التاج والإكليل لمختصر خليلصفحات 625-12
أهل الأثرالأرشيف العلمي

خِيَارِ التَّرَوِّي

صفحات 625-12

ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَأْخُذُ الْوَلَدَ بِخِلَافِ الْغَلَّةِ وَالثَّمَرَةِ إلَّا صُوفًا كَانَ عَلَى ظَهْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ابْتَاعَ أَمَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ فَلَّسَ فَلِلْبَائِعِ أَخْذُ الْأَمَةِ وَوَلَدِهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ مَنْ ابْتَاعَ غَنَمًا ثُمَّ فَلَّسَ فَوَجَدَ الْبَائِعُ الْغَنَمَ قَدْ تَنَاسَلَتْ فَلَهُ أَخْذُ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ صُوفٍ جُزَّ أَوْ لَبَنٍ حَلَبَهُ فَذَلِكَ لِلْمُبْتَاعِ، وَكَذَلِكَ النَّخْلُ يَجْنِي ثَمَرَهَا فَهُوَ كَالْغَلَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الشِّرَاءِ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ صُوفٌ قَدْ تَمَّ، وَفِي النَّخْلِ تَمْرٌ قَدْ أُبِّرَ وَاشْتَرَطَ ذَلِكَ الْمُبْتَاعُ فَلَيْسَ كَالْغَلَّةِ وَإِنْ جَدَّ الثَّمَرَةَ أَوْ جَزَّ الصُّوفَ.

(وَأَخَذَ الْمُكْرِي دَابَّتَهُ وَأَرْضَهُ) قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا وَحَلَّ بِالْفَلَسِ وَلَوْ دَيْنَ كِرَاءٍ.
وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ أَنَّ مَنْ اكْتَرَى دَارًا لِسِنِينَ مَعْلُومَةٍ بِنُجُومٍ فَمَاتَ أَوْ فَلَّسَ فَالْأَصَحُّ فِي النَّظَرِ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ بِمَوْتِهِ وَلَا بِتَفْلِيسِهِ إذْ لَا يَحِلُّ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقْبِضْ بَعْدُ عِوَضَهُ.
وَهَذَا أَصْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ لَا يَرَى قَبْضَ الدَّارِ لِلسُّكْنَى قَبْضًا لِلسُّكْنَى فَيَأْتِي عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ الْكِرَاءَ لَا يَحِلُّ بِمَوْتِهِ وَيَنْزِلُ الْوَرَثَةُ مَنْزِلَتَهُ.
وَعِبَارَةُ أَبِي عُمَرَ فِي كَافِيهِ: مَنْ اكْتَرَى دَارًا سَنَةً وَلَمْ يَنْقُدْ الْكِرَاءَ وَسَكَنَهَا بَعْضَ السَّنَةِ ثُمَّ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ، فَرَبُّ الدَّارِ أَحَقُّ بِمَا بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَيُحَاصُّ غُرَمَاءَهُ بِالْأُجْرَةِ مَا مَضَى.
وَعِبَارَةُ ابْنِ عَرَفَةَ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا: إنْ أَفْلَسَ مُشْتَرِي مَنَافِعَ قَبْلَ قَبْضِهَا فَبَائِعُهَا أَحَقُّ بِهَا فِي " الْمُقَدِّمَاتِ " وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ كَسِلْعَةٍ بِيَدِ بَائِعِهَا.
اُنْظُرْ أَنْتَ الْمُقَدِّمَاتِ.

(وَقُدِّمَ فِي زَرْعِهَا فِي الْفَلَسِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا فَزَرَعَهَا وَلَمْ يَنْقُدْ الْكِرَاءَ ثُمَّ مَاتَ فَرَبُّ الْأَرْضِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ فَلَّسَ فَرَبُّ الْأَرْضِ أَحَقُّ بِالزَّرْعِ مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَأْخُذَ كِرَاءَهُ.
ابْنُ يُونُسَ: وَجْهُ هَذَا أَنَّ الْأَرْضَ لَمَّا كَانَتْ مُثْمِرَةً لِلزَّرْعِ فَكَانَ رَبُّهَا مُخْرِجًا لِلزَّرْعِ فَلَمَّا أَكْرَى أَرْضَهُ أَشْبَهَ بَائِعَ الزَّرْعِ.

(ثُمَّ سَاقِيهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْأَجِيرُ عَلَى سَقْيِ زَرْعٍ أَوْ نَخْلٍ أَوْ أَصْلٍ فَإِنْ سَقَاهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي الْفَلَسِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: مُكْرِي الْأَرْضِ مُبْدَأٌ عَلَى الْأَجِيرِ ثُمَّ الْأَجِيرُ مُبْدَأٌ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ.

(ثُمَّ مُرْتَهِنُهُ) قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا فَزَرْعُهَا وَاسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَعْمَلُ فِيهَا وَرَهَنَ الزَّرْعَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ وَفِيهِ الْأُجَرَاءُ ثُمَّ يُفْلِسُ، فَصَاحِبُ الْأَرْضِ وَالْأَجِيرُ مُبْدَآنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ لِلْغُرَمَاءِ.

(وَالصَّانِعُ أَحَقُّ وَلَوْ بِمَوْتٍ بِمَا بِيَدِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الصُّنَّاعُ أَحَقُّ بِمَا أُسْلِمَ إلَيْهِمْ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ لِأَنَّهُ كَالرَّهْنِ (وَإِلَّا فَلَا إنْ لَمْ يُضِفْ لِصَنْعَتِهِ شَيْئًا) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ الصَّانِعُ قَدْ عَمِلَ الصَّنْعَةَ وَرَدَّ الْمَصْنُوعَ لِصَاحِبِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّانِعِ فِيهَا إلَّا عَمَلُ يَدِهِ كَالْخَيَّاطِ وَالْقَصَّارِ وَالنَّسَّاجِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا إنْ أَخْرَجَ الصَّانِعُ مِنْ عِنْدِهِ شَيْئًا سِوَى عَمَلِهِ مِثْلَ الصَّبَّاغِ يَجْعَلُ الصَّبْغَ مِنْ عِنْدِهِ.
وَالصَّيْقَلُ يَجْعَلُ حَوَائِجَ

السُّيُوفِ مِنْ عِنْدِهِ، وَالْفَرَّاءُ يُرَقِّعُ الْفَرْوَ بِرِقَاعٍ مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ أَخَذَ ذَلِكَ رَبُّهُ ثُمَّ فَلَّسَ فَهَذَا إذَا وُجِدَ بِيَدِ أَرْبَابِهِ يُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ ذَلِكَ الصَّبْغِ يَوْمَ الْحُكْمِ بِهِ لَا يُنْظَرُ هَلْ نَقَصَ بِذَلِكَ الثَّوْبِ أَوْ زَادَ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ أَبْيَضَ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الصَّبْغِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَقِيمَةُ الثَّوْبِ أَبْيَضَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ كَانَ لِصَاحِبِ الصَّبْغِ ثُلُثُ الثَّوْبِ وَلِلْغُرَمَاءِ ثُلُثَاهُ إنْ أَبَى أَنْ يُحَاصَّهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْغُرَمَاءُ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ جَمِيعَ أُجْرَتِهِ (إلَّا النَّسْجَ فَكَالْمَزِيدِ) فَيُشَارِكُ بِقِيمَةِ عَمَلِهِ.
تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ النَّسَّاجَ إذَا دَفَعَ الثَّوْبَ صَارَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ إذْ لَيْسَ لَهُ إلَّا عَمَلُ يَدِهِ خَاصَّةً كَالْقَصَّارِ، وَنَصُّ ابْنِ شَاسٍ: النَّسَّاجُ كَالصَّبَّاغِ فَانْظُرْ أَنْتَ فِي هَذَا.
وَبَقِيَ مَسْأَلَةٌ أَعْنِي مِنْ مَسَائِلِ النَّسْجِ وَهِيَ الْبَائِعُ يَبِيعُ الْغَزْلَ فَيَنْسِجُهُ الْمُبْتَاعُ ثَوْبًا ثُمَّ يُفَلِّسُ وَالثَّوْبُ بِيَدِهِ إنْ أَبَى الْبَائِعُ الْمُحَاصَّةَ كَانَ شَرِيكًا بِقِيمَةِ الْعَمَلِ مِنْ قِيمَةِ الْغَزْلِ.
اُنْظُرْ ابْنَ يُونُسَ.

(وَالْمُكْتَرِي بِالْمُعَيَّنَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا أَوْ عَبْدًا بِعَيْنِهِ ثُمَّ مَاتَ الْمُكْرِي أَوْ فَلَّسَ وَلَمْ يَقْبِضْ ذَلِكَ الْمُكْتَرِي فَالْمُكْتَرِي أَحَقُّ بِذَلِكَ حَتَّى يُتِمَّ كِرَاءَهُ كَعَبْدٍ اشْتَرَاهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى فُلِّسَ بَائِعُهُ فَالْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ كَانَ الْكِرَاءُ مَضْمُونًا كَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ (وَبِغَيْرِهَا إنْ قُبِضَتْ) قَالَ مَالِكٌ: لَوْ قَبَضَ الدَّابَّةَ يَعْنِي الْمَضْمُونَةَ وَحَمَلَ عَلَيْهَا فَهُوَ أَوْلَى بِهَا حَتَّى يَتِمَّ لَهُ حَقُّهُ (وَلَوْ أُدِيرَتْ) مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْقَوْمِ يَتَكَارُونَ الْجِمَالَ ثُمَّ يُفْلِسُ صَاحِبُهَا أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ أَحَقُّ بِمَا تَحْتَهُ وَإِنْ كَانَ الْجَمَّالُ يُدِيرُهَا تَحْتَهُمْ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَبِقَوْلِ مَالِكٍ هَذَا أَقُولُ ابْنُ يُونُسَ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَلَا فَرْقَ أَنْ يُدِيرَهَا عَلَيْهِمْ أَوْ لَا يُدِيرَهَا وَإِنَّمَا الْمُرَاعَاةُ بِيَدِ مَنْ هِيَ يَوْمَ الْفَلَسِ فَيَكُونُ أَوْلَى بِهَا (وَرَبُّهَا بِالْمَحْمُولِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالْمُكْرِي عَلَى حَمْلِ مَتَاعٍ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ هُوَ أَوْلَى فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ، كَانَ قَدْ أَسْلَمَ دَوَابَّهُ إلَى الْمُكْتَرِي أَوْ كَانَ مَعَهَا، وَرَبُّ الْمَتَاعِ مَعَهُ أَمْ لَا، وَهُوَ كَالرَّهْنِ وَلِأَنَّ عَلَى دَوَابِّهِ وَصَلَ إلَى الْبَلَدِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَكَأَنَّهَا قَابِضَةٌ لِلْمَتَاعِ كَقَابِضِ الرَّهْنِ (مَا لَمْ يَقْبِضْهُ رَبُّهُ) قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: وَهَذَا مَا دَامَ الْمَتَاعُ بِيَدِهِ فَإِذَا أَسْلَمَهُ كَانَ أَحَقَّ بِهِ كَالصُّنَّاعِ إذَا أَسْلَمُوا الْمَتَاعَ أَوْ لَمْ يُسَلِّمُوهُ الْحُكْمُ وَاحِدٌ.
ابْنُ يُونُسَ: جَعَلُوا الدَّوَابَّ خِلَافَ الدُّورِ وَكَانَ ظُهُورُ الْإِبِلِ جَائِزًا لِمَا عَلَيْهَا وَلِأَنَّ فِي حَمْلِهَا لِذَلِكَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ تَنْمِيَةٌ لِلْمَتَاعِ بِخِلَافِ الدُّورِ لَا تَنْمِيَةَ فِيهَا، فَعَلَى هَذَا السُّفُنُ كَالدَّوَابِّ لَا كَالدُّورِ.

(وَفِي كَوْنِ الْمُشْتَرِي أَحَقَّ بِالسِّلْعَةِ تُفْسَخُ لِفَسَادِ الْبَيْعِ أَوْ لَا وَفِي النَّقْدِ أَقْوَالٌ) ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بَيْعًا فَاسِدًا فَفَلَّسَ الْبَائِعُ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ الْمُبْتَاعُ فَقَالَ سَحْنُونَ: الْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِهَا

حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ثَمَنَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنْ كَانَ ابْتَاعَهَا بِدَيْنٍ فَلَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا وَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ ابْتَاعَهَا بِنَقْدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ فُسِخَ بَيْعُ سِلْعَةٍ لِفَسَادِهِ وَبَائِعُهَا مُفْلِسٌ ثَالِثُ الْأَقْوَالِ، وَعَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ أَنَّ الْمُبْتَاعَ أَحَقُّ فِي النَّقْدِ لَا فِي الدَّيْنِ ثُمَّ أَوْرَدَ سُؤَالًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هَلْ الْمُؤَجَّلُ هُوَ الثَّمَنُ أَمْ السِّلْعَةُ؟ ثُمَّ قَالَ: قُلْت: ظَاهِرُ ابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّ الْمُؤَجَّلَ فِي هَذَا الْقَوْلِ هُوَ الثَّمَنُ.
وَظَاهِرُ النَّوَادِرِ أَنَّهَا السِّلْعَةُ اهـ. اُنْظُرْ هَذَا كُلَّهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ يُونُسَ.
أَمَّا إنْ أَخَذَهَا أَخْذًا فَاسِدًا فَلَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ دَيْنٌ كَدَيْنِهِمْ فَرَجَعَ إلَى مَا كَانَ (وَهُوَ أَحَقُّ بِثَمَنِهِ وَبِالسِّلْعَةِ إنْ بِيعَتْ بِسِلْعَةٍ وَاسْتُحِقَّتْ) لَمَّا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ الثَّلَاثَةَ الْأَقْوَالَ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً شِرَاءً فَاسِدًا وَفَلَّسَ الْبَائِعُ قَالَ مَا نَصُّهُ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ إنْ وَجَدَ الثَّمَنَ الَّذِي دَفَعَهُ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِسِلْعَةٍ فَاسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ الَّتِي كَانَ قَبَضَ كَانَ أَحَقَّ بِالسِّلْعَةِ الَّتِي دَفَعَ إنْ وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ جَمِيعًا قَوْلًا وَاحِدًا.

(وَقُضِيَ بِأَخْذِ الْمَدِينِ الْوَثِيقَةَ أَوْ تَقْطِيعِهَا) الْمُتَيْطِيُّ: الَّذِي بِهِ الْقَضَاءُ لِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَخْذُ وَثِيقَةِ الدَّيْنِ مِنْ صَاحِبِهَا وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِتَقْطِيعِهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يَكْتُبُ عَلَى ظَهْرِهَا اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ فَرْعُ أَنَّ رُسُومَ الْحُقُوقِ لَا تُكَرَّرُ.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ أَشْهَدَ فِي كِتَابٍ ذَكَرَ حَقًّا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ ضَاعَ وَسَأَلَ الشُّهُودَ أَنْ يَشْهَدُوا لَهُ بِمَا حَفِظُوا فَلَا يَشْهَدُوا إنْ كَانُوا حَافِظِينَ لِكُلِّ مَا فِيهِ حَقٌّ خَوْفًا أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَضَى وَمُحِيَ الْكِتَابُ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ: إنْ كَانَ الطَّالِبُ مَأْمُونًا شَهِدُوا لَهُ وَإِلَّا فَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَحَبُّ إلَيَّ (لَا صَدَاقٍ قُضِيَ) الْمُتَيْطِيُّ: وَأَمَّا الزَّوْجَةُ الْمُطَلَّقَةُ أَوْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا يَدْفَعُ إلَيْهَا كَالِئُهَا فَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَدْفَعَ كِتَابَ صَدَاقِهَا إلَى زَوْجِهَا وَلَا إلَى وَرَثَتِهِ لِمَا فِي حَبْسِ صَدَاقِهَا مِنْ الْمَنْفَعَةِ لَهَا مِنْ لُحُوقٍ وَنَسَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَلِرَبِّهَا رَدُّهَا إنْ ادَّعَى سُقُوطَهَا) الْمُتَيْطِيُّ: إذَا دَفَعَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ لِرَبِّ الدَّيْنِ دَيْنَهُ وَدَفَعَ إلَيْهِ رَبُّ الدَّيْنِ عَقْدَهُ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَحَدَهُ الِاقْتِضَاءُ فَاسْتَظْهَرَ لَهُ الْغَرِيمُ بِوَثِيقَةِ الدَّيْنِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ بَرَاءَةٌ وَيُؤْمَرُ بِرَدِّهَا إلَى رَبِّ

الدَّيْنِ إنْ ادَّعَى أَنَّهَا سَقَطَتْ مِنْهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَاقَضَى مَا عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا اقْتَضَى مِنْ دَيْنِهِ شَيْئًا.

(وَلِرَاهِنٍ بِيَدِهِ رَهْنُهُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّاهِنِ يَقْبِضُ الرَّهْنَ ثُمَّ قَامَ الْمُرْتَهِنُ

يَطْلُبُ دَيْنَهُ أَوْ بَعْضَهُ فَزَعَمَ الرَّاهِنُ أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَأَخَذَ رَهْنَهُ فَيَحْلِفُ الرَّاهِنُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (كَوَثِيقَةٍ زَعَمَ رَبُّهَا سُقُوطَهَا وَلَمْ يَشْهَدْ شَاهِدَاهَا إلَّا بِهَا) تَقَدَّمَ مَا لِابْنِ حَبِيبٍ قَبْلَ قَوْلِهِ " لَا صَدَاقٍ "، وَانْظُرْ الْمَسْأَلَةَ قَبْلَ تَرْجَمَةِ الْأَكْرِيَةِ فِي الدُّورِ مِنْ وَثَائِقِ ابْنِ سَلْمُونَ فَتْوَى ابْنِ زَرْبٍ.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ.

[كِتَابُ الْحَجْرِ]

[أَسْبَاب الْحَجَر]

وَأَسْبَابُهُ سَبْعَةٌ: الصِّبَا وَالْجُنُونُ وَالرِّقُّ وَالتَّبْذِيرُ وَالْفَلَسُ وَالْمَرَضُ وَالنِّكَاحُ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ (الْمَجْنُونُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِلْإِفَاقَةِ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَصِحُّ لِإِنْسَانٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ إلَّا بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ وَهِيَ: الْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَكَمَالُ الْعَقْلِ وَبُلُوغُ الرُّشْدِ، وَلَا يَصِحُّ رُشْدٌ مِنْ مَجْنُونٍ لِسُقُوطِ مَيْزِهِ وَذَهَابِ رَأْيِهِ (وَالصَّبِيُّ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَصِحُّ رُشْدٌ مِنْ صَبِيٍّ لِضَعْفِ مَيْزِهِ بِوُجُوهِ مَنَافِعِهِ (لِبُلُوغِهِ بِثَمَانِ عَشْرَةَ أَوْ الْحُلُمِ أَوْ الْحَيْضِ) ابْنُ رُشْدٍ: حَدُّ الرُّشْدِ حُسْنُ النَّظَرِ فِي الْمَالِ وَوَضْعُ الْأُمُورِ فِي مَوَاضِعِهَا، وَحَدُّ الْبُلُوغِ كَمَالُ الْعَقْلِ، وَعَلَامَةُ الْبُلُوغِ الِاحْتِلَامُ فِي الرِّجَالِ وَالْحَيْضُ فِي النِّسَاءِ وَأَنْ يَبْلُغَ أَحَدُهُمَا مِنْ السِّنِّ أَقْصَى سِنِّ مَنْ لَا يَحْتَلِمُ.
الْمَازِرِيُّ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا (أَوْ الْحَمْلِ)

ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَخْتَصُّ الْأُنْثَى بِالْحَيْضِ وَالْحَمْلِ (وَالْإِنْبَاتِ وَهَلْ إلَّا فِي حَقِّهِ تَعَالَى؟ تَرَدُّدٌ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْبُلُوغُ بِالْإِنْبَاتِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ وَقَدْ أَنْبَتَ وَلَمْ يَبْلُغْ أَقْصَى سِنِّ مَنْ لَا يَحْتَلِمُ وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَحْتَلِمْ، وَالْأَصَحُّ عِنْدِي مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُصَدَّقَ وَلَا يُقَامَ عَلَيْهِ حَدٌّ لِشَكِّ احْتِلَامِهِ.
الطُّرْطُوشِيُّ: الْمُرَادُ بِالْإِنْبَاتِ الْإِنْبَاتُ الْخَشِنُ دُونَ الزَّغَبِ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَيَثْبُتُ بِالنَّظَرِ إلَى مِرْآةٍ تُسَامِتْ مَحَلَّ الْإِنْبَاتِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: أَنْكَرَ هَذَا عِزُّ الدِّينِ وَقَالَ: وَهُوَ كَالنَّظَرِ إلَى عَيْنِ الْعَوْرَةِ وَكَذَلِكَ ابْنُ الْقَطَّانِ الْمُحَدِّثُ اهـ. وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيِّ أَنَّ مِنْ أَمَارَةِ الْبُلُوغِ نَتْنُ الْإِبْطِ وَفَرْقُ الْأَرْنَبَةِ مِنْ الْأَنْفِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ خَيْطًا وَيَثْنِيَهُ وَيُدِيرَهُ بِرَقَبَتِهِ وَيَجْمَعَ طَرَفَيْهِ فِي أَسْنَانِهِ فَإِنْ دَخَلَ رَأْسُهُ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا (وَصُدِّقَ إنْ لَمْ يُرَبْ) ابْنُ شَاسٍ: يَثْبُتُ الِاحْتِلَامُ بِقَوْلِهِ إنْ

كَانَ مُمْكِنًا إلَّا أَنْ تُعَارِضَهُ رِيبَةٌ.

(لِلْوَلِيِّ رَدُّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ لَا يَجُوزُ لَهُ فِي مَالِهِ مَعْرُوفٌ مِنْ هِبَةٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَا عِتْقٍ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ، فَإِنْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى أَوْ مَا يُشْبِهُ الْبَيْعَ وَالِاشْتِرَاءَ مِمَّا يَخْرُجُ عَلَى عِوَضٍ وَلَا يُقْصَدُ فِيهِ إلَى فِعْلِ مَعْرُوفٍ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى نَظَرِ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ لَهُ وَلِيٌّ، فَإِنْ رَآهُ سَدَادًا وَغَبَطَهُ أَجَازَهُ وَأَنْفَذَهُ وَإِلَّا أَبْطَلَهُ وَرَدَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ قُدِّمَ لَهُ وَلِيٌّ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ بِوَجْهِ الِاجْتِهَادِ (وَلَهُ إنْ رَشَدَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ بَيْعٌ وَلَا عِتْقٌ وَلَا هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ إلَّا أَنْ يُجْبِرَهُ الْآنَ وَأَسْتَحِبُّ لَهُ إمْضَاءَهُ وَلَا أُجْبِرُهُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونَ: إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْوَلِيُّ بِالنِّكَاحِ وَلَا بِالْبَيْعِ حَتَّى تَرَشَّدَ الْمَحْجُورُ مَضَى وَلِابْنِ رُشْدٍ خِلَافُ هَذَا.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا لِلْوَصِيِّ إمْضَاءُ نِكَاحِ الصَّغِيرِ بِنَفْسِهِ.
مُحَمَّدٌ: فَإِنْ جَهِلَ حَتَّى مَلَكَ نَفْسَهُ مَضَى.
ابْنُ عَاتٍ: وَمِثْلُهُ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ ظَاهِرُهُ لَا تَعَقُّبَ لِلْمَحْجُورِ بَعْدَ مِلْكِهِ أَمْرَ نَفْسِهِ فِي أَفْعَالِهِ مِثْلَ النَّظَرِ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَلِابْنِ مُحْرِزٍ مِثْلُهُ نَصًّا.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْخِيَارُ بَعْدَ مِلْكِهِ أَمْرَ نَفْسِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ دَحُونَ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي بِكْرٍ مُوَلًّى عَلَيْهَا بَاعَتْ حِصَّةً مِنْ أَرْضٍ مَعَ إخْوَتِهَا، فَلَمَّا تَزَوَّجَتْ طَلَبَتْ الرُّجُوعَ فِيمَا بَاعَتْ فَقَالَ: إنْ ثَبَتَ أَنَّ بَيْعَهَا مَعَ إخْوَتِهَا كَانَ إبَاحَةً وَالْبَيْعُ سَدَادٌ لَا غَبْنَ فِيهِ فَالْبَيْعُ تَامٌّ (وَلَوْ حَنِثَ بَعْدَ بُلُوغِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ مَا حَلَفَ بِحُرِّيَّتِهِ وَحَنِثَ بِهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ وَحَنِثَ فِي حَالِ رُشْدِهِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ (أَوْ وَقَعَ الْمَوْقِعَ) ابْنُ رُشْدٍ: وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ إذَا كَانَ مَا فَعَلَهُ الصَّغِيرُ نَظَرًا

وَسَدَادًا مِمَّا كَانَ يَلْزَمُ الْوَلِيَّ أَنْ يَفْعَلَهُ، هَلْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَنْقُضَهُ؟ الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ هُوَ الْمَذْهَبُ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ.

(وَضَمِنَ مَا أَفْسَدَ) ابْنُ رُشْدٍ: يَلْزَمُ الصَّغِيرَ مَا أَفْسَدَ وَكَسَرَ فِي مَالِهِ مِمَّا لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَيْهِ (إنْ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ) مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ: إنْ ابْتَاعَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ أَمَةً حَبِلَتْ مِنْهُ كَانَتْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ وَلَمْ يُتْبَعْ بِالثَّمَنِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بَعَثَ يَتِيمًا فِي طَلَبِ آبِقٍ أَخَذَهُ فَبَاعَهُ وَأَتْلَفَ الثَّمَنَ لِرَبِّ الْعَبْدِ أَخْذُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْيَتِيمِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي أَتْلَفَ وَلَا يَتْبَعُ بِهِ دَيْنًا بِخِلَافِ مَا أَفْسَدَ أَوْ كَسَرَ.
وَعَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: مَا بَاعَهُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ مِنْ مَتَاعِهِ وَانْتَقَدَ ثَمَنَهُ وَعَثَرَ عَلَيْهِ رَدَّ مَتَاعَهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ دَيْنًا عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُدْرَكَ قَائِمًا بِيَدَيْهِ فَيَرُدُّ إلَى صَاحِبِهِ، أَوْ يَكُونُ قَدْ أَدْخَلَهُ فِي مَصَالِحِهِ وَوَفَّرَ بِهِ مِنْ مَالِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ إنْفَاقِ مِثْلِهِ فِيهِ.
وَوَقَعَ أَيْضًا لِأَصْبَغَ فِي نَوَازِلِهِ فِي الْبِكْرِ تَحْتَاجُ فَتَبِيعُ بَعْضَ عُرُوضِهَا وَتُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهَا وَتَصْنَعُ فِي الْبَيْعِ مَا كَانَ يَصْنَعُهُ السُّلْطَانُ أَوْ تَبِيعُ ذَلِكَ عَلَيْهَا أَوْ مِنْ أَحَدِ أَقَارِبِهَا وَهُوَ غَيْرُ وَصِيٍّ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِعُسْرِ الرَّفْعِ لِلْقَاضِي، فَإِنْ كَانَ الَّذِي بِيعَ لَهُ بَالٌ فَهُوَ مَرْدُودٌ، وَإِذَا رُدَّ فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ حُوِّلَ فِي نَفَقَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا حُسِبَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ الَّذِي بَاعَهُ كَالدُّوَيْرَةِ الصَّغِيرَةِ فَهُوَ نَافِذٌ.

[وَصِيَّةُ ابْنِ عَشْرِ سِنِينَ وَأَقَلَّ مِمَّا يُقَارِبُهَا]

(وَصَحَّتْ وَصِيَّتُهُ كَالسَّفِيهِ إنْ لَمْ يُخَلِّطْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: تَجُوزُ وَصِيَّةُ ابْنِ عَشْرِ سِنِينَ وَأَقَلَّ مِمَّا يُقَارِبُهَا إذَا أَصَابَ وَجْهَ الْوَصِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي اخْتِلَاطٍ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَجَازَ

مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَصِيَّةَ مَنْ يَعْقِلُ مَا يُوصِي بِهِ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ وَشِبْهُهُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَتَجُوزُ وَصِيَّةُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَالسَّفِيهِ وَالْمُصَابِ حَالَ إفَاقَتِهِ لَا حَالَ خَبَلِهِ.
(إلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الْأَبِ بَعْدَهُ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا ثَمَرَ مَالُهُ وَحَاطَهُ اسْتَوْجَبَ الرُّشْدَ حَتَّى وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرَضِيِّ الْحَالِ.
ابْنُ هِشَامٍ: وَبِهَذَا

هُوَ الْعَمَلُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الِابْنُ فِي وِلَايَةِ أَبِيهِ مَا دَامَ صَغِيرًا وَيَخْرُجُ مِنْ الْوِلَايَةِ بِبُلُوغِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ الْأَبُ عَلَى إطْلَاقِهِ مِنْ الْوِلَايَةِ.
هَذَا إنْ بَلَغَ مَعْلُومًا بِالرُّشْدِ وَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يَرُدَّ مِنْ أَفْعَالِهِ شَيْئًا، فَإِنْ بَلَغَ وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالسَّفَهِ فَلَا يُخْرِجُهُ الِاحْتِلَامُ مِنْ وِلَايَةِ أَبِيهِ وَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا مَرْدُودَةٌ غَيْرُ جَائِزَةٍ.
وَاخْتُلِفَ إنْ بَلَغَ مَجْهُولَ الْحَالِ لَا يُعْلَمُ رُشْدُهُ مِنْ سَفَهِهِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَاَلَّذِي فِي الِاسْتِغْنَاءِ: لِلْأَبِ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى ابْنِهِ قُرْبَ بُلُوغِهِ فَإِنْ بَعُدَ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ إلَّا السُّلْطَانُ.
(وَفَكِّ وَصِيٍّ أَوْ مُقَدَّمٍ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ مَاتَ الْأَبُ وَهُوَ صَغِيرٌ وَأَوْصَى بِهِ إلَى أَحَدٍ أَوْ قَدَّمَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ فَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ وِلَايَةِ أَبِيهِ وَلَا مُقَدَّمِ السُّلْطَانِ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْهَا الْوَصِيُّ أَوْ السُّلْطَانُ إنْ كَانَ الْوَصِيُّ مُقَدَّمًا مِنْ قِبَلِهِ، وَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا مَرْدُودَةٌ وَإِنْ عُلِمَ رُشْدُهُ مَا لَمْ يُطْلَقْ مِنْ الْحِجْرَانِ.
هَذَا قَوْلُ ابْنِ زَرْبٍ أَنَّ الْوَصِيَّ مِنْ قِبَلِ

الْقَاضِي لَا يُطْلَقُ مِنْ الْوِلَايَةِ إلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي، وَأَمَّا وَصِيُّ الْأَبِ فَإِطْلَاقُهُ جَائِزٌ وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيمَا يُذْكَرُ مِنْ حَالِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ إلَّا مِنْ قَوْلِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ زَرْبٍ: مُقَدَّمُ الْقَاضِي يَكْفِي إطْلَاقُهُ كَوَصِيِّ الْأَبَدِ، وَأُخِذَ مِنْ إرْخَاءِ السُّتُورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْيَتِيمِ وَصِيٌّ فَأَقَامَ لَهُ الْقَاضِي خَلِيفَةً كَانَ كَالْوَصِيِّ فِي جَمِيعِ أَمْرِهِ.
وَانْظُرْ إذَا تَصَرَّفَ الْمَحْجُورُ بِمَرْأًى مِنْ وَصِيِّهِ وَطَالَ تَصَرُّفُهُ، أَفْتَى ابْنُ الْحَاجِّ وَابْنُ عَتَّابٍ وَابْنُ رُشْدٍ أَنَّ مَا لَحِقَهُ مِنْ دَيْنٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ وَتَصَرُّفُهُ مَاضٍ.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ فِي نَوَازِلِهِ: وَبِهَذَا هُوَ الْعَمَلُ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ مَتَى رَآهُ وَلِيُّهُ وَسَكَتَ فَإِنَّهُ مَاضٍ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا بِتُونُسَ.
وَنَقَلَ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ حَدَّيْنِ فِي ابْنٍ اشْتَرَى مِلْكًا وَثَبَتَ أَنَّهُ فِي وِلَايَةِ أَبِيهِ فَقَامَ الْأَبُ يَرُدُّ الْبَيْعَ مُدَّعِيًا أَنَّهُ حِينَ الْبَيْعِ كَانَ غَائِبًا، وَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الْأَبَ كَانَ حَاضِرًا.
فَأَجَابَ ابْنُ مَيْسُورٍ: إنْ أَثْبَتَ الْغَيْبَةَ الْمَذْكُورَةَ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَإِلَّا حَلَفَ وَرَدَّ الْبَيْعَ.
وَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ: إنْ ثَبَتَ أَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَزَلْ مُطَالِبًا لِلثَّمَنِ بَعْدَ قُدُومِ الْأَبِ ثَبَتَ الْبَيْعُ.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَكَذَا الْعُرْفُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَا فَعَلَهُ الْمَحْجُورُ بِعِلْمِ حَاجِرِهِ فَهُوَ مَاضٍ وَلَا مَرَدَّ لَهُ، وَإِنَّمَا يُرَدُّ مَا لَا شُعُورَ لَهُ بِهِ.
وَانْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ أَنَّ الْوَصِيَّ إنْ تَرَكَ النَّظَرَ لِمَحْجُورِهِ أَنَّ الْمَحْجُورَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا نَقَصَهُ، وَلِلْمُتَيْطِيِّ: أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ نِكَاحَ ذِي الْوَصِيِّ إذَا كَانَ حِينَ الْعَقْدِ بِحَالِ رُشْدِهِ، وَكَذَلِكَ مَا فَعَلَ فِي هَذَا الْحَالِ مِنْ ابْتِيَاعٍ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ: وَبِذَلِكَ كَانَ يُفْتِي بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْتُهُ مِنْ الشُّيُوخِ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ فِي الْمُوَلَّى عَلَيْهِ أَنَّ شَهَادَتَهُ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا.
قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَبِهَذَا هُوَ الْعَمَلُ.
وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي قَاضٍ قَدَّمَ مَحْجُورًا عَلَى يَتِيمٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِحَجْرِهِ ثُمَّ ثَبَتَ حَجْرُهُ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي هَذَا وَأَتَقَلَّدُهُ أَنَّ تَقْدِيمَ الْقَاضِي مُخْرِجٌ لَهُ مِنْ الْحَجْرِ إنْ عَلِمَ بِالرُّشْدِ مُرَاعَاةً لِمَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ الرُّشْدَ لَا عِبْرَةَ بِالْوِلَايَةِ.
عِيَاضٌ: نَاظَرَ ابْنُ لُبَابَةَ فِي الْمُوَلَّى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا

يَخْرُجُ مِنْ الْوِلَايَةِ حَتَّى يُطْلِقَهُ الْقَاضِي فَقَالَ لَهُ ابْنُ مزدم: فَأَنْتَ السَّاعَةَ مُوَلًّى عَلَيْك، فَخَجِلَ وَكَانَ سَبَبَ رُجُوعِهِ لِلْقَوْلِ الْآخَرِ، وَسَيَأْتِي نَصُّ الْمُنْتَخَبِ أَنَّ مَنْ حَسُنَتْ حَالُهُ لَا يَحْتَاجُ لِإِطْلَاقٍ مِنْ حَجْرٍ اُنْظُرْ قَبْلُ " وَزِيدَ لِلْأُنْثَى.

" (إلَّا كَدِرْهَمٍ لِعَيْشِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ بَيْعٌ وَلَا يُلْزَمُ ذَلِكَ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ، وَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ أَيْضًا إلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لِعَيْشِهِ مِثْلُ الدِّرْهَمِ يَبْتَاعُ بِهِ لَحْمًا أَوْ خُبْزًا أَوْ بَقْلًا وَنَحْوَهُ يَشْتَرِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ وَهُوَ تُدْفَعُ إلَيْهِ نَفَقَتُهُ فَيَشْتَرِي بِهَا مَا يُصْلِحُهُ (لَا طَلَاقِهِ) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي طَلَاقِ مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَلْزَمُهُ.
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ: إنْ نَاهَزَ الْبُلُوغَ لَزِمَهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَذْهَبُ لُزُومُ طَلَاقِ السَّفِيهِ الْمُكَلَّفِ.

[لَا حَجْرَ عَلَى السَّفِيهِ فِي اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ وَنَفْيِهِ]

(وَاسْتِلْحَاقِ نَسَبٍ وَنَفْيِهِ) اُنْظُرْ هَذَا الْعَطْفَ مُتَعَلَّقُهُ فِي السَّفِيهِ الْبَالِغِ، وَمُتَعَلَّقُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الصَّبِيِّ.
ابْنُ شَاسٍ: لَا حَجْرَ عَلَى السَّفِيهِ فِي اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ وَنَفْيِهِ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ مَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ إلَّا الْمَنْفَعَةُ فِعْلُهُ فِيهِ جَائِزٌ.

(وَعِتْقِ مُسْتَوْلَدَتِهِ وَقِصَاصٍ) ابْنُ رُشْدٍ: السَّفِيهُ الْبَالِغُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ حُقُوقِ اللَّهِ فِي بَدَنِهِ وَمَالِهِ، وَيَلْزَمُهُ مَا وَجَبَ فِي بَدَنِهِ مِنْ حَدٍّ وَقِصَاصٍ، وَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَالظِّهَارُ وَعِتْقُ أُمِّ وَلَدِهِ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الزَّوْجَةَ الَّتِي لَيْسَ لَهُ فِيهَا إلَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِالْوَطْءِ (وَنَفْيِهِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْبِكْرِ الَّتِي حَاضَتْ يُجْنَى عَلَيْهَا عَمْدًا فَتَعْفُو هِيَ وَيُرِيدُ أَبُوهَا الْقِصَاصَ: فَلَيْسَ لِلْأَبِ قِصَاصٌ خِلَافًا لِأَصْبَغَ (وَإِقْرَارٍ بِعُقُوبَةٍ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ يَلْزَمُهُ مَا وَجَبَ فِي بَدَنِهِ مِنْ حَدٍّ وَقِصَاصٍ وَمِنْ الِاسْتِغْنَاءِ إذَا وَجَبَ عَلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ كَفَّارَةُ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ صَامَ وَلَمْ يُعْتِقْ، فَإِنْ قُتِلَ عَمْدًا صَالَحَ وَلِيُّهُ بِمَالِهِ لِأَنَّ تَلَفَ نَفْسِهِ أَضَرُّ مِنْ تَلَفِ مَالِهِ وَلَا يَنْفَعُهُ بَقَاءُ مَالِهِ إذَا تَلِفَتْ نَفْسُهُ.

[تَصَرُّفَات الصَّغِير قَبْل الْحَجَر]

(وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا ابْنِ الْقَاسِمِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ مَاتَ الْأَبُ وَلَمْ يُوصِ بِهِ إلَى وَاحِدٍ وَلَا قَدَّمَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ وَصِيًّا وَلَا نَاظِرًا فَقَالَ مَالِكٌ وَكُبَرَاءُ أَصْحَابِهِ: أَفْعَالُهُ كُلُّهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ جَائِزَةٌ نَافِذَةٌ، رَشِيدًا كَانَ أَوْ سَفِيهًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فِي شَيْءٍ.
وَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى حَالِهِ يَوْم بَيْعِهِ وَابْتِيَاعِهِ، فَإِنْ كَانَ رَشِيدًا جَازَتْ أَفْعَالُهُ، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا لَمْ يَجُزْ مِنْهَا شَيْءٌ، وَاتَّفَقُوا أَنَّ أَفْعَالَهُ جَائِزَةٌ لَا يُرَدُّ مِنْهَا شَيْءٌ إنْ جُهِلَتْ حَالُهُ وَلَمْ يُعْلَمْ بِسَفَهٍ وَلَا رُشْدٍ (وَعَلَيْهِمَا الْعَكْسُ فِي تَصَرُّفِهِ إنْ رَشَدَ بَعْدَهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَعَلَيْهِمَا الْعَكْسُ فِي تَصَرُّفِهِ بَعْدَ الْحَجْرِ إذَا رَشَدَ ابْنُ عَرَفَةَ: مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي إمْضَاءِ فِعْلِ مَنْ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ إذَا كَانَ رَشِيدًا فِي نَفْسِهِ أَنَّهُمَا مُخَرَّجَانِ عَلَى قَوْلَيْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي هَذَا السَّمَاعِ نِكَاحَ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ إذْنِ وَصِيِّهِ إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ رَشِيدًا فِي أَحْوَالِهِ مِثْلُهُ لَوْ طَلَبَ مَالَهُ أُعْطِيهِ، وَهَذَا مَشْهُورُ أَقْوَالِهِ أَنَّ الْوِلَايَةَ الثَّانِيَةَ عَلَى الْيَتِيمِ لَا يُعْتَبَرُ ثُبُوتُهَا إذَا عُلِمَ رُشْدُهُ، وَلَا سُقُوطُهَا إنْ عُلِمَ سَفَهُهُ خِلَافُ مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ.
وَفِي مُنْتَخَبِ الْأَحْكَامِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زَمَنِينَ: الْمُوَلَّى عَلَيْهِ إذَا رَشَدَ وَحَسُنَتْ حَالُهُ فَمَا فَعَلَ فِي هَذِهِ الْحَالِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ ابْتِيَاعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْظُرُ فِيهِ لِنَفْسِهِ فَهُوَ جَائِزٌ مَاضٍ وَإِنْ لَمْ يُطْلِقْهُ مِنْ الْحَجْرِ قَاضٍ وَلَا وَصِيٌّ، وَبِهَذَا كَانَ يُفْتِي مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ الْمُقْتَدَى بِهِمْ فِي الْفُتْيَا، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ مَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ: سَأَلَ مَالِكٌ عَنْ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ لَمْ يُدْفَعْ لَهُ بَعْدُ مَالُهُ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ عَدْلًا شَهَادَتُهُ مَاضِيَةٌ وَإِنْ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ مَالُهُ اهـ. وَانْظُرْ فِي تَرْجَمَةٍ مِنْ ابْنِ سَلْمُونَ وَارِثُ الْمَحْجُورِ هَلْ يَرُدُّ أَفْعَالَ مَنْ وَرِثَهُ الْمَحْجُورُ.

(وَزِيدَ لِلْأُنْثَى دُخُولُ زَوْجٍ وَشَهَادَةُ الْعُدُولِ عَلَى صَلَاحِ حَالِهَا وَلَوْ جَدَّدَ أَبُوهَا حَجْرًا) ابْنُ رُشْدٍ: إذَا بَلَغَتْ الْبِكْرُ الْمَحِيضَ وَهِيَ ذَاتُ أَبٍ فَفِي حُكْمِهَا ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ، الْقَوْلُ الثَّانِي قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَالْمُدَوَّنَةِ وَالْوَاضِحَةِ أَنَّ الِابْنَةَ الْبِكْرَ فِي وِلَايَةِ أَبِيهَا حَتَّى تُزَوَّجَ وَيَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا وَيُعْرَفَ مِنْ حَالِهَا أَيْ يَشْهَدُ الْعُدُولُ عَلَى صَلَاحِ أَمْرِهَا، فَهِيَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا مَا لَمْ تُنْكَحْ وَيَدْخُلْ بِهَا زَوْجُهَا فِي وِلَايَتِهَا مَرْدُودَةٌ أَفْعَالُهَا وَإِنْ عُلِمَ رُشْدُهَا، فَإِذَا دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا حُمِلَتْ عَلَى السَّفَهِ وَرُدَّتْ أَفْعَالُهَا مَا لَمْ يَظْهَرْ رُشْدُهَا، وَإِنْ عُلِمَ رُشْدُهَا جَازَتْ أَفْعَالُهَا وَخَرَجَتْ مِنْ وِلَايَةِ أَبِيهَا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِقُرْبِ بِنَاءِ زَوْجِهَا عَلَيْهَا إلَّا أَنَّ مَالِكًا اسْتَحَبَّ أَنْ يُؤَخَّرَ أَمْرُهَا الْعَامَ وَنَحْوَهُ اسْتِحْبَابًا مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ بَعْدَ هَذَا: الْقَوْلُ الثَّامِنُ أَنَّهَا فِي وِلَايَةِ أَبِيهَا حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَعْوَامٍ.
وَيُعْزَى هَذَا الْقَوْلُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: إنَّ هَذَا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْأَبُ عَلَيْهَا السَّفَهَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَهُ ابْنُ زَرْبٍ وَابْنُ الْعَطَّارِ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ الْإِشْبِيلِيُّ: لَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُضَمَّنَ عَقْدُ التَّجْدِيدِ بِمَعْرِفَةِ الشُّهُودِ بِسَفَهِهَا، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يُصَدَّقَ الْأَبُ فِي دَعْوَاهُ سَفَهَهَا، ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا إنْ كَانَتْ يَتِيمَةً ذَاتَ وَصِيٍّ مِنْ قِبَلِ أَبِيهَا أَوْ مُقَدَّمٍ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي، فَالْمَشْهُورُ وَقْفُ إطْلَاقِهَا مِنْ ثِقَافِ الْحَجْرِ بِمَا يَصِحُّ إطْلَاقُهَا مِنْهُ بِهِ.
اُنْظُرْ فِي أَوَّلِ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ أَنَّ الْعَمَلَ فِي الْمُتَزَوِّجَةِ تَمْضِي أَفْعَالُهَا بَعْدَ سِتَّةِ أَعْوَامٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَزِمَتْهَا وِلَايَةٌ فَلِأَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَانْظُرْ إذَا أَوْصَى عَلَيْهَا ثُمَّ عَاشَ حَتَّى زَوَّجَهَا وَمَاتَ بَعْدَ بُلُوغِهَا الْحَدَّ، هَلْ تَكُونُ كَمَنْ لَا وَلِيَّ عَلَيْهَا؟ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ سَلْمُونُ.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ يَتِيمَةً لَمْ يُوَلَّ عَلَيْهَا بِأَبٍ وَلَا وَصِيٍّ فَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: الَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ الشُّيُوخَ أَنْ لَا تُجَازَ أَفْعَالُهَا حَتَّى يَمُرَّ بِهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا مِثْلُ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ (عَلَى الْأَرْجَحِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ فَانْظُرْ أَنْتَ ابْنَ يُونُسَ.

(وَلِلْأَبِ تَرْشِيدُهَا قَبْلَ دُخُولِهَا) ابْنُ مُزَيْنٍ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّ الْبِكْرَ إذَا شُهِدَ لَهَا أَنَّهَا مُصْلِحَةٌ لِمَالِهَا وَقَدْ بَلَغَتْ الْمَحِيضَ دُفِعَ إلَيْهَا مَالُهَا بَعْدَ أَنْ تَرْتَفِعَ فِي السِّنِّ عَنْ الْحَدَاثَةِ (كَالْوَصِيِّ) مِنْ الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ مَا نَصُّهُ: إطْلَاقُ الْمُوصَى مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَشْهَدَ فُلَانٌ أَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ رُشْدُ يَتِيمِهِ فُلَانٍ أَطْلَقَهُ وَرَشَّدَهُ وَمَلَّكَهُ أَمْرَ نَفْسِهِ وَمَالِهِ.
ابْنُ عَاتٍ: فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ سَفِيهًا لَزِمَتْهُ الْوِلَايَةُ وَرُدَّ فِعْلُهُ وَعُزِلَ الْوَصِيُّ وَجُعِلَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَلَمْ

يَضْمَنْ الْوَصِيُّ شَيْئًا مِمَّا أَتْلَفَهُ لِأَنَّهُ فَعَلَ بِاجْتِهَادِهِ.
اُنْظُرْ ابْنَ عَاتٍ وَتَرْجَمَةَ الْقَضَاءِ فِي إطْلَاقِ السُّفَهَاءِ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ وَالتَّرْجَمَةَ الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ تَرْجَمَةُ الْقَضَاءِ فِي بَيْعِ السَّفِيهِ (وَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ رُشْدُهَا) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَفَكِّ وَصِيٍّ " قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ إطْلَاقُ الْأَبِ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ الرُّشْدُ إلَّا مِنْ قَوْلِهِ قَالَ ابْنُ عَاتٍ وَهُوَ ظَاهِرُ رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا خِلَافُ رِوَايَةِ أَصْبَغَ.

(وَفِي مُقَدَّمِ الْقَاضِي خِلَافٌ) اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَفَكِّ وَصِيٍّ أَوْ مُقَدَّمٍ " (وَالْوَلِيُّ الْأَبُ) ابْنُ عَرَفَةَ: وَلِيَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ أَبُوهُ ثُمَّ وَصِيُّهُ ثُمَّ الْحَاكِمُ.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا تَجُوزُ وَصِيَّةُ الْجَدِّ بِوَلَدِ الْوَلَدِ وَلَا أَخٍ بِأَخٍ وَإِنْ قَلَّ الْمَالُ، وَلَا يَجُوزُ إيصَاءُ الْأُمِّ بِمَالِ وَلَدِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ إنْ كَثُرَ الْمَالُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا كَالسِّتِّينَ دِينَارًا جَازَ إسْنَادُهَا لِعَدْلٍ فِيمَنْ لَا أَبِ لَهُ وَلَا وَصِيَّ اهـ. وَانْظُرْ قَدْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُوصِيَ لِذِي أَبٍ وَيَخَافُ مِنْ الْأَبِ أَنْ يُضَيِّعَهَا لَهُ أَوْ يَأْكُلَهَا.
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَهَبَ لِصَغِيرٍ هِبَةً وَحَمَلَ مَنْ يَحُوزُهَا لَهُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ وَتُرْضَى حَالُهُ فَتُدْفَعَ إلَيْهِ وَيُشْهَدَ لَهُ بِذَلِكَ، فَهَذَا حَوْزٌ كَانَ لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَإِذَا بَلَغَ فَلَهُ أَنْ يَقْبِضَ بِخِلَافِ مَا إذَا وَهَبَهُ لِغَيْرِ سَفِيهٍ وَلَا صَغِيرٍ وَلَا عَبْدٍ وَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِحِيَازَةٍ، وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا لِلصَّغِيرِ خَوْفَ أَنْ يَأْكُلَهَا لَهُ الْوَلِيُّ.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " لَا حَاضِنَ " (وَلَهُ الْبَيْعُ مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَهُ) الْمُتَيْطِيُّ: بَيْعُ الْأَبِ عَلَى صِغَارِ بَنِيهِ وَأَبْكَارِ

بَنَاتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّظَرِ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهُ.
(ثُمَّ وَصِيُّهُ وَإِنْ بَعُدَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ أَنْ تُوصِيَ الْأُمُّ بِمَالِ وَلَدِهَا إنْ كَانَتْ وَصِيًّا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ (وَهَلْ كَالْأَبِ أَوْ إلَّا الرَّبْعَ فَبِبَيَانِ السَّبَبِ؟ خِلَافٌ) ابْنُ يُونُسَ: الْوَصِيُّ الْعَدْلُ كَالْأَبِ يَجُوزُ لَهُ مَا يَجُوزُ لِلْأَبِ وَلَا يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يَبِيعَ

عَقَارَ ابْنِهِ إلَّا لِوَجْهِ نَظَرٍ كَالْوَصِيِّ.
ابْنُ عَرَفَةَ: تَأَمَّلْ هَذَا مَعَ نَقْلِ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّهُ عَلَى النَّظَرِ اتِّفَاقًا.
وَمِنْ النُّكَتِ: لِلْأَبِ أَنْ يَبِيعَ عَلَى الِابْنِ الصَّغِيرِ عَقَارَهُ وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَالْوَصِيِّ الَّذِي لَا يَبِيعُ إلَّا لِنَظَرٍ أَوْ وَجْهٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ: مَحْمَلُ بَيْعِ الْوَصِيِّ عَلَى غَيْرِ النَّظَرِ حَتَّى يَثْبُتَ النَّظَرُ بِخِلَافِ الْأَبِ، وَهَذَا فِي الرِّبَاعِ خَاصَّةً، وَأَمَّا غَيْرُ الرِّبَاعِ فَهُمَا جَمِيعًا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهُ.
هَذَا مَعْنَى مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ بَيْعُ عَقَارِ الْيَتِيمِ إلَّا لِوُجُوهٍ حَصَرَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْعَدِّ.
ابْنُ عَرَفَةَ: حَاصِلُ عَدِّهَا أَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا: دَيْنٌ لَا قَضَاءَ لَهُ مِنْ غَيْرِ ثَمَنِهِ، نَفَقَةُ الْيَتِيمِ، ثُمَّ كَثْرَةُ الثَّمَنِ الْحَلَالِ لِخَرَابِهِ وَلَيْسَ ثَمَّ مَا يُصْلِحُهُ بِهِ لِشِرْكٍ فِيهِ لِيُعَوِّضَهُ مَا لَا شِرْكَ فِيهِ لِدَعْوَى شَرِيكِهِ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ بَيْعُهُ وَلَا مَالَ لِلْيَتِيمِ يَبْتَاعُ لَهُ بِهِ تِلْكَ الْحِصَّةَ لِكَوْنِهِ مَوْضِعًا لِيَسْتَبْدِلَ لَهُ خَيْرًا لِأَنَّهُ لَا يَعُودُ بِنَفْعٍ كَكَوْنِهِ دَارًا بَيْنَ الْيَهُودِ لِيَشْتَرِيَ لَهُ بَيْن الْمُسْلِمِينَ، وَكَكَوْنِهِ مُثْقَلًا بِالْمَغْرَمِ أَوْ يُخْشَى عَلَيْهِ النُّزُولُ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَدْ جَمَعْتهَا فِي سِتَّةِ أَبْيَاتٍ اُنْظُرْهَا فِيهِ.

(وَلَيْسَ لَهُ هِبَةٌ لِلثَّوَابِ) النُّكَتُ: أَمَّا الْأَبُ

فَتَجُوزُ هِبَةُ مَالِ وَلَدِهِ لِلثَّوَابِ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ لِأَنَّ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ إذَا فَاتَتْ بِيَدِ الْمَوْهُوبِ إنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَالْوَصِيُّ لَا يَبِيعُ لَهُ بِالْقِيمَةِ.
وَفِي نَوَازِلِ عِيَاضٍ فِي رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى بِنْتِهِ بِعَقَارٍ ثُمَّ بَاعَ ذَلِكَ الْعَقَارَ بِاسْمِ نَفْسِهِ مِنْ ابْنٍ لَهُ فَوَجَدَ زَوْجُ الْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ عَقْدَ الصَّدَقَةِ فِي تَرِكَةِ الْأَبِ قَالَ: تَحْلِفُ مَا عَلِمَتْ بِالْهِبَةِ إلَّا الْآنَ وَتَصِحُّ الْهِبَةُ لَهَا، وَأَمَّا الْبَيْعُ فَمَاضٍ وَتَطْلُبُ تَرِكَتَهُ بِالثَّمَنِ لِمَا رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِدَارٍ أَوْ عَبْدٍ ثُمَّ بَاعَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي مَالِ الْأَبِ.
اُنْظُرْ النَّوَازِلَ الْمَذْكُورَةَ.
وَهَلْ مِثْلُ ذَلِكَ مَا وَهَبَهُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ أَوْ تَزَوَّجَ بِهِ أَوْ أَعْتَقَهُ (ثُمَّ حَاكِمٌ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ.

(وَبَاعَ بِثُبُوتِ يُتْمِهِ وَإِهْمَالِهِ وَمِلْكِهِ لِمَا بِيعَ وَأَنَّهُ الْأَوْلَى) ابْنُ عَرَفَةَ: يُطْلَبُ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْمَحْجُورِ ذِكْرُ كَوْنِهِ أَوْلَى مَا يُبَاعُ عَلَيْهِ فِي نَفَقَةٍ أَوْ دَيْنٍ.
الْمُتَيْطِيُّ: وَيُكْتَبُ فِي الْوَثِيقَةِ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ يُتْمُ فُلَانٍ وَلَمْ يُلْفَ عَلَى الْمُبْتَاعِ زَائِدٌ وَإِنَّ الْبَيْعَ بِالثَّمَنِ الْمَذْكُورِ سَدَادٌ وَنَظَرٌ (وَحِيَازَةُ الشُّهُودِ لَهُ وَالتَّسَوُّقُ وَعَدَمُ إلْغَاءِ زَائِدٍ وَالسَّدَادُ فِي الثَّمَنِ) هَذَا كُلُّهُ هُوَ نَصُّ وَثِيقَةِ الْمُتَيْطِيِّ (وَفِي تَصْرِيحِهِ بِأَسْمَاءِ الشُّهُودِ قَوْلَانِ) الْمُتَيْطِيُّ: كَانَ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ يُلْزِمُ الْقَاضِيَ الْكَشْفَ عَنْ أَسْمَاءِ الشُّهُودِ الَّذِينَ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَتِهِمْ يُتْمُ الْيَتِيمِ وَاحْتِيَاجُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَثْبُتَ عِنْدَهُ، وَيُلْزَمُ الشُّهُودُ حِيَازَةُ مَا شَهِدُوا فِيهِ وَأَنْ تَكُونَ حِيَازَتُهُمْ لِذَلِكَ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ آخَرِينَ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَكْتَفِي بِأَنْ يَقُولَ: وَثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي بِمَنْ قَبِلَ وَأَجَازَ يُتْمَ الْيَتِيمِ فُلَانٍ وَفَاقَتَهُ، وَكَذَا مَا يَذْكُرُ الْقَاضِي ثُبُوتَهُ عِنْدَهُ.
وَيَسْقُطُ أَيْضًا ذِكْرُ حِيَازَةِ الشُّهُودِ لِمَا شَهِدُوا فِيهِ، وَيُرَى أَنَّ فِي قَوْلِ الشُّهُودِ حَدُّ الدَّارِ كَذَا يُغْنِي عَنْ حِيَازَتِهِمْ لَهَا.
قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: وَلِكُلِّ قَوْلٍ حُجَّةٌ وَأَحْسَنُ عِنْدِي لِلْقَاضِي أَنْ يُكَلِّفَهُمْ الْحِيَازَةَ إنْ لَمْ تَكُنْ بِذَلِكَ مَضَرَّةٌ لِلْيَتِيمِ إذْ رُبَّمَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ وَالْحَاجَةُ بِالِاسْتِفَاضَةِ، وَأَنَّهُ إنْ ذَهَبَ لِيَتَحَقَّقَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِالْعُدُولِ ضَاعَ الْيَتِيمُ وَوَصَلَتْ إلَيْهِ الْحَاجَةُ.

(لَا حَاضِنَ كَجَدٍّ وَعُمِلَ بِإِمْضَاءِ الْيَسِيرِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَفِي مُقَدَّمِ الْقَاضِي خِلَافٌ " وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: لِلْحَاضِنِ قَرِيبٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ امْرَأَةٍ أَنْ يَبِيعَ عَلَى الْمُهْمَلِ الْيَسِيرِ مِنْ عَقَارِهِ الَّذِي يَكُونُ ثَمَنُهُ مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ إلَى عِشْرِينَ دِينَارًا وَيَنْفُذُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
وَبِمَا قَدَّمْنَاهُ جَرَى الْعَمَلُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ فِي تَرْجَمَةِ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ كَأَنَّهُ رَشَّحَ قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ أَوْ الْقَرِيبَ إذَا قَامَ بِوِلَايَةِ الْيَتِيمِ وَاكْتَنَفَهُ بِغَيْرِ إيصَاءٍ وَلَا تَقْدِيمِ قَاضٍ أَنَّهُ يُنْفِقُ لَهُ، وَعَلَيْهِ مَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ عَلَى مَنْ أَوْصَى إلَيْهِ مِنْ مُقَاسَمَةٍ أَوْ ابْتِيَاعٍ أَوْ تَزْوِيجٍ أَوْ صُلْحٍ أَوْ إنْفَاقٍ أَوْ حِيَازَةِ صَدَقَةٍ

مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَشِبْهِهِ يُنَزَّلُ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْوَصِيِّ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَبِهَذَا نَقُولُ.
وَأَعْلَمْتُ بِهِ أَصْبَغَ فَاسْتَحْسَنَهُ وَلَمْ يَكُنْ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُهُ هَكَذَا مُجْمَلًا إلَّا أَنَّهُ قَدْ قَالَهُ فِي مَوْلَى اللَّقِيطِ انْتَهَى.
وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً تُعْرَفُ لِرَجُلٍ وَزَعَمَ أَنَّهُ وَكِيلُهُ فَإِنْ كَانَ يَعْمَلُ لَهُ حَتَّى يُثْبِتَ لَهُ شُبْهَةَ الْوَكَالَةِ فَالْغَلَّةُ لِلْمُشْتَرِي وَكَذَلِكَ الْأُمُّ تَبِيعُ حَقَّ الصِّبْيَانِ وَهِيَ غَيْرُ وَصِيَّةٍ ثُمَّ يَبْلُغُ الْأَطْفَالُ، فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ تُقَوِّمُ وَتُحَوِّطُ وَتَنْظُرُ فَبَاعَتْ وَهِيَ كَذَلِكَ فَالْغَلَّةُ لِلْمُبْتَاعِ (وَفِي حَدِّهِ تَرَدُّدٌ) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ: التَّافِهُ الْيَسِيرُ ثَمَنُ الْعِشْرِينَ دِينَارًا.
وَقَالَ ابْنُ سَعِيدٍ: الْعَشَرَةُ دَنَانِيرَ وَنَحْوُهَا.
وَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ: ثَلَاثُونَ دِينَارًا (وَلِلْوَلِيِّ تَرْكُ الشَّفِيعِ وَالْقِصَاصِ وَيَسْقُطَانِ وَلَا يَعْفُو) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي دِيَاتِهَا لِلْأَبِ الْقِصَاصُ جِرَاحُ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَا عَفْوَ لَهُ إلَّا بِعِوَضٍ.
وَكَذَا الْوَصِيُّ وَالنَّظَرُ فِي شُفْعَةِ السَّفِيهِ لِوَلِيِّهِ فَإِنْ سَلَّمَ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ سُلْطَانٍ شُفْعَةَ الصَّبِيِّ لَزِمَهُ ذَلِكَ.

(وَمَضَى عِتْقُهُ بِعِوَضٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَ مَنْ يَلِيهِ عَلَى النَّظَرِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَهُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ إذْ لَوْ شَاءَ انْتَزَعَهُ مِنْهُ (كَأَبِيهِ إنْ أَيْسَرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَهَبَ شِقْصًا مِنْ دَارٍ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ عَلَى عِوَضٍ جَازَ وَفِيهِ الشُّفْعَةُ، وَلَا تَجُوزُ مُحَابَاتُهُ فِي قَبُولِ الثَّوَابِ وَلَا مَا وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ وَأَعْتَقَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ، وَيَرُدُّ ذَلِكَ كُلَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ مُوسِرًا فَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ فِي مَالِهِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْهِبَةِ وَإِنْ

كَانَ مُوسِرًا انْتَهَى.
اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا فِي الْعِتْقِ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ لِوَلَدٍ صَغِيرٍ ".

(وَإِنَّمَا يَحْكُمُ فِي الرُّشْدِ وَضِدِّهِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْحَبْسِ الْمُعَقَّبِ وَأَمْرِ الْغَائِبِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَحَدٍّ وَقِصَاصٍ وَمَالِ يَتِيمٍ الْقُضَاةُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَقْسِمُ بَيْنَ الصِّغَارِ أَحَدٌ إلَّا الْقَاضِيَ خِلَافًا لِلْوَاضِحَةِ.
ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ أَحْكَامِ الْأَيْتَامِ مِنْ تَسْفِيهٍ أَوْ إطْلَاقٍ أَوْ تَوْكِيلٍ لِلنَّظَرِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ الْأَحْبَاسُ الْمُعَقَّبَةُ لَا يَكُونُ النَّظَرُ فِيهَا إلَّا لِلْقُضَاةِ وَفِي دَوَاوِينِهِمْ تُوضَعُ وَأَمْوَالُ الْغَيْبِ وَالْوَصَايَا وَالْأَنْسَابُ، وَعَلَى هَذَا جَرَى الْعَمَلُ بِالْأَنْدَلُسِ وَبِهِ أَفْتَى شُيُوخُنَا.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُمَكَّنُ ذُو الْقَوَدِ فِي الْجِرَاحِ مِنْ الْقِصَاصِ.
وَرَوَى مُحَمَّدٌ وَابْنُ عَبْدُوسٍ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُوَلِّيَ الْإِمَامُ عَلَى الْجِرَاحِ عَدْلَيْنِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَمَّا فِي الْقَتْلِ فَيَدْفَعُ لِلْوَلِيِّ يَقْتُلُهُ وَيَنْهَى عَنْ الْعَبَثِ.
وَمِنْ الرِّسَالَةِ: وَيُقِيمُ الرَّجُلُ عَلَى

عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ حَدَّ الزِّنَا ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ إنْ كَانَ لِلْأَمَةِ زَوْجٌ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ لِغَيْرِهِ فَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِمَا إلَّا لِسُلْطَانٍ (وَإِنَّمَا يُبَاعُ عَقَارُهُ لِحَاجَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ أَوْ لِكَوْنِهِ مُوَظَّفًا أَوْ حِصَّةٍ أَوْ قَلَّتْ غَلَّتُهُ فَيُسْتَبْدَلُ خِلَافُهُ أَوْ بَيْنَ ذِمِّيَّيْنِ أَوْ جِيرَانِ سُوءٍ أَوْ لِإِرَادَةِ شَرِيكِهِ بَيْعًا وَلَا مَالَ لَهُ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ إلَّا الرَّبْعَ " وَنَصَّ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ مَبْسُوطَةً جِدًّا.
الْمُتَيْطِيُّ: فَانْظُرْهُ.
وَمِنْ الِاسْتِغْنَاءِ، مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ بَيْعُ عَقَارِ يَتِيمٍ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعَ سُوءٍ مِنْ جِيرَانٍ فَيُبَدِّلُهُ فِي أَجْوَدَ مِنْهُ (أَوْ لِخَشْيَةِ انْتِقَالِ الْعِمَارَةِ) ابْنُ شَاسٍ: وَمِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ كَوْنُ الْعَقَارِ بِمَوْضِعٍ خَرِبٍ أَوْ يَخْشَى انْتِقَالَ الْعِمَارَةِ مِنْ مَوْضِعِهِ فَيَسْتَبْدِلُ بِثَمَنِهِ فِي مَوْضِعٍ أَصْلَحَ مِنْهُ (أَوْ الْخَرَابِ وَلَا مَالَ لَهُ) الْمُتَيْطِيُّ: وَمِنْ الْوُجُوهِ أَنْ يَكُونَ دَارًا وَاهِيَةً وَلَا مَالَ لِلْيَتِيمِ تَصْلُحُ مِنْهُ (أَوْ لَهُ مَالٌ وَالْبَيْعُ أَوْلَى) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا بَذَلَ الْمَالِكُ أَضْعَافَ الْقِيمَةِ بِيعَتْ لَهُ دَارُ الْيَتِيمِ سَحْنُونَ: إنْ كَانَ طَيِّبَ الْمَكْسَبِ انْتَهَى.
اُنْظُرْ بَقِيَ لَهُ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] . قَالَ ابْنُ شَاسٍ: الِابْتِلَاءُ لِلرُّشْدِ مَطْلُوبٌ وَفِي كَوْنِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَالْبَغْدَادِيُّونَ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ أَبْيَنُ لِلْآيَةِ الشَّرِيفَةِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: الْأَشْهَرُ أَنَّهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: لِلْوَصِيِّ أَنْ يَدْفَعَ لِلْيَتِيمِ بَعْضَ مَالِهِ يَخْتَبِرُهُ بِهِ كَالسِّتِّينَ دِينَارًا وَلَا يُكْثِرُ جِدًّا إنْ رَأَى اسْتِقَامَتَهُ فَإِنْ تَلِفَ

لَمْ يَضْمَنْهُ.
ابْنُ حَبِيبٍ: وَالْوَصِيُّ مُصَدَّقٌ فِيمَا دَفَعَ لَهُ لِذَلِكَ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي حَاكِمٍ حَجَرَ عَلَى مَحْجُورِهِ بَيْعَ مِلْكٍ وَأَطْلَقَ يَدَهُ عَلَى غَيْرِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا غَلَطٌ إلَّا إنْ كَانَ مَالُهُ مِنْ الْمَالِ سِوَى الْعَقَارِ قَدْرَ مَا يُخْتَبَرُ بِهِ السَّفِيهُ فَيَكُونُ لِذَلِكَ وَجْهٌ.
وَانْظُرْ أَيْضًا مِمَّا هُوَ يَقَعُ يُجَدِّدُ الْحَجْرَ عَلَى بِنْتِهِ ثُمَّ يَعِيشُ حَتَّى تَبْلُغَ الْحَدَّ الَّذِي وُقِّتَ لِجَوَازِ فِعْلِهَا، هَلْ تِلْكَ الْوِلَايَةُ لَازِمَةٌ لَهَا؟ اُنْظُرْ تَرْجَمَةَ وَصِيَّةٍ بِالنَّظَرِ لِبَنِي الْوَصِيِّ فِي أَوَاخِرِ طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ، وَانْظُرْ أَيْضًا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَا فَوَّتَهُ السَّفِيهُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ عَطِيَّةٍ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي رَدِّهِ قَوْلَانِ.
اُنْظُرْهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ.

[الْحَجَر بِسَبَبِ الرِّقّ]

(وَحُجِرَ عَلَى الرَّقِيقِ إلَّا بِإِذْنٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الرِّقُّ سَبَبٌ فِي الْحَجْرِ.
اللَّخْمِيِّ: وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعْتَقُ لِأَجَلٍ وَأَمُّ الْوَلَدِ لِقِنٍّ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ بَيْعٌ وَلَا إجَارَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ آجَرَ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِمَّا سَمَّى أَوْ أَجْرُ الْمِثْلِ.
فَإِنْ عَطِبَ الْعَبْدُ كَانَ لِلسَّيِّدِ قِيمَةُ عَبْدِهِ، اُنْظُرْ كِتَابَ

الْجُعْلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ (وَلَوْ فِي نَوْعٍ) اللَّخْمِيِّ: إذْنُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا بِمَالٍ وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَشْتَرِيَ إلَّا بِالنَّقْدِ فَدَايَنَ النَّاسَ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِمَا فِي يَدَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ أَمْوَالُهُمْ بِعَيْنِهَا.
قَالَ أَصْبَغُ: لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ حِينَ أَطْلَقَهُ عَلَى الْبَعْضِ وَكَمَنْ أُذِنَ لَهُ أَنْ لَا يَتَّجِرَ إلَّا فِي الْبَزِّ فَتَجَرَ فِي غَيْرِهِ فَلَحِقَهُ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ نَصَبَهُ لِلنَّاسِ، وَلَيْسَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَعْلَمُوا مَا نَصَبَهُ لَهُ.
اللَّخْمِيِّ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّ سَيِّدَهُ غَرَّ النَّاسَ بِإِذْنِهِ.

(فَكَوَكِيلٍ مُفَوَّضٍ) وَلَهُ أَنْ يَضَعَ

وَيُؤَخِّرَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا أَخَّرَ الْمَأْذُونُ غَرِيمًا لَهُ بِدَيْنٍ أَوْ حَطَّهُ نَظَرًا وَاسْتِئْلَافًا جَازَ ذَلِكَ وَقَالَهُ مَالِكٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: بِهَذَا النَّصِّ يُرَدُّ تَعَقُّبُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: " حُكْمُ الْمَأْذُونِ لَهُ حُكْمُ الْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ ". اُنْظُرْ مِنْ هَذَا أَخْذَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحُطَّ مُكْتَرِي الْأَحْبَاسِ لِمَنْ يَشْكُو عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْلَافِ، وَكَذَا فِي أَوَاخِرِ نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ أَنَّ عَمَلَ الْقُضَاةِ بَعْدَ وُجُوبِ الْكِرَاءِ يَحُطُّ مِنْهُ لِتَشَكِّي الْمُكْتَرِي الْخَسَارَةَ مِمَّا لَيْسَ لِجَائِحَةٍ.

(وَيُضَيِّفَ إنْ اسْتَأْلَفَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَ لِلْمَأْذُونِ أَنْ يَصْنَعَ طَعَامًا وَيَدْعُوَ إلَيْهِ النَّاسَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ إلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ اسْتِئْلَافًا فِي التِّجَارَةِ فَيَجُوزَ (وَيَأْخُذَ قِرَاضًا وَيَدْفَعَهُ) نَحْوُ هَذَا عَزَا اللَّخْمِيِّ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ يُونُسَ إلَّا مَا نَصُّهُ قَالَ فِي الشَّرِكَةِ: وَلِلْمَأْذُونِ أَنْ يَدْفَعَ مَالًا قِرَاضًا وَلَا يَدْخُلَهُ، وَأَخْذُهُ إيَّاهُ مِنْ الْإِجَارَةِ وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْإِجَارَةِ (وَيَتَصَرَّفُ فِي كَهِبَةٍ وَأُقِيمَ مِنْهَا عَدَمُ مَنْعِهِ مِنْهَا وَلِغَيْرِ مَنْ أُذِنَ لَهُ الْقَبُولُ بِلَا إذْنٍ) لَوْ قَالَ " وَيَتَصَرَّفُ فِي كَهِبَةٍ وَيَقْبَلُهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ كَغَيْرِ مَنْ أُذِنَ لَهُ " لَوَافَقَ عِبَارَةَ ابْنِ الْحَاجِبِ ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَدْرِكُ وَأُقِيمَ مِنْهَا عَدَمُ مَنْعِهِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ:

قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ " وَيَتَصَرَّفُ الْمَأْذُونُ فِي الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا " لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِوُضُوحِ كَوْنِ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَالِ الْمَأْذُونِ، وَأَمَّا اسْتِقْلَالُهُ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ بِقَبُولِ الْهِبَةِ فَيُؤْخَذُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ اسْتِقْلَالُهُ، وَيُؤْخَذُ أَيْضًا مِنْهَا عَدَمُ اسْتِقْلَالِهِ.
وَسَمِعَ سَحْنُونَ: إنْ تَصَدَّقَ عَلَى عَبْدٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ فَلِسَيِّدِهِ أَخْذُ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

[أَرَادَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى وَلِيِّهِ]

(وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ كَالْحُرِّ وَأُخِذَ مَا بِيَدِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى وَلِيِّهِ فَلَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ إلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ، فَمَنْ بَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ ابْتَاعَ فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لَا يَنْبَغِي لِسَيِّدِهِ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ إلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ فَيُوقِفُهُ السُّلْطَانُ وَيَأْمُرُ بِهِ فَيُطَافُ بِهِ حَتَّى يَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْهُ.
وَإِذَا لَحِقَ الْمَأْذُونَ دَيْنٌ فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ وَيَمْنَعَهُ مِنْ التِّجَارَةِ وَدَيْنُهُ فِي مَالِهِ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ عَنْ دَيْنِهِ شَيْءٌ أَوْ يَكُونَ السَّيِّدُ دَايَنَهُ فَيَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، وَلَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْجُرُوا عَلَيْهِ إنَّمَا لَهُمْ أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهِ فَيُفَلِّسُوهُ وَهُوَ كَالْحُرِّ فِي هَذَا.

[بَيْعُ الْمَأْذُونِ أُمَّ وَلَدِهِ]

(وَإِنْ مُسْتَوْلَدَتَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: قِيلَ لِمَالِكٍ: أَيَبِيعُ الْمَأْذُونُ أُمَّ وَلَدِهِ؟ قَالَ: إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ فَإِنَّهَا تُبَاعُ لِأَنَّهَا مَالٌ لَهُ وَلَا حُرِّيَّةَ فِيهَا وَلَمْ يَدْخُلْهَا مِنْ الْحُرِّيَّةِ مَا دَخَلَ أُمَّ وَلَدِ الْحُرِّ، وَأَمَّا وَلَدُهُ مِنْهَا فَلَا يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ لِأَنَّ وَلَدَهُ لَيْسَ بِمَالٍ لَهُ.

(كَعَطِيَّتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا وَهَبَهُ لِلْمَأْذُونِ وَقَدْ اغْتَرَقَهُ دَيْنٌ فَغُرَمَاؤُهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ سَيِّدِهِ، وَالسَّيِّدُ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ وَعَمَلِ يَدِهِ وَأَرْشِ جُرْحِهِ وَقِيمَتِهِ إنْ قُتِلَ، فَإِنْ خَارَجَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ شَيْءٌ وَلَا مِنْ خَرَاجِهِ وَلَا مَا يَبْقَى بِيَدِ الْعَبْدِ بَعْدَ خَرَاجِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ فِي مَالٍ إنْ وُهِبَ لِلْعَبْدِ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ أُوصِيَ لَهُ بِهِ فَقَبِلَهُ الْعَبْدُ (وَهَلْ إنْ مُنِحَ لِلدَّيْنِ أَوْ مُطْلَقًا؟ تَأْوِيلَانِ) الْقَابِسِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ " وَيَكُونُ دَيْنُ الْمَأْذُونِ فِي مَالٍ وُهِبَ لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ " يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ وُهِبَ لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ لِيَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِغُرَمَائِهِ أَخْذُهُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُوهَبْ لَهُ لِذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا اكْتَسَبَهُ الْعَبْدُ مِنْ غَيْرِ التِّجَارَةِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلِغُرَمَائِهِ أَخْذُهُ مُطْلَقًا (لَا غَلَّتِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: السَّيِّدُ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ وَأَرْشِ جُرْحِهِ وَلَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ مِنْ خَرَاجِهِ شَيْءٌ.

(وَرَقَبَتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدَهُ بِمَالٍ دَفَعَهُ إلَيْهِ فَلَحِقَ الْعَبْدَ دَيْنٌ كَانَ دَيْنُهُ فِيمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَفِي مَالِ الْعَبْدِ أَيْضًا وَتَكُونُ بَقِيَّةُ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ لَا فِي رَقَبَتِهِ وَلَا يَكُونُ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَرِيمٌ فَكَغَيْرِهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: أَمَّا انْتِزَاعُ مَالِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَمَاءُ فَكَغَيْرِهِ.
اللَّخْمِيِّ: لِلسَّيِّدِ أَنَّ

يَحْجُرَ عَلَى عَبْدِهِ بَعْدَ إذْنِهِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَلَهُ أَنْ يَقُومَ بِفَلَسِهِ وَإِنْ كَرِهَ غُرَمَاؤُهُ لِيُخَلِّصَ ذِمَّتَهُ اهـ. وَانْظُرْ حُكْمَ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ قَالَ اللَّخْمِيِّ: هُوَ فِي يَوْمِ سَيِّدِهِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ إلَّا إنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي يَوْمِ نَفْسِهِ كَالْحُرِّ يَبِيعُ وَيُؤَاجِرُ نَفْسَهُ إذَا كَانَ مَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ يَخُصُّهُ دُونَ سَيِّدِهِ، إمَّا بِكَوْنِهِ قَدْ كَانَ قَاسَمَ سَيِّدَهُ أَوْ يَكُونُ اكْتَسَبَهُ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي تَخُصُّهُ.

(وَلَا يُمَكَّنُ ذِمِّيٌّ مِنْ تَجْرٍ فِي خَمْرٍ إنْ تَجَرَ لِسَيِّدِهِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ) اُنْظُرْ قَوْلَهُ ذِمِّيٌّ.
اللَّخْمِيِّ: لَا يَنْبَغِي لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْذَنَ لِعَبْدِهِ بِالتَّجْرِ إنْ كَانَ يَعْمَلُ بِالرِّبَا أَوْ خَائِنًا فِي مُعَامَلَتِهِ، فَإِنْ رَبِحَ فِي عَمَلِهِ بِالرِّبَا تَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ نَصْرَانِيًّا وَتَجْرُهُ مَعَ أَهْلِ دَيْنِهِ بِالْخَمْرِ أَوْ بِالرِّبَا فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ، هَلْ هُمْ مُخَاطَبُونَ؟ وَقَدْ وَرِثَ ابْنُ عُمَرَ عَبْدًا لَهُ كَانَ يَبِيعُ الْخَمْرَ وَهَذَا فِي تَجْرِهِ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ تَجَرَ لِسَيِّدِهِ لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
عِيَاضٌ: قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ " وَأَنْ يَبِيعَ الْخَمْرَ وَيَبْتَاعَهَا " قِيلَ: مُرَادُهُ بِعَبْدِهِ هُنَا مُكَاتَبُهُ إذْ لَا تَحْجِيرَ لَهُ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: هُوَ مَأْذُونٌ لَهُ يَتَّجِرُ بِمَالِ نَفْسِهِ.
وَقِيلَ: فِيمَا تَرَكَهُ لَهُ سَيِّدُهُ تَوْسِعَةٌ لَهُ.
وَانْظُرْ ذَكَرَ فِي حَجْرِ الصَّبِيِّ جِنَايَتَهُ فَقَالَ: وَضَمِنَ مَا أَفْسَدَ إقْرَارَهُ بِعُقُوبَةٍ.
وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا هُنَا مِنْ ابْنِ يُونُسَ مَا أَقَرَّ بِهِ الْعَبْدُ مِمَّا يَلْزَمُهُ فِي جَسَدِهِ مِنْ قَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ إقْرَارُهُ، وَمَا آلَ غُرِّمَ عَلَى سَيِّدِهِ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ كَإِقْرَارٍ بِجُرْحٍ أَوْ بِقَتْلٍ خَطَأً أَوْ بِأَخْذِ مَالٍ أَوْ بِاسْتِهْلَاكِهِ أَوْ سَرِقَةٍ لَا قَطْعَ فِيهَا، فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى سَيِّدِهِ وَلَا يُتْبَعُ الْعَبْدُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إنْ عَتَقَ.

[الْحَجَر عَلَى الْمَرِيض]

(وَعَلَى مَرِيضٍ) فِي وَثَائِقِ الْبَاجِيِّ: لَا يَجُوزُ لِسَبْعَةٍ فِعْلُهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ إلَّا فِي الثُّلُثِ فَأَدْنَى مِنْهُمْ الْمَرِيضُ، وَسِتَّةٌ يَسْقُطُ مَا عَهِدَ لَهُمْ بِهِ مِنْهُمْ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي.
اُنْظُرْ مُفِيدَ الْحُكَّامِ أَوَّلَ الْفَصْلِ السَّادِسِ.
قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَرَضٍ أَقْعَدَ صَاحِبَهُ عَنْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَإِنْ كَانَ جُذَامًا أَوْ بَرَصًا أَوْ فَالِجًا فَإِنَّهُ يُحْجَرُ فِيهِ عَنْ مَالِهِ، وَإِنْ طَلَّقَ فِيهِ زَوْجَتَهُ وَرِثَتْهُ وَلَيْسَ لِلْقُوَّةِ وَالرِّيحِ وَالرَّمَدِ مِنْ ذَلِكَ إذَا صَحَّ الْبَدَنُ.
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ الْفَالِجِ وَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ يَصِحُّ مَعَهُ بَدَنُهُ وَيَتَصَرَّفُ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَهَلْ يَمْنَعُ مَرَضُ أَحَدِهِمَا الْمَخُوفُ " قَوْلُ اللَّخْمِيِّ " أَوَّلُ طَوِيلِهِ كَالسُّلِّ وَالْجُذَامِ كَصِحَّةٍ ". وَيَبْقَى النَّظَرُ إنْ اعْتَقَبَهُ الْمَوْتُ فَصَرَّحَ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ مَخُوفٌ (حَكَمَ الطِّبُّ بِكَثْرَةِ الْمَوْتِ بِهِ كَسُلٍّ وَقُولَنْجِ وَحُمَّى قَوِيَّةٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: مَخُوفُ الْمَرَضِ مَا يَحْكُمُ الطِّبُّ

بِأَنَّ الْهَلَاكَ بِهِ كَثِيرٌ كَالْحُمَّى الْحَادَّةِ وَالسُّلِّ وَالْقُولَنْجِ وَذَاتِ الْجَنْبِ وَالْإِسْهَالِ بِالدَّمِ (وَحَامِلِ سِتَّةٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ حُكْمَ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حُكْمُ الْمَرِيضِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَبِهِ فَسَّرَ عِيَاضٌ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهَا بِحُكْمِ الْمَرِيضِ حَتَّى تَبْلُغَ فِي السَّابِعِ خِلَافُ ظَاهِرِ ابْنِ الْحَاجِبِ انْتَهَى.
اُنْظُرْ ظَاهِرَ لَفْظِ خَلِيلٍ وَلِلسُّيُورِيِّ مَا نَصُّهُ: الْقَوْلُ بِأَنَّ الْحَامِلَ الْمُقْرِبِ كَالْمَرِيضَةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَاَلَّذِي آخُذُ بِهِ إنْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا وَهُوَ قَوْلٌ لِأَصْحَابِنَا.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مُسْتَنَدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْعَوَائِدُ وَالْهَلَاكُ مِنْ الْحَمْلِ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ لَوْ بَحَثْتَ عَنْ مَدِينَةٍ مِنْ الْمَدَائِنِ لَوَجَدْتَ أُمَّهَاتِ أَهْلِهَا إمَّا أَحْيَاءً وَإِمَّا أَمْوَاتًا مِنْ غَيْرِ نِفَاسٍ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ لَمْ تَخْرُجْ بِهِ الْمَرْأَةُ إلَى أَحْكَامِ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ وَهَذَا مُخْتَارُنَا انْتَهَى.
وَأَنَا أُرَاعِي هَذَا الْقَوْلَ إذَا عُثِرَ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ فَامْنَعْ فَسْخَهَا.

(وَمَحْبُوسٍ لِقَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ إنْ خِيفَ الْمَوْتُ وَحَاضِرٍ صَفَّ الْقِتَالِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قُلْتُ: إنْ قَرُبَ لِضَرْبِ حَدٍّ أَوْ قَطْعِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ أَتَرِثُهُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ شَيْئًا إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ يَحْضُرُ الزَّحْفَ أَوْ يُحْبَسُ لِلْقَتْلِ هُوَ كَالْمَرِيضِ، فَضَرْبُ الْحَدِّ وَقَطْعُ الْيَدَيْنِ خِيفَ مِنْهُ الْمَوْتُ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ.
عِيَاضٌ: عَارَضَ هَذَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ إنْ خِيفَ الْمَوْتُ بِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا لَمْ يُقْصَدْ الْكَلَامُ عَلَيْهِ (لَا كَجَرَبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: ذُو الْجِرَاحِ وَالْقُرُوحِ إنْ أَرْقَدَهُ ذَلِكَ وَأَضْنَاهُ وَبَلَغَ بِهِ حَدَّ الْخَوْفِ عَلَيْهِ فَلَهُ حُكْمُ الْمَرَضِ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ: وَغَيْرُ الْمَخُوفِ الْجَرَبُ وَالضِّرْسُ وَحُمَّى يَوْمٍ وَحُمَّى الرَّبْعِ وَالرَّمَدُ وَالْبَرَصُ وَالْجُذَامُ وَالْفَالِجُ (وَمُلَجَّجٍ بِبَحْرٍ وَلَوْ حَصَلَ الْهَوْلُ) عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ بِخِلَافِ الْمُلَجَّجِ فِي الْبَحْرِ وَقْتَ الْهَوْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: رَاكِبُ الْبَحْرِ وَالنِّيلِ فِي حِينِ الْخَوْفِ وَالْهَوْلِ.
قَالَ مَالِكٌ: أَفْعَالُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ الثُّلُثِ.
ابْنُ رُشْدٍ: أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ الْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّ رُكُوبَ الْبَحْرِ إنْ كَانَ حَالَ الْهَوْلِ فِيهِ كَانَ كَالْمَرَضِ وَهُوَ دَلِيلُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ (فِي غَيْرِ مُؤْنَتِهِ وَتَدَاوِيهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: يُحْجَرُ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ فِيمَا زَادَ عَنْ حَاجَتِهِ مِنْ أَكْلِهِ وَكِسْوَتِهِ وَتَدَاوِيهِ.

(وَمُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: بَيْعُ الْمَرِيضِ وَشِرَاؤُهُ جَائِزٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِيهِ مُحَابَاةٌ فَتَكُونَ تِلْكَ الْمُحَابَاةُ فِي ثُلُثِهِ (وَوُقِفَ تَبَرُّعُهُ إلَّا لِمَالٍ مَأْمُونٍ وَهُوَ الْعَقَارُ فَإِنْ مَاتَ فَمِنْ الثُّلُثِ وَإِلَّا مَضَى) عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَيُوقَفُ كُلُّ تَبَرُّعٍ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ بَتَلَ فِي مَرَضِهِ عَتَقَ عَبْدُهُ وَمَالُهُ

مَأْمُونٌ تَمَّتْ حُرِّيَّتُهُ فِي كُلِّ أَحْكَامِ الْأَحْرَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا وُقِفَ حَتَّى يُقَوَّمَ فِي ثُلُثِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَيْسَ الْمَالُ الْمَأْمُونُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا الدُّورَ وَالْأَرَضِينَ وَالنَّخْلَ وَالْعَقَارَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا تَصَدَّقَ الْمَرِيضُ ثُمَّ صَحَّ فَلَا رُجُوعَ لَهُ لِأَنَّ الْحَجْرَ كَانَ لِقِيَامِ الْمَانِعِ لَا لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْبَالِغِ.

[الْحَجَر عَلَى الزَّوْجَة]

(وَعَلَى الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا وَلَوْ عَبْدًا فِي تَبَرُّعٍ زَادَ عَلَى ثُلُثِهَا) أَمَّا الزَّوْجَةُ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا حَجْرٌ لِأَنَّ مَالَهَا لِسَيِّدِهَا، وَأَمَّا الْحُرَّةُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَقَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ مَا لِلْحُرِّ لِأَنَّهُ زَوْجٌ وَهُوَ حَقٌّ لَهُ خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا عُرِفَ بَعْدَ الْبِنَاءِ رُشْدُ الْمَرْأَةِ وَصَلَاحُ حَالِهَا جَازَ بَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا فِي مَالِهَا كُلِّهِ وَإِنْ كَرِهَ الزَّوْجُ إذَا لَمْ تُحَابِ، فَإِنْ حَابَتْ أَوْ تَكَلَّفَتْ أَوْ أَعْتَقَتْ أَوْ تَصَدَّقَتْ أَوْ وَهَبَتْ أَوْ صَنَعَتْ شَيْئًا مِنْ الْمَعْرُوفِ كَانَ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهَا وَكَفَالَتِهَا مَعْرُوفٌ وَهِيَ عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ وَجْهِ الصَّدَقَةِ، فَإِنْ حَمَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ ثُلُثُهَا وَهِيَ لَا مَوْلَى عَلَيْهَا جَازَ وَإِنْ كَرِهَ الزَّوْجُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِضَرَرٍ إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ كَالدِّينَارِ، وَمَا خَفَّ فَهَذَا يُعْلِمُ أَنَّهَا لَمْ تُرِدْ بِهِ ضَرَرًا فَيَمْضِي الثُّلُثُ مَعَ مَا زَادَتْ.
وَانْظُرْ إنْ كَانَ الزَّوْجُ مُمَتَّعًا فَلَهُ الْحَجْرُ عَلَيْهَا فِي تَفْوِيتِ مَا مَتَّعَتْهُ فِيهِ لِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ خَلِيلٌ لِهَذَا الْفَصْلِ أَعْنِي لِفَصْلِ الْمُتْعَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ سَلْمُونَ أَوَّلَ كِتَابِهِ بَعْدَ فَصْلِ الشُّرُوطِ وَأَنَّهَا إنْ كَانَتْ شَرْطًا فِي النِّكَاحِ فَسَدَ، وَنَقَلَ هُنَاكَ أَنَّهَا إنْ لَمْ تُمَتِّعْهُ وَزَرَعَ أَرْضَهَا ثُمَّ طَلَبَتْهُ بِالْكِرَاءِ أَنَّ لَهَا ذَلِكَ بَعْدَ يَمِينِهَا أَنَّهَا لَمْ تَهَبْ ذَلِكَ وَلَا خَرَجَتْ عَنْهُ.
قَالَ: وَهَذَا إذَا زَرَعَهَا بِأَمْرِهَا، وَأَمَّا إذَا زَرَعَهَا بِغَيْرِ أَمْرِهَا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الدَّارِ (وَفِي إقْرَاضِهَا قَوْلَانِ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ أَقْرَضَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهَا فَفِي تَمْكِينِ الزَّوْجِ مِنْ رَدِّهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ لِابْنِ الشَّقَّاقِ، وَالثَّانِي لِابْنِ دَحُونَ قَائِلًا بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ لِأَنَّهَا فِي الْكَفَالَةِ مَطْلُوبَةٌ وَفِي الْقَرْضِ طَالِبَةٌ (وَهُوَ جَائِزٌ حَتَّى يُرَدَّ) قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَا فَعَلَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ مِنْ عِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ فَهُوَ مَرْدُودٌ حَتَّى يُجِيزَهُ الزَّوْجُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هُوَ جَائِزٌ حَتَّى يَرُدَّهُ الزَّوْجُ لِعِتْقِ الْمِدْيَانِ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ (فَمَضَى إنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَأَيَّمَتْ أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) ابْنُ يُونُسَ: الْأَصْوَبُ وَالْأَقْيَسُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الزَّوْجُ حَتَّى تَأَيَّمَتْ بِمَوْتِهِ أَوْ طَلَاقِهِ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهَا وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهَا بِهِ إنْ كَانَ الزَّوْجُ قَدْ رَدَّهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ الزَّوْجُ أَوْ عَلِمَ وَلَمْ يُقْضَ بِرَدٍّ وَلَا إجَازَةٍ حَتَّى مَاتَ عَنْهَا أَوْ طَلَّقَهَا أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى مَاتَتْ فَفِي تَمْكِينِهِ مِنْ رَدِّ فِعْلِهَا قَوْلَانِ، الْأَوَّلُ لِسَحْنُونٍ مَعَ الْأَخَوَيْنِ، وَالثَّانِي لِأَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ (كَعِتْقِ الْعَبْدِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: إذَا قَضَتْ بِالْكَسْرِ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الزَّوْجُ حَتَّى تَأَيَّمَتْ بِمَوْتِهِ أَوْ طَلَاقِهِ فَذَلِكَ نَافِذٌ عَلَيْهَا كَالْعَبْدِ يُعْطِي فَلَا يَرُدُّ ذَلِكَ سَيِّدُهُ حَتَّى أَعْتَقَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَكَذَلِكَ الْغُرَمَاءُ يَرُدُّونَ عِتْقَ الْمِدْيَانِ لِلْعَبْدِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ حَتَّى أَيْسَرَ أَنَّ الْعِتْقَ مَاضٍ.
ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الْغَرِيمُ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ وَالصَّدَقَةُ إنْ بَقِيَ ذَلِكَ بِيَدِهِ إلَى أَنْ ارْتَفَعَتْ عِلَّةُ الْمَنْعِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فِيمَا وَهَبَ أَوْ أَعْتَقَ فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ السَّيِّدُ ذَلِكَ أَوْ عَلِمَ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِرَدٍّ وَلَا إجَازَةٍ حَتَّى عَتَقَ الْعَبْدُ وَالْمَالُ بِيَدِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ، وَهَذَا دَلِيلٌ أَنَّ فِعْلَهُ عَلَى الْإِجَازَةِ حَتَّى يَرُدَّ (وَلَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ إنْ تَبَرَّعَتْ بِزَائِدٍ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا أَعْتَقَتْ ثُلُثَ عَبْدٍ لَا تَمْلِكُ غَيْرَهُ جَازَ ذَلِكَ وَلَوْ أَعْتَقَتْهُ كُلَّهُ لَمْ يَجُزْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ مَا وَهَبَتْ أَوْ تَصَدَّقَتْ زَائِدًا عَلَى ثُلُثِهَا.
وَفَرَّقَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَبِهِ أَقُولُ.
وَانْظُرْ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ تُعْتِقَ مَنْ لَا تَمْلِكُ غَيْرَهُ أَوْ تَحْلِفَ بِعِتْقِهِ فَتَحْنَثَ (وَلَيْسَ لَهَا بَعْدَ الثُّلُثِ تَبَرُّعٌ إلَّا أَنْ يَبْعُدَ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي تَكَرُّرِ فِعْلِهَا اضْطِرَابٌ اُنْظُرْهُ فِيهِ.
ابْنُ شَاسٍ.

[بَابُ الصُّلْحِ]

[أَنْوَاع الصُّلْح]

وَالتَّزَاحُمِ عَلَى الْحُقُوقِ.
وَالتَّنَازُعِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ: الْأَوَّلُ الصُّلْحُ وَهُوَ ضَرْبَانِ: مُعَاوَضَةٌ كَالْبَيْعِ فَحُكْمُهُ كَالْبَيْعِ فِيمَا يَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ وَإِسْقَاطٌ وَإِبْرَاءٌ، وَالصُّلْحُ عَنْ الدَّيْنِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ وَإِنْ صَالَحَ عَنْ بَعْضِهِمْ فَهُوَ إبْرَاءٌ (. الصُّلْحُ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بَيْعٌ أَوْ إجَارَةٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: الصُّلْحُ انْتِقَالٌ عَنْ

حَقٍّ أَوْ دَعْوَى بِعِوَضٍ لِرَفْعِ نِزَاعٍ أَوْ خَوْفِ وُقُوعِهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هُوَ قَبْضُ شَيْءٍ مِنْ عِوَضٍ يَدْخُلُ فِيهِ مَحْضُ الْبَيْعِ وَهُوَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَقَدْ يَعْرِضُ وُجُوبُهُ عِنْدَ تَعْيِينِ مَصْلَحَتِهِ وَحُرْمَتِهِ وَكَرَاهَتِهِ لِاسْتِلْزَامِهِ مَفْسَدَةً وَاجِبَةَ الدَّرْءِ أَوْ رَاجِحَتَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْدُبَ الْقَاضِي إلَيْهِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ

الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا.
الْمُتَيْطِيُّ: لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى سُكْنَى دَارٍ أَوْ خِدْمَةِ عَبْدٍ (وَعَلَى بَعْضِهِ هِبَةً) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ إنْ صَالَحَ عَنْ بَعْضِهِ فَهُوَ إبْرَاءٌ (وَجَازَ عَنْ دَيْنٍ بِمَا يُبَاعُ بِهِ) ابْنُ شَاسٍ: الصُّلْحُ عَنْ الدَّيْنِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ.
ابْنُ يُونُسَ: تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الصُّلْحَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْإِقْرَارِ أَوْ عَلَى الْإِنْكَارِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ ادَّعَيْت عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ فَأَنْكَرَ فَصَالَحْتُهُ مِنْهُ عَلَى ثِيَابٍ مَوْصُوفَةٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ، وَإِنْ صَالَحْته مِنْهُ عَلَى عَشَرَةِ أَرْطَالٍ مِنْ لَحْمِ شَاةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ لَمْ يَجُزْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ اسْتَهْلَكَ لَكَ بَعِيرًا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُصَالِحَهُ عَلَى بَعِيرٍ مِثْلِهِ إلَى أَجَلٍ لِفَسْخِكَ مَا وَجَبَ لَك مِنْ الْقِيمَةِ فِي بَعِيرٍ، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَهْلَكَ لَك مَتَاعًا فَصَالَحْته عَلَى طَعَامٍ أَوْ عَرَضٍ مُؤَجَّلٍ لَمْ يَجُزْ لِفَسْخِكَ مَا وَجَبَ لَا مِنْ الْقِيمَةِ فِي ذَلِكَ.
وَلَوْ صَالَحْتَهُ عَلَى دَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَتْ كَالْقِيمَةِ فَأَدْنَى وَكَانَ مَا اُسْتُهْلِكَ مِمَّا يُبَاعُ بِالدَّنَانِيرِ بِالْبَلَدِ جَازَ، وَيَجُوزُ عَلَى دَرَاهِمَ نَقْدًا أَوْ عَلَى عَرَضٍ نَقْدًا بَعْدَ مَعْرِفَتِكُمَا بِقِيمَةِ الْمُسْتَهْلَكِ مِنْ الدَّنَانِيرِ، وَلَا يَجُوزُ إلَى أَجَلٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُبَاعُ بِالدَّرَاهِمِ جَازَ الصُّلْحُ عَلَى دَرَاهِمَ مُؤَجَّلَةٍ مِثْلِ الْقِيمَةِ فَأَدْنَى، وَلَا يَجُوزُ عَلَى دَنَانِيرَ أَوْ عَرَضٍ إلَّا نَقْدًا بَعْدَ مَعْرِفَتِكُمَا بِقِيمَةِ الْمُسْتَهْلَكِ مِنْ الدَّرَاهِمِ.
وَإِنْ شَرَطْتهَا تَأْخِيرَ ذَلِكَ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ تَعَجَّلْته بَعْدَ الشَّرْطِ لَمْ يَجُزْ لِوُقُوعِهِ فَاسِدًا، وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَيْت أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ لَكَ غَنَمًا أَوْ مَتَاعًا فَالصُّلْحُ فِيهِ عَلَى عَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ يَجْرِي عَلَى مَا وَصَفْنَا، وَلَوْ لَمْ تَفُتْ الْغَنَمُ أَوْ الْمَتَاعُ وَلَا تَعَيَّنَ جَازَ صُلْحُكَ مِنْهُ عَلَى عَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ نَقْدًا أَوْ مُؤَجَّلًا إذَا وَصَفْت الْعَرَضَ الْمُؤَجَّلَ وَكَانَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ تُسْلِمَ فِيهِ عَرَضَكَ وَأَجَلُهُ مِثْلُ أَجَلِ السَّلَمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ ذَبَحَ لِرَجُلٍ شَاةً فَأَعْطَاهُ بِالْقِيمَةِ شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ فَصِيلًا، فَإِنْ كَانَ لَحْمُ الشَّاةِ لَمْ يَفُتْ لَمْ يَجُزْ إذْ لَهُ أَخْذُهَا فَصَارَ اللَّحْمُ بِالْحَيَوَانِ، وَإِنْ فَاتَ اللَّحْمُ فَجَائِزٌ نَقْدًا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِقِيمَةِ الشَّاةِ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَ لَهُ صُبْرَةَ قَمْحٍ لَا يَعْرِفَانِ كَيْلَهَا جَازَ أَنْ يَأْخُذَ بِالْقِيمَةِ مَا شَاءَ مِنْ طَعَامٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أَوْ عَرَضٍ نَقْدًا، وَأَمَّا عَلَى مَكِيلَةٍ مِنْ قَمْحٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ سُلْتٍ فَلَا يَصْلُحُ عَلَى التَّحَرِّي، وَأَمَّا عَلَى كَيْلٍ لَا يُشَكُّ أَنَّهُ أَدْنَى مِنْ كَيْلِ الصُّبْرَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ بَعْضَ حَقِّهِ فَلَا يُبَالِي أَخَذَ قَمْحًا أَوْ شَعِيرًا أَوْ سُلْتًا، يُرِيدُ هَاهُنَا وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْقِيمَةَ انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي مُصَالَحَةُ الْفَرَّانِ وَالرَّحَوِيِّ فِيمَا ابْتَدَلَ عِنْدَهُمَا، وَكَانَ سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مَا لَا يَشُكُّ أَنَّهُ أَقَلُّ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّ خُبْزَهُ أَوْ دَقِيقَهُ قَدْ أُكِلَ لِئَلَّا يَكُونَ مُبَادَلَةً بِتَأْخِيرٍ.
وَكَانَ يَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ قَرِينَةُ الْحَالِ أَنَّ

طَعَامَهُ قَدْ أُكِلَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا فِي الْأُضْحِيَّةِ.

(وَعَنْ ذَهَبٍ بِوَرِقٍ أَوْ عَكْسِهِ إنْ حَلَّا وَعُجِّلَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى ذَهَبٍ مِنْ وَرِقٍ وَبِالْعَكْسِ إذَا كَانَا حَالَّيْنِ وَعُجِّلَ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ لَكَ عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ حَالَّةٌ وَهُوَ مُقِرٌّ بِهَا جَازَ أَنْ تُصَالِحَهُ عَلَى خَمْسِينَ مِنْهَا إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّكَ حَطَطْته وَأَخَّرْته، وَلَا بَأْسَ أَنْ تُصَالِحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ أَوْ عَرَضٍ نَقْدًا، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا تَأْخِيرٌ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَصَرْفُ مُسْتَأْخِرٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرًا؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ إنْ كَانَ مُحِقًّا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ خَمْسِينَ إلَى أَجَلٍ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا عَرَضًا أَوْ ذَهَبًا إلَى أَجَلٍ لَمْ يَصْلُحْ؛ لِأَنَّهُ فَسَخَ دَرَاهِمَ فِي عُرُوضٍ أَوْ دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ وَذَلِكَ حَرَامٌ.
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي مُبْطِلًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ (كَمِائَةِ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ عَنْ مِثْلِهِمَا) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ لَكَ عَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ فَصَالَحْتَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّكَ أَخَذْت الدَّنَانِيرَ قَضَاءً عَنْ دَنَانِيرِكَ وَأَخَذْت دِرْهَمًا مِنْ دَرَاهِمِكَ وَهَضَمْت بَقِيَّتَهَا بِخِلَافِ التَّبَادُلِ بِهَا نَقْدًا وَذَلِكَ صَرْفٌ فَلَا يَجُوزُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ بِمِثْلِهِمَا يَدًا بِيَدٍ عَدَدًا وَلَا مُرَاطَلَةً إذْ لِكُلِّ صِنْفٍ حِصَّةٌ مِنْ الصِّنْفَيْنِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَسَوَاءٌ أَخَذَ مِنْهُ الدِّرْهَمَ نَقْدًا أَوْ أَخَّرَهُ بِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ الْمِائَةَ دِينَارٍ نَقْدًا أَوْ أَخَّرَهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا مُبَايَعَةَ هُنَا وَإِنَّمَا هُوَ قَضَاءٌ وَحَطِيطَةٌ فَلَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ أَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ دِينَارٍ نَقْدًا جَازَ؛ لِأَنَّ الْمِائَةَ قَضَاءٌ وَالدِّينَارُ بَيْعٌ بِالْمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَلَوْ تَأَخَّرَ الدِّينَارُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ مُسْتَأْخِرٌ، وَلَوْ نَقَدَهُ الدِّينَارَ وَأَخَّرَ الْمِائَةَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ.

[لَزِمَتْهُ يَمِينٌ فَافْتَدَى مِنْهَا بِمَالٍ]

(وَعَلَى الِافْتِدَاءِ مِنْ يَمِينٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ لَزِمَتْهُ يَمِينٌ فَافْتَدَى مِنْهَا بِمَالٍ جَازَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَيَّدَهَا

غَيْرُ وَاحِدٍ بِمَعْنَى الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ فِيمَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ.

(أَوْ السُّكُوتِ) عِيَاضٌ: الصُّلْحُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: عَلَى إقْرَارٍ وَعَلَى إنْكَارٍ وَعَلَى سُكُوتٍ مِنْ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ جَائِزٌ فِي الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ انْتَهَى.
اُنْظُرْ قَدْ نَصُّوا أَيْضًا أَنَّ الصُّلْحَ يَجُوزُ عَلَى دَعْوَى مَجْهُولَةٍ.
قَالَ عِيَاضٌ: فَالصُّلْحُ عَلَى الْإِقْرَارِ مُعَاوَضَةٌ صَحِيحَةٌ وَحُكْمُ السُّكُوتِ حُكْمُ الْإِقْرَارِ.

(أَوْ الْإِنْكَارِ إنْ جَازَ عَلَى دَعْوَى كُلٍّ وَظَاهِرُ الْحُكْمِ) عِيَاضٌ: مَالِكٌ يَعْتَبِرُ فِي الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: مَا يَجُوزُ عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي وَمَعَ إنْكَارِ الْمُنْكِرِ وَعَلَى ظَاهِرِ الْحُكْمِ خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ إنْ انْعَقَدَ الصُّلْحُ عَلَى حَرَامٍ فِي حَقِّ أَحَدِ الْمُتَصَالِحَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ مِثْلُ أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَيُنْكِرَهُ فِيهَا فَيُصَالِحُهُ عَنْهَا بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِي لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي عَشَرَةِ دَنَانِيرَ دَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ جَائِزٌ أَنْ يُصَالِحَهُ عَنْ يَمِينِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ بِدَعْوَاهُ عَلَى دَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ، فَهَذَا أَمْضَاهُ أَصْبَغُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُفْسَخُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَاخْتُلِفَ أَيْضًا إنْ وَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَ الْمُتَصَالِحَيْنِ عَلَى وَجْهٍ ظَاهِرُهُ الْفَسَادُ وَلَا يَتَحَقَّقُ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ هَذَا عَلَى صَاحِبِهِ دَنَانِيرَ وَكِلَاهُمَا مُنْكِرٌ لِصَاحِبِهِ فَيَصْطَلِحَانِ أَنْ يُؤَخِّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ فَيَدْخُلُهُ أَسْلِفْنِي وَأُسْلِفُكَ، رَاعَى هَذَا

مَالِكٌ فَمَنَعَ، وَلَمْ يُرَاعِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فَأَجَازَ.
وَانْظُرْ فِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ إذَا أَشْهَدَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالرُّجُوعِ عَنْ صُلْحٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ.
وَلَهُ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْحُدُودِ وَالصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ لَا يُنْقَضُ.
ابْنُ عَاتٍ: الصُّلْحُ عِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ بِبَيْعٍ بَلْ هُوَ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُقَاسُ أَصْلٌ عَلَى أَصْلٍ وَإِنَّمَا تُقَاسُ الْأُصُولُ عَلَى الْفُرُوعِ.

[الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ]

(وَلَا يَحِلُّ لِظَالِمٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ جَائِزٌ.
ابْنُ عَرَفَةَ: بِاعْتِبَارِ نَقْدِهِ وَفِي بَاطِنِ الْأَمْرِ إنْ كَانَ الصَّادِقُ الْمُنْكِرَ فَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ حَرَامٌ وَإِلَّا فَحَلَالٌ، فَإِنْ وَفَّى بِالْحَقِّ بَرِئَ وَإِلَّا فَهُوَ غَاصِبٌ فِي الْبَاقِي، وَانْظُرْ بَقِيَ الصُّلْحُ عَلَى دَعْوَى مَجْهُولَةٍ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: يُعْقَدُ فِيمَا قَامَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ قِبَلَهُ حَقًّا لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُ وَلَا مَبْلَغَهُ، ثُمَّ إنَّ فُلَانًا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ لِلْقَائِمِ عُلْقَةٌ فِيمَا خَلَا أَوْ حَقٌّ فِيمَا سَلَفَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَرَأَى أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ دَعْوَاهُ بِأَنْ يَدْفَعَ لَهُ كَذَا فَرَضِيَ بِذَلِكَ فُلَانٌ الْقَائِمُ وَقَطَعَ حُجَّتَهُ وَأَسْقَطَ التَّبَعَةَ.

(فَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَهُ أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا أَوْ شَهِدُوا عَلَى أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا أَوْ وَجَدَ وَثِيقَةً بَعْدَهُ فَلَهُ نَقْضُهُ) أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قُلْت: مَنْ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَنْكَرَ فَصَالَحَهُ الْمُدَّعِي عَلَى مَالٍ أَخَذَهُ مِنْهُ ثُمَّ أَقَرَّ لَهُ الْمَطْلُوبُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ مَالًا فَأَنْكَرَهُ فَصَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ أَخَذَهُ مِنْهُ ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَةً لَمْ يَعْلَمْ بِهَا فَلَهُ الْقِيَامُ بِبَقِيَّةِ حَقِّهِ.
ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ فَكَذَلِكَ هَذَا لَهُ الْقِيَامُ عَلَيْهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، وَلَا يُعَارَضُ هَذَا بِقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَنْ صَالَحَ فِي غَيْبَةِ بَيِّنَتِهِ أَوْ جَهْلِهِ بِهَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ إذَا وَجَدَهَا؛ لِأَنَّ خَصْمَ هَذَا مُقِيمٌ عَلَى الْإِنْكَارِ وَخَصْمَ الْآخَرِ مُقِرٌّ بِالظُّلْمِ.
قَالَ سَحْنُونَ فِي الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِالدَّارِ بَعْدَ الصُّلْحِ أَنَّ الطَّالِبَ مُخَيَّرٌ فَإِنْ شَاءَ تَمَاسَكَ بِصُلْحِهِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ مَا أَخَذَ أَوْ أَخَذَ الدَّارَ.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إذَا أَشْهَدُوا عَلَى أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ بَعِيدَةَ الْغَيْبَةِ جِدًّا وَأَشْهَدَ أَنَّهُ إنَّمَا يُصَالِحُ لِذَلِكَ فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا.
ابْنُ يُونُسَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْتَلَفَ فِي هَذَا إذَا أَعْلَنَ بِالشَّهَادَةِ كَمَا إذَا قَالَ لِلْحَاكِمِ أُحَلِّفُهُ حَتَّى تَأْتِيَ بَيِّنَتِي، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْلِنْ بِالشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا أَشْهَدَ سِرًّا أَنَّهُ إنَّمَا يُصَالِحُهُ لِغَيْبَةِ بَيِّنَتِهِ فَهَذَا يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إذَا وَجَدَ وَثِيقَتَهُ بَعْدَ الصُّلْحِ فَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: لَا خِلَافَ فِيمَنْ صُولِحَ عَلَى الْإِنْكَارِ ثُمَّ أَقَرَّ وَلَا فِيمَنْ صُولِحَ عَلَى الْإِنْكَارِ وَذَكَرَ ضَيَاعَ صَكِّهِ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَ الصُّلْحِ أَنَّ لَهُ الْقِيَامَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (كَمَنْ لَمْ يُعْلِنْ أَوْ يُقِرَّ سِرًّا فَقَطْ عَلَى الْأَحْسَنِ) مُقْتَضَى مَا قُرِّرَ أَنَّ هَذَا فَرْعٌ وَاحِدٌ فَانْظُرْ قَوْلَهُ.
وَقَالَ

سَحْنُونَ: مَنْ لَهُ قِبَلَ رَجُلٍ دَيْنٌ جَحَدَهُ وَأَقَرَّ لَهُ سِرًّا فَصَالَحَهُ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ سِرًّا إنِّي إنَّمَا أُصَالِحُهُ؛ لِأَنَّهُ جَحَدَنِي وَلَا أَجِدُ بَيِّنَةً فَإِنْ وَجَدْت قُمْت عَلَيْهِ فَذَلِكَ لَهُ إنْ أَشْهَدَ بِذَلِكَ قَبْلَ الصُّلْحِ.
ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا أَحْسَنُ وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ اهـ. وَوَقَعَ لِأَصْبَغَ: إشْهَادُ السِّرِّ لَا يَنْفَعُ إلَّا عَلَى الَّذِي لَا يُنْتَصَفُ مِنْهُ مِثْلِ السُّلْطَانِ وَالرَّجُلِ الْقَاهِرِ (لَا إنْ عَلِمَ بِبَيِّنَةٍ وَلَمْ يُشْهِدْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الَّذِي صَالَحَ عَالِمًا بِبَيِّنَةٍ فِي حِينِ الصُّلْحِ فَلَا قِيَامَ لَهُ وَلَوْ كَانَتْ غَائِبَةً.

(أَوْ ادَّعَى ضَيَاعَ الصَّكِّ فَقِيلَ لَهُ حَقُّكَ ثَابِتٌ فَائْتِ بِهِ فَصَالَحَ ثُمَّ وَجَدَهُ) مُطَرِّفٌ: لَوْ أَنَّ الَّذِي ضَاعَ صَكُّهُ قَالَ لَهُ غَرِيمُهُ حَقُّكَ ثَابِتٌ فَائْتِ بِالصَّكِّ فَامْحُهُ وَخُذْ حَقَّكَ فَقَالَ قَدْ ضَاعَ أَنَا أُصَالِحُكَ فَيَفْعَلُ ثُمَّ يَجِدُ ذِكْرَ الْحَقِّ فَلَا رُجُوعَ لَهُ.
ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ غَرِيمَهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ إنَّمَا صَالَحَهُ لِلِاسْتِعْجَالِ فَفَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْن الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا تَعَدَّى الْمُكْتَرِي الْمَسَافَةَ فَضَلَّتْ الدَّابَّةُ وَغَرِمَ قِيمَتَهَا ثُمَّ وُجِدَتْ فَقَالَ لِلْمُكْرِي لَوْ شَاءَ لَمْ يُعَجِّلْ.

(وَعَنْ إرْثِ زَوْجَةٍ مِنْ عَرَضٍ وَوَرِقٍ وَذَهَبٍ بِذَهَبٍ مِنْ التَّرِكَةِ قَدْرَ مَوْرُوثِهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ وَزَوْجَةٍ وَتَرَكَ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ حَاضِرَةً وَعُرُوضًا حَاضِرَةً وَغَائِبَةً وَعَقَارًا فَصَالَحَ الْوَلَدُ الزَّوْجَةَ عَلَى دَرَاهِمَ مِنْ التَّرِكَةِ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْرَ مُوَرَّثِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ فَأَقَلَّ جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا بَاعَتْ عُرُوضًا حَاضِرَةً وَغَائِبَةً وَدَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ نَقْدًا وَذَلِكَ حَرَامٌ، وَإِنْ صَالَحَهَا الْوَلَدُ عَلَى دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ مِنْ غَيْرِ التَّرِكَةِ، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، لَمْ يَجُزْ.
فَأَمَّا عَلَى عُرُوضٍ مِنْ مَالِهِ نَقْدًا فَجَائِزٌ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ وَحُضُورِ أَصْنَافِهَا وَحُضُورِ مَنْ عَلَيْهِ الْعَرَضُ وَإِقْرَارُهُ، يُرِيدُ وَالْعَرَضُ الَّذِي أَعْطَاهَا مُخَالِفٌ لِلْعَرَضِ الَّذِي عَلَى الْغُرَمَاءِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَقِفَا عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يَجُزْ.
اُنْظُرْ قَوْلَهُ " بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمَا بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ " فَإِنْ جَهِلَاهَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَبَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فَرْقٌ.
اُنْظُرْ رَسْمَ الْكَبْشِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ الدَّعَاوَى وَالصُّلْحِ (أَوْ كَثُرَتْ إنْ قَلَّتْ الدَّرَاهِمُ) ابْنُ عَرَفَةَ: صُلْحُ الْوَارِثِ بِقَدْرِ حَظِّهِ فِي صِنْفِ مَا أَخَذَهُ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ لِمَا سِوَاهُ وَاهِبٌ وَبِزَائِدٍ عَنْ حَظِّهِ فِيهِ بَائِعٌ حَظَّهُ فِي غَيْرِهِ بِالزَّائِدِ فَيُعْتَبَرُ الْبَيْعُ وَالصَّرْفُ وَتَعَجُّلُ قَبْضِ مَا مَعَهُ وَشَرْطُ بَيْعِ الدَّيْنِ بِحُضُورِ الْمَدِينِ وَإِقْرَارِهِ.
وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: أَنْ تُرَدَّ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ وَعُرُوضًا وَذَلِكَ كُلُّهُ حَاضِرٌ لَا دَيْنَ فِيهِ وَلَا شَيْءَ غَائِبٌ فَصَالَحَهَا الْوَلَدُ عَلَى دَنَانِيرَ مِنْ التَّرِكَةِ، يُرِيدُ أَكْثَرَ مِنْ حَظِّهَا مِنْ الدَّنَانِيرِ فَذَلِكَ جَائِزٌ إنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ يَسِيرَةً.
اللَّخْمِيِّ: يَعْنِي إنْ كَانَتْ الدَّنَانِيرُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ ثَمَانِينَ فَأَعْطَى الْوَلَدَ وَالزَّوْجَةَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ مِنْ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ فَأَقَلَّ جَازَ، وَاخْتُلِفَ إذَا أَعْطَوْهَا الْعَشَرَةَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَآهُ رِبًا وَكَأَنَّهَا

بَاعَتْ نَصِيبَهَا مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْعُرُوضِ بِهَذِهِ الْعَشَرَةِ، وَإِنْ أَخَذَتْ مِنْ الدَّنَانِيرِ الَّتِي خَلَّفَهَا الْمَيِّتُ أَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا جَازَ؛ لِأَنَّ صَرْفًا وَبَيْعًا فِي دِينَارٍ وَاحِدٍ جَائِزٌ (لَا مِنْ غَيْرِهَا مُطْلَقًا إلَّا بِعَرَضٍ إنْ عَرَفَ جَمِيعَهَا وَحَضَرَ وَأَقَرَّ الْمَدِينُ وَحَضَرَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَعَنْ إرْثِ زَوْجَةٍ " (وَعَنْ دَرَاهِمَ وَعَرَضٍ تُرِكَا بِذَهَبٍ كَبَيْعٍ وَصَرْفٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ تَرَكَ دَرَاهِمَ وَعُرُوضًا فَصَالَحَهَا الْوَلَدُ عَلَى دَنَانِيرَ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ يَسِيرَةً حَظُّهَا مِنْهَا أَقَلُّ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ جَازَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ، وَإِنْ كَانَ فِي حَظِّهَا مِنْهَا صَرْفُ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ (وَإِنْ كَانَ فِيهَا دَيْنٌ فَكَبَيْعِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ وَإِنْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ عَلَى دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ نَقْدًا مِنْ عِنْدِ الْوَلَدِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَيَوَانًا أَوْ عُرُوضًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ طَعَامًا مِنْ قَرْضٍ لَا مِنْ سَلَمٍ فَصَالَحَهَا الْوَلَدُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ عَجَّلَهَا لَهَا مِنْ عِنْدِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ الْغُرَمَاءُ حُضُورًا مُقِرِّينَ وَوَصَفَ ذَلِكَ كُلَّهُ.

[الصُّلْحُ مِنْ دَمِ عَمْدٍ أَوْ جُرْحِ عَمْدٍ]

(وَعَنْ الْعَمْدِ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: كُلُّ مَا وَقَعَ بِهِ الصُّلْحُ مِنْ دَمِ عَمْدٍ أَوْ جُرْحِ عَمْدٍ مَعَ الْمَجْرُوحِ أَوْ مَعَ أَوْلِيَائِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَذَلِكَ لَازِمٌ، كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ أَضْعَافًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ دَمَ الْعَمْدِ لَا دِيَةَ فِيهِ إلَّا مَا اصْطَلَحَ لَازِمٌ عَلَيْهِ.
وَإِذَا وَجَبَ لِمَرِيضٍ عَلَى رَجُلٍ جِرَاحَةُ عَمْدٍ فَصَالَحَهُ فِي مَرَضِهِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ أَوْ مِنْ أَرْشِ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَازِمٌ إذْ لِلْمَقْتُولِ الْعَفْوُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فِي مَرَضِهِ وَإِنْ لَمْ يَدَعْ مَالًا.

(لَا غَرَرَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ مِنْ

فصول الكتاب · 7 فصل · 674 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التاج والإكليل لمختصر خليل · 674 صفحة
المقدمة
ٍ: زَكَاةُ النَّعَمِ
ِ (فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ)
َ كِتَابِ الْبُيُوعِ.
خِيَارِ التَّرَوِّي
َ: قِسْمَةُ الْمُهَانَاةِ
ضَمَانِ سِرَايَةِ الْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِي عَيْنِهِ أَوْ جِنْسِهِ
جارٍ التحميل