التاج والإكليل لمختصر خليلصفحات 575-614
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ (فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ)

صفحات 575-614

فَأَبْطَأَ فَأَقْبَلُوا فَغَنِمُوا وَكَانَ الرَّجُلُ دَخَلَ بَعْضَ سُفُنِ الْمُسْلِمِينَ، إنْ قَعَدَ مَعَهُمْ تَارِكًا لَهُمْ فَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَهُمْ وَإِلَّا فَلَهُ حَظُّهُ مَعَهُمْ.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا أَبْيَنُ عَلَى مَا قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلُوهُ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ فِيمَا يَخُصُّهُمْ مِنْ أَمْرِ غَزْوِهِمْ عَلَى أَنْ يَلْحَقَهُمْ فَلَمْ يُدْرِكْهُمْ إلَّا بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَهْمُهُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ (وَضَالٌّ بِبَلَدِنَا وَإِنْ بِرِيحٍ) هَذَا يُفْهَمُ مِنْ اللَّخْمِيِّ وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ حَسْبَمَا يَأْتِي.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرَاكِبِ تَصِلُ إلَى أَرْضِ الرُّومِ ثُمَّ يَرُدُّ بَعْضَهَا الرِّيحُ إلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَرْجِعْ أَهْلُهَا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ: فَإِنَّ لَهُمْ سِهَامَهُمْ مَعَ أَصْحَابِهِمْ الَّذِينَ وَصَلُوا إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ وَغَنِمُوا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ ضَلَّ رَجُلٌ مِنْ الْعَسْكَرِ فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى غَنِمُوا فَلَهُ سَهْمُهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي الَّذِينَ رَدَّتْهُمْ الرِّيحُ.
قَالَ عَنْهُ أَصْبَغُ: وَكَذَلِكَ لَوْ ضَلَّ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَلَهُ سَهْمُهُ.
(بِخِلَافِ بَلَدِهِمْ) اللَّخْمِيِّ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ ضَلَّ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ فَغَنِمُوا بَعْدَهُ فَلَهُ سَهْمُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: تَخْصِيصُهُ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ وَيَتَعَقَّبُ بِنَصِّهَا فَلَهُ سَهْمُهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي الَّذِينَ رَدَّتْهُمْ الرِّيحُ وَهُوَ بِبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْقُلُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ سَوَاءٌ ضَلَّ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ أَوْ الْإِسْلَامِ.

(وَمَرِيضٌ شَهِيدٌ) . ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الْمَرَضِ طُرُقٌ.
الْبَاجِيُّ: إنْ مُنِعَ الْقُدْرَةَ عَلَى الْقِتَالِ حَالًا وَمَآلًا مُنِعَ الْإِسْهَامَ وَإِلَّا فَلَا.
اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ خَرَجَ مَرِيضًا وَأَرَى لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَقْتَدِيَ بِرَأْيِهِ، رُبَّ رَأْيٍ أَنْفَعَ مِنْ قِتَالٍ.
وَمَنْ مَرِضَ بَعْدَ الْقِتَالِ أَسْهَمَ لَهُ.
وَيَخْتَلِفُ إنْ مَرِضَ بَعْدَ الْإِدْرَابِ وَقَبْلَ الْقِتَالِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْبَاجِيِّ عَنْ مَالِكٍ الرُّجُوعُ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِسْهَامِ.

وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ خَرَجَ غَازِيًا فَلَمْ يَزَلْ مَرِيضًا حَتَّى شَهِدَ الْقِتَالَ وَحَازُوا الْغَنِيمَةَ فَلَهُ سَهْمُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ الْقِتَالَ بِفَرَسٍ رَهِيصٍ فَلَهُ سَهْمُهُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: بِخِلَافِ الْحَطِيمِ وَالْكَسِيرِ.
ابْنُ سَحْنُونٍ قَالَ مَالِكٌ: يُسْهِمُ لِلْفَرَسِ الْمَرِيضِ وَالرَّجُلِ الْمَرِيضِ قَالَ: وَمَا كُلُّ مَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ يُقَاتِلُ وَلَا كُلُّ فَرَسٍ يُقَاتِلُ.
وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ أَنَّهُ لَا يُسْهِمُ لَهُ وَبِالْأَوَّلِ أَخَذَ سَحْنُونَ.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: الْقِتَالُ سَبَبُ الْغَنِيمَةِ فَمَنْ قَاتَلَ أَوْ حَضَرَ الْقِتَالَ أَسْهَمَ لَهُ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، لِأَنَّهُ قَدْ حَضَرَ سَبَبَ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ الْقِتَالُ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الْجَيْشِ يُقَاتِلُ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مَصْلَحَةِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فِي الرِّدْءِ وَبَعْضُهُمْ يَحْفَظُونَ السَّوَادَ وَبَعْضُهُمْ فِي الْعُلُوفَةِ عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْحَرْبِ.
وَلَوْ قَاتَلَ كُلُّ الْجَيْشِ لَفَسَدَ التَّدْبِيرُ.
وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إنَّ الْمَرِيضَ يُسْهَمُ لَهُ لِأَنَّهُ قَدْ شَهِدَ الْوَاقِعَةَ وَيَحْصُلُ مِنْهُ التَّكَثُّرُ وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: 167] أَيْ كَثِّرُوا.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَلَمْ يَبْلُغْ الْعَسْكَرَ حَتَّى مَرِضَ فَخَلَفُوهُ فِي الطَّرِيقِ لَعَلَّهُ يُفِيقُ فَيَلْحَقُ بِهِمْ فَغَنِمُوا وَرَجَعُوا فَلَهُ سَهْمُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ تَخَلُّفُهُ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُدَرَّبَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ فَلَهُ سَهْمُهُ (كَفَرَسٍ رَهِيصٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا.

(وَمَرِضَ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْغَنِيمَةِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ) تَقَدَّمَ مَا يَنْبَغِي نَقْلُهُ مِنْ النُّصُوصِ وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ وَهِيَ عِبَارَةُ ابْنِ بَشِيرٍ قَالَ مَا نَصُّهُ: إنْ فَصَّلْت قُلْت: أَمَّا إنْ مَرِضَ بَعْدَ أَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ أَوْ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفُوا عَلَى

الْغَنِيمَةِ أُسْهِمَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُشْرِفُوا فَفِي كُلِّ صُورَةٍ قَوْلَانِ.

(وَلِلْفَرَسِ مِثْلَا فَارِسِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَسَهْمٌ لِفَارِسِهِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ.
قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: وَمَا عَلِمْت أَنَّ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ مَنْ قَالَ لِلْفَرَسِ سَهْمٌ وَلِفَارِسِهِ سَهْمٌ غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ خَالَفَهُ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ.
لَكِنْ هُنَا نَظَرٌ وَهُوَ أَنَّ الْفَرَسَ إذَا اسْتَحَقَّ السَّهْمَيْنِ عِنْدَنَا فَهَلْ نَقُولُ: إنَّهُمَا جُعِلَا لِأَجْلِ الْفَارِسِ وَالْفَرَسُ تَبَعٌ لَهُ، أَوْ نُقَدِّرُ أَنَّ السَّهْمَيْنِ لِأَجْلِ الْفَرَسِ لِأَجْلِ فَرِّهِ وَكَرِّهْ وَالْفَارِسُ فِي حُكْمِ التَّبَعِ؟ هَذَا مِمَّا فِيهِ اضْطِرَابٌ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ ذَلِكَ فِيمَنْ قَاتَلَ عَلَى فَرَسٍ مَغْصُوبٍ أَوْ مُسْتَعَارٍ وَفِي عَبْدٍ قَاتَلَ عَلَى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ.

(وَإِنْ بِسَفِينَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا لَقُوا الْعَدُوَّ فِي الْبَحْرِ وَمَعَهُمْ الْخَيْلُ فِي السُّفُنِ فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ

وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَكَذَلِكَ إنْ أَسْرَى أَهْلُ الْعَسْكَرِ رَجَّالَةً وَلِبَعْضِهِمْ خَيْلٌ فَغَنِمُوا وَهُمْ رَجَّالَةٌ فَإِنَّهُ يُعْطَى مَنْ لَهُ فَرَسٌ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ الْعَسْكَرِ فَغَنِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَأَهْلِ السَّرِيَّةِ بَعْدَ الْخُمُسِ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا لِأَنَّهُ كَمَا يُسْهَمُ لِمَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ كَذَلِكَ يُسْهَمُ لِفَرَسِ مَنْ شَهِدَ بِفَرَسِهِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلَيْهِ.
وَفِي الْكَافِي لِأَبِي عُمَرَ مَا نَصُّهُ: مَنْ شَهِدَ الْحَرْبَ فَارِسًا أُسْهِمَ لَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ وَلَا يُرَاعَى عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الدُّخُولُ إنَّمَا يُرَاعَى اللِّقَاءُ، فَمَنْ دَخَلَ فَارِسًا وَقَاتَلَ رَاجِلًا أُسْهِمَ لَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ (أَوْ بِرْذَوْنًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالْبَرَاذِينُ إنْ أَجَازَهَا الْوَالِي كَانَتْ كَالْخَيْلِ.
ابْنُ حَبِيبٍ: هِيَ كَالْخَيْلِ الْعِظَامِ.
الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ الْجَافِيَةَ الْخِلْقَةِ الْعَظِيمَةَ الْأَعْضَاءِ وَالْعِرَابُ أَضْمَرُ وَأَرَقُّ أَعْضَاءً (أَوْ هَجِينًا أَوْ صَغِيرًا) مِنْ الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى الْهَجِينَ إلَّا مِنْ الْخَيْلِ.
ابْنُ حَبِيبٍ: الْهَجِينُ الَّذِي أَبُوهُ عَرَبِيٌّ وَأُمُّهُ مِنْ الْبَرَاذِينِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا أَشْبَهَتْ الْخَيْلَ فِي الْقِتَالِ عَلَيْهَا وَالطَّلَبَ بِهَا أَسْهَمَ لَهَا.
الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْخَيْلِ الْكَرُّ وَالْفَرُّ وَالطَّلَبُ بِهَا.
وَلَمْ يَشْتَرِطْ ابْنُ حَبِيبٍ إجَازَةَ الْوَالِي وَاشْتَرَطَهُ مَالِكٌ فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَمْرَ الْخَيْلِ فَيُجِيزَ مِنْهَا مَا يُحِبُّ وَيَرُدَّ مِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، وَإِنَاثُ الْخَيْلِ كَذُكُورِهَا يُسْهَمُ لَهَا، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ.
وَأَمَّا

صِغَارُ الْخَيْلِ لَا مَرْكَبَ فِيهَا فَلَا يُسْهَمُ لَهَا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنْ كَانَ فِيهَا بَعْضُ الْقُوَّةِ عَلَى ذَلِكَ أُسْهِمَ لَهَا.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُسْهَمُ لِبَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ بَعِيرٍ وَصَاحِبُهُ رَاجِلٌ.
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ مَنْ غَزَا عَلَى حِمَارٍ أَوْ بَغْلٍ فَيَأْخُذُ فَرَسًا أُعْطِيَ فِي السَّبِيلِ قَالَ: الْحِمَارُ ضَعِيفٌ وَالْبَغْلُ أَقْوَى وَلَا يَأْخُذُ الْفَرَسُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ عَلَى التَّقَدُّمِ إلَى الْأَسِنَّةِ يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ.
ابْنُ الْحَاجِبِ: الْبِرْذَوْنُ وَالْهَجِينُ وَالصَّغِيرُ يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ.
الْجَلَّابُ: وَذُكُورُ الْخَيْلِ وَإِنَاثُهَا سَوَاءٌ كَغَيْرِهَا بِخِلَافِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ.

(وَمَرِيضٌ رُجِيَ) تَقَدَّمَ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنْ خَلَّفُوا الْمَرِيضَ فِي الطَّرِيقِ لَعَلَّهُ يُفِيقُ فَيَلْحَقُ بِهِمْ فَغَنِمُوا وَرَجَعُوا فَلَهُ سَهْمُهُ.

(وَمُحَبَّسٍ) سَحْنُونَ: يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ الْمُحَبَّسِ لِلْغَزْوِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ مَنْ اكْتَرَى فَرَسًا أَوْ اسْتَعَارَهُ فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ.

(وَمَغْصُوبٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ) . اللَّخْمِيِّ: لَوْ غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ خَيْلًا فَغَصَبَ رَجُلٌ مِنْهَا فَرَسًا فَقَاتَلَ عَلَيْهِ كَانَ سَهْمَاهُ لِلْغَاصِبِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَعَلَيْهِ إجَارَةُ الْمِثْلِ (أَوْ مِنْ غَيْرِ الْجَيْشِ وَمِنْهُ لِرَبِّهِ) . اللَّخْمِيِّ: الْقَوْلَانِ وَلَوْ غَصَبَ فَرَسًا مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ كَانَ سَهْمَاهُ لِلْغَاصِبِ وَلِصَاحِبِهِ إجَارَةُ الْمِثْلِ.
ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ: وَإِنْ تَغَيَّرَ خُيِّرَ رَبُّهُ إمَّا ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الْفَرَسِ أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْأُجْرَةَ.
وَانْظُرْ لَمْ يَذْكُرْ إذَا غَصَبَ فَرَسًا لِأَهْلِ الْجَيْشِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَعَزَا اللَّخْمِيِّ الْقَوْلَيْنِ لِابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: وَهَذَا رَاجِعٌ لِلْخِلَافِ فِي الضَّالِّ انْتَهَى.
فَحَصَلَ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَرَسَ الْمُحَبَّسَ وَالْمُكْتَرَى وَالْمُسْتَعَارَ وَالْمَغْصُوبَ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي فَرَسٍ انْفَلَتَ مِنْ رَبِّهِ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ فَأَخَذَهُ آخَرُ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى غَنِمُوا إنَّ سُهْمَانَهُ لِلَّذِي انْفَلَتَ مِنْهُ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: سُهْمَانُهُ لِلَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ إجَارَةُ مِثْلِهِ، وَانْظُرْ الْعَبْدَ إذَا قَاتَلَ عَلَى فَرَسِ سَيِّدِهِ.
الْمَازِرِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا.

(لَا أَعْجَفَ أَوْ كَبِيرٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ) . ابْنُ شَاسٍ:

لَا يُسْهَمُ لِلْأَعْجَفِ إذَا كَانَ فِي حَيِّزِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَمَا لَا يُسْهَمُ لِلْكَبِيرِ (وَبَغْلٍ وَبَعِيرٍ) اُنْظُرْهُ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَمَرِيضٍ رُجِيَ " (وَثَانٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ لَهُ أَفْرَاسٌ لَا يُزَادُ عَلَى سَهْمِ فَرَسٍ.
ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُ، مَالِكٍ هَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَاتِلَ الْعَدُوَّ عَلَى فَرَسَيْنِ إلَّا عَلَى فَرَسٍ وَاحِدٍ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَزِيَادَةُ عَدَدٍ كَزِيَادَةِ رِمَاحٍ أَوْ سُيُوفٍ (وَالْمُشْتَرَكُ لِلْمُقَاتِلِ وَدَفَعَ أَجْرَ شَرِيكِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إنْ أَدْرَبَ رَجُلَانِ بِفَرَسٍ لَهُمَا فَسَهْمَاهُ لِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا وَعَلَيْهِ لِلْآخَرِ نِصْفُ أُجْرَتِهِ.
اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ.

(وَالْمُسْتَنَدُ لِلْجَيْشِ كَهُوَ وَإِلَّا فَلَهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُسْتَنَدُ إلَى الْجَيْشِ مِنْ مُفْرَدٍ وَسَرِيَّةٍ كَالْجَيْشِ وَإِلَّا فَهُمْ كَالْمُتَلَصِّصِ.
ابْنُ عَلَاقٍ: الْمُرَادُ بِالْمُسْتَنَدِ إلَى الْجَيْشِ أَنْ يَخْرُجَ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْجَيْشِ فَيُقَاتِلُونَ دُونَ الْجَيْشِ وَيَغْنَمُونَ، فَمَا غَنِمَ هَؤُلَاءِ شَارَكَهُمْ فِيهِ الْجَيْشُ كَمَا أَنَّهُمْ لَوْ غَنِمَ الْجَيْشُ فِي غَيْبَتِهِمْ لَشَارَكُوهُ فِي ذَلِكَ.
وَهَذَا إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْعَسْكَرِ بَعْدَمَا فَصَلَ عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ: بَيِّنٌ، وَأَمَّا إنْ خَرَجَتْ مِنْ بِلَادٍ ثُمَّ اتَّبَعَهَا بَقِيَّةُ الْجَيْشِ فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّ أَمِيرَ الْجَيْشِ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَتَقَدَّمَتْ لِيَتْبَعَهَا فَغَنِمَتْ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَلَحِقَهَا بِمَوْضِعٍ غَنِمَتْ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا لِمَنْ مَعَهُ فِيمَا غَنِمَتْ، فَلَوْ غَنِمَتْ بَعْدَمَا اتَّبَعَهَا بِبَقِيَّةِ عَسْكَرِهِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ.
قَالَ أَشْهَبُ: إنْ غَنِمَتْ بَعْدَ فُصُولِ الْعَسْكَرِ فَكُلُّهُمْ شُرَكَاءُ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا لِأَنَّهُمْ إذَا فَصَلُوا عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ صَارُوا رِدْءًا لِلسَّرِيَّةِ وَنَصِيرًا لَهَا، وَإِذَا كَانَتْ الْغَنِيمَةُ قَبْلَ فُصُولِهِمْ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ لَمْ تَكُنْ السَّرِيَّةُ رِدْءًا.
قَالَ سَحْنُونَ: إنْ دَخَلَ الْجَيْشُ أَرْضَ الْحَرْبِ فَمَاتَ أَمِيرُهُمْ قَبْلَ الْقِتَالِ فَافْتَرَقُوا طَائِفَتَيْنِ وَأَمَّرَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ أَمِيرًا وَأَغَارَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَقَاتَلَتْ وَغَنِمَتْ فَكُلُّ مَا غَنِمَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: إلَّا أَنْ تَتَبَاعَدَ كُلُّ طَائِفَةٍ عَنْ الْأُخْرَى بَعْدَ أَنْ لَا يُمْكِنَهَا الْمَعُونَةُ وَلَمْ يَجْتَمِعَا إلَّا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا إنْ اجْتَمَعَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَلْيَرْجِعَا عَلَى أَمْرِهِمَا.
وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ سَحْنُونٍ.
وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي أَمِيرِ سَرِيَّةٍ عَرَضَ لَهُ نَهْرٌ حِينَ دَنَا مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ فَجَازَهُ بِبَعْضِ مَنْ مَعَهُ وَتَخَلَّفَ الْآخَرُونَ مُعْتَذِرِينَ عَنْ طَاعَتِهِ بِشِدَّةِ خَطَرِهِ فَرَجَعَ بِغَنِيمَةٍ وَوَجَدَ الْمُتَخَلِّفِينَ بِمَكَانِهِمْ لَا قَسْمَ لَهُمْ.
ابْنُ رُشْدٍ: الَّذِي يَنْبَغِي عِنْدِي عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا فِي وُقُوفِ الْمُتَخَلِّفِينَ بِمَكَانِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ وَجْهُ مَنْفَعَةٍ لِلْغَانِمَيْنِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْرُ قُرْبَ بَلَدِ الْعَدُوِّ بِحَيْثُ يَظُنُّ الْعَدُوُّ جَوَازَهُمْ أَجْمَعِينَ قُسِمَ لَهُمْ مَعَهُمْ وَإِلَّا فَلَا.

سَحْنُونَ: وَلَوْ حَبَسَ الْإِمَامُ حِينَ خَرَجَ النَّاسُ مِنْ الْمَدِينَةِ طَائِفَةً لِحِفْظِهَا كَانَ لَهُمْ حَظُّهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، لِأَنَّهُ حَبَسَهُمْ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَانْظُرْ رَابِعَ تَرْجَمَةٍ وَخَامِسَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْجِهَادِ الثَّالِثِ مِنْ نَوَادِرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَسَمِعَ أَيْضًا عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي عَدُوٍّ حَصَرَ أَهْلَ حِصْنٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَخَرَجَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ وَقَاتَلُوا الْعَدُوَّ فَأَظْفَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ وَأَصَابُوا خَيْلَهُ وَأَسْلَابَهُ يُقْسَمُ ذَلِكَ بَيْنَ جَمِيعِ مَنْ خَرَجَ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَبَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْحِصْنِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ وَيُقْسَمُ لِخَيْلِ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ وَلِخَيْلِ مَنْ خَرَجَ رَاجِلًا وَخَلَّفَ فَرَسَهُ فِي الْحِصْنِ إذَا كَانُوا بِمَوْضِعِ رِبَاطٍ وَضَعُوا فِيهِ رُصْدَةً لِلْعَدُوِّ وَلِذَلِكَ سَكَنُوا، وَلَوْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْغَنِيمَةَ تُقْسَمُ

عَلَى الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ مَنْ قَاتَلَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ لِكَوْنِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ رِدْءًا لِمَنْ قَاتَلَ وَعَوْنًا لَهُمْ عَلَى الْغَنِيمَةِ لِأَنَّ نُفُوسَهُمْ تَقْوَى بِوُقُوفِهِمْ وَتَزِيدُ فِي جُرْأَتِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ.
وَكَذَلِكَ الَّذِينَ فِي الْحِصْنِ بِهِمْ قَوِيَتْ نُفُوسُ مَنْ خَرَجَ وَلَعَلَّ الْعَدُوَّ إنَّمَا انْهَزَمَ بِسَبَبِهِمْ.

وَانْظُرْ فِي نَوَادِرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ إذَا أَغَارَ الْعَدُوُّ عَلَى بَعْضِ الثُّغُورِ فَتَدَاعَى عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَانْهَزَمُوا مِنْ غَيْرِ مُلَاقَاةٍ وَنَالُوا مِنْهُمْ مَغْنَمًا أَنَّهُ يُخَمِّسُ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لَهُمْ، لِأَنَّ مِنْهُمْ جَزِعُوا وَهَرَبُوا.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: مَا غُنِمَ بِغَيْرِ إيجَافٍ وَلَا قِتَالٍ وَهُوَ مِمَّا يَنْجَلِي عَنْهُ أَهْلُهُ وَيَتْرُكُونَهُ رَهْبَةً وَفَزَعًا وَهَذَا لَا يُخَمَّسُ، وَهُوَ فَيْءٌ.
لِابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ: إذَا كَانَتْ قُرًى إنَّمَا فِيهَا أَهْلُهَا فَخَرَجُوا فِي طَلَبِ الَّذِينَ أَغَارُوا عَلَيْهِمْ قُسِمَ مَا أَصَابُوا بَيْنَ كُلِّ مَنْ طَلَبَ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ مِمَّنْ خَرَجَ طَالِبًا بِالثَّبْتِ وَالْيَقِينِ.
زَادَ فِي الِاسْتِغْنَاءِ: وَلَا شَيْءَ لِمَنْ خَرَجَ بَعْدَ الْوَقِيعَةِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمَدِينَةُ ثَغْرًا وَمُحْرِسًا.
وَمِنْهُ أَيْضًا: وَإِنْ غَار الْعَدُوُّ عَلَى جِهَتَيْنِ فَلِكُلِّ جِهَةٍ مَا غَنِمُوا.
وَانْظُرْ رَابِعَ تَرْجَمَةٍ وَخَامِسَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْجِهَادِ الثَّالِثِ مِنْ نَوَادِرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَانْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَمُتَخَلِّفٌ لِحَاجَةٍ " وَعِنْدَ قَوْلِهِ: " وَضَالٌّ بِبَلَدِنَا " وَعِنْدَ قَوْلِهِ: " وَمَرِيضٌ شَهِدَ " وَقَوْلَ عَبْدِ الْوَهَّابِ لِأَنَّ لَيْسَ كُلُّ الْجَيْشِ يُقَاتِلُ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مَصْلَحَةِ الْحَرْبِ.
وَقَدْ فُسِّرَ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ» أَنَّهُمْ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْمَغْنَمِ يُسْهِمُونَ مِنْهُ لِمَنْ شَغَلَهُ عَنْ حُضُورِ الْمُعْتَرَكِ مَصْلَحَةٌ مِنْ مَصَالِحِ الْغَانِمِينَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ نَقَلَ صَاحِبُ كِتَابِ مَعَارِفِ الْأَشْوَاقِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ كَانُوا يَتَعَفَّفُونَ عَنْ الْمَغْنَمِ قَالَ: وَمِنْهُمْ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ فَقِيلَ لَهُ: أَتَشُكُّ فِي أَنَّ الْغَنِيمَةَ حَلَالٌ؟ فَيَقُول: وَهَلْ هُوَ الزُّهْدُ إلَّا فِي الْحَلَالِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمْ ثُلُثٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ» وَنَقَلَ أَيْضًا هُوَ وَصَاحِبُ الْمُقَرِّبِ أَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَمَّرَ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ عَلَى غَزْوِ إفْرِيقِيَّةَ وَكَانَ صَاحِبُ إفْرِيقِيَّةَ جِرْجِيرٌ سُلْطَانُهُ مِنْ طَرَابُلُسَ إلَى طَنْجَةَ فَهَالَهُ أَمْرُ الْعَرَبِ بِحَيْثُ إنْ زَيَّنَ بِنْتًا لَهُ كَانَتْ بَارِعَةَ الْجَمَالِ وَقَالَ لِحَشَمِهِ: أَتَعْرِفُونَ هَذِهِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ سَيِّدَتُنَا وَبِنْتُ سَيِّدِنَا لِمَالِكٍ.
فَقَالَ: وَحَقِّ الْمَسِيحِ وَدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ لَا قَتَلَ مِنْكُمْ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ أَمِيرَ الْعَرَبِ إلَّا زَوَّجْتهَا لَهُ وَسُقْت لَهَا جَمِيعَ مَا مَعَهَا مِنْ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ وَالْجَوَارِي يُحَرِّضُ بِذَلِكَ الرُّومَ تَحْرِيضًا شَدِيدًا.
وَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ فَأَخْبَرَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَقَالَةِ جِرْجِيرٍ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: وَحَقِّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدِينِ الْإِسْلَامِ لَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْكُمْ جِرْجِيرًا إلَّا نَفَّلْته ابْنَتَهُ.
فَانْتَدَبَ أُنَاسٌ وَفِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَشَقُّوا الصُّفُوفَ وَظَهَرُوا بِجِرْجِيرٍ وَانْهَزَمَ الْكُفَّارُ وَتَنَازَعُوا فِي قَتْلِ جِرْجِيرٍ فَقَالَتْ الِابْنَةُ: أَنَا أَعْرِفُ قَاتِلَ أَبِي فَأَمَرَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ أَنْ يَمُرَّ الْجَيْشُ بَيْنَ يَدَيْهَا وَهِيَ تَنْظُرُ حَتَّى مَرَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَتْ: هَذَا وَالْمَسِيحِ قَاتِلُ أَبِي.
فَقَالَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ: لِمَ كَتَمْتنَا؟ قَالَ: قَدْ عَلِمَ الَّذِي قَتَلْته لَهُ فَقَالَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ: إذَنْ وَاَللَّهِ

أُنَفِّلُك ابْنَتَهُ فَنَفَّلَهُ إيَّاهَا وَاِتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ.
وَنَقَلَ أَيْضًا فِي عُيُونِ الْأَخْبَارِ أَنَّ مَسْلَمَةَ حَاصَرَ حِصْنًا مِنْ حُصُونِ الْكُفَّارِ وَنَدَبَ النَّاسَ لِلدُّخُولِ مِنْ نَقْبٍ هُنَاكَ فَمَا دَخَلَهُ أَحَدٌ.
فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ عَرْضِ الْجَيْشِ فَدَخَلَهُ فَفَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَنَادَى مَسْلَمَةُ: أَيْنَ صَاحِبُ النَّقْبِ؟ فَمَا جَاءَ أَحَدٌ فَنَادَى: إنِّي عَزَمْت عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ فَأَتَى رَجُلٌ وَقَالَ: صَاحِبُ النَّقْبِ يَأْخُذُ عَلَيْكُمْ ثَلَاثًا أَنْ لَا تَجْعَلُوا اسْمَهُ فِي صَحِيفَةٍ إلَى الْخَلِيفَةِ.
وَلَا تَأْمُرُوا لَهُ بِشَيْءٍ وَلَا تَسْأَلُوهُ مِمَّنْ هُوَ.
فَقَالَ مَسْلَمَةُ: ذَلِكَ لَهُ.
فَقَالَ: أَنَا هُوَ.
فَكَانَ مَسْلَمَةُ لَا يُصَلِّي صَلَاةً إلَّا قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مَعَ صَاحِبِ النَّقْبِ.

[الْجِهَادُ بِالرَّاتِبِ]

وَقَالَ أَيْضًا: إنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْجِهَادِ بِالرَّاتِبِ قَالَ: وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ إنْ كَانَتْ إنْ مُنِعَ الرَّاتِبُ لَمْ يَخْرُجْ وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِ الْمُرَتَّبِ فَهَذَا إنْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ فِي الظَّاهِرِ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ شَهِيدٍ قَالَ: إلَّا إنْ حَضَرَتْ لَهُ نِيَّةٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ فَيَكُونُ شَهِيدًا عِنْدَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَأَمَّا غَدْوُهُ وَرَوَاحُهُ وَمَا نَالَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ غُبَارٍ وَخَوْفٍ فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ.
وَنَقَلَ أَيْضًا - أَعْنِي صَاحِبَ كِتَابِ مَعَارِفِ الْأَشْوَاقِ - أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْجِهَادِ لَا تَنْحَصِرُ لِتَنَوُّعِ الْمَقَاصِدِ أَعْلَاهَا مَنْ يَقْصِدُ بِجِهَادِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى لِاسْتِحْقَاقِهِ هَذِهِ الْعِبَادَةَ وَأَمْرِهِ بِهَا وَافْتَرَضَهَا عَلَى عِبَادِهِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ لِجَزَاءٍ عَلَيْهَا لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ.
قَالَ: وَمِنْهُ مَا رَوَاهُ الْجَوْزِيُّ بِسَنَدِهِ إلَى مَيْسَرَةَ.
قَالَ: غَزَوْنَا بَعْضَ الْغَزَوَاتِ فَإِذَا بَيْنَ الصُّفُوفِ شَابٌّ فَحَمَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْقَلْبِ ثُمَّ قَالَ: أَحْسِنْ بِمَوْلَاك سَعِيدٍ ظَنَّا ... هَذَا الَّذِي كُنْت لَهُ تَمَنَّى تَنَحَّى يَا حُورَ الْجِنَانِ عَنَّا ... لَا فِيك قَاتَلْنَا وَلَا قُتِلْنَا لَكِنْ إلَى سَيِّدِنَا اشْتَقْنَا ... قَدْ عَلِمَ السِّرَّ وَمَا أَعْلَنَّا ثُمَّ حَمَلَ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ كُنْت أَرْجُو وَرَجَائِي لَمْ يَخِبْ ... أَنْ لَا يَضِيعَ الْيَوْمَ كَدِّي وَالتَّعَبْ يَا مَنْ مَلَا تِلْكَ الْقُصُورَ بِاللَّعِبِ ... لَوْلَاك مَا طَابَ وَمَا طَابَ الطَّرَبْ ثُمَّ حَمَلَ حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ عَدَدًا كَثِيرًا ثُمَّ رَجَعَ فَحَمَلَ وَهُوَ يَقُولُ: يَا لُعْبَةَ الْخُلْدِ قِفِي ثُمَّ اسْمَعِي ... لَا فِيك قَاتَلْنَا فَكَفَى وَارْجِعِي ارْجِعِي إلَى الْجِنَانِ وَاتْرَعِي ... لَا تَطْمَعِي لَا تَطْمَعِي لَا تَطْمَعِي ثُمَّ حَمَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.

(كَمُتَلَصِّصٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْحَاجِبِ بِهَذَا وَيَبْقَى النَّظَرُ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ سَحْنُونَ: أَصْحَابُنَا يَرَوْنَ فِي سَرِيَّةٍ تَخْرُجُ فِي قِلَّةٍ وَغَرَرٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَغَنِمُوا.
فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ الْغَنِيمَةَ أَدَبًا لَهُمْ.
فَقَالَ سَحْنُونَ: فَأَمَّا جَمَاعَةٌ لَا يَخَافُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَحْرُمُهُمْ الْغَنِيمَةَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنُوهُ، يُرِيدُ وَقَدْ أَخْطَئُوا.
ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُسْتَنِدُ إلَى الْجَيْشِ مِنْ مُنْفَرِدٍ وَسَرِيَّةٍ كَالْجَيْشِ وَإِلَّا فَهُمْ كَالْمُتَلَصِّصِ.

(فَيُخَمَّسُ الْمُسْلِمُ دُونَ الذِّمِّيِّ وَفِي الْعَبْدِ قَوْلَانِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: مَا مَلَكَ مِنْ أَمْوَالِ الْكَافِرِينَ غَنِيمَةٌ وَفَيْءٌ وَمُخْتَصٌّ.
ثُمَّ قَالَ: وَالْمُخْتَصُّ بِأَخْذِهِ مَا أَخَذَهُ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ غَيْرِ مُؤَمَّنٍ دُونَ

عِلْمِهِ أَوْ كُرْهًا دُونَ صُلْحٍ وَلَا قِتَالٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْأَسِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ هَارِبًا مِنْهُمْ فَيَخْرُجُ بِأَمْوَالٍ أَصَابَهَا لَهُمْ: لَا خُمُسَ عَلَيْهِ فِيهَا إنَّمَا يُخَمَّسُ مَا يُوجَفُ عَلَيْهِ الْخَيْلُ وَالرِّكَابُ.
وَقَالَ فِي الْعَبْدِ يَخْرُجُ مُتَلَصِّصًا فِي بَعْضِ قُرَى الْعَدُوِّ فَيُصِيبُ غَنَائِمَ: إنَّهَا تُخَمَّسُ وَيَكُونُ فَضْلُ ذَلِكَ لَهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا خَرَجَ بِهِ الْأَسِيرُ وَبَيْنَ إصَابَةِ الْعَبْدِ الْمُتَلَصِّصِ أَنَّ الْخُمُسَ فِيمَا تَعَمَّدَ الْخُرُوجَ لِإِصَابَتِهِ وَالْأَسِيرُ لَيْسَ لِلْإِصَابَةِ خَرَجَ وَلَا لِلْقِتَالِ تَعَرَّضَ فَلِذَلِكَ لَمْ أَرَ فِيهِ خُمُسًا.

قِيلَ: فَإِنَّ خَرَجَ حُرٌّ وَعَبْدٌ مُتَلَصِّصَيْنِ فَغَنِمَا؟ قَالَ: يُخَمَّسُ مَا أَصَابَا ثُمَّ يُقْسَمُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا.

قُيَّل: فَإِنْ خَرَجَ ذِمِّيٌّ مُتَلَصِّصًا مَعَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فَغَنِمَا؟ قَالَ: يُخَمَّسُ حَظُّ الْمُسْلِمِ وَلَا خُمُسَ فِي حَظِّ الذِّمِّيِّ (وَخُمِّسَ مُسْلِمٌ وَلَوْ عَبْدًا عَلَى الْأَصَحِّ) ابْنُ الْقَاسِمِ: يُخَمَّسُ وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَهَذَا خِلَافٌ لِسَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا كَانَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جُمْلَةِ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ كَالْحُرِّ فِي أَنَّ لَهُ مَا غَنِمَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ فِي أَنَّ عَلَيْهِ الْخُمُسَ لِأَنَّهُ مُؤَمَّنٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: 41] . (لَا ذِمِّيٌّ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا خُمُسَ فِي حَظِّ الذِّمِّيِّ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ الْكَافِرَ إذَا خَرَجَ غَازِيًا مَعَ الْأَحْرَارِ وَلَمْ يَكُنْ فِي حَيِّزِ التَّبَعِ كَانَ لَهُ حَقُّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ مَعَ الرَّجُلِ أَوْ الرَّجُلَيْنِ أَوْ الْأَرْبَعَةِ كَانَ لَهُ سَهْمُهُ.
اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ " (وَمَنْ عَمِلَ سَرْجًا أَوْ سَهْمًا) تَقَدَّمَ نَصٌّ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ ".

(وَالشَّأْنُ الْقَسْمُ بِبَلَدِهِمْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالشَّأْنُ أَنْ تُقْسَمَ الْغَنَائِمُ وَتُبَاعَ بِبَلَدِ الْحَرْبِ وَهُمْ أَوْلَى بِرُخْصِهَا،

رَوَى الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءَ لَمْ يَقْسِمُوا غَنِيمَةً قَطُّ إلَّا فِي دَارِ الشِّرْكِ» (وَهَلْ يَبِيعُ لِيَقْسِمَ قَوْلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ إنَّ قَسْمَ الْغَنِيمَةِ هُوَ بَيْعُهَا وَقَسْمَ ثَمَنِهَا.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: قَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَقْسِمَهَا خَمْسَةَ أَقْسَامٍ بِالسَّوِيَّةِ بِأَنْ يَجْعَلَ خَمْسَةَ وُصَفَاءَ فِي كُلِّ سَهْمٍ وَصَيْفٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ جِنْسٍ حَتَّى يَعْدِلَ ثُمَّ يُسْهِمَ بَيْنَهَا فَيُخْرِجَ أَحَدَهَا وَالْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسُ لِلْجَيْشِ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَبِيعَ الْجَمِيعَ وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ فَعَلَ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: إنَّهُ يَبِيعُ وَيَقْسِمُ الثَّمَنَ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِي فَيَقْسِمَ الْعُرُوضَ خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ، وَالْأَظْهَرُ قِسْمَةُ ذَلِكَ دُونَ بَيْعٍ عَلَى ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ كَانَ النَّاسُ يَعْدِلُونَ الْبَعِيرَ بِعَشْرَةِ شِيَاهٍ يَقْتَضِي تَكْرَارَ ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُمْ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ.
انْتَهَى مِنْ الْأَنْوَارِ.

(وَأُفْرِدَ كُلُّ صِنْفٍ إنْ أَمْكَنَ عَلَى الْأَرْجَحِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: صِفَةُ الْقِسْمَةِ أَنْ يَقْسِمَ كُلُّ صِنْفٍ عَلَى خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ، فَإِذَا اعْتَدَلُوا خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ وَاجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْقِيمَةِ وَالِاقْتِسَامِ كَتَبَ فِي رُقْعَةٍ هَذَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقْرَعُ فَحَيْثُ وَقَعَ سَهْمُ الْخُمُسِ كَانَ لِلْإِمَامِ لَا رَجْعَةَ لِأَحَدٍ فِيهِ، ثُمَّ يَبِيعُ الْإِمَامُ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ وَيَقْسِمُهَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ رَأَى بَيْعَ الْجَمِيعِ وَالْخُمُسَ فَعَلَ.
انْتَهَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ.
لَمْ يُرَجِّحْ ابْنُ يُونُسَ شَيْئًا وَإِنَّمَا رَجَّحَ هَذَا الْبَاجِيُّ فَانْظُرْهُ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: قَوْلُ مُحَمَّدٍ يَجْعَلُ الْوُصَفَاءَ بِانْفِرَادِهِمْ وَالنِّسَاءَ كَذَلِكَ حَسَنٌ مَعَ الْكَثْرَةِ.

(وَأَخَذَ مُعَيَّنٌ وَإِنْ ذِمِّيًّا مَا عَرَفَ لَهُ قَبْلَهُ مَجَّانًا) رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلَّذِي وَجَدَ بَعِيرَهُ فِي الْمَغْنَمِ: إنْ وَجَدْتَهُ لَمْ يُقْسَمْ فَخِذَهُ وَإِنْ قُسِمَ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ إنْ أَرَدْته» ، مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَا أَحْرَزَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ مِنْ عَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ أَبَقَ إلَيْهِمْ ثُمَّ غَنِمْنَاهُ، فَإِنْ عَرَفَ رَبَّهُ قَبْلَ أَنْ

يُقْسَمَ كَانَ أَحَقَّ بِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ غَابَ أَوْقَفَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ بِعَيْنِهِ أَوْ عَرَفَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ خُمِّسَ وَقُسِمَ.
ثُمَّ إنْ جَاءَ رَبُّهُ كَانَ أَحَقَّ بِهِ بِالثَّمَنِ مَا بَلَغَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى فِدَائِهِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ، فَإِنْ أَرَادَ أَخْذَهُ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ ذَلِكَ بِيَدِهِ أَنْ يَأْبَى عَلَيْهِ.

(وَحَلَفَ أَنَّهُ مَلَكَهُ) . ابْنُ شَعْبَانَ: لَوْ ادَّعَى مُسْلِمٌ فِيمَا وَجَدَ فِي الْمَغَانِمِ أَنَّهُ لَهُ إنْ أَثْبَتَ الْمِلْكَ سَلَّمَ لَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ.
ابْنُ بَشِيرٍ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ إثْبَاتِهِ الْمِلْكَ وَهَذَا بَيِّنٌ مَعَ الْقَوْلِ إنَّ الْغَانِمِينَ مَلَكُوا بِالْغَنِيمَةِ.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّمَا يَمْلِكُونَ بِالْقَسْمِ فَقَدْ يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَدْفَعُ إلَيْهِ إنْ ادَّعَاهُ مَعَ يَمِينِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا وُجِدَ فِي أَيْدِي اللُّصُوصِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: فِي أَخْذِهِ رَبُّهُ إنْ حَضَرَ بِمُوجِبِ الِاسْتِحْقَاقِ طُرُقٌ مُقْتَضَى نَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَبْعَثُ لِرَبِّهِ الْغَائِبِ عَدَمَ يَمِينِهِ.

(وَحُمِلَ لَهُ إنْ كَانَ خَيْرًا وَإِلَّا بِيعَ لَهُ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِذَا عَرَفَ رَبَّهُ وَكَانَ غَائِبًا فَإِنْ كَانَ خَيْرًا لِرَبِّهِ أَنْ يَحْمِلَ إلَيْهِ وَيَأْخُذَ مِنْهُ كِرَاءَ حَمْلِهِ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَمْلُهُ إلَيْهِ أَوْفَقَ فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيَنْفُذُ بَيْعُهُ الْإِمَامُ فِيهِ وَلَا يَكُونُ لِرَبِّهِ غَيْرُ الثَّمَنِ (وَلَمْ يَمْضِ قَسْمُهُ) أَشْهَبُ: إنْ كَانَ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى إيصَالِهِ لِرَبِّهِ، مِثْلُ الْعَبْدِ وَالسَّيْفِ وَمَا لَيْسَ فِيهِ مُؤْنَةٌ كَثِيرَةٌ فَبَاعُوهُ فِي الْغَنِيمَةِ لِأَنْفُسِهِمْ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ بِلَا ثَمَنٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي الْغَنَائِمِ مَالُ رَجُلٍ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَهُوَ غَائِبٌ فَبِيعَ فَذَلِكَ خَطَأٌ وَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ بِلَا ثَمَنٍ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَأْخُذُهُ رَبُّهُ إلَّا بِالثَّمَنِ وَهِيَ قَضِيَّةٌ مِنْ حَاكِمٍ وَافَقَتْ اخْتِلَافًا بَيْنَ النَّاسِ قَدْ قَالَ الْأَوْزَاعِيِّ: إذَا عَرَفَ رَبَّهُ وَلَمْ يَحْضُرْ أَنَّهُ يُقْسَمُ ثُمَّ لَا يَأْخُذُهُ رَبُّهُ إلَّا بِالثَّمَنِ.
انْتَهَى جَمِيعُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

(إلَّا لِتَأَوُّلٍ عَلَى الْأَحْسَنِ) ابْنُ بَشِيرٍ: لَوْ جَهِلَ الْوَالِي أَوْ تَأَوَّلَ قَسَمَ مَا وَجَدَ فِي أَيْدِي الْعَدُوِّ وَصَاحِبُهُ الْمُسْلِمُ حَاضِرٌ، فَهَلْ يَمْضِي فِعْلُهُ؟ قَوْلَانِ.
وَهَذَا فِي التَّأْوِيلِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ وَنَقْضُهُ هُوَ الْمُشْكِلُ هَاهُنَا إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يَتَأَوَّلْ مُوَافَقَةَ الْخِلَافِ وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ أَنَّهُ لَهُ الْقَسْمُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبٌ لِأَحَدٍ.
وَأَمَّا إذَا جَهِلَ فَقَدْ اعْتَرَضَ الْأَشْيَاخُ الْقَوْلَ بِمُضِيِّهِ لِأَنَّ الْجَاهِلَ لَا يُعْذَرُ بِمُوَافَقَةٍ لِلْمَذَاهِبِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الصَّوْمِ أَنَّ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ وَخَرَّجْنَا عَلَيْهِ مَسْأَلَةَ الْمُفْطِرَةِ وَالْمُفْطِرِ

تَقُولُ: الْيَوْمَ حَيْضَتِي أَوْ يَقُولُ: الْيَوْمَ نَوْبَةُ الْحُمَّى (لَا إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَهَلْ يُقْسَمُ أَوْ يُوقَفُ لِصَاحِبِهِ كَاللُّقَطَةِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُقْسَمُ بِنَاءً عَلَى تَغْلِيبِ مِلْكِ الْغَانِمِينَ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ صَاحِبَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَدَّعِيَهُ وَلَا مُدَّعٍ هَاهُنَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ بِاخْتِيَارِهِ.
اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَأَخَذَ الْمُعَيَّنَ ".

(وَبِيعَتْ خِدْمَةُ مُعْتَقٍ لِأَجَلٍ وَمُدَبَّرٍ) ابْنُ عَلَاقٍ: فِي عَطْفِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُدَبَّرَ عَلَى الْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ نَظَرٌ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُدَبَّرُ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ اُسْتُتِيبَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، فَإِنْ تَابَ لَمْ يُقْسَمْ وَرُدَّ لِسَيِّدِهِ إنْ عُرِفَ بِعَيْنِهِ.
سَحْنُونَ: وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ سَيِّدَهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْمَقَاسِمِ إلَّا خِدْمَتُهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ أَنَّهُ يُؤَاجَرُ بِمِقْدَارِ قِيمَةِ رَقَبَتِهِ فَيَجْعَلُ تِلْكَ الْقِيمَةَ فِي الْمَقَاسِمِ أَوْ يُتَصَدَّقُ بِذَلِكَ إنْ افْتَرَقَ الْجَيْشُ، فَإِذَا اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ خِدْمَتَهُ كَانَ بَاقِي خَرَاجِهِ مَوْقُوفًا كَاللُّقَطَةِ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ إذَا سَبَى ثُمَّ غَنِمْنَاهُ كَالْمُدَبَّرِ إذَا عَرَفَ رَبَّهُ وُقِفَ لَهُ وَإِلَّا جُعِلَتْ خِدْمَتُهُ فِي الْمَغْنَمِ، ثُمَّ إنْ جَاءَ سَيِّدُهُ خُيِّرَ فِي فِدَاءِ خِدْمَتِهِ أَوْ اسْتِلَامِهَا لِمُشْتَرِيهَا كَالْمُدَبَّرِ.

(وَكِتَابَةٌ) الْمُدَوَّنَةُ: إنْ سَبَى الْعَدُوُّ مُكَاتَبًا لِمُسْلِمٍ أَوْ لِذِمِّيٍّ أَوْ أَبَقَ هَذَا الْمُكَاتَبُ إلَيْهِمْ فَغَنِمْنَاهُ رُدَّ إلَى رَبِّهِ غَابَ أَوْ حَضَرَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ بِعَيْنِهِ وَعُلِمَ إنْ مُكَاتَبٌ أَقَرَّ عَلَى كِتَابَتِهِ وَبِيعَتْ كِتَابَتُهُ فِي الْمَقَاسِمِ مَغْنَمًا وَيُؤَدَّى إلَى مَنْ صَارَ إلَيْهِ، وَإِنْ عَجَزَ رُقَّ لَهُ، وَإِنْ أَدَّى عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ.

(لَا أُمِّ وَلَدٍ) ابْنُ عَلَاقٍ: إنْ ثَبَتَ فِي أَمَةٍ مِنْ الْمَغْنَمِ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ وَلَمْ يُعْرَفْ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهَا لَا تُقْسَمُ وَلَا يُبَاعُ لَهَا خِدْمَةٌ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ.
قَالَ سَحْنُونَ: إذَا عُرِفَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ فَلَا تَدْخُلُ فِي الْمَقَاسِمِ.
ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ عُلِمَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ لَمْ تُقْسَمْ.

(وَلَهُ بَعْدَهُ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَأَخْذُ مُعَيَّنٍ مَا عَرَفَ لَهُ قَبْلَهُ مَجَّانًا " أَنَّهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يَأْخُذُهُ بِثَمَنِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ ثَبَتَ أَنَّ فِي الْغَنِيمَةِ مَالَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ قَبْلَ الْقَسْمِ رُدَّ مَجَّانًا، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَسْمِ فَلِمَالِكِهِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِثَمَنِهِ إنْ عُلِمَ وَإِلَّا فَبِقِيمَتِهِ، فَإِنْ بِيعَ مِرَارًا فَقَوْلَانِ نَصُّهَا قُسِمَ، ثُمَّ إنْ جَاءَ رَبُّهُ كَانَ أَحَقَّ بِهِ بِالثَّمَنِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى فِدَائِهِ.
اُنْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَحَلَفَ " (وَبِالْأَوَّلِ إنْ تَعَدَّدَ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ تَعَدَّدَ بِيعَ مَارٌّ بِهِ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ فَطُرُقٌ.
ابْنُ مُحْرِزٍ وَالشَّيْخُ: فِي أَخْذِهِ بِأَيِّ ثَمَنٍ شَاءَ أَوْ بِالْأَوَّلِ قَوْلَانِ.
ابْنُ يُونُسَ: رَجَعَ سَحْنُونَ وَقَالَ: لَا يَأْخُذُهُ إلَّا بِمَا وَقَعَ فِي الْمَقَاسِمِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَالشُّفْعَةِ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ فِي الشُّفْعَةِ لَمْ يَمْنَعْ أَخْذَهُ بِالثَّانِي وَلَوْ سَلَّمَ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ فِيمَا غَنِمَ مَنَعَهُ وَهَذَا رَابِعُ الْأَقْوَالِ.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْعَبْدِ يَسْبِيهِ الْعَدُوُّ ثُمَّ يَقَعُ فِي سَهْمَانِ رَجُلٍ يَبِيعُهُ ثُمَّ يَتَدَاوَلُهُ رِجَالٌ ثُمَّ يَأْتِي سَيِّدُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الْعَبْدَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ ثُمَّ يَقُومُ بِهِ فَيَبِيعُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ إلَّا مَا بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْبَيْعَ فَوْتٌ لِشُبْهَةِ مِلْكِ الْعَدُوِّ إيَّاهُ إذْ قَدْ قِيلَ: لَا سَبِيلَ لِصَاحِبِهِ إلَيْهِ فَلَهُ مَا اسْتَفْضَلَ فِيهِ الْمُبْتَاعُ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا نَزَلَ حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ وَمَعَهُ عَبِيدٌ لِأَهْلِ

الْإِسْلَامِ فَبَاعَهُمْ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّهِمْ أَخْذُهُمْ بِالثَّمَنِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِمْ مِنْ بَائِعِهِمْ فِي عَهْدِهِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْحَرْبِيِّ إيَّاهُمْ فِي بَلَدِهِ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ وَهَبَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِمُسْلِمٍ ثُمَّ قَدِمَ بِهِمْ لَأَخَذَهُمْ رَبُّهُمْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لَوْ وَهَبَهُمْ لَهُ مُعَاهَدٌ.

(وَأُجْبِرَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى الثَّمَنِ وَاتُّبِعَ بِهِ إنْ أَعْدَمَ) اللَّخْمِيِّ: إنْ وُجِدَتْ فِي الْمَغَانِمِ أُمُّ وَلَدٍ مُسْلِمٍ لَمْ تُقْسَمْ وَإِنْ قُسِمَتْ بَعْدُ لِمَعْرِفَةٍ أَخَذَهَا سَيِّدُهَا بِغَيْرِ ثَمَنٍ.
ابْنُ عَلَاقٍ: إنْ قُسِمَتْ جَهْلًا بِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ ثُمَّ بَعْدَ الْقِسْمَةِ ثَبَتَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى رَبِّهَا قِيلَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَهَذَا يُحْكَى عَنْ سُفْيَانَ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ إلَّا بِعِوَضٍ، وَهَلْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؟ قَالَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّمَا يَفْدِيهَا سَيِّدُهَا وَهَلْ بِمِثْلِ الثَّمَنِ وَيُتْبَعُ بِهِ دَيْنًا إنْ كَانَ عَدِيمًا؟ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ ثَالِثُ الْأَقْوَالِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ اشْتَرَى أُمَّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَرْبِيٍّ بِبَلَدِ الْحَرْبِ فَعَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يُعْطِيَهُ جَمِيعَ مَا أَدَّى، شَاءَ السَّيِّدُ أَوْ أَبَى، وَإِنْ جَاوَزَ قِيمَتَهَا وَلَا خِيَارَ لَهُ بِخِلَافِ الْعَبِيدِ وَالْعُرُوضِ، وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا اُتُّبِعَ بِذَلِكَ وَأَخَذَهَا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي أُمِّ الْوَلَدِ تَقَعُ فِي الْمَقَاسِمِ (إلَّا أَنْ تَمُوتَ هِيَ أَوْ سَيِّدُهَا) سَحْنُونَ: لَوْ مَاتَ سَيِّدُهَا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ بِشَيْءٍ وَلَا فِي تَرِكَةِ سَيِّدِهَا، وَلَوْ مَاتَتْ بِيَدِ مَنْ صَارَتْ بِيَدِهِ لَمْ يُتْبَعْ سَيِّدُهَا بِشَيْءِ.

(وَلَهُ فِدَاءُ مُعْتَقٍ إلَى أَجَلٍ وَمُدَبَّرٌ بِحَالِهِمَا وَتَرْكُهُمَا مُسْلِمًا لِخِدْمَتِهِمَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ جَهِلُوا أَنَّهُ مُدَبَّرٌ حَتَّى اقْتَسَمُوا ثُمَّ جَاءَ سَيِّدُهُ فَلَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالثَّمَنِ وَيَرْجِعَ مُدَبَّرًا ثُمَّ لَا يُتْبِعُهُ سَيِّدُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هُوَ وَلَا وَرَثَتُهُ إنْ أُعْتِقَ فِي ثُلُثِهِ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْدِيَهُ خَدَمَ مَنْ صَارَ إلَيْهِ فِي الثَّمَنِ الَّذِي حُسِبَ بِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَوْفَى وَسَيِّدُهُ الْأَوَّلُ حَيٌّ رَجَعَ إلَيْهِ مُدَبَّرًا، وَإِنْ هَلَكَ السَّيِّدُ وَقَدْ تَرَكَهُ بِيَدِ مَنْ صَارَ فِي سَهْمِهِ يَخْتَدِمُهُ فِي ثَمَنِهِ فَمَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ وَفَاءِ ذَلِكَ خَرَجَ حُرًّا مِنْ ثُلُثِهِ وَاتُّبِعَ بِبَاقِي الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يَسَعْهُ الثُّلُثُ عَتَقَ مَا وَسِعَ الثُّلُثَ وَاتُّبِعَ مَا عَتَقَ مِنْهُ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ مِنْ بَقِيَّةِ الثَّمَنِ كَالْجِنَايَةِ فِي هَذَا.
وَلَا بُدَّ أَنْ تُضَمَّ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ عَبْدًا إلَى مَالِ سَيِّدِهِ لِيَعْلَمَ مَا يَحْمِلُ الثُّلُثُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ السَّيِّدُ شَيْئًا غَيْرَهُ عَتَقَ ثُلُثُ الْمُدَبَّرِ وَرَقَّ مَا بَقِيَ لِمُشْتَرِيهِ لِأَنَّ سَيِّدَهُ أَسْلَمَهُ وَلَا قَوْلَ لِوَرَثَتِهِ فِيهِ، وَأَمَّا فِي الْجِنَايَةِ فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ بِمَا رَقَّ مِنْهُ أَوْ يَفْدُوهُ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْجِنَايَةِ أَوْ يُسَلِّمُونَهُ رِقًّا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُشْتَرِيهِ مِنْ الْمَغَانِمِ إنَّمَا اشْتَرَى رَقَبَتَهُ فَلَمَّا أَسْلَمَهُ سَيِّدُهُ فَقَدْ أَسْلَمَ لَهُ مَا اشْتَرَاهُ بِمَا يُرَقَّ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَفِي الْجِنَايَةِ إنَّمَا أَسْلَمَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ خِدْمَتَهُ، وَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ عَتَقَ مِنْهُ مَحْمَلَهُ وَصَارَ كَمُعْتَقِ بَعْضِهِ حَيًّا فَيُخَيَّرُ الْوَرَثَةُ فِيمَا رَقَّ مِنْهُ كَمَا ذَكَرْنَا.
ابْنُ يُونُسَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهُ اخْتِلَافُ قَوْلٍ اُنْظُرْهُ فِيهِ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ إذَا سُبِيَ ثُمَّ غَنِمْنَاهُ كَالْمُدَبَّرِ إذَا عَرَفَ رَبَّهُ أُوقِفَ لَهُ وَإِلَّا وَقَعَتْ خِدْمَتُهُ فِي الْمَقَاسِمِ، ثُمَّ إنْ جَاءَ سَيِّدُهُ خُيِّرَ فِي فِدَاءِ خِدْمَتِهِ وَإِسْلَامِهَا لِمُشْتَرِيهَا كَالْمُدَبَّرِ، وَلَوْ جَهِلَ أَنَّهُ مُعْتَقٌ إلَى أَجَلٍ فَبِيعَ فِي الْمَغَانِمِ فَإِنْ فَدَاهُ سَيِّدُهُ بِالثَّمَنِ عَادَ إلَى سَيِّدِهِ، وَإِنْ تَمَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَفِ عَتَقَ وَلَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ (وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ فَحُرٌّ إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ وَاتُّبِعَ بِمَا بَقِيَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ هَلَكَ السَّيِّدُ خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ وَاتُّبِعَ بِبَاقِي الثَّمَنِ كَمُسْلِمٍ.

(أَوْ ذِمِّيٍّ قُسِمَا وَلَمْ يُعْذَرَا فِي سُكُوتِهِمَا بِأَمْرٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ يُبَاعَانِ فِي الْغَنِيمَةِ خَطَأً لِصَمْتِهِمَا فِيهِمَا طُرُقٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ إذَا عُذِرَا لِلْجَهْلِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَإِذَا لَمْ يُعْذَرَا بِجَهْلٍ وَسَكَتَا وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ لَا يَلْزَمُهُمَا فَأَوْجَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِمَا فِي رِوَايَةِ عِيسَى غُرْمَ أَثْمَانِهِمَا لِلْمُشْتَرِي إنْ فَاتَ الْقَسْمُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى مَنْ يَرْجِعُ، وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا فِي رِوَايَةِ يَحْيَى، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ سَحْنُونُ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الْمَوَّازِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَنَحْوَ رِوَايَةِ عِيسَى هُوَ رِوَايَتُهُ أَيْضًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ يُقِرَّانِ بِالْمَمْلَكَةِ فَيُبَاعَانِ فَتُوطَأُ الْمَرْأَةُ فَتَلِدُ وَقَدْ مَاتَ بَائِعُهُمَا أَوْ فَلِسَ أَنَّ أَثْمَانَهُمَا تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي دَيْنًا عَلَيْهِمَا.
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ جَارٍ عَلَى مُجَرَّدِ الْغُرُورِ بِالْقَوْلِ: هَلْ يَلْزَمُ بِهِ غُرْمٌ أَمْ لَا.
وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْتَزَمَ الْمُوَثَّقُونَ أَنْ يَكْتُبُوا فِي عَقْدِ الرَّقِيقِ إذَا كَانَ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ قَدْ بَلَغَا إقْرَارُهُمَا بِالرِّقِّ لِبَائِعِهِمَا لِيَكُونَ لِلْمُشْتَرِي اتِّبَاعُهُمَا بِأَثْمَانِهِمَا إنْ اسْتَحَقَّا بِحُرِّيَّةٍ وَثَبَتَ الْعِلْمُ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ وَالْبَائِعُ مَيِّتٌ أَوْ عَدِيمٌ وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ السُّكُوتَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَالْإِقْرَارِ يَجِبُ بِهِ الرُّجُوعُ لِلْمُشْتَرِي، وَعَلَى رِوَايَةِ يَحْيَى وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا فَائِدَةَ فِي كِتَابِهِ إذْ لَا يُوجِبُ شَيْئًا.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَيْسَ شَرْطُ الْفَائِدَةِ كَوْنَهَا فِي مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ حُصُولُهَا بِقَوْلٍ مَشْهُورٍ وَانْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ (وَإِنْ حَمَلَ بَعْضُهُ رُقَّ بَاقِيهِ وَلَا خِيَارَ لِلْوَارِثِ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ لَمْ يَتْرُكْ السَّيِّدُ شَيْئًا غَيْرَهُ عَتَقَ ثُلُثُ الْمُدَبَّرِ وَمَا بَقِيَ لِمُشْتَرِيهِ وَلَا قَوْلَ لِوَرَثَتِهِ، وَأَمَّا فِي الْجِنَايَةِ فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ.
اُنْظُرْهُ قَبْلَ هَذَا.

(وَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ ثَمَنَهُ فَعَلَى حَالِهِ وَإِلَّا فَقِنٌّ أَسْلَمَ أَوْ فُدِيَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ غَنِمَ الْمُكَاتَبُ وَلَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ بِعَيْنِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ مُكَاتَبٌ أَقَرَّ عَلَى كِتَابَتِهِ وَبِيعَتْ كِتَابَتُهُ فِي الْمَقَاسِمِ وَيُؤَدِّي إلَى مَا صَارَ إلَيْهِ وَإِنْ عَجَزَ رُقَّ لَهُ وَإِنْ أَدَّى عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَإِنْ جَاءَ سَيِّدُهُ بَعْدَ أَنْ بِيعَتْ كِتَابَتُهُ فَفَدَاهَا عَادَ إلَيْهِ مُكَاتَبًا وَإِنْ أَسْلَمَهَا وَعَجَزَ رُقَّ لِمُبْتَاعِهِ.

(وَعَلَى الْآخِذِ إنْ عَلِمَ بِمِلْكٍ مُعَيَّنٍ تَرْكُ تَصَرُّفٍ لِيُخَيِّرَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قُلْت: إنْ صَارَتْ جَارِيَةٌ فِي سَهْمِ رَجُلٍ فَعَلِمَ أَنَّهَا لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَيَطَؤُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَسَمِعْته قَالَ: مَنْ أَصَابَ

جَارِيَةً أَوْ غُلَامًا فِي مَغْنَمٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَوْ عَلِمَ رَبُّهُ رَدَّهُ لَهُ يُرِيدُ يُخَيِّرُهُ فِيهِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا.
ابْنُ بَشِيرٍ: اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ هَلْ يَلْزَمُ مِثْلُ هَذَا فِيمَنْ اشْتَرَى شِقْصًا فِيهِ شَفِيعٌ فَلَا يُحْدِثُ فِيهِ حَدَثًا إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِرَأْيِ الشَّفِيعِ قِيَاسًا عَلَى هَذَا (وَإِنْ تَصَرَّفَ مَضَى كَالْمُشْتَرِي مِنْ حَرْبِيٍّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ أَمَةٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ابْتَاعَهَا مِنْ حَرْبِيٍّ فَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَعْرِضَهَا عَلَيْهِ فَيَأْخُذَهَا بِالثَّمَنِ أَوْ يَدَعَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ عَرْضًا فَلْيَعْرِضْهُ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا وَجَدَهُ السَّيِّدُ قَدْ فَاتَ بِعِتْقٍ أَوْ وِلَادَةٍ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ وَلَا إلَى رِقِّهِ.
أَخَذَهُمْ مِمَّنْ كَانُوا بِيَدِهِ مِنْ مَغْنَمٍ أَوْ اشْتَرَاهُمْ مِنْ حَرْبِيٍّ أَغَارَ عَلَيْهِمْ أَوْ أَبَقُوا إلَيْهِ.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ وَإِنْ فَاتُوا بِبَيْعٍ مَضَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْصُهُ وَلَكِنْ لَهُ أَخْذُ الثَّمَنِ الَّذِي بِيعَ بِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ مَا وَقَعَ بِهِ فِي الْمَقَاسِمِ وَيَتَقَاضَاهُ (بِاسْتِيلَادٍ إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى رَدِّهِ لِرَبِّهِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ وَفِي الْمُؤَجَّلِ تَرَدُّدٌ) اُنْظُرْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُعَجَّلَ وَأَقْحَمَ " إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ " بَيْنَ " بِاسْتِيلَادٍ " وَبَيْنَ " وَفِي الْمُؤَجَّلِ " فَلَا شَكَّ أَنَّ هُنَا تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَنَقْصًا.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إذَا تَصَرَّفَ فِي الرَّقِيقِ بِالْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ وَالِاسْتِيلَادِ مَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ أَعْتَقَ إلَى أَجَلٍ فَأَجْرَاهُ اللَّخْمِيِّ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَا وَجَدَهُ السَّيِّدُ قَدْ فَاتَ بِعِتْقٍ أَوْ وِلَادَةٍ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ.
قَالَ اللَّخْمِيِّ: وَيَخْتَلِفُ عَلَى هَذَا إذَا أَعْتَقَ إلَى أَجَلٍ؛ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَمْضِي ذَلِكَ كُلُّهُ.
ابْنُ بَشِيرٍ: يُفِيدُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ إنْجَازِ الْعِتْقِ فَيَقْوَى هَاهُنَا الرَّدُّ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَانْظُرْ لَوْ كَاتَبَهُ أَوْ دَبَّرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى اللَّخْمِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَدَمُ وُقُوفِهِمْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْكِتَابَةَ وَالتَّدْبِيرَ كَالْعِتْقِ انْتَهَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى رَدِّهِ لِرَبِّهِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ " فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَلْقَى الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلَيَّ وَعَلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْكَاتِبِ إذَا اشْتَرَى إنْسَانٌ عَبْدًا مِنْ الْمَقَاسِمِ فَقَالَ: أَنَا أُعْطِيهِ لِصَاحِبِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
هَلْ يَمْضِي عِتْقُهُ؟ فَقُلْت: يَمْضِي عِتْقُهُ لِأَنَّ السَّيِّدَ كَانَ لَهُ بِالْخِيَارِ وَضَمَانُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَكَانَ عِتْقُهُ جَائِزًا فِيهِ.
وَخَالَفَنِي أَبُو الْقَاسِمِ وَقَالَ: يُرَدُّ عِتْقُهُ لَأَنْ قَدْ رَضِيَ أَنْ يَدْفَعَهُ لِصَاحِبِهِ.
وَاسْتَحْسَنَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ جَوَابِي.
وَقَالَ: لَا يَضُرُّهُ فِي عِتْقِهِ مَا أَرَادَ مِنْ دَفْعِهِ لِسَيِّدِهِ لِمَا بَدَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِالْعِتْقِ فِيهِ.

(وَلِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَخْذُ مَا وَهَبُوهُ بِدَارِهِمْ مَجَّانًا وَبِعِوَضٍ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ دَخَلْت إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَابْتَعْت عَبْدَ الْمُسْلِمِ مِنْ حَرْبِيٍّ أَسَرَهُ أَوْ أَبَقَ إلَيْهِ أَوْ وَهَبَهُ لَك الْحَرْبِيُّ فَكَافَأْته عَلَيْهِ فَلِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْك مَا أَدَّيْت فِيهِ مِنْ ثَمَنٍ أَوْ عَرْضٍ وَإِنْ لَمْ تُثَبْ وَاهِبُك أَخَذَهُ رَبُّهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ (إنْ لَمْ يَبِعْ فَيَمْضِي وَلِمَالِكِهِ أَخْذُ الثَّمَنِ أَوْ الزَّائِدِ.) ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ بَاعَهُ الَّذِي وُهِبَ لَهُ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ مَضَى الْبَيْعُ وَيَرْجِعُ صَاحِبُهُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمَوْهُوبِ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ، وَأَمَّا إنْ ابْتَاعَهُ ثُمَّ بَاعَهُ فَلِرَبِّهِ أَخْذُ الثَّمَنِ الَّذِي بِيعَ بِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ إلَى مُشْتَرِيهِ مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ مَا أَدَّى فِيهِ.
قَالَ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ: وَيُقَاصُّهُ بِهِ فِي ذَلِكَ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِفَضْلٍ إنْ بَقِيَ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.

(وَالْأَحْسَنُ فِي الْمَفْدِيِّ مِنْ لِصٍّ أَخْذُهُ بِالْفِدَاءِ) . ابْنُ بَشِيرٍ: فِي رُجُوعِ مَنْ فَدَى مِنْ يَدِ لِصٍّ لِفِدَائِهِ عَلَى رَبِّهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ: كَثِيرُ عُرُوضِ هَذِهِ النَّازِلَةِ بِإِقْلِيمِنَا وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فِدَاءَهُ بِحَيْثُ يُرْجَى لِرَبِّهِ خَلَاصُهُ مِنْ اللِّصِّ بِأَمْرٍ

مَا حِرْمَانُ فَادِيهِ.
وَمَا ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ إلَّا أَخْذَهُ بِالْفِدَاءِ وَسَيَأْتِي نَصٌّ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَرَجَعَ بِمِثْلِ الْمِثْلِيِّ ".

(وَإِنْ أُسْلِمَ لِمُعَاوِضٍ مُدَبَّرٌ وَنَحْوُهُ اُسْتُوْفِيَتْ خِدْمَتُهُ ثُمَّ هَلْ يُتَّبَعُ إنْ عَتَقَ بِالثَّمَنِ أَوْ بِمَا بَقِيَ قَوْلَانِ) قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: فِي الْمُدَبَّرِ يَشْتَرِي مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ إنْ أَبَى سَيِّدُهُ أَنْ يَفْدِيَهُ خُدِمَ مَنْ صَارَ إلَيْهِ فِي الثَّمَنِ الَّذِي دُفِعَ فِيهِ، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ بِهِ وَحَمَلَهُ الثَّالِثُ فَإِنَّهُ يُعْتِقُ وَيُتْبِعُهُ مُشْتَرِيهِ بِمَا بَقِيَ لَهُ بَعْدَ أَنْ يُحَاسِبَهُ بِمَا اخْتَدَمَهُ بِهِ وَمَا اسْتَغَلَّ مِنْهُ، لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ هَذَا يُتَّبَعُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: صَوَابٌ وَذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يُحَاسِبُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا اخْتَدَمَهُ وَيُتْبِعُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ سَحْنُونَ.
ابْنُ يُونُسَ: الْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ.
قَالَ سَحْنُونَ: إذَا سَبَى فَفَدَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْعَدُوِّ بِمَالٍ فَإِنْ شَاءَ سَيِّدُهُ فَدَاهُ بِذَلِكَ وَلَا يُحَاسِبُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَإِنْ أَسْلَمَهُ صَارَتْ جَمِيعُ خِدْمَتِهِ لِلَّذِي فَدَاهُ إلَى الْأَجَلِ، فَإِذَا أُعْتِقَ اتَّبَعَهُ بِجَمِيعِ مَا فَدَاهُ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُحَاسِبُهُ بِالْخِدْمَةِ فَإِنْ بَقِيَ لَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ بِبُلُوغِ الْأَجَلِ شَيْءٌ اتَّبَعَهُ بِهِ.

(وَعَبْدُ الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ حُرٌّ إنْ فَرَّ أَوْ بَقِيَ حَتَّى غَنِمَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَسْلَمَ مِنْ عَبِيدِ الْحَرْبِيِّينَ لَمْ يَزُلْ مِلْكُ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ الْعَبْدُ إلَيْنَا أَوْ نَدْخُلَ نَحْنُ بِلَادَهُمْ فَلْنَغْنَمْهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَسَيِّدُهُ مُشْرِكٌ فَيَكُونُ حُرًّا وَلَا يُرَدُّ لِسَيِّدِهِ إنْ أَسْلَمَ سَيِّدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.

(لَا إنْ خَرَجَ بَعْدَ إسْلَامِ سَيِّدِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ خَرَجَ الْعَبْدُ إلَيْنَا مُسْلِمًا وَتَرَكَ سَيِّدَهُ مُسْلِمًا فَهُوَ لَهُ رُقَّ إنْ أَتَى.

(وَهَدَمَ السَّبْيُ النِّكَاحَ إلَّا أَنْ تُسْبَى وَتُسْلِمَ بَعْدَهُ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالسَّبْيُ يَهْدِمُ النِّكَاحَ إلَّا إذَا سُبِيَتْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَهُوَ حَرْبِيٌّ أَوْ مُسْتَأْمَنٌ فَأَسْلَمَتْ فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهَا أَمَةٌ كَافِرَةٌ وَهِيَ وَوَلَدُهَا وَمَالُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيْءٌ، ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فَانْظُرْ أَنْتَ لَفْظَ خَلِيلٍ مَعَ هَذَا، وَانْظُرْ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَقُرِّرَ عَلَيْهَا إنْ أَسْلَمَ ". قَالَ ابْنُ عَلَاقٍ: قَوْلُهُ: " السَّبْيُ يَهْدِمُ النِّكَاحَ " يَشْمَلُ ثَلَاثَ صُوَرٍ: أَنْ تُسْبَى الزَّوْجَةُ وَحْدَهَا وَيَبْقَى الزَّوْجُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَأَنْ يُسْبَى الزَّوْجُ أَوَّلًا ثُمَّ تُسْبَى هِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنْ يُسْبَيَا مَعًا.
وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ السَّبْيَ يَهْدِمُ النِّكَاحَ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: رَابِعُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ السَّبْيَ يَهْدِمُ النِّكَاحَ سُبِيَا مَعًا أَوْ مُفْتَرِقَيْنِ، فَكَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِمَا إذَا سُبِيَ أَحَدُهُمَا قَبْلُ ثُمَّ أَتَى الْآخَرُ بِأَمَانٍ، وَأَمَّا إنْ أَتَى أَحَدُهُمَا أَوَّلًا بِأَمَانٍ ثُمَّ سُبِيَ الثَّانِي فَلَا يَنْهَدِمُ النِّكَاحُ وَيُخَيَّرُ هُوَ إنْ كَانَ الَّذِي سُبِيَ بَعْدَ أَنْ

قَدِمَتْ هِيَ بِأَمَانٍ، وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَأَقَامَ بِهَا أَوْ قَدِمَ إلَيْنَا مُسْلِمًا بِأَمَانٍ فَأَسْلَمَ ثُمَّ سَبَى الْمُسْلِمُونَ زَوْجَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ الْإِسْلَامَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهِيَ وَوَلَدُهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا وَجَمِيعُ مَا لِلزَّوْجِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَيْءٌ لِذَلِكَ الْجَيْشِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فَالنِّكَاحُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَذَا إنْ عَتَقَتْ.
(وَوَلَدُهُ وَمَالُهُ فَيْءٌ مُطْلَقًا) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَا يَمْنَعُهُ حَمْلٌ بِمُسْلِمٍ فِي الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَيْنَا فَغَزَا الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُ فَغَنِمُوا أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ ". قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابُوا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَالَهُ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ وَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْنَا خِلَافًا لِنَقْلِ التُّونِسِيِّ وَمُخْتَارِ اللَّخْمِيِّ.
وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ بِبَلَدِهِ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِمْ فَإِنَّ مَالَهُ وَوَلَدَهُ فَيْءٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ سَحْنُونَ وَأَشْهَبُ: إنَّ وَلَدَهُ أَحْرَارٌ تَبَعٌ لَهُ، وَمَالُهُ وَامْرَأَتُهُ فَيْءٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ هَاجَرَ وَحْدَهُ وَتَرَكَ ذَلِكَ بِأَرْضِهِ وَمُقْتَضَى مَا لِابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَخَرَجَ إلَيْنَا فَمَالُهُ وَوَلَدُهُ فَيْءٌ لَوْ بَقِيَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَفِي كَوْنِهِ كَمَا لَوْ خَرَجَ قَوْلَا الْمُتَأَخِّرِينَ.
قَالَ: وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: مَالُ الْمُسْلِمِ الْمُقِيمِ بِدَارِ الْحَرْبِ كَمَالِ مَنْ أَسْلَمَ وَأَقَامَ بِدَارِ الْحَرْبِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: يَتَرَجَّحُ أَنْ يُحْكَمَ فِي مَالِ الْمُدْجِنِينَ بِقَوْلِ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ.
وَلِأَنَّ مَالَ مَنْ أَسْلَمَ كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ إسْلَامِهِ بِخِلَافِ مَالِ الْمُدْجِنِينَ.
اُنْظُرْ قَبْلَ سَمَاعِ سَحْنُونٍ بِمَسْأَلَةٍ، فَقَوْلُهُ: " مُطْلَقًا " أَيْ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ خَرَجَ إلَيْنَا أَوْ أَقَامَ بِبَلَدِهِ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَهَذَا خِلَافُ نَقْلِ التُّونِسِيِّ وَمُخْتَارِ اللَّخْمِيِّ.

(لَا وَلَدٌ صَغِيرٌ لِكِتَابِيَّةٍ سُبِيَتْ أَوْ مُسْلِمَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا سَبَى الْعَدُوُّ حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا ثُمَّ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ فَوَلَدُهَا الصِّغَارُ بِمَنْزِلَتِهَا لَا يَكُونُونَ فَيْئًا، وَأَمَّا الْكِبَارُ إذَا بَلَغُوا وَقَاتَلُوا فَهُمْ فَيْءٌ (وَهَلْ كِبَارُ الْمُسْلِمَةِ فَيْءٌ أَوْ إنْ قَاتَلُوا تَأْوِيلَانِ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حُكِيَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا بَلَغَ وَلَدُهَا وَلَمْ يُقَاتِلْ لَمْ يَكُنْ فَيْئًا حَتَّى يُقَاتِلَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقَالَ ابْنُ شَبْلُونَ: إذَا بَلَغُوا فَهُمْ فَيْءٌ قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا (وَوَلَدُ الْأَمَةِ لِمَالِكِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ كَانَتْ الْمَسْبِيَّةُ أَمَةً كَانَ كَبِيرُ وَلَدِهَا وَصَغِيرُهُمْ لِسَيِّدِهَا.

[كِتَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَالْمُهَادَنَةِ]

[أَرْكَانُ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَأَحْكَامُهُ]

ابْنُ شَاسٍ: كِتَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَالْمُهَادَنَةِ.
فَأَمَّا عَقْدُ الذِّمَّةِ فَيُنْظَرُ فِي أَرْكَانِهِ وَأَحْكَامِهِ.
فَأَمَّا أَرْكَانُهُ فَخَمْسَةٌ: نَفْسُ الْعَقْدِ وَالْعَاقِدِ وَفِيمَنْ يَعْقِدُهُ لَهُ وَفِي الْبِقَاعِ وَفِي مِقْدَارِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ (عَقْدُ الْجِزْيَةِ إذْنُ الْإِمَامِ) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ أَرْكَانِ عَقْدِ الذِّمَّةِ الْعَاقِدُ وَهُوَ الْإِمَامُ فَلَوْ عَقَدَهُ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَمْ يَصِحَّ لَكِنْ يَمْنَعُ الِاغْتِيَالَ.
اُنْظُرْ تَعَقُّبَ ابْنِ عَرَفَةَ عَلَيْهِ (لِكَافِرٍ صَحَّ سِبَاؤُهُ مُكَلَّفٍ حُرٍّ قَادِرٍ) . ابْنُ شَاسٍ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِيمَنْ تُعْقَدُ لَهُ وَهُوَ كُلُّ كَافِرٍ ذَكَرٍ بَالِغٍ حُرٍّ قَادِرٍ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى دِينِهِ

لَيْسَ بِمَجْنُونٍ وَلَا بِمُتَرَهِّبٍ مُنْقَطِعٍ فِي دَيْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْجِزْيَةُ تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس وَمِنْ الْعَجَمِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَا مِنْ الْمُرْتَدِّينَ بِاتِّفَاقٍ.
أَمَّا الْمُرْتَدُّونَ فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى دِينٍ يُقَرُّونَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» وَأَمَّا قُرَيْشٌ فَقِيلَ لِمَكَانِهِمْ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَمَنْ دَانَ بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْعَرَبِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمَجُوسِ خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ حَبِيبٍ، وَكَذَلِكَ ذَهَبَ أَيْضًا مَالِكٌ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ.
أَبُو مُحَمَّدٍ عُمَرُ قَالَ مَالِكٌ: تُؤْخَذُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمَنْ ضَعُفَ عَنْهَا.
ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُقُوطُهَا وَقِيلَ: إلَّا قَدْرَ مَا يَحْمِلُ.
عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنْ ضَعُفَ عَنْهَا أَحَدٌ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْبَغُ وَمُحَمَّدٌ: يُخَفَّفُ عَمَّنْ لَا يَقْدِرُ.
وَبِذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمْ فَإِنْ احْتَاجُوا فَاطْرَحُوهَا عَنْهُمْ فَإِنْ احْتَاجُوا فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِمْ وَأَسْلِفُوهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
(مُخَالِطٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: تُؤْخَذُ مِنْ الْعُقَلَاءِ الْمُخَالِطِينَ لِلْكُفَّارِ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ الْمَجَانِينِ وَلَا مِنْ الرُّهْبَانِ (لَمْ يُعْتِقْهُ مُسْلِمٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا جِزْيَةَ عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ وَلَوْ جُعِلَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ كَانَ الْعِتْقُ أَضَرَّ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَعْتَقَهُ ذِمِّيٌّ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ الْجِزْيَةُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ عَبِيدِ النَّصَارَى إذَا تَجَرُوا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ الْعُشْرُ (بِسُكْنَى غَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَا يُقَرُّ كَافِرٌ وَلَوْ بِجِزْيَةٍ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لِإِجْلَاءِ

عُمَرَ مِنْهَا كُلَّ كَافِرٍ.
اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي مُسَمًّى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ قَالَ مَالِكٌ: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَنُ وَأَرْضُ الْعَرَبِ.
قَالَ عِيسَى: وَيُخْرَجُ الْعَبِيدُ كَمَا يُخْرَجُ الْأَحْرَارُ.
وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ: لَا يُخْرَجُ الْعَبِيدُ (وَلَهُمْ الِاجْتِيَازُ) الْبَاجِيُّ: لَا يُمْنَعُونَ مِنْهَا مُسَافِرِينَ لِدُخُولِهِمْ إيَّاهَا بِجَلْبِهِمْ الطَّعَامَ مِنْ الشَّامِ إلَى الْمَدِينَةِ وَضَرَبَ لَهُمْ عُمَرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَسْتَوْفُونَ وَيُسِرُّونَ فِي حَوَائِجِهِمْ (بِمَالٍ لِلْعَنَوِيِّ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ أَوْ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فِي سَنَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ هِيَ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى الْمَغْلُوبِينَ عَلَى بِلَادِهِمْ الْمُقَرِّينَ فِيهَا لِعِمَارَتِهَا فَإِنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مَا فَرَضَهَا عُمَرُ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ وَإِنْ كَثُرَ يُسْرُهُمْ فَلَا يُزَادُونَ.

[حَدُّ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ]

(وَالظَّاهِرُ آخِرُهَا) ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ فَقِيلَ: إنَّهَا تَجِبُ بِأَوَّلِ الْحَوْلِ حِينَ تُعْقَدُ لَهُمْ الذِّمَّةُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ أَوَّلِ كُلِّ حَوْلٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقِيلَ: إنَّهَا لَا

تَجِبُ إلَّا بِآخِرِ الْحَوْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَيْسَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ نَصٌّ، وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّهَا تَجِبُ بِآخِرِ الْحَوْلِ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ سَنَةً بِسَنَةٍ جَزَاءً عَلَى تَأْمِينِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ إذَا وَقَعَتْ مُبْهَمَةً مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ كَمَا ذَكَرْنَا (وَنُقِّصَ الْفَقِيرُ بِوُسْعِهِ) هَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ يُونُسَ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهَا تَسْقُطُ عَنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " قَادِرٍ " (وَلَا تُزَادُ) تَقَدَّمَ نَصُّ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَإِنْ كَثُرَ يُسْرُهُمْ فَلَا يُزَادُونَ (وَلِلصُّلْحِيِّ مَا شَرَطَ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا حَدَّ لِلْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ إذْ لَا يُجْبَرُونَ عَلَيْهَا وَلِأَنَّهُمْ مَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ حَتَّى صَالَحُوا عَلَيْهَا فَإِنَّمَا هِيَ عَلَى مَا يُرَاضِيهِمْ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ عَلَى أَنْ يُقَرُّوا فِي بِلَادِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ إذَا كَانُوا بِحَيْثُ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ وَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا يَلْزَمُ أَهْلَ الْحَرْبِ الرِّضَا بِهِ لِأَنَّهُمْ مَالِكُونَ لِأَمْرِهِمْ وَأَنَّ لِأَقَلِّهَا حَدًّا إذَا بَذَلُوهُ لَزِمَ الْإِمَامَ قَبُولُهُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ قِتَالُهُمْ.
وَاَلَّذِي يَأْتِي عَلَى الْمَذْهَبِ عِنْدِي أَنَّ أَقَلَّهَا مَا فَرَضَ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الْعَنْوَةِ فَإِذَا بَذَلَ ذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوهُ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ لَزِمَ الْإِمَامَ قَبُولُهُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ قِتَالُهُمْ وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ فِي الصُّلْحِ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ (وَإِنْ أُطْلِقَ فَكَالْأَوَّلِ) ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ صَالَحُوا عَلَى الْجِزْيَةِ مُبْهَمَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَلَا تَحْدِيدٍ وَجَبَتْ لَهُمْ الذِّمَّةُ وَحُمِلُوا فِي الْجِزْيَةِ مَحْمَلَ أَهْلِ الْعَنْوَةِ فِي جَمِيعِ وُجُوهِهَا (وَالظَّاهِرُ إنْ بَذَلَ الْأَوَّلَ حَرُمَ قِتَالُهُ مَعَ الْإِهَانَةِ عِنْدَ أَخْذِهَا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: عِنْدِي إذَا بَذَلَ مَا فَرَضَ عُمَرُ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ حَرُمَ قِتَالُهُمْ.

(وَسَقَطَتَا بِالْإِسْلَامِ) ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ أَنَّهَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِإِسْلَامِهِ.
وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ: وَإِذَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الذِّمِّيِّ الْجِزْيَةُ سَنَةً حَتَّى أَسْلَمَ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي أَهْلِ حِصْنٍ هُودِنُوا ثَلَاثَ سِنِينَ عَلَى أَنْ يُعْطُوا الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا مَعْلُومًا فَأَعْطَوْهُمْ سَنَةً وَاحِدَةً ثُمَّ أَسْلَمُوا: إنَّهُ يُوضَعُ عَنْهُمْ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْمَالُ الَّذِي هُودِنُوا عَلَيْهِ مِثْلُ

الْجِزْيَةِ (كَأَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِضَافَةِ الْمُجْتَازِ ثَلَاثًا لِلظُّلْمِ فَقَطْ) مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ: أَرَى إسْقَاطَ مَا فَرَضَهُ عُمَرُ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَضِيَافَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَفِّ لَهُمْ.
الْبَاجِيُّ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَازِمَةٌ مَعَ الْوَفَاءِ.
سَحْنُونَ: لَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ شَيْءٌ إلَّا عَنْ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ إلَّا الضِّيَافَةُ الَّتِي وَضَعَهَا عُمَرُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ إلْزَامُهُمْ الضِّيَافَةَ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَكَانَ عُمَرُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ أَرْزَاقَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْحِنْطَةِ مُدَّانِ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ فِي الشَّهْرِ مَعَ ثَلَاثَةِ أَقْسَاطٍ مِنْ الزَّيْتِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ.
وَأَمَّا أَهْلُ مِصْرَ فَإِرْدَبٌّ مِنْ حِنْطَةٍ كُلَّ شَهْرٍ وَلَا أَدْرِي كَمْ مِنْ الْوَدَكِ وَالْعَسَلِ وَكِسْوَةٍ كَانَ عُمَرُ يَكْسُوهَا لِلنَّاسِ وَعَلَى أَنْ يُضَيِّفُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَعَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا كُلَّ شَهْرٍ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ وَكِسْوَةٌ مَعْرُوفَةٌ لَا أَعْرِفُ قَدْرَهَا كَانَ يَكْسُوهَا عُمَرُ لِلنَّاسِ.
انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا تَعَدَّى عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ وَأَخَذَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا فَرَضَ عُمَرُ سَقَطَتْ عَنْهُمْ الضِّيَافَةُ وَلَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْتَضِيفَهُمْ وَلَا يَأْكُلَ لَهُمْ شَيْئًا.
وَانْظُرْ لَمْ يَذْكُر مَا يَلْزَمُهُمْ إذَا تَجَرُوا مِنْ أُفْقٍ إلَى أُفْقٍ لَا شَكَّ أَنَّهُ سَهَا عَنْهُ.

(وَالْعَنَوِيُّ حُرٌّ) مِنْ سَمَاعِ عِيسَى سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ أُخِذُوا عَنْوَةً، مِثْلُ أَهْلِ مِصْرَ، هَلْ يَحِلُّ أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إلَى شُعُورِهِنَّ؟ قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ هُنَّ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَاءِ؟ قَالَ: لَا بَلْ هُنَّ أَحْرَارٌ لِأَنَّ دِيَةَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُنَّ خَمْسُمِائَةٍ وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُنَّ كَانَ حُرًّا فَهُنَّ أَحْرَارٌ يَحْرُمُ مِنْهُنَّ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْأَحْرَارِ.
ابْنُ رُشْدٍ: حَكَمَ لِأَهْلِ الْعَنْوَةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِحُكْمِ الْأَحْرَارِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ جَعَلَ إقْرَارَهُمْ فِي الْأَرْضِ لِعِمَارَتِهَا مِنْ نَاحِيَةِ الْمَنِّ الَّذِي قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا﴾ [محمد: 4] وَالْمَنُّ الْعَتَاقَةُ.
فَعَلَى هَذَا تَكُونُ لَهُمْ أَمْوَالُهُمْ إذَا أَسْلَمُوا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْعَنْوَةِ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
قِيلَ: كَيْفَ يُعْرَفُ إنْ كَانَ تَرَكَ وَارِثًا أَوْ لَا وَفَرَائِضُهُمْ مُخَالِفَةٌ

لِفَرَائِضِنَا؟ فَقَالَ: يُرَدُّ ذَلِكَ إلَى أَسَاقِفَتِهِمْ فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ يَرِثُهُ فِي دِينِنَا أَخِذَ مِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ قَالُوا تَرِثُهُ عَمَّتُهُ أَوْ خَالَتُهُ أَوْ ذَاتُ رَحِمٍ مِنْهُ فَذَلِكَ إلَيْهِمْ بِدَيْنُونَةٍ.
الْبَاجِيُّ: هَذَا طَرِيقُهُ الْخَبَرُ كَإِخْبَارِهِمْ فِيمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ الْأَدْوَاءِ كَتَرْجَمَتِهِمْ عَلَى الْأَلْسِنَةِ الَّتِي لَا نَعْرِفُهَا.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا يَأْتِي عَلَى رِوَايَةِ عِيسَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ وَلَا يُنْظَرُ إلَى شُعُورِ نِسَائِهِمْ.
وَيَلْزَمُ عَلَى قِيَاسِ هَذَا أَنْ لَا يُمْنَعُوا مِنْ هِبَةِ أَمْوَالِهِمْ وَالصَّدَقَةِ بِهَا وَأَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَنْ لَا يُمْنَعُوا مِنْ الْوَصَايَا بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَارِثٌ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ وَكَانَ مِيرَاثُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَسَمِعَ سَحْنُونَ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَسْلَمَ أَهْلُ الْعَنْوَةِ أَخَذَ مِنْهُمْ دَرَاهِمَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ وَكُلَّ مَالِهِمْ لِأَنَّهُمْ مَأْذُونٌ لَهُمْ فِي التَّجْرِ وَمَا أُحِبُّ تَزْوِيجَ بَنَاتِهِمْ وَإِنِّي لَأَتَّقِيهِ وَمَا أَرَاهُ حَرَامًا.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا عَلَى أَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الْعَبِيدِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا أَسْلَمُوا كَانَ لَهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَمْ تُنْتَزَعْ مِنْهُمْ وَهُوَ الْآتِي عَلَى سَمَاعِ عِيسَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ.
وَتَفْرِقَةُ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَبَيْنَ مَا اسْتَفَادُوهُ بَعْدَ الْفَتْحِ لَيْسَ جَارِيَةً عَلَى قِيَاسٍ.
اُنْظُرْ الْأَسْمِعَةَ الثَّلَاثَةَ فَفِيهَا طُولٌ (وَإِنْ مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ فَالْأَرْضُ فَقَطْ لِلْمُسْلِمِينَ) مَالِكٌ: مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْعَنْوَةِ لَمْ تَكُنْ أَرْضُهُ لَهُ وَلَا مَالُهُ وَلَا دَارُهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ.
ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ مَالَهُ الَّذِي اكْتَسَبَهُ قَبْلَ الْفَتْحِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الْفَتْحِ فَأَسْلَمَ فَإِنَّهُ لَهُ قَالَهُ مَالِكٌ.
انْتَهَى مَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ فَانْظُرْهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ.

(وَفِي الصُّلْحِ إنْ أُجْمِلَتْ فَلَهُمْ أَرْضُهُمْ وَالْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ وَوَرِثُوهَا) ابْنُ رُشْدٍ: الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فَإِنْ كَانَتْ مُجْمَلَةً عَلَيْهِمْ فَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّ أَرْضَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَالِهِمْ يَبِيعُونَهَا وَيَرِثُونَهَا وَيَقْتَسِمُونَهَا وَتَكُونُ لَهُمْ إنْ أَسْلَمُوا عَلَيْهَا، وَإِنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ وَلَا وَارِثَ لَهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ فَأَرْضُهُ وَمَالُهُ لِأَهْلِ مُؤَدَّاهُ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْوَصَايَا وَإِنْ أَحَاطَتْ بِأَمْوَالِهِمْ إذْ لَا يُنْقِصُونَ شَيْئًا مِنْ الْجِزْيَةِ لِمَوْتِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ.
وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ الْجِزْيَةَ إذَا كَانَتْ عَلَى

الْجَمَاجِمِ وَمَنْ مَاتَ سَقَطَتْ عَنْهُ، فَهَذَا إنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ يَكُونُ مَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَالِ الْمُرْتَدِّ (وَإِنْ فُرِّقَتْ عَلَى الرِّقَابِ فَهِيَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَمُوتَ بِلَا وَارِثٍ فَلِلْمُسْلِمِينَ وَوَصِيَّتُهُمْ فِي الثُّلُثِ) ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ كَانَتْ مُفَرَّقَةً عَلَى رِقَابِهِمْ دُونَ الْأَرْضِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُمْ أَرْضَهُمْ وَمَالَهُمْ يَبِيعُونَ وَيَرِثُونَ وَتَكُونُ لَهُمْ إنْ أَسْلَمُوا عَلَيْهَا.
وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَا وَارِثَ لَهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ فَأَرْضُهُ وَمَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ إلَّا فِي ثُلُثِ مَالِهِ (وَإِنْ فُرِّقَتْ عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِمَا فَلَهُمْ بَيْعُهَا وَخَرَاجُهَا عَلَى الْبَائِعِ) ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ كَانَتْ الْجِزْيَةُ عَلَى الْجَمَاجِمِ وَالْأَرْضِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ دُونَ الْجَمَاجِمِ فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ بَيْعَ الْأَرْضِ جَائِزٌ وَيَكُونُ الْخَرَاجُ عَلَى الْبَائِعِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ أَشْهَبَ: أَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى الْمُبْتَاعِ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَجُوزُ.
الْبَاجِيُّ: وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْخَرَاجَ إنَّمَا هُوَ سَبَبُ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا لَوْ اسْتَعْذَرَتْ أَوْ تَلِفَتْ لَسَقَطَ الْخَرَاجُ فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْخَرَاجُ مَعَهَا، وَقَدْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْأَنْدَلُسِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَرَ الْمَنْصُورُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ بِالْأَخْذِ بِقَوْلِ أَشْهَبَ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ يَهْلِكُ مِنْ غَيْرِ مَالٍ أَوْ يَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ فَيُرِيدُ ابْتِيَاعَ الْأَرْضِ بِمَا عَلَيْهَا، وَقَدْ أَلْحَقَ أَهْلُ بَلَدِنَا بِذَلِكَ مَا لَزِمَ أَرْضَ الْإِسْلَامِ مِنْ وَظَائِفِ الظُّلْمِ لِلسَّلَاطِينِ فَأَجْرَوْهَا مَجْرَاهَا وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ هَذِهِ الْوَظَائِفَ مَظْلِمَةٌ لَيْسَتْ بِحَقٍّ ثَابِتٍ، وَمَنْ أَمْكَنَهُ دَفْعُهَا عَنْ نَفْسِهِ بِفِرَارٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَأْثَمْ بِذَلِكَ.
وَخَرَاجُ أَهْلِ الصُّلْحِ لَا يَحِلُّ لَهُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسٍ وَإِنَّمَا مِثْلُ الْمَظَالِمِ الْمُوَظَّفَةِ عَلَى الْأَرْضِ، مِثْلُ ابْتِيَاعِ الثِّيَابِ فِي بَلَدٍ يَلْزَمُ الْمُبْتَاعَ الْمَكْسُ فِي كُلِّ مَا يَبْتَاعُ مِنْهُ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ التَّبَايُعِ.
كَذَلِكَ مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً فِي طَرِيقٍ يُؤْخَذُ فِيهَا عَنْ كُلِّ دَابَّةٍ مَكْسٌ وَرُبَّمَا خَفِيَ أَمْرُهُ فَسَلَّمَ فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْكِرَاءِ.

(وَلِلْعَنَوِيِّ إحْدَاثُ كَنِيسَةٍ إنْ شَرَطَ وَإِلَّا فَلَا) اُنْظُرْ كِتَابَ الْجُعْلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَانْظُرْ فِي الْأَخِيرِ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ.
اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ فِي بَلْدَةٍ بَنَاهَا الْمُسْلِمُونَ وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكْنَا رَقَبَةَ بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِهِمْ قَهْرًا وَسَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ مَعَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَعْطَوْا ذَلِكَ، وَيَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَرْضِ الصُّلْحِ

وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ مُسْلِمُونَ.
وَعَبَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ: وَفِي جَوَازِ إحْدَاثِ ذَوِي الذِّمَّةِ الْكَنَائِسَ بِبَلَدِ الْعَنْوَةِ الْمُقَرِّ بِهَا أَهْلُهَا وَفِيمَا اخْتَطَّهُ الْمُسْلِمُونَ فَسَكَنُوهُ مَعَهُمْ وَتَرَكَهَا إنْ كَانَتْ ثَالِثَهَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: تُتْرَكُ وَلَا تُحْدَثُ إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَعْطَوْا ذَلِكَ (كَرْمَ الْمُنْهَدِمِ وَلِلصُّلْحِيِّ الْإِحْدَاثُ) ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَجُوزُ لَهُمْ الْإِحْدَاثُ بِأَرْضِ الصُّلْحِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا مَعَهُمْ مُسْلِمُونَ وَإِلَّا فَفِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ: الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ قَائِلًا: وَيُمْنَعُونَ مِنْ رَمِّ قَدِيمِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فَيُوَفَّى وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ لِلصُّلْحِيِّ الْإِحْدَاثَ كَرْمَ الْمُنْهَدِمِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَدَّمَ الْمَخْرَجَ وَأَخَّرَ (وَبَيْعُ عَرْصَتِهَا أَوْ حَائِطِهِ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ بَاعَ الْأُسْقُفُ عَرْصَةً مِنْ الْكَنِيسَةِ أَوْ حَائِطًا جَازَ ذَلِكَ إنْ كَانَ الْبَلَدُ صُلْحًا وَلَمْ يَجُزْ إنْ كَانَ الْبَلَدُ عَنْوَةً.
ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا أَرْضُ الْعَنْوَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا لِأَنَّ جَمِيعَهَا فَيْءٌ لِلَّهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْكَنَائِسُ وَغَيْرُهَا.
وَأَمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ فَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَرْضِ الْكَنِيسَةِ تَكُونُ عَرْصَةَ الْكَنِيسَةِ أَوْ حَائِطًا فَيَبِيعُ ذَلِكَ أُسْقُفُ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَهُوَ النَّاظِرُ وَالْقَائِمُ عَلَيْهَا، هَلْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَعَمَّدَ الشِّرَاءَ؟ فَأَجَازَ ذَلِكَ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَمَنَعَهُ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ.
وَالْوَجْهُ إنْ أَرَادَ مِنْ حَبْسِهَا إبْقَاءَهَا وَأَرَادَ الْأُسْقُفُ بَيْعَهَا لَزِمَ الْكَنِيسَةَ أَوْ لِخَرَاجِهِمْ وَرَضِيَا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ.
اُنْظُرْهُ فِيهِ وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ (لَا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ إلَّا لِمَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ) فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: لَمَّا أَمَرَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِنَقْلِ النَّصَارَى الْمُعَاهَدِينَ مِنْ الْأَنْدَلُسِ لِلْعُدْوَةِ الْأُخْرَى خَوْفًا مِنْ دَاخَلْتِهِمْ.
اسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ فَأَجَابَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْوَاجِبُ

أَنْ يُبَاحَ لَهُمْ بُنْيَانُ بِيعَةٍ وَاحِدَةٍ لِإِقَامَةِ شَرْعِهِمْ وَيُمْنَعُونَ مِنْ ضَرْبِ النَّوَاقِيسِ فِيهَا.
قَالَ: وَهَذَا هُوَ وَجْهُ الْحُكْمِ.

(وَمُنِعَ رُكُوبُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالسُّرُوجِ وَجَادَّةِ الطَّرِيقِ) ابْنُ عَرَفَةَ: السِّيرَةُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ الْوَفَاءُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ.
ابْنُ شَاسٍ: يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ رُكُوبَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ النَّفِيسَةِ لَا الْحَمِيرُ وَلَا يَرْكَبُونَ السُّرُوجَ بَلْ عَلَى الْأَكُفِّ عَرْضًا.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا لَقِيتُمُوهُمْ بِطَرِيقٍ فَالْجِئُوهُمْ إلَى أَضْيَقِهَا.
قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَذِلُّوهُمْ وَلَا تَظْلِمُوهُمْ (وَأُلْزِمَ بِلُبْسٍ يُمَيَّزُ بِهِ وَعُزِّرَ لِتَرْكِ الزُّنَّارِ) سَحْنُونَ: تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْ ظُلْمِهِمْ وَلَا يَتَشَبَّهُونَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي زِيِّهِمْ وَيُؤَدَّبُونَ عَلَى تَرْكِ الزَّنَانِيرِ.

(وَإِظْهَارِ السُّكْرِ وَمُعْتَقِدِهِ) ابْنُ حَبِيبٍ: يُمْنَعُ الذِّمِّيُّونَ السَّاكِنُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إظْهَارَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَتُكْسَرُ إنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهَا وَيُؤَدَّبُ السَّكْرَانُ مِنْهُمْ.
وَإِنْ أَظْهَرُوا صُلْبَهُمْ فِي أَعْيَادِهِمْ وَاسْتِسْقَائِهِمْ كُسِرَتْ وَأُدِّبُوا وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ (وَبَسْطِ لِسَانِهِ) . ابْنُ شَاسٍ: عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ كَفُّ اللِّسَانِ فَإِنْ أَظْهَرُوا مُعْتَقَدَهُمْ فِي الْمَسِيحِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى مُسْلِمٍ عَزَّرْنَاهُمْ وَلَا يُنْتَقَضُ الْعَهْدُ (وَأُرِيقَتْ الْخَمْرُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ: تُكْسَرُ إنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهَا.

(وَكُسِرَ النَّاقُوسُ) تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّلِيبَ هُوَ الَّذِي يُكْسَرُ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَلَا يَرْفَعُوا أَصْوَاتَ نَوَاقِيسِهِمْ وَلَا أَصْوَاتَهُمْ بِالْقِرَاءَةِ فِي حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ.

(وَيُنْتَقَضُ بِقِتَالٍ وَمَنْعِ جِزْيَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: اتَّفَقَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى اتِّبَاعِ قَوْلِهِ فِي أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ وَمَنَعُوا الْجِزْيَةَ وَخَرَجُوا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ حَرْبًا وَعْدًا فَيُسْبَوْنَ وَيُقْتَلُونَ إلَّا عَلَى شُرُوطِ أَشْهَبَ، وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَصَحُّ فِي النَّظَرِ وَذَلِكَ كَالصُّلْحِ يَنْعَقِدُ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى شُرُوطٍ، فَإِذَا لَمْ يُوفُوا بِهَا انْتَقَضَ الصُّلْحُ، وَكَمَنْ اكْتَرَى دَارًا مُشَاهَرَةً فَإِذَا مُنِعَ مِنْ الْكِرَاءِ أُخْرِجَ مِنْ الدَّارِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ هَرَبُوا لَيْلًا إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فَأَدْرَكَتْهُمْ خَيْلُ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ دَخَلُوا أَرْضَ الْحَرْبِ فَادَّعَوْا أَنَّ هُرُوبَهُمْ خَوْفًا مِنْ التَّظَلُّمِ وَكَانُوا مُجَاوِرِينَ لِقَوْمٍ مِنْ الْعَرَبِ أَهْلِ ظُلْمٍ لِمَنْ جَاوَزَهُمْ: أَرَى أَنْ يُصَدَّقُوا وَيَرُدُّوا إلَى جِزْيَتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَيْهِمْ ظُلْمَ الَّذِينَ هَرَبُوا مِنْهُمْ أَوْ ظُلْمَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَشْبَاهِهِمْ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُمْ يَسِيرُونَ حَيْثُ أَحَبُّوا إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ وَغَيْرِهَا.
قَالَ أَصْبَغُ: وَإِنْ أُشْكِلَ أَمْرُهُمْ

فَكَذَلِكَ أَيْضًا وَلَا يُسْتَحَلُّوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ نَقَضُوا أَشَرًا عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ مِنْ تَحْتِ إمَامٍ عَدْلٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ أَصْبَغَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَتَمَرُّدٍ عَلَى الْأَحْكَامِ) ابْنُ شَاسٍ: يُنْتَقَضُ الْعَهْدُ بِالتَّمَرُّدِ عَلَى الْأَحْكَامِ وَمَنْعِ الْجِزْيَةِ.

(وَغَصْبِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ) قَتَلَ عُمَرُ نَصْرَانِيًّا اغْتَصَبَ مُسْلِمَةً.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَصَدَاقُهَا فِي مَالِهِ وَالْوَلَدُ مُسْلِمٌ لَا أَبِ لَهُ وَلَوْ أَسْلَمَ غَاصِبُهَا لَمْ يُقْتَلْ لِأَنَّ قَتْلَهُ لِلنَّقْضِ لَا لِلزِّنَا.
وَقَالَهُ أَصْبَغُ: اللَّخْمِيِّ: وَوَطْؤُهُ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ بِمِلْكٍ أَوْ زِنًا غَيْرُ نَقْضٍ إنْ طَاوَعَتْهُ وَإِلَّا فَقَالَ مُحَمَّدٌ: إذْ لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ.
اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ (وَغُرُورِهَا) اللَّخْمِيِّ: وَطْؤُهُ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ إنْ كَانَ زِنًا طَوْعًا مِنْهَا فَفِي كَوْنِهِ نَقْضًا قَوْلَا رَبِيعَةَ، وَإِنْ كَانَ بِنِكَاحٍ فَغَيْرُ نَقْضٍ مُطْلَقًا.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: إنْ غَرَّهَا فَنَقْضٌ وَيُضْرَبُ عُنُقُهُ (وَتَطَلُّعِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ) سَحْنُونَ: إنْ وَجَدْنَا بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ ذِمِّيًّا كَاتَبَ لِأَهْلِ الشِّرْكِ بِعَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ قُتِلَ لِيَكُونَ نَكَالًا لِغَيْرِهِ، وَانْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَقَتْلُ عَيْنٍ وَإِنْ أَمِنَ ".

(وَسَبِّ نَبِيٍّ بِمَا لَمْ يُكَفَّرُوا بِهِ قَالُوا كَلَيْسَ بِنَبِيٍّ أَوْ لَمْ يُرْسَلْ أَوْ لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ أَوْ تَقَوَّلَهُ أَوْ عِيسَى خَلَقَ مُحَمَّدًا أَوْ مِسْكِينٌ مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ بِالْجَنَّةِ مَالَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ حِينَ أَكَلَتْهُ الْكِلَابُ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ تَعَرَّضَ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - بِالسَّبِّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
وَمِنْ آخِرِ كِتَابِ الشِّفَاءِ لِعِيَاضٍ مَا نَصُّهُ: الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ سَابِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَثَانِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ فُصُولًا إلَى أَنْ قَالَ فِي رَابِعِ فَصْلٍ مِنْهَا: هَذَا حُكْمُ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الذِّمِّيُّ إذَا صَرَّحَ بِسَبِّهِ أَوْ عَرَّضَ أَوْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ فَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي قَتْلِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ.
قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ فِيمَنْ شَتَمَ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ: قُتِلَ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ذِمِّيٍّ قَالَ: إنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُرْسَلْ إلَيْنَا وَإِنَّمَا أُرْسِلَ إلَيْكُمْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ سَبَّ فَقَالَ: لَيْسَ بِنَبِيٍّ أَوْ لَمْ يُرْسَلْ أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ تَقَوَّلَهُ وَنَحْوُ هَذَا فَيُقْتَلُ.
وَقَالَ أَبُو الْمُصْعَبِ فِي نَصْرَانِيٍّ قَالَ عِيسَى خَلَقَ مُحَمَّدًا قَالَ: يُقْتَلُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي نَصْرَانِيٍّ قَالَ مِسْكِينٌ مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ بِالْجَنَّةِ مَالَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ إذَا كَانَتْ الْكِلَابُ تَأْكُلُ سَاقَيْهِ قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُهُ (وَقُتِلَ إنْ لَمْ يُسْلِمْ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ حَبِيبٍ فِي نَصِّ مَنْ غَصَبَ مُسْلِمَةً إنْ أَسْلَمَ لَمْ يُقْتَلْ.
عِيَاضٌ: وَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ.
وَتَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ: إنْ تَعَرَّضَ بِالسَّبِّ قُتِلَ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ (وَإِنْ خَرَجَ لِدَارِ الْحَرْبِ وَأُخِذَ اُسْتُرِقَّ إنْ لَمْ يَظْلِمْ وَإِلَّا فَلَا) تَقَدَّمَ النَّصُّ بِهَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَتَمَرُّدٍ عَلَى الْأَحْكَامِ "

(كَمُحَارَبَتِهِ) فِيهَا: حِرَابَةٌ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَحِرَابَةِ الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّهُ يُقْتَلُ لِأَنَّهَا نَقْضُ عَهْدٍ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: حُكْمُ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْحِرَابَةِ مَا وَصَفْنَا فِي الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ.

(وَإِنْ ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ وَحَارَبُوا فَكَالْمُرْتَدِّينَ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ: إنْ مَنَعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْجِزْيَةَ قُوتِلُوا وَسُبُوا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي حِصْنِ مُسْلِمِينَ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ وَيُقَاتَلُونَ وَأَمْوَالُهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا نَسْبِي ذَرَارِيّهِمْ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: أَهْلُ الذِّمَّةِ وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا سَوَاءٌ لَا تُسْبَى ذَرَارِيّهِمْ وَلَا أَمْوَالُهُمْ وَيُقَرُّونَ عَلَى جِزْيَتِهِمْ.
ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَمْوَالُهُمْ فَيْءٌ أَيْ لَا تَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَيْشِ الَّذِي قَاتَلَهُمْ لِأَنَّ حُكْمَ أَمْوَالِهِمْ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي قَوْلِهِ: إنَّ ذَرَارِيّهِمْ لَا يُسْبَوْنَ " حُكْمُ مَالِ الْمُرْتَدِّ إذَا قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ يَكُونُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: تُسْبَى ذَرَارِيّهِمْ وَتُقْسَمُ أَمْوَالُهُمْ عَلَى حُكْمِ النَّاقِضِينَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَهَذَا الَّذِي خَالَفَتْ فِيهِ سِيرَةُ عُمَرَ سِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ فِي الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنْ الْعَرَبِ سَارَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ سِيرَةَ النَّاقِضِينَ فَسَبَى النِّسَاءَ وَالصِّغَارَ وَجَرَتْ الْمَقَاسِمُ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بَعْدَهُ نَقَضَ ذَلِكَ وَسَارَ فِيهِمْ سِيرَةَ الْمُرْتَدِّينَ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ الرِّقِّ وَرَدَّهُمْ إلَى عَشَائِرِهِمْ وَإِلَى الْجِزْيَةِ.
ابْنُ رُشْدٍ: حَكَى هَذَا ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالُوا: إنَّ الْقَاضِيَ لَا يَرُدُّ مَا قَضَى بِهِ غَيْرُهُ قَبْلَهُ بِاجْتِهَادِهِ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُ أَشْهَبَ: " إنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَأَهْلَ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ " خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ، لِأَنَّ الْمُرْتَدِّينَ أَحْرَارٌ مِنْ أُصُولِهِمْ وَالْمُعَاهَدِينَ لَمْ تَتِمَّ حُرِّيَّتُهُمْ بِالْمُعَاهَدَةِ وَإِنَّمَا كَانَتْ عِصْمَةً لَهُمْ مِنْ الْقِتَالِ فَإِذَا نَقَضُوهَا رَجَعُوا إلَى الْأَصْلِ فَحَلَّ دَمُهُمْ وَسَبَاؤُهُمْ.
وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي الْمُتَنَصِّرِ يُصِيبُ دِمَاءَ النَّاسِ وَأَمْوَالَهُمْ ثُمَّ يُؤْسَرُ فَيَتَشَهَّدُ فَقَالَ: يَصْدُرُ عَنْهُ مَا أَصَابَ فِي ارْتِدَادِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ كَالْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ تَنَصُّرُهُ مُجُونًا وَفِسْقًا.
ابْنُ عَرَفَةَ: تَلْقِينُ الشَّيْخِ وَابْنِ رُشْدٍ: مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ عُمَرَ بِالْقَبُولِ وَفِي ذَلِكَ عِنْدِي نَظَرٌ لِمَا ذَكَرَهُ الرَّاوِيَةُ الْعَدْلُ أَبُو الرَّبِيعِ فِي اكْتِفَائِهِ.
اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ.

[عَقْدِ الْمُهَادَنَة وَشُرُوطهَا]

(وَلِلْإِمَامِ الْمُهَادَنَةُ لِمَصْلَحَةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُهَادَنَةُ وَهِيَ الصُّلْحُ عَقْدُ الْمُسْلِمِ مَعَ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْمُسَالَمَةِ مُدَّةً لَيْسَ هُوَ فِيهَا تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ.
فَخَرَجَ الْأَمَانُ وَالِاسْتِئْمَانُ وَشَرْطُهَا أَنْ يَتَوَلَّاهَا الْإِمَامُ لَا غَيْرُهُ سَحْنُونَ: تُكْرَهُ مِنْ السَّرَايَا وَالْإِمَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَوْهِينِ الْجِهَادِ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَإِنْ نَزَلَ بِغَيْرِهَا مَضَى (إنْ خَلَا عَنْ كَشَرْطِ بَقَاءِ مُسْلِمٍ) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ شَرْطِ الْمُهَادَنَةِ الْخُلُوُّ مِنْ شَرْطٍ فَاسِدٍ كَشَرْطِ تَرْكِ مُسْلِمٍ فِي أَيْدِيهِمْ.
الْمَازِرِيُّ: وَلَوْ تَضَمَّنَتْ الْمُهَادَنَةُ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ مُسْلِمًا وَفِي لَهُمْ بِذَلِكَ فِي الرِّجَالِ لِرَدِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا جَنْدَلٍ وَأَبَا بَصِيرٍ، وَلَا يُوَفِّي بِذَلِكَ بِرَدِّ النِّسَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] ابْنُ شَاسٍ: لَا يَحِلُّ شَرْطُ ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَحُسْنِ الْعَافِيَةِ.
وَانْظُرْ اسْتِدْلَالَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ بِقَضِيَّةِ أَبِي جَنْدَلٍ عِنْدَ قَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا: " وَإِنْ رَسُولًا " وَانْظُرْ أَيْضًا قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَا أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ " (وَإِنْ بِمَالٍ إلَّا لِخَوْفٍ) اُنْظُرْ هَذَا الْعِبَارَةَ.
الْمَازِرِيُّ: لَا يُهَادَنُ الْعَدُوُّ بِإِعْطَائِهِ مَالًا لِأَنَّهُ عَكْسُ مَصْلَحَةِ شَرْعِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ إلَّا لِضَرُورَةِ التَّخَلُّصِ مِنْهُ خَوْفَ اسْتِيلَائِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَائِزًا مَا شَاوَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إعْطَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي قَضِيَّةِ الْأَحْزَابِ لَمَّا أَحَاطُوا بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ مَرْوَانَ (وَلَا حَدَّ) الْمَازِرِيُّ: مُدَّةُ الْمُهَادَنَةِ عَلَى حَسَبِ نَظَرِ الْإِمَامِ (وَنُدِبَ أَنْ لَا تَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) ابْنُ شَاسٍ: اسْتَحَبَّ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ أَنْ لَا تَكُونَ الْمُدَّةُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إلَّا مَعَ الْعَجْزِ (وَإِنْ اسْتَشْعَرَ خِيَانَتَهُمْ نَبَذَهُ وَأَنْذَرَهُمْ وَوَجَبَ الْوَفَاءُ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ أَرْبَعَةَ شُرُوطٍ لِلْمُهَادَنَةِ ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالشُّرُوطِ إلَى آخِرِ الْمُدَّةِ إلَّا أَنْ يَسْتَشْعِرَ خِيَانَةً مِنْهُمْ فَلَهُ أَنْ يَنْبِذَ الْعَهْدَ إلَيْهِمْ وَيُنْذِرَهُمْ.

(وَإِنْ بِرَدِّ رَهَائِنَ وَلَوْ أَسْلَمُوا) ابْنُ رُشْدٍ: أَجَازَ فِي الْمُدَوَّنَةِ اشْتِرَاءَ أَوْلَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ آبَائِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ هُدْنَةٌ، وَإِذَا جَازَ اشْتِرَاؤُهُمْ مِنْهُمْ جَازَ ارْتِهَانُهُمْ مِنْهُمْ وَبَيْعُهُمْ فِيمَا رُهِنُوا فِيهِ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ عَنْ أَشْهَبَ.
ابْنُ شَاسٍ: وَهَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رَهَائِنِهِمْ؟ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمْ يُرَدُّونَ إلَيْهِمْ.
أَبُو عُمَرَ وَغَيْرُ مَالِكٍ يَأْبَى ذَلِكَ وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا.
اُنْظُرْ الْأَسِيرَ الْكَافِرَ يَأْبِقُ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ ثُمَّ يَأْتِي تَاجِرًا.
اُنْظُرْ النَّوَادِرَ.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعِلْجِ يَرْهَنُ ابْنَهُ أَوْ بِنْتَهُ فِي فِدَائِهِ ثُمَّ يَذْهَبُ لِيَأْتِيَ بِهِ فَيُقِيمَ بِبَلَدِهِ: فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا اُسْتُرِقَّ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أُطْلِقَ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ لِلْأَبِ عُذْرًا وَلَمْ يَنْكُثْ حِينَ مَضَى لَزِمَ السَّيِّدَ إطْلَاقُ الْوَلَدِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَسِيرِ وَالْحَرْبِيِّ، أَنَّ الْحَرْبِيَّ حَاكِمٌ عَلَى وَلَدِهِ الْبَاقِي فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي بَلَدِهِ فَجَازَ بَيْعُ الْوَلَدِ فِيمَا رُهِنَ فِيهِ، وَالْأَسِيرُ لَا حُكْمَ فِيهِ عَلَى وَلَدِهِ الْبَاقِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى إذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ بِأَهْلِهِ مُسْتَأْمَنًا فَلَنَا شِرَاءُ بَنِيهِ وَرَقِيقِهِمْ إلَّا أَنْ تَرْضَى بِذَلِكَ زَوْجَتُهُ وَابْنُهُ الْكَبِيرُ وَابْنَتُهُ الَّتِي وَلِيَتْ نَفْسَهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ هَادَنَ الْمُسْلِمُونَ لِأَخْذٍ وَلَنَا شِرَاءُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ أَرْضِهِمْ لِأَنَّهُمْ بِأَرْضِهِمْ بِخِلَافِ مَنْ دَخَلَ بِأَمَانٍ (كَمَنْ أَسْلَمَ) ابْنُ شَاسٍ: وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَغَيْرُهُ: لَا يُوَفِّي لَهُمْ بِذَلِكَ وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ فَاعِلِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: مَالِكٌ يَرَى أَنْ يَرُدَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الرَّهْنِ وَالرُّسُلِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يُرَدُّونَ (وَإِنْ رَسُولًا) ابْنُ عَرَفَةَ: سَمِعَ سَحْنُونَ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ أَسْلَمَ رَسُولُ أَهْلِ الْحَرْبِ رُدَّ إلَيْهِمْ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُرَدُّ إلَيْهِمْ وَلَوْ شَرَطُوهُ، وَثَالِثُهَا إنْ لَمْ يَشْتَرِطُوهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَبِي جَنْدَلٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: لَا حُجَّةَ فِي هَذَا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا رَدَّ أَبَا جَنْدَلٍ بِالشَّرْطِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْحُجَّةَ لِمَالِكٍ أَنَّهُ يَرُدُّ إلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ «أَبِي رَافِعٍ قَالَ: أَقْبَلْت بِكِتَابٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَأَيْته أُلْقِيَ فِي قَلْبِي حُبُّ الْإِسْلَامِ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا أَرْجِعُ إلَيْهِمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنِّي لَا أَخْفِرُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرْدَ وَلَكِنْ ارْجِعْ إلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِك بَعْدَ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِمْ الَّذِي فِي قَلْبِك الْآنَ فَارْجِعْ.
قَالَ: فَرَجَعْت إلَيْهِمْ ثُمَّ أَقْبَلْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» انْتَهَى.

وَلَمْ أَرَ مَنْ عَزَا لِمَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ إلَيْهِمْ مَنْ أَسْلَمَ إلَّا مَا تَقَدَّمَ لِأَبِي عُمَرَ، وَانْظُرْ مَنْ يَسْتَشْكِلُ قَوْلَ مَالِكٍ كَأَنَّهُمْ يُرَدُّونَ إلَى الْكُفْرِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ بِالْأَصَالَةِ وَأُسِرُوا وَقَدِمَ بِهِمْ الْحَرْبِيُّونَ بِأَمَانٍ؟ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ لَهُمْ الرُّجُوعَ بِهِمْ إنْ أَحَبُّوا.
وَانْظُرْ قَضِيَّةَ نُعَيْمٍ سَمَحَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إخْفَاءِ إسْلَامِهِ عَنْ قَوْمِهِ أَنْ يُخَذِّلَ، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لِلرَّهْنِ حَتَّى يَكُونَ إسْلَامُهُ تَطْمَئِنُّ نُفُوسُنَا إلَيْهِ.
وَإِنَّمَا انْبَسَطْتُ فِي تَرْسِيخِ هَذَا لِكَثْرَةِ مَنْ غَرَّنَا فَانْخَدَعْنَا لَهُ بِالْأُسْوَةِ بِمَالِكٍ وَبِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ: ارْجِعْ إلَى قَوْمِك فَإِنْ بَقِيَ فِي قَلْبِك مَا بِقَلْبِك الْآنَ فَارْجِعْ أَوْ كَمَا قَالَ: فَسَلِي ثِيَابَك مِنْ ثِيَابِي تَنْسَلِ ... لَا خَيْرَ فِي وُدٍّ يَكُونُ تَكَلُّفَا (إنْ كَانَ ذَكَرًا) تَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " إنْ خَلَا عَنْ كَشَرْطِ بَقَاءِ مُسْلِمٍ " وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْمَازِرِيِّ، وَانْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ ".

(وَفُدِيَ بِالْفَيْءِ ثُمَّ بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ بِمَالِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِدَاءُ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ فِيهِ طُرُقٌ وَالْأَكْثَرُ وَاجِبٌ.
وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: اسْتِنْقَاذُهُمْ بِالْقِتَالِ وَاجِبٌ فَكَيْفَ بِالْمَالِ؟ زَادَ اللَّخْمِيِّ فِي رِوَايَتِهِ مَعَ رِوَايَةِ أَشْهَبَ: وَلَوْ بِجَمِيعِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: مَا لَمْ يَخْشَ اسْتِيلَاءَ الْعَدُوِّ بِذَلِكَ وَفِي الْمَبْدَأِ بِالْفِدَاءِ مِنْهُ طُرُقٌ.
ابْنُ بَشِيرٍ: بَيْتُ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْأَسِيرُ كَأَحَدِهِمْ، فَإِنْ ضَيَّعَ الْإِمَامُ وَالْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْأَسِيرِ مِنْ مَالِهِ.
وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: مَنْ رَهَنَهُ أَبُوهُ فَمَاتَ فَفَدَاهُ مُسْلِمٌ يَرْجِعُ بِفِدَائِهِ فِي قَدْرِ إرْثِهِ مِنْ أَبِيهِ أَوْ عَلَى التَّرِكَةِ قَالَ: لَوْ فَدَاهُ الْإِمَامُ.
ابْنُ بَشِيرٍ: يُرِيدُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ فَإِنْ لَمْ يَفْدِهِ وَلَا أَحَدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَالْوَاجِبُ كَوْنُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِ أَبِيهِ، فَإِنْ قَصَّرَ فَعَلَى الِابْنِ وَيُتْبَعُ بِهِ فِي عَدَمِهِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ.
سَحْنُونَ: إنْ رَهَنَهُ أَبُوهُ فِي تِجَارَتِهِ فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ وَيُؤَدَّبُ، فَإِنْ مَاتَ فَمِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ رَهَنَهُ فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَى الْإِمَامِ فِدَاؤُهُ.
ابْنُ يُونُسَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يُفْدَى مَنْ هَرَبَ إلَيْهِمْ طَوْعًا مِنْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْتَكَّ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ فَمَا قَصُرَ عَنْهُ بَيْتُ الْمَالِ تَعَيَّنَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ عَلَى مَقَادِيرِهَا وَيَكُونُ هُوَ كَأَحَدِهِمْ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ مِنْ فَكِّ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا مَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، فَإِذَا ضَيَّعَ الْإِمَامُ وَالْمُسْلِمُونَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذَا فَوَاجِبٌ عَلَى مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ الْأَسْرَى أَنْ يَفُكَّ نَفْسَهُ مِنْ مَالِهِ.
اُنْظُرْ طَرِيقَةَ سَحْنُونٍ وَطَرِيقَةَ اللَّخْمِيِّ فِي ابْنِ عَرَفَةَ.

(وَرَجَعَ) مِنْ ابْنِ يُونُسَ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ اشْتَرَيْتَ حُرًّا مُسْلِمًا مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلْتَرْجِعْ عَلَيْهِ بِمَا اشْتَرَيْتَهُ بِهِ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ لِأَنَّهُ فِدَاءٌ.
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: يُؤْخَذُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَثُرَ وَإِنْ كَانَ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ شَاءَ أَوْ أَبَى.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اُتُّبِعَ بِهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَاَلَّذِي فَدَاهُ وَاشْتَرَاهُ مِنْ

الْعَدُوِّ وَأَحَقُّ بِهِ مِنْ غُرَمَائِهِ إلَى مَا يَبْلُغُ مَا أَدَّى فِيهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِدَاءٌ لَهُ وَلِمَالِهِ كَمَا لَوْ فَدَيْت مَالَهُ مِنْ اللُّصُوصِ أَوْ فَدَيْت دَابَّتَهُ مِنْ مُلْتَقِطِهَا أَوْ مَتَاعًا لَهُ أَوْ اكْتَرَيْت عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ وَلَا لِغُرَمَائِهِ حَتَّى يَأْخُذَ هَذَا مَا أَدَّى فِيهِ.
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِلَّا حُبِسَ فِي الْمَفْدِيِّ مِنْ لِصٍّ " وَانْظُرْ تَرْجَمَةَ الْقَضَاءِ فِي الْمَفْدِيِّ مِنْ لِصٍّ أَوْ ظَالِمٍ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إنَّمَا كَانَ الَّذِي فَدَاهُ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ يَفْدِيهِ وَهُوَ كَارِهٌ بِأَضْعَافِ ثَمَنِهِ وَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ طَوْعِهِ، فَلِهَذَا صَارَ أَوْلَى مِنْ دَيْنِهِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ بِطَوْعِهِ.
ابْنُ يُونُسَ: هَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ مُشْتَرِيَهُ مِنْ الْعَدُوِّ مَا يَكُونُ أَحَقَّ إلَّا فِي مَالِهِ الَّذِي أَخَذَهُ الْعَدُوُّ مَعَ رَقَبَتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ وَهَبَهُ الْعَدُوُّ هَذَا الْحُرَّ الْمُسْلِمَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ يُكَافِئَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا كَافَأَهُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَالْحُرُّ الذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ (بِمِثْلِ الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةِ غَيْرِهِ) ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِذَا أَوْجَبْنَا الرُّجُوعَ رَجَعَ بِمِثْلِ مَا فَدَاهُ بِهِ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ.
(وَعَلَى الْمَلِيءِ وَالْمُعْدِمِ) تَقَدَّمَ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اُتُّبِعَ فِي ذِمَّتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الصَّحِيحُ الَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ وَالْقِيَاسُ أَنَّ فِدَاءَ أَسِيرٍ لَا مَالَ لَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ بِمَا فَدَاهُ بِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ خِلَافُ ذَلِكَ وَهُوَ بَعِيدٌ.
اللَّخْمِيِّ: إنْ اشْتَرَى مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ حُرًّا كَانَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ بِالثَّمَنِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَأْخُذَ مَا افْتَدَاهُ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ لِأَنَّ فِدَاءَهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْإِمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْتَدُوهُ.
قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَلَوْ بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ أَبَدًا وَهُوَ بِبَلَدِ الْحَرْبِ كَانَ لِمَنْ أَتَى بِهِ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ الْفِدَاءِ عَلَى مَنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يُفْتَدَى.

(إنْ لَمْ يَقْصِدْ صَدَقَةً) . ابْنُ بَشِيرٍ: مَنْ افْتَدَى مُسْلِمًا وَلَا مَالَ لَهُ إنْ قَصَدَ الْفَادِي الصَّدَقَةَ أَوْ كَانَ الْفِدَاءُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَافْتَدَاهُ مَنْ يُرِيدُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ نُصُوصُ الْمَذْهَبِ لَهُ الرُّجُوعُ.
اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ بَشِيرٍ لَا مَالَ، مَعَ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَرَجَعَ (وَلَمْ يُمْكِنْ الْخَلَاصُ بِدُونِهِ) . ابْنُ بَشِيرٍ: وَقَدْ نَزَّلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الرُّجُوعَ وَنَفْيَهُ عَلَى أَحْوَالٍ.
فَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ لَا يُرْجَى خَلَاصُهُ إلَّا بِمَا بَذَلَ فِيهِ وَجَبَ الرُّجُوعُ بِالْفِدَاءِ وَلَوْ كَانَ الْمَبْذُولُ أَضْعَافَ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ يَرْجُو الْخَلَاصَ بِالْهُرُوبِ أَوْ بِالتَّرْكِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يَرْجُو الْخَلَاصَ بِدُونِ مَا بَذَلَ فِيهِ وَجَبَ الرُّجُوعُ بِالْقَدْرِ الَّذِي يُرْجَى بِهِ الْخَلَاصُ وَيَسْقُطُ الزَّائِدُ (إلَّا مُحْرِمًا أَوْ زَوْجًا إنْ عَرَفَهُ أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ) . ابْنُ بَشِيرٍ: وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ إذَا كَانَ الْفَادِي أَجْنَبِيًّا الْبَاجِيُّ: وَالْقَرِيبُ غَيْرُ ذِي مَحْرَمٍ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي اتِّبَاعِهِ بِفِدَائِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا.

قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَنْ فَدَى مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ يُرِيدُ أَوْ ابْتَاعَهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَدَاهُ بِأَمْرِهِ أَوْ يَفْدِيهِ وَهُوَ غَيْرُ عَارِفٍ فَلْيَتْبَعْهُ بِذَلِكَ فِي عَدَمِهِ وَمَلَائِهِ.
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَالِكٌ.
وَسَبِيلُ فِدَاءِ الْقَرِيبِ لِقَرِيبِهِ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ

أَوْ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ سَبِيلُ الزَّوْجِيَّةِ إذَا فَدَاهُ وَهُوَ يَعْرِفُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ فَدَاهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ رَجَعَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إنْ فَدَاهُ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَوْ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ.
ابْنُ يُونُسَ: فَصَارَ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إنْ فَدَاهُ وَهُوَ يَعْرِفُهُ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَإِنْ فَدَاهُ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَإِنْ فَدَاهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ الْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يُعْتَقُونَ عَلَيْهِ وَعَلَى الزَّوْجَيْنِ (أَوْ يَلْتَزِمُهُ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ أَشْهَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ يَفْتَدِي صَاحِبَهُ إنَّ ذَلِكَ لَيَرْجِعُ عَلَيْهِ رَجَعَ بِذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا.
قَالَ سَحْنُونَ: كُلُّ مَنْ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي الْهِبَةِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي هَذَا إذَا كَانَ عَالِمًا يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ يَفْدِيهِ لِيَرْجِعَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَبًا أَوْ ابْنًا لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهِ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا قَصَدَ الِافْتِدَاءَ وَلَمْ يَقْصِدْ الْهِبَةَ لَمَّا شَرَطَ الرُّجُوعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ فَقِيرًا فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى أَنْ يَفْتَدِيَهُ كَمَا يُجْبَرُ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الِافْتِدَاءِ آكَدُ (وَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ فَدَاهُ وَمَالَهُ فَالْفَادِي أَحَقُّ بِهِ مِنْ غُرَمَائِهِ (وَلَوْ فِي غَيْرِ مَا بِيَدِهِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: وَإِنْ كَانَ لِلْمَفْدِيِّ مَالٌ لَمْ يَفْدِ مَعَهُ فَفِي اخْتِصَاصِ الْفَادِي بِهِ نَقَلَا اللَّخْمِيِّ وَالصَّقَلِّيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالشَّيْخُ عَنْ سَحْنُونٍ وَاللَّخْمِيِّ مَعَ ظَاهِرِ الصَّقَلِّيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ.
اُنْظُرْ مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى.
عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَرَجَعَ " فَهُوَ مُوَافِقٌ لِخَلِيلٍ.

(عَلَى الْعَدَد إنْ جَهِلُوا قَدْرَهُمْ) . ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ: مَنْ فَدَى خَمْسِينَ أَسِيرًا بِبَلَدِ الْحَرْبِ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَفِيهِمْ ذُو الْقَدْرِ غَيْرُهُ وَالْمَلِيءُ وَالْمُعْدِمُ، فَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ وَقَدْ عَرَفَ ذَا الْقَدْرِ مِنْهُمْ وَشَحُّوا عَلَيْهِ فَيُقْسَمُ عَلَيْهِمْ الْفِدَاءُ عَلَى تَقَارُبِ أَقْدَارِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ جَهِلَ ذَلِكَ فَذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْهُمْ عَبِيدٌ فَهُمْ سَوَاءٌ، وَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَهُمْ أَوْ يَفْدِيَهُمْ.

(وَالْقَوْلُ لِلْأَسِيرِ فِي الْفِدَاءِ أَوْ بَعْضِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ فَدَى أَسِيرًا مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ وَقَدِمَ بِهِ فَقَالَ الْأَسِيرُ: مَا فَدَانِي بِشَيْءٍ أَوْ قَالَ: بِشَيْءٍ يَسِيرٍ وَقَالَ الْآخَرُ: بِكَثِيرٍ، فَالْأَسِيرُ مُصَدَّقٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، كَانَ مِمَّا يُشْبِهُ مَا قَالَ الْأَسِيرُ أَوْ لَا يُشْبِهُ، يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ قَالَ: لَمْ يَفْدِنِي أَصْلًا لَصُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْآخَرُ بِبَيِّنَةٍ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ هُوَ أَخْرَجَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ.
انْتَهَى.
نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَسِيرِ أَشْبَهَ قَوْلَهُ أَوْ لَمْ يُشْبِهْ لَيْسَ عَلَى أُصُولِهِمْ، وَاَلَّذِي يَأْتِي عَلَى أُصُولِهِمْ إذَا اخْتَلَفَا فِي مَبْلَغِ الْفِدْيَةِ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَفْدِيِّ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْفَادِي إنْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، وَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ أَيْضًا حَلَفَا جَمِيعًا وَكَانَ لِلْفَادِي مَا يَفْدِي بِهِ مِثْلُهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَكَذَلِكَ إنْ نَكَلَا، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا وَحَلَفَ الْآخَرُ كَانَ لَهُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ لِأَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ أَمْكَنَهُ مِنْ دَعْوَاهُ بِنُكُولِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْفَادِي إذَا كَانَ الْأَسِيرُ بِيَدِهِ.

(وَجَازَ بِالْأَسْرَى الْمُقَاتِلَةِ) ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ سَحْنُونٍ وَالْأَخَوَيْنِ وَأَصْبَغَ: يُفْدَى الْأَسْرَى بِأَسْرَى الْكُفَّارِ الْقَادِرِينَ عَلَى الْقِتَالِ لِمَا لَمْ يَرْضَوْا إلَّا بِهِ.
اللَّخْمِيِّ عَنْ أَصْبَغَ: مَا لَمْ يَخْشَ بِفِدَائِهِ ظُهُورَهُمْ

عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُفْدَى بِصِغَارِ أَطْفَالِهِمْ إذَا لَمْ يُسْلِمُوا بِالذِّمِّيِّ إذَا رَضِيَ الذِّمِّيُّ وَكَانُوا لَا يَسْتَرِقُّونَهُ.

(وَبِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الْأَحْسَنِ) ابْنُ رُشْدٍ: أَجَازَ سَحْنُونَ أَنْ يُفْدَى مِنْهُمْ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ قَالَ: وَيَأْمُرُ الْإِمَامُ أَهْلَ الذِّمَّةِ أَنْ يَدْفَعُوا ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وَيُحَاسِبُهُمْ بِقِيمَتِهِ فِي الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَبَوْا لَمْ يُجْبَرُوا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ بَأْسٌ بِابْتِيَاعِ ذَلِكَ لَهُمْ.
قَالَ: وَهَذِهِ ضَرُورَةٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُفَادَاةَ بِالْخَمْرِ أَخَفُّ مِنْهَا بِالْخَيْلِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُفَادَاةِ مِنْهُمْ بِالْخَمْرِ وَعَلَيْهِمْ الضَّرَرُ فِي الْمُفَادَاةِ مِنْهُمْ بِالْخَيْلِ.
اُنْظُرْ فِي ابْنِ عَرَفَةَ خِلَافَ أَشْهَبَ فِي هَذَا.

(وَلَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى مُسْلِمٍ) . ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ فَدَى مُسْلِمًا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعْطَى ذِمِّيًّا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ إنْ كَانَتْ مِمَّا يَمْلِكُونَهَا.
قَالَهُ سَحْنُونَ.
وَمَعْنَاهُ إنْ فَدَاهُ بِذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَمَّا إنْ ابْتَاعَهُ لِيَفْدِيَهُ بِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ (وَفِي الْخَيْلِ وَآلَةِ الْحَرْبِ قَوْلَانِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: الْمُفَادَاةُ بِالْخَمْرِ أَخَفُّ مِنْهَا بِالْخَيْلِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يُفْدَى بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُفْدَى بِالْخَمْرِ إذْ لَا يَدْخُلُ فِي نَافِلَةٍ بِمَعْصِيَةٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا التَّفْرِيقُ غَيْرُ صَحِيحٍ.

وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ إذَا ائْتَمَنَ الْعَدُوُّ وَالْأَسِيرَ طَائِعًا عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ وَلَا يَخُونَهُمْ مُخْتَارُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ يَهْرُبُ وَلَا يَخُونُهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَأَمَّا إنْ ائْتَمَنُوهُ مُكْرَهًا أَوْ لَمْ يَأْتَمِنُوهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُ أَنْ يَهْرُبَ بِنَفْسِهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ عَاهَدُوهُ عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ فَلِيُوَفِّ بِالْعَهْدِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الْعَهْدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ، يَرَى الْعَدُوُّ أَنَّ الْأُسَارَى لَا يُوَفُّونَ بِعَهْدٍ.
وَإِنْ حَلَّفُوهُ بِالطَّلَاقِ عَلَى أَنْ لَا يَهْرُبَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْهُرُوبُ لِأَنَّ الْعَدُوَّ يَرَاهُ آثَرَ الطَّلَاقَ عَلَى الْمُقَامِ وَلَمْ يَرَ أَنَّهُ خَفَرَ بِعَهْدٍ، ثُمَّ إنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ أَيْضًا.
وَعِبَارَةُ ابْنِ عَلَاقٍ: وَالْفَرْعُ الثَّالِثُ إذَا خَلَّوْهُ عَلَى أَيْمَانٍ حَلَفَهَا لَهُمْ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَيْمَانُ لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا خَلَّوْهُ عَلَى أَيْمَانٍ فَأَمَّا مِثْلُ الْعَهْدِ وَالْمَوْعِدِ فَذَلِكَ لَهُ لَازِمٌ، وَأَمَّا أَيْمَانٌ بِطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَصَدَقَةٍ فَلَا تَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا خَلَّوْهُ عَلَى أَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ بِعِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَهَذَا مُكْرَهٌ.
وَانْظُرْ فِي الْعِتْقِ قَبْلَ قَوْلِهِ: " أَوْ دَفْعُ مَكْسٍ ". وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْأَسِيرِ أَنْ يَسْرِقَ مَا بِبَلَدِ الْعَدُوِّ وَقَالَ: وَلَا يُعَامِلُهُمْ بِالرِّبَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ: وَإِنْ دَفَعُوا لَهُ ثَوْبًا يَخِيطُهُ لَهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْرِقَ مِنْهُ.
وَمِنْ النَّوَادِرِ: وَلَوْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنْ لَا يُجَاهِدَهُمْ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَغْزُوَهُمْ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ تَنْزِلُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِفِدَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ فِدَاءً فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَلَاقٍ فِي هَذَا خِلَافًا وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ وَطْؤُهُ زَوْجَتَهُ وَأَمَتَهُ.

وَانْظُرْ هَلْ لِلْأُسَارَى أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَ الْعَدُوِّ وَمَنْ خَالَفَهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِ؟ أَجَازَ ذَلِكَ

الْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ.

وَقَالَ سَحْنُونَ فِي الْأَسِيرِ الْمُوثَقِ يُمْنَعُ الصَّلَاةَ قَالَ: يُصَلِّي إيمَاءً وَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابًا وَتَجْرِي هُنَا الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ وَالْأَدَاءُ أَشْبَهُهَا.

وَانْظُرْ لَوْ طَلَبَ الْعَدُوُّ فِدَاءَ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ عِلْجًا لَهُمْ فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ فَأَبَى مَالِكُ الْعِلْجِ أَنْ يَبِيعَهُ، اُنْظُرْهَا فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَنَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ وَبَيْنَهُمَا خِلَافٌ.

[كِتَابُ السَّبَقِ وَالرَّمْيِ]

[بَابٌ فِي السَّبَقِ وَشُرُوطُهُ وَحُكْمُهُ]

بَابٌ ابْنُ شَاسٍ: كِتَابُ السَّبَقِ وَالرَّمْيِ وَفِيهِ بَابَانِ: الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي السَّبَقِ وَهُوَ عَقْدٌ لَازِمٌ كَالْإِجَارَةِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي السَّبَقِ مَا يُشْتَرَطُ فِي عَرْضِ الْإِجَارَةِ.
أَبُو عُمَرَ: جَوَازُ الْمُسَابَقَةِ مِمَّا خُصَّ مِنْ بَابِ الْقِمَارِ وَمِنْ بَابِ تَعْذِيبِ الْبَهَائِمِ لِلْحَاجَةِ إلَى تَأْدِيبِهَا وَتَدْرِيبِهَا.
الْبَاجِيُّ: وَتَدْرِيبِ مَنْ يُسَابِقُ بِهَا.

(الْمُسَابَقَةُ بِجُعْلٍ) ابْنُ رُشْدٍ: الْمُسَابَقَةُ جَائِزَةٌ عَلَى الرِّهَانِ وَعَلَى غَيْرِ الرِّهَانِ.
الصِّحَاحُ: رَاهَنْت فُلَانًا عَلَى كَذَا مُرَاهَنَةً خَاطَرْته.
ابْنُ رُشْدٍ: وَالْمُرَاهَنَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقٍ وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ إنْ كَانَا اثْنَيْنِ، أَوْ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ إنْ كَانُوا جَمَاعَةً جُعْلًا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بِحَالٍ وَلَا يُخْرِجُ مَنْ سِوَاهُ شَيْئًا، فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُ مُخْرِجِ الْجُعْلِ كَانَ الْجُعْلُ لِلسَّابِقِ، وَإِنْ سَبَقَ هُوَ صَاحِبَهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ كَانَ الْجُعْلُ طُعْمَةً لِمَنْ حَضَرَ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً كَانَ الْجُعْلُ لِمَنْ جَاءَ سَابِقًا بَعْدَهُ مِنْهُمْ.
وَهَذَا الْوَجْهُ فِي الْجَوَازِ مِثْلُ

أَنْ يُخْرِجَ الْإِمَامُ الْجُعْلَ فَيَجْعَلَهُ لِمَنْ سَبَقَ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ فَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَوَجْهٌ لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ إنْ كَانَا اثْنَيْنِ، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَسَابِقِينَ إنْ كَانُوا جَمَاعَةً جُعْلًا عَلَى أَنَّهُ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمْ أَحْرَزَ جُعْلَهُ وَأَخَذَ جُعْلَ صَاحِبِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِوَاهُ، وَأَجْعَالَ أَصْحَابِهِ إنْ كَانُوا جَمَاعَةً، فَهَذَا لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ لِأَنَّهُ مِنْ الْغَرَرِ وَالْقِمَارِ وَالْمَيْسِرِ وَالْخُضَارِ (فِي الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ) أَبُو عُمَرَ: أَجَازَ الْعُلَمَاءُ فِي غَيْرِ الرِّهَانِ السَّبَقَ عَلَى الْأَقْدَامِ بِدَلِيلِ مُسَابَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ، وَمُسَابَقَةِ مَسْلَمَةَ مَعَ الْأَنْصَارِيِّ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وَأَمَّا السَّبَقُ فِي الرِّهَانِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْخُفُّ وَالْحَافِرُ وَالنَّصْلُ.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَالْخُفُّ الْبَعِيرُ، وَالْحَافِرُ الْفَرَسُ، وَالنَّصْلُ السَّهْمُ (وَبَيْنَهُمَا) ابْنُ يُونُسَ: وَلَا بَأْسَ بِسِبَاقِ الْخَيْلِ مَعَ الْإِبِلِ يَجْرِي الْفَرَسُ مَعَ الْجَمَلِ (وَالسَّهْمِ) ابْنُ رُشْدٍ: الْمُسَابَقَةُ جَائِزَةٌ فِي الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَبِالرَّمْيِ بِالسِّهَامِ (إنْ صَحَّ بَيْعُهُ) مُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُنَاضِلَهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ نَضَلَهُ أَعْتَقَ عَنْهُ عَبْدَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا مَعْرُوفًا أَوْ عَلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالسَّبَقِ أَوْ يُبْنَى بِهِ الْغَرَضُ وَيَشْتَرِي بِهِ حُصْرًا يَجْلِسُونَ عَلَيْهَا، وَيَجُوزُ كَوْنُهُ لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ لَا مَجْهُولٍ، وَكَوْنُهُ عَرَضًا مَوْصُوفًا أَوْ سُكْنَى مُدَّةً مَعْلُومَةً أَوْ عَفْوًا عَنْ جُرْحٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَيُمْنَعُ بِالْغَرَرِ.
وَمَنْ وَجَبَ لَهُ جَازَ أَنْ يُحَالَ بِهِ أَوْ يُؤَخِّرَهُ بِرَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ وَحَاصَّ بِهِ الْغُرَمَاءَ.
الصِّحَاحُ: نَاضَلَهُ أَيْ رَمَاهُ وَتَنَاضَلُوا أَيْ رَمَوْا لِلسَّبَقِ.

(وَعُيِّنَ الْمَبْدَأُ وَالْغَايَةُ) . الْبَاجِيُّ: لَا يَجُوزُ السَّبَقُ فِي الرَّمْيِ إلَّا بِغَايَةٍ مَعْلُومَةٍ وَرَشْقٍ مَعْلُومٍ وَنَوْعٍ مِنْ الْإِصَابَةِ مُشْتَرَطٍ خَسْقًا أَوْ إصَابَةً بِغَيْرِ خَسْقٍ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ إلَّا فِي غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ وَأَمَدٍ مَعْلُومٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ تَرَاهَنَا دُونَ شَرْطِ مَبْدَأِ غَايَةِ الْجَرْيِ أَوْ مُنْتَهَاهَا وَلِأَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ سُنَّةٌ فِي ذَلِكَ حَمَلَا عَلَيْهَا.
وَلِأَهْلِ مِصْرَ سُنَّةٌ عُرِفَتْ فِي مَبْدَأِ إجْرَاءِ الْقَارِحِ وَالرُّبَاعِ وَالثَّنِيِّ وَالْحَوْلِيِّ وَفِي الْغَايَةِ الَّتِي يَجْلِسُ بِهَا الْوَالِي أَوْ مَنْ يُقِيمُهُ لِذَلِكَ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَا سُرَادِقًا أَوْ خَطًّا أَوْ دَخَلَهُ أَوَّلًا أَوْ جَازَهُ أَوَّلًا فَهُوَ السَّابِقُ، وَبَعْدَ الْغَرَضِ فِي الرَّمْيِ مَا رَضِيَاهُ، وَكَانَ غَرَضُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَرْبَعَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا ذَرْعًا حَمَلَا عَلَى الْعُرْفِ وَهُوَ مِائَتَا ذِرَاعٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْغَرَضِ إلَى الْغَرَضِ وَالْآخَرُ مِنْ نِصْفِهِ أَوْ مِنْ أَبْعَدَ مِنْهُ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ.

(وَالْمَرْكَبُ) . ابْنُ شَاسٍ: مِنْ شُرُوطِ السَّبَقِ

مَعْرِفَةُ أَعْيَانِ الْخَيْلِ وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ جَرْيِهَا وَلَا مَنْ يَرْكَبُ عَلَيْهَا مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا إلَّا مُحْتَلِمٌ وَنَحْوُ هَذَا لِلْبَاجِيِّ (وَالرَّامِي) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَيْسَ عَلَى الْمُتَنَاضِلَيْنِ وَصْفُ سَهْمٍ أَوْ وَتَرٍ بِرِقَّةِ أَوْ طُولٍ أَوْ مُقَابِلَيْهِمَا وَلِمَنْ شَاءَ بَدَّلَ مَا شَاءَ بِغَيْرِهِ وَقَوْسًا بِالْأُخْرَى مِنْ جِنْسِهَا لَا عَرَبِيَّةً بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَيَجُوزُ تَعَاقُدُهُمَا عَلَى فَارِسِيَّةٍ وَعَرَبِيَّةٍ.
ثُمَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَدَلُ قَوْسِهِ بِأَيِّ صِنْفٍ شَاءَ مِنْ الْقَسِيِّ، وَلَا أُحِبُّ شَرْطَ أَنْ لَا يُرَامِيَهُ إلَّا بِقَوْسٍ مُعَيَّنَةٍ بِخِلَافِ الْفَرَسِ لِأَنَّ الْفَرَسَ هُوَ الْمُسَابِقُ وَفِي الرَّمْيِ الرَّامِي لَا الْقَوْسُ

[بَابٌ فِي الرَّمْيِ وَشُرُوطِهِ]

(وَعَدَدُ الْإِصَابَةِ) ابْنُ شَاسٍ: الرَّمْيُ كَالسَّبَقِ بَيْنَ الْخَيْلِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ الرَّمْيُ مِنْ كَوْنِهِمَا يَشْتَرِطَانِ رَشْقًا مَعْلُومًا وَنَوْعًا مِنْ الْإِصَابَةِ مُعَيَّنًا مِنْ خَزْقٍ أَوْ إصَابَةٍ مِنْ غَيْرِ خَزْقٍ وَسَبْقٍ إلَى عَدَدٍ مَخْصُوصٍ مِنْ الْإِصَابَةِ (وَنَوْعُهَا مِنْ خَزْقٍ أَوْ غَيْرِهِ) الْخَزْقُ بِخَاءٍ وَزَايٍ مُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَثْقُبَ وَلَا يَثْبُتَ، وَالْخَسْقُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَنْ لَا يَثْقُبَ السَّهْمُ وَلَا يَثْبُتَ تَقَدَّمَ نَصُّ الْكَافِي وَابْنُ رُشْدٍ بِهَذَا (وَأَخْرَجَهُ مُتَبَرِّعٌ أَوْ أَحَدُهُمَا فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ أَخَذَهُ وَإِنْ سَبَقَ هُوَ فَلِمَنْ حَضَرَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ بِأَنَّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (إلَّا إنْ أَخْرَجَا لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ (وَلَوْ بِمُحَلِّلٍ يُمْكِنُ سَبْقُهُ) الْكَافِي: الْأَسْبَاقُ ثَلَاثَةٌ: سَبَقٌ يُعْطِيهِ الْوَالِي أَوْ الرَّجُلُ غَيْرُ الْوَالِي مِنْ مَالِهِ مُتَطَوِّعًا فَيَجْعَلُ السَّابِقُ شَيْئًا مَعْلُومًا، فَمَنْ سَبَقَ أَخَذَهُ، وَسَبَقٌ يُخْرِجُهُ أَحَدُ الْمُتَسَابِقِينَ دُونَ صَاحِبِهِ فَإِنْ سَبَقَ صَاحِبُهُ أَخَذَهُ وَإِنْ سَبَقَ هُوَ صَاحِبَهُ أَحْرَزَ سَبَقَهُ الَّذِي أَخْرَجَهُ وَحَسَنٌ أَنْ يُمْضِيَهُ فِي الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ لَهُ وَلَا يَرْجِعَ إلَى مَالِهِ.

وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ سَبَقَ سَبْقًا عَلَى أَنَّهُ إنْ نَضَلَ لَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا وَإِنْ نُضِلَ أَعْطَى السَّبَقَ، فَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ.

وَالسَّابِقُ الثَّالِثُ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مِثْلَ مَا يُخْرِجُ صَاحِبُهُ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ أَحْرَزَ سَبَقَهُ وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ.
وَهَذَا الْوَجْهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا لَا يَأْمَنَانِ أَنْ يَسْبِقَهُمَا، فَإِنْ سَبَقَ الْمُحَلِّلُ أَخَذَ السَّبَقَيْنِ جَمِيعًا وَحْدَهُ وَلَمْ يُشَارِكَاهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ أَحْرَزَ سَبَقَهُ وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ وَلَا شَيْءَ لِلْمُحَلِّلِ فِيهِ وَلَا عَلَيْهِ، وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ مِنْهُمْ الثَّالِثَ كَانَ كَمَنْ لَمْ يَسْبِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَأَيُّهُمَا سَبَقَ صَاحِبَهُ فَلَهُ السَّبَقُ وَقَدْ قَالَ: لَا نَأْخُذُ بِقَوْلِ سَعِيدٍ فِي الْمُحَلِّلِ ثُمَّ قَالَ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْمُحَلِّلِ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدٍ وَالْجُمْهُورِ، وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَرَاهَنَ الرَّاكِبَانِ يَجْعَلُ هَذَا سَبَقًا وَهَذَا سَبَقًا وَيَدْخُلُ مَعَهُمَا ثَالِثٌ لَا يَجْعَلُ شَيْئًا، فَإِنْ سَبَقَ أَخَذَ وَإِنْ سُبِقَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إذَا سَبَقَ الْمُحَلِّلُ أَخَذَ سَبَقَ الرَّجُلَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ هُوَ وَسَبَقَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَخَذَ السَّابِقُ سَبَقَ صَاحِبِهِ وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ مَالِكٌ.

(وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السَّهْمِ وَالْوَتَرِ وَلَهُ مَا شَاءَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِهَذَا (وَلَا مَعْرِفَةُ الْجَرْيِ وَالرَّاكِبِ وَلَمْ يُحْمَلْ صَبِيٌّ) تَقَدَّمَ النَّصُّ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلِلرَّاكِبِ " (وَلَا اسْتِوَاءُ الْجُعْلِ) مِنْ شَرْحِ خَلِيلٍ لِابْنِ الْحَاجِبِ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنْ سَبَقَ فُلَانٌ فَلَهُ وَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ فَلَهُ كَذَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَنَحْوُ هَذَا فِي ابْنِ يُونُسَ (أَوْ مَوْضِعُ الْإِصَابَةِ) ابْنُ شَاسٍ: وَيُشْتَرَطُ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُحْتَسَبُ لَهُ إلَّا بِمَا أَصَابَ فِي الدَّائِرَةِ خَاصَّةً وَيُسْتَحَبُّ لِلْآخَرِ مَا أَصَابَ فِي الْجِلْدِ كُلِّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشْبِهُ جَمِيعَهُ صَحِيحٌ لَازِمٌ (أَوْ تُسَاوِيهِمَا) . ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ شَرَطُوا أَنْ لَا يَرْمُوا إلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ جَازَ وَلِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ رَمْيُهُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا مَا لَمْ يُشْتَرَطْ قِيَامٌ، وَتَحَوُّلُهُ مِنْ مَكَان لِآخَرَ مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى غَيْرِهِ.

(وَإِنْ عَرَضَ لِلسَّهْمِ عَارِضٌ أَوْ انْكَسَرَ لِلْفَرَسِ ضَرْبُ وَجْهٍ أَوْ نَزْعُ سَوْطٍ لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا بِخِلَافِ تَضْيِيعِ السَّوْطِ وَحَرَنِ الْفَرَسِ) . ابْنُ شَاسٍ: لَوْ عَرَضَ لِلسَّهْمِ نَكْبَةٌ مِنْ بَهِيمَةٍ عَرَضَتْ أَوْ انْكَسَرَ السَّهْمُ أَوْ الْقَوْسُ فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ مَسْبُوقًا، وَأَمَّا الْفَارِسُ يَسْقُطُ عَنْ فَرَسِهِ أَوْ يَسْقُطُ الْفَرَسُ فَيَنْكَسِرُ، فَإِنْ كَانَ السَّابِقُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ خَرَجَ هَذَا عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا هُوَ وَقَرِينُهُ فَحَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ الَّذِي رَأَى أَهْلُ الْخَيْلِ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدُوَ الَّذِي بَلَغَ الْغَايَةَ سَابِقًا ثُمَّ قَالَ: وَمَا لِهَذَا عِنْدِي وَجْهٌ، وَاخْتَارَ هُوَ إنْ كَانَ مَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الْفَارِسِ مِنْ تَضْيِيعِ السَّوْطِ وَانْقِطَاعِ اللِّجَامِ وَحَرَنِ الْفَرَسِ فَلَا يُعْذَرُ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَفَرَ مِنْ السُّرَادِقِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ وَدَخَلَهُ الْآخَرُ سَبَقَ الْمُتْبِعُ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ نَزَعَ سَوْطَهُ أَوْ ضَرَبَ وَجْهَ فَرَسِهِ عُذِرَ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا (وَجَازَ فِيمَا عَدَاهُ مَجَّانًا) . ابْنُ شَاسٍ: مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَحْكَامِ السِّبَاقِ فَهُوَ مَا بَيْنَ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ يَعْنِي وَالرَّمْيُ وَلَا يُلْحَقُ غَيْرُهَا بِهَا بِوَجْهٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَتَجُوزَ فِيهِ الْمُسَابَقَةُ إذَا كَانَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي نِكَايَةِ الْعَدُوِّ وَنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ، فَتَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمُسَابِقَةُ بَيْنَ السُّفُنِ وَبَيْنَ الطَّيْرِ إذَا كَانَ لِإِيصَالِ الْخَبَرِ بِسُرْعَةٍ لِلنَّفْعِ، وَأَمَّا لِطَلَبِ الْمُغَالَبَةِ فَقِمَارٌ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْفِسْقِ.
وَتَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الْأَقْدَامِ وَفِي رَمْيِ الْحِجَارَةِ.
وَيَجُوزُ الصِّرَاعُ كُلُّ ذَلِكَ إذَا قَصَدَ بِهِ الِانْتِفَاعَ وَالِارْتِيَاضَ لِلْحَرْبِ جَازَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي جَمِيعِهِ.

(وَالِافْتِخَارُ عِنْدَ الرَّمْيِ، وَالرَّجَزُ، وَالتَّسْمِيَةُ وَالصِّيَاحِ وَالْأَحَبُّ ذِكْرُ اللَّهِ لِأَحَادِيث الرَّمْيِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: وَالِافْتِخَارُ وَالِانْتِمَاءُ لِلْقَبِيلَةِ عِنْدَ ظَنِّ الْإِصَابَةِ بِالرَّمْيِ جَائِزٌ وَيَذْكُرُ اللَّهَ أَحَبُّ إلَيَّ كَقَوْلِهِ: أَنَا الْفُلَانِيُّ لِأَنَّهُ إغْرَاءٌ لِغَيْرِهِ.
رُوِيَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى فَقَالَ: أَنَا ابْنُ الْعَوَاتِكِ» . وَرَمَى ابْنُ عُمَرَ بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ فَقَالَ: أَنَا بِهَا أَنَا بِهَا.
وَقَالَ مَكْحُولٌ: أَنَا الْغُلَامُ الْهُذَلِيُّ.
ابْنُ عَرَفَةُ: وَهَذَا فِي حِينِ الْحَرْبِ أَوْضَحُ فَمِنْهُ «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ حِينَ نَزَلَ عَنْ بَغْلَتِهِ وَاسْتَنْصَرَ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ » وَمِنْهُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: خَرَجْت فِي أَثَرِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ وَأَرْتَجِزُ وَأَقُولُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَكَذَلِكَ أُمُورُ الْحُرُوبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَعَدُوِّهِمْ وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ الْقُوَّةِ عَلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِالْمُفَاخَرَةِ فِيهِ، وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي دُجَانَةَ حِينَ تَبَخْتَرَ فِي مِشْيَتِهِ فِي الْحَرْبِ: إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ» . وَأَجَازَ الْمُسْلِمُونَ تَحْلِيَةَ السُّيُوفِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا أُجِيزَ مِنْ التَّفَاخُرِ فِيهِ، وَكَرِهُوا آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَجَازُوا ذَلِكَ فِي السِّلَاحِ.
انْتَهَى بِنَصِّهِ مِنْ النَّوَادِرِ (وَلَزِمَ الْعَقْدُ كَالْإِجَارَةِ) تَقَدَّمَ هَذَا النَّصُّ لِابْنِ شَاسٍ: السَّبَقُ عَقْدٌ لَازِمٌ كَالْإِجَارَةِ مِنْ أَوَّلِ الْفَصْلِ.
قَالَ خَلِيلٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

فصول الكتاب · 7 فصل · 674 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التاج والإكليل لمختصر خليل · 674 صفحة
المقدمة
ٍ: زَكَاةُ النَّعَمِ
ِ (فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ)
َ كِتَابِ الْبُيُوعِ.
خِيَارِ التَّرَوِّي
َ: قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ
ضَمَانِ سِرَايَةِ الْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِي عَيْنِهِ أَوْ جِنْسِهِ
جارٍ التحميل