامٍ أَنْ يُضْرَبَ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ، وَكَذَلِكَ الْحَالِفُ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَمَنْ تَكَرَّرَ حَلِفُهُ بِذَلِكَ وَعُرِفَ بِهِ كَانَ جُرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ وَإِنْ بَرَّ فِي حَلِفِهِ بِهِ.

(وَبِمَجِيءِ مَجْلِسِ الْقَاضِي ثَلَاثًا بِلَا عُذْرٍ) سَحْنُونَ: لَا يَكُونُ

عَدْلًا مَنْ أَتَى مَجْلِسَ الْقَاضِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ.

(وَبِتِجَارَةٍ لِأَرْضِ حَرْبٍ) سَحْنُونَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ تَجَرَ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ.
وَأَجَازَهَا أَبُو صَالِحٍ فِي الْمُخْتَلِفِينَ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ إذَا كَانُوا لَا بَأْسَ بِحَالِهِمْ.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: كَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَقُولُ: فِي السَّفَرِ فِي مَرَاكِبِ الرُّومِ نَظَرٌ فِي حَالٍ لِهَذَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الصَّلَاحِ يَرْكَبُ مَعَهُمْ.

(وَبِسُكْنَى مَغْصُوبَةٍ أَوْ مَعَ وَلَدٍ شِرِّيبٍ وَبِوَطْءِ مَنْ لَا تُوطَأُ) سَحْنُونَ: مَنْ وَطِئَ جَارِيَةً قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا أُدِّبَ مُوجَعًا مَعَ طَرْحِ شَهَادَتِهِ إنْ كَانَ عَالِمًا بِمَكْرُوهِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَبْلُغْ الْمَحِيضَ وَمِثْلُهَا يُوطَأُ فَكَذَلِكَ.
ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ الْحَمْلُ مَأْمُونًا عَلَيْهَا لَمْ تَسْقُطْ بِهِ شَهَادَتُهُ لِرِوَايَةِ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَا اسْتِبْرَاءَ فِيهَا.

(وَبِالْتِفَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ) الْأَخَوَانِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ: مَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي رُكُوعِهِ دُونَ عُذْرٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ.
ابْنُ كِنَانَةَ: وَلَوْ فِي النَّفْلِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَظْهَرُ إنْ عُلِمَتْ إقَامَتُهُ فِي الْفَرْضِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ (وَبِاقْتِرَاضِهِ حِجَارَةً مِنْ الْمَسْجِدِ) سَحْنُونَ: إذَا تَسَلَّفَ مِنْ حِجَارَةِ الْمَسْجِدِ وَرَدَّ عِوَضَهَا وَقَالَ ظَنَنْتُ أَنَّ هَذَا يَجُوزُ.

(وَعَدَمِ إحْكَامِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالزَّكَاةِ لِمَنْ لَزِمَتْهُ) ابْنُ كِنَانَةَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ لَا يُحْكِمُ الْوُضُوءَ، وَكَذَلِكَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ لِسَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، وَكَذَا مَنْ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ نِصَابِ الْمَالِ وَهُوَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَا يَكُونُ مِمَّنْ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ لَا يَفْتَقِرُ فِي زَكَاتِهِ لِتَحْقِيقِ قَدْرِ النِّصَابِ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ إخْرَاجُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ وَهَذَا فِي الْمَالِ الْعَيْنِ، وَأَمَّا فِي الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ فَلَا (وَبَيْعِ نَرْدٍ وَطُنْبُورٍ) تَقَدَّمَ النَّصُّ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِدَامَةِ شِطْرَنْجٍ ".

(وَاسْتِحْلَافِ أَبِيهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يُسْتَحْلَفَ الْأَبُ لِلِابْنِ فِي دَعْوَاهُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ شَحَّ الِابْنُ فِي اسْتِحْلَافِ أَبِيهِ أُحْلِفَ لَهُ وَكَانَتْ جُرْحَةً عَلَى الِابْنِ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَذَلِكَ عُقُوقٌ إذَا اسْتَحْلَفَهُ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ حَدًّا وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَوْ عُذِرَ بِجَهَالَةٍ أَوْ كَانَ حَقُّهُ حَقًّا.

(وَقُدِحَ فِي الْمُتَوَسِّطِ بِكُلٍّ) اللَّخْمِيِّ: يُسْمَعُ الْجَرْحَ فِي الرَّجُلِ الْمُتَوَسِّطِ الْعَدَالَةِ مُطْلَقًا (وَفِي الْمُبَرِّزِ بِعَدَاوَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ وَإِنْ بِدُونِهِ كَغَيْرِهِمَا عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيِّ: وَيُسْمَعُ الْجَرْحُ فِي الرَّجُلِ الْمُبَرِّزِ وَالْمَعْرُوفِ بِالْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الْعَدَاوَةِ وَالْهِجْرَةِ أَوْ الْقَرَابَةِ أَوْ مَا أَشْبَهَ

ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْبَلُ فِيهِ الْجَرْحُ مِنْ وَجْهِ الْإِسْفَاهِ؛ فَمَنَعَهُ أَصْبَغُ وَأَجَازَهُ سَحْنُونَ وَقَالَ: يُمَكَّنُ الْخَصْمُ مِنْ تَجْرِيحِ الرَّجُلِ الْبَيِّنِ الْفَضْلِ وَالْمُبَرِّزِ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ جَرْحِهِ بِالْإِسْفَاهِ وَغَيْرِهَا.
وَاخْتُلِفَ بَعْدَ الْقَوْلِ بِقَبُولِ تَجْرِيحِهِ وَيُقْبَلُ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدِهَا لِسَحْنُونٍ، وَالثَّانِي لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَالثَّالِثِ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالرَّابِعِ لِمُطَرِّفٍ قَالَ: يُجَرَّحُ الشَّاهِدُ بِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَفَوْقَهُ وَدُونَهُ بِالْإِسْفَاهِ وَالْعَدَاوَةِ.
اللَّخْمِيِّ: وَهَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّ الْجَرْحَ مِمَّا يَكْتُمُهُ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ فَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ وَهِيَ بِشَهَادَةٍ وَعِلْمٍ عِنْدَهُ يُؤَدِّيهِ مِثْلَ سَائِرِ الشَّهَادَاتِ.
وَالِاسْتِحْسَانُ إذَا كَانَ الشَّاهِدُ لَيْسَ بِالْمُبَرِّزِ قَبْلَ جَرْحِهِ مِنْ عَدْلٍ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ هَلْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ مُبَرِّزًا قُبِلَ مِنْ مُبَرِّزٍ كَانَ أَيْضًا مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ، وَلْيُسْأَلْ الْمُجَرِّحُ بِمَاذَا يُجَرِّحُهُ؛ فَإِنْ ذَكَرَ وَجْهًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَى النَّاسِ وَلَا يُشْبِهُ أَنْ يَنْفَرِدَ ذَلِكَ بِمَعْرِفَتِهِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْفَى مِثْلُهُ قُبِلَ مِنْ مُجَرِّحِهِ وَجَازَ ذَلِكَ.

(وَزَوَالِ الْعَدَاوَةِ وَالْفِسْقِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بِلَا حَدٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: جُرْحَةُ الْفِسْقِ تَزُولُ بِالتَّوْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ مُسْتَوْفَاةٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْفِقْهِ.
الْمَازِرِيُّ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ ثَبَتَ إنَّمَا تُقْبَلُ بِدَلَالَةِ حَالِهِ وَالْقَرَائِنِ عَلَى صِدْقِهِ مَعَ اتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْعَدَالَةِ، وَلَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ وَوَقَّتَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالتَّحْقِيقُ مَا قُلْنَاهُ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَزَوَالُ الْعَدَاوَةِ كَالْفِسْقِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا لِغَيْرِهِ.
رَاجِعْهُ فِيهِ.

(وَمَنْ امْتَنَعَتْ لَهُ لَمْ يُزَكِّ شَاهِدَهُ وَيُجَرِّحْ شَاهِدًا عَلَيْهِ وَمَنْ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ فَالْعَكْسُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمَنْ امْتَنَعَتْ لَهُ امْتَنَعَتْ فِي تَزْكِيَةِ مَنْ شَهِدَ لَهُ وَتَجْرِيحِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، وَمَنْ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ امْتَنَعَتْ فِي الْعَكْسِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: أَقَلُّ مِنْ شَطْرِ عَدَدِ كَلِمَاتِهِ التَّزْكِيَةُ فِي شَيْءٍ بِهِ كَشَهَادَتِهِ بِهِ وَالتَّجْرِيحُ فِيهِ كَشَهَادَةٍ بِنَقِيضِهِ عِلَّةُ الْجَمِيعِ جَرُّ نَفْعٍ أَوْ دَفْعُ ضُرٍّ (إلَّا الصِّبْيَانَ) قَالَ الْمُقْرِي: كُلُّ مَنْ لَيْسَ بِحُرٍّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ مُسْتَعْمَلٍ لِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إلَّا بَعْضِ ذُكُورِ صِبْيَانِ الْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارِ عَلَى بَعْضٍ فِي الدِّمَاءِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ الذُّكُورِ فِي جِرَاحِهِمْ الْمَذْهَبُ صِحَّتُهَا وَشَرَطَ الْقَاضِي أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَعْقِلُ الشَّهَادَةَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لِقَوْلِهَا تَجُوزُ وَصِيَّةُ ابْنِ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ أَقَلَّ مِمَّا يُقَارِبُهَا (لَا نِسَاءً فِي كَعُرْسٍ) اللَّخْمِيِّ: فِي إلْحَاقِ النِّسَاءِ بِالصِّبْيَانِ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُنَّ مِنْ الْجِرَاحِ فِي الْمَآتِمِ وَالْعُرْسِ وَالْحَمَّامِ، نَقَلَ الْجَلَّابُ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: وَلَوْ لَمْ تَكُونَا عَدْلَتَيْنِ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا يَحْضُرُهُ الْعُدُولُ وَأَرَى أَنْ يُقْسِمَ مَعَهُمَا فِي الْقَتْلِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الْجَلَّابِ أَنَّ الْمَذْهَبَ سُقُوطُهَا (فِي جَرْحٍ أَوْ قَتْلٍ) ابْنُ سَحْنُونٍ: قُلْت لِسَحْنُونٍ: لِمَ أَجَزْتَ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ بَيْنَهُمْ فِي الْجِرَاحِ وَلَمْ تُجِزْهَا فِي الْحُقُوقِ وَالْأَمْوَالِ؟ قَالَ: لِلضَّرُورَةِ لِأَنَّ الْحُقُوقَ يَحْضُرُهَا الْكِبَارُ.
قُلْت: فَيَلْزَمُك أَنْ تُجِيزَهَا فِي غَصْبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
قَالَ: هَذَا مَوْضِعُ اتِّبَاعِ الْمَاضِينَ وَلَا وَجْهَ لِلْقِيَاسِ فِيمَا هُوَ سُنَّةٌ أَوْ كَالسُّنَّةِ (وَالشَّاهِدُ حُرٌّ) ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الصِّبْيَانُ الْمَمَالِيكُ وَلَا أَحْفَظُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافًا أَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا

تَجُوزُ وَكَذَا صِبْيَانُ أَهْلِ الذِّمَّةِ (مُمَيِّزٌ) تَقَدَّمَ شَرْطُ الْقَاضِي هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ " لَا نِسَاءً " (ذَكَرٌ تَعَدَّدَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ فَأَكْثَرَ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ.
وَلَا تَجُوزُ أَيْضًا شَهَادَةُ الْإِنَاثِ مِنْ الصِّبْيَانِ وَإِنْ كَثُرْنَ (لَيْسَ بِعَدُوٍّ وَلَا قَرِيبٍ) ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ لِقَرِيبٍ وَلَا لِعَدُوٍّ مِنْهُمْ إذَا ثَبَتَتْ الْعَدَاوَةُ.
مُحَمَّدٌ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إلَى عَدَالَةٍ وَلَا إلَى جُرْحَةٍ فِيهِمْ (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ) ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَوْ شَهِدَ صَبِيَّانِ أَنَّ صَبِيًّا قَتَلَ صَبِيًّا وَشَهِدَ آخَرُ أَنْ لَيْسَ مِنْهُمَا الْقَاتِلُ وَأَنَّ دَابَّةً أَصَابَتْهُ جُبَارًا قَالَ: تَمْضِي شَهَادَةُ الصَّبِيَّيْنِ عَلَى الْقَتْلِ.
وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ: هَذَا اخْتِلَافٌ يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَتِهِمْ.
انْتَهَى نَصُّ ابْنِ يُونُسَ.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ " قَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ " وَقَدْ قَالَ فِي التَّلْقِينِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ فَتُقْبَلُ عَلَى شُرُوطٍ تِسْعَةٍ مِنْهَا: أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمْ مُتَّفِقَةٌ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ خَاصَّةً لَا لِكَبِيرٍ عَلَى صَغِيرٍ وَلَا لِصَغِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ وَفُرْقَةٍ.
قَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ مَا لَمْ يَفْتَرِقُوا أَوْ يُخَبِّبُوا.
مُحَمَّدٌ: أَوْ يَدْخُلْ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ.
الْبَاجِيُّ: التَّخْبِيبُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يُلَقِّنَهُمْ.
ابْن فَتُّوحٍ: مَعْنَى يُخَبَّبُ أَيْ يُعَلَّمُوا (إلَّا أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا) ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا قَيَّدْت شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ بِالْعُدُولِ لَمْ يُبْطِلْهَا رُجُوعُهُمْ إلَّا أَنْ يَتَرَاخَى الْحُكْمُ حَتَّى يَكْبَرُوا وَيَعْدِلُوا فَيُؤْخَذُوا بِرُجُوعِهِمْ إذَا أَيْقَنُوا أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالْبَاطِلِ، وَقَالَ نَحْوَهُ سَحْنُونَ (وَلَمْ يَحْضُرْ كَبِيرٌ أَوْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ التَّلْقِينِ بِهَذَا فَانْظُرْهُ مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ لِابْنِ يُونُسَ.
قَالَ مَا نَصَّهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا دَخَلَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ شَاهِدٌ أَوْ مَشْهُودٌ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَةُ الصِّغَارِ لِأَنَّ الْكَبِيرَ يُعَلِّمُهُمْ إلَّا كَبِيرَ مَقْتُولٍ لَمْ يَبْقَ حَتَّى يُعَلِّمَهُمْ (وَلَا يَقْدَحُ رُجُوعُهُمْ) قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ " لَمْ يُبْطِلْهَا رُجُوعُهُمْ " (وَلَا تَجْرِيحُهُمْ) تَقَدَّمَ نَصُّ مُحَمَّدٍ " لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ إلَى عَدَالَةٍ

وَلَا إلَى جُرْحَةٍ فِي الصِّبْيَانِ "

(وَلِلزِّنَا وَاللِّوَاطِ أَرْبَعَةٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطُ بَيِّنَةِ الزِّنَا كَوْنُهَا أَرْبَعَةً بِنَصِّ التَّنْزِيلِ وَحُكْمِ عُمَرَ.
الْمَازِرِيُّ: وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ: وَالشَّهَادَةُ فِي اللِّوَاطِ كَالزِّنَا.
(بِوَقْتٍ وَرُؤْيَةٍ اتَّحَدَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَجْهُ الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا أَنْ يَأْتِيَ الْأَرْبَعَةُ الشُّهَدَاءُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يَشْهَدُونَ عَلَى وَطْءِ وَاحِدٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِهَذَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ (وَفُرِّقُوا فَقَطْ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكْشِفَ الشُّهُودُ بِالزِّنَا عَنْ شَهَادَتِهِمْ كَيْفَ رَأَوْهُ وَكَيْفَ صَنَعَ، فَإِنْ رَأَى فِي شَهَادَتِهِمْ مَا يُبْطِلُهَا أَبْطَلَهَا.
وَفِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ الشُّهُودِ لَا يُفَرَّقُونَ وَلَا يُسْأَلُونَ إنْ كَانُوا عُدُولًا إلَّا فِي الزِّنَا فَإِنَّهُمْ يُفَرَّقُونَ وَيُسْأَلُونَ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا.
مَالِكٌ: لَا تَتِمُّ شَهَادَتُهُمْ حَتَّى يَقُولُوا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ فِي الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ.
الْغَزَالِيُّ: وَنِيطَ الزِّنَا بِهَذَا وَهَذَا قَطُّ لَا يَتَّفِقُ فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ

عَلَى طَلَبِ الشَّرْعِ لِسَتْرِ الْفَوَاحِشِ، فَانْظُرْ إلَى الْحِكْمَةِ فِي جَرْحِهِمْ فِي بَابِ الْفَاحِشَةِ بِإِيجَابِ الرَّجْمِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْعُقُوبَاتِ، ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى كَشْفِ سِتْرِ اللَّهِ كَيْفَ أَسْبَلَهُ عَلَى الْعُصَاةِ بِتَضْيِيقِ الطَّرِيقِ فِي كَشْفِهِ فَنَرْجُو مِنْ اللَّهِ أَنْ لَا نُحْرَمَ هَذَا مِنْ هَذَا الْكَرَمِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (وَلِكُلٍّ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: قِيلَ: إنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَقَالُوا: تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ إلَيْهِمَا لِنُثْبِتَ الشَّهَادَةَ قَالَ: كَيْفَ يَشْهَدُ الشُّهُودُ إلَّا هَكَذَا.
وَنَاقَضَ هَذَا ابْنُ هَارُونَ بِعَدَمِ إجَازَتِهِ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي عُيُوبِ الْفَرْجِ، وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ وَهِيَ بِكْرٌ أَنَّهَا تُصَدَّقُ وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ.
قَالَ الْقَرَوِيُّونَ: ذَلِكَ مُشْكِلٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ: يُرَدُّ هَذَا بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ الْحَدُّ حَقٌّ لِلَّهِ وَثُبُوتُ الْعَيْبِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ وَحَقُّ اللَّهِ آكَدُ لِقَوْلِهَا: مَنْ سَرَقَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا قُطِعَ لِلسَّرِقَةِ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ.
الثَّانِي مَا لِأَجْلِهِ نَظَرٌ وَهُوَ الزِّنَا مُحَقَّقُ الْوُجُودِ أَوْ رَاجِحُهُ وَثُبُوتُ الْعَيْبِ مُحْتَمَلٌ عَلَى السَّوِيَّةِ.
الثَّالِثُ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ فِي الزِّنَا مَغِيبُ الْحَشَفَةِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ مِنْ الْإِحَاطَةِ بِالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ النَّظَرُ إلَى الْعَيْبِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ لَمْ يَكُنْ

هَذَا الزَّانِي مَعْرُوفًا بِالْفَسَادِ فَفِي تَعَمُّدِ النَّظَرِ إلَيْهِمَا نَظَرٌ، يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَا يَكْشِفُونَ وَلَا تَتَحَقَّقُ عَلَيْهِمْ الشَّهَادَةُ لِأَنَّ الشُّهُودَ لَوْ تَبَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ اُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ لَا يُبَلِّغُوا الشَّهَادَةَ وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِيَتَعَمَّدْ النَّظَرَ خَوْفَ أَنْ يَحِدُّوا قَاذِفَهُ وَلَكِنَّ السَّتْرَ أَوْلَى لِأَنَّ مُرَاعَاةَ قَذْفِهِ نَادِرٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَلِقَوْلِهَا مَنْ قَذَفَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى حَلَالٌ لَهُ الْقِيَامُ بِحَدِّ مَنْ قَذَفَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَهَذَا كُلُّهُ إنْ عَجَزَ الشُّهُودُ عَنْ مَنْعِ الْفَاعِلَيْنِ إتْمَامَ مَا ابْتَدَآهُ مِنْ الْفِعْلِ، وَلَوْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ فَلَمْ يَفْعَلُوا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ لِعِصْيَانِهِمْ بِعَدَمِ تَغْيِيرِ هَذَا الْمُنْكَرِ.
(وَنُدِبَ سُؤَالُهُمْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الشُّهُودِ فِي الزِّنَا: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَيْفَ رَأَوْهُ وَكَيْفَ صَنَعَ، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَا يَدْرَأُ بِهِ الْحَدَّ دَرَأَهُ.
مُحَمَّدٌ: فَإِنْ غَابُوا قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ غَيْبَةً بَعِيدَةً أَوْ مَاتُوا أَقَامَ الْحَدَّ بِشَهَادَتِهِمْ (كَالسَّرِقَةِ مَا هِيَ وَكَيْفَ أُخِذَتْ) ابْنُ الْحَاجِبِ: يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَ الشُّهُودَ بِالسَّرِقَةِ مَا

هِيَ وَكَيْفَ أَخَذَهَا وَمِنْ أَيْنَ وَإِلَى أَيْنَ.

[بَاب الشَّهَادَات فِي الْعَدَد وَالذُّكُورَة]

(وَمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ كَعِتْقٍ وَكِتَابَةٍ وَرَجْعَةٍ عَدْلَانِ) ابْنُ شَاسٍ: الشَّهَادَاتُ فِي الْعَدَدِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَرَاتِبَ: أَعْلَاهَا بَيِّنَةُ الزِّنَا عَدَدُهَا أَرْبَعَةٌ، الثَّانِيَةُ مَا عَدَا الزِّنَا مِمَّا لَيْسَ بِمَا وَلَا يَئُولُ إلَى مَالٍ كَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ وَالْبُلُوغِ وَالْوَلَاءِ وَالْعِدَّةِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَثُبُوتِهِ فِي النَّفْسِ وَالْإِطْرَافُ فِيهَا عَلَى خِلَافٍ فِيهَا وَثُبُوتِ النَّسَبِ وَالْمَوْتِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَشَبَهِ ذَلِكَ، شَرْطُ ذَلِكَ كُلِّهِ الْعَدْلُ وَالذُّكُورِيَّةُ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَلَا تَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
اُنْظُرْ فِي الرِّسَالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَمِائَةُ امْرَأَةٍ كَامْرَأَتَيْنِ " قَالَ شَارِحُهَا: اُنْظُرْ لَوْ حَصَلَ الْعِلْمُ لِلْحَاكِمِ بِشَهَادَةِ جَمَاعَةِ النِّسْوَةِ قَالَ اللَّخْمِيِّ: يَخْرُجُ هَذَا عَلَى بَابِ الشَّهَادَةِ وَيُكْتَفَى بِهِنَّ.
وَقَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْأَجْوِبَةِ (وَإِلَّا فَعَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ) ابْنُ شَاسٍ: الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ الْأَمْوَالُ وَحُقُوقُهَا كَالْأَجَلِ وَالْخِيَارِ وَالشُّفْعَةِ وَالْإِجَارَةِ وَقَتْلِ الْخَطَأِ وَكُلِّ جُرْحٍ لَا يُوجِبُ إلَّا الْمَالَ فَيَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ،

وَكَذَا فَسْخُ الْعُقُودِ وَقَبْضُ نُجُومِ الْكِتَابَةِ حَتَّى النَّجْمَ الْأَخِيرَ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْعِتْقُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَا مُتَعَلَّقُهُ مَالٌ أَوْ آيِلٌ إلَيْهِ تَتِمُّ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمِنْ ذَلِكَ الْوَكَالَةُ بِالْمَالِ أَوْ الْوَصِيَّةُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ (أَوْ أَحَدُهُمَا بِيَمِينٍ) ابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَا جَازَ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ جَازَ فِيهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ مَعَ الْيَمِينِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَحْلِفُ الطَّالِبُ مَعَ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ وَيُقْضَى بِهِ لَهُ (كَأَجَلٍ وَخِيَارٍ وَشُفْعَةٍ وَإِجَارَةٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ بِهَذَا.

(وَجُرْحِ خَطَأٍ أَوْ مَالٍ) اُنْظُرْ هَذَا التَّخْصِيصَ وَهُوَ قَدْ قَالَ بَعْدَ هَذَا " أَوْ قِصَاصٍ فِي جُرْحٍ ". مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي جِرَاحِ الْخَطَأِ وَقَتْلِ الْخَطَأِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ، وَإِنْ شَهِدَ مَعَ رَجُلٍ عَلَى مُنَقِّلَةٍ عَمْدًا أَوْ مَأْمُومَةٍ عَمْدًا جَازَتْ شَهَادَتُهُنَّ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِيهِمَا إنَّمَا هُوَ مَالٌ.
مُطَرِّفٌ: قَوْلُ مَالِكٍ " يَجُوزُ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ فِي الْحُقُوقِ وَالْجِرَاحِ عَمْدُهَا وَخَطَؤُهَا وَفِي الْمُشَاتَمَةِ عَدَا الْحُدُودِ وَالْفِرْيَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ " قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ فِي جَرْحِ الْعَمْدِ يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ؟ قَالَ: قَدْ كَلَّمْت مَالِكًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ شَيْءٌ اسْتَحْسَنَّاهُ وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا.

(وَأَدَاءِ كِتَابَةٍ) قَالَ مَالِكٌ فِي غَيْرِ مَا كِتَابٍ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيمَا يُؤَدِّي إلَى طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَنَقْضِ عِتْقٍ وَحْدَهُنَّ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدْنَ عَلَى شِرَاءِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ فَيَحْلِفُ وَتَصِيرُ مِلْكًا لَهُ فَيَجِبُ بِذَلِكَ الْفِرَاقُ أَوْ عَلَى أَدَاءِ كِتَابَةِ مُكَاتَبٍ فَيَحْلِفُ وَيَتِمُّ عِتْقُهُ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَوْ يَشْهَدْنَ بَعْدَ عِتْقِهِ أَنَّ سَيِّدَهُ كَانَ بَاعَهُ مِنْ فُلَانٍ فَيَحْلِفُ وَيَرُدُّ عِتْقَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَدَيْنٍ مُتَقَدِّمٍ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِنَّ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ عَلَى مِدْيَانٍ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فَيَحْلِفُ وَيَرُدُّ الْعِتْقَ.
قَالَ مَالِكٌ: أَوْ يُقِيمُ الْقَاذِفُ شَاهِدًا أَوْ امْرَأَتَيْنِ أَنَّ الْمَقْذُوفَ عَبْدٌ فَيَزُولُ الْحَدُّ.

(وَإِيصَاءٍ بِتَصَرُّفٍ فِيهِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْوَصِيَّةِ مَعَ يَمِينِ الْمُوصَى لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا عِتْقٌ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا شَهِدَ النِّسَاءُ لِرَجُلٍ أَنَّ فُلَانًا أَوْصَى لَهُ بِكَذَا جَازَتْ شَهَادَتُهُنَّ بِذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ كَمَا لَوْ شَهِدَ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ.
ابْنُ شَاسٍ:

أَجَازَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ جَوَازَ إسْنَادِ الْوَصِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا إلَّا الْمَالُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.

(أَوْ بِأَنَّهُ حُكِمَ لَهُ بِهِ) اُنْظُرْ بَنَى هَذَا عَلَى قَوْلِ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى حُكْمِ قَاضٍ، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي مَالٍ حَلَفَ الطَّالِبُ مَعَ شَاهِدِهِ وَثَبَتَ لَهُ الْقَضَاءُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَجُوزُ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ عَلَى حُكْمِ قَاضٍ وَإِنْ كَانَ بِمَالٍ، فَانْظُرْ أَنْتَ فِي هَذَا (كَشِرَاءِ زَوْجَتِهِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ " قَدْ تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ ". اُنْظُرْهُ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَإِيصَاءٍ " (وَتَقَدُّمِ دَيْنٍ عِتْقًا وَقِصَاصٍ فِي جَرْحٍ) مُضَمَّنُ هَذَا أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْجَرْحِ يَثْبُتُ بِعَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مَعَ يَمِينِ الْمَجْرُوحِ فَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ.
ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَثْبُتُ الْقِصَاصُ بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ قِصَاصٌ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ.
وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ قَالَ سَحْنُونَ: اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَثَبَتَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ وَلَا يُعْجِبُنِي.
وَأَصْلُهَا أَنَّهَا تَجُوزُ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ.
قِيلَ لِسَحْنُونٍ: فَأَنْتَ تُجِيزُ الشَّاهِدَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ مَعَ الْقَسَامَةِ وَلَا تُجِيزُ فِيهِ الْمَرْأَتَيْنِ مَعَ الْقَسَامَةِ.
قَالَ: لَا يُشْبِهُهُ هَذِهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَالْقَسَامَةُ خَمْسُونَ يَمِينًا.
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَفِي الْقَطْعِ حَلِفُ الْمَقْطُوعِ ". اُنْظُرْ قَدْ نَصُّوا أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْجِرَاحِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي قَامَ مَالِكٌ فِيهَا بِرَأْيِهِ وَلَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ.
الثَّانِي فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ مِنْ الْإِبْهَامِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، الثَّالِثُ الشُّفْعَةُ فِي الثِّمَارِ، الرَّابِعُ الشُّفْعَةُ فِي الْأَنْقَاضِ.

(وَبِمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ امْرَأَتَانِ كَوِلَادَةٍ وَعَيْبٍ فِي فَرْجٍ وَاسْتِهْلَالٍ وَحَيْضٍ وَنِكَاحٍ بَعْدَ مَوْتٍ أَوْ سَبْقِيَّتِهِ أَوْ مَوْتٍ وَلَا زَوْجَةَ وَلَا مُدَبَّرَ وَنَحْوَهُ) أَمَّا أَنَّ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ كَافِيَةٌ فِي الْوِلَادَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَالْحَيْضِ فَبَيِّنٌ.
وَزَادَ ابْنُ شَاسٍ الرَّضَاعَ فَقَالَ: أَمَّا مَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ كَالْوِلَادَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ وَالرَّضَاعِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِطُ فِيهِ الْعَدَدَ فَحَسْبُ وَيَقُومُ النِّسَاءُ مَقَامَ الرِّجَالِ فَيَثْبُتُ بِامْرَأَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِهْلَالُ وَالْحَيْضُ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٍ: يَجُوزُ الِاسْتِهْلَالُ وَالْوِلَادَةُ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ عَدْلَتَيْنِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَجُوزُ فِي الرَّضَاعِ وَعُيُوبِ الْفَرْجِ وَمَعْرِفَةِ حَيْضٍ وَجَسِّ حَمْلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ شَيْءٍ تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ امْرَأَتَيْنِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ.
وَأَمَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِنِكَاحٍ بَعْدَ مَوْتٍ فَلَيْسَتْ بِكَافِيَةٍ، فَهَذَا الْفَرْعُ كَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِلَّا فَعَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ ". قَالَ اللَّخْمِيِّ: مِنْ الشَّهَادَاتِ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَيُسْتَحَقُّ بِهِ مَالٌ أَنْ يَشْهَدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِنِكَاحٍ بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ أَوْ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّ فُلَانًا أَعْتَقَهُ أَوْ عَلَى نَسَبٍ أَنَّ هَذَا ابْنُ الْمَيِّتِ أَوْ أَخُوهُ، فَالشَّهَادَةُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ صَحِيحَةٌ.
وَأَمَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِسَبْقِيَّةِ مَوْتِ أَحَدِ الْمُتَوَارِثِينَ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْمَرْأَةِ تَلِدُ ثُمَّ تَهْلِكُ هِيَ وَوَلَدُهَا فِي سَاعَةٍ عَلَى أَيِّهِمَا مَاتَ أَوَّلًا فَجَائِزَةٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّهَا عَلَى مَا لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمَالِ، وَأَمَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِمَوْتٍ وَلَا زَوْجَةَ وَلَا مُدَبَّرَ وَنَحْوَهُ فَلَيْسَتْ أَيْضًا كَشَهَادَتِهِنَّ بِالِاسْتِهْلَالِ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا مَاتَ رَجُلٌ فَشَهِدَ عَلَى مَوْتِهِ امْرَأَتَانِ

وَرَجُلٌ لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَلَا أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ وَلَا لَهُ مُدَبَّرٌ وَلَمْ يَكُنْ إلَّا مَا لَا يُقَسَّمُ، فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ جَائِزَةٌ.

(وَثَبَتَ الْإِرْثُ وَالنَّسَبُ لَهُ وَعَلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ) لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " وَلِمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ امْرَأَتَانِ ". وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: مَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ كَوِلَادَةٍ يَثْبُتُ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَثْبُتُ الْمِيرَاثُ وَالنَّسَبُ لَهُ وَعَلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَمْ يَتَعَرَّضْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِشَرْحِ هَذَا، وَقَرَّرَهُ ابْنُ هَارُونَ بِقَوْلِهِ: مِثْلُ أَنْ تَشْهَدَ امْرَأَتَانِ بِوِلَادَةِ أَمَةٍ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِوَطْئِهَا وَأَنْكَرَ الْوِلَادَةَ، فَإِنَّ نَسَبَ الْوِلَادَةِ لَاحِقٌ بِهِ، وَكَذَا مُوَارَثَتُهُ إيَّاهُ لَهُ وَعَلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَمِثْلُ هَذَا هُوَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إنْ ادَّعَتْ الْأَمَةُ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَأَنْكَرَ لَمْ أُحَلِّفْهُ لَهَا إلَّا أَنْ تُقِيمَ رَجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى إقْرَارِ السَّيِّدِ بِالْوَطْءِ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى الْوِلَادَةِ فَتَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ وَيَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ، فَإِنْ أَقَامَتْ شَاهِدًا عَلَى إقْرَارِهِ بِالْوَطْءِ أَوْ امْرَأَةً عَلَى الْوِلَادَةِ أُحَلِّفُهُ.

(وَالْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ فِي سَرِقَةٍ) هَذَا الْفَرْعُ رَاجِعٌ لَمَّا يَئُولُ لِلْمَالِ فَيَكْفِي فِيهِ الْيَمِينُ مَعَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ بِالسَّرِقَةِ لَمْ يُقْطَعْ وَلَكِنْ يَحْلِفُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ الْمَتَاعَ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ مَتَاعَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ ضَمِنَ الْمَالَ وَلَمْ يُقْطَعْ كَمَا لَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ الْقَاتِلُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَلَكِنْ يَكُونُ جِنَايَةً فِي رَقَبَتِهِ.

(كَقَتْلِ عَبْدٍ آخَرَ) هَذَا مِثْلُ الْفَرْعِ قَبْلَهُ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّ عَبْدَ فُلَانٍ قَتَلَ عَبْدَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدًا وَيَسْتَحِقُّ الْعَبْدَ، وَلَا يَقْتُلُهُ إنْ كَانَ عَمْدًا وَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَعْدَ أَنْ يَغْرَمَ قِيمَةَ الْمَقْتُولِ أَوْ يُسَلِّمَ عَبْدَهُ، فَإِنْ أَسْلَمَهُ لَمْ يُقْتَلْ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَلَا قَسَامَةَ فِي الْعَبْدِ.
سَحْنُونَ: وَكُلُّ مَا جَازَ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ جَازَتْ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ قَتَلَ عَبْدًا عَمْدًا ".

(وَحِيلَتْ أَمَةٌ مُطْلَقًا كَغَيْرِهِمَا إنْ طُلِبَتْ بِعَدْلٍ أَوْ اثْنَيْنِ يُزَكَّيَانِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ أَقَامَ شَاهِدًا فَطُولِبَ بِالتَّزْكِيَةِ أُجِيبَ إلَى الْحَيْلُولَةِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ قَبْضِ أُجْرَةِ الْعَقَارِ وَتُحَالُ الْأَمَةُ.
وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُونًا عَلَيْهَا وَمَا يَفْسُدُ مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ قَالُوا: يُبَاعُ إنْ كَانَ شَاهِدًا وَيَسْتَحْلِفُ وَيُخَلَّى إنْ كَانَ شَاهِدًا.
ابْنُ عَرَفَةَ: الْحَيْلُولَةُ بِإِقَامَةِ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ هُوَ نَقْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَكَذَا قَبْلَ تَعْدِيلِهِمَا وَهِيَ قَوْلُهَا إنْ كَانَ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ بِإِذْنِ الْقَاضِي فَنُظِرَ فِي تَعْدِيلِهِمَا أَوْ خَافَ عَلَى الْمُدَّعِي فِيهِ الْفَسَادَ أَمَرَ أَمِينًا فَبَاعَهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، وَفِي الْحَيْلُولَةِ بِإِقَامَةِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ عَدْلٍ خِلَافٌ.
ابْنُ سَهْلٍ: اُخْتُلِفَ فِي الْعُقْلَةِ بِشَاهِدٍ عَدْلٍ وَاحِدٍ؛ فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ: يَجِبُ الْعَقْلُ بِشَاهِدٍ عَدْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ فِي الدُّورِ بِالْإِقْفَالِ لَهَا، وَفِي الْأَرْضِ بِمَنْعِ حَرْثِهَا.
وَعَنْ ابْنِ لُبَابَةَ: لَا تَجِبُ الْعُقْلَةُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ: هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ، لَا تَجِبُ الْعُقْلَةُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ لَكِنَّهُ يُمْنَعُ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُحْدِثَ فِي

الْعَقَارِ بِنَاءً أَوْ بَيْعًا أَوْ شَبَهَ ذَلِكَ بِالْعَدْلِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ يَدِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَتُحَالُ الْأَمَةُ وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُونًا عَلَيْهَا.
وَقِيلَ: تُحَالُ الرَّائِعَةُ مُطْلَقًا.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ حَمَلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ ادَّعَى مُدَّعٍ مِلْكَهَا إلَّا أَنَّهَا ادَّعَتْ الْحُرِّيَّةَ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ فِي دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ.
وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى لِمَنْ يَدَّعِي مِلْكَهَا لَمْ تَجِبْ الْحَيْلُولَةُ إلَّا بِطَلَبِهِ.
هَذَا تَحْقِيقُ النَّقْلِ وَإِنْ كَانَ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ.
وَلِابْنِ رُشْدٍ: إنْ ادَّعَتْ الْجَارِيَةُ أَوْ الْعَبْدُ الْحُرِّيَّةَ فَإِنْ سَبَّبَا لِذَلِكَ سَبَبًا مِنْ بَيِّنَةٍ كَإِشْهَادِ الْعُدُولِ أَوْ الشُّهُودِ غَيْرِ الْعُدُولِ وُقِفَ السَّيِّدُ عَنْ الْجَارِيَةِ وَأُمِرَ بِالْكَفِّ عَنْ وَطْئِهَا إنْ كَانَ مَأْمُونًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا وُضِعَتْ عَلَى يَدِ امْرَأَةٍ.
وَإِنْ لَمْ يُسَبِّبْ لَهُ لِذَلِكَ سَبَبًا مِنْ بَيِّنَةٍ وَلَمْ يَأْتِيَا بِسِوَى الدَّعْوَى، فَإِنْ ادَّعَيَا لِذَلِكَ وَجْهًا يُشْبِهُ وَيُعْرَفُ كَادِّعَائِهِمَا أَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ بَلَدٍ عُرِفَ وَإِلَيْهِ بِالتَّعَسُّفِ عَلَى أَهْلِ ذِمَّةِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَبَيْعِهِ لَهُمْ أَوْ يُنْسَبَا إلَى قَوْمٍ مَعْرُوفِينَ وَيَأْتِيَا عَلَى ذَلِكَ بِأَمَارَةٍ مَعْرُوفَةٍ وَكَانَ مَوْضِعُ بَيِّنَتِهِمَا قَرِيبًا، أَخَذَ الْإِمَامُ مِنْ رَبِّهِمَا حَمِيلًا أَنْ لَا يَخْرُجَ بِهِمَا وَلَا يَفُوتُهُمَا وَيَكْتُبُ لَهُ كِتَابًا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَا ادَّعَيَاهُ وَجْهٌ يُعْرَفُ وَالْمَوْضِعُ بَعِيدٌ لَمْ يَلْزَمْ رَبَّهَا شَيْءٌ، وَاخْتُلِفَ إنْ كَانَ الْمَوْضِعُ قَرِيبًا.
رَاجِعْ رَسْمَ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ

الِاسْتِحْقَاقِ.

(وَبِيعَ مَا يَفْسُدُ وَوُقِفَ ثَمَنُهُ مَعَهُمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِيمَا يَفْسُدُ مِنْ اللَّحْمِ وَرَطْبِ الْفَوَاكِهِ وَأَقَامَ الطَّالِبُ شَاهِدَيْنِ فَأَوْقَفَ الْقَاضِي ذَلِكَ الشَّيْءَ لِيَكْشِفَ عَنْهُمَا، فَإِنْ خَافَ فَسَادًا بَاعَهُ وَأَوْقَفَ ثَمَنَهُ، فَإِنْ ضَاعَ ثَمَنُهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ كَانَ مِمَّنْ قَضَى لَهُ بِهِ (بِخِلَافِ الْعَدْلِ فَيَحْلِفُ وَيَبْقَى بِيَدِهِ) هَذِهِ عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِيمَا يَفْسُدُ وَقَدْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى الْحَقِّ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَادَّعَى بَيِّنَةً قَرِيبَةً أَجَّلَهُ الْقَاضِي بِإِحْضَارِ شَاهِدٍ ثَانٍ مَا لَمْ يَخَفْ فَسَادَ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
عِيَاضٌ: قَوْلُهُ " وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ " إنْ أَرَادَ لَا أَحْلِفُ مَعَهُ الْآنَ لِأَنِّي أَرْجُو شَاهِدًا آخَرَ بِيعَ حِينَئِذٍ وَوُقِفَ ثَمَنُهُ إنْ خَشِيَ فَسَادَهُ وَلَيْسَ هَذَا بِأَضْعَفَ مِنْ شَاهِدَيْنِ يَطْلُبُ تَعْدِيلَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ: وَحَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ إنَّ مَا يَفْسُدُ يُبَاعُ إنْ كَانَ شَاهِدَانِ، وَيَحْلِفُ وَيُخْلَى إنْ كَانَ شَاهِدٌ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ عِيَاضٍ وَأَبِي حَفْصٍ بْنِ الْعَطَّارِ مُرَاعِيًا أُصُولَ الْمَذْهَبِ عَلِمَ أَنَّ مَا فَهِمَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْمَذْهَبِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَمُوجِبُ كَلَامِهِ عَدَمُ وُقُوفِهِ عَلَى كَلَامِ عِيَاضٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ اهْتَدَى.
رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ إذْ هَذَا النَّقْلُ لَيْسَ بِكَافٍ وَمَا الْقَصْدُ بِهِ إلَّا التَّنْشِيطُ

لِمُرَاجَعَةِ الْأُمَّهَاتِ.

(وَإِنْ سَأَلَ ذُو الْعَدْلِ أَوْ بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ وَإِنْ لَمْ تُقْطَعْ وَضْعَ قِيمَةَ الْعَبْدِ لِيَذْهَبَ بِهِ إلَى بَلَدٍ يَشْهَدُ لَهُ عَلَى عَيْنِهِ أُجِيبَ لَا إنْ انْتَفَيَا وَطَلَبَ إيقَافَهُ لِيَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ وَإِنْ بِكَيَوْمَيْنِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً أَوْ سَمَاعًا يَثْبُتُ بِهِ فَيُوقَفُ وَيُوَكَّلُ بِهِ فِي كَيَوْمٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ادَّعَى عَبْدًا بِيَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ شَاهِدًا عَدْلًا يَشْهَدُ عَلَى الْقَطْعِ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّ عَبْدًا سُرِقَ لَهُ مِثْلُ مَا يَدَّعِي وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةٌ قَاطِعَةٌ وَلَهُ بَيِّنَةٌ بِبَلَدٍ آخَرَ فَسَأَلَ وَضْعَ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِيَذْهَبَ بِهِ إلَى بَيِّنَةٍ لِيَشْهَدُوا عَلَيْهِ عِنْدَ قَاضِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ شَاهِدًا وَلَا بَيِّنَةً عَلَى سَمَاعِ ذَلِكَ وَادَّعَى

بَيِّنَةً قَرِيبَةً بِمَنْزِلَةِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فَسَأَلَ وَضْعَ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِيَذْهَبَ بِهِ إلَى بَيِّنَةٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ قَالَ أَوْقِفُوا الْعَبْدَ حَتَّى آتِيَ بِبَيِّنَتِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً عَلَى الْحَقِّ أَوْ سَمَاعًا يُثْبِتُ بِهِ دَعْوَاهُ، فَإِنَّ الْقَاضِي يُوقِفُ الْعَبْدَ وَيُوَكَّلُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ فِيمَا قَرُبَ مِنْ يَوْمٍ، فَإِنْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ سَمَاعٍ سَأَلَ إيقَافَ الْعَبْدِ لِيَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةٌ بَعِيدَةٌ وَفِي إيقَافِهِ ضَرَرٌ اسْتَحْلَفَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَسْلَمَهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ كَفِيلٍ.
(وَالْغَلَّةُ لَهُ لِلْقَضَاءِ وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُوقَفُ مَا لَا يُؤْمَنُ تَغَيُّرُهُ وَزَوَالُهُ، وَأَمَّا الْمَأْمُونُ كَالرِّبَاعِ وَالْعَقَارِ وَمَا لَهُ الْغَلَّةُ فَإِنَّمَا يُوقَفُ وَقْفًا يَمْنَعُ مِنْ الْإِحْدَاثِ فِيهَا، وَالْغَلَّةُ أَبَدًا لِلَّذِي هِيَ بِيَدِهِ لِأَنَّ ضَمَانَهَا مِنْهُ حَتَّى يُقْضَى بِهَا لِلطَّالِبِ.
قَالَ سَحْنُونَ: هَذَا إنْ كَانَ مُبْتَاعًا أَوْ صَارَتْ إلَيْهِ مِنْ مُبْتَاعٍ.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَتْ غَنَمًا

فَرَعْيُهَا فِي الْإِيقَافِ عَلَى مَنْ تَصِيرُ إلَيْهِ وَغَلَّتُهَا لِلَّذِي هِيَ بِيَدِهِ.
وَقَالَ عِيسَى: الرَّعْيُ عَلَى مَنْ لَهُ الْغَلَّةُ.
اهـ نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي حَالِ الْوَقْفِ أَوْ فِي غَلَّتِهِ إنْ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ وَفِي مُصِيبَتِهِ إنْ هَلَكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: نَفَقَتُهُ عَلَى مَنْ يُقْضَى لَهُ بِهِ وَغَلَّتُهُ لِمَنْ هُوَ فِي يَدَيْهِ لِأَنَّهُ إنْ هَلَكَ كَانَ فِي ضَمَانِهِ.

(وَجَازَتْ عَلَى خَطِّ مُقِرٍّ) مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَغَيْرِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ مُقِرٍّ جَائِزَةٌ وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْخَطَّ رَسْمٌ يُدْرَكُ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ وَأَصَبْنَا الْبَصَرَ يُمَيِّزُ الْخَطَّيْنِ وَالشَّخْصَيْنِ مَعَ جَوَازِ اشْتِبَاهِ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَوَّزُوهَا فِي الشَّخْصِ مَعَ جَوَازِ الِاشْتِبَاهِ فِيهِ جَازَتْ فِي الْخَطِّ (بِلَا يَمِينٍ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا: مَنْ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ ذِكْرَ حَقٍّ وَكَتَبَ فِي أَسْفَلِهِ بِخَطِّهِ فَهَلَكَ الشُّهُودُ ثُمَّ جَحَدْنَ فَشَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّ ذَلِكَ خَطُّهُ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ عَلَيْهِ كَإِقْرَارِهِ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ مَعَ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ شَهِدَ عَلَى خَطِّهِ رَجُلٌ

حَلَفَ الطَّالِبُ وَاسْتَحَقَّ.
وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: امْرَأَةٌ كَتَبَ إلَيْهَا زَوْجُهَا بِطَلَاقِهَا فَشَهِدَ عَلَى خَطِّهِ رَجُلَانِ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهَا.
اهـ. نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهَا عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ الْحُكْمِ لَهَا بِطَلَاقِهَا إذَا شَهِدَ عَلَى خَطِّهِ عَدْلَانِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْخَطُّ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ مِثْلُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى رَجُلٍ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَوْ لِزَوْجَتِهِ بِذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ إنَّمَا هُوَ بِطَلَاقِهِ إيَّاهَا ابْتِدَاءً، فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ كَتَبَهُ مُجْمِعًا عَلَى الطَّلَاقِ.

(وَخَطِّ شَاهِدٍ مَاتَ أَوْ غَابَ) الْبَاجِيُّ: مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ.
رَوَاهُ مُحَمَّدٌ.
لِأَنَّ غَايَةَ خَطِّهِ أَنَّهُ كَلَفْظِهِ وَهُوَ لَوْ سَمِعَهُ يَنُصُّ شَهَادَتَهُ لَمْ يَنْقُلْهَا عَنْهُ.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ إجَازَتَهَا.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ لِغَيْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ صَحِيحَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْمَيِّتِ أَوْ الْغَائِبِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي الْأُمَّهَاتِ الْمَشْهُورَةِ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إجَازَتِهَا وَإِعْمَالِهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ: فَطَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْمَشْهُورَ إعْمَالُهَا خِلَافُ قَوْلِ الْبَاجِيِّ لَا تَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ (بِبُعْدٍ) اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْغَيْبَةِ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ عِنْدَ مُجِيزِهَا، فَقَالَ سَحْنُونَ: الْغَيْبَةُ الْبَعِيدَةُ وَلَمْ يَحُدَّ قَدْرَهَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ: مِثْلُ إفْرِيقِيَّةَ مِنْ مِصْرَ وَمَكَّةَ مِنْ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: حَدُّ ذَلِكَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ (وَإِنْ بِغَيْرِ مَالٍ فِيهِمَا إنْ عَرَفْتَهُ) ابْنُ رُشْدٍ: الَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّ مَعْنَى مَا رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فِي طَلَاقٍ وَلَا عَتَاقٍ وَلَا حَدٍّ وَلَا نِكَاحٍ لِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّ الرَّجُلِ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ نَكَحَ، بَلْ هِيَ جَائِزَةٌ عَلَى خَطِّهِ بِذَلِكَ كَمَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّهِ بِالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ.
وَمِنْ الْمُفِيدِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَارِثٍ: جَرَى الْعَمَلُ مِنْ الْقُضَاةِ بِبَلَدِنَا يَعْنِي قُرْطُبَةَ بِإِجَازَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ، وَلَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فِي الْأَحْبَاسِ وَغَيْرِهَا فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ.
وَلَقَدْ شَهِدْت ابْنَ أَبِي عِيسَى قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ يَحْكُمُ بِإِجَازَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى خُطُوطِ الشُّهُودِ الْمَوْتَى فِي صَدَقَاتِ النِّسَاءِ، وَمِنْ الْأَحْكَامِ لِلْبَاجِيِّ: لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ إلَّا فِي الْمَالِ فَقَطْ وَحَتَّى يَكُونَ ذُو الْخَطِّ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ وَتُعْرَفُ مَعْرِفَتُهُ بِمَنْ كَتَبَ عَلَيْهِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ خَطَّ الشَّاهِدِ.
وَأَمَّا خَطُّ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ.
وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: أَكْثَرُ مَا يَجْرِي الْعَمَلُ بِإِجَازَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فِي الْأَحْبَاسِ الْقَدِيمَةِ، وَالْأَحْوَطُ أَنْ لَا تَجُوزَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا فَإِنَّ شَهَادَةَ الْأَحْيَاءِ رُبَّمَا دَخَلَتْهَا الدَّاخِلَةُ

فصول الكتاب · 7 فصل · 674 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التاج والإكليل لمختصر خليل · 674 صفحة
المقدمة
ٍ: زَكَاةُ النَّعَمِ
ِ (فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ)
َ كِتَابِ الْبُيُوعِ.
خِيَارِ التَّرَوِّي
َ: قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ
ضَمَانِ سِرَايَةِ الْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِي عَيْنِهِ أَوْ جِنْسِهِ
جارٍ التحميل